كتاب الصلاة
الصلاة لغة: الدعاء 1. قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ 2 أي ادعُ لهم.
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليصلِّ" 3.
وشرعًا: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.
للخبر 4. سميت صلاة لاشتمالها على الدعاء، مشتقة من الصلوين، تثنية صلا،
الجزء: 1 - الصفحة: 111
كعصى، وهما عرقان من جانبي الذنب أو عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، لأن رأس المأموم عند صلوي إمامه 5.
وفرضها بالكتاب، والسنة، والإجماع 6، وكان في ليلة الإسراء 7 بعد بعثه عليه الصلاة والسلام بنحو خمس سنين 8.
وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين.
(تجب) الصلوات (الخمس) وفي اليوم والليلة (على كل مسلم) ذكر أو أنثى أو خنثى، حُرٍّ أو عبدٍ أو مُبعَّضٍ (مكلف) أي: بالغ عاقل (إِلا حائضًا ونفساء) فلا تجب عليهما، كما تقدم 9، وإلا لأمرتا بقضائها.
(ولا تصح) أي الصلاة (من مجنون) لعدم النية، ولا تجب عليه؛ لأنه ليس من أهل التكليف، أشبه الطفل.
ولا على الأبله 10 الذي لا يفيق.
الجزء: 1 - الصفحة: 112
(ولا) تصح الصلاة من (صغير غير مميز) وأما من المميز فتصح، وهو من بلغ سبع سنين (وعلى وليِّه) أي ولي المميز (أمره بها) أي الصلاة (لـ) تمام (سبع) سنين (وضربه على تركها لعشر) سنين تامَّة.
لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع".
رواه أحمد، وأبو داود 11. والأمر والتأديب لتمرينه عليها حتى يألفها ويعتادها، فلا يتركها.
وأما وجوب تعليمه إياها والطهارة، فلتوقف فعلها عليه، فإن احتاج إلى أجرة، فمن مال الصغير، فإن لم يكن، فعلى من تلزمه نفقته.
(ويحرم تأخيرها) أي الصلاة عن وقت الجواز -وهو الوقت المختار فيما له وقتان- (إلى وقت الضرورة) لأنه تارك للواجب، مخالف للأمر، ولئلا تفوت فائدة التأقيت (إِلا) لعذر، كـ (من) يباح (له الجمع) من مريضٍ ومسافرٍ ونحوهما (بنية) في وقت الأولى إذا نواه تأخيرًا، (و) إِلا من (مشتغل بشرط لها) أي الصلاة (يحصل قريبًا) كمن بسترته خرق وليس عنده غيرها، واشتغل بخياطته حتى خرج الوقت، ونحو ذلك، فلا إثم عليه، بل ذلك واجب.
فإن كان تحصيل الشرط بعيدًا صلى على حسب حاله ولم يؤخر، ويجوز له تأخير فعلها في الوقت مع العزم عليه، فإن لم يعزم على فعلها فيه أثم، ما لم يظن مانعًا من فعلها في الوقت، كموت، وقتل، وحيض فيتعين أول الوقت؛ لئلا تفوته بالكلية، أو أداؤها.
الجزء: 1 - الصفحة: 113
(وجاحدها) أي: الصلاة (كافر) أي: من جحد وجوبها، فهو كافر، أي: مرتد 12، لأنه مكذب للَّه ورسوله، وإجماع الأمة.
وكذا لو تركها تهاونًا أو كسلًا إذا دعاه إمام أو نائبه لفعلها وأبى حتى تضايق وقت التي بعدها، بأن يدعى للظهر مثلًا فيأبى حتى يتضايق وقت العصر عنها، فيقتل كفرًا، لقوله عليه الصلاة والسلام: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة".
رواه مسلم 13. ولقوله: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".
رواه أحمد وغيره 14، ولقوله: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة" 15. قال أحمد: كل
الجزء: 1 - الصفحة: 114
شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء 16. وقال عمر: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة 17. وقال علي: من لم يصل فهو كافر 18.
وقال عبد اللَّه بن شقيوق: لم يكن أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة 19. ولا قتل ولا تكفير قبل الدعاية، ولم يقتل بترك الأولى لأنه لا يُعلم أنه عزم على تركها إِلا بخروج وقتها، فإذا خرج = الحديث صحيح على كل حاله، فإن له شواهد كثيرة.
. . اهـ من ذلك ما أخرجه عبد الرزاق (3/ 363)، وابن أبي شيبة (4/ 93)، والخرائطي (1/ 178)، والطبراني في "الكبير" (9/ 153، 361) والبيهقي في "سننه" -كتاب الوديعة- (6/ 289) والخطيب في "تاريخ بغداد" (12/ 80) من طريق شداد بن معقل عن ابن مسعود أنه قال: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة.
وهو موقوف له حكم الرفع، لأنه لا يقال بالرأي.
وشداد بن معقل ذكره ابن حبان في "الثقات" (4/ 357)، وقال: الحافظ في "التقريب" (ص 206): صدوق له ذكر في البخاري.
اهـ وذكر البخاري له في "التفسير" باب من قال لم يترك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلا ما بين الدفتين (6/ 106) حدثنا قتيبة حدثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس.
. . إلخ وقد تابع شدادًا أبو الزعراء عبد اللَّه بن هانئ، أخرجه ابن أبي شيبة (4/ 102)، والطبراني في "الكبير" (9/ 412). قال: البخاري في أبي الزعراء: لا يتابع على حديثه.
اهـ وثقه ابن حبان في "الثقات" (5/ 14) وابن سعد في "الطبقات" (6/ 171)، والعجلي في "الثقات" (ص 498)، واقتصر الحافظ في "التقريب" (ص 269) على توثيق العجلي.
الجزء: 1 - الصفحة: 115
علم تركه لها، لكنها فائتة لا يقتل بها، فإذا ضاق وقت الثانية وجب قتله.
ويستتاب ثلاثة أيام بلياليها، فإن تاب بفعلها مع إقرار الجاحد لوجوبها به خُلي سبيله، وإلا ضربت عنقه بالسيف، لحديث: "وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة".
رواه مسلم 20.
الجزء: 1 - الصفحة: 116
فصل في الأذان
(الأذان) لغة: الإعلام 21. قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ 22 أي أعلمهم به.
وشرعًا: إعلام بدخول وقت الصلاة، أو قربه لفجرٍ فقط 23.
(والإقامة) مصدر أقام، وحقيقته إقامة القاعدةُ، فكأن المؤذن إذا أتى بألفاظ الإقامة أقام القاعدين، وأزالهم عن قعودهم 24.
وشرعًا: إعلامٌ بالقيام إلى الصلاة 25.
الجزء: 1 - الصفحة: 117
والأذان والإقامة (فرضا كفاية) لحديث "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم".
متفق عليه 26.
والأمر يقتضي الوجوب.
وعن أبي الدرداء مرفوعًا: "ما من ثلاثة لا يؤذن، ولا تقام فيهم الصلاة إِلا يستحوذ عليهم الشيطان".
رواه أحمد، والطبراني 27.
ولأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة كالجهاد.
ولا يشرعان لكل من في المسجد، بل يكفيهم المتابعة، وتحصل لهم الفضيلة، كقراءة الإمام قراءة للمأموم.
والأذان أفضل من الإمامة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين".
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي 28.
والأمانة أعلى [من الضمان، والمغفرة أعلى] 29 من الإرشاد، وإنما لم يتولَّ 30 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وخلفاؤه من بعده الأذان لضيق وقتهم.
قال عمر: "لولا = والرسالة.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 118
الخلِّيفى 31 لأذنت" 32. ويشهد لفضل الأذان قوله عليه السلام: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة".
رواه مسلم 33. وقوله: "من أذن سبع سنين محتسبًا [كتبت] 34 له براءة من النار".
رواه ابن ماجه 35. والأحاديث في ذلك كثيرة.
والأصل في مشروعيته ما روى أنس قال: لما أكثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه.
فذكروا أن يوقدوا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا.
فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
متفق عليه 36. وحديث عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه.
رواه أحمد، وغيره 37.
الجزء: 1 - الصفحة: 119
تنبيه
:
فرض الكفاية مهم 38 يُقْصدُ حصولُهُ من غير نظرٍ بالذات إلى فاعله.
بمعنى: أنه واجب فعله في العموم، بحيث لو قام به من يكفي، لم يطالب بفعله من سواه، وإن تركه الكل أثم وأثموا 39.
وإنهما فرضان (على الرجال الأحرار) اثنين فأكثر، لا الواحد، ولا النساء والخناثى، ولا الأرقَّاء، ولا الصبيان (المقيمين) لا المسافرين.
ويُسَنَّانِ للمنفرد، لحديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "يعجب ربك من راعي غنم في رأس الشظية 40 للجبل، يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول اللَّه عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة".
رواه النسائي 41. = (1/ 337) والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في بدء الأذان (1/ 358) وابن ماجه، كتاب الأذان، باب بدء الأذان (1/ 232). قال الترمذي: حديث عبد اللَّه بن زيد حسن صحيح.
اهـ وصححه البخاري كما حكاه البيهقي في سننه (1/ 391) عن الترمذي عنه.
وابن خزيمة -كما في صحيحه- (1/ 196) وقال ابن عبد البر: إسناده حسن.
ينظر: "نيل الأوطار" (2/ 16)، وصححه النووي في "المجموع" (3/ 76)، وقال الخطابي في "المعالم" (1/ 152): قد روي هذا الحديث والقصة بأسانيد مختلفة، وهذا الإسناد أصحها.
اهـ وينظر: تخريج الحافظ ابن رجب في "فتح الباري" (5/ 189) لهذا الحديث.
الجزء: 1 - الصفحة: 120
ويسنَّانِ في السفر، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لمالك بن الحويرث ولابن عمٍّ له: "إذا سافرتما فأذّنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما".
متفق عليه 42.
ويسنان -أيضًا- لمقضيَّة من الخمس، لحديث عمرو بن أمية الضمري قال: كنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في بعض أسفاره، فنام عن الصبح حتى طلعت الشمس، فاستيقظ فقال: "تنحوا عن هذا المكان".
قال: ثم أمر بلالًا فأذن، ثم توضأ وصلى ركعتي الفجر، ثم أمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى بهم صلاة الصبح.
رواه أبو داود 43.
ولا يرفع صوته إن خاف تلبيسًا، كما لو أذن في غير وقت الأذان.
ويكرهان للنساء، ولو بلا رفع صوت، لأنهما وظيفة الرجال، ففيه نوع تشبه بهم 44. = الصلاة، باب الأذان في السفر (2/ 90). قال المنذري في "مختصر السنن" (2/ 50): رجال إسناده ثقات.
اهـ وينظر: "إرواء الغليل" (1/ 230).
الجزء: 1 - الصفحة: 121
(لـ) لصلوات (الخمس) دون المنذورة وغيرها (المؤداة) لا المقضيات (والجمعة) عطف على الخمس.
(ولا يصح) الأذان (إِلا مرتبًا) لأنه ذكر يعتد به، فلا يجوز الإخلال بنظمه، كأركان الصلاة (متواليًا) عرفًا، ليحصل الإعلام، ولأن مشروعيته كانت كذلك (منويًّا) لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 45. (من ذكر) لا أنثى ولا خنثى، واحدٍ، فلو أذَّن واحدٌ بعضه، وكمَّله آخر لم يصح.
(مميز) فغير المميز لا يجزئ أذانه.
= خفض الصوت.
ومنها: يستحبان.
ومنها: تسن الإقامة لهن دون الأذان.
وقد روى أبو نعيم الفضل بن دكين في "كتاب الصلاة" (ص 206)، وابن أبي شيبة (1/ 223) وابن المنذر في "الأوسط" (3/ 53)، والبيهقي (1/ 408) عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم.
وفي إسناده ليث بن أبي سليم، ضعيف.
قال الحافظ في "التقريب" (ص 450): صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك.
اهـ. وأما حديث أم ورقة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أذن لها أن يؤذن لها وتؤم نساء أهل دارها.
رواه أبو نعيم في "الصلاة" (ص 207)، وعنه البيهقي (3/ 130)، وهو في "سنن أبي داود" (1/ 396 - 397) وغيره.
فليس فيه الإذن لها هي بتولي الأذان والإقامة.
بل جاء في رواية لأبي داود، قال عبد الرحمن بن خلاد: فأنا رأيت مؤذنها شيخًا كبيرًا.
وقد جاءت آثار عن الصحابة والتابعين في هذه المسألة، منها ما يؤيد مشروعية الأذان والإقامة للنساء، ومنها ما يؤيد مشروعية الإقامة لهن، ومنها ما يؤيد عدم المشروعية مطلقًا.
ينظر لذلك: "المصنف" لابن أبي شيبة (1/ 222 - 223)، و"الأوسط" لابن المنذر (3/ 53)، و"المحلى" لابن حزم (3/ 174). كما ينظر: للروايات عن أحمد في هذا الباب: "التمام" لابن أبي يعلى (1/ 114)، و"المغني" (2/ 80)، و"الفروع" (1/ 218)، و"الإنصاف" (3/ 48 - 49) وقد علم مما تقدم أن الأذان والإقامة غير واجبين على النساء قولًا واحدًا.
ينظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (1/ 108).
الجزء: 1 - الصفحة: 122
(عدل ولو ظاهرًا) فلا يجزئ أذان ظاهر الفسق.
(و) لا يصح إلا (بعد) دخول (الوقت لغير فجر) وأما الفجر، فيصح بعد نصف الليل، لحديث: "إن بلالًا 46 يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم".
متفق عليه 47. وليتهيأ جنب ليدرك فضيلة أول الوقت.
(وسن كون المؤذن صيتًا) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لعبد اللَّه بن زيد: "ألقه على بلال، فإنه أندى منك صوتًا" 48. ولأنه أبلغ في الإعلام المقصود بالأذان.
وسنَّ أيضًا كونه (عالمًا بالوقت) ليؤمن خطؤه (أمينًا) لحديث: "أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم المؤذنون".
رواه البيهقي 49.
والأذان خمس عشرة جملة بلا ترجيع 50، والإقامة إحدى عشرة جملة بلا تثنية.
ويكره أذان الفجر في رمضان قبل طلوع فجر ثانٍ، إذا لم يؤذن له بعده، لئلا يغز الناس فيتركوا سحورهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 123
ورفع الصوت بالأذان ركن ما لم يؤذن لحاضر، فبقدر ما يسمعه، وإن شاء رفع صوته، وهو أفضل.
ويستحب رفع صوته قدر طاقته، ما لم يؤذن لنفسه.
(ومن جمع) تقديمًا أو تأخيرًا، (أو قضى فوائت، أذّن للأولى، وأقام لكل صلاة) بعدها لحديث أبي عبيدة 51 عن ابن مسعود: أن المشركين يوم الخندق شغلوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء اللَّه، فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.
رواه النسائي، والترمذي، ولفظه له 52.
ويجزئ أذان مميز لبالغين 53.
الجزء: 1 - الصفحة: 124
(وسن لمؤذن و) سن لـ (سامعه) أي: المؤذن (متابعة قوله سرًّا)، لحديث عمر -مرفوعًا-: "إذا قال المؤذن: اللَّه أكبر اللَّه أكبر فقال أحدكم: اللَّه أكبر اللَّه أكبر.
ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه.
فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه.
ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه.
فقال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه.
ثم قال: حي على الصلاة.
فقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه.
ثم قال: حي على الفلاح.
فقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه.
ثم قال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر.
فقال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر.
ثم قال: لا إله إلا اللَّه.
فقال: لا إله إلا اللَّه مخلصًا من قلبه دخل الجنة".
رواه مسلم 54.
ولو سمع مؤذنًا ثانيًا وثالثًا، ولم يكن صلى في جماعة، أجاب.
وسن -أيضًا- لمقيم، وسامعه متابعة قوله سرًّا بمثله 55 (إلا في الحيعلة) وهو قول: حي على الصلاة.
حي على الفلاح.
(فيقول الحوقلة) أي يجيبه بقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، (و) إلا (في التثويب) وهو قول: الصلاة خير من النوم، فيجيبه بقوله: (صدقت وبرِرت) بكسر الراء = ودليل الرواية الأخرى ما رواه عبد الرزاق في "المصنف" (1/ 470)، وأبو نعيم في "كتاب الصلاة" (ص 164) عن ابن جريج عن عطاء أنه كره أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم.
اهـ ينظر: "المغني" (2/ 68)، و"الفروع" (1/ 223 - 224)، و"المبدع" (1/ 327).
الجزء: 1 - الصفحة: 125
الأولى 56. وإلا في لفظ الإقامة فيقول: أقامها اللَّه وأدامها 57.
(و) تُسنّ (الصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-) الصلاة والسلام (بعد فراغه) مكان متابعة المؤذن أو المقيم، (و) يسن (قول ما ورد) وهو: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته" 58. وهو الشفاعة العظمى في موقف القيامة، لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون.
لما روى ابن [عمرو] 59 مرفوعًا: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاة، صلى اللَّه عليه بها عشرًا، ثم سلوا اللَّه لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلت عليه الشفاعة".
رواه مسلم 60.
(و) سن (الدعاء) بعد الأذان، لحديث أنس -مرفوعًا-: "الدعاء لا
الجزء: 1 - الصفحة: 126
يرد بين الأذان والإقامة".
رواه أحمد، وغيره 61، ويدعو عند الإقامة -أيضًا- فعله أحمد ورفع يديه 62.
ويقول عند أذان المغرب: "اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك فاغفر لي" للخبر 63.
(ويحرم خروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر ونية رجوع) 64. فإن
الجزء: 1 - الصفحة: 127
كان لعجز قبل وقته، أو لعذر من مرض، أو مدافع لأحد الأخبثين، أو نحو ذلك، أو نية رجوع قبل فوت الجماعة، فلم يحرم.
ولا بأس بأذان على سطح بيت قريب من المسجد.
ويستحب أن لا يقوم عند الأخذ في الأذان، بل يصبر قليلًا لئلا يتشبه بالشيطان 65. = فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم -كما في "الفتاوى" (2/ 137) -: . . . أما إذا كان يريد الصلاة في مسجد آخر، أو له عذر، أو ناويًا الرجوع والوقت متسع، لم يحرم.
اهـ قال ابن مفلح في "الفروع" (1/ 229): ويتوجه أن يخرج لبدعة، فإن ابن عمر خرج للتثويب في الظهر والعصر.
وقال: فإن هذه بدعة، رواه أبو داود.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 128
فصل في شروط الصلاة
(شروط صحة الصلاة) التي تتوقف عليها إن لم يكن عذر (ستة) وأسقط منها ثلاثة: الإسلام، والعقل، والتمييز.
وإلا فهي تسعة بها.
وهذه الثلاثة شرط لكل عبادة غير الحج، فيصح ممن لم يميّز، كما سيأتي في بابه 66.
والشروط: جمع شرط، وهو لغة: العلامة 67.
وعرفًا: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده 68.
وليست شروط الصلاة منها، بك تجب قبلها 69، فتسبقها وتستمر فيها وجوبًا إلى انقضائها.
بخلاف الأركان.
الشرط الأول من الستة (طهارة الحدث وتقدمت)، لحديث: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور".
رواه مسلم 70.
(و) الثاني (دخول وقت 71) الصلاة 72 مؤقتة، وهو المقصود هنا.
قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ 73. قال ابن عباس: دلوكها إذا فاء
الجزء: 1 - الصفحة: 129
الفيء 74. وقال عمر: الصلاة لها وقت شرطه اللَّه تعالى لا تصح إلا به 75. وهو حديث جبريل حين أمَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالصلوات الخمس، ثم قال: "يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك" 76. فوقت صلاة الظهر مشتقة من الظهور، لأن فعلها يكون ظاهرًا 77. وتسمى -أيضًا- الهجير، لفعلها وقت الهاجرة 78. وهي الأولى؛ لبداءة جبريل بها لما صلى بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 79.
الجزء: 1 - الصفحة: 130
وفيه إشارة إلى [أن] 80 هذا الدين ظهر أمره، وسطع نوره.
وختم بالفجر لأنه وقت [ظهور فيه] 81 ضعف.
(فـ) أول (وقت الظهر من الزوال) وهو ميل الشمس إلى الغروب 82. ويمتد وقتها من الزوال (حتى يتساوى منتصب وفيؤه) أي: ظله (سوى ظل الزوال) فإذا ضبطت الظل الذي زالت عليه الشمس، وبلغت الزيادة عليه قدر الشاخص، فقد انتهى وقت الظهر.
والأفضل تعجيلها، لحديث أبي برزة: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي الهجير التي يدعونها الأولى حين تدحض الشمس 83. وقال جابر: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي الظهر بالهاجرة.
متفق عليهما 84. إلا مع حرٍّ فتؤخر حتى ينكسر الحر، سواء كان في جماعة أو منفردًا، في المسجد أو في بيته، لعموم حديث: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من = ولأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المغرب وتر النهار، فأوتروا صلاة الليل".
رواه أحمد من حديث ابن عمر.
فجعل جميع الصلوات موتورة، فلو كانت الظهر هي الأولى خرجت الفجر عن أن تكون داخلة في وتر النهار أو الليل وهذا لا يجوز، ولأن الفجر هي المفعولة في أول النهار، فحقيقة الابتداء موجود فيها.
ولأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما بيّن المواقيت في المدينة بفعله في حديث أبي موسى، وبريدة، وجابر، ووصيته لمعاذ: بدأ بالفجر.
وهذا متأخر عن حديث جبريل وناسخ له، إذ كان بمكة.
. . ولأن أكثر آيات القرآن بدأت بالفجر.
. . اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 131
فيح 85 جهنم".
متفق عليه 86. وفيحها: غليانها وانتشار لهبها وإلا مع غيمٍ لمصلٍّ جماعة، لما روى سعيد عن إبراهيم قال: كانوا 87 يؤخرون الظهر، ويعجلون العصر في اليوم المغيم 88. فتؤخر فيه لقرب وقت العصر، للسهولة، لأنه يخاف فيه العوارض من مطر وريحٍ، فيشق الخروج بتكرره، فاستحب تأخير الأولى ليقرب وقت الثانية، فيخرج لهما خروجًا واحدًا.
غير جمعة فيسن تقديمها مطلقًا، حديث سهل بن سعد: ما كنا نقيل 89 ولا نتغدى إلا بعد الجمعة 90. وقول سلمة بن الأكوع: كنا نجمِّع 91 مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم نرجع نتتبع الفيء.
متفق عليهما 92.
(ويليه) أي يلي وقت الظهر الوقت (المختار للعصر حتى يصير ظل كل شيء) منتصب (مثيله سوى ظل الزوال 93. و) وقت (الضرورة) ممتد (إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 132
الغروب) وتعجيلها مطلقًا أفضل.
(ويليه) أي: وقت العصر، وقت (المغرب) ويمتد (حتى يغيب الشفق 94 الأحمر) لحديث عمر -مرفوعًا-: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق".
رواه مسلم 95. والأفضل تعجيلها، لحديث رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله.
متفق عليه 96.
إلا ليلة جمع، أي: مزدلفة، فيسن تأخيرها لمحرم يباح له الجمع إن لم يوافها 97 وقت المغرب، فيصلي المغرب في وقتها ولا يؤخرها.
(ويليه) أي يلي وقت المغرب الوقت (المختار للعشاء) وهو أول الظلام.
وعرفًا: أول صلاة هذا الوقت 98. ويقال لها: عشاء الآخرة 99. = 24) قال: وهي أصح عنه.
اهـ وقال ابن مفلح في "الفروع" (1/ 208): وهي أظهر.
اهـ دليلها ما جاء في "صحيح مسلم" (1/ 427) من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "ووقت العصر ما لم تصفر الشمس".
وروى الترمذي، والنسائي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن للصلاة أولًا وآخرًا" وفيه "وإن وقتها -أي العصر- حين تصفار الشمس" صححه ابن عبد البر.
كما نقله عنه الزرقاني في "شرحه على الموطأ" (1/ 23) وينظر: "الانتصار في المسائل الكبار" لأبي الخطاب (2/ 137 - 138).
الجزء: 1 - الصفحة: 133
ويمتد وقتها المختار (إلى ثلث الليل الأول) 100 لأن جبريل -عليه السلام- صلى بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في اليوم الأول حين غاب الشفق.
وفي اليوم الثاني حين كان ثلث الليل الأول.
ثم قال: "الوقت فيما بين هذين".
رواه مسلم 101.
وصلاتها آخر الثلث الأول أفضل، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه".
رواه الترمذي وصححه 102.
ويكره تأخيرها إن شقَّ ولو على بعض المصلين.
ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها، إلا حديثًا يسيرًا، أو مع أهل أو ضيف.
(و) وقت (الضرورة) ممتد من ثلث الليل (إلى طلوع فجر 103 ثان) وهو
الجزء: 1 - الصفحة: 134
البياض المعترض.
(ويليه) أي يلي وقت الضرورة للعشاء وقت (الفجر) وهو من طلوع فجرٍ ثانٍ (إلى شروق 104) أي شروق الشمس.
وكله اختيار، وتعجيلها مطلقًا أفضل.
قال ابن عبد البر 105: [صحَّ] 106 عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبي بكر، وعمر، وعثمان أنهم كانوا يغلِّسون 107، ومحال أن يتركوا الأفضل، وهم النهاية في إتيان الفضائل 108. وحديث 109: . . . . . . . = جـ - الأول بينه وبين الأفق ظلمة.
والثاني متصل بالأفق، ليس بينهما ظلمة.
ومقدار ما بين الفجرين بنحو ساعة، أو ساعة إلا ربعًا، أو قريبًا من ذلك.
ينظر: "تهذيب اللغة" (11/ 50)، و"اللسان" (5/ 45)، و"النهاية" (3/ 151)، و"النظم المستعذب" (1/ 54)، و"المطلع" (ص 59)، و"الشرح الممتع على زاد المستقنع" لابن عثيمين (2/ 107).
الجزء: 1 - الصفحة: 135
"أسفروا 110 بالفجر، فإنه أعظم للأجر".
رواه أحمد وغيره 111. حكى الترمذي عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق: أن معنى الإسفار أن يضيء الفجر فلا يشكُّ فيه 112.
ويسن جلوسه في مصلاه بعد العصر إلى الغروب، وبعد الفجر إلى الشروق، بخلاف بقية الصلوات 113.
ويكره الحديث بعد صلاة الفجر في أمر الدنيا حتى تطلع الشمس.
(وتدرك) صلاة (مكتوبة بـ) تكبيرة (إحرام في وقتها) أي: المكتوبة (لكن يحرم تأخيرها إلى وقت لا يسعها) لغير عذر، لأن ذلك تفريط منه (ولا يصلي حتى يتيقنه) أي الوقت بمشاهدة ما يعرف به الوقت (أو يغلب على ظنه دخوله إن عجز عن اليقين) باجتهاد أو تقدير الزمان بصنعةٍ أو قراءة 114، ونحو ذلك، كساعةٍ معروفة بصحة العمل 115، لأنه أمر اجتهادي، فاكتفي
الجزء: 1 - الصفحة: 136
فيه بغلبة الظن كغيره.
ويستحب التأخير حتى يتيقن دخول الوقت، قاله 116 ابن تميم 117 وغيره 118 (ويعيد إن) اجتهد وتبين له أنه (أخطأ) لوقوعها نفلًا (و 119) بقاء فرضه عليه.
(ومن صار أهلًا لوجوبها) أي: الصلاة (قبل خروج وقتها بـ) قدر (تكبيرة) إحرام 120 كصغير بلغ، ومجنون عقل، وحائض طهرت، ونحو ذلك (لزمته وما يجمع إليها قبلها) إن كانت 121 إذا 122 طرأ ذلك قبيل العصر، = الرشيد -الخليفة العباسي- أهدى ساعة للإمبراطور شارلماني.
وقد تطورت صناعة الساعات شيئًا فشيئًا حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، من الإتقان التام.
وللشيخ سليمان بن سحمان رسالة صغيرة سماها "القول الفصل في الساعة بين من قال إنها سحر وأنها صناعة" ردَّ فيها على من تجرّأ ووصف هذه الساعات الحديثة بأنها من السحر.
ينظر: "الموسوعة العربية الميسرة" (1/ 944)، و"دائرة معارف القرن العشرين" لمحمد فريد وجدي (5/ 5).
الجزء: 1 - الصفحة: 137
قضى الظهر وحدها، وإن كان قبيل الغروب قضى الظهر والعصر، وإن كان قبيل العشاء قضى المغرب، وإن كان قبيل الفجر قضى المغرب والعشاء، وإن كان قبيل الشمس قضى الفجر فقط.
(ويجب) على كل مكلف لا مانع به (فورًا قضاء فوائت مرتبًا) نصًّا 123، لحديث أحمد: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- عام الأحزاب صلى المغرب فلما فرغ قال: "هل علم أحد منكم أني صليت العصر"؟ قالوا: يا رسول اللَّه ما صليتها.
فأمر المؤذن فأقام الصلاة، فصلى العصر، ثم أعاد المغرب.
124 وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 125. (ما لم يتضرر) في بدنه لضعفه، أو يتضرر في معيشة يحتاجها له ولعياله، دفعًا 126 للحرج والمشقة.
ويسن له التحول من موضع نام فيه حتى فاتته، لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- 127.
الجزء: 1 - الصفحة: 138
(أو) ما لم (يخش فوت) صلاة (حاضرة) بخروج وقتها، فيقدمها، لأنها آكد، وتركه أيسر من ترك الصلاة في الوقت (أو) يخش فوت (اختيارها) أي الصلاة ذات الوقتين، كالعصر والعشاء، فيصاب الحاضرة في وقتها المختار، لأنه لا يجوز التأخير إلى وقت الضرورة بلا عذر، فيسقط الترتيب لضيق الوقت وبالنسيان 128.
ومَن شك في قدر ما عليه من الفوائت أَبرأ ذمته بيقين.
فلو ترك عشر سجدات من صلاة شهر، قضى عشرة أيام.
ومن نسي صلاة من يوم وليلة، وجهلها قضى خمسًا، ينوي بكل واحدة أنها الفائتة.
(الثالث) أي: من شروط صحة الصلاة (ستر العورة) الستر -بفتح السين- مصدر ستر، وبكسرها ما يستر به 129. والعورة لغة: النقصان، والشيء المستقبح، ومنه كلمة عوراء، أي: قبيحة 130.
وشرعًا: سوأة الإنسان، أي قُبُلُهُ ودبره 131.
فيجب ستر العورة في الصلاة، ولا تصح صلاة مكشوفها مع قدرته على سترها، لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 132 وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار" 133. وحديث سلمة بن الأكوع قال:
الجزء: 1 - الصفحة: 139
قلت: يا رسول اللَّه: إني أكون في الصيد، وأصلي في القميص الواحد؟ قال: "نعم وازرره ولو بشوكة".
رواهما ابن ماجه والترمذي 134.
وحكى ابن عبد البر الإجماع عليه 135. فلو صلى عريانًا خاليًا، أو في قميص واسع الجيب 136 ولم يزرره، ولم يشد عليه وسطه، وكان بحيث يرى منه عورة نفسه في قيامه أو ركوعه ونحوه، لم تصح صلاته.
(ويجب) ستر العورة (حتى خارجها) أي: الصلاة، (و) حتى (في خلوة وظلمة) إلا لحاجة، لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول اللَّه: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك".
قال: قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: "إن استطعت أن لا يراها أحد، فلا يرينها".
قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: "اللَّه أحق أن يستحى منه".
رواه الإمام أحمد، وغيره 137. = ينظر لتصحيح الحديث: "إرواء الغليل" (1/ 214).
الجزء: 1 - الصفحة: 140
ولا يجب ستر العورة من جهة رجليه، ولو حصل من ينظر إليه منها، كمن صلى على حائط (بما لا يصف البشرة) مطلقًا، أي يصف لون البشرة من بياض وسواد ونحو ذلك، لأن الستر إنما يحصل بذلك، لا أن لا يصف حجم العضو، لأنه لا يمكن التحرز منه، ولو كان الستر بغير منسوج من نبات وورق، وليفٍ، وجلدٍ ونحوه، ولو مع وجود ثوب، لأن المطلوب ستر العورة وقد حصل.
لكن لا يجب الستر ببارية 138 وحصيرٍ ونحوهما مما فيه مضرة، لأن المطلوب زواله شرعًا لا حصوله.
(و) حدُّ (عورة رجلٍ) وخنثى بلغا عشرًا، (و) عورة (حرةٍ مراهقة) قاربت البلوغ، ومميزة ثم لها سبع سنين، (و) عورة (أمَةٍ) مطلقًا مراهقة أو بالغة (ما بين سُرَّةٍ وركبة) لحديث علي مرفوعًا: "لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت".
رواه أبو داود، وغيره 139. ولحديث أبي أيوب الأنصاري يرفعه: "أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة".
رواه الدارقطني 140. ويشرط في الرجل البالغ ستر أحد عاتقيه في الفرض بشيء من = قال الترمذي: هذا حديث حسن.
الجزء: 1 - الصفحة: 141
اللباس، لحديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- مرفوعًا: "لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء".
رواه البخاري 141. والعاتق 142: موضع الرداء من المنكب.
ولا فرق فيما يجعل على العاتق في كونه مما ستر به عورته أم لا، ولو وصف البشرة، لعموم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليس على عاتقه منه شيء" 143. فإنه يعم ما يستر البشرة، وما لا يسترها، وصلاة رجل حر أو عبد في ثوبين كقميص ورداء، أو إزار وسراويل، ذكره بعضهم إجماعا 144. قال بعضهم 145: مع ستر رأسه، والإمام أبلغ، لأنه يقتدى به.
ويكفي ستر عورة الرجل في نفل ولو لم يستر أحد عاتقيه.
وتسن صلاة حرة بالغة في درع، وهو: القميص 146، وخمار هو: ما تضعه على رأسها، وتديره تحت حلقها 147، وملحفة -بكسر الميم- ثوب = "تاريخه" (3/ 471): منكر الحديث.
اهـ ينظر: "الدراية" (1/ 123)، و"إرواء الغليل" (1/ 302).
الجزء: 1 - الصفحة: 142
تلتحف به، ويسمى جلبابًا 148، لما روى سعيد عن عائشة: أنها كانت تقوم إلى الصلاة في الخمار والإزار والدرع، فتسبل الإزار فتجلبب [به] 149 وكانت تقول: ثلاثة أثواب لابد للمرأة منها في الصلاة إذا وجدتها: الخمار، والجلباب، والدرع 150. ولأن المرأة أوفى عورة من الرجل.
وتكره صلاتهما في نقاب 151 وبرقع 152، لأنه يخل بمباشرة المصلى بالجبهة والأنف، ويغطي الفم، وقد نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الرجل عنه 153.
(و) عورة رجل وخنثى (ابن سبع سنين إلى عشر الفرجان) وعلم منه أن من دون سبع سنين لا حكم لعورته، لأن حكم الطفولية منجر عليه إلى التمييز.
قال المجد 154: والاحتياط للخنثى المشكل أن يستتر
الجزء: 1 - الصفحة: 143
كالمرأة 155، انتهى.
(وكل الحرة عورة إلا وجهها في الصلاة) فيبقى العموم فيما عداه، حتى ظفرها نصًّا 156، لحديث: "المرأة عورة".
رواه الترمذي وقال: حسن صحيح 157. وهو عام في جميعها، ترك في الوجه للإجماع 158.
(ومن انكشف بعض عورته) في الصلاة بلا قصد (وفحش) وطال الزمن (أو صلى في نجس أو غصب ثوبًا) كان النجس أو المغصوب (أو بقعة أعاد) الصلاة؛ لعموم صحتها، بخلاف إذا لم يطل الزمن، كمن كشف عورته نحو ريحٍ فسترها في الحال أولًا، وكان المكشوف لا يفحش 159 في النظر، فإنه لا يعيد.
و(لا) يعيد (من حبس في محل نجس أو) محل (غصب، ولا يمكنه الخروج منه) فصلى فيه، لكن يسجد على النجاسة اليابسة، ويومئ بالرطبة = الإمام العلامة الفقيه شيخ الحنابلة.
ولد سنة (590 هـ) تقريبًا.
قال ابن مالك: ألين للمجد الفقه كما ألين لداود الحديد.
اهـ صنف "المحرر" في الفقه، و"شرح الهداية"، و"المنتقى" وله أرجوزة في القراءات.
توفي بحران يوم الفطر سنة (652 هـ). ينظر: "سير أعلام النبلاء" (23/ 291، 293)، و"ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 249، 254) و"شذرات الذهب" (7/ 443)، و"النجوم الزاهرة" (7/ 33).
الجزء: 1 - الصفحة: 144
غاية ما يمكنه، ويجلس على قدميه تقليلًا للنجاسة، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم" (1).
