أبي سعيد -رضي الله عنه-، وجاء في حديث جابر -رضي الله عنه- أن المهدي يقول لعيسى ابن مريم إذا نزل: تعال صل بنا. وقد ذكرت هذا الحديث وحديث أبي سعيد -رضي الله عنه- في أول الكتاب فليرجع إليهما.1
ففيهما أبلغ رد على قول ابن محمود: إنه لا مانع من جعل الرجل الذي يملأ الأرض عدلا من جملة المسلمين الذين مضوا وانقضوا.
وأما قوله: على أن وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا يحتمل أن يكون من المحال.
فجوابه: أن يقال: إنما يقول بهذا الاحتمال الباطل من يشك في عموم قدرة الله -تعالى- ونفوذ مشيئته، فأما من علم أن الله على كل شيء قدير، وأنه ما شاء الله كان، لا راد لما أراده، ولا معقب لحكمه، فإنه لا يتوقف في رد هذا الاحتمال الباطل وإنكاره غاية الإنكار، ومن الذي يحول بين الرب -تبارك وتعالى- وبين إخراج رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا.
وقد روى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلا»، وفي رواية لأحمد ومسلم: «حكمًا عادلا»، وفي رواية لأحمد: «إمامًا مهديًا وحكمًا عدلا»، وفي رواية له: «إماما عادلا وحكمًا مقسطًا»، وفي رواية له: «ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام».
وهذه الروايات عند أحمد أسانيدها صحيحة، فهل يقول ابن محمود إن ما ذكر في هذه الروايات يحتمل أن يكون من المحال، أم يفرق بين ما جاء في عيسى ابن مريم وبين ما جاء في المهدي بفرق صحيح مقبول عند أهل العلم؟ ولن يجد إلى الفرق الصحيح سبيلا.
فأما المجازفة والمكابرة والتعسف في رد الأحاديث الثابتة بالاحتمالات الباطلة، فهذا مما يتنزه عنه من له أدنى عقل ودين.
ولا يخفى ما في كلام ابن محمود من التناقض؛ حيث زعم أنه لا مانع من جعل الرجل الذي يملأ الأرض عدلا من جملة المسلمين الذين مضوا وانقضوا، ثم نقض ذلك بقوله: على أن وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا يحتمل أن يكون من المحال.
وهذا التناقض مما حصل لابن محمود بعد توسعه................................................
في العلوم والفنون، وتهجمه على الإمام الشافعي والإمام أحمد، وتطاوله على شيخ الإسلام ابن تيمية.
وأما قوله: فقد خلق الله الدنيا وخلق فيها المسلم والكافر والبر والفاجر؛ لكون الدنيا دار ابتلاء وامتحان، والمصارعة لا تزال قائمة بين الحق والباطل، وبين المسلمين والكفار.
فجوابه: أن يقال: لا يلزم من عموم العدل في زمن المهدي أن ينقرض الكفار والفجار من الأرض، ويزول الابتلاء والامتحان، بل يكون عموم العدل مع وجود الكفار والفجار، ومع وجود الابتلاء والامتحان، كما كان ذلك في زمن الخلفاء الراشدين، فإنهم كانوا غاية في العدل مع وجود الكفار والفجار في زمانهم، وكذلك الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فقد طبق العدل في زمانه كثيرا من الأقطار المتباعدة مع كثرة الكفار والفجار في ذلك الزمان، ومع وجود المصارعة بين الحق والباطل وبين المسلمين والكفار، وهكذا يكون الأمر في زمن المهدي، إذ لا بد له من جهاد الكفار والمنافقين، وقمع الفجار والمعاندين، وبذلك يتسنى له بسط القسط والعدل، وإزالة الجور والظلم.
وقد روي الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم، عن عمران بن حصين -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد أيضًا، ومسلم، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة»، وقد رواه الحارث ابن أبي أسامة مختصرًا، ولفظه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة»، وروي البيهقي في دلائل النبوة، عن عبد الرحمن بن العلاء الحضرمي قال: حدثني من سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنه سيكون في آخر هذه الأمة قوم لهم مثل أجر أولهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقاتلون أهل الفتن»..........................
ورواه أحمد وابن وضاح مختصرًا. وفي هذه الأحاديث دليل على أن المهدي وأصحابه يقاتلون على الحق، وأنهم يكونون ظاهرين على من ناوأهم، وأن عيسى ابن مريم ينزل عليهم وهم يقاتلون الدجال، فيصلي خلف المهدي أول ما ينزل. وقد تقدم في أول الكتاب قول أبي الحسين الآبري: "إنها قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه". انتهى، وقد ذكرت هناك عددًا من أكابر العلماء الذين نقلوا كلام الآبري وأقروه، فليراجع ما تقدم.1
والمقصود هنا بيان أن وجود الكفار والفجار في كل زمان، وكون المصارعة لا تزال قائمة بين الحق والباطل وبين المسلمين والكفار، لا يمنع من إزالة الجور والظلم وامتلاء الأرض بالقسط والعدل في زمان المهدي؛ لأن أهل الباطل يكونون حينذاك ذليلين مقموعين مقهورين، وتكون الغلبة والظهور للحق وأهله.
وأما قوله: وفي صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أنتم في الأمم المكذبة للرسل إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود».
فجوابه: أن يقال: إن ابن محمود قد زاد في الحديث كلمتين من عنده؛ وهما قوله: "المكذبة للرسل"، وقد رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولفظه عند مسلم: «ما المسلمون في الكفار إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود، أو كشعرة سوداء في ثور أبيض»، وفي رواية للبخاري ومسلم: «وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر»، وفي رواية لمسلم: «ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود»، ورواه البخاري ومسلم أيضًا عن أبي سعيد -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار»، وفي رواية لمسلم: «ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض»، ورواه البخاري ولفظه قال: «ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء..........................
في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود». هذه ألفاظ الحديثين عند البخاري ومسلم، وهو إخبار عما يكون يوم القيامة، وليس في شيء من ألفاظ الحديثين ما زاده ابن محمود في قوله: "المكذبة للرسل"، وقد ورد الوعيد الشديد لمن قال على النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقل، وليس هذا موضع ذكر الأحاديث الواردة في ذلك. وأما قوله: وعلى كل حال فإنه ليس في الحديث التصريح باسم المهدي ولا زمانه ولا مكانه ولا الإيمان به، ولا يمتنع كونه من جملة الخلفاء السابقين، الذين استقام بهم الدين، وبسطوا العدل في مشارق الأرض ومغاربها بين المسلمين، وبين من يعيش معهم من المخالفين لهم في الدين. فجوابه: أن يقال: قد جاء في حديث علي -رضي الله عنه- ما يقوم مقام التصريح باسم المهدي، ففيه النص على أنه من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يكون في آخر الزمان، حتى لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعثه الله -عز وجل-، وأنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا، ومن كان بهذه الصفة فهو المهدي المنتظر، سواء وقع التصريح باسمه في هذا الحديث أو لم يقع، وقد جاء التصريح باسمه في عدة أحاديث تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع.1
وأما التصريح بزمان المهدي ومكانه فليس ذلك شرطًا في الإيمان بخروجه، وقد ذكرت في أثناء الكتاب قول ابن محمود: وحاشا أن يفرض رسول الله على أمته الإيمان برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، لا يعلم زمانه ولا مكانه. وذكرت الجواب عن قوله: لا يعلم زمانه ولا مكانه، فليراجع ذلك في موضعه.2
وأما الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان فذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة؛ لأنه قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروجه، فوجب الإيمان بذلك تصديقًا لخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما قوله: ولا يمتنع كونه من جملة الخلفاء السابقين. فجوابه: أن يقال: بل ذلك ممتنع، وقد تقدم بيان ذلك قريبًا فليراجع.3
وأما قوله: وهذا الحديث هو من جملة الأحاديث التي يزعمونها صحيحة وليست بصريحة.
فجوابه: أن يقال: قد تقدم إيراد حديث علي -رضي الله عنه- بأسانيده الصحيحة قريبًا وفي أول الكتاب فلتراجع1، ومن شك في صحة حديث علي -رضي الله عنه- فذلك دليل على بعده عن معرفة الحديث، وأنه لا فرق عنده بين الصحيح منه والضعيف، وقد ذكرت قريبًا أن في حديث علي -رضي الله عنه- ما يقوم مقام التصريح باسم المهدي، وأنه قد جاء التصريح باسمه في عدة أحاديث تقدم ذكرها في أول الكتاب.
وقال ابن محمود في صفحة (43) وصفحة (44): "الحديث الثالث: روى أبو داود في سننه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي مِنِّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا، يمكث في الأرض سبع سنين».
ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن هذا بمعنى الحديث الأول، ما عدا الأوصاف من كونه أجلى الجبهة أقنى الأنف، وهذه الأوصاف موجودة في كثير من الناس وخاصة الأشراف، فلا تفيد بالمهدي علمًا ولا يقينًا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - منزه عن أن يحيل أمته على هذه الأوصاف الموجودة في أكثر بني آدم، ولا يأتي من اتصف بها بكتاب من ربه يصدق قوله، ولا بدين جديد يكمل به دين محمد رسول الله، وليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، وقد صارت دعوى المهدي والاتصاف بالأوصاف المذكورة مركبا للكذابين الدجالين، فكل واحد منهم يحاول أن يكون هو، فيقع الناس في مشكلة لم تحل وفتنة لا تنتهي، يتوارثها جيل بعد جيل حتى تقوم الساعة، وحاشا أن يأتي بها رسول الله لأمته".
والجواب عما يتعلق بالحديث من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن ابن محمود قد حرَّف في لفظ الحديث؛ فأسقط منه كلمتين، وغير كلمة، وزاد كلمتين من عنده، ولفظه عند أبي داود، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي مني أجلي الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا يملك سبع سنين».
الوجه الثاني: أن يقال: قد ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- هذا الحديث في كتابه "المنار المنيف" وقال: "إسناده جيد"، وقد رواه الإمام أحمد بنحو رواية أبي داود وإسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه أيضًا بلفظ آخر وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح على..........
شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، ورواه الإمام أحمد أيضًا بأسانيد بعضها على شرط مسلم، ورواه الترمذي وحسنه، ورواه الحاكم أيضًا من طريقين، قال في أحدهما: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي، وصحح الآخر، ووافقه الذهبي.
وقد تقدم إيراد الروايات عن أبي سعيد -رضي الله عنه- والكلام عليها مبسوطًا في أول الكتاب فليراجع1، ففيه رد على مجازفات ابن محمود في معارضته لهذا الحديث، وزعمه في أول الفصل أنه من الأحاديث التي ليست بصحيحة.
وأما قوله: إن هذا الحديث بمعنى الحديث الأول ما عدا الأوصاف من كونه أجلى الجبهة، أقنى الأنف، وهذه الأوصاف موجودة في كثير من الناس، فلا يفيد بالمهدي علمًا ولا يقينًا.
فجوابه: أن يقال: إنما يعرف المهدي ويشتهر بعمله بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبسطه للقسط والعدل، وإزالته للجور والظلم، وهذه الأوصاف نادرة الوجود، ويضاف إلى ذلك كونه من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن اسمه يواطئ اسم النبي - صلى الله عليه وسلم -، واسم أبيه يواطئ اسم أبي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يشبه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخُلُق بضم الخاء، وقد جاء ذلك في حديثين عن علي وابن مسعود -رضي الله عنهما-؛ فأما حديث علي -رضي الله عنه- فرواه أبو داود، عن أبي إسحاق قال: قال علي -رضي الله عنه- ونظر إلى ابنه الحسن فقال: «إن ابني هذا سيد كما سماه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسيخرج من صلبه رجل يمسى باسم نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، يشبهه في الخُلُق ولا يشبهه في الخلق، ثم ذكر قصة يملأ الأرض عدلا»، وأما حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- فرواه ابن حبان في صحيحه، ولفظه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي وخلقه خلقي، فيملؤها قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وجورًا».
