كتاب البيع
وسائر المعاملات من الربا، والرهن، والضمان، والصلح، والحجر، والوكالة، وغير ذلك مما يأتي مفصلًا إن شاء اللَّه تعالى.
وهو مأخوذ من الباع؛ لمد كل من المتبايعين يده للآخر أخذًا وعطاءً، أو من المبايعة -أي المصافحة- كل منهما الآخر عنده 1، وهو جائز بالإجماع 2 لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 3، وحديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" 4 متفق عليه.
وهو لغة: دفع عوض وأخذ معوض عنه 5، وشرعًا: مبادلة عين مالية مباحة النفع بلا حاجة أو منفعة مباحة مطلقًا كممر في دار وبقعة تحفر بئرًا، بخلاف نحو جلد ميتة مدبوع، لأنه لا ينتفع به مطلقًا بأحدهما كبيع كتاب بكتاب أو بممر في دار، وبيع نحو ممر في دار بكتاب، أو بممر في دار أخرى، أو مبادلة عين مالية، أو منفعة مباحة مطلقًا بمال في الذمة من نقد أو غيره، وكذا مبادلة مال في الذمة بمال في الذمة إذا قبض أحدهما قبل التفرق، أو بعين مالية أو منفعة مباحة فشمل حينئذ تسع صور 6.
الجزء: 2 - الصفحة: 655
(تنعقد) سائر المعاملات من بيع وغيره (بمعاطاة) نصًّا 7، في القليل والكثير لعموم الأدلة 8. ولأنه تعالى أحل البيع ولم يتبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، والمسلمون في أسواقهم ومبايعاتهم على ذلك، كأعطني بهذا الدرهم ونحوه خبزًا، فيعطيه ما يرضيه مع سكوته، أو يساومه 9 سلعة بثمن فيقول: خذها، أو هي لك ونحو ذلك.
(و) كذا نحو هبة وهدية وصدقة (بإيجاب) كقول بائع: بعتك كذا، وملكتك كذا ونحو ذلك، (وقبول) كقول مشتر: قبلت ذلك، ونحوه، وصح تقدم إيجاب على قبول بلفظ أمر وماض مجرد عن استفهام، كقول مشتر بعني أو اشتريت منك كذا بكذا، فيقول: بعتك، أو بارك اللَّه لك.
وصح تراخي أحدهما عن الآخر ماداما في المجلس، ولم يشتغلا بما يقطع البيع عرفًا, وإنما ينعقد (بسبعة شروط):
أحدها: (الرضا) فإن أكرها أو أحدهما بغير حق لم يصح، لحديث "إنما البيع عن تراض" 10.
والثاني: الرشد (و) هو (كون عاقد جائز التصرف)، أي: حرًّا مكلفًا رشيدًا، فلا يصح من مجنون مطلقًا، ولا من سفيه وصغير، لأنه قول = (للتميك على التأبيد غير ربًا وقرض) وهذا القيد في "منتهى الإرادات" (2/ 249) و"شرحه" (2/ 140) الذي هو عمدة المؤلف، وكذا "كشاف القناع" (3/ 146). ينظر: "المطلع" (ص 227) و"الإنصاف" (11/ 5).
الجزء: 2 - الصفحة: 656
يعتبر له الرضا فاعتبر فيه الرشد، كالإقرار، إلا في شيء يسير كرغيف وحزمة بقل ونحوهما فيصح من القِنِّ 11 ومن الصغير ولو غير مميز، ومن السفيه، وإلا إذا أذن لمميز أو سفيه وليهما فيصح، ولو في الكثير لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ 12، ويحرم الإذن لهما بلا مصلحة، لأنه إضاعة، وإلا إذا أذن لقنٍّ سيدُه فيصح تصرفه لزوال الحجر عنه بإذنه له، وفي "التنقيح": ويصح من القن قبول هبة ووصية بلا إذن سيد، نصًّا 13. ويكونان لسيِّده.
(و) الثالث: (كون مبيع) معقود عليه ثمناَ كان أو مُثْمنًا، (مالًا) لأن غيره لا يقابل به (وهو) أي: المال شرعًا: (ما فيه منفعة مباحة) مطلقًا، وما يباح اقتناؤه بلا حاجة كبغل، وحمار، ودود قز 14، وبزره 15، ونحو ذلك، وكنحل منفرد عن كُوَّراته 16. قال في "المغني" 17: إذا شاهدها محبوسة بحيث لا يمكنها [أن] 18 تمتنع.
أو مع كوارته خارجًا عنها، وفيها إذا شوهد داخلًا فيها لحصول العلم به بذلك، ويدخل ما فيها من العسل تبعًا، ولا
الجزء: 2 - الصفحة: 657
يصح بيع كوارة بما فيها من عسل ونحل؛ للجهالة.
ويصح بيع هر وفيل، لأنه يباح نفعه واقتناؤه أشبه البغل، وما يصاد عليه كبومة تجعل شُباشًا 19، أو يصاد به كديدان وسباع بهائم تصلح لصيد كفهد، وسباع طير تصلح لصيد كباز وصقر، وولدها وبيضها، إلا الكلب، فإنه لا يصح بيعه لأنه لا ينتفع به إلا لحاجة، وكقرد لحفظ، وعَلقٍ 20 لمص دم، ولبن آدمية انفصل منها، لأنه طاهر ينتفع به كلبن الشاة، بخلاف لبن الرجل.
ويكره بيعه نصًّا 21، وكقن مرتدٌ ومريض وجان تحتم قتله.
ولا يصح بيع منذور عتقه نذر تبرر، ولا ميتة ولو طاهرة إلا سمكًا وجرادًا، ولا بيع سرجين 22 نجس بالإجماع 23، ولا بيع دهن نجس أو متنجس، لأنه لا يطهر أشبه نجس العين، ويجوز أن يستصبح بدهن متنجس في غير مسجد.
وحرم بيع مصحف مطلقًا لما فيه من ابتذاله وترك تعظيمه، ويصح بيعه لمسلم، ولا يصح لكافر وإن ملكه ألزم بإزالة يده عنه لئلا يمتهنه، وقد
الجزء: 2 - الصفحة: 658
نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن السفر بالمصحف لأرض العدو مخافة أن تناله أيديهم 24، ولا يكره شراؤه 25 ولا إبداله بمصحف لمسلم ولو مع دراهم من أحدهما، ويجوز نسخه بأجرة، ويجوز شراء كتب الزندقة 26 ونحوها ليتلفها.
ولا يصح شراء خمر ليريقها لأنه لا فائدة فيها، ولا آلة لهو، وترياق 27 فيه لحوم الحيات.
(و) الرابع: (كونه) أي المبيع (مملوكًا لبائعه) ملكًا تامًا ومثله الثمن حتى الأسير بأرض العدو إذا باع ملكه بدار الإسلام أو بدار الحرب نفذ تصرفه فيه لبقاء ملكه عليه (أو) كونه (مأذونًا له فيه) أي البيع من مالكه، أو من الشارع كولي صغير ونحوه، وناظر وقف وقت عقد، ولو ظن المالك أو المأذون له عدمهما 28، فلا يصح بيع فضولي 29 وكل تصرفه ولو أجيز بَعدُ 30
الجزء: 2 - الصفحة: 659
إلا إذا اشتراه في ذمته ونواه لشخص لم يسمه، ثم إن أجازه من اشترى له، ملكه من حين العقد؛ لأنه اشترى لأجله أشبه ما لو كان بإذنه، فتكون منافعه ونماؤه له، وإلا يُجِزْهُ من اشترى له وقع لمشتر ولزمه كما لو لم ينوه لغيره.
ولا يصح بيع ما لا يملكه ولا أُذن له فيه؛ لحديث حكيم بن حزام مرفوعًا: "لا تبع ما ليس عندك" 31 رواه ابن ماجه والترمذي وصححه.
ويصح بيع موصوف بصفات سلم لم يعين؛ لقبول ذمته للتصرف إذا قبض المبيع أو قبض ثمنه بمجلس عقد، ولا يصح بلفظ سلف أو سلم، ولو قبض ثمنه بمجلس عقد، لأن السلم لا يصح حالًّا.
ولا يصح بيع أرض موقوفة مما فتح عنوة 32 ولم يقسم كمزارع مصر والشام والعراق، لأنها موقوفة أقرت بأيدي أهلها بالخراج، غير الحيرة -بكسر الحاء- مدينة قرب الكوفة 33، وغير أُلَّيس - 34 بضم الهمزة وتشديد اللام مفتوحة بعدها ياء ساكنة فسين مهملة- مدينة بالجزيرة، وغير بانقيا 35 -بالموحدة أوله وكسر النون- وغير أرض بني صَلوبا -بفتح الصاد المهملة وضم اللام 36 - لفتح هذه القرى صلحًا 37، إلا المساكن فيصح بيعها مطلقًا
الجزء: 2 - الصفحة: 660
ولو مما فتح عنوة، لأن الصحابة اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر وبنوها وتبايعوها من غير نكير 38، فكان كإجماع، إلا إذا باعها الإمام لمصلحة أو باعها غيره وحكم به من يرى صحته.
وتصح إجارة الأرض الموقوفة مما فتح عنوة مدة معلومة بأجر معلوم.
ولا يصح بيع رباع مكة وهي المنازل 39، ولا الحرم، ولا إجارتها، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في مكة: "لا تباع رباعها، ولا تكرى بيوتها" 40 رواه الأثرم، وعن مجاهد موقوفًا: "مكة حرام بيع رباعها، حرام إجارتها" 41 رواه سعيد، وروي أنها كانت تدعى السوائب على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 42، ذكره مسدد في "مسنده".
ولا يصح بيع ماءٍ عِدٍّ 43 -بكسر العين وتشديد الدال- كماء عين، = أرض دون الجبل إلا أرض بني صلوبا وأرض الحيرة فإن لهم عهدًا.
وفي لفظ: ليس لأهل السواد عهد إلا أهل الحيرة وأُليس وبانقيا.
الجزء: 2 - الصفحة: 661
ونقع بئر لحديث: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار" 44 رواه أبو عبيد والأثرم.
ولا يصح ماء في معدن جار كقار وملح ونفط.
ولا بيع نابت من كلاء وشوك ونحو ذلك ما لم يحزه، لأنه لا يملك إلا بالحوز، فلا يدخل في بيع أرض ومشتريها أحق به، ويحرم دخول لأجل ذلك بغير إذن رب الأرض إن كانت محوطة، وإلا جاز إن لم يحصل بدخوله ضرر.
(و) الخامس: (كونه) أي المبيع وكذا الثمن المعين (مقدورًا على تسليمه)، لأن غير المقدور على تسليمه كالمعدوم، فلا يصح بيع عبد آبق، لحديث النهي عن بيعه 45، ولا نحو جمل شارد عُلم مكانه أو لا، لحديث مسلم عن أبي هريرة يرفعه "نهى عن بيع الغرر" 46، وفسره القاضي وجماعة: بما تردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر 47 ولو لقادر على تحصيلهما، لأنه مجرد توهم لا ينافي تحقق عدمه ولا ظنه، بخلاف ظن القدرة على تحصيل مغصوب.
ولا يصح بيع سمك في ماء، لأنه غرر إلا سمكًا مرئيًا بماء محوز يسهل أخذه منه كحوض، فيصح لأنه معلوم ممكن تسليمه، كما لو كان بطشت، ولا يصح بيع طائر يصعب أخذه ولو ألف الرجوع لأنه غرر.
ولا بيع مغصوب إلا لغاصبه أو القادر على أخذه منه، وله الفسخ إن عجز عن تحصيله من الغاصب بعد البيع؛ إزالة للضرر.
الجزء: 2 - الصفحة: 662
(و) السادس: (كونه) أي المبيع والثمن المعين (معلومًا لهما) أي المتعاقدين، لأن الجهالة به غرر، وحديث: "من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه" 48 يرويه عمر بن إبراهيم الكردي وهو متروك الحديث 49، ويحتمل أن معناه إذا أراد شراءه فهو بالخيار بين العقد عليه وتركه (برؤية) مقارنة للعقد يفرق بها المبيع جميعه كوجهي ثوب منقوش، أو برؤية بعض تدل على باقيه، كرؤية أحد وجهي ثوب غير منقوش، وظاهر الصبرة 50 المتساوية ووجه الرقيق، وما في ظروف وأعدال من جنس واحد متساوي الأجزاء لحصول العلم.
بالمبيع بذلك.
فلا يصح البيع إن سبقت الرؤية العقد بزمن يتغير فيه المبيع ظاهرًا ولو كان التغير فيه شكًّا بأن مضى زمن يشك في تغيره تغيرًا ظاهرًا، للشك في وجود شرطه، والأصل عدمه، فإن سبقت العقد بزمن لا يتغير فيه عادة تغيرًا ظاهرًا صح البيع، لحصول العلم بالمبيع بتلك الرؤية، ولا حد لذلك الزمن إذ المبيع 51 منه ما يسرع تغيره، وما يتباعد، وما يتوسط، فيتغير كل بحسبه.
ولا يصح البيع إن قال: بعتك هذا البغل فبان فرسًا، ونحو ذلك
الجزء: 2 - الصفحة: 663
للجهل بالمبيع، ولا بيع الأنموذج 52 بأن يريه صاعًا ويبيعه الصبرة على أنها مثله، وكرؤية المبيع معرفته بلمس أو شم أو ذوق فيما يعرف بذلك لحصول العلم بحقيقة المبيع، (أو) كونه معلومًا لهما (صفة تكفي في السلم) بأن يذكر ما يختلف به الثمن غالبًا، ويأتي في السلم 53؛ لقيام ذلك مقام رؤيته في حصول العلم به، فيصح بيع أعمى وشراؤه ما عرفه بلمس أو شم أو بذوق بعد إتيانه بما يعتبر في ذلك، كما يصح توكيله في بيع وشراء مطلقًا.
ثم إن وجد مشتر ما وصف له أو تقدمت رؤيته العقد بزمن لا يتغير فيه المبيع تغيرًا ظاهرًا، متغيرًا فله الفسخ؛ لأن ذلك بمنزلة عيبه، ويحلف مشتر إن اختلفا في نقصه صفة أو تغيره عما كان عليه، لأن الأصل براءته من الثمن، وهو على التراخي فلا يسقط خياره، إلا بما يدل على الرضى من سوم ونحوه، وإن أسقط حقه من الرد فلا أرش 54 له، لأن الصفة لا يعتاض عنها.
ولا يصح بيع حمل ببطن إجماعًا، ذكره ابن المنذر 55؛ للجهالة به، ولا لبن في ضرع؛ لحديث ابن عباس: نهى أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع، رواه الحلال وابن ماجه 56، ولا نوى في تمر، كبيض في طير، إلا إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 664
بيع تبعًا، لأنه يغتفر في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال.
ولا يصح بيع عَسْب الفحل -أي ضرابه- لحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا: نهى عن بيع المضامين، والملاقيح 57، قال أبو عبيد: الملاقيح ما في البطون وهي الأجنة، والمضامين ما في أصلاب الفحول 58.
ولا يصح بيع مسك في فأر 59 ما لم تفتح ويشاهد؛ لأنه مجهول كلؤلؤ = عباس مرفوعًا.
وقال البيهقي: تفرد برفعه عمر بن فروخ وليس بالقوي، وقد أرسله عنه وكيع، ورواه غيره موقوفًا اهـ. قلت: الموقوف رواه الشافعي كما في ترتيب مسنده (2/ 147)، وأبو داود في المراسيل (ص 168)، والدارقطني (3/ 15) والبيهقي (5/ 340) وقال: هذا هو المحفوظ موقوف.
وقال أيضا في "معرفة السنن" (8/ 149): والصحيح موقوف.
ينظر "التلخيص الحبير" (3/ 7). وأخرج مسدد في "مسنده" -كما في المطالب العالية- (2/ 96) أن أبا هريرة سئل من شراء اللبن في ضروع الغنم؟ فقال: لا خير فيه.
وينظر: "نصب الراية" (4/ 33، 34).
الجزء: 2 - الصفحة: 665
في صدف، ولا بيع لِفْتٍ 60 وفجل وجزر قبل قلع نصًّا 61، ولا ثوب مطوي، قال في "شرح المنتهى" لمصنفه: حيث لم ير منه ما يدل على بقيته 62.
ولا بيع ثوب نسج بعضه على أن ينسج بقيته ولو منشورًا للجهالة، فإن باعه المنسوج وسدى الباقي ولحمته 63، وشرط على البائع إتمام نسجه صح لزوال الجهالة.
ولا يصح بيع عطاء، وهو قسطه من الديوان قبل قبضه، لأنه مغيب فهو من بيع الغرر، ولا بيع رقعة به لأن المقصود هو دونها، ولا بيع معدن وحجارته قبل حوزه إن كان جاريا، وكذا إن كان جامدًا وجهل، ولا يصح سلف فيه نصًّا 64، لأنه لا يدرى ما فيه، فهو من بيع الغرر.
ولا يصح بيع ملامسة، كبعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فعليك بكذا، أو على أنك إن لمسته فعليك بكذا.
ولا بيع منابذة؛ لحديث أبي سعيد: "نهي عن الملامسة والمنابذة" 65 كقوله: متى نبذت هذا الثوب فلك بكذا، أو أي ثوب نبذته فلك بكذا، ولا بيع الحصاة، كارمها فعلى أي ثوب = الشعير حتى يستحيل الدم الجامد مسكًا ذكيًا بعدما كان دمًا لا يُرام نتنًا.
"تهذيب اللغة": (فأر) (15/ 248).
الجزء: 2 - الصفحة: 666
وقعت فهو لك بكذا وكذا، أو بعتك من هذه الأرض بقدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها، بكذا، لحديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "نهى عن بيع الحصاة" 66.
ولا يصح بيع ما لم يعين كعبد من عبيد، وشاة من قطيع، وشجرة من بستان ولو تساوت قيمها، لما فيه من الجهالة والغرر، ولا بيع الجميع إلا غير معيَّن.
ولا يصح بيع شيء بعشرة دراهم ونحوها، إلا ما يساوي درهمًا، لجهالة المستثنى، ويصح بيع شيء بعشرة دراهم مثلًا إلا بقدر درهم، لأنه استثناء للعُشْر، وهو معلوم.
ويصح بيع ما شوهد من حيوان وثياب وإن جَهِلا عَدَدَها، لأن الشرط معرفته لا معرفة عدده.
ويصح بيع أمة حامل بحُرٍّ، لأنها معلومة، وجهالة الحمل لا تضر.
ويصح بيع ما مأكوله في جوفه، كبيض ورمان ونحوه، لدعاء الحاجة إلى بيعه، كذلك.
[لفساده إذا أخرج من قشره] 67.
ويصح بيع حب مشتد في سنبله ويدخل الساتر تبعًا كنوى التمر، فإن استثنى القشر أو التبن بطل البيع، ويصح بيع تبن بدون حبه قبل تصفيته منه، لأنه معلوم بالمشاهدة.
ويصح بيع قفيز 68 من هذه الصبرة إن تساوت أجزاؤها وزادت عليه، فإن اختلفت أجزاؤها كصبرة بَقَّال 69، أو لم تزد عليه لم يصح البيع
الجزء: 2 - الصفحة: 667
للجهالة في الأولى، والإتيان بمن المبعضة في الثانية، وإن تلفت الصبرة ونحوها ما عدا قدر مبيع من ذلك تعين، أو قدر بعضه أخذه بقسطه، ويصح بيع صبرة جزافًا (1) لحديث ابن عمر: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا: فنهانا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نبيعه حتى ننقله من مكانه (2). متفق عليه، ويجوز بيعها جزافًا مع جهلهما أو علمهما بقدرها، ومع علم بائع وحده يحرم عليه بيعها جزافًا نصًّا (3)، لأنه يقصد بذلك التغرير، ويصح البيع مع الحرمة للعلم بالمبيع بالمشاهدة، ولمشتر الرد لأن كتمه ذلك غش وغرر، وكذا يحرم على مشتر علم قدر الصبرة وحده شراؤها جزافًا، ولبائع الفسخ؛ لتغرير المشتري له.
تنبيه
:
يحرم على بائع جعل صبرة على نحو حجر أو ربوة مما ينقصها، ويثبت به لمشتر لم يعلمه الخيار لأنه عيب، وإن بان تحتها حفرة لم يعلمها بائع فله الفسخ، كما لو باعها بكيل معهودة ثم وجد ما كَالَ به زائدًا.
ويصح بيع صبرة علم قفزانها إلا قفيزًا، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الثنيا إلا أن تعلم 73، وهذه707172 = اليابس من الفاكهة.
اهـ واللفظة عامية، والصحيح: البدال.
"تاج العروس" (28/ 102).
الجزء: 2 - الصفحة: 668
معلومة، وكذا لو استثنى منها جزءًا مشاعًا معلومًا.
ولا يصح بيع ثمرة شجرة إلَّا صاعًا لجهالة آصعها، فتؤدي إلى جهالة ما يبقى بعد الصاع، ولا بيع نصف داره الذي يليه، لأنه لا يعلم إلى أين ينتهي قياس النصف، كما لو باعه عشرة أذرع من ثوب أو أرض، وعين الابتداء دون الانتهاء.
ولا يصح استثناء حمل مبيع من أمة أو بهيمة، أو استثناء شحم مأكول لأنهما مجهولان، وكذا استثناء رطل لحم أو شحم فلا يصح لجهالة ما يبقى، ويصح استثناء رأس مأكول وجلده وأطرافه نصًّا 74 حضرًا وسفرًا، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مروا براعي غنم، فذهب أبو بكر وعامر فاشتريا منه شاة وشرطا له سلبها 75، ولا يصح استثناء ما لا يصح بيعه مفردًا إلا في هذه الصورة؛ للخبر.
ولو أبي مشتر ذبح ما استثنى رأسه وجلده وأطرافه أو بعضها، ولم يشترطه عليه بائع في العقد، لم يجبر على الذبح، وعليه قيمته تقريبًا، فإن باع لمشتر ما استثناه صح كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها لمالك الأصل.
(و) الشرط السابع: (كون ثمن معلومًا) لمتعاقدين حال عقد البيع ولو برؤية متقدمة بزمن لا يتغير فيه، أو وصف كما تقدم في المبيع، لأنه أحد العوضين فاشترط العلم به كالمبيع، أو بمشاهدة كصبرة، ووزن صنجة 76، ولو جهلا، وبنفقة عبده فلانٍ، أو ولده أو زوجته أو نفسه ونحو ذلك، = (3/ 1175)، وأحمد دون قوله: "إلا أن تعلم".
الجزء: 2 - الصفحة: 669
شهرًا أو سنة أو يومًا ونحوه، لأن لها عرفًا يرجع إليه عند التنازع، بخلاف نفقة دابته.
ويرجع بائع مع تعذر معرفة قدر ثمن بأن تلفت الصبرة ونحوها بقيمة مبيع، لأن الغالب بيع الشيء بقيمته، ولو أسَّرا ثمنا بلا عقد ثم عقداه ظاهرًا بأكثر، أو عقدا بيعًا سرًا بثمن وعلانية بأكثر، فالثمن الأول؛ لأن المشتري إنما دخل عليه فلا يلزمه ما زاد.
(فلا يصح البيع بما ينقطع به السعر)؛ أي يقف عليه للجهالة، ولا كما يبيع الناس، ولا بدينار أو درهم وثَمّ نقود متساوية رواجًا، فإن غلب أحدها صح وصرف إليه.
ولا يصح البيع بعشرة صحاحًا، أو إحدى عشر مكسرة، ولا بعشرة نقدًا، أو عشرين نسيئة لنهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن البيعتين في بيعة 77، وفسره العلماء بذلك 78، ولا يصح بيع شيء بثمن معلوم ورطل خمر أو جلد ميتة نجس، ولا يصح بيع شيء بدينار إلا درهمًا نصًّا 79، ويصح بيع ما بوعاء جزافًا مع ظرفه أو دونه أو كل رطل بكذا على أن يسقط منه وزن الظرف.
ومن اشترى شيئًا في ظرف كسمن ونحوه فوجد فيه رُبًّا 80 أو غيره صح البيع في الباقي بقسطه من الثمن، كما لو باعه صبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت تسعة، وله الخيار لتبعض الصفقة عليه، ولم يلزم البائع بدل الرُّبِّ ونحوه، سواء كان عنده من جنس المبيع أم لا، فإن تراضيا على إعطاء البدل جاز.
الجزء: 2 - الصفحة: 670
ومن باع معلومًا ومجهولًا لم يتعذر علمه كهذا العبد وثوب لم يعين، صح البيع في المعلوم بقسطه من الثمن، وبطل في المجهول، لأن المعلوم صدر فيه البيع من أهله بشرطه، ومعرفة ثمنه ممكنة بتقسيط الثمن على كل منهما وهو ممكن، لا إن تعذر علم المجهول ولم يتبين ثمن المعلوم: كبعتك هذه الفرس وحمل الأخرى بكذا، فلا يصح لأن المجهول لا يصح بيعه، والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته، لأنها إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، والمجهول لا يمكن تقويمه، فإن بين ثمن كل منهما صح في المعلوم بثمنه.
(وإن باع مشاعًا بينه وبين غيره، أو) باع (عبده وعبدَ غيره بغير إذن) شريك (أو) باع (عبدًا وحرًا، أو) باع (خَلًّا وخمرًا صفقة واحدةَ صح) البيع (في نصيبه) من المشاع (و) صح في (عبده، و) صح في (الخل بقسطه) من الثمن (ولمشتر الخيار) بين رد وإمساك إن لم يعلم الحال، لتبعض الصفقة عليه، وله الأرش إن أمسك فيما ينقصه تفريق، كزوجي خف ومصراعي باب، ويقدر خمر خَلًّا وحر عبدًا.
وإن جمع بين بيع وإجارة، أو بين بيع وصرف، أو بين بيع وخلع، أو بين بيع ونكاح بعوض واحد صحَّا؛ لأن اختلاف العقدين لا يمنع الصحة، وقَسَّط العوض عليهما ليعرف عوض كل منهما تفصيلًا، وإن جمع بين بيع وكتابة 81 بطل البيع وصحت الكتابة.
(ولا يصح بلا حاجة 82 بيع) ولو قل المبيع ممن تلزمه الجمعة (ولا)
الجزء: 2 - الصفحة: 671
يصح (شراء ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها) أي: أذان الجمعة، أي الشروع فيه (الثاني) أي: الذي عند المنبر عقب جلوس الإمام عليه لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 83، والنهي يقتضي الفساد، وخص بالنداء الثاني لأنه المعهود في زمنه -صلى اللَّه عليه وسلم- فتعلق الحكم به.
والشراء أحد شقي العقد فكان كالشق الآخر، وأما النداء الأول فحدث في زمن عثمان 84، قال المنقح: أو قبله أي لا يصح البيع ولا الشراء ممن تلزمه الجمعة قبل ندائها -لمن منزله بعيد حث إنه يدركها- 85 إذا سعى في ذلك الوقت.
وتحرم الصناعات كلها ممن تلزمه الجمعة بعد الشروع في النداء الثاني للجمعة، لأنها تشغل عن الصلاة، وتكون ذريعة إلى فواتها، ويستمر التحريم إلى انقضاء الصلاة إلا من حاجة، كمضطر إلي طعام أو شراب يباع فله شراؤه، وعريان وجد سترة تباع ونحو ذلك.
(وتصح سائر العقود) من إمضاء بيع خيار وإجارة وصلح وقرض ورهن وغيرها بعد نداء الجمعة، لأن النهي عن البيع، وغيره لا يساويه في التشاغل المؤدي لفواتها.
(ولا) يصح (بيع عصير أو) بيع (عنب) أو زبيب ونحوه (لمتخذه خمرًا) ولو ذميًا.
(ولا) يصح بيع (سلاح في فتنة) أو لأهل حرب أو قطاع طريق ممن = و"شرح المنتهى" (2/ 155).
الجزء: 2 - الصفحة: 672
علم ذلك من مشتريه ولو بقرائن، ولا بيع مأكول ومشروب ومشموم ممن يشرب عليه مسكرًا، ولا بيع جوز وبيض ونحوهما لقمار، ولا بيع غلام وأمة لمن عرف بوطء دبر، أو لغناء لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ 86.
(ولا) يصح بيع (عبد مسلم لكافر) ولو وكيلًا لمسلم (لا يعتق عليه) كالنكاح، فإن كان يعتق عليه كأبيه وابنه وأخيه صح شراؤه له، لأن ملكه لا يستقر عليه، وإن أسلم في يده أجبر على إزالة ملكه عنه، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)﴾ 87.
(وحرم ولم يصح بيعه) أي المسلم (على بيع أخيه) المسلم، كقوله لمن اشترى شيئًا بعشرة: أعطيك مثله -مثلًا- بتسعة زمن الخيارين، (وشراؤه على شرائه)، كقوله لمن باع شيئًا بتسعة: عندي فيه عشرة زمن الخيارين خيار المجلس وخيار الشرط (وسومه على سومه) أي: المسلم مع الرضا من بائع صريحًا، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يسم الرجل على سوم أخيه" 88 رواه مسلم، فإن لم يصرح بالرضا لم يحرم، لأن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة، ويصح العقد على السوم فقط، وكالبيع الإجارة وسائر العقود وطلب الولايات ونحوها، كخطبته على خطبة أخيه المسلم إذا أجيب فتحرم هذه كلها بعد الرضا الصريح، للإيذاء.
وإن قدم باد لبيع سلعته بسعر يومها وجهله، وقصده حاضر عارف به، وبالناس إليها حاجة حرمت مباشرته البيع له، لحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: "لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض" 89،
الجزء: 2 - الصفحة: 673
وحديث ابن عباس: نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد.
قيل لابن عباس: ما قوله حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارًا 90. متفق عليه.
ويبطل بيعه له رضي بذلك أهل البلد أو لا؛ لعموم الخبر، ولأن النهي يقتضي الفساد، فإن كان القادم بالسلعة من أهل البلد، أو ليس منهم وليس ثمَّ إليها حاجة، أو قدم بها ليبيعها بسعر يومها، أو لم يجهل سعرها أو بعثها إلى الحاضر، جاز للحاضر مباشرتها، وصح البيع؛ لزوال المعنى الذي لأجله امتنع بيعه له، وإن استخبر قادم حاضرًا عن سعر جهله أخبره به وجوبًا، لوجوب النصح، ولا يكره أن يشير حاضر على باد بلا مباشرة بيع له.
ومن استولى على ملك غيره بلا حق أو جحده أو منعه حتى يبيعه إياه ففعل، لم يصح البيع لأنه ملجأ إليه، ومن أشهد أنه يبيع ماله أو يهبه خوفًا وتقية عمل به.
ومن قال لآخر: اشترني من زيد فإني عبده، ففعل فبان حرًّا، فإن أخذ شيئًا من الثمن غرمه، وإلا لم تلزمه العهدة حفر البائع أو غاب؛ لأن الحاصل منه الإقرار دون الضمان، وأدِّب هو وبائع نصًّا 91 لتغريرهما المشتري.
وتُحدُّ حرة قالت لرجل: اشترني من زيد فأنا أمته.
ففعل ووطئت، لزناها مع العلم، ولا مهر لها لزناها مطاوعة، ويلحق الولد بمشتر لأنه وطئها يعتقدها أمته، فوطؤه وطء شبهة.
الجزء: 2 - الصفحة: 674
ومن باع شيئًا بثمن نسيئة 92، أو حالًّا لم يقبض، لم يصح شراؤه له من مشتريه بنقد من جنس الأول أقل منه، ولو نسيئة، لخبر أحمد وسعيد، عن غندر 93، عن شعبة 94، عن أبي إسحاق السبيعي 95، عن امرأته العالية 96، قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم على عائشة، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلامًا من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم نقدًا، فقالت لها: بئس ما اشتريت، وبئس ما شريت، أبلغي زيدًا أن جهاده مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بطل إلا أن يتوب 97، ولأن ذلك ذريعة إلى
الجزء: 2 - الصفحة: 675
الربا، وكذا العقد الأول غير صحيح حيث كان وسيلة إلى الثاني، إلا إن تغيرت صفة المبيع، مثل إن كان عبدًا فهزل، أو نسي صنعة، أو عمي ونحوه، فيجوز بيعه بدون الثمن الأول، وكذا إن اشتراه بعرض أو نقد لا من جنس الأول أو قدره أو أكثر منه، وتسمى هذه المسألة مسألة العينة 98؛ لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عينًا؛ أي نقدًا حاضرًا، وعكسها مثلها.
وإن اشتراه أبو البائع أو ابنه ونحوه بناقد من جنس الأول أقل منه، صح ما لم يكن حيلة على الربا، فيحرم، ولا يصح كالعينة.
ومن احتاج لنقد فاشترى ما يساوي مائة -مثلًا- بأكثر؛ ليتوسع بثمنه، فلا بأس، نصًّا 99 ويسمى التورق، وإن باع ما يجري فيه الربا نسيئة ثم اشترى من المشتري، بثمنه قبل قبضه من جنسه، أو بما لا يجوز بيعه به نسيئة لم يصح، روي عن ابن عمر 100؛ لأنه وسيلة لبيع المكيل بالمكيل، والموزون بالموزون نسيئة، فلم يصح حسمًا لمادة ربا النسيئة، فإن اشترى منه = ثم إن هذا مما ضبطت فيه القصة، ومن دخل معها على عائشة، وقد صدقها زوجها وابنها وهما مَنْ هما؛ فالحديث محفوظ.
اهـ وممن قوى الحديث: ابن الجوزي في "التحقيق" (7/ 129) وأقره الذهبي في "التنقيح" (7/ 127) وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح" -كما في "نصب الراية" (4/ 42) - إسناده جيد.
اهـ وكذا قواه ابن التركماني في "الجوهر النقي" (5/ 330). جاء في لفظ عبد الرزاق: (بئس ما اشتريت، وبئس ما اشترى).
الجزء: 2 - الصفحة: 676
بدراهم فسلمها إليه ثم أخذها منه وفاء مما عليه، أو لم يسلمها إليه وتقاصَّا، جاز.
ويستحب الإشهاد على البيع.
تتمة
:
يحرم التسعير، وهو منع الناس البيع بزيادة على ثمن يقدره، ويكره الشراء به، لحديث أنس قال: غلا السعر على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالوا: يا رسول اللَّه، غلا السعر فسعِّر لنا.
فقال: "إن اللَّه هو المسعر القابض الباسط الرزاق، إني لأرجو أن ألقى اللَّه وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" 101. رواه أبو داود وغيره.
وإن هُدِّدَ من خالف حرم البيع وبطل.
وحرم احتكار وهو الشراء للتجارة وحبسه مع حاجة الناس إليه، من
قوت آدمي، نصًّا 102، لحديث أبي أمامة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى أن يحتكر الطعام 103، ويصح شراء محتكر، لأن المحرم الاحتكار دون الشراء، ولا تكره التجارة في الطعام لمن لم يرد الاحتكار، ويجبر محتكر على بيعه كما يبيع الناس، ولا يكره ادخار قوت أهله أو دوابه نصًّا 104، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- ادخر قوت أهله سنة 105.
الجزء: 2 - الصفحة: 677
فصل في الشروط في البيع
وهي ما يشترطه أحد المتعاقدين على الآخر فيه، وتعتبر مقارنته للعقد، (والشروط في البيع) وفي شبهه من نحو إجارة وشركة (ضربان: صحيح) لازم، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يقتضيه بيع كشرط تقابض، وحلول ثمن، وتصرف كل فيما يصير إليه، واشتراط رده بعيب قديم، فلا أثر لذلك، لأنه تحصيل للحاصل.
الثاني: ما كان من مصلحته (كشرط رهن وضامن) بالثمن (و) كذا شرط كفيل ببدن مشتر، ويدخل فيه لو باعه وشرط عليه رهن المبيع على ثمنه فيصح نصًّا 106، أو شرط (تأجيل ثمن) أو بعضه إلى أجل معين، أو شرط صفة في مبيع ككون العبد كاتبًا ونحوه، أو مسلمًا، أو الأمة بكرًا أو تحيض، أو الدابة هملاجة 107 أو لبونًا أو حاملًا، والفهد ونحوه صيودًا، أو الأرض خراجها كذا في كل سنة، والطائر مصوتًا أو يبيض، أو يجيء من مسافة معلومة، فيصح الشرط ويلزم، لأن في اشتراط هذه الصفات قصدًا صحيحًا، وتختلف الرغبات باختلافها، فإن حصل للمشترط شرطه فلا فسخ، وإلا فله الفسخ؛ لفقد الشرط، ولحديث "المؤمنون عند شروطهم" 108، أو أرش فَقْدِ الصفة كأرش عيب ظهر عليه، وإن تعذر رد
الجزء: 2 - الصفحة: 678
لنحو تلف مبيع تعين أرش فقد الصفة كمعيب تعذر رده، وإن أخبره بائع بصفة في مبيع يرغب فيه لها، فصدقه بلا شرط، فبان فقدها، فلا خيار له، لتقصيره بعدم الشرط، أو شرط صفة فبان أعلى فلا خيار 109.
(و) الثالث: (شرط بائع) على مشتر (نفعًا معلومًا في مبيع) غير وطء ودواعيه (كـ) اشتراط بائع (سكنى الدار) المبيعة (شهرًا) مثلًا، وحملان البعير المبيع ونحوه إلى محل معين، وخدمة العبد مدة معلومة، فيصح نصًّا 110، لحديث جابر أنه باع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جملًا واشترط ظهره إلى المدينة، وفي لفظ قال: فبعته بأوقية واستثنيت حملانه إلى أهلي 111. متفق عليه.
ولبائع إجارة ما استثنى وإعارته، وإن باع مشتر ما استثنى نفعه صح البيع، وكان المبيع يزيد المشتري الثاني مستثنى النفع كالأول، وللمشتري الثاني الفسخ إن لم يعلم، كمن اشترى أمة مزوجة أو دارًا مؤجرة.
(و) كذا يصح شرط (مشتر نفع بائع) نفسه في مبيع (كـ) شرط (حمل حطب) مبيع (أو تكسيره) وخياطة ثوب أو تفصيله، أو حيز رطبة 112، أو حصاد زرع ونحوه بشرط علم النفع المشروط، واحتج أحمد على صحة ذلك بما روي أن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة 113 حطب وشارطه على حملها 114، ولأن ذلك بيع وإجارة، فإن شرط نفع غير مبيع، أو لم يعلم النفع = خديج، وعبد اللَّه بن عمر، ينظر: "التلخيص الحبير" (3/ 26، 27).
الجزء: 2 - الصفحة: 679
لم يصح، فإن تراضيا على أخذ عوض عن ذلك النفع المعلوم جاز.
(وإن جمع بأن شرطين) ولو صحيحين كحمل حطب وتكسيره، أو خياطة ثوب وتفصيله (بطل البيع)، لحديث ابن عمرو مرفوعًا: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" 115 رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح.
ما لم يكونا من مقتضاه، كاشتراط حلول الثمن ونحوه، أو يكونا من مصلحته، كاشتراط رهن، وضمين معينين، فيصح.
ويصح تعليق فسخ غير خلع بشرط، كبعتك كذا بكذا على أن تنقدني الثمن إلى وقت معين ولو أكثر من ثلاثة أيام، أو على أن ترهننيه بثمنه، وإلا فلا بيع بيننا، فينعقد البيع بالقبول، وينفسخ إذ لم يف بشرطه.
(و) الضرب الثاني من الشروط في البيع: (فاسد) وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: ما (يبطله) أي العقد من أصله (كشرط عقد آخر من قرض وغيره) كبيع وإجارة، وشركة وقرض، وصرف الثمن أو صرف غيره، وهو بيعتان في بيعة المنهي عنه، قاله أحمد 116. والنهي يقتضي الفساد، وكذا لو باعه شيئًا على أن يزوجه ابنته، أو ينفق على عبده ونحوه.
(أو ما يُعلق البيع) وهو النوع الثاني، ولا ينعقد معه بيع: (كبعتك) كذا (إن جئتني أو رضي زيد) بكذا، أو اشتريت كذا إن جئتني، أو رضي زيد بكذا، لأنه عقد معاوضة يقتضي نقل الملك حال العقد، والشرط يمنعه.
(و) النوع الثالث: (فاسد لا يبطله) أي العقد كشرطه ما ينافي مقتضاه = قدامة في "المغني" (6/ 156) وابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص 16).
الجزء: 2 - الصفحة: 680
(كشرط أن لا خسارة) في مبيع (أو) شرط أنه (متى نفق) المبيع (وإلا رده) لبائعه (ونحو ذلك)، أو اشترط بائع على مشتر أن لا يقفه أو لا يبيعه أو يهبه، فالشرط فاسد، والبيع صحيح، إلا شرط عتق فيصح ويجبر عليه مشتر أبَاهُ، لأنه مستحق للَّه تعالى، لأنه قربة التزمها المشتري فأجبر عليه كالنذر، وكذا شرط خيار وأجل مجهولين، أو إن باعه مشتر فهو أحق به بالثمن، أو شرط الأمة لا تحمل، فيصح البيع، وتبطل هذه الشروط.
ولمن فات غرضه بفساد الشرط عن بائع ومشتر، الفسخُ، علم الحكم أو جهله، لأنه لم يسلم له الشرط الذي دخل عليه؛ لقضاء الشرع بفساده، أو أخذ أرش نقص ثمن بسبب إلغاء شرطه، أو استرجاع زيادته بسبب إلغائه، (وإن شرط) بائع على مشتر (البراءة من كل عيب) فيما باعه له (مجهول) أي: العيب أو من عيب كذا إن كان (لم يبرأ) بائع بذلك، فلمشتر الفسخ بعيب لم يعلمه حال عقد، لما روى أحمد أن ابن عمر باع زيد بن ثابت عبدًا بشرط البراءة بثمانمائة درهم، فأصاب زيد به عيبًا، فأراد رده على ابن عمر فلم يقبله، فترافعا إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: تحلف أنك لم تعلم بهذا العيب؟ قال: لا.
فرده عليه، فباعه ابن عمر بألف درهم 117. وهذه قضية اشتهرت ولم تنكر، فكانت كالإجماع.
وأيضًا خيار العيب إنما يثبت بعد البيع فلا يسقط بإسقاطه قبله كالشفعة، وإن سماه لمشتر برئ منه لدخوله على بصيرة، أو أبرأه من كان عيب بعد العقد، برئ منه لإسقاطه بعد ثبوته له كالشفعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 681
تتمة
:
من باع ما يذرع من نحو ثوب وأرض على أنه عشرة أذرع أو أشبار أو أجربة 118 ونحوها، فبان أكثر، صح البيع، والزائد لبائع، ولكلٍّ الفسخ لضرر الشركة ما لم يعط بائع الزائد لمشتر مجانًا 119، لأنه زاده خيرًا، وإن بان أقل صح البيع، والنقص على بائع، ويخير بائع إن أخذه مشتر بقسطه من ثمن دفعًا لضرره، لا إن أخذه مشتر بجميعه، ولم يفسخ البيع لزوال ضرره، ولا يجبر أحدهما على المعاوضة.
ويصح في صبرة ونحوها على أنها عشرة أقفزة فتبين أقل أو أكثر، وكذا نحو زيرة حديد 120 ودَنِّ 121 عسل ونحوه، فيبين أكثر أو أقل مما عين، ولا خيار لواحد منهما لأنه لا ضرر عليه في رد الزائد إن زادت، ولا في أخذ الناقص بقسطه، لأن نقصان القدر ليس بعيب في الباقي، ويأخذه مشتر ناقصًا بقسطه من ثمن.
الجزء: 2 - الصفحة: 682
فصل في الخيار في البيع والتصرف في المبيع قبل قبضه وما يحصل به القبض والإقالة وما يتعلق بها
(والخيار) اسم مصدر اختار، وهو طلب خير الأمرين 122، وهو (سبعة أقسام) بالاستقراء بحسب أسبابه:
أحدها: (خيار مجلس) -بكسر اللام- موضع الجلوس، والمراد هنا مكان التبايع.
ويثبت خيار مجلس في بيع عند أكثر أهل العلم، ويروى عن عمر وابنه وابن عباس وغيرهم 123، (فالمتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما عرفًا) بما يعده الناس تفرقًا، لحديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" 124 متفق عليه، فإن كانا في مكان واسع، كمجلس كبير وصحراء، فبمشي أحدهما مستدبرًا لصاحبه خطوات، ولو لم يبعد عنه بحيث لا يسمع كلامه في العادة، وإن كانا في دار كبيرة ذات مجالس وبيوت فبمفارقته إلى بيت آخر أو مجلس، وإن كانا في دار صغيرة فبصعود أحدهما السطح أو خروجه منها، وإن كانا في سفينة كبيرة فبصعود أحدهما أعلاها إن كانا أسفل أو بالعكس، وإن كانت صغيرة فبخروج أحدهما منها، فإن حجز بينهما بنحو حائط أو ناما لم يُعَد
الجزء: 2 - الصفحة: 683
تفرقًا، وخيارهما باق، ولو طالت المدة لبقائهما بمحل عقد، وإن تفرقا مع إكراه أو فزع من مخوف استمر خيارهما إلى أن يتفرقا من مجلس باختيار، وإن أكره أحدهما بقي خياره فقط.
ولا يثبت خيار إن تبايعا على أن لا خيار، وأسقطاه بعد عقد، وإن أسقطه أحدهما، أو قال لصاحبه: اختر.
ساقط خياره فقط، لحديث ابن عمر: فإن خيَّر أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع 125 -أي: لزم-.
وتحرم الفرقة خشية الإقالة؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار، فلا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله" 126. رواه النسائي وغيره.
ولا خيار في كتابة، وتولي طرفي عقد، وشراء من يعتق عليه، وقسمة إجبار، ونكاح، وخلع، وطلاق، وإبراء، وعتق على مال، ورهن، وضمان، وكفالة، وصلح عن دم عمد.
ولا يثبت خيار المجلس أيضًا في بقية العقود، كالمساقاة، والمزارعة، والوكالة، والشركة ونحوها من العقود الجائزة، للتمكن من فسخها بأصل وضعها، وينقطع خيار مجلس بموت أحدهما، لأن الموت أعظم الفرقتين، لا بجنونه وهو على خياره إذا أفاق.
(و) الثاني من أقسام الخيار: (خيار شرط، وهو أن يشترطاه أو) يشترطه (أحدهما) في صلب عقد، أو في زمن خياري مجلس وشرط، لأنه
الجزء: 2 - الصفحة: 684
بمنزلة حال العقد (مدة معلومة) فيصح، ولو فوق ثلاثة أيام، لحديث: "المسلمون على شروطهم" 127 وعلم منه أنه لا يصح اشتراطه بعد لزومه، ولا إلى أجل مجهول، ويصح فيما يسرع فساده قبله، ويباع ويحفظ ثمنه.
(وحرم) شرط خيار في عقد بيع جعل (حيلة) ليربح في قرض، (ولم يصح البيع) نصًّا 128، لأنه وسيلة لمحرم، (وينتقل الملك فيهما) أي في زمن الخيارين السابقين (إلى مشتر) 129 والثمن إلى بائع، سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما، (لكن يحرم، ولا يصح تصرف) مشتر ولا بائع (في مبيع و) لا في (عوضه) أي المبيع من ثمن معين (مدتهما) أي الخيارين (إلا عتق مشتر) فيصح (مطلقًا)، سواء كان الخيار لهما أو لبائع فقط.
وملك بائع الفسخ لا يمنعه لقوته وسرايته، ولا ينفذ عتق بائع لمبيع ولا شيء من تصرفاته لزوال ملكه عنه، سواء كان الخيار لهما أو له أو لمشتر إلا بتوكيل مشتر، لأن الملك له، وليس تصرف بائع شرط الخيار له وحده فسخًا لبيع نصًا 130، لأن الملك انتقل عنه، فلا يكون تصرفه استرجاعًا، كوجود ماله عند من أفلس، (وإلا تصرفه) أي المشتري (في مبيع، والخيار له) فقط، فيصح، لأنه إمضاء وإسقاط لخياره.
ولا يسقط خياره بتصرف في مبيع لتجربة، كركوب دابة لنظر سيرها، وحلب شاة لمعرفة قدر لبنها، لأنه المقصود من الخيار، فلم يبطل به، ويبطل خيارهما مطلقًا بتلف مبيع بعد قبض، وكذا قبله فيما هو من ضمان مشتر، بخلاف نحو ما اشتري بكيل فيبطل البيع بتلفه ويبطل معه الخيار، وبإتلاف مشتر يسقط مطلقًا، قبض أو لم يقبض، اشترى بكيل أو وزن أو لا،
الجزء: 2 - الصفحة: 685
لاستقرار الثمن بذلك في ذمته، والخيار يسقطه، وكخيار العيب إذا تلف المعيب.
وإن باع عبدًا بأمة بشرط خيار فمات العبد قبل انقضاء أمد خيار ووجد بها عيبًا فله ردها، ويرجع بقيمة العبد على مشتر لتعذر رده.
ويورث خيار الشرط إن طالب به مستحقه قبل موته، كشفعة، وحد قذف، وإلا فلا، ولا يشترط ذلك في إرث خيار غيره كخيار عيب وتدليس، لأنه حق فيه معنى المال ثبت لمورث، فقام وارثه مقامه.
(و) الثالث من أقسام الخيار: (خيار غبن 131 يخرج عن العادة) نصًّا 132، لأنه لم يرد الشرع بتحديده، فرجع فيه إلى العادة كالقبض والحرز، فإن لم يخرج عن عادة فلا فسخ، لأنه يتسامح به (لـ) أجل (نجش) بأن يزايده من لا يريد شراء ليغره، من نجشت الصيد إذا أثرته، كأن الناجش يثير كثرة
الجزء: 2 - الصفحة: 686
الثمن بنجشه 133، ولو كانت المزايدة بلا مواطأة مع بائع، ومنه قول بائع: أعطيت في السلعة كذا، وهو كاذب.
ويحرم النجش؛ لتغريره المشتري، ولهذا يحرم على بائع سوم مشتر كثيرًا ليبذل قريبًا منه، ذكره الشيخ تقي الدين 134، وإن أخبره أنه اشتراها بكذا، وكان زائدًا عما اشتراها به لم يبطل البيع، وكان له الخيار، صححه في "الإنصاف" 135.
ولا أرش لمغبون مع إمساك مبيع، ومن قال عند العقد: لا خلابة -أي خديعة- فله الخيار إذا خلب، لما روي أن رجلًا ذكر للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه يخادع في البيوع، فقال: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" 136 متفق عليه، وهي بكسر الخاء: الخديعة 137 (أو) لأجل (غيره)؛ أي غير النجش كمسترسل غبن، وهو من جهل القيمة ولا يحسن يماكس من بائع ومشتر 138، ويقبل قوله في جهل القيمة إن لم تكذبه قرينة.
الجزء: 2 - الصفحة: 687
وكركبان تلقاهم حاضر عند قربهم من البلد، ولو كان التلقي بلا قصد نصًّا 139، لأنه شرع لإزالة ضررهم بالغبن ولا أثر للقصد فيه، فإذا باعوا واشتروا قبل العلم بالسعر وغبنوا فلهم الخيار، لحديث: "لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار" 140 رواه مسلم.
والغبن محرم لما فيه من التغرير بالمشتري، وخياره كخيار عيب على التراخي، ولا يمنع الفسخ تعيبه عند مشتر، وعليه الأرش لعيب حدث عنده إذا رده، كالمعيب إذا تعيب عنده ورده، ولا يمنع الفسخ تلفه عند مشتر، وعليه قيمته لبائعه لأنه فوته عليه.
(لا) لأجل (استعجالـ) ـه في المبيع، ولو توقف فيه ولم يستعجل لم يغبن، فلا خيار لهما لعدم التغرير، وكذا إجارة فيثبت فيها خيار الغبن إذا جهل أجرة المثل ولم يحسن يماكس فيها.
(و) الرابع: (خيار تدليس) من الدَّلَس بالتحريك بمعنى الظلمة 141 (بما يزيد به الثمن) ولو لم يكن عيبًا (كتصرية) اللبن -أي جمعه- في الضرع، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تُصَرُّوا الإبلَ والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر" 142 متفق عليه، (و) كـ (تسويد شعر جارية) وتجعيده، وجمع ماء الرحى وإرساله
الجزء: 2 - الصفحة: 688
عند عرض لبيع، وكذا تحسين وجه الصبرة، وصقل وجه المتاع.
ويحرم تدليس كتحريم كتم عيب، لحديث عقبة بن عامر يرفعه: "المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بينه له" 143 رواه أحمد وغيره، وحديث: "من غشنا فليس منّا" 144، وحديث: "من باع عيبًا لم يبينه لم يزل في مقت من اللَّه ولم تزل الملائكة تلعنه" 145 رواه ابن ماجه.
(وخيار غبن و) خيار (عيب و) خيار (تدليس على التراخي) لثبوته لدفع ضرر متحقق، فلا يسقط بالتأخير بلا رضًا كالقصاص (ما لم يوجد دليل الرضا)، فإن وجد فلا خيار، لقيام دليل الرضا مقام التصريح به، (إلا في تصرية فـ) له الخيار (ثلاثة أيام) منذ علم بها، لحديث: "من اشترى مصراة فهو بالخيار فيها ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها، ورد معها صاعًا من تمر" 146 رواه مسلم، فإن أمسكها فلا أرش، لظاهر الخبر، وإن ردها رد معها صاعًا من تمر، ولو زاد صاع التمر عليها قيمةً، إن حلبها، وله ردها بعد رضاه بالتصرية بعيب غيرها، ويرد معها صاعًا من تمر إن حلبها قياسًا على التصرية، فإن عدم التمر فقيمته موضع عقد، ويقبل رد اللبن بحاله إذا لم يتغير، كردها به قبل الحلب، وإن كان بغير مصراةٍ لبنٌ كثير فحلبه ثم ردها بعيب، رده إن بقي، أو رد مثله إن عدم، وما حدث بعد البيع فلا يرده لأنه نماء منفصل.
الجزء: 2 - الصفحة: 689
(و) الخامس: (خيار عيب ينقص قيمة المبيع) عادة 147. فما عده التجار منقصًا أنيط الحكم به، لأنه لم يرد في الشرع نص في كل فرد منه يرجع فيه إليه (كمرض) بحيوان يجوز بيعه على جميع حالاته، وبخر 148 في عبد وأمة، وحَوَلِ وخرس وكلف 149 وطرش 150 وقرع، وإن لم يكن له ريح 151، وتحريم عام بملك ونكاح وما يعد عيبًا في نكاح ويأتي 152، وكسعال ونحوه، وحمل أمة لا دابة (و) كـ (فقد عضو) كإصبع مبيع، أو ذهاب سن من كبير، (و) كـ (زيادته) أي العضو كإصبع زائدة أو سن، وكزنا من بلغ عشرًا من أمة وعبد، وكشربه مسكرًا، وسرقته وإباقه، وبوله في فراشه، فإن كان من دون عشر فليس ذلك فيه عيب، وكحمق كبير، وهو ارتكابه الخطأ على بصيرة، وفزعه شديدًا، وكونه أعسر لا يعمل بيمينه عملها المعتاد، وكثرة كذب، وتخنث، وكونه خنثى، وإهمال الأدب والوقار في محالهما، نصًّا 153، قال شارح "المنتهى": ولعل المراد في غير الجلب
الجزء: 2 - الصفحة: 690
والصغير 154، انتهى.
وعدم ختان ذكر كبير، وعثرة مركوب، وعضه، ورفسه، وحرنه 155، وكونه شموسًا 156، أو بعينه ظفرة 157، وكذا ما بمعنى عيب، كطول مدة نقل ما بدار مبيعة عرفًا، ولا أجرة على بائع لمدة نقل اتصل عادة، وكبق ونحوه غير معتاد بها، وكونها ينزلها الجند، قال الشيخ تقي الدين: وجار السوء عيب 158، وكون ثوب غير جديد ما لم يبن أثر استعماله، لا معرفة غناء فليست بعيب ولا ثيوبة؛ لأنها الغالب على الجواري، ولا عدم حيض، ولا كفر لأنه الأصل في الرقيق، ولا فسق باعتقاد، أو فعل غير زنًا وشرب مسكر ونحوه مما سبق، ولا تغفيل ولا عجمة لسان، أو كونه تمتامًا، أو فأفاء، أو ألثغ 159 لأنها الأصل فيه، ولا صداع وحمى يسيرين، ولا سقوط آيات يسيرة عرفًا بمصحف ونحوه.
(فإذا علم) مشتر بـ (العيب خُيِّر بين إمساك مع أرش) عيب (أورد)
الجزء: 2 - الصفحة: 691
مبيع معيب (وأخذ ثمن) كامل، لاستحقاقه بالفسخ استرجاع جميع الثمن، (وإن تلف مبيع أو أعتق ونحوه)، كأن صبغ ثوبًا غير عالم بعيبه، أو نسج غزلًا أو وهب مبيعًا أو باعه (تعين أرش، وإن تعيب) عنده (أيضًا) أي عند مشتر (خير فيه)، أي في مبيع معيب، تعيب عنده (بين أخذ أرش) عيب أول (و) بين (رد) مبيع معيب تعيب عنده (مع دفع أرش) عيبه الحادث عنده، (ويأخذ ثمنه) كاملًا.
والأرش قسط ما بين قيمته صحيحًا ومعيبًا من ثمنه، فلو قوّم صحيحًا بعشرة ومعيبًا بثمانية، فقد نقص خمس قيمته، فيرجع بخمس الثمن قل أو أكثر، ما لم يفض إلى ربا، كشراء حلي فضة بزنته دراهم ويجده معيبًا، أو قفيز مما يجري فيه الربا بمثله فيجده معيبًا فيرد، أو يمسك مجانًا بلا أرش، لأن أخذه يؤدي إلى ربا الفضل، أو مسألة مُدِّ عجوة 160.
وإن تعيب عند مشتر، فسخه حاكم لتعذر فسخ كل من بائع ومشتر، ورد بائع الثمن وطالب بقيمة المبيع معيبًا بعيبه الأول، وإن لم يعلم عيبه حتى تلف عنده، ولم يرض بعيبه فسخ العقد، ورد بدله واسترجع الثمن، وكسب مبيع معيب من عقد إلى رد، لمشتر؛ لحديث: "الخراج بالضمان" 161 ولو تلف المبيع لكان من ضمانه.
الجزء: 2 - الصفحة: 692
ولا يرد نماء منفصلًا كثمرة ووولد بهيمة، إلا لعذر كولد أمة، فيرد معها، لتحريم التفريق، وله قيمته على بائع، وله رد أمة ثيب وطئها مجانًا، وإن وطئ بكرًا ثم علم عيبها، أو تعيب مبيع عنده كثوب قطعه، أو نسي رقيق صنعة عنده، ثم علم عيبه فله الأرش للعيب الأول، أو رده مع أرش نقصه الحادث عنده، لقول عثمان في رجل اشترى ثوبًا ولبسه ثم اطلع على عيبه: يرده وما نقص 162. فأجاز الرد مع النقصان، رواه الخلال، وعليه اعتمد الإمام 163، والأرش هنا: ما بين قيمته بالعيب الأول، وقيمته بالعيب الثاني.
ولا يرجع مشتر رد معيبًا مع أرش عيب حدث عنده إن زال، كتذكرة صنعة نسيها لصيرورة المبيع مضمونًا على المشتري بقيمته بفسخه بالعيب الأول، بخلاف مشتر أخذ أرش عيب من بائع، ثم زال سريعًا، فيرده لزوال النقص الذي لأجله وجب الأرش.
وإن دلس بائع عيبًا بأن علمه وكتمه، فلا أرش على مشتر بتعيبه عنده، وإن تلف بغير فعله كموته أو أبق العبد ذهب على بائع دلس، نصًّا 164، لأنه غيره.
وإلا يكن دلس، فتلف، أو عتق، أو لم يعلم مشتر عيبه حتى صبغ نحو ثوب، أو نسج غزلًا، أو وهب مبيعًا، أو باعه أو بعضه، تعين أرش، نصًّا 165، لأن البائع لم يوفه ما أوجبه له العقد، ولم يوجد منه
الجزء: 2 - الصفحة: 693
الرضا به ناقصًا، فإن فعل ذلك عالمًا بعيبه فلا أرش له، لرضاه بالمبيع ناقصًا.
وإن كسر ما مأكوله في جوفه كرمان وبَطِّيخ فوجده فاسدًا، أو ليس لمكسوره قيمة كبيض الدجاج، رجع بثمنه كاملًا لتبين فساد العقد من أصله، لأنه وقع على ما لا نفع فيه، وإن وجد البعض فاسدًا رجع بقسطه من الثمن، وليس عليه رد فاسده إلى بائعه، لأنه لا فائدة فيه.
وإن كان لمكسوره قيمة، كبيض النعام وجوز الهند، خُيِّر مشتر بين أخذ أرشه وبين رده مع أرش كسره، إن لي يدلس بائع كما مَرَّ، ويأخذ ثمنه، ويتعين لمشتر أرش مع كسر لا تبقى معه قمة، كنحو جوز هند، لأنه أتلفه.
وخيار عيب على التراخي، فلا يسقط إلا إن وجد دليل الرضا، كتصرفه في مبيع بعد علمه بالعيب، بنحو بيع أو إجارة أو استعمال لغير تجربة، فيسقط أرش الرد؛ لقيام دليل الرضا مقام التصريح به، وإن تصرف في بعضه فله أرش الباقي لا رده.
ولا يفتقر رد إلى حضور بائع ولا رضاه، ولا قضاء حاكم كالطلاق.
ولمشتر مع غيره 166 معيبًا أو بشرط خيار إذا رضي الآخر بإمضائه الفسخُ في نصيبه.
ومن اشترى معيبًا في وعائين صفقة لم يملك رد أحدهما بقسطه من الثمن، لأنه تفريق للصفقة مع إمكان عدمه، أشبه رد بعض المعيب الواحد، وله مع الإمساك الأرش إلا إن تلف أحدهما فله رد الباقي بقسطه، لأنه، ضرر فيه على البائع، كرد الجميع.
ويقبل قول مشتر بيمينه في قيمة التالف ليوزع الثمن عليهما.
ومع عيب أحد المبيعين أو ما في الوعاءين دون الآخر له رده بقسطه من الثمن، لأنه لا ضرر فيه على البائع، ولا يرد أحدهما إن نقص مبيع
الجزء: 2 - الصفحة: 694
بتفريق كمصراعي باب، وزوجي خُفٍّ، وجد بأحدهما عيب فلا يرده وحده لما فيه من الضرر على البائع بنقص القيمة، أو حرم تفريق كأخوين ونحوهما بيعا صَفْقَةً، وبان أحدهما معيبًا فليس له رده، لتحريم التفريق بين ذوي الرحم المحرم.
والمبيع بعد فسخ أمانةٌ بيد مشتر لحصوله في يده بلا تَعَدٍّ، لكن إن قصر في رده فتلف ضمنه لتفريطه، كثوب أطارته الريح إلى بيته.
(وإن اختلفا) أي: بائع ومشتر (عند من حدث) العيب في المبيع مع الاحتمال، ولا بينة لأحدهما، (فـ) القول (قول مشتر بيمينه)، وهذه المسألة من المفردات 167، فيحلف على البت أنه اشتراه وبه العيب، أو أنه ما حدث عنده، لأنه ينكر القبض في الجزء الفائت، والأصل عدمه كقبض المبيع، إن لم يخرج مبيع عن يد المشتري، فإن غاب عنه فليس له رده لاحتمال حدوثه عند من انتقل إليه، فلا يجوز له الحلف على البت، وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما، كإصبع زائدة وجرح طري، قُبل قوله بلا يمين لعدم الحاجة إليه.
ويقبل قول بائع بيمينه أن المبيع المعين بعقد ليس المردود، نصًّا 168، لإنكار بائع كونه سلعته، وإنكاره استحقاق الفسخ، فإن أقر بكونه معيبًا،
الجزء: 2 - الصفحة: 695
وأنكر أنه المبيع فقول مشتر، إلا في خيار شرط إذا أراد المشتري رد ما اشتراه بشرط الخيار، وأنكر البائع كونه المبيع، فالقول قول مشتر بيمينه، لاتفاقهما على استحقاق الفسخ.
ويقبل قول مشتر في عين ثمن معين بعقد، أنه ليس المردود إن رد عليه بعيب لما تقدم، فإن رد عليه بخيار شرط فقياس التي قبلها يقبل قول بائع، ويقبل قول قابض من بائع وغيره بيمينه في ثابت في ذمة من ثمن مبيع، وقرض وسلم وأجرة، وقيمة متلف، إذا أراد رده بعيب وأنكر مقبوض منه، لأن الأصل بقاء شغل الذمة، إلا إن خرج من يده فلا يملك رده، كما تقدم.
ومن باع قِنًّا تلزمه عقوبة من قصاص أو غيره ممن يعلم ذلك، فلا شيء له، لرضاه به معيبًا، وإن علم بعد البيع خُيِّر بين رد وبين أخذ أرش مع إمساك، وإن لزمه مال والبائع معسر قدم حق مجني عليه لسبقه على حق مشتر، فيباع فيها، ولمشتر جهل الحال الخيار، وإن كان بائع موسرًا تعلق أرش وجب بجناية مبيع قبل بيع بذمته، ولا خيار لمشتر لأنه لا ضرر عليه.
(و) السادس: (خيار) في مبيع بـ (تخبير ثمن)، فإذا أخبر بثمن فعقد به تولية 169، أو شركة 170 أو مرابحة 171 أو وضيعة 172. (فمتى بأن) المبيع (أكثر)
الجزء: 2 - الصفحة: 696
مما أخبره به بائع، أو الثمن أقل مما أخبره به (أو أنه اشتراه مؤجلًا) ولم يبينه حط الزائد، ويحط قسطه في مرابحة، وينقصه في مواضعه لأنه تبع له، وأجل ثمن في مؤجل، ولا خيار لمشتر.
ولا تقبل دعوى بائع غلطًا في إخبار برأس ماله بلا بينة، لأنه مدع لغلطه على غيره أشبه المضارب إذا ادعى الغلط في الربح بعد أن أقر به، (أو) بأن أنه اشتراه (ممن لا نقبل شهادته له) كأحد عمودي نسبه، أو زوجه، (أو) بأن بأنه اشتراه (بأكثر من ثمنه حيلة) كشرائه من غلام دكانه، أو من غيره وكتمه، فللمشتري الخيار إذا علم بين الإمساك والرد كالتدليس، فإن لم يكن حيلة جاز.
وكذا لو اشترى اثنان شيئًا وتقاسماه، وأراد أحدهما بيع نصيبه، وكان من المتقومات التي لا ينقسم عليها الثمن بالأجزاء كالثياب ونحوها، (أو) اشترى شيئًا من المتقومات أيضًا فـ (باع بعضه بقسطه) من الثمن (ولم يبين ذلك فلمشترٍ) لم يبين له الحال على وجهه (الخيار أبين الرد والإمساك، دفعًا لما قد يلحقه من الضرر، وإن اشترى شيئًا لرغبة تخصه كحاجة إلى إرضاع نحو ولده لزمه أن خيبر بالحال، كالشراء بثمن غال لأجل الموسم الذي كان حال الشراء وذهب، وكذا لو اشترى دارًا بجواره، فإن كتمه فللمشتري الخيار، لأنه تدليس.
(و) السابع من أقسام الخيار: (خيار) يثبت (لاختلاف المتبايعين) في الثمن، وكذا لو اختلف المؤجر والمستأجر في الإجارة، (فإذا اختلفا) أو اختلف ورثتهما (في قدر ثمن) بأن قال بائع ووارثه: الثمن مائة.
وقال مشتر ووارثه: ثمانون، (أو) اختلفا في قدر (أجرة ولا بينة) لأحدهما، تحالفا لأن كلًّا منهما مدّع ومنكر صورة، وكذا حكمًا، لسماع بينة كل منهما (أو) كان (لهما) أي لكل منهما بينة بما ادعاه، تحالفا لتعارض البينتين = الكبير" (11/ 441) وينظر: "المطلع" (ص 238).
الجزء: 2 - الصفحة: 697
وتساقطهما، فيصيران كمن لا بينة لهما، فيـ (حلف بائع) أولًا (ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا)، فيجمع بين النفي والإثبات، فالنفي لما ادعي عليه، والإثبات لما ادعاه، ويقدم النفي عليه، لأنه الأصل في اليمين، (ثم) يحلف (مشتر ما اشتريته بكذا، وإنما اشتريته بكذا) لما تقدم، ويحلف وارث إن علم الثمن على البت، وإلا فعلى نفي العلم.
(ولكل الفسخ) ولو بلا حاكم؛ لأنه لاستدراك الظلامة أشبه رد المعيب، وعلم منه أنه لا ينفسخ بنفس التحالف، لأنه عقد صحيح فلم ينفسخ باختلافهما وتعارضهما في الحجة، كما لو أقام كل منهما بينة (إن لم يرضَ) أحدهما (يقول الآخر)، فإن رضي أقر العقد لأن من رضي صاحبه بقوله منهما حصل له ما ادعاه فلا خيار له، وإن نكل (1) أحدهما عن اليمين، وحلف الآخر أقر العقد بما حلف عليه الحالف منهما، لأن النكول كإقامة البينة على من نكل.
(وبعد تلف) مبيع اختلفا في قدر ثمنه (يتحالفان) كما لو كان المبيع باقيًا (ويغرم مشتر قيمته) أي المبيع إن فسخ البيع، ويقبل قول مشتر في القيمة لأنه غارم، ويقبل قوله في قدر المبيع التالف وفي صفته، وإن تعيب عنده قبل تلفه ضم أرشه إليه، لأنه مضمون عليه حين التعيُّب.
تتمة
:
كل غارم يقبل قوله بيمينه في قيمة ما يغرمه وقدره وصفته، وإن ثبت أنه معيب قُبل قول مشتر في تقدمه على البيع، لأن الأصل براءته مما يدعى عليه، (وإن اختلفا في أجل أو شرط ونحوه) كرهن وضمين، (فقول ناف) بيمينه لأن الأصل عدمه، كما يقبل قول منكر مفسد لبيع ونحوه (أو) اختلفا في (عين مبيع) كقول أحدهما: بعتني هذه الجارية.
فيقول: بل العبد (أو) اختلفا في (قدره) كأن قال بائع: بعتك قفيزين.
فقال مشتر: بل ثلاثة173
الجزء: 2 - الصفحة: 698
(فقول بائع) نصًّا 174، لأنه كالغارم ولاتفاقهما على وجوب الثمن واختلافهما في التعيين.
(ويثبت) الخيار (للخُلف في الصفة) إذا باعه بالوصف (و) لـ (تغير ما تقدمت رؤيته) العقد، وتقدم في السادس من شروط البيع 175، وإن اختلفا في صفة ثمن اتفقا على ذكره في البيع أخذ نقد البلد، نصًّا 176 لأن الظاهر أنهما لا يعقدان إلا به، ثم إن تعدد نقد فغالبه رواجًا، فإن استوت فالوسط منها للتسوية بين حقيهما، وعلي مدعي المأخوذ اليمين لاحتمال ما قاله خصمه، وإن اختلفا في شرط صحيح وفاسد، أو في أجل أو رهن أو قدرهما -أي الأجل في غير المسلم والرهن- أو في ضمين، فقول منكره بيمينه، لأن الأصل عدمه، كما يقبل قول منكر مفسد لبيع ونحوه، لأن الأصل في العقود الصحة.
وإن أقاما بينتين قدمت بينة مدعي الصحة، وإن اختلفا في قدر مبيع، فقول بائع لأنه منكر للزيادة، وكذا في عينه، وإن تشاحا في أيهما يُسَلِّم، والثمن معين في العقد، نصب حاكم عدلًا يقبض منهما ويسلم المبيع ثم الثمن، وإن كان الثمن دينًا أجبر بائع على تسليم مبيع، ثم مشتر على تسليم ثمن إن كان الثمن حالًا بالمجلس، وإن كان الثمن حالًا دون مسافة قصر حجر على مشتر في ماله كله حتى يسلم الثمن.
وإن غَيب ماله ببلد بعيد أو كان ماله به، أو ظهر عسره فلبائع الفسخ كمفلس، وإن أحضر بعض الثمن لم يملك أخذ ما يقابله من مبيع إن نقص بتشقيص كمصراعي باب، ولا يملك بائع مطالبته بثمن في ذمة زمن خيار، ولا يملك أحدهما قبض معين من ثمن ومثمن زمن خيار شرط أو مجلس إلا بإذن صريح ممن له الخيار.
الجزء: 2 - الصفحة: 699
فصل في التصرف في المبيع
(ومن اشترى مكيلًا ونحوه) كموزون ومعدود ومزروع (لزم) البيع (بالعقد) وملكه مشتر، ونماؤه له أمانة بيد بائع (ولم يصح تصرفه) أي المشتري (فيه) أي في المبيع، ببيع ولو لبائعه ولا إجارته ولا هبته ولو بلا عوض ولا رهنه، ولو قبض ثمنه، ولا حوالة عليه (قبل قبضه) لحديث: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" 177 متفق عليه.
وقيس على البيع ما ذكر بعده، ولأنه من ضمان بائعه، فلم يجز فيه شيء من ذلك كالسلم، فإن بيع مكيل ونحوه جزافًا جاز تصرف فيه قبل قبضه، نصًّا 178، (ويحصل قبض ما بيع بكيل ونحوه) كبوزن أو محمد أو ذرع (بذلك) أي بالكيل أو بالوزن أو العد أو الذرع، لحديث أحمد عن عثمان مرفوعًا: "إذا بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل" 179 ورواه البخاري تعليقًا 180، بشرط أن يكون ذلك (مع حضور مشتر أو) حضور (نائبه) أي المشتري (ووعاؤه) أي المشتري (كيَدِهِ) لأنهما لو تنازعا ما فيه كان لربه.
الجزء: 2 - الصفحة: 700
(و) يحصل قبض في (صبرة) بيعت جزافًا بنقل (ومنقول بنقل) كأحجار طواحين، وفي حيوان بتمشيته (و) فيـ (ما يتناول) كدراهم وكتب ونحوها (بتناوله) وفي نحو أرض وبناء وشجر (بتخلية) بائع بينه وبين مشتر بلا حائل، ولو كان بالدار متاع بائع، لكن يعتبر في قبض مشاع ينقل إذن شريكه، فإن أبي نصب حاكم من يقبض، ولو سلمه بائع بلا إذن شريكه فهو غاصب، وقرار الضمان فيه إن تلف على مشتر إن علم بالحال، وإلا فعلى بائع لتغريره المشتري.
ويكره زلزلة الكيل؛ لاحتماله الزيادة على الواجب بها، وتصح استنابة من عليه الحق للمستحق، ومتى وجده قابض زائدًا قدرًا لا يتغابن به عادة أعلمه بالزيادة وجوبًا، ولم يجب عليه الرد بلا طلب، وإن قبضه ثقة يقول باذل إنه قدر حقه ولم يحضر كيله أو وزنه ثم اختبره فوجده ناقصًا قبل قوله في قدر نقصه، لأنه منكر، فالقول قوله بيمينه، وإن صدقه قابض في قدره برئ مقبض من عهدته، ولا تقبل دعوى نقصه بعد تصديقه، ولا يتصرف فيه قابض قبل اختباره لفساد القبض، لأن من شرط قبضه بكيل ونحوه، حضور مستحق أو نائبه ولم يوجد.
وأجرة كيَّال ووزان وعداد وذراع ونقاد، وتصفية ما يحتاج لتصفية على باذلٍ: بائع وغيره.
وأجرة نقل على آخذ، نصًّا 181، وأجرة دلَّال 182 على بائع إلا مع شرط.
ولا يضمن ناقد أمين حاذق خطأ متبرعًا كان أو بأجرة، فإن لم يكن حاذقًا أو أمينًا ضمن كما لو كان عمدًا.
(والإقالة فسخ) لا بيع.
يقال: أقالك اللَّه عثرتك؛ أي أزالها 183 (تسن
الجزء: 2 - الصفحة: 701
للنادم) من المتعاقدين، لحديث ابن ماجه، عن أبي هريرة يرفعه: "من أقال مسلمًا أقال اللَّه عثرته يوم القيامة" 184 وتصح الإقالة قبل قبض مبيع، وفي سلم قبل قبضه، لأنها فسخ، وبعد نداء جمعة.
وتصح من مُضارَب وشريك ولو بلا إذن رب مال أو شريك، ولا تصح من وكيل في شراء.
ولا خيار فيها ولا شفعة كالرد بالعيب، ولا يحنث بها من حلف أن لا يبيع، ومؤنة رد على بائع لرضاه ببقاء المبيع أمانة بيد مشتر بعد التقايل، فلا يلزمه مؤنة ردٍّ، بخلاف الرد بالعيب لاعتباره مردودًا، ولا تصح مع تلف مثمن، ولا مع موت عاقد، ولا بزيادة على ثمن أو نقصه أو بغير جنسه، وما حصل قبل التقاتل من كسب ونماء منفصل فلمشتر، لحديث: "الخراج بالضمان" 185. = (ص 81).
الجزء: 2 - الصفحة: 702
فصل في الربا والصرف
(الربا) محرم بالإجماع، لقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 186، وحديث أبي هريرة مرفوعًا: "اجتنبوا السبع الموبقات" 187 فعده منها، وهو لغة: الزيادة 188، وشرعًا: (نوعان: ربا فضل) في أشياء (وربا نسيئة) في أشياء.
(فربما الفضل يحرم في كل مكيل) مطعوم كبر ونحوه، أو لا كأشنان 189 (و) في كل (موزون) من نقد أو غيره مطعوم كسكر، أو غيره كقطن (بيع بجنسه متفاضلًا) لحديث عبادة بن الصامت يرفعه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد" 190 رواه الإمام أحمد، ومسلم.
(ولو يسيرًا لا يتاتى) كتمرة، لعموم الخبر، (ويصح به) أي: يصح بيعه بجنسه، بشرط كونه (متساويًا، و) يصح (بغيره) أي: بغير جنسه (مطلقًا) متساويًا أو لا (بشرط قبضٍ قبل تفرق) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" 191. رواه مسلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 703
و (لا) يصح بيع (مكيل بجنسه وزنًا) كرطل تمر برطل تمر (ولا عكسه) كبيع موزون بمثله كيلًا، لحديث "الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، والبر بالبر كيلًا بكيل، والشعير بالشعير كيلًا بكيل" 192 رواه الأثرم من حديث عبادة، ولأنه لا يعلم العلم بالتساوي مع مخالفة المعيار الشرعي (إلا إذا علم تساويهما في المعيار الشرير) فيصح البيع للعلم بالتماثل، ويصح البيع إذا اختلف الجنس كيلًا ووزنًا وجزافًا، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" 193 رواه مسلم وأبو داود.
ويصح بيع لحم بمثله وزنًا من جنسه رطبًا ويابسًا إذا نزع عظمه، ويصح بيع لحم بحيوان من غير جنسه، كقطعة من لحم إبل بشاة، لأنه ربوي بيع بغير أصله ولا جنسه، ويصح بيع عسل بمثله إذا صفي كل منهما من شمعه، ويصح بيع فرع من جنس معه غيره لمصلحته كجبن، فإن فيه ملحًا، أو منفردًا كسمن بسمن متماثلًا كيلًا إن كان مائعًا وإلا فوزنًا، ويصح بيع فرع بفرع غيره، كزبد بمخيض ولو متفاضلًا لاختلافهما جنسًا بعد الانفصال، إلا مثل زبد بسمن فلا يصح بيعه به لاستخراجه منه، ولا بيع فرع بأصله كأقط أو زبد أو سمن أو مخيض بلبن لاستخراجه منه، ولا بيع نوع مسته النار كخبز شعير بنوعه الذي لم تمسه كعجين.
والجنس 194: ما شمل أنواعًا مختلفة بالحقيقة،
الجزء: 2 - الصفحة: 704
والنوع 195: ما شمل أشياء مختلفة بالشخص، وقد يكون النوع جنسًا باعتبار ما تحته، والجنس نوعًا باعتبار ما فوقه كالذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والملح، وفروعها أجناس، كالأدقة والأخباز، والأدهان، فدقيق البر جنس، وخبزه جنس، واللحم أجناس، واللبن أجناس باختلاف أصولها، فلحم البقر والجواميس جنس، ولبنها جنس، ولحم الضأن والمعز جنس، ولبنها جنس، وهكذا سائر الحيوانات.
فيجوز بيع رطل لحم ضأن، برطلي لحم بقر، والشحم، والألية، والمخ، والقلب، والطحال، والرئة، والكلية، والكبد، والأكارع أجناس، فيجوز بيع رطل شحم برطلي مخ، أو برطلي أبيه لأنهما جنسان.
ويصح بيع دقيق ربوي بدقيقه إذا استويا نعومة، ومطبوخه بمطبوخه، وخبزه بخبزه، محلًا بمثل إذا استويا نشافًا أو رطوبة، ويصح بيع عصيره بعصيره، ورَطْبه برَطْبه، ويابسه بيابسه.
ولا يصح بيع منزوع نواه مع نواه، بما نزع نواه مع نواه، لزوال التبعية، فصار كمُدِّ عجوة ودرهم، ولا بيع منزوع نواه بما نواه فيه لعدم التساوي، ولا بيع حب بدقيقه أو سويقه، ولا بيع دقيق حب بسويقه، ولا بيع نيئه بمطبوخه، ولا بيع أصله بعصيره، ولا بيع خالصه بمشوبه، أو مشوبه بمشوبه، ولا بيع المحاقلة 196، وهو بيع الحب المشتد في سنبله = بالنسبة إلى الجسم، وجنس بالنسبة إلى الإنسان والفرس.
"الكليات" (ص 338، 339) وينظر: "المصباح المنير" (1/ 154) و"التوقيف" (ص 256).
الجزء: 2 - الصفحة: 705
بجنسه، ويصح بغير جنسه، ولا بيع المزابنة 197، وهي بيع الرطب على النخل بالتمر، لحديث ابن عمر: "نهي عن المزابنة" 198 متفق عليه، إلا في العرايا 199 وهي بيعه خرصًا بمثل ما يؤول إليه إذا جف، وصار تمرًا كيلًا فيما دون خمسة أوسق، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "رخص في العرايا بأن تباع بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو خمسة أوسق" 200. متفق عليه، فلا يجوز في الخمسة لوقوع الشك فيها، وإنما رخص في ذلك لمحتاج لرطب ولا ثمن معه، لحديث محمود بن لبيد.
متفق عليه 201، وإنما يصح ذلك بشرط
الجزء: 2 - الصفحة: 706
الحلول وتقابضهما بمجلس العقد، فالقبض فيما على نخل بتخليته، وفي تمر بكيل أو نقل لما علم كيله، وعلم منه أن الرطب لو كان مجذوذًا لم يجز بيعه بالتمر، للنهي عنه، والرخصة وردت في ذلك ليؤخذ شيئًا فشيئًا لحاجة التَّفَكُّه، وأن المشتري إن لم يكن محتاجًا للرطب، أو كان محتاجًا إليه ومعه نقد لم يصح، ولا تصح في بقية الثمار، ولا زيادة مشتر على القدر المأذون فيه ولو اشتراه من عدد في صفقات.
ويصح بيع تراب معدن بغير جنسه، وبيع تراب صاغة بغير جنسه، لعدم اشتراط المماثلة، ولا تضر جهالة المقصود لاستتاره بأصل الخلقة في المعدن، وحمل عليه تراب الصاغة، ولا يصح بجنسه للجهل بالتساوي، ويصح بيع نخل عليه رطب، أو تمر بمثله، أو بتمر أو رطب، لأن الربوي في ذلك غير مقصود بالبيع، وكذا عبد له مال إذا اشتراه بثمن من جنسًا ماله واشترطه إن لم يقصده.
ولا يصح بيع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما، كمد عجوة، ودرهم بمثلهما أو بمدين أو درهمين، وكبيع محلى بفضة أو ذهب، بفضة أو ذهب، وتسمى مسألة مد عجوة 202 ودرهم، لأنها مثلت بذلك، ولا يصح ذلك سدًا لذريعة الربا، إلا أن يكون يسيرًا لا يقصد، كخبز فيه ملح بمثله.
ويصح قوله: أعطني بنصف هذا الدرهم نصفًا، وبالآخر فلوسًا أو حاجة، وقوله لصائغ: صنع لي خاتمًا وزنه درهمًا 203، وأعطيك مثل زنته، وأعطيك أجرتك درهمًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 707
ومرجع كيلِ عرفُ المدينة على عهده -صلى اللَّه عليه وسلم-، ووزنٍ عرفُ مكة كذلك، لحديث عبد الملك بن عمير مرفوعًا: "المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة" 204 وما لا عرف له هناك يعتبر عرفه في موضعه أشبه القبض والحرز، وكل مائع مكيل، لحديث: كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع 205، وقيل عليه سائر المائعات.
(وربا النسيئة) من النساء بالمد وهو التأخير 206 (يحرم فيما) أي في مبيعين (اتفقا في علة ربا فضل كـ) بيع (مكيل بمكيل) مثله (و) بيع (موزون بموزون) مثله (نساءً).
وإن اختلف الجنس (إلا أن يكون الثمن) أو المثمن (أحد النقدين) أي الذهب والفضة (فيصح) لأنه لو حرم النَّسَاءُ في ذلك لسد باب المسلم في الموزونات، وقد رخص فيه الشرع.
وأصل رأس ماله النقدان، إلا في صرفه بفلوس نافقة، فيشترط الحلول والتقابض نصًّا 207، إلحاقًا لها بالنقد، ومشي في "الإقناع" 208 على خلاف ذلك، ويصح (بيع مكيل بموزون وعكسه) كبيع
الجزء: 2 - الصفحة: 708
موزون بمكيل (مطلقًا) حالًّا أو نساء، ويصح فيما لا يدخله ربا فضل، كثياب وحيوان وتبين وغيره، لحديث ابن عمرو أنه أمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يأخذ على قلائصِ 209 الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة 210. = صرف الفلوس النافقة بأحد النقدين.
وهو رواية عن أحمد، نقلها ابن منصور، واختارها ابن عقيل.
اهـ وتعليل ذلك: أن اشتراط الحلول والتقابض معتبر في جنس الذهب والفضة، سواء كان ثمنًا أو كان صرفًا، أو كان مكسورًا بخلاف الفلوس.
ولأن الفلوس هي في الأصل من باب العروض والثمنية عارضة لها.
والقول الآخر الذي أثبته المؤلف هو الذي عليه أكثر الأصحاب.
ونص عليه أحمد.
وهو القول الآخر لشيخ الإسلام ابن تيمية.
وتعليل ذلك: أن هذه الصورة من جنس الصرف، فإن الفلوس النافقة تشبه الأثمان، فيكون بيعها بجنس الأثمان صرفًا.
قال ابن تيمية كما في "الفتاوى" (29/ 469) لما ذكر القولين: والأظهر المنع من ذلك، فإن الفلوس النافقة يغلب عليها حكم الأثمان، وتجعل معيار أموال الناس.
اهـ وهذا هو الأصح، لقوة التعليل.
واللَّه أعلم.
تنبيه: هذه المسألة مما اختلف فيها الإقناع والمنتهى، ولم يذكرها الشيخ عبد العزيز الحجيلان في كتابه "المسائل التي اختلف فيها الإقناع والمنتهى".
ينظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (29/ 459) و"الإنصاف" (12/ 98) و"كشاف القناع" (3/ 264).
الجزء: 2 - الصفحة: 709
رواه أحمد وغيره.
ولا يصح بيع كالئ بكالئ، وهو بيع دين بدين 211، لنهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك 212، ولا بيع دين لغير من هو عليه مطلقًا، ولا بيعه بمؤجل لمن هو عليه، ولا جعله رأس مال سلم، ولا تصارف المدينين بجنسين في ذمتيهما، لأنه بيع دين بدين.
ويصح تصارفهما إن أحضر أحد الدينين، نصًّا 213، أو كان أمانة، لأنه بيع دين بعين.
ومن وَكَّل غريمه في بيع سلعته، وأخذ دينه من ثمنها، فباع الوكيل بغير جنس ما عليه، لم يصح أخذه من ثمن السلعة، نصًّا 214، لأنه لم يأذن له في مصارفة نفسه، ولأنه متهم.
ومن عليه دينار فبعث إلى غريمه بدينار ناقص وتتمته دراهم لم = شرطتين ليس من كلام الحافظ.
وقد جاء ذلك من فعل ابن عمر بن الخطاب ورافع بن خديج.
علقهما البخاري في كتاب البيوع، باب بيع العبد والحيوان بالحيوان نسيئة.
ينظر: "الفتح" (4/ 419).
الجزء: 2 - الصفحة: 710
[يجز] 215 لأنه من مسألة مد عجوة ودرهم.
(و) يصح (صرف ذهب بفضة وعكسه) كصرف فضة بذهب، مأخوذ من الصريف، وهو تصويت النقد بالميزان 216 (وإذا افترق متصارفان) تفرقًا يبطل خيار مجلس صح فيما قبض و (بطل العقد فيما لم يقبض) لفوات شرطه، ويقوم الاعتياض عن أحد العوضين وسقوطه عن ذمة أحدهما مقام قبضه.
ويصح ولا يبطل صرف باشتراط خيار فيه، كسائر الشروط الفاسدة في البيع، وإن ظهر ما صورف به معيبًا، أو مغصوبًا بطل العقد، وإن ظهر بعضه بطل فيه فقط.
ولكل من المتصارفين الشراء من الآخر من جنس ما صرف منه بلا مواطأة، لحديث أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- استعمل رجلًا على خيبر.
فجاءه بتمر جنيب 217 فقال: "أكُلُّ تمر خيبر هكذا؟ " قال: لا واللَّه، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة.
فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تفعل بع التمر بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا" 218 متفق عليه، ولم يأمره أن يبيعه من غير من اشترى منه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
الجزء: 2 - الصفحة: 711
ولو صارف شخصًا على دينار بعشرة دراهم، فأعطاه خمسة عن نصفه، ثم اقترضها منه، ودفعها إليه ثانيًا عن النصف الباقي، صح ذلك، ما لم يكن حيلة، وهي التوسل إلى محرم بما ظاهره الإباحة.
والحيل كلها غير جائزة في شيء من أمور الدين، لأنه تعالى إنما حرم المحرمات لمفسدتها وضررها، ولا يزول ذلك مع بقاء معناها 219.
ومن عليه دينار فقضاه دراهم متفرقة كل نقدة بحسابها منه صح، وإلا فلا.
ويجوز الصرف والمعاملة بنقد مغشوش لمن يعرفه.
قال أحمد 220: إذا كان شيئًا اصطلحوا عليه مثل الفلوس اصطلحوا عليها، فأرجو أن لا يكون بها بأس.
ولأن غايته اشتماله على جنسين لا غرر فيهما، ولاستفاضته في الأعصار، فإن لم يعرف الآخر غشه لم يجز لما فيه من التغرير.
ويحرم كسر السكة الجائزة بين المسلمين للخبر 221، ولما فيه من التضييق
الجزء: 2 - الصفحة: 712
عليهم، إلا أن يختلف في شيء منها هل هو ردئ أو جيد؟ فيجوز كسره للحاجة.
والدراهم الزيوف 222 لا تباع ولا تخرج في معاملة ولا صدقة لئلا تختلط بجيدة، وتخرج على من لا يعرفها، نصًّا 223، وقال: لا أقول إنه حرام، قال في "الشرح": فقد صرح بأنه إنما كرهه لما فيه من التغرير بالمسلمين 224.
والكيمياء 225 غِشٌّ، فتحرم؛ لأنها تشبيه المُصَنَّعِ من ذهب أو فضة = هذا الحديث.
ونقل عن ابن معين والنسائي: ضعف محمد بن فضاء هذا.
وقال البخاري: سمعت سليمان بن حرب يضعِّف محمد بن فضاء المعبِّر يقول: كان يبيع الشراب.
من "تهذيب الكمال" (26/ 278) وقال البخاري -أيضًا- في "التاريخ الصغير" (2/ 145): وقال سليمان بن حرب: روى ابن فضاء هذا الحديث: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن كسر سكة المسلمين الجارية بينهم" وإنما ضرب السكة حجاج بن يوسف، لم يكن في عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
اهـ وقال البيهقي في "شعب الإيمان" (4/ 234). وهذا الحديث رواه محمد بن فضاء -وليس بالقوي- عن أبيه عن علقمة بن عبد اللَّه المزني عن أبيه.
واللَّه أعلم.
اهـ قال الحليمي -كما نقله عنه البيهقي في "الشعب" (4/ 234): والبأس أن تكون زائفًا، فيكسر لئلا يغتر به مسلم.
ووجه النهي عن الكسر أنه كتمزيق الورقة التي فيها ذكر اللَّه أو ذكره رسول اللَّه إذا كانت الحروف تتقطع والكلم يتفرق.
وفي ذلك إزراء بقدر المكتوب.
ومتى كسر لعذر فإنما إثم الكسر على ضاربه، لأنه هو الذي غرَّ ودلّس، فأحوج إلى الكسر، لإظهار الغش، واللَّه أعلم.
اهـ
الجزء: 2 - الصفحة: 713
بالمخلوق (1). قال الشيخ تقي الدين: هي باطلة في العقل محرمة بلا نزاع بين العلماء، ثبتت على الروباص (2) أو لا.
ولو كانت حقًا مباحًا لوجب فيها خمس أو زكاة، ولم يوجب فيها عالم شيئًا.
والقول بأن قارون عملها باطل (3).
تتمة
:
يتميز ثمن عن مثمن بباء البدلية، فما دخلت عليه الباء فهو الثمن، فدينار بثوب، الثمن الثوب لدخول الباء عليه، ويصح اقتضاء نقد من نقد آخر، كذهب من فضة وعكسه، إن أحضر أحدهما أو كان أمانة أو عارية أو غصبًا، والآخر مستقر في الذمة لا رأس مال سلم بسعر يومه، ولا يشترط حلول ما في الذمة إذا قضاه بسعر يومه.226227228 = في "المعجم الوسيط": الكيمياء الحيلة والحذق.
وكان يراد بها عند القدماء: تحويل بعض المعادن إلى بعض.
وعلم الكيمياء عندهم: علم يعرف به طرق سلب الخواص من الجواهر المعدنية، وجلب خاصة جديدة إليها، ولا سيما تحويلها إلى ذهب.
ينظر: "إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد" لابن الأكفاني (ص 71) و"المعجم الوسيط" (2/ 808).
الجزء: 2 - الصفحة: 714
فصل في بيع الأصول والثمار وما يتعلق بها
والأصول 229 جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره (وإذا باع) شخص (دارًا) أو وهبها أو رهنها أو وقفها أو أقر بها أو وصى بها (شمل البيع) والهبة وما عطف عليهما (أرضها) إن لم تكن موقوفة، وشمل ما فيها من معدن جامد (و) شمل (بناءها) وفناءها إن كان لها فناءً (و) شمل (سقفها وبابًا منصوبًا، وسلَّمًا، ورفًا مسمورين) (و) شمل (خابية 230 مدفونة) ورحى منصوبة، وأجرنه 231 مبنية، وأساسات حيطان، وما فيها من شجر مغروس، ومن عرش (لا قفلًا ومفتاحًا ودلوًا وبكْرَةً 232 ونحوها) ككنز وحجر مدفونين، لأن اللفظ لا يشمله ولا هو من مصلحتها، ولا حجر رحى فوقاني لعدم اتصاله، ولا ما فيها من معدن جار، وماء نبع (أو) باع (أرضًا) أو وهبها ونحو ذلك (شمل) البيع ونحوه (غرسها وبناءها) ولو لم يقل بحقوقها لاتصالهما بها، وكونهما من حقوقها (لا زرعًا) لا يحصد إلا مرَّة كُبُرٍّ وشعير ونحوهما، (و) لا (بذره) أي الزرع (بلا شرط) 233 ويبقى لبائع إلى أول وقت أخذه بلا أجرة، ما لم يشترطه مشتر ونحوه، فإن اشترطه فهو له.
الجزء: 2 - الصفحة: 715
وقصب سكر كزرع 234، وقصب فارسي كثمرة 235، وعروقه لمشتر 236، ويصح أن يشترط مشتر زرعًا في أرض مبيعة، ولو قصيلًا 237 أو ذا حب، وبذره ولو مستترًا في الأرض (فيصح 238 مع جهل ذلك)، لأنه بالشرط يدخل تبعًا للأرض، فهو كأساسات الحيطان (وما يجز أو يلقط مرارًا) كرطبة وقثاء وباذنجان ودُبّاء، أو يتكرر زهره كورد وياسمين (فأصوله لمشتر) ومتهب ونحوه، لأنه يراد للبقاء أشبه الشجر (وجزة ولقطة ظاهرتان) من رطبة وقثاء ونحوه (لبائع) ونحوه، لأنه يجنى مع بقاء أصله أشبه الشجر المؤبر، وعليه قطعها في الحال، لأنه ليس له حد ينتهي إليه، وربما ظهر غير ما كان ظاهرًا فيعسر التمييز (ما لم يشترطه مشتر)، فإن شرطه كان له، لحديث: "المسلمون عند شروطهم" 239.
ويثبت الخيار لمشتري أرض ظن دخول زرع، أو دخول ثمرة على شجر في البيع، والقول قوله بيمينه في جهل ذلك إن جهله مثله، ولا تدخل مزارع قرية بيعت بلا نص أو قرينة.
(ومن باع) أو وهب أو رهن (نخلًا تشقق طلعُه) ولو لم يؤبر 240
الجزء: 2 - الصفحة: 716
(فالثمر له مُبقَّى إلى جُداد) ما لم تجر عادة بأخذه بسرًا، أو يكن بسره خيرًا من رطبه، أو (ما لم يشترطه مشتر) لحديث: "من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع" 241 متفق عليه، بخلاف وقف ووصية، فإن الثمرة تدخل فيهما، نصًّا 242، أبرت أو لم تؤبر (وكذا) أي كحكم نخل تشقق طلعه (حكم شجر فيه ثمر باد) أي ظاهر لا قشر عليه ولا نَوْر 243 له كتين وتوت وجميز 244 (أو ظهر من نوره كمشمش) وتفاح وسفرجل ولوز وخوخ وإجاص 245 وعنب، وكذا ما بدا في قشره وبقي فيه إلى أكله كرمان، وما بدا في قشرين كجوز (أو خرج من أكمامه) جمع كِمٍّ، بكسر الكاف وهو الغلاف 246 (كورد وقطن) وياسمين وبنفسج، لأن ذلك كله بمثابة تشقق الطلع (وما قبل ذلك) أي تشقق الطَّلْع وخروج الثمر من النور والأكمام وبدو ما يبدو (والوَرَق مطلقًا لمشتر).
ويصح شرط بائع ما لمشتر أو جزءًا منه معلومًا، وإن ظهر أو تشقق بعض ثمرة ولو من نوع فلبائع، وغيره لمشتر، إلا إذا ظهر أو تشقق بعض
الجزء: 2 - الصفحة: 717
ثمرة في شجرة فالكل لبائع ونحوه، ولكلٍّ السقي لمصلحة عرفًا، ولو تضرر صاحبه لدخولهما في العقد على ذلك.
(ولا يصح بيع ثمر قبل بدو صلاحه) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع 247. متفق عليه، والنهي يقتضي الفساد، (ولا) يصح بيع (زرع قبل اشتداد حبه) لحديث ابن عمر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري 248. رواه مسلم (لغير مالك أصل) أي: أصل شجر (أو) لغير مالك (أرضه) أي الزرع، فإن باع الثمرة قبل بدو صلاحها لمالك أصلها، أو باع الزرع قبل اشتداده لمالك أرضه، صح البيع، وإن باعه على غيرهما لم يصح (إلا بشرط قطع) في الحال، لأن المنع لخوف التلف وحدوث العاهة قبل الأخذ، بدليل قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث أنس: "أرأيت إذا منع اللَّه الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه" 249 رواه البخاري، وهذا مأمون فيما يقطع في الحال (إن كان منتفعًا به) فإن لم ينتفع به كثمرة الجوز وزرع الترمس 250 لم يصح (و) كان (ليس مشاعًا) فإن كان مشاعًا بأن باعه النصف ونحوه بشرط القطع لم يصح، لأنه لا يمكنه قطعه إلا بقطع ملك غيره، فلم يصح اشتراطه، (وكذا بقول ورطبة) فلا يصح بيعها مفردة لغير مالك الأرض إلا بشرط القطع في الحال، لأن ما في الأرض مستور مغيب وما يحدث منه معدوم فلم يجز بيعه كالذي يحدث في الثمرة، فإن شرط قطعه
الجزء: 2 - الصفحة: 718
صح، لأن الظاهر منه معلوم لا جهالة فيه ولا غرر.
(ولا) يصح بيع (قثَّاء ونحوه) كباذنجان (إلا لَقْطَةً لَقْطَةً) موجودة، لأن ما لم يخلق لا يجوز بيعه (أو) إلا (مع أصله) فيجوز، لأنه أصل تكرر ثمرته أشبه الشجر، (وإن ترك ما شُرط قطعه) حيث لا يصح بدونه (بطل البيع بزيادة) لئلا يتخذ ذلك وسيلة إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
ووسائل الحرام حرام كبيع العينة (غير) زيادة (يسيرة) عرفًا، فيعفى عنها لعسر التحرز منه (إلا الخشب) إذا اشتراه بشرط قطعه في الحال فأخر قطعه حتى زاد (فلا) يبطل البيع (ويشتركان) أي البائع والمشتري (فيها) أي في زيادة الخشب، نصًّا 251.
(وحصاد) لزرع اشتراه (ولَقَاطٌ) للَقْطةٍ اشتراها (وجَدادٌ) لثمرة اشتراها (على مشتر) لأن ذلك من مؤنة نقل ما اشتراه، بخلاف أجرة الكيَّال ونحوه، فإنها على البائع لأنها من مؤنة التسليم، وإن شرط ذلك على البائع صح، كشرط حمل الحطب أو تكسيره (وعلى بائع سقي) ما بيع من ثمرة بدا صلاحها وحب اشتد، إن احتيج إليه، لأنه يجب عليه تسليمه كاملًا، ولا يحصل كاملًا إلا به، بخلاف ما إذا باع الأصل، وعليه ثمرة للبائع، فإنه لا يلزم المشتري سقيُها، لأن البائع لم يملكها من جهته، وإنما بقي ملكه عليها، ويجبر البائع على السقي إن أباه (ولو تضرر أصل) بالسقي، لأنه دخل على ذلك.
(وما تَلِف) من ثمر بيع بعد بدو صلاحه قبل أوان أخذه، أو قبل بدو صلاحه بشرط القطع قبل التمكن منه (سوى يسير) منه لا ينضبط لقلته (بآفة) أي جائحة 252 (سماوية) أي لا صنع لآدمي فيها، كجراد وحر وبرد
الجزء: 2 - الصفحة: 719
وريح وعطش، ولو كان تلافه بعد قبض بتخلية (فـ) ضمانه (على بائع) لحديث جابر مرفوعًا: "أمر بوضع الجوائح".
وحديث: "إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق" 253 رواهما مسلم.
ويقبل قول بائع في قدر تألف، لأنه غارم (ما لم يُبَعْ مع أصل) فإن بيع معه فمن ضمان مشتر (أو يؤخر) مشتر (أخذًا عن عادته) فإن أخره فمن ضمانه، لتلفه بتقصيره (وصلاح بعض ثمرة شجرة، صلاحٌ لجميع نوعها الذي في البستان) لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشق، وكالشجرة الواحدة، وكذا اشتداد بعض حب فيصح بيع الكل تبعًا لا إفرادًا، وعلم منه أن صلاح نوع ليس صلاحًا لغيره (فصلاح ثمر نخل أن يحمر أو يصفر، وصلاح (عنب أن يتموه بالماء الحلو) ويطيب أكله، لحديث: "نهى عن بيع الثمر حتى يطيب" 254. متفق عليه.
