الغيبة لا تقتصر على اللسان
أخي:
اعلم أنَّ الذكر باللسان إنما حُرِّم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة، وكلّ ما يُفهِم المقصود فهو داخل في الغِيبة، وهو حرام.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت علينا امرأة، فلما أومأت بيدي أنها قصيرة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اغتبتيها» 1.
ومن ذلك أيضًا:
المحاكاة، كأن يمشي متعارجًا، أو كما يمشي، فهو غِيبة، بل هو أشدّ من الغيبة؛ لأنه أعظم في التصوير والتفهيم .. ولَمَّا رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشة حاكت امرأة قال: «ما يسرني أني حاكيت إنسانًا ولي كذا وكذا» 2.
وكذلك الغيبة بالكتابة؛ فإنَّ القلم أحد اللسانين.
وكلُّ هذا - أخي - وإن كان صادقًا فيما يقول فهو مغتابٌ عاصٍ لربِّه وآكل لحم أخيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 14
وإن كان كاذبًا فقد جمع بين الغِيبة والكذب .. قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: ذُكِر رجلٌ عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ما أعجزه! .. فقال - صلى الله عليه وسلم -: «اغتبتم أخاكم» .. قالوا: يا رسول الله، قلنا ما فيه؟
قال: «إن قلتم ما فيه اغتبتموه، وإن قلتم ما ليس فيه فقد بهتُّموه» 3.
قال الحسن: ذكر الغير ثلاثة: الغيبة والبهتان والإفك، وكلٌّ في كتاب الله عز وجل:
فالغِيبة: أن تقول ما فيه.
والبهتان: أن تقول ما ليس فيه.
والإفك: أن تقول ما بلغك.
في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» 4.
والغيبة تتناول العرض، وقد جمع الله بينه وبين المال والدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 15