أخي الكريم
:
إنَّ اللسان من نعم الله العظيمة، ولَطائف صنعه الغريبة؛ فإنه صغير جَرمه، عظيمٌ طاعته وجُرمه؛ إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلاَّ بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والعصيان.
واللسان رحب الميدان ليس له مردّ، ولا لمجاله منتهى وحدّ، له في الخير مجال رحب، وله في الشر ذيل سحب، فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخيّ العنان؛ سلك به الشيطان في كلِّ ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البور، ولا يكبُّ الناس في النار على مناخرهم إلاَّ حصائد ألسنتهم، لا ينجو من شرِّ اللسان إلاَّ من قيَّده بلجام الشرع، فلا يُطلقه إلاَّ فيما ينفعه في الدنيا والآخرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 7
تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
[الحجرات: 12].
وقال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: 36].
وقال تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال:
قلت: يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟
قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» 1.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت» 2.
الجزء: 1 - الصفحة: 8
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيَّن فيها يُزلُّ بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» 3.
وفي رواية: « ... وإنَّ الرجل ليتكلَّم بالكلمة من سخط الله ما كان يظنُّ أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه» 4.
وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال:
قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟
قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» 5.
وفي حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عندما أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ... ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبرك بِمِلاك ذلك كلِّه؟ »
قلت: بلى يا رسول الله.
فأخذ بلسانه وقال: «كُفَّ عليك هذا».
الجزء: 1 - الصفحة: 9
قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟
فقال: «ثكلتك أمُّك، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم إلاَّ حصائد ألسنتهم؟ » 6.
ولننظر إلى عقاب المغتاب في الدنيا والآخرة.
قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من تتبَّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته، ومن تتبَع الله عورته، يفضحه ولو في جوف بيته» 7.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فارتفعت ريح منتنة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين» 8.
وعن أنس - رضي الله عنه - قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَمَّا عُرِج بي مررت بقومٍ لهم أظفارٌ من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا
الجزء: 1 - الصفحة: 10
جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» 9.
والغيبة - أخي المسلم - مُحرَّمة بالإجماع.
قال الإمام القرطبي: الإجماع على أنها من الكبائر، وأنه يجب التوبة منها إلى الله.
الجزء: 1 - الصفحة: 11
تعريف
الغيبة
الغيبة: هي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرته بنقصٍ في بدنه أو نسبه أو في خُلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه، حتى في ثوبه وداره ودابته.