(و) صلاح (بقية ثمر بُدُوِّ نضج وطيب أكل) وصلاح حب أن يشتد أو يبيض (ويشمل بيع دابة) كفرس (عذارها) أي لجامها 255 (ومِقودها) بكسر = 399) قال: الجائحة: هي المصيبة تحل بالرجل في ماله فتجتاحه كله حتى لا تبقي له شيء.
. . اهـ وفي الجوائح مؤلف جيد للدكتور سليمان الثنيان باسم "الجوائح وأحكامها" قال في تعريفها اصطلاحا: ما لا يستطاع دفعه، ولا تضمينه إذا أتلف أو أنقص العوض قبل تمام قَبْضهِ.
اهـ من الكتاب المذكور (ص 28).
الجزء: 2 - الصفحة: 720
الميم (ونعلها) 256 لتبعيته لها عرفًا (و) يشمل بيع (قنٍّ) ذكر أو أنثى (لباسه) المعتاد الذي (لغير جمال) لأنه مما تتعلق به حاجة المبيع أو مصلحته، وجرت العادة ببيعه معه، وأما الذي للجمال من لباس وحلي فهو لبائع، لأنه زيادة على العادة، ولا تَعَلَّقُ به حاجة المبيع، وإنما يلبسه إياه لينفقه به، ولا يشمل البيع مالًا معه، أو بعض ذلك، إلا بشرط، لحديث ابن عمر مرفوعًا: "من باع عبدًا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع" 257 رواه مسلم.
= "المعجم الوسيط" (2/ 815).
الجزء: 2 - الصفحة: 721
فصل في السلم
والسلم: لغة أهل الحجاز، والسلف: لغة أهل العراق.
فهما لُغةً شيءٌ واحد.
سمي سلمًا؛ لتسليم رأس ماله في المجلس، وسلفًا؛ لتقديمه، ويقال السلف للقرض 258.
(ويصح السلم) بلفظه، وبلفظ سلف (بسبعة شروط):
أحدها: (أن يكون فيما يمكن ضبط صفاته) لأن ما لا تنضبط صفاته، يختلف كثيرًا، فيفضي إلى المنازعة والمشاقة، وعدمها مطلوب شرعًا، (كمكيل) من حب وتمر، ودهن، ولبن، ونحوها (و) كـ (نحوه) أي: المكيل من موزون كذهب وفضة، وحديد ونحاس، ورصاص، وقطن، وصوف، وكَتَّان وإبريسم، ونحو ذلك كشحم ولحم نيئًا ولو مع عظمه، لأنه كالنوى في التمر، إنْ عُيَّن محل يقطع منه كظهر وفخذ، وكمذروع من ثياب، ومعدود من حيوان، ولو آدميًّا، كعبد صفته كذا.
ولا يصح في أمة وولدها أو أخيها ونحوه؛ لندرة جمعهما في الصفة، ولا في حيوان حامل لجهل الولد وعدم تحققه، وكذا شاة لبون 259.
ولا يصح السلم في فواكه معدودة، كرمان وخوخ ونحوهما، ولو سلم فيها وزنًا، لاختلافها صغرًا وكبرًا، بخلاف نحو عنب ورطب، ولا في بقول ولا في جلود لاختلافهما ولا يمكن ذرعها، ولا في رؤوس وأكارع، لأن أكثرها العظام، ولا في بيض ونحوه، ولا في أواني مختلفة أوساطًا
الجزء: 2 - الصفحة: 722
ورؤوسًا كقماقم 260، ولا فيما لا ينضبط كجوهر ولؤلؤ ومرجان وعقيق ونحوها، لاختلافها اختلافًا كثيًرا، ولا في مغشوش أثمان، ولا فيما يجمع أخلاطًا غير متميزة كمعاجين مباحة، ولا في ند 261 وغالية لعدم 262 ضبطها بالصفة.
ويصح فيما فيه شيء لمصلحته غير مقصود، كجبن فيه إنفحة 263، وكخبز أو عجين فيه ماء وملح، ويصح في أثمان، ويكون رأس المال غيرها، ويصح في فلوس ولو نافقة وزنًا وعددًا، أو يكون رأس مالها عرضًا، لأنها ملحقة بالنقد كما تقدم، ويصح في عرض بعرض، ولا يصح السلم إن جرى بين مسلم فيه ورأس مال ربا.
(و) الثاني: (ذكر جنس ونوع، وكلِّ وصفٍ 264 يختلف به الثمن غالبًا) ففي نحو بُرٍّ يقال صعيدي أو بحيري 265 بمصر، والشام حوراني أو شمالي، وبالبصرة بحري أو شمالي، ويذكر قدر حب كصغار أو كبار، متطاول الحب
الجزء: 2 - الصفحة: 723
أو مدوره، وذكر لونه كأحمر وأبيض، إن اختلف ثمنه بذلك (و) ذكر (حداثة وقدم) وجَودة ورداءة، وذكر سن حيوان، وفي صيْد 266 أحبولةٍ أو كلبٍ أو صقرٍ أو فَخٍّ أو شبكة، ويذكر في تمر النوع والجودة والكبر أو ضدهما، والبلد، ويذكر في رقيق نوعًا، كرومي أوحبشي، وطول بشبر، قال أحمد: يقول خماسي سداسي أعجمي أو فصيح 267. وذكر أو أنثى، وكحلاء أو دعجاء أو بكارة أو ثيوبة وسمنًا أو هزالًا، وكل ما يختلف به الثمن، ولا يصح شرطه أجود أو أردأ.
وله أخذ دون ما وصف من جنسه، لأن الحق له وقد رضي بدونه، وله أخذ غير نوعه كمعز عن ضأن، وبقر عن جواميس، ويلزمه أخذ أجود منه من نوعه، لأنه أتاه بما يتناوله العقد وزاده نفعًا، وعلم منه أنه لا يلزمه الأخذ من غير نوعه ولو أجود كضأن عن معز، فإن رضيا جاز.
(و) الثالث: (ذكر قدره) كيلًا في مكيل، ووزنًا في موزون، وذرعًا في مذروع، لحديث: "من أسلم في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " 268، ولأنه عوض في الذمة، فاشترط معرفة قدره كالثمن.
(ولا يصح) السلم (في مكيل وزنًا وعكسُه) فلا يصح في موزون كيلًا، نصًّا 269، لأنه مبيع يشترط معرفة قدره فلم يجز بغير ما هو مقدر له في الأصل، ولا يصح شرط صنجة 270 أو مكيال أو ذراع لا عرف له، لأنه لو تلف فات العلم به، ولأنه غرر لا يحتاج إليه العقد، وإن عين فردًا مما له عرف صح العقد دون التعيين.
الجزء: 2 - الصفحة: 724
(و) الرابع: (ذكر أجل معلوم) نصًّا 271، للخبر 272. له وقع في الثمن عادة، لأن اعتبار الأجل لتحقق الرفق، ولا يحصل بمدة لا وقع لها في الثمن (كشهر) ونحوه مما له وقع في الثمن، قال في "الكافي": كنصفه -أي الشهر- 273 ويصح أن يسلم في جنسين إلى أجل واحد إن بيّن ثمن كل جنس، ويصح في جنس إلى أجلين إن بيّن قسط كل أجل وثمنه.
ويصح أن يسلم في شيء يأخذ منه كل يوم جزءًا معلومًا مطلقًا، سواء بيّن ثمن كل قسط أو لا، لدعاء الحاجة إليه، ومتى قبض البعض وتعذر الباقي رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل للمقبوض فضلًا على الباقي، لأنه مبيع واحد متماثل الأجزاء، فقُسِّط الثمن على أجزائه بالسوية، وإن قالا: محله رجب أو إليه أو فيه أو شعبان ونحوه، صح وحلَّ بأوله، وإن قالا: إلى أوله أو إلى آخره يحل بأول جزء منهما.
ويقبل قول مدين في قدر الأجل وفي عدم مضيه بيمينه، لأن العقد اقتضى الأجل، والأصل بقاؤه، ويقبل قوله -أيضًا- في مكان تسليم، نصًّا 274، لأن الأصل براءة ذمته من مؤنة نقله إلى موضع ادعى المسلِمُ شرط التسليم فيه.
ومن أتي بما لَه من دَين سلم أو غيره قبل محله ولا ضرر عليه في قبضه لزمه قبضه، نصًّا 275، لحصول غرضه، فإن كان فيه ضرر كالأطعمة والحبوب، والحيوان، أو الزمن مخوفًا 276، لم يلزمه قبضه قبل محله، وإن أحضره في محله أو بعده لزمه قبضه مطلقًا، كمبيع معين، فإن أبي قبضه،
الجزء: 2 - الصفحة: 725
قال له حاكم: إما أن تقبض أو تبرئ، فإن أباهما قبضه الحاكم له، لقيامه مقام الممتنع.
ومن أراد قضاء دين عن غيره فأبى ربه، أو أعسر بنفقة زوجته فبذلها أجنبي فأبت، لم يجبرا لما فيه من الِمنَّة عليهما، وملكت الزوجة الفسخ لإعسار زوجها، كما لو لم يبذلها أحد، فإن ملّكه لمدين وزوج وقبضاه، ودفعاه لهما، أجبرا على قبوله.
وتسلم الحبوب نقية من تبن وعُقَد ونحوها وتراب إلا يسيرًا، لا يؤثر في كيل، والتمر جافًا.
(و) الخامس: (أن يوجد غالبًا في محلِّه) أي عند حلوله، لأنه وقت وجوب تسليمه، وإن عدم وقت عقد كسلم في رطب في الشتاء، بخلاف عكسه، لأنه لا يمكن تسليمه غالبًا عند وجوبه أشبه بيع الآبق.
ويصح إن عيَّن ناحية تبعد فيها آفة، كتمر البصرة، لا إن عيَّن قرية صغيرة أو بستانًا، لحديث ابن ماجه وغيره: أنه أسلف إليه -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى، فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان، فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى" 277،
الجزء: 2 - الصفحة: 726
ولأنه لا يؤمن انقطاعه، فإن سلم إلى محل يوجد فيه عامًا فانقطع، وتحقق بقاؤه، لزم تحصيله ولو شق، كبقية الديون.
(فإن تعذر) مسلم فيه (أو) تعذر (بعضُه) بأن لم يوجد، خيّر بين (صبر) إلى وجوده فيطالب به، وبين فسخ فيما تعذر أو في الكل (أو أخذ رأس ماله) إن وجد أو عوضه إن عدم لتعذر رده.
(و) الشرط السادس: (قبض الثمن) أي قبض رأس مال السلم (قبل التفرق) من مجلس عقده تفرقًا يبطل خيار مجلس، لئلا يصير بيع دين بدين، وكقبض في الحكم ما بيده من أمانة أو غصب فيصح جعله رأس مال سلم في ذمة من هو تحت يده، ولا يصح جعل ما في ذمته رأس مال سلم، لأن المسلم فيه دين، فإذا كان رأس ماله دينًا، كان بيع دين بدين، بخلاف نحو أمانة وغصب.
(و) الشرط السابع: (أن يُسلم في الذمة فلا يصح السلم في عين) حاضرة، لأنه يمكن بيعها في الحال، فلا حاجة إلى السلم فيه (ولا) في (ثمرة = قتالهم، ولم يتخلَّ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أو يرجع أثناء الطريق.
ورحم اللَّه الحافظ المزي عندما قال: هذا حديث حسن مشهور في "دلائل النبوة".
وقد أخرج الحديث -أيضًا- الطبراني في "الكبير" (5/ 253، 255) وأبو الشيخ في "أخلاق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" (1/ 475، 476) والبيهقي في "الدلائل" (6/ 278، 280) وأبو نعيم في "الدلائل" (1/ 108، 112).
قال الهيثمي في "المجمع" (8/ 240): "رواه الطبراني، ورجاله ثقات" اهـ وقال ابن حجر في "الإصابة" (2/ 607): رجال الإسناد موثقون.
وقد صرح الوليد فيه بالتحديث.
ومداره على محمد بن أبي السري الراوي له عن الوليد، وثقه ابن معين، ولينه أبو حاتم، وقال ابن عدي: محمد كثير الغلط.
ووجدت لقصته شاهدًا وجه آخر، لكن لم يسم فيه.
. رواه ابن سعد.
اهـ بتصرف.
قلت: لابن أبي السري متابعان: عبد الوهاب بن نجدة الحوطي عند الطبراني وأبي الشيخ.
ويعقوب بن حميد بن كاسب عند ابن ماجه.
كلاهما يروي هذا الحديث عن الوليد بن مسلم.
ينظر: مصادر الحديث السابقة.
الجزء: 2 - الصفحة: 727
شجرة معينة) ولا يشترط في السلم ذكر مكان الوفاء إن لم يعقد ببرية أو سفينة ونحوها للجهالة، فيشترط تعيينه بالقول (ويجب الوفاءُ موضعَ العقد) للسلم إذا كان محل إقامة (إن لم يشرط في غيره) فإن شرط في غيره صح وتعين.
(ولا يصح بيع مسلم فيه قبل قبضه) ولو لمن هو عليه (ولا) تصح (الحوالة به ولا) الحوالة (عليه، ولا أخذ رهن وكفيل به) رويت كراهته عن علي 278 وابن عباس 279 وابن عمر 280، (ولا) يصح (أخذ كبره) عوضًا (عنه) أي: المسلم فيه.
وتصح هبة دين سلم وغيره لمدين فقط.
ويصح بيع دين مستقر من ثمن وقرض ومهر بعد دخول أو نحوه مما يقرره، وأجرة استوفى نفعها، وأرش جناية وقيمة متلف، وجُعل بعد عمل لمدين فقط بشرط قبض عوضه قبل تفرق؛ لخبر ابن عمر 281. إن بيع بما لا يباع به نسيئة.
ومن استحق على غريمه مثل ما له عليه من دين جنسًا وقدرًا وصفة حالين أو مؤجلين أجلًا واحدًا، تساقطا إن استويا، أو سقط من الأكثر بقدر الأقل إن تفاوتا، بدون تراض، لأنه لا فائدة في أخذ الدين من أحدهما ثم
الجزء: 2 - الصفحة: 728
رده عليه، إلا إذا كانا أو أحدهما رأس مال سلم، ولو تراضيا فلا يصح، لأنه تصرف في دين سلم قبل قبضه، وإلا إذا تعلق بأحدهما حق كبيع رهن لتوفية دَينه من مدين غير المرتهن.
ومن عليها دَين من جنس واجب نفقتها لم يحتسب به مع عسرتها، لأن قضاء الدين مما فضل، ومتى نوى مدين وفاء بدفع برئ وإلا فمتبرع، لحديث: "وإنما لكل امرئ ما نوى" 282، وما ذكروه في الأصول: أن رد الأمانة وقضاء الدين واجب لا يتوقف على النية، أي نية التقرب 283. وتكفي نية حاكم وفاه قهرًا من مال مَدين لامتناعه أو غيبته لقيامه مقامه، ومن عليه دَين لا يعلم به ربه، وجب عليه إعلامه.
الجزء: 2 - الصفحة: 729
فصل في القرض
بفتح القاف، وحكي كسرها مصدر قرض الشيء يقرضه -بكسر الراء- إذا قطعه، ومنه المقراض والقرض اسم مصدر بمعنى الاقتراض 284. وشرعًا: دفع مال إرفاقًا لمن ينتفع به ويرد بدله 285، وهو من المرافق المندوب إليها للمقرض، لحديث ابن مسعود يرفعه "ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقته مرة" 286. رواه ابن ماحه، ولأن فيه تفريجًا وقضاء لحاجة أخيه المسلم أشبه الصدقة عليه.
وإن قال معط: ملكتكه.
ولا قرينة على رد بدله؛ فهبة، وإن اختلفا في أنه هبة أو قرض ولا قرينة فقول آخذٍ بيمينه، ولا يجب على مقرض ولا يكره لمقترض.
نصًّا 287، لكن لا يقترض إلا ما يقدر أن يوفيه، إلا اليسير الذي لا يتعذر مثله، وله أخذ جُعل على اقتراضه بجاهه لا على كفالته، وشرط علم قدره ووصافه، وكون مقرض يصح تبرعه (وكلُّ ما صح بيعه) من مكيل وموزون وغيره (صح قرضه إلا بني ادم) لأنه لم ينقل قرضهم، ولا هو من المرافق.
ويتم القرض بقبول ويملك، فلا يملك مقرض استرجاعه إلا إن حجر على مقترض لفلس، فيملك الرجوع فيه بشرطه؛ لحديث: "من أدرك
الجزء: 2 - الصفحة: 730
متاعه بعينه.
. " 288 ويأتي 289، وله طلب بدله من مقترض في الحال.
وإن شرط مقرض رده بعينه لم يصح الشرط، لأنه ينافي مقتضى العقد، وهو التوسع بالتصرف، ورده بعينه يمنع ذلك، ويجب على مقرض قبول مِثليٍّ 290 رد بعينه وفاء، بخلاف مُتَقوَّم 291، ما لم يتعيب مثلي رد بعينه فلا يلزمه قبوله (ويجب) على مقترض (رد مثل فلوس) اقترضها، ولم تحرم المعاملة بها، غلت أو رخصت؛ لأنها مثلية.
(و) يجب رد مثل (مكيل وموزون) لا صناعة فيه مباحة يصح السلم فيه، لأنه يضمن في الغصب والإتلاف بمثله، فكذا هنا (فإن فُقد) المثل (فقيمته يوم فقد) لأنه يوم ثبوتها في الذمة (و) يجب (قيمة غيرها) أي المثليات لأنه لا مثل له، فضمن بقيمته كما في الإتلاف والغصب، وإنما تعتبر القيمة (يوم قبضه) لاختلاف القيمة في الزمن اليسير بكثرة الراغب وقلته.
ويجوز قرض ماء كيلًا كسائر المائعات، ويجوز قرضه لسقي مقدرًا بأنبوبة أو نحوها مما يتخذ من فخار ورصاص ونحوه على هيئتها، ويجوز
الجزء: 2 - الصفحة: 731
قرض خبز وخمير عددًا ورده عددًا، بلا قصد زيادة، لحديث عائشة قالت: قلت: يا رسول اللَّه، الجيران يستقرضون الخبز والخمير، ويردون زيادة ونقصًا؟ فقال: "لا بأس، إنما ذلك من مرافق الناس، لا يراد به الفضل" 292. رواه أبو بكر 293 في "الشافي"، ولمشقة اعتباره بالوزن مع دعاء الحاجة إليه، ويثبت البدل حالًّا ولو مع تأجيله، لأنه وعد لا يلزم الوفاء به، وأيضًا شرط الأجل زيادة بعد استقرار العقد فلا يلزم، وكذا كل دين حال أو مؤجل حل، فلا يصح تأجيله لما تقدم.
ويجوز شرط رهن فيه، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- استقرض من يهودي شعيرًا ورهنه درعه 294. متفق عليه، ويجوز شرط ضمين أيضًا (ويحرم كل شرط يجر نفعًا) كشرطه أن يسكنه داره، أو يقضيه خيرًا منه، أو يقضيه ببلد آخر ولحمله مؤنة، لأنه عقد إرفاق وقربة، فشرط النفع فيه يخرجه عن موضوعه، فإن لم يكن حمله مؤنة جاز، لأنه مصلحة لهما من غير ضرر.
ولا يفسد القرض بفساد الشرط (وإن وفَّاه أجود) مما أخذ منه كصحاح عن مكسرة، أو أجود نقدًا، أو سكة مما اقترضه أو أرجح يسيرًا في
الجزء: 2 - الصفحة: 732
قضاء ذهب أو فضة (أو أهدى إليه هدية بعد وفاء بلا شرط فلا بأس) لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استلف بَكْرًا فرد خيرًا منه، وقال: "خيركم أحسنكم قضاء" 295 متفق عليه، من حديث أبي رافع.
وإن فعل مقترض ذلك قبل الوفاء ولم ينو مقرض احتسابه من دينه، أو لم ينو مكافأته عليه لم يجز، إلا إن جرت عادة به بينهما قبل قرض، لحديث أنس مرفوعًا: "إذا أقرض أحدكم فأهدي إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك" 296. رواه ابن ماجه، وفي إسناده من تُكلِّم فيه.
وكذا حكم كل غريم، فإن استضافه مقترض حسب له ما أكل، ومن طولب ببدل قى ض أو غصب ببلد آخر لزمه أداء البدل إلا ما لحمله مؤنة، كحديد ونحوه، وقيمته ببلد القرض أو الغصب أنقص فلا يلزمه إلا قيمته بها، لأنه لا يلزمه حمله إلى بلد الطلب فيصير كالمتعذر، فإن كانت قيمته ببلد القرض أو الغصب مساوية لبلد الطلب أو أكثر لزمه دفع المثل ببلد الطلب لما سبق.
وعلم منه أنه إن طولب بعين الغصب بغير بلده لم يلزمه، وكذا لو طولب بأمانة أو عارية ونحوها بغير بلدها، لأنه لا يلزمه حملها إليه، ولو بذله مقرض أو غاصب بغير بلد قرض أو غصب ولا مؤنة حمله، كأثمان؛ لزم قبوله، مع أمن البلد والطريق؛ لعدم الضرر عليه.
ومن اقترض من رجل دراهم وابتاع منه بها شيئًا، فخرجت زيوفًا، فالبيع جائز، ولا يرجع عليه بشيء، نصًّا 297، لأنها دراهمه، فعيبها عليه،
الجزء: 2 - الصفحة: 733
وله على المقترض بدل ما أقرضه له بصفته زيوفًا، وحمله في "المغني" 298 على ما إذا باعه السلعة بها وهو يعلم عيبها، فأما إن باعه في ذمته ثم قبضها غير عالم بها فينبغي أن يجب له دراهم لا عيب فيها، ويرد عليه هذه، ثم لمقترض ردها عن قرضه، ويبقى الثمن في ذمته.
الجزء: 2 - الصفحة: 734
فصل في الرهن
وهو لغة: الثبوت والدوام 299، ومنه ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ 300، وشرعًا: توثقة دين، غير سلم ودَين كتابة، ولو في المآل، كعين مضمونة بعين يمكن أخذه أو بعضه منها إن كانت من جنس الدَّين، أو من ثمنها إن لم تكن من جنسه 301.
وأجمعوا على جوازه 302، لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 303، وحديث عائشة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اشترى من يهودي طعامًا ورهنه درعه 304. متفق عليه.
ويجوز حضرًا وسفرًا، لأنه روي أن ذلك كان بالمدينة 305، وذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب، ولهذا لم يشترط عدم الكاتب.
ويصح زيادة رهن لا دَينه (وكل ما جاز بيعه) من الأعيان (جاز رهنه) إلا المصحف، فلا
الجزء: 2 - الصفحة: 735
يصح رهنه ولو لمسلم، لأنه وسيلة إلى بيعه الحرام.
(وكذا) يجوز رهن (ثمر وزوع لم يبدُ صلاحهما) بلا شرط قطع، لأن النهي عن بيعها لعدم أمن العاهة، وبتقدير تلفها لا يفوت حق المرتهن من الدَّين لتعلقه بذمة الراهن.
(و) كذا (قِنٌّ) ذكرًا أو أنثى فيصح رهنه (دون ولده ونحوه) كوالده وأخيه، لأن تحريم بيعه وحده للتفريق بين ذوي الرحم المحرم، وهو مفقود هنا، لأنه إذا استحق بيع الرهن بيعا معًا، دفعًا لتلك المفسدة.
(ويلزم في حق راهن بقبض) لقوله تعالى: ﴿فَرِهَن مَقْبُوضَةٌ﴾ 306 وقبض رهن كقبض مبيع على ما سبق، ولراهن الرجوع فيه قبل قبضه ولو أذن فيه، لعدم لزوم الرهن إذن، وله التصرف فيه بما شاء، فإن تصرف فيه بما ينقل الملك أو رهنه ثانيًا بطل الرهن الأول، سواء أقبض الثاني أو لا، لخروجه عن إمكان استيفاء الدَّين من ثمنه، وإن دبره أو كاتبه أو أجره أو زوج الأمة لم يبطل، لأنه لا يمنع ابتداء الرهن، فلا يقطع استدامته، كاستخدامه.
وإن رهنه ما بيده أمانة أو غصبًا، لزم وصار أمانة، لا يضمنه مرتهن إلا بتعد أو تفريط، واستدامه قبض رهن شرط للزومه، فيزيله أخذ راهن بإذن مرتهن، ولو أخذه إجارة أو عارية أو أمانة لزوال الاستدامة التي هي شرط اللزوم، وإن أجره أو أعاره لمرتهن أو لغيره بإذن مرتهن فلزومه باق (وتصرف كل منهما فيه) أي في الرهن (بغير إذن الآخر باطل إلا عتق راهن) فينفذ، ولو بلا إذن مرتهن، موسرًا كان الراهن أو معسرًا، نصًّا 307، لأنه إعتاق من مالك تام الملك، فنفذ؛ كعتق المؤجر، بخلاف غير العتق، ولأنه مبني على التغليب والسراية.
الجزء: 2 - الصفحة: 736
ويحرم عتق راهن لرهن بلا إذن مرتهن، لإبطاله حقه من عين الرهن، (وتؤخذ قيمته) أي الرهن المعتق (منه) أي الراهن (رهنًا) مكانه إن كان موسرًا أو أيسر (وهو) أي الرهن (أمانة في يد مرتهن) ولو قبل عقد، كبعد وفاء دَين، فلا يضمنه إلا بتعد أو تفريط كسائر الأمانات.
(وإن رهن) ما يصح رهنه (عند اثنين) بدَين لهما (فوفى) راهن (أحدهما) دينه، انفك نصيبه من الرهن، لأنه عقد واحد مع اثنين بمنزلة عقدين، أشبه ما لو رهن كل واحد النصف مفردًا، فإن كان الرهن لا تنقصه القسمة كمكيل فلراهن مقاسمة من لم يوفه، وأخذ نصيب من وفاه من الرهن، وإلا لم تجب قسمته لضرر المرتهن، ويبقى بيده نصفه رهن 308 ونصفه أمانة (أو رهناه) أي رهن اثنان واحدًا شيئًا (فاستوفى من أحدهما) ما عليه (انفك) الرهن (في نصيبه) أي الموقي لما عليه، لما تقدم.
(وإذا حلَّ الدَّين) الذي به الرهن (وامتنع) راهن (من وفائه فإن كان) قد (أذن لمرتهن في بيعه) إذا حل الدين (باعه) واستوفى دينه من ثمنه؛ لأنه وكيل ربِّه (وإلا) يكن أذن في بيعه، أو كان أذن ثم رجع لم يبع و (أُجبر) أي أجبره حاكم (على الوفاء) من غير رهن، لأنه قد يكون له غرض فيه، والمقصود الوفاء، (أو) أجبره على (بيع الرهن) ليوفي من ثمنه إن امتنع عن الوفاء من غيره (فإن أبي) من الوفاء ومن البيع (حُبس أو عُزر) أي حبسه حاكم أو عزره حتى يفعل ما أمر به (فإن أصر) على الامتناع من كل منهما (باعه) أي الرهن (حاكم) نصًّا 309، بنفسه أو أمينه (ووفى دينه) لقيامه مقام الممتنع (وغائب كممتنع) فيبيعه الحاكم أو أمينه، ولا يبيعه مرتهن إلا بإذن ربه أو الحاكم.
(وإن شرط) راهن (أن لا يباع) الرهن (إذا حل الدَّين، أو) شرط
الجزء: 2 - الصفحة: 737
مرتهن أنه (إن جاءه بحقه في وقت كذا، وإلا فالرهن له بالدين، لم يصح الشرط) لمنافاته مقتضى العقد، والرهن صحيح؛ لحديث: "لا يغلق الرهن" 310 رواه الأثرم عن [معاوية بن] 311 عبد اللَّه بن جعفر.
وإن اختلفا في رد رهن أو في عينه أو قدره أو في دين به أو في قبضه، وليس هو بيد مرتهن، فقول راهن بيمينه، لأن الأصل عدمه، وإن قال راهن: رهنتك ما بيدك بألف فقال: بعتنيه بها، أو قال: بعتكه.
قال: رهنتنيه بها، حلف كل على نفي ما ادعى عليه، وأخذ راهن رهنه، وبقي الألف بلا رهن.
(ولمرتهن أن يركب ما يُركب) من حيوان مرهون بقدر نافقته (ويحلب
الجزء: 2 - الصفحة: 738
ما يُحلب) منه (بقدر نفقته) متحريًا للعدل؛ لحديث البخاري وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: "الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة" 312 (بلا إذن) راهن ولو كان حاضرًا، لأنه مأذون فيه شرعًا، ولا ينهك المركوب والمحلوب، بالركوب والحلب نصًّا 313، لأنه إضرار به.
(وإن أنفق) مرتهن (عليه) أي على الرهن (بلا إذن راهن مع إمكان) استئذانـ (ــه لم يرجع) عليه بشيء، لأنه متبرع حكمًا، فلم يرجع بعوضه، كالصدقة على مسكين، ولتفريطه بعدم الاستئذان (وإلا) أي وإلا يمكن استئذانه لغيبته أو استتاره (رجع) على راهن (بالأقل مما أنفقه) على رهن أ (ونفقة مثله إن نواه) ولو لم يستأذن حاكمًا في الإنفاق، أو لم يشهد أنه ينفق ليرجع على ربه (و) حيوان (معار ومؤجر ومودع) ومشترك بيد أحدهما بإذن الآخر إذا أنفق عليه مستعير، ومستأجر ووديع وشريك (كرهن) فيما سبق تفصيله.
وإن مات قن فكفَّنه فكذلك (ولو خرب) رهن كدار انهدمت (فنعمره) أي الرهن مرتهن بلا إذن راهن (رجع) مُعمر (بآلته فقط) لأنها ملكه، بخلاف نفقة الحيوان لحرمته، وعدم بقائه بدونها.
وإن جنى الرهن تَعَلَّق الأرشُ برقبته، فإن استغرقه خيّر سيده بين فدائه بالأقل من الأرش أو قيمته ويبقى الرهن بحاله، وبين بيعه في الجناية، أو تسليمه لوليها، فيملكه ويبطل الرهن فيهما، لاستقرار كونه عوضًا عنها، وإلا يستغرقه أرشٌ بيع منه بقدره، أي قدر أرش الجناية، إن لم يفده سيده، وباقيه رهن، فإن تعذر بيع بعضه بيع الكل، للضرورة، وباقي ثمنه رهن.
الجزء: 2 - الصفحة: 739
وإن جني عليه فالخصم سيده، فإن غاب فالمرتهن، لتعلق حقه بموجب الجناية، ولسيد أن يعفو على مال، وأن يقتص إن أذن مرتهن، أو أعطاه ما يكون رهنًا، فإن اقتص بدونهما في نفس أو دونها، أو عفى على مال فعليه قيمة الأقل من الجاني والمجني عليه، يجعل رهنًا مكانه.
وإن وطئ مرتهن أمة مرهونة ولا شبهة له، حُدَّ، وَرَقَّ ولده، ولزمه المهر، وإن أذن راهن فلا مهر كالحرة المطاوعة، وكذا لا حد إن ادعى جهل تحريمه، ومثله يجهله، لكونه حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية، وولده حر؛ لأنه من وطء شبهة.
الجزء: 2 - الصفحة: 740
فصل في الضمان
وهو جائز بالإجماع في الجملة 314 لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 315، قال ابن عباس: الزعيم: الكفيل 316. وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الزعيم غارم" 317. رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وهو مشتق من الضم، أو من التضمن، لأن ذمة الضامن تتضمن الحق 318. وشرعًا: التزام من يصح تبرعه ما وجب أو ما سيجب على آخر 319. فلذلك قال: (ويصح ضمان جائز التصرف) وهو الحر المكلف الرشيد (ما) (وجب) (يصح) وجب (أو) ما (سيجب على) شخص (غيره) مع بقائه على
الجزء: 2 - الصفحة: 741
مضمون عنه؛ لحديث: "نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يقضى عنه" 320 (لا الأمانات) كوديعة وعين مؤجرة ومال شركة وعين أو ثمن بيد وكيل في بيع أو شراء فلا يصح ضمانها، لأنها غير مضمونة على صاحب اليد، فكذا على ضامنه (بل) يصح ضمان (التعدي فيها) لأنها مع التعدي مضمونة كالغصب، فعلى هذا لا يصح ضمان الدَّلَّالين فيما يعطونه لبيعه، إلا أن يضمن تعديهم فيه أو هربهم به.
(ولا) يصح ضمان (جزية) بعد وجوبها، ولا قبله من مسلم ولا كافر، لفوات الصغار عن المضمون بدفع الضامن، ولا يصح ضمان دين كتابة، لأنه ليس بلازم ولا مآله إلى اللزوم؛ لأن المكاتب له تعجيز نفسه والامتناع من الأداء.
ويحصل الضمان بلفظ: أنا ضمين، وكفيل، وقَبِيل، وحميل، وزعيم، وبلفظ ضمنت دَينك، أو تحملته، ونحو ذلك، ويصح بإشارة مفهومة من أخرس لقيامها مقام نطقه، لا بكتابة مننردة عن إشارة، ومن لا تفهم إشارته لا يصح ضمانه.
(وشرط) لصحة ضمان (رضى ضامن فقط) لأن الضمان تبرع بالتزام الحق، فاعتبر له الرضى، كالتبرع بالأعيان، ولا يعتبر رضى مضمون عنه، لأن أبا قتادة ضمن الميت في الدينارين 321، وأقره الشارع.
ولصحة قضاء دينه بغير إذنه وأولى ضمانه، ولا رضى من ضُمِنَ له، لأنه وثيقة لا يعتبر لها قبض، فلم يعتبر لها رضى كالشهادة.
ولا يعتبر معرفة مضمون له ومضمون عنه، ولا يعتبر العلم بالحق
الجزء: 2 - الصفحة: 742
لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 322 وهو غير معلوم لأنه يختلف، ولا وجوبه إن آل إلى العلم به وإلى الوجوب.
فيصح: ضمنت لزيد ما على بكر، وإن جهله الضامن، أو ضمنت لزيد ما يداينه بكرٌ 323 وما يقر له به، أو يثبت له عليه، لما تقدم، وله إبطاله قبل وجوبه، لأنه إنما يلزم بالوجوب.
ويصح ضمان دين ضامن فأكثر، فيثبت الحق في ذمة الجميع، فأيهم قضاه برئوا، وإن برئ المدين برئ الكل، وإن أبرأ مضمون له أحدهم برئ ومن بعده لا من قبله.
(ولرب حقٍّ مطالبة من شاء منهما) أي من الضامن والمضمون عنه، لثبوت الحق في ذمتهما، وله مطالبتنهما معًا في الحياة والموت، فأيهما قضاه برئ الكل، كما تقدم، لأن الضمان وثيقة، فإذا برئ الأصيل زالت الوثيقة، كالرهن.
ويصح ضمان عهدة مبيع 324، وألفاظ ضمان العهدة: ضمنت عهدته، أو ثمنه، أو دَرَكَهُ 325، أو يقول لمشتر: ضمنت خلاصك منه، أو
الجزء: 2 - الصفحة: 743
متى خرج المبيع مستحقًّا فقد ضمنت لك الثمن.
ويصح ضمان عين مضمونة كغصب وعارية ومقبوض على وجه سوم.
وإن شرط خيار في ضمان، أو في كفالة فسدا.
ويصح قول جائز التصرف لمثله: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، لصحة ضمان ما لم يجب، فيضمنه القائل.
وإن قال: ألقه وأنا وركبان السفينة ضمناء له، ففعل، ضمن قائل وحده بالحصة.
وإن قال: كل منا ضامن لك متاعك، أو قيمته، لزم قائلًا ضمان الجميع، سواء سمع الباقون فسكتوا، أو قالوا: لا نفعل، أو لم يسمعوا، وإن ضمنه الجميع فالغرم على عددهم، كضمانهم ما عليه من الدين.
ويجب إلقاء متاع إن خيف تلف معصوم بسببه، فإن ألقى بعضهم متاعه في البحر لتخف، لم يرجع به على أحد، وكذا لو قيل له: ألق متاعك، فألقاه.
وإن ألقى متاع غيره بلا إذنه ليخففها، ضمنه، وإن سقط عليه متاع غيره فخشي أن يهلكه، فدفعه، فوقع في البحر، لم يضمنه.
تتمة
:
لو قضى ضامن الدين أو أحال به ولم ينو رجوعًا على مضمون عنه لم يرجع، لأنه متطوع، سواء ضمن بإذنه أو لا، وإن نواه رجع على مضمون عنه، لأنه قضاء يبرئ من دين واجب، فكان من ضمان من هو عليه، كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه، ولو لم يأذن مضمون عنه في ضمان ولا قضاء، لما سبق، ويرجع بالأقل مما قضى أو قدر الدين، وكذا في الرجوع وعدمه كل كفيل وكل مؤد عن غير دينًا واجبًا، فيرجع إن نواه، لا زكاة ونحوها، مما يفتقر إلى نية، ككفارة، لأنها لا تجزئ بغير نية ممن هي عليه.
وإن أنكر مقضي عنه القضاء، وحلف، لم يرجع مدعي القضاء عليه بشيء، إلا ببينة، وإن اعترف مضمون له بالقضاء، وأنكر مضمون عنه، لم
الجزء: 2 - الصفحة: 744
يسمع إنكاره؛ لاعتراف رب الحق بأن الذي له صار للضامن، فوجب قبول قوله.
لأنه إقرار على نفسه.
ويصح ضمان الحال مؤجَّلًا، نصًّا 326، وإن ضمن المؤجل حالًّا لم يلزمه أداؤه قبل أجله، لأنه فرع المضمون فلا يلزمه ما لا يلزمه، وإن عجله ضامن لم يرجع على مضمون عنه حتى يحل، ولا يحل دين مؤجل بموت مضمون عنه ولا بموت ضامن، لأن التأجيل من حقوق الميت، فلم يبطل بموته كسائر حقوقه، ومحله إن وثق الورثة، قاله في "شرح المنتهى" للمصنف 327.
(وتصح الكفالة) مصدر كفل، بمعنى التزم 328. وهي شرعًا: التزام رشيد (ببدن) أي: بإحضار (من عليه حق مالي) من دَين أو عارية ونحو ذلك إلى ربه 329.
والجمهور على جوازها 330، لعموم حديث "الزعيم
الجزء: 2 - الصفحة: 745
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قرر ذلك الرملي في: "نهاية المحتاج" والشربيني في "مغني المحتاج".
قال الشاشي في "حلية العلماء": وتصح كفالة البدن على المنصوص.
وقال في "الدعوى والبينات": الكفالة بالبدن ضعيفة.
فمن أصحابنا من قال: هي صحيحة قولًا واحدًا.
وقوله: ضعيفة.
يعني في القياس.
ومن أصحابنا من قال: فيها قولان.
أظهرهما: أنه نصه، وهو فول عامة الفقهاء.
اهـ
والمنع مذهب داود، وتبعه ابن حزم في "المحلى" حيث قال: ولا يجوز ضمان الوجه أصلًا، لا نب مال ولا في حد، ولا في شيء من الأشياء.
اهـ
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾.
ولأنها كفالة بنفس؛ فأشبهت الكفالة في الحدود.
واحتج الجمهور بعموم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الزعيم غارم" فلم يفرِّق.
وبقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)﴾ [يوسف: 66].
قال القرطبي في "التفسير": هذه الآية أصل في جواز الحمالة بالعين والوثيقة بالنفس.
اهـ
ولأنها وثيقة بالحق كالرهن.
ولأنه سبب يتوصل به إلى ما له على طريق الوثيقة كالوثيقة بالمال.
ولأن مات عليه المال عليه أن يحضر أو يوكل من يحضر، وإذا ثبت أن ذلك عليه صح أن يضمن عنه، ولا يلزم عليه الحدود ولا يقال إن عليه أن يحضر ويقتل أو يحد.
وقد جاءت الآثار عن السلف بصحتها.
بل قال الجوهري في "نوادر الفقهاء" (ص 282): وأجمع الصحابة ومن بعدهم على إجازة الكفالة بالنفس -وإن لم يكن معه مال- إنما الاختلاف بعدهم.
اهـ
والراجح قول الجمهور، لوضوح أدلته وقوتها.
قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّه.
.﴾ الحمالة في الحدود ونحوها -بمعنى إحضار المضمون فقط- جائزة مع التراضي، غير لازم إذا أبي الفالب، وإنما الحمالة في مثل هذا على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة، ولا يجوز إجماعًا.
اهـ
فهذا واضح لنقض استدلالهم بالآية والتعليل.
ينظر: "بداية المبتدي" (ص 145) و"متن القدوري" (ص 70) و"الاختيار" (2/ 116) و"نوادر الفقهاء" (ص 282 - 283) و"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (2/ 602) و"المعونة" له (2/ 123) و"الكافي" لابن عبد البر (2/ 129): "بداية المجتهد" (2/ 379) و"الجامع =
الجزء: 2 - الصفحة: 746
غارم" 331 ولدعاء الحاجة إلى الاستيثاق بضمان المال والبدن، وكثير من الناس يمتنع من ضمان المال فلو لم تجز الكفالة لأدى إلى الحرج، وتعطل المعاملات المحتاج إليها.
وتنعقد بما ينعقد به ضمان، لأنها نوع منه، وإن ضمن معرفته أخذ به ضامن المعرفة، نصًّا 332، كأنه قال: ضمنت لك حضوره متى أردت، لأنك لا تعرفه، فإن عجز عن إحضاره مع حياته لزمه ما عليه لمن ضمن معرفته له، ولا يكفي أن يُعَرِّفَهُ باسمه أو مكانه.
(و) تصح الكفالة (بـ) بدن (كل) من عنده (عين يصح ضمانها) كعارية وغصب، ولا تصح ببدن من عليه حد للَّه كحد زنا، أو لآدمي كحد قذف، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا كفالة في حد" 333، ولأنه لا يمكن استيفاؤه من غير الجاني ولا من عليه قصاص، لأنه بمنزلة الحد، ولا بزوجة لزوجها في حق الزوجية له عليها، ولا بشاهد، لأن الحق عليهما لا يمكن استيفاؤه من الكفيل، ولا بمكاتب لدين كتابة، لأن الحضور لا يلزمه، إذ له تعجيز نفسه، ولا إلى أجل مجهول أو بشخص مجهول، ولو في ضمان، بأن قال: ضمنته إلى نزول المطر ونحوه، أو ضمنت = لأحكام القرآن" (9/ 225) و"الأم - مع المزني" (3/ 235) و"حلية العلماء" للشاشي (5/ 67، 68) و"مغني المحتاج" (2/ 203) و"نهاية المحتاج مع حواشيه" (4/ 445) و"حاشية عميرة" (2/ 327) و"حاشية الشرواني على التحفة" (6/ 642) و"المغني" (7/ 96، 97) و"التوضيح" (2/ 669) و"بلغة الراغب" (ص 220).
الجزء: 2 - الصفحة: 747
أحد هذين، فلا يصح الضمان للجهالة، ولو قال: كفلت لك هذا المدين على أن تبرئني من الكفالة بفلان، أو ضمنت لك هذا الدين بشرط أن تبرئني من ضمان الدين الآخر، لم يصح، لأنه شرط فسخ عقد في عقد، كالبيع بشرط فسخ بيع آخر.
(وشرط) لصحة كفالة (رضى كفيل فقط) فلا يشترط رضى مكفول به، ولا مكفول له، كضمان.
ومتى سلم كفيل مكفولًا به للمكفول له بمحل عقد، وقد حل الأجل إن كانت الكفالة مؤجلة، برئ الكفيل، لأن الكفالة عقد على عمل، فبرئ منه بعمله كالإجارة، وسواء كان عليه فيه ضرر أو لا، فإن سلمه في غير محل العقد، أو غير موضع شرطه لم يبرأ، لأن رب الحق قد لا يقدر على إثبات الحجة فيه، لنحو غيبة شهوده (فإن مات) المكفول (أو تلفت العين) المضمونة، التي تكفل ببدن من هي عنده (بفعل اللَّه تعالى، قبل طلب) أو سلم مكفول نفسه، أو سلمه كفيل قبل حلول الأجل، ولا ضرر على مكفول له في قبضه (برئ) كفيل.
وعلم منه أنه لا يبرأ بتلفها بعد طلبه بها، ولا بتلفها بفعل آدمي، ولا بغصبها، ولا يبرأ بموت كفيل إن مات هو، ولا بموت مكفول له.
ومن كفله اثنان فسلمه أحدهما لم يبرأ الآخر، وإن سلم نفسه برئا، إن كفل الكفيل آخر، والآخر آخر، برئ كل ببراءة من قبله، لا عكسه، كضمان.
(وتجوز الحوالة) في الجملة إجماعًا 334. وهي مشتقة من التحول، لأنها تحول الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال
الجزء: 2 - الصفحة: 748
عليه 335. وهي ثابتة بالسنة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "مطل الغني ظلم، ومن أحيل على غني فلْيَتْبَعْ" 336. متفق عليه.
وفي لفظ: "ومن أحيل بحقه على مليء فليحتل"، وهي عقد إرفاق، ولا خيار فيها.
والحوالة شرعًا: انتقال مال من ذمة إلى ذمة 337. وتصح بلفظها، كأحلتك، أو بمعناها الخاص بها كأتبعتك بدينك على زيد ونحوه، ولا تصح إلا (على دين مستقر) نصًّا 338، كبدل قرض، وثمن مبيع بعد لزوم بيع، لأن غير المستقر عرضة للسقوط، فلا تصح على مال سلم، ولا على رأس ماله، ولا على صداق قبل دخول أو مال كتابة، ولا بجزية على مسلم أو ذمي؛ لفوات الصَّغار عن المحيل، ولا أن يحيل ولد على أبيه؛ لأنه لا يملك طلب أبيه.
وإنما تصح الحوالة (إن اتفق الدينان جنسًا) فلا تصح بدنانير على دراهم (ووقتًا) فلا يصح بحالٍّ على مؤجل، ولا مع اختلاف أجل (ووصفًا) فلا يصح بصحاح على مكسَّره، (وقدرًا) أي: معرفة قدر المال المحال به وعليه، لاعتبار التسليم، والجهالة تمنع منه.
(وتصح) الحوالة (بخمسة) على خمسة (من عشرة، وعكسه) فتصح بخمسة من عشرة على خمسة؛ للموافقة، ولا تصح بعشرة على خمسة، ولا عكسه، للتخالف.
الجزء: 2 - الصفحة: 749
ويعتبر لصحة الحوالة رضى محيل؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين الذي على المحال عليه (ويعتبر) أيضًا (رضى محتال 339 على غير مليء) وأما على المليء 340 فلا يعتبر رضاه، ويجبر على اتباعه، نصًّا 341، لظاهر الخبر 342، ولأن للمحيل وفاء ما عليه من الحق بنفسه وبمن يقوم مقامه، وقد أقام المحال عليه مقام نفسه في التقبيض، فلزم المحتال القبول، ولو كان المليئ المحال عليه ميتًا.
ويبرأ محيل بمجردها، ولو أفلس محال عليه بعدها، أو جحد الدين وعلمه المحتال، أو صدق المحيل، أو ثبت ببينة فماتت، أو مات محال عليه وخلف تركة، أو لا، إذ الحوالة بمنزلة الإيفاء، والمليء الذي يجبر محتال على إتباعه، هو القادر بماله وقوله وبدنه، بأن يجد مالًا يوفي به، وأن لا يكون مماطلًا، وأن يمكن حضوره مجلس الحكم.
وإن ظنه مليئًا، أو جهله، ولم يشترط الملاءة، فبان مفلسًا، لم يرجع؛ لتفريطه بترك اشتراطها، فإن اشترطها فبان المحال عليه معسرًا رجع على محيل بدينه؛ لأن الفلس عيب، ولم يرض به، أشبه المبيع إذا بان معيبًا.
ومتى صحت الحوالة فرضي المحتال، والمحال عليه بخير منه، أو دونه في الصفة أو القدر، أو بتعجيله أو بتأجيله، أو عوضه، جاز ذلك، لأن الحق لهما، لكن إن جرى بين العوضين ربا نسيئة اشترط القبض بمجلس التعويض.
وإذا بطل بيع وقد أحيل بائع بالثمن، أو أحال مدينًا له على المشتري بالثمن، بطلت الحوالة، ولا تبطل إن فسخ البيع بعد أن أحيل بائع، أو
الجزء: 2 - الصفحة: 750
أحال بالثمن، على أي وجه كان الفسخ، لأن البيع لم يرتفع من أصله فلم يسقط الثمن، ولمشتر الرجوع على بائع فيهما، وكذا نكاح فسخ، وقد أحيلت الزوجة بالمهر، وإجارة فسخت، وقد أحيل مؤجر أو أحال بأجرة، ولبائع أن يحيل المشتري على من أحاله عليه في الأولى، ولمشتر أن يحيل محالًا عليه من قبل بائع على بائع في الثانية.
ومن طالب مدينه فقال: أحلت عليَّ فلانًا الغائب، وأنكره الدائن، فقوله، ويعمل بالبينة إن كانت.
الجزء: 2 - الصفحة: 751
فصل في الصلح وأحكام الجوار
والصلح لغة: التوفيق والسَّلْم 343 -بفتح السين وكسرها- وهو ثابت بالإجماع 344، لقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ 345، وحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا" 346. رواه أبو داود، وغيره.
والصلح خمسة أنواع:
أحدها: يكون بين مسلمين وأهل حرب.
والثاني: بين أهل عدل وبغي.
والثالث: بين زوجين خيف شقاق بينهما، أو خافت إعراضه.
والرابع: بين متخاصمين في غير مال.
والخامس: بين متخاصمين فيه، وهو المذكور بقوله: (والصلح في الأموال قسمان: أحدهما) صلح (على الإقرار) والثاني: صلح على الإنكار.
(وهو) أي الصلح على الإقرار (نوعان: ) أحدهما (الصلح على جنس الحق، مثل أن يُقر) جائز التصرف (له) أي لمن يصح تبرعه (بدين) معلوم (أو) يقر
الجزء: 2 - الصفحة: 752
له بـ (عين) بيده (فيضع) المقر له عن المقر بعض الدين (أو يهبَ له البعض) من العين المقر بها (ويأخذ) المقر له (الباقي) من الدين أو العين، (فيصح) ذلك (ممن يصح تبرعه) لأن جائز التصرف لا يمنع من إسقاط بعض حقه أو هبته، كما لا يمنع من استيفائه.
وقد كلم -صلى اللَّه عليه وسلم- غرماء جابر ليعفوا عنه 347 (بغير لفظ صُلْح) فلا يصح بلفظ صلح، لأنه هضم للحق (بلا شرط) أو بشرط أن يعطيه الباقي، وإن لم يذكر لفظ الشرط، كعلى أن تعطيني كذا منه، أو تعوضني منه كذا، لأنه يقتضي المعاوضة، فكأنه عاوض عن بعض حقه ببعض، أو يمنعه حقه بدون إعطائه منه، فلا يصح، لأنه أكل مال الغير بالباطل.
ولا يصح عن دين مؤجل، ببعضه حالًّا، إلا في مال كتابة.
ولا يصح صلح عن حق، كدية خطأ، أو قيمة متلف غير مثلي، بأكثر من حقه المصالح عنه من جنسه، لأن الدية والقيمة ثبتت في الذمة بقدره، فالزائد لا مقابل له، فيكون حرامًا، لأنه من أكل المال بالباطل.
ويصح الصلح عن متلف مثلي، كبُرٍّ، بأكثر من قيمته من أحد النقدين، ويصح عن حق كدية خطأ، وقيمة متلف، بعرض قيمته أكثر من الدية، أو قيمة المتلف المثلي، لأنه لا ربا بين العوض والمعوَّض عنه.
ومن قال لغريمه: أقر لي بديني وأعطيك، أو وخذ منه مائة.
ففعل لزمه ما أقر به، ولم يصح الصلح.
النوع (الثاني) من قسمي الصلح على إقرار، أن يصالح (على غير جنسه) بأن أقر له بدين، أو عين، ثم صالحه عنه بغير جنسه، فهو معاوضة.
الجزء: 2 - الصفحة: 753
ويصح بلفظ الصلح كسائر المعاوضات، بخلاف ما قبله؛ لأن المعاوضة عن الشيء ببعضه حرام (فإن كان) الصلح (بأثمان عن أثمان) بأن أقر له بدينار فصالحه عنه بعشرة دراهم (فـ) ــهو (صرف) يعتبر فيه التقابض قبل التفرق (و) إن كان (بعرض عن نقد) كأن أقر له بدينار وصالحه عنه بثوب ونحوه (وعكسه) بأن أقر له بثوب مثلًا فصالحه عنه بدينار (فـ) الصلح في ذلك (بيع) يشترط له شروطه، كالعلم به، والقدرة على التسليم، والتقابض بالمجلس إن جرى بينهما ربا.
والصلح عن نقد أو عرض مقرّ به بمنفعة، كسكنى دار، وخدمة قن معينين، إجارة، فيعتبر له شروطها، وتبطل بتلف الدار، وموت القَنِّ، كباقي الإجارات.
ولو صالح الورثة من وُصيَّ له بخدمة رقيق، أو سكنى دار معينة، أو بحمل أمة معينة بدراهم مسماة؛ جاز لأنه إسقاط حق فيصح في المجهول للحاجة.
ومن صالح عن عيب في مبيعه بشيء صح، وليس من الأرش في شيء، ويرجع به إن بان عدم العيب، أو زال سريعًا بلا كلفة، ولا تعطيل نفع على مشتر.
ويصح الصلح عما تعذر علمه من دَين، كمن بينهما معاملة وحساب مضى عليه زمن طويل، أو تعذر علمه من عين، كقفيز حنطة وقفيز شعير اختلطا وطحنا، بمال معلوم نقد ونسيئة، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لرجلين اختصما في مواريث دَرَسَتْ بينهما: "استهما، وتوخيا الحق، وليحلل أحدكما صاحبه" 348. رواه أحمد وأبو داود، ولأنه إسقاط حق فصح في المجهول
الجزء: 2 - الصفحة: 754
للحاجة، وسواء كان الجهل من الجهتين، أو ممن هو عليه، فإن وقع الصلح بمجهول لم يصح، لأن تسليمه واجب والجهل به يمنعه، فإن لم يتعذر علم المجهول كتركة باقية، صالح الورثة الزوجة على حصتها منها مع الجهل بها، كالبراءة من المجهول، جزم به في "التنقيح" 349 وقدمه في "الفروع" 350، قال في "التلخيص" 351: وقد نزل أصحابنا الصلح عن المجهول المقر به بمعلوم منزلة الإبراء من المجهول، فيصح على المشهور، لقطع النزاع، وظاهر كلامه في "الإنصاف" 352 أن الصحيح المنع؛ لعدم الحاجة إليه، ولأن الأعيان لا تقبل الإبراء، وقطع به في "الإقناع" 353، قال في "الفروع" 354: وهو ظاهر نصوصه.
(القسم الثاني) من قسمي الصلح في المال، الصلح (على الإنكار: بأن يدَّعي عليه) أي: بأن يدعي شخص على آخر عينًا أو دَينًا (فينكر أو يسكت) وهو يجهل المدّعى به (ثم يصالحه) على نقد أو نسيئة (فيصح) الصلح للخبر 355، (ويكون) الصلح على الإنكار (إبراءً في حقه) أي المدعى عليه، لأنه بذل العوض لدفع الخصومة عن نفسه، لا في مقابلة حق ثبت عليه، فلا شفعة فيه إن كان شقصًا من عقار، ولا يستحق لعيب وجده في مصالح عنه شيئًا، لأنه لم يبذل العوض في مقابلته، لاعتقاده أنه ملكه قبل الصلح، فلا معاوضة.
الجزء: 2 - الصفحة: 755
(و) يكون الصلح (بيعًا في حق مدَّع) فله رد المصالح به عما ادعاه بعيب يجده، لأنه أخذه على أنه عوض ما ادعاه، وتثبت في مشفوع الشفعة، لأنه أخذه عوضًا عما ادعاه، كما لو اشتراه به.
(ومن علم كَذِبَ نفسه) من مدع ومدعى عليه (فالصلح باطل في حقه) أما المدعي؛ فلأن الصلح مبني على دعواه الباطلة، وأما المدعى عليه فلأنه مبني على جحده حق المدعي، ليأكل حقه بالباطل، وما آخذه مدع عالم كذب نفسه مما صولح به، أو أخذه مدعى عليه مما انتقصه من الحق بجحده، فهو حرام، لأنه أكل مال الغير بالباطل، وإن صالح المنكر بشيء، ثم أقام مدع بينة أن المنكر أقر قبل الصلح بالملك، لم تسمع، ولو شهدت بأصل الملك، لم ينقض الصلح.
ومن قال لآخر: صالحني عن الملك الذي تدعيه، لم يكن مقرًّا به، لاحتمال إرادة صيانة نفسه عن التبذل، أو حضور مجلس الحكم بذلك.
وإن صالح أجنبي عن منكر لدَين بإذنه أو بدونه، صح؛ لجواز قضائه عن غيره بإذنه وبغير إذنه، لفعل علي وأبي قتادة -رضي اللَّه عنهما- وأقرهما عليه -صلى اللَّه عليه وسلم- 356، أو صالح عن منكر لعين بإذنه، أو بدونه، صح، ولو لم يقل: إنه وكله؛ لأنه افتداء للمنكر من الخصومة، وإبراء له من الدعوي، ولا يرجع بشيء مما صالح به عن المنكر إن دفع بدون إذنه في الصلح أو الدفع، لأنه أدى عنه ما لا يلزمه، فكان متبرعًا، كما لو تصدق عنه، فإن أذن له في الصلح، أو في الأداء عنه، رجع عليه إن نواه.
الجزء: 2 - الصفحة: 756
تتمة
:
يصح الصلح عما ليس بمال مع إقرار ومع إنكار، كعن قَوَدٍ في نفس ودونها، وعن سكنى دار ونحوها، وعن عيب في عوض أو معوض، وإن لم يجز بيع ذلك؛ لأنه لقطع الخصومة، فيصح عن قود بفوق دية ولو بلغ ديات؛ لما روي أن الحسن والحسين وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات، فأبى أن يقبلها، ولأن المال غير متعين، فلم يقع العوض في مقابلته.
ويحرم أن يجري شخص في أرض غيره أو في سطحه ماء، ولو تضرر بتركه، بلا إذنه، ويصح صلحه عن ذلك بعوض، ويعتبر لصحة ذلك علم قدر الماء الذي يجريه، لاختلاف ضرره بكثرته وقلته بساقية، وعلم قدر ماء مطر برؤية ما يزول عنه من سطح أو أرض أو بمساحته، وتقدير ما يجري فيه الماء، ولا يعتبر علم قدر عمقه، لأنه إذا ملك عين الأرض أو نفعها كان له إلى التخوم 357 فله النزول فيه ما شاء.
وفي "الإقناع" 358 يعتبر إن وقع إجارة.
ولا يعتبر علم مدة الإجراء للحاجة، وإن صالحه على سقي أرضه من نهره أو من عينه أو بئره العين مدة، ولو كانت معينة، لم يصح الصلح لعدم ملك الماء، وإن صالحه على ثلث النهر أو العين ونحوه صح، والماء تبع للقرار.
ويصح شراء مَمَرٍّ في دار ونحوها من مالك، وشراء موضع بحائط يفتح بابًا، وشراء بقعة تحفر بئرًا، وعلو بيت ولو لم يبن، إذا وَصَفَ 359، ليبني عليه، أو ليضع عليه بنيانًا، أو خشبًا موصوفين، وإذا زال ما على العلو فله إعادته، وله الصلح على عدمها، كما له الصلح على زواله، وله فعل ما تقدم من المر وفتح الباب وحفر البقعة بئرًا ووضع البناء والخشب على علو غيره صلحًا أبدًا، أو إجارة مدة معينة، وإذا مضت بقي.
ولمالك العلو أجرة المثل، ولا يطالب بإزالة بنائه وخشبه، لأنه العرف فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 757
فصل في حكم الجوار
بكسر الجيم مصدر جاور، وأصله الملازمة، ومنه قيل للمعتكف مجاور، لملازمة الجار جاره في المسكن 360. وفي الحديث: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" 361.
(وإذا حصل في أرضه) أي: الإنسان التي يملكها، أو بعضها، أو يملك نفعها، أو بعضه (أو) على (جداره أو) في (هوائه غصن شجرة غيره) أو عِرْقُهِ (أو غرفته، لزم) رب الغصن أو العرق 362 (إزالته) برده إلى ناحية أخرى، أو قطعه، سواء أثر ضررًا، أو لا، ليخلي ملكه الواجب إخلاؤه، والهواء تابع للقرار (وضمن) رب غصن أو [عِرْق] 363 (ما تلف به، بعد طلب) بإزالته، لصيرورته متعديًا بإبقائه (فإن أبي) رب غصن [أو عرق] 364 إزالتهما (لم يجبر في الغصن) لأن حصوله في هوائه ليس من فعله (ولواه) ناحيةً، إن أمكن ذلك بلا قطع (فإن لم يمكن) إزالتـ (ــه) إلا بقطعه (فله قطعه) أي الغصن (بلا حكم) حاكم ولا غرم؛ لأنه لا يلزمه إقرار مال غيره في ملكه بلا رضاه.
ولا يصح صلح رب الغصن عن ذلك، ولا صلح مَنْ
الجزء: 2 - الصفحة: 758
مال حائطه، أو زلق خشبُه إلى ملك غيره عن ذلك؛ بعوض، لأن شغله لملك الآخر لا ينضبط، فإن اتفقا على أن الثمرة له أو بينهما جاز، لأنه أصلح من القطع، ولم يلزم الصلح، لأنه يؤدي إلى ضرر رب الشجر، لتأبيد استحقاق الثمرة عليه، أو مالك الهواء، لتأبيد بقاء الغصن في ملكه، فلكل منهما فسخه، فإن مضت مدة ثم امتنع رب الشجر عن دفع ما صالح به من الثمرة، فعليه أجرة المثل.
(ويجوز فتح باب لاستطراقٍ في دربٍ نافذ) لأنه ارتفاق بما لا يتعين له مالك، ولا إضرار فيه على المارين (لا إخراج جناح) وهو الرَّوْشَن 365، على أطراف خشب أو حجر مد فوقه في الحائط (وساباط) وهو المستوفي للطريق على جدارين 366 (وميزاب) فيحرم إخراجها بنافذ (إلا بإذن إمام) أو نائبه، لأنه نائب المسلمين، فإذنه كإذنهم، ولحديث أحمد: أن عمر اجتاز على دار العباس، وقد نصب ميزابًا إلى الطريق، فقلعه، فقال: تقلعه وقد نصبه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيده، فقال: واللَّه لا تنصبه إلا على ظهري، فانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه 367. ولجريان العادة به (مع أمن الضرر) بأن يمكن عبور محمل من تحته، وإلا لم يجز وضعه، ولا إذنه فيه، فإن كان الطريق منخفضًا وقت وضعه، ثم ارتفع لطول الزمن، فحصل به ضرر؛ وجبت
الجزء: 2 - الصفحة: 759
إزالته، ذكره الشيخ تقي الدين (1) (وفعل ذلك) أي: إخراج جناح، وساباط، وميزاب (في ملك جار، و) في (درب مشترك؛ حرام، بلا إذن مستحق) لأن الدرب ملكهم، فلم يجز التصرف فيه إلا بإذنهم.
ويجوز فتح باب في ظهر دار في درب غير نافذ بلا إذن أهله لغير استطراق، كَإضْوَءٍ وهواءٍ؛ لأن الحق لأهله في الاستطراق ولم يزاحمهم فيه، ولأن غايته التصرف في ملك نفسه برفع بعض حائطه، ويجوز نقل باب في درب غير نافذ من أوله إلى آخره، لتركه بعض حقه في الاستطراق، فلم يمنع منه، بلا ضرر، فإن كان فيه ضرر منع منه، كأن فتحه في مقابلة باب غيره ونحوه، ولا يجوز نقل الباب إلى داخل (2) إن لم يأذن من فوقه، فإن أذن جاز، ويكون إعارة لازمة، فلا رجوع للآذن، كإذنه في نحو بناء على جداره.
تتمة
: يحرم أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، كحمام يتأذى جاره بدخانه، أو يتضرر حائطه بمائه، ومثله مطبخ، وككنيف 370 يتأذى بريحه، أو يصل إلى368369
الجزء: 2 - الصفحة: 760
بئره، ورَحى يهتز بها حيطانه، وتَنُّورٍ يتعدى دخانه إليه، ودكانِ حِدَادةِ ونحوه، يتأذى بدقه ويهز الحيطان، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" 371 وهذا إضرار بجاره، وله منعه من ذلك، كما له منعه من ابتداء إحياء ما بجواره لتعلق مصالحه به، وله تعلية داره، ولو أفضى إلى سد الفضاء عن جاره، قاله الشيخ تقي الدين 372، وإن ادعى فساد بئره بكنيف جاره، أو بالوعته 373، اختبر بالنفط 374 يلقى فيهما، فإن ظهر طعمه أو ريحه بالماء
الجزء: 2 - الصفحة: 761
حولتا، إن لم يمكن إصلاحهما.
ومن له حق ماء يجري على سطح جاره، لم يجز لجاره تعلية سطحه، ليمنع الماء أن يجري على سطحه؛ لما فيه من إبطال حق جاره.
ويحرم تصرف في جدار جار، أو جدار مشترك بينه وبين غيره بفتح رَوْزَنَةٍ، وهي الكُوَّة -بفتح الكاف وضمها أي الخرق في الحائط- 375 أو بفتح طاق، أو بضرب وقد ونحوه، إلا بإذن مالكه أو شريكه (وكذا) يحرم (وضع خشب) على جدار جار، أو مشترك (إلا أن لا يمكن تسقيف إلا به ولا ضرر فـ) يجوز نصًّا 376، و (يجبر) رب الجدار أو الشريك فيه على تمكينه منه إن أبي، لحديث أبي هريرة: "لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبة على جداره"، ثم يقول أبو هريرة مرفوعًا: مالي أراكم عنها معرضين، واللَّه لأرمين بها بين أكتافكم 377. متفق عليه.
ولأنه انتفاع بحائط جاره على وجه لا يضره أشبه الاستناد إليه، ولم يجز لرب الحائط أخذ عوض عنه إذنْ، لأنه يأخذ عوض ما يجب عليه بذله.
(و) جدار (مسجد كـ) جدار (دار) نصًّا 378، لأنه إذا جاز في ملك اللآدمي مع شحه وضيقه، فحق اللَّه أولى، والفرق بين فتح الباب والطاق وبين وضع الخشب، أن الخشب يمسك الحائط، والباب والطاق يُضَعِّفُه، ووضع الخشب تدعو الحاجة إليه، بخلاف غيره.
= وهو سريع الاشتعال، وأكثر ما يستعمل في الوقود.
اهـ ينظر: "تاج العروس" (25/ 147، 148) و"المصباح المنير" (2/ 849) و"المعجم الوسيط" (2/ 941).
الجزء: 2 - الصفحة: 762
وإن خيف سقوط الحائط باستمراره عليه لزمه إزالته، ومن وجد بناءه أو خشبه على حائط جاره، أو مشترك، ولم يعلم سببه، وزال، فله إعادته، لأن الظاهر وضعه بحق، وكذا سيل 379 مائه في أرض غيره، أو مجرى ماء سطحه على سطح غيره ونحوه، وإذا اختلفا في أنه بحق أو باطل، فقول صاحبه بيمينه، عملًا بالظاهر.
وله أن يستند ويسند قماشه إلى حائط غيره، ويجلس في ظله بلا إذنه، لمشقة التحرز منه وعدم الضرر.
ويجوز نظره في ضوء سراج غيره بلا إذنه، نصًّا 380، لما تقدم (وإن طَلَب شريك في حائط أو سقف انهدم) مشاعًا بينه وبين غيره أو بين سفل أحدهما وعلوِّ الآخر (شريكه) فيه (للبناء مَعه، أجبر) على البناء معه، نصًّا 381، (ح) ما يجبر على (نقضـ) ــه معه (خوف سقوط) الحائط أو السقف، دفعًا لضرره، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" 382. (وإن بناه) شريك بإذن شريكه، أو بإذن حاكم، أو بدون إذنهما (بنية الرجوع) على شريكه، وبناه شركة (رجع) عليه، لأنه قام عنه بواجب (وكذا) إن احتيج لعمارة (نهر ونحوه) كبئر، ودولاب 383، وناعورة 384، وقناة 385 مشتركة بين اثنين فأكثر، فيجبر الشريك على العمارة إن امتنع، فإن عمرها أحدهم فالماء بينهم على الشركة، ويرجع عليهم بما أنفق كالحائط.
وإن عجز قوم عن عمارة نهرهم أو قناتهم، فأعطوها لمن يعمرها،
الجزء: 2 - الصفحة: 763
ويكون له منها جزء معلوم؛ صح، ومن له علو من طبقتين، والسفلى لآخر، أو له طبقة ثالثة، وما تحتها لغيره؛ فانهدم السفل في الأولى، أو السفل أو الوسط أو هما في الثانية، لم يشارك رب العلو في بناء ما انهدم تحته، لأن الحيطان إنما تبنى لمنع النظر 386، وهذا يختص به من تحته، دون رب العلو، وأجبر علي بنائه مالكه ليتمكن رب العلو من انتفاعه به، ويلزم الأعلى جعل سترة تمنع مشارفة الأسفل، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" 387. إذ الإشراف على الجار إضرار به، فإن استويا فلم يكن أحد الجارين أعلى من الآخر، اشتركا في السترة، فإن امتنع أحدهما من ذلك أجبر، لأنه حق عليه، فأجبر عليه كسائر الحقوق.
وليس له الصعود على سطحه قبل بناء سترة حيث كان يشرف على جاره، ولا يلزمه سد طاقه إذا لم يشرف منه على جاره.
ولا يجبر ممتنع من بناء حائط بين ملكيهما، ويبني الطالب في ملكه إن شاء.
ومن هدم بناء له فيه شركة خيف سقوطه، فلا شيء عليه، وإلا يخف لزمته إعادته كما كان، لتعديه بهدمه على حصة شريكه.
الجزء: 2 - الصفحة: 764
فصل في الحجر على المفلس وغيره
وهو بفتح الحاء وكسرها، وهو لغة: التضييق والمنع، وسمي العقل حِجْرًا، لأنه يمنع صاحبه من تعاطي ما يقبح وتضر عاقبته 388. وشرعًا: منع مالك من تصرفه في ماله 389. سواء كان المنع من قبل الشرع، كالصغير والمجنون والسفيه، أو الحاكم، كمنعه المشتري من التصرف في ماله حتى يقضي الثمن الحالَّ.
(و) الحجر لفَلس: منعُ حاكم (مَنْ) عليه دين و (ماله لا يفي بما عليه) من الدين (حالًّا) منصوب على الحال و (يجب الحجر عليه) أي: المفلس (طلب بعض غرمائه) فيلزم الحاكم إجابتهم إلى ذلك، وحجر عليه، لحديث كعب بن مالك: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حجر على معاذ، وباع ماله 390. رواه
الجزء: 2 - الصفحة: 765
الخلال.
فإن لم يسأله أحد منهم لم يُجْجَرْ عليه، ولو سأله المفلس.
(و) يـ (سن إظهاره) أي الحجر على السفيه، والمفلس، ليعلم الناس حالهما، فلا يعاملان إلا على بصيرة، ويسن الإشهاد على الحجر، ليثبت عند من يقوم مقام الحاكم لو زال فيمضيه، ولا يحتَاجُ إلى ابتداءِ حجرٍ ثانٍ، ويتعلق بالحجر على المفلس أحكام: (فلا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر) عليه، لتعلق حق غرمائه بماله الموجود والحادث بنحو إرث، لأنه يباع في ديونهم، فتعلقت حقوقهم به كالرهن (ولا) يصح (إقراره عليه) أي على ماله، ولو كان صانعًا كقصَّار وحائك، فأقر بما في يده من المتاع لأربابه، فلا يقبل، ويباع حيث لا بينة، ويقسم ثمنه بين الغرماء (بل) يصح إقراره (في ذمته فيطالب) به (بعد فك حجر) هـ، وإن لزمه كفارة كفَّر بصوم لئلا يضر بغرمائه، وإن تصرف في ذمته بشراء أو إقرار أو إصداق أو ضمان صح، لأنه أهل للتصرف، والحجر يتعلق بماله، لا بذمته، ويتبع به بعد فك حجره.
وإن جنى محجور عليه جناية توجب مالًا أو قصاصًا شارك مجني عليه الغرماء، لثبوت حقه على الجاني بغير اختيار المجني عليه.
(و) الثاني أن (من سلمه) أي: المفلس (عين مال) ببيع أو قرض أو رأس مال سلم (جاهل الحجر) فهو أحق بها، فيـ (أخذها إن كانت) باقية (بحالها و) كان (عوضها) أي العين (كله باق) في ذمته (ولم يتعلق بها حق للغير) كرهن، وجناية، وحق شفعة، فإذ تعلق بها حق للغير، أو تلف = يوسف، فرواه عن معمر موصولًا قال: عن ابن كعب عن أبيه، ورواه ابن المبارك، عن معمر، فأرسله.
اهـ ونقل في "التلخيص الحبير" (3/ 44) عن عبد الحق: المرسل أصح من المتصل.
وعن ابن الطلاع: هو حديث ثابت.
اهـ وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح" (كما في الإرواء 5/ 262): المشهور في الحديث الإرسال.
اهـ وقد صححه الحاكم في "المستدرك" (2/ 58) و (3/ 270) وأقره الذهبي.
الجزء: 2 - الصفحة: 766
بعضها، أو بيع، أو وُقِفَ، ونحوه، أو مات مفلس؛ فلا رجوع، لحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أيما رجل باع متاعه، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحق به، وإن مات المشتري، فصاحب المتاع أسوة الغرماء" 391. رواه مالك، وأبو داود مرسلًا، ورواه أبو داود مسندًا، وقال: حديث مالك أصح.
ولأن الملك انتقل عن المفلس إلى الورثة، أشبه ما لو باعه، وكذا إن زادت السلعة زيادة متصلة، كسمنٍ، وتعلم صنعة، وتجدد حملٍ في بهيمة، فإن زادت كذلك فلا رجوع، لأن الزيادة للمفلس، لحدوثها في ملكه، فلم يستحق رب العين أخذها منه، كالحاصلة بفعله (ويبيع حاكم ماله) أي المفلس وجوبًا، بثمن مثله المستقر في وقته، أو أكثر إن حصل راغب (ويقسمه) أي الثمن (على غرمائه) فورًا لأن هذا جُل المقصود من الحجر عليه، وتأخيره مطل، وظلم للغرماء.
وسن إحضار المفلس عند بيع ماله، ليضبط الثمن، ولأنه أعرف بالجيد من متاعه، فيتكلم عليه، ولأنه أطيب لنفسه، ووكيله كهو، ويحضر معه غرماؤه، لأنه أطيب لقلوبهم، وأبعد للتهمة، وربما وجد أحدهم عين ماله، أو رغب في شيء فزاد في ثمنه.
وسن بيع كل شيء في سوق، وأن يبدأ بأقله بقاء كبطيخ، وأكثره كلفة كحيوان، ويجب أن يترك لمفلس ما يحتاجه من مسكن وخادم صالح لمثله، ما
الجزء: 2 - الصفحة: 767
لم يكونا عين مال غريم، فله أخذهما، للخبر 392، ويشترى له بدلهما، أو يترك له من ماله بدلهما، دفعًا للحاجة، ويبدل أعلى من مسكن وخادم وثوب ونحوه بصالح لمثله، لأنه الأحظُّ للمفلس والغرماء، ويجب أن يترك له من ماله ما يتجر به إن كان تاجرًا، ويترك له آلة محترف إن كان ذا صنعة، ويجب له ولعياله أدنى نفقة مثلهم، من مأكل ومشرب وكسوة وتجهيز من مات منهم من ماله حتى يقسم، وأجرة مناد ونحوه من المال.
ويبدأ في قسم ماله بمن جنى عليه قِنُّ المفلس، لتعلق حقه بعين الجاني، فيعطى الأقل من ثمنه أو الأرش.
ثم بمن عنده رهن لازم من الغرماء، فيخص بثمنه إن كان بقدر دينه أو أقل، لأن حقه متعلق بعين الهـ هن، فإن بقي له دين حَاصَصَ الغرماء، وإن فضل شيئء من الرهن رُدَّ على المال.
ثم بمن له عين مال، فيأخذها، بشرطه المتقدم 393، أو كان استأجر عينًا من مفلس قبل حجر عليه، فيأخذها، لاستيفاء نفعها مدة إجارته، لتعلق حقه بالعين والمنفعة، وهي مملوكة له في تلك المدة فإن اتفق الغرماء مع المفلس على بيعها بيعت، والإجارة بحالها، وإن بطلت الإجارة في أثناء المدة لنحو موتِ العبدِ المؤجر، أو انهدم الدار، ضرب له بما بقي له من أجرة عجَّلها، ثم يقسم الباقي على قدر ديون من بقي.
ولا يلزمهم بيان أن لا غريم سواهم، ثم إن ظهر رب دَين حال رجع على كل غريم بقسطه، لأنه لو كان حاضرًا لقاسمهم، كغريم الميت يظهر بعد قسم ماله، ولم تنقض القسمة، لأنهم لم يأخذوا زائدًا عن حقهم، وإنما تبين مزاحمتهم فيما قبضوه من حقهم.
ويلزم الحاكم إجبار مفلس محترف على الكسب، أو إيجار نفسه فيما يليق به من صنائعه، ليوفي بقية دينه، بعد قسمة ما وجد من ماله.
الجزء: 2 - الصفحة: 768
ولا تجبر امرأة مفلسة على نكاح، ولو رُغب فيها بما تُوفي به دينها، لأنه يترتب عليها بالنكاح ما قد تعجز عنه.
(ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه) الحال (أو هو مؤخل) فـ (تحرم مطالبته) به (وحبسه، وكذا ملازمته) وتجب تخليته، رضي غريمه أو لا، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ 394 وفي إنظار المعسر فضل عظيم، لحديث بريدة مرفوعًا: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة" 395 رواه أحمد بإسناد جيد.
وإن ادعى مدين العسرة، ولم يصدقه رب الدين، ودينه عن عوض، كثمن أو قرض، أو عرف له مال سابق، والغالب بقاؤه؛ حبس، أو كان دينه من غير عوض مالي، كعوض خلع، وصداق، وضمان، وكان قد أقر أنه مليء؛ حبس، لأن الأصل بتاء المال، ومؤاخذة له بإقراره، إلا أن يتيم بيّنة بإعساره، ويعتبر فيها أن تَخْبُرَ باطن حاله، لأن الإعسار من الأمور الباطنة التي لا يطلع عليها غالبًا إلا المخالط له، ولا يحلف مع البينة، لما فيه من تكذيبها، أو يدَّعي تلفًا لماله، ويقيم بينة به، ويحلف معها إن أصلب رب الحق يمينه، لأن اليمين على أمؤ محتمل، غير ما شهدت به البينة.
الجزء: 2 - الصفحة: 769
ويحرم إنكار معسر وحلفه أن لا حق عليه، ولو تأول، نصًّا 396، لظلمه رب الدين فلا ينفعه التأويل (ولا يحل) دين (مؤجل بفلس) نصًّا 397، فلا يشارك ربه ذوي الديون الحالة، لأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بفلسه، كسائر حقوقه، ولا يوقف له من مال المفلس، ولا يرجع على الغرماء بشيء إذا حل دينه، لعدم ملكه المطالبة به حين القسمة، ويشارك من حل دينه قبل القسمة في الكل، وفي أثناء القسمة فيما بقي منها.
ولا يحل دين مؤجل بجنون (ولا بموت) لحديث "من ترك حقًّا أو مالًا فلورثته" 398، والأجل حق للميت، فينتقل إلى ورثته، ومحل ذلك (إن وثق الورثة برهن محُرز، أو كفيل مليء) على الأقل من قيمة الدين أو التركة، فإن لم يوثق بذلك حل، لأن الورثة قد لا يكونوا أملياء، ولم يرض بهم الغريم، فيؤدي إلى فوات الحق (وإن ظهر غريم) دينه حال (بعد القسمة) أي قسمة مال المفلس (رجع على الغرماء بقسطه) كما تقدم.
الجزء: 2 - الصفحة: 770
فصل في الحجر لحظ نفس المحجور عليه
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ 399 وأضاف الأموال إلى الأولياء، لأنهم مدبروها.
(ويحجر على الصغير والمجنون والسفيه لحظهم) فلا يصح تصرفهم في أموالهم، ولا ذممهم، قبل الإذن، لأن تصحيح تصرفهم يفضي إلى ضياع أموالهم، وفيه ضرر عليهم (ومن دفع إليهم ماله بعقد) كبيع وإجارة (أو) بـ (لا) عقد كوديعة وعارية (رجع فيما 400 بقي) من ماله، لبقاء ملكه عليه (لا ما تلف) منه بنفسه كموت قن أو حيوان، أو بفعل محجور عليه، كقتله له، فلا يرجع بشيء، لأنه سلطه عليه برضاه، علم الدافع بحجر المدفوع إليه أو لا، لتفريطه، لأن الحجر عليه في مظنة الشهرة.
(ويضمنون) أي المحجور عليهم لحظ أنفسهم (جناية) على نفس أو طرف ونحوه، على ما يأتي تفصيله في الجنايات 401 (و) يضمنون (إتلاف ما لم يُدفع إليهم) من المال، لاستواء المكلف وغيره، ومن أعطوه مالًا بلا إذن ولي ضمنه، لتعديه بقبضه ممن لا يصح منه دفع حتى يأخذه منه ولي.
ولا يضمن من أخذ من محجور عليه مالًا ليحفظه من الضياع، كأخذه 402 من غاصب أو غيره ليحفظه لربه، ولم يفرط، لأنه محسن بالإعانة على رد الحق لمستحقه، فإن فرط ضمن.
(ومن بلغ) من ذكر وأنثى وخنثى (رشيدًا) انفك الحجر عنه (أو) بلغ
الجزء: 2 - الصفحة: 771
(مجنونًا ثم عقل ورشد انفك الحجر عنه) لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ 403 الآية، ولأن الحجر عليه إنما كان لعجزه عن التصرف في ماله، حفظًا له، وقد زال، فيزول الحجر، لزوال علته (بلا حكم) بفكه، وسواء رشده الولي أو لا، لأن الحجر عليه لا يحتاج إلى حكم فيزول بدونه، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ 404، واشتراط الحكم زيادة تمنع الدفع عند وجود ذلك، وهو خلاف النص (وأعطي) من انفك الحجر عنه (ماله) للآية، ويستحب بإذن قاض، وإشهاد برشد، ودفع، ليأمن التبعة و (لا) يعطى ماله (قبل ذلك بحال) ولو صار شيخًا، لظاهر الآية.
(وبلوغ ذكر بإمناء) باحتلام أو غيره، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ 405 (أو تمام خمس عشرة سنة) لحديث ابن عمر: عرضت على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم أحد وأنا ابن عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني 406. متفق عليه.
وفي رواية البيهقي بإسناد حسن: فلم يجزني ولم يرني بلغت 407.
(أو نبات شعر خشن) أي يستحق أخذه بالموسى 408، لا زغب 409 ضعيف (حول قُبُله) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، حكم بأن يقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وحكم بأن يكشف عن مؤتزراتهم، فمن
الجزء: 2 - الصفحة: 772
أنبت فهو من المقاتل، ومن لم ينبت ألحقوه بالذرية.
فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "لقد حكم بحكم اللَّه من فوق سبعة أرقعة" 410. متفق عليه.
(و) بلوغ (أنثى بذلك) الذي يحصل به بلوغ الذكر (و) تزيد عليه (بحيض) لحديث: "لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار" 411. رواه الترمذي وحسنه (وحملها دليل إمناء) لإجراء اللَّه تعالى العادة بخلق الولد من مائهما، قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ 412 الآية.
وإذا ولدت حكم ببلوغها من أقل مدة الحمل وهو ستة أشهر؛ لأنه اليقين.
(ولا يُدفع إليه) أي من بلغ رشيدًا ظاهرًا (ماله حتى يُختبر بما يليق به، ويؤنس رشده، ومحله) أي الاختبار (قبل بلوغ) لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ 413 الآية (والرشد هنا إصلاح المال).
والناس يختلفون في ذلك، فيختلف إيناس الرشد باختلافهم، فولد التاجر يعلم رشده (بأن يبيع ويشتري فلا يغبن غالبًا) غبنًا فاحشًا (ولا يبذل ماله في حرام) كقمار، وغناء وشراء محرم، كآلة لهو، ونحو ذلك (و) لا في (غير فائدة) وولد رئيس وكاتب باستيفاء على وكيله فيما وُكِّل فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 773
ويؤنس رشد أنثى باشتراء قطن، واستجادته، ودفعه، ودفع أجرته إلى الغَزَّالات، واستيفاء عليهن.
ومن نوزع في رشده، فشهد به عدلان ثبت.
وإلا بأن لم يشهد أحد، فادعى محجور عليه علم وليه برشده، حَلَفَ أنه لا يعلم رشده، لاحتمال صدق مدع.
ومن تبرع في حجر، فثبت كونه مكلفًا رشيدًا؛ نفذ تصرفه، لتبين أهليته له.
(ووليهم) أي المحجور عليهم لحظ أنفسهم (حال الحجر) عليهم (الأب) لكمال شفقته (الرشيد) لأن غير الرشيد محجور عليه (ثم) وليهم بعد الأب (وصيُّه) لأنه نائبه، أشبه وكيله في الحياة، ولو كان بجُعْلٍ وثَمَّ متبرع، أو كان الأب أو وصيه كافرًا على كافر، إن كان عدلًا في دينه، ولا ولاية لكافر على مسلم (ثم) بعد الأب ووصيِّه، وليهم (الحاكم) لانقطاع الولاية من جهة الأب، فتكون للحاكم، كولاية النكاح، لأنه وليُّ من لا وليَّ له.
وتكفي العدالة في الولي ظاهرًا، فإن عدم حاكم أهل، فأمين يقوم مقامه، وعلم منه أنه لا ولاية للجد، والأم، وباقي العصبات.
(و) يجب على الولي أن (لا يتصرف لهم) أي المحجور عليهم (إلا بالأحظِّ) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ 414، فإن تبرع الولي بصدقة أو هبة، أو حابى، بأن باع من مال موليه بأنقص من ثمنه، أو اشترى له بأزيد، أو زاد في النفقة على الإنفاق بالمعروف، ضمن لتفريطه، وللولي تعجيل نفقة موليه مدة جرت به عادة أهل بلده، إن لم يفسدها، وإلا فتدفع إليه يومًا بيوم، فإن أفسدها بإتلاف، أو دفع لغيره أطعمه معاينة، وإلا كان مفرطًا، وإن أفسد كسوته ستر عورته فقط في بيت إن لم يمكن تحَيّل على إبقائها عليه ولو بتهديد.
الجزء: 2 - الصفحة: 774
ولا يصح أن يبيع ولي أو يشتري أو يرهن من مالهم لنفسه، لأنه مظنة التهمة، إلا الأب، فله ذلك، لأن التهمة منتفية بين الوالد وولده، إذ من طبعه الشفقة عليه، وترك حظ نفسه لحظه.
وللأب ولغيره من الأولياء مكاتبة قنه، وعتقه على مال، وتزويجه لمصلحة، وإذنه في تجارة، وسفر بمال مع أمن بلد، وطريق، لجريان العادة به، ولأب وغيره مضاربة بمالهم بنفسه، لحديث ابن عمرو 415 مرفوعًا: "من ولي يتيما له مال، فليتجر به، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة".
وروي موقوفًا على عمر، وهو أصح 416.
ولمحجور ربحه كله، لأنه نماء ملكه، فلا يستحقه غيره إلا بعقد، ولا يعقدها الولي لنفسه للتهمة، ولولي دفع مال محجور عليه لغيره مضاربة بجزء معلوم من ربحه، لأن عائشة -رضي اللَّه عنها- أبضعت مال محمد بن أبي بكر 417.
الجزء: 2 - الصفحة: 775
ولوليٍّ بيع مال موليه نساء، وله قرضه ولو بلا رهن لمصلحة، وله شراء أضحية لمحجور عليه موسر، نصًّا 418. وله مداواته لمصلحة، ولو بأجرة، نصًّا 419. وله ترك صبي بمكتب لتعلم خط ونحوه بأجرة، لأنه من مصالحه، وله شراء لعب غير مصورة لصغيرة تحت حِجْرِهِ من مالها، نصًّا 420، للتمرن، وله -أيضًا- تجهيزها إذا زوجها، أو كانت مزوجة بما يليق بها من لباس وحلي وفرش على عادتهن في ذلك البلد، وله خلط نفقة موليه بماله إذا كان أرفق به، وله بيع عقاره لمصلحة، نصًّا 421، ولو بلا ضرورة، أو زيادة على ثمن مثله.
ولولي صغير وسفيه ومجنون، غير حاكيم وأمينه؛ الأكل لحاجة من مال موليه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 422، ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلًا أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إني فقير وليس لي شيء، ولي يتيم، فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف" 423. رواه أبو بكر.
ولا يأكل الحاكم ولا أمينه شيئًا، لاستغنائهما بما لهما في بيت المال، فيأكل من يباح له الأقل من أجرة مثله وكفايته، ولا يلزمه عوضه إذا أيسر؛ لأنه عوض عن عمله، ولظاهر الآية، ومع عدم الحاجة يأكل من
الجزء: 2 - الصفحة: 776
مالهم ما فرضه له حاكم، فإن لم يفرض له شيئًا لم يأكل منه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ 424.
ولناظرِ وقفٍ ولو لم يحتج أكْل منه بمعروف، إلحاقًا له بعامل الزكاة، فإن شرط له الواقف شيئًا فله ما شرطه (ويتكبل قوله) أي الولي (بعد فك حجر) عن محجور عليه (في) وجود (منفعة) أي غبطة في بيع عقار (و) وجود (ضرورة) في ذلك (و) في (تلف) مال، أو قدر نفقة، ولو على عقار محجور عليه، أو كسوة لمحجور عليه، أو لزوجته، أو رقيقه، ونحوه، فيقبل قول الولي في ذلك، لأنه أمين ما لم تخالفه عادة وعرف، فيرد للقرينة، ويحلف ولي حيث قبل قوله، لاحتماد صدق الآخر.
و(لا) يقبل قول ولي (في دفع مال بعد رشد) أو بعد عقل، لأنه قبض المال لمصلحته، أشبه المستعير (إلا) أن يكون الدفع (من) ولي (متبرع) فيقبل قوله في دفع المال إذن، لأنه قبض المال لمصلحة المحجور عليه فقط، أشبه الوديع، ولا يقبل قول ولي في قدر زمن إنفاق إلا ببينة، لأن الأصل عدم ما يدَّعيه.
وليس لزوج حرة رشيدة حجر عليها في تبرع زائد على ثلث مالها.
ولولي حر مميز، وسيد قيت مميز، أن يآذن له أن يتَّجر، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ 425 ولأنه عاقل محجور عليه، فصح تصرفه بإذن وليه وسيده، كالعبد الكبير والسفيه، وكذلك يصح أن يأذن له أن يدّعي على خصم، وأن يقيم بينة على الخصم، وأن يحلِّفه إذا أنكر.
(ويتعلق) جميع (دَين) قن (مأذون له) في تجارة إن استدان فيما أذن له فيه، أو غيره (بذمة سيد) لأنه غر الناس بإذنه له، وكذا ما اقترضه ونحوه بإذن سيده، لأنه تصرف لسيده (و) يتعلق (دَين غيره) أي غير المأذون له في
الجزء: 2 - الصفحة: 777
تجارة، بأن اشترى في ذمته، أو اقترض بغير إذن سيده، وتلف ما اشتراه، أو اقترضه بيده، أو بيد سيده، برقبته.
(و) يتعلق (أرش جناية قن وقِيَم متلفاته برقبته) فيفديه سيده بالأقل من الدين أو قيمته، أو يبيعه ويعطيه أو يسلمه لرب الدين.
تتمة
: ويجوز للرقيق المأذون له هدية مأكول، وإعارة دابة، وعمل دعوة، وتصدق بيسير بلا إسراف في الكل، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- "كان يجيب دعوة المملوك" 426. ولرقيق غير مأذون له في تجارة أن يتصدق من قوته بما لا يضر به، كرغيف ونحوه، كفلس وبيضة، لجريان العادة بالمسامحة فيه، ولزوجة، وكل متصرف في بيتٍ كأجير، الصدقة منه بلا إذن صاحبه، بنحو ذلك، لحديث عائشة مرفوعًا: "إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجر ما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا" 427. متفق عليه، ولم يذكر إذنًا، ولأن العادة السماح وطيب النفس به، إلا أن يمنع رب البيت منه، أو يكون رب البيت بخيلًا، ويشك في رضاه، فيحرم الإعطاء من ماله بلا إذنه، لأن الأصل عدم رضاه إذن.
الجزء: 2 - الصفحة: 778
فصل في الوكالة
بفتح الواو وكسرها، اسم مصدر بمعنى التوكيل.
وهي لغة: التفويض، تقول: وكلت أمري إلى اللَّه -أي: فوضته إليه واكتفيت به- وتطلق -أيضًا- بمعنى الحفظ ومنه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ 428 أي: الحفيظ.
429 وهي شرعًا: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة 430.
(وتصح الوكالة) مطلقة، ومنجزة، ومؤقتة، كأنتَ وكيلي شهرًا أو سنة، وتصح معلقة، نصًّا 431، كقوله: إذا قدم زيد فبع هذا، أو إذا دخل رمضان فافعل كذا، هاذا طلب أهلي منك شيئًا فادععه لهم ونحوه، وتصح (بكل قول) أو فعل (يدل على إذن) نصًّا 432، كبع عبدي فلانًا، أو اعتقه، ونحوه، أو فوضت إليك أمره، أو جعلتك نائبًا عني في كذا، أو أقمتك مقامي، لأنه لفظ دل على الإذن فصح، كلفظها الصريح.
قال في "الفروع" 433: ودل كلام القاضي على انعقادها بفعلٍ دالٍّ كبيع، وهو ظاهر كلام الشيخ فيمن دفع ثوبه إلى قصار أو خياط، وهو أظهر، كالقبول.
الجزء: 2 - الصفحة: 779
(و) يصح (قبولُها) أي الوكالة (بكل قول أو فعل يدل 434 عليه)، لأن وكلاءه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم ينقل عنهم سوى امتثال أوامره، ولأنه أذن في التصرف، فجاز قبوله بالفعل، كأكل الطعام، ولو كان القبول متراخيًا عن الإذن، فلو بلغه أن زيدًا وكله في بيع عبده منذ سنة، فقبل، أو باعه من غير قولٍ؛ صح لأن الإذن قائم، ما لم يرجع عنه.
(وشُرط كونهما) أي: الموكل والوكيل (جائزي التصرف) لأن غير جائز التصرف ممنوع من التصرف لنفسه، فلا يصح منه أن يتوكل لغيره، ولا أن يوكله (ومن) يصح (له تصرف في شيء فله توكل) فيه (وتوكيل فيه) لأن النائب فرع عن المستنيب سوى أعمى، ونحوه، كمن يريد شراء عقار لم يره، إذا وكل عالمًا بالمبيع فيما يحتاج لرؤية، كجوهر، وعقار، فيصح، وإن لم يصح منه ذلك بنفسه، لأن منعهما التصرف في ذلك لعجزهما عن العلم بالمبيع، لا لمعنى فيهما يقتضي منع التوكيل.
فلا يصح أن يوجب نكاحًا عن غيره، مَنْ لا يصح منه إيجابه لموليته، لنحو فسق، لأنه إذا لم يجز أن يتولاه أصالة، لم يجز بالنيابة، كالمرأة، ولا يصح أن يقبله لغيره، من لا يصح منه قبوله لنفسه، ككافر يتوكل في قبول نكاح مسلم لمسلمة، سوى قبول نكاح أخته ونحوها لأجنبي تحل له، وسوى قبول حر واجد الطَوْلَ 435 نكاح أمة لمن تباح له، وسوى توكل غني في قبض زكاة لفقير، وسوى طلاق امرأة نفسها وغيرها بوكالة؛ فيصح، لأنها إذا ملكت طلاق نفسها بجعله لها، ملكت طلاق غيرها بالوكالة.
ولا تصح وكالة في بيع ما سيملكه، أو في طلاق من يتزوجها، لأن الموكل لا يملكه حين التوكيل، ويصح: إن ملكت فلانًا فقد وكلتك في عتقه، لأنه يصح تعليقه على ملكه، بخلاف: إن تزوجت فلانة فقد وكلتك في طلاقها.
الجزء: 2 - الصفحة: 780
ولو قال من ادَّعى عليه وكيل غائب، عن دين ثابت: موكلك أخذَ حقه، لم يقبل قوله إلا ببينة، لأنه مقرٌّ، مدع الوفاء، ولا يؤخر الطلب حتى يحضر الموكل، ليحلف أنه لم يأخذه منه، لأنه وسيلة لتأخير حق متيقن لمشكوك فيه، أشبه ما لو ذكر المدَّعى عليه أن له بينة غائبة عن البلد بالوفاء، فلا يؤخر الحق لحضورها.
(وتصح) الوكالة (في كل حق آدمي) متعلق بمالٍ وما يجري مجراه، من عقدٍ كبيع، وهبة، وإجارة، ونكاح، وفسْخٍ لنحو بيع، وطلاق، ورجعة، وتملك مباح، وصلح، وإقرار، وعتق، وإبرار، ولو لأنفسهما إن عيِّنا 436.
و(لا) تصح وكالة في (ظهار) لأنه قول منكر وزور محرم أشبه بقية المعاصي (و) لا (لعان وأيمان) ونذر، وإيلاء، وقسامة، لتعلقها بعين الحالف والناذر، فلا تدخلها النيابة، كالعبادات، ولا في قسم لزوجات، ولا في شهادة، ولا في التقاط، ولا في دفع جزية، ولا في معصية، ولا في رضاع.
وتصح في بيع ماله كله أو ما شاء منه، وتصح في المطالبة بحقوقه كلها أو ما شاء منها، وفي الإبراء منها أو ما شاء منها.
ولا تصح في عقد فاسد، أو في كل قليل وكثير، لأنه يدخل فيه كل شيء من هبة ماله، وطلاق نسائه، وغير ذلك، فيعظم الغرر والضرر.
(و) تصح الوكالة (في كل حق للَّه تعالى تدخله النيابة) من إثبات حد واستيفائه، لحديث: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها".
فاعترفت، فأمر بها، فرجمت 437، متفق عليه.
ومِنْ عبادة تتعلق بالمال،
الجزء: 2 - الصفحة: 781
كتفرقة صدقة ونذر وزكاة، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يبعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها 438، وحديث معاذ 439 يشهد به.
ويصح قوله: أخرج زكاة مالي من كالك، لأنه اقتراض من مال وكيل، وتوكيل له في إخراجه.
وتصح وكالة في فعل حج وعمرة، فيستنيب من يفعلهما عنه مطلقًا في النفل، ومع العجز في الفرض، على ما سبق في الحج 440، وتدخل ركعتا طواف تبعًا.
ولا تصح وكالة في عبادة بدنية محضة، كصلاة، وصوم، وطهارة من حدث، لتعلقها ببدن من هي عليه.
ولوكيل توكيل فيما يعجز عنه لكثرته، ولو في جميعه، لدلالة الحال على الإذن فيه، وفي ما لا يتولى مثله بنفسه، كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المترفعين عنها عادة، لأن الإذن إنما ينصرف لما جرت به العادة، ولا يصح أن يوكل وكيل فيما يتولى مثله بنفسه ويقدر عليه، لأنه لم يؤذن له في التوكيل، ولا تضمنه الإذن له، فلم يجز كما لو نهاه، إلا بإذن موكل فيجوز، لأنه عقد أذن له فيه، أشبه سائر العقود، قال في "الفروع" 441: ولعل ظاهر ما سبق: يستنيب نائب في اهج لمرض، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، -رحمهما اللَّه تعالى 442 -. = الحدود (3/ 1325) عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني.
الجزء: 2 - الصفحة: 782
ويتعين على وكيل حيث جاز له: أن يوكل أمين، فلا يجوز له استنابة غيره 443 إلا مع تعيين موكل، وإن وكل أمينًا فخان، فعليه عزله، لأن إبقاءه تفريط وتضييع.
وكذا وصي له أن يوكل، وحاكم له أن يستنيب.
= لكن هل له الاستنابة في الجميع، أو في القدر المعجوز عنه خاصة؟ على وجهين، الأول اختيار صاحب "المغني" والثاني: قول القاضي وابن عقيل.
اهـ من "القواعد" لابن رجب (2/ 24). ومذهب الحنفية أن لا يوكل الوكيل إلا بإذن، واستثنوا بعض الصور منها: دفع الزكاة، وقبض الدين إذا وكل من في عياله.
ومذهب المالكية -أيضًا- أنه لا يوكل الوكيل إلا بإذن، غير أنهم استثنوا: أن يكون وكيلًا بها.
واستثنوا -أيضًا- ما إذا وكل على ما لا يستطيع أن يقوم به منفردًا، فيوكل من يساعده في العمل، لا من يستقل بالعمل وحده.
ومذهب الشافعية: ليس لوكيل أن يوكل بلا إذن إن تأتى منه ما وُكِّل فيه.
وإن لم يتأت لكونه لا يحسن أو لا يليق به فله التوكيل.
ولو كثر وعجز عن الإتيان به فالمذهب أنه يوكل فيما زاد على الممكن.
هذا مجمل مذاهب الفقهاء، وفي هذه المسألة، ولهم تفاصيل كثيرة فيها، وليس هذا موضع بسط لها.
واحتج من منع: بأنه لم يأذن له بالتوكيل ولا تضمنه إذنه، فلم يجز، كما لو نهاه، ولأنه استئمان فيما يمكنه النهوض فيه، فلم يكن له أن يوليه من لم يأمنه عليه، كالوديعة.
واحتج من أجاز إذا مرض أو غاب -كالرواية الثانية عن الإمام أحمد- وهو قول ابن أبي ليلى: أن الوكيل له أن يتصرف بنفسه، فملكه بنائبه، كالمالك.
قال في "المغني": والأول أولى.
ولا يشبه الوكيل المالك، فإن المالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، بخلاف الوكيل.
اهـ وهذا هو الصواب -إن شاء اللَّه تعالى-.
ينظر: "رد المحتار" (8/ 265، 266) و"تحفة الفقهاء" (2/ 387) و"مواهب الجليل" (7/ 191) و"التاج والإكليل" (7/ 191) و"روضة الطالبين" (4/ 313) و"مغني المحتاج" (2/ 226) و"المغني" (7/ 207 - 209) و"الشرح الكبير" (13/ 455) و"الفقه الإسلامي وأدلته" (5/ 99) و"الوكالة" لطالب قائد (ص 259).
الجزء: 2 - الصفحة: 783
وقول موكل لوكيله: وكل عنك.
يصح، فإن فعل فالوكيل وكيل
وكيله، ينعزل بموت الأول، وعزله.
ووكل عني، أو وكلَ ويطلقُ، فوَكَّلَ، فهو وكيل موكله، فلا ينعزل بموت الوكيل الأول، ولا بعزله، فلا يملك الأول عزله، لأنه ليس وكيله، وإن مات الموكل، أو جُنَّ، ونحوه، انعزلا، سواء كان أحدهما فرع الآخر، أو لا.
ولا يوصي وكيل مطلقًا، ولا يعقد مع فقير، أو قاطع طريق، إلا بإذن موكل، لأنه تغرير بالمال، ولا يبيع نَسَاء إلا بإذن، فإن فعل لم يصح، لأن الإطلاق ينصرف إلى الحلول، ولا يبيع بغير نقد، فإن فعل لم يصح، ولا بغير نقد البلد، أو غالبه إن جَمَعَ 444 نقودًا، أو الأصلح إن تساوت رواجًا، إلا إن عينه موكل، لأن إطلاق الوكالة إنما يملك به الوكيل فعل الأحظ لموكله.