تتمة
: يصلي عاجز عن سترة مباحة عريانًا 161 مع وجود 162 ثوب غصب، ويصلي في حرير مع عدم غيره، ولا يعيد، ويصلي في ثوب نجس لعدم غيره ويعيد، ومن لا يجد إلا ما يستر به الفرجين سترهما، أو أحدهما فالدبر أولى، ويصلي جالسًا ندبًا من لا يجد ما يستر به عورته، ويومئ بركوعه وسجوده، ولا يتربع في جلوسه بل يضم أحد فخذيه إلى الآخر، لما روي عن ابن عمر160
الجزء: 1 - الصفحة: 145
-مرفوعًا- في قوم انكسرت مراكبهم فخرجوا عراة قال: يصلون جلوسًا يؤمئون إيماء برؤوسهم 163. وإن يصلي قائمًا وركع وسجد في الأرض جاز.
(الرابع) من شروط صحة الصلاة (اجتناب نجاسة) والنجاسة لغة: ضد الطهارة 164، وعرفًا 165: عين كالميتة والدم، أو صفة كأثر بول بمحلٍ طاهر منع الشرع من تناولها بلا ضرورة، لا لأذى فيها طبعًا -احترازًا- من نحو السُّمِّيات من النباتات، فإنه ممنوع تناول ما يضر منها في بدن أو عقل لأذاها 166، ولا لحق اللَّه -احترازًا- عن صيد الحرم، وعن صيد البر للمحرم، أو لحق غيره شرعًا -احترازًا- عن مال الغير بغير اذنه، فيحرم تناوله لمنع الشرع منه لحق مالكه (غير معفو عنها) صفة للنجاسة (في بدن وثوب وبقعة) متعلق بـ (اجتناب) (مع القدرة) على ذلك لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ 167﴾ (5) وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه" 168 وقوله وقد سئل عن دم الحيض يكون في الثوب:
الجزء: 1 - الصفحة: 146
"اقرصيه وصلي فيه".
رواه أبو داود من حديث أسماء بنت أبي بكر 169، وأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي إذ بال في طائفة المسجد 170، ولا يجب ذلك في غير الصلاة، فتعين أن يكون شرطًا فيها، إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي في العبادات يقتضي الفساد.
فتصح الصلاة من حامل مستجمرًا 171 لأن أثر الاستجمار معفو عنه في محله، ومن حامل حيوان طاهر، كالهر والفأر.
وتصح ممن مس ثوبه ثوبًا نجسًا، أو حائطًا نجسًا لم يستند إليه، أو صلى على طاهر من حصير أو بساط ونحوه طرفه متنجس ولو يتحرك بحركته 172، وكذا لو كان تحت قدمه حبل طاهر مشدود في نجاسة، لأنه ليس بحامل للنجاسة ولا مصل عليها، أشبه ما لو صلى على أرض طاهرة متصلة بأرض نجسة، فإن كان المتنجس متعلقًا 173 بالمصلي بحيث ينجر معه = تصحيح ابن خزيمة له.
وفي البخاري، الطهارة، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله (1/ 60)، ومسلم، الطهارة (1/ 240) من حديث ابن عباس في قصة الرجلين اللذين مرَّ عليهما النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهما في قبرهما.
فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير.
أما أحدهما فكان لا يستتر من البول.
. . " وفي لفظ: "لا يستنزه عن البول" ما يشهد لصحة الحديث.
الجزء: 1 - الصفحة: 147
إذا مشى؛ لم تصح صلاته؛ لأنه متتبعٌ للنجاسة أشبه لو كان حاملها، وإن سقطت عليه نجاسة فزالت أو أزالها 174 سريعًا صحت صلاته، لحديث أبي سعيد: بينما النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فخلع الناس نعالهم، فلما قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاته قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعلك، فألقينا نعالنا.
قال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا".
رواه أبو داود 175، فإن عجز عن إزالتها سريعًا لم تصح صلاته، وكذا إن جهلها أو نسيها لم تصح صلاته أيضًا.
(ومن جبر عظمه) بعظم نجس (أو خاطه) أي جرحه (بـ) خيطٍ (نجس) فصح (وتضرر بقلعه، لم يجب) القلع (ويتيمم) له (إن لم يغطه اللحم) فإن غطاه اللحم، لم يتيمم له، لإمكان الطهارة بالماء في جميع محلها.
الجزء: 1 - الصفحة: 148
فصل في الأماكن التي لا تصح فيها [الصلاة]
176
(ولا تصح) الصلاة (بلا عذر في مقبرة) بتثليث الباء 177، قديمة كانت المقبرة أو جديدة، وهي مدفن الموتى، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".
رواه مسلم 178، ولا يضر قبران 179، ولا ما دفن بداره، ولو زاد على ثلاثة قبور، لأنه لا يسمى مقبرة 180.
الجزء: 1 - الصفحة: 149
(و) لا تصح الصلاة في (خلاء) وهو الحش -بفتح الحاء وضمها- 181 ولو مع طهارته من النجاسة، لأنه لما منع الشرع من الكلام وذكر اللَّه فيه كان منع الصلاة أولى، والحش لغة: البستان، ثم أطلق على محل قضاء الحاجة، لأن العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين وهي الحشوش، فسميت الأخلية في الحضر حشوش بذلك.
[و] 182 لا تصح الصلاة في (حمام) 183 لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة".
رواه أبو داود 184، ولا تصح فيما يتبعه في بيع تناوله اسمه.
(و) لا تصح الصلاة -أيضًا- في (أعطان إبل) جمع عطن -بفتح الطاء- والمعاطن جمع معطن -بكسرها- 185 لحديث: "صلوا في = مرعي بن يوسف الحنبلي "شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور" (ص 59).
الجزء: 1 - الصفحة: 150
مرابض 186 الغنم ولا تصلوا في مبارك الإبل".
رواه أحمد، وأبو داود 187، والأعطان ما تقيم فيها الإبل وتأوي إليها، طاهرة كانت أو نجسة، فيها إبل حال الصلاة أو لا، لعموم الخبر.
وأما ما تناخ لعلفها فيه وسقيها، فلا يمنع من الصلاة فيها، لأنه ليس بعطن.
(و) لا تصح الصلاة -أيضًا- في (مجزرة) مكان الذبح 188 (و) لا في (مزبلة) ملقى الزبالة 189، (و) لا في (قارعة طريق) أي محل قرع الأقدام من الطريق، وهي محجة، سواء كان فيها سالك أو لا 190، لحديث ابن عمر: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظهر بيت اللَّه، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، ومعطن الإبل، ومحجة الطريق".
رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: ليس إسناده بالقوي 191، ورواه
الجزء: 1 - الصفحة: 151
الليث بن سعد عن عبد اللَّه بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر، [عن عمر] 192 مرفوعًا.
وتصح في طريق أبيات قليلة 193.
(ولا) تصح الصلاة (في أسطحتها) أي أسطحة تلك المواضع التي لا تصح الصلاة فيها، لأن الهواء تبع للقرار، لمنع الجنب من اللبث بسطح = والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية ما يصلى إليه وفيه (2/ 177، 178) بنحوه.
قال الترمذي: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي.
وقد تكلم في زيد بن جَبِيرة من قبل حفظه.
اهـ وفي "الضعفاء" للعقيلي (2/ 71) أن عبد اللَّه بن نافع مولى ابن عمر قال في رسالته إلى الليث بن سعد عن هذا الحديث: فلا أعلم الذي حدث بهذا عن نافع، إلا قد قال عليه الباطل.
اهـ وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (1/ 401): هذا حديث لا يصح.
اهـ وقال الحافظ في "التلخيص" (1/ 227): وفي سند الترمذي زيد بن جبيرة، وهو ضعيف جدًّا.
اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 152
المسجد، وحنث من حلف لا يدخل دارًا 194 بدخول سطحها 195.
ولا تصح في سطح نهر، وكذا ساباط 196 وجسر عليه 197، ويستثنى من ذلك صحة صلاة جنازة بمقبرة، لصلاته عليه الصلاة والسلام على القبر 198، وصحة صلاة جمعة، وعيد، وجنازة، وصلاة كسوف، واستسقاء بطريق، لضرورة، بأن ضاق المسجد أو المصلى، واضطروا للصلاة في الطريق للحاجة.
وتصح الجمعة -أيضًا- وما عطف عليها 199 في المكان المغصوب 200،
الجزء: 1 - الصفحة: 153
نص عليه في الجمعة 201، لأنه إذا صلاها الإمام في الغصب، وامتنع الناس من الصلاة معه فاتتهم، ولذلك صحت الجمعة خلف الخوراج والمبتدعة.
وتصح الصلاة في كل المواضع المتقدم ذكرها للعذر، كما لو حبس فيها.
وتكره الصلاة إليها، حديث أبي مرثد الغنوي: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها".
رواه الشيخان 202، وألحق بذلك باقي المواضع.
ولا تكره الصلاة فيما علا عن جادة المسافر يمنة أو يسرة، نصًّا 203، لأنه ليس بمحجة.
ولا يصح فرض الصلاة في الكعبة المشرفة، ولا على ظهرها، لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ 204 والشطر الجهة 205، والمصلي فيها أو على سطحها غير مستقبل لجهتها، إلا إذا وقف خارجها وسجد فيها صح فرضه، أو صلى على جدارها بحيث لم يبق وراءه شيء منها، صح فرضه، لأنه مستقبل لطائفة من الكعبة غير مستدبر لشيء منها.
وتصح نافلة فيها وعليها، بل تسن فيها، لحديث ابن عمر: دخل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- البيت، وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأغلق عليهم، فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالًا 206 فسألته: هل صلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الكعبة؟ قال: ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا
الجزء: 1 - الصفحة: 154
دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين.
رواه الشيخان، ولفظه للبخاري 207.
وتصح منذورة في الكعبة وعليها، ويسن النفل في الحِجْر، وهو من الكعبة نصًّا 208. وقدر الداخل منه في حدود البيت ستة أذرع وشيء، ويصح التوجه إليه، لأنه من الكعبة، سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا.
وتكره الصلاة بأرض الخسف، لأنه موضع مسخوط عليه، وكذا كل بقعة نزل بها عذاب، ومسجد الضرار.
وتصح بأرض السباخ 209، قال في "الرعاية" 210: مع الكراهة.
ولا بأس بالصلاة في أرض غيره ولو مزرعة، أو على مصلاه بغير إذنه، بلا غصب، ولا ضرر.
(الخامس) من شروط صحة الصلاة: (استقبال القبلة) لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ 211 قال علي: شطره: قبله 212، ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة" 213 ولحديث
الجزء: 1 - الصفحة: 155
ابن عمر في أهل قباء، لما حُوِّلت القبلة.
متفق عليه 214.
وأصل القبلة لغة: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها كالجلسة، ثم صارت كالعلم للجهة التي يستقبلها المصلي لإقبال الناس عليها 215.
وصلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى بيت المقدس بالمدينة نحو سبعة عشر شهرًا 216.
(ولا تصح) الصلاة (بدونه) أي الاستقبال (إلا لعاجز) عن الاستقبال، كالمحبوس، والمصلوب 217 إلى غير القبلة، والعاجز عن الالتفات إلى القبلة لمرض، أو منع مشركٍ ونحوه عند التحام حرب، أو هرب من عدو أو سيل أو سبع ونحوه، فيسقط عنه الاستقبال، ويصلي على حاله، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم" 218.
(و) إلا لـ (متنفلٍ في سفر مباح) أي غير مكروه ولا محرم، ولو كان ماشيًا فيصلي لجهة سيره على ما يأتي تفصيله، ولو كان السفر قصيرًا، نص عليه 219 فيما دون فرسخ 220، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ 221 قال ابن عمر: نزلت في التطوع
الجزء: 1 - الصفحة: 156
خاصة 222. ولحديث ابن عمر مرفوعًا: كان يصلي على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه.
وكان ابن عمر يفعله.
متفق عليه 223، وللبخاري إلا الفرائض 224 ولأن ذلك تخفف في التطوع، لئلا يؤدي إلى تقليله وقطعه، لكن إن عدلت به دابته عن جهة قصده، وقدر على ردها ولم يردها، أو لم يقدر على ردها، وطال ألفصل، أو عَدَلَها هو عن جهة قصده؛ بطلت صلاته.
ويجب على ماش يتنفل إحرام إلى القبلة، وركوع وسجود إليها في الأرض، لتيسر ذلك عليه، ويفعل ما سواه إلى جهة سيره.
ويستقبل راكب، ويركع ويسجد إن أمكنه بلا مشقة، كراكب المحفة 225 الواسعة، والسفينة، والراحلة الواقفة، لأنه كالمقيم في عدم المشقة.
(وفرض قريب منها) أي الكعبة، وهو من يمكنه المشاهدة، أو من يخبره عن يقين (إصابة عينها) ببدنه، بحيث لا يخرج منه شيء عنها، فإن كان بالمسجد الحرام، أو على ظهْرِهِ فظاهرٌ، وإن كان خارجه فإنه يتمكن من ذلك بنظره أو علمه 226، أو خبر عالم به، فإن من نشأ بمكة، أو أقام بها كثيرًا يمكنه اليقين في ذلك، ولو مع حائل حادثٍ كالأبنية.
وكذا فرض من قرب من مسجد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إصابة العين ببدنه، لأن قبلته متيقنة، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يقر على الخطأ.
وروى أسامة بن زيد أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-
الجزء: 1 - الصفحة: 157
ركع ركعتين قبل القبلة، وقال: "هذه القبلة" 227. ولا يضر علو عن الكعبة كالمصلي على جبل أبي قبيس 228، ولا يضر نزول عنها كالمصلي في حفيرة في الأرض.
(و) فرض (بعيد) منها ومن مسجده -صلى اللَّه عليه وسلم- إصابة (جهتها) بالاجتهاد، لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
رواه ابن ماجه، والترمذي 229، ويعفى عن انحرافه يسيرًا يمنة ويسرة، للخبر 230، وإصابة العين بالاجتهاد متعذرة، فإن أمكنه ذلك بخبر مكلفٍ عدل ظاهرًا وباطنًا، حرًّا كان أو عبدًا [رجلًا أو] 231 امرأة، عن يقين، لزمه العمل به.
(و) يستدل -أيضًا- (بمحاريب المسلمين) لأن اتفاقهم عليها مع تكرر الأعصار إجماع عليها، وإن وجد محاريب لم يعلمها للمسلمين، لم يعمل بها، وإن كان بقرية، ولم يجد محاريب يعمل بها، لزمه السؤال.
(وإن
الجزء: 1 - الصفحة: 158
اشتبهت) القبلة (في السفر) وكان وقت الصلاة، (اجتهد عارف بأدلتها) أي القبلة، جمع دليل بمعنى دال 232، لأن ما وجب اتباعه عند وجوده وجب الاستدلال عليه عند خفائه، كالحكم في الحادثة.
ويسن تعلم أدلة القبلة مع أدلة الوقت، والدليل هنا: أمور، أصحها النجوم، قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ 233 وقال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ 234 وقال عمر: تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق 235. وقال الأثرم: قلت لأحمد: ما ترى في تعلم هذه النجوم التي يعلم بها كم مضى من النهار، وكم يبقى؟ قال: ما أحسن تعلمها 236.
وأثبتها القطب -بتثليث القاف- حكاه 237 ابن سِيْدَه 238. لأنه 239 لا يزول عن مكانه، ويمكن كل أحد معرفته، وهو نجم خفي شمالي، يراه حديد البصر إذا لم يقو نور القمر، وحوله أنجم دائرة كفراشة الرحى 240 في
الجزء: 1 - الصفحة: 159
أحد طرفيها الفرقدان، وفي الآخر الجدي، وحولها بنات نعشٍ 241 مما يلي الفرقدين تدور حولها، والقطب وراء ظهر المصلي بالشام وما حاذاها كالعراق، وخراسان، وسائر الجزيرة لا تتفاوت في ذلك إلا تفاوتًا يسيرًا معفوًا 242 عنه.
ذكره الجد 243. ويكون خلف أذنه اليمنى بالمشرق، ويكون على عاتقه الأيسر بمصر وما والاها من البلاد.
ومن أدلة القبلة: الشمس والقمر ومنازلهما وما يقترن بهما وما يقاربها، كلها تطلع من الشرق وتغرب في المغرب 244. والمنازل: ثمانية وعشرون، أربعة عشر شامية، تطلع من وسط المشرق أو مائلة عنه إلى الشمال.
أولها السرطان، وآخرها السماك.
وأربعة عشر يمانية، تطلع من المشرق مائلة إلى اليمين، ولكل نجم من الشامية رقيب من اليمانية، إذا طلع أحدهما 245 غاب رقيبه، فأول اليمانية وآخر الشامية يطلع من وسط المشرق، ولكل نجم من هذه النجوم [نجوم] 246 تقاربه وتسير بسيره عن يمينه وشماله، يكثر عدها، فحكمها حكمه، يستدل بها عليه، وعلى ما يدل عليه.
ومن أدلة القبلة: الريح.
قال أبو المعالي 247: والاستدلال بها = (2/ 103).
الجزء: 1 - الصفحة: 160
ضعيف 248.
ولا يتبع مجتهد مجتهدًا خالفه، ولا يقتدي به.
(وقلد غيره) أي: غير العارف بأدلتها والعاجز عن تعلمها: الأوثق عنده من مجتهدين، وكذلك الأعمى (فإن صلى) مصلٍّ (بلا أحدهما) أي: الاجتهاد أو تقليد عارف (مع القدرة) على ذلك (قضى) صلاته (مطلقًا) على كل حال 249، لأنه مقصر.
(السادس) من شروط صحة الصلاة (النية) والنية لغة: القصد، يقال: نواك اللَّه بخير، أي: قصدك به 250. ومحلها القلب، فتجزئ وإن لم يتلفظ بها، ولا يضر سبق لسانه بغير قصده، وتلفظه بما نواه تأكيد 251. = المذهب"، و"العمدة" توفي سنة (606 هـ). ينظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 49، 50)، و"سير أعلام النبلاء" (21/ 436)، و"شذرات الذهب" (7/ 36).
الجزء: 1 - الصفحة: 161
وشرعًا: العزم على فعل الشيء من عبادة وغيرها 252. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ 253 والإخلاص: عمل القلب، وهو محض النية.
لحديث عمر: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
متفق عليه 254.
ولا تسقط النية بحال (فيجب تعيين) صلاة (معينة) من فرض معين أو نفل، (وسنّ مقارنتها) أي النية (لتكبيرة الإحرام) لتقارن العبادة، وخروجًا من الخلاف 255 (ولا يضر تقديمها عليها بيسير) ويجب استصحاب حكم النية = المسلمون.
وكذلك في الحج إنما كان يستفتح الإحرام بالتلبية.
. . ولم يشرع لأحد أن يقول قبل التلبية شيئًا، لا يقول: اللهم إني أريد العمر والحج.
. . بل جعل التلبية في الحج كالتكبير في الصلاة.
اهـ ينظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 136)، و"زاد المعاد" (1/ 201).
الجزء: 1 - الصفحة: 162
إلى آخر الصلاة، بأن لا ينوي قطعها، فتبطل الصلاة بفسخ النية فيها، وبتردد فيه 256، وبعزم عليه، وشكه هل نوى أو عيّن فعمل مع الشك عملًا فعليًّا كان أو قوليًّا ثم ذكر أنه كان نوى أو عين، لأن ما عمله خلا عن نية 257، فإن لم يحدث مع الشك عملًا، ثم ذكر أنه نوى أو عين لم تبطل، وإن لم يذكر استأنف.
(وشرط) لصلاة جماعة (نية إمامة) لإمام، (و) نية (ائتمام) بمأموم، لأن الجماعة يتعلق بها أحكام من وجوب الاتباع، وسقوط سجود السهو، والفاتحة عن المأموم، وفساد صلاته بفساد صلاة إمامه، وإنما يتميز الإمام عن المأموم بالنية، فكانت شرطًا لانعقاد الجماعة، وإن كانت الصلاة نفلًا كالتراويح والوتر فلابد من نية كل منهما حاله، وإن ائتمَّ من سبق بركعة فأكثر بمثله في قضاء ما فاتهما بعد سلام إمامهما في غير جمعة، صح ذلك، لأنه انتقال من جماعة لجماعة لعذر السبق 258، ولا يصح أن يأتم من لم ينوه في أول الصلاة، لأنه محل النية، إلا إذا أحرم إمام لغيبة إمام الحيِّ ثم حضر وبنى على صلاة الأول، وصار الإمام مأمومًا بالإمام الراتب، لما روى سهل بن سعد قال: ذهب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى [بني] 259 عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فصلى أبو بكر فجاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فاستأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، فتقدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلى ثم انصرف.
متفق عليه 260.
الجزء: 1 - الصفحة: 163
ولا يصح أن [يؤم] 261 من لم ينو الإمامة أولًا ولو في نفل، إلا إذا استخلفه إمام لحدوث مرض أو حصر عن قول واجب، كقراءة وتشهد ونحوهما.
ويبني خليفة الإمام على ترتيب الإمام الأول، لأنه فرعه، ولو كان المستخلف مسبوقًا لم يدخل معه من أول الصلاة، فإن شك كم صلى الإمام، بنى على اليقين، فإن سبح به المأموم رجع ويستخلف من يسلم بهم، فإن لم يفعل، فلهم السلام، ولهم انتظاره حتى يتم صلاته ويسلم بهم، نصًّا 262.
(و) يصحُّ (لمؤتم انفراد) عن الجماعة (لعذر) يبيح ترك الجماعة، لحديث جابر قال: صلى معاذ بقومه فقرأ بسورة البقرة، فتأخر رجل فصلى وحده، فقيل له: نافقت.
قال: ما نافقت، ولكن لآتين رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبره.
فأتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكر ذلك فقال: "أفتانٌ أنت يا معاذ؟ " مرتين، متفق عليه 263، فإن لم يكن عذر بطلت صلاته لمفارقته.
(وتبطل صلاته) أي المأموم (ببطلان صلاة إمامه) و (لا عكسه) فلا تبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم (إن نوى إمامٌ) بطلت صلاة مأمومه (الانفراد) هذا كما مشى عليه صاحب "الإقناع" 264، والصحيح عدم هذا
الجزء: 1 - الصفحة: 164
الشرط، وأنها لا تبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم مطلقًا، كما اختاره الشيخ منصور في "شرحه" على "الإقناع " 265. = السائرة" للغزي (3/ 215، 216)، و"ذخائر القصر" لابن طولون (105)، و"السحب الوابلة" (3/ 1134، 1136).
الجزء: 1 - الصفحة: 165
باب صفة الصلاة وأركانها وواجباتها وما يسن فيها وما يكره وما يتعلق بها
(يُسن خروجه) أي المصلي (إليها) أي إلى الصلاة (متطهرًا) من الأحداث والأنجاس (بسكينة) بفتح السين وكسرها وتخفيف الكاف، أي طمأنينة وتأنٍّ في الحركات، واجتناب العبث 266، (ووقار) أي: رزانة بغض الطرف، وخفض 267 الصوت، وعدم الالتفات 268، لحديث أبي هريرة: "إذا سمعتم الإقامة، فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" 269. ولمسلم: "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" 270.
ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته، غير مشبك بين أصابعه.
قال أحمد: فإن طمع أن يدرك التكبيرة الأولى، فلا بأس أن يسرع شيئًا، ما لم تكن
الجزء: 1 - الصفحة: 166
عجلة تقبح 271. وفي "شرح العمدة" لشيخ الإسلام ما معناه: إن خشي فوت الجماعة أو الجمعة بالكلية، فلا ينبغي أن يكره له الإسراع، لأن ذلك لا ينجبر إذا فات.
انتهى 272.
(مع قول ما ورد) ومنه: أن يقدم رجله اليسرى عند خروجه من بيته، ولو لغير الصلاة ثم يقول: آمنت باللَّه، اعتصمت باللَّه، توكلت على اللَّه، لا حول ولا قوة إلا باللَّه 273، اللهم إني أعوذ بك أن أضِلّ أو أُضَلَّ، أو أزلّ أو أُزل، أو أظلِم أو أُظلَم، أو أجهَل أو يُجهَل علي 274.
وإذا أراد دخول المسجد قدم رجله اليمنى، وقال استحبابًا: "بسم اللَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب
الجزء: 1 - الصفحة: 167
رحمتك" ويقدم اليسرى خروجًا 275 ويقول مثل ما قال إلا أنه يقول: "أبواب فضلك" بدل "أبواب رحمتك" 276. ويقول -أيضًا-: "اللهم إني أعوذ بك من إبليس وجنوده" للخبر 277.
ويجلس في المسجد مستقبل القبلة، لأن خير المجالس ما استقبل القبلة 278. ويكره استدبار القبلة في.
. . . . . .
الجزء: 1 - الصفحة: 168
المسجد 279، ولأنه يحدث النسيان.
ولا يخوض في حديث الدنيا.
ولا يجلس حتى يصلي ركعتين تحتية المسجد، إن لم يكن وقت نهي، ويجزئ عنها راتبة وفريضة.
(و) يسنّ (قيام إمام، فغير مقيم) للصلاة (إليها) أي للصلاة (عند قول مقيم: قد قامت الصلاة) لفعله عليه الصلاة والسلام.
رواه ابن أبي أوفى 280، ولأنه دعاء إلى الصلاة فاستحبت المبادرة إليها عنده.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل الحرمين 281. وأما المقيم فيأتي بالإقامة كلها قائمًا، كما تقدم.
ثم يسوي إمام الصفوف استحبابًا بمنكب وكعب، فيلتفت عن يمينه فيقول: استووا رحمكم اللَّه 282، وعن يساره كذلك.
وسن تكميل صفوف أول فأول، لحديث: "لو يعلم الناس ما في = وهو متروك.
اهـ وفي "الأوسط" -أيضًا- (3/ 183) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن لكل شيء سيدًا، وإن سيد المجالس قبالة القبلة" قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص 77): وسنده حسن.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 169
النداء والصف الأول" إلخ 283، وسُنَّ المراصَّة 284، وسد خلل الصفوف.
ويمين الإمام والصف الأول للرجال أفضل، وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وعكسه النساء.
(فيقول) مصلٍّ إمامًا 285 كان أو غيره (اللَّه أكبر) ولا تنعقد الصلاة بغيرها.
نصًّا 286، لحديث أبي حميد الساعدي: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا استفتح الصلاة استقبل القبلة، ورفع يديه وقال: اللَّه أكبر.
رواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان 287.
وليس قبل تكبيرة الإحرام دعاء مأثور عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أصحابه.
يقولها (وهو قائم في فرض) مع القدرة على القيام، بخلاف النفل فلا يشترط له قيام (رافعًا يديه) استحبابًا مع ابتداء التكبير، ممدودتي الأصابع مضمومتهما، مستقبلًا ببطونهما القبلة.
ويكون الرفع (إلى حذو منكبيه) بفتح الميم وكسر الكاف: مجمع عظم العضد والكتف 288، فإن أتى به غير قائم، أو ابتدأه أو أتمه غير قائم صحت صلاته نفلًا، لأن ترك القيام يفسد الفرض.
الجزء: 1 - الصفحة: 170
(ثم يقبض بيمناه كوع يسراه) استحبابًا لما روى قبيصة بن هلب عن أبيه 289 قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه.
رواه الترمذي، وحسَّنه، وقال: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والتابعين ومَنْ بعدهم 290. (ويجعلهما) أي يديه (تحت سرته) لقول علي: من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة.
رواه أحمد وأبو داود 291. ومعناه: ذل بين يدي اللَّه -عز وجل- 292.
(و) يسن أن (ينظر) في (مسجده) أي موضع سجوده (في كل صلاته) لقول أبي هريرة: كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة.
فلما نزل: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)﴾ 293 رمقوا 294 بأبصارهم إلى موضع سجودهم 295. ولأنه أخشع للمصلي وأكف لبصره، إلا إذا كان خائفًا من عدو، أو خاف ضياع ماله، فينظر إلى تلك الجهة للحاجة
الجزء: 1 - الصفحة: 171
دفعًا للضرر 296.
(ثم) يستفتح فـ (يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك 297 ولا إله غيرك) رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه 298، وعن أبي سعيد مثله.
رواه الترمذي، والنسائي 299. ورواه أنس -أيضًا- 300
الجزء: 1 - الصفحة: 172
وعمل به عمر بين يدي أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 301، فلذلك اختاره إمامنا، وجوز الاستفتاح بغيره مما ورد.
ومعنى قول: سبحانك: أي تنزيهًا لك عما لا يليق بك من الرذائل والنقائص.
ومعنى اللهم: يا اللَّه، حذفت ياء النداء، وعوض عنها الميم.
وبحمدك: أي: وبحمدك سبحتك.
وتبارك اسمك: أي كثرت بركاتك، وهو مختص به تعالى، ولذلك لم يتصرف [منه مستقبل، ولا اسم فاعل] 302، وتعالى جدك: أي: ارتفع قدرك وعظم.
وقال الحسن: الجد: الغنى 303، فيكون المعنى ارتفع غناك عن أن يساوي غنى أحدٍ من خلقك.
ولا إله غيرك: أي: لا إله يستحق أن يُعبد وتُرجى رحمته وتُخاف سطوته غيرك.
(ثم يستعيذ) فيقول: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)﴾ 304 أي: إذا أردت القراءة.
وتحصل الاستعاذة بكل ما أدى معناها، لكن ما ذكرناه أولى، ومعنى أعوذ: ألجأ 305. والشيطان اسم لكل متمرِّدٍ عاتٍ 306.
الجزء: 1 - الصفحة: 173
(ثم يبسمل سًّرا) أي: يقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، لحديث نعيم المجمر، أنه قال: صليت وراء أبي هريرة، فقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، ثم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 307.
والبسملة آية من القرآن، لما روى 308 ابن المنذر بسنده 309 أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قرأ في الصلاة بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وعدها آية 310. . . وهي فاصلة بين كل سورتين، سوى براءة فيكره 311 ابتداؤها [بها] 312 لنزولها بالسيف 313.
ولا تكتب أمام الشعر ولا معه.
قال القاضي: لأنه يشوبه الكذب والهجو غالبًا 314، وتستحب في ابتداء جميع الأفعال، وفي أوائل الكتب.
ولا يسن الجهر بالاستفتاح، ولا بالتعوذ، ولا بالبسملة في الصلاة، لحديث أنس: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر وعمر يستفتحون الصلاة بالحمد للَّه
الجزء: 1 - الصفحة: 174
رب العالمين.
متفق عليه 315. ومعناه: أن الذي يسمعه منهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 316﴾، كما يدل عليه قوله فيما رواه قتادة: فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم (2). وفي لفظ: فكلهم يخفي بسم اللَّه الرحمن الرحيم 317.
وعُلِمَ مما تقدم أن البسملة ليست آية من أول الفاتحة، ولا غيرها من السور، لحديث: "قال اللَّه تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الحمد للَّه رب العالمين.
. . ". الحديث رواه مسلم 318، فلو كانت آية عدها وبدأ بها، ولحديث: "سورة هي ثلاثون آية شفعت لقارئها ألا وهي تبارك الذي بيده الملك" 319. وهي ثلاثون آية سوى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
(ثم يقرأ الفاتحة مرتبة متوالية) تامة، يقف على كل آية، كقراءته -صلى اللَّه عليه وسلم- 320. وهي أفضل سورة، قاله الشيخ تقي
الجزء: 1 - الصفحة: 175
الدين 321. وقال عليه الصلاة والسلام فيها: "أعظم سورة في القرآن، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيه".
رواه البخاري 322.
كما أن آية الكرسي أعظم آية، لحديث مسلم 323.
والفاتحة ركن في كل ركعة، لحديث أبي قتادة مرفوعًا: كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بأم الكتاب وسورتين، ويطول الأولى ويقصر الثانية، ويُسْمع الآية أحيانًا، وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب 324.
وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
متفق عليه 325 ولحديث أبي سعيد مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب" 326. وعنه وعن عبادة: أمرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة.
رواهما إسماعيل بن سعيد الشالنجي 327. 328 = ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم.
الجزء: 1 - الصفحة: 176
(وفيها) أي الفاتحة (إحدى عشرة تشديدة) أولها: اللام في اللَّه، وآخرها: تشديدتا الضَّالين، ويكره الإفراط في التشديد والمد.
وإن ترك غير مأموم واحدة من تشديداتها لزمه استئناف الفاتحة لتركه حرفًا منها، لأن الحرف المشدد أقيم مقام حرفين، هذا إذا فات محلها وبَعُدَ عنه، بحيث يُخِلُّ بالموالاة، أما لو كان قريبًا منه، فأعاد الكلمة، أجزأه ذلك، كمن نطق بالكلمة على غير الصواب ثم أتى بها على وجهه.
وإن ليَّنها ولم يحققها على الكمال، فلا إعادة، وإن ترك ترتيبها عمدًا أو سهوًا، لزمه استئنافها، لأن ترك الترتيب مخل بالإعجاز، أو قطعها بسكوت طويل، أو ذكرِ دعاءٍ غير مشروع، أو قرآنٍ كثير، لزمه استئنافها إن عمد ذلك، فلو كان سهوًا عفي عن ذلك.
(وإذا فرغ) من الفاتحة (قال آمين) بفتح الهمزة مع المد في الأشهر، ويجوز القصر والإمالة، وهي اسم فعل بمعنى استجب، وقيل: هي اسم من أسمائه تعالى، وهي مبنية على الفتح كـ "ليت" وتسكن عند الوقف 329. فلو شدد ميمها بطلت صلاته، لأنها تفسير كلامًا أجنبيًّا فيبطلها عمده وسهوه وجهله، مع أن بعضهم 330 حكاه لغة فيها.
(يجهر بها) أي بآمين (إمام ومأموم معًا) استحبابًا، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له".
متفق عليه 331. ولعطاء 332: كنت أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين.
ومن خلفهم، حتى إن للمسجد للجة.
رواه الشافعي
الجزء: 1 - الصفحة: 177
بسنده (1). واللجة بفتح اللام وتشديد الجيم: اختلاط الأصوات (2).
وعن أبي هريرة: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا فرغ من قراءة أم القرآن، رفع صوته وقال: آمين.
رواه الدارقطني وحسنه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وقال: إنه على شرط الشيخين (3). (في) صلاة (جهرية و) يجهر بها (غيرهما) أي: غير الإمام والمأموم، وهو المنفرد (فيما يجهر فيه) من الصلوات تبعًا لها.
تتمة
:
يلزم جاهلًا بالفاتحة تعلمها، فإن لم يعرف إلا آية، كررها بقدر الفاتحة، لأنها بدل عنها، فإن لم يحسن آية، ولو من غير الفاتحة، حرم ترجمته عنه بلغة أخرى، لأن الترجمة عنه تفسير لا قراءة 336.
لزم من لا يحسن قرآنًا قول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر.
لحديث رفاعة بن رافع: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- علم رجلًا الصلاة فقال: "إن كان معك قرآن فاقرأه، وإلا فاحمد اللَّه وكبره وهلله".
رواه أبو333334335
الجزء: 1 - الصفحة: 178
داود، والترمذي وحسنه 337، فإن أيعرف هذا الذكر كله، وعرف بعضه، كرره بقدره، وإلا وقف بقدر قراءة الفاتحة.
(ويسن جهر إمام بقراءة) صلاة (صبح، وجمعة، وعيد، وكسوف، واستسقاء، وأولتي مغرب وعشاء.
ويكره) الجهر (لمأموم، ويُخيَّر منفرد) في صلاة جهرية بين الجهر والإسرار.
(و) يخير (نحوه) أي نحو المنفرد، كالقائم لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه بين الجهر والإسرار، وترك الجهر أفضل، لأن المقصود منه إسماع نفسه.
ويسر مصل بقراءة في قضاء صلاة جهر نهارًا اعتبارًا بزمن القضاء، ويجهر بها ليلًا في جماعة اعتبارًا برمن القضاء، ومصل نفلًا في ليل يراعي المصلحة في جهر وإخفات، فيسر مع من يتأذى بجهره، ويجهر مع من يأنس به.
وتحرم القراءة، ولا تصح الصلاة بقراءة تخرج عن مصحف عثمان 338. وكره أحمد قراءة حمزة 339، . . . . . . . .
الجزء: 1 - الصفحة: 179
والكسائي 340، لما فيهما من الكسر، والإدغام، والتكلف، وزيادة المد 341، وأنكرها السلف كسفيان بن عيينة 342 343، ويزيد بن
الجزء: 1 - الصفحة: 180
هارون 344 345، وغيرهما 346.
وعنه: والإدغام الكبير 347 لأبي عمرو بن العلاء 348، واختار قراءة = حدثنا جنادة بن محمد، سمعت سفيان الثوري يقول: لا تصلوا خلف من يقرأ بقراءة حمزة.
قال السخاوي (2/ 473): فأما ما روي عن سفيان بن عيينة فإن جنادة بن محمد غير معروف عند أهل الحديث، وقد كان هشام بن عمار يروي عن سفيان بن عيينة، فكيف روى عن هذا الرجل المجهول عنه.
وإن صح أن سفيان قال ذلك فهو محمول عند أهل العلم على أن سفيان سمع من غير حمزة قراءة عزاها القارئ إلى حمزة، فأنكر ما فيها من الإفراط وتجاوز الحد.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 181
نافع من رواية إسماعيل بن جعفر عنه، ثم قراءة عاصم.