وهذا الحديث الصحيح يؤيد حديث علي -رضي الله عنه- ويقويه، قال شمس الحق في "عون المعبود" في الكلام على حديث علي -رضي الله عنه-: "يشبهه في الخلق؛ بضم الخاء واللام وتسكن، ولا يشبهه في الخلق؛ بفتح الخاء وسكون اللام؛ أي يشبهه في السيرة، ولا يشبهه في الصورة".
انتهى، وهذه الصفة نادرة الوجود.
وأما وصفه بأنه أجلى الجبهة، أقنى الأنف، فذلك زيادة إيضاح في التعريف به.
وأما قوله: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - منزه عن أن يحيل أمته على هذه الأوصاف الموجودة في أكثر بني آدم.
فجوابه: أن يقال: إنما ينزه النبي - صلى الله عليه وسلم - عما يكون فيه عيب له أو لحديثه، وليس في إخباره - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي بأنه أجلى الجبهة أقنى الأنف ما يقتضي العيب له - صلى الله عليه وسلم - أو لحديثه، فتنزيهه عن ذلك لغو لا يقوله عاقل، وينبغي تنزيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لغو المعارضين للأحاديث الثابتة عنه.
ويقال أيضًا: لو أن ابن محمود قال: إن هذه الأوصاف موجودة في كثير من الناس لكان لقوله وجه يحتمل، فأما قوله إن هذه الأوصاف موجودة في أكثر بني آدم فذلك غير مُسلّم، والقنا في الأنف أقل بكثير من الجلاء في الجبهة كما هو معلوم بالمشاهدة، وأما اجتماع الصفتين فذلك نادر في الرجال.
وأما قوله: ولا يأتي من اتصف بها بكتاب من ربه يصدق قوله، ولا بدين جديد يكمل به دين محمد رسول الله، وليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل.
فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في كلام ابن محمود من المجازفة التي تدل على فساد التصور، وهل يدور في عقل من له أدنى عقل وعلم أنه من الممكن أن يأتي أحد بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - بكتاب من الله يصدق قوله؟ وهل يدور في عقل من له أدنى عقل وعلم أنه من الممكن أن دين محمد - صلى الله عليه وسلم - ناقص، وأنه من الممكن أن يأتي أحد بدين جديد يكمل به دين محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ وهل يدور في عقل من له أدنى عقل وعلم أن ملكًا مقربًا ينزل من السماء ويقول إنه المهدي؟ وهل يدور في عقل من له أدنى عقل وعلم أن المهدي المبشر به يجترئ على أن يقول إنه ملك مقرب أو نبي مرسل، أو أنه يأتي بدين جديد، أو بكتاب من الله يصدق قوله، أو يقول إن دين الإسلام ناقص، وإن إكماله يكون على يديه؟! فكل هذه الأقوال الوخيمة لا تدور في العقل السليم، وإنما تدور في أفكار الذين في عقولهم خلل شديد.
وإذا كان نبي الله عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أحد أولي العزم من الرسل إذا نزل في آخر الزمان إنما يحكم بالكتاب والسنة، ولا يأتي بكتاب جديد ولا بدين جديد يكمل به دين محمد - صلى الله عليه وسلم -، فغيره من الناس أولى أن لا يأتي بكتاب جديد ولا بدين جديد بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -. وإذا علم هذا، فلو زعم رجل أنه المهدي، وأنه أتى بكتاب من الله، أو قال إن دين الإسلام ناقص وإنه أتى ليكمله، لحكم كل مؤمن له أدنى علم ومعرفة أنه دجال من الدجالين، إن لم يكن مسلوب العقل.
وهذه الشطحات التي زعم قائلها أنها من التحقيق المعتبر لأحاديث المهدي ومن شرح أحاديثه بما لا مزيد عليه، هي مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون.
وأما قوله: وقد صارت دعوى المهدي والاتصاف بالأوصاف المذكورة مركبًا للكذابين الدجالين، فكل واحد منهم يحاول أن يكون هو، فيقع الناس في مشكلة لم تحل، وفتنة لا تنتهي، يتوارثها جيل بعد جيل حتى تقوم الساعة.
فجوابه: أن يقال: قد ادعى النبوة أناس كثيرون، ولم تكن دعواهم قادحة في نبوة الأنبياء ولا مؤثرة فيها بشيء، فكذلك دعوى المدعين للمهدية كذبًا وزورا، لا تقدح في الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، ولا تؤثر فيها بشيء، وكلما ادعى النبوة أو المهدية أحد من الكذابين فضحه الله وأخزاه، وحل مشكلته وأزال فتنته، ولم تدم مشاكل المدعين للنبوة ولا مشاكل المدعين للمهدية وفتنهم، ولا توارثتها الأجيال، وإنما تقع في الحين بعد الأحيان الكثيرة ثم تنقطع، وقد يكون لبعضهم اتباع من الهمج الرعاع؛ كالقاديانية، والبابية، وأشباههم ممن هم أضل سبيلا من الأنعام، وهؤلاء خارجون من الإسلام وإن ادعوا أنهم من أهله.
وأما قوله: حتى تقوم الساعة.
فجوابه: أن يقال: هذا من الرجم بالغيب، ولا يعلم ماذا يكون في المستقبل إلا الله -تعالى-.
وأما قوله: وحاشا أن يأتي بها رسول الله لأمته.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مبلغ عن الله -تعالى- كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة أنه أخبر أمته بخروج المهدي في آخر الزمان، كما أخبرهم بغير ذلك مما كان فيما مضى وما سيكون في المستقبل من أشراط الساعة وغيرها، وما يكون بعد قيام الساعة، وكل ما ثبت عنه فإنه يجب الإيمان به؛ لقوله في الحديث الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
فأما مقابلة أخباره الثابتة عنه..............................................
بالتلبيس والتشكيك والأساليب المنحرفة، فذلك من أفعال أهل الأهواء والعقائد الفاسدة. الوجه الثاني: أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخبر أمته بما يتحاشى عنه من الأمور التي لا فائدة في ذكرها، وإنما أخبرهم بخروج رجل من أهل بيه يعمل بالسنة، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا، ويزيل الجور والظلم، ويكون خروجه في آخر الزمان نعمة على هذه الأمة، وهذا مما لا يتحاشى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإخبار به؛ لما في ذلك من البشارة للمؤمنين. وقال ابن محمود في صفحة (44): "الحديث الرابع: روى أبو داود في سننه، عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «المهدي من عترتي ومن فاطمة». ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وأم سلمة، وأبا سعيد الخدري، وابن مسعود، وسائر الصحابة كلهم -إن شاء الله- منزهون عن الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما حدث وضع هذه الأحاديث وصياغتها من الغلاة الزنادقة، وقد تعقب صاحب تهذيب السنن على حديث أم سلمة هذا وأعله بالبطلان، قال أبو جعفر العقيلي: "إن هذا الحديث يروى عن أبي نفيل العقيلي، وإنه من قول نفيل، ولا يتابع عليه، ولا نعرفه إلا منه"، وذكر البخاري أن في سنده زياد بن بيان وقد وهم في رفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا الحديث مما قلنا إنه صريح في ذكر المهدي لكنه ليس بصحيح، لا في سنده ولا متنه، ولم يحفظ عن رسول الله اسم العترة، وهم أقارب الشخص، ولا اسم المهدي". والجواب أن يقال: إن ابن محمود قد غير في لفظ الحديث؛ حيث قال: «ومن فاطمة»، وصوابه «من ولد فاطمة». وأما قوله: وإنما حدث وضع هذه الأحاديث وصياغتها من الغلاة الزنادقة. فجوابه: أن يقال: أما الأحاديث الثابتة في المهدي عن علي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأم سلمة، وجابر -رضي الله عنهم- فهذه لا سبيل للغلاة الزنادقة إليها؛ لأن رواتها كلهم ثقات من لدن الصحابة -رضي الله عنهم- إلى الأئمة المخرجين لها في كتبهم، وقد ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع.1
ففيها أبلغ رد على مزاعم ابن محمود ومجازفاته التي قالها من غير تثبت، وإني أتحدى ابن محمود أن يبرر...........
زعمه الذي هو بعيد كل البعد عن الصحة؛ وذلك بأن يخرج لنا من أسانيد هذه الأحاديث الثابتة رجلا من الغلاة الزنادقة، ولن يجد إلى ذلك سبيلا.
وأما الأحاديث التي في أسانيدها مقال، فمنها ما تؤيده الأحاديث الصحيحة وتشهد له.
وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- جملة منها في كتابه "المنار المنيف"، ومثل هذه الأحاديث يقتصر فيها على القول بأنها ضعيفة، ولا يقال إنها موضوعة، وإنما يقطع بالوضع فيما يكون في إسناده وضَّاع معروف بالوضع.
الوجه الثاني: أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم».
رواه البخاري ومسلم، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- وهذا لفظ مسلم، ورواه البيهقي في سننه وزاد: «ولكن البينة على المدعي»، قال النووي: "إسناده حسن أو صحيح".
وإني أطالب ابن محمود بإقامة البينة على ما ادَّعاه من وضع الأحاديث الثابتة في المهدي؛ وذلك بأن ينقل نقلاً ثابتًا عن المصنفين في الموضوعات أنهم ذكروا منها أحاديث علي، وابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأم سلمة، وجابر -رضي الله عنهم- في المهدي، وهي التي تقدم ذكرها في أول الكتاب، وأن يذكر الكتاب الذي ذكر فيه ذلك، والصفحات التي ذكر فيها ذلك، ولن يجد إلى ذلك سبيلا البتة، وكذلك لا يجد سبيلا إلى الحكم بالوضع على كثير من الأحاديث الضعيفة التي رواها أبو داود وابن ماجة وغيرهما في المهدي؛ لأنه ليس في شيء من أسانيدها وضاع ولا كذاب ولا من أجمع العلماء على تركه، وإنما الأمر فيها كما تقدم في الوجه الأول أنه يقتصر على القول بأنها ضعيفة، ولا يتجاوز ذلك إلى الحكم عليها بالوضع.
الوجه الثالث: أن يقال: إن ابن محمود قد سلك مسلك بعض الذين لا يبالون برد الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لنظرياتهم وأفكارهم الخاطئة، ويتسرعون بالحكم عليها بالوضع بدون مسند صحيح يعتمدون عليه، وإنما يعمدون على المجازفات والتخرصات والتوهمات التي هي من وحي الشيطان وتضليله، وقد قلَّدهم ابن محمود في زعمهم أن جميع الأحاديث الواردة في المهدي من وضع الغلاة الزنادقة وصياغتهم، وقد ذكر عنه في أول الكتاب أنه قال إن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة القدماء، وإن أصل من تبني هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، وإن عبد الله بن سبأ أخذ هو وشيعته يعملون عملهم في......
صياغة الأحاديث ووضعها على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذكرت أيضًا أنه أخذ هذا التلفيق من كلام رشيد رضا، وأحمد أمين، وسعد محمد حسن، فليراجع ما تقدم، وليراجع الجواب عنه، ففيه كفاية في الرد على ما زعمه ابن محمود ههنا.1
وأما قوله: وقد تعقب صاحب "تهذيب السنن" على حديث أم سلمة هذا وأعله بالبطلان، قال أبو جعفر العقيلي: "إن هذا الحديث يُروى عن أبي نفيل العقيلي، وإنه من قول نفيل ولا يتابع عليه ولا نعرفه إلا منه"، وذكر البخاري أن في سنده زياد بن بيان، وقد وهم في رفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فجوابه: أن يقال: هكذا يكون التحقيق الذي حث ابن محمود على الرجوع إليه، وزعم أنه تحقيق معتبر وأنه لا مزيد عليه.