وإن وكل عبد غيره في بيع أو شراء، ونحوه من عقود المعاوضات، ولو في شراء نفسه من سيده، صح ذلك إن أذن فيه سيده، وإن لم يأذن له لم يصح، للحجر عليه فيمالا يملكه العبد.
وعلم منه صحة توكيله فيما يملكه بلا إذن سيده، كطلاق، ورجعة، وصدقة بنحو رغيف.
(وهي) أي الوكالة (وشركة، ومضاربة، ومساقاة، ومزارعة، ووديعة، وجعالة ومسابقة، وعارية، (عقود جائزة) من الطرفين (لكلٍّ) من المتعاقدين (فسخها) أي هذه العقود، وتبطل بموت وجنون مُطبق، لكن لو وكل ولي يتيم، أو ناظر وقف، ثم مات؛ لم يبطل بموته، لأنه متصرف على غيره.
وتبطل وكالة بسكر يفسق به 445 فيما ينافيه 446، كإيجاب نكاح ونحوه، وبفلس موكل فيما حجر عليه فيه، وبردته (ولا يصح بلا إذن) موكل (بيع
الجزء: 2 - الصفحة: 784
وكيل لنفسه) بأن يشتري ما وكل في بيعه من نفسه لنفسه (ولا) يصح (شراؤه منها) أي من نفسه (لموكله) بأن وُكل في شراء شيء، فاشتراه من نفسه لموكله، لأنه خلاف العرف في ذلك، وللحوق التهمة له بذلك، وإن أذن له في ذلك؛ صح.
ويتولى طرفي العقد فيهما، كأب الصغير ونحوه، إذا باع من ماله لولده، أو اشترى منه له (وولده) أي الوكيل (ووالده ومكاتبه) ونحوهم ممن ترد شهادته له، كزوجته، وابن بنته وأبي أمه (كنفسه) فلا يجوز للوكيل البيع لأحدهم، ولا الشراء منه مع الإطلاق، لأنه يتهم في حقهم، ويميل إلى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن، كتهمته في حق نفسمه، بخلاف نحو أخيه وعمه، وكذا حاكم، وأمينه، ووصي، وناظر وقف، ومضارب، قال المنقح: وشريك عنان، ووجوهٍ 447. فلا يبيع أحد منهم لنفسه وولده ووالده ونحوه، ولا يشتري من نفسه ولا من ولده ووالده، لما تقدم.
(وإن باع) وكيل في بيع، أو باع مضارب (بدون ثمن مثل) أو بدون ما قدر له (أو اشترى بأكثر منه) أي ثمن المثل أو بأكثر مما قدر له (صح) البيع أو الشراء، لأن من صح بيعه وشراؤه بثيت، صح منه بأزيد (وضمن) وكيل، وكذا مضارب (زيادةً) عن ثمن مثل، (أو) عن مقدر في شرائه، وضمنا (نقصًا) في بيع عن ثمن مثل أو عن مقدر، ولا يضمنان ما يتغابن به عادة، كالدرهم في عشرة فيما لم يقدر، لعسر التحرز منه، ويضمنان جميع النقص فيما قدر، وفيما لا يتغابن به عادة، كاثنين في عشرة، لأنه تفريص بترك الاحتياط، وطلب الأحظ.
وفي بقاء العقد، وتضمين المفرط جَمْعُ ما بين المصالح.
ولا يضمن قن أذن له سيده في بيع وشراء، فباع بأنقص، أو اشترى
الجزء: 2 - الصفحة: 785
بأزيد لسيده، كما لو أتلف ماله، ولا يضمن صغير أذِنَ له وليه في التجارة، فباع بأنقص، أو اشترى بأزيد لمسه، كما لو أتلف مال نفسه، وإن باع وكيل أو مضارب بأزيد مما قدر لهما، أو من ثمن المثل، أو اشتريا بأنقص، صح، لوقوعه بالمأذون فيه وزيادة تنفع ولا تضر.
(ووكيل) في بيع (مبيع يسلمه) أي: يملك تسليمه لمشتريه (ولا) يملك أن (يقبض ثمنه) لأنه قد يوكل في البيع من لا يؤمن على قبض الثمن.
وكذا الوكيل في النكاح لا يملك قبض المهر (إلا بقرينة) تدل على ذلك، كأن كان عرف البلد قبض الوكيل لثمن ما باعه، فيقبضه (ويسلِّم وكيل الشراء الثمن) وإن أخره بلا عذرٍ، فتلف، ضمنه.
(ووكيل) في (خصومة لا يقبض) أي لا يكون وكيلًا في القبض، لأن الإذن لم يتناوله نطقًا، ولا عرفًا، وقد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض، وليس لوكيل خصومة إقرار على موكله مطلقًا، نصًّا 448، كإقراره عليه بقود وقذف، وكالولي (و) وكيل في (قبض) دَين أو عين (يخاصِم) لأنه لا يتوصل إلى القبض إلا بالإثبات، فالإذن فيه إذن فيه عرفًا.
(والوكيل أمين لا يضمن) ما تلف بيده (إلا بتعد أو تفريط) لأنه نائب الموكِّل في اليد والتصرف، فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، وسواء كات متبرعًا أو بجُعْلٍ، فإن فرَّط أو تعدى ضمن (ويُقبل قوله) أي الوكيل (في نفيهما) أي التعدي والتفريط، بيمينه، لأنه أمين، ولا يكلَّفُ بينةً، لأنه مما تتعذر إقامة البينة عليه، ولئلا يمتنع الناس من الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها، ويقبل إقراره على موكله في كل ما وكل فيه، من بيع وغيره، ولو نكاحًا، لأنه يملك التصرف فيه، فقبل قوله فيه كولي المجبرة.
(و) يُقبل قول وكيل في (هلاك) عين، أو ثمنها، إذا قبضه، وقال موكله: لم يتلف (بيمينه) لأنه أمين، ولو كان بجعل (كـ) ما يقبل (دعوى)
الجزء: 2 - الصفحة: 786
وكيل (متبرع ردَّ العين أو) رد (ثمنها) لموكل، لأنه قبض العين لنفع مالكها لا غير، كالمودع، لا وكيل بجُعْلٍ فلا يقبل قوله في الردّ، لأن في قبضه نفعًا لنفسه، أشبه المستعير و (لا) يقبل قوله في ردها (لورثته) أي الموكل لأنهم لم يأمنوه، ولا في ردها إلى غير من ائتمن، ولو بإذن الموكل، كأن أذن له في دفع دينار لزيد قرضًا، فقال الوكيل: دفعته له، وأنكره زيد فلا يقبل في الكل (إلا ببينة).
ولا يقبل قول ورثة وكيل في دفع لموكل، لأنه لم يأتمنهم، ولا يقبل قول أجير مشترك كصبّاغ، وصائغ، وخياط، في رد العين.
وظاهره: أنه يقبل قول أجير خاص، وأطلق في "الإقناع" 449 أنه لا يقبل قول أجير في الرد، ولا قول مستأجر نحو دابة في ردها، ولا مضارب، ومرتهن، وكل من قبض العين لحظ نفسه كالمستعير.
ودعوى الكل تلفًا بحادث ظاهر، كحريق، ونهب، ونحوهما، لم يقبل، إلا ببينة تشهد بالحادث الظاهر؛ لعدم خفائه.
وإن قال وكيل لموكله: أذنت لي في البيع نَسَاء، أو بغير ناقد البلد، أو بعرض، وأنكره موكل، فقول وكيل.
أو اختلفا في صفة الإذن، بأن قال: وكلتني في شرائه بعشرة، فقال الموكل: بل بخمسة، أو وكلتني في شراء عبد، قال: بل أمة، أو أنْ أبيعه من زيد، قال: بل من عمرو، أو قال موكل: أمرتك ببيعه نسيئة برهن أو ضامن، وأنكره وكيل، ولا بينة، فالقول قول وكيل بيمينه، لأنه أمين.
وإن باع الوكيل السلعة وقال للموكل: بذلك أمرتني، فقال: بل أمرتك برهنها، صُدِّق ربها، فاتت أو لم تفت، لأن الاختلاف هنا في جنس التصرف، وإن اختلفا في أصل الوكالة، فقول منكر، لأن الأصل عدم الوكالة، ويصح: بع ثوبي هذا بكذا، فما زاد عنه فلك، نصًّا 450.
الجزء: 2 - الصفحة: 787
ومن عليه حق من دين أو عين، فادّعى إنسان أنه وكيل ربه في قبضه، أو أنه أحيل به عليه، فصدقه، لم يلزمه دفع إليه، لأنه لا يبرأ به، لجواز إنكار رب الحق، أو ظهوره حيًا في الوصية، وإن كذبه لم يستحلف، لعدم الفائدة، إذ لا يقضى عليه بالنكول، وإن دفعه للمدعي ذلك، فأنكر صاحب الحق الوكالة، أو الحوالة، حلف أنه لم يوكله، ولا أحاله، لاحتمال صدق المدعي، ورجع رب الحق على دافع وحده، إن كان المدفوع دينًا، لعدم براءته بدفعه لغير ربه، أو وكيله، والأن الذي أخذه مُدّعِي الوكالة، أو الحوالة، عين مال الدافع في زعم رب الحق، فتعين رجوعه على الدافع، فإن نكل لم يرجع بشيء.
وفي مسألة الوصية يرجع بظهوره حيًا، ويرجع دافع على مُدّعٍ لوكالة، أو حوالة، أو وصية، بما دفعه مع بقائه، لأنه عين ماله، أو يرجع ببدله مع تلف بتعديه، أو تفريطه، لأنه بمنزلة الغاصب، فإن تلف بيد مدعي الوكالة بلا تعد، ولا تفريط، لم يضمنه، ولم يرجع عليه دافع بشيء، لأنه مقر بأنه أمين، حيث صدقه في دعواه الوصية، أو الوكالة.
وأما دعوى حوالة فيرجع دافع على قابض مطلقًا.
وإن كان المدفوع لمدعي وكالة أو وصية عينًا، كوديعة ونحوها، ووجدها ربها بيد الغاصب أو غيره، أخذها، وإلا يجدها، ضمَّن أيهما شاء، لأن القابض قبض ما لا يستحقه، والدافع تعدى بالدفع إلى من لا يستحقه، فتوجهت المطالبة على كلٍّ منهما.
ويرجع دافع لم يصدق على مدفوع إليه مطلقًا، سواء كان دَينًا أو عينًا، بقي أو تلف، لأنه لم يقر بوكالة، ولم تثبت ببينة، ومجرد التسليم ليس تصديقًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 788
فصل في الشركة
بفتح الشين مع كسر الراء وسكونها، وبكسر الشين مع سكون الراء 451. وهي جائزة بالإجماع 452، لقوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ 453، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يقول اللَّه تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما" 454 رواه أبو داود.
وتكره شركة مسلم مع كافر، كمجويصي، نصًّا 455، لأنه لا يأمن معاملته بالربا، وبيع الخمر، ونحوه، ولا تكره مع كتابي، لا يلي التصرف، لحديث الخلال، عن عطاء قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم 456. ولانتفاء المحظور بتولي المسلم التصرف.
الجزء: 2 - الصفحة: 789
(والشركة: خمسة أضرب) جمع ضرب -أي صنف 457 - أحدها: (شركة عنان) ولا خلاف في جوازها، بل في بعض شروطها، سميت بذلك لاستوائهما في المال والتصرف، كالفارسين يستويان في السير، فإن عناني 458 فرسيهما يكونان سواء.
أو مَنْ عنَّ الشيء إذا عرض، لأنه عنَّ لكل منهما مشاركة صاحبه 459.
(وهي) أي شركة العنان (أن يُحضِر كلُّ) واحد (من عدد) اثنين فأكثر (جائز التصرف) فلا تعقد مع صغير ولا سفيه، ولا على ما في الذمة (من ماله) فلا تعقد بنحو مغصوب (نقدًا) ذهبًا، أو فضة، مضروبًا، ولو بسكة 460 كفار (معلومًا) قدرًا وصفة، ولو مغشوشًا قليلًا، أو كان من جنسين كذهب وفضة، أو كان متفاوتًا بأن، أحضر أحدهما مائة والآخر مائتين (ليعمل) متعلق بِيُحْضِر (فيه)، أي المال جميعه (كلٌّ) من له فيه شيء (على أن له من الربح جزءًا مشاعًا معلومًا) ولو أكثر من نسبة ماله، كأن جعل لرب السدس نصف الربح لقوة حذقه، أو يقال: على أن الربح بيننا، فيستوون فيه، لإضافته إليهم إضافة واحدة بلا ترجيح، أو ليعمل فيه البعض على أن يكون له أكثر من ربح ماله، وتكون الشركة إذًا عنانًا ومضاربةً، ولا تصح إن أحضر كل منهم مالًا على أن يعمل فيه بعضهم، وله من الربح بقدر ما له، لأنه إبضاع لا شركة، وهو دفع المال لمن يعمل فيه بلا عوض.
ولا تصح إن عقدوها على أن يعمل أحدهم بدون ربح ماله، لأن من لا يعمل لا يستحق ربح مال غيره ولا بعضه، وفيه مخالفة لموضوع الشركة.
الجزء: 2 - الصفحة: 790
وتنعقد الشركة بما يدل على الرضى، من قول، أو فعل يدل على إذن كل منهما للآخر في التصرف وائتمانه، ويغني لفظ الشركة عن إذن صريح بالتصرف، لدلالته عليه، وينفذ التصرف من كلٍّ بحكم الملك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصيب شريكه، ولا يشترط خلط أموالهما، فما تلف منها قبل خلط فهو من ضمان الجميع.
ولا تصح الشركة إن لم يذكر الربح في العقد، كالمضاربة، لأنه المقصود منها، فلا يجوز الإخلال به، وإن أقر بعضهم بمتعلق بالشركة، كأجرة دلَّال، وحمّال، ومخزن، ونحوه، فهو من مال الجميع، والخسارة في مال الشركة بقدر ما لكل من الشركاء، سواء كانت لتلف، أو نقصان ثمن، أو غيره، لأنها تابعة للمال.
ومن قال من شريكين: عزلت شريكي، صح تصرف المعزول في قدر نصيبه فقط، وصح تصرف العازل في جميع المال، لعدم رجوع المعزول عن إذنه.
ولو قال أحدهما: فسخت الشركة انعزلا، لأن فسخ الشركة يقتضي عزل نفسه من التصرف في مال صاحبه، وعزل صاحبه من التصرف من مال نفسه، وسواء كان المال نقدًا أو عرضًا، ويقبل قول منكر القسمة إذا ادعاها صاحبه، لأن الأصل عدمها.
ولا تصح شركة عنان ولا مضاربة بنقرة (1) لم تضرب لأنها كالعروض، ولا بمغشوش غشًا كثيرًا، ولا فلوس ولو ناقتين، لأنها كالعروض، بل الفلوس عروضٌ مطلقًا.
تتمة
: لكل من الشركاء أن يبيع ويشتري، ويأخذ ويعطي، ويطالب ويخاصم، ويحيل ويحتال، ويرد بعيب للحظ ولو رضي شريكه، وأن يقر بالعيب، وأن يقايل، وأن يؤجر ويستأجر، وأن يبيع نَسَاءً، وأن يودع461
الجزء: 2 - الصفحة: 791
لحاجة، وأن يرهن ويرتهن، وأن يفعل كل ما فيه حظ للشركة، وليس له أن يكاتب قنًّا من الشركة، أو يزوجه، أو يعتقه ولو بمال، إلا بإذن، ولا أن يهب من مال الشركة، أو يقرض، أو يحابي، أو يضارب، أو يشارك بالمال، أو يخلطه بغيره، أو يأخذ به سفتجة (1)، بأن يدفع من مال الشركة إلى إنسان، ويأخذ منه كتابًا إلى وكيله ببلد آخر، ليستوفي منه، أو يعطيها؛ بأن يشتري عرضًا، ويعطي بثمنه كتابًا إلى وكيله ببلد آخر، ليستوفي منه.
ولا أن يستدين عليها إلا بإذن شريكه في الكل.
وإن قال: اعمل برأيك، ورأى مصلحة؛ جاز الكل، وما استدان بدون إذن فعليه، وربحه له.
تتمة
:
والاشتراط فيها نوعان: صحيح، كشرط أن لا يتجر إلا في نوع كذا، أو أن لا يتجر إلا في بلد بعينه، أو أن لا يبيع إلا بنقد كذا، أو أن لا يسافر بالمال.
ونوع فاسد، وهو قسمان: مفسد لها، وهو: ما يعود بجهالة الربح، كشرط دراهم لزيدٍ الأجنبي، والباقي من الربح لهما، واشتراط ربح ما يشتري من رقيق لأحدهما وما يشتري من ثياب للآخر، ونحو ذلك، فتفسد الشركة، والمضاربة به، لإفضائه إلى جهل حق كل منهما من الربح، أو إلى فواته.
وقسم فاسد غير مفسد: كاشتراط أحدهما على الآخر ضمان المال إن تلف بلا تعد ولا تفريط، أو أن ما عليه من الخسارة أكثر من قدر ماله، أو أن يعطيه ما يختار من السلع برأس ماله، أو أن لا يفسخ الشركة مدة كذا، ونحو ذلك، فهذه الشروط كلها فاسدة، لتفويتها المقصود من عقد الشركة، والشركة، أو المضاربة، صحيحة.462
الجزء: 2 - الصفحة: 792
وإذا فسدت الشركة قسم ربح شركة عنان ووجوه على قدر المالين، وقسم أجر ما تقبلاه من عمل في شركة أبدان بالسوية، وتوزيع وضيعة على قدر ما لكل، ورجع كل من لشريكين في عنان ووجوه وأبدان بأجرة نصف عمله، ومن تعدى من الشركاء، بمخالفة، أو إتلاف، ضمن كالغاصب، وربح مالٍ لربه، نصًّا 463، لأنه نماء مال تصرف فيه غير مالكه بغير إذنه، فكان لمالكه.
وعقد فاسد في مضاربة، وشركة، ووكالة، ووديعة، ورهن، وهبة، وصدقة، وهدية، ووقف، كعقد صحيح في ضمان وعدمه، فلا يضمن منها ما لايضمن في العقد الصحيح.
الضرب (الثاني: المضاربة) من الضرب في الأرض، أي السفر فيها للتجارة، وهذه تسمية أهل العراق.
وأهل الحجاز يسمونها: قراضًا، من قرض الفأر الثوب أي قفعه، كأن رب المال اقتطع للعامل قطعة من ماله، وسلمها له واقتطع له قطعة من ربحها 464. وحكى ابن المنذر الإجماع على جوازها 465. ولحاجة الناس إليها.
(وهي) شرعًا 466: (دفع ماك) أي نقد مفروب، غير مغشوش كثيرًا، لما تقدم 467 أو ما في معنى الدفع، كوديعة، وعارية، وغصب، إذا قال ربها لمن هي تحت يده: ضارب بها على كذا.
(معين) أي المال فلا يصح: ضارب بأحد هذين الكيسين، تساوى ما فيهما أو اختلف، علما ما فيهما، أو
الجزء: 2 - الصفحة: 793
جهلاه، لأنه عقد تمنع الجهالة صحته (معلوم) قدره، فلا تصح بصبرة دراهم أو دنانير، لأنه لابد من الرجوع إلى رأس المال عند الفسخ ليعلم الربح، ولا يمكن ذلك مع الجهل (لمن يتجر فيه) أي المال، وهو متعلق بدفعٍ (بجزءٍ) متعلق (بيتَّجر) (معلوم مُشاع من ربحه) كنصفه أو ربعه.
(وإن ضارب) العامل (لآخر) أي أخذ مضاربة لشخص آخر (فأضر) اشتغاله بالعمل في مال الثاني ربَّ المال (الأول، حرُم) عليه ذلك، لأنه يمنعه مقصود المضاربة من طلب النماء والحظ، فإن لم يضر الأول، بأن كان مال الثاني يسيرًا لا يشغله عن العمل في مال الأول جاز (و) إن ضارب لآخر بحيث يضر الأول (رد) العامل (حصته) من ربح المضاربة الثانية (في الشركة) الأولى، نصًّا 468، فيدفع لرب المضاربة الثانية نصيبه من الربح، ويؤخذ نصيب العامل، فيضم لربح مضاربة الأول، ويقسمه مع ربها على ما اشترطاه، لأنه استحقه بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول.
ورده في "المغني" كما ذكره صاحب "المنتهى" في "شرحه" 469.
الجزء: 2 - الصفحة: 794
ولا يصح لرب المال الشراء من مال المضاربة لنفسه، نصًّا 470، لأنه ملكه كشرائه من وكيله وعبده المأذون، وإن اشترى شريك نصيب شريكه؛ صح، لأنه ملك غيره.
ولا نفقة لعامل في مال المضاربة، لأنه دخل على العمل بجزء، فلا يستحق غيره، إلا بشرطٍ، نصًّا 471، كالوكيل.
وقال الشيخ، وابن القيم: أو عادة 472. ويصح شرطها سفرًا وحضرًا، لأنها في مقابلة عمله، وإن شُرطت مطلقة، واختلفا فيها، فله نفقة مثله عرفًا، وإن تعدد رب المال، فهي على قدر ما لكلٍّ.
وللعامل التسِّري من مال المضاربة بإذن رب المال، فإذا اشترى أمة للتسري ملكها، وصار ثمنها قرضًا عليه لرب المال، لخروجه من المضاربة، مع عدم وجود ما يدل على التبرع به من رب المال، وإن وطئ عامل أمة من المال بغير إذن عزر، نصًّا 473، لأن ظهور الربح مبني على التقويم، وهو غير متحقق، لاحتمال أن السلعة تساوي أكثر مما قومت به، فهو شبهة في درء الحد، وإن لم يظهر ربح، وعليه المهر، وإن ولدت منه، وظهر ربح، صارت أم ولد، وولده حر، وعليه قيمتها، وإن لم يظهر فهي وولدها ملك لرب المال.
= يضارب لآخر.
وهو صحيح، وهو المذهب مطلقًا، وعليه أكثر الأصحاب.
اهـ من "الإنصاف" (14/ 96). وما قرره المؤلف -تبعًا للمتن- هو من مفردات المذهب.
ينظر "المنح الشافيات" (2/ 416) و"الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني" (2/ 19).
الجزء: 2 - الصفحة: 795
ولا يطأ رب المال أمة من المضاربة ولو عدم الربح، لأنه ينقصها إن كانت بكرًا، أو يعرضها للتلف والخروج من المضاربة، ولا حد عليه، لأنها ملكه، وإن ولدت منه خرجت من المضاربة، وحسبت قيمتها عليه، فإن كان فيه ربح فلعامل حصة منه.
ولا ربح لعامل حتى يستوفى رأس المال (وإن تلف رأس المال أو) تلف (بعضه بعد تصرف) عامل في المضاربة (أو) ربح في أحد سلعتيه و (خسر) في الأخرى (جبر) رأس المال (من ربح) إن كان (قبل قسمة) الربح ناضًّا 474، أو قبل تنضيضه، مع محاسبة، نصًّا 475. فإن تقاسما الربح والمال ناضٌّ، أو تحاسبا بعد تنضيض المال، وأبقيا المضاربة، فهي مضاربة ثانية، فما ربح بعد ذلك لا يجبر به وضيعة الأول، ولو قسم رب المال والعامل الربح، أو أخذ أحدهما منه شيئًا بإذن صاحبه، والمضاربة بحالها، ثم خسر، كان على العامل رد ما أخذه من الربح، لأنا تبينَّا أنه ليس بربح، ما لم تنجبر الخسارة، نصًّا 476.
وتفسخ مضاربة فيما تلف من مالها قبل عمل، ويصير الباقي رأس المال، فإن تلف الكل، ثم اشترى العامل للمضاربة شيئًا، فهو كفضولي، وإن تلف بعد شرائه في ذمته، وقبل نقد ثمن فالمضاربة بحالها، ويطالب العامل ورب المال، بالثمن لتعلق حقوق العقد برب المال، ومباشرة العامل، وإن دفعه عامل بنية الرجوع، رجع به على رب المال، للزومه له أصالة.
والعامل بمنزلة الضامن.
وتحرم قسمة الربح والعاقد باق إلا باتفاقهما، لأنه وقاية لرأس المال، فلم يجبر ربه على القسمة، لأنه لا يأمن
الجزء: 2 - الصفحة: 796
الخسران فيجبره بالربح، ولا العامل، لأنه لا يأمن أن يلزمه ما أخذه في وقت لا يقدر عليه، فإن اتفق على قسمه أو بعضه، جاز، لأنه ملكهما، كالشريكين.
تتمة
:
العامل أمين يصدق بيمينه في قدر رأس مال، وفي ربح وعدمه، وفي هلاك وخسران، وفيما يذكر أنه اشتراه لنفسه، أو للمضاربة، وفي نفي ما يدَّعي عليه من خيانة، أو تفريط، لأن الأصل عدمهما.
وإذا شرط العامل النفقة، ثم ادعى أنه أنفق من ماله بنية الرجوع، فله ذلك سواء، كان المال بيده، أو رجع إلى ربه، كالوصي إذا ادّعى النفقة على اليتيم.
وإذا اشترى العامل شيئًا، وقال المالك: كنت نهيتك عنه، وأنكر.
فقوله، لأن الأصل معه.
ولو أقر عامل بربح، ثم ادعى تلفًا، أو خسارة، قُبِلَ قوله، لأنه أمين، ولا يقبل قوله إن ادعى غلطًا، أو كذبًا، أو نسيانًا، أو اقتراضًا تمم به رأس المال بعد إقراره به لربه، كأن قال عامل: هذا رأس مال مضاربتك.
ففسخ ربها، وأخذه.
فادعى العامل أن المال كان خسر، وأنه خشي إن وجده ناقصًا يأخذه منه، فاقترض ما تممه به، ليعرضه عليه تامًا، فلا يقبل قواسه فيه، لأنه رجوع عن إقرار بحق لآدمي.
ولا يقبل قوله في رد مال المضاربة إلى ربه بلا بينة، نصًّا 477، لأنه قبضه لنفع له فيه، أشبه المستعير، والقول قول المالك في ذلك.
ويقبل قول مالك في صفة خروجه عن يده، كأن قال: أعطيتك ألفا قراضًا، على النصف من ربحه.
وقال العامل: بل قرضًا لا شيء لك من ربحه، فقول رب المال، لأن الأصل بقاء ملكه عليه، فإذا حلف، قسم الربح بينهما، وإن خسر المال، أو
الجزء: 2 - الصفحة: 797
تلف، فقال ربه: كان قرضًا.
وقال العامل: كان قراضًا، أو بضاعة، فقول ربه -أيضًا- لأن الأصل في قبض مال الغير الضمان، فلو أقاما بينتين، قُدِّمَتْ بينة عامل، لأن معها زيادة علم، ولأنه خارج.
وإن قال رب المال: كان بضاعة.
وقال العامل: كان قراضًا، حلف كل منهما على إنكار ما ادعاه خصمه، وكان له أجر عمله، لا غير.
ويقبل قول مالك بعد ربح في قدر ما شرط لعامل، فإن أقاما بينتين، قدمت بينة عامل -أيضًا- ويصح دفع عبد، أو دابة، أو قِربة، أو قِدْر، أو آلة حرث، ونحو ذلك لمن يعمل به بجزء من أجرته.
ويصح خياطة ثوب، ونسج غزل، وحصاد زرع، ورضاع قن، واستيفاء مال، وبناء دار، وطاحون، ونجر باب 478، ونحو ذلك، بجزء مشاع منه، لأنها عين تنمى بالعمل عليها، فصح العقد عليها ببعض نمائها.
ويصح دفع دابة، أو نحل، أو عبد، أو أمة، لمن يقوم به مدة معلومة بجزء منه، كربعه، أو خمسه، والنماء ملك لهما، على حسب ملكيهما، لا بجزء من نماء كدَرٍّ، ونسل، وصوف، وعسل، ونحو ذلك، لحصول نمائه بغير عمل، وله أجر مثله.
والضرب (الثالث: شركة الوجوه، وهي أن يشتركا) بلا مال (في ربح ما يشتريان في ذممهما بجاهيهما) أي بوجوههما، وثقة التجار بهما 479 والجاه والوجه واحد، يقال: فلان وجيه ذو جاه.
480
وهي جائزة لاشتمالها على مصلحة بلا مضرة، ولا يشترط لصحتها ذكر جنس ما يشتريانه، ولا ذكر قدره، ولا ذكر وقت الشركة.
فلو
الجزء: 2 - الصفحة: 798
قال أحدهما للآخر: كلما اشتريت من شيء فبيننا، وقال له الآخر كذلك، صح العقد، ولا يعتبر ذكر شروط الوكالة، لأنها داخلة في ضمن الشركة، بدليل المضاربة، وشركة العنان.
(وكلٌّ) من شريكي الوجوه (وكيل الآخر) في بيع وشراء (وكفيله بالثمن) لأن مبناها على الوكالة والكفالة.
وملكٌ فيما يشتريان كما شرطا، لحديث: "المؤمنون عند شروطهم" 481 وربحٌ كما شرطا، من تساو وتفاضل لأن أحدهما قد يكون أوثق عند التجار، وأبصر بالتجارة، ولأنها منعقدة على عمل وغيره، فكان ربحها على ما شرطا، كشركة العنان.
والخسران بتلفٍ، أو بيعٍ بنقص عما اشتري به، على قَدْرِ الملك، فمن له الثلثان مثلًا فعليه ثلثا الوضيعة، وهكذا، سواء كان الربح بينهما كذلك، أو لا، وتصرفهما كتصرف شريكي عنان، على ما سبق 482.
والضرب (الرابع: شركة الأبدان) سميت بذلك: لاشتراكهما في عمل أبدانهما 483. (وهي) نوعان: أحدهما (أن يشتركا فيما يتملكان بأبدانما من مباح كاصطياد ونحوه) كاحتشاش، وتلصص على دار الحرب، واحتج أحمد بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد أشرك بين عمَّار وسعد وابن مسعود.
فجاء سعد بأسيرين، ولم يجيئا بشيء 484. كان ذلك في غزوة بدر، وكانت غنائمها لمن
الجزء: 2 - الصفحة: 799
أخذها، قبل أن يشرك اللَّه تعالى بينهم 485.
(أو) أن يشتركا فيما (يتقبَّلان في ذممهما من عمل، كخياطة) وحدادة وقصارة، وهذا هو النوع الثاني.
ولو قال أحدهما: أنا أتقبل، وأنت تعمل، والأجرة بيننا؛ صح، لأن تقبل العمل يوجب الضمان على المتقبِّل، ويستحق به الربح، فصار كتقبله المال في المضاربة، والعمل يستحق به العامل الربح، كعمل المضارب، فينزَّل منزلة المضاربة (فما تقبله أحدُهما) من عمل (لزمهما عمله، وطولبا به) لأن مبناها على الضمان، فكأنها تضمنت ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه، ولكل من الشريكين طلب أجرة عمل، ولو تقبله صاحبه، ويبرأ مستأجر بدفعها لأحدهما، وتلفها بيد أحدهما بلا تفريط: عليهما، لأن كلًّا وكيل الآخر، ولا يشترط لصحتها اتفاق صنعة الشريكين، فلو اشترك حداد ونجار، أو خياط وقصار، فيما يتقبلان في ذممهما من عمل، صح، لاشتراكهما في كسب مباح، أشبه ما لو اتفقت الصنائع.
ولا يشترط اصحة الشركة معرفة الصنعة لواحد منهما.
(وإن ترك أحدهما) أي الشريكين (العمل) لعذر (أو لا) لعذر، بأن كان حاضرًا صحيحًا (فالكسب بينهما) على ما شرطا (ويلزم من عُذِر) بنحو مرض في ترك عمل مع شريكه (أو لم يَعْرف العمل أن يقيم مقامه) في العمل = فإنه لم يسمع منه.
اهـ
الجزء: 2 - الصفحة: 800
(بطلب شريك) له بذلك لدخولهما على العمل، فلزمه أن يفي بمقتضى العقد، وللآخر الفسخ إن امتنع، أو لم يمتنع.
ولا تصح شركة دلَّالين، لأن الشركة الشرعية لا تخرج عن الوكالة والضمان، ولا وكالة هنا، لأنه لا يمكن توكيل أحدهما على بيع مال الغير، ولا ضمان، لأنه لا دين بذلك يصير في ذمة واحد منهما، ولا تقبُّل عمل 486.
والضرب (الخامس شركة المفاوضة، وهي) لغة: الاشتراك في كل شيء 487، وشرعًا 488: (أن يفوض كل) من اثنين فأكثر (إلى صاحبه كل تصرف مالي) من بيع، وشراء في الذمة، ومضاربة، وتوكيل، ومسافرة
الجزء: 2 - الصفحة: 801
بالمال، وارتهان، وتقبل ما يرى من الأعمال.
أو 489 (يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما فتصح؛ إن لم يدخلا فيها كسبًا نادرًا) أو غرامة، لأنها لا تخرج عن أضرب الشركة التي تقدمت (وكلها جائزة.
ولا ضمانَ فيها إلا بتعدٍّ أو تفريط) 490.
وإن أدخلا فيها كسبًا نادرًا، كوجدان لقطة، أو ركاز، أو ما يحصل من ميراث، أو أدخلا فيها ما يلزم أحدهما من ضمان غصب، أو أرش جناية، أو ضمان عارية، ونحو ذلك، فهي حينئذ فاسدة، لأنه عقد لم يرد الشرع بمثله، ولما فيه من كثرة الغرر، لأنه قد يلزم فيه ما لا يقدر الشريك عليه، ولكل من الشريكين في هذا القسم ما يستفيده، وله أجرة عمله.
الجزء: 2 - الصفحة: 802
فصل في المساقاة
من السقي 491 (وتصح المساقاة على شجر) مغروس معلوم (له ثمر يؤكل) لمن يعمل عليه، بجزء مشاع معلوم من ثمره النامي بعمله، وسواء النخل، والكَرمُ، والرمان، والجوز، واللوز، والزيتون، وغيرها، لحديث ابن عمر قال: عامل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
متفق عليه 492.
(و) تصح المساقاة على (ثمرة موجودة بجزء) مشاع معلوم (منها) لأنه إذا جاز في المعدوم مع كثرة الغرر، فعلى الموجود مع قلته أولى.
وتصح المغارسة، وهي: دفع (شجر) معلوم، له ثمر مأكول بلا غرس، مع أرض لمن (يفرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء) مشاع معلوم (من الثمرة أو) من (الشجر) عينه (أو منهما) أي من الشجر والثمرة 493. فإن
الجزء: 2 - الصفحة: 803
لم يكن الغراس من رب الأرض، فسدت على المذهب 494، وربُّ الأرض بالخيار بين تكليف رب الغراس أخذه، ويضمن له نقصه، وبين تملكه بقيمته، إلا أن يختار ربه أخذه، وإن اتفقا على إبقائه بأجرة، جاز.
وإن دفع أرضًا وشجرًا لمن يعمل عليه بجزء من الأرض والشجر لم يصح، كما لو جعل له في المساقاة جزءًا من الشجر (فإن فسخ مالك) المساقاة، أو مات (قبل ظهور ثمرة) وبعد عمل (فلعامل أجرته) لاقتضاء = "الاختيارات" (ص 219).
الجزء: 2 - الصفحة: 804
العقد العوض المسمى، ولم يرض العامل بإسقاط حقه منه (أو) فسخ (عامل) المساقاة، أو هرب قبل ظهور ثمرة (فلا شيء له) لإسقاط حقه برضاه، كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح (وتُملك الثمرة بظهورها فعلى عامل تمام عمل إذا فسخت بعده) أي بعد ظهور الثمرة فيما ساقا عليه، والثمر بينهما، على ما شرطا في العقد.
وإن بان الشجر المساقى عليه مستحقًّا لغير المساقي، بعد عمل عامل فيه، فلربه أخذه وثمره، لأنه عين ماله، ولا شيء عليه للعامل، لأنه لم يأذن، وله أجر مثله على الغاصب، لأنه غرَّه واستعمله.
(وعلى عامل) في مساقاة ومغارسة ومزارعة (كلُّ ما فيه نمو أو صلاح) لثمر وزرع، من سقي بماء حاصل، لا يحتاج إلى حفر بئر، ولا إدارة دولاب، وإصلاح طريقة (وحصاد ونحوه) كدياس، وتشميس ما يحتاج إليه، وإصلاح محله، وحفظ ثمرة، وزرع إلى قسمه (وعلى رب أصل حفظـ) ـه، ونحوه، كسدِّ حائط، وإجراء نهر، وحفر بئر، وثمن دولاب، وما يديره من بهائم، وشراء ما يلقح به من طلع فحالٍ، وتحصيل زبلٍ، وسباخ 495، لأن هذا كله ليس من العمل، فهو على رب المال.
(وعليهما) أي العامل ورب المال (بقدر حصتيهما جذاذ) نصًّا 496، ويصح شرطه على عامل، نصًّا 497، ولا يصح أن يشترط على أحدهما ما على الآخر كلة أو بعضه، ويفسد العقد به، لمخالفته مقتضاه، ويتبع في الكُّلَفِ السلطانية 498 العرفُ، ما لم يكن شرط، فيعمل به.
وما طلب من قرية من
الجزء: 2 - الصفحة: 805
وظائف سلطانية ونحوها؛ فعلى قدر الأموال، وإن وضعت على الزرع فعلى ربه، وعلى العقار على ربه، ما لم يشترطه على مستأجر 499.
والخراج على رب المال، لأنه على رقبة الأرض، أثمر الشجر أو لم يثمر، ولأنه أجرة الأرض فكان على من هي ملكه.
وكره حصاد وجذاذ ليلًا، نصًّا 500، خشية ضرر.
(وتصح المزارعة بجزء معلوم مما يخرج من الأرض) كثلث، وربع، ونحو ذلك (بشرط علم) جنس (بذر) ولو تعدد البذر (و) علم (قدره، و) بشرط (كونه) أي البذر (من رب الأرض) نصًّا 501. واختاره عامة الأصحاب، وعنه: ما يدل على أنه لا يشترط ذلك، وصححه في "المغني" وغيره، وجزم به في "المختصر" 502، فإن كان في الأرض شجر، فزارعه على الأرض، وساقاه على الشجر، صح، سواء قل بياض الأرض، أو كثر.
نص عليه 503. وقال: قد دفع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خيبر على هذا 504.
وإن آجره الأرض وساقاه على الشجر، صح، كجمع بين إجارة وبيع، ما لم يكن حيلة على بيع الثمرة قبل وجودها، أو قبل بدو صلاحها، كان آجره الأرض بأكثر من أجرتها، وساقاه على الشجر بجزء مثلًا من ألف جزء، فيحرم ذلك، ولم يصح كل من الإجارة، والمساقاة.
= وأثره في فقه المعاملات المالية عند الحنابلة" (2/ 1027).
الجزء: 2 - الصفحة: 806
وإن شرط رب المال لعامل نصف هذا النوع، أو الجنس من ثمر أو زرع، وربع الآخر، وجهل قدرهما، بأن جهلاهما، أو جهلهما أحدهما، أو شرط أن سقى العامل سيحًا 505، أو زرع شعيرًا، فله الربع، وإن سقى بكلفة، أو زرع حنطة، فله النصف، أو قال له: اعمل، ولك الخمسان إن لزمتك خسارة، وإلا فلك الربع، أو شرطا أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسمان الباقي؛ لم يصح، للجهالة.
وإن قال: ساقيتك هذا البستان بالنصف، على أن أساقيك الآخر بالربع، فسدتا، لأنه شرط عقد في عقد، فهو في معنى بيعتين في بيعه المنهي عنه، كما لو شرطا لأحدهما قفزانًا معلومة، أو دراهم معلومة، أو زرع ناحية معينة، أو ثمر شجر ناحية معينة.
وإذا فسدت المزارعة، فالزرع لرب البذر.
أو المساقاة، فالثمرة لرب الشجر، لأنه عين ماله، ينقلب من حال إلى حال، وينمو، كالبيضة تحضن فتصير فرخًا، وعليه الأجرة -أي أجرة مثل العامل- لأنه بذل منافعه بعوض لم يسلم له، فرجع إلى بدله، وهو أجر المثل، وإن كان رب البذر هو العامل، فعليه أجرة مثل الأرض.
الجزء: 2 - الصفحة: 807
فصل في الإجارة
من الأجر وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرًا، لأنه تعالى يعوض العبد على الطاعة، أو صبره عن المعصية 506، وهي ثابتة بالإجماع 507، وسنده من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 508، ومن السنة حديث عائشة في خبر الهجرة، قالت: "واستأجر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر رجلًا من بني الدَّيْل 509 هاديًا خِرِّيتًا".
والخريت: الماهر بالدلالة 510. رواه البخاري 511.
والحاجة داعية إليها.
الجزء: 2 - الصفحة: 808
وهي لغة: المجازاة 512. وشرعًا: عقد على منفعة مباحة معلومة، تؤخذ شيئًا فشيئًا 513.
(وتصح الإجارة بثلاثة شروط):
أحدها: (معرفة منفعة) لأنها المعقود عليها، فاشترط العلم بها كالبيع: إما بعرف كسكنى دار شهرًا، وخدمة آدمي سنة، فلا تحتاج إلى ضبط، كالسكنى فيخدمه نهارًا، ومن الليل ما يكون من خدمة أوساط الناس، أو بوصف، كحمل زُبْرَة حديد 514 وزنها كذا إلى محل كذا، لأن المنفعة إنما تعرف بذلك، فإن كان كتابًا، فوجد المحمول إليه غائبًا، فله الأجرة، لذهابه، ورده.
وفي "الرعاية" 515: إن وجده ميتًا، فالمسمى فقط.
أو بناء حائط، فيذكر طوله، وعرضه، وسمكه، وآلته، لاختلاف الغرض، فلو بناه، ثم سقط، فله الأجرة، لأنه وفَّى بالعمل، إلا إنا كان سقوطه بتفريطه.
وتصح إجارة أرض معينة، برؤية، لا وصف، لأن الأرض لا تنضبط به، لزرع، أو غرس، أو بناء معلوم.
أو لزرع، أو غرس، أو بناء ما شاء، أو لزرع، أو لغرس، أو لبناء، ويسكت، فله زرع وغرس وبناء ما شاء، كأنه استأجرها لأكثر ذلك ضررًا.
وإن كانت الإجارة لركوب: اشترط مع ذكر الموضع المركوب إليه، معرفة راكب، برؤية، أو صفة، وذكر كوب كمبيع، إن لم يكن مرئيًا، لاختلاف المقاصد بالنظر إلى أجناس المركوب، من كونه فرسًا، أو
الجزء: 2 - الصفحة: 809
بعيرًا، أو بغلًا، أو حمارًا، ومعرفةُ ما يركب به من سرج أو غيره، ومعرفة كيفية سيره من هملاج 516 وغيره لا ذكوريته وأنوثته، أو نوعه.
(و) الشرط الثاني: (إباحتها) أي المنفعة، أي كون نفع معقود عليه مباحًا مطلقًا، بلا ضرورة، بخلاف جلد ميتة، وإناء من ذهب أو فضة، لأنه لا يباح إلا عند الضرورة، لعدم غيره، مقصودًا عرفًا، يستوفى من عين مؤجرة، دون استهلاك الأجزاء، بخلاف شمع لشعل وصابون لغسل مقدورًا عليه، بخلاف ديك ليوقظه لصلاة، ولا يصح، نصًّا 517، لأنه لا يقف على فعل الديك، ولا يمكن استخراجه منه بضرب ولا غيره.
وتجوز إجارة كتاب لنظر، وقراءة ونقل، لا مصحف، فلا تجوز إجارته، لأنه لا يجوز بيعه.
وتصح إجارة حائط لحمل خشب معلوم، وبئر يستقى منها أيامًا معلومة، لأن فيها نفعًا مباحًا بمرور الدلو، والماء يؤخذ على أصل الإباحة، وحيوان لصيد، وقرد لحراسة.
ولا تصح إجارة كلب، أو خنزير، لأنه لا يصح بيعهما.
ويصح استئجار عَنْبرٍ وصَنْدَل ونحوه، لشمٍّ مدةَ معينة، لأنه نفع مباح، كالثوب للبس.
ولا يصح استئجار ما يسرع فساده من الطيب، كالرياحين، لتلفها من قريب، تشبه المطعومات.
ولا تصح إجارة على زنا، أو زمر، أو غناء، أو نَوحٍ، ونَسْخٍ كتب بدعةٍ، وشِعْر محرم، ونحوه، لأن المنفعة المحرمة لا تقابل بعوض في بيع، فكذا في إجارة.
الجزء: 2 - الصفحة: 810
ولا تصح إجارة فحل الضراب، لنهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن عسب الفحل 518، متفق عليه.
ولا تصح إجارة في امرأة ذات زوج بلا إذنه، لتفويت حقه باشتغالها عنه، بما استؤجرت له.
(و) الشرط الثالث: (معرفة أجرة) لأنه عوض في عقد معاوضة، فاعتبر علمه، كالثمن، ولخبر: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره" 519 ويصح أن تكون الأجرة معينة، وأن تكون في الذمة.
ويصح استئجار دارٍ بسكنى دارٍ أخرى، مدة معلومة، للعلم بالعوض.
ويصح استئجار حلي للبس، بأجرة من جنسه أو غيره (إلا أجيرًا ومرضعًا) 520 أمًّا أو غيرها (بطعامهما وكسوتهما) فيصح، وإن لم يوصفا، وكذا لو استأجرهما بدراهم معلومة وشرط معها طعامهما وكسوتهما، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 521 فأوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع، ولم يفرق بين المطلقة وغيرها، بل الزوجة تجب نففتها وكسوتها بالزوجية، وإن لم ترضع، وهما في تنازع في صفة طعام أو
الجزء: 2 - الصفحة: 811
كسوة، أو قدرهما؛ كزوجة، فلهما نفقة، وكسوة مثلهما.
وسن لموسر استرضع أمةً لولده عند فطامه: إعتاقها، وحرةٍ إعطاؤها عبدًا أو أمةً، لحديث أبي داود، عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج عن أبيه قال: قلت: يا رسول اللَّه ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: الغُرَّةُ: العبد أو الأمة 522. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال الشيخ تقي الدين: لعل هذا بالمتبرعة بالرضاع 523.
(وإن دخل حمَّامًا، أو) ركب (سفينة، أو أعطى ثوبه خياطًا) ليخيطه (ونحوه) كأن أعطى ثوبه صبَّاغًا ليصبغه، أو قصارًا ليقصره، أو أعطى حدادًا حديدًا ليضربه سيفًا، ونحوه، أو استعمل حمّالًا، أو حلاقًا، أو دلالًا بلا عقد معه (صح، ووه أجرة مثل) ولو لم تجر عادة بأخذه أجرة، لأنه عمل له بإذنه ما لمثله أجرة، ولم يتبرع، وهذا في المنتصب لذلك، وإلا فلا شيء له إلا بعقد، أو شرط، أو تعريض.
وإن أكرى دابة، وقال لمستأجرها: إن رددتها اليوم فبخمسة، وإن رددتها غدًا فبعشرة، صح نصًّا 524.
(وهي) أي الإجارة (ضربان) أحدهما: (إجارة) منفعة (عين وشرط) لها شروط خمسة:
أحدها: (معرفتها) أي العين المؤجرة للعاقدين، برؤية، أو صفة، كالمبيع، لاختلاف الغرض باختلاف العين وصفاتها.
(و) الشرط الثاني: (قدرة) مؤجر (على تسليمها) أي العين المؤجرة كمبيع، لأنها بيع منافع أشبهت بيع الأعيان، فلا تصح إجارة آبق، ولا
الجزء: 2 - الصفحة: 812
شارد، ولا مغصوب ممن لا يقدر على أخذه، كما لا يصح بيعه.
(و) الشرط الثالث: (عقد في غير مرضع 525 على نفعها) أي العين المؤجرة (دون أجزائها) فلا تصح إجارة الطعام للأكل، ولا الشمع للشعل، ولا الصابون للغسل، كما تقدم 526.
ولا تصح إجارة حيوان ليرضعه ولده، أو قنه أو يأخذ لبنه، ولا أن يستأجره ليأخذ صوفه، أو شعره، أو وبره، لأن مورد عقد الإجارة النفع، والمقصود ههنا العين، وهي لا تملك ولا تستحق بإجارة.
ويصح استئجار الآدمية للرضاع، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 527 والفرق بينها وبين البهائم أنه يحصل منها عمل من وضع الثدي في فم المرتضع، بخلاف البهيمة، وللضرورة.
(و) الشرط الرابع: (اشتمال) العين المؤجرة (على النفع)، فلا تصح إجارة بهيمة زمنةٍ 528 للحمل، أو الركوب، ونحو ذلك، ولا لقلع سن سليم، أو قطع يد سليمة، ولا تصح إجارة أرض لا تنبت للزرع.
(و) الشرط الخامس: (كونها) أي المنفعة، مملوكة المؤجر أو مأذونًا له فيها) لأنها بيع المنافع، فاشترط فيها ذلك، كالبيع.
وتصح إجارة مستأجر العين، لمن يقوم مقامه في استيفاء النفع، أو لمن دونه في الضرر، ولا يجوز أن يؤجرها لمن [هو] 529 أكثر ضررًا منه، ولا لمن يخالف ضررُه ضررَه.
وإن كان المأجور حرًّا، فليس لمستأجره أن يؤجره، لأنه لا تثبت يد غيره عليه، وإنما هو يسلم نفسه إن كان كبيرًا، أو يسلمه وليه إن كان صغيرًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 813
وتصح إجارة العين المؤجرة لمؤجرها بمثل الأجرة، وبزيادة، ولو لم يقبض المستأجر المأجور، ما لم تكن حيلة لعينةٍ بأن أجرها بأجرة حالة، ثم استأجرها بأكثر منه مؤجلًا، فلا يصح، لما سبق، في مسألة العينة 530، وليس للمؤجر الأول مطالبة المستأجر الثاني بالأجرة، لأن غريم الغريم ليس بغريم.
وتصح إجارة وقف، فإن مات المؤجر انفسخت، إن كان المؤجَر الموقوف عليه ناظرًا بأصل الاستحقاق، وإن جعل له الواقف النظر، أو تكلم بكلام يدل عليه، فله النظر بالاستحقاق والشرط، ولا تبطل الإجارة بموته.
(وإجارة العين قسمان) أحدهما: أن تكون (إلى أمد معلوم) كإجارة الدار شهرًا، أو الأرض عامًا، أو الآدمي للخدمة، والرعي، والخياطة، أو للنسخ مدة معينة، ويسمى الأجير فيها الخاص 531، وهو من قُدِّر نفعه بالزمن، ويشترط أن يكون الأمد معلومًا (يغلب على الظن بقاؤها) أي العين المؤجرة (فيه) وإن طال، لأن المعتبر كون المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة منها غالبًا، ولا فوق بين الوقف والملك، ولا يشترط أن تلي مدة الإجارة العقد، فتصح إجارة عين لسنة خمس في سنة أربع، ولو كانت العين مؤجرة، أو موهونة، أو مشغولة بنحو زرع وقت عقد، إن قدر مؤجر على تسليم ما آجره عند وجوبه.
القسم (الثاني): إجارة العين (لعمل معلوم كإجارة دابة) معينة، أو موصوفة (لركوب، أو حمل إلى موضع معين) وله ركوب مؤجرة إلى موضع مثله، في طويق مماثلة للطريق المعقود عليها، مسافةً وسهولة، وأمنًا.
(الضرب الثاني) من ضربي الإجارة: (عقد على منفعة في الذمة، في
الجزء: 2 - الصفحة: 814
شيء معين، أو موصوف) بصفات كالسلم (فيشترط تقديرها بعمل، أو مدة، كبناء دار) يذكر الآلة ونحوها كما تقدم 532 (و) كـ (خياطة) ثوب يذكر جنسه، وقدره، وصفة الخياطة (وشُرط معرفة ذلك وضبطه) بما لا يختلف به العمل (و) شُرط (كون أجير فيها) أي الإجارة (آدميًّا، جائز التصرف) لأنها معاوضة على عمل في الذمة، ويسمى الأجير فيها مشتركًا 533 لتقدير نفعه بالعمل، ولأنه يتقبل أعمالًا لجماعة، فمنفعته مشتركة بينهم، وشرط: أن لا يجمع بين تقدير مدة وعمل، كقوله: استأجرتك لتخيط هذا الثوب، في يوم.
ويلزمه الشروع في العمل عقب العقد، لجواز مطالبته به إذًا.
(و) شرط (كون عمل) معقود عليه (لا يختص فاعله، أن يكون من أهل القربة) ككونه مسلمًا، ولا يقع ذلك العمل إلا قربة لفاعله، كأذان، وإقامة، وإمامة، وتعليم قرآن، وفقه، وحديث، ونيابة في حج، ويحرم أخذ أجرة على ذلك.
لحديث عثمان بن أبي العاص: كان آخر ما عهد إلينا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا.
قال الترمذي: حديث حسن 534. وعن عبادة بن الصامت قال: علَّمت أناسًا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إليّ رجل منهم قوسًا، قال: قلت: قوس، وليست بمال.
قال: قلت: أتقلدها في سبيل اللَّه، فذكرت ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقصصت عليه القصة، قال: "إن سرك أن يقلدك اللَّه قوسًا من نار
الجزء: 2 - الصفحة: 815
فاقبلها" 535، وعن أُبي بن كعب: أنه علَّم رجلًا سورة من القرآن، فأهدى له خميصة أو ثوبًا، فذكرت ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "إنك لو لبستها لألبسك اللَّه مكانها ثوبًا من نار" رواه الأثرم في سننه 536. ولأن من شَرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى اللَّه، فلا يصح أخذ الأجرة عليها، كما لو استأجر إنسانًا يصلي خلفه الجمعة أو التراويح.
ولا يحرم أخذ جعالة على ذلك، لأنها أوسع من الإجارة، ولهذا جازت مع جهالة العمل والمدة، ولا على رقية، نصًّا 537، لحديث أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب رسول اللَّه شير في سفرة سافروها، حتى نزلوا
الجزء: 2 - الصفحة: 816
على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يُضيِّفوهم.
فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء.
فقال بعضهم: لو أتيتم هذا الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عندهم بعض شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني واللَّه لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يَتْفِلُ عليه، ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبة 538، فأوفوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا، حتى نأتي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنذكر له الذي كان، فننظر الذي يأمرنا به، فقدموا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكروا له ذلك، فقال: "وما يدريكم أنها رقية؟ "، ثم قال: "أصبتم، اقتسموا، واضربوا لي معكم سهمًا" وضحك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رواه الجماعة إلا النسائي 539. كما لا يحرم أخذ على ذلك بلا شرط، وحديث القوس والخميصة قضيتان في عين.
وأما ما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، كتعليم خط، وحساب، وشعر مباح، وبناء مسجد، وقناطر، وذبح هدي، وأضحية، وتفريق صدقة، ونحو ذلك، فيجوز الاستئجار له، وأخذ الأجرد عليه، لأنه يقع تارة قربة، وتارة غير قربة، أشبه غرس الأشجار، وبناء البيوت.
الجزء: 2 - الصفحة: 817
ولا يحرم أخذ رزقٍ 540 من بيت المال، أو من وقف على متعد نفعه، كقضاء، وتعليم قرآن، وحديث، وفقه، ونيابة في حج، وتحمل شهادة، وأدائها، وأذان، لأنه من المصالح، فجرى مجرى الوقف على من يقوم بها، وليس بعوض، بل رزق للإعانة على الطاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة، ولا يقدح في الإخلاص، وإلا لما استحقت الغنائم، وسلب المقاتل.
ولا يجوز أخذ رزق على قاصر من القرب على فاعله، كصوم، وصلاة خلفه، ونحوهما، كحجه عن نفسه، واعتكافه، لأنه ليس من المصالح، إذ لا تدعو حاجة بعض الناس إلى بعضٍ من أجله.
وصح استئجار لحجم كافصد، ولا يحرم أجره، لحديث ابن عباس: احتجم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأعطى الحجام أجره، ولو علمه حرامًا لم يعطه 541 متفق عليه.
وكره لحر أكل أجرته، وأكل مأخوذ بلا شرط عليه، ويطعمه رقيقًا وبهائم، لحديث: "كسب الحجام خبيث" 542 متفق عليه، وقال: "أطعمه ناضحك ورقيقك" 543. فدل على أنه ليس بحرام، وقد سمى -صلى اللَّه عليه وسلم- الثوم والبصل خبيثين 544 مع عدم تحريمهما، وإنما كرهه للحر تنزيهًا له، لدناءة
الجزء: 2 - الصفحة: 818
هذه الصناعة، وكذا أجرة كسح كنيف.
(و) يجب (على مؤجر) مع إطلاق (كل ما جرت به عادة) أ (وعرف، كزمام 545 مركوب) ليتمكن به من التصرف فيه، ورحله، وحزامه 546، وقَتَب 547 بعير، ولفرس: لجامٌ، وسرج، ولحمار وبغل: بردعة وإكاف 548، لأنه العرف، فيحمل عليه الإطلاق.
(و) على مؤجر (شد، ورفع، وحط) لمحمول عليه، لأنه العرف، وبه يتمكن المكتري من الانتفاع، وعليه لزوم دابة لنزول لحاجة، وواجب كفرض صلاة، وتبريك بعير لامرأة، وشيخ، ومريض، لركوب ونزول، لأنهم لا يتمكنون منه إلا بذلك، وعليه ما يتمكن به مستأجر من نفع كترميم دار بإصلاح منكسر، وإقامة مائل من حائط وسقف، وعمل باب، وتطيين سطح، وتنظيفه، وإصلاح بركة 549 دار، وأحواض، وحمام، ومجاري مياهه، وسلاليم الأسطحة، لأن بذلك وشبهه يتمكن مستأجر من النفع المعقود عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 819
(و) يجب (على مكتر) بمعنى أنه لا يلزم المؤجر، بل إن أراده مكتر فمن ماله (نحو مُحَمِلٍ) قال في "القاموس" (1): كمجلس، شقتان (2) على البعير يحمل عليهما العَدِيْلان (3) (ومظلة) بالكسر والفتح: الكبير من الأخبية، قاله في "القاموس" (4) ووطاء فوق الرحل ودليل إن جهلا الفريق.
وعلى مكتري دار وحمام (و) نحوه (تعزيل نحو بالوعة) وكنيف (5) ودار من قمامة، وزبل، ورماد (إن تسلمها فارغة، وعلى مكتر تسليمها فارغة كذلك).
تتمة
: إذا اكتراه للحج ركب إلى عرفة، ثم العود إلى مكة، ثم إلى منى، ثم إلى رمي الجمار، وإن اكترى إلى مكة لم يتجاوزها.550551552553554
الجزء: 2 - الصفحة: 820
فصل
(وهي) أي الإجارة (عقد لازم) من الطرفين ليس لأحدهما فسخها بلا موجب؛ لأنها عقد معاوضة كالبيع، (فإن تحول مستأجر) من مؤجرة (في أثناء المدة بلا عذر، فعليه كل الأجرة) لاقتضاء الإجارة تمليك المؤجر الأجرة، والمستأجر النفع، فإذا تركه مستأجر اختيارًا منه لم تنفسخ الإجارة، ولم يزل ملكه عن المنافع، كمن اشترى شيئًا وقبضه فتركه.
ولا يجوز لمؤجر تصرف فيها، فإن فعل ويد مستأجر عليها، كأن سكن الدار، وآجرها لغير مستأجر، فعليه أجرة المثل لمستأجر، وعلى المستأجر الأجرة المعقود عليها له، وإن تصرف قبل تسليمها، أو امتنع منه حتى انقضت المدة انفسخت الإجارة، وإن سلمها له في أثنائها انفسخت فيما مضى، ووجب أجر الباقي بالحصة (وإن حوله) أي المستأجر (مالك) الدار ونحوها قبل انقضاء مدة الإجارة (فلا شيء له) من الأجرة لما سكن قبل أن يحوله.
وإن امتنع مؤجر دابة من تسليمها في أثناء المدة، أو أثناء المسافة المؤجرة للركوب، أو الحمل إليها، فلا أجرة لركوبه، أو حمله عليها قبل المنع منه، أو امتنع الأجير من تكميل العمل، فلا أجرة له مما عمله قبل، لأن كلًّا منهم لم يسلم إلى المستأجر ما وقع عليه عقد الإجارة، فلم يستحق شيئًا.
وإن شردت دابة مؤجرة، أو تعذر باقي استيفاء 555 النفع بغير فعل أحدهما فعلى المستأجر من الأجرة بقدر ما استوفى من النفع قبل ذلك، لعذر كل منهما، وإن كانت الإجارة على عمل موصوف بذمة، كخياطة ثوب، أو بناء حائط، وحمل إلى محل معلوم، وهرب الأجير استؤجر من ماله من يعمله، كالمسلم إليه إذا هرب، ونحوه، فإن تعذر استئجار من يعمل من
الجزء: 2 - الصفحة: 821
ماله خُيِّر مستأجر بين فسخ إجارة وبين صبر إلى قدرة عليه، فيطالبه بعمله، لأن ما في ذمته لا يفوت بهربه.
وإن هرب جمَّال، ونحوه، أو مات وترك بهائمه، وله مال، أنفق عليها منه حاكم، لوجوب نفقتها عليه وهو غائب، والحاكم نائبه، وإلا يكن له مال، فأنفق عليها مكتر بإذن حاكم، أو بنية رجوع، رجع على مالكها بما أنفقه، سواء قدر على استئذان الحاكم أو لا، أشهد عليه بنية الرجوع أو لا، لقيامه عنه بواجب، وإن اختلفا فيما أنفقه، وكان الحاكم قدَّره، قبل قول مكتر في ذلك دون ما زاد، وإن لم يقدره قُبِلَ قولُهُ في قدر النفاقة بالمعروف، فإذا انقضت الإجارة باعها حاكم، ووفاه ما أنفاقه على البهائم؛ لأن عليه حفظ مال الغائب.
(وتنفسخ) الإجارة (بتلف معقود عليه) كدابة، أو عبد مات، ودار انهدمت قبضها المستأجر أو لا، وإن تلف في المدة، وقد مضى منها ماله أجرٌ، انفسخت فيما بقي من المدة.
(و) تنفسخ الإجارة بـ (موت مرتضع) أو امتناعه من الرضاع منها، لتعذر استيفاء المعقود عليه.
(و) تنفسخ بـ (انقلاع ضرس) اكتري لقلعه (أو) اكترى مدة معلومة لـ (برئه) لتعذر استيفاء المعقود عليه كالموت، فإن لم يبرأ، أو امتنع مستأجر من قلعه لم يجبر (ونحوه) أي تنفسخ الإجارة بنحه ما ذكر، كمن استؤجر ليقتص من الآخر، أو يحده، فمات، أو ليداويه، فبرئ.
(ولا يضمن أجير خاص) وهو من قدر نفعه بالزمن (ما جنت يده خطأ) ما لم يتعد أو يفرط (ولا) يضمن (نحو حجَّام) أو ختَّان (وطبيب وبيطار) خاصًّا كان أو مشتركًا (عرف حذفهم) أي معرفتهم في صناعتهم، لأنه إذا لم يكن كذلك لم تحل له مباشرة الفعل، فيضمن سرايته، كما لو تعدى.
(إن أذن فيه) أي الفعل (مكلف) وقع الفعل به (أو) أذن فيه (ولي
الجزء: 2 - الصفحة: 822
غيره) أي غير المكلف، كصغير ومجنون (ولم تجن أيديهم) فإن جنت أيديهم كأن تجاوز بالختان إلى الحشفة 556، أو بقطع السِّلْعة 557 ونحوها محل القطع، أو قطع في وقت لا يصلح فيه القطع، أو بآلة كالّةٍ، أو لم يؤذن له فيه ضمن، لأنه فعل غير مأذون فيه.
(ولا) يضمن (راع ما لم يتعد أو يفرط) بنوم، أو غيبة الماشية عنه، أو إسراف في ضرب، أو سلوكه موضعًا يتعرض لتللها به، لأنه أمين على حفظها، فإن تعدى أو فرَّط ضمن كالوديع، فإن اختلفا في تعدّ أو تفريط، فقول راع، لأنه أمين، وإن فعل فعلًا، واختلفا في أنه تعد، رجع إلى أهل الخبرة، وإن ادّعى موتًا، قبل قوله بيمينه، ولو لم يحضر جلدًا ولا غيره منها؛ لأنه أمين، ولأنه مما تتعذر إقامة البينة عليه في الغالب.
(ويضمن) أجير (مشترك ما تلف بفعله) من تخريق قصار لثوب بدقه، أو مده، أو عصره، أو بسطه، وغلط خياط في تفصيل ونحوه، ويضمن جمَّال ما تلف بقوده وسوقه، وانقطاع حبل شد به حمله، ويضمن حامل ما تلف بزلقه، أو عثرته، وسقوطه عنه كيف كان، ويضمن -أيضًا- ما تلف بخطئه في فعل، كصباغ أمر بصبغ ثوب أصفر فصبغه أسود، وخياط أمس بتفصيله قباء ففصله قميصًا، أو ثوب رجل ففصله قميص امرأة، لأن عليًّا -رضي اللَّه عنه- كان يضمِّن الصباغ والصياغ ويقول: لا يصلح الناس إلا ذلك 558. ولأن عمل الأجير المشترك مضمون عليه، فما تولد منه يجب أن
الجزء: 2 - الصفحة: 823
يكون مضمونًا عليه، كالعدوان بقطع عضو، فإن تبرع قصار ونحوه بعمله لم يضمن جناية يده، نصًّا 559، لأنه أمين محض، فإن اختلفا في أنه أجير أو متبرع، فقول قصار ونحوه، لأن الأصل براءته.
و(لا) يضمن أجير ما تلف (من حرزه) أو بسبب غير فعله، إن لم يتعد أو يفرط، نصًّا 560، (ولا أجرة له) لعمله فيه، سواء عمل فيه في بيت ربه، أو غيره، لأنه لم يسلم عمله إلى المستأجر إذ لا يمكن تسليمه إلا بتسليم المعمول، فلم يستحق عوضه، كمكيل بيع، أو تلف قبل قبضه، وله حبس معمول على أجرته إن أفلس ربه، وإلا فليس له ذلك.
(و) الأجير (الخاص) هو (من قُدِّر نفعه بالزمن) كما تقدم 561 (و) الأجير (المشترك) من قدر نفعه (بالعمل).
(وتجب) أي تملك (الأجرة) في إجارة عين، أو إجارة على منفعة في ذمة، كحمل معين إلى مكان معين (بالعقد) شرط فيه الحلول، أو أطلق، كما يجب الثمن بعقد البيع، وحديث: "أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه" 562 لا يعارض ذلك، لأن الأمر بالإتياء في وقتٍ لا يمنع وجوبه قبله (ما لم تؤجل) الأجرة، فإن شرط تأجيلها عمل به، لأن المؤمنين على شروطهم.
= ذلك، ثم رواه بسنده.
الجزء: 2 - الصفحة: 824
وتستحق الأجرة كاملة بتسليم عين معينة كانت أو موصوفة أو بذلها، وتستقر بفراغ عمل وبانتهاء المدة.
(ولا ضمان على مستأجر) تلفت العين تحت يده (إلا بتعد، أو تفريط) (والقول قوله) بيمينه (في نفيهما)، أي التعدي والتفريط.
فائدة
: من وجب عليه دراهم بعقد بيع أو إجارة أو غيرها، فأعطى عنها دنانير أو غيرها، بأن عوض عنها عوضًا، ثم انفسخ العقد، رجع بالدراهم، لأنها عوض العقد، والبائع ونحوه إنما أخذ الدنانير أو نحوها بعقد آخر، ولم ينفسخ، أشبه ما لو قبض الدراهم، ثم صرفها بدنانير، أو اشترى بها عرضًا منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 825
فصل في المسابقة
من السَّبْق -بسكون الباء- وهو: بلوغ الغاية قبل غيره، والسبَق -بفتح الباء- والسبقة: الجُعل الذي يسابق عليه 563. وهي: المجاراة بين الحيوان ونحوه، كرماح، ومناجق 564.
والمناضلة من النضل المسابقة بالرمي 565. سميت بذلك لأن السهم التام يسمى نضلًا، فالرمي به عمل بالنضل.
(وتجوز المسابقة على أقدام و) بـ (سهام و) في (سفن و) بـ (مزاريق) (وسائر حيوان) كإبل، وخيل، وبغال، وحمير، وفيلة.
وأجمع المسلمون على جوازها في الجملة 566، لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ 567 وحديث مسلم: أن سلمة بن الأكوع سابق رجلًا من الأنصار بين يدي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 568.
ويكره الرقص، ومجالس الشعر، وكل ما يسمى لعبًا؛ إلا ما كان معينًا على قتال العدو.
ويستحب اللعب بآلة الحرب، قال جماعة: والثِّقاف 569، لأنه يعين على قتال العدو، ويتعلم بسيف خشب لا حديد،
الجزء: 2 - الصفحة: 826
نصًّا 570، وليس من اللهو المحرم ولا المكروه تأديب فرسه، وملاعبة أهله، ورميه عن قوسه، لحديث عقبة مرفوعًا: "كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل" 571 ثم استثنى هذه الثلاثة، رواه أحمد وغيره.
والمراد ما فيه مصلحة شرعية، ويدخل فيه تعليم الكلب للصيد والحراسة، وتعليم السباحة، ومنه ما في الصحيحين: من لعب الحبشة بدرقهم وحرابهم، وتوثبهم بذلك على هيئة الرقص، في يوم عيد، في مسجد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وستر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عائشة وهي تنظر إليهما.
ودخل عمر فأهوى إلى الحصى يحصبهم، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دعهم يا عمر" 572 متفق عليه.
وكره لمن تعلم الرمي أن يتركه كراهة شديدة لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من علم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها" 573، وتجوز المصارعة، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- صارع ركانة فصرعه 574. رواه أبو داود.
ويجوز رفع الأحجار لمعرفة الأشد، لأنه
الجزء: 2 - الصفحة: 827
في معنى المصارعة.
وأما اللعب بالنرد، والشطرنج 575، ونطاح الكباش، ونقار الديوك -قلت: ومثله معاض الحمير- فلا يباح بعوضٍ ولا بغيره، وهي بالعوض أشد حرمة.
ولا تجوز مسابقة (بعوض) أي مال، لمن سبق (إلا على) مسابقة (إبل، وخيل، وسهام) أي نُشَّاب 576 ونبل للرجال، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر" 577 رواه الخمسة، ولم يذكر ابن ماجه: "نصل".
وذكر ابن عبد البر تحريم الرهن في غير الثلاثة إجماعًا 578.
(وشرط) لصحتها خمسة شروط:
أحدها: (تعيين المركوبين) في المسافة، وتعيين الرماة في المناضلة برؤية فيهما، سواء كانا اثنين أو جماعتين، لأن القصد في المسابقة معرفة ذات المركوبين المسابق عليهما، ومعرفة عدوهما، وفي المناضلة معرفة حذق الرماة، ولا يحصل ذلك إلا بالتعيين بالرؤية، ولا يشترط تعيين الراكبين، = المرام" (ص 216). ورواه البيهقي في "السنن" (كتاب السبق والرمي (10/ 18) عن سعيد بن جبير مرسلًا وقال: مرسل جيد.
اهـ
الجزء: 2 - الصفحة: 828
ولا القوسين.
(و) الشرط الثاني: (اتحادهما) أي المركوبين بالنوع في المسابقة، أو اتحاد القوسين بالنوع في المناضلة، لأن التفاوت بين النوعين معلوم بحكم العادة، أشبها الجنسين، فلا تصح بين عربي وهجين 579، ولا بين قوس عربية وفارسية (و) شرط (تعيين رماة) في المناضلة كما تقدم آنفًا.
(و) الشرط الثالث: (تحديد مسافة) بالابتداء والغاية، وتحديد مدى رمي بما جرت به العادة، أما في المسابقة فلأن الغرض معرفة الأسبق، ولا يحصل إلا بالتساوي في الغاية، لأن من الحيوان ما يقصر في أول عدوه، ويسرع في انتهائه، وبالعكس، فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه، فإن استبقا بلا غاية لينظر أيهما يقف أولًا، لم يجز، وأما في المناضلة فلأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد، فإن قيد بمدى تتعذر فيه الإصابة غالبًا، لم يصح، لأنه يفوت به الغرض المقصود به الرمي.
(و) الشرط الرابع: (علم عوض) لأنه مال في عقد، فوجب العلم به كسائر العقود، ويعلم بالمشاهدة أو الوصف، ويجوز حالًّا ومؤجلًا، وبعضه حالًّا وبعضه مؤجل، كالبيع (وإباحته) أي العوض وهو تمليك للسابق بشرط سبقه.
(و) الشرط الخامس: (خروج) بالعوض (عن شبه قِمار) -بكسر القاف- يقال: قامره قمارًا ومقامرة فقمره، إذا راهنه فغلبه 580، بأن لا يخرج جميعهم العوض، لأنه إذا أخرجه كل منهم، لم يخل أن يغنم أو يغرم، وهو شبه القمار، فإن كان الجُعل من الإمام، أو من غيره، جاز، على أن من سبق فهو له، لما فيه من المصلحة، والقربة، والحث على تعلم الجهاد، ونفع
الجزء: 2 - الصفحة: 829
المسلمين، أو كان الجُعل من أحد المتسابقين، أو من اثنين منهم فأكثر، إذا كثروا، وثمَّ من لم يُخرج، على أن من سبق أخذه جاز، فإن جاءا معًا فلا شيء لهما من الجعل، لأنه لم يسبق أحدهما الآخر، وإن سبق مخرج أحرزه ولم يأخذ من صاحبه شيئًا لئلا يكون قمارًا، وإن سبق الذي لم يخرج أحرز سبق صاحبه، فيملكه، كسائر ماله، كالعوض في الجعالة إذا وفَّى بالعمل، وإن أخرجا معًا لم يجز، إلا بمحلل لا يخرج شيئًا، ولا يجوز كون المحلل أكثر من واحد يكافئ مركوبه مركوبيهما في المسابقة، أو يكافئ رميه رمييهما في المناضلة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس قمارًا، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار" 581 رواه أبو داود.
وإن سبق المخرجان المحلل، ولم يسبق أحدهما الآخر، أحرزا سبقهما، ولا شيء للمحلل، لأنه لم يسبق أحدهما، ولم يأخذا منه شيئًا، لئلا يكون قمارًا، وإن سبق هو أحرز السبقين، أو سبق أحدهما صاحبه والمحلل أحرز السبقين لوجود شرطه، وإن سبق المحلل وأحد المخرجين معًا، أحرز السابق منهما مال نفسه لسبقه، ويكون سبق المسبوق بين السابق والمحلل نصفين، وإن وصلوا الغاية دفعة واحدة أحرز كل واحد منهما سبق نفسه، لأنه لا سابق، ولا شيء للمحلل، لأنه لم يسبق.
والمسابقة جعالة، لا يؤخذ بعوضها رهن ولا كفيل، ولكل فسخها، ما لم يظهر الفضل لصاحبه، ويبطل سباق بموت أحدهما كسائر العقود الجائزة، أو بموت أحد المركوبين، لتعلق العقد بعينه، ولا يبطل بموت أحد الراكبين، أو تلف أحد القوسين، لأنه غير المعقود عليه، كموت أحد المتبايعين.
الجزء: 2 - الصفحة: 830
ويحصل سبق في خيل متماثلي العنق برأس، وفي خيل مختلفيهما بكتف، وفي إبل بكتف، ويعتبر لمسابقة بعوض إرسال الفرسين، أو البعيرين، دفعة واحدة، وأن يكون عند أول المسافة من يشاهد إرسالهما، وعند الغاية من يضبط السابق منهما، لئلا يختلفا في ذلك.
ويحرم أن يجنب أحدهما مع فرسه أو وراءه فرسًا لا راكب عليه، يحرضه على العدو، وأن يصيح به في وقت سباقه، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا جلب ولا جَنَبَ في الرهان" 582 رواه أبو داود.
الجزء: 2 - الصفحة: 831
فصل في العارية
بتخفيف الياء، وتشديدها، من عار الشيء إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للبطال: عيار، لتردده في بطالته، وأعاره وعاره لغتان كأطاعه وطاعه، أو من العري، وهو: التجرد لتجردها من العوض، أو من التعاور، وهو: التناوب، لجعل المالك للمستعير نوبة في الانتفاع بها 583.
(والعارية سنة) لأنها من البر والمعروف، ولا تجب لحديث: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك" 584 رواه ابن المنذر، ولحديث: "ليس في المال حق سوى الزكاة" 585 ونحوه، فيرد ما خالفه إليه جمعًا بين الأخبار.
وتنعقد بكل قول أو فعل يدل عليها: كأعرتك هذه الدابة، أو أركبها إلى كذا أو استرح عليها، ونحوه، وكدفعه دابة لرفيقه عند تعبه، وتغطيته بكسائه لبرده، وإذا ركب الدابة، أو استقر الكساء عليه، كان قبولًا (وكلُّ ما ينتفع به) من الأعيان (مع بقاء عينه) كرقيق ودواب ودور ولباس وأوان (نفعًا مباحًا تصح إعارته) بخلاف ما لا ينتفع به، إلا مع تلف عينه، كأطعمة، وأشربة، وبخلاف غير مباح النفع، لأن الإعارة لا تبيح إلا ما
الجزء: 2 - الصفحة: 832
أباحه الشرع، فلا تصح إعارة لغناء، أو زمر، ونحوه، ولا إناء من أحد النقدين، ولا حلي محرم، ولا أمة ليطأها، أو يقبِّلها، ونحوه (إلا البضع) بضم الباء أي الفرج، فلا تصح إعارته، لأنه لا يباح إلا بملك، أو نكاح (و) إلا (عبدًا مسلمًا لكافر) فتحرم إعارته له للخدمة خاصة، كما تحرم إجارته لها (و) إلا (صيدًا ونحوه) كطيب (لِمُحْرِمٍ) فلا تصح إعارته له، لأنه معاونة على الإثم والعدوان (و) إلا (أمة وأمرد لغير مأمون) فلا تصح إعارته لخدمة، ولا غيرها، لأنه إعانة على الفاحشة.
(وتضمن) العارية (مطلقًا) فرط أو لم يفرط، لما روى الحسن عن سمرة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" 586. رواه الخمسة وصححه الحاكم.
وعن صفوان أنه -عليه السلام- استعار منه يوم حنين أدراعًا فقال: "أغاصب يا محمد؟ فقال: "بل عارية مضمونة" 587 رواه أحمد وأبو داود، ويكون ضمانها (بمثل مثلي) لأنه أقرب إليها من القيمة (و) بـ (قيمة غيره) أي المثلي، وهو المتقوم، لأنه حينئذ يتحقق فوات العارية، فوجب الضمان به، ويلغو شرط عدم ضمانها، كإلغاء شرط ضمان أمانة، لأن مقتضى العقد في العارية الضمان، وفي الأمانة عدمه، فإذا شرط خلافه فسد، لمنافاته مقتضى العقد (يوم تلف) ووقته ليلًا كان أو نهارًا و (لا) تضمن (إن تلفت) بعض أجزائها (باستعمال بمعروف كخمل منشفة) وطنفسة
الجزء: 2 - الصفحة: 833
-بكسرتين- وهي: بساط له خَمْل ونحوهما 588، أو تلفت كلها بمرور الزمان، فلا تضمن، لأنه تلف بالإمساك المأذون فيه، أشبه تلفه بالفعل المأذون فيه، ولو جرح ظهر الدابة الحمل وجب الضمان، سواء كان الحمل معتادًا، أو لا، لأنه غير مأذون به.
(ولا) تضمن العارية (إن كانت وقفًا ككتب علم) ونحوها، كأدراع موقوفة على الغزاة (إلا بتفريط) أو تعد (وعليه) أي المستعير (مؤنة ردها) لحديث: "العارية مؤداة" 589. وحديث: "وعلى اليد ما أخذت حتى ترده" 590. وليس عليها مؤنتها زمن انتفاعه بها، كالمؤجرة، ويقبل قول مستعير بيمينه أنه لم يتعد الاستعمال بالمعروف، لأنه منكر.
(وإن أركب) إنسان دابته (منقطعًا، للَّه) تعالى فتلفت تحته (لم يضمنـ) ـها، لأنها غير مقبوضة، لأنها بيد صاحبها، وراكبها لم ينفرد بحفظها، أشبه ما لو غطى ضيفه بلحاف، فتلف عليه، لم يضمنه.
ومن قال لرب دابة: لا أركب بأجرة، فقال ربها: ما آخذ منك أجرة، ثم ركبها فعارية، لأن ربها لم يبذلها إلا كذلك، أو استعمل مودع الوديعة بإذن ربها، فعارية.
ولا يضمن ولد عارية سُلِّم معها بتلفه عند مستعير، ولا زيادة حدثت عنده في معار إلا بتعد أو تفريط.
وإن اختلف المالك والقابض، فقال المالك: آجرتك، قال: بل أعرتني قبل مضي مدة لها أجرة، فقول قابض بيمينه، وإن كان بعدها، فقول مالك فيما مضى بيمينه، ويجب له أجرة المثل، أو قال قابض: أعرتني أو أجرتني، فقال مالك: غصبتني، فقول مالك بيمينه، وإن قال مالك: أعرتك، وقال قابض: أودعتني، فقول مالك، وكذا في عكسها.
الجزء: 2 - الصفحة: 834
فصل في الغصب
مصدر غصب يغصب، ويقال: اغتصبه يغتصبه اغتصابًا، والشيء مغصوب وغصب، وهو لغة: أخذ الشيء ظلمًا 591. وشرعًا: استيلاء غير حربي على حق غيره، قهرًا، بغير حق 592، ومنه المأخوذ مُكسًا 593، ونحوه.
(والغصب) محرم إجماعًا بالكتاب والسنة 594. وهو (كبيرة) والكبيرة: ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة 595. قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من ظلم شبرًا من أرض طوَّقه اللَّه يوم القيامة من سبع أرضين" 596 متفق على معناه، وفي لفظ: "من غصب شبرًا من الأرض" 597 (فمن غصب كلبًا يُقتنى) ككلب صيد (أو خمر ذمي محترمة) أي مستورة لزمه (ردهما) لأنهما غير ممنوع من إمساكهما، وكذا لو غصب دهنًا متنجسًا، لأنه يجوز الاستصباح به في غير مسجد، أو خمر خلّال.
الجزء: 2 - الصفحة: 835
وإن تخلل خمر في يد غاصب، لزمه رده، فإن تلف ضمنه، و (لا) يلزمه رد (جلد ميتة) غصب، لأنه لا يطهر بدبغ، فلا سبيل إلى إصلاحه.
(وإتلاف الثلاثة) أي الكلب المقتنى، وخمر الذمي، وجلد الميتة (هدر) لأنه ليس لها عوض شرعي، لأنه لا يجوز بيعها، كخنزير، وكخمر غير مستورة، ولو لذمي، وتجب إراقة خمر المسلم غير الخلّال، لأنه لا يقر على اقتنائه.
(وإن استولى) إنسان (على حر مسلم) كبيرًا كان أو صغيرًا، بأن حبسه، ولم يمنعه الطعام والشراب فمات عنده (لم يضمنه) لأنه ليس بمال (بل) يضمن (ثياب) حر (صغير وحليَّه) ولو لم ينزعهما عنه، وعلى من أبعده عن بيت أهله رده إليه، وعليه مؤنته.
ولا يضمن دابة غصبت وعليها مالكها الكبير ومتاعه، لأنها في يد مالكها (وإن استعمله) أي الحر (كرهًا) في خدمة أو غيرها (أو حبسه) مدة لها أجرة (فعليه أجرته) مدة حبسه، لأنه فوت منفعته زمن الحبس، وهي مال يجوز أخذ العوض عنه (كـ) منافع الـ (قن) لا إنْ منع شخصًا العمل من غير حبس، فلا أجرة، لأنه في يد نفسه.
(ويلزمه) أي الغاصب (رد مغصوب بزيادته) متصلة كانت أو منفصلة، إلى محله إن قدر عليه، ولو كان رده بأضعاف قيمته، لحديث: "على اليد ما أخذت حتى ترده" 598. رواه أبو داود وغيره.
وإن قال رب مغصوب مبعد، لغاصب أبعده: دعه بالبلد الذي هو بها، وأعطني أجرة رده إلى بلد غصبه، في يلزم الغاصب إجابته إلى ذلك، لأنها معاوضة، وإن أراد مالك من غاصب رده إلى بعض الطريق فقط، لزمه، لأنه يلزمه إلى جميع المسافة، فلزمه إلى بعضها، وكذا إن طلب إبقاءه بمحله، ويجوز ما اتفقا عليه من ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 836
(وإن نقص) مغصوب عند غاصب (لغير تغير سعر، فعليه أرشه) فيقوَّم صحيحًا وناقصًا، ويغرم الغاصب ما بينهما، لأنه ضمان مال من غير جناية، فكان الواجب ما نقص.
وإن نقص مغصوب بتغير السعر، بأن نزل السعر لذهاب نحو موسم، لم يضمن الغاصب ما نزل السعر، وإن سمر غاصب بالمسامير بابًا، أو غيره، قلعها وجوبًا، وردها لربها، للخبر 599، ولا أثر لضرره لأنه بتعديه.
وإن زرع الغاصب الأرض، فليس لربها بعد حصد الزرع إلا أجرة المثل، من وضع يده على الأرض إلى ردها، ويخير قبل حصاد بين تركه إليه بأجرته، أو تملكه بنفقته، وهي مثل البذر، وعوض لواحقه من حرث وسقي ونحوهما، لحديث رافع بن خديج مرفوعًا: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته" 600. رواه أبو داود والترمذي وحسنه، قال أحمد: إنما أذهب إلى هذا الحكم استحسانًا على خلاف القياس 601.
ولا يجبر غاصب على قلع زرعه، لأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه بلا إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمان، فلم يجز إتلافه، كسفينة غصبها وحمل فيها متاعه وأدخلها الُّلجَّة، بخلاف الشجر، لأن مدته تطول، ولا يعلم انتهاؤها، وحديث: "ليس لعرق ظالم حق" 602 وَرَدَ في الغرس،
الجزء: 2 - الصفحة: 837
وحديث رافع في الزرع 603، فعَمَلُ كل منهما في موضعه، أولى من إبطال أحدهما.
(وإن بنى) غاصب أرضًا فيها (أو غرس) فيها (لزمه قلع) بنائه وغرسه، لحديث: "ليس لعرقٍ ظالمٍ حق" 604 رواه الترمذي وحسنه (و) لزمه (أرش نقص، وتسوية) حفر (أرض) لحصوله بتعديه (و) لزمه (الأجرة) إلى تسليمها، لتلف منافعها تحت يده العادية، وكذا لو لم يتفع بها لزمه أجرتها، وأرش نقصها إن نقصت بترك زرعها ذلك العام، كأراضي البصرة، كما لو نقصت بغيره، حتى ولو كان الغاصب أحد الشريكين، أو لم يغصبها، لكن فعله بغير إذن شريكه، للتعدي.
ولا يملك رب أرض أَخْذَ غَرس أو بناء بقيمته، لأنه عين مال الغاصب، أشبه ما لو وضع فيها أثاثًا أو نحوه، ولأنه معاوضة، فلا يجبر عليها المالك، وإن وهبه لمالكها، لم يجبر على قبوله، لأن فيه إجبارًا على عقد يعتبر فيه الرضى، ورطبة ونحوها مما يتكرر حمله، كقثاء كزرع، فلربها إذا أدركه قائمًا أن يتملكه بنفقته، أو يتركه بأجرته، لأنه ليس له عرق قوي أشبه الزرع، وإن أثمر ما غرسه غاصب في مغصوبة فالثمر له.
ومتى كانت آلات البناء من مغصوب، بأن ضرب من ترابه لبنًا، وبنى به بيتًا فيها، فعليه أجرتها مبنية، لأن الأرض والبناء ملك المغصوب منه، ولا يملك غاصب هدمها، لأنه لا ملك له فيه، ولم يأذن له ربه فيه، فإن نقضه فعليه أرش نقضه.
ومن غصب أرضًا وغراسًا منقولًا من واحد، فغرسه فيها، لم يملك قلعه، لأن مالكهما واحد، ولا يتصرف غيره في ملكه بلا إذنه، وعليه إن = غريب.
اهـ ينظر: "التلخيص الحبير" (3/ 61).
الجزء: 2 - الصفحة: 838
فعل تسويتها، وأرش نقص، لتعديه به، أو طَلَبَ القلعَ ربهما لغرض صحيح، بأن كان لا ينتج مثله في تلك الأرض مثلًا، فعليه تسويتها، وأرش نقصها، وأرش نقص غراس، لتعديه به، فإن لم يكن لمالك غرض صحيح في قلعه، لم يجبر عليه غاصب، لأنه سفه.
وإن غصب أرضًا من واحد، وغرسًا من آخر، فغرسه فيها، فكما لو حمل السيل غراسًا إلى أرض آخر، فلرب الأرض أخذه بقيمته، أو قلعه مع ضمان نقصه، وكذا لو غصب أرضًا من واحد، وحبًّا من آخر، وزرعه فيها.
وإن غصب خشبًا، فرقع به سفينة، قُلِعَ إن كانت في الساحل، أو في لجة البحر لا يخاف عليها من قلعه، لكونه في أعلاها، ودفع إلى ربه بلا إمهال، لوجوبه فورًا، ويمهل مع خوف على سفينة بقلعه بأن يكون في محل يخاف من قلعه دخول الماء إليها، وهي في اللجة حتى ترسي، لئلا يؤدي قلعه إلى إفساد ما في السفينة من المال، مع إمكان رده بدونه في زمن يسير، فإن تعذر الإرساء لبعد البر، فلمالك خشب مغصوب أخذ قيمته، للضرر برد عينه إذن، ومتى رست، واسترجعه، رد القيمة، وعلى الغاصب أجرة الخشب إلى أخذ قيمته إن أخذها، وإلا فإلى رده، وعليه أرش نقصه.
وإن غصب ما خاط به جرحَ محترم من آدمي أو غيره، وخيف ضرر آدمي، أو تلف غيره، فقيمته لمالكه، لتأكد حرمة الآدمي، ولهذا جاز له أخذ مال غيره لحفظ حياته.
وحرمة الحيوان آكد من بقية الأموال، ولو ابتلعت شاةَ شخصٍ جوهرة آخر، ولا تخرج إلا بذبحها، وهو أقل ضررًا: ذبحت، وعلى رب الجوهرة ما نقص بالذبح، إن لم يفرط رب الشاة بكون يده عليها، وإن حصل رأسها بإناء، ولم يخرج إلا بذبحها، أو كسره، ولم يفرطا، كسر الإناء، وعلى مالكها أرشه، ومع تفريط رب الشاة، تذبح بلا ضمان، ومع
الجزء: 2 - الصفحة: 839
تفريط رب الإناء، يكسر بلا أرش، ويتعين في غير مأكولة اللحم كسر الإناء، وعلى ربها أرشه إن فرط.
(ولو غصب) إنسان ما -أي شيئًا- (اتجر) به، كدنانير ودراهم (أو) غصب ما (صاد) به من جارح، أو شبكة، أو شَرَك (أو) غصب ما (حصد به) أو قطع به من منجل، أو فأس (فمهما حصل بذلك) من ربح تجارة، أو صيد جارح، ونحوه، أو ما حصل بمنجل، أو قطع بفأس من حشيش، أو خشب (فلمالكه) أي مالك المغصوب لكن الصحيح أن ما حصد بمنجل، أو قطع بفأس، فهو لغاصب.
قال في "شرح المنتهى": ولو غصب منجلًا أو فأسًا، شقطع به حشيشًا أو خشبًا، فلغاصب، لحصول الفعل منه، كما لو غصب سيفًا، فقاتل به وغنم.
وفي "التلخيص": إن غصب كلبًا، وصاد به، فهو للغاصب.
انتهى 605.
(وإن خلطه) أي المغصوب غاصب (بما لا يتميز) كزيت بزيت، ونقد بنقد من جنسه، على وجه لا يتميز منه، لزمه مثله، كيلًا، أو وزنًا من المختلط، لأنه قدر على رد بعض ماله إليه، مع رد المثل في الباقي، فلم ينقل إلى بدله في الجميع، كمن غصب صاعًا فتلف بعضه، وإن خلط بدونه، أو بجزء منه من جنسه، أو خلطه بغير جنسه على وجه لا يتميز، كزيت بشيرج، ودقيق حنطة بدقيق شعير، ونحوه (أو صبغ الثوب) ولم تنقص قيمة أحدهما (فهما شريكان بقدر ملكيهما) لاجتماع ملكيهما، وهو يقتضي الاشتراك.
الجزء: 2 - الصفحة: 840
وإن زادت قيمة أحدهما، كأن كانت قيمة الثوب عشرة والصبغ خمسة، وصار مصبوغًا يساوي عشرين بسبب غلو الثوب، أو الصبغ، فالزيادة لصاحب الذي علا سعره، لأنها تبع لأصلها (وإن نقصت القيمة) بسبب الخلط، أو الصبغ (ضمن) غاصب النقص، لتعديه بذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 841
فصل
(ومن اشترى أرضًا فغرس، أو بنى) فيها (ثم) وجدت الأرض (مستحقة 606 وقُلع ذلك) أي الغرس أو البناء (رجع) المشتري (على بائع بما غرمه) بسبب ذلك، من ثمن أقبضه، وأجرة غارس، وبانٍ، وثمن مؤن مستهلكة، وأرش نقص بقلع، ونحو ذلك، لأن البائع غر المشتري ببيعه إياها، وأوهمه أنها ملكه، وكان سببًا في غراسه، أو بنائه، فرجع عليه بما غرمه.
ولا يرجع بما أنفق على العبد والحيوان، ولا بخراج الأرض، إذا كانت خراجية، لأنه دخل في الشراء ملتزمًا ضمان ذلك.
(وإن أطعمه) أي المغصوب غاصب (لعالم بغصبه، ضمن آكلٌ) لأنه المباشر، ولا غرر، وإن لم يعلم آكل بالغصب، فقرار الضمان على غاصب، لأنه غر الآكل، وإن أطعمه لمالكه، أو لعبده، أو دابته، فأكله عالمًا أنه له، ولو بلا إذنه، برئ الغاصب، لأن المالك أتلف ماله عالمًا من غير تغرير، فلم يكن له رجوع به على أحد.
(ويُضمن) مغصوب تلف، أو أتلفه الغاصب، أو غيره (مثلي) وهو المكيل والموزون (بمثله) كالأثمان، ولو نقرة، أو سبيكة، وكالحبوب، وكالأدهان، يضمن (وغيره) أي غير المثلي، وهو: المتقوم كالثوب والعبد والدابة (بقيمته) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أعتق شركًا له في عبد قوّم عليه قيمة العدل" 607 متفق عليه.
فأمر بالتقويم في حصة الشريك، لأنها متلفة بالعتق،
الجزء: 2 - الصفحة: 842
ولم يأمر بالمثل، لأن هذه الأشياء لا تتساوى أجزاؤها، وتختلف صفاتها، فالقيمة فيها أعدل، وأقرب إليها، فكانت أولى، وتعتبر القيمة يوم تلفه في بلد غصبه من نقده، فإن كان فيه نقود فمن غالبها، ولا قصاص في المال، مثل شق ثوبه ونحوه، بل الضمان بالبدل، أو الأرش.
(وحرم تصرف غاصب) وغيره ممن علم بالحال (بمغصوب) بما ليس له حكم، من صحة وفساد، كإتلاف، واستعمال، وكذا بما له حكم بأن يوصف بأنه صحيح أو فاسد، ولذا بينه بقولى: (ولا يصح عقد) من بيع، أو إجارة، أو هبة، ونحوها (ولا) تصح (عبادة) لحديث: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" 608.
فإن اتجر غاصب بعين مغصوب أو عين ثمنه، وظهر ربح، فهو لمالك مغصوب دون غاصبه، لأنه نماء ملكه ونتيجته (والقول في) قيمة مغصوب (تالف) أ (و) في (قدره) أ (و) في (صفته) أو في حدوث عيبه، أو في صناعة فيه (قوله) أي الغاصب، بيمينه حيث لا بينة للمالك، لأنه منكر، والأصل براءته من الزائد (و) القول (في رده) أي المغصوب، إلى مالكه أو في (و) جود (عيب فيه) بأن قال الغاصب: كان العبد أعور، أو أعرج، ونحوه (قول ربه) بيمينه على نفي ذلك، لأن الأصل عدم الرد أو العيب، وإن اتفقا على أنه كان به عيب، أو قامت به بينة، فقال الغاصب: غصبته وبه العيب، وقال ربه: بل حدث عندك، فقول غاصب بيمينه، لأنه غارم.
(ومن بيده غصب، أو غيره) من رهن أو أمانة (وجهل ربَّه) أو عرف وفقد، وليس له ورثة (فله الصدقة به عنه) أي عن ربه، بلا إذن حاكم لكن (بنية الضمان) لربه إن ظهر، لأن الصدقة عنه بدون ضمان إضاعة له، لا إلى بدل، وهو غير جائز.
الجزء: 2 - الصفحة: 843
(ويسقط إثم غصب) عن غاصب، إثم مسروق عن سارق، ونحوه، بالصدقة به، لأنه معذور بعجزه عن الرد، لجهله بالمالك، وثوابُها لأربابها، وإن حضروا بعد الصدقة بها، خيروا بين الأجر، والأخذ من المتصدق، فإن أخذوا منه فالثواب له، نصًّا 609.
ومن لم يقدر على مباح يأكله، لم يأكل من حرام ماله غنية عنه، كحلوى، وفواكه، ويأكل عادته.
(ومن أتلف) من مكلف، أو غيره، إن لم يدفعه له ربه (ولو يسيرًا) 610 مالًا (محترمًا) لغيره (ضمنه) أي ما أتلفه لأنه فوته عليه، فوجب عليه ضمانه، كما لو غصبه فتلف عنده، وإن أكره على إتلاف مال مضمون، فمكرهه يضمنه، ولو مال نفسه، ولا يضمن المال غير المحترم بإتلاف كإتلاف صائل لم يندفع بدونه، ومال حربي، ومال بغاةٍ حالَ حرب.
وإن فتح قفصًا عن طائر، أو حل قيد قن، أو أسير، أو دفع لأحدهما مِبرْدًا فبرده، أو حل فرسًا ونحوها، أو رباط سفينة، ففات ذلك، أو عقر شيء من ذلك، أو أتلف شيئًا بسبب إطلاقه؛ ضمنه، أو حل وكاء زِقٍّ مائع، أو جامد، وأذابته الشمس، أو باقي بعد حله، فألقته ريح، ونحوها، فاندفق؛ ضمنه.
ولا يضمن دافع مفتاح للص ما سرقه 611، وإن ضرب يد آخر وفيها نحو دينار، فضاع، أو ألقى عمامته عن رأسه، أو هزه في خصومة، فسقطت وضاعت، أو تلفت، ضمن.
(وإن ربط) شخص (دابة) له أو لغيره أو أوقفها (بطريق ضيق) أو
الجزء: 2 - الصفحة: 844
واسع، نصًّا 612، لما ذكره في "الإقناع" 613 (ضمن ما أتلفته مطلقًا) لتعديه، لأنه ليس له في الطريق حق، وطبع الدابة الجناية بفمها، أو رجلها، فإيقافها في الطريق كوضع الحجر، ونصب السكين فيه، وكذا لو ترك في الطريق طينًا، أو خشبة، أو عمودًا، أو حجرًا، أو كيس دراهم، أو أسند خشبة إلى حائط، ضمن ما تلف بسبب ذلك، لتعديه، ويضمن ما أخذه ظالم بإغرائه ودلالته، لتسببه فيه.
ومن اقتنى كلبًا عقورًا، ولو لصيد وماشية، أو اقتنى كلبًا لا يُقتنى، أو أسود بهيمًا، أو أسدًا، أو غزالًا، أو ذئبًا، أو هرًّا تأكل الطيور، وتقلب القدور عادة، مع علمه، قال المنقح 614: وعلى قياس ذلك الكبش المعلم للنطاح.
انتهى.
فعقر شيء من ذلك آدميًّا، أو دابة، أو خرق ثوب من دخل منزل المقتني بإذنه، إن لم ينبهه عن الكلب، وكذا لو خرق ثوب من هو خارج منزله، أو نفحت دابة بمكان ضيق من ضربها، فتلف بذلك شيء، ضمنه لتسببه فيه، فإن عقر، أو خرق من أدخل منزل ربه بلا إذنه، فلا ضمان.
ويجوز قتل هر يأكل اللحم ونحوه، إن لم يندفع بدونه، كصائل، ومن أجج نارًا بملكه، أو سقاه، فتعدى ذلك إلى ملك غيره، فأتلفه لا بطيران ريح، ضمنه، إن أفرط أو فرط.
ولا يضمن رب غير ضارية 615، وغير جوارح، ما أتلفته، إن لم تكن يده عليها، لحديث: "العجماء جرحها جبار" 616. متفق عليه.
يعني:
الجزء: 2 - الصفحة: 845
هدرًا 617.
(وإن كانت الدابة بيد راكب، أو) يد (قائد، أو) يد (سائق) مالكًا كان، أو مستأجرًا، أو مستعيرًا، أو موصى له بنفعها، قادر على التصرف فيها (ضمن جناية مقدَّمها) من لحمها وحدها (و) ضمن (وطئها برجلها) لحديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "من وقف دابة في سابلة من سبل المسلمين، أو في سوق من أسواقهم، فوطئت بيد أو رجل فهو ضامن" 618. رواه الدارقطني.
ولا يضمن ما نفحت برجلها بلا سبب، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الرجل جبار" 619 رواه أبو داود، وخص بالنفح دون الوطء لإمكان من بيده الدابة أن يمنعها وطء ما لا يريد أن تطأه، بتصرفه فيها، بخلاف نفحها، فلا يمكنه منعها منه، ما لم يجذبها باللجام، زيادة على العادة، أو يضرب وجهها، فيضمن ما نفحته برجلها، لأنه السبب في جنايتها.
وإن تعدد راكب ضمن الأول، لأنه المتصرف فيها، أو من خلفه إن انفرد بتدبيرها، لصغر الأول، أو مرضه، أو عماه، وإن اشتركا في تدبيرها، أو لم يكن إلا سائق وقائد، اشتركا في الضمان.
ويضمن رب دابة، ومستأجر، ومستعير، ومودع، ما أفسدت من
الجزء: 2 - الصفحة: 846
زرع، وشجر، وغيرهما ليلًا فقط، نصًّا 620، لحديث مالك، عن الزهري، عن حرام بن سعد، عن مُحيصة: أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت، فقضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم 621. ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها نهارًا، وحفظها ليلًا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارًا، فإذا أفسدت شيئًا ليلًا كان من ضمان من هي بيده، إن فرط في حفظها، بأن لم يضمنها، بحيث لا يمكنها الخروج، فإن فعل فأخرجها غيره، أو فتح عليها بابها، فعليه الضمان دون مالكها، لتسببه، ولا يضمن ما أفسدت نهارًا، للخبر 622، إلا غاصب، فيضمن ما أفسدت نهارًا -أيضًا- لتعديه بإمساكها.
ومن طرد دابة من مزرعته لم يضمن ما أفسدته، إلا أن يدخلها مزرعة غيره، إن لم تتصل المزارع، فإن اتصلت لم يطردها، وصبر، ليرجع على ربها ببدل ما تأكل، حيث لا يمكنه منعها إلا بتسليطها على مال غيره.
ومن قتل صائلًا عليه، ولو آدميًّا، صغيرًا أو كبيرًا، حرًّا أو عبدًا، عاقلًا أو مجنونًا، دفعًا عن نفسه، لم يضمنه، إن لم يندفع إلا بالقتل، أو قتل خنزيرًا، أو كلبًا عقورًا، لم يضمنه، أو أتلف مزمارًا، أو طنبورًا، أو عودًا، أو طبلًا، أو دفًّا بصنوج، أو حلق، أو نردًا، أو شطرنجًا، أو صليبًا، أو
الجزء: 2 - الصفحة: 847
كسر إناء فضة أو ذهب، أو حليًا محرمًا على ذكر لم يتخذه مالكه يصلح للنساء، أو آلة سحر، أو تنجيم، أو كتب صور خيال، أو أوثانًا، أو كتب مبتدعة مضلة، أو كتب كفر، أو كتبًا فيها أحاديث رديئة، لم يضمن الجميع.