وإن كان في قراءة زيادةُ حرفٍ فهي أفضل لأجل عشر حسنات، نقله حرب.
و﴿مَالِكِ﴾ أحب إلى أحمد من ﴿ملك﴾.
(ثم يقرأ بعدها) أي بعد الفاتحة (سورة في) صلاة (الصبح من طوال المفصل) وهو من "ق" إلى "عم"، (و) يقرأ في (المغرب من قصاره) أي: المفصل، وهو من الضحى إلى آخر القرآن، (والباقي) وهو الظهر والعصر والعشاء (من أوساطه) وهو من "عم" إلى "الضحى"، ولا يكره أن يقرأ بأقصر من ذلك لعذر كمرض وسفر وغلبة نعاس ونحوه، وإلا كره بقصاره في صلاة فجر لا بطواله في صلاة مغرب، نص عليه 349 للخبر أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قرأ فيها بالأعراف 350.
والسورة وإن قصرت أفضل من بعض سورة، وتجزئ آية، إلا أنه يستحب أن تكون طويلة.
وحرم تنكيس الكلمات، وتبطل الصلاة به، لا تنكيس السور والآيات، بل يكره ذلك.
وقال الشيخ تقي الدين: ترتيب الآيات واجب، لأنه ثبت بالنص 351، وترتيب السور بالاجتهاد، ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة، = ينظر: "سير أعلام النبلاء" (6/ 457).
الجزء: 1 - الصفحة: 182
لكن لما اتفقوا على المصحف زمن عثمان، صار مما سنَّه الخلفاء الراشدون، وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها 352. انتهى 353.
ويكره الاقتصار على الفاتحة في الفرض أو النفل إلا في الأخيرتين من الرباعيات وثالثة المغرب، ولا يكره تكرار سورة في ركعتين، لحديث أبي داود أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كرَّر سورة الزلزلة في ركعتين 354. قلت: والذي يظهر -واللَّه أعلم- أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما كررها لسبب فضلها، لأنه ورد فيها أنها تعدل نصف القرآن 355، وهو -صلى اللَّه عليه وسلم- أحرص الناس على طلب الفضائل 356. = وَالْإِحْسَانِ.
. .} [النحل: 90] الآية.
والنصوص في ذلك كثيرة استقصاها السيوطي في "الإتقان" (1/ 60، 61) قال: الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبه في ذلك.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 183
ولا يكره تفريق السورة في ركعتين، لحديث عائشة مرفوعًا: كان يقرأ البقرة في ركعتين.
رواه ابن ماجه 357.
ولا يكره جمع سور في ركعة، لما في "الموطأ" عن ابن 358 عمر، أنه كان يقرأ في المكتوبة سورتين في كل ركعة 359 (ثم يركع) حال كونه (مكبرًا رافعًا يديه) ندبًا، لحديث أبي قلابة، أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه، ويحدث أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صنع هكذا.
متفق عليه 360. وهو مذهب أبي بكر، وعلي، وابن عمر، وجابر، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وابن الزبير، وغيرهم من الصحابة وأكثر أهل العلم 361. (ثم يضعهما) أي يديه (على ركبتيه) حال كونهما (مفرجتي الأصابع ويسوي ظهره) فيمده ويجعل رأسه حياله 362، فلا يرفعه عنه ولا يخفضه (ويقول) في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) لحديث عقبة بن عامر قال: لما نزلت: "فسبح باسم ربك العظيم" 363 قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اجعلوها في ركوعكم" فلما = مما ثبت فيه مزيد فضيلة.
والصواب أن فعله -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك لبيان الجواز.
ينظر: "نيل الأوطار" (2/ 254)، و"بذل المجهود في حل أبي داود" (5/ 32).
الجزء: 1 - الصفحة: 184
نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ 364 قال: "اجعلوها في سجودكم".
رواه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما 365، والأفضل عدم الزيادة عليه، فإن زادوا: بحمده، فلا بأس 366.
وحكمة التخصيص أن الأعلى أفعل تفضيل بخلاف العظيم، والسجود غاية في التواضع لما فيه من وضع الجبهة وهي أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام، ولهذا كان أفضل من الركوع، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" 367 فجعل 368 الأبلغ مع الأبلغ، والمطلق مع المطلق.
والواجب من التسبيح مرة، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر عددًا فيما سبق.
وسن تكريره (ثلاثًا) في قول عامة أهل العلم 369 (وهو أدنى
الجزء: 1 - الصفحة: 185
الكمال) حديث عون 370 عن ابن مسعود مرفوعًا: "إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وذلك أدناه.
وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه".
رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، لكنه مرسل 371 كما ذكره الإمام البخاري في "تاريخه" 372 لأن عونًا لم يسمع من ابن مسعود، لكن عضده قول الصحابي، وفتوى أكثر أهل العلم 373. وأعلاه لإمام ومأموم عشر مرات، لما روي عن أنس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي كصلاة عمر بن عبد العزيز، فحزروا 374 ذلك بعشر = (1/ 184).
الجزء: 1 - الصفحة: 186
تسبيحات 375. وأعلى الكمال لمنفرد العرف 376. وكذا سبحان ربي الأعلى في سجوده، حكمه حكم الركوع 377. (ثم يرفع رأسه و) يرفع (يديه معه) إلى حذو منكبيه فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، صلى قائمًا أو جالسًا، إذ هو من تمام الصلاة، حيث شرع (قائلًا) إمام ومنفرد: (سمع اللَّه لمن حمده) مرتبًا وجوبًا، لحديث ابن عمر المتفق عليه في صفة [صلاة] 378 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وفيه: إذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك -أي رفع يديه إلى حذو منكبيه- وقال: سمع اللَّه لمن حمده 379
الجزء: 1 - الصفحة: 187
[ومعنى: "سمع اللَّه لمن حمده"] 380: تقبله وجازاه عليه.
(وبعد انتصابه) قليلًا من الركوع يقول: (ربنا ولك الحمد، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد) أي: بعد السماء والأرض، كالكرسي وغيره، مما لا يعلم قدره إلا اللَّه تعالى.
والمعنى: حمدًا لو كان أجسامًا لملأ ذلك.
وإثبات واو "ولك" أفضل نصًّا 381، للاتفاق عليه 382. و"ملء" يجوز نصبه على الحال، ورفعه على الصفة.
والمعروف في الأخبار "السموات" لكن قال الإمام وأكثر الأصحاب بالإفراد 383. (و) يقول (مأموم: ربنا ولك الحمد فقط) لحديث أنس، وأبي هريرة مرفوعًا: "إذا قال الإمام سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد".
متفق عليه 384، فاقتصر على أمرهم يقول: ربنا ولك الحمد، فدل على أنه لا يشىرع لهم غيره.
(ثم يكبر) من غير رفع يدين (ويسجد على الأعضاء السبعة) الجبهة، والأنف، واليدين، والرجلين، والركبتين (فيضع ركبتيه) أولًا بالأرض (ثم يديه) لحديث وائل بن حجر قال: رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
رواه أبو داود وغيره 385
الجزء: 1 - الصفحة: 188
(ثم) يضع (جبهته وأنفه) فإن عجز عن سجود بالجبهة، لم يلزمه بغيرها من الأعضاء، لأنها الأصل فيه، وغيرها تبع لها، ويومئ عاجز عن السجود بالجبهة غاية ما يمكنه وجوبًا، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 386. ولا يجزئ وضع بعض أعضاء السجود فوق بعض (وسن كونه) أي: المصلي (على أطراف أصابعه) أي: أصابع رجليه في حال سجوده، (و) سن (مجافاة) رجل (عضديه عن جنبيه، و) مجافاة (بطنه عن فخذيه) وفخذيه عن ساقيه، لحديث عبد اللَّه بن بحينة: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سجد يجنِّح 387 في سجوده حتى يرى وضح 388 إبطه.
متفق عليه 389، إلا أن يؤذي من إلى جنبيه فيجب تركه لحصول الإيذاء المحرم.
(و) سن (تفرقة ركبتيه) في سجوده، لما في حديث أبي حميد: وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه 390. (ويقول: = وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب السجود (1/ 286). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا عن شريك -أحد رجال السند- اهـ وصححه هذا الحديث -أيضًا- ابن حبان والحاكم وأومأ إلى أنه على شرط مسلم.
وقال الخطابي: هو أثبت من حديث تقديم اليدين وهو أرفق بالمصلى في المشكل ورأي العين.
ينظر: "خلاصة البدر المنير" (1/ 132).
الجزء: 1 - الصفحة: 189
سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وهو أدنى الكمال) كما تقدم 391.
(ثم يرفع) من السجود حالة كونه (مكبرًا ويجلس) بين السجدتين (مفترشًا) بأن يبسط رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب يمناه، ويخرجها من تحته، ويثني أصابعها نحو القبلة، ويجعل بطونها 392 على الأرض، ويبسط يديه على فخذيه مضمومتي الأصابع.
قال الأثرم: تفقدت أبا عبد اللَّه، فوجدته يفتح أصابع رجله اليمنى، ويستقبل بها القبلة 393. انتهى.
(ويقول) بين السجدتين: (رب اغفر لي ثلاثًا.
وهو أكمله) إمامًا كان أو غيره.
(ويسجد الثانية كذلك) أي كالأولى (ثم ينهض مكبرًا معتمدًا على ركبتيه بيديه، فإن شق ذلك فبالأرض 394) أي يعتمد على الأرض بيديه (فيأتي بمثلها) أي بمثل الركعة الأولى (غير النية و) غير (التحريمة، و) غير (الاستفتاح) فلا يعيده، لأن محله الأولى فقط، (و) غير (التعوذ إن كان تعوذ) أولًا، وإلا تعوذ فيها (ثم يجلس) بعد فراغه من الثانية (مفترشًا) كجلوسه بين السجدتين (وسن وضع يديه على فخذيه وقبض الخنصر 395 والبنصر 396 من يمناه وتحليق إبهامهما مع الوسطى وإشارته بسبابتها) أي: يده اليمنى (في تشهد، و) في (دعاء عند ذكر اللَّه تعالى مطلقًا) أي: في التشهد وفي غير الصلاة.
= صفة صلاة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" للشيخ محمد بازمول (ص 46، 47).
الجزء: 1 - الصفحة: 190
(و) سن (بسط) يده (اليسرى) في التشهد فلا يقبض من أصابعها شيئًا (ثم يتشهد) وجوبًا، ويسر به استحبابًا (فيقول: التحيات للَّه) جمع تحية، أي: العظمة، روي ذلك عن ابن عباس 397. وعن أبي عمرو 398: الملك والبقاء 399. وعن ابن الأنباري 400: السلام 401. وجُمِعَ لأن ملوك الأرض يحيون بتحيات مختلفة.
(والصلوات) قيل: الخمس.
وقيل المعلومة في الشرع.
وقيل: الرحمة.
وقال الأزهري: العبادات كلها 402. وقيل: الأدعية، أي هو المعبود بها 403.
(والطيبات) أي: الأعمال الصالحة، روي ذلك عن ابن عباس 404. أو من الكلام.
قاله ابن الأنباري 405. (السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته) جمع بركة، وهي النماء والزيادة.
(السلام علينا) أي الحاضرين من إمام ومأموم وملائكة.
(وعلى عباد اللَّه الصالحين) جمع صالح، والصالح القائم بحقوق اللَّه تعالى، وحقوق عباده، والمكثر من العمل الصالح بحيث
الجزء: 1 - الصفحة: 191
لا يعرف منه غيره 406، ويدخل فيه النساء، ومن لا يشاركه في صلاته، لقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإنكم إذا قلتموها، أصابت كل عبد صالح للَّه في السماء والأرض" 407. (أشهد أن لا إله إلا اللَّه) أي: أخبر بأني قاطع بالوحدانية، ومن خواص لا إله إلا اللَّه أن حروفها كلها جوفية ليس فيها حرف شفوي، لأن المراد به الإخلاص، فيأتي بها من خالص 408 جوفه وهو القلب لا من الشفتين، وكل حروفها مهملة دالة على التجرد من كل معبود سوى اللَّه تعالى.
(وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) لحديث ابن مسعود قال: كنا إذا جلسنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصلاة قلنا: السلام على اللَّه من عباده, السلام على جبرائيل، السلام على فلان.
فسمعنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "إن اللَّه هو السلام، فإذا جلس أحدكم فليقل: التحيات.
. . إلخ.
قال: ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به" 409. وفي لفظ: علمني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- التشهد كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن 410. قال الترمذي: هو أصح حديث في التشهد.
والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- والتابعين 411. وليس في المتفق عليه حديث غيره.
رواه -أيضًا- ابن عمر 412، . . . . . . . . . . .
الجزء: 1 - الصفحة: 192
وجابر 413، وأبو هريرة 414، وعائشة 415. ويترجح بأنه اختص بأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره بأن يعلمه الناس.
رواه أحمد 416.
(ثم ينهض) قائمًا (في) صلاة (مغرب ورباعية) كظهر (مكبرًا) لأنه انتقال إلى قيام فأشبه القيام من السجود الأولى 417 (ويصلي الباقي) من صلاته، وهو ركعة من مغرب، وركعتان من رباعية (كذلك) أي كالركعتين الأول، إلا أن قراءته هنا تكون (سرًّا) ويكون (مقتصرًا على الفاتحة) للأخبار الصحيحة 418.
(ثم يجلس) للتشهد الثاني (متوركًا) بأن يفترش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى ويخرجهما من تحته عن يمينه ويجعل إليتيه على الأرض 419. لقول أبي حميد في صفة صلاته -صلى اللَّه عليه وسلم-: فإذا كان في الرابعة أفضى إلى الأرض بوركه اليسرى، وأخرج قدميه من ناحية واحدة.
رواه أبو داود 420.
الجزء: 1 - الصفحة: 193
وخُص التشهد الأول بالافتراش، والثاني بالتورك خوف السهو، ولأن الأول خفيف والمصلي بعده يبادر للقيام بخلاف الثاني، فليس بعده عمل، بل يسن مكثه لنحو تسبيح ودعاء.
وإن سجد لسهو بعد السلام في ثلاثية أو رباعية تورك في تشهد سجوده، وفي ثنائية [و] 421 وتر يفترش.
(فيأتي بالتشهد الأول) كما تقدم (ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم) أي إبراهيم وآله (إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)
لحديث كعب بن عجرة قال: قلنا: يا رسول اللَّه قد علمنا أو عرفنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة؟ قال: قولوا: "اللهم صلِّ على محمد.
. . إلخ".
متفق عليه 422.
(وسن أن يتعوذ) من أربع (فيقول: أعوذ باللَّه من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات) أي: الحياة والموت (ومن فتنة المسيح الدجال) لحديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليتعوذ باللَّه من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال".
رواه مسلم وغيره 423. والمسيح بالحاء المهملة على المعروف 424. = لهيعة.
وفيه مقال.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 194
وسن -أيضًا- أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من المأثم 425 و) من (المغرم 426) لما في "الصحيحين" 427 من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم ومن المغرم".
وإن دعا بما ورد في القرآن نحو: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ 428 فلا بأس به.
أو دعا بما ورد في السنة نحو: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت.
فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" متفق عليه من حديث الصديق حين قال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: علمني دعاء أدعو به.
قال: "قل".
. . فذكره 429.
أو دعا بما ورد عن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- كحديث 430 ابن
الجزء: 1 - الصفحة: 195
مسعود [موقوفًا] 431، وذهب إليه أحمد 432. قال ابنه عبد اللَّه: سمعت أبي يقول في سجوده: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصن وجهي عن المسألة لغيرك 433.
أو دعا بأمر الآخرة، لعموم حديث أبي هريرة -السابق- 434 وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أما السجود، فأكثروا فيه الدعاء" 435. ولم يعين لهم ما يدعون به، فدل على إباحته لهم جميع الدعاء إلا ما خرج منه بدليل، ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في قنوته: "اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة" 436.
ولا تبطل -أيضًا- بقوله: لعنه اللَّه، عند ذكر الشيطان.
ولا بتعويذ نفسه بقرآن لحمى ونحوها، ولا يقول: بسم اللَّه، للدغ عقرب.
(وتبطل) الصلاة (بدعاء بأمر الدنيا) نحو: اللهم ارزقني جارية حسناء، أو طعامًا طيبًا، ونحو ذلك، مما يقصد به ملاذ الدنيا وشهواتها،
الجزء: 1 - الصفحة: 196
لحديث: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن".
رواه مسلم 437.
وتبطل إن دعا لشخص معين بكاف الخطاب لغير النبي 438 -صلى اللَّه عليه وسلم- (ثم يقول عن يمينه، ثم عن يساره) استحبابًا: (السلام عليكم ورحمة اللَّه) والأولى أن لا يزيد، لحديث سعد بن أبي وقاص قال: كنت أرى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-[يُسَلِّمُ] 439 عن يمينه وعن يساره حتى يُرى بياض خده.
رواه مسلم 440.
ويكون تسليمه [مرتبًا] 441 (معرفًا) بأل (وجوبًا) ولا يجزئ: سلام
الجزء: 1 - الصفحة: 197
عليكم، ولا سلامي عليكم، ولا سلام اللَّه عليكم، ولا عليكم السلام، ولا السلام عليهم، لأن الأحاديث قد صحت بأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقول: "السلام عليكم" 442 ولم ينقل عنه خلافه.
وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 443.
وسن التفاته عن يساره أكثر من التفاته عن يمينه، لحديث عمار -مرفوعًا-: كان يسلم عن يمينه حتى يُرى بياض خده الأيمن، وإن سلم عن يساره يُرى بياض خده الأيمن والأيسر.
رواه يحيى بن محمد بن صاعد 444 بإسناده 445.
وسن -أيضًا- حذف السلام، وهو: أن لا يطيله 446، لقول أبي هريرة: حذف السلام سنة.
وروي مرفوعًا، رواه الترمذي وصححه 447.
الجزء: 1 - الصفحة: 198
وسن جزمه 448 لقول النخعي 449: السلام جزم والتكبير جزم 450.
وسن -أيضًا- نيته به لخروج من الصلاة، لتكون النية شاملة لطرفي الصلاة.
(وامرأة كرجل) في جميع ما تقدم، لشمول الخطاب لها في قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 451. إلا في صور ذكرها بقوله: (لكن تجمع نفسها) في نحو ركوع وسجود، فلا تسن لها المجافاة، لحديث يزيد 452 بن أبي حبيب، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مَرَّ على امرأتين تصليان فقال: "إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى بعض فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل".
رواه أبو داود في "مراسيله" 453 ولأنها عورة، فالأليق لها الانضمام.
= وهو ضعيف، ولم يخرج له مسلم محتجًا به، بل مقرونًا بغيره.
. . اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 199
(وتجلس متربعة أو) تجلس (مسدلة (1) رجليها عن يمينها، وهو أفضل) من تربعها، لأنه غالب جلوس عائشة (2)، وأشبه بجلسة الرجل، وأسهل عليها.
وتسر بالقراءة إن سمعها أجنبي خشية الفتنة بها.
والخنثى كالأنثى فيما تقدم احتياطًا.
تتمة
:
يسن عقب مكتوبة أن يستغفر ثلاثًا، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام، لما روى ثوبان أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا سلَّم استغفر ثلاثًا، ويقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام".
رواه مسلم 456.
ثم يقول: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا باللَّه، لا إله إلا اللَّه ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
قال ابن الزبير -رضي اللَّه عنه-: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يهلل بهن دبر كل صلاة.
رواه مسلم 457.
وعن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-454455
الجزء: 1 - الصفحة: 200
يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
متفق عليه 458.
ثم يقول: اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، لما روي عن معاذ -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أخذ بيده وقال: "يا معاذ واللَّه إني لأحبك.
فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
رواه أبو داود والنسائي 459.
ويقرأ بالمعوذتين، لما روي عن عقبة بن عامر -رضي اللَّه عنه- قال: أمرني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة.
رواه أبو داود، والنسائي وغيرهما 460، وفي رواية أبي 461 داود "بالمعوذات".
قال الإمام النووي في "الأذكار" 462: فينبغي أن يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و {قُلْ أَعُوذُ
الجزء: 1 - الصفحة: 201
بِرَبِّ الْفَلَقِ}، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ 463.
ثم يقول ثلاثة وثلاثين: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر، للخبر 464، ويفرغ من عدد الكل معًا، قاله أحمد في رواية أبي داود للنص 465.
ويعقدُه أي: التسبيح والتحميد والتكبير بعقد أصابعه استحبابًا.
ويعقد الاستغفار بيده، لحديث يُسَيرة، قالت: قال لنا رسول اللَّه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عليكن بالتهليل، والتسبيح، والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأصابع فإنهن مسؤولات مستنطقات".
رواه أحمد وغيره 466.
الجزء: 1 - الصفحة: 202
ومما ورد أيضًا: اللهم أجرني من النار.
سبع مرات بعد المغرب والفجر قبل أن يتكلم، لما روي عن عبد الرحمن بن حسان 467 عن مسلم بن الحارث التميمي 468، عن أبيه، وقيل: الحارث بن مسلم 469 عن أبيه، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أسَرَّ إليه فقال: "إذا انصرفت من صلاة المغرب فقل: اللهم أجرني من النار.
سبع مرات.
وفي رواية: قبل أن تكلِّم أحدًا، فإنك إذا قلت ذلك ثم مت في ليلتك كتب لك جوار منها، وإذا صليت الصبح فقل مثل ذلك، فإنك إذا مت من يومك كتب لك جوار منها، قال الحارث: أسر بها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونحن نخص بها إخواننا".
رواه أبو داود 470. = الأنصارية، وتكنى أم حميضة.
قال ابن سعد: أسلمت وبايعت وروت حديثًا.
ينظر: "الإصابة" 13/ 173.
الجزء: 1 - الصفحة: 203
ويقرأ آية الكرسي وسورة الإخلاص بعد كل فريضة -أيضًا- لخبر أبي أمامة: "من قرأ آية الكرسي وقل هو اللَّه أحد، دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت".
إسناده جيد.
رواه الطبراني، وابن حبان 471.
ويقول بعد صلاة الصبح وهو ثانٍ رجليه، وفي لفظ: والمغرب قبل أن يتكلم: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، لما روى الترمذي وغيره عن أبي ذر -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من قال في دبر صلاة الصبح وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير.
عشر مرات كتبت له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك باللَّه تعالى" قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح 472. انتهى من = عند ابن حبان في صحيحه -كما في "الإحسان"- (5/ 366، 367) وقد حسنه الحافظ في "نتائج الأفكار" (2/ 310).
الجزء: 1 - الصفحة: 204
"الأذكار" 473.
ويدعو الإمام بعد كل مكتوبة استحبابًا، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7)﴾ 474 ولأن إدبار المكتوبات من أوقات الإجابة، وخصوصًا بعد الفجر والعصر لحضور الملائكة فيهما فيؤمِّنون 475.
قال شيخنا الشيخ عبد القادر 476 -قدس اللَّه روحه- في كتابه = قلت: وهي رواية أبي يعلى السبخي.
وهي غلط، لأن سنده مضطرب، وشهر بن حوشب مختلف في توثيقه.
اهـ والرواية التي فيها أن ذلك يقال -أيضًا- بعد المغرب، هي عند النسائي في "عمل اليوم والليلة" (57) من حديث معاذ بن جبل.
ينظر: "نتائج الأفكار" (2/ 306، 307).
الجزء: 1 - الصفحة: 205
"الغنية" 477: لا ينبغي للإمام والمأموم أن يخرجا من المسجد من غير دعاء، قال اللَّه -عز وجل-: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7)﴾ 478 أي: إذا فرغت من العبادة، فانصب للدعاء 479، وارغب فيما عند اللَّه، واطلبه منه.
وقد جاء في الحديث عن أنس بن مالك، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "إذا قام الإمام في محرابه، وتواتر الصفوف، نزلت الرحمة، فأول ذلك يصيب الإمام، ثم من عن يمينه، ثم من عن يساره، ثم تتفرق الرحمة على الجماعة، ثم نادى ملك: ربح فلان، وخسر فلان، والرابح من يرفع يده بالدعاء إلى اللَّه إذا 480 فرغ من صلاته المكتوبة.
والخاسر هو الذي خرج من المسجد بلا دعاء، فإذا خرج بلا دعاء، قالت الملائكة: يا فلان، استغنيت عن اللَّه؟ = فقيه، واعظ.
ولد بجيلان -وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان- سنة (471 هـ) وقدم بغداد شابًا.
ألف كتاب "الغنية لطالب طريق الحق" وغيره.
قال الذهبي: وفي الجملة الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه، واللَّه الموعد، وبعض ذلك مكذوب عليه.
اهـ، وقد أشار ابن رجب إلى كتاب أبي الحسن الشطنوفي المصري في "أخبار عبد القادر ومناقبه"، ووصفه بأنه لا يعتمد عليه، لكثرة ما فيه من الرواية عن المجهولين.
قال: وفيه من الشطح، والطامات، والكلام الباطل ما لا يحصى، ولا يليق نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر -رحمه اللَّه-.
اهـ، وقال ابن رجب -أيضًا-: وانتصر أهل السنة بظهور الشيخ عبد القادر.
اهـ، توفي -رحمه اللَّه- سنة (561 هـ)، ينظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (1/ 290، 301)، و"سير أعلام النبلاء" (22/ 439، 451)، و"الأنساب" للسمعاني (3/ 462، 463)، و"التصوف في ميزان البحث والتحقيق" للسندي (1/ 509، 514). تنبيه: قول المؤلف: "شيخنا الشيخ عبد القادر.
. . " يعني أنه شيخ طريقته الصوفية الفاسدة، التي تنسب للشيخ عبد القادر -رحمه اللَّه- وهو منها بريء.
لا أنه شيخه مباشرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 206
مالك عند اللَّه حاجة؟ " انتهى 481.
فحينئذ تبين لك فساد ما ذهب إليه.
. . . . . . . . ابن عبد الوهاب 482، من نهيه عن رفع اليدين بالدعاء بعد الفراغ من الأذكار
الجزء: 1 - الصفحة: 207
الواردة أدبار الصلوات المكتوبات، وجعله ذلك من البدع المضلة بغير علم 483، وإنما مراده مخالفة جماعة المسلمين -تولاه اللَّه بعدله- وأما الذي أغراه على إنكار رفع اليدين بالدعاء أدبار الصلوات 484 فهو ما وقف عليه من كلام الإمام ابن القيم في "الهدي النبوي" 485 من قوله: وأما الدعاء بعد = عبد الوهاب" لحسين خلف الشيخ خزعل.
الجزء: 1 - الصفحة: 208
السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين، فلم يكن ذلك من 486 هديه -صلى اللَّه عليه وسلم- 487 أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن.
انتهى.
وكلام ابن القيم ردٌّ عليه، لو فهمه؛ لأن مراده رفع اليدين بالدعاء من حين السلام، قبل التسبيح والتحميد والأذكار 488، ويدل عليه قوله بعد ذلك، قال -قدس اللَّه روحه-: إلا أن هنا نكتة لطيفة، وهي أن المصلي إذا فرغ من صلاته، وذكر اللَّه وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقب الصلاة، استحب له أن يصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد ذلك، وأن يدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة، فإن كل من ذكر اللَّه وحمده وأثنى عليه وصلى على رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، استُحب له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فضالة بن عبيد: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد اللَّه والثناء عليه، [ثم ليصل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-] 489، ثم ليدعُ بما 490 شاء".
قال الترمذي: حديث صحيح 491. انتهى كلامه.
ومن آداب الدعاء: بسط اليدين، ورفعهما إلى الصدر، وكشفهما أوْلى.
والبداءةُ بحمد اللَّه والثناء عليه، وختمه به، والصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أوله وآخره، قال الآجري 492: ووسطه، لخبر
الجزء: 1 - الصفحة: 209
جابر 493. وسؤاله بأسمائه وصفاته، بدعاء جامع مأثور، بتأدب، وخشوع، وخضوع، وعزم، ورغبة، وحضور قلب، ورجاء، ويكون متطهرًا، مستقبل القبلة، ويلح في الدعاء، ويكرره ثلاثًا، ويبدأ بنفسه، ويُؤمِّن مستمع، فيكون كداع، ويؤمن داع في أثناء دعائه، ويختمه به.
وظاهر كلام جماعة 494: لا يكره رفع بصره فيه إلى السماء، ولمسلم من حديث مقداد مرفوعًا: "رفع بصره إلى السماء فقال: اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني" 495. = و"أخلاق العلماء"، و"التصديق بالنظر إلى اللَّه في الآخرة"، و"التهجد"، و"مختصر في الفقه"، توفي -رحمه اللَّه- سنة (360 هـ). ينظر: "تاريخ بغداد" (2/ 243)، و"سير أعلام النبلاء" (16/ 133)، و"النجوم الزاهرة" (4/ 60)، و"المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد" للعليمي (2/ 271)، و"مقدمة كتاب الشريعة" للدميجي (1/ 77، 166). وكلامه هذا ذكره ابن مفلح في "الفروع" (1/ 342). وغالبًا ما ينقل ابن مفلح عن كتاب "النصيحة" للآجري -كما ذكر ذلك العليمي- فلعل هذا النص منها.
الجزء: 1 - الصفحة: 210
ولا يكره للإمام الذي لا يُؤَمِّن لدعائه أن يخص نفسه بالدعاء.
ومن آداب الدعاء: الإخلاص 496، واجتناب الحرام؛ لأنها تبعد إجابة آكل الحرام؛ لحديث: "رُب أشعث أغبر.
. . " الحديث 497، إلا مضطرًا أو مظلومًا، فإن دعاءه يستجاب.
(وكره فيها) أي: الصلاة (التفات ونحوه) لحديث عائشة قالت: سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الالتفات في الصلاة، فقال: "هو اختلاسٌ 498
الجزء: 1 - الصفحة: 211
يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
رواه البخاري 499. (بلا حاجة) فإن كان ثم حاجة، لم يكره، كخوف ومرض، لحديث سهل بن الحنظلية قال: "ثُوِّب بالصلاة، فجعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي، وهو يلتفت إلى الشِّعْبِ" 500. رواه أبو داود 501، قال: وكان أرسل فارسًا إلى الشعب يحرس 502، وكذا قال ابن عباس: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يلتفت يمينًا وشمالًا ولا يلوي عنقه".
رواه النسائي 503.
وإن استدار بجملته، بطلت صلاته، لتركه الاستقبال، إلا في شدة خوف، وإلا إذا تغير اجتهاده؛ لأن قبلته صارت التي تغير إليها اجتهاده، فلا تبطل بذلك، فإن كان الالتفات بوجهه فقط أو به مع صدره، لم تبطل.
(و) كره فيها (إقعاء) في جلوسه، بأن يفترش قدميه، ويجلس على عقبيه 504.
الجزء: 1 - الصفحة: 212
(و) كره فيها -أيضًا- (افتراش 505 ذراعيه ساجدًا) لحديث جابر مرفوعًا: "إذا سجد أحدكم، فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب" رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح 506. (و) كره فيها (عبث) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رجلًا يعبث في الصلاة فقال: "لو خشع قلب هذا، لخشعت جوارحه" 507. (و) كره فيها -أيضًا- (تخصُّر) أي: وضع يده على خاصرته 508؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "نهي أن يُصلي الرجل مختصرًا" متفق عليه 509. وكره فيها تمطٍّ 510 لأنه يخرجه عن هيئة الخشوع.
الجزء: 1 - الصفحة: 213
(و) كره -أيضًا- (فرقعة أصابع وتشبيكها) لقول علي مرفوعًا: "لا تقعقع أصابعك وأنت في الصلاة" رواه ابن ماجه 511.
وعن كعب بن عجرة "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رجلًا قد شبك أصابعه في الصلاة، ففرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين أصابعه" رواه الترمذي وابن ماجه 512، وقال ابن عمر -في الذي يصلي وهو مشبك-: تلك صلاة المغضوب عليهم.
رواه ابن ماجه 513.
(و) كره صلاته مع (كونه حاقنًا) -بالنون- أي: محتبس البول 514 حيث يبتدئها (ونحوه) أي: نحو الحاقن، ككونه حاقبًا -بالموحدة- أي = الصلاة.
وروى -أيضًا- عن إبراهيم قال: كان يكره التمطي عند النساء في الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 214
محتبس الغائط 515.
(و) كره أن يبتدئها -أيضًا- مع بهونه (تائقًا) أي: مشتاقًا (لطعام ونحوه)، كشراب وجماع؛ حديث عائشة مرفوعًا: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان 516 " رواه مسلم 517، وظاهره: ولو خاف فوت الجماعة؛ لما في البخاري: "وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه يسمع قراءة الإمام" 518 إلا إن ضاق الوقت عن المكتوبة، فتجب، ويحرم اشتغاله بغيرها.
ويكره -أيضًا- للمصلي حمده إذا عطس، أو وجد ما يسره، واسترجاعه 519 إذا وجد ما يَغُمُّهُ، وكذا قول: بسم اللَّه إذا لُسعَ، أو: سبحان اللَّه إذا رأى ما يعجبه، ونحوه، خروجًا من خلاف من أبطل الصلاة بذلك 520.
وكذا لو خاطب بشيء من القرآن، كقوله لمن دق عليه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46)﴾ 521 ونحوه فيكره.
وسن لمصل تفرقته بين قدميه حال قيامه قدر شبر، ومراوحته بين قدميه؛ بأن يقف على أحدهما مرة، ثم على الأخرى أخرى، إذا طال قيامه؛ لأنه من السنة 522، وتكره كثرة المراوحة بين قدميه؛ لأنه يشبه تمايل
الجزء: 1 - الصفحة: 215
اليهود 523. = عن أبي عبيدة أن عبد اللَّه رأى رجلًا يصلي قد صف بين قدميه فقال: "خالف السنة، ولو راوح بينهما كان أفضل" وفى لفظ له: "أخطأ السنة، ولو راوح بينهما كان أعجب إليّ".
قال ابن الأثير في "النهاية" (2/ 274) على حديث: "كان يراوح بين قدميه من طول القيام" أي: يعتمد على إحداهما مرة وعلى الأخرق مرة، ليوصل الراحة إلى كل منهما.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 216
وسن لمصل رد مار بين يديه آدمي أو غيره، بلا عنف؛ لحديث أم سلمة: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد اللَّه، أو عمر بن أبي سلمة، فقال بيده [هكذا] 524 فرجع، فمرت بين يديه زينب بنت أم سلمة، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "هن أغلب" رواه ابن ماجه 525. ما لم يغلبه المار، كما تقدم في بنت أم سلمة، أو يكن المار محتاجًا إلى المرور كضيق الطريق.
وتُكره الصلاة في موضع يحتاج فيه إلى المرور إلا بمكة المشرفة، فلا يضر المرور بين يديه؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- "صلى بمكة، والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة" 526 رواه الإمام أحمد، وغيره 527. فإن أبى المار إلا المرور من غير حاجة، دفعه، فإن أصر على إرادة المرور ولم يندفع بالدفع، فللمصلي قتاله، لا بنحو سيف، ولو مشى إليه قليلًا، ولا تبطل صلاته به؛ لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى، فليقاتله، فإنما هو شيطان" متفق عليه 528.
وتنقص صلاة من لم يرد المار بين يديه بلا عذر.
الجزء: 1 - الصفحة: 217
ويحرم مرورٌ بين المصلي وبين سترته، ولو كانت بعيدة؛ لحديث أبي جهم عبد اللَّه بن الحارث بن الصمة -مرفوعًا-: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ما [ذا] 529 عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين، خير له من أن يمر بين يديه" 530. ولمسلم: "لأن يقف أحدكم مائة عام، خير من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي" 531.
فإن لم يكن له سترة، فإنه يحرم المرور في ثلاثة أذرع فأقل، من قدم المصلي.
ولمصل عَدُّ آي، وتسبيح بأصابعه، وقول: سبحانك قبلى إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)﴾ 532 نصًّا 533، فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، وأما ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)﴾ 534 ففي الخبر فيها نظر 535، ذكره في
الجزء: 1 - الصفحة: 218
"الفروع" 536.
ولمصل قراءة في المصحف، ونظر فيه 537.
وله سؤال عند آية رحمة، وتعوذ عند آية عذاب 538.
وله رد السلام بإشارة 539.
(وإذا نابه) أي: المصلي (شيء) أي: عرض له أمر كاستئذان عليه، وسهو إمامه، (سبَّح رجل) بإمام وجوبًا، وبمستأذن استحبابًا، ولا تبطل = سمعت أعرابيًّا يقول: سمعت أبا هريرة -رضي اللَّه عنه- يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من قرأ منكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1)﴾ فانتهى إلى آخرها ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين.
ومن قرأ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)﴾.
. . " الحديث.
قال الترمذي: هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي، عن أبي هريرة، ولا يسمى.