وأقول لا شك أنه لا مزيد عليه في التخليط والتقول على العلماء، ومن طالع "تهذيب السنن" للمنذري لم يخف عليه ذلك.
وأنا أذكر كلام المنذري بالنص ثم أبين ما وقع في كلام ابن محمود من التخليط والتقول على المنذري وغيره، قال المنذري في "تهذيب السنن": ((وفي حديث أبي داود قال عبد الله بن جعفر - وهو الرقي-: "وسمعت أبا المليح - يعني الحسن بن عمر الرقي - يثني على علي بن نفيل ويذكر منه صلاحًا"، وقال أبو حاتم الرازي: "علي بن نفيل جد النفيلي لا بأس به"، وقال أبو جعفر العقيلي: "علي بن نفيل، حراني، هو جد النفيلي، عن سعيد بن المسيب في المهدي لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به" وساق هذا الحديث، وقال في المهدي: "أحاديث جياد من غير هذا الوجه بخلاف هذا اللفظ، بلفظ "رجل من أهل بيته" على الجملة مجملا" هذا آخر كلامه، وفي إسناد هذا الحديث أيضًا زياد بن بيان، قال الحافظ أبو أحمد بن عدي: "زياد بن بيان سمع علي بن نفيل جد النفيلي، وفي إسناده نظر، سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري" وساق الحديث، وقال: "والبخاري إنما أنكر من حديث زياد بن بيان هذا الحديث وهو معروف به" هذا آخر كلامه، وقال غيره: "وهو كلام معروف من كلام سعيد بن المسيب، والظاهر أن زياد بن بيان وهم في رفعه")) انتهى كلام المنذري.
وقد زعم ابن محمود أن صاحب "تهذيب السنن" تعقب على حديث أم سلمة وأعله بالبطلان.
وأقول: إن هذا من التقول على المنذري، فإنه لم يقل إن الحديث باطل ولا أشار......
إلى ذلك، ألا يتقي الله ابن محمود فيما ينقل عن العلماء؟! وزعم ابن محمود أيضًا أن أبا جعفر العقيلي قال: إن هذا الحديث يروى عن أبي نفيل العقيلي، وإنه من قول نفيل ولا يتابع عليه ولا نعرفه إلا منه.
وأقول: إن هذا من التخليط والتقول على العقيلي، ومن قابل بين كلام العقيلي وبين كلام ابن محمود لم يخف عليه ذلك، ومن تخليطه أيضًا قوله: عن أبي نفيل العقيلي، وصوابه: عن ابن نفيل جد النفيلي.
وزعم ابن محمود أيضًا أن البخاري ذكر أن في سنده زياد بن بيان وقد وهم في رفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأقول: إن الذي قال إن في إسناد الحديث زياد بن بيان هو المنذري، والذي قال والظاهر أن زياد بن بيان وهم في رفعه هو ابن الجوزي، قال ذلك في "العلل المتناهية"، ونقل المنذري كلامه وأشار إليه بقوله: وقال غيره.
ولم يُسمِّه، وأما البخاري فقال في "التاريخ الكبير" في ترجمة زياد بن بيان: "قال عبد الغفار بن داود: حدثنا أبو المليح الرقي، سمع زياد بن بيان- وذكر من فضله-، سمع علي بن نفيل جد النفيلي، سمع سعيد بن المسيب، عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي حق، وهو من ولد فاطمة» قال أبو عبد الله - أي البخاري-:في إسناده نظر".
هذا كلام البخاري لا ما جاء به ابن محمود من كيسه.
وأما قوله: فهذا الحديث مما قلنا إنه صريح في ذكر المهدي، لكنه ليس بصحيح لا في سنده ولا متنه.
فجوابه: أن يقال: إن أبا داود قد سكت على هذا الحديث، وقد قال في رسالته إلى أهل مكة: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض"، وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة، وقال العزيزي في "السراج المنير، شرح الجامع الصغير": "إسناده حسن"، وفي هذا رد لما زعمه ابن محمود من أن الحديث ليس بصحيح في سنده ولا متنه.
وأما قوله: ولم يحفظ عن رسول الله اسم العترة؛ وهم أقارب الشخص، ولا اسم المهدي.
فجوابه: أن يقال: بل الاسمان محفوظان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فأما اسم العترة فقد جاء التصريح به في روايتين عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، روى إحداهما....................
الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها: «ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي»، ورواه ابن حبان في صحيحه بنحوه. وأما الرواية الأخرى فرواها الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها: «فيخرج رجل من عترتي»، ورواه لحاكم في مستدركه وقال: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي. وقد ذكرت هاتين الروايتين في أول الكتاب.1
وأما اسم المهدي فقد جاء التصريح به في عدة روايات عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وفي أربعة أحاديث عن علي، وأبي هريرة، وجابر -رضي الله عنهم-، وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع2، ففيها أبلغ رد على ابن محمود.
وقال ابن محمود في صفحة (45) وصفحة (46) وصفحة (47): "الحديث الخامس: روى أبو داود عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدنية هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام فتخسف بهم البيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثًا فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، أو قال: بيعة كلب، فيقسم المال، ويعمل في الناس بسنة نبيه، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون».
ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن هذا الحديث ليس بصحيح ولا بصريح، وليس للمهدي فيه سوى ذكر رجل خرج هاربًا من المدينة إلى مكة، ويبعد كل البعد أن يصدر هذا الخبر عن أم سلمة؛ فإنها ليست معروفة برواية الحديث كهذا، وبطلانه يظهر من دراسته، ولقد صرح السيوطي في كتاب "اللآلئ المصنوعة" بأنه موضوع؛ والموضوع هو المكذوب على الرسول، وكم من خليفة قد مات فوقع من بعده اختلاف، ولما قتل ابن الزبير ألزم الحجاج الناس بأن يبايعوا لعبد الملك بن مروان بين الركن والمقام، أفيقال إنه هو؟ وليس من شأن الرسول ولا من شأن عالم الغيب أن يخبر أمته بكل حادثة تحدث من بعد موته إلى يوم القيامة، وقد رأيت...................................................................
لشيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا ينكر فيه حديث أبدال الشام ورايات العراق، ويقول إنه لا صحة له... إلى أن قال: فكم من رجل من قريش تولى الحكم على الناس، وألقى الإسلام بجرانه في زمانه، وأجمعت عليهم كلمته، واستفادوا في زمانه بالإيمان والأمان وزيادة الاطمئنان، ثم نشر العدل في جميع الأوطان، ومكث في ولايته سنين طويلة دون أن يسمى المهدي، أما هذا الرجل الذي لا يمكث في ولايته على الناس إلا سبع سنين فإنه فيء زائل، وكيف يملأ الأرض عدلا في سبع سنين وقد ملئت جورًا وكفرًا؟! فهل يغزو الناس بالأحلام في المنامات، أو يغزو الناس بالملائكة أو بالجن؟! وهل هذا الرجل أفضل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي جادل وجاهد وصبر على اللأواء والضنك والشدة، وأوذي في الله وشج رأسه وكسرت رباعيته، ومشي على طريق السنن المعتادة واستقام على ذلك ثلاثًا وعشرين سنة، ولم يتمكن من ملء الأرض عدلا إلا في الجزيرة العربية التي هي بمثابة النقطة بالنسبة إلى سعة الدنيا؟ ومتى صدقنا بهذا الحديث فإننا نكون ممن يفضل هذا الرجل على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، مع العلم أنه لم يذكر اسم المهدي فيه فسقط الاستدلال به؛ إذ الرجل مبهم، وتعيين شخص معين هو حكم بغير علم؛ إذ هذا يعود إلى علم الغيب".
والجواب: أن يقال: إن ابن محمود قد غير في الحديث وزاد فيه كلمة من عنده، فأما التغيير ففي قوله: فخسف بهم البيداء، وصوابه «فيخسف بهم بالبيداء»، وأما الكلمة التي زادها فهي قوله: أو قال بيعة كلب، وهذه الكلمة ليست في الحديث، وقال أيضًا: ويعمل في الناس بسنة نبيه، ولفظه عند أحمد وأبي داود وأبي يعلي وابن حبان: «ويعمل في الناس بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -».
وأما قوله: إن هذا الحديث ليس بصحيح.
فجوابه: أن يقال: هلا ذكر ابن محمود العلة القادحة في سنده، حتى ينظر في كلامه هل هو صحيح أم لا؟! فأما القدح فيه بمجرد الدعوى فذلك مردود عليه.
ويقال أيضًا: إن أبا داود قد سكت عليه، وقد قال في رسالة إلى أهل مكة: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض"، وسكت عليه المنذري في تهذيبه، ولو كان فيه علة لذكرها، وقد رواه ابن حبان في صحيحه، والطبراني في الأوسط مختصرًا، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح"، وقد أقره الحافظان؛ زين الدين......................
العراقي، وابن حجر العسقلاني على هذا القول، وقال ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": "الحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح"، وفيما ذكرته عن هؤلاء الأئمة أبلغ رد على ابن محمود، وإذا تعارض قول ابن محمود وأقوال الأئمة الذين ذكرنا، فهل يقول عاقل إنه يقبل قول ابن محمود وترد أقوال الأئمة الحفاظ النقاد؟ كلا، لا يقول ذلك عاقل، بل أقوال الحفاظ النقاد هي المقبولة، وما خالفها من توهمات ابن محمود وتخرصاته فهو مردود عليه. وأما قوله: ويبعد كل البعد أن يصدر هذا الخبر عن أم سلمة. فجوابه: أن يقال: بل البعيد كل البعد إنكار هذا الحديث الثابت واستبعاد صدوره عن أم سلمة -رضي الله عنها-، وقد روى الإمام أحمد ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة -رضي الله عنهما- ما يشهد لهذا الحديث، وذلك في قصة الجيش الذي يخسف به بالبيداء، وروى الإمام أحمد أيضًا عن حفصة -رضي الله عنها- نحوه، ورواه مسلم إلا أنه قال: عن أم المؤمنين ولم يقل حفصة، وقد ذكرت هذه الأحاديث وما في معناها في أول الكتاب فلتراجع.1
وأما قوله: إنها ليست معروفة برواية الحديث كهذا.
فجوابه أن يقال: وهل يظن ابن محمود أن كلامه هذا يحط من شأن هذا الحديث أو يؤثر فيه، وهل يظن أنه قد بلغ في معرفة العلل مبلغ شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأمثالهم حتى يقبل تعليله لهذا الحديث.
ويقال أيضًا: قد روى حديث أم سلمة -رضي الله عنها- جماعة من أهل العلم بالحديث والعلل والرجال؛ منهم الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم، والطبراني، ولم يقدح فيه أحد منهم، ولم ينكر أحد منهم روايته عن أم سلمة -رضي الله عنها-، وقد تلقاه أهل العلم بالقبول، وصرَّح بعضهم بتصحيحه كما تقدم ذكره، وفي هذا أبلغ رد على ابن محمود.
وأما قوله: وبطلانه يظهر من دراسته.
فجوابه: أن يقال: هذه مجازفة مردودة بتصحيح من صححه من العلماء الذين تقدم ذكرهم، ولو كان الحديث باطلا ما سكت عليه أبو داود والمنذري.
وأما قوله: ولقد صرح السيوطي في كتاب "اللآلئ المصنوعة" بأنه موضوع، والموضوع هو المكذوب على الرسول.