الجزء: 2 - الصفحة: 848
فصل في الشفعة
بإسكان الفاء، من الشفع، وهو: الزوج، لأن نصيب الشفيع كان منفردًا في ملكه، وبالشفعة يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به 623. وهي شرعًا: استحقاق الشريك انتزاع شقص شريكه ممن انتقل إليه بعوض مالي إن كان المنتقل إليه مثله مسلمًا أو كافرًا 624.
والشفعة ثبتت بالسنة، واتفاق كافة العلماء 625، لحديث جابر: قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق، فلا شفعة 626. متفق عليه.
ولا تسقط باحتيال على إسقاطها، لأنها إنما شرعت لدفع الضرر، كأن يظهر المتعاقدان في البيع شيئًا لا يؤخذ بالشفعة معه، ويتواطآن في الباطن على خلافه، كإظهار التواهب، أو زيادة الثمن، ونحوه.
(وتثبت الشفعة) للشريك في الشِّقص 627 المبيع (فورًا) أي ساعة يعلم بالبيع، إن لم يكن عذر، وإلا بطلت، نصًّا 628، لحديث: "الشفعة كحل
الجزء: 2 - الصفحة: 849
العقال" 629 رواه ابن ماجه، وفي لفظ: "الشفعة كنشطة العقال إن قيدت ثبتت وإن تركت فاللوم على من تركها" فإن أخر طلب الشفعة لشدة جوع، أو عطش، حتى يأكل أو يشرب، أو لطهارة، أو لإغلاق باب، أو ليخرج من حمام، أو ليؤذن ويقيم، أو ليشهد الصلاة في جماعة يخاف فوتها، أو من علم ليلًا حتى يصبح، مع غيبة مشتر في جميع هذه الصور، أو لصلاة وسننها ولو مع حضوره، لم تسقط، لأن العادة تقديم هذه الحوائج ونحوها على غيرها، أو أخر الطلب جهلًا بأن التأخير مسقط للشفعة، ومثله يجهله، لم تسقط، بخلاف ما لو تركها جهلًا باستحقاقه لها، أو نسيانًا للطلب، أو البيع، فإن لم يكن مثله يجهله، سقطت شفعته، وإن أشهد بطلبه غائب، أو محبوس، أو مريض، لم تسقط، فإن لم يشهد سقطت، أو سار في طلبها بلا إشهاد سقطت -أيضًا-.
وإنما تثبت الشفعة (لمسلم) فلا شفعة لكافر على مسلم، بخلاف عكسها، كما تقدم 630 (تام الملك) فلا تثبت الشفعة لمالك بملك غير تام، = قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في "الفتاوى" (ص 438): ذكر الأصحاب من شروط الشفعة أن يطالب بها على الفور.
والصحيح أن حق الشفعة كسائر الحقوق، لا يسقط إلا بما يدل على السقوط.
اهـ
الجزء: 2 - الصفحة: 850
كشركة وقف، ولو على معين، فلا يأخذ موقوف عليه بالشفعة، لقصور ملكه عليه، فتثبت له (في حصة شريكه المنتقلة) عنه (لغيره، بعوض مالي) إما بالبيع، أو ما في معناه، كما تقدم 631 (بما استقر عليه العقد) متعلق وما قبله بتثبت فخرج بقوله: في حصة شريكه: الجار، والموصى له بنفع دار، إذا باعها، أو بعضها وارث، لأن الموصى له ليس بمالك لشيء من الدار، وقولة: بعوضٍ، مخرج للموروث والموصى به، والموهوب بلا عوض، ونحوه، وقوله: مالي مخرج للمجعول عوضًا عن مهر، أو خلع، أو دم عمد صلحًا، ونحوه، وقوله: بما استقر عليه العقد: أي عقد البيع أو ما في معناه، لحديث جابر مرفوعًا: "هو أحق به بالثمن" 632. رواه الجوزجاني 633 في "المترجم"، ولأن الشفيع إنما استحق الشقص بالبيع، فكان مستحقًّا له بالثمن كالمشتري، ويدفع لمشتر مثل ثمن مثلي، وقيمة ثمن متقوم، فإن تعذر مثل مثلي فقيمته، أو تعذرت معرفة المتقوم، فقيمة شقص مشفوع، وإن جهل الثمن كصبرة تلفت، أو اختلطت بما لا تتميز منه، ولم يكن ثمَّ حيلة على إسقاطها، سقطت، لأنها لا تستحق بغير بدل، فإن اتهمه شفيع أنه فعله حيلة حلفه.
(وشُرط) لثبوت الشفعة (تقدُّم مِلك شفيع) لجزء من رقبة ما منه الشقص المبيع، بأن يملكه قبل البيع، لأن الشفعة ثبتت لدفع الضرر عن
الجزء: 2 - الصفحة: 851
الشريك، فإذا لم يكن له ملك سابق، فلا ضرر عليه.
(و) شرط (كون شقص) مبيع (مشاعًا) أي غير مفرز (من أرض تحب قسمتها) إخبارًا بطلب من له فيها جزء، لحديث جابر مرفوعًا: "الشفعة فيما لم ينقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" 634 رواه الشافعي -رحمه اللَّه تعالى- ولحديثه -أيضًا-: "إنما جعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" 635 رواه أبو داود.
(ويدخل غراس وبناء) في الشفعة (تبعًا) لأرض، لحديث قضائه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشفعة في كل مشترك لم يقسم ربعة أو حائطًا 636، وهذا يدخل فيه البناء والأشجار، و (لا) تدخل (ثمرة) ظاهرة (و) لا (زرع) في شفعة، لا تبعًا، ولا مفردًا، لأنه لا يدخل في البيع تبعًا، فلا يدخل في الشفعة، كقماش لدار.
(و) شرط (أخذ جميع) شقص (مبيع) دفعًا لضرر المشتري، بتبعيض الصفقة في حقه، بأخذ بعض المبيع (فإن أراد) الشريك (أخذ البعض) من المبيع، مع بقاء الكل، سقطت شفعته، وإن تلف بعضه، كانهدام بيت من دار بيع بعضها بأمر سماوي، أو بفعل آدمي مشتر، أو غيره، أخذ الشفيع باقيه إن شاء بحصته من ثمنه، فلو اشترى شقصًا من دار بألف تساوي ألفين، فباع بابها، أو هدمها، فبقيت بألف، أخذها الشفيع بخمسمائة بالحصة من الثمن نصًّا 637 (أو) إن (عجز عن بعض الثمن) أو عجز عنه كله (بعد إنظاره ثلاثًا) إن طلب الإنظار سقطت شفعته (أو قال لمشتر: بعني) ما اشتريت (أو صالحني) عليه، وأكرنيه، أو هَبْهُ لي، أو اشتريت رخيصًا،
الجزء: 2 - الصفحة: 852
سقطت شفعته، لأن هذا وشبهه دليل رضاه بشرائه، وتركه للشفعة (أو أخبره) إنسان (عدل) بالبيع (فكذبه) أي كذب مخبرًا له ولو واحدًا، لأنه خبر عدل يجب قبوله في الرواية والفتيا والأخبار الدينية، أشبه ما لو أخبره أكثر من عدل (ونحوه) أي نحو ما تقدم، مما يدل على رضاه بشرائه (سقطت) شفعته.
(فإن عفا بعضهم) أي الشركاء وترك شفعته، سقطت و (أخذ باقيهم الكلَّ، أو تركه) قال ابن المنذر: أجمع كل من احفظ عنه من أهل العلم على هذا 638، لأن في أخذ البعض إضرارًا بالمشتري، بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر، وكما لو كان بعضهم غائبًا، فإنه ليس للحاضر إلا أخذ الكل أو تركه، فإن أخذه، فلصاحبه الخيار إذا حضر بين أخذ قدر سهمه من الشفعة وبين الترك، فإن امتنع من حضر من الشركاء من الشفعة حتى يحضر صاحبه، بطل حقه من الشفعة، لأن في تأخيره إضرارًا بالمشتري.
(وإن مات شفيع قبل طلب) مع قدرة، أو إشهاد مع عذر (بطلت) أي سقطت شفعته، لأنه نوع خيار، شرع للتمليك، أشبه الإيجاب قبل القبول، ولأنه لا يُعلم بقاؤه على الشفعة، لاحتمال رغبته عنها، ولا ينتقل إلى الورثة ما يشك في ثبوته (وإن كان الثمن مؤجلًا أُخذ) شفيع (مليء) أي قادر على الوفاء (به) أي بالثمن المؤجل (وغيره) أي غير الملئ، يأخذه (بكفيل ملئ) نصًّا 639، لأنه تابع للمشتري في الثمن وصفته، والتأجيل من صفاته، ويعتد في قدر ثمن بما زيد فيه أو حط منه زمن خيار، لأنه كحالة العقد.
(ولو أقر بائع بالبيع، وأنكر مشتر) الشراء (ثبتت) الشفعة، لثبوت موجبها.
الجزء: 2 - الصفحة: 853
فصل في الوديعة
من وَدَعَ الشيء إذا تركه، لتركها عند المودَع 640، وأجمعوا على جواز الإيداع 641، لقوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ 642، وحديث أبي هريرة مرفوعًا "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" 643 رواه أبو داود وغيره، ولحاجة الناس إليها.
والوديعة شرعًا: المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض 644، ويعتبر لها أركانُ وكالة، من كون كل منهما جائز التصرف، وتعيين وديع ونحوه، وتبطل بما يبطلها، إلا إذا عزله ولم يعلم، وإن عزل نفسه فهي أمانة بيده، كثوب أطارته الريح إلى داره، يجب رده إلى مالكه.
(ويسن قبول وديعة لمن يعلم من نفسه الأمانة) أي أنه ثقة قادر على حفظها، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" 645، قال في "المبدع" 646: ويكره لغيره إلا برضى ربها، قال في "شرح الإقناع" 647:
الجزء: 2 - الصفحة: 854
قلت: ولعل المراد بعد إعلامه بذلك إن كان لا يعلمه لا يغره.
وهي عقد جائز من الطرفين، فإن أذن ربها للمدفوع إليه في التصرف ففعل صارت عارية مضمونة كالرهن إذا أذن ربه للمرتهن في استعماله.
(ويلزم) الوديع (حفظها) أي الوديعة (في حرز مثلها) عرفًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ 648، ولا يمكن أداؤها بدون حفظها (وإن عينه) أي الحرز (ربها) أي: الوديعة، بأن قال احفظها بهذا البيت.
(فأحرز) ها (بدونه) أي دون المعهين رتبة، ضمن، لمخالفته، وإن أحرزها بمثله، أو فوقه، كما لو أودعه خاتمًا، وقال: البسه في خنصرك فلبسه في بنصره 649، ولو لغير حاجة، فلا يضمن الوديعة إن تلفت، لأن تعيين الحرز يقتضي الإذن في مثله، وإن نهاه عن إخراجها، فأخرجها، لغشيان شيء الغالب منه الهلاك، كحريق، ونهب، فتلفت، لم يضمن، وإن تركها إذن، فتلفت، ضمن لتفريطه، ويحرم، أو قال: لا تخرجها، فإن أخرجها لغير خوف، فتلفت، ضمن، وإن خفت عليها، فحصل خوف، وأخرجها، أو لا، فتلفت، لم يضمنها (أو تعدى) وديع (أو فرط) أي قصر في حفظها، ضمنها، لأن المتعدي متلف لمال غيره، فيضمنه، كما لو أتلفه من غير إيداع، والمفرط متسبب بترك ما وجب عليه من حفظها.
(أو قطع) وديع (علف دابة عنها) أو سقيها (بغير قول) من مالك: لا تعللها، أو لا تسقها، حتى ماتت (ضمنـ) ـها، لأن عللها وسقيها من تمام الحفظ الذي استلزمه بالاستيداع، ولا يضمن إن نهاه مالك عن علفها، وسقيها، فتركه، حتى ماتت، كما لو أمره بقتلها فقتلها، ويحرم ترك علفها، وسقيها مطلقًا، لحرمتها في نفسها، فيجب إحياؤها، لحق اللَّه تعالى.
الجزء: 2 - الصفحة: 855
وإن دفع الوديعة مستودع إلى من يحفظ ماله عادة، كزوجته، وعبده، وخازنه، فتلفت، لم يضمن، لأنه مأذون فيه عادة، أشبه ما لو سلم الماشية إلى الراعي، أو دفعها لعذر كمن حضره الموت، أو أراد سفرًا إلى أجنبي ثقة، أو إلى حاكم، فتلفت، لم يضمن، وإلا يكن له عذر، ضمن لتعديه، لأنه ليس له أن يودع بلا عذر، ولمالك مطالبة الأجنبي -أيضًا- ببدل الوديعة، لأنه قبض ما ليس له قبضه، أشبه المودع من الغاصب، وعليه قرار الضمان، إن علم الحال، لتعديه، فإن لم يعلم فعلى وديع أول، لأنه غرّه.
ومن أراد سفرًا، أو خاف على الوديعة عنده ردها إلى مالكها، أو إلى من يحفظ ماله عادة، أو إلى وكيله في قبضها، إن كان، لأن فيه تخلصًا له من دركها، وإيصالًا للحق إلى مستحقه، فإن لم يجده، ولا وكيله، حملها معه إن كان أحفظ لها، ولم ينهه مالكها عنه، لأنه موضع حاجة، فإن تلفت لم يضمن.
(ويقبل قول مودعَ في ردها) أي الوديعة (إلى ربها) أو إلى من يحفظ ماله بيمينه، لأنه لا منفعة له في قبضها، أشبه الوكيل بلا جعل (أو) ردها إلى (غيره بإذنه) أي: ويقبل قول مودع في رد الوديعة إلى غير ربها بإذنه، بيمينه، نصًّا 650، لأنه ادعى دفعًا يبرأ به من رد الوديعة، أشبه ما لو ادعى الرد إلى مالكها، ولا يلزم المدعى عليه للمالك غير اليمين، ما لم يقر بالقبض، و (لا) يقبل قول مودع في ردها إلى (وارثه) أي المالك إلا ببينة، لأنهم لم يأتمنوه، وإن ادعى ردًّا بعد مطله بلا عذر، أو بعد منعه منها، لم يقبل إلا ببينة، لأنه صار ضامنًا، كالغاصب، أو ادعى ورثة مودعَ ردًّا منهم، أو من مورثهم، ولو لمالك، لم يقبل ذلك إلا ببينة، لأنهم غير مؤتمين عليها من قبل مالكها، وكذا لو ادعى ملتقط، أو من أطارت الريح إلى داره ثوبًا ونحوه، فلا يقبل إلا ببينة.
الجزء: 2 - الصفحة: 856
(و) يقبل قول مودع (في تلفها) أي الوديعة، بسبب خفي، كسرقة، لتعذر إقامة البينة عليه، ولئلا يمتنع الناس من قبول الأمانات مع الحاجة إليه، وكذا إن لم يذكر سببًا، ولا يقبل دعواه التلف بسبب ظاهر، كحريق، ونهب، إلا ببينة تشهد بوجوده، ثم يحلف أنها ضاعت به، ويصدق بيمينه في عدم خيانة (و) في (عدم تفريط وتعدٍّ) فيها، لأنه أمين، والأصل براءته (وفي الإذن) في دفعها إلى غير ربها، كما تقدم 651. وفيه تكرار.
(وإن أودع اثنان) واحدًا (مكيلًا أو موزونًا يُقْسَمُ) إجبارًا (فطلب أحدهما نصيبه لغيبة شريك أو) مع حضوره، و (امتناعه) من أخذ نصيبه، أو من الإذن لشريكه في أخذ نصيبه (سلم إليه) أي الطالب، نصيبه وجوبًا، لأنه حق مشترك يمكن فيه تمييز نصيب أحد الشريكين من نصيب الآخر، بغير غبن ولا ضرر، أشبه ما لو كان متميزًا، فإن كان المشترك غير مكيل وموزون، أو كان كذلك، لكن لا ينقسم لصناعة فيه، كآنية نحاس، ونحوها، وحلي مباح، أو مختلف الأجزاء ونحوه، لم يسلم إليه، إلا بإذن شريكه، أو حاكم، لأن قسمته لا يؤمن عليها الحيف، لافتقارها إلى التقويم، وهو ظن وتخمين (ولمودَع ومضارب ومرتهن ومستأجر) قال الشيخ منصور -رحمه اللَّه-: قلت ومثلهم العدل بيده الرهن، والأجير على حفظ عين والوكيل فيه، والمستعير، والمجاعل على عملها 652، انتهى (إن غصبت العين) المودعة، وما عطف عليها (المطالبة بها) من غاصبها، لأنها من جملة حفظها المأمور به، ولا يضمن مودع أكره على دفع الوديعة إلى غير ربها، كما لو أخذها منه قهرًا، لأن الإكراه عذر يبيح له دفعها، فإن طلب يمينه أن لا وديعة لفلان عنده، ولم يجد بدًّا من الحلف، لتغلب الصالب عليه بسلطنة، أو تلصص، ولا يمكنه الخلاص منه إلا بالحلف، حلف متأولًا، ولم يحنث،
الجزء: 2 - الصفحة: 857
فإن لم يحلف حتى أخذت منه، ضمنها، لتفريطه بترك الحلف، ويأثم إن حلف ولم يتأول لكذبه، وإثم حلفه بدون تأويل دون إثمه بإقراره بها، لأن حفظ مال الغير عن الضياع آكد من بر اليمين، ويكفِّر كفارة يمين وجوبًا، إن حلف ولم يتأوَّل، وإن أكره على اليمين بالطلاق، فقال أبو الخطاب: لا تنعقد، كما لو أكره على إيقاع الطلاق 653. ومن مات وعنده وديعة، وجهلت في ماله، فربها يكون غريمًا بها، كسائر الديون.
الجزء: 2 - الصفحة: 858
فصل في إحياء الموات
والموات هو: الأرض الخراب الدارسة، وتسمى ميتة ومواتًا وموتًا بفتح الميم والواو 654. (ومن أحيا أرضًا منفكة عن الاختصاصات و) عن (ملك معصوم) من مسلم، أو ذمي، أو مستأمن (ملكها) أي الأرض.
جوابُ مَنْ، بما فيها من معدن جامد باطن، كذهب، وفضة، وحديد، ونحاس، ورصاص، ومن معدن جامد ظاهر، كجص، وكحل، وكبريت، وزرنيخ 655، لأنه من أجزاء الأرض، فيتبعها في الملك، كما لو اشتراها، بخلاف الركاز، لأنه مودع للنقل، وليس من أجزائها، وهذا في المعدن الظاهر إذا ظهر بإظهاره وحفره، وأما ما كان ظاهرًا فيها قبل إحيائها، فلا يملك، لأنه قُطع لنفع كان واصلًا للمسلمين، بخلاف ما ظهر بإظهاره.
وإن ظهر فيما أحيا عين ماء، أو معدن جار كنفط، وقار، أو كلأ، فهو أحق به، ولا يملك، لحديث: "الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار" 656 رواه الخلال، وابن ماجه.
ويجب بذل ما فضل من الماء عن حاجته، وحاجة عياله، وماشيته، وزرعه، لبهائم غيره، وزرعه، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ" 657 متفق عليه.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: "من منع فضل مائه، أو فضل كلئه منعه اللَّه فضله يوم
الجزء: 2 - الصفحة: 859
القيامة" 658 رواه أحمد، ولا يتوعد على ما يحل، فإن آذاه بالدخول، أو تضرر ببذله، فله منعه، أو كان له فيه ماء السماء، فيخاف عطشًا، أو حازه في إناء، لم يلزمه بذله.
ولا يملك بالإحياء موات الحرم، وعرفات، لما فيه من التضييق على الحاج، واختصاصه بما يستوي فيه الناس، ولا ما أحياه مسلم من أرض كفار صولحوا على أنها لهم، ولنا الخراج عنها، ولا ما قرب من العامر عرفًا، وتعلق بمصالحه، كطرقه، وفنائه، ومسيل مائه، ومرعاه، ومحتطبه، وحريمه، ومدفن موتاه، ومطرح ترابه، ولا ما جرى عليه ملك لأحد، أو وجد فيه أثر عمارة، وإن ملكه من له حرمة من مسلم أو ذمي أو مستأمن، أو شك فيه، بأن وجد مالكه، أو وجد أحد من ورثته، لم يملك بإحياء، حكاه ابن عبد البر إجماعًا 659، وكذا إن جهل مالكه، بأن لم تعلم عينه، مع العلم بجريان الملك عليه لذي حرمة، فلا يملك بالإحياء، نصًّا 660، لمفهوم حديث عائشة: "من أحيا أرضًا ليست لأحد" 661 ولأنه مملوك فلا يملك بالإحياء، كما لو كان مالكه معينًا، وإن علم ولم يعقب أقطعه الإمام لمن شاء، لأنه فيء، وإن ملك بإحياء، ثم ترك حتى دثر، وعاد مواتًا، لم يملك بإحياء إذ كان لمعصوم، لمفهوم حديث: "من أحيا أرضًا ميتة ليست
الجزء: 2 - الصفحة: 860
لأحد" 662 وهو مقيد بحديث: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" 663، ولأن ملك المحيي أولًا لم يزل عنها بالترك، كسائر الأملاك.
(ويحصل) إحياء الأرض (بحوزها بحائط منيع) بحيث يمنع ما وراءه، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أحاط حائطًا على الأرض فهي له" 664 رواه أحمد، ويكون مما جرت عادة أهل البلد به، من لبن، أو حجر، أو قصب، أو خشب، ونحوه، ولا يعتبر في ذلك تسقيف، ولا نصب باب (أو إجراء ماء) لها (لا تزرع إلا به) أي بالماء المسوق إليها (أو قطع ماء) عنها (لا تزرع معه) كأرض البطائح التي يفسدها غرقها بالماء، لكثرته، فإحياؤها بسده عنها (أو حفر بئرٍ) أو نهر، نصًّا 665، ويصل إلى ماء البئر، فإذا خرج الماء استقر ملكه، إلا أن يحتاج إلى طي 666، فتمام الإحياء بطيها (أو غرس شجر فيها) أي الأرض، بأن كانت لا تصلح لغرس، لكثرة أحجارها، ونحوها، فينقيها، ويغرسها.
ولا يحصل الإحياء بحرث، وزرع، وبحفر بئر بموات يملك حريمها، وهو من كل جانب في قديمة -وتسمى العاديَّة- 667 خمسون
الجزء: 2 - الصفحة: 861
ذراعًا، وفي غير القديمة خمسة وعشرون ذراعًا، نصًّا 668، لحديث أبي عبيدة في "الأموال" عن سعيد بن المسيب: السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعًا والبدي خمسة وعشرون ذراعًا 669. رواه الخلال، والدارقطني نحوه مرفوعًا 670.
والبئر التي لها ماء ينتفع به ليس لأحد احتجاره، كالمعادن الظاهرة، وحريم عين وقناة حفرتا بموات: خمسمائة ذراع، وحريم نهر بموات من جانبيه ما يحتاج إليه لطراح كرايته 671، وطريق شاويه -أي قيمه- قال في "شرح المنتهى" لمصنفه: والكراية والشاوي لم أجد لهما أصلًا في اللغة بهذا المعنى، ولعلهما مولدتان من قبل أهل الشام 672. انتهى.
وحريم شجرة غرست بموات قدر مد أغصانها حواليها، لحديث أبي داود، عن أبي سعيد قال: اختصم إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حريم نخلة، فأمر بجريدة من جرائدها، فذرعت، فكانت سبعة أذرع أو خمسة أذرع، فقضى بذلك 673. وحريم أرض تزرع ما تحتاج إليه لسقيها، وربط دوابها، وطرح سبخها، ومصرف مائها عند الاستغناء عنه، وحريم دار من موات حولها
الجزء: 2 - الصفحة: 862
مطرح تراب، وكناسة، وماء ميزاب وممر لباب، ولا حريم لدار محفوفة بملك لغيره، ويتصرف كل من أرباب الأملاك المتلاصقة بحسب عادة.
وإن وقع في قدر الطريق نزاع وقت الإحياء، فلها سبعة أذرع، للخبر 674. ولا تغير بعد وضعها، ومن تحجر مواتًا، بأن أدار حوله أحجارًا، أو ترابًا، أو شوكًا، أو حائطًا غير منيع، أو حفر بئرًا لم يصل ماؤها، أو شفى شجرًا مباحًا، كالزيتون والخرنوب 675، أي قطع الأغصان الرديئة لتخلفها أغصان جيدة، أو أصلحه ولم يركبه، أو أقطعه الإمام مواتًا ليحييه، لم يملكه بذلك، وهو أحق به من غيرد، وكذا وارثه من بعده، وكذا من ينقله المتحجر، والمقطع إليه.
وكذا من نزل عن أرض خراجية بيده لغيره، أو عن وظيفة لأهلٍ، فالمنزول له أحق بها من غيره، وليس لمن قلنا إنه أحق بشيء من ذلك بيعه، لأنه لم يملكه، كحق الشفعة قبل الأخذ، لكن النزول عنه بعوض لا على وجه البيع جائز، كما ذكره ابن نصر اللَّه 676، قياسًا على الخلع.
(ومن سبق إلى طريق واسع) أو رحبة مسجد غير محوطة، ولم يضيق على الناس (فهو أحق بالجلوس فيه ما بقي متاعه، ما لم يضر)، لحديث: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به" 677 وإن سبق اثنان فأكثر إلى ما
الجزء: 2 - الصفحة: 863
ذكر، أو إلى خان مسبل (1)، أو رباط، أو مدرسة، أو خانكاه (2)، ولم يتوقف الانتفاع فيها إلى تقرير ناظر، وضاق المكان عن انتفاع جميعهم، أقرع.
والسابق إلى معدن أحق بما يناله منه، والسابق إلى مباح، كصيد، وعنبر، وحطب، ومنبوذ رغبة عنه، وما يتركه حصاد، ونحوه من زرع، وثمر، رغبة عنه، أحق به، فيملكه بأخذه، مسلمًا كان، أو ذميًّا، ويقسم بين عدد أخذوه دفعة واحدة بالسوية، ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوض مرعى موات، أو حمى، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- شرك الناس فيه (3).
تتمة
:
ولمن في أعلى ماء غير مملوك، كالأمطار، والأنهار الصغار، أن يسقي ويحبسه حتى يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه أولًا، ثم هو كذلك، مرتبًا الأعلى فالأعلى، إلى انتهاء الأراضي، إن فضل شيء، وإلا فلا شيء للباقي.
ولو استوى اثنان فأكثر في قرب من أول نهر، قسم الماء بينهم على قدر الأرض، إن أمكن، وإلا أقرع، ولو أحيا سابق مواتًا في أسفل النهر، ثم أحيا آخر فوقه، ثم أحيا ثالث فوق ثان، سقى المحيي أولًا، ثم ثان، ثم ثالث، اعتبارًا بالسبق إلى الإحياء، لا إلى أول النهر، كما تقدم، لأنه إذا678679680
الجزء: 2 - الصفحة: 864
ملك الأرض ملكها بحقوقها ومرافقها.
والماء الجاري المملوك وغيره، لكل أحد أن يأخذ منه لشربه، ووضوئه، وغسله، وغسل ثيابه، والانتفاع به في أشباه ذلك، مما لا يؤثر فيه، بلا إذن مالكه، إن لم يدخل إليه في مكان محوط عليه، ولا يحل لصاحبه المنع منه، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ثلاثة لا ينظر اللَّه إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان بفضل مائه بالطريق، فمنعه ابن السبيل" 681 رواه البخاري.
بخلاف ما يؤثر فيه، كسقي ماشية كثيرة، ونحوه، فإن فضل شيء من الماء عن حاجته لزمه بذله لذلك، وإلا فلا.
الجزء: 2 - الصفحة: 865
فصل في الجعالة
بتثليث الجيم -كما ذكره ابن مالك 682 - 683 مشتقة من الجُعل، بمعنى التسمية.
لأن الجاعل يسمى الجعل للعامل.
أو من الجَعْل، بمعنى الإيجاب.
يقال: جعلت له كذا أي: أوجبت 684. ويدل لمشروعيتها قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 685، وحديث اللديغ 686. ولدعاء الحاجة إليه.
وهي شرعًا: جعل مال معلوم لمن يعمل له عملًا، ولو مجهولًا 687 فلذلك قال: (ويجوز جعل شيء معلوم) فلا يصح: من رد عبدي فله نصفه، ونحوه، لا إن كان من مال حربي، فيصح مجهولًا (لمن يعمل) متعلق بجعل (عملًا) مباحًا، بخلاف نحو زمر، وزنًا (ولو) كان العمل (مجهولًا) كمن خاط لي ثوبًا، ونحوه، فله كذا، أو لمن يعمل له مدة ولو مجهولة، كمن حرس زرعي، أو أذَّن في هذا المسجد، فله في كل شهر كذا و (كرد عبد، ولقطة، وبناء حائط) كقوله: من رد عبدي الآبق فله كذا، أو رد لقطتي، أو
الجزء: 2 - الصفحة: 866
بنى حائطي، فله كذا (فمن فعله) أي العمل المسمى عليه الجعل (بعد علمه) أي بعد أن بلغه الجعل (استحقه) كدين، لأن العقد استقر بتمام العمل، فاستحق ما جعل له، ومن بلغه الجعل في أثناء العمل، استحق من الجعل حصة تمامه، إن أتمه بنية الجعل، ومن بلغه بعد تمامه لم يستحقه، ولا شيء منه، لما سبق، وحرم عليه أخذه، إلا إن تبرع له به ربه، بعد إعلامه بالحال.
(ولكلٍّ) من المجاعل والعامل (فسخها) لأنها من العقود الجائزة، (فـ) إن وقع الفسخ (من عامل فلا شيء له) لإسقاطه حق نفسه، حيث لم يوف ما شرط عليه (و) إن وقع (من جاعل فلعامل أجرة) مثل (عمله) لأنه عمل بعوض لم يسلم له، ولا شيء لما يعمله بعد الفسخ، لأنه غير مأذون فيه، وإن زاد جاعل في جعل، أو نقص منه قبل شروع في عمله، جاز، وعمل به، لأنه عقد جائز، كالمضاربة (وإن عمل) شخص (غير معدٍّ لأخذ أجرة لغيره عملًا بلا جعل) فلا شيء له، لأنه بذل منفعته من غير عوض، فلم يستحقه (أو) عمل معدٍّ لأخذ أجرة لغيره عملًا (بلا إذن فلا شيء له) لتبرعه بعمله، حيمث بذله بلا عوض (إلا في تحصيل) أي تخليص (متاع) غيره، ولو قنًّا (من بحر أو فلاة) أو فم سبع، يظن هلاكه في تركه (فله أجر مثله) لأنه يخشى هلاكه، وتلفه على مالكه، بخلاف اللقطة، وفيه حث وترغيب في إنقاذ الأموال من الهلكة (وفي) رد (رقيق دينار أو اثنا عشر درهمًا) ولو جعل دون ذلك، وسواء كان يساويها، أو لا لئلا يلتحق بدار الحرب، ويشتغل بالفساد.
روي عن عمر وعلي 688 وعن عمرو بن دينار، وابن أبي مليكة مرسلًا: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل في رد الآبق إذا جاء به خارجًا من الحرم
الجزء: 2 - الصفحة: 867
دينارًا (1). وإن اختلفا في أصل جعل، فالقول قول من ينفيه منهما، لأن الأصل عدمه، وإن اختلفا في قدره، أو قدر مسافة، فقول جاعل، لأنه منكر.
تتمة
: متى كان العمل في مال الغير إنقاذًا له من التلف المشرف عليه، كان جائزًا بغير إذن مالكه، لأنه إحسان إليه، كذبح الحيوان المأكول إذا خيف موته، ولا يضمن ما نقص بذبحه، لأنه محسن به.689
الجزء: 2 - الصفحة: 868
فصل في اللقطة
وهي محركة، وكحُزْمة وهمُزَة وثمامة: ما التقط.
قاله في "القاموس" 690. وهي عرفًا: مال كنقد، أو متاع، أو مختمر، كخمر خلَّال، ضائع، أو في معناه، كمتروك قصدًا لمعنى يقتضيه، ومدفون منسي لغير حربي 691.
والأصل في الالتقاط: حديث زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن لقطة الذهب والوَرِق 692؟ فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها 693، ثم عرِّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإذا جاء طالبها يومًا من الدهر، فادفعها إليه".
وسأله عن ضالة الإبل؟ فقال: "مالك ولها؟ فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربُّها".
وسأله عن الشاة؟ فقال: "خذها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" 694. متفق عليه.
(واللقطة ثلاثة أقسام) بالاستقراء: الأول: (ما لا تتبعه همة أوساط الناس) أي: يهتمون في طلبه (كرغيف وشسع) -بتقديم المعجمة- أحد
الجزء: 2 - الصفحة: 869
سيور النعل الذي يدخل بين الأصبعين 695، وكرغيف، وتمرة، وكل ما لا خطر له، (فيملك) بأخذ ويباح الانتفاع به، نصًّا 696، لحديث جابر: رخص النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في العصا، والسوط، والحبل يلتقطه الرجل، ينتفع به 697. رواه أبو داود (بلا تعريف) لأنه من قبيل المباحات، ولا يلزمه بدله إن وجد ربه، لملك ملتقطه له بأخذه، وظاهره: إن بقي بعينه، لزمه رده لربه كما ذكره في "الإقناع" 698.
وكذا لو لقي كناس ومن في معناه قطعًا صغارًا متفرقة من فضة، ملكها بأخذها، ولا يلزمه تعريفها، ولا بَدلها إن وجد ربها، ولو كثرت بضمها، لأن وجودها متفرقة، يدل على تعدد أربابها.
ومن ترك دابة بمهلكة، أو فلاة، لانقطاعها، أو عجزه عن علفها، ملكها آخذها، لحديث الشعبي مرفوعًا: "من وجد دابة قد عجز عنها أهلها فسيبوها، فأخذها، فأحياها، فهي له".
قال عبد اللَّه 699 بن محمد بن حميد بن عبد الرحمن: فقلت -يعني للشعبي- من حدثك بهذا؟ قال: غير واحد من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 700 رواه أبو داود والدارقطني.
وكذا ما يلقى من
الجزء: 2 - الصفحة: 870
سفينة، خوف غرق، فيملكه آخذه، لإلقاء صاحبه له اختيارًا، فيما يتلف بتركه، أشبه ما لو ألقاه رغبة عنه.
القسم (الثاني: الضوالُّ) جمع ضالة، اسم للحيوان خاصة، دون سائر اللقطة، ويقال لها: الهوامي، والهوافي، والهوامل 701 (التي تمتنع من صغار السباع) كذئب، وأسد صغير، وابن آوى، وامتناعها إما لكبر جثتها (كخيل وإبل وبقر) وبغال، وحمير، وإما لسرعة عدوها، كظباء، وإما بطيرانها، كطير، وإما بنابها، كفهد، ونحوه (فيحرم التقاطها) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مالك ولها، دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يجدها ربها" 702. ولحديث: "لا يؤوي الضالة إلا ضال" 703. رواه أحمد وغيره.
(ولا تملك) ما حرم التقاطها (بتعريفها) لعدوانه، لعدم إذن المالك والشارع فيه، أشبه الغاصب، ولإمام ونائبه أخذه، ليحفظه لربه، لا على أنه لقطة، ولا يلزمه تعريفه، لأن عمر لم يكن يعرِّف الضوال 704. ولا يؤخذ منه بوصف، لأنها كانت ظاهرة للناس حين كانت بيد ربها، فلا يختص بمعرفة صفاتها، ويمكنه إقامة البينة عليها.
ويجوز التقاط صيود متوحشة، لو تركت رجعت إلى الصحراء، بشرط = بمنقطع، بل هو موصول، وأن الصحابة كلهم عدول، وقد ذكرنا في ذلك الباب من كلام البيهقي ما يدل على ذلك.
اهـ وقد حسن الحديث الألباني في "إرواء الغليل" (6/ 17).
الجزء: 2 - الصفحة: 871
عجز ربها عنها، ولا يملكها آخذها بالتعريف، لأنه يحفظها لربها، فهو كالوديع.
ولا يجوز التقاط أحجار طواحين، وقدور ضخمة، وأخشاب كبيرة، ونحوها مما ينحفظ بنفسه، لأنها لا تبرح من مكانها.
وما حرم التقاطه، ضمنه آخذه إن تلف، أو نقص، كغاصب، ولا يضمن كلبًا مع تحريم التقاطه، لأنه ليس بمال، ومن التقط ما لا يجوز التقاطه، وكتمه عن ربه، فتلف، فعليه قيمته مرتين، نصًّا 705، لحديث: "في الضالة المكتومة غرامتها ومثلها معها" 706. ويزول ضمان ما حرم التقاطه بدفعه إلى الإمام، أو نائبه، أو رده إلى مكانه، بأمره، أو بأمر نائبه، لقول عمر لرجل وجد بعيرًا: "أرسله حيث وجدته" 707. رواه الأثرم، فإن رده بغير أمره، فتلف، ضمن، كالمسروق، والمغصوب.
القسم الثالث: (باقي الأموال) ما عدا القسمين السابقين (كثمن) أي نقد (ومتاع) كثياب، وكتب، وفرش، ونحوها (وغنم وفصلان) بضم الفاء وكسرها، جمع فُصيل، ولد الناقة إذا فُصل عن أمِّه (وعجاجيل) جمع عجل، ولد البقرة، وأفلاء -بالمد- جمع فُلُو، وهو المهر والجحش إذا فطما أو بلغا السنة، وقن صغير، ومريض كبارِ إبلٍ ونحوها، ونحو ذلك، كخشبة صغيرة، وقطعة حديد، وزِق دهن أو عسل، وغرارة 708 نحو بر (فلمن أمن نفسه عليها) وقوي على تعريفها (أخذها) للخبر في النقدين والشاة 709، وقيس على ذلك غيره، والإمام وغيره في ذلك سواء، فإن لم يأمن نفسه عليها، أو عجز عن تعريفها، فليس له أخذها، لما فيه من تضييعها على
الجزء: 2 - الصفحة: 872
ربها، ويضمنها به إن تلفت، فرط أو لم يفرط، لأنه غير مأذون فيه أشبه الغاصب، ولم يملكها، ولو عرفها، والأفضل لمن أمن نفسه عليها، وقوي على تعريفها؛ تركها، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر (1)، ومن أخذها ثم ردها إلى موضعها، أو فرط فيها، فتلفت، ضمنها، إلا أن يأمره إمام، أو نائبه، فيبرأ به، فإن تلفت منه في حول التعريف بلا تفريط، لم يضمنها.
تتمة
:
ما أبيح التقاطه، ولم يملك به، ثلاثة أضرب:
أحدها: حيوان مأكول، كشاة، ودجاجة، فيلزمه فعل الأصلح من أكله بقيمته في الحال، لحديث: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" 711. أو بيعه، وحفظ ثمنه.
أو حفظه، وينفق عليه من ماله، وله الرجوع بما أنفق بنيته، فإن استوت الثلاثة خُيِّر.
الضرب الثاني: ما يخشى فساده، بإبقائه، كخضروات، ونحوها، فيلزمه فعل الأحظ من بيعه، وحفظ ثمثه، أو أكله بقيمته، أو تجفيف ما يجفف، كعنب، ورطب، فإن استوت الثلاثة خُير.
الضرب الثالث: باقي المال المباح التقاطه، من أثمان، ومتاع، ونحو710
الجزء: 2 - الصفحة: 873
ذلك (ويجب) على ملتقط (حفظها) جميعها (و) يجب عليه (تعريفها) أي اللقطة، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر به زيد بن خالد، وأبي بن كعب 712. ولأن حفظها لربها إنما يفيد بإيصالها إليه، وطريقة التعريف فورًا، لأنه مقتضى الأمر، ولأن صاحبها يطلبها عقب ضياعها (في مجامع الناس) كالأسواق، وأبواب المساجد، وأوقات الصلوات، لأن المقصود إشاعة ذكرها، ويكثر منه في موضع وجدانها، وإن كان في صحراء عرفها في أقرب البلاد إليها نهارًا، لأنه مجمع الناس، وملتقاهم أول كل يوم، قبل اشتغال الناس بمعاشهم، أسبوعًا، لأن الطلب فيه أكثر، ثم يعرفها كعادة الناس في ذلك، وقيل: يعرفها في كل يوم أسبوعًا، ثم في كل أسبوع مرة شهرًا، ثم في كل شهر مرة في (غير المساجد) وأما فيها فيكره، حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها اللَّه إليك.
فإن المساجد لم تبن لهذا" 713. واختار جماعة (حولًا كاملًا) من التقاطه، روي عن عمر، وعلي، وابن عباس 714، لحديث زيد بن خالد: فإنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره بعام
الجزء: 2 - الصفحة: 874
واحد 715 فينادي: من ضاع منه شيء، أو نفقه، ولا يصفها، لأنه لا يؤمن أن يدعيها بعض من سمع صفتها، فتضيع على مالكها (وتملك بعده) أي: بعد تعريفها حولًا كاملًا، ولم تعرف فيه، وهي مما يجوز التقاطه (حكمًا) كالميراث، نصًّا 716، فلا يقف على اختياره، لحديث "وإلا فهي كسبيل مالك" 717. ولو كانت عرضًا، أو لقطة الحرم، فتملك بالتعريف، كلقطة الحل، روي عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة 718، لعموم الأحاديث، وكحرم المدينة، وحديث: "لا تحل ساقطتها إلا لمنشد" 719 يحتمل أن يراد به إلا لمن عرَّفها عامًا، وتخصيصها بذلك لتأكدها، كحديث: "ضالة المسلم حرق النار" 720 وإن أخر التعريف الحول كله، أو بعضه، لغير عذر، أَثِمَ، ولم يملكها بالتعريف بعد الحول، لأن شرط الملك التعريف فيه، ولم يوجد.
(ويحرم تصرفه) أي، الملتقط (فيها) أي اللقطة (قبل معرفة وعائها) وهو كيسها ونحوه، كخرقة شدت فيها، أو زقٍّ فيه مائع، ولفافة على ثوب (و) قبل معرفة (وكائها) وهو ما يشد به الكيس، أو الزق (و) قبل معرفة (عفاصها) بكسر العين المهملة، وهو صفة الشد 721، فيعرف الربط، هل هو
الجزء: 2 - الصفحة: 875
عقدة، أو عقدتان، وأنشوطة، أو غيرها (و) قبل معرفة (قدرها) بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع (وجنسها وصفتها) أي نوعها، ولونها، لحديث أبي بن كعب أنه قال: وجدت مائة دينار فأتيت بها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "عرِّفها حولًا".
فعرفتها حولًا، فلم تعرف، فرجعت إليه، فقال: "اعرف عدتها ووعاءها ووكاءها، واخلطها بمالك، فإن جاء ربها فأدها إليه" 722.
وسن معرفة ما ذكر عند وجدانها، وإشهاد عدلين عليها، لحديث: "من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل" 723. ولم يأمر به في خبر زيد بن خالد، وأبي بن كعب، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فتعين حمله على الندب، وكالوديعة (ومتى جاء ربها فوصفها لزم دفعها إليه) بنمائها المتصل مطلقًا.
والمنفصل في حول التعريف، لأنه تابع له، ولا يشترط في ذلك بينة تشهد بالملك له، ولا أنها ضاعت منه، ولا يمينه على ذلك، ولا أن يغلب على ظن الملتقط صدقه، للأخبار، فإن دفعها بلا بينة ولا وصف، ضمن إن جاء آخر فوصفها، وله تضمين أيهما شاء، وقرار الضمان على الآخذ، وإن لم يأت أحد فللملتقط مطالبة آخذها بها، لأنها أمانة بيده، ولا يأمن مجيء صاحبها، فيلزمه بها.
ومع رقٍّ ملتقط، وإنكار سيده أنها لقطة، فلابد من بينة تشهد بأنه التقطها، لأن إقرار القن بالمال لا يصح.
= وأعفصتها إعفاصًا: إذا جعلت لها عفاصًا.
اهـ وقال ابن فارس في "مجمل اللغة" (ص 154): فالعفاص: ما يشدُّ فيه.
. اهـ
الجزء: 2 - الصفحة: 876
وإن تلفت اللقطة، أو نقصت قبل الحول بيد ملتقط، ولم يفرط، لم يضمنها، وبعده يضمنها مطلقًا، لدخولها في ملكه، وتعتبر القيمة يوم عرت ربها، وإن وصف اللقطة ثان قبل دفعها للأول، أقرع بينهما، ودفعت إلى قارع بيمينه، نصًّا 724، وبعده لا شيء لثان، لأن الأول استحقها بوصفها، وعدم المنازع له فيها حين أخذها، وإن أقام آخر بينة أنها له، أخذها من واصف، ولو أدركها ربها بعد الحول والتعريف مبيعة أو موهوبة، فليس له إلا البدل.
ويفسخ العقد إن أدركها ربها زمن خيار لهما، أو لبائع، ومن استيقظ فوجد في ثوبه، أو كيسه مالًا، لا يدري من صره؛ فهو له، ولا يبرأ من أخذ من نائم شيئًا، إلا بتسليمه له بعد انتباهه، لتعديه.
ومن وجد في حيوان ذبحه نقدًا، أو درة، فلقطة، وإن وجد درة غير مثقوبة في سمكة فهي لصياد، ولو باعها، نصًّا 725.
ومن ادعى ما بيد لص، أو ناهب، أو قاطع طريق، ووصفه، فهو له، ولا يكلف بينة، لأنه بيد من لم يدع ملكه، وربه مجهول، بخلاف من ادعى وديعة، أو عارية، أو رهنًا، فلا يكفي الوصف، بك لابد من بينة أو يقترعان، فمن قرع، حلف وأخذها، وإن وجدها صغير، أو سفيه، أو مجنون، قام وليه بتعريفها تأدية للواجب عليه، فإن تلفت بيد أحدهم بتفريط، ضمن، كاتلافه، وإن كان بتفريط الولي، فضمانها عليه.
(ومن أُخذ نعلُه ونحوه) كمداسه، أو أخذ متاعه، كثياب في حمام (ووجد غيره مكانه، فلقطةٌ) لا يملكه بذلك، لأن سارق ذلك لم يجر بينه وبين مالكة معاوضة، تقتضي زوال ملكه عنه، فإذا أخذه فقد أخذ مال غيره، ولا يعرف صاحبه، فيعرفه كاللقطة، ويأخذ حقه منه بعد تعريفه.
الجزء: 2 - الصفحة: 877
(واللقيط) 726 فعيل بمعنى مفعول، كجريح وطريح 727. وشرعًا 728: (طفل لا يُعرَفُ نسبُه، ولا رقه، نبذ) بالبناء للمفعول -أي طرح- في شارع، أو غيره (أو ضل) الطريق ما بين ولادته (إلى) سن (التمييز) فقط على الصحيح، قاله في "الإنصاف" 729، (والتقاطه فرض كفاية) لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ 730، ولأن فيه إحياء نفسه، فكان واجبًا، كإطعامه إذا اضطر.
فإن تركه جميع من رآه أثموا، فإن كان معه شيء أنفق عليه منه، لوجوب نفقته في ماله، وما معه فهو ماله (وإن لم يكن معه شيء) أنفق عليه من بيت المال، لما روى سعيد، عن سُنين أبي جميلة قال: وجدت ملقوطًا فأتيت به عمر، فقال عريفي: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر: أكذلك هو؟ قال: نعم.: فاذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته 731، وفي لفظ: وعلينا رضاعه 732 (و) إن (تعذر) ت النفقة عليه من (بيت المال) لكون البلد ليس به بيت مال، أو به ولا مال به، ونحوه، اقترض عليه حاكم، ووفى من بيت المال إن حصل به شيء، فإن تعذر الاقتراض عليه، أو الأخذ منه (أنفق عليه عالم به بلا رجوع) بما أنفق، لوجوبه عليه، فالنفقة على من علم به فرض كفاية.
الجزء: 2 - الصفحة: 878
(وهو مسلم) حكمًا (إن وجد في بلد يكثُر فيه المسلمون) لظاهر البلد، وتغليبًا للإسلام، لأنه يعلو ولا يُعلى عليه، ويحكم بحرِّيته، لأنه الأصل في الآدميين، إلا إن وجد في بلد أهل حرب، ولا مسلم فيه، أو فيه مسلم، كتاجر، وأسير، فهو كافر رقيق، وإن كان بها مسلم يمكن كونه منه، فمسلم، وما وجد معه من مال أو متاع، فهو له، كما تقدم.
والأولى بحضانته: واجده، إن كان أمينًا عدلًا، لما تقدم عن عمر 733، ولسبقه إليه، فكان أولى به، ولو كانت عدالته ظاهرًا، كولاية النكاح، والشهادة فيه، وأكثر الأحكام، وكان حرًّا تام الحرية، لأن منافع القن، والمدبر، والمعلق عتقه بصفة، وأم الولد، مستحقة لسيده، فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه مكلفًا، لأن غير المكلف لا يلي أمر نفسه، فغيره أولى.
وميراث اللقيط وديته إن قتل لبيت المال، إن لم يكن له وارث، فإن كان له زوجة، فلها الربع، والباقي لبيت المال، وإن كان له وارث غير الزوجة، أخذ الجميع.
(وإن أقر به) أي اللقيط (من يمكن كونه منه) ولو كان المقر كافرًا، أو رقيقًا، أو أنثى ذات زوج، أو ذات نسب معروف (أُلحقَ) اللقيط (به) ولو كان اللقيط ميتًا، لأن الإقرار بالنسب مصلحة محضة للقيط، لاتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه، فقبل كما لو أقر له بمال.
ولأن الأنثى أحد الأبوين فثبت النسب بدعواها، كالأب، ولأنه لا يمكن أن يكون منها كما يمكن كونه من الرجل بل أكثر، لأنها تأتي به من زوج: ومن وطء شبهة، ويلحقها ولدها من الزنا دون الرجل، ولا يلحق بزوج امرأة مقرة، لأنه لم يولد على فراشه، ولم يقر به، وكما لو ادعى الرجل نسبه لم يلحق بزوجته، ولا يتبع رقيقًا ادعى نسبه في رق، ولا يتبع كافرًا في دينه، إلا أن يقيم بيِّنة أنه ولد على فراشه، فيلحقه في دينه، لثبوت أنه ولد ذميين.
الجزء: 2 - الصفحة: 879
فصل في الوقف
وهو مصدر وقف الشيء إذا حبسه، وأحبسه وأوقفه لغة شاذة 734، قال الشافعي-رحمه اللَّه تعالى-: لم تحبس أهل الجاهلية وإنما حبس أهل الإسلام 735.
(والوقف سنة) وهو من القرب المندوب إليها؛ لحديث ابن عمر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يستأمره فقال: يا رسول اللَّه إني أصبت مالًا بخيبر 736 لم أصب قط مالًا أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه؟ قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها، ولا توهب، ولا تورث".
قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى والرقاب وفي سبيل اللَّه وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمول فيه"، وفي لفظ: "غير متأثل" 737 متفق عليه، ولحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" 738، قال الترمذي: حسن
الجزء: 2 - الصفحة: 880
صحيح.
وقال جابر: لم يكن أحد من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذا مقدرة إلا وقف 739.
وهو شرعًا: تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرفه وغيره في رقبته بشيء من التصرفات يصرف ريعه إلى جهة بر تقربًا إلى اللَّه تعالى، قال في "شرح المنتهى" "كالإقناع" 740: وهذا الحد لصاحب "المطلع" 741، وتبعه المنقح عليه 742، وتابعهما المصنف 743، واستظهر في "شرحه" 744 أن قوله: تقربًا إلى اللَّه تعالى إنما هو في وقف يترتب عليه الثواب، فإن الإنسان قد يقف على غيره توددًا أو على ولده خشية بيعه بعد موته وإتلاف ثمنه، أو خشية أن يحجر عليه ويباع في دَيْنِهِ، أو رياء ونحوه، وهو وقف لازم لا ثواب فيه، لأنه لم يبتغ به وجه اللَّه تعالى.
انتهى.
(ويصح) الوقف (بقول) ويأتي صريحه وكنايته (و) يصح الوقف أيضًا بـ (فعل) مع (دال عليه) أي الوقف (عرفًا) كالقول، لاشتراكهما في الدلالة عليه، وذلك (كمن بنى أرضه مسجدًا) أي على هيئة مسجد (أو) جعل أرضه (مقبرة وأذنَ للناس أن يصلوا فيه) أي المسجد إذنًا عامًّا، لأن الإذن = ما جاء في الصدقة عن الميت (3/ 300) حديث 2880، والنسائي في الوصايا، باب فضل الصدقة (6/ 251) وأحمد (2/ 372) عن أبي هريرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 881
الخاص قد يقع على غير الموقوف فلا يفيد دلالة الوقف (و) أذن للناس أن (يدفنوا فيها) أي المقبرة إذنًا عامًا لما تقدم، أو يبني بيتًا لقضاء حاجة الإنسان والتطهير ويشرعه 745 لهم، أو يملأ خابية 746 أو نحوها ماء في المسجد أو على الطريق.
ولو جعل سفل بيته مسجدًا وانتفع بعلوه أو عكسه أو وسطه ولو لم يذكر استطراقًا صح، ويستطرق كما لو باع أو أجر بيتًا من داره ولم يذكر له استطراقًا، فإنه يصح البيع والإجارة ويستطرق إليه على العادة، (وصريحه) أي القول (وقفت وحبّست وسبّلت) ويكفي أحدها (وكنايته: تصدقت وحرمت وأبدت) لعدم خلوص كل منها عن الاشتراك، فالصدقة تستعمل في الزكاة وهي ظاهرة في صدقة التطوع، والتحريم صريح في الظهار، والتأبيد يستعمل في كل ما يراد تأبيده من وقف وغيره، ولا يصح الوقف بها إلا بنية فمن أتى بكناية واعترف أنه نوى بها الوقف لزمه حكمًا، لأنها بالنية صارت ظاهرة فيه.
وإن قال: ما أردت الوقف قبل قوله، لأن نيته لا يطلع عليها غيره، أو قرنها بأحد الألفاظ الخمسة وهي الصرائح الثلاث والكنايتان كقوله: تصدقت صدقة موقوفة أو محرمة ونحو ذلك، أو يقرن الكناية بحكم الوقف كقوله: تصدقت به صدقة لا تباع، أو صدقة لا توهب أو لا تورث، أو على قبيلة أو طائفة كذا، لأن ذلك كله لا يستعمل في غير الوقف فانتفت الشركة، وكذا تصدقت بأرضي أو داري على زيد والنظر لي أيام حياتي، ثم من بعد زيد على عمرو ونحو ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 882
(وشروطه) أي الوقف (خمسة):
أحدها: (كونه في عين معلومة يصح بيعها) بخلاف نحو أم ولد (غير مصحف) فيصح وقفه وإن لم يصح بيعه كما تقدم 747 (وينتفع بها) دائمًا (مع بقائها) عرفًا كإجارة واستغلال ثمرة ونحو ذلك، لأن الوقف يراد للدوام ليكون صدقة جارية ولا يوجد ذلك فيما لا تبقى عينه، عقارًا كان الموقوف كأرض أو شجر أو منقولًا كالحيوان والأثاث والسلاح والمصحف وكتب العلم ونحو ذلك.
ويصح وقف المشاع؛ لحديث ابن عمر: أن عمر قال: المائة سهم التي بخيبر لم أصب مالًا قط أعجب إلي منها، فأردت أن أتصدق بها فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: احبس أصلها وسبِّل ثمرتها 748. رواه النسائي وابن ماجه.
ويعتبر أن يقول: كذا سهمًا من كذا سهمًا 749 قاله أحمد 750. ويصح وقف الحلي للبس وعارية، ولو أطلق وقفه لم يصح، ولا يصح الوقف في الذمة كوقفت عبدًا أو دارًا، ولا وقف مبهم كأحد هذين العبدين، ولا يصح وقف مطعوم ومشروب غير الماء، ولا وقف شمع ورياحين لما تقدم، ولو تصدق بدهن على مسجد ليوقد فيه جاز وهو من باب الوقف قاله الشيخ 751.
(و) الشرط الثاني: (كونه) أي الوقف (على برٍّ) مسلمًا كان الواقف أو
الجزء: 2 - الصفحة: 883
ذميًا، نصًّا 752، كالوقف على المساكين والمساجد والقناطر والأقارب؛ لأنه شُرع لتحصيل الثواب، فإذا لم يكن على بر لم يحصل مقصوده الذي شرع لأجله، فلا يصح على طائفة الأغنياء، ولا على طائفة أهل الذمة ولا على صنف منهم (ويصح من مسلم على ذمي) معين، لما روي أن صفية بنت حيي رضي اللَّه عنها زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقفت على أخ لها يهودي 753. ولأنه موضع للقربة لجواز الصدقة عليه (وعكسه) أي يصح مات ذمي على مسلم معين أو طائفة كالفقراء والمساكين.
(و) الشرط الثالث: (كونه) أي الوقف (في غير مسجد) معين (ونحوه) كمدرسة ورباط معينين (على معين) من جهة أو شخص (يملك) ملكًا ثابتًا كزيد أو مسجد كذا؛ لأن الوقف تمليك فلا يصح على غير معين كعلى رجل أو مبهم كأحد هذين الرجلين أو المسجدين، ولا على ما لا يملك كقن وأم ولد ومَلَك -بفتح اللام- وبهيمة، وأما الوقف على المساجد ونحوها فعلى المسلمين إلا أنه عين في نفع خاص لهم.
ولا يصح الوقف على حمل أصالة كعلى من سيولد لي أو لفلان، بل تبعًا كعلى أولادي ثم أولادهم أو على أولاد فلان ثم أولادهم وفيهم حمل فيستحق بوضع.
وكل حمل من أهل وقف من ثمر وزرع ما يستحقه مشتر، وكذا من قدم إلى مكان موقوف عليه فيه أو خرج منه إلى مثله، إلا أن يشترط لكل
الجزء: 2 - الصفحة: 884
زمن قدر معين فيكون له بقسطه، وقياسه من نزل في مدرسة ونحوها.
وقال ابن عبدا القوي 754: ولقائل أن يقول: ليس كذلك؛ لأن واقف المدرسة ونحوها جعل ريع الوقف في السنة كالجعل على اشتغال من هو في المدرسة عامًا، فينبغي أن يستحق بقدر عمله من السنة من ريع الوقف في السنة، لئلا يفضي إلى أن يحفر الإنسان شهرًا فيأخذ جميع الوقف ويحضره غيره باقي السنة بعد ظهور الثمرة فلا يستحق شيئًا، وهذا يأباه مقتضى الوقوف ومقاصدها، انتهى 755. وكذا قال الشيخ تقي الدين: يستحق بحصته من مغله ومن جعله كالولد فقد أخطأ 756، انتهى.
أو يملك لا ثابتًا كمكاتب؛ فلا يصح الوقف عليه، لأن ملكه غير مستقر، ويصح وقفه فإن أدى عتق وبطل الوقف.
(و) الشرط الرابع: (كون واقف نافذ التصرف) وهو المكلف الرشيد، فلا يصح من صغير أو سفيه كسائر تصرفاته.
(و) الشرط الخامس: (وقفه ناجزًا) أي غير معلق ولا مؤقت ولا مشروط فيه خيار إلا إن علق بموت كقول واقف: هو وقف بعد موتي، فيصح لأنه تبرع مشروط بالموت أشبه ما لو قال: قفوا داري على جهة كذا بعد موتي، واحتج أحمد 757 بأن عمر رضي اللَّه عنه وصى فكان في وصيته: هذا ما وصى به عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث الموت أن ثمغًا صدقة.
وذكر بقية الخبر، وروى نحوه أبو داود 758، قال في "القاموس":
الجزء: 2 - الصفحة: 885
وثمغ بالفتح -أي فتح الميم- مال بالمدينة لعمر وقفه 759.
ويلزم الوقف المعلق بالموت من حينه، ويكون من ثلثه، فإن كان قدر الثلث فأقل لزم، وإن زاد لزم في الثلث ووقف الباقي على الإجازة، وشرط بيعه أو هبته متى شاء أو خيار فيه أو تحويله مبطل للوقف لمنافاته لمقتضاه، ولا يشترط للزومه إخراجه عن يده، نصًّا 760، لحديث عمر، فإنه روي أن وقفه كان بيده إلى أن مات 761، ولا يشترط فيما وقف على شخص معين قبوله، لأنه إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث أشبه العتق، ولا يبطل برده.
ويتعين صرف الوقف إلى الجهة المعينة له، لأن تعيينه لها صرف له عما سواها، فلو سبّل ماءً للشرب لم يجز الوضوء به ولا الغسل ونحوه، وكذا عكسه لأنه لو لم يجب اتباع تعيينه لم يكن له فائدة.
(ويجب العمل بشرط واقف إن وافق الشرع) كقوله: شرطت لزيد كذا، أو لعمرو كذا لأن عمر شرط في وقفه شروطًا 762، ولو لم يجب اتباع شرطه لم يكن في اشتراطه فائدة، ولأن الوقف متلقى من جهته فاتبع شرطه، ونصه كنص الشارع 763، ويجب العمل بشرطه في عدم إيجار الوقف أو قدر مدته وفي قسمته، قال الشيخ تقي الدين: والشروط إنما يلزم الوفاء بها إذا لم
الجزء: 2 - الصفحة: 886
يفض ذلك إلى الإخلال بالمقصود الشرعي 764.
ويجب العمل بشرطه في تقديم بعض أهل الوقف كقوله: وقفت على زيد وعمرو وبكر.
ويبدأ بالدفع إلى زيد وعكس ذلك، وفي ترتيب كجعل استحقاق بطن مرتبًا على آخر، وفي ناظر لأن عمر جعل وقفه إلى بنته حفصة ثم يليه ذو الرأي من أهلها 765، وفي سائر أحواله.
وإن خصص مقبرة أو رباطًا أو مدرسة أو إمامتها أو إمامة مسجد بأهل مذهب أو أهل بلد أو قبيلة تخصصت بهم عملًا بشرطه، لا المصلين بها فلا يصح تخصيصهم بذي مذهب ولغيرهم الصلاة فيها لعدم التزاحم، ولو وقع فهو أفضل لأن الجماعة تراد له.
ولا تخصيص الإمامة بذي مذهب مخالف لظاهر السنة، ولو جهل شرط الواقف بأن قامت بينة بالوقف دون شرطه عُمِلَ بعادة جارية ثم عرف، فإن لم يكن عادة ولا عرف ببلد الواقف كمن ببادية فيسوى فيه بين المستحقين لثبوت الشركة دون التفضيل، ولذلك قال الشيخ: (ومع إطلاق يستوي غني وفقير وذكر وأنثى) لعدم ما يقتضي التفضيل.
(والنظر عند عدم الشرط) من واقف لوقفه أو عند شرطه لمعين فمات (لموقوف عليه إن كان محصورًا) فينظر كل منهم على حصته عدلًا أو فاسقًا، لأنه ملكه، وغلته له، وإن كان محجورًا عليه لحظه فوليه يقوم مقامه
الجزء: 2 - الصفحة: 887
وتقدم 766 (وإلا) يكن الموقوف عليه محصورًا (فـ) النظر (الحاكم) بلد الموقوف (كما لو كان على مسجد ونحوه) كالفقراء؛ لأنه ليس له مالك معين ويتعلق به حق الموجودين ومن يأتي بعدهم.
ولو فوضه حاكم لإنسان لم يكن لحاكم آخر ناقضه؛ لأنه كنقض حكمه.
وشرط في ناظر إسلام إن كان الوقف على مسلم أو جهة من جهات الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)﴾ 767، وشرط فيه تكليف؛ لأن غير المكلف لا ينظر في ملكه المطلق ففي الوقف أولى، وشرط فيه كفاية للتصرف وخبرة به وقوة عليه، لأن مراعاة حفظ الوقف مطلوبة شرعًا، وإذا لم يكن الناظر متصفًا بهذه الصفات لم يمكنه مراعاة حفظ الوقف، ويُضمُّ لضعيف تعين كونه ناظرًا بشرط واقف أو كون الوقف عليه قوي أمين؛ ليحصل المقصود.
وشرط في ناظر أجنبي ولاه حاكم، أو ناظر جعل له ذلك عدالة؛ لأنه ولاية على مال فاشترط له العدالة، فإن فسق بعد عُزل.
ولناظر بأصالة كموقوف عليه وحاكم نصب وعزل، ولا نظر لحاكم مع ناظر خاص، لكن له النظر العام فيعترض عليه إن فعل ما لا يسوغ فعله لعموم ولايته، وللناظر الاستدانة على الوقف بلا إذن حاكم لمصلحة.
ووظيفة الناظر حفظ الوقف وعمارته وإيجاره وزرعه ومخاصمة فيه وتحصيل ريعه من أجرة أو زرع أو ثمر، والاجتهاد في تنميته وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء مستحق ونحوه، وله وضع يده على الوقف والتقرير في وظائفه، ومن قرر في وظيفة على وفق الشرع حرم صرفه بلا موجب شرعي، ولو أجر ناظر الوقف بأنقص من أجر مثله صح وضمن
الجزء: 2 - الصفحة: 888
النقص الذي لا يتغابن به عادة.
(وإن وقف على ولده) ثم المساكين، (أو) وقف على (ولد غيره) كعلى ولد زيد ثم المساكين (فهو) أي الوقف (لذكر وأنثى) وخنثى الموجود منهم، لأن اللفظ يشملهم (بالسويَّة) لأنه شرك بينهم وإطلاق التشريك يقتضي التسوية، كما لو أقر لهم بشيء، وكولد الأم في الميراث (ثم) هو (لولد بنيه) مطلقًا، سواء وجدوا حالة الوقف أو لا كوصية، ويستحقونه مرتبًا بطنًا بعد بطن فيحجب أعلاهم أسفلهم ما لم يكونوا قبيلة، أو يأتي بما يقتضي التشريك كعلى أولادي وأولادهم فلا ترتيب.
ولا يدخل ولد البنات في الوقف على الولد؛ لأنهم لا ينسبون إليه بل إلى أبائهم، قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ 768، قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتُنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد 769
وأما قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن ابني هذا سيد" 770 ونحوه فمن خصائصه انتساب أولاد فاطمة إليه.
وإن (وُ) قف (علي بنيه أو) على (بني فلان، فلذكور فقط) لأن لفظ البنين وضع لذلك حقيقة لقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153)﴾ 771.
وكره تفضيل بعض أولاده على بعض في الوقف لغير سبب شرعي، لأنه يؤدي إلى التقاطع، والسنة أن لا يزاد ذكر على أنثى، واختار الموفق
الجزء: 2 - الصفحة: 889
وغيره 772 يستحب أن يقسمه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين على حسب قسمة اللَّه تعالى في الميراث كالعطية، والذكر في مظنة الحاجة غالبًا بوجوب حقوق تترتب عليه بخلاف الأنثى.
وإن وقف على عقبه أو نسله أو ولد ولده أو ذريته لم يدخل فيهم ولد بنات، كما لو وقف على من ينتسب إليه إلا بقرينة كقوله: من مات عن ولد فنصيبه لولده فيستحق كل ولد بعد أبيه نصيبه الأصلي والعائد، سواء بقى من البطن الأول أحد أم لا، فلو كان الموقوف عليهم ثلاثة ومات أحدهم عن غير ولد فنصيبه لأخويه، فإذا مات أحدهما عن ولد كان النصف لولده، فإذا مات الثاني عن ولدين فأكثر فنصيبه لهم.
(وإن كانوا) أي بنو فلان (قبيلة) كبني هاشم وتميم 773 (دخل النساء) لأن اسم القبيلة يشمل ذكرها وأنثاها (دون أولادهن) أي نساء تلك القبيلة (من) رجال (غيرهم) لأنهم إنما ينسبون لآبائهم كما تقدم.
(و) إن وقف (على قرابته أو أهل بيته أو قومه) أو آله أو أهله (دخل ذكر وأنثى) وصغير وكبير (من أولاده وأولاد أبيه) وهم إخوته وأخواته (و) أولاد (جده) وهم أبوه وأعمامه وعماته (و) أولاد (جد أبيه) وهم جده وأعمام أبيه وعماته أربعة آباء فقط، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يجاوز بني هاشم بسهم ذي القربى، فلم يعط لمن هو أبعد كبني عبد شمس وبني نوفل 774 شيئًا، ولا
الجزء: 2 - الصفحة: 890
يقال هما كبني المطلب، فإنه -صلى اللَّه عليه وسلم- علل الفرق بينهم وبين من سواهم في القرب بأنهم لم يفارقوا في جاهلية ولا إسلام 775.
و(لا) يدخل الوقف في القرابة على (مخالف دينه) لدين الواقف، فإن كان الواقف مسلمًا لم يدخل في قرابته كافرهم، وإن كان كافرًا لم يدخل المسلم في قرابته إلا بقرينة.
ولا يدخل في الوقف على قرابته أمه ولا قرابته من قبلها، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يعط من سهم ذوي القربى قرابته من جهة أمه شيئًا 776، إلا أن يكون في لفظ الواقف ما يدل على ذلك كقوله: ويفضل قرابتي من جهة أبي على قرابتي من جهة أمي ونحو ذلك.
والعتْرة: العشيرة وهي قبيلة الرجل 777، وذوا رحمه قرابته من جهة أبويه وأولاده وأولادهم وإن نزلوا، لأن الرحم يشملهم وله جاوزوا أربعة آباء.
(وإن وقف على جماعة يمكن حصرهم) كبنيه أو إخوته أو بني فلان
الجزء: 2 - الصفحة: 891
وليسوا قبيلة (وجب تعميمهم) بالوقف (والتسوية بينهم) فيه لاقتضاء اللفظ ذلك كما لو أقر لهم بشيء، ويوضحه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ 778.
(وإلا) يكن الوقف على جماعة يمكن حصرهم: كقريش 779 أو بني تميم أو المساكين لم يجب تعميمهم لتعذره، وجاز التفضيل بينهم لأنه إذا جاز حرمان بعضهم (جاز تفضيل) غيره عليه (و) جاز (الاقتصار على واحد) منهم، لأن مقصود الواقف عدم مجاوزة الجنس، ويحصل ذلك بالدفع لواحد منهم، وكالزكاة إن كان ابتداؤه على جمع لا يمكن حصرهم بخلاف ما لو أمكن حصرهم ابتداء، ثم تعذر كمن وقف على أولاده فصاروا قبيلة فيعم من أمكن ويسوى بينهم.
وإن وقف على الفقراء أو على المساكين تناول الآخر؛ لأنه إنما يفرق بينهما في المعنى إذا اجتمعا في الذكر، وإن وقف على القراء فللحفاظ للقرآن، وعلى أهل الحديث فلمن عرفه ولو حفظ أربعين حديثًا لا بمجرد السماع، وعلى العلماء فلحملة الشرع ولو أغناء.
ولو وقف على سبيل الخير فلمن أخذ من زكاة لحاجة، ووصيته كوقف في جميع ذلك، لأنه يرجع فيها إلى لفظ الموصي كما يرجع في الوقف إلى لفظ واقفه.
والوقف عقد لازم لا يفسخ بإقالة ولا غيرها، ولا يباع إلا أن تتعطل منافعه المقصودة بخراب، ولم يوجد في ريع الوقت ما يعمر به، أو بغير
الجزء: 2 - الصفحة: 892
الخراب 780، ولو كان الوقف مسجدًا وتعطل نفعه المقصود بضيقه عن أهله ولم تمكن توسعته في موضعه، أو بخراب محلته، فيباع، ولو شرط واقفه عدم بيعه، ويصرف ثمنه في مثله إن أمكن أو في بعض مثله.
ويصح بيع بعضه لإصلاح باقيه إن اتحد الواقف والجهة، فإن اختلفا أو أحدهما لم يجز إن كان الوقف عينين كدارين خربتا، فيباع أحدهما لتعمر به الأخرى، أو كان عينًا واحدة ولم تنقص القيمة بالتشقيص 781 وإلا بيع الكل.
ولا يعمر وقف من آخر، ويجوز نقض منارة مسجد، وجعلها في حائطه لتحصينه، ويجوز اختصار آنية موقوفة إذا تعطلت وإنفاق الفاضل منها على الإصلاح.
وحيث جاز بيع الوقف فيبيعه حاكم إن كان على سبيل الخيرات، وإن كان على شخص أو جماعة معينين أو من يؤم أو يؤذن أو يقيم بهذا المسجد فيبيعه ناظر خاص إن كان، والأحوط إذن حاكم، وبمجرد شراء البدل يصير وقفًا كبدل أضحية ورهن أتلف، والاحتياط وقفه لئلا ينقضه بعد ذلك من لا يرى وقفه بمجرد الشراء 782.
الجزء: 2 - الصفحة: 893
ومن وقف على ثغر 783 فاختل صرف في ثغر مثله، وعلى قياسه مسجد ورباط ونحوهما، وما فضل عن حاجة الموقوف عليه يجوز صرفه في مثله وإلى فقير نصًّا 784.
ويحرم حفر بئر وغرس شجر بمسجد، فإن فعل طمت البئر وقلعت الشجرة، فإن لم تقلع فثمرتها لمساكينه، قال الحارثي 785: والأقرب حله لغيرهم من المساكين.
= والوجه الثاني: لابد من تجديد الوقفية.
وهو ظاهر كلام الخرقي.
وقال ابن حارثي: واحتج بأن الشراء لا يصلح سببًا لإفادة الوقف، فلابد للوقف من سبب يفيده.
اهـ ينظر: "شرح الزركشي" (4/ 289) و"قواعد ابن رجب" (1/ 285) و"الإنصاف" (16/ 534).
الجزء: 2 - الصفحة: 894
فصل في الهبة
وأصلها: من هبوب الريح أي مروره 786، والاتهاب: قبول الهبة، والاستيهاب: سؤالها.
وتواهبوا: وهب بعضهم لبعض 787، وهي شرعًا: تمليك جائز التصرف مالًا معلومًا أو مجهولًا تعذر علمه موجودًا مقدورًا على تسليمه غير واجب في الحياة بلا عوض، بما يعد هبة عرفًا من قول أو فعل بالمعاطاة 788. والهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بلا عوض.
(والهبة مستحبة) فمن قصد بإعطاء لغيره ثواب الآخرة فقط، فصدقة.
وإكرامًا وتوددًا فهدية، وإلا يقصد شيئًا فهبة وعطية ونحلة، وجميع ذلك مندوب إليه ومحثوث عليه، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تهادوا تحابوا" 789، وما ورد في فضل الصدقة أشهر من أن يذكر.
ومن أهدى ليهدى له أكثر فلا بأس به لغير النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ 790 ولما فيه من الحرص والضِّنَة 791، ووعاء هدية كهي مع عرف كقوصرّة 792 التمر ونحوها، فإن لم يكن عرف رده.
الجزء: 2 - الصفحة: 895
ويكره رد هبة وإن قلَّت؛ لحديث أحمد عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا تردوا الهدية" 793، ويكافئ المهدى له أو يدعو له، وحكى أحمد في رواية مثنى 794 عن وهب 795 قال: ترك المكافأة من التطفيف 796. وقاله مقاتل 797.
وإن شرط فيها عوض معلوم صح وصارت بيعًا بلفظ الهبة، وإن شرط ثواب 798 مجهول لم تصح كالبيع بثمن مجهول، وحكمها كالبيع الفاسد فترد بزيادتها المتصلة والمنفصلة، وإن اختلفا في شرط عوض في الهبة فقول منكر بيمينه، وفي وهبتني ما بيدي، فقال: بل بعتكه.
ولا بينة، يحلف كل منهما على ما أنكر، ولا هبة ولا بيع؛ لعدم ثبوت أحدهما.
(وتصح هبة مصحف) وإن لم يصح بيعه (و) تصح هبة (كلّ ما يصح بيعه) من الأعيان؛ لأنها تمليك في الحياة فتصح فيما يصح فيه البيع وما لا يصح بيعه لا تصح هبته كأم الولد، ولا تصح هبة مجهول لم يتعذر علمه = قاله في "غوامض الصحاح" (ص 133).
الجزء: 2 - الصفحة: 896
نصًّا 799، لأنه كحمل في بطن ونحوه، لأنها تمليك فلا تصح في المجهول كالبيع، فإن تعذر علمه صحت هبته كالصلح عنه للحاجة.
ولا تصح هبة ما في ذمة مدين لغيره؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، ولا تصح هبة ما لا يقدر على تسليمه كمغصوب لغير غاصبه أو قادر على أخذه منه كبيع، ولا يصح تعليقها على شرط غير موت الواهب فيصح وتكون وصية، ولا يصح اشتراط ما ينافيها كأن لا يبيعها أو يهبها ونحوهما، وتصح هي مع فساد الشرط كالبيع بشرط أن لا يخسر.
ولا تصح مؤقتة إلا في العُمْرى 800 فتصح مع التوقيت بالعمر لأنه شرط رجوعها هنا على غير الموهوب له وهو وارثه، بخلاف التوقيت بزمن معلوم.
سُميت عُمْرى لتقييدها بالعمر كأعمرتك أو أرقبتك هذه الدار أو هذه الفرس أو هذه الأَمَةَ، يقال: أَعْمَرْتُهُ وعَمَّرتهُ مشددًا، جعلت له الدار مدة عمره، ونص أحمد في من عَمَّرَ أمةً لا يطؤها 801، وحمله القاضي 802 على الورع 803، أو يقول: جعلتها لك عمرك أو حياتك أو عمري، أو رقبى 804 أو ما بقيت، أو أعطيتكها عمرك أو حياتك أو عمرى أو رقبى أو ما بقيت، فتصح لحديث جابر مرفوعًا: "العُمرى جائزة
الجزء: 2 - الصفحة: 897
لأهلها" 805 رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وتكون للمُعطى ولورثته بعده إن كانوا والا فلبيت المال.
نصًّا 806.
(وتنعقد) هبة (بما يدل عليها عرفًا) من قول أو فعل، ويصح تصرف موهوب له في الهبة بعده 807 قبل قبض على المذهب، نص عليه، والنماء للمتهب قاله في "الإنصاف" 808 ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يهدي ويُهدى إليه ويُعطي ويُعطى 809. وأصحابه يفعلون ذلك، ولم ينقل عنهم في ذلك لفظ إيجاب ولا قبول، ولا أمر به ولا بتعليمه لأحد، ولو وقع لنقل نقلًا مشهورًا، وكان ابن عمر على بعير لعمر فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عمر: "بعنيه".
فقال: هو لك يا رسول اللَّه.
فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هو لك يا عبد اللَّه بن عمر من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاصنع به ما شئت" 810. ولم ينقل قبول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا قبول ابن عمر من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولأن دلالة الرضى بنقل الملك تقوم ما قام الإيجاب والقبول.
فتجهيز بنته بجهاز إلى بيت زوجها تمليك لوجود المعاطاة بالفعل.
(وتلزم) الهبة (بقبضٍ بإذنِ واهب) فيه لأنه قبض غير مستحق على واهب فلم يصح بغير إذنه كأصل العقد، وكالرهن، فالقبض معتبر للزومها واستمرارها لا لانعقادها، ولواهب الرجوع في هبةٍ وفي إذنٍ في قبضها قبل
الجزء: 2 - الصفحة: 898
القبض، ولو بعد تصرف متهب مع الكراهة، كما يأتي 811.
(ومن أبرأ غريمه) من دينه أو وهبه له أو أحله منه أو أسقطه عنه أو تركه له أو مفكه له أو تصدق به عليه أو عفا عنه صح ذلك كله و (برئ) من الدين (ولو لم يقبل) الإبراء، لأنه لا يفتقر إلى القبول كالعتق والطلاق، بخلاف هبة العين، لأنه تمليك، ولو جهل رب الدين قدره وصفته لا إن علمه مدين فقط فكتمه خوفًا من أنه إن علمه لم يبرئه منه، فلا يصح الإبراء، لأنه هضم للحق وهو إذًا كالمكره؛ لأنه غير متمكن من المطالبة والخصومة فيه.
(ويجب) على معط (تعديل في عطية وارث) له بقرابة من ولد وغيره غير شيء تافه نصًّا 812 حتى لو زوج بعض بناته وجهزها أو بعض بنيه وأعطى عنه الصداق.
والتعديل الواجب (بأن يعطي كلًا) من ورثته (بقدر إرثه) نصًّا 813، لحديث جابر: قال قالت امرأة لبشير: أعط ابني غلامًا وأشهد لي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، فقال: "أله إخوة؟ قال: نعم.
قال: "وكلّهم أعطيت مثل ما أعطيته" قال: لا.
قال: "فليس يصلح هذا، أو إني لا أشهد إلا على حق" 814 رواه أحمد، ومسلم وأبو داود، ورواه أحمد من حديث النعمان بن بشير، وقال فيه: "لا تشهدني على جَوْر، إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم" 815، وفي لفظ لمسلم: "اتقوا اللَّه واعدلوا في
الجزء: 2 - الصفحة: 899
أولادكم" 816 ولأحمد وأبي داود والنسائي: "اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم" 817.
فأمر بالعدل بينهم، وسمى تخصيص بعضهم جورًا والجور حرام، وقيس على الأولاد باقي الأقارب، بخلاف الزوج والزوجة والموالي إلا في النفقة، فتجب الكفاية دون التعديل نصًّا 818، لأنها لدفع الحاجة، وله التخصيص لبعض ورثته بإذن الباقي منهم 819، لانفتاء العداوة والقطيعة إذن التي هي علة المنع، (فإن فضَّل) بعضهم بلا إذن الباقي (سوّى) بينهم (برجوع) إن أمكن، [أو أعطى الباقي حتى يُسَوَّوْا بمن خصه أو فضله نصًّا، ] 820 ولو في مرض موته لأنه تدارك للواجب، (وإن مات) معط (قبله) أي: التعديل وليست في مرض موته (ثبت تفضيله) لآخذ فلا رجوع لبقية الورثة عليه نصًّا 821 لخبر الصديق 822 وكما لو كان أجنبيًّا أو انفرد.
= ورواه البخاري أيضًا في الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور (3/ 151) بلفظ: "لا تشهدني على جور" دون قوله: "إن لبنيك عليك من الحق".
الجزء: 2 - الصفحة: 900
وتحرم الشهادة على تخصيص أو تفضيل تحملًا وأداء إن علم الشاهد به؛ لحديث: "لا تشهدني على جور" 823، وكذا كل عقد فاسد عند الشاهد، وتباح قسمة ماله بين وارثه على فرائض اللَّه تعالى لعدم الجور فيها، ويعطى وارث حادث حصته مما قسم وجوبًا ليحصل التعديل، ويصح وقف ثلثه في مرضه المخوف على بعض ورثته، واحتج أحمد بحديث عمر 824، وبأن الوقف لا يباع ولا يورث ولا يصير ملكًا للورثة.
ولا ينفذ وقف مريض ولو على أجنبي بزائد على الثلث كسائر تبرعاته، بل يقف ما زاد على الثلث على إجازة الورثة.
(ويحرم على واهب)، ولا يصح (أن يرجع في هبته بعد قبض) ولو تطوعًا أو حمولة في نحو عرس؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" 825. متفق عليه، وسواء عوض عنها أو لم يعوض؛ لأن الهبة المطلقة لا تقتضي ثوابًا، إلا من زوجة وهبت زوجها شيئًا بمسألته إياها صداقًا أو غيره ثم ضرها بطلاق أو غيره كتزوج عليها فلها الرجوع فيه، لأنه لا تهب إلا مخافة غضبه أو إضراره بأن يتزوج عليها، وإن لم يكن سألها وتبرعت به فلا رجوع.
(وكره) رجوع واهب في هبته (قبله) أي قبل الضبض خروجًا من = قالت عائشة: فقلت: يا أبت، واللَّه لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر: ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية.
الجادَّ: النخل الذي يَجُدُّ من ثمرته مقدار معلوم، والمراد أنه أعطاها نخلًا يقطع من ثمرته عشرون وسقًا.
والجدُّ: اجتناء ثمر النخل.
اهـ من "جامع الأصول" (11/ 621).
الجزء: 2 - الصفحة: 901
خلاف من قال إن الهبة تلزم بالعقد 826 (إلا الأب) فله أن يرجع في عطيته قبله وبعده بلا كراهة، لحديث طاوس عن ابن عمر وابن عباس مرفوعًا: "ليس لأحد أن يعطي عطية ويرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده" 827. رواه الترمذي وحسنه.
وسواء أراد التسوية بين أولاده بالرجوع أو لا، إلا إذا وهبه سرية 828 للإعفاف فلا رجوع له فيها، ولو لم تصر أم ولد لأنها ملحقة بالزوجة، وإلا إذا أسقط حقه من الرجوع، خلافًا لما في "الإقناع" 829 لأن الرجوع مجرد حقه وقد أسقطه، وإلا إذا حملت الأمة الموهوبة للولد وولدت عنده فيمتنع الرجوع في الأم لتحريم التفريق بين الوالدة وولدها 830، وإلا إذا زادت
الجزء: 2 - الصفحة: 902
العطية زيادة متصلة كسمن، وكبر وحمل وتعلم صنعة، لأن الزيادة للموهوب له، لأنها نماء ملكه ولم تنقل إليه [من جهة] أبيه، فلم يملك الرجوع فيها كالمنفصلة، وإذا امتنع الرجوع [فيها امتنع في الأصل، ويصدق] 831 الأب في عدمها، لأنه منكر لها، والأصل عدمها، وإلا أن يرهنه الابن رهنًا لازمًا أو يهبه أو يبيعه فلا رجوع إلا أن يرجع إليه.
(وله) أي: للأب الحر (أن يتملك بقبض مع قول أو نية من مال ولده) بعلمه وبغير علمه صغيرًا كان الولد أو كبيرًا ذكرًا أو أنثى راضيًا أو ساخطًا، الحديث: "أنت ومالك لأبيك" 832، (وأما سُرية) 833 الابن التي وطئها فليس للأب تملكها وإن لم تكن أم ولد لأنها ملحقة بالزوجة نصًّا 834، (ما لم يضره) أي يضر الأب ولده بما يتملكه منه، فإن ضره بأن تتعلق حاجة الولد به كآلة حرفته ونحوها لم يتملكه، لأن حاجة الإنسان مقدمة على دينه فلأن تقدم على أبيه أولى (أو) ما لم يتملكه الأب (ليعطيه لولد آخر) فليس له ذلك نصًّا 835، لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يمنع من تخصيصه من مال ولده الآخر أولى (أو) ما لم (يكن بمرض موت أحدهما) المخوف، فلا يصح لانعقاد سبب الإرث.
وليس للأم ولا للجد التملك من ماله كغيرهما من الأقارب (أو) ما لم = الوالدة وولدها في البيع (1301) عن أبي أيوب سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من فرَّق بين الوالدة وولدها فرَّق اللَّه بينه وبين أحبته يوم القيامة".
قال الترمذي: حسن غريب.
اهـ
الجزء: 2 - الصفحة: 903
(يكن) الأب (كافرًا والابن مسلمًا) فليس له أن يتملك من ماله شيئًا، قال الشيخ تقي الدين: وليس للأب الكافر أن يتملك من مال ولده المسلم لاسيما إذا كان الولد كافرًا ثم أسلم 836، انتهى.
وقال في "الإنصاف": الأشبه أن الأب المسلم ليس له أن يأخذ من مال ولده الكافر شيئًا 837. ولا يملك الأب إبراء نفسه من دَين ولده ولا إبراء غريمه منه ولا قبضه منه لأن الولد لا يملكه إلا بقبضه.
وإن أولد جاريةَ ولدِه صارت أم ولد له، لأن إحباله لها يوجب نقل ملكها إليه، فإن لم تحبل منه فهي باقية على ملك الولد ولا حد على الأب بوطء أمة ولده لشبهة الملك، لحديث: "أنت ومالك لأبيك" 838 ويعزر الأب لوطئه المحرم وعليه قيمتها لولده إن أحبلها لأنه أتلفها عليه، ولا ينتقل الملك فيها إن كان الابن قد وطئها ولو لم يستولدها، لأنها ملحقة بالزوجة كما تقدم 839، فليست محلًّا لتملكه فلا تصير أم ولد للأب إن حملت منه نصًّا 840.
ومن استولد أمة أحد والديه، لم تصر أم ولد له وولده قِنٌّ 841، وإن علم التحريم حد (وليس لولد ولا لورثته) أي الولد (مطالبة أبيه بدَين) كقرض وثمن مبيع أو قيمة متلف (ونحوه) كأجرة أرض زرعها ودار سكنها (بل) له مطالبته (بنفقة واجبة) عليه لفقر الولد وعجزه عن التكسب، وله مطالبة أبيه بعين مال له بيده، ويثبت له في ذمته الدين، ولا يسقط بموته
الجزء: 2 - الصفحة: 904
كسائر الديون عليه (بل) يسقط [أرش جنايته] 842 على ولده فلا يرجع في تركته.
وإن وجد الولد عين ماله الذي أقرضه أو باعه لأبيه بعد موته فله أخذه إن لم يكن انتقد ثمنه من أبيه.
(ومن مرضه غير مخوف) كصداع أو 843 وجع رأس أو ضرس ونحو ذلك، ولو صار مخوفًا فمات به فـ (تصرُّفهُ) كتصرف صحيح يصح في جميع ماله، لأن مثل هذه لا يخاف منها في العادة، (أو) مرضه (مخوف كبرسام) بكسر الموحدة، وهو بخار يرتقي إلى الرأس يؤثر في الدماغ فيختل به العقل، وقال عياض 844: هو ورم في الدماغ يتغير منه عاقل الإنسان ويهذي 845، (وإسهال متدارك) وهو الذي لا يستمسك وإن كان ساعة، لأن من لحقه ذنك أسرع في هلاكه، وكذا إسهال معه دم لأنه يضعف القوة، وذات الجنب وهو قرح بباطن الجنب، والرعاف الدائم لأنه يصفي الدم فتذهب القوة، والفالج في ابتدائه، والسل -بكسر السين- داء معروف في انتهائه (وما قال طبيبان مسلمان عدلان عند إشكاله) أي المرض هل هو مخوف أم لا (أنه مخوف) كوجع الرئة والقولنج وهي 846 مع الحمى أشد خوفًا، وكذا الطاعون
الجزء: 2 - الصفحة: 905
وهيجان الصفراء والبلغم فـ (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء ولا بما فوق الثلث لغيره) أي غير الوارث (إلا بإجازة الورثة) ولو كان تبرعه عتقًا لبعض أرقائه، وكذا عفوه عن جناية توجب المال أو محاباة كبيع وإجارة.
(ومن امتد مرضه بجذام ونحوه) كسل لا في حالة انتهائه والفالج في دوامه (ولم يقطعه بفراش) أي لم يصر صاحبه صاحب فراش، لأن صاحب الفراش يخشى تلفه أشبه صاحب المرض المخوف فتصرفه (كـ) تصرف (صحيح) ينفذ في جميع ماله، وكمريض مرض الموت المخوف مَنْ بين الصفين وقت حرب، وكل من الطائفتين مكافئ للأخرى.
ومن باللُّجة عند الهيجان -أي ثوران البحر- بريح عاصف، أو وقع الطاعون ببلده، أو قُدِّم لقتل، أو حبس له، وأسيرٌ عند من عادته القتل، وجريح جرحًا موحيًا مع بقاء عقله؛ لأن عمر لما جرح سقاه الطبيب لبنًا فخرج من جرحه، فقال له الطبيب: اعهد إلى الناس.
فعهد إليهم ووصى 847، وعين بعد ضرب ابن ملجم أوصى وأمر ونهى 848، فإن لم يثبت عقله فلا حكم لعطيته، بل ولا لكلامه، وحامل عند مخاض مع ألم حتى تنجو، وكميت من ذبح أو أبينت حشوته، فلا يعتد بكلامه، ولو علق صحيح عتق قِنّه على شرط فوجد في مرض موته المخوف فمن ثلثه.
وتقدم عطية اجتمعت مع وصية وضاق الثلث عنهما مع عدم الإجازة، ولا يقدم عتق على غيره من التبرعات (ويعتبر عند الموت) أي موت المتبرع (كونه) أي المعطى (وارثًا أو لا) فلو أعطاه وهو غير وارث ثم صاره وارثًا بعد لم يمنع من ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 906
(و) تفارق العطية: الوصية في أربعة أحكام:
أحدها أنه (يُبدأ بالأول فالأول في العطية).
(و) الثاني أنه (لا يصح الرجوع فيها) بعد لزومها بالقبض.
(و) الثالث أنه (يعتبر قبولها عند وجودها) لأنها تصرف في الحال، فاعتبرت شروطه وقت وجوده.
(و) الرابع أنه (يثبت الملك فيها) أي العطية (من حينها) أي حين وجودها، بشروطها مراعى، فإذا خرجت من ثلثه عند موت تبينا أن الملك كان ثابتًا من حيث العطية (والوصية بخلاف ذلك كله) فلا تملك قبل الموت، لأنها تمليك بعده فلا تتقدمه.
وإذا ملك المريض من يعتق عليه بهبة أو وصية أو أقر أنه أعتق ابن عمه في صحته عتق من رأس المال، وورث لأنه حر حين صوت مورثه لا مانع به، ولا يكون عتقهم وصية، ولو دَبَّر 849 ابن عمه عتق ولم يرث، إن قال: أنت حر آخر حياتي عتق وورث.
ومما لزم المريض في مرضه من حق لا يمكنه دفعه وإسقاطه كأرش جنايته أو جناية رقيقه، وما عاوض عليه بثمن المثل وما يتغابن بمثله فمن رأس ماله، وكذا النكاح بمهر المثل وشراء جارية يستمتع بها ولو كثيرة الثمن بثمن مثلها، والأطعمة التي لا يأكل مثله مثلها فيجوز ويصح.
واللَّه تعالى أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 907
المراجع
- الإجماع، لابن المنذر، ط 1 و 2، مكتبة الفرقان، عجمان، ومكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة، تحقيق: د. صغير أحمد ضيف، 1420 هـ.
- إجماعات ابن عبد البر في العبادات، جمع ودراسة: عبد اللَّه بن مبارك البوصي، ط 1، دار طيبة، 1420 هـ.
- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان لابن بلبان ط مؤسسة الرسالة.
تحقيق شعيب الأرناؤوط، بيروت، 1412 هـ. - أحكام الجنائز، للألباني، ط المكتب الإسلامي، 13.
- أحكام القرآن.
لابن العربي.
ط دار الباز 1416 هـ. تحقيق محمد عبد القادر عطا. - الأحكام الوسطى.
لعبد الحق الأشبيلي. - الإحكام في أصول الأحكام.
للأمدي.
ط 1 الرياض.
1378 هـ. تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي. - أخبار أصبهان.
لأبي نعيم.
ط 1 ليدن. - أخبار قضاة مصر.
- أخصر المختصرات.
لابن بلبان الدمشقي، ط 1، دار البشائر الإسلامية، تحقيق: محمد ناصر العجمي، 1416 هـ. - أخلاق أهل القرآن.
للآجري.
ط 1 دار الإفتاء بالرياض. - الإخنائية.
لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط 1 دار الخرَّاز، تحقيق: أحمد العنزي، 1420 هـ. - الآداب الشرعية والمنح المرعية.
لابن مفلح.
ط 1 مؤسسة الرسالة 1416 هـ. تحقيق شعيب الأرناؤوط وعمر القيام.
الجزء: 2 - الصفحة: 1013
- أدب الخطيب.
لعلاء الدين علي بن إبراهيم بن العطار الدمشقي، ط 1 دار الغرب الإسلامي، تحقيق محمد السليماني، 1996 م. - الأدب المفرد.
للبخاري.
مع شرحه: فضل اللَّه الصمد، ط 2 السلفية بمصر. - إرشاد البصير إلى سنية التكبير عن البشير النذير.
لأحمد الزعبي.
ط 1 دار الإمام مسلم 1409 هـ. - إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد.
لابن الأكفاني.
ط مكتبة لبنان ناشرون. - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل.
للألباني.
ط 1 المكتب الإسلامي. - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للألباني، ط 1، تحقيق محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت.
- أسماء رسول اللَّه ومعانيها.
ابن فارس اللغوي.
تحقيق ماجد الذهبي ونشرت في مجلة الكتب "العدد 334. محرم 1408 هـ". - الأشباه والنظائر.
لابن نجيم.
ط 1 تحقيق محمد مطيع الحافظ 1403 هـ. - الإشراف على نكت مسائل الخلاف.
أبو محمد عبد الوهاب بن علي البغدادي، الطبعة الأولى، دار ابن حزم، 1420 هـ. - الإصابة في تمييز الصحابة.
لابن حجر، ط 1 مكتبة الكليات الأزهرية، تحقيق: د. طه الزيني، 1390 هـ. - أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن، للشنقيطي، ط مطبعة المدني.
- إعلام الساجد بأحكام المساجد.
للزركشي. - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان.
لابن القيم.
ط 1 محمد حامد الفقي. - الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع.
لشمس الدين محمد الشربيني، مكتبة الحلبي، 1359 هـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 1014
- الإقناع لطالب الانتفاع.
لشرف الدين الحجاوي، ط 1 دار هجر، تحقيق: د. عبد اللَّه التركي، 1418 هـ. - إكمال الأعلام بتثليث الكلام.
لابن مالك.
ط جامعة أم القرى.
تحقيق د. سعد الغامدي. - الأم.
للشافعي، ط 1 دار الفكر، 1400 هـ. - الأنساب.
للسمعاني.
ط 1 الهند. - أنساب الأشراف.
للبلاذري.
ط 1 الباز. - الإنصاف فيما بين علماء المسلمين في قراءة بسم اللَّه الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب من الاختلاف.
لابن عبد البر.
ط 1، أضواء السلف.
تحقيق: عبد اللطيف المغربي، 1417 هـ. - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف.
لعلاء الدين المرداوي، ط 1، هجر، تحقيق: د. عبد اللَّه التركي، 1415 هـ. - أنيس الفقهاء.
لقاسم القونوي.
ط 1 دار الوفاء للنشر والتوزيع، تحقيق: د. أحمد الكبسي، 1406 هـ. - الأوسط.
لابن المنذر، ط 1 دار طيبة، 1420 هـ. - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك.
لابن هشام.
ط دار الجيل.
تحقيق محي الدين عبد الحميد. - الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه.
لمكي بن أبي طالب. - اجتماع الجيوش الإسلامية.
- اختصار علوم الحديث.
لابن كثير.
ط دار العاصمة بالرياض 1415 هـ مع شرحه للشيخ أحمد شاكر: "الباعث الحثيث" وتعليق الألباني.
تحقيق علي حسن عبد الحميد. - الاختيار لتعليل المختار.
عبد اللَّه بن محمود بن مودود، ط 2 المكتبة الإسلامية، إستانبول، 1370 هـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 1015
- الاختيارات الفقهية.
لشيخ الإسلام ابن تيمية، للبعلي، ط 1 دار العاصمة، تحقيق: أحمد محمد الخليل، 1418 هـ. - الاختيارات الفقهية.
ط 1 السعيدية. - الاستذكار.
لابن عبد البر.
ط قلعجي. - الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار.
للحازمي، ط 1، الهند. - الاعتقاد.
للبيهقي.
ط دار الآفاق الجديدة.
بيروت.
تحقيق أحمد عصام الكاتب. - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم.
لابن تيمية.
ط 2، دار المسلم، تحقيق: د. ناصر بن عبد الكريم العقل، 1415 هـ. - امتنان العلي بعدم زكاة الحلي، للشيخ فريح الهلال، ط 1، دار العاصمة، 1411 هـ.
- الانتصار في المسائل الكبار.
لأبي الخطاب الكلوذاني.
ط 1 العبيكان. - البحر الزخار المعروف بمسند البزار.
للبزار، تحقيق: د. محفوظ الرحمن زيد اللَّه، ط 1 مكتبة العلوم والحكم، 1415 هـ. - البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي ط 1 الكويت.
تحقيق د. عبد الستار أبو غدة. - البحر المحيط.
لأبي حيان.
تصوير دار إحياء التراث العربي بيروت. - بدائع الفوائد.
لابن القيم.
ط 1 المنيرية. - بداية العابد وكفاية الزاهد في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
لعبد الرحمن بن عبد اللَّه البعلي.
ط 1، دار البشائر، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، 1417 هـ. - بداية المبتدي في فقه الإمام أبي حنيفة، ط محمد علي صبيح بمصر.
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد.
للإمام محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، ط دار الكتب الحديثية.
الجزء: 2 - الصفحة: 1016
- البداية والنهاية.
لابن كثير.
ط 1 السعادة. - بذل الماعون في فضل الطاعون.
لابن حجر.
ط دار العاصمة بالرياض. - بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس.
للضبي.
ط 1 دار الكاتب العربي 1967 م. - بغية النساك في أحكام السواك.
للسفاريني.
تحقيق عبد العزيز الدخيل.
ط 1 دار الصميعي 1420 هـ. - بلوغ المرام من أدلة الأحكام.
لابن حجر، ط المكتبة التجارية الكبرى، عني به محمد حامد الفقي. - بنو خالد وعلاقتهم بنجد.
لعبد الكريم بن عبد اللَّه المنيف.
ط 1 دار ثقيف للنشر والتأليف. - بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام.
لابن القطان.
ط 1 دار طيبة.
تحقيق الدكتور الحسين سعيد. - تاج العروس.
محمد مرتضى الزبيدي، ط الكويت، 1385 هـ. - التأريخ الكبير.
للبخاري، المكتبة الإسلامية، طبع الهند. - تاريخ بغداد.
للخطيب.
مصورة دار الكتاب العربي.
لبنان. - التاريخ الصغير.
للبخاري.
تحقيق محمد إبراهيم زايد.
ط 1 دار الوعي بحلب 1397 هـ. - تاريخ مدينة دمشق.
لابن عساكر.
ط 1 دار الفكر، تحقيق: العمروي، 1418 هـ. - تاريخ ولاة مصر.
لأبي عمر محمد بن يوسف الكندي، ط 1 مؤسسة الكتب الثقافية، 1407 هـ. - التبصرة في القراءات السبع.
لمكي بن أبي طالب.
ط الدار السلفية بالهند.
اعتنى به محمد غوث.
الجزء: 2 - الصفحة: 1017
- التبيان في آداب حملة القرآن.
للنووي، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، ط 1 دار البيان. - تحرير ألفاظ التنبيه.
للنووي، ط 1 دار القلم، تحقيق: عبد الغني الدقر، 1408 هـ. - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف.
للمزي.
تحقيق عبد الصمد شرف الدين.
ط 1 الهند. - تحفة الألباب في شرح الأنساب.
للمجلسي الموريتاني.
ط 1 قطر. - تحفة الذاكرين.
للشوكاني.
ط الحلبي. - تحفة الفقهاء.
لعلاء الدين السمرقندي، ط 2 إدارة إحياء التراث الإسلامي. - تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد.
لمحمد بن عبد اللَّه آل عبد القادر.
ط 2 مكتبة المعارف بالرياض.
ومكتبة الأحساء الأهلية بالأحساء. - تحفة المودود بأحكام المولود، لابن القيم، ط 1، عناية بسام الجابي، 1409 هـ.
- التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية.
لمحمد بن خليفة النبهاني.
ط 2 دار إحياء العلوم.
بيروت.
المكتبة الوطنية.
البحرين. - التحقيق في مسائل الخلاف.
لابن الجوزي.
ط 1 قلعجي 1419 هـ. - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي.
للسيوطي.
ط دار الكتب الحديثة بمصر.
تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف. - التذكار في أفضل الأذكار.
للقرطبي.
ط 1 دار البيان.
دمشق.
تحقيق عبد القادر الأرناؤوط وإبراهيم الأرناؤوط. - تذكرة الحفاظ.
للذهبي.