اهـ قال النووي في "المجموع" (4/ 67) -بعد أن نقل قول الترمذي هذا-: قلت: فهو ضعيف، لأن الأعرابي مجهول، فلا يعلم حاله.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 219
صلاته إن أكثر تسبيحه؛ لأنه من جنس الصلاة.
(وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى) لحديث سهل بن سعد مرفوعًا: "إذا نابكم شيء في صلاتكم، فلتسبح الرجال، ولتصفق النساء" متفق عليه 540، وتبطل صلاتها إن أكثر تصفيقها؛ لأنها عمل من غير جنسها.
ومن غلبه تثاؤب، كظم ندبًا، وإلا وضع يده على فِيْهِ، لحديث: "إذا تثاءب أحدكم في الصلاة، فليكظم 541 ما استطاع، فإن الشيطان يدخل فاهُ" رواه مسلم، وللترمذي: "فليضع يديه على فيه" 542. قال بعضهم 543: اليسرى بظهرها؛ ليشبه الدافع له.
(ويزيل) مصلٍّ (بصاقًا 544، ونحوه) كمخاط 545 ونخامة 546 (بثوبه) أي: في ثوبه (ويباح) بصاق ونحوه (في غير مسجد عن يساره) وتحت قدمه، زاد بعضهم 547: اليسرى؛ لحديث: "فإذا تنخَّع أحدكم، فليتنخع عن يساره، أو تحت قدمه، فإن لم يجد، فليقل هكذا -ووصف القاسم- 548 فتفل
الجزء: 1 - الصفحة: 220
في ثوبه فمسح بعضه على بعض" 549. ولحديث: "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها" رواه مسلم 550. وهل المراد بالخطيئة: الحرمة أو الكراهة؟ قولان 551، ذكره.
. . . . . . . .
الجزء: 1 - الصفحة: 221
السيوطي 552. (ويكره) بصاقه ونحوه (أمامه و) على (يمينه) لظاهر الخبر 553، واحترامًا لحَفَظَة اليمين 554. ويلزم من رأى بصاقًا ونحوه في المسجد إزالته؛ لخبر أبي ذر: "وجدت في مساوئ أعمالنا النخامة تكون في المسجد لا تدفن" رواه مسلم 555. وسن صلاته إلى سترة، فإن كان في مسجد أو بيت، صلى إلى حائط أو سارية، وإن كان في فضاء، صلى إلى سترة بين يديه مرتفعة قدر ذراع فأقل؛ لحديث طلحة بن عبيد اللَّه -مرفوعًا-: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل = و"شرح مسلم" للنووي (5/ 41)، و"فتح الباري" لابن حجر (1/ 512)، و"تحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد" للجراعي (ص 200)، و"فتح الباري" لابن رجب (3/ 128، 129)، و"الفروع" لابن مفلح (1/ 363).
الجزء: 1 - الصفحة: 222
مؤخرة الرحل 556 فليصل ولا يبالي من مرّ وراء ذلك" رواه مسلم 557، ومؤخرة الرحل: عود في مؤخره، وتختلف، فتارة تكون ذراعًا وتارة تكون دونه، والمراد رحل البعير وهو أصغر من القتب 558، وسواء في ذلك الحضر والسفر، خشي مارًا بين يديه أم ألا.
وكان يركز له -صلى اللَّه عليه وسلم- الحربة 559 في السفر، فيصلي إليها 560، ويعرض له البعير، فيصلي إليه 561.
وعرض السترة أعجب إلى الإمام أحمد -رضي اللَّه عنه- قال: ما كان أعرض فهو أعجب إلي انتهى 562. لحديث سبرة 563 -مرفوعًا-: "استتروا في الصلاة ولو بسهم" رواه الأثرم 564، فقوله: "ولو بسهم".
يدل على أن غيره أولى منه.
ويسن قربه منها نحو ثلاثة أذرع من قدميه؛ لحديث سهل بن أبي حثمة مرفوعًا: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" رواه أبو داود 565، وعن سهل بن سعد: (كان بين النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-
الجزء: 1 - الصفحة: 223
وبين السترة ممر الشاة) رواه البخاري 566، و"صلى في الكعبة، وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع" رواه أحمد والبخاري 567.
وسن انحرافه عنها يسيرًا؛ لفعله عليه الصلاة والسلام، رواه أحمد وأبو داود 568. وإن تعذر غرز عصا وضعها بين يديه.
ويصح تستر ولو بخيط أو طرف حصير وكل ما اعتقده سترة، وسترة مغصوبة ونجسة كغيرها، قدمه في "الرعاية" 569 وفيه وجه، وفي "الإنصاف" 570: الصواب أن النجسة ليست كالمغصوبة.
فتكره الصلاة إلى المغصوبة كالقبر.
فإن لم يجد شيئًا خط خطًّا كالهلال، وصلى إليه؛ لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، وإن لم يجد، = باب الأمر بالدنو من السترة (2/ 62)، وصححه الحاكم في "المستدرك" (1/ 252)، والنووي في "المجموع" (3/ 244).
الجزء: 1 - الصفحة: 224
فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا، فليخط خطًّا، ثم لايضر من مر أمامه" رواء أبو داود 571، فإذا مرَّ من ورائها، لم يكره.
فإن لم تكن سترة فمر بين يديه كلب أسود بهيم 572، بطلت صلاته، وكذا لو مر بينه وبين سترته؛ لحديث أبي ذر مرفوعًا: "إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره مثل آخرة الرحل، فإن لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود" قال عبد اللَّه بن الصامت 573: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول اللَّه عما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان" رواه مسلم وغيره 574.
ولا تبطل الصلاة إذا مر بين يديه امرأة وحمار وشيطان وكلب غير أسود بهيم؛ لأن زينب بنت أم سلمة مرت بين يدي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يقطع صلاته 575.
وعن الفضل بن عباس: أتانا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ونحن في بادية، فصلى في
الجزء: 1 - الصفحة: 225
الصحراء ليس بين يديه سترة، وحمار لنا وكلبة يعبثان بين يديه، فما بالى بذلك.
رواه أبو داود 576، قلت: وهذا يخالف عبارة "شرح المنتهى" للعلامة منصور 577، لكنه مخصوص بحديث أبي ذر فتدبرها، يبن لك أن كلام "الشارح" 578 غير مستقيم، وما في "شرح المنتهى" هو الصواب؛ لتخصيص حديث أبي ذر الصحيح، المتقدم آنفًا 579: أنه يقطع صلاته المرأة
الجزء: 1 - الصفحة: 226
والحمار والكلب الأسود، فتأمل ذلك.
وسترة الإمام سترة لمن خلفه 580، فلا يضر مرور شيء بين أيديهم، ولو مما يقطع الصلاة.
وإن مر بين الإمام وبين سترته ما يقطع صلاته، قطع صلاتهم -أيضًا-.
الجزء: 1 - الصفحة: 227
فصل
تنقسم أقوال الصلاة وأفعالها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما لا يسقط عمدًا ولا سهوًا، وهي الأركان؛ لأن الصلاة لا تتم إلا بها، وسميت أركانًا؛ تشبيهأ بركن البيت الذي لا يقوم إلا به 581، وبعضهم سماها: فروضًا 582.
الثاني: ما تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسقط سهوًا وجهلًا، ويجبر بالسجود، ويسمى الواجب، اصطلاحًا.
الثالث: ما لا تبطل بتركه مطلقًا، وهو السنن.
وأركان الصلاة ما كان فيها بخلاف الشروط، فإنها قبلها كما تقدم 583، (وجملة أركانها) أي: الصلاة (أربعة عشر) ركنًا بالاستقراء، وعدها في "المقنع" 584 و"الوجيز" 585 وغيرهما اثني عشر، وفي "البلغة" 586 عشرة، وعد منها النية.
الأول من الأركان: (القيام) في فرض، ولو على الكفاية لقادر؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 587 وحديث عمران -مرفوعًا-: "صل
الجزء: 1 - الصفحة: 228
قائمًا، فإن لم تستطع، فقاعدًا.
. . إلخ" رواه البخاري 588. وخص بالفرض لحديث عائشة -مرفوعًا-: "كان يصلى ليلًا طويلًا قاعدًا.
. . " الحديث.
رواه مسلم 589، سوى خائف بالقيام، كمن بمكان له حائط يستره جالسًا فقط، ويخاف بقيامه نحو عدو، فيجوز أن يصلي جالسًا، وسوى عريان، وتقدم 590، وسوى مريض يمكنه قيام، لكن لا تمكن مداواته قائمًا، فيسقط عنه القيام لمداواته، ويصلي جالسًا؛ دفعًا للحرج، وكذا يصلي جالسًا؛ لأجل قِصَرِ سقف لعاجز عن خروج لحبس ونحوه، وكذا خلف إمام الحي، وهو الإمام الراتب، المصلي جالسًا المرجو زوال علته، ويأتي 591.
(و) الثاني من الأركان: (التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام؛ لحديث أبي سعيد -مرفوعًا-: "إذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا صفوفكم، وسدوا الفُرَج، وإذا قال إمامكم: اللَّه أكبر، فقولوا: اللَّه أكبر" رواه الإمام أحمد 592، ولم ينقل عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه افتتح الصلاة بغيرها.
(و) الثالث: قراءة (الفاتحة) في كل ركعة، وتقدم موضحًا 593، ويتحملها إمام عن مأموم، ويأتي 594.
(و) الرابع: (الركوع) إجماعًا 595 في كل ركعة؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا
الجزء: 1 - الصفحة: 229
الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا} 596 وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث المسيء في صلاته -المتفق عليه-: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا" 597.
(و) الخامس: (الاعتدال عنه) أي: الركوع؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحديث المذكور 598: "ثم ارفع" ولا تبطل إن طال اعتداله.
(و) السادس: (السجود) إجماعًا 599 في كل ركعة مرتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ 600 ولحديث المسيء في صلاته 601.
(و) السابع: (الاعتدال عنه) أي: السجود.
(و) الثامن: (الجلوس بين السجدتين) لقوله عليه الصلاة والسلام للمسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا" 602.
(و) التاسع: (الطمأنينة) في كل فعل مما تقدم؛ لأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- للمسيء في صلاته عند ذكر كل فعل منها بالطمأنينة 603، والطمأنينة: السكون وإن قل 604.
(و) العاشر: (التشهد الأخير) لحديث ابن مسعود: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على اللَّه، السلام على فلان.
فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-
الجزء: 1 - الصفحة: 230
قولوا: التحيات للَّه.
. . " إلخ رواه الدارقطني والبيهقي وصححاه 605، وفيه دلالة على فرضيته من وجهين: أحدهما قوله: "قبل أن يفرض علينا التشهد" والثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: "قولوا" والأمر للوجوب.
وقد ثبت الأمر به في "الصحيحين" -أيضًا- من قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا قعد أحدكم في صلاته، فليقل: التحيات للَّه.
. . " الحديث متفق عليه 606.
(و) الحادي عشر: (جلسته) أي: التشهد الأخير، والتسليمتين؛ لأنه ثبت أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- واظب عليه كذلك، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 607.
(و) الثاني عشر: (الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام).
(و) الثالث عشر: (التسليمتان) على الصفة التي تقدمت 608؛ لحديث: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" 609 ويكفي في صلاة جنازة وسجود تلاوة، وشكر، وجميع النفل، تسيمة واحدة.
(و) الرابع عشر: (الترتيب) بين الأركان على ما تقدم هنا، وفي صفة الصلاة، لحديث المسيء في صلاته، حيث علمه إياها مرتبة بـ "ثم" المقتضية للترتيب 610، وصح عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يصلي كذلك، وقال: "صلوا كما
الجزء: 1 - الصفحة: 231
رأيتموني أصلي" 611.
(وواجباتها) أي: الصلاة.
وهو ما كان فيها؛ ليخرج الشرط.
وهو القسم الثاني، وهو الذي تبطل الصلاة بتركه عمدًا لتخرج السنن، ويسجد لسهوه؛ لتخرج الأركان (ثمانية) -خبر المبتدأ-.
أحدها: التكبير غير تكبير التحريمة؛ لقول أبي موسى الأشعري -مرفوعًا-: "فإذا كبر الإمام وركع، فكبروا واركعوا، وإذا كبر وسجد، فكبروا واسجدوا" رواه أحمد وغيره 612. لغير مأموم 613 أدرك إمامه راكعًا، فإن تكبيرته التي بعد تكبيرة الإحرام سنة.
(و) الثاني: (التسميع) أي: قوله: سمع اللَّه لمن حمده، لإمام ومنفرد، دون مأموم.
وتقدم 614.
(و) الثالث: (التحميد) أي: قول: ربنا ولك الحمد.
للكل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا قال الإمام: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" 615.
(و) الرابع: (تسبيح) أول في (ركوع).
(و) الخامس: تسبيح أول في (سجود) وتقدم 616.
(و) السادس: (قول: رب اغفر لي) إذا جلس بين السجدتين (مرة مرة) في التسبيح، وفي ربِّ اغفر لي، كما
الجزء: 1 - الصفحة: 232
تقدم 617.
ومحل ما تقدم من تكبير الانتقال والتسميع لإمام، ومنفرد، والتحميد لمأموم بين ابتداء انتقال وانتهائه؛ لأنه مشروع له فاختص به، وإن شرع فيه قبل شروعه في الانتقال، بأن كبر لسجود قبل هويه إليه، أو سمَّعَ قبل رفعه من ركوع لم يجزئه أو كمله بعده، وكذا سؤال المغفرة.
لو شرع فيه قبل الجلوس، أو كمله بعده، وكذا تحميد إمام ومنفرد لو شرع فيه قبل اعتداله أو كمله بعد هويه منه.
قال المجد: هذا قياس المذهب، ويحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن التحرز عنه يعسر والسهو به يكثر، ففي الإبطال به أو السجود له مشقة.
انتهى 618.
(و) السابع: (التشهد الأول).
(و) الثامن: (جلسته) للأمر به في حديث ابن عباس 619 ومع ما تقدم 620؛ ولأنه عليه الصلاة والسلام سجد لتركه 621، إلا من قام إمامه سهوًا، فلا يلزمه جلوس ولا تشهد، ويلزمه متابعته؛ لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" 622.
والمجزئ من التشهد الأول: "التحيات للَّه، سلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه، سلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن
الجزء: 1 - الصفحة: 233
محمدًا عبده ورسوله" أو: "أن محمدًا رسول اللَّه".
(وما عدا ذلك) المذكور من الواجبات (و) ما عدا (الشروط) فهو (سنة).
وتقدم جل سنن الأقوال والأفعال في صفة الصلاة.
تنبيه
:
لو اعتقد مصل الفرض سنة أو عكسه، أو لم يعتقد شيئًا، أو لم يعرف الشرط من الركن وأدى الصلاة على وجهها، فهي صحيحة اكتفاء بعلمه أن ذلك كله من الصلاة.
(فالركن والشرط لا يسقطان سهوًا وجهلًا، ويسقط الواجب بهما) أي: بالسهو والجهل فقط دون العمل، فلا يسقط به، كما تقدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 234
فصل
(ويشرع) أي: يجب أو يسن -كما يأتي- (سجود السهو) قال في "النهاية" 623: السهو في الشيء: تركه من غير علم، وعن الشيء: تركه مع العلم به (لزبادة في الصلاة) متعلق بـ: "يشرع" (ونقص) منها سهوًا.
(و) يشرع -أيضًا- سجود السهو لـ (شكٍّ) في الجملة -كما يأتي تفصيله- فلا يشرع لكل شك بل ولا لكل زيادة أو نقص كما ستقف عليه (لا في عمد) لأن السجود يضاف إلى السهو فدل على اختصاصه به، والشرع إنما ورد به فيه، ولا يلزم من انجبار السهو به انجبار العمد، لوجود العذر في السهو (وهو) أي: سجود السهو (واجب لما تبطل) الصلاة (بتعمده) أي: تعمد فعله، كتعمد زيادة ركن فعلي ولو قدر جلسة الاستراحة، أو تعمد تركه كترك واجب من الواجبات (و) هو (سنة لإتيان بقول مشروع في غير محله) كقراءة الفاتحة جالسًا، وقراءة التحيات قائمًا، ونحو ذلك (سهوًا) فلو تعمد ذلك، لم يسجد له، ولا تبطل بتعمده؛ لأنه قول مشروع، لكن يكره له ذلك (و) هو (مباح لترك سنة) كترك قراءة السورة مع الفاتحة في غير آخرتي الرباعيات وآخرة مغرب، وكترك الزيادة على مرة في تسبيح الركوع والسجود، وترك القنوت في الوتر، ونحو ذلك (ومحله) أي: سجود السهو (قبل السلام ندبًا إلا) في صورة واحدة، وهي (إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر فـ) ـإنَّ السجود يكون (بعده ندبًا)؛ لقصة ذي اليدين 624.
الجزء: 1 - الصفحة: 235
وكون سجود السهو قبل السلام أو بعده ندب؛ لأن الأحاديث وردت بكل من الأمرين، فلو سجد للكل قبل السلام أو بعده، جاز (وإن سلم قبل إتمامها) أي: الصلاة (عمدًا بطلت) صلاته، لأنه تكلم فيها، والباقي منها ركن أو أكثر، وهو يبطلها تركه عمدًا (وسهوًا) لم تبطل به، وله إتمامها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام وأصحابه فعلوه وبنوا على صلاتهم 625، لأن جنسه مشروع فيها أشبه الزيادة فيها من جنسها (فإن ذكره 626 قريبًا) عرفًا، ولو خرج من المسجد، نصًّا 627، أو شرع في صلاة أخرى فإنه يقطع التي شرع فيها مع قرب فصل، ويعود إلى الذي ترك، و (أتمها) أي: صلاته (وسجد) لسهوه؛ لحديث عمران بن حصين قال: "سلم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول اللَّه؟ فخرج فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم" رواه مسلم 628. (وإن) لم يذكر سهوه قريبًا حتى طال الزمن أو (أحْدَثَ) بطلت صلاته، لأن الحَدَثَ ينافيها، أو تكلم مطلقًا إمامًا كان أو غيره، عمدًا كان أو سهوًا أو جهلًا، طائعًا أو مكرهًا، فرضًا أو نفلًا، لمصلحتها أو لا، في صلبها أو بعد سلامه، قبل إتمامها سهوًا بطلت؛ لحديث: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" رواه مسلم 629. = في كتاب السهو، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو (2/ 66) وفي مواضع أخرى، ومسلم، كتاب المساجد (1/ 403) عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-.
الجزء: 1 - الصفحة: 236
وعن الإمام أحمد: . لا تبطل بيسير كلامٍ لمصلحتها 630، ومشى عليه في "الإقناع" 631 لقصة ذي اليدين 632 (أو قهقه) بعد أن سلم قبل إتمامها (بطلت كفعلهما) أي: الحدث أو القهقهة (في صلبها) أي: الصلاة، لا إن نام فتكلم، أو سبق على لسانه حال قراءته؛ لأنه مغلوب على الكلام، أشبه ما لو غلط في القرآن، فأتى بكلمة من غيره، فلا تبطل بذلك (وإن نفخ) فبان حرفان (أو انتحب 633 لا من خشية اللَّه تعالى، أو تنحنح بلا حاجة فبان حرفان، بطلت) صلاته؛ لقول ابن عباس: "من نفخ في صلاته، فقد تكلم" رواه سعيد 634، وعن أبي هريرة نحوه 635، فإن كانت النحنحة لحاجة، لم تبطل صلاته ولو بأن حرفان.
قال المروذي 636: (كنت آتي أبا عبد اللَّه، فيتنحنح في صلاته؛ لأَعْلَمَ أنه
الجزء: 1 - الصفحة: 237
يصلي) 637 ولا تبطل إن غلبه سُعَالٌ 638، أو عطاس، أو تثاؤب، أو بكاءٌ، ولو بان حرفان.
نص عليه في من غلبه البكاء 639.
ومصلٍّ نفلًا يجيب والديه، وتبطل به صلاته.
ويجوز إخراج زوجة من نفل؛ لحق زوجها.
(ومن ترك ركنًا غير التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام سهوًا، كركوع أو سجود أو غيرهما (فذكره) أي: الركن المتروك (بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى) غير التي تركه منها (بطلت) الركعة المتروك منها (وصارت) الركعة (التي شرع في قراءتها مكانها) لأنه لا يمكنه استدراك المتروك لتلبسه، بفرض قراءة الركعة الأخرى، فلغت ركعته (وقبله) أي: قبل الشروع في قراءتها (يعود فيأتي به) أي: يلزمه أن يعود إلى الركن المتروك فيأتي به؛ لأنه ركن لا يسقط بسهو ولا غيره، (و) يأتي (بما بعده) لأنه قد أتى به في غير محله؛ لأن محله بعد الركن المنسي.
فلو ذكر الركوع وقد جلس، أتى به وبما بعده (و) إن لم يذكر ما تركه إلا (بعد السلام 640 فـ) ـذلك (كترك ركعة) كاملة، فيأتي بركعة، ويسجد للسهو قبل السلام.
نص عليه 641 في رواية حرب 642 إن لم يطل فصل، أو يحدث، أو يتكلم؛ لأن الركعة بترك ركنها لغت فصار وجودها كعدمها،
الجزء: 1 - الصفحة: 238
فكأنه سلم عن ترك ركعة.
(وإن نهض) مصلٍّ (عن) ترك (تشهد أولٍ ناسيًا) لما تركه (لزمـ) ـه رجوعه) إليه إن ذكر قبل أن يستتم قائمًا؛ ليتدارك الواجب، ويتابعه مأموم ولو اعتدل (وكره) رجوعه (إن استتم قائمًا) لحديث المغيرة بن شعبة -مرفوعًا-: "إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائمًا فليجلس، فإن استتم قائمًا، فلا يجلس، وليسجد سجدتين" رواه أبو داود وابن ماجه 643 وأقل أحوال النهي الكراهة.
(وحرم) رجوعه (وبطلت) صلاته (إن) رجع بعد أن (شرع في القراءة) و (لا تبطل) برجوعه (إن نسي أو جهل) تحريم رجوعه؛ لحديث: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" 644 ومتى علم تحريم ذلك وهو في التشهد، نهض ولم يتمه (ويتبع مأموم) إمامًا في قيامه ناسيًا؛ لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" 645 ولما قام -صلى اللَّه عليه وسلم- عن التشهد، قام الناس معه 646، وفعله جماعة
الجزء: 1 - الصفحة: 239
من أصحابه (1).
ولا يلزمه الرجوع إن سبحوا به بعد قيامه، وإن سبحوا به قبل قيامه ولم يرجع، تشهدوا لأنفسهم ولم يتابعوه، لتركه واجبًا عمدًا، وإن رجع قبل شروعه في القراءة، لزمهم متابعته ولو شرعوا فيها، لا إن رجع بعدها؛ لخطئه، ويَنْوُوْنَ مفارقته.
(ويجب السجود لذلك مطلقًا) أي: في جميع الصور المذكورة؛ لما تقدم من أن السجود لترك الواجب سهوًا واجب (2).
تتمة
:
لو أحرم بالعشاء مثلًا، ثم سلم من ركعتين، ظنًّا أنهما من التراويح، أو سلم من ركعتين من ظهر ظنًّا أنهما جمعة، أو فجرًا فاتته ثم ذكرها، أعاد فرضه ولم يَبْنِ نصًّا 649؛ لأنه قد قطع نية الأولى باعتقاده أنه في أخرى؛ لأن استصحاب حكم النية واجب.
وسئل أحمد عن إمام صلى بقوم العصر، فظن أنها الظهر فطول القراءة، ثم ذكر، فقال: يعيد ويعيدون 650. (ويبني على اليقين -وهو الأقل- من شك في ركن) بأن تردد في فعله وتركه، فيجعل كمن تيقن تركه؛ لأن الأصل عدمه، وكما لو شك في أصل الصلاة (أو) شك في (عدد) ركعات، فإذا شك أصلى ركعة أو ركعتين بنى على ركعة، وثنتين أو ثلاثًا، بنى على ثنتين وهكذا، إمامًا كان أو منفردًا؛ لحديث أبي سعيد الخدري -مرفوعًا-: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا؟647648 = ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس.
فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبَّر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، ثم سلم".
الجزء: 1 - الصفحة: 240
فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى أربعًا كانتا ترغيمًا (1) للشيطان" رواه أحمد ومسلم، (2)، وحديث ابن مسعود -مرفوعًا-: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، وليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين" رواه الجماعة إلا الترمذي (3)، فتحري الصواب فيه هو استعمال اليقين؛ لأنه أحوط، وجمعًا بين الأخبار.
تتمة
: لا يرجع مأموم ليس معه غيره إلى فعل إمامه؛ لأن قول الإمام لا يكفي في مثل ذلك، بدليل ما لو شك إمام فسبح به واحد، بل يبني على اليقين كمنفرد، ولا يفارقه قبل سلامه؛ لأنه لم يتيقن خطأه، فإذا سلم إمام، أتى مأموم بما شك فيه مع إمامه ليخرج من الصلاة بيقين وسجد للسهو وسلم، ولا يسجد إن شك في ترك واجب؛ لأنه شك في سبب وجوب 654 السجود، والأصل عدمه، أو شك في زيادة بأن شك هل زاد ركوعًا أو سجودًا، أو شك في تشهده الأخير: هل صلى أربعًا أو خمسًا ونحوه؟ لأن الأصل عدم الزيادة إلا إن شك في الزيادة، وقت فعلها، بأن شك في سجدة وهو فيها: هل هي زائدة أم لا؟ فيسجد؛ لأنه أدى جزءًا من صلاته مترددًا في كونه منها أو زائدًا عليها، فضعفت النية، واحتاجت للجبر بالسجود.651652653
الجزء: 1 - الصفحة: 241
ولو شك من أدرك الإمام راكعًا بعد أن أحرم معه: هل رفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعًا أم لا؟ لم يعتد بتلك الركعة، وسجد للسهو؛ لاحتمال أن تكون زائدة.
وإن شك هل دخل مع الإمام في الركعة الأولى مثلًا أو في الثانية، جعله في الركعة الثانية؛ لأنه المتيقن، وسجد للسهو.
ومن شك في عدد الركعات أو غيره فبنى على يقينه، فزال شَكُّهُ، وعلم أنه مصيب فيما فعله، لم يسجد مطلقًا 655.
ومن سجد لشك ظنًّا أنه يسجد له، ثم تبين له أنه لم يكن عليه سجود لذلك الشك، سجد وجوبًا، لكونه زاد في صلاته سجدتين غير مشروعتين.
وليس على مأموم دخل مع إمامه من أول الصلاة، إن سها دون إمامه، سجود سهو، إلا أن يسهو إمامه فيسجد معه، لحديث ابن عمر -مرفوعًا-: "ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها إمامه، فعليه وعلى من خلفه" رواه الدارقطني 656.
ولو كان المأموم مسبوقًا، وسها الإمام فيما لم يدركه فيه، بأن كان الإمام سها في الأولى مثلًا، وأدركه في الثانية أو بعدها، كفي التشهد الأخير قبل سلامه، فإنه يتابعه في السجود وجوبًا، فلو قام بعد سلام إمامه ظانًّا عدم سهوه، فسجد إمامه، رجع فسجد معه، فإن استتم قائمًا، فالأولى أن لا يرجع، كمن قام عن التشهد الأول، ولا يرجع إن شرع في القراءة، لأنه تلبس بركن مقصود، فلا يرجع إلى واجب، ويسجد إذا فرغ من قضاء ما فاته في آخر صلاته.
الجزء: 1 - الصفحة: 242
فصل في صلاة التطوع
والتطوع في الأصل: فعل الطاعة 657. وشرعًا وعرفًا: طاعة غير واجبة 658. والنفل والنافلة: الزيادة 659، والتنفل: التطوع 660، وأفضلها ما سن جماعة، فلذلك قال: (آكد صلاة تطوع) صلاة (كسوف) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- فعلها، وأمر بها، في حديث أبي 661 مسعود المتفق عليه 662 (فاستسقاء) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يستسقي تارة، ويترك أخرى، بخلاف الكسوف، فلم تترك صلاته عنده فيما نقل عنه، لكن ورد ما يدل على الاعتناء بالاستسقاء، حديث أبي داود عن عائشة: "أمر بمنبر فوضع له ووعد الناس يومًا يخرجون فيه" 663 (فتراويح) لأنها تسن في الجماعة (فوتر) لأنه يشرع له الجماعة بعد التراويح.
وهو سنة مؤكدة.
روي عن أحمد: من ترك الوتر عمدًا، فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة 664. وليس هو بواجب.
قال في رواية حنبل: الوتر ليس
الجزء: 1 - الصفحة: 243
بمنزلة الفرض، فإن شاء قضى الوتر، وإن شاء لم يقضه 665. وذلك لحديث طلحة بن عبيد اللَّه: أن أعرابيًا قال: يا رسول اللَّه ماذا فرض اللَّه على عباده من الصلاة؟ قال: "خمس صلوات في اليوم والليلة".
قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع" متفق عليه 666.
وأما حديث: "الوتر حق" 667 ونحوه 668، فمحمول على تأكيد استحبابه، جمعًا بين الأخبار، إلا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكان الوتر واجبًا عليه، للخبر 669 (ووقته من صلاة العشاء) ولو مع جمع تقديم في وقت المغرب (إلى الفجر) الثاني، لحديث معاذ سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "زادني ربي
الجزء: 1 - الصفحة: 244
صلاة، وهي الوتر، ووقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" رواه أحمد 670، ولمسلم: "أوتروا قبل أن تصبحوا" 671 وحديث: "إن اللَّه قد أمركم بصلاة، وهي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فصلوها فيما بين العشاء وطلوع الفجر" رواه أبو داود وغيره 672. والوتر آخر الليل لمن يثق بنفسه أنه يقوم أفضل، لحديث: "من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل" رواه مسلم 673. (وأقله) أي: الوتر (ركعة) لحديث ابن عمر وابن عباس -مرفوعًا-: "الوتر ركعة من آخر الليل" رواه مسلم 674، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" رواه أبو داود وغيره 675.
الجزء: 1 - الصفحة: 245
ولا يكره الوتر بركعة لما تقدم 676، ولثبوته -أيضًا- عن عشرة من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- ومنهم: أبو بكر 677، وعمر 678، وعثمان 679، وعائشة 680.
(وأكثره) أي: الوتر (إحدى 681 عشرة) ركعة (مثنى مثنى) يسلم من كل ركعتين (ويوتر بواحدة) لحديث عائشة: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، ويوتر منها بواحدة" وفي لفظ: "يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة" 682.
وله أن يسرد عشرًا ثم يجلس، ويتشهد، ولا يسلم، ثم يأتي بالأخيرة، ويتشهد ويسلم.
نص عليه الإمام 683، والأولى أفضل، لأنها أكثر عملًا، لزيادة النية، والتكبير، والتسليم.
وإن أوتر بتسع، تشهد بعد ثامنة ولا يسلم، ثم يأتي بالتاسعة ويتشهد ويسلم -كما تقدم؛ لحديث عائشة -وسئلت عن وتر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قالت: "كنا نُعد له سواكه وطهوره فيبعثه اللَّه ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر اللَّه
الجزء: 1 - الصفحة: 246
ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعناه" 684. وإن أوتر بسبع ركعات أو بخمس سردهن، فلا يجلس إلا في آخرهن، لحديث ابن عباس في صفة وتره -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ثم توضأ، ثم صلى سبعًا أو خمسًا أوتر بهن لم يسلم إلا في آخرهن" رواه مسلم 685. وعن أم سلمة: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام وكلام" رواه أحمد ومسلم 686. (وأدنى الكمال) في الوتر (ثلاث) ركعات (بسلامين) بأن يصلي ثنتين ويسلم، ثم ركعة ويسلم؛ لأنه أكثر عملًا، وكان ابن عمر: "يسلم من ركعتين حتى يأمر ببعض حاجته" 687. ويجوز أن يصلي الثلاث بسلام واحد، قال أحمد: إن أوتر بثلاث، لم يسلم فيهن، لم يضيق عليه عندي 688. يقرأ في الأولى من الثلاث بعد الفاتحة بـ ﴿سَبِّحِ﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لحديث أبي بن كعب: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقرأ بهن في وتره"
الجزء: 1 - الصفحة: 247
رواه أبو داود 689.
(ويقنت) في الأخيرة من وتره (بعد الركوع ندبًا) لأنه صح عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- من رواية أبي هريرة 690، وأنس 691 وابن عباس 692. وعن عمر وعلي أنهما كانا يقنتان بعد الركوع.
رواه أحمد والأثرم 693.
ولو كبر ورفع يديه بعد القراءة وقنت قبل الركوع جاز -أيضًا- لحديث أُبيّ بن كعب مرفوعًا: "كان يقنت في الوتر قبل الركوع" رواه أبو داود 694، وعن ابن مسعود -مرفوعًا- مثله رواه أبو بكر
الجزء: 1 - الصفحة: 248
الخطيب 695. 696
وروى الأثرم عن ابن مسعود: "أنه كان يقنت في الوتر، وكان إذا فرغ من القراءة كبر ورفع يديه، ثم قنت، فيرفع يديه إلى صدره مبسوطتين وبطونهما نحو السماء" 697 ولو كان مأمومًا؛ لحديث سلمان -مرفوعًا-: "إن اللَّه يستحي أن يبسط العبد يديه، يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين" رواه الخمسة إلا النسائي 698، وعن مالك بن يسار -مرفوعًا-: "إذا سألتم اللَّه، فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها" رواه أبو = قال الحافظ في "التخليص" (2/ 19): ورواه البيهقي من حديث أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وضعفها كلها، وسبق إلى ذلك: ابن حنبل، وابن خزيمة، وابن المنذر.
قال الخلال عن أحمد: لا يصح فيه عن النبي عنيه شيء، ولكن عمر كان يقنت.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 249
داود 699. ويقول جهرًا: اللهم إنا نستعينك ونسهديك، ونستغفرك -أي نطلب منك العون والهداية والمغفرة- ونتوب إليك، ونؤمن؛ أي: نصدق بك- ونتوكل عليك -أي: نعتمد ونظهر عجزنا- ونثني عليك الخير -أي: نصفك به كله ونمدحك، والثناء في الخير خاصة، وبتقديم النون على الثاء يستعمل في الخير والشر 700 - ونشكرك ولا نكفرك -أي لا نجحد نعمتك ونسترها لاقترانه بالشكر- اللهم إياك نعبد -قال البيضاوي 701: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، ولا يستحقها 702 إلا اللَّه، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده لمولاه- ولك نصلي ونسجد -لا لغيرك وإليك نسعى ونحفد -بفتح النون وكسر الفاء وبالدال المهملة، أي نسرع ونبادر 703 - نرجوا -أي نؤمل- رحمتك -أي سعة عطائك- ونخشى عذابك -أي نخافه، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾ 704 - إن عذابك الجد -بكسر الجيم أي: الحق لا اللعب 705 - بالكفار ملحق -بكسر الحاء على المشهور، أي: لاحق، وبفتحها على معنى أن اللَّه يلحقه الكفار 706.
الجزء: 1 - الصفحة: 250
قال الخلال: سألت ثعلبًا 707 عن مُلحِق ومُلحَق؟ فقال: العرب تقولهما جميعًا 708. وهذا القنوت من أوله إلى هنا مروي عن عمر، وفي أوله: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" وفي آخره: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك" 709 وهما سورتان في مصحف أبي.
قال ابن سيرين 710: كتبهما أبي في مصحفه 711. إلى 712 قول: "ملحق" زاد غير واحد: ونخلع ونترك من يكفرك 713.
(اللهم اهدني في من هديت) أي: ثبتني على الهداية أو زدني منها، وهي: الدلالة والبيان، قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
الجزء: 1 - الصفحة: 251
مُسْتَقِيمٍ} 714 وأما قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ 715 فهي من اللَّه التوفيق والإرشاد 716.
(وعافني في من عافيت) من الأسقام والبلايا 717، والمعافاة: أن يعافيك اللَّه من الناس، ويعافيهم منك.
(وتولني في من توليت) الولي: ضد العدو 718. من تليت الشيء إذا اعتنيت به، [ونظرت فيه] 719 كما ينظر الولي في مال اليتيم؛ لأن اللَّه ينظر في أمر وليه بالعناية، ويجوز أن يكون من: وليت الشيء إذا لم يكن بينك وبينه واسطة، بمعنى أن الولي يقطع الوسائط بينه وبين اللَّه تعالى حتى يصير في مقام المراقبة 720 والمشاهدة 721، وذلك مقام الإحسان 722.
(وبارك لي) البركة: الزيادة أو حلول الخير الإلهي في الشيء 723 (فيما
الجزء: 1 - الصفحة: 252
أعطيت) أي: أنعمت به.
والعطة: الهبة 724.
(وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك) أي: أنه لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، فإنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد (إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت) رواه أحمد، ولفظه له، وتكلم فيه أبو داود، ورواه الترمذي وحسنه من حديث الحسن بن علي قال: علمني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم اهدني.