فجوابه: أن يقال: هذا من التقول على السيوطي، فإنه لم يقل في هذا الحديث إنه موضوع، وإنما ذكره مع الأحاديث الواردة في الأبدال ولم يتكلم فيه بشيء، وذلك أنه أورد الأحاديث التي ذكرها ابن الجوزي وقال: إنها موضوعة، ثم قال بعد إيرادها: "وقد ورد ذكر الأبدال من حديث علي، أخرجه أحمد في مسنده وسنده حسن، ومن حديث عبادة بن الصامت، أخرجه أحمد وسنده حسن، ثم ذكر جملة من الأحاديث الواردة في الأبدال، ولم يتكلم فيها بشيء... إلى أن قال: ومن حديث أم سلمة، أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، وأبو داود في سننه، والحاكم والبيهقي" هذا ما ذكره السيوطي في صفحة (332) من الجزء الثاني من "اللآلئ المصنوعة"، وقد أورده أيضًا في رسالة له في ذكر الأبدال، وهي مذكورة في الجزء الثاني من "الحاوي للفتاوي"، ذكره في صفحة (249) ولم يتعقبه بشيء، وأورده أيضًا في رسالته التي جمعها في أخبار المهدي وسماها "العرف الوردي، في أخبار المهدي" وهي في الجزء الثاني من "الحاوي للفتاوي"، وحديث أم سلمة -رضي الله عنها- مذكور في صفحة (59) منه، ولم يتكلم فيه بشيء.
ومما ذكرنا يعلم ما في كلام ابن محمود من التقول على السيوطي، وقد ذكرت فيما تقدم أنه قد نسب إلى عدد كثير من العلماء أقوالا لا تعرف عنهم، وهذا خلاف الأمانة في النقل، فلا يغتر أحد بنقول ابن محمود، فإنها غير مضبوطة، والله يسامحه ويغفر لنا وله.
وأما قوله: ولما قتل ابن الزبير ألزم الحجاج الناس بأن يبايعوا لعبد الملك بن مروان بين الركن والمقام، أفيقال إنه هو؟ فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن أقول: إني لم أر أحدًا من المؤرخين الموثوق بهم في النقل ذكر أنه بويع لعبد الملك بن مروان بين الركن والمقام، وإنما روى ابن سعد عن الواقدي قال: "حدثني عبد الجبار بن عمارة، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: دخل الحجاج مكة فبايع من بها من قريش لعبد الملك بن مروان، ورواه ابن جرير في تاريخه من طريق ابن سعد، وذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" نحو ذلك.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الرجل الذي يبايع له بين الركن والمقام لا يأتي من الشام، وإنما يخرج من المدينة هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، وليس عبد الملك بن مروان من أهل المدينة، وإنما هو من أهل الشام، فلا ينطبق عليه حديث أم سلمة -رضي الله عنها-.
يوضح ذلك الوجه الثالث؛ وهو أن الرجل القرشي الذي جاء ذكره في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- ليس هو من بني أمية، وإنما هو من بني هاشم، وقد جاء ذلك صريحًا في رواية عند الطبراني في الأوسط قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
الوجه الرابع: أن يقال: إن الرجل الذي جاء ذكره في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- هو الذي يباشر البيعة بنفسه، وأما عبد الملك بن مروان فإنما أخذ البيعة له نائبه الحجاج بن يوسف، وكان عبد الملك يومئذ في الشام.
وأما قوله: وليس من شأن الرسول ولا من شأن عالم الغيب أن يخبر أمته بكل حادثة تحدث من بعد موته إلى يوم القيامة.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: لا يخفى ما في كلام ابن محمود من الخليط، ولا أدري ماذا أراد بقوله: ولا من شأن عالم الغيب... إلى آخر كلامه، فإن كان أراد به الله -تعالى-، قيل له: إن الله حي لا يموت وليست له أمة، وإنما الأمم للرسل، والله رب الجميع.
وإن كان أراد به الرسول - صلى الله عليه وسلم - قيل له: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يوصف بأنه عالم الغيب؛ لأن هذه الصفة من خصائص الرب -تبارك وتعالى- قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقال -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية، وقال -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا.
والحاصل أن كلام ابن محمود باطل على الاحتمالين، وهو من مجازفاته التي قالها ارتجالا من غير تثبت ولا تعقل.
الوجه الثاني: أن يقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر أمته بما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، وبما يكون بعد ذلك، حتى يدخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، وما يكون بعد ذلك أيضًا، وذلك مما أظهره الله عليه من أمور الغيب، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة ذكرتها في أول كتابي "إتحاف الجماعة بما جاء في.......................................
الفتن والملاحم وأشراط الساعة"، منها حديث حذيفة -رضي الله عنه- قال: "لقد خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة ما ترك فيها شيئًا إلى قيام الساعة إلا ذكره، عَلِمَه مَن علمه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه" رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود.
ومنها ما رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به، ووصله الطبراني وأبو نعيم عن عمر -رضي الله عنه- قال:" قام فينا النبي - صلى الله عليه وسلم - مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حَفِظَ ذلك مَن حَفِظَه، ونَسِيَه مَن نَسِيَه".
ومن أراد الوقوف على بقية الأحاديث في هذا المعنى فليطالعها في أول "إتحاف الجماعة"، ففيها أبلغ رد على قول ابن محمود إنه ليس من شأن الرسول أن يخبر أمته بكل حادثة تحدث من بعد موته إلى يوم القيامة.
وأما قوله: وقد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا ينكر فيه حديث أبدال الشام ورايات العراق، ويقول إنه لا صحة له.
فجوابه: أن أقول: إني لم أر لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كلامًا في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- الوارد في المهدي، وإنما رأيت له جوابًا في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى من صفحة (433) إلى صفحة (444)، وقد سئل عن الحديث المروي في الأبدال، هل هو صحيح أم مقطوع...؟ إلى آخر السؤال، وفيه السؤال عن قولهم: هذا غوث الأغواث، وهذا قطب الأقطاب، وهذا قطب العالم، وهذا القطب الكبير، وهذا خاتم الأولياء، فأجاب: أما الأسماء الدائرة على ألسِنة كثير من النساك والعامة؛ مثل الغوث الذي بمكة، والأوتاد الأربعة، والأقطاب السبعة، والأبدال الأربعين، والنجباء الثلاثمائة، فهذه أسماء ليست موجودة في كتاب الله، ولا هي أيضًا مأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد صحيح ولا ضعيف يحمل عليه ألفاظ الأبدال، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن فيهم- يعني أهل الشام- الأبدال الأربعين رجلا، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا».
هذا جواب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عما يتعلق بالأبدال، ولم يتعرض فيه لحديث أم سلمة -رضي الله عنها- فإن كان ابن محمود قد وجد لشيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- فليذكر الكتاب الذي هو فيه، وليذكر الصفحة التي فيها كلامه، حتى يخرج من عهدة النقل، وإن لم.......................
يفعل فلا بُد أن يتصف بالأمر الثاني؛ وهو التقول على شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا هو الأحرى.
وقد قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف": "ومن ذلك أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد، كلها باطلة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "، ذكر هذا في صفحة (136) من النسخة التي حققها عبد الفتاح أبو غدة، ثم ذكر حديث أم سلمة -رضي الله عنها- مع الأحاديث الواردة في المهدي، ذكره في صفحة (145) وقال: "والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح"، وقد ذكرت في أول الكتاب1أنه رواه ابن حبان في صحيحه، والطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح"، وقد أقره الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني على هذا القول.
وفي هذا رد على من طعن في الحديث وادعى أنه غير صحيح.
وأما قوله: فكم من رجل من قريش تولى الحكم على الناس، وألقى الإسلام بجرانه في زمانه، واجتمعت عليهم كلمته، واستفادوا في زمانه بالإيمان والأمان وزيادة الاطمئنان، ثم نشر العدل في جميع الأوطان ومكث في ولايته سنين طويلة دون أن يسمى المهدي.
فجوابه: أن يقال: إن هذه الصفات التي ذكرها ابن محمود لم توجد في أحد بعد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- إلا في عمر بن عبد العزيز مع قصر مدته في الولاية، وقد أجمع العلماء على أنه أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، ومع هذا فقد رُوي عن طاووس أنه قال: "هو مهدي وليس به - أي ليس بالمهدي المبشر به- إنه لم يستكمل العدل كله" ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية"، وقد رواه ابن أبي شيبة ونعيم بن حماد بإسناد حسن، عن إبراهيم بن ميسرة قال: "قلت لطاووس: عمر بن عبد العزيز المهدي، قال: كان مهديًا، وليس بذاك المهدي".
وأما قوله: واجتمعت عليهم كلمته.
فجوابه: أن يقال: قد وقع في هذا التعبير انقلاب مع ما فيه من الخطأ الظاهر، فأما الانقلاب ففي قوله: واجتمعت عليهم كلمته، وصوابه أن يقال: واجتمعت عليه كلمتهم، وأما الخطأ الظاهر فلأن الذين اجتمعت عليهم الكلمة منذ زمان يزيد بن معاوية إلى أن اضطرب أمر بني أمية لم يكن فيهم خليفة عادل سوى عمر بن عبد......................
العزيز -رحمه الله تعالى-، وقد تفرقت كلمة المسلمين في آخر زمان بني أمية، وخرج الأندلس عن ولاية بني العباس، ولم تجمع الأمة الإسلامية على إمام واحد منذ قامت الدعوة لبني العباس إلى يومنا هذا، ولا نعلم أحدًا نشر العدل في جميع الأوطان الإسلامية بعد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- سوى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-، وبالجملة فكلام ابن محمود كله مجازفة ولا حاصل تحته.
وأما قوله: أما هذا الرجل الذي لا يمكث في ولايته على الناس إلا سبع سنين فإنه فيء زائل، وكيف يملأ الأرض عدلا في سبع سنين وقد ملئت جورًا وكفرًا؟! فجوابه: أن يقال: إن الله تعالى إذا أراد شيئًا هيأ أسبابه ويسر الوصول إليه، وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قد ملأ الأرض قسطًا وعدلا في عشر سنين، وقد كانت قبل ذلك مملوءة ظلمًا وجورًا، وهذا عمر بن عبد العزيز قد ملأ الأرض قسطًا وعدلا في سنتين وخمسة أشهر، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا في سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، وما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو واقع لا محالة، ولا يستنكر وقوعه إلا من يشك في عموم قدرة الرب -تبارك وتعالى- ونفوذ مشيئته، أو يشك في صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به عما كان فيما مضى وما سيكون في المستقبل.
وأما قوله: فهل يغزو الناس بالأحلام في المنامات، أو يغزو الناس بالملائكة أو بالجن؟! فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام الوخيم من السخرية والاستهزاء بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي أنه يملك سبع سنين فيملأ الأرض قسطًا وعدلا، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فكل ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر به فالواجب تصديقه، وأن لا يجد المسلم في نفسه حرجًا مما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأن لا يعارض أخباره بكيف ولِم وهل، فإن هذا عنوان على فساد العقيدة، وقد تقدم عن ابن محمود أنه قال نحو هذا الكلام السيئ في صفحة (32) من رسالته، وتقدم الجواب عنه بأبسط مما هنا، فليراجع في أثناء الكتاب.1
وأما قوله: وهل هذا الرجل أفضل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي جادل وجاهد... إلى قوله: واستقام على ذلك ثلاثًا وعشرين سنة، ولم يتمكن من ملء الأرض عدلا إلا في الجزيرة العربية، التي هي بمثابة النقطة بالنسبة إلى سعة الدنيا. فجوابه: أن يقال: قد تقدم نحو هذا الكلام في أثناء الكتاب، وتقدم الرد عليه فليراجع.1
وأما قوله: ومتى صدقنا بهذا الحديث، فإننا نكون ممن يفضل هذا الرجل على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -. فجوابه: أن يقال: ليس في التصديق بما جاء في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- محذور البتة، ولا يلزم من التصديق به أن يكون المُصَدِّق قد فَضَّل المهدي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هذا من أوهام ابن محمود ومجازفاته التي قالها من غير تثبت ولا تعقل.