ط 3 الهند. - الترغيب والترهيب.
للمنذري.
ط ابن كثير.
الجزء: 2 - الصفحة: 1018
- تسهيل المسالك إلى هداية السالك إلى مذهب الإمام مالك.
للشيخ مبارك بن علي بن حمد الأحسائي.
ط 1 مكتبة الإمام الشافعي.
تحقيق الدكتور عبد الحميد بن مبارك آل الشيخ مبارك. - التعريفات للجرجاني.
تصوير مكتبة لبنان - التعليق المغني على الدارقطني.
تأليف ابن الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، المطبوع مع مسند الدارقطني، انظر مسند الدارقطني. - تفسير القرآن العظيم.
لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة، ط 1 دار طيبة، 1418 هـ. - تفسير القرآن العظيم مسندًا عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والصحابة والتابعين.
لابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب، ط 1، مكتبة الباز، 1417 هـ. - تفسير عبد الرزاق، تحقيق: مصطفى مسلم محمد، ط 1 مكتبة الرشد، 1410 هـ.
- التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل.
لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ.
ط 1 دار العاصمة، 1417 هـ. - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير.
لابن حجر، تحقيق: د. شعبان محمد إسماعيل، ط مكتبة الكليات، 1399 هـ. - تلخيص المستدرك.
للذهبي.
مطبوع مع المستدرك للحاكم.
ينظر: المستدرك. - التلقين في الفقه المالكي للقاضي أبو محمد عبد الوهاب البغدادي، تحقيق محمد ثالث الغاني، مكتبه الباز.
- التمهيد.
لابن عبد البر.
ط المغرب. - تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشفيعة والموضوعة.
لابن عراق.
ط 1 مكتبة القاهرة.
تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف وعبد اللَّه محمد الصديق.
الجزء: 2 - الصفحة: 1019
- تنقيح التحقيق.
لابن عبد الهادي. - تنقيح التحقيق.
للذهبي.
مطبوع مع "التحقيق في مسائل الخلاف" لابن الجوزي. - التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع في فقه الإمام أحمد.
للمرداوي، ط المطبعة السلفية. - تهذيب السنن.
لابن القيم، المطبوع مع مختصر السنن. - تهذيب الكمال.
للمزي، ط 4 مؤسسة الرسالة، تحقيق: د. بشار عوَّاد، 1406 هـ. - تهذيب اللغة.
للأزهري، الدار المصرية للتأليف والترجمة، تحقيق: عبد السلام هارون، 1384 هـ. - التوضيح في الجمع بين المقنع، لأحمد الشويكي، ط 1 المكتبة المكية، دراسة وتحقيق ناصر الميمان، 1418 هـ.
- جامع البيان عند تأويل آي القرآن، للطبري، ط 3، الحلبي، 1388 هـ.
- الجامع الصغير.
للسيوطي.
ضمن شرحه "فتح القدير".
للمناوي. - الجامع لأحكام القرآن.
للقرطبي، ط دار الكتب المصرية، 1356 هـ. - الجامع لأخلاف الراوي وآداب السامع.
للخطيب.
ط 1 المعارف بالرياض 1403 هـ تحقيق الدكتور الطحان. - الجامع لشعب الإيمان.
للبيهقي.
ط 1 الدار السلفية، تحقيق: د. عبد العلي عبد الحميد حامد، 1407 هـ. - جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام.
لابن القيم، ط دار ابن الجوزي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، 1417 هـ. - الجمان في تشبيهات القرآن.
لابن ناقيا.
ط 1، 1407 هـ، تحقيق الدكتور محمود الشيباني.
الجزء: 2 - الصفحة: 1020
- الجمعة ومكانتها في الدين.
أحمد بن حجر آل بوطامي، من مطبوعات إدارة إحياء التراث بقطر، 1403 هـ. - الجهاد، لابن أبي عاصم.
ط 1 دار القلم، دمشق، 1409 هـ. - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي.
لابن القيم.
ط 3 ملتزم النشر أبو السمح عبد الظاهر إمام الحرم. - الجوهر النقي.
لابن التركماني.
مطبوع بهامش سنن البيهقي. - حاشية ابن عابدين.
ينظر: رد المحتار. - حاشية الجمل على شرح المنهج.
للجمل، ط الحلبي. - حاشية الروض المربع.
عبد الرحمن بن قاسم، ط 1، 1400 هـ. - حاشية العنقري على الروض.
ط مكتبة الرياض الحديثة. - حاشية عثمان النجدي على منتهى الإرادات.
مطبوع مع "منتهى الإرادات" ينظر: منتهى الإرادات. - حاشيته على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح.
لأحمد بن محمد الطحاوي، ط 2، مكتبة الحلبي، 1389 هـ. - الحاوي الكبير، للإمام علي بن محمد الماوردي، تحقيق: د. محمود مطرجي، د دار الفكر، 1414 هـ.
- حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة.
للسيوطي.
ط 1 الحلبي.
تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، 1387 هـ. - الحكيم الترمذي ومنهجه الحديثي في نوادر الأصول.
د. رجاء مصطفى حزين.
ط 1 دار الآفاق العربية، القاهرة 1419 هـ. - الحلية.
لأبي نعيم.
ط 1 السعادة بمصر. - حلية الفقهاء.
لأبي الحسين بن فارس، ط 1 تحقيق: د. عبد اللَّه التركي، 1403 هـ. - خبيئة الأكوان.
لصديق حسن خان.
الجزء: 2 - الصفحة: 1021
- خزانة الأدب.
- خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر.
للمجي.
تصوير دار صادر.
بيروت. - خلاصة البدر المنير.
لابن الملقن.
ط الرشد.
تحقيق حمدي السلفي. - دائرة معارف القرن العشرين.
محمد فريد. - الدارس في تاريخ المدارس.
للنعيمي.
ط 1 دار الجيل الجديد 1401 هـ. تحقيق جعفر الحسني. - الدر المنثور في التفسير المأثور.
للسيوطي، ط 1 دار الفكر، 1403 هـ. - الدرُّ المنضَّد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد.
لعبد اللَّه بن حميد.
ط 1 دار البشائر الإسلامية 1410 هـ. تحقيق جاسم بن سليمان الفهيد. - الدر المنضد في ذكر أصحاب الإمام أحمد للعليمي.
ط 1 مكتبة التوبة 1412 هـ تحقيق الدكتور عبد الرحمن العثيمين. - الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي.
لابن المبرد، ط 1، دار المجتمع، إعداد د: رضوان مختار، 1411 هـ. - درء اللوم والضيم في صوم يوم الغيم.
لابن الجوزي، ط 1، دار البشائر، تحقيق: جاسم الفهيد الدوسري.
1415 هـ. - الدراية في تخريج أحاديث الهداية.
لابن حجر، ط 1 الفجالة الجديدة بمصر، تحقيق السيد عبد اللَّه هاشم اليمني، 1384 هـ. - دليل الطالب لنيل المطالب، لمرعي بن يوسف الكرمي، ط 1 مؤسسة الرسالة 1417 هـ، عُني به سلطان بن عبد الرحمن العيد.
- ديوان عبد الجليل ياسين.
ط 1 السلفية بمصر.
على نفقة الشيخ علي بن عبد اللَّه آل ثاني. - ديوان علي بن معرَّب العيوني.
ط 1 المكتب الإسلامي.
الجزء: 2 - الصفحة: 1022
- الذخيرة، لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق د: محمد حجي ط 1 دار الغرب الإسلامي، 1994 م.
- الذيل على طبقات الحنابلة، لابن رجب، مطبعة السنة المحمدية، 1373 هـ.
- رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار.
(حاشية ابن عابدين) ط دار الكتب العلمية، 1415 هـ. - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني.
للألوسي.
تصوير دار إحياء التراث العربي.
بيروت. - الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام.
لجاسم الفهيد الدوسري.
ط دار البشائر الإسلامية 1410 هـ. - الروض المربع شرح زاد المستقنع للحجاوي.
المطبوع مع حاشية الروض المربع لابن قاسم. - الروض المربع شرح زاد المستقنع.
للحجاوي.
تحقيق الدكتور عبد اللَّه الطيار ومشاركيه.
ط 1. دار الوطن. - الروض المعطار.
- الروض الندي شرح كافي المبتدي.
لأحمد البعلي، المطبعة السلفية. - روضة الطالبين، للنووي، المكتب الإسلامي.
- روضة الناظر في أصول الفقه.
لابن قدامة.
ط مكتبة الرشد.
تحقيق د. عبد الكريم النملة. - روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين.
للقاضي.
ط 3 الحلبي.
1410 هـ. - زاد المحتاج.
عبد اللَّه بن حسن الكوهجي، تحقيق: عبد اللَّه بن إبراهيم الأنصاري، ط 1 الشؤون الدينية بقطر.
الجزء: 2 - الصفحة: 1023
- زاد المحتاج بشرح المنهاج.
لعبد اللَّه بن حسن الكوهجي، ط 1 الشؤون الدينية بقطر.
عني به عبد اللَّه بن إبراهيم الأنصاري. - زاد المعاد في هدي خير العباد.
لابن القيم.
ط مؤسسة الرسالة.
تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط. - زاد المستقنع.
لشرف الدين الحجاوي، ط 3 المطبعة السلفية، 1348 هـ. - الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي.
لأبي منصور الأزهري ط دار البشائر 1419 هـ. - الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي.
للأزهري.
مطبوع في آخر الحاوي الكبير.
للماوردي.
ط الباز.
والاعتماد على هذه النسخة في أبواب الطهارة وأول الصلاة. - سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب.
للسويدي.
ط دار الكتب العلمية.
بيروت. - سبائك العسجد في أخبار نجل رزق الأسعد.
عثمان بن سند.
ط 1 الهند 1303 هـ. - السبيل الهادِ إلى تخريج أحاديث كتاب الجهاد.
للدكتور مساعد بن سليمان الراشد الحميد.
مطبوع مع الجهاد لابن أبي عاصم.
انظر: الجهاد. - السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة.
لمحمد بن حميد، ط 1 مؤسسة الرسالة، تحقيق: د. عبد الرحمن العثيمين، 1416 هـ. - السلسبيل في معرفة الدليل، للشيخ صالح البليهي، مكتبة المعارف، ط 4، 1407 هـ.
- سلسلة الأحاديث الصحيحة.
للألباني، ط مكتبة المعارف، 1415 هـ. - السنة.
لعبد اللَّه بن الإمام أحمد.
ط دار ابن القيم.
تحقيق الدكتور محمد القحطاني.
الجزء: 2 - الصفحة: 1024
- سنن أبي داود.
ط 1 حمص.
تحقيق عزت عبيد الدعاس.
1388 هـ. - سنن ابن ماجه.
ط الحلبي.
تحقيق فؤاد عبد الباقي. - سنن الترمذي.
ط 2 الحلبي.
تحقيق أحمد شاكر.
1398 هـ. - سنن الدارمي.
ط السيد عبد اللَّه هاشم المدني 1386 هـ. - سنن النسائي.
مصورة عن الطبعة المصرية.
عناية الشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة. - سواطع القمرين في تخريج أحاديث أحكام العيدين.
للدكتور الشيخ مساعد بن سليمان الراشد الحميد.
ط 1 مكتبة العلوم والحكم، 1406 هـ، مطبوع مع كتاب "أحكام العيدين" للفريابي. - سير أعلام النبلاء.
للذهبي، ط مؤسسة الرسالة. - شذرات الذهب، لابن العماد.
ط 1 دار ابن كثير، تحقيق: محمود الأرناؤوط، عبد القادر الأرناؤوط. - شرح ألفية العراقي المسماة بالتبصرة والتذكرة.
لناظمها: العراقي.
ط 1 المطبعة الجديدة بالمغرب 1354 هـ. - شرح التسهيل.
لابن مالك. - شرح التصريح على التوضيح.
للأزهري.
تصوير دار الفكر. - شرح الزركشي على مختصر الخرقي، لشمس الدين الزركشي، ط 1 مكتبة العبيكان، 1412 هـ.
- شرح العقيدة الطحاوية.
لابن أبي العز الحنفي.
ط 3 المكتب الإسلامي.
تحقيق الألباني. - شرح العمدة.
لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط 1 دار العاصمة، 1418 هـ، اعتنى بإخراجه خالد بن علي المشيقح.
إلى آخر أداب المشي إلى الصلاة.
واعتنى زايد النشيري بكتاب الصيام منه.
طبع في دار الأنصاري.
واعتنى د. سعود العطيشان بكتاب الطهارة منه.
طبع في العبيكان.
الجزء: 2 - الصفحة: 1025
- شرح الكافية الشافية.
لابن مالك.
ط جامعة أم القرى.
تحقيق د. عبد المنعم هريدي. - الشرح الكبير، لشمس الدين عبد الرحمن بن محمد ابن قدامة، المطبوع مع الإنصاف، تحقيق: د. عبد اللَّه التركي.
- شرح الكرماني على البخاري.
للكرماني، ط 1 البهية بمصر، 1356 هـ. - شرح الكوكب المنير.
للفتوحي.
ط جامعة الملك عبد العزيز. - شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير.
لابن النجار الفتوحي، ط 1 جامعة الملك عبد العزيز، تحقيق: الدكتور محمد الزحيلى، والدكتور نزيه حماد، 1400 هـ. - شرح النسائي.
للسيوطي.
مطبوع مع سنن النسائي. - شرح النووي على صحيح مسلم.
ط 1 الحلبي. - شرح حدود ابن عرفة الموسوم الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق الإمام ابن عرفة العراقية، لأبي عبد اللَّه محمد الأنصاري الرصاع، تحقيق محمد أبو الأجفان، والطاهر المعموري، ط دار الغرب الإسلامي، 1993 م.
- شرح ديوان الحماسة.
للتبريزي. - شرح فتح القدير، لابن الهمام، ط 1 الحلبي، 1389 هـ.
- شرح معاني الآثار للطحاوي، مطبعة الأنوار المحمدية.
- شرح منتهى الإرادات.
لمنصور البهوتي، ط 1 مكتبة الرياض الحديثة. - الشفا بتعريف حقوق المصطفى.
للقاضي عياض.
ط الحلبي.
تحقيق علي محمد البجاوي. - الشمائل.
للترمذي.
مكتبة مدينة العلم بمكة. - الصارم المسلول على شاتم الرسول، لابن تيمية.
ط 1، رمادي للنشر، المؤتمن للتوزيع، تحقيق محمد الحلواني ومحمد كبير شودري، 1417 هـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 1026
- الصارم المنكي في الرد على السبكي.
لمحمد بن عبد الهادي، طبع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية، 1403 هـ. - الصحاح.
إسماعيل الجوهري، دار العلم للملايين، ط الثانية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، 1399 هـ. - صحيح البخاري.
ط المكتبة الإسلامية -استانبول- تركيا. - صحيح مسلم.
ط 1 الحلبي.
تحقيق فؤاد عبد الباقي.
1374 هـ. - الصلاة.
لأبي نعيم الفضل بن دكين.
ط 1، مكتبة الغرباء الأثرية.
تحقيق: صلاح الشلاحي، 1417 هـ. - الصلاة والتهجد.
لعبد الحق الإشبيلي.
تحقيق عادل أبو المعاطي.
ط 1 الوفاء بمصر. - الصلة: ابن بشكوال.
ط 1 الدار المصرية للتأليف والنشر 1966 م. - الضعفاء الكبير للعقيلي، ط 1، دار الكتب العلمية، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، 1404 هـ.
- طبقات الحنابلة.
لابن أبي يعلى.
ط 1 أنصار السنة المحمدية.
تحقيق محمد حامد الفقي. - طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي، ط 1، مطبعة الحلبي 1383 هـ.
- طبقات الشعراني الكبرى.
تصوير الطبعة الأولى. - الطبقات الكبرى، لابن سعد، دار بيروت، 1400 هـ.
- طيبة النشر في القراءات العشر.
لابن الجزري.
ط 1 الحلبي 1369 هـ. تحقيق الشيخ علي محمد الضباع. - الظروف الزمانية في القرآن الكريم.
لبشير محمد زقلان. - عارضة الأحوزي بشرح الترمذي.
لابن العربي.
تصوير دار الكتب العلمية.
بيروت. - العبر في خبر من غبر.
للذهبي.
ط الكويت.
الجزء: 2 - الصفحة: 1027
- العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة.
لصديق حسن خان.
ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: محمد السعيد زغلول، 1405 هـ. - عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة.
لابن شاس، ط 1 المجمع الفقهي، 1415 هـ. - علماء نجد خلال ستة قرون.
للشيخ عبد اللَّه بن عبد الرحمن البسام، ط 2 دار العاصمة، 1419 هـ. - عمل اليوم والليلة.
لابن السني، ط 1 مكتبة العراث الإسلامي، تحقيق عبد اللَّه حجاج. - عنوان المجد في تاريخ نجد.
لابن بشر.
ط وزارة المعارف 1394 هـ تحقيق عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ. - غاية السول في خصائص الرسول.
لابن الملقن.
تحقيق عبد اللَّه بحر الدين.
ط 1 دار البشائر الإسلامية 1414 هـ. - الفتاوى السعدية.
للشيخ عبد الرحمن السعدي.
ط 1 السعيدية. - فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ.
جمع محمد بن عبد الرحمن القاسم.
ط 1 الحكومة. - فتاوى العز بن عبد السلام.
الرسالة. - الفتاوى الهندية.
تصوير دار إحياء التراث العربي. - فتح الباري شرح صحيح البخاري.
لابن حجر، ط 1 السلفية. - الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني.
لأحمد بن عبد المنعم الدمنهوري ط 1 دار العاصمة 1415 هـ، تحقيق: د. عبد اللَّه الطيار، د. عبد العزيز بن محمد الحجيلان. - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير.
للشوكاني، ط 1 دار الوفاء، حققه د: عبد الرحمن عميرة، 1415 هـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 1028
- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد.
للشيخ عبد الرحمن بن حسن.
ط 1 دار الصميعي.
تحقيق الدكتور الوليد الفريان. - الفتوحات الربانية شرح الأذكار النواوية.
لابن علان.
مصورة دار إحياء التراث العربي.
بيروت. - الفروسية.
لابن القيم.
ط دار ابن عفان.
تحقيق مشهور حسن سلمان. - الفروع.
لابن مفلح، ط 1 المنار، 1339 هـ. من أول الكتاب إلى أول الجنائز. - الفروع.
لابن مفلح.
تصوير مكتبة ابن تيمية، القاهرة. - فضائل القرآن.
لابن كثير. - فضل الصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
لإسماعيل بن إسحاق.
تحقيق الألباني ط المكتب الإسلامي. - فضل اللَّه الصمد في توضيح الأدب المفرد.
لفضل اللَّه الجيلاني، ط 2 السلفية بمصر. - الفقه الإسلامي وأدلته.
د. وهبه الزحيلي، ط 3، دار الفكر، 1409 هـ. - فقه الزكاة.
للدكتور يوسف القرضاوي.
ط 3 مؤسسة الرسالة، 1397 هـ. - فقه زكاة الحلي، للدكتور إبراهيم بن محمد الصبيحي، ط 1412 هـ.
- فيض القدير بشرح الجامع الصغير.
لعبد الرؤوف المناوي، دار المعرفة، 1391 هـ. - قاعدة في الوسيلة.
لابن تيمية.
ط 1 دار العاصمة، تحقيق: علي بن عبد العزيز الشبل، 1420 هـ. - قاموس الغذاء والتداوي بالنبات.
أحمد قدامة ط 6 دار النفائس، 1410 هـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 1029
- القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، تأليف سعدي أبو حبيب، ط 2، دار الفكر، 1408 هـ.
- القاموس المحيط، للفيروزآبادي، ط 2، طبعة مؤسسة الرسالة، 1407 هـ.
- القراءة خلف الإمام.
للبيهقي، ط 1، دار الباز.
تحقيق: محمد السعيد زغلول، 1405 هـ. - قصد السبيل فيما في اللغة العربية من الدخيل، للمحبي، ط 1، مكتبة التوبة، تحقيق: عثمان الصيني، 1415 هـ.
- القضاء والأوقاف في الأحساء والقطيف وقطر.
للدكتور عبد اللَّه بن ناصر السبيعي.
ط 1، 1420 هـ. - قليوين وعميره، مطبعة الحلبي.
- القواعد.
لابن رجب.
ط 1 دار ابن عفان.
تحقيق مشهور حسن سلمان. - قوت القلوب في معاملة علام الغيوب.
لابن طالب المكي.
ط دار صادر، بيروت، تحقيق: سعيد نسيب مكارم، 1995 م. - القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع.
للسخاوي.
ط 2 النمنكاني.
عام 1397 هـ. - القول الجلي في زكاة الحلي، للشيخ عبد اللَّه البسام، ط 1، 1410 هـ.
- الكافي، لعبد اللَّه بن أحمد ابن قدامة المقدصي، ط 1 دار هجر، تحقيق: د. عبد اللَّه التركي، 1417 هـ.
- الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي الجرجاني، ط 1، دار الفكر، تحقيق لجنة من المختصين، 1404 هـ.
- كشاف القناع عن متن الإقناع.
للبهوتي.
ط مكتبة النصر الحديثة. - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التنزيل.
للزمخشري، ط الأخيرة، مطبعة الحلبي، 1392 هـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 1030
- كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس.
للعجلوني.
ط مؤسسة الرسالة.
صححه أحمد القلاش. - كشف الستر عن حكم الصلاة بعد الوتر.
لابن حجر.
تحقيق هادي المري.
ط دار ابن حزم 1414 هـ. - كشف الستر عن فرضية الوتر، لعبد الغني النابلسي، ط 1، السعادة بمصر.
علق عليه محمد زاهد الكوثري.
1370 هـ. - كشف الظنون.
- كشف المخدرات والرياض المزهرات، شرح أخصر المختصرات.
لعبد الرحمن بن عبد اللَّه البعلي.
ط 1 السلفية بمصر. - الكلام في بيع الفضولي.
لصلاح الدين العلائي، ط 1 دار عالم الكتب، تحقيق الدكتور: محمد المسعودي. - الكواكب السائر بأعيان المائة العاشرة.
للغزي.
تصوير دار الفكر. - لسان العرب.
لابن منظور: 1 - دار صادر.
2 - دار بيروت للطباعة والنشر، 1388 هـ. - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف.
لابن رجب.
تحقيق ياسين الواس.
ط دار ابن كثير 1413 هـ. - المبدع في شرح المقنع.
لابن مفلح، ط 1 المكتب الإسلامي. - مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر.
عبد الرحمن بن شيخ زاده، ط دار سعادت، 1327 هـ. - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.
للهيثمي.
تصوير: دار الكتاب العربي، 1402 هـ. - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.
للهيثمي، تحقيق حسين سليم الداراني، ط 1 دار المأمون، 1412 هـ ط دار الكتاب العربي، 1402 هـ. الجزءان الأول والثاني.
الجزء: 2 - الصفحة: 1031
- مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار.
محمد طاهر الصديقي الهندي الفتني الكجرائي، ط 3 دار الإيمان 1415 هـ. - المجموع شرح المهذب.
للنووي، ط دار الفكر. - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع ابن قاسم، الشئون الإسلامية بمجمع الملك فهد، 1416 هـ.
- المحلى.
لابن حزم.
ط حسن زيدان طلبة، 1388 هـ. - المحلى، لابن حزم، مكتبة الجمهورية العربية، إشراف زيدان أبو المكارم، 1387 هـ.
- مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزيادات.
لابن بلبان، تحقيق: محمد العجمي، ط 1 دار البشائر، 1419 هـ. - مختصر خلافيات البيهقي، أحمد بن فرح الإشبيلي، تحقيق: د. إبراهيم الخضيري، ط مكتبة الرشد، 1417 هـ.
- مختصر زائد مسند البزار.
لابن حجر.
ط مؤسسة الكتب الثقافية.
تحقيق صبري أبو ذر. - مختصر سنن أبي داود.
للمنذري، تحقيق: أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي، تصوير المكتبة الأثرية، 1399 هـ. - مختصر قيام الليل.
للمقريزي. - مراتب الإجماع.
لابن حزم، دار الكتب العلمية. - المراسيل.
لأبي داود.
ط 1 الرسالة 1408 هـ. تحقيق شعيب الأرناؤوط. - المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز.
لأبي شامة.
ط 1 مكتبة الإمام الذهبي بالكويت 1414 هـ. تحقيق الدكتور وليد بن مساعد الطبطبائي. - مسائل الإمام أحمد.
رواية ابنه صالح، ط 1 الدار العلمية، تحقيق ودراسة: د. فضل الرحمندين محمد، 1408 هـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 1032
- مسائل الإمام أحمد.
رواية ابنه صالح، ط 1 دار الوطن، بإشراف: طارق بن عوض اللَّه بن محمد، 1420 هـ. - مسائل الإمام أحمد.
رواية ابنه عبد اللَّه ط 1. مكتبة الدار، تحقيق: د. علي سليمان المهنا، 1406 هـ. - المسائل والرسائل.
- مستدرك الحاكم.
تصوير عن الطبعة الهندية.
الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب. - المستوعب للسامري ط دار خضر.
د. عبد الملك الدهيش 1420 هـ. - المستوعب، للسامري.
ط 1 مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.
تحقيق: د. مساعد بن قاسم الفالح، 1413 هـ من أوله إلى آخر المناسك. - مسند أبي يعلى الموصلي.
للحافظ أحمد بن علي بن المثنى التميمي.
تحقيق: حسين سليم أسد، ط 1 دار المأمون، 1416 هـ. - مسند الدارقطني.
ط 1 المدني، 1386 هـ. - مسند الفاروق عمر بن الخطاب.
لابن كثير.
ط 1 الوفاء بمصر. - مشارق الأنوار على صحاح الآثار.
للثقاضي عياض، ط 1 دار الفكر، 1418 هـ. - مشكاة المصابيح.
للتبريزي.
تحقيق الألباني.
ط المكتب الإسلامي. - المصاحف.
لابن أبي داود.
ط 1 مؤسسة قرطبة بمصر. - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير.
لأحمد للفيومي.
تصوير دار القلم، بيروت. - مصنف ابن أبي شيبة.
ط الهند. - المصنف.
لعبد الرزاق، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، ط 1 الملجس العلمي. - المطلع على أبواب المقنع للبعلي ط المكتب الإسلامي، 1385 هـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 1033
- معالم السنن.
للخطابي، المطبوع مع مختصر السنن. - معجم الأعشاب والنباتات الطبية.
إعداد الدكتور حسان قبيسي.
ط 3 دار الكتب العلمية بيروت 1418 هـ. - المعجم الأوسط.
للطبراني، ط 1 مكتبة المعارف، تحقيق: د. محمود الطحان، 1415 هـ. - معجم البلدان، لياقوت الحموي، طبعة دار صادر، دار بيروت، 1404 هـ.
- المعجم الصغير.
للطبراني.
ط السلفية بالمدينة المنورة. - المعجم الكبير.
للطبراني، تحقيق: حمدي السلفي، ط 1 مطبعة الوطن العربي ببغداد، 1400 هـ. - معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، للدكتور محمود عبد الرحمن عبد المنعم، ط 1، دار الفضيلة.
- معجم مصطلحات الصوفية.
للدكتور أنور فؤاد أبو خزام.
ط 1 مكتبة لبنان ناشرون. - المعجم الوسيط.
مجموعة مؤلفين، ط دار الدعوة، 1989 م. - معجم قبائل العرب.
لعمر رضا كخالة.
ط 5 مؤسسة الرسالة 1405 هـ. - معجم مقاييس اللغة.
أحمد بن فارس بن زكريا، ط مطبعة الحلبي، ط الثانية، 1389 هـ. تحقيق عبد السلام هارون. - المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم.
للجواليقي، ط دار القلم، 1410 هـ. - معرفة السنن والآثار.
للبيهقي، ط 1 جامعة الدراسات الإسلامية.
. . وغيرها، 1412 هـ. - المعرفة والتاريخ.
للفسوي، ط 2 مؤسسة الرسالة، تحقيق: د. أكرم ضياء العمري، 1401 هـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 1034
- المعونة على مذهب عالم المدينة.
للقاضي عبد الوهاب البغدادي، تحقيق حميش عبد الحق، دار الباز. - معونة أولي النهى شرح المنتهى.
لتقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الشهير بابن النجار، دراسة وتحقيق: د. عبد الملك بن دهيش، ط 1 دار خضر، 1415 هـ. - المغرب في ترتيب المعرِّب.
لأبي الفتح المطرزي.
ط دار الكتاب العربي، بيروت. - المغني.
لابن قدامة.
ط 1 هجر تحقيق: د. عبد اللَّه التركي، ود.
عبد الفتاح الحلو. - المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار.
للعراقي.
ط ضمن "إحياء علوم الدين" ط دار المعرفة.
بيروت. - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج.
محمد الشربيني الخطيب، ط مطبعة الحلبي، 1377 هـ. - مفاكهة الخلان في حوادث الزمان.
لابن طولون. - مفردات القرآن.
للراغب الأصبهاني.
ط 1 مؤسسة الرسالة. - مقالات الإسلاميين.
للأشعري.
ط مكتبة النهضة المصرية.
تحقيق محي الدين عبد الحميد. - مقدمة في بيان المصطلحات الفقهية على المذهب الحنبلي.
للشيخ علي الهندي. - المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد، لابن مفلح، ط 1، مكتبة الرشد، تحقيق: د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، 1410 هـ.
- المقنع في شرح مختصر الخرقي، للحسن بن أحمد البنا، ط 1، مكتبة الرشد، تحقيق د. عبد العزيز البعيمي، 1414 هـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 1035
- المقنع.
لموفق الدين محمد بن عبد اللَّه ابن قدامة، المطبوع مع الإنصاف، تحقيق: د. عبد اللَّه الزكي. - الملل والنحل.
للشهرستاني.
ط الحلبي.
1387 هـ. تحقيق محمد سيد كيلاني. - الممتع في شرح المقنع.
لزين الدين التنوخي، ط 1 دار خضر، دراسة وتحقيق: د. عبد الملك بن دهيش، 1418 هـ. - من أحكام الديانة.
لأبي عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري.
ط 1 دار ابن حزم بالرياض 1418 هـ. - مناقب الشافعي.
للرازي. - مناقب الشافعي.
للبيهقي.
ط 1 دار التراث 1391 هـ. تحقيق السيد أحمد صقر. - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك.
لابن الجوزي، ط 1 دار الكتب العلمية، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ومصطفى عبد القادر عطا، 1412 هـ. - منتهى الإرادات.
لتقي الدين الفتوحي، ط 1 مؤسسة الرسالة، تحقيق: د. عبد اللَّه التركي، 1419 هـ. - المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد للعليمي، ط 1، مكتبة الرشد، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط ومحمود الأرناؤوط، 1997 م.
- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان.
للهيثمي، تحقيق حسين سليم الداراني، وعبده علي كوشك، ط دار الثقافة العربية، 1412 هـ. - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل.
محمد بن محمد المغربي، دار الكتب العلمية، ط 1، 1416 هـ. - موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي.
لسعدي أبو حبيب، ط 2 دار الفكر، 1404 هـ. - الموسوعة العربية الميسرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 1036
- موسوعة صحة العائلة.
بعناية مجموعة من الأطباء.
أشرف عليها الدكتور "طوني سمث".
ط دار العلم للملايين. - الموضح لأوهام الجمع والتفريق.
للخطيب.
تصحيح الشيخ عبد الرحمن المعلمي.
ط 2 دار الفكر الإسلامي 1405 هـ. - الموضوعات.
لابن الجوزي.
ط المكتبة السلفية بالمدينة 1386 هـ تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان. - ميزان الاعتدال في نقد الرجال.
للذهبي.
ط 1 الحلبي 1382 هـ. تحقيق علي محمد البجاوي. - الناسخ والمنسوخ.
للنحاس. - النبوات: ابن تيمية.
ط دار الكتب العلمية.
بيروت 1402 هـ. - النحو الوافي.
لعباس حسن.
ط 8 دار المعارف بمصر. - نسب قريش.
لأبي عبد اللَّه الزبيري.
ط 1 دار المعارف بمصر. - النشر في القراءات العشر.
- نصب الراية تخريج أحاديث الهداية.
للزيلعي.
ط 1 مكتبة عباس أحمد الباز 1416 هـ. - النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب.
لابن بطال الركبي.
ط المكتبة التجارية.
مكة 1408 هـ. تحقيق د. مصطفى عبد الحفيظ سالم. - النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل.
للغزي.
ط 1 دار الفكر 1402 هـ. - نواد الفقهاء.
للجوهري، ط 1 دار القلم، الدار الشامية، تحقيق: د. محمد فضل المراد، 1414 هـ. - نوادر مخطوطات علامة الكويت عبد اللَّه الخلف الدحيان.
للشيخ محمد بن ناصر العجمي.
ط 1 وزارة الأوقاف بالكويت.
1416 هـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 1037
- نواسخ القرآن.
لابن الجوزي.
تحقيق محمد أشرف الملباري.
ط 1 الجامعة الإسلامية 1404 هـ. - النونية.
للإمام عبد اللَّه بن محمد المالكي القحطاني.
ط ضمن مجموعة ابن يوسف المسماة: "أربح البضاعة في معتقد أهل السنة والجماعة" ط 2 مطابع الجزيرة بالرياض 1393 هـ طبع على نفقة صالح العبد العزيز الراجحي. - هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك.
لابن جماعة الكناني.
ط دار البشائر.
تحقيق د/ نور الدين عتر.
1414 هـ. - هدية العارفين.
البغدادي. - الوفا بأحوال المصطفى.
لابن الجوزي.
ط دار الكتب الحديثة بمصر.
1386 هـ. تحقيق مصطفى عبد الواحد. - الوقوف من مسائل الإمام أحمد.
لأحمد بن هارون الخلال، ط 1، مكتبة المعارف، 1410 هـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 1038
الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات تأليف عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي . . . - 1240 هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن محمد بن ناصر البشر الجزء الثالث
الجزء: 3 - الصفحة: 1
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
الجزء: 3 - الصفحة: 2
الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات 3
الجزء: 3 - الصفحة: 3
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
غاية في كلمة
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
1424 هـ - 2003 م
جميع الحقوق محفوظة 2003 م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه.
ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
الجزء: 3 - الصفحة: 4
المقدمة
إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فقد يسر اللَّه تعالى لي، ولأخي الدكتور عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم, الانتهاء من تحقيق "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" لمؤلفه الشيخ عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي المتوفى سنة 1240 هـ، وذلك لنيل درجة الدكتوراه في الفقه المقارن، من المعهد العالي للقضاء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد حظينا في هذا العمل بإشراف صاحب السماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد اللَّه آل الشيخ -مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء- حفظه اللَّه ونفع اللَّه به المسلمين.
وقد كان نصيبي من تحقيق هذا الكتاب: قسمه الثاني: من كتاب الوصايا إلى آخر الكتاب، وكان نصيب الأخ الشيخ الدكتور محمد السلام آل عبد الكريم من أول الكتاب إلى نهاية باب الهبة.
ورغبة منا في عموم نفع الكتاب، أقدمنا على طباعته، سائلًا المولى عز وجل أن ينفع به، وأن يجزي مؤلفه ومحقّقيه خير الجزاء، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الجزء: 3 - الصفحة: 7
المقدمة
الحمد للَّه الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في اللَّه حق جهاده -صلى اللَّه عليه وسلم- وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: -
فإن علم الفقه هو المنهل الصافي، والمعين الذى حفظ للأمة الإسلامية وجودها بين الأمم على اختلاف العصور، وامتاز بأنه من عند اللَّه تبارك وتعالى، فما من حكم شرعى إلا وله دليل شرعى من كتاب اللَّه أو سنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- أو منهما معًا، أو مما استنبط منهما، وأنه شامل لجميع جوانب الحياة، فبه يُعرف الحلال من الحرام والحق من الباطل، ويعبد الانسان ربه على بصيرة ويؤدى حقوق خلاقه بلا نقصان، ولهذا أكبّ سلف الأمة -رحمهم اللَّه- على الفقه في الدين تعلمًا وتعليما، وأفنوا أعمارهم في ذلك راجين ما عند اللَّه -جل وعلا- فآت جهودهم ثمارها وتفيئ الناس ظلالها ونهلوا من معينها، لقد بيّنوا الأصول وضبطوا القواعد مما ينم عن علم واسع وإدراك ثاقب فاسترشد الناس بعلمهم وحفظ اللَّه بهم للأمة دينها، وبذلك كان الفقه الاسلامي موضع فخر واعتزاز للمسلمين.
وحيث تبوأ علم الفقه هذه المكانة العظيمة فقد آثرت أن يكون بحثي لنيل درجة الدكتوراه ضمن هذا العلم الشريف رغبة في حصول الثواب، وحرصًا على نشر هذا التراث وإخراجه للناس حتى يستفاد منه.
وحينما سمعت عن كتاب "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" لمؤلفه الشيخ عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الأنصاري النجدي الحنبلي المتوفى سنة
الجزء: 3 - الصفحة: 9
(1240 هـ) اقتنيت نسخة منه 850 فقرأته وتأمّلته فوجدته شرحًا نفيسًا مميزًا سهلًا واضح العبارة جامعًا لأبواب الفقه كلها على مذهب الامام أحمد بن حنبل مع العناية بالأدلة الشرعية، والتعريفات اللغوية والاصطلاحية، والإشارة إلى بعض المذاهب، والفرق، والآداب، ومما يزيد من مكانة هذا الكتاب كون المتن المشروح وهو "أخصر المختصرات" للعلامة شمس الدين محمد بن بدر الدين البلباني الحنبلى المتوفى سنة (1083 هـ) من المتون المعتبرة في المذهب، وله مكانته عند علماء المذهب.
وكان من أهم الأسباب التى دفعتني إلى تحقيق هذا الكتاب ما يلي: -
1 - قيمة الكتاب العلمية، وأصالة مصادره التي اعتمد عليها المؤلف في إخراج هذا الكتاب وتنوعها.
2 - أن في إخراج مثل هذا الكتاب ونشره إثراءٌ للمكتبة الفقهية.
3 - الرغبة الملحّة في التعمق في الفقه ودراسته والإلمام ببعض الأحكام والمسائل التي يحصل عليها طالب العلم من خلال هذه الدراسة.
4 - أن مثل هذه الدراسة والتحقيق تجعل من الباحث سائحًا بين أنواع العلوم والمعارف فهو تارة يقلب كتب اللغة والتفسير والعقائد، وتارة كتب الحديث ودراسة الأسانيد، وأخرى بين كتب الفقه والأصول والمعاجم والتاريخ والتراجم والآداب، فعلم التحقيق يوقف المحقّق على علوم كثيرة.
وقد سلكت في تحقيق الكتاب مسلك من قبلي فجعلت النسخة الأمّ -وهي نسخة المؤلف- أصلًا أعتمد عليه، فنسختها حسب قواعد الخط والإملاء الحديثة، وما كان من غموض فإني أكشفه عن طريق المراجع الى استمد منها المؤلف مادة
الجزء: 3 - الصفحة: 10
كتابه وأهمها -كما صرح به في المقدمة- "كشاف القناع" و"شرح منتهى الإرادات" كلاهما للبهوتي، وإن كان أكثر اعتماده على الأخير -والذي جعلته بمثابة النسخة الأخرى-، فأكمل النقص، وأصحح بعض العبارات، مع الإشارة إلى ذلك في الهامش، كما أنني أوثق منهما.
كما وثقت النصوص والروايات الى ينقلها عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة من مصادرها المعتبرة، وإذا ذكر المؤلف بعض المذاهب وأغفل البعض فإني استقصي جميع ما أهمله من المذاهب الأربعة موثقًا لها.
واعتنيت بعزو الآيات الواردة في الكتاب فأبين اسم السورة الى وردت فيها الآية ورقم الآية، مع توثيق ما يورده المؤلف من أسباب النزول، ومعاني الآيات.
وخرجت الأحاديث والآثار من مظانها في الكتب المعتمدة، فإن كان الحديث في الصحيحين فإني أكتفي بتخريجه منهما.
وأما إذا كان في أحدهما فأذكر بعض من خرجه.
وأما إذا لم يكن الحديث أو الأثر في الصحيحين ولا في أحدهما فإني أتوسع في تخريجه، مع نقل ما أعثر عليه من تصحيح أو تضعيف لأهل العلم.
وقدمت بالذكر الكتب الستة على غيرها بحسب ترتيبها مبتدأ بصحيح البخارى، ثم صحيح مسلم، ثم سنن أبي داود، ثم سنن الترمذي، ثم سنن النسائي، ثم سنن ابن ماجه.
وأما غير هذه الكتب فإني أذكرها مرتبة حسب تاريخ وفاة أصحابها.
وإذا نص الشارح على من خرجه فإني أبدأ به، وطريقتي في العزو أبدأ بذكر الباب الذى ورد فيه الحديث ثم الكتاب ورقم الحديث، ثم أختم باسم الكتاب المخرج منه ثم الجزء والصفحة، هذا بالنسبة للأحاديث، أما الآثار فاكتفي بذكر رقم الأثر ومن خرجه والجزء والصفحة.
الجزء: 3 - الصفحة: 11
وترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في صلب الكتاب إلا الذين اشتهروا فإن شهرتهم تغني عن الترجمة لهم.
بينت المعاني اللغوية والاصطلاحية لما ورد في الكتاب من ألفاظ واصطلاحات تحتاج إلى تعريف وبيان.
وذيلت بخاتمة ذكرت فيها أبرز ما توصلت إليه من نتائج.
ولما للفهرسة من أهمية في الكشف عن فوائد الكتاب فقد وضعت فهارس تفصيلية تسهل الاستفادة منه.
أ - خطة الدراسة والتحقيق وتشتمل على قسمين: - أ - قسم الدراسة: - المقدمة، وتشتمل على أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، ومنهج البحث، وخطته.
الفصل الأول: مؤلف الكتاب، وفيه عشرة مباحث: -
المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده.
المبحث الثاني: نشأته وطلبه للعلم.
المبحث الثالث: أهم أعماله.
المبحث الرابع: صفاته.
المبحث الخامس: عقيدته ومذهبه.
المبحث السادس: وفاته ورثاء الناس له.
المبحث السابع: شيوخه.
المبحث الثامن: تلاميذه.
الجزء: 3 - الصفحة: 12
المبحث التاسع: مكانته العلميّة وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الجوانب العلمية.
المطلب الثاني: وصفه من حيث التقليد والاجتهاد.
المبحث العاشر: مؤلفاته عامة.
الفصل الثاني: الكلام الكتاب المحقق، وفيه عشرة مباحث: -
المبحث الأول: إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف، ووصف المخطوط، وبيان أماكن وجوده.
المبحث الثاني: تعريف موجز بالكتاب.
المبحث الثالث: منزلته بين كتب الفقه عامة وبين كتب مذهبه خاصة.
المبحث الرابع: منهجه في الكتاب.
المبحث الخامس: مصادره في الكتاب.
المبحث السادس: الكتاب من حيث التبعية والاستقلال.
المبحث السابع: اختياراته الفقهية في الكتاب.
المبحث الثامن: محاسن الكتاب.
المبحث التاسع: الملحوظات على الكتاب.
المبحث العاشر: الأبواب والفصول التي يتناولها التحقيق.
الفصل الثالث: دراسة عشرين مسألة فقهية مقارنة تحدد بمعرفة المشرف.
ب - قسم التحقيق:
ويشتمل على أمرين: -
الأول: العمل الذي قمتُ به في تحقيق الكتاب، ويشتمل على ما يأتي: -
الجزء: 3 - الصفحة: 13
أولًا: إخراج نص الكتاب على أقرب صورة وضعه عليها المؤلف، وذلك باتخاذ الخطوات لتالية:
1 - اعتمدت النسخة الوحيدة الى هي نسخة المؤلف وقد كتبها بيده، وأشرت إليها بالأصل.
2 - إذا وجدت خطأً بيّنًا لا يستقيم الكلام معه صوَّبته بأحد طريقين:
أ - بالرجوع إلى المصدر المنقول عنه مباشرةً إن كان.
ب - الرجوع إلى عموم المصادر التي اعتمدها المؤلف.
3 - إثبات ما قد يسقط من الحروف أو الكلمات من الأصل في الصلب بين قوسين معقوفين هكذا [] ويوجه ذلك في الهامش مع الإشارة إلى ما يعزز ذلك من المصادر والمراجع.
4 - رسم الكتاب بالرسم الحديث بدون إشارة إلى ذلك في الهامش.
5 - إعجام ما أهمله المؤلف من الكلمات مع عدم الإشارة إلى ذلك في الهامش إلا إن اختل المعنى بذلك الإعجام.
6 - ضبط ما يحتاج إلى ضبط من ألفاظ الكتاب.
7 - وضعتُ المتن المشروح، وهو أخصر المختصرات بين هلالين هكذا () مع تمييزه بالسواد، واعتمدت في تصحيح المتن على النسخة المطبوعة بتحقيق الشيخ/ محمد بن ناصر العجمي.
8 - أبقيت التقسيمات التي وضعها المؤلف للكتب والأبواب والفصول ولكن قمت بترقيم بعض ما ورد في الكتاب من أنواع وشروط وأركان، وجعلتها في أول السطر؛ ليكون ذلك أوضح للقارئ، وأسهل في الفهم.
ثانيًا: ربط الكتاب بمصادره التي أفاد منها إفادة مباشرة.
ثالثًا: توثيق وتحرير الآراء الى ذكرها المؤلف، وذلك بإرجاعها إلى مصادرها
الجزء: 3 - الصفحة: 14
الأصلية، وإذا ذكر المؤلف بعض المذاهب وأغفل البعض فإني أستقصي جميع ما أهمله من المذاهب الأربعة، موثقًا لها من مصادرها الأصيلة.
رابعًا: توثيق النصوص الواردة في الكتاب من مصادرها الأصيلة المطبوعة وذلك قدر الإمكان، فإن لم أتمكن من التوثيق من المصدر الذي نقل عنه المؤلف، أو عزا إليه، وثّقت من المصادر التي تنقل عنها إن وجدت ذلك النقل أو العزو.
خامسًا: مناقشة المؤلف في أدلته ووجه الاستدلال بها مع مناقشته في ردوده على أدلة المخالفين إن اقتضى المقام ذلك.
سادسًا: إضافة بعض الأدلة للمسألة الفقهية إن اقتضى المقام ذلك.
سابعًا: عزو الروايات التي ينقلها المؤلف عن إمامه من مصادرها المعتبرة.
ثامنًا: التنبيه على الأخطاء العقديَّة إن وردتْ في الكتاب.
تاسعًا: بيان مواضع الآيات من السور، مع توثيق ما يورده المؤلف من أسباب النزول, ومعاني بعض الآيات من كتب التفسير.
عاشرًا: تخريج الأحاديث الواردة في صلب الكتاب، والحكم عليها.
حادي عشر: تخريج الآثار الواردة في صلب الكتاب، والحكم عليها.
ثاني عشر: عزو الأبيات الشعرية إلى قائليها.
ثالث عشر: عزو الأمثال مع بيان القائل للمثل، والمناسبة التي قيل فيها.
رابع عشر: شرح المفردات اللغويَّة الغريبة.
خامس عشر: شرح المصطلحات الفقهيَّة والأصوليَّة والحديثيَّة.
سادس عشر: التعريف بالأعلام الوارد ذكرهم في صلب الكتاب وذلك بإيراد ترجمة قصيرة تتضمن اسم العلم وولادته ومذهبه وكتبه ووفاته إن وقفت على ذلك.
سابع عشر: التعريف بالطوائف والفرق والمذاهب.
الجزء: 3 - الصفحة: 15
ثامن عشر: التعريف بالمدن والبلدان والمواضع الوارد ذكرها في الكتاب إلا ما اشتهر منها.
تاسع عشر: التعريف بالكتب الوارد ذكرها في الكتاب، مع بيان المطبوع والمخطوط ما أمكن ذلك.
العشرون: التنبيه على الأخطاء اللغويَّة والنحويَّة.
الحادى والعشرون: ربط موضوعات الكتاب بعضها ببعض.
الثاني والعشرون: توضيح المراد من كلام الشارح إذا اقتضى المقام ذلك.
الثالث والعشرون: وضع الفهارس العامة وهى:
1 - فهرس الآيات.
2 - فهرس الأحاديث.
3 - فهرس الآثار.
4 - فهرس القوافي.
5 - فهرس الكلمات الغريبة.
6 - فهرس الأعلام.
7 - فهرس الطوائف والفرق والمذاهب.
8 - فهرس القبائل والجماعات.
9 - فهرس الأماكن والبلدان.
10 - فهرس الكتب والرسائل الواردة في الكتاب.
11 - فهرس المصادر والمراجع.
12 - فهرس الموضوعات.
الجزء: 3 - الصفحة: 16
الثاني: نص الكتاب المحقق.
وحسبي في هذا العمل أني قد بذلت جهدي في سبيل إخراج نص الكتاب على أقرب صورة مما أراد ده مؤلفه -رحمه اللَّه- راجيًا من اللَّه سبحانه أن أكون قد وفقت إلى ذلك وأن يجزل لي الأجر على ما بذلته من جهد وقت في سبيل خدمة هذا الكتاب وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، ولا ادعي الكمال لأن النقص من طبيعة البشر، فأشكر اللَّه جل وعلا على توفيقه وإعانته، وأسأله المزيد من فضله.
كما لا أنسى فضل والديّ عليّ -بعد فضل اللَّه تعالى- رفع اللَّه منزلتهما وأعانني على برّهما، ومتّعهما بالصحة والعافية على طاعته ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
وأتقدم بالشكر الجزيل والثناء العطر لسماحة شيخي عبد العزيز بن عبد اللَّه آل الشيخ -مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء- المشرف على هذه الرسالة على ما قدمه لي من التوجيه والمتابعة، وعلى ما لمسته من دماثة الخلق وكرم الضيافة جعل اللَّه ذلك في ميزان حسناته ونفع به المسلمين ووفقه لمرضاته.
ثم أشكر لهذه الجامعة المباركة على ما تبذله من جهود للعلم وأهله في الداخل والخارج، وأخص بالشكر المعهد العالي للقضاء وعلى رأسه عميده صاحب الفضيلة الدكتور إبراهيم بن عبد اللَّه البراهيم الذى وسع العلماء والطلاب بخلقه العالي، ورجاحة عقله، وكريم عونه، فشكر اللَّه له سعيه، وبارك له في عمره وعمله، وأحسن عاقبته.
والشكر أصدق الشكر لكل من أفادني وأعانني في هذه الرسالة من أساتذة وزملاء، يصعب في هذا المقام حصرهم، ولا أملك لهم إلا الدعاء بأن يجزل اللَّه لهم الأجر والمثوبة وأن يوفقهم لكل خير.
الجزء: 3 - الصفحة: 17
والحمد للَّه أولًا وآخرًا، وصلاة وسلامًا على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، اللهم يسر لي كل عسير، ووفقني لمرضاتك، فأنت نعم المولى ونعم النصير.
الباحث
عبد اللَّه بن محمد بن ناصر البشر
غُرّة شعبان لعام 1421 هـ
الجزء: 3 - الصفحة: 18
الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات تأليف عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي . . . - 1240 هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن محمد بن ناصر البشر الجزء الثالث
الجزء: 3 - الصفحة: 19
الفصل الأول: مؤلف الكتاب
وفيه عشرة مباحث: -
المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده.
المبحث الثاني: نشأته وطلبه للعلم.
المبحث الثالث: أهم أعمله.
المبحث الرابع: صفاته.
المبحث الخامس: عقيدته ومذهبه.
المبحث السادس: وفاته ورثاء الناس له.
المبحث السابع: شيوخه.
المبحث الثامن: تلاميذه.
المبحث التاسع: مكانته العلميّة وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الجوانب العلمية.
المطلب الثاني: وصفه من حيث التقليد والاجتهاد.
المبحث العاشر: مؤلفاته عامة.
الجزء: 3 - الصفحة: 21
المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده وأسرته
أولًا: اسمه
عثمان بن عبد اللَّه بن جمعة بن جامع بن عبد ربه، الأنصاري، الخزرجي، النجدي، البحريني، الزُّبيري (1). هذا نهاية ما وقفت عليه في رفع نسبه من خلال الكتيبه التي ترجمت له.
ثانيًا: نسبه
آل جامع أسرة تنسب إلى الأنصار وإلى الخزرج منهم، فهم من قبائل الأزد من قحطان وقد نزحوا من المدينة إلى نجد وسكنوا بلدة القصب، ثم بلدة جلاجل إحدى بلدان سدير، ومنها نزحوا إلى جزيرة البحرين ثم منها إلى الزبير (2).
ثالثًا: مولده
لم تذكر كتيب التراجم التي وقفته عليها المكان الذي ولد فيه الشيخ عثمان -رحمه اللَّه- ولا تاريخ ولادته.
رابعًا: أسرته
لقد اشتهرت أسرة آل جامع بالعلم والعلماء، فأصبحت أسرةً علمَّيةً حنبليَّةً لها مكانتها بين الناس، حيث توارثت العلم وتبوّأت المناصب851852
الجزء: 3 - الصفحة: 23
العلميَّة والعمليَّة، فكان منهم القضاة والمفتون والمعلمون والأئمة للجوامع، في البحرين والزبير، فقد ظل جامع النّجادى 853 في الزبير يتناوب على إمامته جيلًا بعد جيلٍ آلُ جامع.
وأذكر هنا تراجم مختصرة للعلماء من هذه الأسرة مبتدأ بأقارب المؤلف: -
1 - جده جمعة بن جامع (؟ -؟ )
جمعة بن جامع بن عُبيد اللَّه بن عبدربه الأنصاري، الخزرجي، النجدي، انتقل والده جامع من المدينة إلي نجدٍ، فسكن بلدة القصب من بلدان الوشم، ثم انتقل منها فسكن بلدة جلاجل من بلدان سدير، فولد جمعة في جلاجل، ونشأ فيها، وأخذ في بلدان سدير مبادئ العلوم الشرعية، ثم سمت به همته إلى الزيادة من العلم فرحل إلى بلدان الشام وهي في ذلك الوقت في وفرةٍ من فقهاء الحنابلة، فقرأ عليهم حتى أدرك، وصار من كبار العلماء، ثم عاد إلى نجد، فجلس للتدريس والإفادة.
ولجمعة هذا أخٌ اسمه أحمد صار أحفاده من كبار علماء الزبير والبحرين 854.
الجزء: 3 - الصفحة: 24
2 - ابنه عبد اللَّه (؟ -؟ )
عبد اللَّه بن عثمان بن عبد اللَّه بن جمعة بن جامع بن عبيد اللَّه بن عبد ربه الأنصاري، الخزرجي، أخذ العلم عن شيخ والده ابن فيروز، وعن علماء الزبير آنذاك، رحل إلى الهند سنة 1225 هـ، ورحل إلى اليمن، وأخذ من علمائها، ورحل إلى مكة والمدينة والشام واتصل بالعلماء، وجلس للتدريس، ، ويعد من شعراء الزبير 855.
3 - ابنه أحمد (1194 - 1285 هـ)
أحمد بن عثمان بن عبد اللَّه بن جمعة بن جامع، ولد في البحرين، وأخذ العلم عن والده وعن عُلماء البحرين في وقته، وأدرك شيخ أبيه ابن فيروز ودرس عليه في البصرة، تولى قضاء البحرين مدة طويلة قضاها بالعدل والاستقامة، وتولي قضاءها والتدريس في مدرسة الدويحس إلى أن مات فيها سنة (1285 هـ) 856.
قال ابن حميد في السحب الوابلة 857: "وكان المذكور قد حج سنة (1257 هـ)، فاجتمعت به في مكة -المشرفة- وسألته واستفدت منه، وأجازني ومعه ولداه الشيخ محمد وعبد اللَّه، وكان رجلا صالحا ساكنا وقورا.
. ". أ. هـ.
الجزء: 3 - الصفحة: 25
4 - ابن ابنه: محمد بن أحمد (؟ - 1285 هـ) محمد بن أحمد بن عثمان بن عبد اللَّه بن جامع، وُلد في البحرين، أخذ العلم عن والده، وعن علماء البحرين في وقته حتى أدرك، ولما انتقل والده الشيخ أحمد من البحرين إلى الزبير بقي هو في البحرين وخلفه أباه في قضائها، وبعد فترة التحق بأبيه في الزبير، وقرأ على علماء الزبير والبصرة، وحجَّ مع والده عام (1257 هـ)، ولما توفي والده عام (1285 هـ) عيّن بدله قاضيًا على الزبير، إلا أنه توفي في ذلك العام، وكان ابنه الشيخ جاسم بن محمد هو إمام جامع السوق في الزبير 858. 5 - عثمان بن محمد بن جامع (1265 - 1322 هـ) عثمان بن محمد بن أحمد بن عثمان بن عبد اللَّه بن جامع، ولد في الزبير، في أسرةٍ علميَّةٍ توارثتْ العلم من الآباء إلى الأبناء، أخذ العلم عن علماء أسرته، وهن علماء بلد الزبير حتي أدرك، ودرس في مدرسة الدويحس فتلقي الفقه وسائر العلوم عن مدرسيها، وتوفي في الزبير سنة (1322 هـ) 859. 6 - عبد الرحمن بن جامع (؟ -؟ ) عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم بن جامع، وُلد في بلد الزبير في آخر القرن الثاني عشر الهجري، وقرأ على علماء الزبير، حتى أدرك في الفقه والفرائض وعلوم العربيَّة، وتوفي في الزبير 860.
الجزء: 3 - الصفحة: 26
7 - سليمان بن جامع (؟ -؟ )
سليمان بن جامع، من علماء القرن الرابع عشر الهجري، وُلد في بلد الزبير، ونشأ فيها، وطلب العلم على علماء الزبير، اشتهر بحبه الخير وحسن الصويت بقراءة القرآن، عين إمامًا لمسجد (القت)، ويلقب بعالم البصرة 861.
وعن أسرة آل جامع قال النبهاني في تحفته 862: "وأشهر علماء البحرين.
. . الشيخ إبراهيم بن جامع الحنبلي، والشيخ عيسى بن جامع الحنبلي، وابنه الشيخ عبد العزيز بن عيسى بن جامع، وقد تقلد مذهب الإمام مالك وهو اليوم إمام جامع الشيوخ في المحرق.
. . ".
الجزء: 3 - الصفحة: 27
المبحث الثاني: نشأته وطلبه للعلم
نشأ الشيخ عثمان -رحمه اللَّه- في أسرةٍ علميَّةٍ لها مكانتها، فكان لذلك أثر في توجهه العلمي، ولما كانت الرحلة في طلب العلم تعدّ من أبرز صفات العالم المبرز في العلم صاحبه الهمة العالية، وقل أن تجد عالمًا قد تبوأ مكانةً علميَّةً لم يقم برحلاتٍ علميةٍ بحثًا عن العلماء ومصنفاتهم للاستزادة مما لم يتيسر له لو مكث في بلده، لذا فقد رحل الشيخ عثمان -رحمه اللَّه- إلى مكة والمدينة، وطلب العلم على يد علماء الحرمين -في ذلك الوقت- فأخذ في الفقه، والمواريث، والحساب، والآداب، وسافر إلى الشام، وحلب.
ثم رحل إلى الأحساء وتتلمذ على الشيخ محمد بن فيروز في الفقه وغيره، فأدرك إدراكًا تامًا، ثم طلبه أهل البحرين من شيخه ابن فيروز ليكون قاضيًا لهم، ومفتيًا ومدرسًا فأرسله إليهم 863.
الجزء: 3 - الصفحة: 28
المبحث الثالث: أهم أعماله
من أهم الأعمال التي قام بها الشيخ عثمان -رحمه اللَّه- توليه القضاء، والإفتاء، والتدريس، والإمامة، والخطابة.
فنظرًا لما كان له من مكانة عظيمة لدى أهل البحرين -خاصتهم وعامتهم- وَلَّوْهُ أفضل المناصب وأشرفها، والتي هي من أبرز أعمال العلماء العاملين، فتولَّى القضاء سنين عديدة بحسن السيرة والورع والعفّة والديانة، كما تولَّى الإفتاء والتدريس والإمامة والخطابة في مسجد النجادى فقام بذلك خير قيامٍ 864.
الجزء: 3 - الصفحة: 29
المبحث الرابع: صفاته
نظرا للمكانة العلمية التي تبوأها الشيخ عثمان -رحمه اللَّه- فقد اتصف بصفات عظيمة وأخلاق حميدة هي ثمرة العلم النافع والعمل الصالح، إذ العلماء هم أتقى الناس وأخشاهم للَّه قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ 865.
فقد كان الشيخ عثمان معروفا بالاستقامة على ديان اللَّه، والورع والخشية للَّه، والعبادة والعفة والكرم وقوة الذكاء، وحسن المناظرة.
قال عنه شيخه محمد بن فيروز: "أدرك إدراكا تاما مع حسن السيرة والورع والعفاف والكرم والعبادة والصلاح.
. . " 866. وقال عنه ابن حميد: "الفقيه، النبيه، الورع، الصالح.
. . " وقال: "ثم طلبه أهل البحرين من شيخه المذكور ليكون قاضيا لهم ومفتيا ومدرسا، فأرسله إليهم فباشرها سنين عديدة بحسن السيرة، والورع والعفة والديانة والصيانة، وأحبه عامتهم وخاصته.
. . ولم يزل على حسن الاستقامة والإعزاز التام، ونفوذ الكلمة عند الأمير فمن دونه إلى أن توفاه اللَّه.
. . " اهـ. 867
الجزء: 3 - الصفحة: 30
وللشيخ عثمان -رحمه اللَّه- أبيات ومقطوعات حسان تبين خشيته للَّه وطمعه في مغفرته منها: - إلهي بعفو يا رب أطمع ... فلا تخزني يومًا به الخلق تجمع وخذ بيدي ذات اليمين ... كتابي باليمنى فعفوك أوسع (1)
المبحث الخامس: عقيدته ومذهبه
أولا: عقيدته
: -
له أقف له على كتاب في العقيدة، ولم يتكلم في عقيدته أحد، ومن خلال دراسة كتابه هذا لم يظهر لي ما يقدح في عقيدته، فهو قد اعتنى عناية فائقة بأقوال السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأعلام من أهل السنة، بل اهتم كثيرا بنقل اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وبعرض أقوال الأئمة وغيرهم بدون تعصب لأحد منهم، ويتضح لقارئ هذا الكتاب أن مؤلفه يرد على أهل البدع والمنكرات ويبين فساد معتقدهم، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر في كتاب الجنائز 869 قال: وكره رفع الصوت معها ولو بقراءة أو تهليل لأنه بدعة، وقول القائل استغفروا له ونحوه بدعة.
وفي كتاب الحج 870 عند زيارة قبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: ولا يمس قبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا حائطه ولا يتمسح به ولا يلصق به صدره ولا يقبله لما في ذلك من إساءة الأدب868
الجزء: 3 - الصفحة: 31
والابتداع.
وفي كتاب الجنايات (1) قال: وإمساك الحية محرم وجناية؛ لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، فلو قتلت ممسكها من مدعي المشيخة، ونحوه فهو قاتل نفسه.
ومما يؤخذ عليه -رحمه اللَّه- أنه قاده التقليد لشيخه ابن فيروز ومجاراته له دون تمحيص وتبصر إلي التهجم على الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب في كتاب الصلاة عند مسألة رفع اليدين بالدعاء بعد الفراغ من الأذكار الواردة أدبار الصلوات المكتوبة (2) حيث تلفظ بعبارة لا تليق بالشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي شهدت له الأمة بالعلم والفضل حتى أطلق عليه اسم -المجدد- رحمه اللَّه، ولم يعرف عن ابن جامع -رحمه اللَّه- معارضته للدعوة السلفية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل ولم يذكر عنه أنه راسله منكرا عليه في مسألة من المسائل أو معارضا لدعوته، وكل من ترجم له لم يصفه بذلك كما هو الحال بالنسبة لشيخه ابن فيروز الذي أشتهر عنه حمله لواء المعارضة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولاشك أن ابن جامع قد أخطأ خطأ كبيرا في حق الإمام العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحم اللَّه الجميع رحمة واسعة وعاملهم بعفوه ومغفرته.
ثانيا: مذهبه
: وأما مذهبه الفقهي فهو من علماء المذهب الحنبلي، وتتلمذ على علماء الحنابلة، كما أنه قد نسب نفسه إلى الحنابلة في مقدمة كتابه هذا، وقد اتفق على ذلك كل من ترجم له 873.871872
الجزء: 3 - الصفحة: 32
المبحث السادس: وفاته ورثاء الناس له
توفي الشيخ عثمان -رحمه اللَّه- سنة (1240 هـ) في البحرين، وبوفاته فقدت البحرين عالما له مكانته العلمية، لما تمتع به من حسن الاستقامة ونفوذ الكلمة عند الأمير فمن دونه 874. قال فيه ابن سند 875: إذا قرأ القرآن سالت دموعه ... إذا اسود جنح الليل مصليا ولاح على الخدين منه خشوعه ... وقعقع من خوف الإله ضلوعه
الجزء: 3 - الصفحة: 33
المبحث السابع: شيوخه
لقد رحل الشيخ عثمان -رحمه اللَّه- في طلب العلم كما هي عادة العلماء الأفذاذ أصحاب الهمم العالية، فطلب العلم على علماء الحرمين الشريفين في الفقه والآداب، وسافر إلى الشام، والتقى بالعلماء هناك.
ولم تذكر المصادر التي ترجمت له إلا شيخه ابن فيروز، وهو:
محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن فيروز التميمي، الأحسائي، الفقيه الحنبلي، المولود في مدينة الأحساء سنة (1142 هـ)، ونشأ بها في كنف والده، وكف بصره وهو ابن ثلاث سنين، اشتهر بالكرم، وسرعة الفهم، وقوة الإدراك، والحفظ، فكان يملي صحيح البخاري بأسانيده من حفظه، وحفظ كثيرا من المتون، أخذ العلم عن والده عبد اللَّه، وعن علماء الأحساء آنذاك، وتتلمذ عليه خلق كثير حيث قد قصده الطلاب من أقاصي البلاد ورحلوا إليه فينفق عليهم ولو كانوا أغنياء، ويقول: من لم ينتفع بطعامنا لا ينتفع بعلمنا.
وقد التقى الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه اللَّه- بوالد الشيخ محمد بن فيروز في الأحساء، وأعجب بحسن عقيدته وعلمه ورأى عنده كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم فسر بذلك.
وعلي سعة علم ابن فيروز وكثرة اطلاعه والشهرة التي بلغها فقد عادى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه اللَّه- معاداة شديدة، وحارب دعوته برسائل وقصائد، وقد أخذ الشيخ محمد بن
الجزء: 3 - الصفحة: 34
عبد الوهاب -رحمه اللَّه- على ابن فيروز إباحته التوسل بالذوات، وإجازته شد الرحال إلي القبور.
ونزح الشيخ محمد بن فيروز من الأحساء إلى العراق بسبب العداء الذي صار بينه وبين أنصار الدعوة، فلما تيقن استيلاءهم على الأحساء خاف منهم وتركها إلى البصرة، وكذلك عام (1208 هـ)، وقيل: إنه طلب منه الرحيل.
فلما وصل إلي البصرة تلقاه واليها بالإكرام، وهرع إليه الناس للسلام عليه، فكان يوما مشهودا، فاستقر في البصرة لشهرته ونشاطه في العلم حتى وافاه الأجل آخر ليلة الجمعة غرة شهر محرم من عام (1216 هـ) عن خمسة وسبعين عاما، وصلي عليه بجامع البصرة، وحضر الصلاة جمع من الناس، ثم حمل على أعناق الرجال من البصرة إلى بلد الزبير، ثم دفن بجانب قبر الزبير بن العوام -رضي اللَّه عنه- وصار للناس حزن بفقده ورثي بقصائد من أهل الأمصار من سائر المذاهب.
سامحه اللَّه وعفا عنه 876.
الجزء: 3 - الصفحة: 35
المبحث الثامن: تلاميذه
ذكرت فيما سبق أن الشيخ عثمان -رحمه اللَّه- لما أدرك في الفقة إدراكا تاما طلبه أهل البحرين من شيخه ابن فيروز ليكون قاضيا لهم، ومفتيا، ومدرسا، ولا شك أنه قد طلب العلم على يديه خلق كثير، ولكن لم تسعفني، المصادر التي ترجمت له بذكر تلاميذه، سوى ابنه أحمد.
الجزء: 3 - الصفحة: 36
المبحث التاسع: مكانته العلمية
وفيه مطلبان: -
المطلب الأول: الجوانب العلمية
إن ما يجلى الجوانب العلمية التي برز فيها الشيخ عثمان بن جامع -رحمه اللَّه- النقاط التالية:
أولًا: أنه لما أدرك في الفقه إدراكا تاما طلبه أهل البحرين ليكون قاضيا ومفتيا ومدرسا، وذلك لثقتهم في علمه وتقواه وورعه.
ثانيا: توليه المناصب العلمية العامة وهي:
1 - القضاء.
2 - الإفتاء.
3 - التدريس.
4 - الإمامة.
5 - الخطابة.
وهذه المناصب لا يتولاها، إلا من اشتهر بالعلم والاستقامة والعبادة ورضيه الناس وأجمعوا عليه، وشهدوا له بالصلاح 877.
ثالثا: شهادة العلماء له بالفضل والنبوغ في العلم خاصة في الفقه الحنبلي.
الجزء: 3 - الصفحة: 37
قال عنه شيخه ابن فيروز: "اشتغل على الفقير في الفقه والفرائض والعربية ففتح اللَّه عليه، وأدرك إدراكا تاما مع حسن السيرة والورع والعفاف والكرم والعبادة والصلاح.
. . " ا. هـ. (1)
وقال عنه ابن حميد في السحب الوابلة (2): "الفقيه، النبيه، الورع، الصالح، قرأ على شيخ وقته الشيخ محمد بن فيروز في الفقه وغيره، فأدرك إدراكا تاما.
. ".
وفي تاريخ الزبير (3) بعد أن ساق ترجمته قال: "وتصدر المذهب الحنبلي.
. . فهو بهجة صدور الجامع، وزهرة رياض الجوامع، وعمدة المستفيدين في النوازل، وهو واللَّه نادرة عصره، وناظرة بلدة وقطره.
. . ".
المطلب الثاني: وصفه من حيث التقليد والاجتهاد
الشارح -رحمه اللَّه- كغيره من علماء المذهب يستفيد من بعض، فهو قد استفاد من كتب من سبقه، ومن خلال دراستي لهذا الكتاب لاحظت أن المؤلف لا يورد قولا عاريا عن دليل، فالأحكام التي يوردها يستدل لها، ولكنه في الجملة مقلد فلم أقف له على اجتهادات فقهية.878879880
الجزء: 3 - الصفحة: 38
المبحث العاشر: مؤلفاته عامة
لم تذكر المصادر التي ترجمت للشيخ عثمان -رحمه اللَّه- شيئا من مؤلفاته سوى هذا الكتاب "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" فلعله لم يكن من أصحاب التأليف، فضلا عن كونه قد تولى منصب القضاء والإفتاء والتدريس، وهذه المهام لا شك أنها تحتاج إلي جهد ووقت.
الجزء: 3 - الصفحة: 39
الفصل الثاني: الكلام عن الكتاب المحقّق
وفيه عشرة مباحث: -
المبحث الأول: إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف، ووصف المخطوط، وبيان أماكن وجوده.
المبحث الثاني: تعريف موجز بالكتاب.
المبحث الثالث: منزلته بين كتب الفقه بعامة وبين كتب مذهبه بخاصة.
المبحث الرابع: منهجه في الكتاب.
المبحث الخامس: مصادره في الكتاب.
المبحث السادس: الكتاب من حيث التبعية والاستقلال.
المبحث السابع: اختياراته الفقهية في الكتاب.
المبحث الثامن: محاسن الكتاب.
المبحث التاسع: الملحوظات على الكتاب.
المبحث العاشر: الأبواب والفصول التي يتناولها التحقيق.
الجزء: 3 - الصفحة: 41
المبحث الأول إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف ووصف المخطوط وبيان أماكن وجوده
أولًا: إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف:
لا أشك في أن هذا الكتاب "الفوائد المنتخبات في أخصر المختصرات" هو من تأليف الشيخ عثمان بن عبد اللَّه بن جامع -رحمه اللَّه- وذلك للأدلة التالية:
أ- أن المؤلف نفسه قال في مقدمة هذا الكتاب: "وسميته بالفوائد المنتخبات في أخصر المختصرات"
ب- قال شيخه محمد بن فيروز في ثنايا ترجمته: ". . . وشرح أخصر المختصرات للشيخ البلباني شرحًا مبسوطًا، وجمع من الفوائد زبدة كتب المذهب.
. . " ا. هـ. 881
جـ- قال ابن حميد في السحب الوابلة 882 بعد ترجمة الشيخ عثمان -رحمه اللَّه-: "وصنف شرح "أخصر المختصرات" شرحًا مبسوطًا نحو ستين كراسًا، وجمع فيه جمعًا غريبًا".
د- قال في الدر المنضد 883: "عثمان بن جامع النبجدي له شرح أخصر المختصرات مجلد كبير".
الجزء: 3 - الصفحة: 43
هـ - قال ابن ضويان في "رفع النقاب" (1) عن ابن جامع: "قاضي البحرين من تلامذة ابن فيروز، شرح أخصر المختصرات مجلد ضخم" ا. هـ.
و- قال ابن بسام في علماء نجد (2): "واسم الشرح: الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات".
ا. هـ.
ثانيًا: وصف المخطوط:
لم أعثر إلا على نسخةٍ خطيَّةٍ واحدةٍ لهذا الكتاب، وهي بخط المؤلف وموجودة في مكتبة الموسوعة الفقهيَّة بالكويت تحت رقم (39 خ) وصفتها كالتالي: -
أ- عدد الأوراق (375) ورقة.
ب- عدد الأسطر (25) سطرًا.
جـ- عدد الكلمات (15) تقريبا.
وهذا في النصف الأول من النسخة، وأما في نصفها الثاني فتزيد الأسطر على (30) سطر، وعدد الكلمات (20) تقريبًا.
وهذه النسخة مكتوبة بخط نسخي مقروء، وميّز المتن المشروح والتبويبات بالحُمرة.
ويوجد عليها هوامش كثيرة عبارة عن كلام ساقط من الأصل، أو تصحيح لبعض العبارات، وكل هذا يشعر بأن المؤلف -رحمه اللَّه- قد راجع هذه النسخة، وكان إتمامه في يوم الجمعة غرة ذي الحجة884885
الجزء: 3 - الصفحة: 44
الحرام سنة 1224 هـ بمدينة المبرز في الأحساء كما هو مثبت في آخر المخطوط.
ويوجد على الصفحة الأولى من المخطوط ترجمة للمؤلف منقولة من كتاب "سبانك العسجد" لعثمان بن سند حيث ذكر أنه ألف هذا الكتاب في أثناء المائة الثالثة بعد المائتين والألف، ومكتوب عليها وقف للَّه تعالى، حيازة الفقير عبد اللَّه بن خلف بن دحيان الحنبلي، وملكية حمد بن عبد اللَّه العقيل.
ثالثًا: مكان المخطوط
هذة النسخة التي عثر عليها هي موجودة في دوله الكويت حيازة مكتبة الموسوعة الفقهية التابعة لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، مسجلة برقم (39 خ)، وجاء في الكتاب الذي أصدرته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت لعام 1416 هـ بعنوان: "نوادر مخطوطات علامة الكويت الشيخ عبد اللَّه الخلف الدحيان "إعداد الشيخ محمد العجمي ص 52 ما نصه: -
"الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات.
. . نسخة بخط نسختي مقروء، نسخها المؤلف في يوم الجمعة في غرة ذي الحجة الحرام سنة 1224 هـ بمدينة المبرز بالأحساء، وقد شارك أحد النساخ في بعض الورقات من الكتاب.
. . ".
الجزء: 3 - الصفحة: 45
المبحث الثاني تعريف موجز بالكتاب
الكتاب اسمه "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" قال مؤلفه الشيخ عثمان -رحمه اللَّه- في مقدمته: "لما وقفت على الكتاب الموسوم بأخصر المختصرات الإمام المحقق الشيخ محمد البلباني الحنبلي، وجدته مع كونه في غاية الأختصار يشتمل على جل المسائل الكبار، ولا يستغني طالب العلم عن حفظه، لكن لم أجد له شرحًا يوضح الغامظ من لفظه، فاستخرت اللَّه سبحانه وتعالى على أن أعلق عليه شرحًا يحيط النقاب عن وجوه مخدره، ويبرز ما وراء الحجاب من خيباته، ويحرر مسائله ويجرد دلائله ضامًا إليه من الفوائد الجليلات بحسب ما يمنحه مفيض النعم الجليات والخفيات، سالكًا في جميع المسائل بأوجز عبارة وألطف إشارةٍ أبدع المسالك".
فهذا الكتاب شرح لمتن من أهم المتون في الفقه الحنبلي، نظرًا لعلو منزلة مؤلفه، وقوة تحريره، ووضوح عبارته، وقد قام الشيخ ابن جامع بشرح هذا المتن مبينًا المعاني اللغوية والاصطلاحية لبعض الألفاظ، ومستدلًا للأحكام الواردة فيه، مع عنايته بالتعليل، مقتصرًا على المذهب، مع الإشارة أحيانًا إلى الخلاف في المذهب وفي المذاهب الأخرى.
الجزء: 3 - الصفحة: 46
المبحث الثالث منزلته بين كتب الفقه عامة وبين كتب مذهبه بخاصة
المتن المشروح هو "أخصر المختصرات" في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للعلامة محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي 886، اختصره في كتابه "كافي المبتدى" وقال ابن بلبان في سبب اختصاره: "ليَقْرُبَ تناوله على المبتدئين، ويسهل حفظه على الراغبين، ويقل حجمه على الطالبين، وسميته بأخصر المختصرات لأني لم أقف على أخصر منه جامع لمسائله في فقهنا من المؤلفات".
887
الجزء: 3 - الصفحة: 47
وقال المحبي: "وله -أي البلباني- مختصر في مذهبه، صغير الحجم كثير الفائدة".ا. هـ. 888
وقال العلامة ابن بدران عن "أخصر المختصرات": سهل العبارة، واضح المعاني، وهو من المتون المعتمدة في المذهب 889.
فكتاب "الفوائد المنتخبات" شرح لهذا المتن المهم في الفقه الحنبلي.
وقد أثنى على الكتاب جمع من العلماء منهم:
شيخ المؤلف محمد بن فيروز حيث قال عنه: "شرح أخصر المختصرات للشيخ البلباني شرحًا مبسوطًا، وجمع من الفوائد زبدة كتب المذهب .. . . ". ا. هـ. 890
وقال عثمان بن سند المالكي في كتابه "سبانك العسجد" 891 عن مؤلف الكتاب: وشرح أخصر المختصرات في المذهب شرحًا أبان عن فضله وأعرب.
وقال ابن حميد في السحب الوابلة 892 بعد ترجمة الشيخ عثمان -رحمه للَّه-: "وصنف شرح "أخصر المختصرات" شرحًا مبسوطًا نحو ستين كراسًا، وجمع فيه جمعًا غريبًا".
الجزء: 3 - الصفحة: 48
وقال ابن ضويان في "رفع النقاب" 893 عن ابن جامع: "قاضي البحرين من تلامذة ابن فيروز، شرح أخصر المختصرات مجلد ضخم".
ا. هـ.
فهذا الثناء دليل على المنزلة التي بلغها هذا الكتاب من بين كتب المذهب.
وإن مما يُعلي منزلة هذا الكتاب ويبرز أهميته أن مؤلفه -رحمه اللَّه- جعل غالب امتداده في هذا الشرح من شرحي الإقناع والمنتهى وحاشيتيهما، ولا تخفى مكانه كتابي "كشاف القناع" و"شرح منتهى الإرادات" لكونهما من الكتب المعتمدة في المذهب.
الجزء: 3 - الصفحة: 49
المبحث الرابع منهجه في الكتاب
قال ابن جامع في مقدمة هذا الكتاب: "لما وقفت على الكتاب المرسوم بـ "أخصر المختصرات" الإمام المحقق الشيخ البلباني الحنبلي، وجدته مع كونه في غاية الاختصار يشتمل على جل المسائل الكبار، ولا يستغني طالب العلم عن حفظه، لكن لم أجد له شرحًا يوضح الغامظ من لفظه، فاستخرت اللَّه سبحانه وتعالى على أن أعلق عليه شرحًا يميط النقاب عن وجوه مخدراته، ويبرز ما وراء الحجاب من خبياته، ويحرر مسائله ويجرد دلائله ضامًا إليه من الفوائد الجليلات بحسب ما يمنحه مفيض النعم، الجليات والخفيات، سالكًا في جمع المسائل بأوجز عبارة وألطف إشارةٍ أبدع المسالك ولم أرسل عنان العلم إلا في كتابي الحج والفرائض لمسيس الحاجة إلى ذلك، وغالب امتدادى في هذا الشرح المبارك من شرحي الإقناع والمنتهى وحاشيتيهما".
ا. هـ.
كما أن ابن جامع اعتنى في كتابه هذا بتأصيل المسائل، فيذكر الأدلة من الكتاب والسنة والآثار والإجماع وذلك غالبًا، مع إيراده لبعض التعليلات، كما اهتم بذكر أقوال الصحابة -رضي اللَّه عنهم- في كثيرٍ من المسائل مع إيراد أقوال الأئمة الأربعة في بعضها، كما تميز هذا الكتاب بوفرة المصادر التي أفاد منها وهي تعتبر في غالبها من الكتب المعتمدة في المذهب، مما أعطى الكتاب قوةً علميَّةً، كما أنه يتصرف في بعض العبارات الواردة في "شرح المنتهى" و"كشاف القناع" بتقديم أو
الجزء: 3 - الصفحة: 50
تأخير حسن ما يظهر لابن جامع -رحمه للَّه- من ترتيب أو مناسبة فقهية، أو يتصرف بالزيادة أو النقص في بعض عباراتها، كما اهتم بنقل اختيارات شيخ الإسلام في بعض المسائل، كما عني بتخيج بعض الأحاديث ونقل كلام أهل العلم في القول بالصحة أو الضعف، إضافة إلى اهتمامه بالتعاريف اللغوية سواء في بداية كل كتاب أو باب أو فصل أو عند ورود بعض الألفاظ الغريبة، بل وينص في بعضها على من قال به من أهل اللغة، مع اهتمامه بالتعاريف الشرهية والاصطلاحية في الغالب، كما أن هذا الكتاب لم يخل من إيراد بعض الأبيات الشعرية والاستدلال بها في بعض المناسبات، إضافة إلى الاهتمام بذكر بعض البلدان والمواقع.
الجزء: 3 - الصفحة: 51
المبحث الخامس مصادره في الكتاب
إن ما يبرز أهمية أي كتاب ويبين مكانته العلمية ويعلي شأنه هي المصادر التي استقى منها المؤلف مادة الكتاب، فبقوة تلك المصادر تكون قوة الكتاب، ومن خلال دراستي لكتاب "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" وجدت أن معظم مادة هذا الكتاب قد أخذت من أمهات الكتب التي تعتبر من أعمدة المذهب الحنبلي، إضافة إلى استفادته من كتب أخرى خارج المذهب.
وإليك المصادر التي استفاد منها ابن جامع في جمع مادة كتابه: -
1 - أحكام النساء، للإمام عبيد اللَّه بن محمد بن حمدان العكبري، المعروف بابن بطة المتوفى سنة (387 هـ).
2 - أعلام الموقعين عن رب العلمين، للإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر الدمشقي، المعروف بابن قيم لجوزية المتوفى سنة (751 هـ).
3 - الاختيارات العلمية في اختيارات شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: تأليف العلامة علي بن محمد بن علي البعلي الدمشقي، المعروف بـ (ابن اللحام) المتوفى سنة (803 هـ).
4 - الإرشاد إلى سبيل الرشاد، لمحمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي، أبو علي، القاضي، المتوفى سنة (428 هـ).
الجزء: 3 - الصفحة: 52
5 - الإفصاح عن معاني الصحاح، للوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي، المتوفى سنة (560 هـ). 6 - الإقناع، للعلامة المحقق موسى بن أحمد الحجاوي المقدسي، المتوفى سنة (968 هـ). 7 - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للعلامة، القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، المتوفى سنة (885 هـ). 8 - الانتصار في المسائل الكبار، للإمام العلامة محفوظ بن أحمد بن حسن الكلوذاني، أبو الخطاب البغدادي، المتوفى سنة (510 هـ). 9 - تجريد العناية في تحرير أحكام النهاية، تأليف الشيخ علي بن محمد بن علي البعلي، الدمشقي، ويعرف بابن اللحام، المتوفى سنة (803 هـ). 10 - الترغيب، من تأليف الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الصقال الطيبي مفتي العراق، المتوفى سنة (599 هـ). 11 - تصحيح الفروع، للعلامة المجتهد القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، المتوفى سنة (885 هـ). 12 - تصحيح المحرر، للشيخ عز الدين أحمد بن إبراهيم بن نصر اللَّه الكناني، المتوفى سنة (876 هـ). 13 - التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع، للعلامة المجتهد القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، المتوفى سنة (885 هـ).
الجزء: 3 - الصفحة: 53
14 - الجامع في الفقه، للإمام، شيخ الحنابلة في عصره، أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي الخلال، المتوفى سنة (311 هـ).
15 - حاشية التنقيح، للشيخ موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي، صاحب الإقناع، المتوفى سنة (968 هـ).
16 - الحاوي الصغير، للشيخ عبد الرحمن بن عمر بن أبي القاسم، البصري، أبو طالب، نور الدين، المتوفى سنة (684 هـ).
17 - حواشي الفروع، تأليف العلامة، أحمد بن نصر اللَّه بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح، المتوفى (844 هـ).
18 - رسالة الشباك، لابن الهائم أحمد بن محمد بن عماد الدين، أبو العباس، المصري، المقدسي، الشافعي، الفرضي، المتوفى سنة (815 هـ).
19 - الرعايتين كبرى وصغرى، كلاهما لأحمد بن حمدان بن شبيب الحراني الحنبلي المتوفى سنة (695 هـ)، والرعاية الكبري هي المرادة حال الإطلاق عند علماء المذهب.
20 - الروضة، لم أقف على مؤلفها.
21 - زاد المسافر من تأليف العلامة عبد العزيز بن جعفر بن أحمد أبو بكر، المعروف بغلام الخلال، المتوفى سنة (311 هـ).
22 - زاد المعاد في هدي خير العباد، للعلامة الإمام شمس الدين أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ).
الجزء: 3 - الصفحة: 54
23 - الشرح، وهو الشرح الكبير، للعلامة، الفقيه، عبد الرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي، أبو الفرج، شمس الدين، المتوفى سنة (682 هـ)، وإذا أطلق "الشرح" عند الحنابلة فالمراد هذا الكتاب.
24 - شرح الإقناع، وهو "كشاف القناع عن متن الإقناع"، للعلامة، الورع، الفقيه، منصور بن يونس بن صلاح بن حسن بن أحمد البهتوي، أبو السعادات، المتوفى سنة (1051 هـ).
25 - شرح المجد، واسمه "منتهى الغاية في شرح الهداية"، لمجد الدين أبو البركات، عبد السلام بن عبد اللَّه بن الخضر بن محمد الحراني ابن تيمية، المتوفى سنة (653 هـ).
26 - شرح المحرر، للفقيه، عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي، البغدادي، صفي الدين، المتوفى سنة (739 هـ).
27 - شرح منازل السائرين، واسمه "مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين"، تأليف العلامة، الإمام، شمس الدين، أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ).
28 - شرح المنتهى، "شرح منتهى الإرادات"، للعلامة منصور بن يونس البهتوي، محقق المذهب، المتوفى سنة (1051 هـ).
29 - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، للإمام، المحقق، أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر الدمشقي ابن القيم الجوزية المتوفى سنة (751 هـ).
الجزء: 3 - الصفحة: 55
30 - الغاية، واسمه "غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى"، للشيخ مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي، المقدسي، زين الدين، المتوفى سنة (1033 هـ). 31 - الغنية، "الغنية لطالبي طريق الحق"، تأليف الشيخ عبد القادر الجيلاني، المتوفى سنة (561 هـ). 32 - الفائق، لأحمد بن الحسن بن عبد اللَّه بن الشيخ أبي عمر المقدسي شرف الدين المعروف بابن قاضي لجبل، المتوفى سنة (771 هـ). 33 - الفتاوى المصرية، لشيخ الإسلام، العلامة، تقي الدين، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، أبو العباس، المتوفى سنة (728 هـ). 34 - الفروع، للشيخ شمس الدين، محمد بن مفلح بن محمد المقدسي، أبو عبد اللَّه، المتوفى سنة (763 هـ). 35 - الفصول، ويسمى "كفاية المفتي"، تأليف أبي الوفاء، علي بن عقيل بن محمد البغدادي، المتوفى سنة (513 هـ). 36 - القاموس، "القاموس المحيط والقابوس الوسيط في اللغة"، تأليف القاضي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، المتوفى سنة (817 هـ). 37 - القواعد، "القواعد الفقهية"، تأليف العلامة عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي، الدمشقي، المتوفى (سنة 795 هـ). 38 - الكافي، لموفق الدين عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي، ثم الدمشقي، المتوفى سنة (620 هـ).
الجزء: 3 - الصفحة: 56
39 - المبدع، "المبدع في شرح المقنع" للقاضي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح، المتوفى سنة (884 هـ).
40 - المحرر، تأليف الشيخ عبد السلام بن عبد اللَّه بن تيمية الحراني، أبو البركات، مجد الدين، المتوفى سنة (652 هـ).
41 - المذهب في المذهب، لعبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي، أبو الفرج، المتوفى سنة (597 هـ).
42 - المستوعب، تأليف العلامة، محمد بن عبد اللَّه بن الحسين بن إدريس السامري، أبو عبد اللَّه، المتوفى سنة (616 هـ).
43 - المعارف، تأليف عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة (246 هـ).
44 - المغني، لموفق الدين، عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي، ثم الدمشقي، المتوفى سنة (620 هـ).
45 - المقنع، لموفق الدين، عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي، ثم الدمشقي، المتوفى سنة (620 هـ).
46 - المنتخب، تأليف أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي، تقي الدين، أبو بكر.
47 - المنتهى، "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات" تأليف محمد بن أحمد الفتوحي، تقي الدين، المعروف بابن النجار، المتوفى سنة (972 هـ).
الجزء: 3 - الصفحة: 57
48 - المنور، "المنور في راجح المحرر" تأليف أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي، تقي الدين، أبو بكر، المتوفى سنة (327 هـ). 49 - الناسخ المنسوخ، "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن" تصنيف الإمام، القاضي أبو عبيد القاسم بن سلام، المتوفى سنة (224 هـ). 50 - النظم، واسمه: "عقد الفرائد وكنز الفوائد" تأليف محمد بن عبد القوي بن بدران بن عبد اللَّه المقدسي، أبو عبد اللَّه، شمس الدين، المتوفى سنة (699 هـ). 51 - النكت، "النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر"، تأليف محمد بن مفلح ابن محمد المقدسي، شمس الدين، أبو عبد اللَّه، المتوفى سنة (763 هـ). 52 - الوجيز، تأليف الشيخ الحسين بن يوسف بن محمد بن أبي السري الدجيلي، البغدادي، المتوفى سنة (732 هـ). ومما يجدر التنبيه عليه هنا أنه ليس بالضرورة أن يكون ابن الجامع -رحمه اللَّه- قد رجع إلى هذه المصادر كلها: لأن "شرح منتهى الإرادات" و"كشاف القناع" اللذين هما أصل كتاب قد أشار إلى المصادر نفسها في الغالب، فقد يكون ابن جامع نقلها تبعا للبهوتي ولم يطلع عليها
الجزء: 3 - الصفحة: 58
المبحث السادس الكتاب من حيث التبعية والاستقلال
الكتاب في الجملة تابع لكتابي "كشاف القناع" و"شرح منتهى الإرادات" وحاشيتيهما، وهذا ما اتضح لي من خلال دراسة هذا الكتاب، بل إن اعتماده الأكبر على "شرح منتهى الإرادات"، ويؤكد هذا ما قرره أيضًا ابن جامع -رحمه اللَّه- في مقدمة كتابه هذا حيث قال ما نصه: "وغالب امتدادي في هذا الشرح المبارك من شرحي الإقناع والمنتهي وحاشيتيهما".
فالمؤلف تبع البهوتي في الصياغة والمعلومات التي ذكرها، وقام بتنزيل عبارة البهوتي على ترتيب المتن المشروح وهو "أخصر المختصرات"وهذه من طريق التأليف.
وله أيضًا استقلالية ظهرت في شخصية المؤلف العلمية في القدرة على صياغة العبارة من "شرح منتهى الإرادات" ملاءمة لمتن "أخصر المختصرات"، وبتصرفه في بعض العبارات الواردة في "شرح المنتهى" و"كشاف القناع" بتقديم أو تأخير حسب ما يظهر له من ترتيب أو مناسبة فقهية، أو يتصرف بالزيادة أو النقص في العبارات.
فالكتاب ليس له استقلالية كاملة، بل هو أشبه بالاختصار والتهذيب.
الجزء: 3 - الصفحة: 59
المبحث السابع اختياراته الفقهية في الكتاب
المؤلف -رحمه اللَّه- له اختيارات فقهية ظهرت في الكتاب أذكر منها على سبيل المثال ما يلي: -
في مسألة استبراء الإماء عند قوله: ولا يجب استبراء بملك أنثى من أنثى أو ذكر؛ لأنه لا فائدة فيه.
قال -رحمه اللَّه-: قلت: ولعله إن كان البائع الذكر استبرأها وإلا فلا بد من الاستبراء إن أرادت تزويجها واللَّه أعلم 894.
وفيها إذا ألقى بنفسه إلى التهلكة قال: قلت: فعلى هذا لا يصلي عليه الإمام الأعظم ولا القاضي.
. . 895
وفي مسألة من قال لغيره: اقتلني، أو قال له: اجرحني ففعل، فهدر قال: قلت: والظاهر أن عليه الكفارة.
896
الجزء: 3 - الصفحة: 60
المبحث الثامن محاسن الكتاب
امتاز هذا الكتاب بعدة مزايا لعل من أهمها: -
1 - عنايته بالمذهب، مع الإشارة أحيانا إلى الروايات المشهورة إن وجدت في المسألة.
2 - أصالة مصادره مع تنوعها.
3 - قوة الاستقلال، مع التقصي في ذلك.
4 - عنايته بالأدلة الشرعية.
5 - وضوح مسائله.
6 - أمانته في النقل، فبتتبعي لما أورده من نقول من كتب أخرى لاحظت دقته في النقل.
7 - مقارنته لبعض المسائل الواردة في المذهب بالمذهب الأخرى، مع النص على من قال به من الأئمة أو أصحابهم، مع إحالته أحيانا إلى مصادر أصلية لمذاهبهم.
8 - اهتمامه بنقل الإجماع في كثير من المسائل 897.
9 - اهتمامه باختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض المسائل 898.
الجزء: 3 - الصفحة: 61
10 - اشتماله على الكثير من الآثار عن الصحابة والتابعين.
11 - أمانة المؤلف المتمثلة في تصريحه في مقدمة كتابه هذا بأنه اعتمد على كتابي "كشاف القناع" و"شرحي منتهى الإرادات" وحاشيتيهما، وجميعها للشيخ منصور البهوتي، في جمع مادة كتابه، حيث نسب الفضل لأهله.
الجزء: 3 - الصفحة: 62
المبحث التاسع الملحوظات على الكتاب
لا شك أن عمل البشر معرض للنقص والوقوع في الخطأ، وهذا الكتاب كغيره من الكتب التي تخضع للنقد والتمحيص، فأبرز الملحوظات ما يلي: -
1 - كثرة السقط سواء من الكلمات أو الأحرف.
2 - إغفاله لبعض الأدلة في بعض المسائل مع أنها موجودة في كتب المذهب 899.
3 - إستدلاله في بعض المسائل بأدلة ليست نصا في المسألة، مثال ذلك: استدلاله على حرمة الزنا بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اجتنبوا السبع الموبقات" مع أن الزنا لم يذكر في الحديث 900.
4 - التصحيف أو التغير في بعض العبارات التي ينقلها من بعض المصادر، وقد يختلف المعني بذلك أو يحصل به التناقض مع ما قبله أو بعده، أو عدم استقامة العبارة.
فعلى سبيل المثال: مسألة استثناء الحمل في العتق، قال: "فإن استثنى الحمل معتق أمه لم تعتق.
. . " فهذا متناقض مع ما قبله وبعده
الجزء: 3 - الصفحة: 63
فالصحيح: لم يعتق 901.
5 - توسعه في كتاب الفرائض، وإن كان قد نبه على ذلك في المقدمة.
6 - وجود أخطاء في بعض الآيات.
902
الجزء: 3 - الصفحة: 64
المبحث العاشر الأبواب والفصول التي يتناولها التحقيق
كتاب الوصايا، الفرائض، العتق، الكتابة، النكاح، الصداق، الخلع، الطلاق، الرجعة، الإيلاء، الظهار، اللعان، العدد، الرضاع، النفقات، الحضانة، الجنايات، شروط وجوب القصاص، الجراح فيها دون النفس، الديات، القسامة، الحدود، الزنا، القذف، القطع في السرقة، قطاع الطريق، البغاة، حكم المرتد، السحر، الأطعمة، الذكاة، الصيد، الأيمان، النذر، القضاء، شروط القاضي، آداب القاضي، طريق الحكم وصفته، القسمة، الدعاوى والبينات، الشهادات، اليمين في الدعاوى، الإقرار.
الجزء: 3 - الصفحة: 65
الفصل الثالث دراسة عشرين مسألة فقهة مقارنة تحدد بمعرفة المشرف
نظرًا لطول الكتاب، ولضيق الوقت فقد تقدمت إلى عمادة المعهد العالي للقضاء طالبًا التخفيف فوافق مجلس المعهد -مشكورًا - على حذف هذا الفصل وهو دراسة العشرين مسألة.
الجزء: 3 - الصفحة: 67
(كتاب الوصايا)
من وصيت الشي إذا وصلته؛ لأن الميت وصل ماكان في من أمر حياته بما بعده من أمر مماته، ووصى وأوصى بمعنى واحد.
وهي لغة: الأمر 903، قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ 904 وقال: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ 905.
وشرعا: الأمر بالتصرف بعد الموت 906؛ كوصيته إلى من يغسله، أو يصلي عليه، أو يتكلم على صغار أولاده، أو يزوج بناته ونحوه، والوصية بمال: التبرع به بعد الموت بخلاف الهبة 907.
والوصية جائزة بالإجماع 908 لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية 909، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين
الجزء: 3 - الصفحة: 69
إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" متفق عليه 910، ولا يشترط فيها القربة لصحتها لمرتد وحربي بدار حرب كالهبة.
وتصح مطلقة ومقيدة ما دام عقله ثابتا ولو كان كافرا أو فاسقا أو امرأة أو قنا فيما عدا المال 911 أو أخرس بإشارة.
وتصح من مميز بلفظ وبخط ثابت أنه خط موص، ويجب العمل بوصية ثبتت بشهادة أو إقرار ورثة ولو طالت مدتها ما لم يعلم رجوعه عنها، وعن أنس: "كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان أنه شهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللَّه يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا اللَّه، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا اللَّه ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 912 " رواه سعيد 913.
الجزء: 3 - الصفحة: 70
(ويسن لمن ترك مالًا كثيرا عرفا) فلا يتقدر بشيء (الوصية بخمسه) أي المال روي عن أبي بكر وعلي -رضي اللَّه عنهما- قال أبو بكر: "رضيت بما رضي اللَّه تعالى لنفسه" 914 يعني في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ 915. وتسن لقريب فقير غير وارث؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ 916، وكالصدقة عليهم في الحياة؛ لأنها صدقة وصلة رحم وإلا يكن له قريب فقير وترك خيرا فالمستحب أن يوصي لمسكين وعالم فقير ودين ونحوهم، (وتحرم الوصية ممن يرثه = وسعيد هو: ابن منصور بن شعبة، الحافظ، الإمام، أبو عثمان، الخراساني -صاحب السنن- عاش ثمانين سنة أو أكثر، توفي بمكة في شهر رمضان سنة 227 هـ. ينظر: الجرح والتعديل 4/ 68، وسير أعلام النبلاء 10/ 586، وتذكرة الحفاظ 2/ 416 - 417، وطبقات الحفاظ ص 182.
الجزء: 3 - الصفحة: 71
غير أحد الزوجين بأكثر من الثلث لأجنبي أو لوارث بشيء) مطلقا نصا 917، سواء كانت في صحته أو مرضه، أما تحريم الوصية لغير وارث بزائد على الثلث فلقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لسعد حين قال: أوصي بمالي كله؟ قال: "لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير" الحديث متفق عليه 918، وأما تحريمها لوارث بشيء فلحديث: "إن اللَّه تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث"، رواه الخمسة إلا النسائي 919 من حديث عمرو بن خارجة 920، (وتصح) هذه الوصية المحرمة (موقوفة على الإجازة) أي إجازة
الجزء: 3 - الصفحة: 72
الورثة 921؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة" رواه الدارقطني 922، ولأن المنع لحق الورثة فإذا رضوا بإسقاطه نفذ، وتصح لولد وارثه، فإن قصد نفع الوارث لم يجز فيما بينه وبين اللَّه تعالى، ولو وصى لكل وارث بمعين من ماله بقدر إرثه صح، أجاز الورثة أولا 923، وسواء كان ذلك في الصحة أو في المرض، أو وصى بوقف ثلثه على بعضهم صح مطلقا كما تقدم.
924
(وتكره) الوصية (من فقير وارثه محتاج) 925، وتصح ممن لا وارث له مطلقا بجميع ماله، روي عن ابن مسعود 926؛ لأن المنع من الزيادة على الثلث لحق الوارث = ينظر: أسد الغابة 4/ 220 - 221، وتهذيب الكمال 21/ 599 - 601، والإصابة 4/ 517 - 518.
الجزء: 3 - الصفحة: 73
وهو معدوم 927، فلو ورثه زوج أو زوجة ورد الوصية بالكل بطلت في قدر فرضه من ثلثي المال، فيأخذ وصي الثلث، ثم يأخذ ذو الفرض فرضه من ثلثي المال، ثم تتم الوصية منهما، ويجب على من عليه حق بلا بينة ذكره.
(فإن لم يف الثلث بالوصايا تحاصوا فيه) ودخل النقص على كل بقدر وصيته (كمسائل العول) 928، وإن كان وصية بعضهم عتقا لتساويهم في الأصل وتفاوتهم في المقدار 929.
(وتخرج الواجبات) أي يخرج وصي فوارث -جائز التصرف- فحاكم الواجبات (من دين) على ميت لآدمي أو للَّه تعالى، (و) من (حج) واجب، (و) من (زكاة)، ومن وصية بعتق في كفارة تخيير (من رأس المال) متعلق بتخرج (مطلقا)، ولو لم يوص به لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ 930.
(وتصح) الوصية (لعبده بمشاع) من ماله (كثلث) وربع، وتصح وصيته لعبده بنفسه ورقبته، (ويعتق) كله بقبوله إن خرج من الثلث، وإلا يخرج كله من الثلث عتق (منه بقدره) أي الثلث إن لم تجز الورثة عتق باقيه، (فإن) كانت الوصية بالثلث
الجزء: 3 - الصفحة: 74
مثلا و (فضل) منه (شيء) بعد عتقه (أخذه)، فلو وصى له بالثلث وقيمته مائة وله سواه خمسمائة عتق وأخذ مائة؛ لأنها تمام الثلث الموصى به، ولا تصح لعبده بمعين لا يدخل هو فيه كدار وفرش وثوب، ولا تصح الوصية لعبد غيره؛ لأنه لا يملك 931.