. . " إلى "وتعاليت" وليس فيه: "ولا يعز من عاديت" 725 ورواه البيهقي وأثبتها فيه 726 وجَمَعَ، والرواية بالإفراد، ليشارك الإمام المأموم 727 ويعِز بكسر العين، قال بعضهم 728:
وقل إذا كنت في ذكر القنوت ولا ... يعزُّ يا ربِّ مَنْ عاديتَ مكْسُورا
(اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك) أظهر العجز والانقطاع، وفزع إليه منه، فاستعاذ به منه.
= الإلهي في الشيء.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 253
(لانحصي ثناءً عليك) أي: لا نطيقه.
(أنت كما أثنيت على نفسك) اعتراف بالعجز عن الثناء، ورَدٌّ إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلًا.
ورى الخمسة عن علي -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" ورواته ثقات 729.
قال الترمذي: لا نعرف عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في القنوت شيئًا أحسن من هذا 730، وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة.
قال المجد: فقد صح عن عمر: "أنه كان يقنت بقدر مائة آية" 731 (ثم يصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-) لحديث الحسن بن علي السابق، وفي آخره: "وصل اللَّه على محمد" رواه النسائي 732.
الجزء: 1 - الصفحة: 254
وعن عمر: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك -صلى اللَّه عليه وسلم-" رواه الترمذي 733.
(ويؤمن مأموم) على قنوت إمامه إن سمعه؛ لحديث ابن عباس 734 (ويجمع إمام الضمير) فيقول: اللهم إنا نستعينك، اللهم اهدنا.
. . إلخ، ويفرد منفرد كما تقدم 735 (ويمسح الداعي وجهه بيديه مطلقًا) في الوتر وغيره، كخارج الصلاة، لعموم حديث عمر: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه" رواه الترمذي 736، ولقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: "فإذا فرغت فامسح بهما وجهك" رواه أبو داود وابن ماجه 737. = الأفهام" (ص 512) ط مشهور حسن آل سلمان.
الجزء: 1 - الصفحة: 255
ويرفع يديه إذا أراد السجود نصًّا، لأن القنوت مقصود في القيام، فهو كالقراءة، ذكره القاضي 738.
وكره قنوت في غير وتر حتى فجر، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء 739، لحديث مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي هاهنا بالكوفة نحو خمس سنين، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: "أي بني مُحْدَث" قال الترمذي: حسن صحيح.
رواه أحمد وابن ماجه والنسائي، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم 740.
وعن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: "إن القنوت في صلاة الفجر بدعة" رواه الدارقطني 741.
وأما حديث أنس: "ما زال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا" رواه أحمد وغيره 742، ففيه.
. . . . . . . = محمد بن كعب، كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف -أيضًا- اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 256
مقال 743، ويحتمل أنه أراد به طول القيام، فإنه يسمى قنوتًا 744.
فإن نزل بالمسلمين نازلة سوى الطاعون فيسن أن يقنت إمام الوقت خاصة، وهو الإمام الأعظم، واختار جماعة: أو نائبه 745، في جميع الصلوات سوى الجمعة، فيكفي الدعاء في آخر الخطبة، ويجهر بالقنوت في صلاة جهرية.
وأما الطاعون فلا يقنت لنزوله، لأنه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس 746 ولا غيره، ولأنه شهادة 747 فلا يسأل رفعه.
الجزء: 1 - الصفحة: 257
تتمة
:
من ائتم بمن يرى القنوت في فجر تابعه؛ لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" 748 وأمَّن لدعائه إن سمعه، وإلا قرأ الفاتحة أو سورة -إن كان قد قرأ الفاتحة- إن كان القنوت قبل الركوع، فإن كان بعده لم يقرأ، ويؤمِّن إن سمع قنوت إمامه، وإلا سكت.
(و) صلاة (التراويح) سنة مؤكدة، سميت بذلك لأنهم كانوا يصلون أربعًا ويتروحون ساعة -أي يستريحون- 749 وهي (عشرون ركعة برمضان) لحديث ابن عباس: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة" رواه أبو بكر عبد العزيز في "الشافي" بإسناده 750.
وعن يزيد بن رومان: "كان الناس في زمن عمر بن الخطاب -رضي
الجزء: 1 - الصفحة: 258
اللَّه عنه- يتروحون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة" رواه مالك 751، ولعل من زاد على ذاك فعله زيادة تطوع.
وفي الصحيحين من حديث عائشة: "أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاها ليالي، فصلوها معه، ثم تأخر وصلى في بيته باقي الشهر، وقال: إني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها" 752.
وفي البخاري أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم التراويح 753. ويسلم من كل اثنتين ندبًا، بنية أول كل ركعتين، لحديث: "صلاة الليل مثنى مثنى" 754 فينوي أنهما من التراويح، أو من قيام رمضان.
ويستراح بين كل أربع ركعات 755 بلا دعاء، ولا بأس بزيادة على العشرين، ولا بالدعاء بعدها، ولا بالطواف في خلالها، ولا بالتعقيب بعدها وبعد وتر -وهو التطوع في جماعة- سواء طال الفصل أم لا 756.
فتسن التراويح (و) يسن (الوتر معها جماعة) لحديث أبي ذر أن النبي
الجزء: 1 - الصفحة: 259
-صلى اللَّه عليه وسلم- جمع أهله وأصحابه، وقال: "إن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" رواه أحمد والترمذي 757، ومعلوم أن الإمام لا ينصرف حتى يوتر.
(ووقتها) أي: التراويح (بين سُنَّةِ عشاء ووتر) لأن سنة العشاء يكره تأخيرها عن وقت العشاء المختار، فإتباعها بها أولى وأشبه، والتراويح لا يكره مدها وتأخيرها بعد نصف الليل، فهي بالوتر أشبه، فلا تصح قبل العشاء، وله فعلها بعد العشاء قبل سنتها، لكن الأفضل بعدها.
والتراويح بمسجد أفضل منها ببيت، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- جمع الناس عليها ثلاث ليال متوالية كما روته عائشة 758، وكان أصحابه يفعلونه في المسجد أوزاعًا في جماعة متفرقة في عهده عن علم منه بذلك وإقرار عليه 759، ولم يداوم عليها خشية أن تفرض 760، وقد أمن ذلك بموته -صلى اللَّه عليه وسلم-.
والأفضل لمن له تهجد أن يوتر بعده، لحديث: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" متفق عليه 761.
وإن أحب متابعة إمامه قام إذا سلم إمامه من وتره فشفعها بأخرى،
الجزء: 1 - الصفحة: 260
ثم يوتر بعد تهجده، وإن أوتر ثم أراد التهجد صلى ولم ينقضه، ولم يوتر بعده، لحديث: "لا وتران في ليلة" رواه أحمد وأبو داود 762. وصح أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي بعد الوتر ركعتين 763، وسئلت عائشة عن الذي ينقض وتره فقالت: "ذاك الذي يلعب بوتره" رواه سعيد وغيره 764. (ثم الراتبة) وهي السنن التي تفعل مع الفرائض، وهي عشر ركعات: (ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) لحديث ابن عمر: حفظت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عشر ركعات في بيته، "ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها،
الجزء: 1 - الصفحة: 261
وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح" وكانت ساعة لا يدخل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها.
حدثتني حفصة أنه: "كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين" متفق عليه 765، وللترمذي مثله عن عائشة -مرفوعًا-، وقال: صحيح 766.
وآكد الرواتب ركعتا الفجر، فلذلك قال: (وهما آكدها) لقول عائشة -رضي اللَّه عنها-: "لم يكن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر" متفق عليه 767، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صلوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل" رواه أحمد وأبو داود 768.
وسن تخفيفهما، وأن يقرأ فيهما بعد الفاتحة بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أو في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ 769 الآية، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ الآية 770. 771
وسن اضطجاع بعدها على جنبه الأيمن قبل صلاة الفرض، لقول
الجزء: 1 - الصفحة: 262
عائشة: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع" وفي رواية: "إن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع" متفق عليه 772.
ثم يلي سنة فجر في الأفضلية سنة مغرب؛ لحديث أحمد عن عبيد مولى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: سُئل: أكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمر بصلاة بعد المكتوبة سوى المكتوبة؟ قال: نعم بين المغرب والعشاء 773 ويقرأ فيهما بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ 774.
ثم بقية الرواتب في الأفضلية سواء.
وهذه الرواتب العشر يكره تركها، وتسقط عدالة من داوم على تركها، قال أحمد: لا يداوم على تركها إلا رجل سوء 775، ولا يُمنع من فعلها مع الفرض زوجة ولا ولد ولا عبد ولا أجير.
والسنن غير الرواتب عشرون ركعة: أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، وأربع بعد المغرب، وأربع بعد العشاء، لحديث أم حبيبة: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرَّمه اللَّه على
الجزء: 1 - الصفحة: 263
النار" صححه الترمذي 776، ولحديث علي في صفة صلاته -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر فيه "أنه كان يصلي أربعًا قبل العصر" رواه ابن ماجه 777، وحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيهن بسوء عُدلن له بعبادة ثنتي عشرة سنة" رواه الترمذي.
وفي إسناده عمرو بن أبي خثعم، ضعفه البخاري 778، وعن عائشة: "ما صلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- العشاء قط إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات" رواه أبو داود 779.
وفعل السنن كلها ببيت أفضل من فعلها بالمسجد؛ لحديث: "عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة" رواه مسلم 780، لكن ما شرع له جماعة مستثنى، قال الشيخ منصور في "شرح المنتهى": وكذا ينبغي أن يستثنى نفل المعتكف.
انتهى 781.
وسن فصل بين فرض وسنة -قبلية كانت أو بعدية- بكلام أو قيام، لقول معاوية: "إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرنا بذلك، أن لا نوصل صلاة حتى نخرج أو
الجزء: 1 - الصفحة: 264
نتكلم" رواه مسلم 782.
وتجزئ سنة صلاة عن تحية مسجد لا عكسه، فلا تجزئ تحية عن سنة، لأنه لم ينوها بخلاف التحية، لأن القصد منها أن يبدأ الداخل بالصلاة وقد وجد، وإن نوى بركعتين التحية والسنة حصلا، أو نوى بصلاة التحية والفرض حصلا، كما لو اغتسل ينوي الجنابة والجمعة، ولا تحصل تحية بركعة، ولا بصلاة جنازة، وسجود تلاوة وشكر.
(وتسن صلاة الليل بتأكد) لحديث: "عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، وتكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم" رواه الحاكم وصححه، وقال: على شرط البخاري 783 (وهي أفضل من صلاة النهار) في النفل المطلق، لحديث مسلم عن أبي هريرة -مرفوعًا-: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" 784 ولأنها أبعد عن الرياء، وأشق على النفس، ولأن الليل محل الغفلة، وعمل السر أفضل من عمل العلانية، وفيه ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل اللَّه خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه.
ونصفه الأخير أفضل من الأول، لحديث مسلم: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه.
. . إلخ" 785 قال ابن حبان في صحيحه: يحتمل أن يكون النزول في بعض الليالي هكذا وفي بعضها هكذا 786.
الجزء: 1 - الصفحة: 265
ونصفه الأخير أفضل من ثلثه الأوسط، والثلث بعد النصف أفضل مطلقًا، نصًّا 787، لحديث: "أفضل الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه" 788. وفي حديث ابن عباس في صفة تهجده -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنه نام حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ" فوصف تهجده، قال: "ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن" 789. ويسن افتتاح قيام الليل بركعتين خفيفتين، لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين" رواه أحمد ومسلم وأبو داود 790. ويسن نيته عند النوم، لحديث أبي الدرداء -مرفوعًا-: "من نام ونيته أن يقوم كتب له ما نوى، وكان نومه عليه صدقة" حديث حسن، رواه أبو داود والنسائي 791. وكان قيام الليل واجبًا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم ينسخ 792.
الجزء: 1 - الصفحة: 266
ووقت قيام الليل من الغروب إلى طلوع الفجر الثاني.
ولا يقوم الليل كله، لحديث عائشة: "ما علمت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قام ليلة حتى الصباح" 793 وظاهره حتى ليالي العشر الأخيرة من رمضان، واستحبه الشيخ تقي الدين، وقال: قيام بعض الليالي كلها مما جاءت به السنة 794.
ويستحب إحياء ليلتي العيدين، قال الشيخ منصور: وفي معناهما ليلة النصف من شعبان، للخبر 795. = ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.
وقد صدقها ابن عباس على ذلك -كما في "صحيح مسلم"-.
وفي "صحيح البخاري" -الفتح (2/ 489) أن ابن عمر قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماءً، صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته".
وأما حديث: "ثلاث هن علي فريضة وهم لكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل" فقد تقدم بيان ضعفه (ص).
ينظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص 251، 252) و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي بن أبي طالب (ص 382، 383) و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي (ص 496، 499) و"غاية السول في خصائص الرسول" (ص 87، 91) و"الصلاة والتهجد" لعبد الحق الإشبيلي (ص 263).
الجزء: 1 - الصفحة: 267
وصلاة ليل ونهار مثنى، فيسلم من كل ركعتين، لحديث ابن عمر -مرفوعًا-: "صلاة الليل والنهار مثنى" رواه الخمسة 796، واحتج به الإمام أحمد 797، ولا يعارضه حديث: "صلاة الليل مثنى" متفق عليه 798، لأنه وقع جوابًا لسؤال سائل عنه.
وإن تطوع نهارًا بأربع فلا بأس، حديث أبي أيوب -مرفوعًا-: "كان يصلي قبل الظهر أربعًا لا يفصل بينهن بتسليم" رواه أبو داود وابن ماجه 799. = اختلف فيها، فضعَّفها الأكثرون، وصحح ابن حبان بعضها، وخرجه في "صحيحه" ومن أمثلها حديث عائشة.
اهـ ينظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للألباني (3/ 135، 139). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه-: وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يصلي فيها، لكن الاجتماع فيها لإحيائها في المساجد بدعة.
اهـ من "الاختيارات" (ص 121).
الجزء: 1 - الصفحة: 268
وكون الأربع بتشهدين كالظهر أولى من كونها سردًا، لأنه أكثر عملًا، يقرأ في كل ركعة من الأربع سورة مع الفاتحة، كسائر التطوعات.
وإن زاد على أربع نهارًا أو ثنتين ليلًا، ولو جاوز ثمانيًا صح ذلك، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد صلى الوتر خمسًا وسبعًا وتسعأ بسلام واحد 800، وهو تطوع فألحق به سائر التطوعات.
وعن أم هانئ -مرفوعًا-: "صلى يوم الفتح الضحى ثماني ركعات، لم يفصل بينهن" 801 ولا ينافيه ما روي عنها -أيضًا-: "أنه سلم من كل ركعتين" 802 لإمكان التعدد.
وكره الزيادة على الأربع نهارًا، والثمان ليلًا، للاختلاف فيه 803. قال = باب الأربع الركعات قبل الظهر (1/ 365، 366) قال أبو داود: بلغني عن يحيى بن سعيد القطان قال: لو حدَّثت عن عبيدة بشيء لحدَّثت عنه بهذا الحديث.
قال أبو داود: عبيدة: ضعيف.
اهـ وعُبيدة -أحد رجال السند- هو: ابن مُعتِّب الضَّبِّي، أبو عبد الكريم الكوفي.
ينظر: "تهذيب الكمال" (19/ 273).
الجزء: 1 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بصحة التطوع في النهار بأربع، لو فعل لم يكره.
وعنه: يكره.
ولو زاد عليها: كُرِهَ.
قال في "المذهب": فإن زاد على أربع نهارًا بتسليمة واحدة، كُرِهَ، رواية واحدة.
وفي الصحة روايتان.
اهـ
وقال في "المستوعب" (2/ 216، 217): والأفضل في صلاة التطوع أن يسلم من كل ركعتين ليلًا كان أو نهارًا.
وفيه رواية أخرى: أنه لا بأس أن يتطوع في النهار بأربع بسلام واحدٍ.
وهي اختيار الخرقي.
فإن زاد على أربع بسلامٍ واحدٍ في صلاة النهار بطلت صلاته.
اهـ هذا حاصل الخلاف في المذهب في هذه المسألة.
وذهب الحنفية إلى أن الزيادة على أربع في نفل النهار، وعلى ثمان ليلًا بتسليمة: تكره.
قال ابن عابدين في "رد المحتار" (2/ 455): اتفاقًا من أئمتنا الثلاثة اهـ وخالف أبو يوسف ومحمد في الزيادة بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة فقال: لا يزيد، خلافًا لأبي حنيفة.
ذكر ذلك في "متن القدوري" (ص 15) واختلف المتأخرون منهم في الزيادة على ثمان ليلًا: فقال السرخسي: لا يكره.
وصحح في "البدائع": الكراهة، وقال: عليه عامة المشايخ.
اهـ وذهب مالك إلى أن صلاة الليل والنهار النافلة: مثنى مثنى.
كما جاء في "المدونة" (1/ 99). قال القاضي عبد الوهاب في "المعونة" (1/ 295): والتنفل مثنى مثنى ليلًا ونهارًا، خلافًا لأبي حنيفة.
اهـ. وذهب الشافعي إلى ما ذهب إليه مالك، فقال -كما في "مختصر المزني" - (ص 114) المطبوع آخر كتاب الأم- النوافل مثنى مثنى بسلام مقطوعة.
اهـ. ودليل ما ذهب إليه: مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، من أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، حديث ابن عمر: أن رجلًا سأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صلاة الليل؟ فقال: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى" متفق عليه.
ودليل أبي حنيفة، وهو رواية عن أحمد: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي بالليل ثماني ركعات، لا يسلم إلا في آخرهن" رواه مسلم.
وفي سنن أبي داود من حديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن إلا بتسليمة واحدة، يفتح لهن أبواب السماء".
والقول الأول أقوى، حيث أن دليله قول، وما روته عائشة فعل عارضه القول العام للأمة.
وحديث أبي أيوب متكلم في إسناده.
واللَّه أعلم.
ينظر: "المبسوط" (2/ 147)، و"بدائع =
الجزء: 1 - الصفحة: 270
الشيخ منصور: قلت إلا في الوتر والضحى لوروده 804.
ويصح التطوع بركعة أو نحوها، قياسًا على الوتر، قال في "الإقناع" 805: مع الكراهة 806.
ولا تصح صلاة مضطجع غير معذور، ولو في نفل، لأنه لم ينقل.
وأجر صلاة قاعد نصف أجر صلاة قائم، لحديث: "من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم" متفق عليه 807، إلا المعذور فأجره قاعدًا كأجره قائمًا للعذر.
وسن تربع مصل جالسًا بمحل قيام لحديث عائشة: "رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي متربعًا" رواه النسائي وغيره 808. = الصنائع" (2/) و"رد المحتار" (2/ 455)، و"حاشية الطحاوي" (ص 318، 319)، و"مختصر اختلاف العلماء للطحاوي اختصار الجصاص (1/ 223) و"حلية العلماء" للقفال (2/ 140). و"الكافي" لابن عبد البر (1/ 220) و"الذخيرة" للقرافي (2/ 452)، و"الحاوي الكبير" (2/ 366) و"مغني المحتاج" (1/ 227) و"قليوبي وعميرة" (1/ 218)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 255).
الجزء: 1 - الصفحة: 271
ويسن له ثني رجليه في حال ركوعه وسجوده، رُويَ ذلك عن أنس 809، وهو مخير في الركوع إن شاء من قيام وإن شاء من قعود، لأنه عليه الصلاة والسلام فعل الأمرين 810.
وكثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام، في غير ما ورد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تطويله، كصلاة كسوف؛ لحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" 811 وأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالاستكثار من السجود في غير حديث 812، = والحاكم، كتاب الصلاة (1/ 258) وصححه.
لكن قال النسائي: ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ.
اهـ وصححه الألباني في تعليقه على "صحيح ابن خزيمة" (2/ 236). والتربع هو: أن يجلس قابضًا ساقيه، مخالفًا بين قدميه، جاعلًا ساقيه إحداهما فوق الأخرى، وتكون القدم اليمنى في مأبض فخذه اليسرى، والقدم اليسرى في مأبض فخذه اليمنى اهـ من "النظم المستعذب" (1/ 103).
الجزء: 1 - الصفحة: 272
ولأنه في نفسه أفضل وآكد، لأنه مجب في الفرض والنفل، ولا يباح بحال إلا للَّه تعالى، بخلاف القيام.
والتطوع سرًّا أفضل.
ولا بأس بالجماعة في النفل، إلا أن يتخذ عادة وسنة، قاله المجد وغيره 813.
وتسن صلاة الضحى، حديث أبي هريرة وأبي الدرداء وغيرهما 814، غِبًا، بأن يصليها في بعض الأيام دون بعض، لحديث أبي سعيد الخدري: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها" رواه أحمد، والترمذي، وقال: حسن غريب 815.
ولأنها دون الفرائض والسنن المؤكدة فلا تُشَبَّهُ بهما، وأقلها ركعتان، لأنه لم ينقل عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه صلاها دونهما، وفي حديث أبي هريرة: "وركعتي الضحى" 816 وصلاها -صلى اللَّه عليه وسلم- أربعًا، كما في حديث عائشة.
رواه أحمد ومسلم 817، وستًّا، كما في حديث جابر بن عبد اللَّه.
رواه البخاري في = وينظر: "مشكاة المصابيح" (1/ 281، 282).
الجزء: 1 - الصفحة: 273
"تاريخه" 818.
وأكثرها ثمان، لحديث أم هانئ: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عام الفتح صلى ثمان ركعات سبحة الضحى" 819.
ووقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح؛ لحديث: "قال اللَّه -سبحانه وتعالى-: ابن آدم، اركع أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" رواه الخمسة إلا ابن ماجه 820، إلى قبيل الزوال، وأفضله إذا اشتد الحر، لحديث: "صلاة الأوَّابين حين ترمض الفصال" رواه مسلم 821.
وتسن صلاة الاستخارة، ولو في خير: كحج، وعمرة، ونكاح، وتجارة، وغير ذلك؛ لحديث جابر: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري.
-أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه.
وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري.
-أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني، واصرفني عنه، وأقدر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به"
الجزء: 1 - الصفحة: 274
ويسمي حاجته، رواه البخاري 822.
ويقول مع العافية، ولا يكون وقت الاستخارة عازمًا على الأمر ولا على عدمه، فإنه خيانة في التوكل 823، ثم يستشير من يثق به، فإذا ظهرت المصلحة في شيء فعله، فينجح مطلوبه -إن شاء اللَّه تعالى-.
وتسن صلاة الحاجة إلى اللَّه تعالى أو إلى آدمي؛ لحديث عبد اللَّه بن أبي أوفى-مرفوعًا-: "من كان له حاجة إلى اللَّه عز وجل، أو إلى أحدٍ من بني آدم، فليتوضأ وليحسن الوضوء، ثم ليصلي ركعتين، ثم ليثن على اللَّه تعالى، وليصل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم ليقل: لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، لا إله إلا اللَّه العلي العظيم، سبحان اللَّه رب العرش العظيم، الحمد للَّه رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرَّجته، ولا حاجة هي لك رضى إلا قضيتها، يا أرحم الراحمين" رواه ابن ماجه والترمذي وقال: غريب 824.
وتسن صلاة التوبة؛ لحديث: "ما من رجل يذنب ذنبًا، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر اللَّه، إلا غفر له، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ 825 إلى آخر الآية رواه أبو داود، والترمذي
الجزء: 1 - الصفحة: 275
وحسنه، وفي إسناده مقال 826. وتسن الصلاة عقب الوضوء؛ لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة" فقال: ما عملت عملًا أرجى عندي إلا أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب اللَّه لي أن أصلي" متفق عليه، ولفظه للبخاري 827. (و) يسن (سجود تلاوة) لقوله سبحانه وتعالى: ﴿نَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107)﴾ 828 وحديث ابن عمر: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته" ولمسلم "في غير صلاة" 829. وليس بواجب؛ لحديث زيد بن ثابت "قرأت على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد فيها" رواه الجماعة 830، وللدارقطني "فلم يسجد منا
الجزء: 1 - الصفحة: 276
أحد" 831 وروى البخاري: أن عمر قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء السجدة، نزل فسجد فسجد الناس.
حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: "يا أيها الناس إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه" ولم يسجد عمر.
ورواه مالك في "الموطأ" وقال فيه: "إن اللَّه لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا" 832 وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكروا، فكان إجماعًا 833، والأمر به محمول على الندب، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ 834 المراد به التزام السجود واعتقاده، فإن فعله ليس شرطًا في الإيمان.
إجماعًا 835؛ ولذلك قرنه بالتسبيح.
ويكرر السجود بتكرار التلاوة؛ لأنها سببه فتكرر بتكرُّرها، كركعتي الطواف، ويسن السجود لها مع قصر فصل بين التلاوة أو الاستماع وبين السجود، حتى في طواف، ويتيمم محدث للسجود بشرطه، وهو تعذر الماء لعدم أو ضرر باستعماله، بخلاف الوضوء فلا يسجد بعده لطول الفصل بينه بين التلاوة لقارئ ومستمع لآية السجدة، لما تقدم.
ولا يسن السجود لسامع من غير قصد الاستماع، روي عن عثمان، وابن عباس، وعمران بن حصين.
قال عثمان: "إنما السجدة على من استمع" وقال ابن مسعود وعمران: "ما جلسنا = (2/ 121) والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء من لم يسجد فيه (2/ 466) والنسائي، كتاب الافتتاح، ترك السجود في النجم (2/ 160).
الجزء: 1 - الصفحة: 277
لها" 836 وما روفي عن ابن عمر: "إنما السجدة على من سمعها" 837 محمول على ما إذا قصد، ويعتبر لاستحباب السجود لمستمع كون القارئ يصلح إمامًا له، ولو في نفل، فلا يسجد مستمع إن لم يسجد قارئ، ولا أمامه، ولا عن يساره مع خلو يمينه، ولا خلفه إذا كان فذًّا، لعدم صحة الائتمام به إذًا.
ولا يسجد رجل لتلاوة امرأة وخنثى، ويسجد لتلاوة أُمِّيٍّ، وزَمنٍ 838، ومميز لصحة إمامته في النفل.
والسجدات أربع عشرة سجدة: في آخر الأعراف 839، وفي الرعد عند قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ 840، وفي النحل عند: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ 841، وفي الإسراء عند: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ 842، وفي مريم عند:
الجزء: 1 - الصفحة: 278
﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ 843، وفي الحج ثنتان، الأولى عند قوله: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ 844 والثانية عند ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ 845، وفي الفرقان عند: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ 846، وفي النمل عند: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ 847، وفي الم السجدة ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ 848، وفي فصلت: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ 849، وفي آخر النجم 850، وفي الانشقاق ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ 851، وآخر اقرأ 852.
(ويكبر) في سجود التلاوة تكبيرتين، سواء كان في الصلاة أو خارجها، تكبيرة (إذا سجد و) تكبيرة (إذا رفع) كسجود صلب الصلاة والسهو (ويجلس) خارج الصلاة بعد رفعه ليسلم جالسًا (ويسلم) وجوبًا، فيبطل بتركه عمدًا وسهوًا، لعموم حديث: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" 853 ولا يتشهد؛ لأنه لم ينقل فيه، ويرفع يديه إذا أراد السجود ندبًا، ولو في صلاة، نصًّا 854.
وكره جمع آيات السجود في وقت؛ ليسجد لها.
(وكره لإمام قراءتها) (1) أي: آية السجدة (في) صلاة (سرية) كظهر
الجزء: 1 - الصفحة: 279
وعصر؛ لأنه إن سجد لها خلط على المأمومين، وإلا ترك السنة.
(و) كره (سجوده) أي: الإمام (لها) أي: التلاوة، في صلاة سر؛ لما فيه من التخليط على من معه، وردّه في "المغني" لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- (1).
(وعلى مأموم) أي: يلزمه (متابعته) أي: الإمام، في سجود تلاوة (في غيرها) أي: السرية (2)، لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (3) وأما صلاة السر فإن المأموم (4) ليس فيها بتال ولا مستمع، بخلاف الجهرية.
وسجود تلاوة عن قيام أفضل، تشبيهًا له بصلاة النفل، و [قد] (5) روى إسحاق عن عائشة -رضي اللَّه عنها- "أنها كانت تقرأ في المصحف فإذا انتهت إلى السجدة قامت فسجدت" (6).
والتسليمة الأولى ركن، وتجزئ نصًّا (7).
تتمة
: يجوز للمستمع إذا سجد أن يرفع قبل القارئ في غير الصلاة، لأنه ليس إمامًا له حقيقة، بل بمنزلته.
(و) يسن (سجود شكر) اللَّه تعالى (عند تجدد نعم و) عند (اندفاع نقم)855856857858859860861
الجزء: 1 - الصفحة: 280
مطلقًا، لحديث أبي بكرة: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أتاه أمر يسر به، خر ساجدًا" رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما 862، وعلم من قوله: تجدد نعم، أنه لا يسجد لدوامها، لأنه لا ينقطع (وتبطل به) أي سجود الشكر (صلاة غير جاهل وناس) وأما الجاهل والناسي فلا تبطل صلاتهما به، كما لو زاد فيها سجودًا كذلك (وهو كسجود تلاوة) في صفته وأحكامه، فيكبر إذا سجد وإذا رفع، ويقول فيه: سبحان ربي الأعلى، ويجلس إذا رفع، ويسلم.
ويستحب سجود شكر -أيضًا- عند رؤية مبتلى في دينه أو بدنه، لكن إن كان في بدنه فلا يسجد بحضوره 863.
فائدة: تباح قراءة القرآن في الطريق، لما روي عن إبراهيم التيمي قال: "كنت أقرأ على أبي موسى وهو يمشي في الطريق" 864 وتباح -أيضًا- قائمًا
الجزء: 1 - الصفحة: 281
وقاعدًا ومضطجعًا وراكبًا وماشيًا، ومع حدث أصغر، ونجاسة بدن وثوب حتى فم، لأنه لا دليل على المنع.
وحفظ القرآن فرض كفاية إجماعًا 865، ويبدأ الرجل ابنه بالقرآن ليتعود القراءة، ويعلمه إياه كله، إلا أن يعسر عليه حفظه كله فما تيسر منه.
ويتعين حفظ ما يجب في صلاة، وهو الفاتحة فقط على المذهب، ثم يتعلم من العلم ما يحتاج إليه في أمور دينه وجوبًا.
وتسن القراءة في المصحف لاشتغال حاسة البصر بالعبادة، وكان الإمام أحمد لا يكاد يترك القراءة فيه كل يوم سبعًا 866.
ويسن الختم كل أسبوع مرة، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لابن عمرو: "اقرأ القرآن في كل سبع، ولا تزد على ذلك" 867 ولا بأس به كل ثلاث، لحديث ابن عمرو قال: قلت: يا رسول اللَّه إن لي قوة.
قال: "اقرأه في ثلاث" رواه أبو داود 868، ولا بأس به فيما دون ذلك أحيانًا 869، وفي الأزمنة والأمكنة الفاضلة، كفي رمضان، خصوصًا أوتار عشره الأخيرة، وفي مكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب إكثار القراءة إذن، اغتنامًا للزمان والمكان.
= (1/ 74) أن ابن أبي داود نقل عن أبي الدرداء أنه كان يقرأ في الطريق.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن في ذلك.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 282
وقال بعضهم 870: يقدر بالنشاط وعدم المشقة، لأن عثمان كان يختمه في ليلة، وكذلك تميم الداري، وسعيد بن جبير، ومجاهد 871، والشافعي 872، وغيرهم، وختم سليم 873 قاضي مصر في خلافة معاوية -رضي اللَّه عنه- ثلاث ختمات 874، وقال الصالح الإمام [أبو عبد الرحمن السلمي] 875 -رحمه اللَّه- 876: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي 877 يقول: كان
الجزء: 1 - الصفحة: 283
ابن الكاتب 878 -رحمه اللَّه تعالى- يختم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات.
هذا أكثر ما بلغنا في اليوم والليلة، انتهى من كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن" 879 للإمام محى الدين النواوي -رحمه اللَّه تعالى-.
وكره تأخير ختم فوق أربعين يومًا، لأن تأخيره أكثر يفضي إلى نسيانه والتهاون به، قال أحمد: ما أشد ما جاء في من حفظه ثم نسيه 880.
وقال في "التبيان" 881 -أيضًا-: ومن آداب حامل القرآن أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالًا للقرآن، وأن يكون متصونًا 882 عن دنيء الاكتساب، شريف النفس، مترفعًا على الجفاة والجبابرة من أهل الدنيا، متواضعًا للصالحين وأهل الخير والمساكين، وأن يكون متخشعًا ذا سكينة ووقار، فقد جاء عن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- أنه قال: "يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح لكم الطريق، واستبقوا 883 الخيرات، لا تكونوا عيالًا على الناس" 884.
وعن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: "ينبغي لحامل القرآن أن = (479، 483) و"تاريخ بغداد" (9/ 112، 113) و"طبقات الشعراني الكبرى" (1/ 122) و"سير أعلام النبلاء" (16/ 320، 321).
الجزء: 1 - الصفحة: 284
يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفرطون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون" 885.
وعن الفضيل بن عياض -رحمه اللَّه تعالى-: ينبغي لحامل القرآن أن لا تكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم.
وعنه -أيضًا-: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيمًا لحق القرآن 886. انتهى.
فائدة: ينبغي للقارئ إذا أراد القراءة أن يكون على طهارة، ويراعي الأدب مع القرآن، فينبغي أن يستحضر في قلبه أن يناجي اللَّه تعالى، ويقرأ على حال من يرى اللَّه تعالى، فإنه إن لم يكن يراه فإن اللَّه تعالى يراه.
ويستحب له أن يستقبل القبلة، فقد جاء في الحديث: "خير المجالس ما استقبل به القبلة" 887 ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار، مطرقًا رأسه، كجلوسه بين يدي معلمه.
فإذا أراد الشروع في القراءة استعاذ، فقال: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة والترتيل، وإذا مر بآية رحمة سأل اللَّه تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب استعاذ باللَّه من غضبه وعذابه، وإذا مر بآية تنزيه نزهه سبحانه
الجزء: 1 - الصفحة: 285
وتعالى، ونحو ذلك.
فإن قطع القراءة قطع ترك وإهمال أعاد التعوذ إذا رجع إليها، وإن قطعها لعذر عازمًا على إتمامها إذا زال، كرد سلام وإجابة سائل ونحو ذلك؛ كفاه التعوذ الأول.
ويختم في الشتاء أول الليل لطوله، وفي الصيف أول النهار لذلك، روي عن ابن المبارك 888، وكان يعجب أحمد 889؛ لا روى طلحة بن مصرف قال: أدركت أهل الخير من صدر هذه الأمة يستحبون الختم أول الليل وأول النهار يقولون: إذا ختم في أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يصحي، وإذا ختم في أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، ورواه الدارمي 890 عن سعد بن أبي وقاص بإسناد حسن 891.
ويجمع أهله وولده عند الختم، رجاء عود نفع ذلك وثوابه إليهم، وعن ابن عباس: أنه كان يجعل رجلًا يراقب رجلًا يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس، فيشهد ذلك 892.
وروى ابن أبي داود 893 بإسنادين صحيحين عن قتادة عن أنس: "كان
الجزء: 1 - الصفحة: 286
أنس إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا" 894.
ويستحب إذا فرغ من الختم أن يشرع في أخرى، لحديث أنس: "خير الأعمال: الحلُّ والرِّحله" قيل: وما هما؟ قال: "افتتاح القرآن وختمه" 895.
ويدعو بعد الختم نصًّا 896؛ لما روى الدارمي بإسناده عن حميد الأعرج قال: "من قرأ القرآن ثم دعا أمَّن على دعائه أربعة آلاف ملك" 897.
وينبغي أن يلح في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة، وأن يكثر من ذلك.
= و"طبقات الحنابلة" (2/ 51, 55)، و"سير أعلام النبلاء" (13/ 221).
الجزء: 1 - الصفحة: 287
ويستحب أن يكبر من غير تهليل ولا تحميد لختمه كل سورة من آخر الضحى إلى آخره، لأنه روي عن أبي بن كعب: "أنه قرأ على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأمره بذلك" رواه القاضي في "الجامع" بإسناده 898.
ولا يكرر سورة الصمد، ولا يقرأ الفاتحة وخمس آيات من أول سورة البقرة عقب الختم، لأنه لم يبلغ فيه أثر صحيح.
وقال الشيخ تقي الدين: قراءة القرآن أول النهار بعد الفجر أفضل من قراءته آخره 899. وتكره القراءة في المواضع القذرة، وفي حال خروج الريح، فإذا خرجت أمسك عن القراءة حتى تنقضي.
الجزء: 1 - الصفحة: 288
ويستحب الاستماع للقرآن والإنصات له، لأنه يشارك القارئ في أجره.
ويكره الحديث عنده بما لا فائدة فيه، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾ 900.
وكره أحمد السرعة في القراءة 901، وتأوله القاضي: إذا لم يبين الحروف 902، وتركها أكمل لما تقدم.