وأما قوله: مع العلم أنه لم يذكر اسم المهدي فيه فسقط الاستدلال به، إذ الرجل مبهم، وتعيين شخص معين هو تحكم بغير علم، إذ هذا يعود إلى علم الغيب.
فجوابه: أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصرح باسم الشخص تارة وتارة يذكره بصفاته، وتارة يذكره بأفعاله التي يتميز بها عن غيره، وقد جاءت الأحاديث في المهدي على نحو ما ذكرنا؛ فقد جاء التصريح باسمه في عدة أحاديث تقدم ذكرها في أول الكتاب2، وجاء في بعضها أنه من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأنه يعيش سبع سنين وفي بعض الروايات سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، وهذا يوافق ما جاء في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- أن الرجل من قريش ومن بني هاشم، وأنه يعمل في الناس بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وأن الإسلام يلقي بجرانه إلى الأرض، وأنه يعيش سبع سنين، وهذه الصفات والعلامات التي جاءت في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- تقوم مقام التصريح باسم المهدي؛ لأن من عمل في الناس بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وألقى الإسلام بجرانه إلى الأرض في زمان ولايته، فهو مهدي بلا شك، سواء جاء التصريح باسمه في الحديث أو لم يجيء، ولهذا أورده غير واحد من أكابر العلماء مع الأحاديث الدالة على خروج المهدي في آخر الزمان؛ ومنهم عبد الرازق في مصنفه، وأبو داود في سننه، وابن حبان في صحيحه، وابن القيم في كتابه "المنار المنيف"، وابن كثير في كتابه "النهاية"،........................
وغيرهم.
وأما قوله: فسقط الاستدلال به.
فجوابه: أن يقال: إن الساقط في الحقيقة قول من رد الحديث الصحيح وأطرحه، وقابل قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسخرية والاستهزاء، ولم يبال بما يترتب على ذلك من الحكم الصارم الذي لا يخفى على طلبة العلم.
وأما قوله: وتعيين شخص معين هو تحكم بغير علم، إذ هذا يعود إلى علم الغيب.
فجوابه: أن يقال: قد جاء في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- من ذكر صفات المهدي وأفعاله ما يقوم مقام التصريح باسمه، ومن كان سالمًا من اتِّباع الهوى والتقليد للعصريين الذين يعتمدون على تفكيراتهم ونظرياتهم لم يخف عليه ذلك.
ويقال أيضًا: إن الخليق بوصف التحكم بغير علم والرجم بالغيب من يبالغ في إنكار المهدي، ويقول في صفحة (37): إنه من المحال أن يكون على صفة ما ذكروا، ويقول أيضًا في صفحة (42): على أن وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا يحتمل أن يكون من المحال، ويقول أيضًا في صفحة (3): ولن يزالوا يقاتلون كل من يدعي ذلك- أي من يدعي أنه المهدي- حتى تقوم الساعة، ويقول أيضًا في صفحة (44): وقد صارت دعوى المهدي والاتصاف بالأوصاف المذكورة مركبًا للكذابين الدجالين، فكل واحد منهم يحاول أن يكون هو، فيقع الناس في مشكلة لم تحل، وفتنة لا تنتهي، يتوارثها جيل بعد جيل حتى تقوم الساعة.
فهذا هو الرجم بالغيب والقول بغير علم، وأما الاستدلال بما جاء في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- من صفات المهدي وأفعاله، ومقارنتها بما جاء عن علي وابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهم- فهذا من رد المجمل إلى المفسر، وليس من التحكم بغير علم كما قد توهم ذلك ابن محمود.
وقال ابن محمود في صفحة (37): "الحديث السادس: روى أبو داود بسنده إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث بن حران، على مقدمته رجل يقال له منصور، يوطِّئ أو يمكن لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجبت على كل مؤمن نصرته، أو قال:............
إجابته».
ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن هذا الحديث هو من جملة ما أورده أبو داود في سننه، وإنه يبعد كل البعد عن المعنى الذي أرادوا، فليس فيه ذكر للمهدي قطعًا لا باللفظ ولا بالمعنى، فليس هو بصحيح ولا بصريح ولا متواتر، وإن أمارات الكذب تلوح عليه جلية؛ إذ لا يوجب الرسول على أمته البيعة لرجل مجهول اسمه الحارث يخرج من وراء النهر، ويوطئ الملك لآل محمد".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن ابن محمود قد صحَّف في هذا الحديث وغيَّر فيه، فقال: «الحارث بن حران»، وصوابه «الحارث حراث» أي زراع، وقال أيضًا: «وجبت على كل مؤمن نصرته»، وصوابه «وجب على كل مؤمن نصره».
الوجه الثاني: أن يقال: هذا الحديث ضعيف الإسناد فلا يعتمد عليه.
الوجه الثالث: أن يقال: لو فرضنا أن الحديث صحيح، فليس الحارث هو المهدي الذي يبايع له كما قد توهم ذلك ابن محمود، وإنما هو من أنصار المهدي كما يدل على ذلك قوله في الحديث: «يوطئ أو يمكن لآل محمد».
وقال ابن محمود في صفحة (48): "والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأهل بيته: «إنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تروني على الحوض» ". والجواب: أن يقال: هذا من الأوهام التي حصلت لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون، وهو خلاف الواقع في الحقيقة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقل هذه المقالة لأهل بيته، وإنما قالها للأنصار، حين قسم غنائم حنين، فأعطى المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئًا، فوجدوا في أنفسهم إذ لم يصبهم ما أصاب الناس من الغنيمة، فخطبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر لهم ما أنعم الله به عليهم من الهداية بسببه والإلفة والغنى، ثم قال في آخر خطبته: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق عن أنس بن مالك وعبد الله بن زيد بن عاصم -رضي الله عنهما-.
وفي الصحيحين وغيرهما عن أسيد بن حضير -رضي الله عنه- أن رجلا من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ فقال: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض».
وفي صحيح البخاري أيضًا عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصار ليكتب لهم بالبحرين، فقالوا: لا والله حتى تكتب لإخواننا من قريش.............
بمثلها، فقال ذلك لهم ما شاء الله كل ذلك يقولون له، قال: «فإنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وقال ابن محمود في صفحة (48) وصفحة (49): "الحديث السابع: روى الإمام أحمد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ياسين العجلي، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية، عن أبيه، عن علي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة». وقد رأيت من ينتقد هذا الحديث قائلا: والعجيب أن يكون المهدي بعيدًا عن التوفيق والفهم والرشد، ثم يهبط عليه الصلاح في ليلة ليكون في صبيحتها داعية هداية منقذ أمة، ورواه ابن ماجة عن عثمان بن أبي شيبة، وقال: ياسين العجلي ضعيف، فهذا من جملة الأحاديث التي فيها التصريح باسم المهدي لكنها ليست بصحيحة كما أشار ابن ماجة إلى تضعيفه، ومن الأمر العجيب في هذا الحديث كون المهدي بعيدًا عن الهداية والتوفيق والرشد، ثم يهبط عليه الصلاح في ليلة فيكون في صبيحتها هاديًا مهديًا، ومنقذ أمة من جورها وفجورها". والجواب: أن يقال: أما حديث علي -رضي الله عنه- فهو حديث حسن، وقد صحَّحه أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد، وقد ذكرت كلام العلماء في ياسين العجلي في أول الكتاب فليراجع.1
وأما قوله: وقد رأيت من ينتقد هذا الحديث..... إلى آخره.
فجوابه: أن يقال: هذا الكلام لأبي عبية في تعليقه على النهاية لابن كثير، وقد ذكرته في صفحة (9) من الجزء الثاني من كتابي "إتحاف الجماعة"، وقلت في الجواب عنه: "من علم أن الله على كل شيء قدير، وأن الخير كله في يديه، وأنه إذا أراد بعبد خيرًا هيَّأه لذلك متى أراد، لم يكن عنده شك ولا ارتياب فيما جاء في هذا الحديث، وأما استبعاد ذلك والتعجب من وقوعه فإنما هو ناشئ عن التردد في كمال قدرة الرب -تبارك وتعالى- ونفوذ مشيئته وإرادته".
وقوله: يصلحه الله في ليلة يحتمل معنيين؛ أحدهما: أن يكون المراد بذلك أن الله يصلحه للخلافة أي يهيؤه لها، والثاني: أن يكون متلبسًا ببعض النقائص، فيصلحه الله ويتوب عليه، وهذا المعنى هو الذي قرره ابن كثير في كتابه "النهاية" مع الكلام على حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في ذكر الرايات السود التي تخرج من خراسان لنصرة المهدي وإقامة سلطانه.
وأما قوله: ورواه ابن ماجة عن عثمان بن أبي شيبة، وقال: ياسين العجلي ضعيف.
فجوابه: أن يقال: هذا من التقول علي ابن ماجة، فإنه لم يتكلم في هذا الحديث بشيء، فضلا عن تضعيف ياسين العجلي.
وأما قوله: فهذا من جملة الأحاديث التي فيها التصريح باسم المهدي، لكنها ليست بصحيحة كما أشار ابن ماجة إلى تضعيفه.
فجوابه: أن أقول: قد ذكرت قريبًا أن هذا الحديث حسن، وأن أحمد محمد شاكر قد صحَّحه.
وأما قوله: كما أشار ابن ماجة إلى تضعيفه.
فجوابه: أن يقال: إن الله -تعالى- يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
وإنا نطالب ابن محمود بذكر الصفحة التي أشار ابن ماجة فيها إلى تضعيف حديث علي -رضي الله عنه-، ولن يجد إلى ذلك سبيلا.
وأما قوله: ومن الأمر العجيب في هذا الحديث..... إلى آخر كلامه.
فجوابه: أن يقال: هذا مما أخذه ابن محمود من كلام أبي عبية في تعليقه على النهاية لابن كثير، مع أن ابن محمود قد ذم المقلدين في صفحة (5) وصفحة (8) من رسالته، وقال في صفحة (8) ما نصه: "والمقلد لا يعد من أهل العلم" فقد حكم على نفسه بأنه لا يعد من أهل العلم، وكلام أبي عبية صريح في السخرية مما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي، ومع هذا فقد قلده ابن محمود واعتمد على كلامه الباطل في رد الحديث الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذا دليل على فساد التصور عند الرجُلين، والحكم فيمن سخر بشيء مما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخفى على طالب العلم.
وقال ابن محمود في صفحة (49): "الحديث الثامن: روى أبو داود عن هارون بن المغيرة، حدثنا ابن أبي قيس، عن شعيب بن خالد، عن أبي إسحاق قال: نظر علي إلي ابنه فقال: «إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق، ثم ذكر قصة يملأ الأرض عدلا» وهذا يعد من كلام علي -رضي الله عنه- وليس بحديث عن رسول الله، فسقط الاحتجاج به، ومن المحتمل أن يكون مكذوبًا على عليٍّ به".
والجواب: أن يقال: هذا الحديث ضعيف فلا يعتمد عليه، وقد أسقط ابن............
محمود منه اسم الحسن، لأنه قد جاء فيه عن أبي إسحاق قال: قال عليٌّ -رضي الله عنه- ونظر إلى ابنه الحسن فقال فذكره، وأسقط ابن محمود أيضًا منه اسم عمرو بن أبي قيس.