(و) تصح الوصية (بحمل) ولحمل (تحقق وجوده) حين الوصية 932 بأن تضعه أمه حيا لدون أربع سنين من الوصية إن لم تكن فراشا لزوج أو سيد، أو تضعه لأقل من ستة أشهر فراشا كانت أو لا من حين الوصية فتصح؛ لأنها تعليق على خروجه حيا، والوصية قابلة للتعليق بخلاف الهبة، فإن انفصل ميتا بطلت.
وطفل من لم يميز وظاهره من ذكر وأنثى، وصبي وغلام ويافع ويتيم: من لم يبلغ، ولا يشمل اليتيم ولد زنا، ومراهق: من قارب البلوغ، وشاب وفتى: منه 933 إلى ثلاثين سنة، وكهل: منها إلى خمسين، وشيخ: منها إلى سبعين ثم هرم إلى آخر عمره.
وإن وصى بشيء في أبواب البر صرف في القرب، ولو قال: ضع ثلثي حيث أراك اللَّه فله صرفه في أي جهة من جهات القرب، والأفضل صرفه إلى فقراء أقارب
الجزء: 3 - الصفحة: 75
الموصي غير الوارثين، فإلى محارمه من الرضاع، فإلى جيرانه.
وإن وصى أن يحج عنه بألف صرف الألف من الثلث إن كان الحج تطوعا في حجة بعد أخرى يدفع إلى كل 934 قدر ما يحج به حتى ينفد، وإن قال: يحج عني حجة بألف دفع الكل إلى من يحج به؛ لأنه مقتضى وصيته، فإن عينه فأبى بطلت في حقه ويحج عنه بأقل ما يمكن من نفقة مثله والبقية للورثة.
ولو وصى بعتق نسمة بألف فاعتقوا نسمة بخمسمائة لزمهم عتق نسمة أخرى بخمسمائة؛ حيث احتمل الثلث الألف تنفيذا لوصيته.
وإن وصى لأهل سكته فلأهل زقاقه 935 حال الوصية نصا 936، ولجيرانه تناول أربعين دارا من كل جانب نصا 937، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الجار أربعون دارا هكذا وهكذا وهكذا وهكذا" 938 وجار المسجد من سمع أذانه، لقول علي في
الجزء: 3 - الصفحة: 76
حديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، قال: من سمع النداء" 939.
وإن وصى لأقرب قرابته أو لأقرب الناس إليه أو لأقربهم رحما وله أب وابن أو له جد وأخ فهما سواء، والأخ لأبوين أحق من الأخ للأب فقط، والإناث كالذكور في القرابة، فالابن والبنت سواء، والأخ والأخت سواء، والأب أولى من ابن الابن، ومن الجد ومن الإخوة.
و(لا) تصح الوصية (لكنيسة وبيت نار) أو مكان من أماكن الكفر سواء كانت ببنائه أو بشيء ينفق عليه؛ لأنه معصية، فلم تصح الوصية به، كوصيته بعبده أو أمته للفجور (وكتب التوراة والإنجيل ونحوهما) كالزبور والصحف، فلا تصح الوصية لها؛ لأنها منسوخة، وفيها تبدل، والاشتغال بها غير جائز 940، وقد غضب
الجزء: 3 - الصفحة: 77
النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين رأى مع عمر شيئًا مكتوبا من التوراة 941.
ولا تصح الوصية لملك -بفتح اللام- واحد الملائكة ولا لميت؛ لأنهما لا يملكان 942.
وتصح لفرس زيد ولو لم يقبله ويصرف في علفه، فإن مات الفرس فالباقي لورثة الموصي لتعذر صرفه إلى الموصى له.
وإن وصى بثلثه لوارث ولأجنبي أو لكل منهما بشيء معين فرد الورثة فللأجنبي السدس في الأولى والمعين الموصى له به في الثانية لعدم المانع، وبطلت وصية الوارث لعدم إجازتها، وإن وصى لهما بثلثيه فرد الورثة نصفها وهو ما جاوز الثلث فالثلث بينهما؛ لأن الوارث يزاحم الأجنبي مع الإجازة، فإذا ردوا تعين أن يكون الباقي بينهما ذكره القاضي 943.
الجزء: 3 - الصفحة: 78
ومن وصي له ولملك أو لحائط بالثلث فله الجميع نصا 944؛ لأن من أشركه معه لا يملك، وإن وصى له وللَّه أو لرسوله فنصفان، وما للَّه أو لرسوله يصرف في المصالح العامة كالفيء.
(وتصح) الوصية (بمجهول) كعبد وثوب؛ لأن الموصى له شبيه بالوارث من جهة انتقال شيء من التركة إليه مجانا، والجهالة لا تمنع الإرث فلا تمنع الوصية، ويعطى ما يقع عليه الاسم، فإن اختلف الاسم بالحقيقة الوضعية والعرف فتغلب الحقيقة على العرف؛ لأنها الأصل، ولهذا يحمل عليها كلام اللَّه تعالى وكلام رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشاة وبعير وثور اسم لذكر وأنثى.
ويشمل لفظ الشاة الضأن والمعز والصغير؛ لعموم حديث: "في أربعين شاة شاة" 945، وسواء قال: وصيت بثلاث أو ثلاثة من غنمي أو إبلي أو بقري ونحوه؛ لأن اسم الجنس يذكر ويؤنث، وحصان وجمل وحمار وبغل وعبدلذكر = ينظر: طبقات الحنابلة 2/ 193 - 231، وسير أعلام النبلاء 18/ 89 - 92.
الجزء: 3 - الصفحة: 79
فقط، وحجر بكسر الحاء وأتان 946 وناقة وبقرة للأنثى، وفرس ورقيق لهما، والدابة اسم لذكر وأنثى من خيل وبغال وحمير، ولم تغلب الحقيقة هنا؛ لأنها صارت مهجورة فيما عدا الأجناس الثلاثة، أشار إليه الحارثي 947، لكن إن قرن به ما يصرفه إلى أحدها كدابة يقاتل عليها، أو يسهم لها انصرف إلى الخيل، أو دابة ينتفع بظهرها ونسلها خرج منه البغال؛ لأنه لا نسل لها.
وتصح الوصية بـ (معدوم)؛ لأنه يجوز ملكه بالسلم والمضاربة والمساقاة 948 فجاز بالوصية، كوصيته بما تحمل أمته أو شجرته أبدا، أو مدة معينة، أو وصيته بمائة درهم لا يملكها، فإن حصل شيء مما وصى به أو قدر على المائة أو شيء منها عند موته فهو لموصى له بمقتضى الوصية مع الأجازة، أو إذا خرج من الثلث إلا حمل الأمة فله
الجزء: 3 - الصفحة: 80
قيمته لئلا يفرق بين ذوي الرحم في الملك.
وتصح الوصية بغير مال، ككلب مباح النفع، وكزيت متنجس لغير مسجد، ولا تصح بما لا نفع فيه مباح، كخمر وميتة ونحوهما، وتصح بمبهم كثوب ويعطى ما يقع عليه الاسم.
(و) تصح الوصية (بما لا يقدر على تسيمه)، كآبق وشارد وطير بهواء وحمل ببطن ولبن بضرع؛ لإجراء الوصية مجرى الميراث، وهذه تورث عنه 949.
(وما حدث) لموص (بعد الوصية) من مال (يدخل فيها) ولو بنصب أحبولة 950 قبل موته فيقع فيها صيد بعده فيدخل ثلث المال المستحدث فيها؛ لأنه ترثه ورثته، ويقضى منه دينه أشبه ما ملكه قبل الوصية.
(وتبطل) الوصية (بتلف معين وصي به) قبل موت موص أو بعده قبل قبولها؛ لأن حق موصى له لم يتعلق بغير العين فإذا ذهبت زال حقه بخلاف إتلاف وارث أو غيره له إذا قبل موصى له، فإن على متلفه ضمانه له، وإن تلف المال كله بعد موص غير معين وصى به فهو لموصى له؛ لعدم تعلق حق الورثة به لتعيينه.
(وإن وصى بمثل نصيب وارث معين) بالتسمية كقوله: ابني فلان أو بالإشارة كبنتي هذه أو بذكر نسبته منه كقوله: ابن من بني أو بنت من بناتي (فله) أي الموصى له (مثله) أي مثل نصيب ذلك الوارث بلا زيادة ولا نقصان، (مضموما إلى المسألة) أي مسألة الورثة لو لم تكن وصية.
وإن وصى بمثل نصيب من لا يرث لمانع أو حجب فلا شيء لموصى له؛ لأنه لا
الجزء: 3 - الصفحة: 81
نصيب له فمثله لا شيء له.
(و) إن وصى (بمثل نصيب أحد ورثته) فـ (له مثل ما لأقلهم)، كمن له ابن وبنت فللموصى له مثل نصيب البنت لأنه المتيقن، فإن لم يكن له إلا بنت ووصى بمثل نصيبها فله نصف، ولها نصف، وإن وصى بضعف نصيب ابنه فللموصى له مثلاه؛ لقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ 951 قال الأزهري 952: "الضعف: المثل فما فوقه" 953، وإن وصى بضعفيه فله ثلاثة أمثاله، وبثلاثة أضعافه فله أربعة أمثاله 954 وهلم جرا.
(و) إن وصى (بسهم من ماله) فـ (له) أي الموصى له بالسهم (السدس) بمنزلة سدس مفروض؛ لما روى ابن مسعود: "أن رجلًا أوصى لرجل بسهم من
الجزء: 3 - الصفحة: 82
ماله، فأعطاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- السدس" 955، ولأن السهم في كلام العرب السدس، قاله إياس بن معاوية 956، فتنصرف الوصية إليه، ولأنه قول علي وابن مسعود ولا مخالف لهما من الصحابة 957، ولأن السدس أقل سهم مفروض يرثه ذو قرابة فتنصرف الوصية إليه إن لم تكمل فروض المسألة كأم وبنتين مسألتهم من ستة، وترجع بالرد إلى خمسة ويزاد عليها السهم الموصى به فتصح من ستة للموصى له سهم وللأم سهم ولكل بنت
الجزء: 3 - الصفحة: 83
سهمان، أو كان الورثة عصبة فله سدس كامل وإن كملت فروض المسألة كأبوين وبنتين أعيلت به وتصح من سبعة، وإن عالت المسألة بدون السهم الموصى به كأن خلف أما وأخوين منها وأختين لأب أعيل معها.
وإن كانت الوصية بجزء معلوم كثلث وربع أخذ من مخرجه فيكون صحيحا، ويقسم الباقي على مسألة الورثة؛ لأنه حقهم، فإذا كان كله ابنان ووصى بثلثه صحت من ثلاثة أو له ثلاثة بنين ووصى بربعه صحت من أربعة ونحو ذلك، إلا أن يزيد الجزء الموصى به على الثلث ولم تجز الورثة الزائد فيفرض له الثلث وتقسم الثلثين على مسألة الورثة كما لو وصى له بالثلث فقط، وإن كانت بجزأين كثمن وتسع أخذا من مخرجهما سبعة عشر وتصح من اثنين وسبعين، ويقسم الباقي على المسألة، وهكذا لو كانت الوصية بأكثر من جزأين.
(و) إن وصى له (بشيء أو) بـ (حظ أو) بـ (جزء) أو قسط أو نصيب فـ (يعطيه الوارث ما شاء) مما يتمول.
قال في "المغني" 958: "ولا أعلم فيه خلافا؛ لأن كل شيء جزء ونصيب وحظ وشيء، وكذلك إن قال: أعطوا فلانا من مالي أو ارزقوه؛ لأن ذلك لا حد له في اللغة ولا في الشرع".
الجزء: 3 - الصفحة: 84
(فصل) في الموصى إليه
وهو المأذون له في التصرف بعد الموت في المال وغيره مما للموصي التصرف فيه حال الحياة، وتدخله النيابة بملكه وولايته الشرعية 959. ولا بأس بالدخول في الوصية 960 لفعل الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، فروي عن أبي عبيدة: "أنه لما عبر الفرات 961 أوصى إلى عمر" 962، "وأوصى إلى الزبير ستة من الصحابة منهم عثمان وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف" 963، وقياس قول
الجزء: 3 - الصفحة: 85
أحمد أن عدم الدخول فيها أولى لما فيها من الخطر وهو لا يعدل بالسلامة شيئا 964.
(ويصح الإيصاء إلى كل مسلم مكلف رشيد عدل) إجماعا 965 (ولو) كانت عدالته (ظاهرا) أو كان عاجزا، ويضم إليه قوي أمين، أو كان قنا، أو أم ولد، ولو كانا لموص لصحة استنابتهما في الحياة أشبها الحر، ويقبلان إن كانا لغير موص بإذن سيد؛ لأن منافعهما مملوكة لغيره.
(و) يصح الإيصاء (من كافر إلى مسلم) إن لم تكن تركته خمرا أو خنزيرا ونحوهما.
(و) يصح الإيصاء من كافر إلى كافر (عدل في دينه)؛ لأنه يلي على غيره بالنسب، فيلي بالوصية كالمسلم 966.
وإن قال موص: ضع ثلثي حيث شئت، أو أعطه لمن شئت، أو تصدق به على من شئت لم يجز له أخذه ولا دفعه إلى أداربه الوارثين ولو كانوا فقراء؛ لأنه متهم في حقهم.
قال الحارثي: "والمذهب جواز الدفع إلى الولد والوالد ونحوهم" 967 واختاره صاحب "المحرر" 968 لاندراجه تحت اللفظ، والتهمة لا أصل لها، فإن هذه
الجزء: 3 - الصفحة: 86
العبارة تستعمل في الرضا بصرف الوصي إلى من يختاره كيف كان، ولا يجوز للوصي أيضا دفع الثلث إلى ورثة الموصي ولو كانوا فقراء؛ لأن الوصي نائب الميت فلم يكن له الدفع إلى من لا يدفع المستنيب إليه.
(ولا يصح) الإيصاء (إلا في) تصرف (معلوم) ليعلم موصى إليه ما وصي به إليه ليتصرف فيه كما أمر (يملك الموصي فعله)؛ لأنه أصيل والوصي فرعه، ولا يملك الفرع مالا يملكه الأصل، كوصية في قضاء دين، وتفريق وصية، ورد أمانة، وغصب، ونظر في أمر غير مكلف من أولاده، وتزويج مولياته، ويقوم وصيه مقامه في الإجبار، ولا تصح الوصية باستيفاء دينه مع رشد وارثه وبلوغه لانتقال المال إلى من لا ولاية له عليه، ومن وصي في فعل شيء لم يصر وصيا في غيره.
(ومن مات بمحل لا حاكم فيه ولا وصي) كمن مات ببرية (فلمسلم) حضر (حوز تركته وفعل الأصلح فيها من بيع) لما يراه منها كسريع الفساد؛ لأنه موضع ضرورة لحفظ مال المسلم عليه؛ إذ في تركه إتلاف له، (و) من (غيره) أي البيع لما لا يسرع فساده، (و) له (تجهيزه منها) أي تركته إن كانت (ومع عدمها) يجهزه (منه) أي من عنده (ويرجع عليها) أي تركته حيث وجدت، (أو على من تلزمه نفقته) -غير الزوج- إن لم تكن له تركة (إن نواه) أي الرجوع؛ لأنه قام عنه بواجب (أو استأذن) من كان عند ميت ببلد ولا شيء معه يجهز به (حاكما) في تجهيزه فله الرجوع على تركته إن كانت، أو على من تلزمه نفقته لئلا يمتنع الناس من فعله مع الحاجة إليه 969.
الجزء: 3 - الصفحة: 87
(كتاب الفرائض)
جمع فريضة بمعنى مفروضة، ولحقتها الهاء للنقل من المصدر إلى الاسم، كالحفيرة ونحوها، من الفرض بمعنى التوقيت، ومنه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ 970، أو الإنزال، ومنه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ الآية 971، أو الإحلال، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ 972، أو بمعنى التقدير، ومنه: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 973، وغير ذلك 974. وهي شرعا: العلم بقسمة المواريث، ومعرفة الحساب الموصل إلى قسمتها بين مستحقيها 975، ويسمى القائم بهذا العلم العارف به: فارضا، وفريضا كعالم وعليم، وفرضيا بفتح الراء وسكونها 976، وأجاز ابن الهائم 977 أن يقال: فرائضي
الجزء: 3 - الصفحة: 88
أيضا، وإن قال جماعة: إنه خطأ.
والفريضة شرعا: نصيب مقدر لمستحقه 978.
وقد حث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على تعلم هذا العلم وتعليمه في جملة أحاديث، منها حديث ابن مسعود مرفوعًا: "تعلموا الفرائض، وعلموها الناس، فإني امرؤ 979 مقبوض، وإن الطلم سيقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف اثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما" رواه أحمد وغيره 980، وعن أبي هريرة مرفوعا: "تعلموا الفرائض، وعلموها الناس، فإنها نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول علم ينزع من أمتي" رواه ابن ماجة والدارقطني 981. = ينظر: الضوء اللامع 2/ 157، وشذرات الذهب 7/ 108، والأعلام 1/ 226.
الجزء: 3 - الصفحة: 89
(أسباب الإرث): -
الأسباب: جمع سبب، وهو لغة: ما يتوصل به إلى غيره 982.
واصطلاحا: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته 983.
والإرث بمعنى الميراث والوراثة، وهو لغة: البقاء، وانتقال الشيء من قوم إلى آخرين 984.
وشرعا: بمعنى التركة أي الحق المخلف عن ميت 985، ويقال له: التراث، وتاؤه منقلبة عن واو.
وأسباب الإرث ثلاثة متفق عليها 986: -
أحدهما: (رحم) أي قرابة 987، وهي الاتصال بين شخصين بالاشتراك في ولادة = تعليم الفرائض، كتاب الفرائض برقم (2091) الجامع الصحيح 4/ 360 - 361، والحاكم، باب تعلموا الفرائض وعلموها الناس، كتاب الفرائض، المستدرك 4/ 332، والبيهقي، باب الحث على تعلم الفرائض، كتاب الفرائض، السنن الكبرى 6/ 209، والحديث قال الترمذي: "فيه اضطراب".
ا. هـ، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: "في سنده حفص وهو واه بمرة".
ا. هـ. وقال الحافظ ابن حجر: "مداره على حفص بن عمر، وهو متروك" ا. هـ. التلخيص الحبير 3/ 79.
الجزء: 3 - الصفحة: 90
قريبة أو بعيدة، فيرث بها، لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ 988. (و) الثاني: (نكاح) أي عقد الزوجية الصحيح، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة؛ لأنه تعالى ورث كلا من الزوجين من الآخر ولا موجب له سوى العقد الذي بينهما، فعلم أنه سبب الإرث، ويتوارث الزوجان في عدة الطلاق الرجعي بالاتفاق، قال في "المغني" 989: "بغير خلاف نعلمه، روي عن أبي بكر وعثمان وعلي وابن مسعود 990، وذلك لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه" 991. (و) الثالث: (ولاء) بفتح الواو والمد، والمراد ولاء العتاقة، وهو عصوبة سببها نعمة العتق على رقيق؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الولاء لمن أعتق" 992، ولحديث ابن عمر مرفوعا: "الولاء لحمة كلحمة النسب" رواه ابن حبان في صحيحه
الجزء: 3 - الصفحة: 91
والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد" 993 شبه الولاء بالنسب، والنسب يورث به، فكذا الولاء.
ولا يورث بغير هذه الثلاثة نصا 994، فلا إرث بالموالاة أي المؤاخاة والمعاقدة أي المحالفة، ولا بإسلامه على يديه ونحو ذلك، فيرث به المعتق وعصبته من عتيق ولا عكس 995.
الجزء: 3 - الصفحة: 92
(وموانعه): -
أي الإرث جمع مانع، وهو لغة: الحائل 996. وشرعا: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود، ولا عدم لذاته 997. وهي ثلاثة: (قتل) فلا يرث القاتل مكلف أو غيره، انفرد بقتل مورثه أو شارك فيه ولو بسبب كحفر نحو بئر أو نصب نحو سكين، أو وضع حجرا أو رش ماء إن لزمه قود أو دية أو كفارة، لحديث عمر: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "ليس لقاتل شيء" رواه مالك في الموطأ وأحمد 998، وعن ابن عباس مرفوعا: "من قتل
الجزء: 3 - الصفحة: 93
قتيلا فإنه لا يرثه وإن لم يكن له وارث غيره، وإن كان والده أو ولده فليس لقاتل ميراث" رواه الإمام أحمد 999، فلا ترث من الغرة من شربت دواء فأسقطت ولا من سقا ولده دواء أو أدبه أو فصده أو بط سلعته لحاجته فمات؛ لأنه قاتل، واختار الموفق 1000 والشارح 1001 أن من أدب ولده ونحوه أو فصد أوبط سلعته لحاجته يرثه 1002، وصوبه في "الإقناع" 1003؛ لأنه غير مضمون.
الجزء: 3 - الصفحة: 94
وما لا يضمن بدية أو قود أو كفارة كالقتل لمورثه قصاصا أو حدا أو دفعا عن نفسه وقتل العادل الباغي وعكسه فلا يمنع الإرث؛ لأنه مأذون فيه، أشبه ما لو أطعمه أو سقاه باختياره فأفضى إلى تلفه 1004. (و) الثاني من موانع الإرث: (رق) وهو: عجز حكمي يقوم بالإنسان بسبب الكفر 1005، وهو مانع من الجانبين فلا يرث الرقيق بجميع أنواعه 1006؛ لأنه لو ورث لكان لسيده وهو أجنبي من الميت، ولا يورث؛ لأنه لا ملك له ولو ملكه سيده، ويرث مبعض ويورث ويحجب بقدر جزئه الحر 1007، وهو قول علي 1008 وابن مسعود 1009، لما روى عبد اللَّه ابن الإمام أحمد 1010 بسنده عن ابن عباس مرفوعا قال في العبد يعتق بعضه:
الجزء: 3 - الصفحة: 95
"يرث ويورث على قدر ما عتق منه" 1011، ولأنه يجب أن يثبت لكل بعض حكمه كما لو كان الآخر مثله، وقياسا لأحدهما على الآخر وكسبه يحزئه الحر، وإرثه به لورثته دون مالك باقيه، فابن نصفه حر ومعه أم وعم حران لو كان كامل الحرية كان للأم السدس وله الباقي ولا شيء للعم، فله نصف ماله لو كان حرا وهو ريع وسدس وللأم ربع؛ لأن الابن الحر يحجبها عن سدس، فنصفه الحر يحجبها عن نصف سدس، فلها سدس ونصف سدس، ومجموعهما ريع، والباقي وهو ثلث للعم تعصيبا، وتصح من اثنى عشر.
(و) الثالث من الموانع: (اختلاف دين) فلا يرث مباين في دين، لحديث أسامة بن زيد مرفوعا: "لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر" متفق عليه 1012 وعن عمرو بن شعيب 1013 عن أبيه عن جده مرفوعا: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" رواه أبو
الجزء: 3 - الصفحة: 96
داود 1014، وأجمعوا على أن الكافر لا يرث المسلم بغير الولاء، وجمهور العلماء على أن المسلم لا يرث أيضا بغير الولاء 1015، وروي عن عمر ومعاذ ومعاوية أنهم ورثوا المسلم من الكافر، ولم يورثوا الكافر من المسلم 1016، واختاره الشيخ تقي
الجزء: 3 - الصفحة: 97
الدين 1017، وأما الولاء فيرث المسلم الكافر به وبالعكس، لحديث جابر مرفوعا: "لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته" رواه الدارقطني 1018، إلا إذا أسلم كافر قبل قسم ميراث مورثه المسلم فيرث منه نصا ولو مرتدا أو زوجة وأسلمت في عدة قبل قسم نصا 1019، روي عن عمر 1020 وعثمان 1021 والحسن بن علي 1022 وابن = قال ابن قدامة في المغني 9/ 155: وليس بموثوق به عنهم، فإن أحمد قال: ليس بين الناس اختلاف في أن المسلم لا يرث الكافر، واحتج من قال بتوريث المسلم من الكافر بما روي عن معاذ أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الإسلام يزيد ولا ينقص" ولأننا ننكح نساءهم ولا ينكحون نساءنا فكذلك نرثهم ولا يرثوننا، ولنا ما روى أسامة بن زيد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر" متفق عليه وقوله: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" ولأن الولاية منقطعة بين المسلم والكافر فلم يرثه كما لا يرث الكافر المسلم، فأما حديثهم فيحتمل أنه أراد أن الإسلام يزيد بمن يسلم وبما يفتح من البلاد لأهل الإسلام ولا ينقص بمن يرتد لقلة من يرتد وكثرة من يسلم، وعلى أن حديثهم مجمل وحديثنا مفسر، وحديثهم لم يتفق على صحته وحديثنا متفق عليه فتعين تقديمه، والصحيح عن عمر أنه قال: "لا يرث أهل الملل ولا يرثوننا" ا. هـ بتصرف.
وقال الحافظ ابن حجر: "وحجة الجمهور أنه قياس في معارضة النص وهو صريح في المراد ولا قياس مع وجوده".
ا. هـ. فتح الباري 12/ 50، وبنظر: التعليق المغني على سنن الدارقطني 4/ 75.
الجزء: 3 - الصفحة: 98
مسعود 1023، لحديث: "من أسلم على شيء فهو له" رواه سعيد 1024، وعن ابن عباس مرفوعا: "كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فإنه على قسم الإسلام" رواه أبو داود وابن ماجة 1025، والحكمة فيه الترغيب في الإسلام
الجزء: 3 - الصفحة: 99
والحث عليه، فإن قسم البعض دون البعض ورث مما بقي دون ما قسم.
ولا يرث زوج أسلم قبل قسم الميراث لانقطاع علق الزوجية عنه بموتها بخلافها.
ولا يرث من عتق بعد موت أبيه ونحوه قبل قسم ميراثه نصا (1).
ويرث الكفار بعضهم بعضا ولو أن أحدهما ذمي والآخر حربي إن اتفقت أديانهم، وهم ملل شتى لا يتوارثون مع اختلافها، روي عن على (2) لحديث: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (3).
(وأركانه)
:
أي الإرث الموجبة له ثلاثة: -
أحدها: (وارث) وهو الحي بعد المورث أو الملحق بالأحياء (4).
(و) ثانيها: (مورث) وهو الميت أو الملحق بالأموات.
(و) ثالثها: (مال موروث) بعد موت من كان له، فمن مات ولا وارث له أو له وارث ولا مال له فلا إرث.
(وشروطه)
: أي الإرث ثلاثة أيضا: - أحدها: (تحقق موت مورث) مشاهدة أو ببينة أو حكما كمفقود، وهو من1026102710281029
الجزء: 3 - الصفحة: 100
انقطع خبره إذا مضت المدة التي ينتظر فيها وحكم بموته قاض، فيرثه من كان وارثا عند الحكم دون من مات قبل الحكم أو صار وارثا بعده 1030.
(و) الشرط الثاني: (تحقق وجود وارث) بعد موت مورث ولو نطفة، وذلك بأن تضعه أمه لأقل من ستة أشهر فراشا كانت أو لا، فإن أتت به لأكثر من ستة أشهر وكان لها زوج يطاها أو سيد لم يوث ذلك الحمل لاحتمال تجدده بعد الموت إلا أن تقر به الورثة، وإن كانت لا توطأ لعدم زوج أو سيد أو غيبتهما ورث الحمل ما لم يتجاوز أكثر مدة الحمل وهى أربع سنين.
(و) الشرط الثالث: (العلم بالجهة المقتضية للإرث) من قرابة أو زوجية أو ولاء، وتعين جهة القرابة من أبوة وبنوة وأمومة وأخوة وعمومة.
(والورثة) ثلاثة: -
(ذو فرض) أي نصيب مقدر شرعا لا يريد إلا بالرد ولا ينقص إلا بالعول.
(و) الثاني: (عصبة) وهم من يرث بلا تقدير 1031.
(و) الثالث: (ذو رحم) وهم من يرث عند عدم العصبات وأصحاب الفروض غير الزوجين على ما يأتي بيانه 1032.
(فذووا الفروض) أي الأنصباء المقدرة ولو في بعض الصور كالأب والجد مع ذكورية الولد وإن سفل (عشرة: الزوجان) على البدلية، (والأبوان) مجتمعين ومتفرقين، (والجد، والجدة، والبنت، وبنت الابن، والأخت) لأبوين أو
الجزء: 3 - الصفحة: 101
للأب، (وولد الأم) ذكرا كان أو أنثى.
والإخوة لأبوين ذكورا كانوا أو إناثا يسمون بني الأعيان؛ لأنهم من عين واحدة، ولأب وحده بنى العلات 1033 جمع علة بفتح العين المهملة وهى الضرة، فكأنه قيل: بنو الضرات، وللأم فقط بني الأخياف 1034 بالخاء المعجمة -أي الأخلاط-؛ لأنهم من أخلاط الرجال وليسوا من رجل واحد.
(والفروض المقدرة في كتاب اللَّه) تعالى (ستة)، والسابع ثبت بالاجتهاد، وهو ثلث الباقي كما يأتي 1035.
والفروض الستة، أحدها: (النصف، و) ثانيها: (الربع) وهو نصف النصف، (و) ثالثها: (الثمن، و) رابعها: (الثلثان، و) خامسها: (الثلث، و) سادسها: (السدس) ويقال: النصف والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما، وأخصر من ذلك أن يقال: الربع والثلث ونصف كل منهما وضعفه.
(فالنصف فرض خمسة) عند انفراد كل منهم: -
أحدهم: (الزوج إن لم يكن للزوجة ولد ولا ولد ابن) ذكرا كان أو أنثى، لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ 1036.
(و) الثاني: (البنت) عند انفرادها عن معصبها وهو أخوها كما
الجزء: 3 - الصفحة: 102
سيذكره، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ 1037.
(و) الثالث: (بنت الابن) الواحدة عند فقد البنت فأكثر، وفقد الابن أيضا، وعند انفرادها عن معصب لها من أخ وابن عم قياسا على بنت الصلب؛ لأن ولد الولد كالولد إرثا وحجبا الذكر كالذكر والأنثى كالأنثى، فلذلك قال: (مع عدم ولد الصلب) في إرث كل منهما النصف، ومع عدم ابن الابن أيضا وبنت الابن فأكثر في إرث بنت الابن النصف كما تقدم آنفا.
(و) الرابع: (الأخت لأبوين) وهي الشقيقة (عند عدم الولد، و) عند عدم (ولد الابن) ذكرا كان أو أنثى 1038.
(و) الخامس ممن يرث النصف: (الأخت للأب عند عدم الأشقاء) وعند عدم الولد وولد الابن، والأصل في إرث كل من الأختين النصف قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ 1039؛ لأنهم أجمعوا على أن الآية نزلت في الإخوة لأبوين والإخوة لأب دون الإخوة لأم 1040.
(والربع فرض اثنين): -
أحدهما: (الزوج مع الولد أو ولد الابن) للزوجة سواء كان منه أو من
الجزء: 3 - الصفحة: 103
غيره، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ 1041.
(و) الثاني: (الزوجة) الواحدة (فأكثر) من زوجة إلى أربع (مع عدمهما) أي الولد وولد الابن من الزوج أو من غيره، لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ 1042.
(والثمن فرض) صنف (واحد: وهو الزوجة فأكثر) إلى أربع (مع الولد أو لد الابن) ذكرا كان أو أنثى منها أو من غيرها.
وولد البنت لا يحجب الزوج من النصف إلى الربع، ولا يحجب الزوجة من الربع إلى الثمن ولو ورث مع ذوى الأرحام؛ لأنه لم يدخل في مسمى الولد ولم ينزله الشرع منزلته، ومن قام به مانع من الأولاد أو غيرهم فوجوده كعدمه، فلا يحجب أحدا لا حرمانا ولا نقصانا.
(والثلثان فرض أربعة) أصناف: -
1 - فرض (البنتين فأكثر) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ 1043؛ ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أمر بإعطاء ابنتي سعد الثلثين" وواه أبو داود وصححه الترمذي والحاكم 1044 قياسا على الأختين، وشذ عن ابن عباس: أن البنتين فرضهما
الجزء: 3 - الصفحة: 104
النصف 1045 لظاهر الآية 1046، لكن قال الشريف الأرموي 1047: "صح عن ابن عباس رجوعه عن ذلك فصار إجماعا" 1048.
2 - (و) فرض (بنتي الابن فأكثر) مع عدم البنات قياسا على بنات الصلب.
3 - (و) فرض (الأختين لأبوين فأكثر) مع عدم البنات وبنات الابن، لقوله = جاء في ميراث البنات، كتاب الفرائض برقم (2092) الجامع الصحيح 4/ 361، وابن ماجة، باب فرائض الصلب، كتاب الفرائض برقم (2720) سنن ابن ماجة 2/ 908، والحاكم، كتاب الفرائض، المستدرك 4/ 333 - 334، والدارقطني، كتاب الفرائض، سنن الدارقطني 4/ 78، والبيهقي في السنن الكبرى 6/ 219، والحديث صححه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي.
الجزء: 3 - الصفحة: 105
تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ 1049. 4 - (و) فرض (الأختين لأب فأكثر) عند عدم البنات وبنات الابن والشقيقات للآية السابقة، أجمعوا على أنها في الإخوة لغير أم 1050. (والثلث فرض اثنين): - 1 - فرض (ولدي الأم فأكثر يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم) إجماعا 1051 لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ 1052، أجمعوا على أنها في الإخوة لأم، وقرأ ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص: ﴿وله أخ أو أخت من أم﴾ 1053، والكلالة: الورثة غير الأبوين والولدين نص عليه 1054، وهو قول الصديق 1055، وقيل: الميت الذي لا ولد له
الجزء: 3 - الصفحة: 106
ولا والد، وروي عن عمر 1056 وعلي وابن مسعود 1057، وقيل: قرابة الأم 1058. 2 - (و) فرض (الأم حيث لا ولد ولا ولد ابن ولا عدد من الإخوة والأخوات) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ 1059 (لكن لها) أي الأم (ثلث الباقي) بعد فرض الزوج أو الزوجة (في العمريتين، وهما أبوان وزوج أو زوجة)، ويسميان بالغراوين 1060 أيضا لشهرتهما، قضى بذلك عمر، وتبعه عليه عثمان وزيد بن ثابت وابن مسعود 1061، وبه قال
الجزء: 3 - الصفحة: 107
الجمهور 1062. وقال ابن عباس: "لها ثلث المال كله في المسألتين لظاهر الآية" 1063، والحجة معه لولا انعقاد الإجماع من الصحابة على خلافه 1064، ووجهه أنهما استويا في النسب المدلى به وهو الولادة، وامتاز الأب بالتعصيب بخلاف الجد.
(والسدس فرض سبعة): -
فرض (الأم مع الولد أو ولد الابن) ذكرا كان أو أنثى، (أو عدد من الإخوة والأخوات) مطلقا اثنان فأكثر.
(و) الثاني: (الجدة) الواحدة (فأكثر) إلى ثلاث (مع تحاذ) كأم أم أم، وأم أم أب، وأم أبي أب.
(و) الثالث: (بنت الابن فأكثر مع بنت الصلب) الواحدة فلبنت الصلب النصف ولبنت الابن فأكثر السدس تكملة الثلثين مع عدم معصب لها من أخ أو ابن عم = 19017) المصنف 10/ 252، وابن أبي شيبة بالأرقام (11097 - 11098، 11100) الكتاب المصنف 11/ 238 - 239.
الجزء: 3 - الصفحة: 108
في درجتها، لحديث ابن مسعود وقد سئل عن بنت وبنت ابن وأخت فقال: "أقضي فيها بما قضى به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت" رواه البخاري مختصرا 1065.
(و) الرابع ممن يرث السدس: (أخت فأكثر لأب مع أخت لأبوين)، فترث أخت الأبوين النصف كما تقدم، وللأخت لأب فأكثر السدس تكملة الثلثين.
(و) الخامس ممن يرث السدس: (الأب مع الولد) للولد (أو ولد الابن) له.
(و) السادس: (الجد كذلك) له السدس مع الولد أو ولد الابن.
(و) السابع: (ولد الأم الواحد) 1066 ذكرا كان أو أنثى، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ 1067 وأجمعوا على أن المراد بالأخ والأخت هنا ولد الأم، وقرأ ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص: وله أخ أو أخت من أم كما تقدم آنفا.
الجزء: 3 - الصفحة: 109
(فصل): في ميراث الجد مع الإخوة
ذكورا كانوا أو إناثا، والجد أبو الأب لا يحجبه غير الأب، حكاه ابن المنذر إجماعا 1068، واختلف في الجد مع الإخوة أو الأخوات لأبوين أو لأب، وذهب الصديق وابن عباس وابن الزبير إلى أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات من جميع الجهات كالأب 1069. وروي عن عثمان 1070 وعائشة وأبي بن كعب 1071 وجابر بن عبد اللَّه وأبي
الجزء: 3 - الصفحة: 110
الطفيل وعبادة بن الصامت 1072، وهو مذهب أبي حنيفة 1073. وذهب علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريثهم معه ولا يحجبونهم به على اختلاف بينهم 1074، وهو مذهب مالك 1075 والشافعي 1076 وأحمد 1077 وأبي يوسف ومحمد 1078 لثبوت
الجزء: 3 - الصفحة: 111
ميراثهم بالكتاب فلا يحجبون إلا بنص أو إجماع أو قياس ولم يوجد ذلك، ولتساويهم في سبب الاستحقاق، فإن الأخ والجد يدليان بالأب، الجد أبوه والأخ ابنه، وقرابة البنوة لا تنقص عن قرابة الأبوة بل ربما كانت أقوى، فإن الابن يسقط تعصيب الأب، ومذهب زيد بن ثابت رضى اللَّه عنه في الجد والإخوة هو ما ذهب إليه الإمام أحمد ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وآخرون، وبه قال أهل المدينة والشام، وهو ما أشير إليه لقوله: (والجد مع الإخوة والأخوات لأبوين أو لأب كأحدهم) ما لم يكن الثلث أحظ له من المقاسمة فيأخذه، والباقي للإخوة للذكر مثل حظ الأنثيين، (فإن لم يكن معه صاحب فرض فله خير أمرين المقاسمة أو) أخذ (ثلث جميع المال)، فإن كانت الأخوة دون مثليه فالمقاسمة خير له وذلك في خمس صور:
1 - جد وأخت.
2 - جد وأخ.
3 - جد وأختان.
4 - جد وأخ وأخت.
5 - جد وثلاث أخوات.
وإن زادوا على مثليه فثلث أحظ له كجد وثلاثة إخوة أو خمس أخوات، = ومحمد هو: ابن الحسن بن فرقد، العلامة، فقيه العراق، أبو عبد اللَّه الشيباني الكوفي، صاحب أبي حنيفة، ولد بواسط سنة 132 هـ، ونشأ بالكوفة، يضرب بذكائه المثل، توفي سنة 189 هـ بالري.
ينظر: سير أعلام النبلاء 9/ 134، والجواهر المضية في طبقات الحنفية 2/ 42 - 44، ولسان الميزان 5/ 121.
الجزء: 3 - الصفحة: 112
ولا تنحصر صوره، وإن كانوا مثليه -وله ثلاث صور: جد وأخوان، جد وأربع أخوات، جد وأخ وأختان- استوى له الأمران، ولا ينقص الجد عن الثلث مع عدم ذي الفرض؛ لأنه إذا كان مع الأم أخذ مثلي ما تأخذه لأنها لا تزاد على الثلث، والإخوة لا ينقصون الأم عن السدس فوجب أن لا ينقصوا الجد عن ضعفه، (وإن كان) معه صاحب فرض (فله خير ثلاثة أمور: المقاسمة) لمن معه من الإخوة أو الأخوات كواحد منهم بعد أخذ ذي الفرض فرضه، (أو ثلث الباقي) من المال (بعد) أخذ (صاحب الفرض) فرضه، (أو) أخذ (سدس جميع المال)، ولا ينقص عنه؛ لأنه لا ينقص عنه مع الولد فمع غيره أولى، وأما ثلث الباقى إذا كان أحظ فلأن له ثلثا مع عدم الفروض فما أخذ من الفروض كأنه ذهب من المال فصار ثلث الباقي بمنزلة ثلث جميع المال، وأما المقاسمة فهي له مع عدم الفرض فكذا مع وجوده، ومتى زاد الإخوة عن اثنين أو من يعدلهم من الإناث فلا حظ له في المقاسمة، ومتى نقصوا عن ذلك فلا حظ له في ثلث الباقي، ومتى زادت الفروض عن النصف فلا حظ له في ثلث ما بقي، وإن نقصت عن النصف فلا حظ له في السدس، وإذا كان الفرض النصف فقط استوى ثلث الباقي والسدس، فزوجة وجد وأخت لأبوين أو لأب من أربعة: للزوجة الربع والباقى للجد والأخت أثلاثا له سهمان ولها سهم، وتسمى هذه المسألة مربعة الجماعة أي الصحابة أو العلماء لإجماعهم على أنها من أربعة وإن اختلفوا في كيفية القسمة 1079، (فإن لم يبق) بعد ذوى الفروض (غيره) أي السدس كبنتين وأم وجد وإخوة (أخذه) الجد (وسقطوا) أي الإخوة واحدا أو أكثر ذكرا أو أنثى، وإن بقى دون السدس كزوج وبنتين وجد وأخ فأكثر أعيل للجد بباقي
الجزء: 3 - الصفحة: 113
السدس، وإن عالت بدونه كزوج وأم وبنتين وجد وأخ فأكثر زيد في العول، فتعول لخمسة عشر: للزوج ثلاثة، وللأم اثنان، وللبنتين ثمانية، وللجد اثنان، وسقط الأخ فأكثر، (إلا في) المسألة المسماة (بالأكدرية، وهي: زوج وأم وجد وأخت لأبوين أو لأب)، سميت بذلك لتكديرها أصول زيد حيث أعالها ولا عول في مسائل الجد والإخوة غيرها، وفرض للأخت مع الجد ولم يفرض لأخت مع جد ابتداء في غيرها، وجمع سهامه وسهامها فقسمها 1080 بينهما ولا نظير لذلك، أو لتكدير زيد على الأخت نصيبها بإعطائها النصف واسترجاعه بعضه 1081، (فللزوج نصف، وللأم ثلث، وللجد سدس، وللأخت نصف، فتعول إلى تسعة)، ولم تحجب الأم عن الثلث؛ لأنه تعالى إنما حجبها عنه بالولد والإخوة، وليس ها ولد ولا إخوة، (ثم يقسم نصيب الجد والأخت بينهما وهو أربعة) من تسعة (على ثلاثة)؛ لأنها إنما تستحق معه بحكم المقاسمة، وإنما أعيل لها لئلا تسقط وليس في الفريضة من يسقطها، ولم يعصبها الجد ابتداء؛ لأنه ليس بعصبة مع هؤلاء بل يفرض له، ولو كان مكانها أخ لسقط لأنه عصبة بنفسه، والأربعة لا تنقسم على الثلاثة وتباينها فاضرب الثلاثة فى المسألة بعولها تسعة (فتصح من سبعة وعشرين): للزوج تسعة وهى ثلث المال، وللأم ستة وهي ثلث الباقي، وللأخت أربعة وهي ثلث باقي الباقي، وللجد ثمانية
الجزء: 3 - الصفحة: 114
وهي الباقي، فيعايا بها فيقال: أربعة ورثوا مال ميت أخذ أحدهم ثلثه والثاني ثلث ما بقي والثالث ثلث باقي ما بقي والرابع ما بقي.
(ولا يعول في مسائل الجد) والإخوة، (ولا يفرض لأخت معه) أي الجد (ابتداء إلا فيها) أي الأكدرية، واحترز بقوله ابتداء عن الفرض للأخت في مسائل المعادة، فإنما يفرض لها فيها بعد مقاسمة الجد فليس بمبتدإ، وإن لم يكن في المسألة زوج فللأم ثلث المال وما بقي فبين الجد والأخت على ثلاثة، سهمان للجد وسهم للأخت فأصلها من ثلاثة، ونصيب الجد والأخت يباينهما، وتصح من تسعة بضرب ثلاثة في ثلاثة، وتسمى الخرقاء لكثرة أقوال الصحابة فيها كأن الأقوال خرقتها، وتسمى أيضا المسبعة؛ لأن فيها سبعة أقوال، أحدها: ما ذكر وهو قول زيد بن ثابت -رضي اللَّه عنه- 1082 وليس هذا المختصر محلا لبسطها 1083، وتسمى
الجزء: 3 - الصفحة: 115
المسدسة أيضا والمخمسة والمربعة والمثلثة والعثمانية والشعبية والحجاجية 1084.
(وإذا كان مع) الأخ (الشقيق ولد أب) أي أخ لأب فقط (عده على الجد) أي زاحمه به، وتسمى المعادة 1085 إن احتاج الشقيق إليها؛ لأن الجد والد فإذا حجبه أخوان وارثان جاز أن يحجبه أخ وارث وأخ غير وارث كالأم، ولأن ولد الأب يحجبونه نقصانا إذا انفردوا فكذلك مع غيرهم كالأم، بخلاف ولد الأم فإن الجد يحجبهم، فمن مات عن جد وأخ شقيق وأخ لأب أخذ الجد منه الثلث (ثم أخذ) الأخ الشقيق (ما حصل له) أي لأخيه من أبيه؛ لأنه أقوى تعصيبا منه، فلا يرث معه شيئا كما لو انفرد عن الجد، فإن استغنى عن المعادة كجد وأخوين شقيقين وأخ فأكثر لأب فلا معادة؛ لأنه لا فائدة فيها.
(وتأخذ أنثى) أي أخت (لأبوين) مع جد وولد أب فأكثر ذكرا أو أنثى (تمام فرضها) أي إلى النصف؛ لأنه لا يمكن أن تزاد عليه مع عصبة ويأخذ الجد الأحظ له على ما تقدم، (والبقية) بعد ما يأخذانه (لولد الأب) واحدا كان أو أكثر، ولا يتفق بقاء شيء لولد الأب بعد الجد والأخت لأبوين في مسألة فيها فرض غير السدس؛ لأنه
الجزء: 3 - الصفحة: 116
لا فرض في المعادة إلا السدس أو الربع أو النصف، ومع الربع متى كانت المقاسمة أحظ له بقي للإخوة دون النصف فهو للأخت لأبوين، وإلا وجب أن يكون الربع للجد؛ لأنه ثلث الباقي، ولا يجوز أن ينقص عنه فيبقى للإخوة النصف فتأخذه الأخت لأبوين، وكذا بالأولى إذا كان الفرض النصف.
وإذا لم يكن في مسائل المعادة فرض لم يفضل عن أخت لأبوين مع ولد أب وجد أكثر من السدس؛ لأن أدنى ما للجد إذا الثلث وللأخت النصف يبقى سدس وقد لا يبقى شيء، فجد وأخت لأبوين وأخت لأب المسألة من أربعة: له سهمان؛ لأن المقاسمة هنا أحظ له، ولكل أخت سهم، ثم تأخذ التي لأبوين ما سمي للتي للأب لتستكمل به فرضها وهو النصف كما لو كانتا مع بنت وأخذت البنت النصف فالباقي للأخت لأبوين دون التي لأب، وترجع المسألة بالاختصار إلى اثنين.
فإن كان معهم أخ لأب استوى للجد المقاسمة والثلث فللجد ثلث فرضا أو مقاسمة وللأخت لأبوين نصف، ويبقى للأخ والأخت لأب سدس على ثلاثة عدد رؤوسهم لا يصح، فاضرب الثلاثة في أصل المسألة ستة فتصح من ثمانية عشر: للجد ستة، وللأخت لأبوين تسعة، وللأخ لأب سهمان، وللأخت سهم، وكذا لو كان بدل الأخ أختان لأب.
وإن كان معهم أم أو جدة كان لها سدس ثلاثة من ثمانية عشر، وللجد ثلث الباقي خمسة، وللأخت لأبوين نصف تسعة، والباقي سهم لهما على ثلاثة لا يصح، فاضرب ثلاثة في ثمانية عشر فتصح من أربعة وخمسين: للأم تسعة، وللجد خمسة عشر، وللشقيقة سبعة وعشرون، وللأخ للأب سهمان، ولأخته سهم، هذا إن اعتبرت للجد فيها ثلث الباقي، فإن اعتبرت له المقاسمة فأصلها ستة عدد
الجزء: 3 - الصفحة: 117
رؤوسهم، للأم واحد يبقى خمسة، للجد والإخوة على ستة تباينها، فاضرب الستة في أصل المسألة ستة تبلغ ستة وثلاثين: للأم سدسها ستة، وللجد عشرة، وللأخت لأبوين ثمانية عشر، يبقى سهمان للأخ والأخت لأب على ثلاثة تباينهما، فاضرب ثلاثة في ستة ثلاثين تبلغ مائة وثمانية: للأم ثمانية عشر، وللجد ثلاثون، وللشقيقة أربعة وخمسون، وللأخ لأب أربعة، ولأخته سهمان، والأنصباء كلها متوافقة بالنصف فترد المسألة لنصفها ونصيب كل وارث لنصفه فترجع لما سبق، ولذلك تسمى مختصرة زيد 1086. وإن كان معهم أخ آخر بأن كان الورثة أما أو جدة وجدا وأختا لأبوين وأخوين وأختا لأب صحت من تسعين؛ لأن للأم أو الجدة سدسا وهو ثلاثة من ثمانية عشر، وللجد ثلث الباقي خمسة، وللشقيقة النصف تسعة، يبقى لأولاد الأب واحد على خمسة لا يصح، فاضرب خمسة في ثمانية عشر تبلغ ما ذكر 1087: للأم أو الجدة خمسة عشر، وللجد خمسة وعشرون، وللأخت لأبوين خمسة وأربعون، ولأولاد الأب خمسة لأنثاهم واحد ولكل ذكر اثنان، وتسمى تسعينية زيد؛ لأنه صححها من ذلك 1088. وجد وأخت لأبوين وأخ لأب أصلها عدد رؤوسهم خمسة، للجد سهمان،
الجزء: 3 - الصفحة: 118
وللأخت النصف سهمان ونصف، والباقي للأخ، فتنكسر على النصف، فاضرب مخرجه اثنين في خمسة فتصح من عشرة: للجد أربعة، وللشقيقة خمسة، وللأخ لأب واحد، وتسمى عشرية زيد.
وإن كان بدل الأخ أختين لأب فهي عشرينية زيد 1089 فللجد ثمانية، وللشقيقة عشرة، ولكل أخت لأب واحد.
ومن الملقبات الفرضية اليتيمتان: وهما زوج وأخت لأبوين أو لأب تشبيها بالدرة اليتيمة إذ ليس لنا مسألة يورث فيها المال كله بفرضين متساويين غيرهما.
ومن الملقبات المباهلة: وهي زوج وأم وأخت لأبوين أو لأب، لقول ابن عباس: "من شاء باهلته أن المسائل لا تعول، إن الذي أحصى رمل عالج عددا أعدل من أن يجعل في مال نصفا ونصفا وثلثا هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث" 1090، ومعنى المباهلة: الملاعنة، وهذه أول فريضة عالت في الإسلام.
ومن الملقبات أم الأرامل: وهي ثلاث زوجات وجدتان وأربع أخوات لأم وثمان أخوات لأبوين أو لأب لأنوثية جميع الورثة، وتسمى السبعة
الجزء: 3 - الصفحة: 119
عشرية، والدينارية الصغرى إذا كانت التركة فيها سبعة عشر دينارا.
1091
الجزء: 3 - الصفحة: 120
(فصل) فى الحجب
وهو لغة: المانع مأخوذ من الحجاب، ومنه الحاجب؛ لأنه يمنع من أراد الدخول 1092.
والحجب ضربان: -
1 - حجب نقصان: كحجب الزوج من النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن ونحو ذلك.
2 - وحجب حرمان، وهو نوعان: -
أحدهما: بالموانع الآتية.
والثانى: حجب بالشخص.
فحجب النقصان يدخل على جميع الورثة، وحجب الحرمان تارة يكون بالوصف كالرق والكفر فيمكن دخوله على جميع الورثة، وتارة يكون بالشخص فلا يدخل على خمسة، فلذلك قال: (حجب الحرمان) أى بالشخص (لا يدخل على الزوجين والأبوين والولد).
(ويسقط الجد بالأب) حكى ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من الصحابة فمن بعدهم 1093.
(و) يسقط (كل جد و) كل (ابن أبعد بأقرب) منه، فيسقط أبو أبي أب بأبي أب وابن ابن ابن بابن ابن وهكذا.
الجزء: 3 - الصفحة: 121
(و) تسقط (كل جدة) من قبل الأم أو الأب (بأم)؛ لأن الجدات يرثن بالولادة فالأم أولى منهن بمباشرتها الولادة.
(والقربى منهن) أى الجدات (تحجب البعدى مطلقا) ولو كانت من جهة الأم؛ لأنها جدة قربى فتحجب البعدى، ولأن الجدات أمهات يرثن ميراثا واحدا من جهة واحدة، فإذا اجتمعن فالميراث لأقربهن كالآباء والأبناء والإخوة والبنات.
و(لا) يحجب (أب أمه أو أم أبيه) كالعم، روي عن عمر 1094 وابن مسعود 1095 وأبي موسى 1096 وعمران بن حصين 1097 وأبي
الجزء: 3 - الصفحة: 122
الطفيل 1098، لحديث ابن مسعود: "أول جدة أطعمها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- السدس أم أب مع ابنها وابنها حي" رواه الترمذي 1099، ولأن الجدات أمهات يرثن ميراث الأم لا ميراث الأب فلا يحجبن به كأمهات الأم، وكذا الجد لا يحجب أم نفسه.
(ولا يرث) من الجدات (إلا ثلاث: أم أم، وأم أب، وأم أبي أب وإن علون أمومة)، روي عن علي وزيد بن ثابت 1100 وابن مسعود 1101، لحديث سعيد بن منصور في سننه عن ابن عيينة 1102 عن منصور 1103 عن إبراهيم
الجزء: 3 - الصفحة: 123
النخعي 1104: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ورث ثلاث جدات ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم" 1105، وهو يدل على التحديد بثلاث فلا ميراث لأم أبي أم، ولا لأم أبي جد بأنفسهما فرضا؛ لأنهما من ذوي الأرحام بل يرثان بالتنزيل عند توريث ذوي الأرحام، وكذا كل جدة أدلت بذكر بين انثيين اتفاقا 1106 أو أدلت بجد أعلى؛ لأن القرابة كلما بعدت ضعفت = ينظر: تهذيب الكمال 28/ 546 - 555، وسير أعلام النبلاء 5/ 402 - 412.
الجزء: 3 - الصفحة: 124
والجدودة جهة ضعيفة، (ولـ) جدة (ذات قرابتين مع) جدة (ذات قرابة) واحدة (ثلثا السدس) وللأخرى ثلثه؛ لأن ذات القرابتين شخص ذو قرابتين يرث بكل واحدة منهما منفردة لا يرجح بهما على غيره فوجب أن ترث بكل من القرابتين، كابن عم هو أخ لأم أو زوج بخلاف الأخ من الأبوين فإنه يرجح بقرابته على الأخ من الأب، ولا يجمع بين الترجيح بالقرابة الزائدة والتوريث بها، فإذا وجد أحدهما التفى الآخر، ولا ينبغي أن يخل بهما جميعا، وهنا قد انتفى الترجيح فيثبت التوريث، فلو تروج بنت عمته فأتت بولد فجدته أي المتزوج لأبيه بالنسبة إلى الولد الذي ولد بينهما أم أم أمه وأم أبي أبيه فترث معها أم أم أبيه ثلث السدس، وإن تزوج بنت خالته فجدته أم أمه بالنسبة إلى ولد تأتي به بنت خالته منه أم أم أم وأم أم أب فترث أم أبي أبيه معها ثلث السدس، ولا يمكن أن ترث جدة تدلي يحهة مع جدة ذات ثلاث جهات؛ لأنه لو تزوج هذا الولد بنت خالته فأتت منه بولد فهي بالنسبة إليه أم أم أم أم وأم أم أم أب وأم أم أبي أب، ولا ترث معها جدة غيرها؛ لأنا لا نورث أكثر من ثلاث جدات.
(ويسقط ولد الأبوين) ذكرا كان أو أنثى بثلاثة: (بابن) وابنه (وإن نزل، و) بـ (أب) حكاه ابن المنذر إجماعا 1107؛ لأنه تعالى جعل إرثهم في الكلالة، وهي اسم لمن عدى الوالد والولد 1108 (و) يسقط (ولد الأب بهؤلاء) الثلاثة (و) بـ (أخ لأبويه) لقوته بزيادة القرب، ولحديث علي أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قضى بالدين قبل الوصية، وأن
الجزء: 3 - الصفحة: 125
أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه" رواه أحمد والترمذي من رواية الحارث عن علي 1109، ويسقط ولد الأب أيضا بالأخت الشقيقة إذا صارت عصبة مع البنت أو بنت الابن؛ لأنها تصير بمنزلة الأخ
الجزء: 3 - الصفحة: 126
الشقيق، (و) يسقط (ابن أخ) لأبوين أو لأب (بهؤلاء) الخمسة المذكورين، (و) بـ (جد) بلا خلاف لأنه أقرب، (و) يسقط (ولد الأم) بأربعة: (بولد، وولد ابن وإن نزل، و) بـ (أب، و) بـ (أبيه) أي أب الأب وهو الجد (وإن علا)؛ لأنه تعالى شرط في إرث الإخوة لأم الكلالة، وهي في قول الجمهور من لم يخلف ولدا ولا والدا، والولد يشمل الذكر والأنثى وولد الابن كذلك، والوالد يشمل الأب والجد.
(ومن لا يرث لمانع فيه لا يحجب) نصا 1110 لا حرمانا ولا نقصانا، روي عن عمر 1111 وعلي 1112، والمحجوب بالشخص يحجب نقصانا كالإخوة مججبون الأم من الثلث إلى السدس وإن كانوا محجوبين بالأب، وكل من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة إلا ولد الأم لا يحجبون بها بل يحجبونها من الثلث إلى السدس، وإلا أم الأب وأم الجد معهما وتقدم 1113، والأبوان والولدان والزوجان لا يحجبون 1114 بالشخص وتقدم.
1115
الجزء: 3 - الصفحة: 127
(فصل) في العصبة
جمع عاصب من العصب وهو الشد، ومنه عصابة الرأس والعصب؛ لأنه يشد الأعضاء، وعصابة القوم لاشتداد بعضهم ببعض، وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)﴾ 1116 أي شديد 1117، وتسمى الأقارب عصبة، لشدة الأزر 1118. والعصبة اصطلاحا: من يرث بلا تقدير 1119، فلذلك قال: (والعصبة يأخذ ما أبقت الفروض) إن كان ثم صاحب فرض؛ لحديث: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" 1120، (وإن لم يبق شيء) بعد أصحاب الفروض (سقط مطلقا) العاصب؛ لمفهوم الحديث المذكور، (وإن انفرد أخذ جميع المال) تعصيبا لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ 1121 وغير الأخ كالأخ (لكن للأب والجد 1122 ثلاث حالات): - (فيرثان بالتعصيب فقط مع عدم الولد أو ولد الابن)، فيأخذان المال كله أو
الجزء: 3 - الصفحة: 128
ما أبقت الفروض.
(و) الحالة الثانية: يرثان (بالفرض فقط مع ذكوريته) أي الولد أو ولد الابن سدسا لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ 1123.
(و) الحالة الثالثة: يرثان (بالفرض والتعصيب مع أنوثيته) أي الولد أو ولد الابن كما لو مات عن بنت أو بنت ابن وأب أو جد فتأخذ البنت أو بنت الابن النصف والأب أو الجد السدس فرضا؛ للآية، وتأخذ البنت أو بنت الابن النصف ثلاثة، ثم يأخذ الأب أو الجد ما بقي إن بقي شيء، كما في المثال بالتعصيب؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألحقوا الفرائض بأهلها"، ولا يرث بفرض وتعصيب معا بسبب واحد إلا الأب والجد، وأما بسببين فكثير، من ذلك: زوج هو معتق، وأخ لأم هو ابن عم.
ولا يرث أبعد بتعصيب مع أقرب.
وأقرب العصبة ابن فابنه وإن نزل، فأب فأبوه وإن علا بمحض الذكور فيهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، فأخ لأبوين فأخ لأب لتساويهما في قرابة الأب، وترجح الشقيق بقرابة الأم، فابن أخ لأبوين، فابن أخ لأب وإن نزلا بمحض الذكور أيضا، ويسقط البعيد بالقريب، فأعمام لأبوين، فأعمام لأب، فأبناؤهم كذلك، فأعمام أب لأبوين، ثم لأب فأبناؤهم كذلك، فأعمام جد، فأبناؤهم كذلك، فيقدم مع استواء الدرجة من لأبوين على من لأب، ولا يرث بنو أب أعلى مع بني أب أقرب منه وإن نزلت
الجزء: 3 - الصفحة: 129
درجتهم نصا 1124، لحديث: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" متفق عليه، وأولى هنا بمعنى أقرب لا بمعنى أحق 1125، وإلا لزم الإبهام والجهالة إذ لا يدرى من هو الأحق، فمن نكح امرأة ونكح أبوه بنتها وولد لكل منهما ابن فابن الأب عم لابن الابن؛ لأنه أخو أبيه لأبيه، وابن الابن خال لابن الأب؛ لأنه أخو أمه، فإذا مات ابن الابن وخلف خاله هذا فيرثه مع عم له خاله دون عمه؛ لأن خاله هذا ابن أخيه، وابن الأخ يحجب العم، ولو خلف الأب فيها أخا وابن ابنه هذا وهو أخو زوجته ورثه دون أخيه، فيعايا بها فيقال: ورثت زوجة ثمن المال وأخوها باقيه، وإن تزوج الأب امرأة وتزوج ابنه ابنتها فابن الأب عم ولد الابن وخاله.
(وأخت) لأبوين أو لأب (فأكثر مع بنت) فأكثر (أو بنت ابن فأكثر) عصبة (يرثن ما فضل) بعد ذوي الفروض كالإخوة، لحديث ابن مسعود في بنت وبنت ابن وأخت حيث قال: "وللأخت ما بقي" 1126، فبنت وبنت ابن وأخت لأبوين أو لأب من ستة: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي للأخت، ولو كان ابنتان فأكثر وبنت ابن وأخت لغير أم فالمسألة من ثلاثة: للبنتين الثلثان، والباقي للأخت عصوبة، ولا شيء لبنت الابن لاستغراق البنات الثلثين، فإن كان معهن أم فلها السدس ويبقى للأخت سدس، فإن كان بدل الأم زوج فالمسألة من اثني عشر:
الجزء: 3 - الصفحة: 130
للزوج الربع ثلاثة، وللبنتين الثلثان ثمانية، ويبقى للأخت نصف سدس تأخذه تعصيبا، وإن كان معهم أم عالت إلى ثلاثة عشر: للزوج ثلاثة، وللبنتين ثمانية، وللأم سهمان، وسقطت الأخت لاستغراق الفروض التركة، فإن اجتمع مع البنت فأكثر أو بنت الابن والأخت لأبوين ولد أب فالباقي للأخت لأبوين وسقط ولد الأب واحدا كان أو أكثر.
وكذا تسقط كل بنت ابن نازلة فأكثر مع بنتي ابن أعلى منها إلا أن يكون معهن في درجتهن ذكر ولو غير أخيهن، أو أنزل منهن من بني الابن، سواء كمل الثلثان لمن في درجة واحدة أو العليا والتي تليها، وللذكر المعصب مثلا ما لأنثى، ولا يعصب ذات فرض أعلى منه بل له ما فضل، ولا يعصب من هي أنزل منه بل يحجبها لئلا تشاركه، والأبعد لا يشاركه الأقرب، فلو خلف خمس بنات ابن بعضهن أنزل من بعض لا ذكر معهن وأخا، فللعليا النصف وللتي تليها السدس وسقط سائرهن والباقي للأخ، وإن كان مع العليا أخوها أو ابن عمها فالمال بينهما على ثلاثة ويسقط سائرهن.
(والابن وابنه والأخ لأبوين أو لأب يعصبون أخواتهم)، فيعصب الشقيق أخته الشقيقة، ويعصب الأخ لأب أخته لأب، (فلذكر) عصب أخواته من ابن أو ابنه أو أخ شقيق أو لأب (مثلا ما لأنثى) لعموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ 1127، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ 1128.
الجزء: 3 - الصفحة: 131
تتمة: العصبة ثلاثة: -
1 - عاصب بنفسه.
2 - وعاصب بغيره.
3 - وعاصب مع غيره.
فالعاصب بنفسه: جميع الذكور إلا الزوج والأخ لأم، وأما النساء فكلهن صاحبات فرض إلا المعتقة فإنها عصبة بالنفس أيضا.
والعاصب بغيره أربع: البنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت للأب كل واحدة منهن مع أخيها، وتزيد بنت الابن عليهن بأنه يعصبها ابن ابن في درجتها مطلقا، ويعصبها ابن ابن أنزل منها إذا لم يكن لها شيء في الثلثين كما تقدم.
والعاصب مع غيره: الأخوات الشقيقات أو لأب مع البنات أو بنات الابن وتقدم 1129.
(ومتى كان العاصب عما أو) كان (ابنه) أي ابن عم (أو) كان (ابن أخ) لأبوين أو لأب (انفرد بالإرث دون أخواته)؛ لأن أخوات هؤلاء من ذوي الأرحام، والعصبة تقدم على ذي الرحم بخلاف الابن وابنه والأخ لغير أم فيعصب أخواته كما تقدم.
ومتى كان أحد بني عم زوجا، أخذ فرضه وشارك الباقين، أو كان أخا لأم أخذ فرضه وشارك الباقين المساوين له في العصوبة في الميراث بالعصوبة؛ لأنه يفرض له لو لم يرث بالتعصيب فلا يرجح به بخلاف الأخ لأبوين مع أخ لأب فإنه لا يفرض له بقرابة أمه فرجح بها، ولا يجتمع في إحدى القرابتين ترجيح وفرض، فامرأة ماتت عن بنت وزوج هو ابن عم، إرثها بينهما سوية، وإن تركت بنتين معه فالمال بينهم أثلاثا،
الجزء: 3 - الصفحة: 132
وثلاثة إخوة لأبوين أحدهم زوج بنت عمهم، له ثلثا تركتها ولهما ثلثها.
ويبدأ بذي فرض اجتمع مع عاصب فيعطى فرضه والباقي للعاصب، لقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ 1130، ولحديث: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر"، فإن لم يبق للعاصب شيء سقط لمفهوم الخبر، كزوج وأم وإخوة لأم وإخوة أشقاء أو لأب، فالمسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم السدس واحد، وللإخوة للأم الثلث اثنان، وسقط باقيهم لاستغراق الفروض التركة، وتسمى هذه المسألة المشركة والحمارية 1131؛ لأنه يروى: "أن عمر أسقط ولد الأبوين فقال بعضهم أو بعض الصحابة: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا، أليست أمنا واحدة؟ فشرك بينهم" 1132 وهو قول عثمان 1133 وزيد بن
الجزء: 3 - الصفحة: 133
ثابت 1134 ومالك 1135 والشافعي 1136 وأسقطهم الإمام أحمد 1137 وأبو حنيفة وأصحابه 1138، وروي عن علي 1139 وابن مسعود 1140 وأبي بن كعب وابن عباس 1141 وأبي موسى 1142 لقوله تعالى في الإخوة لأم: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ 1143، فإذا شرك غيرهم معهم لم يأخذوا الثلث، ولحديث: "ألحقوا
الجزء: 3 - الصفحة: 134
الفرائض بأهلها"، ومن شرك لم يلحق الفرائض بأهلها.
قال العنبري 1144: "القياس ما قال علي والاستحسان ما قال عمر".
1145 ولو كان مكان الذكور أو الذكور والإناث أخوات لأبوين أو لأب عالت المسألة إلى عشرة لازدحام الفروض، للزوج النصف ثلاثة، وللأم السدس واحد، وللإخوة لأم الثلث اثنان، وللأخوات لأبوين أو لأب الثلثان أربعة.
وتسمى هذه المسألة أم الفروخ -بالخاء المعجمة- لكثرة عولها.
وتسمى أيضا الشريحية لحدوثها زمن القاضي شريح 1146 -رحمه اللَّه تعالى- روي أن رجلا أتاه وهو قاض بالبصرة 1147 فقال: ما نصيب الزوج من زوجته؟ قال: النصف مع غير
الجزء: 3 - الصفحة: 135
الولد والربع معه، فقال: امرأتي ماتت وخلفتني وأمها وأختيها لأمها وأختيها لأبيها وأمها، فقال: لك إذا ثلاثة من عشرة، فخرج من عنده وهو يقول: لم أر كقاضيكم هذا لم يعطني نصفا ولا ثلثا، فكان شريح يقول له إذا لقيه: إذا رأيتني ذكرت حاكما جائرا وإذا رأيتك ذكرت رجلا فاجرا، إنك تكتم القضية وتشيع الفاحشة.
1148
(وإن علمت عصبة النسب ورث المولى المعتق مطلقا) ذكرا كان أو أنثى لحديث: "الولاء لمن أعتق" متفق عليه 1149، وحديث: "الولاء لحمة كلحمة النسب" 1150 والنسب يورث به فكذا الولاء، وأخر عنه لأن المشبه دون المشبه به، وروى سعيد بسنده: "كان لبنت حمزة مولى أعتقته فمات وترك ابنته ومولاته، فأعطى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ابنته النصف، وأعطى مولاته بنت حمزة النصف" 1151، (ثم عصبته)
الجزء: 3 - الصفحة: 136
أي المولى المعتق (الذكور الأقرب فالأقرب كالنسب)، لحديث أحمد عن زياد بن أبي مريم 1152: "أن امرأة أعتقت عبدا لها، ثم توفيت وتركت ابنا لها وأخاها، ثم توفي مولاها من بعدها، فأتى أخو المرأة وابنها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ميراثه فقال عليه السلام: ميراثه لابن المرأة، فقال أخوها: يا رسول اللَّه! لو جر جريرة كانت علي، ويكون ميراثه لهذا! قال: نعم" 1153، ولأنهم يدلون بالمعتق والولاء مشبه بالنسب فأعطي حكمه، ثم مولى المولى كذلك، ثم عصبته الأقرب فالأقرب وهكذا، ثم إن عدم المولى وإن بعد رد على ذوي الفروض غير الزوجين، ثم إن عدم ذو الفرض فذوو الأرحام، ولا يرث المولى من أسفل وهو العتيق من حيث كونه عتيقا من معتقه لحديث: "إنما الولاء لمن أعتق".
الجزء: 3 - الصفحة: 137
(فصل) في أصول المسائل
أي المخارج التي تخرج منها فروضها.
(أصول المسائل) جمع مسألة، مصدر سأل بمعنى مسؤولة 1154، (سبعة) بالاتفاق 1155؛ لأن الفروض القرآنية ستة: النصف والربع والثمن وهي نوع، والثلثان والثلث والسدس وهي نوع أيضا، ومخارجها مفردة خمسة لاتحاد مخرج الثلثين والثلث، فالنصف من اثنين، والثلث والثلثان من ثلاثة، والربع من أربعة، والسدس من ستة، والثمن من ثمانية، والربع مع الثلث أو الثلثين أو السدس من اثني عشر، والثمن مع السدس أو الثلثين أو معهما من أربعة وعشرين فصارت سبعة.
(أربعة) منها (لا تعول وهي ما فيها فرض) واحد (أو فرضان من نوع) واحد (فنصفان)، كزوج وأخت لأبوين أو زوج وأخت لأب من اثنين مخرج النصف، ويسميان باليتيمتين تشبيها بالدرة اليتيمة كما تقدم 1156، (أو نصف والبقية) كزوج وأب أو أخ لغير أم أو عم أو ابنه كدلك (من اثنين) مخرج النصف للزوج واحد والباقي للعاصب، (وثلثان) والبقية من ثلاثة كبنتين وأخ لغير أم، (أو ثلث والبقية من ثلاثة) كأبوين، أو الثلثان والثلث كأختين لأم وأختين لغيرها من ثلاثة لاتحاد المخرجين،
الجزء: 3 - الصفحة: 138
(وربع والبقية) كزوج وابن من أربعة نحرج الربع، (أو) ربع (مع النصف) والبقية كزوج وبنت وعم (من أربعة) لدخول نحرج النصف في نحرج الربع، (وثمن والبقية) كزوجة وابن من ثمانية مخرج الثمن، (أو) ثمن (مع النصف) والبقية كزوجة وبنت وعم (من ثمانية)، لدخول نحرج النصف في مخرج الثمن، فهذه الأصول الأربعة لا تزدحم فيها الفروض، إذ الأربعة والثمانية لا تكون إلا ناقصة أي فيها عاصب، والاثنان والثلاثة تارة يكونان كذلك، وتارة يكونان عادلتين.
(وثلاثة) أصول وهي الباقية (تعول) أي يتصور فيها العول، يقال: عال الشيء إذا زاد أو غلب، قال في "القاموس" 1157: "والفريضة عالت في الحساب زادت وارتفعت، وعلتها وأعلتها" 1158.
(وهي) أي الأصول الثلاثة التي تعول (ما فرضها نوعان فأكثر) كنصف مع ثلث أو ثلثين، وكربع وسدس أو ثلث أو ثلثين، وكثمن وثلثين وسدس، (فنصف مع
الجزء: 3 - الصفحة: 139
ثلثين) كزوج وأختين لغير أم من ستة وتعول إلى سبعة، (أو) نصف مع (ثلث) كزوج وأم وعم من ستة، (أو) نصف مع (سدس) كزوج وأخ لأم وعم (من ستة) لتباين المخرجين في الأولتين ودخول مخرج النصف في مخرج السدس في الثالثة، وتصح من ستة بلا عول، كزوج وأم وأخوين لأم، للزوج الرفض ثلاثة، وللأم السدس واحد، وللأخوين لأم الثلث اثنان.
وتسمى مسألة الإلزام، ومسألة المناقضة؛ لأن ابن عباس لا يحجب الأم عن الثلث إلى السدس إلا بثلاثة من الإخوة أو الأخوات 1159، ولا يرى العول ويرد النقص مع ازدحام الفروض على من يصير عصبة في بعض الأحوال بتعصيب ذكر لهن، وهن البنات والأخوات لغير أم، فألزم بهذه المسألة فإن أعطى الأم الثلث لكون الإخوة أقل من ثلاثة، وأعطى ولديها الثلث عالت المسألة وهو لا يراه، وإن أعطاها سدسا فقط ناقض مذهبه في حجبها بأقل من ثلاثة إخوة، وإن أعطاها ثلثا وأدخل النقص على ولديها فقد ناقض مذهبه في إدخال النقص على من لا يصير عصبة بحال.
وتعول الستة إلى سبعة كزوج وأخت لغير أم وجدة أو ولد أم، للزوج النصف، وللأخت لغير أم النصف، وللجدة أو ولد الأم السدس، وكذا زوج وأختان لغير أم.
الجزء: 3 - الصفحة: 140
وتعول إلى ثمانية كزوج وأم وأخت لغير أم، للزوج النصف ثلاثة، وللأم الثلث اثنان، وللأخت النصف ثلاثة.
وتسمى المباهلة وتقدمت 1160.
وتعول إلى تسعة كزوج وولدي أم وأختين لغير أم للزوج النصف ثلاثة، ولولدي الأم الثلث اثنان، وللأختين الثلثان أربعة.
وتسمى الغراء وتقدمت 1161.
(وتعول إلى عشرة) وهي ذات الفروخ وتقدمت 1162، فتعول الستة أربعا (شفعا ووترا) بخلاف الأصلين الآتيين فلا يعولان إلا وترا، ولا تعول الستة إلى أكثر من عشرة؛ لأنه لا يمكن فيها اجتماع أكثر من هذه الفروض، وإذا عالت إلى ثمانية أو تسعة أو عشرة لم يكن الميت فيها إلا امرأة إذ لا بد فيها من زوج.
(وربع مع ثلثين) كزوج وبنتين وعم، وكزوجة وشقيقتين وعم من اثني عشر؛ لتباين المخرجين، (أو) ربع مع (ثلث) كزوجة وأم وأخ لغيرها من اثني عشر كما تقدم، (أو) ربع مع (سدس) كزوج وأم وابن أو زوجة، وجدة وعم (من اثني عشر)؛ لتوافق مخرج الربع والسدس بالنصف، وحاصل ضرب نصف إحداهما في الأخرى ما ذكر، وتصح بلا عول كزوجة وأم وأخ لأم وعم، للزوجة الربع ثلاثة، وللأم الثلث أربعة، ولولدها السدس اثنان، ويبقى للعاصب ثلاثة، وكذا زوج وأبوان وخمسة بنين، وكذا زوج وابنتان وأخت لغير أم.
وتعول إلى ثلاثة عشر إذا كان مع الربع ثلثان وسدس أو نصف وثلث، كزوج وبنتين وأم، للزوج الربع ثلاثة، وللبنتين الثلثان ثمانية، وللأم السدس اثنان،
الجزء: 3 - الصفحة: 141
وكزوجة وأخت لغير أم وولدي أم.
وتعول إلى خمسة عشر إذا كان مع الربع ثلثان وسدسان أو ثلث كزوج وبنتين وأبوين، للزوج الربع ثلاثة، وللبنتين الثلثان ثمانية، ولكل من الأبوين السدس اثنان، وكذا وزوجة وأختان لغير أم وولد أم.
(وتعول إلى سبعة عشر وترا) إذا كان مع الربع ثلثان وثلث وسدس، كثلاث زوجات وأربع أخوات لأم وثمان أخوات شقيقات أو لأب وجدتين، للزوجات الربع ثلاثة، لكل واحدة واحد، وللجدتين السدس، لكل واحدة واحد، وللأخوات لأم الثلث أربعة لكل واحدة واحد، وللأخوات لغيرها الثلثان ثمانية لكل واحدة واحد.
وتسمى أم الأرامل، وأم الفروج -بالجيم- لأنوثية الجميع، ولو كانت التركة فيها سبعة عشر دينارا حصل لكل واحدة منهن دينارا.
وتسمى السبعة عشرية والدينارية الصغرى 1163، وكذا زوجة وأم وأختان لها وأختان لغيرها وإنما تعول وترا فلا تعول شفعا ووترا كالستة، ولا تعول إلى أكثر من سبعة عشر ولا يكون الميت في العائلة إلى سبعة عشر إلا ذكرا.
(وثمن مع سدس) كزوجة وأم وابن من أربعة وعشرين؛ لأن الثمن من ثمانية والسدس من ستة وهما متوافقان بالنصف، وحاصل ضرب أحدهما في نصف الآخر أربعة وعشرون، (أو) ثمن مع (ثلثين) كزوجة وبنتين وعم من أربعة وعشرين لتباين مخرج الثمن والثلثين، (أو) الثمن معـ (هما) أي مع الثلثين والسدس، كزوجة وابنتي ابن وأم وعم (من أربعة وعشرين) للتوافق بين مخرج السدس والثمن بالنصف مع دخول مخرج الثلثين في مخرج السدس، ولا يجتمع الثمن مع الثلث؛ لأن الثمن لا
الجزء: 3 - الصفحة: 142
يكون إلا لزوجة مع فرع وارث، ولا يكون الثلث في مسألة فيها فرع وارث.
وتصح الأربعة والعشرون بلا عول، كزوجة وبنتين وأم واثني عشر أخا وأخت لغير أم، للزوجة الثمن ثلاثة، وللبنتين الثلثان ستة عشر، وللأم السدس أربعة، يبقى واحد للإخوة والأخت على عدد رؤوسهم خمسة وعشرين لا ينقسم ولا يوافق، فتضرب خمسة وعشرين في أربعة وعشرين تصح من ستمائة، للزوجة خمسة وسبعون، وللبنتين أربعمائة، وللأم مائة، ويبقى للإخوة خمسة وعشرون لكل أخ سهمان وللأخت سهم.
وتسمى الدينارية الكبرى 1164 لما روي: "أن امرأة قالت لعلي: إن أخي من أبي وأمي مات وترك ستمائة دينار، وأتاني منه دينار واحد، فقال: لعل أخاك خلف من الورثة كذا وكذا قالت: نعم، قال: قد استوفيت حقك" 1165. وتسمى الركابية والشاكية أيضا؛ لأنه يقال: أن المرأة أخذت بركاب علي وشكت إليه عند إرادته الركوب 1166.
(وتعول إلى سبعة وعشرين مرة واحدة) إذا كان فيها ثمن وثلثان وسدسان، كزوجة وبنتين أو بنتي ابن فأكثر وأبوين أو جد وجدة، للزوجة الثمن ثلاثة، ولكل من البنتين أو بنتي الابن فأكثر الثلثان ستة عشر، ولكل من الأبوين أو الجد والجدة السدس أربعة، ولا تعول الأربعة والعشرون إلى أكثر من سبعة وعشرين، ولا تكون الاثني عشر والأربعة والعشرون عادلتين أبدا، بل إما ناقصتان أو عائلتان.
وتسمى
الجزء: 3 - الصفحة: 143
هذه المسألة البخيلة لقلة عولها؛ لأنها لم تعل إلا مرة واحدة.
وتسمى المنبرية 1167؛ لأن عليا -رضي اللَّه عنه- سئل عنها على المنبر وهو يخطب، ويروى أن صدر خطبته كان: "الحمد للَّه الذي يحكم بالحق قطعا، ويجزي كل نفس بما تسعى، وإليه المآب والرجعى، فسئل فقال: صار ثمنها تسعا، ومضى في خطبته" 1168. ولا يكون الميت فيها إلا زوجا؛ لأن الثمن لا يكون إلا لزوجه فأكثر مع فرع وارث.
(وإن فضل عن الفرض شيء) بأن لم تستغرق الفروض المال (ولا عصبة) معهم (رد) فاضل عن الفروض (على كل) ذي فرض من الورثة (بقدر فرضه)، كالغرماء يقتسمون مال المفلس بقدر ديونهم، واختلف في القول بالرد 1169 روي عن
الجزء: 3 - الصفحة: 144
عمر 1170 وعلي 1171 وابن عباس 1172 وكذا عن ابن مسعود في الجملة 1173، وبه قال إمامنا 1174 وأبو حنيفة وأصحابه 1175، وكذا الشافعي إن لم ينتظم بيت المال 1176، (ما عدا الزوجين) فلا يرد عليهما نصا 1177؛ لأنهما لا رحم لهما، وما ووي عن عثمان أنه رد = ينظر: شرح خلاصة الفرائض ص 58، والمطلع ص 304، والعذب الفائض 2/ 3.
الجزء: 3 - الصفحة: 145
على زوج 1178 فلعله كان عصبة، أو ذا رحم، أو أعطاه من بيت المال لا على سبيل الميراث.
فإن رد على واحد بأن لم يترك الميت إلا بنتا أو بنت ابن أو أما أو جدة ونحوهن أخذ ذلك الواحد الكل فرضا وردا؛ لأن تقدير الفروض شرع لمكان المزاحمة وقد زال.
ويأخذ جماعة من جنس كبنات أو بنات ابن أو أخوات أو جدات بالسوية، كالعصبة من البنين ونحوهم.
وإن اختلف جنسهم كبنت وبنت ابن أو أم أو جدة وليس فيهم أحد الزوجين فخذ عدد سهامه من أصل ستة؛ لأن الفروض كلها توجد في الستة إلا الربع والثمن وهما للزوجين ولا يرد عليهما، والسهام المأخوذة من أصل مسألتهم هي أصل مسألتهم كما في المسألة العائلة، فإن انكسر شيء من سهام فريق فأكثر عليه صححت المسألة وضربت جزء السهم في عدد السهام المأخوذة من الستة، ولا تضرب في الستة كما لا تضرب في أصل العائلة دون عولها.
وأصول مسائل الرد التي ليس فيها أحد الزوجين أربعة: اثنان وثلاثة وأربعة وخمسة فجدة وأخ أو أخت لأم من اثنين؛ لأن لكل منهما السدس واحد من ستة، فالسدسان اثنان منها فيقسم المال بينهما نصفين فرضا وردا، فإن كانت الجدات فيها ثلاثا انكسر عليهن سهمهن فتضرب عددهن ثلاثة في اثنين تصح من ستة، لولد الأم ثلاثة، وللجدات ثلاثة لكل واحدة سهم، وأم وأخ أو أخت لأم من ثلاثة، للأم
الجزء: 3 - الصفحة: 146
الثلث اثنان، من ستة ولولدها السدس واحد، فيقسم المال بينهما أثلاثا، وكذا أم وولداها.
وأم وبنت أو بنت ابن من أربعة، للأم السدس واحد، وللبنت أو بنت الابن النصف ثلاثة، فيقسم المال بينهما أرباعا، للأم ربعه، وللبنت أو بنت الابن ثلاثة أرباعه.
وأم وبنتان أو بنتا ابن أو أختان لغير أم من خمسة للأم السدس، والأخريين 1179 الثلثان أربعة، فالمال بينهن على خمسة، للأم خمسه، وللأخريين 1180 أربعة أخماسه، ولا تزيد مسائل الرد عليها؛ لأنها لو زادت سدسا آخر لكمل المال فلا رد.
وإن كان من يرد عليه مع زوج أو زوجة، فإن كان شخصا واحدا أخذ الفاضل بعد فرض الزوجية وصحت من مسألة الزوجية.
وإن كان اثنين فأكثر فإنه يقسم ما بقي بعد فرض أحد الزوجين على مسألة الرد كوصية مع إرث، فيبدأ بإعطاء أحد الزوجين فرضه والباقي لمن يرد عليه، فإن انقسم بلا كسر كزوجة وأم وأخوين لأم، لم يحتج لضرب وصحتا من مخرج فرض الزوجية، فللزوجة الربع واحد من أربعة، والباقي بين الأم وولديها أثلاثا؛ لأن مسألة الرد من ثلاثة كما تقدم والباقى ثلاثة، وكذا زوجة وأم وولد أم.
وإن لا ينقسم الباقي بعد فرض أحد الزوجين على مسألة الرد ضربت مسألة الرد في مسألة الزوج أو الزوجة لعدم الموافقة إذ الباقى بعد فرض الزوجية إما واحد من اثنين إن كان الفرض نصفا والواحد يباين كل عدد، وإما ثلاثة إن كان ربعا، وهي
الجزء: 3 - الصفحة: 147
تباين الاثنين والأربعة والخمسة، وإما سبعة إن كان ثمنا وهي مباينة لأصول الرد الأربعة، فإن احتاجت مسألة الرد لتصحيح وصححتها فيمكن أن تكون الموافقة بين ما صحت منه وما بقي، فلا تعارض بين ما في "شرح المنتهى" لمصنفه، أن الباقى بعد فرض الزوجية لا يكون إلا مباينا لمسألة الرد وبين ما في "الإقناع" 1181 فما بلغ حاصل الضرب انتقلت إليه، وينحصر في خمسة أصول: -
1 - أربعة: كزوج وجدة وأخ لأم، مسألة الزوج من اثنين له واحد ويبقى واحد على اثنين مسألة الرد فتضرب مسألة الرد وهي اثنان في مسألة الزوج وهي اثنان فتصح من أربعة، ومن له شيء من مسألة الزوجية أخذه مضروبا في مسألة الرد، ومن له شيء من مسألة الرد أخذه مضروبا في الفاضل بعد فرض الزوجية، فللزوج اثنان، وللجدة سهم، وللأخ لأم سهم.
2 - وإن كان مكان زوج زوجة: فمسألة الزوجة من أربعة والباقي منها بعد فرض الزوجة ثلاثة على مسألة الرد اثنين تباينها، فتضرب مسألة الرد وهى اثنان في مسألة الزوجة وهي أريعة تكون ثمانية، للزوجة الربع اثنان، وللجدد ثلاثة، وللأخ للأم كذلك.
3 - وإن كان مكان الجدة أخت لأبوبن: فمسألة الرد من أربعة والباقي ثلاثة
الجزء: 3 - الصفحة: 148
تباينها، فاضرب مسألة الرد أربعة في مسألة الزوجية أربعة تكون ستة عشر، للزوجة الربع أربعة، وللأخت لأبوين تسعة، وللأخ لأم ثلاثة.
4 - وإن كان مع الزوجة بنت وبنت ابن: فمسألة الزوجية من ثمانية والفاضل منها سبعة تباين مسألة الرد وهي أربعة، فاضربها في مسألة الزوجية تبلغ اثنين وثلاثين، للزوجة الثمن أربعة، وللبنت إحدى وعشرون، ولبنت الابن سبعة.
5 - وإن كان معهن جدة: فمسألة الرد من خمسة فاضربها في مسألة الزوجية تصح من أربعين، للزوجة الثمن خمسة، وللبنت إحدى وعشرون، ولبنت الابن سبعة، وللجدة سبعة.
وإن شئت فصحح مسألة الرد وحدها ابتداء ثم زد عليها لفرض الزوجية للنصف مثل مسألة الرد؛ لأنها بقية مال ذهب نصفه، ففي زوج وجدة وأخ لأم مسألة الرد من اثنين فتزيد عليها اثنين للزوج تصير أربعة، ومنها تصح.
وزد للربع ثلثا، لأنها بقية مال ذهب ربعه، كزوجة وأم وأخ لأم مسألة الرد من ثلاثة، فتزيد عديها للزوجة واحدا تصير أربعة ومنها تصح.
وزد للثمن سبعا؛ لأنها بقية مال ذهب ثمنه، ففي زوجة وبنت وبنت ابن وجدة مسألة الرد من خمسة فتزيد عليها للزوجة خمسة أسباع وابسط الخمسة وخمسة أسباع تكن أربعين 1182، ومنه تصح للزوجة خمسة، وللبنت إحدى وعشرون، ولكل من بنت الابن والجدة سبعة سبعة.
الجزء: 3 - الصفحة: 149
تتمة: -
تصحيح المسائل هو: تحصيل أقل عدد يخرج منه نصيب كل وارث صحيحا بلا كسر 1183، ويتوقف على أمرين: -
1 - معرفة أصل المسألة وقد تقدم 1184.
2 - ومعرفة جزء السهم، وهو المذكور هنا.
فإذا انكسر سهم فريق عليه ولم ينقسم قسمة صحيحة ضربت عدده إن باين سهامه في المسألة وعولها إن عالت، كزوج وخمسة أعمام أصل المسألة من اثنين، للزوج واحد يبقى للأعمام واحد يباين الخمسة عددهم فاضربها في اثنين تصح من عشرة، للزوج خمسة، ولكل عم سهم، أو ضربت وفقه إن وافقها بنصف، كأم وستة أعمام، أصل المسألة من ثلاثة، للأم واحد، وللأعمام الباقي اثنان على ستة لا ينقسم، ويوافق بالنصف فرد الستة لنصفها ثلاثة واضربها في أصل المسألة تصح من تسعة، أو وافقها بثلث، كزوجة وستة أعمام 1185 الباقي للأعمام ثلاثة على ستة توافقها بالثلث فاضرب اثنين في أربعة تصح من ثمانية، وكذا لو وافقت بثمن أو عشر أو ثلث ثمن أو جزء من أحد عشر ويصير لواحد من انكسر عليهم ما لجماعتهم عند التباين أو وفقه عند التوافق.
وإذا انكسر سهم على فريقين فأكثر كثلاث 1186 فرق أو أربعة ولا يتجاوزها في
الجزء: 3 - الصفحة: 150
الفرائض فانظر أولا بين كل فريق وسهامه وأثبت المباين بحاله ووفق الموافق ثم انظر بين المثبتات بالنسب الأربع وهي التماثل والتداخل والتوافق والتباين 1187 وحصل أقل عدد ينقسم عليها، فإن تماثلت كزوجة وثلاثة إخوة لأم وثلاثة أعمام ضربت أحد المتماثلين في المسألة فتضرب هنا ثلاثة في اثني عشر بستة وثلاثين، للزوجة ثلاثة في ثلاثة بتسعة وللإخوة لأم أربعة في ثلاثة باثني عشر لكل واحد أربعة، وللأعمام خمسة في ثلاثة بخمسة عشر لكل عم خمسة.
وإن تناسبت بأن كان الأقل منهما جزءا للأكثر، كنصفه وثلثه ونحو ذلك، ويقال لهما: المتداخلان -وجزء الشيء كسره الذي إذا سلط عليه أفناه- ضربت أكثر العددين في المسألة، ففي ثلاثة إخوة لأم وتسعة أعمام نصيب كل من الفريقين مباين لعدده وعدداهما متناسبان فاضرب التسعة في ثلاثة تصح من سبعة وعشرين للإخوة للأم تسعة لكل واحد ثلاثة وللأعمام ثمانية عشر لكل عم اثنان، وكذا إن كان الانكسار على ثلاث 1188 فرق أو أربع 1189 وتداخلت فتكتفي بأكثرها فهو جزء السهم فتضربه في المسألة بعولها إن عالت فما بلغ فمنه تصح، أو ضربت وفق أحد المتماثلين أو أكثر المتناسبين للحيز الثالث إن كان في أحدهما، ثم في المسألة وعولها إن عالت فما بلغ فمنه تصح، فالموافقة بين الثالث وأحد المتماثلين كأربع زوجات وثمان
الجزء: 3 - الصفحة: 151
وأربعين شقيقة وأربع وعشرين أختا لأم، أصلها اثنا عشر وتعول إلى خمسة عشر فنصيب الزوجات يباينهن ونصيب الشقيقات يوافقهن بالثمن فردهن إلى وفقهن ستة، ونصيب الأخوات لأم يوافقهن بالربع فردهن إلى وفقهن ستة، ويتماثل معك عددان ستة وستة فتكتفي بأحدهما وتضرب وفقه في الأربعة باثني عشر ثم تضربها في المسألة وعولها خمسة عشر بمائة وثمانين، ومثال الموافقة بين الثالث وأكثر المتناسبين: أربع زوجات وثلاث شقيقات وستة أعمام، فنصيب الزوجات والشقيقات والأعمام كل يباينه فتبقيه بحاله، في كون معك عددان متناسبان ثلاثة وستة فتكتفي بالستة ثم تضرب وفقها في الأربعة وتتم العمل.
وإن تباينت الأعداد ضربت بعض المتباين في بعض إلى آخره والحاصل في أصل المسألة، كجدتين وخمس بنات وثلاثة أعمام أصل المسألة من ستة للجدتين السدس واحد لا ينقسم عليهما ويباينهما وللبنات أربعة تباينها والباقي للأعمام واحد يباينهم، والأعداد الثلاثة أيضا متباينة فاضرب اثنين في خمسة والحاصل في ثلاثة تبلغ ثلاثين فهي جزء السهم فاضربه في الستة أصل المسألة تصح من مائة وثمانين، فمن له شيء من المسألة أخذه مضروبا في جزء السهم، فللجدتين واحد في ثلاثين بثلاثين لكل واحدة خمسة عشر، وللبنات أربعة في ثلاثين بمائة وعشرين لكل واحدة أربعة وعشرون، وللأعمام واحد في ثلاثين بثلاثين لكل عم عشرة.
وإن توافقت الأعداد ضربت وفق أحد المتوافقين في كامل الآخر والحاصل في وفق اللآخر إن وافق، كأربعة وستة وعشرة فإنها توافق بالأنصاف أو كاثني عشر وثمانية عشر وعشرين فلك طريقان: -
الجزء: 3 - الصفحة: 152
أحدهما: طريقة الكوفيين 1190 وهي أسهل، وهي أن توفق بين أي عددين شئت من غير أن تقف شيئا ثم تضرب وفق أحدهما في جميع الآخر، فما بلغ فاحفظه، ثم انظر بين المحفوظ وبين الثالث، فإن كان داخلا فيه أو مماثلا له لم تحتج إلى ضربه واجتزأت بالمحفوظ فهو جزء السهم، فاضربه في أصل المسألة فما بلغ منه تصح، وإن وافق الثالث المحفوظ ضربت وفقه، فما حصل فهو جزء السهم ثم اضربه في المسألة فما بلغ فمنه تصح، واقسم كما سبق، ففي أربع زوجات وتسع شقيقات واثني عشر عما: المسألة من اثني عشر وسهام كل فريق تباينه، وإذا نظرت بين التسعة واثني عشر فهما متوافقان بالثلث، فاضرب ثلثي أحدهما في الآخر بستة وثلاثين، وانظر بينه وبين عدد الزوجات تجد عدد الزوجات داخلا فيه، فالستة والثلاثون جزء السهم اضربه في اثني عشر أصل المسألة تصح من أربعمائة واثنين وثلاثين، فاقسمها للزوجات ثلاثة في ستة وثلاثين بمائة وثمانية لكل واحدة سبعة وعشرون، وللشقيقات ثمانية في ستة وثلاثين بمائتين وثمانية وثمانين لكل واحدة اثنان وثلاثون 1191، وللأعمام واحد في ستة وثلاثين لكل واحد ثلاثة، وإن تماثل عددان وباينهما ثالث كثلاث أخوات لأبوين وثلاث جدات وأربعة أعمام أو وافقهما الثالث كأربع زوجات وستة عشر أخا لأم وستة أعمام ضربت أحد المتماثلين في جميع الثالث إن باينهما كالمثال الأول، أو ضربت أحد المتماثلين في وفق الثالث إن كان موافقا كالمثال الثاني، فما بلغ فهو جزء السهم، فإذا أردت تتميم العمل ضربته في المسألة فما حصل صحت منه المسألة كما سبق، وإن تناسب اثنان وباينهما الثالث، كثلاث جدات وتسع بنات وخمسة
الجزء: 3 - الصفحة: 153
أعمام أصل المسألة من ستة، للجدات السدس واحد على ثلاثة لا ينقسم ويباين، وللبنات الثلثان أربعة لا تنقسم وتباين، وللأعمام الباقي واحد على خمسة لا ينقسم ويباين، والثلاثة داخلة في التسعة والخمسة مباينة لهما ضربت أكثرهما وهو التسعة في جميع الثالث وهو خمسة يحصل خمسة وأربعون فهي جزء السهم، ثم اضربها في المسألة وهي ستة فتصح من مائتين وسبعين، للجدات خمسة وأربعون لكل واحدة خمسة عشر، وللبنات مائة وثمانون لكل واحدة عشرون، وللأعمام خمسة وأربعون لكل واحد تسعة، وإن توافق اثنان من أعداد الفرق وباينهما الثالث كأربعة وخمسة وستة ضربت وفق أحدهما في جميع الآخر ثم ضربت الحاصل في العدد الثالث المباين فالحاصل جزء السهم اضربه في أصل المسألة ثم اقسمه كما مر، وإن تباين الثلاثة فاضرب أحدهما في الآخر ثم اضرب الحاصل في الثالث فهو جزء السهم، كأربع زوجات وثلاث أخوات لغير أم وخمسة أعمام أصل المسألة اثنا عشر للزوجات ثلاثة على أربعة تباين، وللأخوات الثلثان ثمانية على ثلاثة لا تنقسم وتباين، وللأعمام الباقي واحد لا ينقسم ويباين، والأعداد الثلاثة متباينة وحاصل ضربها في بعضها ستون فهي جزء السهم تضرب في اثني عشر وتصح من سبعمائة وعشرين، للزوجات مائة وثمانون لكل واحدة خمسة وأربعون، وللأخوات أربعمائة وثمانون لكل واحدة مائة وستون، وللأعمام ستون لكل واحد اثنا عشر، وإن ماثل حاصل ضرب المتباينين الثالث كاثنين وثلاثة وستة فإن حاصل ضرب الاثنين في الثلاثة ستة وهي مماثلة للستة فتكتفي بها وتضربها في أصل المسألة، وإن وافق حاصل ضرب المتباينين الثالث كاثنين وثلاثة وتسعة إذا ضربت الاثنين في الثلاثة وقابلت بين الحاصل وبين التسعة وجدتهما متوافقين بالثلث، فرد أحدهما إلى ثلثه واضربه في كامل الآخر كما تقدم في
الجزء: 3 - الصفحة: 154
الصور كلها وتمم العمل على ما تقدم، وكذا لو انكسر على أربع فرق فتنظر بين اثنين منها وتحصل أقل عدد ينقسم على كل منهما ثم تنظر بين الحاصل والثالث، وتحصل أقل عدد ينقسم على كل منهما ثم تنظر بين الحاصل والرابع، وتحصل أقل عدد ينقسم على كل منهما ولا يتجاوزها في الفرائض بخلاف الوصايا وغيرها، وأقل عدد ينقسم على كل من عددين مثل أحدهما إن تماثلا وأكبرهما إن تداخلا ومسطح ضرب أحدهما في وفق الآخر إن توافقا أو في كله إن تباينا، فلو كان العددان خمسة وخمسة فأقل عدد ينقسم على كل منهما هو خمسة لتماثلهما، وأقل عدد ينقسم على كل من خمسة وعشرة هو العشرة لتداخلهما، وأقل عدد ينقسم على كل من ثمانية واثني عشر هو أربعة وعشرون حاصل ضرب ربع الاثني عشر في الثمانية أو ربع الثمانية في الاثني عشر لتوافقهما بالربع، وأقل عدد ينقسم على كل من خمسة وستة هو ثلاثون حاصل ضرب ستة في خمسة لتباينهما، وهذه طريقة الكوفيين وقدمها في "المغني" و"الشرح" وغيره 1192. والثانية: طريقة البصريين 1193 وهي أن تقف واحدا ويسمى الموقوف المطلق وتوفق بينه وبين الأخيرين فترد كلا منهما إلى وفقه، كما لو كان عندك اثنا عشر وثمانية عشر وعشرون، فتقف الاثني عشر وتنظر بينهما وبين الثمانية عشر، فترد الثمانية
الجزء: 3 - الصفحة: 155
عشر لسدسها ثلاثة، ثم تنظر بينها وبين العشرين فتردها لربعها خمسة، ثم تنظر في الوفقين، فإن تباينا كما هنا ضربت أحدهما في الآخر، فتضرب الثلاثة في الخمسة تبلغ خمسة عشر، ثم في الموقوف وهو الاثنا عشر بمائة وثمانين، وإن كان بين الوفقين موافقة أيضا ضربت وفق أحدهما في الآخر ثم الحاصل في الموقوف، وإن كانا متناسبين ضربت أكبرهما في الموقوف، وإن كانا متماثلين ضربت أحدهما في الموقوف، وكذا لو وقفت الثمانية عشر في المثال أو العشرين وعملت ذلك العمل لحصل المقصود فلا يتعين واحد منها للإيقاف لحصول الغرض على كل تقدير.
قال العلامة الشيخ منصور البهوتي 1194 -رحمه اللَّه تعالى- في شرح الإقناع 1195: "فتخصيصه في "الإنصاف" و"التنقيح" 1196 الوقف بالاثني عشر لا يتأتى أيضا حتى على طريقة البصريين بل المنقول
الجزء: 3 - الصفحة: 156
عنهم إيقاف الأكبر، لكن نوقش فيه بأن المطلوب حاصل على كل حال إلا أن يظهر له أثر باختصار العمل أو سهولته، ولذلك لم يتابعه في المنتهى، وإنما يتعين وقف معين منها إذا كان يوافق الآخرين وهما متباينان، كستة وأربعة وتسعة فتقف الستة فقط ويسمى الموقوف المقيد فتنظر بينه وبين الأربعة فتردها إلى اثنين، ثم بينه وبين التسعة فتردها إلى ثلاثة، ثم تضرب الاثنين في الثلاثة والحاصل في الستة بستة وثلاثين، وإن شئت اكتفيت بضرب المتباين كما هو أحد الوجهين في ذلك" انتهى 1197. = للإنصاف، صحح فيه الروايات المطلقة في المقنع، وكلاهما مطبوع.
ينظر: المدخل ص 436، ومصطلحات الفقه الحنبلي ص 207.