وحكى الشيخ عن أكثر أهل العلم أن قراءة الإدارة حسنة، كالقراءة مجتمعين بصوت واحد 903. ولو اجتمع القوم لقراءة ودعاء وذكر فعنه: وأي لشيء أحسن منه؟ 904
وكره أحمد والأصحاب قراءة الألحان، وقال: هي بدعة 905، فإن حصل معها تغيير نظم القرآن وجعل الحركات حروفًا، حرم.
ولا يكره الترجيع 906 وتحسين القرآن، بل ذلك مستحب، لحديث أبي
الجزء: 1 - الصفحة: 289
هريرة: "ما أذن اللَّه لشيء كإذنه لنبيٍ يتغنى بالقرآن يجهر به" رواه البخاري 907، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "زينوا القرآن بأصواتكم" 908. ويكره رفع الصوت بقراءة تغلط المصلين.
الجزء: 1 - الصفحة: 290
فصل في أوقات النهي
(وأوقات النهي) عن الصلاة فيها (خمسة): أحدها: (من طلوع فجر ثان إلى طلوع الشمس)، لحديث: "إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر" 909 احتج به أحمد، ورواه هو وأبو داود، من رواية ابن 910 عمر 911، ولا يعارضه حديث [أبي] 912 سعيد وغيره.
ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس 913، لأنه دليل خطاب، فالمنطوق 914 أولى منه.
(و) الثاني: (من صلاة العصر) تامة ولو كانت مجموعة مع الظهر وقت الظهر (إلى) الأخذ في (الغروب)، فمن لم يصل العصر أبيح له التنفل وإن صلى غيره، وكذا لو أحرم بها، ثم قطعها أو قلبها نفلًا، ومن صلاها فليس له التنفل وإن صلى وحده، لحديث أبي سعيد وغيره: "لا صلاة بعد صلاة
الجزء: 1 - الصفحة: 291
العصر حتى تغرب الشمس" 915 وتفعل سنة ظهر بعدها، ولو في جمع تأخير، لحديث أم سلمة المتفق عليه 916، لكن ليس فيه أنه كان جمع، فلذلك صحح الشارح أن الراتبة تقضى بعد العصر 917.
(و) الثالث: (عند طلوعها) أي الشمس (إلى ارتفاعها) لحديث أبي سعيد: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس" متفق عليه 918، وأول هذا الوقت ظهور شيء من قرص الشمس، ويستمر إلى ارتفاعها (قدر رمح) في رأى العين.
(و) الرابع: (عند قيامها حتى تزول).
(و) الخامس: (عند غروبها حتى يتم)، لحديث عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع 919، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف 920 للغروب -يعني تميل- حتى تغرب" رواه مسلم 921.
(فيحرم ابتداءُ نفل فيها) -أي الأوقات الخمسة- حتى صلاة على قبر
الجزء: 1 - الصفحة: 292
وعلى ميت غائب (مطلقًا) سواء كان عالمًا بالتحريم أو جاهلًا به، أو بكونه وقت النهي، لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد، وظاهره أنه لا يبطل تطوع ابتدأه قبله بدخوله، لكن يأثم بإتمامه حتى ماله سبب: كسجود تلاوة، وشكر، وصلاة كسوف، وقضاء سنة راتبة، وتحية مسجد، أو سنة وضوء، لعموم ما سبق 922، و (لا) يحرم (قضاء فرض) أو فرائض، لعموم حديث: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" متفق عليه 923، ولحديث: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته" متفق عليه 924.
(و) لا يحرم (فعل ركعتي طواف) باليت الحرام في الأوقات الخمسة لحديث جبير بن مطعم مرفوعًا: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى فيه أي ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الأثرم، والترمذي وصححه 925، ولأنهما تبع له، وهو جائز كل وقت.
(و) يجوز (إعادة جماعة أقيمت وهو بالمسجد)، لحديث أبي ذر
الجزء: 1 - الصفحة: 293
مرفوعًا: "صلِّ الصلاة فإن أقيمت وأنت في المسجد فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي" رواه أحمد، ومسلم، وابن حبان، والحاكم 926، ولتأكدها للخلاف في وجوبها 927، فإن لم يكن في المسجد لم يستحب له الدخول ليعيدها فيه (و) لا تحرم (سنة فجر أداءً قبله) 928 -أي قبل صلاة فجرٍ- فلا تجوز بعدها حتى ترتفع الشمس قيد 929 رمح.
(و) تحرم (صلاة جنازة بعد فجر وعصر)، لحديث عقبة بن عامر 930 وذكره للصلاة مقرونًا بالدفن يدل على إرادة صلاة الجنازة، ولأنها تشبه النوافل لكونها من غير الخمس، وأبيحت في الوقتين الطويلين لطول مدتهما، فالانتظار يخاف منه عليها، وإن خيف عليها في الأوقات القصيرة صلى عليها للعذر.
ولا تحرم تحية مسجد حال خطبة جمعة مطلقًا، لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "نهي عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة" رواه أبو داود 931.
الجزء: 1 - الصفحة: 294
فصل في صلاة الجماعة وأحكامها وما يبيح تركها وما يتعلق بذلك
(تجب الجماعة للـ) ـصلوات الى (خمس) الواجبات على الأعيان لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ 932 والأمر للوجوب، وإذا كان ذلك مع الخوف فمع الأمن أولى، ولحديث أبي هريرة مرفوعًا: "أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" 933 متفق عليه، ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لما استأذنه أعمى لا قائد له أن يصلي في بيته: "هل تسمع النداء؟ فقال: نعم.
قال: فأجب" رواه مسلم 934.
وعن ابن مسعود قال: "لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به، يهادى 935 بين الرجلين، حتى يقام في الصف" رواه الجماعة، إلا البخاري 936، والترمذي، (على الرجال) لا
الجزء: 1 - الصفحة: 295
النساء ولا الخناثى متعلق بـ: تَجِبْ.
(الأحرار) دون العبيد والمبعضين (القادرين) دون ذوي الأعذار حتى في السفر وفي شدة الخوف، لعموم الآية السابقة.
وليست الجماعة شرطًا لصحة الصلاة، نصًّا 937، لحديث ابن عمر مرفوعًا: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" 938 رواه الجماعة، إلا النسائي، وأبا داود، ولا يصح حمله على المعذور، لأنه يكتب له من الأجر ما كان يفعله لولا العذر، للخبر 939، فتصح الصلاة من منفرد لا عذر له، ويأثم.
وفيها فضل لما تقدم 940، ولا ينقص أجر المصلي منفردًا لعذر كما سبق 941.
وتنعقد الجماعة باثنين فأكثر، لحديث أبي موسى مرفوعًا: "الاثنان فما فوقهما جماعة" رواه ابن ماجه 942، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لمالك بن الحويرث: = الجماعة (1/ 337)، والنسائي، كتاب الإمامة، المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن (2/ 108) وابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب المشي إلى الصلاة (1/ 525).
الجزء: 1 - الصفحة: 296
"وليؤمَّكما أكبركما" 943 إلا في جمعة وعيد لاشتراط [العدد] 944 فيهما، ولو 945 كانت الجماعة بأنثى، والإمام رجل، [أو خنثى أو أنثى] 946 أو كانت بعبد والإمام حر أو عبد، لعموم ما سبق.
ولا تنعقد بصبي في فرض والإمام بالغ، لأنه لا يصلح 947 الصبي إمامًا في الفرض، ويصح في النفل، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَّ ابن عباس وهو صبي في التهجد 948.
وتسن الجماعة في المسجد للأخبار 949، ولإظهار الشعار، وكثرة الجماعة.
وقال بعضهم: وقريب منه إقامتها بالربط والمدارس ونحوهما، وله فعلها ببيت وصحراء، لحديث: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" 950، لكن فعلها بالمسجد أفضل، لما تقدم.
ولو كان إذا صلى في المسجد صلى منفردًا، وببيته صلى جماعة، تعين فعلها ببيته، ولو دار الأمر بين فعلها في [المسجد في] 951 جماعة يسيرة، وفي = هذا إسناد ضعيف لضعف الربيع ووالده بدر بن عمرو.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 297
بيته في جماعة كثيرة كان فعلها في المسجد أولى.
وتسن الجماعة لنساء منفردات عن الرجال، سواء أمهن رجل أو امرأة، لفعل عائشة، وأم سلمة، ذكره الدارقطني 952، وأمر -صلى اللَّه عليه وسلم- أم ورقة "بأن تجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها تؤم أهل دراها" رواه أبو داود والدارقطني 953.
ويكره لمرأة حسناء حضورها مع رجال خشية الافتتان بها، ويباح لغيرها كعجوز ونحوها.
والأفضل في حق المصلي من المساجد: المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره، لأنه [يعمره] 954 بإقامة الجماعة فيه، قال الموفق، والشارح 955 وغيرهما من الأصحاب: وكذلك إن كانت تقام فيه مع غيبته، إلا أن في صلاته في غيره كسر قلب إمامه، أو جماعته، فجبر قلوبهم أولى، فالمسجد الأقدم، لأن الطاعة فيه أسبق 956، فالأكثر جماعة، لأنه أعظم أجرًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 298
وأبعد مسجدين قديمين أو جديدين، سواء اختلفا في كثرة الجمع وقلته، أو استويا، أولى من أقرب، لحديث أبي موسى مرفوعًا: "أعظم الناس في الصلاة أجرًا أبعدهم فأبعدهم ممشى" رواه البخاري 957.
(وحَرُمَ أن يُؤمَّ قبل) إمام (راتب) في مسجد؛ لأنه بمنزلة صاحب البيت وهو أحق بالإمامة ممن سواه، لحديث: "لا يُؤمَّنَّ الرجل في بيته إلا بإذنه" 958 ولا يحرم أن يؤَم بعد الراتب قال في "الإقناع" 959: ويتوجه إلا لمن يعادي الإمام (إلا بإذنه) أي الإمام الراتب، فيباح للمأذون له أن يؤم.
(أو عذره) أي الإمام بنحو غيبة، أو مرض، (أو عدم كراهته) لصلاة غيره عند غيبته، أو ضيق الوقت، فيصلون حينئذ بلا كراهة، "لأن الصدِّيق -رضي اللَّه عنه- صلى بالناس، حين غاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم" متفق عليه 960. وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف -رضي اللَّه عنه- مرة فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أحسنتم" رواه مسلم 961.
وإن لم يُعلم عذر الإمام الراتب وتأخر عن وقته المعتاد رُوسل مع قربه، وعدم المشقة في الذهاب إليه، وسعة الوقت، ليحضر، أو يأذن أو يعلم عذره، ولا يجوز أن يتقدم غيره قبل ذلك، وإن بعد محله أو قرب وفيه مشقة، أو لم يظن حضوره، صلوا جماعة، لأنهم معذورون، وقد أسقط حقه بالتأخر.
الجزء: 1 - الصفحة: 299
وفضيلة أول الوقت أفضل من انتظار كثرة الجمع، ومن صلى الفرض منفردًا أو في جماعة، ثم أقيمت الصلاة سُن أن يعيد مع الجماعة، وكذا إن دخل مسجدًا في غير وقت نهي لغير قصد الإعادة، وقد أقيمت الصلاة، سن له أن يعيد -أيضًا- إلا المغرب، فلا تسن إعادتها، لأن المعادة تطوع ولا يستحب التطوع بوتر، إلا في الوتر خاصة، والأولى من الصلاتين فرضه دون المعادة.
وتكره إعادة الجماعة في مسجدي مكة والمدينة، وعلله أحمد 962 بأنه أرغب في توفير الجماعة، لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الإمام الأول، ولا تكره إعادة الجماعة فيهما لعذر.
(ومن كبَّر) مأمومًا (قبل تسليمة الإمام أدرك الجماعة)، فيبني ولا يجدد إحرامًا، لأنه 963 أدرك جزءًا من الصلاة مع الإمام فأشبه ما لو أدرك ركعة فيحصل له فضل الجماعة، وإن كبَّر بين التسليمتين لم تنعقد صلاته.
(ومن أدركه) أي الإمام (راكعًا) بأن اجتمع معه فيه، بحيث ينتهي إلى قدر الإجزاء من الركوع قبل أن يزول إمامه عن قدر الإجزاء منه، (أدرك الركعة)، ولو لم يدرك الطمأنينة معه، ويطمئن ثم يتابع إمامه، لكن ذلك (بشرط إدراكه راكعًا) كما تقدم، (وعدم شكه فيه) أي في إدراكه راكعًا (و) بشرط (تحريمته قائمًا) وقد تقدم ذلك.
(وتسن) تكبيرة (ثانية للركوع)، وإلا لو اقتصر على تكبيرة الإحرام لأجزأته عن تكبيرة الركوع، روي ذلك عن زيد بن ثابت، وابن عمر 964،
الجزء: 1 - الصفحة: 300
ولم يُعلم لهما مخالف من الصحابة، ولأنه اجتمع واجبان من جنس في محل، وأحدهما ركن فسقط به، كطواف الحاج للزيارة عند خروجه من مكة يجزئه عن طواف الوداع، فإن نوى بتكبيرته الانتقال مع الإحرام أو وحده لم تنعقد، والأفضل أن يأتي بتكبيرتين، كما تقدم 965.
(وما أدركـ) ـه مأموم (معه) أي مع إمامه فهو (آخرها) أي صلاته (وما يقضيه) مما فاته بعد سلام إمامه فهو (أولها)، لحديث أبي هريرة وفيه: " فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا".
رواه أحمد، والنسائي 966.
(ويتحمل) إمام (عن مأموم قراءة) الفاتحة، فتصح صلاة مأموم بدون قراءة، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ 967، وحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" 968 رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه مسلم، وأحمد في رواية الأثرم، فلولا أن القراءة لا تجب على المأموم بالكلية لما أمر بتركها من أجل سنة الاستماع.
(و) يتحمل إمام عن مأموم -أيضًا- (سجود سهو) وتقدم في بابه 969، (و) يتحمل عنه سجود (تلاوة) إذا قرأ في صلاته آية سجدة ولم يسجد إمامه، (و) يتحمل عنه (سترة) الصلاة وتقدم، (و) يتحمل عنه (دعاء قنوت) حيث سمعه، فيؤمن فقط وتقدم، (و) يتحمل عنه (تشهدًا 970 أول)،
الجزء: 1 - الصفحة: 301
وجلوسًا 971 له، (إذا سُبق المأموم بركعة) من رباعيته وتقدم 972.
(لكن يسن أن يقرأ) مأموم (في سكتاته) أي إمامه وهي ثلاث: قبل الفاتحة في الركعة الأولى فقط، وبعدها في كل ركعة، وبعد فراغ القراءة، فيستفتح ويتعوذ في السكتة الأولى عقب إحرامه، ويقرأ الفاتحة في الثانية بعد فراغ الإمام منها، ويقرأ سورة في الثالثة بعد فراغه منها أيضًا.
ويسن لمأموم أيضًا أن يستفتح ويتعوذ ويقرأ الفاتحة (و) سورة حيث شرعت في صلاة (سرية) كالظهر، لحديث جابر: "كنا نقرأ في الظهر والعصر، خلف الإمام في الركعتين الأوليين، بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب" رواه ابن ماجه 973، ويقرأ الفاتحة في الأخيرة من مغرب، وفي الأخيرتين من العشاء.
(و) يسن لمأموم أيضًا أن يقرأ (إذا لم يُسْمِعُه) أي الإمام (لبُعْد) عنه (لا) لطرش 974، فيقرأ الأطرش متى شاء، إن لم يشغل من إلى جنبه من المأمومين، لأنه لا يحصل له مقصود استماع القراءة أشبه البعيد.
(وسن له) أي الإمام (التخفيف) للصلاة (مع الإتمام) لها، لحديث أبي هريرة يرفعه: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم، والضعيف، وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء" رواه الجماعة 975
الجزء: 1 - الصفحة: 302
وتكره سرعة تمنع مأموم فعل ما يسن له فعله، كقراءة السورة، وما زاد على مرة في تسبيح ركوع، وسجود ونحوه.
وقال الشيخ تقي الدين: تلزمه مراعاة الماموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره ونحوه، وقال: ليس له أن يزيد على القدر المشروع، وينبغي 976 أن يفعل غالبًا ما كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يفعله غالبًا 977، ويزيد وينقص للمصلحة، كما كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يزيد وينقص أحيانًا، انتهى 978، فإن اختار المأمومين، 979 كلهم التطويل، لم يكره، لزوال علة الكراهة، وهي التنفير.
(و) سن لإمام وغيره (تطويل) قراءة الركعة (الأولى على) قراءة الركعة (الثانية)، لحديث أبي قتادة -مرفوعًا-: "كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب، وكان يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في صلاة الصبح" متفق عليه 980، إلا في صلاة خوف في الوجه الثاني، بأن كان العدو في غير جهة القبلة، وقسم الإمام المأمومين طائفتين، فالثانية أطول من الأولى لانتظار الطائفة التي تأتي لتأتم به، ويأتي توضيح ذلك -إن شاءالله تعالى- 981 وإلا إذا كان تطويل قراءة الثانية عن الأولى يسيرًا، كما إذا قرأ بسبح والغاشية لوروده 982،
الجزء: 1 - الصفحة: 303
(و) سن لإمام (انتظار داخل) معه أحس به في ركوع ونحوه، لأن الانتظار ثبت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في صلاة الخوف لإدراك الجماعة، ولحديث [ابن] 983 أبي أوفى "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقوم في الركعة الأولى، من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم" رواه أحمد، وأبو داود 984، ولأنه تحصيل مصلحة بلا مضرة (ما لم يشق) انتظاره على مأموم، لأن حرمة من معه أعظم، فلا يشق عليه لنفع الداخل.
ومن استأذنته امرأته أو أمته إلى المسجد كره منعها لحديث: "لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه" 985. وتخرج غير متطيبة، ولا لابسة ثوب زينة، وبيتها خير لها، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وبيوتهن خير لهن، وليخرجن تفلات" 986 رواه أحمد، وأبو داود 987.
ولأب، ثم ولي محرم، منع موليته من خروج من بيتها، إن خشي بخروجها فتنة، أو ضررًا.
= يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية.
قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، يقرأ بهما -أيضًا- في الصلاتين.
الجزء: 1 - الصفحة: 304
فصل في الإمامة ومعرفة الأولى بها
(الأقرأ العالمُ فِقْهَ صلاِته، أولى من الأفقه) فقط، لجمعه بين المزيتين في القراءة والفقه، ثم يليه الأجود قراءة الفقيه لحديث: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه تعالى" 988 ثم يليه الأقرأ جودة، وإن لم يكن فقيهًا، إن كان يعرف فقه صلاته حافظًا للفاتحة، للحديث المذكور، ولحديث ابن عباس: "ليؤذن لكم خياركم، وليؤمَّكم أقرؤكم" 989 رواه أبو داود.
وإنما قُدِّمَ الأقرأ جودة على الأكثر قرآنًا، لأنه أعظم أجرًا لحديث: "من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة" 990 رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وقال أبو بكر وعمر -رضي اللَّه عنهما-: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه 991. ثم مع الاستواء في الجودة يُقدَّم الأكثر قرآنًا الأفقه، لجمعه
الجزء: 1 - الصفحة: 305
الفضيلتين، ثم يليه الأكثر قرآنًا الفقيه، ثم يليه قارئ أفقه، ثم يليه قارئ فقيه، ثم قارئ عالم فقه صلاته من شروطها، وأركانها، وواجباتها، ومبطلاتها ونحوها، ثم قارئ لا يعلم فقه صلاته، بل يأتي بها عادة فتصح إمامته، ثم إن استووا في عدم القراءة 992 قُدِّم أفقه وأعلم بأحكام الصلاة، ثم إن استووا في القراءة والفقه قُدِّم أكبر سنًّا، لحديث مالك بن الحويرث مرفوعًا: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم" متفق عليه 993.
ولأنه أقرب إلى الخشوع، وإجابة الدعاء، ثم مع الاستواء في السن -أيضًا- أشرف، وهو القرشي، إلحاقًا للإمامة الصغرى بالكبرى، ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الأئمة من قريش" 994 وقوله: "قدِّموا قريشًا ولا تَقَدَّمُوها" 995، فتقدم بنو هاشم على غيرهم، لمزيتهم بالقرب من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ثم مع الاستواء في الشرف -أيضًا- الأقدم هجرة بنفسه، لحديث أبي مسعود البدري مرفوعًا: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنًّا، ولا يؤمنَّ الرجل الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على = عنهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 306
تكرمته إلا بإذنه" 996 رواه مسلم.
وسبق بإسلام، كسبق بهجرة.
ثم مع الاستواء فيما تقدم، يقدم الأتقى والأورع، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 997، ولأن مقصود الصلاة الخضوع، ورجاء إجابة الدعاء، والأتقى والأورع أقرب إلى ذلك، قال القشيري 998 في "رسالته" 999: الورع: اجتناب الشبهات.
ثم يقرع، إن استووا في كل ما تقدم، وتشاحوا، فمَنْ قرع صاحبه فهو أحق، قياسًا على الأذان.
وصاحب البيت الصالح للإمامة ولو عبدًا، أحق بالإمامة ممن حفره في بيته، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يُؤَمَّنَّ الرجل في بيته" 1000.
وإمام المسجد الراتب الصالح للإمامة ولو عبدًا، أحق بالإمامة فيه.
ولا تكره إمامة عبد في غير جمعة وعيد، وحر أولى بالإمامة من عبد، ومبعَّض أولى من عبد، وحاضر، وبصير، وحضري، ومتوضئ، أولى من ضدهم.
وتكره إمامة غير الأولى بلا إذنه غير إمام مسجد راتب، وصاحب بيت فتحرم.
(ولا تصح) الصلاة (خلف فاسق)، سواء كان فسقه بالاعتقاد، أو الأفعال المحرمة، لقوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا
الجزء: 1 - الصفحة: 307
يَسْتَوُونَ (18)} 1001، وحديث ابن ماجه عن جابر -مرفوعًا-: "لا تَؤمَّنَّ امرأة رجلًا، ولا أعرابي مهاجرًا، ولا فاجر مؤمنًا، إلا أن يقهره بسلطان يخاف سطوته وسيفه" 1002، وسواء أعلن فسقه، أو أخفاه.
وتصح خلف نائبه العدل، ولا يؤم فاسق فاسقًا، ويعيد من صلى خلف فاسق مطلقًا، (إلا في جمعة وعيد، تعذرًا خلف غيره) أي: الفاسق، بأن تتعذر 1003 أخرى خلف عدل للضرورة، وإن خاف -إن لم يصل خلف فاسق- أذى صلى خلفه، وأعاد نصًّا 1004، فإن وافقه في الأفعال منفردًا ولم ينو الاقتداء به، أو وافقه بإمام عدل خلفه، لم يعد؛ لأنه لم يقتد بفاسق.
وتصح صلاة فرض ونفل خلف أعمى أصم، وأقلف 1005 غير مفتوق، أو مفتوق إذا غسل ما تحتها، وخلف أقطع يدين أو رجلين، أو أحدهما 1006، إذا أمكنه القيام وإلا فبمثله، وكذا مقطوع أنف فتصح إمامته كغيره، وتصح خلف كثير لحن لمن لم يحل المعنى، كجرِّ دال الحمد، وضم هاء للَّه، ونحوها.
(ولا) تصح (إمامة من حدثه دائم) كرعاف، وسلس، وجرح لا يرقأ 1007 دمه، إلا بمثله؛ لأن في صلاته خللًا غير مجبور ببدل، وإنما تصح
الجزء: 1 - الصفحة: 308
لنفسه ولمن مثله، للضرورة.
(و) لا تصح إمامة (أمِّي) -نسبة إلى الأم، كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها، وقيل: إلى أمة العرب- وأصله لغة: من لا يكتب 1008، (وهو) عرفًا (من لا يحسن الفاتحة) أي لا يحفظها، (أو يدغم فيها حرفًا لا يدغم)، كإدغام هاء للَّه في راء ربّ، وهو الأرتّ 1009، أو يبدّل منها (حرفًا) لا يُبدل وهو الألثغ 1010، لحديث: "ليؤمكم أقرؤكم" 1011 رواه البخاري.
إلا ضاد "المغضوب"، وضاد "الضالين" بظاء، فلا يصير به أميًّا سواء علم الفرق بينهما لفظًا ومعنى أم لا، (أو يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى) عجزًا عن إصلاحه، ككسر كاف "إياك" وضم تاء "أنعمت" وكسرها، لأنه عاجز عن فرض القراءة، فلا تصح إمامته (إلا بمثله)، فلا يصح اقتداء عاجز عن نصف الفاتحة الأول، بعاجز عن نصفها الأخير، ولا عكسه، ولا يصح اقتداء قادر على الأقوال الواجبة بعاجز عنها.
فإن تعمد غير الأميِّ إدغام ما لا يدغم، أو إبدال ما لا يبدل، أو اللحن المحيل للمعنى، أو قدر أمي على إصلاحه فتركه، أو زاد على فرض القراءة، وهو عاجز عن إصلاحه عمدًا، لم تصح صلاته، لأنه أخرجه بذلك عن كونه قرآنًا فهو كسائر الكلام.
وإن أحال المعنى في قراءة ما زاد على الفاتحة، سهوًا أو جهلًا صحت صلاته.
ومن اللحن المحيل للمعنى فتح همزة اهدنا، لأنه من أهدى الهدية، لا طلب الهداية.
الجزء: 1 - الصفحة: 309
(وكذا) لا تصح إمامة (من به سلس بول) إلا بمثله (و) كذا (عاجز عن ركوع) أ (وسجود أو قعود ونحوها)، كاعتدال (أو اجتناب نجاسة، أو استقبال) إلا بمثله، (ولا عاجز عن قيام بقادر) في فرض، لأنه عاجز عن ركن الصلاة، كالعاجز عن القراءة، (إلا) إمامًا (راتبًا) بمسجد عجز عن القيام لعلة إذا (رُجِيَ زوال علته) فيجلسون خلفه ولو مع قدرتهم على القيام، لحديث عائشة: "صلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في بيته وهو شاكٍ فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم: أن اجلسوا.
فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به" إلى أن قال: "وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين" 1012 متفق عليه.
وتصح صلاتهم خلفه قيامًا، لأن القيام هو الأصل، ولم يأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من صلى خلفه قائمًا بالإعادة.
(ولا) تصح إمامة (مميز لبالغ في فرض)، وتصح في النفل، كما تقدم.
(ولا) تصح (إمامة امرأة لرجال) لما روى ابن ماجه عن جابر -مرفوعًا-: "لا تؤمن امرأة رجلًا" 1013 ولا تؤم خنثى -أيضًا- لاحتمال أن يكون ذكرًا، (و) لا تصح إمامة (خناثى) لرجال؛ لاحتمال أن يكونوا إناثًا.
(ولا) تصح الصلاة (خلف محدث) حدثًا أصغر أو أكبر يعلم ذلك (أو نجس) أي من ببدنه أو ثوبه أو بقعته نجاسة غير معفو عنها، يعلم ذلك (فإن جُهلا) -أي الإمام والمأموم- (حتى انقضت) الصلاة (صحت لمأموم) فقط دون إمام.
(وتكره إمامة لحَّان) لحنًا لم يحل المعنى كما تقدم.
(و) تكره إمامة الـ (فأفاء) بالمد وهو الذي يكرر الفاء، (ونحوه)
الجزء: 1 - الصفحة: 310
كالتمتام الذي يكرر التاء 1014، وكمن لا يفصح ببعض الحروف، أو يصرع أحيانًا.
وإن ترك الإمام ركنًا، أو شرطًا مختلفًا فيه مقلدًا، صحت صلاته، ومن صلى خلفه معتقدًا بطلان صلاته أعاد، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد.
ومن اقتدى بمن لا يعرف حاله، لم يجب البحث عن كونه قارئًا، عملًا بالغالب، فإن قال بعد سلامه: سهوت عن الفاتحة، لزمه ومن معه الإعادة.
وكره أن يؤم رجل امرأة أجنبية فأكثر، لا رجل فيهن ولا ذات محرم، لنهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن خلوة الرجل بالمرأة 1015، أو أن يؤم قومًا وهم له كارهون بحق، لخلل في دينه أو فضله، لحديث أبي أمامة: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون" 1016 رواه الترمذي.
فإن كرهوه بغير حق لم يكره أن يؤمهم.
ولا تكره إمامة ولد زنا، أو لقيط 1017، أو منفي بلعان، وخصي، وجندي، وأعرابي، إذا سلم دينهم وصلحوا لها، لعموم حديث: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه" 1018، وقالت عائشة في ولد الزنا: "ليس عليه من وزر أبويه شيء" قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
الجزء: 1 - الصفحة: 311
أُخْرَى 1019} 1020 ولا بأس أن يأتم متوضئ بمتيمم لأنه متطهر، والمتوضئ أولى، ويصح ائتمام مؤدي صلاة بقاضيها وعكسه، إذا اتفقتا في الاسم، لا مفترض بمتنفل، ويصح العكس، لحديث: "ألا رجل يتصدَّق على هذا فيصلي معه" 1021.
(وسن وقوف المأمومين) اثنان فأكثر (خلف الإمام) لأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا قام إلى الصلاة تقدم، وقام أصحابه خلفه 1022، إلا إمام العراة، فيقف بينهم وسطًا وجوبًا، إن لم يكونوا عميًا أو في ظلمة، وإلا امرأة أمت نساءً، فتقف وسطًا بينهن ندبًا، روي عن عائشة 1023، ورواه سعيد عن أم سلمة 1024، ولأنه أستر لها.
(والواحد) يقف (عن يمينه) أي: الإمام (وجوبًا) "لإدارته -صلى اللَّه عليه وسلم- ابن عباس، وجابرًا إلى يمينه لما وقفا عن يساره" رواه مسلم 1025. قال في "المبدع" 1026: ويندب تخلفه قليلًا، خوفًا من التقدم، ومراعاة للمرتبة، فإن
الجزء: 1 - الصفحة: 312
بان عدم مصافته له، لم تصح صلاته.
(والمرأة) تقف (خلفه) أي الإمام ندبًا، لحديث أنس: "أن جدَّته مُلَيْكةَ دعتْ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لطعام صنعته، فأكل ثم قال: قوموا لأصلِّي لكم.
فقمت إلى حصير قد اسودَّ من طُول ما لبث، فنضحته بماء، فقام عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقمت أنا واليتيم وراءه، وقامت العجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف" 1027 رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
وإن أمَّ خنثى امرأة وقفت خلفه، لاحتمال أن يكون ذكرًا، فإن أمت أنثى أنثى، فعن يمينها، وإن وقفت المرأة عن يمين الإمام، صحت صلاتها، وصلاة من خلفها من الصفوف إن كان.
(ومن صلى) مأمومًا (عن يسار الإمام مع خُلُوِّ يمينه، أو) صلى (فذًّا ركعة) فأكثر (لم تصح صلاته)، لأنه خالف موقفه، "لإدارته -صلى اللَّه عليه وسلم- ابن عباس وجابرًا، لما وقفا عن يساره" 1028، فإن كان عن يمينه أحد صحت عن يساره -أيضًا-.
وأما الفذ 1029 فلا تصح صلاته، سواء كان عالمًا أو جاهلًا أو ناسيًا أو عامدًا، لحديث وابصة بن معبد: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رجلًا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة" 1030 رواه الإمام أحمد، والترمذي وحسنه،
الجزء: 1 - الصفحة: 313
[ورواه] 1031 ابن ماجه، ورجاله ثقات.
وعن علي بن شيبان -مرفوعًا-: "لا صلاة لفرد خلف الصف" 1032 رواه أحمد وابن ماجه، وإن ركع فذًّا لعذر كخوف فوت الركعة، ثم دخل الصف قبل سجود الإمام صحت صلاته، أو ركع فذًّا لعذر، ثم وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت أيضًا، لأن أبا بكرة -واسمه نفيع- ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل الصف، فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "زادك اللَّه حرصًا ولا تعد" 1033. رواه البخاري، وفعله زيد بن ثابت، وابن مسعود 1034، فإن لم يكن له عذر لم تصح، لأن الرخصة وردت في المعذور فلا يلحق به غيره.
(وإذا جمعهما) أي: الإمام والمأموم (مسجدٌ، صحت القدوة مطلقًا)، سواء رأى الإمام، أو رأى من وراءه، أو لم يره (بشرط العلم بانتقالات الإمام) ليتمكن من متابعته، وإن لم يجمعهما مسجد، كما إذا كان الإمام في المسجد والمأموم خارجه، أو بالعكس (شرط رؤية الإمام أو) رؤية (مَنْ وراءه أيضًا)، فلا يكفي سماع التكبير إذًا، (ولو) كانت الرؤية للإمام، أو مَنْ وراءه (في بعضها) أي: الصلاة.
وإن كان بين الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن، لم تصح، أو كان بينهما طريق ولم تتصل فيه الصفوف حيث صحت [فيه] 1035 كجمعة، وعيد، = الصف وحده (1/ 321)، قال الترمذي: حديث حسن.
اهـ ونقل الحافظ في "الفتح" (2/ 268) تصحيحه عن أحمد وابن خزيمة.
اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 314
وجنازة، ونحوها، للضرورة، لم تصح، للآثار 1036، فإن اتصلت الصفوف حيث صحت فيه، صحت، أو كان المأموم في غير شدة خوف في سفينة، وإمامه بأخرى غير مقرونة بها، لم يصح الاقتداء.
(وكره علو إمام على مأموم) لحديث أبي داود، عن حذيفة -مرفوعًا-: "إذا أمَّ الرجل القوم، فلا يقومنَّ في مكان عال أرفع من مكانهم" 1037 ومحل الكراهة إذا كان ارتفاعه (ذراعًا فأكثر) لا دونه، كدرجة منبر، فلا يكره، لحديث سهل بن سعد: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جلس على المنبر في أول يوم وضع، فكبر وهو عليه، ثم ركع، ثم نزل القهقرى، فسجد وسجد الناس معه، ثم عاد حتى فرغ، فلما انصرف قال: يا أيها الناس إنما فعلت ذلك؛ لتأتموا بي ولتتعلموا صلاتي" متفق عليه 1038.
(ولا بأس) بالعلو (لمأموم، ولو كان كثيرًا) كما لو صلى على سطح والإمام تحته، لما روى الشافعي عن أبي هريرة أنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام 1039، (ولا) يضر (قطع الصف) خلف الإمام وعن يمينه (إلا) إذا كان (عن يساره، بقدر مقام ثلاثة) رجال فتبطل صلاته.
قلت: ظاهر عبارات الأصحاب أن ذلك إذا كان عن يسار الإمام في الصف الذي يقف فيه الإمام، بخلاف قطع الصف الذي خلفه من يساره فلا يضر، ولم أقف على من صرح بذلك.
(و) كره (صلاته) أي: الإمام (في محراب يمنع مشاهدته) روي ذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 315
عن ابن مسعود، وغيره 1040، فيقف عن يمين المحراب، نصًّا 1041، إن لم يكن حاجة، وإن لم يمنع مشاهدته لم يكره.
(و) كره (تطوعه) أي: الإمام (موضع المكتوبة) نصًّا 1042، لحديث المغيرة بن شعبة -مرفوعًا-: "لا يصلِّ الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة، حتى يتنحى عنه" 1043 رواه أبو داود، ولأن في تحوله إعلامًا بأنه صلى، فلا ينتظر.
(و) كره لإمام (إطالته الاستقبال بعد السلام) إن لم يكن ثَم نساء، لحديث عائشة: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام" 1044 رواه مسلم، ويستحب للمأموم أن لا ينصرف قبله؛ للخبر 1045.
(و) كره (وقوف مأموم بين سوار تقطع الصفوف عرفًا) لقول عمر: "كنا نتقي هذا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" 1046 رواه الإمام أحمد، وغيره، قال
الجزء: 1 - الصفحة: 316
أحمد: لأنه يقطع 1047. فإن كان الصف صغيرًا قدر ما بين الساريتين، لم يكره (إلا لحاجة في الكل) من قوله: (وكره علو إمام) إلى هنا.
(وينحرف إمام إلى مأموم) بعد صلاته استحبابًا؛ لحديث سمرة: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صلى صلاة، أقبل علينا بوجهه" 1048 رواه البخاري، (جهة قصده) إن قصد جهة (وإلا عن يمينه) فتلي يساره القبلة.
(و) كره (حضور مسجد و) حضور (جماعة لمن رائحته كريهة، من بصل أو غيره)، كثوم، وكراث، (وفجل حتى يذهب ريحه) للخبر 1049، ولو لم يكن بالمسجد أحد لتأذي الملائكة، ويستحب إخراجه.
وفي معناه من به نحو صُنان 1050 أو جُذام 1051.
ومن الأدب وضع إمام نعله عن يساره، ومأموم بين يديه، لئلا يؤذي.