وأما قوله: وهذا يعد من كلام علي -رضي الله عنه- وليس بحديث عن رسول الله، فسقط الاحتجاج به.
فجوابه: أن يقال: لو كان هذا الحديث صحيح الإسناد لما سقط الاحتجاج به من أجل أنه موقوف على عليٍّ -رضي الله عنه-؛ لأن الأخبار عن المغيبات لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف، ولكن السبب في ترك الاحتجاج به كونه ضعيف الإسناد.
وأما قوله: ومن المحتمل أن يكون مكذوبًا على عليٍّ به.
فجوابه: أن يقال: إن الطعن في الحديث لا يكون بالاحتمال، وإنما يكون ببيان العلة القادحة في الإسناد، وليس في إسناد حديث علي -رضي الله عنه- أحد ممن يتهم بالكذب حتى يتجه ما أبداه ابن محمود من احتمال أنه مكذوب على عليٍّ -رضي الله عنه-، وإنما العلة فيه ما قاله المنذري في "تهذيب السنن" إنه منقطع؛ لأن أبا إسحاق السبيعي رأى عليًا -رضي الله عنه- رؤية، وقال فيه أبو داود: حُدِّثتُ عن هارون بن المغيرة، وهذه العلة تقتضي ضعف الحديث، ولا يتجاوز ذلك إلى القول بأنه مكذوب.
وقال ابن محمود في صفحة (49) وصفحة (50): "الحديث التاسع: روى أبو داود في سننه، من حديث سفيان الثوري بسنده، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم، حتى يبعث فيه رجلا مِنِّي أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا» ورواه أحمد والترمذي، وقال: "حسن صحيح".
ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن علماء الحديث قد تحاشوا عن كثير من أحاديث أهل البيت؛ كهذه الأحاديث وأمثالها؛ لكون الغلاة قد أكثروا من الأحاديث المكذوبة عليهم، وفي صحيح البخاري عن أبي جحيفة قلت لعلي -رضي الله عنه-:" هل خصَّكم رسول الله بشيء؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه..........
الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر، وفي رواية: والمؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم"، ولم يذكر شيئًا من هذه الأحاديث التي هي من عالم الغيب، ولهذا تحاشى البخاري ومسلم عن إدخال شيء من أحاديث المهدي في صحيحيهما؛ لكون الغالب عليها الضعف والوضع".
والجواب: أن يقال: إن أبا داود قد روي هذا الحديث من طريق عمر بن عبيد، وأبي بكر بن عياش، وسفيان الثوري، وزائدة بن قدامة، وفطر بن خليفة، كلهم عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد اقتصر ابن محمود على ذكر سفيان الثوري وأعرض عن ذكر الباقين، وهذا خطأ ظاهر، ثم إنه أورد رواية زائدة، وما زاده فطر في الحديث زعم أنها رواية سفيان، وهذا خطأ آخر، فأما حديث سفيان فلفظه عند أبي داود: «لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي».
قال أبو داود: "لفظ عمر وأبي بكر بمعنى سفيان".
وقد رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة، وعمر بن عبيد، كلاهما عن عاصم، ورواه أيضًا عن يحيى بن سعيد- وهو القطان- عن سفيان- وهو الثوري- عن عاصم، ورواه الترمذي من طريق الثوري، ومن طريق سفيان بن عيينة، كلاهما عن عاصم، وقال في كل منهما: "حسن صحيح"، قال: "وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، وأم سلمة، وأبي هريرة".
وأما قوله: إن علماء الحديث قد تحاشوا عن كثير من أحاديث أهل البيت؛ كهذه الأحاديث وأمثالها؛ لكون الغلاة قد أكثروا من الأحاديث المكذوبة عليهم.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هلاَّ ذكر ابن محمود علماء الحديث الذين تحاشوا عن كثير من أحاديث أهل البيت، حتى ينظر في كلامه هل هو صحيح أم لا؟ فأما التقول على علماء الحديث بمجرد الدعوى فذلك مردود عليه.
الوجه الثاني: أن يقال: ليس في رواة هذا الحديث الصحيح أحد من أهل البيت ولا من الغلاة في أهل البيت، ورواته كلهم ثقات، فتعرض ابن محمود له خطأ محض.
الوجه الثالث: أن يقال: إن العلماء لم يتحاشوا عن الروايات الصحيحة عن أهل البيت، ففي الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم أحاديث كثيرة جدًا عنهم، كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بالحديث.
وأما قوله بعد إيراده لحديث أبي جحيفة -رضي الله عنه- عن علي -رضي الله عنه- في شأن الصحيفة: إنه لم يذكر شيئًا من هذه الأحاديث التي هي من عالم الغيب. فجوابه: أن يقال: إن كان مراد ابن محمود أنه لم يذكر في صحيفة علي -رضي الله عنه- شيء من أخبار المهدي وغيرها مما سيكون في آخر لزمان، قيل له: إن صحيفة علي -رضي الله عنه- ليست كتابًا كبيرًا مشتملاً على ما يعلق بالأصول، حتى يتجه قوله إنه لم يذكر فيه شيء من هذه الأحاديث التي هي من عالم الغيب، وإنما اشتملت الصحيفة على أحكام قليلة من الأحكام الفروعية مما ليس له علاقة بالأمور الغيبية، فما ذكره ابن محمود ههنا ليس لذكره وجه ولا مناسبة يتعلق بها المفتونون بالطعن في أحاديث المهدي. وأما قوله: ولهذا تحاشى البخاري ومسلم عن إدخال شيء من أحاديث المهدي في صحيحيهما؛ لكون الغالب عليها الضعف والوضع. فجوابه: أن يقال: قد ذكر ابن محمود نحو هذا في صفحة (6) من رسالته، وفي صفحة (26) وصفحة (31) وصفحة (39)، وتقدم الجواب عنه مبسوطًا في أول الكتاب فليراجع.1
وأما قوله: لكون الغالب عليها الضعف والوضع. فجوابه: أن يقال: قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث الجياد الدالة على خروج المهدي في آخر الزمان تسعة أحاديث، ولبعضها عدة طرق من الصحاح والحسان، وكل واحد من هذه الأحاديث يكفي لإثبات خروج المهدي، فكيف وقد تكاثرت وتعددت طرقها؟! وقد ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع.2
وذكر ابن محمود في صفحة (50) وصفحة (51) حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- الذي رواه ابن ماجة، وفيه «ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم»، ثم قال: "إنه ضعيف عندهم لمخالفته لسائر الأحاديث، قال: ولا يَقِلُّ عن ضعف سائر الأحاديث المذكورة في المهدي".
والجواب: أن يقال: لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة ما في آخر كلام ابن محمود من المجازفة والتشكيك في الأحاديث الثابتة في المهدي، وذلك في قوله في..................
حديث أنس -رضي الله عنه- إنه لا يقل عن ضعف سائر الأحاديث لمذكورة في المهدي، فسوَّى بينه وبين الصحاح والحسان من أحاديث المهدي، وجعل حكم الجميع واحدًا وهو الضعف، وهذا خطأ كبير وتسوية بين ما فرق الله بينه، وقد ذكرت في غير موضع أن الأحاديث الواردة في المهدي تنقسم إلى صحيح وحسن وضعيف، وذكرت أيضًا عن ابن القيم أنه قال في أحاديث المهدي: "إنها أربعة أقسام؛ صحاح، وحسان، وغرائب، وموضوعة"، وذكرت أيضًا عن الشوكاني أنه قال: "الأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف والمنجبر"، وذكرت عن صديق بن حسن أنه قال: "أحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف"، وذكرت عن عدد كثير من أكابر العلماء أنهم صححوا بعض الأحاديث الواردة في المهدي وحسنوا بعضها، وذكرت جملة من الصحاح والحسان في أول الكتاب، فليراجع جميع ما ذكرته، ففيه أبلغ رد على من توهم أن أحاديث المهدي كلها ضعيفة.1
وقال ابن محمود في صفحة (51): "وهنا حديث كثيرًا ما يحتج به المتعصبون للمهدي، وهو أن المهدي مع المؤمنين يتحصنون به من الدجال، وأن عيسى -عليه السلام- ينزل من منارة مسجد الشام، فيأتي فيقتل الدجال ويدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فيقول المهدي: تقدم يا روح الله، فيقول: إنما هذه الصلاة أقيمت لك، فيتقدم المهدي ويقتدي به عيسى -عليه السلام- إشعارًا بأنه من جملة الأمة، ثم يصلي عيسى -عليه السلام- في سائر الأيام، قال علي بن محمد القاري في كتابه "الموضوعات الكبير" بأنه حديث موضوع".
والجواب: أن يقال: إن ابن محمود قد نقل ههنا كلام علي القاري من كتابه المسمى "بالأسرار المرفوعة، في الأخبار الموضوعة"، ولم يذكر أنه كلام القاري، وهذا خلاف الأمانة في النقل، ثم إنه أسقط من أول كلام القاري كلمة تخالف رأيه وتهدم مراده، وهي قول القاري بعد أن ذكر فضائل بيت المقدس: "وكذا ثبت أن المهدي مع المؤمنين، يتحصنون به من الدجال.... " إلى آخر كلامه الذي ساقه ابن محمود ولم ينسبه لقائله، ولما انتهى كلام القاري تقوَّل عليه ابن محمود ونقل عنه خلاف ما في أول كلامه، وقد ذكرت كلام القاري في أثناء الكتاب مع الرد على قول ابن محمود في صفحة (9): إن الذهبي وعلي القاري قالا في حديث صلاة................................................................
عيسى خلف المهدي إنه موضوع، وذكرت قبله الأحاديث الواردة في صلاة عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- خلف المهدي، فليراجع ذلك1؛ ليعلم ما في كلام ابن محمود من التضليل وعدم الأمانة من النقل.
وقال ابن محمود في صفحة (51) وصفحة (52): "وإننا متى حاولنا جمع أحاديث المهدي التي يقولون بصحتها وتواترها بالمعنى، وقابلنا بعضها ببعض لِنستخلص منها حديثًا صحيحًا صريحًا في المهدي فإنه يعسر علينا حصوله، وكلها غير صحيحة ولا صريحة ولا متواترة بالمعنى، بل هي متعارضة ومتخالفة، وغالبها حكايات عن أحداث، ومتى حاولت جمعها نتج لك منها عشرون مهديًا، صفة كل واحد غير الآخر، مما يدل بطريق اليقين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتكلم بها؛ منهم مثلا1مهدي يخرج من اثني عشر خليفة الذين يستقيم بهم الدين.
(2) ومهدي استخرجوه من حديث «لو لم يبق من لدنيا إلا يوم لبعث الله رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورًا».
(3) ومهدي منا أجلي الجبهة أقنى الأنف.
(4) ومهدي يقول فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي من عترتي ومن ولد فاطمة».
(5) ومهدي يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة إلى مكة فيبايعونه بين الركن والمقام.
(6) ومهدي يخرج من وراء النهر يقال له الحارث بن حران، وعلى مقدمته رجل يقال له منصور، يمكن لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (7) ومهدي قال فيه رسول الله: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة».
(8) ومهدي قال فيه رسول الله: «إنا أهل البيت أختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون ذلا وتشريدًا من بعدي، حتى يأتي قوم من المشرق معهم رايات سود، فيسألون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، ويعطون ما سألوا، فلا يقبلوها حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطًا كما ملئت جورًا».
(9) ومهدي أخواله كلب.
(10) ومهدي قال فيه رسول الله: «لا مهدي بعدي إلا عيسى ابن مريم».