الجزء: 3 - الصفحة: 157
تتمة ثانية: -
في المناسخات: جمع مناسخة من النسخ بمعنى الإزالة، أو التغيير، أو النقل، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته، ونسخت الرياح الديار غيرتها، ونسخت الكتاب نقلت ما فيه 1198. ومعناها اصطلاحا: أن يموت بعض ورثة الميت قبل قسم تركته 1199. قال الشيخ منصور -رحمه اللَّه تعالى-: "وهذا الباب من عويص الفرائض، وما أحسن الاستعانة عليه بمعرفة رسالة الشباك لابن الهائم لأنه أضبط" انتهى 1200. ولها ثلاث صور: - إحداها: أن يكون ورثة الميت الثاني يرثونه على حسب ميراثهم من الأول، مثل أن يكونوا عصبة لهما كالأولاد فيهم ذكر والإخوة والأعمام، فتقسم التركة بين من بقي من الورثة ولا تلتفت إلى الأول، كما لو مات شخص عن أربعة بنين وأربع بنات، ثم مات منهم واحد بعد آخر حتى بقي منهم ابن وبنت فاقسم المال بينهما أثلاثا، ولا تحتاج لعمل؛ لأنه تطويل بلاحاجة، وقد يتفق ذلك في أصحاب الفروض، كأن يموت عن أخوات ثم يموت بعضهن عمن بقي فيرثنه بالفرض والرد، وهذا هو
الجزء: 3 - الصفحة: 158
الاختصار قبل العمل، وربما اختصرت المسائل بعد العمل والتصحيح بسبب الموافقة بين السهام، بأن كان بين جميع السهام موافقة بجزء ما فترد المسألة إلى وفقها ونصيب كل وارث إلى وفقه فإن كان للمسألة بعد تصحيحها كسر تتفق فيه جميع السهام، فترد المسألة إلى ذلك الكسر، وترد سهام كل وارث إليه ليكون أسهل في العمل، كزوجة وابن وبنت ماتت البنت عن أمها وأخيها، فالأولى من أربعة وعشرين، والثانية من ثلاثة، وسهام الميت سبعة لا تنقسم عليها ولا توافقها، فاضرب الثانية في الأولى تصح المسألتان من اثنين وسبعين، وتسمى الجامعة، للزوجة ستة عشر، وللابن ستة وخمسون، وتتفق سهامها بالأثمان فرد المسألة إلى ثمنها تسعة، ونصيب كل منهما إلى ثمنه فيكون للزوجة سهمان، وللابن سبعة، وقس على ذلك ما أشبهه.
الصورة الثانية: أن يكون ما بعد الميت الأول من الموتى لا يرث بعضهم بعضا، كإخوة خلف كل واحد منهم بنيه فاجعل لكل واحد منهم مسألة واجعل مسائلهم كعدد انكسرت سهامهم وصححه على ما تقدم في تصحيح المسائل يحصل المطلوب، مثاله: رجل خلف أربعة بنين فمات أحدهم عن ابنين، ومات الثاني عن ثلاثة بنين، ومات الثالث عن أربعة بنين، ومات الرابع عن ستة بنين، فالمسألة الأولى من أربعة، ومسألة الابن الأول من اثنين، ومسألة الابن الثاني من ثلاثة، ومسألة الابن الثالث من أربعة، ومسألة الابن الرابع من ستة عدد البنين لكل منهم، فالحاصل من مسائل الورثة اثنان وثلاثة وأربعة وستة، فالاثنان تدخل في الأربعة، والثلاثة تدخل في الستة فأسقط الاثنين، والثلاثة يبقى أربعة وستة وهما متوافقان فاضرب وفق الأربعة في الستة تكن اثني عشر ثم تضربها في المسألة الأولى، وهي أربعة تكن ثمانية وأربعين لورثة كل ابن اثنا عشر حاصل من ضرب واحد في اثني عشر فلكل واحد من
الجزء: 3 - الصفحة: 159
ابني الابن الأول ستة، ولكل واحد من بني الابن الثاني أربعة، ولكل واحد من بني الابن الثالث ثلاثة، ولكل واحد من بني الابن الرابع سهمان، وهذا واضح؛ لأن كلا منهم يختص بتركة مورثه.
الصورة الثالثة: ما عدا الصورتين السابقتين بأن كان بعضهم يرث بعضا ولا يرثون الثاني كالأول، فصحح المسألة الأولى للميت الأول كانه لم يمت أحد من ورثته، واعرف سهام الثاني، واعمل له مسألة أخرى وصححها، واقسم سهم الميت الثاني من الأولى على مسألته، فإن انقسم سهمه على مسألته صحتا مما صحت منه الأولى، كرجل خلف زوجة وبنتا وأخا لغير أم، ثم ماتت البنت عن زوج وبنت وعمها، فالأولى من ثمانية، للزوجة سهم، وللبنت أربعة، وللأخ ثلاثة، ومسألتها من أربعة للزوج سهم، وللبنت سهمان، وللعم الباقي سهم، والأربعة سهام اليتة منقسمة على الأربعة مسألتها فصحتا من ثمانية، لزوجة الأول سهم، ولزوج الثانية سهم، ولبنتها سهمان، وللأخ من المسألتين أربعة ثلاثة من الأولى وواحد من الثانية، وإلا ينقسم سهم الثاني من الأولى على مسألته، فإن وافقت سهامه مسألته بنحو ثلث أو نصف ونحوه ضربت وفق مسألته في جميع المسألة الأولى لتخرج بلا كسر، فما حصل يسمى الجامعة، ثم كل من له شيء من المسألة الأولى فهو مضروب في وفق الثانية، ومن له شيء من المسألة الثانية فهو مضروب في وفق سهام الميت الثاني، مثل: أن تكون الزوجة أما للبنت الميتة في المثال المذكور، فتصير مسألتها من اثني عشر؛ لأنها مخرج النصف والربع والسدس توافق مسألتها سهامها من الأولى وهي أربعة بالربع، فتضرب ربعها ثلاثة في المسألة الأولى وهي ثمانية تكن الجامعة أربعة وعشرين، للزوجة من الأولى واحد في وفق الثانية ثلاثة بثلاثة، ومن الثانية بكونها أما سهمان في وفق
الجزء: 3 - الصفحة: 160
سهام الميت وهو واحد باثنين يجتمع لها خمسة، وللأخ من الأولى ثلاثة في وفق الثانية ثلاثة بتسعة، ومن الثانية بكونه عما واحد في واحد فيجتمع له عشرة، ولزوج الثانية ثلاثة في واحد بثلاثة ولبنتها ستة في واحد بستة، ويمتحن العمل بجمع السهام، فإن ساوى الجامعة فالعمل صحيح وإلا فأعده، وإلا توافق سهام الثاني من الأولى مسألته بل باينتها ضربت المسألة الثانية في الأولى، فما حصل فهو الجامعة، ثم من له شيء من المسألة الأولى أخذه مضروبا في المسألة الثانية؛ لأنها جزء سهمها، ومن له شيء من المسألة الثانية أخذه مضروبا في سهام الميت الثاني؛ لأن ورثته إنما يرثون سهامه من الأولى، كان تخلف البنت -التي مات أبوها عنها وعن زوجة وأخ ثم ماتت- بنتين وزوجا وأما فإن مسألتها من اثني عشر وتعول إلى ثلاثة عشر، للبنتين ثمانية، وللزوج ثلاثة وللأم اثنان، وسهام البنت من مسألة أبيها أربعة تباين الثلاثة عشر فاضربها في المسألة الأولى وهي ثمانية تكن مائة وأريعة، للزوجة من الأولى واحد في ثلاثة عشر بثلاثة عشر ولها من الثانية اثنان مضروبان في سهام البنت من الأولى، وهي أربعة بثمانية يجتمع لها إحدى وعشرون، ولأخ الميت الأول ثلاثة في ثلاثة عشر بتسعة وثلاثين ولا شيء له من الثانية، ولزوج الثانية ثلاثة في أربعة باثني عشر ولبنتيها ثمانية في أربعة باثنين وثلاثين والاختبار بجمع السهام كما تقدم، وإن مات أيضا ثالث فأكثر قبل قسمة تركة الأول جمعت سهامه من المسألتين الأوليين فأكثر وعملت فيها كعملك في ثان مع أول، فتعمل له مسألة وتعرض سهامه مما قبلها عليها، فإما أن ينقسم أو يوافق أو يباين، فإن انقسم لم تحتج لضرب وإلا ضربت وفقها في الجامعة قبلها، وإن باينت سهامه مسألته ضربت مسألته في الجامعة قبلها فما بلغ فمنه تصح وتقسم كما تقدم، وهكذا تفعل في ميت بعد آخر حتى تنتهي، وإذا مات شخص عن
الجزء: 3 - الصفحة: 161
بنتين وأبويين، ثم ماتت إحدى 1201 البنتين قبل قسم التركة سئل عن الميت الأول لاختلاف الحال بأنوثته وذكورته، فإن كان الميت الأول رجلا فالأب جد أبو أب فيرث في المسألة الثانية، ويصحان من أربعة وخمسين؛ لأن الأولى من ستة وسهام البنت منها اثنان ومسألتها من ثمانية عشر توافقها بالنصف فاضرب تسعة في ستة يحصل ما ذكر، للبنت الباقية من أبيها وأختها ثلاثة وعشرون، من الأولى 1202 ثمانية عشر، ومن الثانية خمسة، وللأب من ابنه وبنت ابنه تسعة عشر تسعة من الأولى 1203 وعشرة من الثانية، وللأم منها اثنا عشر تسعة من الأولى وثلاثة من الثانية، وإن كان الميت الأول أنثى فأبوه أبو أم لا يرث في الثانية واسأل عن الأخت الباقية هل هي شقيقة المتوفاة أو لأمها، فإن كانت شقيقة صحتا من اثني عشر؛ لأن الثانية إذا من أربعة؛ لأنها أخت شقيقة وجدة فيرد الباقي عليهما، وتوافق سهام الميتة بالنصف فتضرب اثنين في الأولى وهي ستة تبلغ ذلك للأب من الأولى واحد في اثنين باثنين ولا شيء له من الثانية، وللأم من المسألتين ثلاثة وللبنت منهما سبعة، وإن كانت أختا لأم صحت المسألتان من ستة؛ لأن الثانية من اثنين للرد وسهامها من الأولى اثنان منقسمة عليها، وتسمى هذه المسألة المأمونية؛ لأن المأمون 1204 امتحن
الجزء: 3 - الصفحة: 162
بها يحيى بن أكثم 1205 -بالثاء المثلثة- لما أراد أن يوليه القضاء فقال له: الميت الأول ذكر أو أنثى فعلم أنه قد عرفها فقال: إذا عرفت التفصيل فقد عرفت الجواب وولاه 1206.
الجزء: 3 - الصفحة: 163
تنبيه: -
قسم التركات 1207: هو ثمرة علم الفرائض وينبني على الأعداد الأربعة المتناسبة التي نسبة أولها إلى ثانيها كنسبة ثالثها إلى رابعها كالاثنين والأربعة والثلاثة والستة فنسبة الاثنين إلى الأربعة كنسبة الثلاثة إلى الستة، وكذلك نسبة نصيب كل وارث من المسألة إليها كنسبة ماله من التركة إليها، وهذه الأعداد الأربعة أصل كبير في استخراج المجهولات، وإذا جهل أحدها ففي استخراجه طرق: -
1 - أحدها: طريق النسبة، وقد أشار إليها بقوله: (وإذا كانت التركة معلومة) وصحت المسألة على ما تقدم 1208 (وأمكن نسبة سهم كل وارث من المسألة) إلى المسألة (فله) أي للوارث (من التركة مثل نسبته) أي نسبة سهمه إلى المسألة، فلو ماتت امرأة عن زوج وأبوين وابنتين وتركت مائة دينار فالمسألة من خمسة عشر، ليزوج منها ثلاثة، وهي خمس المسألة فله خمس التركة عشرون دينارا، ولكل واحد من الأبوين اثنان من الخمسة عشر وهما ثلثا خمسها فلكل منهما ثلثا خمس التركة ثلاثة عشر دينارا وثلث دينار، ولكل واحدة من البنتين ستة وعشرون دينارا وثلثا دينار، وهذه أحسن الطرق حيث سهلت.
2 - الثانية من الطرق: ما أشار إليها بقوله: (وإن شئت ضربت سهامه) أي كل وارث (في التركة، وقسمت الحاصل على المسألة، فما خرج فنصيبه)، ففي المثال: للزوج ثلاثة تضربها في التركة مائة بثلاثمائة وتقسمها على المسألة خمسة عشر
الجزء: 3 - الصفحة: 164
يخرج له عشرون، ولكل من الأبوين اثنان تضريهما في مائة بمائتين وتقسمها على الخمسة عشر يخرج لكل واحد ثلاثة عشر وثلث، وتضرب لكل من البنتين أربعة في مائة بأربعمائة تقسمها على الخمسة عشر يخرج ستة وعشرون دينارا وثلثا دينار وهو ما لكل واحدة منهما، وعلى ذلك فقس.
3 - (وإن شئت قسمته) سهم ذلك الميت لورثته (على غير ذلك) المذكور (من الطرق) كأن تقسم التركة على المسألة ففى المثال: تقسم المائة على الخمسة عشر أو تقسم وفقها على وفق المسألة كأن تقسم خمس التركة وهو عشرون على خمس الخمسة عشر وهو ثلاثة فيخرج على التقديرين ستة وثلثان وتضرب الخارج بالقسمة في سهم كل وارث يخرج حقه فاضرب للزوج ثلاثة في ستة وثلثين يحصل له عشرون دينارا، ولكل من الأبوين اثنين في ستة وثلثين بثلاثة عشر دينارا، وثلث دينار، ولكل من البنتين أربعة في ستة وثلثين بستة وعشرين دينارا وثلثي دينار.
4 - وإن عكست فقسمت المسألة على التركة أو نسبتها منها إن كان أقل كالمثال فنسبة الخمسة عشر إلى المائة عشر ونصف عشر وقسمت على ما خرج بالقسمة نصيب كل وارث من المسألة بعد بسطه من جنس الخارج إن خرج كسر خرج حقه، ففي المثال مخرج العشر ونصفه عشرون بعد بسط نصف العشر، فاضرب نصيب الزوج في عشرين بستين واقسمها على ثلاثة يخرج له كما سبق، ولكل من الأبويين اثنان في عشرين بأربعين واقسمها على ثلاثة يحصل له كما سبق، ولكل من البنتين أربعة في عشرين بثمانين اقسمها على ثلاثة يحصل لها كما تقدم.
5 - وإن شئت قسمت التركة في المناسخات على المسألة الأولى ثم تقسم نصيب الميت الثاني من الأولى على مسألته، وهكذا الثالث والرابع حتى ينتهي.
الجزء: 3 - الصفحة: 165
6 - وإن قسمت على قراريط 1209 الدينار فاجعل عددها كتركة معلومة واعمل على ما ذكر، ومخرج القيراط في عرف أهل مصر والشام وأكثر البلاد أربعة وعشرون فاجعلها كأنها التركة واقسم على ما سبق، وأي عدد أردت قيراطه فاقسمه على أربعة وعشرين فالخارج قيراطه وتجمع تركة هي جزء من عقار كثلث وربع وخمس ونحو ذلك من قراريط الدينار وتقسم كما ذكر، ففي زوج وأم وأخت لغير أم والتركة ثلث وربع من دار أو عقار، فإذا جمعتها من قراريط الدينار كانت أربعة عشر قيراطا فتقسمها على ما سبق كأنها دنانير، فبطريق النسبة للزوج ثلاثة من ثمانية هي ربعها وثمنها، فله ربع الأربعة عشر وثمنها وهو خمسة قراريط وربع قيراط، وللأخت مثله، وللأم اثنان من ثمانية هما ربعها فلها ربع الأربعة عشر وهي ثلاثة قراريط ونصف قيراط.
7 - وإن شئت أخذت الأجزاء من مخرجها وقسمتها على المسألة، فإن انقسمت بلا ضرب قسمتها عليها، كزوج وأم وثلاث أخوات متفرقات والتركة ربع عقار وخمسه تعول المسألة إلى تسعة، للزوج ثلاثة، وللشقيقة مثله، ولكل واحدة من الباقيات سهم، ومخرج سهام العقار عشرون من ضرب بعضها في بعض، والموروث منها تسعة وهي ربع العشرين وخمسها منقسمة على المسألة، فللزوج عشر العقار ونصف عشره وللشقيقة مثله، ولكل واحدة من الباقيات نصف عشره، وإن لم تنقسم السهام على المسألة وافقت بينها وبين المسألة وضربت وفقها عند التوافق وكلها
الجزء: 3 - الصفحة: 166
عند التباين في مخرج سهام العقار، ثم كل من له شيء من المسألة فهو مضروب في السهام الموروثة من العقار عند التباين، أو مضروب في وفقها عند التوافق، فما كان له من ذلك فانسبه من المبلغ، فما خرج فهو نصيبه.
مثال التباين: زوج وأم وأخت لغيرها والتركة ثلث دار وربعها، المسألة من ثمانية وبسط الثلث والربع من اثني عشر مخرجهما سبعة تباين الثمانية، فاضرب الثمانية في المخرج اثني عشر يحصل ستة وتسعون، للزوج من المسألة ثلاثة فاضربها في سبعة بأحد وعشرين فانسبها إلى الستة والتسعين تكن ثمنا وثلاثة أرباع ثمن فله ثمن الدار وثلاثة أرباع ثمنها، وللأخت مثله، وللأم اثنان من المسألة في سبعة بأربعة عشر وهي ثمن الستة والتسعين وسدس ثمنها فلها من الدار ثمنها وسدس ثمنها، ومثال الموافقة: زوج وأبوان وابنتان والتركة ربع دار وخمسها، فالمسألة من خمسة عشر كما تقدم، ومخرج الربع والخمس عشرون وبسطهما منه تسعة وهي السهام الموروثة، وتوافق المسألة في الثلث فرد المسألة إلى ثلثها خمسة واضربه في المخرج وهو عشرون تكن مائة، وتمم العمل على ما سبق، فللزوج من المسألة ثلاثة في ثلاثة وفق سهام الدار تبلغ تسعة انسبها إلى المائة تكن تسعة أعشار عشرها فله تسعة أعشار عشر الدار، ولكل من الأبوين سهمان في ثلاثة بستة فانسبها إلى المائة فله ثلاثة أخماس عشر الدار، ولكل بنت أربعة في ثلاثة باثني عشر فلها عشر الدار وخمس عشرها، وإن قال بعض الورثة: لا حاجة لي بالميراث اقتسم بقية الورثة وأوقفوا سهمه نصا لدخوله في ملكه قهرا 1210.
الجزء: 3 - الصفحة: 167
(فصل في ذوي الأرحام)
جمع رحم وهو القرابة 1211، وهم هنا 1212 كل قرابة ليس بذي فرض ولا عصبة 1213 كالعمة والجد لأم والخال، وبتوريثهم قال عمر 1214 وعلي 1215 وأبو عبيدة ابن الجراح 1216 ومعاذ بن جبل 1217 وأبو الدرداء 1218، لقوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ
الجزء: 3 - الصفحة: 168
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} 1219 وروى أحمد بسنده عن سهل بن حنيف 1220: أن رجلا رمى رجلا بسهم فقتله ولم يترك إلا خالا، فكتب فيه أبو عبيدة إلى عمر، فكتب إليه عمر أني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "الخال وارث من لا وارث له" وحسنه الترمذي 1221، ولأبي داود عن المقدام 1222 مرفوعا: "الخال وارث من لا وارث
الجزء: 3 - الصفحة: 169
له، يعقل عنه ويرثه" 1223.
(وهم) أي ذوي الأرحام (أحد عشر صنفا): -
أحدها: (ولد البنات لصلب أو لابن).
(و) الثاني: (ولد الأخوات) لأبوين أو لأب.
(و) الثالث: (بنات الإخوة) لأبوين أو لأب.
(و) الرابع: (بنات الأعمام) لأبوين أو لأب أو لأم.
(و) الخامس: (ولد ولد الأم) ذكرا كان أو أنثى.
(و) السادس: (العم لأم) سواء كان عم الميت أو عم أبيه أو جده وإن علا.
(و) السابع: العمات لأبوين أو لأب أو لأم سواء عمات الأب أو عمات أبيه أو جده.
(و) الثامن: (الأخوال والخالات) للميت أو لأبويه أو أجداده أو جداته.
(و) التاسع: (أبو الأم) وأبوه وإن علا.
(و) العاشر: (كل جدة أدلت بأب بين أمين) كام أبي الأم، (أو) أدلت (بأب
الجزء: 3 - الصفحة: 170
أعلى من الجد) كأم أبي الجد وإن علا.
(و) الحادي عشر: (من أدلى بهم) أي بواحد من صنف ممن سبق كعمة العمة أو العم، وخالة العمة أو الخال، أو أخي أبي الأم وعمه وخاله ونحوهم، (وإنما يرثون إذا لم يكن) ثم (صاحب فرض ولا عصبة)، فيرثون (بتنزيلهم منزلة من أدلوا به)، فينزل كل منهم منزلة من أدلى به من الورثة بدرجة أو درجات حتى يصل إلى من يرث فيأخذ ميراثه، فولد بنت لصلب أو لابن وولد أخت كأم كل منهم، وبنت أخ وبنت عم وولد ولد أم كآبائهم، وأخوال وخالات، وأبو أم كأم، وعمات وعم من أم كأب، وأبو أم أب وأبو أم أم وأخواهما وأختاهما وأم أبي جد بمنزلتهم، ثم يجعل نصيب كل وارث بفرض أو تعصيب لمن أدلى به من ذوي الأرحام، لما روي عن علي وعبد اللَّه أنهما: "نزلا بنت البنت بمنزلة البنت، وبنت الأخ بمنزلة الأخ، وبنت الأخت بمنزلة الأخت، والعمة بمنزلة الأب، والخالة بمنزلة الأم" 1224، وروي ذلك عن عمر: في العمة والخالة 1225 وعن علي أيضا: "أنه نزل
الجزء: 3 - الصفحة: 171
العمة بمنزلة العم" 1226، وعن الزهري 1227 أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "العمة بمنزلة الأب إذا لم يكن بينهما أب، والخالة بمنزلة الأم إذا لم يكن بينهما أم" رواه أحمد 1228.
فإن أدلى جماعة من ذوي الأرحام بوارث واستوت منزلتهم منه بلا سبق كأولاده وكإخوته المتفرقين الذين لا واسطة بينه وبينهم فنصيبه لهم كإرثهم منه، (و) لكن هنا (ذكرهم كأنثاهم)؛ لأنهم يرثون بالرحم المجردة فاستوى ذكرهم كأنثاهم كولد الأم، فبنت أخت وابن وبنت لأخت أخرى، لبنت الأخت الأولى النصف؛ لأنه إرث أمها فرضا وردا، ولبنت الأخت الأخرى وأخيها النصف؛ لأنه إرث أمهما حيث استوت الأختان في كونهما لأبوين أو لأب أو لأم بالسوية بين الأخت وأخيها فتصح من أربعة.
= الآثار 4/ 399 - 400، والدارقطني في سننه 4/ 100، والبيهقي في السنن الكبرى 6/ 216 - 217، وصححه الألباني في الإراواء 6/ 143.
الجزء: 3 - الصفحة: 172
وإن اختلفت منزلتهم ممن أدلوا به جعلته أي المدلى به كالميت لتظهر جهة اختلاف منازلهم وقسمت نصيبه بينهم على حسب منازلهم، كثلاث خالات متفرقات واحدة شقيقة والأخرى لأب والأخرى لأم، وثلاث عمات كذلك، فالثلث الذي كان لأم بين الخالات على خمسة، لأنهن يرثنها كذلك فرضا وردا، والثلثان اللذان كانا للأب تعصيبا بين العصات على خمسة أيضا لما تقدم، والخمسة والخمسة متماثلان فاجتزئ بإحداهما واضرب في ثلاثة أصل المسألة مخرج الثلث تكن خمسة عشر للخالات منها خمسة للخالة؛ من قبل الأبوين ثلاثة، وللخالة من قبل الأب سهم، وللخالة من قبل الأم سهم، كما يرثن الأم لو ماتت عنهن، وللعمات عشرة، للعمة من قبل الأبوين ستة، وللعمة من الأب سهمان، وللعمة من قبل الأم سهمان، ولو كان مع الخالات خال من أم ومع العصات عم من أم، فسهم كل واحد من الفريقين بينهم، كل على ستة، وتصح من ثمانية عشر، للخال والخالات ستة، وللعم لأم والعمات اثنا عشر.
وإن خلف ثلاثة أخوال متفرقين 1229 فلذي الأم سدس والباقي لذي الأبوين كما يرثان أختهم كذلك، ولا شيء لذي الأب لسقوطه بذي الأبوين.
ويسقط الأخوال مطلقا أبو الأم كما يسقط الأب الإخوة لإدلائهم به.
وإن خلف ثلاث بنات إخوة متفرقين فكأنه خلف أخا من أبوين وأخا لأب وأخا لأم، فسدس الأخ لأم لبنته والباقي للأخ لأبوين لو كان فهو لبنته، وتسقط بنت الأخ لأب كأبيها لو كان موجودا مع الشقيق.
الجزء: 3 - الصفحة: 173
وإن خلف ثلاث بنات عمومة متفرقين فالكل لبنت العم ذي الأبوين نصا 1230 لقيام كل منهن مقام أبيها.
وإن خلف بنت عم لأب وبنت عم لأم وبنت ابن عم فالمال للأولى، وكذا لو خلف بنت عم لأب وبنت عم لأم وبنت بنت عم لأبوين فالمال للأولى، وبنت عم وبنت عمة المال للأولى.
وإن أسقط بعضهم بعضا عمل به، فعمة وبنت أخ المال للعمة لأنها بمنزلة الأب، وبنت الأخ بمنزلة الأخ، والأب يسقط الإخوة.
ويسقط بعيد من وارث بأقرب منه إليه، كبنت بنت بنت وبنت بنت بنت بنت المال للأولى، وكخالة وأم أبي أم المال للخالة؛ لأنها تلقى الأم بأول درجة بخلاف أم أبيها، وكذا بنت بنت بنت وبنت بنت ابن المال للثانية؛ لأنها تلقى بنت الابن الوارثة بأول درجة.
إلا إن اختلفت الجهة فينزل بعيد حتى يلحق بوارث سقط به أقرب أولا، كبنت بنت بنت وبنت أخ لأم الكل لبنت بنت البنت؛ لأن جدتها وهي البنت تسقط الأخ لأم، ونصه في خالة وبنت خالة وبنت ابن عم للخالة الثلث ولبنت ابن العم الثلثان ولا تعطى بنت الخالة شيئا وخالة أب وأم أبي أم الكل للثانية؛ لأنها بمنزلة الأم، والأولى بمنزلة الجدة.
وجهات ذوي الأرحام ثلاث: -
أبوة، ويدخل فيها فروع الأب من الأجداد والجدات السواقط، وبنات
الجزء: 3 - الصفحة: 174
الإخوة والأخوات، وبنات الأعمام والعمات وإن علون.
والثانية: أمومة، ويدخل فيها فروع الأم من الأخوال والخالات، وأعمام الأم وأعمام أبيها وأمها وجدها، وعمات الأم وعمات أبيها وأمها، وأخوال الأم وأخوال أبيها وأمها، وخالات الأم وخالات أبيها وأمها.
والثالثة: بنوة، ويدخل فيها أولاد البنات وأولاد بنات الابن، ووجه الانحصار في الثلاث أن الواسطة بين الإنسان وسائر أقاربه، أبوه وأمه وولده؛ لأن طرفه الأعلى الأبوان لأنه نشأ منهما، وطرفه الأسفل ولده؛ لأنه مبدؤه ومنه نشأ، فكل قريبا إنما هو يدلي بواحد من هؤلاء، فتسقط بنت بنت أخ ببنت عمة؛ لأن الثانية تلقى الميت بثاني درجة والأولى تلقاه بثالث درجة.
ويرث مدل بقرابتين من ذوي الأرحام بهما؛ لأنه شخص له جهتان لا يرجح بهما فورث بهما، كالزوج إذا كان ابن عم فابن بنت بنت هو ابن ابن بنت أخرى مع بنت بنت بنت أخرى لها الثلث وله الثلثان.
(ولزوج أو زوجة معهم) أي مع ذوي الأرحام (فرضه) بالزوجية (بلا حجب) للزوج من النصف إلى الربع، وبلا حجب للزوجة من الربع إلى الثمن بأحد ذوي الأرحام، (ولا عول)؛ لأن فرض الزوجين بنص القرآن فلا يحجبان بذوي الأرحام، وأيضا فذو الرحم لا يرث مع ذي فرض وإنما ورث مع أحد الزوجين لكونه لا يرد عليه، فيأخذ أحد الزوجين فرضه تاما (والباقي لهم) أي لذوي الأرحام كانفرادهم، فلبنت بنت وبنت أخت لا لأم أو بنت أخ لا لأم بعد فرض الزوجية الباقي بالسوية بينهما كما لو انفردا 1231، فإن كان معهما زوج أخذ النصف ولكل منهما ربع
الجزء: 3 - الصفحة: 175
وتصح من أربعة، وإن كان معهما زوجة فلها الربع والباقي لهما بالسوية فتصح من ثمانية.
وفي زوج وبنت بنت وخالة وبنت عم للزوج النصف والباقي لذوي الأرحام على ستة فتصح من اثني عشر، للزوج ستة، ولبنت البنت ثلاثة، وللخالة سهم، ولبنت العم سهصان، وإن كان معهم زوجة فلها الربع واحد ويبقى ثلاثة على ستة توافقها بالثلث، فاضرب اثنين في أربعة تصح من ثمانية ولا يعول في توريث ذوي الأرحام من أصول المسائل إلا أصل ستة فيعول إلى سبعة فقط؛ لأن العول الزائد على ذلك إنما يكون لأحد الزوجين وليس من ذوي الأرحام، كخالة وست بنات أخوات متفرقات، فللخالة السدس، ولبنتي الأختين لأبوين الثلثان، ولبنتي الأخت لأم الثلث 1232، وكأبي أم وبنت أخ لأم وثلاث بنات أخوات متفرقات، لأب الأم السدس، ولبنت الأخت 1233 لأبوين النصف، ولبنت الأخت 1234 لأب السدس، ولبنتي الأخ والأخت لأم الثلث.
ومال من لا وارث له معلوم لبيت المال، يحفظه كالمال الضائع؛ لأن كل ميت لا يخلو من بني عم أعلى إذ الناس كلهم بنو آدم، فمن كان أسبق إلى الاجتماع مع الميت في أب من آبائه فهو عصبة لكنه مجهول، فلم يثبت له حكم وجاز صرف ماله في المصالح، ولذلك لو كان له مولى معتق لورثه في هذا الحال، ولم يلتفت إلى هذا المجهول وليسات بيت المال وارثًا وإنما يحفظ المال الضائع وغيره كأموال الفيء فهو جهة ومصلحة.
الجزء: 3 - الصفحة: 176
فصل: في ميراث الحمل
بفتح الحاء يقال: امرأة حامل وحاملة إذا كانت حبلى، فإذا حملت شيئا على ظهرها أو رأسها فهي حاملة لا غير، وحمل الشجر ثمره بكسر الحاء وفتحها 1235. (والحمل يرث ويورث) عنه ما ملكه بإرث أو وصية (إن استهل صارخا) نصا 1236 لحديث أبي هريرة مرفوعا: "إذا استهل المولود صارخا ورث" رواه أحمد وأبو داود 1237، ولابن ماجه مثله مرفوعا 1238، والاستهلال: رفع1239
الجزء: 3 - الصفحة: 177
الصوت (1)، فصارخا حال مؤكدة، (أو وجد دليل حياته) كإن عطس أو تنفس أو ارتضع أو تحرك حركة طويلة لدلالة هذه الأشياء على الحياة المستقرة فيثبت له حكم الحي كالمستهل، (سوى حركة أو تنفس يسيرين أو اختلاج) (1240). قال الموفق: "ولو علم معها حياة؛ لأنه لا يعلم استقرارها لاحتمال كونها كحركة المذبوح" (1243).
وإن ظهر بعض الجنين فاستهل ثم انفصل ميتا فكما لو لم يستهل، وإن اختلف ميراث توأمين بالذكورة والأنوثة فكانا من غير ولد الأم واستهل أحدهما دون الآخر وجهلت عينه، عين بقرعة كما لو طلق إحدى نسائه ونسيها.
ومن خلف أما مزوجة بغير أبيه وخلف ورثة لا تحجب ولدها لم توطأ الأم حتى تستبرأ ليعلم أحامل هي حين موت ولدها فيرث منه حملها أو لا، وكذا حرة تحت عبد وطئها وله أخ حر فمات أخوه الحر فيمتنع من وطء زوجته حتى يتبين أهي حامل أم12411242 = حبان، كتاب الفرائض برقم (6032) الإحسان 13/ 392 - 393، والحاكم، باب إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه، كتاب الفرائض، المستدرك 4/ 349، والبيهقي، باب السقط يغسل ويكفن ويصلى عليه.
.، كتاب الجنائز، السنن الكبرى 4/ 8 - 9، والحديث قال عنه الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي ا. هـ، وقال شعيب الأرنوؤط محقق الإحسان: "رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن فيه عنعنة أبي الزبير".
الجزء: 3 - الصفحة: 178
لا ليرث الحمل من عمه، فإن وطئت زوجة وجب استبراؤها لذلك ولم تستبرأ، فاتت بولد بعد نصف سنة من وطء لم يرثه؛ لاحتمال حدوثه بعد موته، وإن أتت به لدون نصف سنة من موته ورثه، وكذا إن كف عن وطئها وأتت به لأربع سنين فأقل؛ لأن الظاهر أنها كانت حاملا به قبل الموت.
ومن مات عن حمل يرثه وورثه غيره ورضوا بوقف الأمر على وضعه فهو أولى خروجا من الخلاف، ولتكون القسمة مرة واحدة، (و) إلا بـ (أن طلب الورثة القسمة) لم يجبروا على الصبر (ووقف له) أي الحمل (الأكثر من إرث ذكرين أو أنثيين)؛ لأن ولادة الاثنين كثيرة معتادة فلا يجوز قسم نصيبهما كالواحد وما زاد عليهما نادر فلا يوقف له شيء.
(ويدفع لمن لا يحجبه) الحمل (إرثه كاملا، و) يدفع (لمن ينقصه) الحمل أي يحجبه حجب نقصان (اليقين)، فمن مات عن زوجة وابن وحمل دفع لزوجته الثمن ووقف للحمل نصيب ذكرين؛ لأنه أكثر من نصيب بنتين فتصح المسألة من أربعة وعشرين، للزوجة ثلاثة، ويعطى للابن سبعة، وتوقف أربعة عشر للوضع، وإن مات عن زوجة حامل منه وأبوين فالأكثر هنا إرث أنثيين فتعول المسألة إلى سبعة وعشرين، وتعطى الزوجة منها ثلاثة، وكل من الأبوين أربعة، ويوقف للحمل ستة عشر حتى يظهر أمره، وإن خلف زوجة حاملا منه فقط لم يدفع إليها سوى الثمن؛ لأنه اليقين، ولا يدفع لمن يسقطه الحمل شيء، كمن مات عن زوجة حامل منه وعن إخوة أو أخوات فلا يعطون شيئا؛ لاحتمال كون الحمل ذكرا وهو يسقطهم.
(فإذا ولد) الحمل (أخذ نصيبه) من الوقوف (ورد ما بقي) لمستحقه، (وإن أعوز شيئا) بان ولدت أكثر من ذكرين والموقوف إرثهما (رجع) على من هو في يده.
الجزء: 3 - الصفحة: 179
ومتى زادت الفروض على الثلث فإرث الأنثيين اكثر، وإن نقصت فميراث الذكرين أكثر، وإن استوت كأبوين وحمل استوى ميراث الذكرين والأنثيين، وربما لا يرث الحمل إلا إذا كان أنثى، كزوج وأخت لأبوين وامرأة أب حامل يوقف له سهم من سبعة، وربما لا يرث إلا إذا كان ذكرا كبنت وعم وامرأة أخ لغير أم حامل فيوقف له ما فضل عن فرض البنت.
الجزء: 3 - الصفحة: 180
تتمة في ميراث المفقود: -
من فقدت الشيء فقدا وفقدانا بكسر الفاء وضمها، والفقدان أن تطلب الشيء فلا تجده 1244، والمراد هنا 1245: من لا تعلم له حياة ولا موت لانقطاع خبره 1246.
وله حالان: -
أحدهما: من انقطع خبره لغيبة ظاهرها السلامة؛ كأسر وتجارة وسياحة فينتظر به تتمة تسعين سنة منذ ولد؛ لأن الغالب أنه لا يعيش أكثر من هذا، فإن فقد ابن تسعين سنة اجتهد الحاكم في تقدير مدة انتظاره.
الثاني: من انقطع خبره لغيبة ظاهرها الهلاك كالذي فقد من بين أهله، أو في مفازة مهلكة وهي الأرض التي يكثر فيها الهلاك كدرب الحجاز 1247، وكمن فقد بين الصفين حالة الحرب أو غرقت سفينة وغرق قوم ونجا قوم فينتظر به مدة أربع سنين منذ فقد ثم يقسم ماله؛ لأنها مدة يتكرر فيها تردد المسافرين والتجار فانقطاع خبره عن أهله مع غيبته على هذا الوجه يغلب ظن الهلاك، إذ لو كان باقيا لم ينقطع خبره إلى هذه الغاية، ولاتفاق الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين على اعتداد امرأته بعد
الجزء: 3 - الصفحة: 181
تربصها هذه المدة وحلها للأزواج بعد ذلك 1248، ويزكى مال المفقود لما مضى قبل قسمه نصًّا 1249.
وإن قدم بعد قسم ماله أخذ ما وجده منه بعينه لتبين عدم انتقال ملكه عنه ورجع على من أخذ الباقي ببدله لتعذر رده بعينه.
فإن مات مورث المفقود زمن التربص أخذ من تركته كل وارث غير المفقود اليقين وهو ما لا يمكن أن ينقص عنه مع حياة المفقود أو موته ووقف الباقي حتى يتبين أمر المفقود أو تنقضي مدة الانتظار، فاعمل له مسألة حياة ثم مسألة موت، وانظر بينهما بالنسب الأربع ثم اضرب إحداهما في الأخرى إن تباينتا أو وفقها في الأخرى إن توافقتا، واجتزئ بإحداهما إن تماثلتا وبأكثرهما إن تناسبتا ليحصل أقل عدد ينقسم على كلٍ من المسألتين، ويأخذ وارث منهما اليقين؛ لأن ما زاد عليه مشكوك فيه، فلو مات أبو المفقود وخلف المفقود وزوجة وأما وأخا فمسألة حياته من أربعة وعشرين، للزوجة ثلاثة، وللأم أربعة، وللابن المفقود سبعة عشر، ومسألة موته من اثني عشر، للزوجة ثلاثة، وللأم أربعة، وللأخ خمسة، وهما متداخلان فاجتزئ بالأربعة والعشرين، للزوجة من مسألة الحياة ثلاثة، ومن مسألة الموت ستة فاعطها ثلاثة، وللأم من مسألة حياته أربعة ومن مسألة موته ثمانية فاعطها أربعة، ولا شيء للأخ من مسألة الحياة فلا تعطه شيئا، فإن قدم المفقود أخذ نصيبه وإن لا يقدم
الجزء: 3 - الصفحة: 182
ولم تعلم حياته حين موت مورثه فحكم نصيبه الذي وقف له كبقية ماله الذي لم يخلفه مورثه فيقضى منه دينه في مدة تربصه، وينفق منه على من تلزمه نفقته؛ لأنه إنما يحكم بموته عند انقضاء زمن انتظاره صححه في الإنصاف وغيره (1)، وقيل: يرد إلى ورثة الميت الذي مات في مدة التربص قطع به في المغني والإقناع وقدمه في الرعايتين (2).
تتمة ثانية: في ميراث الخنثى: -
والخنثى: من خنث الطعام إذا اشتبه فلم يخلص طعمه.
وهو: من له شكل ذكر رجل وشكل فرج امرأة، أو ثقب في مكان الفرج يخرج منه البول، وكذا من لا آلة له 1252 على ما يأتي.
ولا يكون الخنثى أبا ولا أما ولا زوجا ولا زوجة.
ويعتبر أمره في توريثه مع إشكال كونه ذكرا أو أنثى ببوله من أحدهما 1253، فإن12501251
الجزء: 3 - الصفحة: 183
بال منهما فسبقه من أحدهما، قال ابن اللَّبَّان 1254: روى الكلبي 1255 عن أبي صالح 1256 عن ابن عباس أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن مولود له قُبُل وذَكَر من أين يورث؟ قال: "من حيث يبول" 1257، وروي أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أتي بخنثى من الأنصار فقال: "ورِّثوه من أول ما يبول منه" 1258 ولأن خروج البول أعم العلامات لوجوده من الصغير والكبير، وسائر العلامات إنما توجد بعد الكبر، وإن خرج البول منهما معا اعتبر أكثرهما، قال ابن
الجزء: 3 - الصفحة: 184
حمدان 1259: "قدرًا وعددًا" 1260؛ لأنها مزية لأحد العلامتين فاعتبر بها كالسبق، فإن استويا في قدر ما يخرج من كل منهما من البول فهو مُشْكِلٌ: من أشْكَلَ الأمرُ التبس لعدم تمييزه بشيء مما تقدم 1261، [و] 1262 حكي عن علي والحسن: "أن أضلاعه تُعَدُّ، فإن كانت ستة عشر فهو ذكر، وإن كانت سبعة عشر فهو أنثى" 1263، قال ابن اللبَّان: "لو صحّ هذا لما أشكل حاله ولما احتيج إلى مراعاة المبال" 1264.
فإن رجي كشف إشكاله لصغر أعطي ومن معه من الورثة اليقين من التركة وهو ما يرثه بكل تقدير، ووقف الباقي حتى يبلغ لتظهر ذكوريته بنبات لحيته أو إمناء من ذكره، أو لتظهر أنوثيته بحيض أو تفلك ثدي أو سقوطه أو إمناء من فرج.
فإن مات الخنثى قبل بلوغ أو بلغ بلا أمارة أخذ نصف إرثه الذي يرثه بكونه ذكرا فقط، كولد أخ الميت أو عمه، فإذا مات شخص عن ولدي أخ لغير أم أحدهما ذكر والآخر خنثى أخذ الخنثى ربع المال؛ لأنه لو كان ذكرا أخذ نصفه فيكون له نصف
الجزء: 3 - الصفحة: 185
النصف وتصح من أربعة، للخنثى واحد، وللذكر ثلاثة، أو أخذ نصف إرثه بكونه أنثى فقط كولد أب خنثى مع زوج وأخت لأبوين إذ لو كان أنثى لأخذ السدس وعالت المسألة به، كان كان ذكرا سقط لاستغراق المال فيعطى نصف السدس وتصح من ثمانية وعشرين، للخنثى سهمان، ولكل من الزوج والأخت ثلاثة عشر، كان ورث الخنثى بالذكورة والأنوثة تساويا كولد الأم فله السدس مطلقًا، أو كان معتقًا فهو عصبة مطلقا؛ لأن المعتِق لا يختلف ميراثه من عتيقه بذلك.
وإن ورث بهما متفاضلا عملت المسألة على أنه ذكر، ثم على أنه أنثى، ثم تضرب إحداهما في الأخرى إن تباينتا، أو وفقها في الأخرى إن توافقتا، وتجتزئ بأحدهما إن تماثلتا، أو بأكثرهما إن تناسبتا وتضربها في اثنين عدد حال الخنثى، ثم من له شيء من إحدى المسألتين فهو مضروب في الأخرى إن تباينتا، أو في وفقها إن توافقتا أو تجمع ماله منهما إن تماثلتا، أو فمن له شيء من أقل العددين فهو مضروب في نسبة أقل المسألتين إلى الأخرى وهو وفق الأكثر، ثم يضاف حاصل الضرب إلى ماله من أكثرهما إن تناسبتا، ويسمى هذا مذهب المنزلين 1265، ففي ابن وبنت وولد خنثى مسألة الذكورية من خمسة والأنوثة من أربعة اضرب إحداهما في الأخرى للتباين تكن عشرين ثم في اثنين تبلغ أربعين، للبنت سهم في خمسة وسهم في أربعة يحصل لها تسعة، وللذكر سهمان في خمسة وسهمان في أربعة يجتمع له ثمانية عشر، وللخنثى سهمان في أربعة وسهم في خمسة تكن ثلاثة عشر.
الجزء: 3 - الصفحة: 186
وإن كانا خنثيين أو أكثر نزلتهم بعدد أحوالهم، فللخنثيين أربعة أحوال، وللثلاثة ثمانية، وللأربعة ستة عشر، وهكذا كلما زاد واحد تضاعف عدد أحوالهم، فما بلغ من ضرب المسائل بعضها في بعض عند التباين وإلا ففي الوفق، وتسقط المماثل والداخل في أكثر منه تضربه في عدد أحوالهم وتجمع ما حصل لهم في الأحوال كلها مما صحت منه قبل الضرب في عدد الأحوال، هذا إذا كانوا من جهة واحدة كابن وولدين خنثيين فلهما أربعة أحوال: حال ذكورية والمسألة من ثلاثة، وحال أنوثية وهي من أربعة، وحالان 1266 ذكران وأنثى وهما من خمسة خمسة، فالمسائل ثلاثة وأربعة وخمسة وخمسة اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر 1267، والحاصل في خمسة بستين وأسقط الخمسة الأخرى للتماثل، ثم اضرب الستين في عدد الأحوال الأربعة يبلغ مائتين وأربعين، ومنها تصح، للابن من الذكورة ثلث الستين عشرون، ومن الأنوثية نصفها ثلاثون، ومن مسألة ذكرين وأنثى خمساها أربعة وعشرون، وكذلك من الأخرى يجتمع له ثمانية وتسعون، ولكل من الخنثيين من الذكورية ثلث الستين عشرون 1268، ومن الأنوثية ربعها خمسة عشر، ومن مسألتي ذكرين وأنثى ستة وثلاثون ومجموع ذلك إحدى وسبعون والام حتان بجمع الأنصباء.
وإن كان الخناثى من جهات جمعت مال لكل واحد منهم في الأحوال كلها وقسمته على عددها، فما خرج فهو نصيبه كولد خنثى وولد أخ خنثى وعم، فإن كان الخنثيان ذكرين فالمال للابن، وإن كانا أنثيين فللبنت النصف وللعم الباقي، وإن كان
الجزء: 3 - الصفحة: 187
الولد ذكرا وولد الأخ أنثى فالمال للولد، كان كان ولد الأخ ذكرا والولد أنثى فللولد النصف والباقي لولد 1269 الأخ، فالمسألة في حالين من واحد وفي حالين من اثنين، فاكتف باثنين واضربهما في أربعة عدد الأحوال تصح من ثمانية، للولد المال في الحالين والنصف في حالين، ومجموع ذلك أربعة وعشرون فاقسمها على أربعة يخرج ستة، ولولد الأخ النصف أربعة في حال فقط، فاقسمها على أربعة يخرج له واحد، وللعم كذلك.
ولو صالح الخنثى المشكل من معه من الورثة على ما وقف له صح الصلح إن كان بعد بلوغه ورشده.
قال الموفق في "المغني": وجدنا في عصرنا شخصين ليس لهما في قبلهما مخرج لا ذكر ولا فرج، أحدهما ليس في قبله إلا لحمة كالربوة يرشح البول منها على الدوام، والثاني ليس له إلا مخرج واحد بين المخرجين منه يتغوط ومنه يبول، وقال: وحدثت أن في بلاد العجم شخصا ليس له مخرج أصلا 1270 لا قبل ولا دبر وإنما يتقيأ ما يأكله وما يشربه، قال: وهذا وما أشبهه في معنى الخنثى لكنه 1271 لا يكون اعتباره بمباله، فإن لم يكن له علامة فهو مشكل ينبغي أن يثبت له حكمه في ميراثه وأحكامه كلها 1272.
الجزء: 3 - الصفحة: 188
فصل في ميراث الغرقى
ومن عمي موتهم بأن لا يعلم أيهم مات أولا كالهدمى ونحوهم 1273 فإذا مات متوارثان بغرق أو هدم أو طاعون أو غير ذلك وجهل أولهما موتا، أو علم ثم نسي وجهلوا عينه ولم يدع ورثة 1274 كل سبق موت الآخر ورث كل واحد من الموتى صاحبه، هذا قول عصر 1275 وعلي 1276 قال الشعبي 1277: "وقع الطاعون بالشام عام عمواس 1278، فجعل أهل البيت يموتون عن آخرهم، فكتب في ذلك إلى عمر، [فكتب
الجزء: 3 - الصفحة: 189
عمر] 1279 أن ورثوا بعضهم من بعض" 1280 قال أحمد: أذهب إلى قول عمر 1281. وروي عن إياس المزني 1282: أن [النبي] 1283 -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن قوم وقع عليهم بيت فقال: " [يرث] 1284 بعضهم بعضا من تلاد 1285 أموالهم" 1286 دون ما ورثوه من الميت معهم لئلا يدخله الدور، فيقدر أن أحدهم مات أولا فيورث الآخر منه، ثم يقسم ما ورثه منه على الأحياء من ورثته، ثم يصنع بالثاني كذلك وهكذا.
فإن غرق أخوان ولم يعلم الحال أحدهما مولى زيد والآخر مولى عمرو صار
الجزء: 3 - الصفحة: 190
مال كل واحد منهما لمولى الآخر، وفي زوج وزوجة وابنهما غرقوا ونحوه وخلف الزوج امرأة أخرى غير التي غرقت معه وخلف أيضا أما وخلفت الزوجة ابنا من غيره وأبا، فمسألة الزوج تصح من ثمانية وأربعين، للزوجة الميتة ثلاثة، ومسألتها من ستة لأبيها السدس ولابنها الحي الباقي، فترد مسألتها إلى وفق سهامها بالثلث اثنين، ولابنه الذي مات معه أربعة وثلاثون من مسألة أبيه تقسم على ورثة الابن الأحياء، لأم أبيه من ذلك سدس ولأخيه لأمه سدس، وما بقي وهو ثلثان لعصبته أي الابن، فمسألته من ستة توافق سهامه الأربعة والثلاثين بالنصف فترد الستة لنصفها ثلاثة فتضرب ثلاثة وفق مسألة الابن في وفق مسألة الأم اثنين يحصل ستة، ثم اضرب الستة في المسألة الأولى وهي ثمانية وأربعون تكن مائتين وثمانية وثمانين ومنها تصح، لورثة الزوجة الأحياء وهم أبوها وابنها من ذلك نصف ثمنه ثمانية عشر، لأبيها ثلاثة، ولابنها خمسة عشر، ولزوجته الحية نصف ثمنه ثمانية عشر، ولأمه السدس ثمانية وأربعون، ولورثة ابنه ما بقي من ذلك وهو مائتان وأربعة، لجدته أم أبيه من ذلك سدسه أربعة وثلاثون، ولأخيه لأمه كذلك، ولعصبته الباقي مائة وستة وثلاثون، ومسألة الزوجة من اثني عشر، للزوج الربع ثلاثة، وللأب السدس اثنان، وللابنين ما بقي سبعة، لا ينقسم عليهما، فاضرب اثنين في اثني عشر فتصح من أربعة وعشرين، للزوج منها الربع ستة، وللأب السدس أربعة، ولكل ابن سبعة، فمسألة الزوج من تركة زوجته من اثني عشر، لزوجته الحية الربع ثلاثة، ولأمه الثلث أربعة، وما بقي لعصبته، ومسألة الابن الميت من تركة أمه من ستة، لجدته أم أبيه السدس، ولأخيه لأمه كذلك، والباقي لعصبته، ومسألة الزوج توافق سهامه بالسدس فترد لاثنين، ومسألة الابن تباين سهامه فتبقى بحالها فدخل مسألة الزوج وهو
الجزء: 3 - الصفحة: 191
اثنان في مسألة الابن وهي ستة فاضرب ستة في أربعة وعشرين تكن مائة وأربعة وأربعين، لورثة الزوج الأحياء من ذلك الربع ستة وثلاثون، لزوجته ربعها تسعة، ولأمه سدسها ستة، والباقي لعصبته، ولأب الزوجة سدس المائة وأربعة وأربعين وهو أربعة وعشرون، ولابنها الحي نصف الباقي وهو اثنان وأربعون، ولورثة 1287 ابنها الميت كذلك يقسم بينهم على ستة لجدته لأبيه سدسه سبعة، ولأخيه لأمه كذلك، والباقي وهو ثمانية وعشرون لعصبته، ومسألة الابن الميت من ثلاثة لأمه الثلث واحد ولأبيه الباقي اثنان، فمسألة أمه من ستة لا ينقسم عليها الواحد ولا توافقه ومسألة [أبيه] 1288 من اثني عشر توافق سهميه بالنصف فترد مسألته لنصفها ستة وهي مناسبة لمسألة الأم فاجتزئ بضرب وفق عدد سهامه وهي ستة في ثلاثة يكن الحاصل ثمانية عشر للأم ثلثها ستة، والباقي للأب اثنا عشر.
وإن ادعى ورثة كل ميت سبق موت صاحبه ولا بينة أو كان لكل واحد بينة وتعارضتا تحالفا ولم يتوارثا نصا 1289، وهو قول الصديق 1290 وزيد 1291 وابن عباس 1292
الجزء: 3 - الصفحة: 192
والحسن بن علي 1293 وأكثر العلماء 1294؛ لأن كلا من الفريقين منكر لدعوى الآخر فإذا تحالفا سقطت الدعوى، فإن لم يثبت السبق لواحد منهما معلوما ولا مجهولا أشبه ما لو علم موتهما معا بخلاف ما لم يدعوا ذلك، كما إذا ماتت امرأة وابنها فقال الزوج: ماتت فورثناها ثم مات ابني فورثته فقال أخوها: بل مات ابنها فورثته ثم ماتت بعده فورثناها حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه وكان ميراث الابن لأبيه وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين، ولو عين الورثة موت أحدهما وشكوا هل مات الاخر قبله أو بعده 1295 ورث من شك في موته من الميت الآخر الذي عينوا موته؛ لأن الأصل بقاء حياته.
ولو تحقق موتهما معا لم يتوارثا بلا خلاف؛ لأن شرط الإرث حياة الوارث بعد المورث ولم يوجد، ولو مات متوارثان عند الزوال ونحوه كشروق الشمس أو غروبها أو طلوع الفجر من يوم واحد أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب ورث من مات بالمغرب من الذي مات بالمشرق لموته قبله بناء على اختلاف الزوال؛ لأنه يكون بالمشرق قبل كونه بالمغرب، ولو مات عند ظهور الهلال قال في "الفائق" 1296: "فتعارض في المذهب والمختار أنه كالزوال" 1297.
الجزء: 3 - الصفحة: 193
فصل فى بيان من يرث من المطلقات ومن لا يرث
يثبت الإرث لأحد الزوجين من الآخر في عدة رجعية سواء أطلقها في الصحة أو المرض، قال في "المغني" 1298: "بغير خلاف نعلمه"، وروي عن أبي بكر وعثمان وعلي وابن مسعود -رضي اللَّه تعالى عنهم- 1299؛ وذلك لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه ويملك إمساكها بالرجعة بغير رضاها وبلا ولي ونحوه، فإن انقضت عدتها فلا توارث، لكن إن كان الطلاق برض موته المخوف وانقضت عدتها ورثته ما لم تتزوج أو ترتد، ويثبت الميراث لها فقط من مطلقها مع تهمته بقصد حرمانها بأن أبانها في مرض موته المخوف ابتداء بلا سؤالها، أو سألته طلاقا أقل من ثلاث فطلقها ثلاثا، أو علقه على ما لا بد لها منه شرعا كالصلاة المفروضة والصوم المفروض، قال في "المحرر" 1300: "وكلام أبيها"، أو علقه على ما لا بد لها منه عقلا كأكل ونحوه كشرب ونوم، أو علقه على مرضه، أو على فعل له كإن دخلت الدار فأنت طالق ففعله في المرض المخوف، أو علقه على ترك فعل فمات قبل فعله، ولو كان ذلك قبل الدخول، أو انقضت عدتها قبل موته فترثه ما لم تتزوج غيره، أو ترتد عن الإسلام فلا ترثه ولو أسلمت بعد؛ لأنها فعلت باختيارها ما ينافي نكاح الأول 1301، والأصل 1302
الجزء: 3 - الصفحة: 194
في إرث المطلقة من مبينها المتهم بقصد حرمانها أن عثمان: ورث بنت الأصبغ الكلبية 1303 من عبد الرحمن بن عوف وكان طلقها في مرضه فبتها" 1304 واشتهر ذلك في الصحابة ولم ينكر فكان كالإجماع، وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن 1305: "أن أباه طلق أمه وهو مريض فمات فورثته بعد انقضاء عدتها" 1306، وروى عروة 1307 أن عثمان قال لعبد الرحمن: "لئن مت لأورثنها منك قال: علمت ذلك" 1308، وما روي عن عبد اللَّه بن الزبير أنه قال: "لا ترث
الجزء: 3 - الصفحة: 195
مبتوتة" 1309 فمسبوق بالإجماع السكوتي زمن عثمان 1310، ولأن المطلق [قصد] 1311 قصدا فاسدا في الميراث فعورض بنقيض قصده كالقاتل.
ويثبت الإرث للزوج فقط من زوجته إن فعلت في مرض موتها المخوف ما يفسخ نكاحها ما دامت معتدة إن اتهمت بقصد حرمانه، كإدخالها ذكر ابن زوجها أو أبيه في فرجها وهو نائم، أو إرضاعها ضرتها الصغيرة ونحوها؛ لأنها أحد الزوجين فلم يسقط فعلها ميراث الآخر كالزوج.
قال الشيخ منصور -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المنتهى" 1312: "ومفهومه أنه لو انقضت عدتها انقطع ميراثه وهو مقتضى كلامه في "التنقيح" 1313 و"الإنصاف" 1314، وظاهر كلامه في "الفروع" 1315 كـ"المقنع" 1316
الجزء: 3 - الصفحة: 196
و"الشرح" 1317 حيث أطلقوا ولو بعد العدة واختاره في "الإقناع" 1318 وقال: إنه أصوب مما في التنقيح.
انتهى".
وإلا تتهم الزوجة بقصد حرمانه الإرث بأن دب زوجها 1319 الصغير أو ضرتها الصغيرة فارتضع منها وهي نائمة سقط ميراثه منها، كفسخ معتقة تحت عبد ثم ماتت؛ لأن [فسخ] 1320 النكاح لدفع الضرر لا للفرار، وكذا لو ثبتت عنة الزوج فأجل سنة ولم يصبها حتى مرضت آخر الحول فاختارت فراقه، ففرق بينهما، انقطع التوارث بينهما.
ويقطع التوارث بين الزوجين إبانة الزوجة في غير مرض الموت المخوف أو فيه بلا تهمة بأن سألته الخلع فأجابها إليه، ومثله الطلاق على عوض أو قبل الدخول، أو سألته الطلاق الثلاث فاجابها إليه أو سألته الطلاق فثلثه، أو علقها 1321 على فعل لها منه بد شرعا وعقلا كخروجها من دارها ونحوه، ففعلت عالمة به لانتفاء التهمة منه، فإن جهلت التعليق ورثته؛ لأنها معذورة.
= "المقنع" للإمام موفق الدين المقدسي، اجتهد في جمعه وترتيبه وإيجازه وتقريبه، وسطا بين القصير والطويل، جامعا لأكثر الأحكام، عرية عن الدليل والتعليل، وهو مشتهر عند علماء المذهب، وله عدة شروح.
ينظر: المدخل ص 433. وآخر طبعة له مع الشرح الكبير والإنصاف.
الجزء: 3 - الصفحة: 197
وترث من تزوجها مريض مضارة لورثته لينقص إرث غيرها؛ لأن له أن يوصي بثلث ماله، وكذا لو تزوجت مريضة مضارة لورثتها فيرث منها زوجها.
ومن جحد إبانة امرأة ادعتها عليه، ثم مات لم ترثه إن دامت على قولها إلى موته؛ لإقرارها أنها مقيمة تحته بلا نكاح، فإن أكذبت نفسها قبل موته ورثته لتصادقهما على بقاء النكاح ولا أثر لتكذيبها نفسها بعد موته؛ لأنها متهمة فيه إذن، وفيه رجوع عن إقراره لباقي الورثة.
ومن خلف زوجات نكاح بعضهن فاسد أو منقطع قطعا يمنع الإرث وجهل من يرث منهن أخرج من لا يرث بقرعة والميراث للباقي نص عليه 1322؛ لأنه إزالة ملك عن آدمي فتستعمل فيه القرعة عند الاشتباه كالعتق.
وإن طلق واحدة من زوجتين مدخول بهما غير معينة في صحته، ثم قال في مرض موته المخوف: أردت فلانة ثم مات قبل انقضاء العدة ففي "المغني" 1323: "لم يقبل قوله؛ لأن الإقرار بالطلاق في المرض كالطلاق فيه".
فإن كان للمريض امرأة أخرى سوى هاتين فلها نصف الميراث وللاثنتين نصفه، وإن طلق متهم أربعا كن معه وانقضت عدتهن منه، وتزوج أربعا سواهن ثم مات ورث منه الثمان ما لم تتزوج المطلقات أو يرتددن 1324.
الجزء: 3 - الصفحة: 198
فصل فى الإقرار بمشارك في الميراث
1325
إذا أقر كل الورثة وهم مكلفون، ولو أنها 1326 بنت أو كانوا ليسوا أهلا للشهادة بوارث مشارك لمن أقر في الميراث كابن للميت يقر بابن آخر أو يقر بوارث مسقط له كأخ أقر بابن للميت ولو كان الابن المقر به من أمة الميت نصا 1327 فصدق المقر به مكلفا مقرا، أو كان المقر به صغيرا أو مجنونا ولم يصدقه ثبت نسبه إن كان مجهولا وأمكن كونه من الميت ولم ينازع المقر، فإن نوزع فيه فليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، ولو مع منكر لا يرث من الميت [لمانع] 1328 من نحو رق أو قتل، ويثبت أيضا إرثه من الميت إن لم يقم به مانع من نحو رق؛ لأن الوارث يقوم مقام الميت في ميراثه والديون التي له وعليه ودعاويه وبيناته والأيمان التي عليه وله فكذا في النسب.
ويعتبر إقرار زوج ومولى إن ورثا كما لو مات عن بنت وزوج ومولى فأقرت البنت بأخ لها فيعتبر إقرار الزوج والمولى به ليثبت نسبه؛ لأنهما من جملة الورثة.
وإن لم يوجد من ورثة 1329 ميت إلا زوج أو زوجة فأقر بولد للميت من غيره فصدقه إمام أو نائبه ثبت نسبه؛ لأن ما فضل عن الزوج والزوجة لبيت المال وهو المتولي لأمره فقام مقام الوارث معه لو كان.
الجزء: 3 - الصفحة: 199
وإن أقر بوارث بعض الورثة وأنكره الباقون، فشهد عدلان منهم أو غيرهم أنه ولد الميت، أو شهدا أن الميت أقر به، أو أنه ولد على فراشه ثبت نسبه وإرثه، وإلا يشهد به عدلان ثبت نسبه من مقر وارث فقط دون الميت وبقية الورثة؛ لأن 1330 النسب حق أقر به الوارث على نفسه فلزمه كسائر الحقوق، فلو كان المقر به أخا للمقر ومات المقر عنه وعن بني عم ورثه المقر به؛ لأن بني العم يحجبون بالأخ، وإن مات المقر عنه وعن أخ منكر فإرثه بينهما لاسترائهما في القرب، ويثبت نسبه تبعا من ولد للمقر منكر له فثبتت العمومة؛ لأنها لازمة بثبوت أخوة أبيه.
وإن كان بعض الورثة صغيرا أو مجنونا فصدق إذا بلغ أو عقل على إقرار المكلف من قبل ثبت نسبه لاتفاق جميع 1331 الورثة عليه إذن، وإن مات غير مكلف قبل تكليفه ولم يبق غير مقر مكلف ثبت نسب مقر به؛ لأن المقر صار جميع الورثة، وكذا لو كان الوارث ابنين فأقر أحدهما بوارث وأنكر الآخر ثم مات المنكر فورثه المقر ثبت نسب المقر به؛ لأن القر به صار جميع الورثة، أشبه ما لو أقر به ابتداء بعد موت أخيه.
فلو مات المقر به وله وارث غير المقر اعتبر تصديقه للمقر حتى يرث منه؛ لأن المقر إنما يعتبر إقراره على نفسه، وإن لم يصدقه وارث لم يرث منه، ومتى لم يثبت نسب المقر به من ميت بأن أقر به بعض الورثة ولم يشهد بنسبه عدلان أخذ المقر به الفاضل بيد المقر عن نصيبه على مقتضى إقراره إن فضل شيء عن نصيبه، أو أخذ ما في يده كله إن سقط به المقر؛ لإقراره أنه له فلزمه دفعه إليه، فإذا أقر أحد ابنين بأخ
الجزء: 3 - الصفحة: 200
لهما فله ثلث ما بيد المقر لتضمن إقراره 1332 أنه لا يستحق أكثر من ثلث التركة، وفي يده نصفها فيفضل بيده سدس للمقر به، وإن أقر ابن ابن للميت بابن 1333 له فله كل ما في يده؛ لأنه أقر بما يتحجا به عن الإرث.
الجزء: 3 - الصفحة: 201
فصل فى ميراث القاتل
1334 (ومن قتل مورثه) أي باشر قتله (ولو بمشاركة) في قتله (أو سبب) كحفر نحو بئر أو نصب نحو سكين أو وضع حجر أو رش ماء أو إخراج نحو جناح بطريق أو جناية بمضمونه من بهيمة (لم يرثه إن لزمه) أي القاتل بمباشرة أو سبب (قود أو دية أو كفارة)؛ لحديث عمر قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "ليس لقاتل شيء" رواه مالك في الموطأ وأحمد، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا نحوه، رواه ابن اللبان 1335، وعن ابن عباس مرفوعا: "من قتل قتيلا فإنه لا يرثه وإن لم يكن له وارث غيره، وإن كان والده أو ولده فليس لقاتل ميراث" رواه أحمد 1336. وما لا يضمن بشيء من هذا فلا يمنع الإرث؛ لأنه مأذون فيه أشبه ما لو أطعمه أو سقاه باختياره فأفضى إلى تلفه، وتقدم مستوفى في موانع الإرث 1337.
الجزء: 3 - الصفحة: 202
فصل في ميراث الرقيق
1338 (ولا يرث رقيق) ولو كان مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد (ولا يورث)؛ لأن فيه نقصا منع كونه موروثا فمنع كونه وارثا، (ويرث 1339 مبعض) -أي من بعضه حر وبعضه رقيق- (ويورث ويحجب) ويعصب (بقدر حريته)، وهو قول علي وابن مسعود 1340، وقال زيد بن ثابت: "لا يرث ولا يورث" 1341، وقال ابن عباس: "هو كالحر 1342 في جميع أحكامه" 1343، وتقدم حكم إرثه في الموانع أيضا.
الجزء: 3 - الصفحة: 203
(كتاب العتق)
العتق لغة: الخلوص، ومنه عتاق الخيل والطير أي خلاصها، وسمي البيت الحرام عتيقا: لخلوصه من أيدي الجبابرة 1344.
وهو شرعا: تحرير الرقبة وتخليصها من الرق 1345، وخصت به الرقبة مع وقوعه على جميع البدن؛ لأن ملك السيد له كالغل في رقبته المانع له من التصرف، فإذا أعتق فكأن رقبته أطلقت من ذلك.
وأجمعت الأمة على صحته وحصول القربة به 1346 لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 1347 وقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (13)﴾ 1348 وحديث أبي هريرة مرفوعا: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللَّه تعالى بكل إرب منها إربا منه من النار، حتى إنه ليعتق اليد باليد، والرجل بالرجل، والفرج بالفرج" متفق عليه 1349.
الجزء: 3 - الصفحة: 204
وهو من أعظم القرب؛ لأن اللَّه تعالى جعله كفارة للقتل وغيره، وجعله -صلى اللَّه عليه وسلم- فكاكا لمعتقه من النار، ولما فيه من تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق وملك نفسه ومنافعه، وتكميل أحكامه وتمكينه من التصرف في نفسه ومنافعه على حسب اختياره، وأفضل 1350 الرقاب للعتق أنفسها عند أهلها وأغلاها 1351 ثمنا نصا 1352، وعتق ذكر أفضل من عتق أنثى، سواء كان معتقه ذكرا أو أنثى وهما سواء في الفكاك من النار، [وتعدد] 1353 ولو من إناث أفضل من واحد ولو ذكرا.
(ويسن عتق من له كسب) لانتفاعه بملك كسبه، (ويكره) عتق (لمن لا قوة له ولا كسب) لسقوط نفقته بإعتاقه فيصير كلا على الناس ويحتاج إلى المسألة، أو يخاف إن أعتق زناه أو فساده فيكره عتقه، وكذا إن خيف ردته ولحوقه بدار الحرب 1354 وإن علم ذلك منه أو ظن حرم؛ لأنه وسيلة [إلى] 1355 الحرام، ويصح العتق ولو مع علمه ذلك أو ظنه لصدور العتق من أهله في محله أشبه عتق غيره.
ويحصل العتق بقول من جائز التصرف لا بمجرد نية كالطلاق، وينقسم القول = البخاري 8/ 123، ومسلم، باب فضل العتق، كتاب العتق برقم (1509) صحيح مسلم 2/ 1147.
الجزء: 3 - الصفحة: 205
إلى صريح وكناية.
وصريحه: لفظ عتق، وحرية، لورود الشرع بهما فوجب اعتبارهما كيف صرفا، كقوله لقنه: أنت حر أو محرر أو حررتك أو أنت عتيق أو معتق -بفتح التاء- أو أعتقتك فيعتق ولو لم ينوه، قال أحمد في رجل لقي امرأة في الطريق فقال: تنحي يا حرة فإذا هي جاريته قال: قد عتقت عليه، وقال في رجل قال لخدم قيام في وليمة: مروا أنتم أحرار وكان فيهم أم ولده لم يعلم بها قال: هذا به عندي تعتق أم ولده 1356.
غير أمر ومضارع واسم فاعل فلا يعتق بذلك، كقوله لرقيقه: حرره، أو أعتقه، أو هذا محرر -بكسر الراء- أو هذا معتق -بكسر التاء- فلا يعتق بذلك؛ لأنه 1357 طلب أو وعد أو خبر عن غيره وليس واحد منها صالحا للإنشاء ولا إخبارا 1358 عن نفسه فيؤاخذ به.
ويقع العتق من هازل كالطلاق 1359، ولا يقع من نائم ونحوه كمغمى عليه ومجنون ومبرسم لعدم عقلهم ما يقولون 1360، وكذا حاك وفقيه يكرره فتعتبر إرادة لفظه
الجزء: 3 - الصفحة: 206
لمعناه لا نية النفاذ والقربة، ولا يقع عتق إن قال سيد لرقيقه: أنت حر ونوى بالحرية عفته وكرم أخلاقه وصدقه وأمانته 1361، وكذا لو قال: ما أنت إلا حر أي أنك لا تطيعني ولا ترى لي عليك حقا ولا طاعة؛ لأنه نوى بكلامه ما يحتمله 1362 فانصرف إليه، وإن طلب استحلافه حلف، ووجه احتمال اللفظ لما أراده أن المرأة الحرة تمدح بمثل هذا، يقال: امرأة حرة أي عفيفة ويقال لكريم الأخلاق: حر، قالت سبيعة 1363 ترثي عبد المطلب:
ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة ... ويوم على حر كريم الشمائل
وإن قال سيد لرقيقه: أنت حر في هذا الزمن أو في هذا البلد عتق مطلقا؛ لأنه إذا أعتق في زمن أو بلد لم يعد رقيقا في غيرهما 1364.
وكناية العتق مع نية، قال الشيخ منصور: "قلت: أو قرينة كسؤال عتق".
1365 خليتك، أو أطلقتك، والحق بأهلك، واذهب حيث شئت، ولا سبيل ولا سلطان لي عليك، ولا ملك ولا رق لي عليك، أو لا خدمة لي عليك، وفككت رقبتك، = أخرجه: أبو داود برقم (4403) سنن أبي داود 4/ 141، والترمذي برقم (1423) الجامع الصحيح 4/ 24، وابن ماجة برقم (2042) سنن ابن ماجة 1/ 659، وأحمد برقم (943) المسند 1/ 187.
الجزء: 3 - الصفحة: 207
ووهبتك للَّه، ورفعت يدي عنك إلى اللَّه، وأنت سائبة، أو أنت مولاي، أو أنت سبيل اللَّه، وملكتك نفسك.
ومن الكناية قول السيد لأمته: أنت طالق، أو أنت حرام.
ومما يحصل به العتق قول السيد لمن يمكن كونه أباه من رقيقه بأن كان السيد ابن عشرين سنة مثلا والرقيق ابن ثلاثين فأكثر: أنت أبي، أو قال لرقيقه الذي يمكن كونه ابنه: أنت ابني فيعتق فيهما وإن لم ينوه ولو كان له نسب معروف لجواز كونه من وطء شبهة، ولا يعتق بذلك إن لم يمكن كونه أباه أو ابنه لكبر أو صغر ونحوه ولم ينو 1366 عتقه لتحقق كذب هذا القول فلا يثبت به حرية 1367، كقوله: هذا الطفل أبي، أو هذه الطفلة أمي، وكما لو قال لزوجته وهي أسن منه: هذه ابنتي، أو قال لها وهو أسن منها: هذه أمي لم تطلق، كذلك هنا، وكقوله لرقيقه: أعتقتك من ألف سنة، وأنت حر من ألف سنة، وكقوله لعبده: أنت بنتي وكقوله لأمته: أنت ابني، لأنه محال معلوم كذبه، وشرط العتق بالقول كونه من مالك جائز التصرف 1368.
ويحصل العتق بملك لذي رحم محرم بنسب كأبيه وجده وإن علا، وولد ولده وإن سفل، وأخيه وأخته وولدهما وإن نزل، وعمه وعمته وخاله وخالته، وافقه في دينه أو لا، ولو كان المملوك حملا كمن اشترى زوجة ابنه أو أبيه أو أخيه الحامل
الجزء: 3 - الصفحة: 208
منه، لحديث الحسن 1369 عن سمرة 1370 مرفوعا: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" رواه الخمسة وحسنه الترمذي 1371 وقال: "العمل على هذا عند أهل العلم" 1372 وأما حديث: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" رواه مسلم 1373، فقوله: يشتريه
الجزء: 3 - الصفحة: 209
فيعتقه بشرائه كما يقال: ضربه فقتله والضرب هو القتل، وسواء ملكه بشراء أو هبة أو إرث أو غنيمة أو غيرها لعموم الخبر.
ولا يعتق ابن عمه بملكه؛ لأنه ليس بمحرم، ولا يعتق محرم من الرضاع كأمه وأبيه وابنه من رضاع؛ [لأنه] 1374 لا نص في عتقهم ولا هم في معنى المنصوص عليه فيبقون على الأصل، وكذا الربيبة وأم الزوجة.
قال الزهري: "جرت السنة بأنه يباع الأخ من الرضاعة" 1375.
وأب وابن من زنا كأجنبيين، فلا عتق بملك أحدهما للآخر نصا 1376؛ لعدم ثبوت أحكام الأبوة والبنوة من الميراث والحجب والمحرمية [و] 1377 وجوب الإنفاق وثبوت الولاية، وكذا أخ أو نحوه من زنا.
ويعتق حمل لم يستثنه معتق أمه لتبعيته لها في البيع والهبة ففي العتق أولى، ولو لم يملكه رب الأمة كما لو اشترى أمة من ورثة ميت موصى بحملها لغيره فأعتقها فيسري العتق إلى الحمل إن كان معتقها موسرا بقيمة الحمل يوم عتقه كفطرة، ويضمن معتقها الحمل لمالكه الموصى له به يوم ولادته حيا، فإن استثنى = الوالدين، كتاب الأدب برقم (3659) سنن ابن ماجة 7/ 1202، وأحمد برقم (7103) المسند 2/ 458، والبيهقي، باب من يعتق بالملك، كتاب العتق، السنن الكبرى 10/ 289.
الجزء: 3 - الصفحة: 210
الحمل معتق أمه لم يعتق 1378 وبه قال ابن عمر 1379 وأبو هريرة 1380، قال أحمد: "أذهب إلى حديث ابن عمر في العتق، ولا أذهب إليه في البيع" 1381، ولحديث: "المسلمون على شروطهم" 1382؛ ولأنه يصح إفراده بالعتق بخلاف البيع، فصح استثناؤه كالمنفصل، ويفارق البيع في أنه عقد معاوضة يعتبر فيه العلم بصفات المعوض ليعلم هل يقابل العوض أو لا؟ ويصح عتق الحمل دون أمه نصا 1383؛ لأن حكمه حكم الإنسان
الجزء: 3 - الصفحة: 211
المنفرد، ولهذا تورث عنه الغرة إن ضرب بطن أمه 1384 فأسقطته، كأنه سقط حيا، وتصح الوصية به، وله، ويرث.
ومن ملك بغير إرث جزءا ممن يعتق عليه بملك وهو موسر بقيمة باقيه فاضلة عن حاجته وحاجة من يمونه، كفطرة يوم ملكه عتق عليه كله وعليه ما يقابل جزء شريكه من قيمته كله، فيقوم كاملا لا عتق فيه، وتؤخذ حصة الشريك منها لفعله سبب العتق اختيارا منه فسرى ولزمه الضمان، كما لو وكل من أعتق نصيبه، وإلا يكن موسرا بقيمة باقيه كله عتق ما يقابل ما هو موسر به، فإن لم يكن موسرا بشيء منه عتق ما ملكه 1385 فقط، وإن ملك جزأه بإرث لم يعتق عليه إلا ما ملكه 1386 فقط، ولو كان موسرا بقيمة باقيه؛ لأنه لم يتسبب إلى إعتاقه، لحصول ملكه بدون فعله وقصده.
ومن مثل ولو بلا قصد فجدع أنف رقيقه أو أذنه أو نحوهما كما لو خصاه أو خرق عضوا منه ككفه بنحو مسلة أو 1387 حرق بالنار عضوا منه كأصبعه عتق نصا بلا حكم حاكم 1388، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن زنباعا أبا روح 1389
الجزء: 3 - الصفحة: 212
وجد غلاما له مع جاريته، فقطع ذكره، وجدع أنفه، فأتى العبد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكر له ذلك، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ما حملك على ما فعلت؟ قال: فعل كذا وكذا، قال: اذهب فانت حر" رواه أحمد وغيره 1390، وله ولاؤه نصا 1391؛ لعموم: "الولاء لمن أعتق" 1392، وكذا لو استكرهه سيده على الفاحشة؛ لأنها من المثلة، أو وطئ سيد أمة مباحة لا يوطأ مثلها لصغرها فأفضاها تعتق عليه، قال ابن حمدان: "ولو مثل بعبد مشترك بينه وبين غيره، عتق نصيبه وسرى العتق إلى باقيه، وضمن قيمة حصة الشريك" ذكره ابن عقيل 1393.
الجزء: 3 - الصفحة: 213
ولا يعتق بخدش، وضرب، ولعن؛ لأنه لا نص فيه ولا في معنى المنصوص عليه.
ومال معتق عند عتق لسيد معتق له 1394 روي عن ابن مسعود 1395 وأبي أيوب 1396 وأنس 1397 لحديث الأثرم 1398 عن ابن مسعود أنه قال لغلامه عمير 1399: "يا عمير! إني أريد أن أعتقك عتقا هنيئا، فأخبرني بمالك، فإني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "أيما = ينظر: كتاب الذيل 1/ 142 - 164، وسير أعلام النبلاء 19/ 443 - 451، والمنهج الأحمد 3/ 78 - 100.
الجزء: 3 - الصفحة: 214
رجل أعتق عبده أو غلامه فلم يخبره بماله فماله لسيده" 1400، ولأن العبد وماله كانا للسيد فزال ملكه عن أحدهما فبقي الآخر كما لو باعه، وحديث ابن عمر مرفوعا: "من أعتق عبدا وله مال فالمال للعبد" رواه أحمد وغيره 1401 قال أحمد: "يرويه عبيد اللَّه 1402 بن أبي جعفر من أهل مصر وهو ضعيف الحديث كان صاحب فقه، فأما
الجزء: 3 - الصفحة: 215
الحديث فليس فيه بالقوي" 1403، إلا المكاتب إذا أدى ما عليه فباقي ما بيده له.
ومن أعتق جزءا مشاعا كنصف ونحوه، أو جزءا معينا كيد ونحوها غير شعر وسن وظفر ونحوه من رقيق يملكه عتق كله لحديث: "من أعتق شقصا له من مملوك فهو حر من ماله" 1404، ولأن مبنى العتق على التغليب والسراية بخلاف البيع.
ويصح تعليق عتق بصفة 1405 كقوله: إن أعطيتني ألفا فأنت حر؛ لأنه تعليق محض، وكذا إن دخلت الدار أو جاء المطر ونحوه، ولا يعتق قبل وجود الصفة؛ لأن العتق معلق بصفة فوجب أن يتعلق بها كالطلاق، ولا يملك السيد إبطاله ما دام ملكه على المعلق عتقه؛ لأنها صفة لازمة ألزمها نفسه فلا يملك إبطالها بالقول كنذر، ولو اتفق السيد والرقيق على إبطاله لم يبطل بذلك، وللسيد أن يطأ أمة علق عتقها بصفة قبل وجودها؛ لأن استحقاق العتق عند وجود الصفة لا يمنع إباحة الوطء كالاستيلاد، بخلاف المكاتبة فإنها اشترت نفسها من سيدها وملكت أكسابها ومنافعها.
وله أن يقف رقيقا علق عتقه بصفة قبلها وأن ينقل ملكه عنه قبلها، ثم إن وجدت وهو في ملك غير المعلق 1406 لم يعتق لحديث: "لا طلاق ولا عتاق ولا بيع
الجزء: 3 - الصفحة: 216
فيما لا يملك ابن آدم" 1407، ولأنه لا ملك له عليه فلا يقع عتقه كما لو نجزه، وإن عاد ملك المعلق بشرائه أو إرثه ونحوه ولو بعد وجودها حال زواله عادت الصفة، فيعتق إن وجدت في ملكه؛ لأن التعليق والشرط وجدا في ملكه أشبه ما لو [لم] 1408 يتخللهما زوال ملكه ولا وجود للصفة حال زواله، ولا يعتق قبل وجود الصفة بكماله كالجعل في الجعالة.
ويبطل التعليق بموت المعلق لزوال ملكه، فقول السيد لرقيقه: إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر لغو.
ويصح: أنت حر بعد موتي بشهر 1409 كما لو وصى بإعتاقه فلا يملك وارث بيعه قبله كما لا يملك بيع موصى بعتقه قبله أو موصى به لمعين قبل قبوله، وكسبه بعد موت سيده وقبل انقضاء الشهر للورثة ككسب أم الولد في حياة سيدها.
ومن قال لرقيقه: إن خدمت ابني حتى يستغني فأنت حر فخدمه حتى كبر
الجزء: 3 - الصفحة: 217
واستغنى عن رضاع عتق ولا يشترط علم زمن الخدمة، فمن قال لقنه: أعتقتك على أن تخدم زيدا مدة حياتك صح، لحديث سفينة 1410 قال: "كنت مملوكا لأم سلمة فقالت: أعتقتك وأشترط عليك أن تخدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما عشت، فقلت: وإن لم تشترطي علي ما فارقت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما عشت، فأعتقيني واشترطي علي" رواه أحمد وأبو داود واللفظ له والنسائي والحاكم وصححه 1411، ولأن القن ومنافعه لسيده فإذا أعتقه واستثنى منافعه فقد أخرج الرقبة وبقيت المنفعة على ما كانت عليه، وإنما شرط علم زمن الاستثناء في البيع؛ لأنه عقد معاوضة والثمن يختلف بطول المدة وقصرها.
ومن قال لرقيقه: إن فعلت كذا فأنت حر بعد موتي ففعله في حياة سيده صار مدبرا لوجود شرط التدبير، فإن لم يفعل حتى مات سيده لم يعتق؛ لأنه جعل ما بعد الموت ظرفا لوقوع الحرية وذلك يقتضي سبق وجود
الجزء: 3 - الصفحة: 218
شرطها؛ لأن الشرط لا بد أن يسبق الجزاء.
ويصح من حر تعليق عتق قن غيره بملكه نحو قوله: إن ملكت فلانا فهو حر، أو قوله: كل مملوك أملكه فهو حر فإذا ملك عتق لإضافته العتق إلى حال يملك عتقه فيه أشبه ما لو كان التعليق وهو في [ملكه] 1412، بخلاف: إن تزوجت فلانة فهي طالق؛ لأن العتق مقصود من الملك، والنكاح لا يقصد به الطلاق، وفرق أحمد بأن الطلاق ليس للَّه تعالى وليس فيه قربة إلى اللَّه تعالى 1413. فإن قاله رقيق لم يصح عتقه حين التعليق لأنه لا يملك.
ويتبع معتقة بصفة علق عتقها عليها ولدها، فيعتق بعتقها إن كانت حاملا به حال عتقها بوجود الصفة؛ لأن العتق وجد فيها وهي حامل به، أشبهت المنجز عتقها، أو كانت حاملا به حال تعليق العتق؛ لأنه كان حين التعليق كعضو من أعضائها فسرى التعليق إليه، ولا يتبعها في العتق ما حملته ووضعته بين التعليق ووجود الصفة؛ لأنها لم تتعلق به حال التعليق ولا حال العتق 1414.
وإن قال لرقيقه: أنت حر وعليك ألف عتق بلا شيء لأنه أعتقه بغير شرط وجعل عليه عوضا لم يقبله ولم يلزمه شيء، وإن قال: أنت حر على ألف أو بألف أو على أن تعطيني ألفا أو بعتك نفسك بألف لم يعتق حتى يقبل؛ لأنه أعتقه على
الجزء: 3 - الصفحة: 219
عوض فلا يعتق بدون قبوله، وعلى تستعمل للشرط والعوض 1415، كقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)﴾ 1416 وقال تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ 1417 وإن قال لرقيقه: أنت حر على أن تخدمني سنة ونحوها يعتق في الحال بلا قبوله وتلزمه الخدمة، وكذا لو استثنى خدمته مدة حياته أو استثنى نفعه مدة معلومة، فيصح لما تقدم من خبر سفينة، وللسيد بيع الخدمة من العبد ومن غيره نصا 1418، وإن مات السيد في أئناء الخدمة رجع الورثة عليه بقيمة ما بقى من الخدمة.
وإن قال لقنه: جعلت عتقك إليك فأعتق نفسه في المجلس عتق وإلا فلا، قال في "الفروع" 1419: "ويتوجه كطلاق".
وإذا قال: كل مملوك لي أو كل عبد لي أو كل مماليكي أو كل رقيقي حر عتق مدبروه ومكاتبوه وأمهات أولاده وشقص يملكه وعبيد عبده التاجر نصا 1420، ولو استغرقهم دين عبده التاجر لعموم لفظه فيهم كما لو عينهم.
وإن قال: عبدي حر أو أمتي حرة أو زوجتي طالق ولم ينو 1421 معينا منهم عتق
الجزء: 3 - الصفحة: 220
الكل من عبيده أو إمائه وطلق الكل من زوجاته نصا 1422؛ لأنه مفرد مضاف فيعم، قال أحمد في رواية حرب 1423: "لو كان له نسوة فقال: امرأته طالق أذهب إلى قول ابن عباس يقع عليهن الطلاق" 1424. وليس هذا مثل قوله: إحدى الزوجات طالق كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ 1425 وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ 1426 وحديث: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" 1427 وهي تعم كل صلاة جماعة.
وإن قال: أحد عبدي أو أحد عبيدي أو بعضهم حر ولم يعينه بالنية أو عينه ونسيه أقرع بينهم السيد أو وارثه، فمن خرج فهو حر من حين العتق وكسبه له؛ لأن
الجزء: 3 - الصفحة: 221
مستحق العتق في هذه الصورة واحد لا بعينه، ومتى بان [لناس] 1428 أو لجاهل أن عتيقه أخطأته القرعة عتق وبطل عتق المخرج لتبين أن العتيق غيره إذا لم يحكم بالقرعة، فإن حكم بها أو كانت بأمر حاكم عتق؛ لأن في إبطال عتق المخرج نقضا لحكم الحاكم فلا يقبل قوله فيه 1429. ولو قال مالك رقيقين: أعتقت هذا لا بل هذا عتقا جميعا، وكذا إقرار وارث بأن مورثه أعتق هذا لا بل هذا فيعتقان لما يأتي في الطلاق 1430. وإن أعتق مالك رقيقين أحدهما بشرط فمات أحدهما، أو باعه قبل وجود الشرط عتق الباقي منهم عند وجود شرطه؛ لأنه محل العتق دون الميت أو المبيع، كقوله له ولأجنبي: أحدكما حر فيعتق قنه وحده، وكذا الطلاق إذا قال لزوجتيه: إحداكما طالق غدا مثلا فماتت إحداهما أو بانت قبله، ويأتي موضحا في الطلاق إن شاء اللَّه تعالى 1431. ومن أعتق في مرض موته المخوف ونحوه جزءا من رقيق مختص به أو مشترك أو دبره وثلثه يحتمله كله عتق كله بالسراية إلى باقيه من ثلث ام له، ولشريك في مشترك ما يقابل حصته من قيمته يوم عتقه لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ويعطى شركاؤه حصصهم" 1432، فلو مات الرقيق الذي أعتق السيد جزأه في مرضه قبل سيده عتق بقدر ثلث مال سيده منه،
الجزء: 3 - الصفحة: 222
كما لو لم يمت فيورث عنه كسبه بما عتق منه، ومن أعتق في مرضه المخوف ستة أرقاء قيمتهم سواء وثلثه يحتملهم، ثم ظهر على معتقهم دين يستغرقهم بيعوا كلهم فيه لتبين بطلان عتقهم بظهور الدين؛ لأنه تبرع بمرض الموت يعتبر خروجه من الثلث فقدم عليه الدين كالهبة 1433، وإن استغرق الدين بعضهم بيع منهم بقدره ملام يلتزم وارث بقضائه فيما إذا استغرقهم الدين جميعهم أو بعضهم، فإذا استلزم 1434 بقضائه عتقوا؛ لأن المانع من نفوذ العتق الدين فإذا سقط بقضاء الوارث وجب نفوذ العتق، وإن لم يظهر عليه دين ولم يعلم له مال غيرهم ولم تجز الورثة عتق جميعهم عتق ثلثهم فقط، فإن ظهر له بعد ذلك مال يخرجون من ثلثه عتق من أرق منهم من حين أعتقهم الميت لنفوذ تصرف المريض في ثلثه وقد بان أنهم ثلث ماله، وخفاء ما ظهر من المال علينا لا يمنع كون العتق موجودا من حينه وما كسبوه بعد عتقهم لهم، وإن تصرف فيهم وارث ببيع أو غيره فباطل 1435، وإلا يظهر له مال غيرهم ولا دين عليه جزأناهم ثلاثة أجزاء كل اثنين جزأ وأقرعنا بينهم بسهم حرية وسهمي 1436 رق، فمن خرج له الحرية منهم عتق ورق الباقون لحديث عمران بن حصين: "أن رجلا من الأنصار أعتق ستة مملوكين في مرضه، لا مال له غيرهم، فجزأهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ستة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة" رواه مسلم وأبو داود وغيرهما 1437، وروي نحوه عن أبي هريرة
الجزء: 3 - الصفحة: 223
مرفوعا 1438، ولأن في تفريق العتق ضررا فوجب جمعه بالقرعة كالقسمة.
وإن كانوا ثمانية فإنه شاء أقرع بينهم بسهمي حرية وخمسة رق وسهم لمن ثلثاه حر، وإن شاء جزأ أربعة أجزاء وأقرع بينهم بسهم حرية وثلاثة رق ثم أعادها بين الستة لإخراج من ثلثاه حر، وكيف أقرع جاز.
وإن أعتق عبدين قيمة أحدهما مائتان والآخر ثلاثمائة جمعت الخمسمائة فجعلتها الثلث لئلا يكون كسر فتعسر النسبة إليه ثم أقرعت بين العبدين لتمييز العتيق منهما، فإن وقعت القرعة على الذي قيمته مائتان ضربتها في ثلاثة مخرج الثلث كما تعمل في مجموع القيمة تكن ستمائة ثم نسبت من المضروب الخمسمائة ثلث تقدير فيعتق خمسة أسداسه؛ لأن الخمسمائة خمسة أسداس الستمائة، وإن وقعت القرعة على العبد الآخر عتق منه خمسة أتساعه؛ لأنك 1439 تضرب قيمته ثلاثمائة في ثلاثة تكن تسعمائة فتنسب منها الخمسمائة تكن خمسة أتساعها، وكل ما يأتي من هذا الباب فطريقه أن يضرب في ثلاثة مخرج الثلث ليخرج صحيحا.
= أبي داود 4/ 68، والترمذي، باب ما جاء فيمن يعتق مماليكه عند موته وليس له مال غيرهم، كتاب الأحكام برقم (1364) الجامع الصحيح 3/ 645، والنسائي، باب الصلاة على من يحيف في وصيته، كتاب الجنائز برقم (1958) المجتبى 4/ 64، وابن ماجة، باب القضاء بالقرعة، كتاب الأحكام برقم (2345) سنن ابن ماجة 2/ 786، وأحمد برقم (19449) المسند 5/ 609، والبيهقي، باب عتق العبيد.
.، كتاب العتق، السنن الكبرى 10/ 285 - 286، ولم أجد عندهم النص على "ستة أجزاء" وإنما "أثلاثا" و"ثلاثة أجزاء".
الجزء: 3 - الصفحة: 224
وإن أعتق مريض عبدا مبهما من أعبد ثلاثة لا يملك غيرهم، فمات أحدهم في حياته أقرع بينه وبين الحيين، فإن وقعت على الميت رقا؛ لأنه إنما أعتق واحد، وإن وقعت على أحدهما عتق إذا خرج من الثلث عند الموت؛ لأن تصرف المريض معتبر من الثلث، ولم يشترطوا فيما إذا وقعت القرعة على الميت خروجه من الثلث؛ لأن قيمة الميت إن كانت وفق الثلث فلا إشكال، وإن كانت أكثر فالزائد على الثلث هلك على مالكه، وإن كانت أقل فلا يعتق من الآخرين شيء؛ لأنه لم يعتق إلا واحد.
(ولا تصح الوصية به) أي بالعتق (بل) يصح (تعليقه بالموت) أقول: الذي يظهر أن هذه العبارة وهي [عدم] 1440 صحة الوصية بالعتق غير صحيحة أو على غير الصحيح من المذهب، وهذا المختصر إنما بني على الصحيح؛ لأن صحة الوصية بالعتق إذا خرج من الثلث أشهر من أن تذكر، ولو كانت النسخة بغير كتابة المصنف لقلت تحريفا من الناسخ واللَّه أعلم.
(وهو) أي تعليق العتق بالموت (التدبير)، سمي بذلك؛ لأن الموت دبر الحياة، يقال: دابر يدابر إذا مات 1441، ولا تصح الوصية به.
وأجمعوا على صحة التدبير في الجملة 1442 وسنده حديث جابر: "أن رجلا أعتق مملوكا عن [دبر] 1443 فاحتاج، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: من يشتريه منى؟ فباعه
الجزء: 3 - الصفحة: 225
من نعيم بن عبد اللَّه 1444 بثمانمائة درهم، فدفعها إليه وقال: أنت أحوج منه" متفق عليه 1445، ويعتبر كونه ممن تصح وصيته فيصح من محجور عليه لسفه وفلس ومميز يعقله، (ويعتبر) خروجه (من الثلث) يوم مصت سيده نصا 1446؛ لأنه تبرع بعد الموت بخلاف العتق في الصحة لأنه لم يتعلق به حق الورثة فنفذ من جميع المال كالهبة في الصحة، والاستيلاد أقوى من التدبير لصحته من المجنون، ولا يصح بيع أم الولد 1447، فإن اجتمع التدبير والوصية بالعتق تساويا؛ لأنهما جميعا عتق بعد الموت، وإن اجتمع العتق في المرض والتدبير قدم العتق لسبقه.
وإن قال شريكان لعبدهما مثلا: إن متنا فأنت حر فمات أحدهما عتق نصيبه وباقيه يعتق بموت الآخر نصا 1448؛ لأنه من مقابلة الجملة بالجملة فينصرف إلى مقابلة البعض بالبعض، كقوله: ركبوا دوابهم ولبسوا أثوابهم أي كل إنسان ركب دابته ولبس ثوبه، وإن احتمله ثلث الأول عتق كله بالسراية كما تقدم آنفا.
الجزء: 3 - الصفحة: 226
وصريح التدبير: لفظ عتق ولفظ حرية معلقين بموته كأنت حر بعد موتي وأنت عتيق بعد موتي، ولفظ تدبير كأنت مدبر وما تصرف منها غير أمر كدبر، ومضارع كيدبر، واسم فاعل كمدبر بكسر الباء، وتكون كنايات عتق منجز كنايات للتدبير إن علقت بالموت.
ويصح التدبير مطلقا غير مقيد ولا معلق كقوله أنت مدبر، ويصح مقيدا كقوله: إن مت عامي أو في مرضي هذا فأنت مدبر فيكون ذلك جائزا على ما قال، فإن مات على الصفة التي قالها عتق إن خرج من الثلث وإلا فلا، ويصح أيضا معلقا كقوله: إذا قدم زيد فأنت مدبر، كان شفى اللَّه مريضي فأنت حر بعد موتى ونحوه، فإن وجد الشرط في حياة سيده صار مدبرا 1449 وإلا فلا 1450 ويصح مؤقتا كأنت مدبر اليوم أو سنة، فإن مات سيده في تلك المدة عتق وإلا فلا.
ويصح وقف مدبر وهبته وبيعه ولو أمة أو في غير دين نصا 1451، وروي مثله عن عائشة 1452
الجزء: 3 - الصفحة: 227
قال أبو إسحاق الجوزجاني 1453: "صحت أحاديث بيع المدبر باستقامة الطرق 1454، فإذا صح الخبر استغني به عن غيره من رأي الناس" 1455، ولأنه عتق معلق وثبت بقول المعتق فلم يمنع البيع كقوله: إن دخلت الدار فأنت حر، ولأنه تبرع بمال بعد الموت فلم يمنع البيع في الحياة كالوصية، وما ذكر أن ابن عمر 1456 روى أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يباع المدبر ولا يشترى" 1457 فلم يصح، ويحتمل أن يراد بعد الموت أو على الاستحباب، ولا يصح قياسه على أم الولد؛ لأن عتقها بغير اختيار سيدها وليس بتبرع، ويكون من رأس المال، وباعت عائشة مدبرة لها سحرتها 1458، ومتى عاد المدبر إلى ملك من دبره عاد التدبير لما تقدم في عود الصفة في العتق المعلق، وكذا في الطلاق = 4/ 41، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 4/ 249: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح" ا. هـ، وصححه الألباني في الإرواء 6/ 178.
الجزء: 3 - الصفحة: 228
كما سيأتي 1459.
وإن جنى مدبر جاز بيعه في الجناية، وإن فداه سيده بقي تدبيره بحاله، وإن بيع بعضه فباقيه مدبر، وإن مات سيد مدبر قبل بيعه وفدائه عتق إن وفى ثلث السيد بالجناية.
وما ولدت مدبرة بعد التدبير فولدها بمنزلتها، سواء كانت حاملا به حين التدبير أو حملت به بعده 1460، لقول عمر وابنه وجابر: "ولد المدبوة بمنزلتها" 1461 ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة، ولأن الأم استحقت الحرية بموت سيدها فتبعها ولدها كأم الولد بخلاف التعليق بصفة في الحياة والوصية؛ لأن التدبير آكد من كل منهما ويكون ولدها مدبرا بنفسه، فلو ماتت المدبرة أو زال ملك سيدها عنها لم يبطل التدبير في ولدها فيعتق بموت السيد كما لو كانت باقية، وما ولدته قبل التدبير لا يتبعها فيه كالاستيلاد
الجزء: 3 - الصفحة: 229
والكتابة، فلو قالت مدبرة: ولدت بعد التدبير وأنكر سيدها فقوله أو ورثته 1462 بعده؛ لأن الأصل بقاء رق الولد وانتفاء الحرية عنه، وإن لم يف الثلث بمدبرة وولدها أقرع بينها 1463 وبين ولدها كمدبرين لا قرابة بينهما ضاق الثلث عنهما.
ولسيد مدبرة وطؤها وإن لم يشترطه حال تدبيرها سواء كان يطؤها قبل تدبيرها أو لا، روي عن ابن عمر: "أنه دبر أمتين له وكان يطأهما" 1464، قال أحمد: "لا أعلم أحدا كره ذلك غير الزهري" 1465، ولعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 1466 وقياسا على أم الولد، وله وطء بنتها إن لم يكن وطن أمها لتمام ملكه فيها، ويبطل تدبيرها بإيلادها؛ لأن مقتضى التدبير العتق من الثلث، والاستيلاد العتق من رأس المال، ولو لم يملك غيرها أو مدينا فالاستيلاد أقوى، فيبطل به الأضعف كملك الرقبة إذا طرأ على النكاح.
ومن كاتب مدبره أو أم ولده أو دبر مكاتبه صح وعتق بأداء ما كوتب عليه وما بقي بيده له وبطل تدبيره، فإن مات سيده قبل أدائه وثلثه يحتمل ما عليه عتق كله
الجزء: 3 - الصفحة: 230
بالتدبير وما بيده للورثة وبطلت المكاتبة، وإلا يحتمل ثلثه ما عليه كله عتق منه بقدر ما يحتمله ثلثه وسقط عنه من المكاتبة بقدر ما عتق منه وهو على كتابته فيما بقي عليه لأن محلها لم يعارضه شيء.
ومن دبر شقصا من رقيق مشترك لم يسر تدبيره إلى نصيب شريكه معسرا كان المدبر أو موسرا؛ لأن التدبير تعليق عتق بصفة فلم يسر كتعليق بدخول الدار، بخلاف الاستيلاد فإنه آكد، فإن مات مدير شقص عتق نصيبه إن خرج من الثلث، فإن أعتقه شريكه الذي لم يدبره سرى عتقه إن كان موسرا إلى الشقص المدبر مضمونا عليه 1467 لحديث ابن عمر السابق.
ولو أسلم قن أو مدبر أو مكاتب لكافر، ألزم بإزالة ملكه عنه؛ لئلا يبقى ملك كافر على مسلم مع إمكان بيعه، بخلاف أم الولد، فإن أبى إزالة ملكه عنه باعه الحاكم عليه إزالة لملكه عنه لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ 1468، ومن أنكر التدبير فشهد به عدلان أو عدل وامرأتان أو عدل وحلف معه المدبر حكم بالتدبير 1469.
الجزء: 3 - الصفحة: 231
ويبطل التدبير بقتل مدبر لسيده 1470؛ لأنه استعجل ما أجل له فعوقب بنقيض قصده، كحرمان القاتل الميراث، وأما أم الولد فتعتق مطلقا؛ لئلا يفضي إلى نقل الملك فيها ولا سبيل إليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 232
فصل في الكتابة
(وتسن كتابة من علم فيه خيرا) من رقيق للآية 1471، والكتابة اسم مصدر بمعنى الجمع لأنها تجمع نجوما 1472، ومنه سمي الخراز كاتبا، أو لأن السيد يكتب بينه وبين عبده كتابا بما اتفقا 1473 عليه 1474.
وهي شرعا: بيع سيد رقيقه نفسه بمال في ذمته مباح معلوم 1475، ويصح السلم فيه منجما بنجمين فأكثر يملم قسط كل نجم ومدته، أو بيع السيد رقيقه نفسه بمنفعة على أجلين فأكثر.
ولا يشترط للكتابة أجل له وقع في القدرة على الكسب فيه فيصح توقيت
الجزء: 3 - الصفحة: 233
النجمين بساعتين وجزم في "الإقناع" 1476 بخلاف ذلك.