الجزء: 1 - الصفحة: 317
فصل في صلاة أهل الأعذار
(ويعذر بترك جمعة وجماعة مريض) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما مرض تخلف عن المسجد، وقال: "مروا أبا بكر، فليصل بالناس" 1052 متفق عليه، وكذا خائف حدوث مرض، لأنه في معنى المريض، وتلزم الجمعة دون الجماعة من لم يتضرر بإتيانها راكبًا أو محمولًا (و) يعذر بترك جمعة وجماعة (مدافع أحد الأخبثين): البول والغائط، لأنه يمنعه من كمال الصلاة، وخشوعها (ومن بحضرة طعام يحتاج إليه) أي: الطعام، وله الشبع، نصًّا 1053؛ لخبر أنس في الصحيحين: "ولا تعجلنّ حتى تفرغ منه" 1054 (وخائف ضياع ماله) كغلة ببيادرها أو فواته، كشرود دابته، وإباق عبده، وسفر نحو غريمه، أو ضرر فيه، كاحتراق خبز ونحوه، أو يخاف ضررًا في مال استؤجر لحفظه، أو (موت قريبه أو رفيقه) في غيبته عنه (أو) خائف (ضررًا من سلطان) يأخذه، (أو) ضررًا من (مطر ونحوه)، كوحل 1055 -بفتح الحاء- وثلج، وجليد، وريح، شديدة باردة بليلة مظلمة، لحديث ابن عمر: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة صلوا في رحالكم" 1056 رواه ابن ماجه، أو
الجزء: 1 - الصفحة: 318
يخاف أذى بتطويل إمام.
ولا يعذر بترك جمعة ولا جماعة من عليه حد للَّه تعالى.
أو كان بطريقه إلى المسجد منكر.
أو كان بالمسجد منكر، كدعاء لبغاة، فلا يعذر بذلك في ترك الجمعة والجماعة، نصًّا 1057، وينكر المنكر بحسب قدرته.
(أو) خائف من (ملازمة غريم) له (ولا وفاء له) لأن حبس المعسر ظلم (أو) خائف (فوت رفقته) بسفر مباح (ونحوهم) أي: المريض وما عطف عليه، فيعذرون بترك الجمعة والجماعة لذلك.
= ولم يقل في السفر.
اهـ البخاري، كتاب الأذان، باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله (1/ 162)، مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، (1/ 484).
الجزء: 1 - الصفحة: 319
فصل في صلاة المريض
(يصلي المريض) المكتوبة (قائمًا) إن قدر عليه، ولو كراكع، أو معتمدًا إلى شيء، أو مستندًا إليه (فإن لم يستطع) القيام، أو شق عليه، لضرر يلحقه به، أو زيادة مرض، أو بطء برء (فقاعدًا) على قياس ما سبق، ولو معتمدًا، أو مستندًا (فإن لم يستطع) القعود (فعلى جنب) يصلي، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمران بن حصين: "صل قائمًا، فإن لم تستطع، فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" 1058 رواه الجماعة إلا مسلمًا، زاد النسائي: "فإن لم تستطع فمستلقيًا" 1059 (و) الجنب (الأيمن أفضل) لحديث علي 1060. (وكره) صلاة المريض (مستلقيًا) على ظهره، ورجلاه إلى القبلة (مع قدرته) على الصلاة (على جنب) فإن لم يقدر على الصلاة على جنب (وإلا تعين) أن يصلي على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، لحديث علي مرفوعًا: "يصلي المريض قائمًا إن استطاع، فإن لم يستطع، فقاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ إيماءً، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا، صلى على جنبه الأيمن مُستقبلَ القبلة، فإن لم يستطع، صلى مستلقيًا، ورجلاه مما يلي القبلة" 1061. رواه الدارقطني.
الجزء: 1 - الصفحة: 320
(ويؤمئ بركوع وسجود) عاجز عنهما (ويجعله) أي: السجود (أخفض) للخبر 1062، وللتمييز، وإن سجد على شيء رُفع له وانفصل عن الأرض، كُره، وأجزأه، نصًّا 1063، لأنه أتى بما أمكنه منه، أشبه ما لو أومأ، ولا بأس بسجود على وسادة ونحوها بلا رفع، واحتج بفعل أم سلمة 1064، وابن عباس 1065، وغيرهما (فإن عجز) عن الإيماء بركوع وسجود (أومأ بطرْفه) أي عينِه (ونوى بقلبه، كأسير خائف) أن يعلموا بصلاته، [فإن عجز فبقلبه مستحضر القولِ والفعلِ] 1066 لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 1067.
(ولا يسقط فعلها) أي: الصلاة عن المكلف (ما دام عقله ثابتًا) ولا ينقص أجر مريض عجز عن قيام، أو قعود، إذا صلى على ما يطيقه، لخبر أبي موسى مرفوعًا: "إذا مرض العبد، أو سافر، كُتب له ما كان يعمل، مقيمًا صحيحًا" 1068.
(فإن طرأ عجز) لقادر (أو) طرأ (قدرة) لعاجز (في أثنائها) أي الصلاة (انتقل) إليه، لتعينه عليه، والحكم يدور مع علته (وبنى) على ما تقدم من صلاته.
= (2/ 42) البيهقي، كتاب الصلاة، باب ما روي في كيفية الصلاة على الجنب أو الاستلقاء (2/ 307، 308).
الجزء: 1 - الصفحة: 321
ومن قدر على قيام وقعود، دون ركوع وسجود، أومأ بركوع قائمًا، وسجود قاعدًا، ليحصل الفرق بين الإيمائين.
ومن قدر أن يقوم منفردًا، أو يجلس في جماعة، خُيّر.
قال في "الشرح" 1069: لأنه يفعل في كل منهما واجبًا، ويترك واجبًا.
وقيل: يلزمه أن يصلي قائمًا منفردًا، لأن القيام ركن، بخلاف الجماعة.
ولمريض ولو أرمد يطيق قيامًا، الصلاة مستلقيًا، لمداواة، بقول طبيب مسلم ثقة، لأنه أمر ديني، فلا يقبل فيه كافر، ولا فاسق، كغيره من أمور الدين.
ولا تصح مكتوبة في سفينة قاعدًا لقادر على قيام، كمن بغير سفينة، ويدور إلى القبلة، كلما انحرفت في فرض.
وتصح مكتوبة على راحلة، واقفةً أو سائرة، لتأذٍّ بوحل، ومطر، ونحوه، لحديث يعلى بن أمية: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلَّةُ من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن، وأقام، ثم تقدم النبي -عليه الصلاة والسلام- فصلى بهم -يعني إيماءً- يجعل السجود أخفض من الركوع" 1070 رواه أحمد، والترمذي، وقال: العمل عليه عند أهل العلم.
فإن قدر على نزول بلا مضرة، لزمه، وقام وركع، كغير حالة المطر.
وتصح مكتوبة على راحلة -أيضًا- لخوف انقطاع عن رفقة بنزوله، أو خوف على نفسه من عدو، ونحوه، أو عجزه عن ركوب إن نزل.
والمرأة إن خافت تبرزًا 1071 وهي خفرة 1072، صلت على الراحلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 322
وعلى مصل على الراحلة لعذر: الاستقبال، وما يقدر عليه من ركوع، أو سجود، أو إيماء بهما، وطمأنينة، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 1073.
ومن أتى بكل فرض، وشرطٍ لصلاة، وصلى على راحلة، أو بسفينة، ونحوها، سائرة أو واقفة، صحت صلاته، ولو بلا عذر.
ومن بماء وطين، لا يمكنه الخروج منه، يومئ بركوع وسجود، كمصلوب، ومربوط.
ويسجد غريق على متن الماء، ولا إعادة في الكل، ويعتبر المقر لأعضاء السجود، لحديث: "أُمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم" 1074 فلو وضع جبهته على قطن منفوش ونحوه، مما لا تستقر عليه الأعضاء، لم تصح صلاته، وتصح على ما منع صلابة الأرض، كفراش محشو بنحو قطن.
الجزء: 1 - الصفحة: 323
فصل في القصر
وهو جائز إجماعًا 1075 لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ 1076 الآية، وقول يعلى 1077 لعمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنهما-: ما لنا نقصر وقد أمنّا! فقال: سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته" 1078 رواه مسلم.
(ويسن قصرُ) الصلاة (الرباعية) وهي الظهر والعصر والعشاء إلى ركعتين، ولا تقصر صبح ولا مغرب (في سفر طويل) يبلغ ستة عشر فرسخًا تقريبًا، برًّا أو بحرًا، وهي يومان قاصدان، بسير الأثقال، ودبيب الأقدام.
والفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية.
وبأميال بني أمية: ميلان ونصف، والميل الهاشمي: اثنا عشر ألف قدم، وهي: ستة آلاف ذراع، بذراع اليد.
والذراع: أربعة وعشرون إصبعًا، معترضة، معتدلة، عرض كل إصبع ست حبات شعير، بطون بعضها إلى بعض، عرض كل شعيرة ست شعرات برذون.
وهو بالبرد أربعة، لحديث ابن عباس -مرفوعًا-: "يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أبيبعة بُرد، من مكة إلى عسفان" 1079 رواه الدارقطني.
وروي موقوفًا عليه 1080. قال الخطابي 1081: هو أصح الروايتين عن ابن
الجزء: 1 - الصفحة: 324
عمر 1082. وقول الصحابي حجة، خصوصًا إذا خالف القياس (مباح) أي ليس بحرام، ولا مكروه، واجبًا كان، كحج، وجهاد متعينين، أو مسنونًا، كزيارة رحم، أو مستوي الطرفين، كتجارة، ولو كان نزهة، أو فرجة، أو قَصَدَ مشهدًا، أو قبر نبي 1083، أو مسجدًا غير الثلاثة، ونحوه.
أو عصى في سفره.
وعلم منه: أنه لا يقصر من خرج في طلب آبق، أو ضالة، ولو جاوز المسافة، لأنه لم ينوه، وأن من نواه وقصر، ثم رجع قبل استكماله، فلا إعادة عليه، لأن المعتبر نية المسافة، لا حقيقتها.
وقِنٌّ سافر مع سيده، وزوجة سافرت مع زوجها، وجندي سافر مع أمير، يكونون تبعًا لسيد، وزوج، وأمير في سفر، ونيته.
ومحل جواز القصر إذا فارق بيوت قريته العامرة، أو خيام قومه، إن استوطنوا الخيام (ويقضي) من فاته صلاة (صلاة سفر في حضر) تامة، (وعكسه) كمن فاته صلاة في حضر، وأراد أن يقضيها في سفر، فإنه يقضيها (تامة) لأنه الأصل.
(ومن نوى إقامة مطلقة بموضع) أي غير مقيدة بزمن، ولو في نحو مفازة، أو نوى إقامة ببلد (أو) مفازة (أكثر من أربعة أيام) أو نوى إقامة لحاجة، وظن أن لا تنقضي إلا بعد الأربعة (أو ائتم بمقيم) أو بمن يلزمه الإتمام، سواء ائتم به في كل الصلاة، أو بعضها، علمه مقيمًا، أم لا (أتم) في الجميع.
أو مر بوطنه، أو ببلد تزوج فيه، أتم، لأنه صار في سورة المقيم، وظاهره: ولو بعد فراق الزوجة، أو دخل وقت صلاة عليه حضرًا، ثم سافر، أو أوقع بعضها في الحضر، بأن أحرم بالصلاة مقصورة بنحو
الجزء: 1 - الصفحة: 325
سفينة، ثم وصلت إلى وطنه، أو محل نوى الإقامة به، أتم، تغليبًا لحكم الحضر، لأنه الأصل.
ولا يكره إتمام رباعية لمن له قصرها، لحديث عائشة: "أتمَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقصر" 1084 رواه الد ارقطني، وصححه.
والقصر أفضل من الإتمام، نصًا 1085، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- وخلفاؤه داوموا عليه.
وروى أحمد، عن عمر: "إن اللَّه يحب أن تُؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته" 1086.
(وإن حبس ظلمًا) أو حبس بمطر، أو بمرض، ونحوه (أو لم ينو إقامة) أو أقام لحاجة بلا نية إقامة، ولا يدري متى تنقضي (قصر أبدًا) لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقام بتبوك عشرين يومًا يَقْصُر الصلاة 1087. رواه أحمد، "وأقام -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكة حين فتحها تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين" 1088 رواه البخاري، وقال أنس: "أقام أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- برامَهُرْمُز 1089 تسعة أشهر، يَقْصرونَ الصلاة" 1090 رواه البيهقي، بإسناد حسن.
الجزء: 1 - الصفحة: 326
فصل في الجمع
(ويُباح له) أي لمن أبيح له القصر، فلا يكره ولا يستحب (الجمع بين الظهرين والعشائين) أي: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، (بوقت أحدهما) لحديث معاذ، مرفوعًا: "كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخَّر الظهر، حتى يجمعها إلى العصر، يصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء" 1091 رواه أبو داود، والترمذي.
وقال: حسن غريب.
وعن أنس معناه 1092، متفق عليه، وسواء كان نازلًا، أو سائرًا، في الجمعين.
(و) يُباح الجمع (لمريض) لحديث ابن عباس: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جمع من غير خوف، ولا مطر".
وفي رواية: "من غير خوف ولا سفر" 1093 رواهما مسلم، ولا عذر بعد ذلك إلا لمرض (ونحوه) أي نحو المريض، كمرضع لمشقة كثرة النجاسة، وكمستحاضة، وذي سلس، وجرح لا يرقأ دمه، وعاجز عن طهارة، أو تيمم لكل صلاة، وعاجز عن معرفة وقت، كأعمى ومطمور، وعذر أو شغل يبيح ترك جمعة وجماعة (يلحقه) أي المريض، وما في معناه (بتركه) أي الجمع (مشقة) فإن لم يكن ثَمَّ مشقة لم يبح إلا للمسافر فقط (و) يباح الجمع (بين العشائين فقط، لمطر، ونحوه) كثلج، وجليد (يَبُلُّ
الجزء: 1 - الصفحة: 327
الثوبَ) أي المطر (وتوجد معه مشقة) لأن السنة لم ترد بالجمع لذلك إلا في المغرب والعشاء 1094، رواه الأثرم.
وروى البخاري بإسناده: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة" 1095 وفعلها أبو بكر، وعمر، وعثمان، رضي اللَّه عنهم 1096، وأمر ابن عمر مناديه في ليلة باردة، فنادى: الصلاة في الرحال 1097، و (لِوَحَلٍ) بفتح الحاء (وريح شديدة باردة، لا باردة فقط) لأنه لا يجمع للبرد وحده (إلا) إذا حصل ريح باردة ظاهرة، أو شديدة (بليلة مظلمة) فإنه يجمع لذلك (والأفضل فعل الأرفق) به (من تقديم) العصر وقت الظهر، أو العشاء وقت المغرب (أو تأخير) الظهر إلى وقت العصر، أو المغرب إلى العشاء، فإن استويا، فالأفضل التأخير، لأنه أحوط، خروجًا من الخلاف، سوى جمع عرفة، فالتقديم فيه مطلقًا أفضل، اتباعًا لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- 1098. ويشترط لجمع ترتيب مطلقًا (وكره فعله) أي الجمع (في بيته ونحوه بلا عذر) لعموم حديث: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" 1099،
الجزء: 1 - الصفحة: 328
وهذا على خلاف ما في "الإقناع" 1100، و"المنتهى" 1101 من عدم تقييدهم عدم الكراهة في الصلاة في البيت بعذر، أو غيره، وهو الصحيح، فيباح الجمع مع هذه الأعذار المتقدمة، حتى لمن يصلي في بيته، أو يصلي في مسجد طريقه تحت ساباط 1102، ولمقيم في المسجد، ونحوه، كمن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة؛ لأن الرخصة العامة يستوي فيها وجود المشقة، وعدمها.
ويشترط لجمع تقديم نية الجمع عند إحرامها؛ لأنه محل النية، كنية الجماعة، ووجود العذر عند افتتاحهما، واستمراره إلى فراغ الثانية.
ويشترط لجمع تأخير نيته بوقت أولى، ما لم يضق الوقت عن فعلها، لفوات فائدة الجمع، وهي التخفيف بالمقارنة بين الصلاتين، ولأن تأخيرها إلى ضيق الوقت عن فعلها حرام، فينافي الرخصة، وهي الجمع، وبقاء العذر إلى دخول وقت ثانية فقط، فلو صلاهما خلف إمامين، أو خلف من لم يجمع، أو أحدهما منفردًا، والأخرى جاعة، أو صلى بمأموم الأولى، وبآخر الثانية، أو صلى إمامًا بمن لم يجمع، صح، لعدم المانع.
(ويبطل جمع تقديم براتبة بينهما) أي المجموعتين (وبتفريق) بينهما (بأكثر من وضوء خفيف وإقامة) لأن معنى الجمع المقارنة والمتابعة، ولا يحصل مع تفريق بأكثر من ذلك، ولا يضر كلام يسير، لا يزيد على ذلك، ولو غير ذكر، ولا سجود سهو.
الجزء: 1 - الصفحة: 329
فصل في صلاة الخوف
(وتجوز صلاة الخوف) والخوف ضد الأمن، ومشروعيتها بالكتاب، والسنة.
وتخصيصه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالخطاب لا يقتضى اختصاصه بالحكم، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ 1103 وأجمع الصحابة -رضي اللَّه عنهم- على فعلها 1104، وصلاها علي 1105، وأبو موسى 1106، وحذيفة 1107. فتجوز (بأي صفة صحت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-) في قتال مباح؛ لأنها رخصة، فلا تباح بالقتال المحرم، ولو حضرًا لأن المبيح الخوف، لا السفر (وصحت) عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- (من ستة أوجه) قال الإمام أحمد: صح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاة الخوف من خمسة أوجه، أو ستة.
وفي رواية أخرى: من ستة أوجه، أو سبعة.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: تقول بالأحاديث كلها، أو تختار واحدًا منها؟ قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره 1108. وهي صلاته -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزوة ذات الرقاع 1109، وهو إذا كان العدو بغير جهة القبلة، أو بها ولم يُر، أو رؤي وخيف كَمِينٌ، قسمهم الإمام طائفتين: كل طائفة تكفي العدو، زاد أبو المعالي: بحيث يحرم
الجزء: 1 - الصفحة: 330
فرارها 1110 طائفة منهم تذهب حِذاء العدو، وتحرس المسلمين، وهي مؤتمة بالإمام حكمًا، في كل صلاته، لأنها من حين ترجع من الحراسة، وتحرم، لا تفارقه حتى يسلم بها.
قال الشيخ منصور في "شرح المنتهى" 1111: والمراد بعد دخولها معه، لا قبله.
كما نبه عليه الحجاوي 1112 في "حاشية التنقيح"، فتسجد معه لسهوه، ولو في الأولى قبل دخولها، لا لسهوها إن سهت، لتحمل الإمام له.
وطائفة يحرم بها، ويصلي بها الركعة الأولى من صلاته، وهي مؤتمة به فيها فقط؛ لأنها تفارقه بعدها، فتسجد لسهوه فيها إذا أتمت صلاتها، فإذا استتم الإمام قائمًا إلى الركعة الثانية نوت المفارقة، وأتمت لنفسها منفردة، وسلَّمت، ومضت تحرس، وإن فارقته قبل قيامه إلى الركعة الثانية بلا عذر، بطلت صلاتها.
ويطيل قراءته، حتى تحضر الطائفة الأخرى، التي كانت تحرس، فتُحرمُ، وتصلي معه الركعة الثانية، ويكفي إدراكها الركوع، ويكره تأخير القراءة إلى مجيئها، وإذا فرغ منها، وجلس للتشهد، قامت لتأتي ببقية صلاتها، وانتظرها، يُكرِّر التشهد، حتى تأتي بركعة، وتشهُّد، فيُسلِّم بها، ولا يسلم قبلهم، لقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ 1113 فيدل على أن صلاتهم كلها معه.
وتحصل المعادلة بينهما، فإن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام،
الجزء: 1 - الصفحة: 331
والثانية فضيلة السلام، وهذا الوجه متفق عليه من حديث صالح بن خوات بن جبير، عمن صلى مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاة الخوف يوم ذات الرقاع: "أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم" 1114.
وصح عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة مرفوعًا 1115، وهذا الحديث هو الذي أشار إليه الإمام أحمد أنه اختاره؛ لأنه أنكأ للعدو، وأقل في الأفعال، وأشبه بكتاب اللَّه، وأحوط للصلاة، والحرب.
ويصلي إمام المغرب بطائفة ركعتين، وبالأخرى ركعة، ولا تتشهد الطائفة الثانية بعد صلاتها معه الركعة الثالثة، لأنه ليس محل تشهدها، بل تقوم لقضاء ما فاتها، ويصح العكس، بأن يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين.
ويصلي الرباعية التامة بكل طائفة ركعتين، ويصح بطائفة ركعة، وبأخرى ثلاثًا، لحصول المطلوب بالصلاة بالطائفتين، وتفارقه الطائفة الأولى إذا صلى بها ركعتين من مغرب، أو رباعية تامة، عند فراغها من التشهد الأول، وينتظر الطائفة الثانية جالسًا، يكرر التشهد إلى أن تحضر، فإذا أتت، قام لتدرك معه جميع الركعة الثالثة، ولأن الجلوس أخف على الإمام.
(وسُنَّ فيها) أي في صلاة خوف (حمل سلاح غير مثقل) كسيف وسكين، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ 1116 ولمفهوم قوله:
الجزء: 1 - الصفحة: 332
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ (1) والأمر به للرفق بهم، والصيانة لهم، فلم يكن للإيجاب.
ولا يكره حمل السلاح في الصلاة بلا حاجة، في ظاهر كلام الأكثر.
وكره حمل ما منع إكمال الصلاة، كمغفر (2)، أو ضَرَّ غيره، كرمح متوسط، أو أثقله، كجوشن، وهو: الدرع.
وجاز لحاجة في صلاة خوف حمل نجس، ولا يعيد، للعذر.
تتمة
: إذا اشتد الخوف صلوا رجالًا وركبانًا، للقبلة، وغيرها، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 1119، قال ابن عمر: "فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، وركبانًا، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها" 1120 متفق عليه، وزاد البخاري قال نافع: "لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" 1121 رواه ابن ماجه مرفوعًا 1122. ولا يلزم مصل افتتاحها إليها، ولو أمكن يومئون بركوع وسجود طاقتهم، والسجود أخفض من الركوع، وكذا في حالة الهرب من عدو، أو11171118
الجزء: 1 - الصفحة: 333
سَيْلٍ، أو سَبع، أو نار، أو غريم ظالم، أو خوف فوت عدو يطلبه، لقول عبد اللَّه بن أنس: "بعثني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى خالد بن سفيان الهذلي قال: اذهب فاقتله.
فرأيته، وقد حضرت صلاة العصر، فقلت: إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة، فانطلقت وأنا أصلي، أومئ نحوه إيماء" رواه أبو داود 1123.
ولأن فوت عدوه ضرر عظيم، فأبيحت له صلاة الخوف، كحال لقائه، وكذا إن خاف فوت الوقوف بعرفة، أو خاف على نفسه، أو ماله، أو أهله، أو ذب عن ذلك، أو عن نفس غيره، أو ماله، إنْ صلى آمنًا، فيصلي بالإيماء، ولا يعيد، ومن خاف أو أمن في صلاةٍ انتقل، وبنى.
الجزء: 1 - الصفحة: 334
فصل في صلاة الجمعة
(تلزم صلاة الجمعة) بتثليث الميم 1124 -ذكره الكرماني- 1125 سميت بذلك لجمعها لجماعات، أو لجمع طين آدم فيها، وقيل غير ذلك 1126، والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 1127 الآية، والسنة بها شهيرة، وهي أفضل من الظهر بلا نزاع، قاله في "الإنصاف" 1128، وهي مستقلة، ليست بدلًا عن الظهر،
الجزء: 1 - الصفحة: 335
لجوازها قبل الزوال، ولعدم جواز زيادتها على ركعتين.
وصلاة الجمعة فرض الوقت، فلو صلى الظهر أهل بلد يبلغون أربعين مع بقاء وقت الجمعة، لم تصح ظهرهم؛ لأنهم صلوا ما لم يخاطبوا به، وتركوا ما خوطبوا به، كما لو صلوا العصر مكان الظهر.
وتؤخر فائتة لخوف فوت الجمعة؛ لأنه لا يمكن تداركها، بخلاف غيرها من الصلوات.
والظهر بدل عنها إذا فاتت، لأنها لا تقضى، فتلزم الجمعة لزوم عين (كل مسلم مكلف) لا كافر ولو مرتدًّا، ولا صغير ولو مميزًا، ولا مجنون، (ذكر) حكاه ابن المنذر إجماعًا 1129، لأن المرأة ليست من أهل حضور مجامع الرجال (حر) لحديث طارق بن شهاب مرفوعًا: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، وامرأة، وصبي، أو مريض" 1130 رواه أبو داود، وقال: طارق قد رأى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يسمع منه شيئًا.
وإسناده ثقات قاله في "المبدع" 1131.
(مستوطن ببناء) معتاد ولو من قصب، لا يرتحل عنه شتاء ولا صيفًا، ولو فراسخ، نصًّا 1132، فلا جمعة على أهل الخيام، وبيوت شعر، لأن العرب كانوا حول المدينة، وكانوا لا يصلون الجمعة، ولا أمرهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بها.
وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء؛ لأن المسجد ليس بشرط فيها إن بلغوا أربعين، أو لم يكن بينهم وبين موضعها أكثر من فرسخ تقريبًا،
الجزء: 1 - الصفحة: 336
فتلزمهم بغيرهم، كمن بخيام ونحوها.
ولا تجب جمعة على مسافر فوق فرسخ؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة في السفر، مع اجتماع الخلق الكثير، إلا في سفر لا قصر معه: كسفر معصية، وما دون المسافة، فتلزمه بغيره.
ومن حضرها ممن لا تجب عليه أجزأته عن الظهر، ولا يحسب من العدد، ولا تصح إمامته فيها، لئلا يصير التابعُ متبوعًا، والمريض ونحوه كخائف على نفسه، أو ماله، أو أهله، ممن له شغل، أو عذر يبيح ترك الجمعة، إذا حضرها، وجبت عليه، وانعقدت به، وجاز أن يؤم فيها.
(ومن صلى الظهر ممن عليه الجمعة قبل الإمام) أي قبل صلاة الإمام الجمعة (لم تَصِحَّ) ظهره (وإلا صحَّتْ) بأن صلى بعد فراغ الإمام من الصلاة، أو مما تدرك به الجمعة، صحت ظهره (والأفضل) في حق من لا تلزمه الجمعة، ولم يصل مع الإمام، صلاته (بعده) أي بعد الإمام، خروجًا من الخلاف 1133.
الجزء: 1 - الصفحة: 337
(وحرم سفر من تلزمه) أي الجمعة، بنفسه، أو بغيره في يومها، (بعد الزوال) حتى يصلي الجمعة، لاستقرارها في ذمته بدخول أول الوقت، فلم يجز له تفويتها بالسفر، إن لم يخف فوت رفقة بسفر مباح، فإن خافه سقط عنه وجوبها، وجاز له السفر.
(وكره) له السفر (قبله) أي قبل الزوال لمن هو من أهل وجوبها، خروجًا من الخلاف 1134، ولم يحرم، لقول عمر: "لا تحبس الجمعة عن سفر" 1135 رواه الشافعي في "مسنده"، ولأنها لا تجب إلا بالزوال، وما قبله رخصة (ما لم يأت بها في طريقه) فإن أتى بالجمعة في طريقه من سافر قبل الزوال، أو بعده، لم يكره، لأداء فرضه (أو يخف فوت رفقة) كما تقدم.
(وشرط لصحتها) أي الجمعة: أربعة شروط، ليس منها إذن الإمام،
الجزء: 1 - الصفحة: 338
أحدها: (الوقت) لأنها مفروضة، فيعتبر لها الوقت، كبقية المفروضات (وهو) أي وقت الجمعة من (أول وقت العيد) نص عليه 1136، لحديث عبد اللَّه بن سيدان 1137 السلمي قال: "شهدت الجمعة مع أبي بكر -رضي اللَّه عنه- فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر -رضي اللَّه عنه- فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: زال النهار.
فما رأيت أحدًا عاب تلك ولا أنكره" 1138 رواه أحمد، والدارقطني، واحتج به أحمد، قال: وكذلك روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية 1139، أنهم صلوا قبل الزوال، ولم ينكر 1140 فكان إجماعًا 1141 (إلى آخر وقت الظهر) إلحاقًا لها بها، لوقوعها موضعها.
وتلزم بزوال؛ لأن ما قبله وقت جواز، وفعلها بعده أفضل، خروجًا من الخلاف 1142، ولأنه الوقت الذي كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصليها فيه في أكثر أوقاته.
الجزء: 1 - الصفحة: 339
ولا تسقط بشكه في خروج الوقت، لأن الأصل عدمه، فإن خرج الوقت بأن تحقق خروجه (قبل التحريمة صلوا ظهرًا) لأن الجمعة لا تقضى (وإلا) أي وإن لم يتحقق خروجه صلوا (جمعة) نصًّا، لأن الأصل بقاؤه، وهى تدرك بالتحريمة كسائر الصلوات.
(و) الثاني والثالث من شروط صحتها: (حضور 1143: أربعين بالإمام من أهل وجوبها) -أي الجمعة- واستيطانهم بقرية ولو من قصب، لما روى أبو داود عن كعب بن مالك قال: "أول من صلى بنا الجمعة في نقيع الخضمات 1144 أسعد بن زرارة وكنا أربعين" 1145 رواه ابن حبان، والبيهقي والحاكم، وقال: على شرط مسلم.
ولم ينقل عمن يقتدى به أنها صليت بدون ذلك (فإن نقصوا) أي الأربعين (قبل إتمامها) أي الجمعة (استأنفوا جمعة إن أمكن) إعادتها جمعة بشروطها؛ لأنها فرض الوقت (وإلا) بأن لم يمكن استئنافها لفقد بعض شروطها استأنفوا (ظهرًا) نصًّا 1146؛ لأن العدد شرط، فاعتبر في جميعها.
= الصلاة قبل الزوال أجاز ذلك، ومن لم يفهم منها إلا التبكير فقط لم يجز ذلك لئلا تتعارض الأصول في هذا الباب.
اهـ ينظر: "بداية المبتدي" (ص 26)، و"الذخيرة" (2/ 331) و"مغني المحتاج" (1/ 279) و"الفروع" (1/ 546).
الجزء: 1 - الصفحة: 340
(ومن) أحرم بالجمعة في وقتها و (أدرك مع الإمام ركعة، أتمها جمعة) رواه البيهقي عن ابن مسعود (1)، وابن عمر (2)، وعن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة" (3). رواه الأثرم.
تتمة
:
من أحرم مع الإمام بالجمعة، ثم زحم عن سجود بأرض، لزمه السجود، ولو على ظهر إنسان، أو رجله، لقول عمر: "إذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر أخيه" 1150 رواه أبو داود الطيالسي، وسعيد، وكالمريض يأتي بما يمكنه، ويصح.
وإن احتاج إلى موضع يديه ورجليه، لم يجز وضعها على ظهر إنسان.
ذكره في "الإقناع" 1151.
(و) الرابع: (تقديم خطبتين) لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 1152 والذكر هو: الخطبة، والأمر بالسعي إليه دليل وجوبه، ولمواظبته عليه الصلاة والسلام على ذلك، قال ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-: "كان عليه الصلاة والسلام يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس" 1153 متفق عليه.
وهما بدل ركعتين، لقول عمر وعائشة: "قصرت الصلاة من أجل114711481149
الجزء: 1 - الصفحة: 341
الخطبة" 1154 لأن الخطبتين بدل الركعتين من الظهر؛ لأن الجمعة ليست بدلًا عن الظهر، بل مستقلة كما تقدم (من شرطهما) أي الخطبتين (الوقت) فلا تصح واحدة منهما قبله؛ لأنهما بدل ركعتين، كما تقدم.
(وحمد اللَّه) تعالى أي قول: الحمد للَّه.
لحديث ابن مسعود: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا تشهد قال: الحمد للَّه" 1155 رواه أبو داود.
وله -أيضًا- عن أبي هريرة: "كل كلام لا يبدأ فيه بحمد اللَّه فهو أجذم" 1156 (والصلاة على رسوله عليه) الصلاة و (السلام) لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر اللَّه تعالى، افتقرت إلى ذكر رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، كالأذان، والتشهد.
ويتعين لفض الصلاة، ولا يجب السلام عليه مع الصلاة، عملًا بالأصل (وقراءة آية) كاملة، لحديث جابر بن سمرة "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقرأ الآيات، ويُذكِّر الناس" 1157 رواه مسلم.
ولأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين، فوجب فيهما القراءة كالصلاة، ولا تجزئ آية لا تستقل بمعنى، أو حكم نحو ﴿ثُمَّ نَظَرَ (21)﴾ 1158 أو ﴿مُدْهَامَّتَانِ (64)﴾ 1159 ذكره أبو المعالي 1160 (وحضور العدد المعتبر) للجمعة، (ورفع الصوت بقدر إسماعه) أي العدد المعتبر حيث لا مانع (والنية) لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 1161. (والوصية بتقوى اللَّه) تعالى،
الجزء: 1 - الصفحة: 342
لأنها المقصودة من الخطبة، فلو قرأ من القرآن ما يتضمن الحمد والموعظة، وصلى على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كفى (ولا يتعين لفظها) أي الوصية، وأقلها: اتقوا اللَّه، أطيعوا اللَّه، ونحوه (وأن تكونا) أي الخطبتان (ممن يصح أن يؤُمَّ فيها) أيَ الجمعة، فلا تصح خطبة من لا تجب عليه بنفسه، كعبد، ومسافر، ولو أقام لعلم، أو شغل بلا استيطان، كما تقدم، ولا يشترط أن يتولاهما واحد، فلو خطب واحد الأولى، وآخر الثانية، أجزأتا، كالأذان والإقامة و (لا ممن يتولى الصلاة) لأن كلًّا منهما عبادة بمفردها، ولا يشترط -أيضًا- حضور متولي الصلاة الخطبة، فتصح إمامة من لا يحضر الخطبة، من أن تكونا بهم حيث كان من أهل وجوبها.
(وتسن الخطبة على منبر) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر به، فعُمل له من أثل الغابة 1162، فكان يرتقي عليه، وكان ثلاث درج 1163. وسمي منبرًا: لارتفاعه.
والنبر: الارتفاع 1164. واتخاذه سنة مجمع عليها، قاله في "شرح مسلم" 1165 (أو) على (موضع عال) إن عدم المنبر؛ لأنه في معناه، ويكونان على يمين مستقبل القبلة، كما كان منبره -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(و) يسن (سلام خطيب إذا خرج) إلى المأمومين (و) سلامه أيضًا (إذا أقبل عليهم) بوجهه، لما روى ابن ماجه، عن جابر قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صعد المنبر سلم" 1166 رواه الأثرم عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن
الجزء: 1 - الصفحة: 343
مسعود، وابن الزبير 1167.
(و) يسن أيضًا (جلوسه) أي الخطيب (إلى فراغ الأذان) لحديث ابن عمر، "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب" 1168. رواه أبو داود مختصرًا.
(و) يسن أيضًا جلوسه (بينهما) أي الخطبتين (قليلًا) لقول ابن عمر: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس" 1169 متفق عليه.
قال في "التلخيص" 1170: بقدر سورة الإخلاص.
فإن أبي أن يجلس بينهما، أو خطب جالسًا، فصل بينهما بسكتة، ليحصل التمييز، وعلم منه أن الجلوس بينهما غير واجب، لأن جماعة من الصحابة منهم علي، سردوا الخطبتين من غير جلوس 1171.
(و) تسن أيضًا (الخطبة قائمًا) نصًّا 1172 لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- 1173 ولم يجب، لأنه ذكر، ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام، كالأذان (معتمدًا على سيف، أو عصا) لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- 1174، رواه أبو داود، ولأنه أمكن له، وإشارة إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 344
أن هذا الدين فتح به 1175، ويكون ذلك بيده اليسرى، والأخرى بحرف المنبر، ذكره في "الفروع" 1176 توجيهًا، فإن لم يعتمد أمسك بيمينه شماله، أو أرسلهما (قاصدًا تلقاءه) أي: تلقاء وجهه، لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- 1177، ولأنه أقرب إلى سماعهم كلهم، ويكون متعظًا بما يعظ به، ويستقبل الناس، وينحرفون إليه فيستقبلونه ويتربعون، وإن استدبرهم فيها كره، وصحت.
(و) يسن (تقصيرهما) أي الخطبتين (و) تكون (الثانية أكثر) تقصيرًا من الأولى، لحديث: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا اخطبة" 1178. رواه مسلم، من حديث عمار مرفوعًا.
ويسن رفع صوته بحسب طاقته؛ لأنه أبلغ في الإعلام.
(و) يسن أيضًا (الدعاء للمسلمين): "لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا خطب يوم الجمعة دعا وأشار بإصبعيه، وأمَّن الناس" 1179 رواه حرب 1180 في "مسائله".