وهذه الأحاديث هي التي يزعم المتعصبون لصحة خروج المهدي بأنها صحيحة ومتواترة بالمعنى، وهي لا صحيحة ولا صريحة ولا متواترة".
والجواب: أن يقال: قد اعترف ابن محمود بما يدل على عدم معرفته بأحاديث المهدي، وأنه متى جمعها وقابل بعضها ببعض ليستخلص منها حديثًا صحيحًا صريحًا في المهدي فإنه يعسر عليه حصوله، وأقول: إذا كان الأمر قد بلغ بابن محمود...........................
إلى هذه الحالة التي يرثى لصاحبها، فإنه يحرم عليه أن يتهجم على أحاديث المهدي، ويحكم عليها بالوضع، ويصفها بالصفات الذميمة، فقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾.
ومن رزقه الله أدنى علم ومعرفة وكان سالمًا من اتباع الهوى والتقليد للعصريين لم يعسر عليه حصول الأحاديث الصحيحة الصريحة في المهدي ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
ويقال أيضًا: لا يخفى ما في كلام ابن محمود من التلبيس والمغالطة، وبيان ذلك من وجوه؛ أحدها: إنه حكم على أحاديث المهدي كلها بأنها غير صحيحة ولا صريحة ولا متواترة بالمعنى، وأقول: هذا مردود بما ذكرته في أول الكتاب من الأحاديث التي بعضها من الصحاح وبعضها من الحسان، وقد جاء التصريح باسم المهدي في سبع روايات عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وفي حديثين عن علي -رضي الله عنه-، وفي حديثين عن أبي هريرة وجابر -رضي الله عنهما-، فليراجع ما ذكرته في أول الكتاب1، ففيه أبلغ رد على قول ابن محمود إن أحاديث المهدي كلها غير صحيحة ولا صريحة، وليراجع أيضا ما ذكرته في أول الكتاب2عن عدد كثير من أكابر العلماء أنهم صححوا بعض أحاديث المهدي، وما صرح به بعضهم من أنها متواترة، ففي ذلك أبلغ رد على قول ابن محمود إنها غير صحيحة ولا متواترة. الوجه الثاني: إن ابن محمود زعم أن أحاديث المهدي متعارضة ومتخالفة، وأقول: هذا غير صحيح؛ لأنه ليس بين الأحاديث الثابتة في المهدي تعارض ولا تخالف البتة، وإنما التعارض والتخالف في الأفهام القاصرة، وقد تقدم الجواب عن هذا الزعم الباطل مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (6): ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها. فليراجع ذلك في أول الكتاب.3
الوجه الثالث: إن ابن محمود زعم أن غالب أحاديث المهدي حكايات عن أحداث، وأقول: هذا غير صحيح، فإن الأحاديث الثابتة في المهدي كلها تدل على خروجه في آخر الزمان، وأما الأحداث التي وقعت من الذين ادَّعوا المهدية كذبًا وزورًا فلا علاقة لها بأحاديث المهدي، وليس شيء من أحاديث المهدي ينطبق عليها.
الوجه الرابع: إن ابن محمود زعم أنه متى حاول أحد جمع أحاديث المهدي نتج له منها عشرون مهديًا، صفة كل واحد غير الآخر، وأقول: هذه مغالطة مردودة بالأحاديث الثابتة في المهدي؛ لأنها تدور على شخص واحد يخرج في آخر الزمان، حتى لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعثه الله فيه، وهو من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وعترته، وهو أجلى وأقنى، وهو الذي يخرج من المدينة هاربًا إلى مكة، فيبايع له بين الركن والمقام، وهو الذي يعمل بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وهو من الخلفاء الذين يستقيم بهم الدين، وأما الذي جاء فيه أنه يخرج من وراء النهر يقال له الحارث فليس هو المهدي، وإنما هو من أعوان المهدي وأنصاره، وقد سمَّاه ابن محمود الحارث بن حران بالنون وكرر ذلك في ثلاثة مواضع من رسالته، وصوابه "الحارث حراث" بالثاء المثلثة أي زرَّاع، وهذه صفة له وليست اسمًا لأبيه كما توهم ذلك ابن محمود، وقد ذكرت قريبًا أن الحديث الوارد فيه ضعيف الإسناد، وأما الذي أخواله من كلب فليس بمهدي، وإنما هو الذي يبعث الجيش لقتال المهدي فيهزمهم المهدي وأصحابه ويظهرون عليهم، وأما الحديث الذي فيه «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» فهو ضعيف جدًا، وإنما أورده ابن محمود ههنا للمغالطة، وكذلك إيراده للحارث، والذي أخواله من كلب، فكل ذلك للمغالطة، بل كل ما ذكره من تعدد المهديين فكله تلبيس ومغالطة.
الوجه الخامس: أن يقال: إن ابن محمود لم يذكر في أغلوطته واستنتاجه سوى عشرة من الذين زعم أنه يقال إنهم مهديون ولم يستنتج بقية العشرين، ولو وجد إلى ذلك سبيلا لبادر إلى ذكرهم للاستكثار بذلك من المغالطة والتشكيك في أحاديث المهدي، ثم إن العشرة الذين استنتجهم يرجعون في الحقيقة إلى أربعة؛ وهم المهدي الذي تنطبق عليه جميع الأحاديث الثابتة في المهدي، والحارث الذي هو من أعوان المهدي وأنصاره وليس بمهدي، والرجل الذي أخواله من كلب وليس بمهدي، وما جاء في الحديث الضعيف أنه لا مهدي إلا عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام-.
وبهذا يضمحل ما روَّجه ابن محمود من تعدد المهديين، ويعود الأمر إلى الحقيقة الثابتة عند أهل العلم، وهي أن جميع الصفات والعلامات المذكورة في الأحاديث الثابتة تدور على شخص واحد، يخرج في آخر الزمان ويسمى بالمهدي.
وأما قوله: وهذه الأحاديث هي التي يزعم المتعصبون لصحة خروج المهدي بأنها صحيحة ومتواترة بالمعنى، وهي لا صحيحة ولا صريحة ولا متواترة.
فجوابه: أن يقال: إن الأحاديث التي أشار إليها ابن محمود بالأرقام وأنهاها إلى عشرة وهي في الحقيقة تسعة تنقسم إلى صحيح وحسن وضعيف، فأما الصحيح منها فهي ثلاثة أحاديث؛ أولها حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- في ذكر الخلفاء الاثني عشر، وهو في الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، ومع هذا فقد زعم ابن محمود أنه من الأحاديث التي ليست بصحيحة، وهذه المكابرة نموذج من تحقيقه الذي زعم أنه تحقيق معتبر وأنه لا مزيد عليه.
ثانيها حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- الذي أوله: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم» الحديث، وقد رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان بأسانيد صحيحة، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، ومع هذا فقد زعم ابن محمود أنه ليس بصحيح، وهذا أيضًا من مكابراته.
ثالثها حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- الذي أوله: «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي أجلى أقنى» الحديث، وقد رواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة، بعضها على شرط الشيخين وبعضها على شرط مسلم، ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، والرواية التي فيها: «أجلى أقنى» من روايات أحمد، وإسنادها صحيح على شرط مسلم، ومع هذا فقد زعم ابن محمود أنه ليس بصحيح وهذا أيضًا من مكابراته.
وأما الحسن منها فهي ثلاثة أحاديث؛ أولها حديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»، رواه أبو داود، وابن ماجة، والحاكم في مستدركه، وقد أورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة، وقال العزيزي في "السراج المنير، شرح الجامع الصغير": "إسناده حسن".
ثانيها حديث أم سلمة -رضي الله عنها- الذي أوله: «يكون اختلاف عند موت خليفة» الحديث، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبان في صحيحه، والطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح"، وقال ابن القيم في "المنار المنيف": "والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح".
ثالثها حديث علي -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وإسناد كل منهما حسن.
وأما الضعيف منها فهي ثلاثة أحاديث؛ وهي التي ذكرها ابن محمود في رقم (6) ورقم (8) ورقم (10)، فالأول منها حديث علي -رضي الله عنه- الذي أوله: «يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث حراث» الحديث، رواه أبو داود. والثاني حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبل فتية من بني هاشم» الحديث، رواه ابن ماجة. والثالث حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- الذي فيه: «ولا مهدي إلا عيسى بن مريم» رواه ابن ماجة، والحاكم. فهذه الأحاديث الثلاثة لا أعلم أحدًا من العلماء صحَّحها، وكذلك الحديث الذي ذكره ابن محمود في صفحة (50)، وهو ما رواه ابن ماجة والطبراني في الأوسط، عن الحارث بن جزء الزبيدي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج ناس من المشرق فيوطِّئون للمهدي يعني سلطانه» وهذا الحديث لا أعلم أحدًا صححه. وقد زعم ابن محمود في صفحة (51) وفي آخر صفحة (52) أن القائلين بصحة خروج المهدي قد صححوا هذه الأحاديث الضعيفة، وهذا من الخطأ والتقول على علماء السنة؛ فإنهم لم يصححوا شيئًا من الأحاديث الأربعة الضعيفة. ثم إن ابن محمود طعن في الصحاح والحسان من الأحاديث التي ذكرها فيما زعم أنه تحقيق معتبر، وأشار إليها بالأرقام في آخر صفحة (51) وصفحة (52)، وأنهاها إلى عشرة، وجعل الصحاح والحسان والضعاف سواء، وطعن في الجميع، وزعم أنها غير صحيحة ولا صريحة، وأنها متعارضة ومتخالفة، وغالبها حكايات عن أحداث، وهذا من مجازفاته وتلبيسه وتشكيكه في الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "مَن رد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو عل شفا هلكة"، وقد ذكرت أقوال العلماء في التشديد على من رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الكتاب، فلتراجع.1
وقال ابن محمود في صفحة (43): (فصل من كلام ابن القيم في كتابه "المنار المنيف في الصحيح والضعيف") ثم ذكر أربعة من الأحاديث الضعاف التي ذكرها ابن القيم -رحمه الله تعالى-، وأعرض عن الأحاديث التي صححها في صفحة (143) وصفحة (144) وصفحة (145) وصفحة (147) وصفحة (148)؛ فالأول عن ابن مسعود -رضي الله عنه-، والثاني عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، والثالث عن أبي................................
سعيد الخدري -رضي الله عنه-، والرابع عن أم سلمة -رضي الله عنها-، والخامس عن جابر -رضي الله عنه-، وأعرض أيضًا عن قول ابن القيم في صفحة (148) بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في المهدي: "وهذه الأحاديث أربعة أقسام صحاح وحسان وغرائب وموضوعة"، وأعرض أيضًا عما نقله في صفحة (142) عن أبي الحسين الآبري أنه قال: "قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه".
وقد أقر ابن القيم قول الآبري ولم يتعقبه بشيء.
وأعرض ابن محمود أيضًا عما ذكره ابن القيم في صفحة (150) وصفحة (151) عن المهدي، وأنه من ذرية الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، وأنه يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا فيملؤها قسطًا وعدلا، قال: "وأكثر الأحاديث على هذا تدل"، وما ذكره أيضًا من السِّر في كون المهدي من ذرية الحسن -رضي الله عنه-، ثم ما أورده في صفحة (151) وصفحة (152) من حديث أبي سعيد، وأبي أمامة، وابن عباس -رضي الله عنهم- في ذكر المهدي، وقوله بعد إيرادها ما نصه: "وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة فهي مما يقوي بعضها بعضًا ويشد بعضها ببعض، ثم قال: فهذه أقوال أهل السنة"، فكل هذا قد أعرض عنه ابن محمود؛ لكونه يخالف رأيه وما تلقاه عن بعض العصريين من إنكار خروج المهدي وإطراح الأحاديث الثابتة فيه.