الجزء: 1 - الصفحة: 345
(وأبيح) دعاؤه (لمعيَّن كالسلطان) لما روي: "أن أبا موسى كان يدعو في خطبته لعمر" 1181.
ويباح أن يخطب من صحيفة، كقراءة في الصلاة من مصحف.
(وهي) أي صلاة الجمعة (ركعتان) بالإجماع، حكاه ابن المنذر 1182. قال عمر: "صلاة الجمعة ركعتان من غير قصر، وقد خاب من افترى" 1183 رواه أحمد.
ويسن أن (يقرأ في) الركعة (الأولى بعد الفاتحة) بسورة (الجمعة، و) في الركعة (الثانية) بعد الفاتحة بسورة (المنافقين) لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأهما في صلاة الجمعة 1184، رواه مسلم من حديث ابن عباس.
ويسن أن يقرأ في فجرها في الركعة الأولى بعد الفاتحة: آلم السجدة، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ نصًّا 1185؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يفعله 1186، متفق عليه من حديث أبي هريرة.
قال الشيخ تقي الدين 1187: لتضمنهما خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان إلى أن يدخل الجنة أو النار، وتكره مداومته عليهما.
قال أحمد: لئلا يظن أنها مفضلة
الجزء: 1 - الصفحة: 346
بسجدة 1188. وقال جماعة: لئلا يظن الوجوب 1189.
(وحرم إقامتها) أي صلاة الجمعة (و) إقامة كصلاة (عيد في أكثر من موضع) واحد (ببلد) لأنهما لم يكونا يفعلان في عهده، وعهد خلفائه إلا كذلك، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 1190 (إلا لحاجة) كضيق مسجد البلد عن أهله، وكبعد، كأن يكون البلد واسعًا، وتتباعد أقطاره، فيشق على من منزله بعيد عن محل الجمعة، وكخوف فتنة، كعداوة بين أهل البلد يخشى من اجتماعهم في محل إثارتها، ونحو ذلك، فإن عدمت الحاجة، وتعددت، فالصحيحة ما باشرها الإمام، أو أذن فيها، وإن استوتا في إذن أو عدمه، فالسابقة بالإحرام هي الصحيحة، وإن وقعتا معًا، بأن أحرم إمامهما في آن واحد بطلتا؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما، ولا مزية لأحدهما على الأخرى، فترجح بها، فإن أمكن اجتماعهم، وبقي الوقت، صلوا جمعة، لأنها فرض الوقت، وإلا فظهرًا، لأنها بدل عن الجمعة إذا فاتت.
وإذا وقع عيد في يوم الجمعة، سقطت عمن حضره مع الإمام ذلك اليوم، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى العيد وقال: "من شاء أن يجُمِّع فليُجَمِّع" 1191 رواه أحمد من حديث زيد بن أرقم.
(وأقل السنة) الراتبة (بعدها) أي الجمعة (ركعتان) لحديث ابن عمر مرفوعًا: "كان يصلي بعد الجمعة ركعتين" 1192 متفق عليه (وأكثرها) أي السنة بعد الجمعة (ست) ركعات، لقول ابن عمر: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-
الجزء: 1 - الصفحة: 347
يفعله" 1193. رواه أبو داود.
ولا راتبة لها قبلها نصًّا 1194، (وسن قبلها أربع غير راتبة).
(و) سن (قراءة) سورة (الكهف في يومها) أي الجمعة، لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين" 1195 رواه البيهقي، بإسناد حسن أ (و) في (ليللها) لخبر: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة وفي فتنة الدجال" 1196.
(و) سن (كثرة دعاء) في يوم الجمعة، وأفضله بعد العصر؛ لحديث: "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل اللَّه شيئًا إلا أعطاه إياه".
وأشار بيده يقللها 1197. متفق عليه.
قال أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي ترجى فيها الإجابة، أنها بعد صلاة العصر، وترجى بعد زوال الشمس 1198.
(و) سن بتأكد في يومها وليللها كثرة (صلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-) لحديث: "أكثروا الصلاة عليّ ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فمن صلى عليّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشرًا" 1199 رواه البيهقي، بإسناد جيد، وعن ابن مسعود مرفوعًا: "أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ
الجزء: 1 - الصفحة: 348
صلاة" 1200 رواه الترمذي، وحسنه.
(و) سن أيضًا (غسل) لها في يومها لحديث عائشة: "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا" 1201 ولو أحدث بعده، أو لم يتصل به المضي إليها، والأفضل كونه عن جماع، عند مضيه إليها، خروجًا من الخلاف 1202، ولأنه أبلغ في المقصود.
(و) سن أيضًا (تنظف) لها، بقص شارب، وتقليم ظفر، وقطع روائح كريهة، بسواك، وغيره (وتطيب) لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن بدهن، ويمس من طيب امرأته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" 1203 رواه البخاري.
(و) سن أيضًا (لبس بياض) لأنه أحسن الثياب، وأفضلها (وتبكير
الجزء: 1 - الصفحة: 349
إليها) 1204 أي الجمعة ولو مشتغلًا بالصلاة في منزله، بسكينة، لحديث: "ومشى ولم يركب" 1205 بعد فجر لحديث: "من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة 1206. . . إلخ" ولا بأس بركوبه لعذر.
(و) سن أيضًا (دنو من الإمام) -أي قرب منه- لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من غسّل واغتسل، وبكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة يخطوها عَمَلُ سنة، أجر صيامها وقيامها" 1207 رواه أحمد، وأبو داود من حديث أوس، وإسناده ثقات.
وقوله: غسّل -بالتشديد- أي جامع.
واغتسل معلوم.
وبكَّر: أي خرج في بكرة النهار، وهي: أوله.، وابتكر: أي بالغ في التبكير -أي جاء في أول البكرة- ويستقبل القبلة، لأنه خير المجالس، للخبر 1208، ويشتغل بالصلاة إلى خروج الإمام للخطبة، لما في ذلك من تحصيل الأجر، فإذا خرج الإمام، وهو في نافلة، خَفَّفها.
ويحرم ابتداء نافلة إذن، غير تحية مسجد، روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر 1209، ولو كان ذلك قبل الشروع في الخطبة، أو كان بعيدًا، بحيث
الجزء: 1 - الصفحة: 350
لا يسمعها، ويشتغل -أيضًا- بذكر اللَّه تعالى تحصيلًا للأجر، وأفضله قراءة القرآن.
(وكره لغيره) أي لغير الإمام (تخطي الرقاب) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو على المنبر لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: "اجلس فقد آذيت" 1210 رواه أحمد، (إلا لفرجة لا يصل إليها إلا به) أي بتخطي الرقاب، فيباح، إلى أن يصل إليها، لإسقاطهم حقهم بتأخرهم عنها.
(و) كره أيضًا (إيثار) غيره (بمكان أفضل) ويجلس فيما دونه؛ لأنه رغبة عن الخير و (لا) يكره للمؤثر (قبول) ولا رد، وقام رجل لأحمد من موضعه فأبى أن يجلس فيه وقال: ارجع إلى موضعك.
فرجع إليه 1211. وليس لغير المؤثر -بفتح الثاء المثلثة- سبقه إلى المكان الأفضل، لأنه أقامه مقامه، أشبه من تحجر مواتًا، فآثر به غيره.
والعائد من قيامه لعارض، كتطهر، أحق بمكانه الذي سَبَقَ إليه، لحديث مسلم عن أبي أيوب مرفوعًا: "من قام من مجلسه ثم عاد إليه فهو أحق به" 1212 ومن لم يصل إليه إلا بالتخطي، فكمن رأى فرجة (وحرم أن يقيم غير صبي من مكانه فيجلس فيه) مع أهليته له، حتى المعلم، والمحدث، والمفتي ونحوه، فيحرم أن يقيم من جلس موضع حلقته، ولو كان عبده الكبير، أو ولده الكبير، لحديث ابن عمر مرفوعًا: "نهي أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه" 1213 متفق عليه، ولكن يقول:
الجزء: 1 - الصفحة: 351
"افسحوا" 1214 للخبر، ولأنه حق ديني، فاستوى فيه العبد، والولد، وغيرهما.
وقال أبو المعالي: إن جلس في مصلى الإمام، أو طريق المارة، أو استقبل المصلين في مكان: أقيم، وأما الصبي ممن لم يبلغ من ولد، وعبد، وأجنبي، فيقام؛ لأن البالغ أحق بالتقدم للفضل 1215. قال المنقح: وقواعد المذهب تقتضي عدم الصحة 1216، لصلاة من أقام غيره، وصلى مكانه؛ لأنه يفسر في معنى الغاصب للمكان.
وحرم -أيضًا- رفع مُصَلى مفروش ليصلي عليه ربه إذا جاء، لأنه افتئات على ربه، وتصرف في ملكه بغير إذنه، ما لم تقم الصلاة، ولا يحضر ربه، فَلِغَيْرِهِ رفعُه، والصلاة مكانه؛ لأن المفروش لا حرمة له بنفسه، وربه لم يحضر.
(و) حرم أيضًا (الكلام حال الخطبة) إذا سمعها لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ 1217، قال أكثر المفسرين: إنها نزلت في الخطبة 1218. وسميت قرآنًا لاشتمالها عليه، ولخبر الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت والإمام يخطب، فقد لغوت" 1219 واللغو الإثم (على غير خطيب)، وأما
الجزء: 1 - الصفحة: 352
الخطيب فلا يحرم عليه الكلام حال الخطبة (و) على غير (من كلّمه) أي الخطيب (لحاجة) لحديث أنس قال: "جاء رجل والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قائم على المنبر يوم الجمعة، فقال: متى الساعة؟ فأشار إليه الناس أن اسكت.
فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عند الثالثة: ما أعددت لها؟ قال: حب اللَّه ورسوله.
قال: إنك مع من أحببت" 1220 رواه البيهقي، بإسناد صحيح.
فإن كان بعيدًا عن الإمام، بحيث لا يسمعه، لم يحرم عليه الكلام، لأنه ليس بمستمع، لكن يستحب اشتغاله بذكر اللَّه تعالى، والقرآن، والصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في نفسه، واشتغاله بذلك أفضل من إنصاته، ويستحب له أن لا يتكلم.
ويجب كلام والإمام يخطب، لتحذير ضرير عن هلكة، وتحذير غافل عن بئر، ونحوه.
ويباح الكلام إذا سكت الخطيب بينهما، أو شرع في دعاء، لأنه غير واجب، فلا يجب الإنصات له.
وله الصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سمعها من الخطيب.
وسن الصلاة عليه سّرًا، لئلا يشغل غيره بجهره، كدعاء، وتأمين على دعاء الخطيب.
ويجوز حمده خفية إذا عطس، ورد سلام، وتشميت عاطس، ولو سمع الخطيب، لعموم الأوامر بها، وإشارة أخرس إذا فهمت ككلام، فتحرم حيث يحرم الكلام؛ لأنها في معناه، لا تسكيت متكلم بإشارة، وعن ابن عمر أنه كان يحصب من تكلم 1221. ويكره العبث والإمام يخطب.
الجزء: 1 - الصفحة: 353
والسُؤال حال الخطبة لا يتصدق عليهم؛ لأنهم فعلوا ما لا يجوز، فلا يعانون عليه، فإن سأل قبل الخطبة، ثم جلس، فلا بأس، كمن لم يسأل، أو سأل له الخطيب.
(ومن دخل والإمام يخطب صلى التحية فقط خفيفة) ولو وقت نهي، لحديث جابر مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين، يتجوز فيهما" (1) رواه أحمد، وأبو داود، وتحرم الزيادة عليهما.
وإن خطب بغير مسجد لم يصل الداخل شيئًا.
وتسن تحية المسجد لمن دخله، وإن لم يرد الجلوس فيه، بشرط أن لا يجلس فيطول جلوسه، وأن يكون متطهرًا، ولا يكون وقت نهي، غير حال خطبة الجمعة، كما تقدم، ولا تسن التحية لداخله لصلاة عيد، أو والإمام في مكتوبة، أو بعد شروع في إقامة، أو خطيب دخل لها، وقيِّم المسجد، لتكرار دخوله، وداخل المسجد الحرام، لأن تحيته الطواف، وينتظر من دخل المسجد حالة الأذان بالتحية فراغه، ليجيبه.
خاتمة
:
روى ابن السني من حديث أنس مرفوعًا: "من قرأ إذا سلم الإمام يوم الجمعة قبل أن يثني رجليه فاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 1222﴾ والمعوذتين = قلت: قد ساق ابن أبي شيبة آثارًا عن بعض السلف في المنع من ذلك.
ويؤيده حديث: "من مس الحصى فقد لغا" أخرجه مسلم (2/ 588).
الجزء: 1 - الصفحة: 354
سبعًا، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطي من الأجر بعدد من آمن باللَّه ورسوله" 1223.
الجزء: 1 - الصفحة: 355
فصل في صلاة العيدين وأحكامها
والعيد لغة: ما اعتادك، أي تردد عليك مرة بعد أخرى، اسم مصدر من: عاد 1224. سمي به اليوم المعروف، لأنه يعود ويتكرر، أو لأنه يعود بالفرح والسرور، وجمع بالياء وأصله الواو، للفرق بينه وبين أعواد الخشب، أو للزومها في الواحد.
و(صلاة العيدين فرض كفاية) لأنه عليه الصلاة والسلام واظب عليها حتى مات، وروي: أن أول صلاة عيد صلاها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة 1225. وإذا اتفق أهل بلد من أهل وجوبها على تركها قاتلهم الإمام، لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي تركها تهاون بالدين.
(ووقتها كصلاة الضحى) من ارتفاع الشمس قدر رمح (وآخره الزوال، فإن لم يعلم بالعيد إلا بعده) أي بعد خروج الوقت (صلوا) العيد (من الغد قضاء) مطلقًا، لما روى أبو عمير بن أنس 1226 قال: "حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قالوا: غُمَّ علينا هلال شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب آخر النهار، فشهدوا عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد" 1227 رواه الخمسة، إلا الترمذي، وصححه إسحاق بن
الجزء: 1 - الصفحة: 356
راهويه، والخطابي 1228.
ولأن العيد يشرع له الاجتماع العام، وله وظائف دينية ودنيوية، وآخر النهار مظنة الضيق ضن ذلك غالبًا، وأما من فاتته مع الإمام فإنه يصليها متى شاء؛ لأنها نافلة لا اجتماع فيها.
(وشرط لوجوبها) أي صلاة العيدين (شروط جمعة، و) شرط (لصحتها استيطان) لأنه عليه الصلاة والسلام وافق العيد في حجه ولم يصله 1229 (وعدد الجمعة) فلا تقام إلا حيث تقام الجمعة؛ لأنها ذات خطبة راتبة أشبهتها (لكن يسن لمن فاتته) أي صلاة العيد (أو) فاته (بعضها أن يقضيها) في يومها قبل الزوال، وبعده و (على صفتها أفضل) لفعل أنس 1230، وكسائر الصلوات، كمدرك إمام في التشهد، لعموم "ما أدركتم فصلوا وما = (1/ 684) والنسائي، كتاب صلاة العيدين، باب الخروج إلى العيدين من الغد (3/ 180)، وابن ماجه، كتاب الصيام، باب ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال (1/ 259)، وأحمد في "المسند" (5/ 57، 58).
الجزء: 1 - الصفحة: 357
فاتكم فاقضوا" 1231، وإن أدرك الإمام بعد التكبيرات الزوائد أو بعد بعضه، لم يأت به، لأنه سنة فات محلها.
(وتسن) صلاة عيد (في صحراء) قريبة عرفًا من بنيان، لحديث أبي سعيد: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى" 1232. متفق عليه، وكذا الخلفاء بعده، ولأنه أوقع هيبة، وأظهر شعارًا، لعدم تكرره، بخلاف الجمعة، إلا بمكة المشرفة، فبالمسجد الحرام، لفضيلة البقعة، ومشاهدة الكعبة المشرفة، ولم تزل الأئمة يصلونها فيه.
(و) يسن (تأخير صلاة) عيد (فطر وأكل قبلها) لقول بُريدة: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يخرج يوم الفطر، حتى يفطر، ولا يَطْعَمَ يوم النحر حتى يصلي" 1233 رواه أحمد.
وأن يكون أكله تمرات وترًا، حديث أنس: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات" رواه البخاري، وزاد في رواية منقطعة: "ويأكلهن وترًا" 1234.
(و) يسن (تقديم) صلاة (أضحى، وترك أكل قبلها لمضح) ليأكل من أضحيته إن ضحى، والأولى من كبدها، وإلا خُيّر، ويقدمها بحيث يوافق من بمنى في ذبحهم، ولحديث الشافعي مرسلًا: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كتب إلى عمرو بن حَزم أن عجِّل الأضحى، وأخِّر الفطر، وذكِّر الناس" 1235، وليتسع وقت الأضحية، وزكاة الفطر.
الجزء: 1 - الصفحة: 358
(ويصليها) أي العيد (ركعتين قبل الخطبة) لقول عمر: "صلاة الفطر والأضحى ركعتان ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم عليه الصلاة والسلام، وقد خاب من افترى" 1236 رواه الإمام أحمد، (يكبر في) الركعة (الأولى بعد الاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة، ستًّا) زوائد (و) يكبر (في) الركعة (الثانية قبل القراءة خمسًا) زوائد، نصًا 1237، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كبَّر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة، سبعًا في الأولى، وخمسًا في الآخرة" 1238 إسناده حسن، رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن المديني.
قال عبد اللَّه: قال أبي: أنا أذهب إلى هذا 1239. وفي لفظ: "التكبير سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما" 1240 رواه أبو داود، والدارقطني.
وقوله: سبع في الأولى، أي بتكبيرة الإحرام (رافعًا يديه مع كل تكبيرة) نصًّا 1241، لحديث وائل بن حجر "أنه كان -صلى اللَّه عليه وسلم- يرفع يديه مع التكبير" 1242، قال أحمد: فأرى أن يدخل فيه هذا كله 1243 (ويقول بين كل
الجزء: 1 - الصفحة: 359
تكبيرتين: اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد للَّه كثيرًا، وسبحان اللَّه بكرة وأصيلًا، وصلى اللَّه على محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا) لقول عقبة بن عامر: "سألت ابن مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد؟ قال: نحمد اللَّه، ونثني عليه، نصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" 1244. رواه أحمد، وحرب 1245 واحتج به أحمد 1246.
(أو) قال مصل (غيره) أي غير ما ذكر من الأذكار، لأن الغرض الذكر، لا ذكر مخصوص لعدم وروده (ثم يقرأ بعد الفاتحة في) الركعة (الأولى سبح) اسم ربك الأعلى (و) في الركعة (الثانية) بـ (الغاشية) لحديث سمرة مرفوعًا: "كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)﴾ 1247 رواه أحمد.
ولابن ماجه عن ابن عباس 1248، والنعمان بن بشير 1249 مرفوعًا مثله، وروي عن عمر 1250، وأنس 1251.
(ثم يخطب) خطبتين، وأحكامهما (كخطبتي الجمعة) فيما تقدم، (لكن) يسن أن (يستفتح [في] 1252) الخطبة (الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع) تكبيرات نسقًا، (ويبين لهم في) خطبة عيد (الفطر ما يخرجون) من
الجزء: 1 - الصفحة: 360
الفطرة جنسًا، وقدرًا، ووقت وجوبه، وأجزائه، ومن تجب فطرته، ومن تدفع إليه، ويحثهم على الصدقة، لحديث "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" 1253.
(و) يبين لهم (في) خطبة عيد (الأضحى ما يضحون) به، ويرغبهم في الأضحية؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ذكر في خطبة الأضحى كثيرًا من أحكامها، من رواية أبي سعيد 1254، والبراء 1255، وجابر 1256، وغيرهم، ويبين لهم ما يجزئ في الأضحية، وما لا يجزئ، وما الأفضل، ووقت الذبح، وما يخرجه منها.
والتكبيرات الزوائد، والذكر بينهما، والخطبتان سنة، لحديث عطاء 1257 عن عبد اللَّه بن السائب قال: "شهدت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- العيد، فلما قضى الصلاة، قال: إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب" 1258 رواه ابن ماجه، وإسناده ثقات، ولأنها لو وجبت لوجب حضورها، واستماعها، كخطبة الجمعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 361
وكره نفل قبل صلاة عيد، وبعدها في موضعها، قبل مفارقته، نصًّا 1259، لخبر ابن عباس مرفوعًا: "خرج يوم الفطر فصلى ركعتين، ولم يصل قبلهما ولا بعدهما" 1260 متفق عليه، وكره أيضًا قضاء فائتة قبل الصلاة، وبعدها، في موضعها، نصًّا 1261، لئلا يقتدى به.
وكره أن تصلى العيد بالجامع، لمخالفته السنة بغير مكة، فتسن فيها به، وتقدم 1262، إلا لعذر، فلا تكره بالجامع، لنحو مطر، لحديث أبي هريرة قال: "أصابنا مطر في يوم عيد، فصلى بنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في المسجد" 1263، رواه أبو داود.
ويسن للإمام أن يستخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد، نصًّا 1264، لفعل علي 1265، ويخطب بهم، وله فعلها قبل الإمام، وبعده، وأيهما سبق سقط به الفرض.
(وسُن التكبير المطلق) أي الذي لم يقيد بكونه إدبار المكتوبات، وسن
الجزء: 1 - الصفحة: 362
إظهاره، وجهر غير أنثى به في (ليلتي العيدين) في مساجد، وأسواق، وغيرها (و) تكبير عيد (الفطر آكد) لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي عدة رمضان ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ 1266 أي عند إكمالها، ولما روي عن ابن عمر "كان إذا غدا يوم الفطر، ويوم الأضحى، جهر بالتكبير، حتى يأتي المصلى، ثم يكبر حتى يأتي الإمام" 1267.
(و) سن التكبير الطلق أيضًا من أول عشر (ذي الحجة إلى فراغ الخطبة) ولو لم ير بهيمة الأنعام.
(و) سن التكبير (المقيد) في الأضحى خاصة (عقب كل) صلاة (فريضة) صلاها (في جماعة، من) صلاة (فجر) يوم (عرفة) لمُحِلٍّ، إلى عصر آخر أيام التشريق (ولمحرم من ظهر يوم النحر، إلى عصر آخر أيام التشريق) لحديث جابر بن عبد اللَّه: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يكبِّر في صلاة الفجر يوم عرفة، إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، حين يسلم من المكتوبات" 1268. رواه الدارقطني.
ومسافر ومميز، كمقيم وبالغ في التكبير عقب المكتوبات جماعة، للعمومات.
ويكبر الإمام مستقبل الناس، لحديث جابر: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صلى الصبح من غداة عرفة أقبل على أصحابه فيقول: على مكانكم، ويقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّه أكبر، وللَّه الحمد" 1269. رواه الدارقطني.
الجزء: 1 - الصفحة: 363
ومن نسي التكبير قضاه إذا ذكره مكانه، فإن قام منه، أو ذهب ناسيًا، أو عامدًا، عاد فجلس فيه وكبر، لأن تكبيره جالسًا في مصلاه سنة.
لما تقدم، فلا يتركها مع الإمام، ما لم يحدث، أو يخرج من المسجد، أو يطل الفصل، فلا يكبر، لأنه سنة فات محلها.
ومن سها في صلاته سجد للسهو، ثم بر، ويكبر مسبوق إذا قضى ما فاته، نصًّا 1270.
ولا يسن التكبير عقب صلاة عيد؛ لأن الأثر إنما جاء في المكتوبات.
وصفته شفعًا، كما تقدم في حديث جابر.
قال أحمد: اختياري تكبير ابن مسعود، وذكر مثله.
ولا بأس بقوله لغيره: تقبل اللَّه منا ومنك نصًّا 1271. ولا بأس بالتعريف عشية عرفة بالأمصار، نصًّا، قال أحمد: إنما هو دعاء وذكر 1272. وأول من فعله ابن عباس -رضي اللَّه تعالى عنهما- وعمرو بن حُريث 1273.
الجزء: 1 - الصفحة: 364
فصل في صلاة الكسوف
(وتسن صلاة كسوف) وهو ذهاب ضوء أحد النيرين، أي: الشمس والقمر، أو ذهاب بعضه، فتصلى، لحديث المغيرة بن شعبة: انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم.
فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا اللَّه، وصلوا حتى تتجلى" 1274 متفق عليه.
فتصلى بلا خطبة؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بالصلاة دون الخطبة.
والكسوف والخسوف بمعنى، يقال: كسفت الشمس وخسفت، بضم أولهما، وفتحه 1275. ووقتها من ابتدائه إلى التجلي، ولا تقضى إن فاتت، كاستسقاء، ونحوه، ولا يشترط لها، ولا للاستسقاء إذن الإمام، وفعلها بمسجد جماعة أفضل، لقول عائشة: خرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المسجد، فقام وكبر، وصف الناس وراءه 1276. متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 365
ويجوز للصبيان حضورها، كغيرهم، وتصلى (ركعتين كل ركعة بقيامين وركوعين) طويلين (و) يسن (تطويل سورة، و) تطويل (تسبيح، وكون أول كل) من قيامين وركوعين (أطول) من الثاني، يقرأ في الركعة الأولى جهرًا، ولو كانت في كسوف الشمس، بفاتحة الكتاب، وسورة طويلة من غير تعيين، ثم يركع طويلًا، فيسبح، ثم يرفع رأسه، فيسمِّع ويحمد جهرأ، ثم يقرأ الفاتحة -أيضًا- وسورة، ويطيل قيامه، وهو دون الأول، ثم يركع أيضًا ويطيل ركوعه، وهو دون الأول، ثم يرفع، ويسمع ويحمد، ولا يطيله كالجلوس بين السجدتين، ثم يسجد سجدتين طويلتين، ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى، لكن دونها في كل ما يفعل، ثم يتشهد ويسلم.
لحديث جابر: كسفت الشمس في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في يوم شديد الحر، فصلى بأصحابه -رضي اللَّه عنهم- فأطال القيام، حتى جعلوا يخرون، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم سجد سجدتين، ثم قام، فصنع نحو ذلك، فكانت أربع ركعات وأربع سجدات 1277. رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود.
ولا تعاد الصلاة إن فرغت قبل التجلي، بل يذكر ويدعو، وإن تجلى فيها أتمها خفيفة، لحديث: "فصلوا، وادعوا، حتى ينكشف ما بكم" 1278 متفق عليه.
ويذكر ويدعو وقت نهي، ولا يُصلى فيه، لعموم أحاديث النهي.
ويستحب عتق في كسوف الشمس، لحديث أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعتاقة في كسوف
الجزء: 1 - الصفحة: 366
الشمس 1279. متفق عليه.
وإن أتى في كل ركعة بثلاث، أو أربع، أو خمس ركوعات، فلا بأس، لحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: صلى ست ركعات بأربع سجدات 1280، وما بعد الركوع الأول في كل ركعة، سنة، لا تدرك به الركعة، لأنه روي من غير وجه عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه صلى صلاة الكسوف بركوع واحد 1281، ولهذا يصح فعلها كنافلة، ولا يصلى لآية غير الكسوف، كظلمة نهارًا، أو ضياء ليلًا، إلا لزلزلة دائمة، فيصلى لها كصلاة الكسوف، نصًّا 1282، لفعل ابن عباس، رواه سعيد، والبيهقي 1283.
ومتى اجتمع كسوف وجنازة، قُدِّمت جنازة.
الجزء: 1 - الصفحة: 367
فصل في صلاة الاستسقاء
(و) تسن صلاة (استسقاء) وهو الدعاء بطلب السُّقيا 1284، وتسن حتى بسفر (إذا أجدبت الأرض) أي أمحلت.
يقال: أجدب القوم: إذا أمحلوا 1285 (و) ضرهم (قحط المطر) أي احتباسه، أو ضرهم غور ماء عيون أو أنهار، ووقتها كعيد، فتسن أول النهار، وتجوز كل وقت، غير وقت نهي (وصفتها وأحكامها كـ) صلاة (عيد).
قال ابن عباس: الاستسقاء سنة كالعيدين 1286، فتسن قبل الخطبة، بصحراء قريبة عرفًا، بلا أذان ولا إقامة، ويقرأ في الأولى جهرًا بسبح، وفي الثانية بالغاشية، ويكبر في الأولى ستًّا زوائد، وفي الثانية خمسًا قبل القراءة، قال ابن عباس: صلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ركعتين، كما يصلي في العيدين.
1287 قال الترمذي: حسن صحيح.
(وهي والتي قبلها) أي: صلاة الكسوف (جماعة أفضل) عملًا بالسنة (وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس) أي ذكرهم ما تلين به قلوبهم، وخوَّفهم من عواقب الذنوب (وأمرهم بالتوبة) أي: الرجوع عن المعاصي (و) أمرهم بـ (الخروج من المظالم) بردها إلى مستحقيها، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
. .﴾ 1288 الآية (و) أمرهم بـ (ترك التشاحن) من الشحناء، وهي العداوة، لأنها تحمل على
الجزء: 1 - الصفحة: 368
المعصية، وتمنع نزول الخير، بدليل حديث: "خرجت أخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت" 1289 (و) أمرهم بـ (الصيام) لخبر "الصائم دعوته لا تُرد" 1290 زاد بعضهم: ثلاثة أيام 1291. وأنه يخرج صائمًا، (و) أمرهم بـ (الصدقة) لتضمنها الرحمة، فيرحمون بنزول الغيث.
ولا يلزم الصيام ولا الصدقة بأمر الإمام (ويعِدُهم) أي الإمام (يومًا يخرجون فيه) أي: يعينه لهم، ليتهيئوا للخروج فيه على الصفة المسنونة، (ويخرج) إمام وغيره (متواضعًا متخشعًا) خاضعًا (متذللًا) من الذل أي الهون (متضرعًا) مستكينًا، لحديث ابن عباس: خرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للاستسقاء متذللًا، متواضعًا، متخشعًا، متفرعًا، حتى أتى المصلى 1292. قال الترمذي: حسن صحيح (متنظفًا) لها بالغسل، وتقليم الأظفار، وإزالة الرائحة الكريهة، لئلا يؤذي الناس (لا متطيبًا) لأنه يوم استكانة وخضوع (ومعه) أي الإمام (أهل الدين والصلاح والشيوخ) لسرعة إجابة دعوتهم (و) معه (مميز الصبيان) لأنه لا ذنب لهم، فدعاؤهم مستجاب.
وأبيح خروج طفل، وعجوز، وبهيمة؛ لأنهم خلق اللَّه، وعياله، وتوسل بالصالحين 1293 رجاء الإجابة، واستسقى عمر
الجزء: 1 - الصفحة: 369
بالعباس 1294، ومعاوية بيزيد بن الأسود 1295، واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى 1296 ذكره الموفق 1297، (فيصلي) الإمام بمن حضر ركعتين كالعيد، وتقدم (ثم يخطب) خطبة (واحدة) على المنبر، والناس حوله جلوس، لأنه لم ينقل عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- غيره (يفتتحها) أي الخطبة (بالتكبير) تسعًا نسقًا (كخطبة عيد) لقول ابن عباس: صنع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالاستسقاء كما صنع بالعيد 1298 (ويكثر فيها الاستغفار) لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ 1299، (و) يكثر فيها قراءة (الآيات التي فيها الأمر به) أي الاستغفار كقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ.
. .﴾ 1300 الآية، (ويرفع يديه) في دعائه، لقول أنس: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فكان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه 1301. متفق عليه، (وظهورهما نحو السماء) 1302 لحديث مسلم، (فيدعو بدعاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ومنه: "اللهم) أي يا اللَّه (اسقنا) بوصل الهمزة، = وهو حي موجود.
ينظر: "قاعدة في التوسل" لشيخ الإسلام ابن تيمية.
الجزء: 1 - الصفحة: 370
وقطعها (غيثًا) أي مطرًا، ويسمى الكلأ -أيضًا- غيثًا.
(مُغيثًا) منقذًا من الشدة، يقال: غاثه وأغاثه (إلى آخره) أي إلى آخر الدعاء 1303، وهو: هنيئًا -بالمد- حاصلًا بلا مشقة، مريئًا -بالمد أيضًا- أي سهلًا، نافعًا محمود العاقبة.
غدقًا -بفتح الغين المعجمة وكسر الدال المهملة وفتحها- أي كثير الماء واخير، مجللًا أي يعم العباد والبلاد نفعًا، سحًّا، أي: صبًّا، يقال: سح، يسحُّ، إذا ساح من فوق إلى أسفل، وساح يسيح إذا جرى على وجه الأرض 1304، عامًّا -بتشديد الميم- أي شاملًا، طبقًا -بالتحريك- أي يطبق البلاد مطره، دائمًا، أي: متصلًا إلى الخصب.
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، أي: الآيسين من الرحمة، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم إنَّ بالعباد والبلاد من اللأواء أي: الشدة، والجَهد -بفتح الجيم وضمها- الطاقة، قاله الجوهري 1305 وقال ابن منجَّى 1306: هي المشقة.
وعلى قول ابن منجي هو بفتح الجيم لا غير.
والضنك: الضيق، أي شدة وضنكًا لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت -بقطع الهمزة- لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا، أي دائمًا 1307. وفي الباب غيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 371
ويكثر في الخطبة من الدعاء، ومن الصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، إعانة على الإجابة.
وعن عمر: الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك -صلى اللَّه عليه وسلم- 1308. رواه الترمذي.
وعن علي -رضي اللَّه عنه-: ما من دعاء إلا بينه ويين السماء حجاب، حتى يصلي على محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإذا صلى على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- انخرق الحجاب، واستجيب الدعاء، وإذا لم يصلِّ على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يستجب الدعاء 1309. ويؤمِّن مأموم على دعاء إمامه كالقنوت، ويستقبل إمامٌ القبلة ندبًا في أثناء الخطبة؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- حوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حوَّل رداءه 1310. متفق عليه، فيقول سرًّا: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا.
قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ 1311، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ 1312 ثم يحول رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن.
نصًّا 1313، لفعله عليه الصلاة والسلام 1314. رواه أحمد، وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وكذا الناس يحولون أرديتهم، ويتركونها، حتى ينزعوها مع ثيابهم، لأنه لم ينقل عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أصحابه، أنهم غيروا الأردية، حتى عادوا، فإن سقوا في أول مرة، وإلا عادوا ثانيًا، وثالثًا؛ لأنه أبلغ في التضرع،
الجزء: 1 - الصفحة: 372
ولحديث: "إن اللَّه يحب الملحِّين في الدعاء" 1315.
وإن سقوا قبل خروجهم، فإن تأهبوا للخروج، خرجوا، وصلوها شكرًا للَّه تعالى، وسألوه المزيد من فضله، وإلا لم يخرجوا، وشكروا اللَّه تعالى، وسألوه المزيد من فضله.
وسن وقوف في أول مطر، وتوضؤ، واغتسال منه، وإخراج رحله وثيابه ليصيبها المطر، لحديث أنس: "أصابنا ونحن مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مطر، فحسر ثوبه، حتى أصابه من المطر، فقلنا: لمَ صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه" 1316. رواه مسلم.
(وإن كُثر المطر حتى خيف) منه (سُنَّ قول: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظِّراب والآكام وبطون الأودية ومنايت الشجر") لما في "الصحيح" 1317 أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقوله.
ولا يصلى له، والآكام كآصال، جمع: أكم، ككتب، واحدها أكمة، وهي ما علا من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلًا، وكان أكثر ارتفاعًا مما حوله 1318 والظراب جمع ظرب -بكسر الراء- أي الرابية الصغيرة 1319، وبطون الأودية: الأماكن المنخفضة، ومنابت الشجر: أصولها، لأنه أنفع لها (﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ.
. .﴾ 1320 الآية)،
الجزء: 1 - الصفحة: 373
لأنه يناسب الحال، أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق.
وسن لمن مُطر قول: مُطرنا بفضل اللَّه ورحمته.
لأنه اعتراف بنعمة اللَّه، ويحرم قول: مُطرنا بنوء كذا، لأنه كفر بنعمة اللَّه، كما يدل عليه خبر "الصحيحين" 1321 ويباح: في نوء كذا.
لأنه لا يقتضي الإضافة للنوء.
ومن رأى سحابًا، أو هبت ريح، سأل اللَّه خيره، وتعوذ من شره، ولا سأل سائل ولا تعوذ متعوذ بمثل المعوذتين، ولا يَسبُّ الريح العاصف.
وإذا سمع الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.
ولا يتبع بصره للبرق، للنهي عنه 1322، ويقول إذا انقضَّ كوكب: ما شاء اللَّه لا قوة إلا باللَّه، وإذا سمع نهيق حمار، ونباح كلب استعاذ باللَّه من الشيطان الرجيم، وإذا سمع صياح الديك سأل اللَّه من فضله، وقوس قزح أمان لأهل الأرض من الغرق، كما في الأثر 1323 وهو من آيات اللَّه تعالى، ودعوى العامة إذا غلبت حمرته كانت الفتن، وإن غلبت خضرته كان رخاء وسرورًا، هذيان، قاله ابن حامد في "أصوله" انتهى 1324.
الجزء: 1 - الصفحة: 374