ثم إن ابن محمود نقل من كلام ابن القيم في مهدي الرافضة الإمامية وهو محمد بن الحسن العسكري، ومهدي المغاربة وهو محمد بن تومرت، ومهدي الملاحدة الباطنية وهو عبيد الله بن ميمون القداح، ثم قال في صفحة (55): "فهذا كلام ابن القيم قد أنحى فيه بالملام وتوجيه المذام على سائر الفرق التي تدعي بالمهدي، ولم يستثن فرقة من فرقة؛ لكونها دعوى باطلة من أصلها، ويشير إلى أن فكرة المهدي المنتظر قد سبق إلى ادعائها كثيرون، وأنهم كلهم لم يعدلوا في الأرض بل ملئوا الدنيا جورًا وظلمًا وعدوانًا، وسفكوا الدماء واستباحوا المحارم خلاف ما يدعون إليه".
والجواب: أن يقال: إن ابن القيم -رحمه الله تعالى- إنما أنحى بالملام على الرافضة الإمامية، وعلى محمد بن تومرت، وعلى عبيد الله بن ميمون القداح، فأما أهل السنة.......
فإنه ذكر أقوالهم الثلاثة في المهدي في صفحة (148) وما بعدها إلى أول صفحة (152)، ورجح القول الثالث من أقوالهم في صفحة (151)، وذكر أن أكثر الأحاديث تدل عليه، وهذا نَصُّ كلامه، قال: "القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا فيملؤها قسطًا وعدلا، وأكثر الأحاديث على هذا تدل".
انتهى، ثم ذكر السر في كون المهدي من ولد الحسن -رضي الله عنه-، فكلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- صريح في موافقة أهل السنة على القول بخروج المهدي في آخر الزمان، ومن طالع ما ذكره في كتابه "المنار المنيف" من أول صفحة (142) إلى أثناء صفحة (152) من النسخة التي حققها عبد الفتاح أبو غدة، علم يقينًا أن كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- يخالف ما ذهب إليه ابن محمود من إنكار خروج المهدي في آخر الزمان، وعلم يقينًا أن ابن القيم إنما أنحى بالملام وتوجيه المذام على أهل البدع الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا، وعلم يقينًا ما في كلام ابن محمود من التمويه والتلبيس على ضعفة العقول والأفهام، وقد أمر الله -تعالى- بالتقوى والصدق، ونهى عن لبس الحق بالباطل وعن كتمان الحق، فقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وزعم ابن محمود في صفحة (56) أن الجهل أدى إلى وضع خمسين حديثًا في المهدي عند أهل السنة، وأن مثل هذه الأحاديث هي التي أفسدت العقول، وجعلتهم يتبعون الملاحدة والمفسدين من دعاة المهدية.
والجواب: أن يقال: بل الجهل كل الجهل في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي وإطراحها والاستخفاف بشأنها، كما قد فعل ذلك بعض العصريين ومن قلدهم وسار على نهجهم الباطل، وأما الأحاديث الواردة في المهدي فليست كلها موضوعة كما قد زعم ذلك ابن محمود ومن كان على شاكلته، بل فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وقد ذكرت أقوال العلماء فيها في أول الكتاب، فليراجع ذلك1، ففيه أبلغ رد على ابن محمود.
وأما زعمه أن الأحاديث الواردة في المهدي هي التي أفسدت العقول.
فجوابه: أن يقال: بل الذي أفسد العقول عند بعض الناس هو مخالفتهم للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستخفافهم بها، وتمسكهم بأقوال المنحرفين عن.....................
السُنة من العصريين، وهم الذين يعتمدون على النظريات والأفكار الخاطئة، ولا يبالون برد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كانت مخالفة لنظرياتهم وأفكارهم.
وأما قوله: وجعلهم يتبعون الملاحدة والمفسدين من دعاة المهدية.
فجوابه: أن يقال: لا عبرة بالجهال الذين يتبعون الملاحدة والمفسدين في الأرض فإنهم اتباع كل ناعق، وقد اتبع فئام من الناس كثيرًا من الدجالين المتنبئين، وكما أن ذلك لا يقدح في نبوة الأنبياء، فكذلك اتِّباع الجهال للملاحدة والمفسدين الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا، فإنه لا يقدح في الأحاديث الثابتة في المهدي الذي يخرج في آخر الزمان.
وقال ابن محمود في صفحة (56) وصفحة (57): "وإنه على فرض صحة هذه الأحاديث أو بعضها أو تواترها بالمعنى حسب ما يدعون، فإنها لا تعلق لها بالعقيدة الدينية، ولم يدخلها علماء السنة في عقائدهم؛ كشيخ الإسلام بن تيمية في رسائله الواسطية، والأصفهانية، والسبعينية، والتسعينية، ولم تُذكر في عقيدة الطحاوية وشرحها، ولا عقيدة ابن قدامة، ولا في الإبانة في أصول الديانة للأشعري، فعدم إدخالها في عقائدهم مما يدل على أنهم لم يعتبروها من عقائد الإسلام والمسلمين، ثم إن غالب الأحاديث التي زعموها صحيحة ومتواترة بالمعنى ما هي إلا حكاية عن أحداث تقع مع أشخاص؛ كرجل هرب من المدينة إلى مكة فيبايع له بين الركن والمقام، ورجل يخرج من وراء النهر فيبايع له، ورجل يخرج بعد موت خليفة، ورجل يخرج اسمه الحارث، ورجل يصلحه الله في ليلة، فهذه كلها ليست من العقائد الدينية كما زعم دعاة المهدي والمتعصبين لصحة خروجه، لهذا يجب طرح فكرة المهدي جانبًا... إلى أن قال: وأرجو بهذا البيان أن تستريح نفوس الحائرين، ويعرفوا رأي أهل العلم والدين في هذه المشكلة التي تُثَار من آنٍ لآخر".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: كل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب مما مضى وما سيأتي، فإنه يجب الإيمان به، وهو مما يتعلق بالعقائد الدينية، سواء ذكره العلماء في عقائدهم أو لم يذكروه، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
ومن ذلك ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما سيكون بعده إلى قيام الساعة، وما بعد قيامها إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وما يكون بعد ذلك مما......................
جاءت به الأخبار الثابتة، فكل ذلك حق يجب الإيمان به، سواء ذكر في كتب العقائد أولم يذكر.
الوجه الثاني: أن يقال: قد ذكر غير واحد من العلماء في عقائدهم أنه يجب الإيمان بكل ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا يشمل ما ذكروه في عقائدهم وما لم يذكروه، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في "العقيدة الواسطية": "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتِّباع آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باطنًا وظاهرًا" انتهى.
وقال شارح العقيدة الطحاوية: "لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملا"، وقال الطحاوي: "فإنه ما سلم في دينه إلا من سلّم لله -عز وجل- ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وردّ علم ما اشتبه عليه إلى عالِمِه"، قال شارح العقيدة الطحاوية: "أي سلَّم لنصوص الكتاب والسنة، ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة"، وقال الشارح أيضًا: "الواجب كمال التسليم للرسول - صلى الله عليه وسلم -، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل، نسميه معقولا، أو نحمله شبهة أو شكا، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحد المُرسِل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما؛ توحيد المُرسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفَّذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرَّفه عن مواضعه وسمَّى تحريفه تأويلا وحملا، فقال نؤوله ونحمله.
فلأن يلقى ربه بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خير له من أن يلقاه بهذه الحال، بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهل يسوغ أن يؤخر قبوله والعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وكلامه ومذهبه؟ بل كان الفرض المبادرة إلى امتثاله من غير التفات إلى سواه، ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان، بل يستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتتلقى نصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا، نعم هو مجهول، وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبوله على موافقة فلان دون فلان كائنًا من كان".
وقال الطحاوي أيضًا: "ولا تَثبُت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام"، قال الشارح: "أي لا يثبت إسلام من لم يُسلِّم لنصوص الوحيين، ويَنقَد إليها، ولا يعترض عليها، ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه، روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري -رحمه الله- أنه قال: "مِن الله الرسالة، ومِن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"، قال الشارح: "وهذا كلام جامع نافع".
انتهى.
وقد ذكرت في أول الكتاب قول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: "إذا حدَّث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو ثابت، ولا يترك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث أبدًا، إلا حديث وُجد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر يخالفه".
وذكرتُ أيضًا قول الإمام أحمد: "كل ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ". وذكرت أيضًا قول ابن شاقلا: "من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة بلا قطع في سندها ولا جرح في ناقليها، فقد هجم على رد الإسلام؛ لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت".
وذكرت أيضا قول أبي الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين": "جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا يردون من ذلك شيئًا".
وذكرت أيضًا قول الموفق أبي محمد المقدسي في كتابه "لمعة الاعتقاد": "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -عليه السلام- فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل".
انتهى.
وفيما ذكرته عن هؤلاء الأئمة أبلغ رد على من استهان بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي ولم يبال بردها وإطراحها زاعمًا أنه لا تعلق لها بالعقيدة.
وإذا علم هذا فقد صرح الإمام أبو محمد البربهاري في كتابه "شرح السنة" بذكر المهدي فقال: "والإيمان بنزول عيسى ابن مريم، ينزل فيقتل الدجال، ويتزوج،...................
ويصلي خلف القائم من آل محمد - صلى الله عليه وسلم - ". انتهى، وقد نقله عنه القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة، وقد كان البربهاري في آخر القرن الثالث من الهجرة وأول القرن الرابع، وهو من أعيان العلماء، ومن الطبقة الثانية من أصحاب الإمام أحمد، وهو شيخ الحنابلة في وقته. وقد ذكرتُ في أول الكتاب قول أبي الحسين الآبري في كتابه: "مناقب الشافعي": "قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه". انتهى، وقد نقله عنه جماعة من أكابر العلماء وأقروه، وقد ذكرت أسماءهم في أول الكتاب، فليراجع ما تقدم.1
الوجه الثالث: أن يقال: إن العلماء الذين ذكروا بعض أشراط الساعة في كتب العقائد إنما ذكروا منها ما لا نظير له وما ليس بمألوف عند الناس؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم من السماء، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة من الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، فأما ما كان له نظير وكان مألوفًا عند الناس فهذا مما لا تمس الحاجة إلى ذكره في العقائد، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدة أشياء من هذا القبيل تكون في آخر الزمان؛ مثل خروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وأخبر أيضًا بالجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف بهم بالبيداء، وأخبر أيضًا بالرجل المؤمن الذي يخرج من المدينة فيقول للدجال: أشهد أنك الدجال، فيقتله الدجال ثم يحييه، وأخبر أيضًا بالرجل الأسود الأفحج الذي يقلع الكعبة حجرًا حجرًا، وأخبر أيضًا بانحسار الفرات عن كنز من ذهب أو قال عن جبل من ذهب، إلى غير ذلك من الأمور التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ستكون في آخر الزمان، والأحاديث الواردة فيها بعضها في الصحيحين وبعضها في صحيح مسلم، ومع هذا لم تُذكر في كتب العقائد، فهل يقول عاقل إن عدم إدخالها في كتب العقائد يدل على أنها ليست بصحيحة، وأنه لا يجب الإيمان بوقوعها، وأنها لا تعلق لها بالعقيدة الدينية؟ كلا، لا يقول ذلك من له أدنى عقل ودين، والقول في المهدي مثل القول في هذه الأمور التي ذكرنا سواء بسواء.
وأما قوله: ثم إن غالب الأحاديث التي زعموها صحيحة ومتواترة بالمعنى، ما هي إلا حكاية عن أحداث تقع مع أشخاص؛ كرجل هرب من المدينة إلى مكة فيبايع............