وتصح الكتابة على خدمة مفردة أو على خدمة معها مال إن كان مؤجلا ولو إلى أثناء 1477 مدة الخدمة، كأن يكاتبه على خدمته شهرا ودينار 1478 يؤديه في أثنائه أو آخره وإذا لم يسم الشهر كان عقب العقد كالإجارة في قول، وإن عين الشهر صح ولو اتصل بالعقد؛ لأن المنع من الحلول في غير الخدمة للعجز عنه في الحال بخلافها، ويصح أن يكون أجل الدينار قبل الخدمة إن لم تتصل بالعقد كأن يكاتبه في المحرم على دينار إلى صفر وعلى خدمة رجب، وإن جعل محله نصفه أو انقضاءه صح.
(وهو) أي الخير الذي تسن كتابة من علم فيه (الكسب والأمانة)، قال [أحمد] 1479: "الخير: صدق وصلاح ووفاء بمال الكتابة" 1480، والآية 1481 محمولة على الندب لحديث: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" 1482 ولأنه دعاء إلى
الجزء: 3 - الصفحة: 234
إزالة ملكه بعوض فلم يجبر السيد عليه كالبيع، (وتكره) الكتابة (لمن لا كسب له) لئلا 1483 يصير كلا على الناس ويحتاج إلى المسألة.
وتصح كتابة مبعض ومميز؛ لأنه يصح تصرفه وبيعه بإذن سيده فصحت كتابته كالمكلف 1484، وإيجاب سيده الكتابة له إذن له في قبولها، ولا تصح الكتابة من المميز بأن يكاتب رقيقه إلا بإذن وليه؛ لأنها تصرف في المال كالبيع، ولا تصح من سيد غير جائز التصرف كسفيه ومحجور عليه للفلس كالبيع.
وتنعقد الكتابة بقول سيد لرقيقه [كاتبتك] 1485 على كذا مع قبول الرقيق الكتابة؛ وإن لم يقل فإذا أديت لي فأنت حر؛ لأن الحرية موجب عقد الكتابة فتثبت عند تمامه كسائر أحكامه 1486، ومتى أدى المكاتب ما عليه فقبضه سيده أو وليه أو أبرأه سيده أو أبرأه وارث موسر من حقه عتق لأنه لم يبق عليه شيء منها، فإن أدى البعض أو أبرئ منه، برئ منه، وهو على كتابته فيما بقي للخبر 1487 وإن كان الوارث معسرا
الجزء: 3 - الصفحة: 235
وأبرأ من حقه عتق نصيبه فقط بلا سراية.
وما فضل بيد مكاتب بعد أداء ما عليه أو إبرائه منه فله؛ لأنه كان له قبل عتقه فبقي على ما كان.
وتنفسخ الكتابة بموت المكاتب قبل أدائه جميع الكتابة سواء خلف وفاء أم لا، وما بيده لسيده نصا 1488؛ لأنه مات وهو عبد كما لو لم يخلف وفاء؛ لأنها عقد معاوضة على المكاتب وقد تلف المعقود عليه قبل التسليم فبطل، وقتله كموته سواء قتله سيده أو أجنبي، ولا قصاص إن قتله حر، وإن كان القاتل سيده فلا شيء عليه؛ لأنه لو وجب شيء لكان له وما في يده لسيده لزوال الكتابة لا على أنه إرث، وإن كان القاتل أجنبيا فلسيد قيمته.
ولا بأس أن يعجل الكتابة المؤجلة لسيده، ويضع السيد بعضها، فلو كان النجم مثلا مائة وعجل منه أو صالحه على ستين وأبرأه من الباقي صح؛ لأن مال الكتابة غير مستقر وليس بدين صحيح؛ لأنه لا يجبر على أدائه، ولا تصح الكفالة به = وأخرجه الترمذي من طريق يحيى بن أبي أنيسة عن عمرو بلفظ "من كاتب عبده على مائة أوقية فأداه إلا عشرة أواق، أو قال عشرة دراهم، ثم عجز فهو رقيق" باب ما جاء، في المكاتب ... كتاب البيوع برقم (1260) الجامع الصحيح 3/ 561، وقال: "حسن غريب".
وأخرجه ابن ماجة من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بلفظ "أيما عبد كوتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات فهو رقيق" باب المكاتب، كتاب العتق برقم (2519) سنن ابن ماجة 2/ 842، ورواه البيهقي في السنن الكبرى 10/ 324.
الجزء: 3 - الصفحة: 236
وما يؤديه إلى سيده كسب عبده، وإنما جعل الشرع هذا العقد وسيلة إلى العتق وأوجب فيه التأجيل مبالغة في تحصيل العتق وتخفيفا عن المكاتب، فإذا عجل على وجه يسقط به بعض ما عليه كان أبلغ في حصول العتق وأخف على العبد، ولهذا فارق سائر الديون، ويفارق الأجانب من حيث إنه عبده فهو أشبه بعبده القن 1489، وإن اتفقا على الزيادة في الأجل والدين كأن حل عليه نجم [فقال] 1490: أخره إلى كذا وأزيد كذا لم يجز؛ لأنه يشبه ربا الجاهلية المحرم، ويلزم سيدا عجل لمكاتبه كتابته أخذ معجله بلا ضرر عليه في قبضها، فإن أبى أخذها بلا ضرر جعلها إمام في بيت المال وحكم بعتقه، رواه سعيد في سننه عن عمر وعثمان 1491، ولأن الأجل حق لمن عليه الدين فإذا قدمه فقد أسقط حقه فسقط كسائر الحقوق، فإن كان على السيد ضرر في قبضها كأن دفعها إليه بطريق مخوف أو احتاجت إلى مخزن كالطعام ونحوه لم يلزمه أخذها؛ لأنه لم يلزمه التزام ضرر لا يقتضيه العقد ولا يعتق ببذله إذا، ومتى بان بعوض دفعه مكاتب لسيده [عيب] 1492 فله أرشه إن أمسكه أو عوضه إن رده؛ لأن إطلاق عقد الكتابة يقتضي سلامة عوضها، وقد تعذر رد المكاتب رقيقا فوجب أرش العيب أو عوض المعيب جبرا لما 1493 اقتضاه إطلاق العقد، ولم يرتفع عتقه؛ لأنه إزالة ملك بعوض فلا
الجزء: 3 - الصفحة: 237
يبطله رد العوض بالعيب كالخلع 1494، ولو أخذ سيده منه حقه ظاهرا ثم قال: هو حر ثم بان ما دفعه مستحقا لم يعتق لفساد القبض وإنما قال: هو حر اعتمادا على صحة القبض، وإن ادعى السيد تحريمه وقال: لا أقبضه لأنه غصب وسرقة ونحوه وأنكره المكاتب قبل قول السيد ببينة، وإلا يكن له بينة حلف العبد أنه ملكه، ثم يلزم السيد رد ما قبضه من المكاتب مدعيا أنه حرام إلى من أضافه إليه إن كان أضافه لمعين بأن قال: غصبه من زيد فيرده إليه؛ لأنه يقبل قوله في حق نفسه وإن لم يقبل على المكاتب، كان نكل مكاتب عن الحلف أن ما بيده ملكه حلف سيده أنه حرام ولم يلزمه قبوله.
ويملك المكاتب كسبه ونفعه وكل تصرف يصلح ماله كبيع وشراء وإجارة واستئجار واستدانة؛ لأن الكتابة وضعت لتحصيل العتق ولا يحصل العتق إلا بأداء عوضه، ولا يمكنه الأداء إلا بالتكسب، وهذا أقوى أسبابه 1495، وفي بعض الآثار: "أن تسعة أعشار الرزق في التجارة" 1496، وتتعلق استدانته بذمته يتبع بها بعد عتق؛ لأنه لما ملك كسبه صارت ذمته قابلة للاشتغال، ولأنه في يد نفسه فليس من سيده غرور بخلاف المأذون له، وسفره كسفر غريم فلسيده منعه منه.
الجزء: 3 - الصفحة: 238
وللمكاتب أخذ صدقة واجبة ومستحبة لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ 1497 وإذا جاز له الأخذ من الواجبة فالمستحبة أولى، ويلزم المكاتب شرط سيده عليه ترك السفر وترك أخذ الصدقة فيملك تعجيزه بسفره أو أخذه الصدقة عند شرط تركهما لحديث: "المسلمون على شروطهم" 1498، وكذا لو شرط عليه أن لا يسأل الناس، ولا يصح شرط سيده عليه نوع تجارة كأن يشترط عليه أن لا يتجر إلا في نوع كذا لمنافاته مقتضى العقد.
ويملك المكاتب أن ينفق على نفسه وزوجته ورقيقه وولده التابع له في كتابته من كسبه، فإن عجز عما عليه ولم يفسح سيده كتابته لعجزه لزم السيد نفقة من ذكر؛ لأنهم في حكم أرقائه، وليس للمكاتب النفقة على ولده من أمة لغير سيده ولو ولد بعد الكتابة؛ لأنه تابع لأمه، وبتبعه في كتابته ولده من أمة سيده بشرطه ذلك على سيده للحديث، فإن لم يشترطه فولده قن لسيده تبعا لأمه، ونفقة ولد المكاتب من مكاتبة ولو لسيده على أمه؛ لأنه تابع لها.
ولا يملك المكاتب أن يكفر بمال إلا بإذن سيده؛ لأنه في حكم المعسر؛ لأنه لا يلزمه زكاة ولا نفقة قريب، ولا يسافر لجهاد ولا يتزوج إلا بإذن سيده؛ لأنه عبد فيدخل في عموم حديث: "أيما عبد نكح بغير إذن مواليه فهو عاهر" 1499، ولا يتسرى
الجزء: 3 - الصفحة: 239
إلا بإذن سيده؛ لأن ملكه غير تام، ولا يتبرع ولا يقرض ولا يحابي ولا يرهن ولا يضارب ولا يبيع نسأ ولو برهن أو يزوج رقيقه أو يحده أو يعتقه أو يكاتبه إلا بإذن سيده في الكل؛ لأن حق سيده لم ينقطع إذ ربما عجز فعاد إليه كل ما في ملكه، فإن إذن له السيد في شيء من ذلك جاز، والولاء على من أعتقه المكاتب أو كاتبه بإذن سيده فأدى ما عليه للسيد؛ لأن المكاتب كوكيله في ذلك.
ويصح شرط وطن مكاتبته نصا 1500؛ لبقاء أصل الملك كراهن يطأ بشرط، لا شرط وطء بنتها، فإن وطئها بلا شرط أو وطئ بنتها التي في ملكه أو وطئ أمتها فلها المهر ولو مطاوعة؛ لأن عدم منعها من وطئه ليس إذنا فيه، وعليه قيمة أمتها إن أولدها لإتلافه لها بمنعها من التصرف فيها، بخلاف بنتها إن أولدها فلا يلزمه قيمتها؛ لأن المكاتبة كانت ممنوعة من التصرف فيها قبل استيلادها فلم يفت عليها شيء باستيلادها، ويؤدب من وطء مكاتبته بلا شرط إن علم التحريم، وتصير مكاتبته أو بنتها أو أمتها أو أمة مكاتبه إن ولدت منه أم ولد؛ لأنها أمته ما بقي عليها درهم، ثم إن أدت عتقت وكسبها لها ولا تنفسخ كتابتها باستيلادها، وإن مات سيدها وبقي = (14613) المسند 4/ 359، والدارمي، باب في العبد يتزوج بغير إذن من سيده، كتاب النكاح برقم (2233) سنن الدارمي 2/ 203، والحاكم، باب إذا تزوج العبد بغير إذن سيده كان عاهرا، كتاب النكاح، المستدرك 2/ 194، والبيهقي، باب نكاح العبد بغير إذن مالكه، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 127، والحديث حسنه الترمذي، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 2/ 399، وفي الإرواء 6/ 351.
الجزء: 3 - الصفحة: 240
عليها شيء من كتابتها سقط وعتقت بكونها أم ولد وما بيدها لورثته 1501، كما لو أعتقها قبل موته ولو لم تعجز لأنها عتقت بغير أداء، وكذا لو أعتق سيد مكاتبه فله كل ما في يده وكان عتقه فسخا للكتابة، ويصح عتقه في الكفارة إن لم يكن أدى شيئا من كتابته ويأتي 1502. (ويجوز بيع المكاتب) ذكرا كان أو أنثى لما روت عائشة: "أن بريرة 1503 جاءت تستعينها في كتابتها شيئا فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت ذلك، فذكرت ذلك بريرة لأهلها، فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا، فذكرت ذلك لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: ابتاعي واعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق" متفق عليه 1504، قال ابن المنذر: "بيعت بريرة بعلم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهي مكاتبة ولم ينكر ذلك ولا وجه لمن أنكره ولا خبرا يعارضه، ولا أعلم شيئا من الأخبار دل على
الجزء: 3 - الصفحة: 241
عجزها 1505، وتأوله الشافعي على أنها كانت قد عجزت 1506 وليس في الخبر ما يدل بل قولها: "أعينيني" دل على بقائها على 1507 الكتابة.
ويجوز هبة المكاتب والوصية به وولده التابع له في كتابته كهو (ومشتريه) أي المكاتب (يقوم مقام مكاتبه) بكسر التاء يؤدي إليه ما بقي من كتابته، (فإن أدى إليه عتق، وولاؤه لمنتقل إليه)؛ لأن الكتابة عقد لازم فلم تنفسخ بنقل الملك في المكاتب 1508، وإن عجز [عن] 1509 الأداء عاد قنا؛ لأن حكمه مع بائعه ونحوه كذلك، وإن لم يعلم مشتريه أنه مكاتب فله الرد أو الأرش؛ لأن الكتابة نقص، لأنه لا يقدر على التصرف في منافعه أشبه الأمة المتزوجة.
ولا يجوز بيع ما في ذمة المكاتب من نجوم الكتابة كدين السلم.
والكتابة الصحيحة عقد لازم من الطرفين؛ لأنها بيع، ولا يدخلها خيار مجلس ولا خيار شرط ولا غيرهما.
ولا يصح تعليقها على شرط مستقبل كقوله: إذا جاء رأس الشهر فقد كاتبتك على كذا، كسائر العقود اللازمة، وخرج به الماضي والحاضر كإن كنت عبدي ونحوه
الجزء: 3 - الصفحة: 242
فقد كاتبتك على كذا فتصح.
ولا تنفسخ الكتابة بموت السيد ولا جنونه ولا الحجر عليه 1510، ويعتق المكاتب بأداء إلى من يقوم مقام السيد أو إلى وارثه، وإن حل نجم من كتابته فلم يؤده فلسيده الفسخ بلا حكم حاكم، ويلزم السيد إنظاره ثلاثا ليبيع عرضا ولمال غائب دون مسافة قصر يرجو قدومه، والدين حال على مليئ أو المال مودع قصدا لحظ المكاتب والرفق به مع عدم الإضرار بالسيد، وإن حل نجم والمكاتب غائب بلا إذن سيده فله الفسخ، وبإذنه يكتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي به المكاتب يأمره بالأداء أو يثبت عجزه ليفسخ السيد أو وكيله، فإن قدر المكاتب على الوفاء ولم يوكل من يؤدي عنه مع الإمكان ومضى زمن السير عادة فلسيده الفسخ.
ولمكاتب قادر على كسب تعجيز نفسه؛ لأن دين الكتابة غير مستقر عليه، ومعظم القصد بالكتابة تخليصه من الرق فإذا لم يرد ذلك لم يجبر عليه إن لم يملك وفاء لكتابته، فإن ملكه لم يملك تعجيز نفسه لتمكنه من الأداء، وهو سبب الحرية التي هي حق للَّه تعالى فلا يملك إبطالها مع حصول سببها بلا كلفة، ويجبر على الأداء ثم يعتق ولا يعتق بنفس الملك؛ للخبر 1511، ولجواز أن يتلف قبل أدائه فيفوت على السيد.
الجزء: 3 - الصفحة: 243
ولسيد الفسخ بعجز عن ربعها؛ لحديث الأثرم عن عمر وابنه وعائشة وزيد ابن ثابت أنهم قالوا: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" 1512، وروي أيضا عن أم سلمة 1513.
الجزء: 3 - الصفحة: 244
فصل في حكم أمهات الأولاد
(وأم الولد تعتق بموت سيدها من كل ماله) 1514 وإن لم يملك غيرها؛ لحديث ابن عباس مرفوعا: "من وطئ أمته فولدت فهي معتقة عن دبر منه" رواه الإمام أحمد وابن ماجة 1515، وعنه أيضا قال: "ذكرت أم إبراهيم 1516 عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: أعتقها ولدها" رواه ابن ماجة والدارقطني 1517.
الجزء: 3 - الصفحة: 245
(وهي) -أي أم الولد- شرعا: (من ولدت ما) -أي إنسان- (فيه صورة ولو) كانت الصورة (خفية من مالك) لها (ولو) لـ (بعضها) ولو جزءا يسيرا، أو كان مالكها أو بعضها مكاتبا إن أدى، فإن عجز عادت قنا 1518 (ولو) 1519 كانت (محرمة عليه) أي على مالكها كأخته من الرضاع وكمجوسية ووثنية، وكوطئها في نحو حيض (أو) ولدت ما فيه صورة (من أبيه) أي مالكها (إن لم يكن وطئها الابن) نصا 1520 فإن كان الابن وطئها لم تصر أم ولد للأب باستيلادها؛ لأنها تحرم عليه أبدا بوطء ابنه لها فلا تحل له بحال، أشبه وطء الأجنبي فلا يملكها ولا تعتق بموته، ويعتق ولدها على أخيه؛ لأنه ذو رحمه، ونسبه لاحق بالأب؛ لأنه من وطئ يدرؤ فيه الحد لشبهة الملك.
وإن وضعت جسما لا تخطيط فيه كالمضغة ونحوها لم تصر به أم ولد؛ لأنه ليس بولد، فإن شهد ثقات من النساء بأن في هذا الجسم صورة خفية تعلقت بها الأحكام؛ لاطلاعهن على ما خفي على غيرهن.
وإن أصابها في ملك غيره بزوجية أو شبهة، ثم ملكها حاملا عتق الحمل؛ لأنه ولده ولم تصر أم ولد نصا 1521 لمفهوم الخبر، ولأن الأصل في ولد الأمة الرق، وإن زنا بأمة فحملت منه ثم اشتراها فولدت في ملكه لم يعتق؛ لأنه كأجنبي
الجزء: 3 - الصفحة: 246
منه لا يلحقه نسبه.
ومن ملك أمة حاملا من غيره فوطئها قبل وضعها، حرم عليه بيع الولد ولم يصح ويعتقه نصا 1522؛ لأنه قد شرك فيه لأن الماء يزيد في الولد، قال الشيخ تقي الدين: "ويحكم بإسلامه وأنه يسري كالعتق" 1523. أي ولو كانت كافرة.
(وأحكامها) -أي أم الولد- (كـ) أحكام (أمة) غير مستولدة في إجارة واستخدام ووطء وسائر أمورها 1524؛ لأنها مملوكه أشبهت القن إلا في تدبير، فلا يصح؛ لأنه (لا) 1525 فائدة [فيه] 1526 إذ الاستيلاد أقوى منه، و (إلا فيما ينقل الملك) [في رقبتها] 1527 كبيع فلا يصح بيع أم الولد غير كتابة فتصح كتابتها وتقدم، وكهبة ووصية ووقف؛ لحديث ابن عمر مرفوعا: "نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال: لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع بهن السيد ما دام حيا، فإذا مات فهي حرة" رواه الدارقطني ورواه مالك في "الموطأ" 1528.
الجزء: 3 - الصفحة: 247
(أو يراد له) -أي لنقل الملك- كرهن فلا يصح رهنها؛ لأن القصد منه البيع في الدين ولا سبيل إليه.
وولدها من غير سيدها بعد إيلادها كهي؛ لأن الولد يتبع أمه حرية ورقا فكذا في سبب الحرية، قال [أحمد] 1529: قال ابن عمر وابن عباس وغيرهما: "ولدها بمنزلتها" 1530 إلا أنه لا يعتق بإعتاقها؛ لأنها عتقت بغير السبب الذي تبعها فيه ويبقى عتقه موقوفا على موت سيده، ولا يعتق أيضا بموتها قبل سيدها.
= قال: "غلط فيه بعض الرواة عن عبد اللَّه بن دينار فرفعه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو وهم لا يحل ذكره".
السنن الكبرى 10/ 143 وذكر عبد الحق في أحكامه كما في نصب الراية 3/ 290 حديث ابن عمر هذا ثم قال: "يروى من قول ابن عمر ولا يصح مسندا".
وتعقبه ابن قطان وقال: "هذا حديث يرويه عبد العزيز بن مسلم القسملي وهو ثقة عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر واختلف فيه.
. . وعندي أن الذي أسنده خير ممن وقفه.
نصب الراية 3/ 289. قال الحافظ ابن حجر: قال الدارقطني الصحيح وقفه على ابن عمر عن عمر، وكذا قال البيهقي وعبد الحق".
التلخيص الحبير 4/ 217، وضعف رفعه أيضا الألباني في الإرواء 6/ 188. ومما يرجح وقفه أن الإمام مالك أخرجه من طريق نافع عن عبد اللَّه بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: "أيما وليدة ولدت من سيدها، فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورثها وهو يستمتع بها فإذا مات فهي حرة" برقم 1509 الموطأ ص 510، وكذا رواه الدارقطني والبيهقي من هذا الطريق.
ينظر: سنن الدارقطني 4/ 134، والسنن الكبرى 10/ 348.
الجزء: 3 - الصفحة: 248
وإن أسلمت أم ولد لكافر منع من غشيانها لتحريمها عليه بإسلامها وحيل بينه وبينها لئلا يغشاها، ولا تعتق بإسلامها بل يبقى ملكه عليها على ما كان قبل إسلامها، ويجبر على نفقتها إن عدم كسبها لوجوبها عليه لأنه مالكها، فإن كان لها كسب فنفقتها فيه، فإن فضل منه شيء فلسيدها، فإن أسلم حلت له، وإن مات كافرا عتقت بموته؛ لعموم الأخبار 1531.
الجزء: 3 - الصفحة: 249
فصل
(ومن أعتق رقبة أو عتقت عليه) بملك أو سبب (فله عليها الولاء، وهو أنه يصر عصبة لها مطلقا)، ذكرا كان المعتق أو أنثى لحديث: "الولاء لمن أعتق" متفق عليه 1532، ولكن يكون ذلك (عند عدم عصبة النسب) وتقدم تقريره في كتاب الفرائض 1533.
الجزء: 3 - الصفحة: 250
(كتاب النكاح)
وهو لغة: الوطء المباح قاله الأزهري 1534، وقال الجوهري 1535: "النكاح [الوطء] 1536 وقد يكون العقد" انتهى 1537 وإذا قالوا: نكح فلانة أو بنت فلان أرادوا عقد عليها، وإذا قالوا: نكح زوجته أو أمته لم يريدوا إلا المجامعة؛ لقرينة ذكر زوجته أو أمته.
وهو شرعا: حقيقة في عقد التزويج؛ لصحة نفيه عن الوطء، فيقال: سفاح وليس بنكاح وصحة النفي دليل المجاز وانصراف اللفظ عند الإطلاق إليه وتبادره إلى الذهن دون غيره، مجاز في الوطء لما تقدم 1538.
وقيل: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه سبب الوطء 1539.
الجزء: 3 - الصفحة: 251
وقيل: حقيقة في مجموعهما فهو من الألفاظ المتواطئة 1540.
والأشهر أن لفظ النكاح مشترك بين العقد والوطء فيطلق على كل منهما على انفراده حقيقة.
قال في "الإنصاف" 1541: "وعليه الأكثر" انتهى.
والمعقود عليه المنفعة كالإجارة، قاله في "الفروع" 1542.
وأجمعوا على مشروعية النكاح 1543 قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ.
. .﴾ الآية 1544 وغيرها، وحديث: "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" رواه أحمد وابن حبان 1545.
الجزء: 3 - الصفحة: 252
(يسن) النكاح (مع شهوة لمن لم يخف الزنا) من رجل وامرأة لحديث ابن مسعود مرفوعا: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء 1546 رواه الجماعة 1547، خاطب الشباب؛ لأنهم أغلب شهوة، واشتغاله به أفضل من التخلي لنوافل العبادة، لظاهر قول الصحابة وفعلهم قال ابن مسعود: "لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، وأعلم أني أموت في آخرها يوما، لي فيهن طول النكاح لتزوجت مخافة الفتنة" 1548، وقال ابن عباس لسعيد بن جبير: "تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها = سنن سعيد بن منصور 3/ 1/ 164، والبيهقي، باب استحباب التزوج بالودود الولود، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 81 - 82، والحديث صححه الألباني في الإرواء 6/ 195.
الجزء: 3 - الصفحة: 253
نساء" 1549، ولاشتماله على تحصين فرج نفسه وزوجته وحفظها والقيام بها، وإيجاد النسل وتكثير الأمة وتحقيق مباهاته -صلى اللَّه عليه وسلم- وغير ذلك.
ويباح النكاح لمن لا شهوة له أصلا كعنين 1550، أو ذهبت شهوته لعارض كمرض وكبر كسائر المباحات لعدم منع الشرع منه، وتخليه لنوافل العبادة أفضل منه في حقه لمنع من 1551 تزوجها من التحصين بغيره، وتعريض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يقوم بها.
(ويجب) النكاح بنذر و (على من يخافه) أي الزنا بترك النكاح وقدر على نكاح حرة ولو كان خوفه ذلك ظنا من رجل؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه وصرفها عن الحرام وطريقه النكاح، وظاهر كلام أحمد لا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه 1552، واحتج بأنه عليه السلام: "كان يصبح وما عندهم شيء، ويمسي وما عندهم شيء" 1553، ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "زوج رجلا لم يقدر على خاتم من حديد، ولا وجد إلا
الجزء: 3 - الصفحة: 254
إزاره ولم يكن له رداء" أخرجه البخاري 1554 قال في "الشرح" 1555: "هذا في حق من يمكنه التزويج، فأما من لا يمكنه فقد قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ 1556 " انتهى.
ونقل صالح 1557: "يقترض ويتزوج" 1558.
ومن أمره به والداه أو أحدهما فليتزوج نصا 1559.
ويقدم النكاح حين وجوبه على حج واجب زاحمه خشية الوقوع في الحرام، ولا يكتفى في الخروج من وجوب النكاح حيث وجب بالعقد ولا بمرة، بل يكون في مجموع العصر ليحصل الإعفاف وصرف النفس عن الحرام.
الجزء: 3 - الصفحة: 255
ويجوز نكاح مسلمة بدار حرب لضرورة لغير أسير ولا يتزوج منهم، فإن لم تكن ضرورة لم يتزوج ولو مسلمة، ولا يطأ زوجته إن كانت معه نصا 1560، ويعزل وجوبا إن حرم نكاحه وإلا استحب.
ويجزئ تسر عن نكاح حيث وجب واستحب لقوله تعالى: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 1561 والتخيير إنما يكون بين متساويين 1562.
(ويسن) لمن أراد نكاحا (نكاح واحدة) إن حصل بها إعفاف ولا يزيد عليها لما فيه من التعريض للحرمة قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ 1563 (حسيبة) وهي النسيبة لنجابة ولدها، فإنه ريما أشبه أهلها ونزع إليهم (ودينة) لحديث أبي هريرة مرفوعا: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" متفق عليه 1564 (أجنبية)؛ لأن ولدها أنجب، ولأنه [لا] 1565 يؤمن الفراق فيفضي مع القرابة لقطيعة الرحم، ويسن أيضا
الجزء: 3 - الصفحة: 256
تخير الجميلة للخبر؛ ولأنه أسكن لنفسه وأغض لبصره وأكمل لمودته، ولذلك شرع النظر قبل النكاح، وعن أبي هريرة قال: "قيل يا رسول اللَّه! أي النساء خير؟ قال: التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره" رواه أحمد والنسائي 1566، (بكر) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لجابر: "فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك" متفق عليه 1567، (ولود) لحديث أنس مرفوعا: "تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" رواه سعيد 1568، ويعرف كون البكر ولودا بكونها من نساء يعرفن بكثرة الأولاد، ولا يسأل عن دينها حتى يحمد له جمالها، قال أحمد: "إذا خطب رجل امرأة سأل عن جمالها أولا، فإن حمد سأل عن دينها، فإن حمد تزوج، وإن لم يحمد يكون رد لأجل الدين، ولا يسأل أولا عن الدين، فإن حمد سأل عن الجمال، فإن لم يحمد ردها للجمال لا للدين".
1569 وأراد الإمام أحمد أن يتزوج أو يتسرى فقال: "يكون لهما لحم" يريد كونهما
الجزء: 3 - الصفحة: 257
سمينتين 1570، وكان يقال: من أراد أن يتزوج امرأة فليستجد شعرها، فإن الشعر وجه فتخيروا أحد الوجهين، وينبغي أن تكون المرأة من بيت معروف بالدين والقناعة، وأن تكون ذات عقل لا حمقاء، وأن يمنع وزجته من مخالطة النساء فإنهن يفسدنها عليه، وألا يدخل بيته مراهقا، ولا يأذن لها في الخروج، وأحسن النساء التركيات، وأصلحهن الجلب -التي لم تعرف أحدا- 1571، وليحذر العاقل إطلاق البصر فإن العين ترى غير المقدور عليه على غير ما هو عليه، وريما وقع من ذلك العشق فيهلك البدن والدين، فمن ابتلي بشيء من ذلك فليفكر في عيوب النساء.
(و) يباح (لمريد خطبة امرأة) بكسر الخاء (مع) غلبة (ظن إجابة نظر إلى ما يظهر 1572 منها غالبا) كوجه ورقبة ويد وقدم لحديث: "إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" 1573، [و] 1574 لحديث جابر مرفوعا: "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل، قال: فخطبت جارية من بني سلمة، فكنت أتخبا لها حتى رأيت منها بعض ما دعاني إلى نكاحها" رواه أحمد وأبو داود 1575، وقوله: "إذا ألقى اللَّه عز وجل في
الجزء: 3 - الصفحة: 258
قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها" رواه أحمد وابن ماجة 1576، وعن المغيرة بن شعبة 1577: "أنه خطب امرأة فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" رواه الخمسة إلا أبا داود 1578، ومعنى يؤدم: أي يؤلف ويوفق، والأمر بذلك = الرجل يريد تزوج المرأة.
. .، كتاب النكاح، شرح معاني الآثار 3/ 14، والحاكم، باب إذا خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر.
. .، كتاب النكاح، المستدرك 2/ 165، والبيهقي، باب نظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 84، والحديث قال عنه الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في الإرواء 6/ 200.
الجزء: 3 - الصفحة: 259
[بعد] 1579 الحظر فهو للإباحة، ويكون النظر إليها (بلا خلوة إن أمن الشهوة) 1580، فإن كان خلوة أو مع خوف ثوران شهوة لم يجز.
(وله) أي الرجل (نظر ذلك) أي ما يظهر غالبا كوجه ورقبة ويد وقدم (ورأس وساق من ذوات محارمه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾.
. الآية 1581 وذوات محارمه من يحرمن عليه أبدا بنسب كأمه وأخته وبنته، أو بسبب مباح كرضاع ومصاهرة كأخته من رضاع وزوجة أبيه وابنه وأم زوجته بخلاف أختها ونحوها لأن تحريمها إلى أمد، وبخلاف أم المزني بها وابنتها، وأم الموطوءة بشبهة وبنتها لأن السبب ليس مباحا.
(و) لرجل وامرأة نظر وجه ورقبة ويد وقدم ورأس وساق (من أمة) معرضة لبيع يريد شراءها كما لو أراد خطبتها بل المستامة أولى؛ لأنها تراد للاستمتاع = حبان، باب ذكر الأمر للمرء إذا أراد خطبة امرأة أن ينظر إليها قبل العقد، كتاب النكاح، برقم (4043) الإحسان 9/ 351، والدارقطني باب المهر، كتاب النكاح، سنن الدارقطني 3/ 252، والحاكم، باب إذا خطب أحدكم امرأة.
. .، كتاب النكاح، المستدرك 2/ 165، والبيهقي، باب نظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 84، والحديث حسنه الترمذي، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 1/ 314.
الجزء: 3 - الصفحة: 260
وغيره، ونقل حنبل: "لا بأس أن يقلبها إذا أراد الشراء من فوق الثياب؛ لأنها لا حرمة لها" 1582، وروى أبو حفص 1583 أن ابن عمر: "كان يضع يده بين ثدييها، وعلى عجزها من فوق الثياب، ويكشف عن ساقيها" 1584، ويباح لعبد امرأة لا مبعض أو مشترك نظر ذلك من مولاته لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ 1585 ولمشقة تحرزها منه، وكذا غير أولي الإربة من الرجال، ويباح أن ينظر من الأجنبيات 1586 كعنين وكبير ومريض لا شهوة له لقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ 1587، ويباح أن ينظر ممن لا تشتهى كعجوز وبرزة وقبيحة ومريضة لا تشتهى وأمة غير مستامة إلى غير عورة صلاة.
ويحرم نظر خصي ومجبوب وممسوح -أي مطقوع الخصيتين ومقطوع الذكر
الجزء: 3 - الصفحة: 261
ومقطوعهما- إلى أجنبية ولو امرأة سيده، قال الأثرم: "استعظم الإمام أحمد دخول الخصيان على النساء" 1588 قال ابن عقيل: "لا تباح خلوة النساء بالخصيان ولا بالمجبوبين؛ لأن العضو وإن تعطل أو عدم فشهوة الرجال لا تزول من قلوبهم، ولا يؤمن التمتع بالقبلة وغيرها، ولذلك لا يباح خلوة الرجل بالرتقاء من النساء لهذه العلة" 1589. ولشاهد ومعامل نظر وجه مشهود عليها، ووجه من تعامله في بيع أو إجارة أو غيرها ليعرفها بعينها لتجوز الشهادة عليها أو ليرجع عليها بالدرك، وكذا له نظر كفيها لحاجة، ولطبيب 1590 ومن يلي خدمة مريض وأقطع يدين ولو أنثى في وضوء واستنجاء نظر ومس حتى الفرج لكن بحضرة محرم أو زوج أو سيد ما دعت إليه حاجة دفعا للحاجة ويستر ما عداه، وكذا حال تخليص من غرق ونحوه، وروي أنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لما حكم سعدا في بني قريظة كان يكشف عن مؤتزرهم" 1591 وعن عثمان: أنه أتي بغلام قد
الجزء: 3 - الصفحة: 262
سرق فقال: "انظروا إلى مؤتزره فلم يجدوه أنبت الشعر فلم يقطعه" 1592 وكذا يباح للحلاق حلق عانة من لا يحسنه والنظر إلى المحل الذي يحلقه نصا 1593، ويباح لامرأة مع امرأة ولو كافرة مع مسلمة ورجل مع رجل ولو أمرد نظر غير عورة، وهي هنا ما بين سرة وركبة، لكن إن كان الأمرد جميلا يخاف الفتنة بالنظر إليه لم يجز تعمد النظر إليه، وروى الشعبي قال: "قدم وفد عبد القيس على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وراء ظهره" رواه أبو حفص 1594، ويباح لامرأة [نظر] 1595 من رجل إلى غير عورة، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لفاطمة بنت قيس 1596: "اعتدي في بيت = شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 2/ 78 - 79، وأصله في الصحيحين.
الجزء: 3 - الصفحة: 263
ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين 1597 ثيابك فلا يراك" 1598 قالت عائشة: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسترني بردائه، وأنا أنظر إِلى الحبشة يلعبون في المسجد" متفق عليه 1599، ولأنهن لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم.
ومميز لا شهوة له مع امرأة كامرأة مع امرأة لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ 1600 وقوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ 1601 فدل على التفريق بين البالغ وغيره.
الجزء: 3 - الصفحة: 264
والمميز ذو الشهوة مع المرأة كمحرم للآية حيث فرق اللَّه بينه وبين البالغ، وبنت تسع مع رجل كمحرم لحديث: "لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار" 1602 فدل على صحة صلاة من لم تحض مكشوفة الرأس فيكون حكمها مع الرجال كذوات المحارم، وكالغلام المراهق مع النساء.
وخنثى مشكل في نظر رجل إليه كامرأة ونظره إلى رجل كنظر امرأة إليه، ونظره إلى امرأة كنظر رجل إليها تغليبا لجانب الحظر.
ولرجل نظر لغلام لغير شهوة كالبالغ، ويحرم نظر لشهوة بأن يتلذذ بالنظر، أو مع خوف ثورانها إلى أحد ممن ذكر من ذكر وأنثى وخنثى غير زوجة وسرية، وحرم ابن عقيل وهو ظاهر كلام غيره النظر مع شهوة تخنيث وسحاق ودابة يشتهيها ولا يعف عنها 1603.
ولمس كنظر بل أولى؛ لأنه أبلغ منه فيحرم اللمس حيث يحرم النظر، وصوت
الجزء: 3 - الصفحة: 265
الأجنبية ليس بعورة، ويحرم تلذذ بسماعه ولو بقراءة القرآن؛ لأنه يدعو إلى الفتنة بها.
ويحرم خلوة غير محرم على الجميع بشهوة ودونها وكرجل يخلو مع عدد من النساء وعكسه بأن يخلو عدد من الرجال بامرأة واحدة.
قال في "الفروع" 1604: "ولو بحيوان يشتهي المرأة أو تشتهيه كالقرد، ذكره ابن عقيل وابن الجوزي".
1605
ولكل من الزوجين نظر جميع بدن الآخر ولمسه بلا كراهة حتى فرجها نصا 1606 لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ 1607، ولحديث بهز بن حكيم 1608 عن أبيه عن جده قال: "قلت: يارسول اللَّه! عوراتنا ما نأتي منها وما
الجزء: 3 - الصفحة: 266
نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك" رواه الترمذي وحسنه 1609، ولأن الفرج محل الاستمتاع فجاز النظر إليه كبقية البدن، كبنت أو ابن دون سبع سنين؛ لأنه لا حكم لعورتهما، روي عن أبي ليلى 1610 قال: "كنا جلوسا عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: فجاء الحسن، فجعل يتمرغ عليه، فرفع مقدم قميصه أرآه، فقال: فقبل زبيبه" رواه أبو حفص 1611، وكره النظر إلى الفرج حال الطمث -أي الحيض- ويكون أيضا بمعنى الجماع، وزاد في "الرعاية الكبرى": "وحال الوطء" 1612. وكذا سيد مع أمتة المباحة له لكل منهما نظر جميع بدن الآخر ولمسه بلا كراهة كما تقدم، والسنة عدم نظر كل منهما إلى فرج الآخر لحديث عائشة
الجزء: 3 - الصفحة: 267
قالت: "ما رأيت فرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قط" رواه ابن ماجة 1613، وفي لفظ: "ما رأيته من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا رآه مني" 1614، ولأنه أغلظ العورة.
وينظر سيد من أمته غير المباحة له كمزوجة، ومسلم من أمته الوثنية والمجوسية إلى غير عورة، ويحرم نظره إلى ما بين السرة والركبة، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة فإنه عورة" رواه أبو داود 1615، ومفهومه إباحة النظر إلى ما عدا ذلك، والمجوسية والوثنية في معنى المزوجة بجامع الحرمة، ومن لا يملك من أمة إلا بعضها كمن لا حق له فيها، وحرم تزين امرأة لمحرم غير زوج وسيد لدعائه إلى الافتتان بها، وكره أحمد مصافحة النساء وشدد حتى لمحرم غير أب 1616.
الجزء: 3 - الصفحة: 268
فصل
(وحرم تصريح) وهو ما لا يحتمل غير النكاح (بخطبة معتدة) -بكسر الخاء- ومثلها مستبرأة عتقت بموت سيد ونحوه، كقوله: أريد أن أتزوجك، أو إذا انقضت عدتك تزوجتك، أو زوجينى نفسك لمفهوم قوله تعالى ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ [بِهِ] 1617 مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ 1618 إذ تخصيص التعريض بنفي الحرج يدل على عدم جواز التصريح، ولأنه لا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها (على غير زوج تحل له) كالمخلوعة والمطلقة دون ثلاث 1619 على عوض؛ لأنه يباح له نكاحها في عدتها، أشبهت غير المعتدة بالنسبة إليه، فإن وطئت بشبهة أو زنا في عدتها فالزوج كأجنبي؛ لأنها لا تحل له إذن كالمطلقة ثلاثا.
(و) يحرم (تعريض بخطبة رجعية)؛ لأنها في حكم الزوجات أشبهت التي في صلب النكاح، ويجوز التعريض بخطبة معتدة في عدة وفاة وبائن بطلاق ثلاثا، وبغير الثلاث كالمختلعة والمطلقة على عوض والبائن بفسخ لعنة وعيب ورضاع ونحوه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ 1620، والمرأة في
الجزء: 3 - الصفحة: 269
الجواب كالرجل فيما يحل ويحرم، فيجوز للبائن التعريض في الإجابة ويحرم عليها التصريح، وعلى الرجعية التعريض والتصريح ما دامت في العدة، والتعريض من الخاطب مثل أن يقول: "إني في مثلك لراغب" و"لا تفوتيني نفسك" و"إذا انقضت عدتك فأعلميني"، وما أشبه ذلك، وتجيبه: " [ما يرغب] 1621 عنك" و"إن قضى شيئا كان" ونحو ذلك، ودخل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على امرأة أبي سلمة وهي متأيمة فقال: "لقد علمت أني رسول اللَّه، وخيرته من خلقه، وموضعي من قومي، وكانت تلك خطبته" رواه الدارقطني 1622، فلو صرح الخاطب بالخطبة أو عرض في موضع يحرمان فيه ثم تزوجها بعد حلها وانقضاء عدتها صح نكاحه؛ لأن أكثر ما في ذلك تقديم حظر على العقد.
(و) حرم (خطبة على خطبة مسلم أجيب) ولو تعريضا إن علم الثاني إجابة الأول؛ لحديث أبي هريرة مرفوعا: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك" رواه البخاري 1623، ولما فيه من الإفساد على الأول وإيذائه وإيقاع العدواة بينهما، وإن لم يعلم بإجابة الأول، أو ترك الخطبة، أو أخر العقد حتى طالت المدة وتضررت المخطوبة أو أذن للثاني في الخطبة جاز، لحديث ابن عمر يرفعه: "لا يخطب
الجزء: 3 - الصفحة: 270
الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن لخاطب" رواه أحمد والبخاري 1624، وكذا لو سكت الخاطب الأول بأن استأذنه الثاني فسكت جاز للثاني؛ لأن سكوته عند استئذانه في معنى الترك، وهذا من المواضع التي يكون السكوت فيها رضا، ومن ذلك سكوت البكر عند الاستئذان للنكاح، وسكوت من بشر بولد ولم ينفه، وصلاة إمام خلف من أم بغير إذنه.
وإن رد الأول ولو بعد إجابته جاز للثاني أن يخطب، ويكره رد الأول بلا غرض صحيح، والتعويل في رد وإجابة على ولي مجبر، وهو الأب ووصيه إن كانت الزوجة حرة [بكرا وكذا سيد أمة] 1625 بكرا وثيبا فلا أثر لإجابة المجبرة؛ لأن وليها يملك تزويجها بغير اختيارها، لكن إن كرهت من أجابه وليها وعينت غيره سقط حكم إجابة [عليها دون] 1626 وليها لتقديم اختيارها عليه، وإلا تكن مجبرة كحرة ثيب عاقلة تم لها تسع سنين فالتعويل في رد وإجابة عليها دون وليها؛ لأنها أحق بنفسها، فإن خطب كافر كتابية لم تحرم خطبتها على مسلم نصا 1627؛ لأن الكافر ليس أخا للمسلم.
(وسن عقده) أي النكاح (يوم الجمعة مساء)؛ لأنه يوم شريف ويوم عيد والبركة في النكاح مطلوبة فاستحب له أشرف الأيام طلبا للبركة، والإمساء به أن يكون
الجزء: 3 - الصفحة: 271
من آخر النهار، وروى أبو حفص العكبري مرفوعا: "أمسوا بالإملاك فإنه أعظم للبركة" 1628، ولأن في آخر يوم الجمعة ساعة الإجابة فاستحب العقد فيها لأنه أعظم للبركة وأحرى لإجابة الدعاء لهما، ويكون العقد (بعد خطبة) عبد اللَّه (ابن مسعود) رضي اللَّه عنه، وهي ما رواه قال: "علمنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة: إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: ويقرأ ثلاث آيات فسرها سفيان الثوري 1629 ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 1630 ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ 1631 ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآية 1632 رواه الترمذي وصححه 1633،
الجزء: 3 - الصفحة: 272
وروي أن أحمد كان إذا حضر عقد نكاح ولم يخطب فيه بخطبة ابن مسعود قام وتركهم 1634، وهذا على طريق المبالغة في استحبابها لا على إيجابها، ويجزئ عن هذه الخطبة أن يتشهد ويصلى على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لما روي عن ابن عمر أنه كان إذا دعي ليزوج قال: "الحمد للَّه وصلى اللَّه على سيدنا محمد، إن فلانا يخطب إليكم، فإن أنكحتموه فالحمد للَّه، وإن رددتموه فسبحان اللَّه" 1635 ولا يجب شيء من ذلك لما في المتفق عليه: "أن رجلا قال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: زوجنيها، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: زوجتكها بما معك من القرآن" 1636، وعن رجل من بني سليم 1637 قال: "خطبت إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمامة بنت عبد المطلب 1638 فأنكحني من غير أن يتشهد" رواه أبو = (3277)، المجتبى 6/ 89، وابن ماجة، باب خطبة النكاح، كتاب النكاح برقم (1892)، سنن ابن ماجة 1/ 609، وأحمد برقم (3712) المسند 1/ 648، والدارمي، باب في خطبة النكاح، كتاب النكاح برقم (2202)، سنن الدارمي 2/ 191، والبيهقي، باب ما جاء في خطبة النكاح، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 146، والحديث حسنه الترمذي، وصححه الألباني في الإرواء 6/ 221.
الجزء: 3 - الصفحة: 273
داود 1639 ولا بأس بسعي الأب للأيم واختيار الأكفاء لعرض عمر حفصة على عثمان رضي اللَّه عنهم 1640. ويسن أن يقال لمتزوج: بارك اللَّه لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية، لحديث أبي هريرة: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا رفأ إنسانا تزوج قال: بارك اللَّه لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير وعافية" رواه الخمسة إلا النسائي 1641، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-
الجزء: 3 - الصفحة: 274
لعبد الرحمن بن عوف: "بارك اللَّه لك، أولم ولو بشاة" 1642، فإذا زفت الزوجة إليه قال ندبا: اللهم إني أسالك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما فليقل: اللهم إني أسالك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيرا أخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك" رواه أبو داود 1643.
الجزء: 3 - الصفحة: 275
(فصل) في أركان النكاح وشروطه
وأركان الشيء أجزاء ماهيته، والماهية لا توجد بدون جزئها، فكذا الشيء لا يتم بدون ركنه 1644. والشرط: ما ينتفي المشروط بانتفائه وليس جزءا للماهية 1645. (أركانه) -أي النكاح- ثلاثة: إحداها: (الزوجان الخاليان [عن] 1646 الموانع) الآتية في باب المحرمات في النكاح، وأسقطه في "المنتهى" وغيره لوضوحه 1647. (و) الثاني: (إيجاب بلفظ أنكحتـ) ـك (أو زوجتـ) ـك. (و) الثالث: (قبول بلفظ قبلت أو رضيت فقط، أو مع هذا النكاح أو تزوجتها) ولا ينعقد النكاح إلا بهما مرتبين الإيجاب أولا وهو اللفظ الصادر من قبل الولي أو 1648 من يقوم مقامه، ثم القبول بعده وهو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، ولا يصح إيجاب ممن يحسن العربية إلا بلفظ "أنكحت" أو "زوجت" لورودهما في نص القرآن في قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ 1649 {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ
الجزء: 3 - الصفحة: 276
آبَاؤُكُمْ} 1650، ولا يصح قبول ممن يحسن العربية إلا بلفظ "قبلت تزويجها"، أو "قبلت نكاحها" أو "قبلت هذا النكاح" أو"هذا التزويج" أو "تزوجتها" أو "رضيت هذا النكاح" أو "قبلت" فقط أو "تزوجت"؛ لأن ذلك صريح في الجواب فصح النكاح به كالبيع، أو قال الخاطب للولي: أزوجت؟ فقال: نعم، وقال للمتزوج: أقبلت؟ فقال: نعم.
انعقد النكاح؛ لأن المعنى نعم زوجت، نعم قبلت هذا النكاح؛ لأن المسؤول عنه يكون مضمرا في الجواب معادا فيه بدليل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ 1651 أي وجدنا ما وعدنا ربنا حقا 1652.
ويصح الإيجاب والقبول من هازل وتلجئة لحديث: "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، والرجعة" رواه الترمذي 1653، وعن الحسن
الجزء: 3 - الصفحة: 277
قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من نكح لاعبا أو طلق لاعبا أو أعتق جاز" 1654 وقال عمر: "أربع جائزات إذا تكلم بهن: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والنذر" 1655 وقال علي: "أربع لا لعب فيهن: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والنذر" 1656.
(ومن جهلهما) أي الإيجاب والقبول (لم يلزمه تعلم) بالعربية؛ لأنه عقد معاوضة كالبيع بخلاف تكبير الصلاة، ولأن القصد هنا المعنى دون اللفظ المعجز بخلاف القراءة، (وكفاه) أي العاجز عنهما بالعربية (معناهما الخاص بكل لسان) أي لغة؛ لأن ذلك في لغته نظير الإنكاح والتزويج ولا يكلف اللَّه نفسا إلا وسعها، ولا يصحان بما لا يؤدي معناهما الخاص كالعربي إذا عدل عن أنكحت أو زوجت إلى غيرهما، وإن أحسن أحدهما العربية وحده أتى بها والآخر بلغته، وترجم بينهما ثقة إن لم يحسن أحدهما لسان الآخر، ولا بد من معرفة الشاهدين لفظ العاقدين.
ولا يصح إيجاب ولا قبول بكتابة ولا إشارة مفهومة إلا من أخرس فيصحان
الجزء: 3 - الصفحة: 278
منه بالإشارة نصا 1657، كبيعه وطلاقه، وإذا صحا منه بالإشارة فالكتابة أولى؛ لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار.
ولا يصح نكاح إن تقدم قبول على إيجاب سواء كان بلفظ الماضي كقوله: تزوجت ابنتك فيقول زوجتكها، أو الأمر كقوله: زوجني ابنتك، فيقول: زوجتكها؛ لأن القبول [إنما] 1658 يكون للإيجاب، فمتى وجد قبله لم يكن قبولا لعدم معناه كما لو تقدم بلفظ الاستفهام، بخلاف البيع فإنه يصح بالمعاطاة وكل ما أدى معناه، و [يفارق] 1659 الخلع؛ لأنه يصح تعليقه على شرط إذا نوف به الطلاق.
وإن تراخى قبول عن إيجاب حتى تفرقا من المجلس أو تشاغلا بما يقطعه عرفا بطل الإيجاب للإعراض عنه بالتفرق أو الاشتغال أشبه ما لو رده، فإن طال الفصل بينهما ولم يتفرقا ولم يتشاغلا بما يقطعه صح العقد؛ لأن حكم المجلس حكم حالة العقد بدليل صحة القبض فيما يشترط لصحته قبضه في المجلس وثبوت الخيار في البيع فيه، ومن أوجب عقدا ولو في غير نكاح ثم جن أو غمي عليه قبل قبول بطل إيجابه بذلك، كبطلا [نه] 1660 بموته، ولا يبطل الإيجاب إن نام قبل بقوله إن قبل في المجلس؛ لأن النوم لا يبطل العقود الجائزة 1661.
الجزء: 3 - الصفحة: 279
فصل (وشروطه) -أي النكاح- (أربعة): -
أحدها: (تعيين الزوجين) في العقد؛ لأن النكاح عقد معاوضة أشبه البيع، فلا يصح النكاح إن قال الولي: "زوجتك بنتي" وله بنت غيرها حتى يميزها باسمها كفاطمة، أو صفة لا يشاركها فيها غيرها من أخواتها كالكبرى أو الطويلة، أو يشير إليها إن كانت حاضرة كهذه، وإلا يكن له إلا بنت واحدة صح النكاح بقوله: "زوجتك بنتي" ولو سماها بغير اسمها؛ لأنه لا تعدد هنا، وإن سماها باسمها ولم يقل: بنتي لم يصح 1662 العقد لاشتراك هذا الاسم وهذه الصفة بينها وبين سائر الفواطم والطوال، أو قال من له بنتان: عائشة وفاطمة: زوجتك بنتي عائشة فقبل، ونويا فاطمة لم يصح؛ لأنهما لم يتلفظا بما يصح العقد بالشهادة عليه فأشبه ما لو قال: زوجتك بنتي فقط أو عائشة فقط، ولأن اسم أختها لا يميزها بل يصرف به العقد عنها كمن سمي له في العقد غير مخطوبته فقبل يظنها إياها 1663. (و) الشرط الثاني: (رضاهما) أي الزوجين العاقلين ولو كان الزوج رقيقا نصا 1664 إذا كان مكلفا والزوجة حرة ثيبا تم لها تسج سنين، ولها إذن صحيح معتبر،
الجزء: 3 - الصفحة: 280
فيشترط مع ثيوبتها، ويسن مع بكارتها نصا 1665؛ لحديث أبي هريرة مرفوعا: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول اللَّه! وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت" متفق عليه 1666، وخص بنت تسع لحديث أحمد عن عائشة قالت: "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة" 1667، وروي عن ابن عمر مرفوعا 1668، ومعناه في حكم المرأة، ولأنها تصلح بذلك للنكاح وتحتاج إليه أشبهت البالغة، (لكن لأب) دون سائر الأولياء (ووصيه) -أي الأب- (في نكاح تزويج) ابن (صغير) -أي [غير] 1669 بالغ- لما روي أن ابن عمر: "زوج ابنه وهو صغير، فاختصموا إلى زيد، فأجازاه جميعا" رواه الأثرم 1670، وله تزويجه أكثر من واحدة إن رآه مصلحة بغير رضاه، ولأب أو وصيه تزويج ابن (بالغ معتوه) أو مجنون مطبقا ولو كان بلا شهوة بلا إذنه؛ لأنه غير مكلف أشبه الصغير، ولأنه ربما كان
الجزء: 3 - الصفحة: 281
النكاح دواء له يرجى به شفاؤه، وقد يحتاج إلى الإيواء والحفظ، فإن عدم الأب ووصيه وثم حاجة إلى النكاح زوجهما -أي الابن الصغير والكبير المعتوه-[حاكم] 1671؛ لأنه ينظر في مصالحهما بعد الأب ووصيه، ومن يخنق في [بعض] 1672 الأحيان إذا بلغ لا يصح تزويجه إلا بإذنه؛ لأنه ممكن، ومن أمكن أن يتزوج لنفسه لم تثبت ولاية تزويجه لغيره كالعاقل، ومن زال عقله ببرسام 1673 أو مرض يرجى زواله فكالعاقل، ويصح قبول مميز لنكاحه بإذن وليه.
(و) لأب ووصيه تزويج بنت (مجنونة) ولو كانت بلا شهوة أو ثيبا أو بالغة؛ لأن ولاية الإجبار انتفت عن العاقلة بخيرة نظرها لنفسها بخلاف المجنونة، ويزوجها مع شهوتها كل ولي لحاجتها إلى النكاح، ولدفع ضرر الشهوة عنها وصيانتها عن الفجور وتحصيل المهر والنفقة، وتعرف شهوتها من كلامها وقرائن أحوالها كتتبعها الرجال وميلها إليهم.
(و) لأب ووصيه تزويج بنت (ثيب لها دون تسع) سنين؛ للأنه لا إذن لها معتبر (وبكر طلقا) أي ولو كانت مكلفة؛ لحديث ابن عباس مرفوعا: "الأيم أحق
الجزء: 3 - الصفحة: 282
بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها صماتها" رواه أبو داود 1674، فقسم النساء قسمين وأثبت الحق لأحدهما فدل على نفيه عن الآخر وهي البكر، فيكون وليها أحق منها بنفسها، ودل الحديث على أن الاستئمار هنا والاستئذان في الحديث السابق مستحب غير واجب.
ويسن استئذان البكر إذا تم لها تسع سنين مع استئذان أمها؛ لحديث ابن عمر مرفوعا: "آمروا النساء في بناتهن" رواه أبو داود 1675.
و(كـ) أب ووصيه (سيد مع إمائه) مطلقا كبارا كن أو صغارا أبكارا أو ثيبات أو مدبرات أو أمهات أولاد؛ لأن منافعهن مملوكة له، والنكاح عقد على منفعة أشبه عقد الإجارة 1676، (و) مع (عبده الصغر) أو المجنون كابنه وأولى لتمام ملكه، ولا يجبر سيد مكاتبا أو مكاتبة ولو صغيرين؛ لأنهما بمنزلة الخارجين عن ملكه، ولذلك لا يلزمه نفقتهما، ولا يملك إجارتهما ولا أخذ مهر المكاتبة، ويعتبر في نكاح معتق بعضها
الجزء: 3 - الصفحة: 283
إذنها وإذن معتقها وإذن مالك البقية كالشريكين في أمة ويقول كل: زوجتكها، ولا يقول: زوجتك نصيبي منها؛ لأن النكاح لا يقبل التبعيض والتجزء بخلاف البيع والإجارة، (فلا يزوج باقي الأولياء) غير أب أو وصيه (صغرة) دون تسع سنين (بحال) من الأحوال؛ لأنه لا إذن لها وغير الأب أو وصيه لا إجبار له (ولا) يزوج (بنت تسع) سنين فأكثر (إلا بإذنها) نصا 1677، لحديث أبي هريرة مرفوعا: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت لم تكره" رواه أحمد 1678، فدل على أن اليتيمة تزوج بإذنها، وأن لها إذنا صحيحا، وقد انتفى ذلك فيمن لم تبلغ تسعا باتفاق 1679 فوجب حمله على من بلغت تسعا جمعا بين الأخبار، (وهو) أي إذنها المعتبر (صمات بكر) لحديث أبي هريرة المتقدم، وعن عائشة أنها قالت: "يا رسول اللَّه! إن
الجزء: 3 - الصفحة: 284
البكر تستحي قال: رضاها صماتها" متفق عليه 1680، ولو ضحكت أو بكت كان ذلك إذنا لحديث أبي هريرة مرفوعا: "تستأمر اليتيمة، فإن بكت أو سكتت فهو رضاها، وإن أبت فلا جواز عليها" 1681؛ ولأنها غير ناطقة بالامتناع مع سماع الاستئذان فكان ذلك إذنا منها كالصمات، والبكاء يدل على الحياء لا الكراهة، ونطقها أبلغ من صماتها؛ لأنه الأصلي في الإذن، ويعتبر في استئذان من يشترط إذنها تسمية الزوج على وجه تقع المعرفة به لتكون على بصيرة في إذنها في تزويجه، ولا يعتبر تسمية المهر، ومن زالت بكارتها بغير وطء فكبكر 1682 (ونطق ثيب) وهي من وطئت في قبل ولو بزنا أو مع عود بكارة بعد وطئها، للحديث: "الثيب تعرب عن نفسها" 1683، ولمفهوم حديث: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح
الجزء: 3 - الصفحة: 285
البكر حتى تستأذن، وإذنها أن تسكت" 1684؛ لأنه لما قسم النساء قسمين وجعل السكوت إذنا لأحدهما وجب أن يكون الآخر بخلافه.
(و) الشرط الثالث -من شروط النكاح-: (الولي) نصا 1685 إلا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ 1686، والأصل في اشتراط الولي حديث أبي موسى مرفوعا: "لا نكاح إلا بولي" رواه الخمسة إلا النسائي 1687، وصححه أحمد = إذن البكر الصمت وإذن الثيب الكلام، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 123، والحديث صححه الألباني بشواهده في الإرواء 6/ 234 - 235.
الجزء: 3 - الصفحة: 286
وابن معين 1688، وعن عائشة مرفوعا: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي لها" رواه الخمسة إلا النسائي 1689، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ 1690 لا يدل على صحة نكاحها نفسها بل على أن نكاحها إلى الولي؛ لأنها نزلت في معقل بن يسار 1691 حين امتنع من تزويج أخته، فدعاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-
الجزء: 3 - الصفحة: 287
فزوجها 1692، فلو لم يكن لمعقل ولاية النكاح لما عاتبه تعالى على ذلك، وإنما أضافه إلى النساء لتعلقه بهن وعقده عليهن، فلا يصح من امرأة إنكاحها لنفسها كما تقدم أو إنكاحها لغيرها، فيزوج أمة المحجور عليها وليها ولغير المحجور عليها من يزوج سيدتها بشرط إذن سيدتها؛ لأنه تصرف في مالها ولا يتصرف في مال رشيدة بغير إذنها نطقا ولو كانت السيدة بكرا، ولا إذن لمولاة معتقة في تزويجها لملكلها نفسها بالعتق، ويزوجها بإذنها أقرب عصبتها نسبا كحرة الأصل، فإن عدموا فعصبتها ولاء كالميراث، ويقدم ابن المولاة على أبيها؛ لأن الولاية بمقتضى ولاء العتق، والولاء يقدم فيه الابن على الأب.
(وشروطه) -أي الولي- ستة:
أحدها: (تكليف) وهو العقل والبلوغ؛ لأن الولاية يعتبر لها كمال الحال لأنها تنفيذ تصرف في حق غيره، وغير المكلف مولى عليه لقصور نظره، فلا تثبت له ولاية كالمرأة.
قال أحمد: "لا يزوج الغلام حتى يحتلم ليس له أمر" 1693.
(و) الشرط الثاني: (ذكورة)؛ لأن المرأة لا يثبت لها ولاية على نفسها فعلى غيرها أولى.
(و) الشرط الثالث: (حرية)؛ لأن العبد والمبعض لا يستقلان بولاية على أنفسهما فعلى غيرهما أولى.
الجزء: 3 - الصفحة: 288
(و) الشرط الرابع: (رشد) وهو هنا: معرفة الكفء ومصالح النكاح وليس هو حفظ المال، فإن رشد كل مقام بحسبه.
(و) الشرط الخامس: (اتفاق دين) الولي والمولى عليها 1694، فلا ولاية لكافر على مسلمة وكذا عكسه، ولا لنصراني على مجوسية ونحوها؛ لأنه لا توارث بينهما بالنسب إلا أم ولد لكافر أسلمت فيزوجها لمسلم لأنها مملوكلته، ولأنه عقد عليها فيليه كإجارتها، وإلا أمة كافرة لمسلم فله أن يزوجها لكافر لما تقدم، وكذا أمة كافرة لمسلمة فيزوجها ولي سيدتها على ما سبق، وإلا السلطان فيزوج من لا ولي لها من الكوافر لعموم ولايته على أهل دار الإسلام، وهذه من أهل الدار فثبت له الولاية عليها كالمسلمة.
(و) الشرط السادس: (عدالة) نصا 1695 لقول ابن عباس: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد" 1696 قال أحمد: "أصح شيء في هذا قول ابن عباس" 1697 يعني وقد روي عن ابن عباس مرفوعا: "لا نكاح [إلا] 1698 بولي وشاهدي عدل، وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط فنكاحها باطل" 1699؛ ولأنها ولاية نظرية فلا يستبد بها
الجزء: 3 - الصفحة: 289
الفاسق كولاية المال، (ولو) كانت العدالة (ظاهرا) 1700 فيكفي مستور الحال كولاية المال (إلا في سلطان) فلا يشترط في تزويجه بالولاية العامة العدالة للحاجة، (و) إلا في (سيد) أمة لأنه يتصرف في ملكه كما لو آجرها.
(ويقدم وجوبا) في نكاح حرة (أب)؛ لأن الولد موهوب لأبيه، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ 1701؛ ولأن الأب [أكمل] 1702 نظرا وأشد شفقة، (ثم وصيه) -أي الأب- (فيه) في الإنكاح، لأنه بمنزلته، (ثم جد لأب وإن علا) الجد للأب فيقدم على الابن وابنه؛ لأن له إيلادا وتعصيبا فيقدم عليهما كالأب، فإن اجتمع أجداد فأولاهم أقربهم كالجد مع الأب، (ثم ابن) للحرة فابنه (وإن نزل) يقدم الأقرب فالأقرب؛ لحديث أم سلمة: "فإنها لما انقضت عدتها أرسل إليها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطبها فقالت: يا رسول اللَّه! ليس أحد من أوليائي شاهدا، قال: ليس من = من قول ابن عباس، ولم يرفعه إلا عبد اللَّه بن الفضل".
ا. هـ، وقال الألباني: "ضعيف مرفوعا والصحيح موقوف".
إرواء الغليل 6/ 251. وروي الحديث من وجه آخر عن عائشة -رضي اللَّه عنها-: أخرجه ابن حبان، باب ذكر نفي إجازة عقد النكاح بغير ولي وشاهدي عدل، كتاب النكاح برقم (4075)، الإحسان 9/ 386، والدارقطني، كتاب النكاح، سنن الدارقطني 3/ 226 - 227، والبيهقي، باب لا نكاح إلا بشاهدين عدلين، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 125، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 3/ 156: "صحت الرواية فيه عن أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" ا. هـ، وصححه الألباني في الإرواء 6/ 258 - 259 بشواهده.
الجزء: 3 - الصفحة: 290
أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك، فقالت: قم يا عمر ابن أبي سلمة 1703، فزوج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فزوجه" رواه النسائي 1704، قال الأثرم: "قلت لأبي عبد اللَّه عمر بن أبي سلمة حين زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمه أم سلمة: أليس كان صغيرا؟ قال: ومن يقول كان صغيرا؟ أليس فيه بيان؟ " 1705، ولأنه عدل من عصبتها فثبت له ولاية تزويجها كأخيها، (وهكذا) يرتب الأولياء في التزويج (على ترتيب الميراث) فيقدم بعد الابن وإن نزل أخ لأبوين ثم أخ لأب فابن أخ لأبوين، فابن أخ لأب وإن سفلا، فعم لأبوين فعم لأب ثم بنوهما كذلك وإن سفلوا، ثم أقرب عصبة نسب كالإرث، ولا ولاية لغير العصبات كالأخ لأم والعم لأم والخال وبنيهم وأبي الأم، ونحوهم نصا 1706
الجزء: 3 - الصفحة: 291
لقول علي: "إذا بلغ النساء نص الحقائق فالعصبة أولى" 1707 يعني: إذا أدركن 1708؛ ولأن من ليس من عصبتها شبيه بالأجنبي منها.
(ثم) يلي نكاح حرة بعد عصبة النسب (المولى المنعم) أي المعتق؛ لأنه يرثها ويعقل عنها فكان له تزويجها وقدم عليه عصبة النسب كما قدموا في الإرث، (ثم أقرب عصبته) أي المولى المنعم كالميراث (فسبا ثم) أقرب عصبته (ولاء) وهكذا، (ثم السلطان) وهو الإمام الأعظم أو نائبه، قال أحمد: "والقاضي أحب إلي من الأمير في هذا" 1709. ولو كان السلطان أو نائبه من بغاة إذا استولوا على بلد فيجري فيه حكم سلطانهم وقاضيهم مجرى الإمام وقاضيه، قال الشيخ تقي الدين: "تزويج الأيامى فرض كفاية إجماعا" 1710. فإن أباه حاكم إلا بظلم كطلبه جعلا لا يستحقه صار وجوده كعدمه، فإن عدم الكل زوجها ذو سلطان في مكانها كعضل أوليائها مع عدم إمام و 1711 نائبه في مكانها، والعضل: الامتناع من تزويجها 1712 يقال: داء عضال إذا أعيا الطبيب
الجزء: 3 - الصفحة: 292
دواءه وامتنع عليه 1713، فإن تعذر ذو سلطان في مكانها وكلت عدلا في ذلك المكان يزوجها، قال أحمد في دهقان قرية 1714: "يزوج من لا ولي لها إذا احتاط لها في الكفء والمهر إذا لم يكن في الرستاق 1715 قاض" 1716؛ لأن اشتراط الولي في هذه الحال يمنع النكاح بالكلية.
(فإن عضل الأقرب، أو لم يكن أهلا) للولاية [كإن] 1717 كان فاسقا ونحوه (أو كان مسافرا فوق [مسافة] 1718 قصر) لا دونها (زوج حرة) ولي (أبعد، و) زوج (أمة) غاب سيدها أو تعذرت مراجعته بنحو أسر (حاكم)؛ لأن له النظر في مال الغائب ونحوه، وإن زوج حاكم مع وجود ولي لم يصح، أو زوج ولي أبعد بلا عذر للأقرب لم يصح النكاح؛ إذ لا ولاية للحاكم والأبعد مع من هو أحق منهما أشبها الأجنبي، فلو كان الأقرب عند تزويج الحاكم أو الأبعد لا يعلم أنه غصبة ثم علم بعد العقد لم يعد، أو كان المعهود عدم أهلية الأقرب، لصغر ونحوه ولم يعلم أنه صار أهلا ببلوغه ونحوه ثم علم بعد العقد لم يعد، أو كان الأقرب مجنونا مثلا ولم يعلم عند التزويج أنه عاد أهلا ثم علم أنه عاد أهلا بعد تزويجها لم يعد، أو كان الأقرب غائبا وقدم بعد العقد لم يعد، ويلي كتابي نكاح موليته الكتابية حتى من مسلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 293
وإن استوى وليان فأكثر في درجة كإخوة كلهم لأبوين أو لأب أو بني إخوة كذلك أو أعمام أو بنيهم كذلك صح التزويج من كل واحد منهم 1719، والأولى تقديم أفضلهم علما ودينا، فإن استووا في الفضل فأسن؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لما تقدم إليه محيصة 1720 وحويصة 1721 وعبد الرحمن بن سهل 1722 وكان أصغرهم فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: كبر كبر -أي قدم الأكبر- فتقدم حويصة" 1723؛ ولأنه أحوط للعقد في اجتماع شروطه والنظر في الحظ، وإن تشاحوا أقرع بينهم في الحق، فإن سبق غير من قرع فزوج وقد أذنت لكل منهم صح التزويج لصدوره من ولي كامل الولاية، وإن زوج
الجزء: 3 - الصفحة: 294
وليان مستويان درجة موليتهما لاثنين وجهل السبق مطلقا أو علم سابق ثم نسي أو علم السبق وجهل السابق منهما فسخهما حاكم نصا 1724؛ لأن أحدهما صحيح ولا طريق للعلم به ولا مرجح لأحدهما على الآخر، وإن طلقا لم 1725 يحتج للفسخ، فإن عقد عليها أحدهما بعد لم ينقص بهذا الطلاق عدده؛ لأنه لم يتعين وقوع الطلاق، وإن أقرت بسبق لأحدهما لم يقبل نصا 1726، وإن علم وقوع العقدين معا بطلا فلا يحتاجان إلى فسخ ولا توارث فيهما، كان لم يعلم وقوعهما معا فلها نصف المهر على أحدهما بقرعة، فمن 1727 خرجت عليه القرعة أخذت منه نصف المسمى؛ لأن عقد أحدهما صحيح وقد انفسخ قبل الدخول فوجب عليه نصف المهر، وأما إذا علم وقوعهما معا فلا شيء لها عليهما، وإن ماتت في غير الأخيرة قبل فسخ الحاكم نكاحهما فلأحدهما نصف ميراثها إن لم يكن لها ولد بقرعة فيأخذه من خرجت له القرعة بلا يمين؛ لأنه يقول: لا أعرف الحال، وإن مات الزوجان فإن كانت أقرت بسبق لأحدهما فلا إرث لها من الآخر، وهي تدعي ميراثها ممن أقرت له بالسبق، فإن كان ادعى ذلك أيضا قبل موته دفع إليها إرثها منه، وإلا فلا يدفع إليها شيء إن أنكر ورثته سبقه، ولها تحليفهم أنهم لا يعلمون أنه السابق فإن نكلوا قضي عليهم، كان لم تكن أقرت بسبق لأحدهما ورثت من أحدهما بقرعة، فمن خرجت عليه فلها إرثها منه، وروى حنبل
الجزء: 3 - الصفحة: 295
عن أحمد: في رجل له ثلاث بنات زوج إحداهن من رجل ثم مات الأب ولم [يعلم] 1728 أيتهن زوج؟ يقرع فأيتهن أصابتها القرعة فهي زوجته، وإن مات الزوج فهي التي ترثه 1729، ومن زوج عبده الصغير بأمته جاز أن يتولى طرفي العقد، أو زوج ابنه الصغير ونحوه بنت أخيه، أو زوج وصي في نكاح صغيرا بصغيرة تحت حجره، أو زوج ابنه بصغيرة وهو وصي عليها صح أن يتولى طرفي العقد، وكذا ولي عاقلة تحل له كابن عم ومولى وحاكم إذا أنت له في تزويجها صح أن يتولى طرفي العقد، لما روي عن البخاري عن عبد الرحمن بن عوف قال لأم حكيم بنت قارظ 1730: "أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم.
قال: قد تزوجتك" 1731؛ ولأنه يملك الإيجاب والقبول فجاز أن يتولاهما كما لو زوج أمته عبده الصغير، وكذا لو وكل زوج وليا وعكسه أو وكلا واحدا جاز أن يتولى طرفي العقد، كما يجوز ذلك في سائر العقود كالبيع والإجارة، ولا يشترط في تولي طرفي العقد الجمع بين الإيجاب والقبول، بل يكفي زوجت فلانة بنت فلان فلاتا وينسبه بما يتميز به، أو يقول: تزوجتها إن كان هو الزوج، أو كان وكيله فيقول: تزوجتها لموكلي فلان إلا بنت عمه وعتيقته المجنونتين إذا أراد تزوجهما، فيشترط ولي غيره إن كان أو حاكم؛ لأن الولي اعتبر للنظر للمولى
الجزء: 3 - الصفحة: 296
عليه والاحتياط له ولا يجوز له التصرف 1732 في ما هو مولى عليه لمكان التهمة، كالوكيل في البيع لا يبيع لنفسه فيزوجه ولي غيره ولو أبعد منه إن وجد وإلا فالحاكم لتنتفي التهمة.
ومن قال لأمته التي يحل له نكاحها لو كانت حرة من قن أو مدبرة أو مكاتبة أو معلق عتقها بصفة أو أم ولده: "أعتقتك وجمعلت عتقك صداقك"، أو "جعلت عتق أمتي صداقها"، أو "جعلت صداق أمي عتقها" جاز، أو قال: "قد أعتقتها وجعلت عتقها صداقها"، أو قال: "أعتقتها على أن عتقها صداقها"، أو قال: "أعتقتك على أن أتزوجك" أو"عتقي صداقك" أو"عتقك صداقك" صح العتق والنكاح في هذه الصور كلها وإن لم يقل تزوجتك أو تزوجتها لتضمن قوله: وجعلت عتقها ونحوه صداقها ذلك، والأصل فيه حديث أنس: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها" رواه أحمد وغيره 1733، وعن صفية قالت: "أعتقني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وجعل عتقي صداقي" رواه الأثرم 1734، وله بإسناده عن علي أنه كان يقول: "إذا أعتق الرجل أم ولده فجعل عتقها صداقها، فلا بأس بذلك 1735 "، وكذا
الجزء: 3 - الصفحة: 297
لو قال: أعتقتها وتزوجتها على ألف ونحوه إن كان الكلام متصلا ولو حكما وكان بحضرة شاهدين عدلين، فإن قال: أعتقتك وسكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، أو تكلم بأجنبي ثم قال: وجعلت عتقك صداقك ونحوه لم يصح النكاح لصيرورتها بالعتق حرة، فيحتاج أن يتزوجها برضاها بصداق جديد، وكذا إن كان لا بحضرة شاهدين لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي 1736 عدل" ذكره أحمد في رواية ابنه عبد اللَّه 1737، ومن طلقت قبل الدخول وقد جعل عتقها أو عتق بعضها صداقها رجع عليها بنصف قيمة ما أعتق منها نصا 1738، وإن سقط لرضاع ونحوه رجع بكلها وتجبر
الجزء: 3 - الصفحة: 298
على الإعطاء إن كانت مليئة وتجبر على الكسب غير المليئة، وإن قال لأمته: زوجتك لزيد وجعلت عتقك صداقك ونحوه صح على قياس ما سبق.
(و) الشرط الرابع -من شروط النكاح-: (شهادة رجلين مكلفين) أي عاقلين بالغين (عدلين ولو ظاهرا)؛ لأن الغرض من الشهادة إعلان النكاح وإظهاره، ولذلك يثبت بالاستفاضة، فإذا حضر من يشتهر بحضوره صح فلا ينقض النكاح ولو بان الشاهدان فاسقين لوقوع النكاح في القرى والبوادي وبين عامة الناس ممن لا يعرف حقيقة العدالة، فاعتبار ذلك يشق فاكتفي بظاهر الحال فيه، قال الشيخ منصور: "قلت: وكذا لا ينقض إن بأن الولي فاسقا" انتهى 1739. (سميعين ناطقين) مسلمين ولو أن الزوجة ذمية، غير متهمين لرحم بأن لا يكونا من عمودي نسب الزوجين والولي، فلا تصح شهادة أبي الزوجة أوجدها فيه ولا ابنها وابنه فيه، وكذا أبو الزوج وجده وابنه وابن ابنه وإن نزل للتهمة، وكذا الولي وابنه، ولا يشترط كون الشاهدين بصيرين لأنها شهادة على قول أشبهت الاستفاضة، ويعتبر أن يتيقن الصوت بحيث لا يشك في العاقدين كما يعلمه من رآهما، ولو أنهما عدوا الزوجين أو أحدهما أو الولي لأنه ينعقد بهما نكاح غير هذين الزوجين فانعقد نكاحهما كسائر العدول، ولا يبطل العقد تواصل بكتمانه؛ لأنه لا يكون مع الشهادة مكتوما وإنما شرطت الشهادة في النكاح احتياطا للنسب خوف الإنكار لحديث عائشة مرفوعا: "لا بد في النكاح من حضور أربعة: الولي، والزوج، والشاهدان" رواه
الجزء: 3 - الصفحة: 299
الدارقطني 1740، وعن ابن عباس مرفوعا: "البغايا اللواتي يزوجن أنفسهن بغير بينة" رواه الترمذي 1741، ولأنه عقد يتعلق به حق غير المتعاقدين وهو الولد فاشترطت فيه الشهادة لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه، ويكره كتمان النكاح قصدا ولو أقر رجل وامرأة أنهما متناكحان بولي وشاهدي عدل مبهمين ثبت النكاح بإقرارهما، ولا تشترط الشهادة بخلو الزوجة من الموانع للنكاح كالعدة والردة؛ لأن الأصل عدمها، ولا إذنها لوليها في العقد، والاحتياط الإشهاد قطعا للنزاع، وإن ادعى زوج إذنها لوليها في العقد وأنكرت صدقت قبل دخول زوج بها مطاوعة لا بعده؛ لأن دخوله بها كذلك دليل كذبها.
(والكفاءة شرط للزومه) -أي للزوم النكاح- لا لصحته على الصحيح كما
الجزء: 3 - الصفحة: 300
قال به أكثر العلماء 1742؛ لما روت عائشة: "أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة 1743 تبنى سالما 1744 وأنكحه ابنة أخيه 1745 الوليد بن عتبة 1746 وهو مولى لامرأة من الأنصار" رواه البخاري 1747، "وأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد فنكحها
الجزء: 3 - الصفحة: 301
بأمره" متفق عليه 1748، وعن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي 1749 عن أمه 1750 قالت: "رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف 1751 تحت بلال" رواه الدارقطني 1752، (فيحرم تزويجها) -أي المرأة- (بغيره) -أي بغير الكفء- ويفسق به الولي (إلا برضاها) فإذا رضيت صح النكاح، ولمن لم يرض من أوليائها الفسخ فهي حق للمرأة والأولياء كلهم القريب والبعيد، ويملكه الأبعد مع رضا الأقرب.
والزوجة دفعا لما يلحقه
الجزء: 3 - الصفحة: 302
منـ[لحوق] 1753 العار، فلو زوج الأب بنته برضاها بغير كفء فللإخوة الفسخ نصا 1754، ولو زالت الكفاءة بعد العقد فللزوجة الفسخ دون سائر أوليائها كعتقها تحت عبد؛ لأن حق الأولياء في ابتداء العقد لا في استدامته، وخيار الفسخ لفقد الكفاءة على التراخي، فلا يسقط إلا بإسقاط عصبة أو بما يدل على رضا الزوجة من قول أو فعل، كأن مكنته عالمة بأنه غير كفء فيسقط خيارها فقط.
والكفاءة لغة: المماثلة والمساواة 1755، ومنه حديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" 1756 -أي تتساوى- فدم الوضيع منهم كدم الرفيع، وهي معتبرة هنا في خمسة أشياء: -
أحدها: دين، فلا تزوج عفيفة عن زنا بفاجر أي فاسق بقول أو فعل أو اعتقاد؛ لأنه مردود الشهادة والرواية وذلك نقص في إنسانيته فليس كفؤ العدل لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾ 1757.
الجزء: 3 - الصفحة: 303
الثاني: منصب، وهو النسب فلا تزوج عربية بعجمي، ولا بولد زنا لقول عمر: "لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء" رواه الدارقطني 1758، ولأن العرب يعتمدون الكفاءة في النسب ويأنفون من نكاح الموالي ويرون ذلك نقصا وعارا، والعرب قريش وغيرهم بعضهم لبعض أكفاء.
والثالث: حرية، فلا تزوج حرة ولو عتيقة بعبد ولا بمبعض قاله الزركشي 1759، لأنه منقوص بالرق؛ [لأنه] 1760 ممنوع من التصرف في كسبه غير مالك له، ولأن ملك السيد له يشبه ملك البهيمة فلا يساوي الحرة لذلك.
والرابع: الصناعة، بأن لا يكون صاحب صناعة دنيئة، فلا تزوج بنت بزاز 1761 -أي تاجر في البز- بحجام، ولا بنت تانئ 1762 -أي صاحب عقار- بحائك
الجزء: 3 - الصفحة: 304
وكساح ونحوه 1763؛ لأنه نقص في عرف الناس أشبه نقص النسب، وفي حديث: "العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكا أو حجاما" 1764، قيل لأحمد: وكيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: "العمل عليه" 1765 أي أنه يوافق العرف.
الخامس: يسار، بحسب ما يجب لها فلا تزوج موسرة بمعسر؛ لأن عليها ضررا.
الجزء: 3 - الصفحة: 305
(فصل) في المحرمات في النكاح
وهن 1766 ضربان: [ضرب] 1767 يحرم على الأبد، وهن 1768 أقسام خمسة ذكر الأول بقوله: (ويحرم أبدا) بالنسب سبع: - 1 - (أم وجدة) مطلقا (وإن علت) لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ 1769، وأمهاتك كل من انتسبت إليها بولادة سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة -وهي التي ولدتك- أو مجازا -وهي التي ولدت من ولدتك وإن علت- ومنه جدتاك أم أبيك وأم أمك وجدتا أبيك وجدتا أمك وجدات أجدادك وجدات جداتك 1770 وإن علون وارثات كن أو غير وارثات، ذكر أبو هريرة هاجر أم إسماعيل فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تلك أمكم يا بني ماء السماء" 1771 وهم طائفة من العرب 1772، وفي
الجزء: 3 - الصفحة: 306
الدعاء المأثور "اللهم صل على أبينا آدم وأمنا حواء" 1773.
2 - (وبنت) الصلب، (وبنت ولد) ذكرا كان أو أنثى (وإن سفلت) وارثات كن أو غير وارثات لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ 1774 ولو كن منفيات بلعان أو من زنى لدخولهن في عموم اللفظ، والنفني بلعان لا يمنع احتمال كونها خلقت من مائه، وكذا يقال في الأخوات وغيرهن مما يأتي من الأقسام، ويكفي في التحريم أن يعلم أنها بنته ونحوها ظاهرا وإن كان النسب لغيره.
3 - (وأخت مطلقا) أي لأبوين أو لأب أو لأم 1775.
4 - (وبنتها) -أي بنت الأخت من أي جهة-، (وبنت ولدها) ذكرا كان أو أنثى لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ 1776 (وإن سفلت) كما تقدم.
5 - (وبنت 1777 كل أخ) شقيق أو لأب أو لأم، (وبنتها) أي بنت بنت = السماء، وقال القاضي: الأظهر عندي أن المراد بذلك الأنصار خاصة ونسبنهم إلى جدهم عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأدد وكان يعرف بماء السماء، وهو المشهور بذلك، والأنصار كلهم من ولد حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور، واللَّه أعلم" ا. هـ. ينظر: صحيح مسلم بشرح النووي 15/ 125.
الجزء: 3 - الصفحة: 307
الأخ، (وبنت ولدها وإن سفلت) 1778 لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ 1779.
6 - (وعمة) من كل جهة.
7 - (وخالة) من كل جهة (مطلقا) كذلك وإن علتا لقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ كعمة أبيه وعمة أمه وعمة العم لأب وعمة الخالة لأب وخالة العمة لأم، ولا تحرم عمة العم لأم ولا عمة الخالة لأم ولا خالة العمة لأب لأنها أجنبية، فتحرم كل قريبة سوى بنت عم وبنت عمة وبنت خال وبنت خالة وإن نزلن لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ الآية 1780.
القسم الثاني من المحرمات على الأبد: المحرمات بالرضاع ولو كان الإرضاع محرما كمن أكره امرأة على إرضاع طفل فأرضعته، فتحرم عليه؛ لوجود سبب التحريم.
(ويحرم برضاع ما يحرم بنسب) فكل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها بالرضاع، حتى من ارتضعت من لبن ثاب منه من زنى، كبنته من زنى نص عليه في رواية عبد اللَّه 1781؛ لحديث ابن عباس أنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أريد على ابنة حمزة فقال: إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاع، فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم"، وفي
الجزء: 3 - الصفحة: 308
لفظ: "من النسب" متفق عليه 1782، وعن علي مرفوعا: "إن اللَّه حرم من الرضاع ما حرم من النسب" رواه أحمد والترمذي وصححه 1783؛ ولأن الأمهات والأخوات منصوص عليهن في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ 1784 والباقيات يدخلن في عموم لفظ سائر المحرمات، فيدخل في البنات بنات الرضاعة وفي بنات الأخ والأخت بناتهما من الرضاعة، وفي العمات والخالات العمة والخالة من الرضاع، حتى في مصاهرة فتحرم زوجة أبيه وزوجة ولده من رضاع كما تحرم عليه زوجة أبيه وزوجة ابنه من نسب، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ احتراز عمن تبناه، ولا يحرم على رجل أم أخيه من رضاع ولا أخت ابنه من رضاع فتحل مرضعة وبنتها لأبي مرتضع وأخيه من نسب، وتحل أم مرتضع وأخته من نسب [لأبيه وأخيه من رضاع] 1785، والشارع إنما حرم من الرضاع ما حرم من النسب لا ما يحرم بالمصاهرة.
القسم الثالث: المحرمات بالمصاهرة وهن أربع ذكر الأولى والثانية
الجزء: 3 - الصفحة: 309
بقوله: (ويحرم بعقد حلائل عمودي نسبه) أي زوجات آبائه وأبنائه، سميت امرأة الرجل حليلة؛ لأنها تحل إزار زوجها ومحللة له، ومثلهن حلائل آبائه وأبنائه من رضاع فيحرمن بمجرد عقد، قال في "الشرح" 1786: "لا نعلم في هذا خلافا".
ويدخل فيه زوجات الجد وإن علا وارثا كان أو غيره ولا تحرم بناتهن، فتحل له ربيبة والده وولده وأم زوجة والده وولده لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 1787.
(و) الثالثة: (أمهات زوجته وإن علون) من نسب ومثلهن من رضاع فيحرمن بمجرد العقد نصا 1788 لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ 1789 والمعقود عليها من نسائه فتدخل أمها في عموم الآية، قال ابن عباس: "أبهموا ما أبهم القرآن" 1790 أي عمموا حكمها في كل حال ولا تفصلوا بين المدخول بها وغيرها، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "من تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج بربيبته ولا يحل له أن يتزوج أمها" رواه أبو حفص 1791.
الجزء: 3 - الصفحة: 310
والرابعة: الربيبة (و) يحرم (بدخول ربيبة) وهي بنت زوجته (وبنتها وبنت ولدها وإن سفلت) من نسب أو رضاع لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ 1792 قريبات كن أو بعيدات في حجره أو لا؛ لأن التربية لا تأثير لها في التحريم، وأما قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فقد خرج مخرج الغالب لا الشرط فلا يصح التمسك بمفهومه، فإن ماتت الزوجة قبل دخول أو أبانها بعد خلوة وقبل وطء لم يحرمن بناتها للآية، والخلوة لا تسمى دخولا، وتحل زوجة ربيب بانت منه لزوج أمه، وتحل بنت زوج أم لابن امرأته، وتحل زوجة زوج أم لابنها، ويحل لأنثى ابن زوجة ابن لها، وزوج زوجة أب أو زوج زوجة ابن لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ والتحريم في مصاهرة بتغييب حشفة أصلية في فرج أصلي ولو 1793 دبرا أو بشبهة أو زنا بشرط حياتهما، فلو أولج ذكره في فرج ميتة أو أدخلت امرأة حشفة ميت في فرجها لم يؤثر في تحريم المصاهرة، ويشترط كون مثلهما يطأ ويوطأ فلو أولج ابن دون عشر سنين حشفته في فرج امرأة أو أولج ابن عشر فأكثر حشفته في فرج بنت دون تسع لم يؤثر في تحريم المصاهرة، وكذا تغييب بعض الحشفة واللمس والقبلة والمباشرة دون الفرج فلا = النكاح برقم (10821)، المصنف 6/ 276، والبيهقي، باب ما جاء في قول اللَّه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ الآية، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 160، والحديث قال عنه الترمذي: "لا يصح من قبل إسناده"، وضعفه الألباني في الإرواء 6/ 286.
الجزء: 3 - الصفحة: 311
يؤثر ذلك في تحريم المصاهرة، ومقتضاه أيضا أن تحمل المرأة ماء أجنبي لا يؤثر في تحريم الصاهرة وجزم به في "الإقناع" 1794، ويحرم بوطء ذكر ما يحرم بوطء امرأة فلا يحل لكل لائط وملوط به أم الآخر ولا بنته؛ لأنه وطء في فرج فنشر الحرمة كوطء المرأة، وقال في "الشرح" 1795: "الصحيح أن هذا لا ينشر الحرمة فإنه غير منصوص عليهن في التحريم فيدخلن في قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ " انتهى.
القسم الرابع من المحرمات على الأبد: المحرمة باللعان نصا 1796، فمن لاعن زوجته ولو في نكاح فاسد أو بعد إبانة لنفي ولد حرمت أبدا ولو أكذب نفسه.
الخامس من المحرمات على الأبد: زوجات نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم- فيحرمن على غيره أبدا لقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ 1797 ولو من فارقها في حياته؛ لأنها من زوجاته وهن أزواجه دنيا وأخرى كرامة له -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(و) الضرب الثاني من المحرمات في النكاح: المحرمات (إلى أمد)، وهن نوعان: نوع يحرم لأجل الجمع فتحرم عليه (أخت معتدته) قبل انقضاء عدتها؛ لأنها في حكم الزوجة، (أو) أخت (زوجته) من نسب أو رضاع حرتين كانتا أو أمتين، أو حرة وأمة سواء قبل الدخول أو بعده لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ 1798، ويحرم الجمع بين امرأة وعمتها أو خالتها وإن علتا من كل جهة من
الجزء: 3 - الصفحة: 312
نسب أو رضاع لحديث: "لا تجمعوا بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" متفق عليه 1799، وفي رواية أبي داود: "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى" 1800، ولما فيه من العداوة بين الأقارب وإفضاء ذلك إلى قطيعة الرحم، وعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 1801 مخصوص بما ذكر من الحديث الصحيح.
ويحرم الجمع بين خالتين كأن يتزوج كل من رجلين بنت الآخر وتلد له بنتا
الجزء: 3 - الصفحة: 313
فالمولودتان 1802 كل منهما خالة الأخرى لأب، أو بين عمتين كان يتزوج كل من رجلين أم 1803 الآخر 1804 فتلد له بنتا فكل من المولودتين عمة الأخرى لأم، فيحرم الجمع بينهما أو بين عمة وخالة، كأن يتزوج رجل امرأة وابنه أمها وتلد كل منهما بنتا فبنت الابن خالة بنت الأب، وبنت الأب عمة بنت الابن فيحرم الجمع بينهما، ويحرم الجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا والأخرى أنثى حرم نكاحه لها لقرابة أو رضاع؛ لأن المعنى الذي لأجله حرم الجمع إفضاؤه إلى قطيعة الرحم، لما في الطباع من التنافس بين الضرائر، وألحق بالقرابة الرضاع لحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، ولا يحرم الجمع بين أخت شخص من أبيه وأخته من أمه ولو في عقد واحد؛ لأنه لو كانت 1805 إحداهما ذكرا حلت له الأخرى، والشخص في المثال خال وعم لولدهما، ولا يحرم الجمع بين مبانة شخص وبنته من غيرها؛ لأنه وإن حرمت إحداهما على الأخرى لو قدرت ذكرا لم يكن تحريمها إلا للمصاهرة؛ لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع، فمن تزوج أختين أو نحوهما في عقد أو عقدين معا بطلا؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما ولا مزية لإحداهما على الأخرى فبطل فيهما، وكذا لو تزوج خمس زوجات في عقد واحد، وإن تزوجهما في زمنين بطل متأخر فقط دون الأول؛ لأنه لا جمع فيه كعقد على نحو أخت في عدة أخرى ولو بائنا، فإن جهل أسبق العقدين فسخهما الحاكم إن لم يطلقهما، لبطلان النكاح في أحدهما وتحريمها عليه، ولا تعرف
الجزء: 3 - الصفحة: 314
المحللة له فقد اشتبها عليه ونكاح إحداهما صحيح ولا تتيقن بينونتها منه إلا بطلاقهما أو فسخ نكاحهما فوجب ذلك كما لو زوج الوليان وجهل السابق منهما، وإن أحب أن يفارق إحداهما ثم يجدد عقد الأخرى ويمسكها فلا بأس كما ذكره في "الشرح" 1806، ولإحداهما إذا عقد عليهما في زمنين وجهل أسبقهما وطلقهما أو فسخ نكاحهما قبل الدخول [نصف] 1807 مهرها بقرعة، وله العقد على أحدهما في الحال، وإن أصاب إحداهما أقرع بينهما، فإن خرجت المصابة فلها ما سمى لها ولا شيء للأخرى، وإن وقعت لغير المصابة فلها نصف ما سمي لها وللمصابة مهر مثلها بما استحل من فرجها، وله نكاح المصابة في الحال لا الأخرى حتى تنقضي عدة المصابة، وإن أصابهما فلإحداهما المسمى وللأخرى مهرا لمثل يقترعان عليهما، ولا ينكح إحداهما حتى تنقضي عدة الأخرى.
ومن ملك أخت زوجته أو عمتها أو خالتها صح، وحرم أن يطأها حتى يفارق زوجته وتنقضى عدتها لئلا يجمع ماءه في رحم أختين ونحوهما وذلك لا يحل لحديث: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يجمع ماءه رحم أختين" 1808، ومن ملك أختين أو امرأة وعمتها أو خالتها معا ولو في عقد واحد صح وله وطء أيهما شاء؛ لأن الأخرى لم تصر فراشا، كما لو ملك إحداهما وحدها ويحرم به الأخرى
الجزء: 3 - الصفحة: 315
نصا 1809، ودواعي الوطء كالوطء لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ فإنه يعم الوطء والعقد جميعا، ولأنها امرأة صارت فراشا فحرمت أختها كالزوجة حتى يحرم الموطوءة بإخراج لها أو لبعضها عن ملكه، ولو ببيع؛ للحاجة إلى التفريق أو هبة مقبوضة لغير ولده أو تزويج بعد استبراء، ولا يكفي مجرد تحريم الموطوءة لأنه يمين مكفرة وتحريمها لعارض متى شاء أزاله بالكفارة فهو كالحيض ونحوه، ولا كتابتها؛ لأنه سبيل من استباحتها بما لا يقف على غيرها، ولا رهنها؛ لأن منعه من وطئها لحق المرتهن لا لتحريمها، ولهذا يحل له وطؤها بإذنه، ولأنه يقدر على فكها متى شاء، ولا يكفي بيعها بشرط خيار له لأنه يقدر على استرجاعها متى شاء بفسخ البيع، فلو خالف ووطئ الأخرى قبل إخراج الموطوءة أولا أو بعضها عن ملكه لزمه أن يمسك عنهما حتى يحرم إحداهما بإخراج عن ملكه كما تقدم، وحديث: "إن الحرام لا يحرم الحلال" غير صحيح ذكره في "الشرح" 1810، ومن تزوج أخت سريته ولو بعد إعتاقها زمن استبرائها لم يصح النكاح؛ لأنه عقد تصير به المرأة فراشا فلم يجز أن يرد على فراش الأخت كالوطء، ويفارق النكاح شراء أختها ونحوها
الجزء: 3 - الصفحة: 316
لأنه يكون للوطء وغيره بخلاف النكاح، ولهذا صح شراء الأختين في عقد وشراء من تحرم برضاع أو غيره، وله نكاح أربع سوى أخت سريته ونحوها؛ لأن تحريمها لمعنى لا يوجد في غيرها، وإن تزوجها بعد تحريم السرية واستبرائها ثم رجعت إليه السرية بنحو بيع فالنكاح بحاله، ولا تحل له السرية حتى تبين الزوجة وتنقضي عدتها، وكذا لا يحل له وطء الزوجة حتى يحرم السرية كما تقدم.
ومن وطئ امرأة بشبهة أو زنا حرم في عدتها نكاح أختها أو نحوها ووطؤها إن كانت زوجة أو أمة له، ويحرم أن يزيد على ثلاث 1811 غيرها بعقد أو وطء، ولا يحل [له] 1812 نكاح موطوءة بشبهة في عدتها إلا من واطئ، فيحل له أن يتزوجها؛ لأن منعها من النكاح، لإفضائه إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب وهو مأمون هنا، ولا يحل نكاح موطوءة بشبهة لواطئ غيره إن لزمتها عدة من غيره حتى تنقضي العدتان كما في "المحرر" وغيره 1813 قال ابن نصر اللَّه 1814: "والقياس أن له نكاحها إذا دخلت في عدة وطئه"، وصاحب "المغني" أشار إليه 1815.
الجزء: 3 - الصفحة: 317
وليس له 1816 جمع أكثر من أربع زوجات؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لغيلان بن سلمة 1817 حين أسلم وتحته عشر نسوة: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" وقال نوفل بن معاوية 1818: أسلمت وتحتي خمس نسوة فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فارق واحدة منهن" رواهما الشافعي في "مسنده" 1819، فإذا منع من استدامة ما زاد على
الجزء: 3 - الصفحة: 318
أربع فالابتداء 1820 أولى وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ 1821 أريد به التخيير بين اثنتين وثلاث وأربع كما قال تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ 1822 ولم يرد أن لكل تسعة أجنحة ولو أراده لقال: تسعة، ولم يكن للتطويل معنى، ومن قال خلاف 1823 ذلك فقد جهل اللغة العربية.
إلا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فكان له أن يتزوج بأي عدد شاء تكرمة له من اللَّه تعالى، ومات عن تسع 1824، ونسخ تحريم المنع بقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ 1825. = والحديث الثاني: عن نوفل بن معاوية الديلي، أخرجه الإمام الشافعي في المسند، كتاب أحكام القرآن 2/ 16، وفي الأم، باب ما جاء في نكاح المشرك كتاب النكاح 5/ 175، والبيهقي، باب من يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 184، وضعفه الألباني في الإرواء 6/ 295.
الجزء: 3 - الصفحة: 319
وليس لعبد جمع أكثر من زوجتين؛ لما روى أحمد بإسناده عن محمد بن سيرين 1826 "أن عمر سأل الناس كم يتزوج العبد؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: اثنتين، وطلاقه اثنتين" 1827، وظاهره أنه كان بمحضر من الصحابة وغيرهم ولم ينكر وهو يخصص عموم الآية مع أن فيها ما يدل على إرادة الأحرار، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 1828، ولأن مبنى النكاح على التفضيل، ولهذا فارق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه أمته.
ولمن نصفه حر فأكثر جمع ثلاث زوجات نصا 1829، ثنتان 1830 بنصفه الحر [و] 1831 واحدة بنصفه الرقيق، فإن كان دون نصفه حر فله نكاح ثنتين فقط.
ومن طلق واحدة من نهاية جمعه كحر طلق واحدة من أربع أو عبد طلق
الجزء: 3 - الصفحة: 320
واحدة من اثنتين حرم تزوجه بدلها حتى تنقضي عدتها نصا 1832؛ لأن المعتدة في حكم الزوجة إذ العدة أثر النكاح فلو جاز له أن يتزوج غيرها لكان جامعا أكثر مما يباح له بخلاف موتها فله نكاح غيرها في الحال نصا 1833؛ لأنه لم يبق لنكاحها أثر، وإن قال مطلق واحدة من نهاية جمعه: "أخبرتني بانقضاء عدتها" فكذبته وأمكن انقضاؤها فله نكاح بدلها ونكاح أختها؟ لأنه لا يقبل قولها عليه، ولأنها متهمة في ذلك بإرادة منعه نكاح غيرها وتسقط الرجعة إن كان الطلاق رجعيا مؤاخذة له بإقراره بانقضاء عدتها ولا تسقط السكنى والنفقة؛ لأنهما حق لها عليه يدعي سقوطه وهي منكرة له والأصل معها فالقول قولها فيه دونه.
(و) النوع الثاني من المحرمات إلى أمد: المحرمات لعارض يزول، فتحرم (زانية) على زان وغيره (حتى تتوب) من الزنا (وتنقضي عدتها) لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ 1834 لفظه لفظ الخبر والمراد النهي، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 1835 أي العفائف فمفهومه أن غير العفيفة لا تباح، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي 1836
الجزء: 3 - الصفحة: 321
كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغي يقال لها: عناق، وكانت صديقته، قال: فجئت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلت: يا رسول اللَّه! أنكح عناقا؟ قال: فسكت عني فنزلت: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فدعاني فقرأها علي وقال: لا تنكحها" رواه أبو داود وغيره 1837، وتوبة الزانية بأن تراود على الزنا فتمتنع لما روي أنه قيل لعمر: "كيف تعرف توبتها؟ قال: يريدها على ذلك فإن طاوعته فلم تتب، وإن أبت فقد تابت" 1838 فصار أحمد إلى قول عمر 1839، وقيل: توبتها كتوبة غيرها ندم وإقلاع وعزم على ألا تعود من غير مراودة، واختاره الموفق وغيره وقال: لا ينبغي امتحانها بطلب الزنا منها بحال، وقدمه في "الفروع" 1840، فإذا تابت وانقضت عدتها حل نكاحها للزاني وغيره عند أكثر أهل العلم منهم أبو بكر وعمر
الجزء: 3 - الصفحة: 322
وابنه وابن عباس وجابر 1841، وروي عن ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة أنها لا تحل للزاني بحال 1842، فيحتمل أنهم أرادوا بذلك ما قبل التوبة أو قبل استبرائها فيكون كقولنا.
(و) تحرم (مطلقته ثلاثا) بكلمة أو كلمات (حتى يطأها زوج غيره بشرطه) أي
الجزء: 3 - الصفحة: 323
بنكاح صحيح ويطلقها وتنقضي عدتها لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 1843 والمراد بالنكاح هنا الوطء لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لامرأة رفاعة 1844 لما أرادت أن ترجع إليه 1845 بعد أن طلقها ثلاثا تزوجت بعبد الرحمن بن الزبير 1846 -بفتح الزاي وكسر الموحدة- "لا حتى تذوقي عسيلته" 1847 وتحرم محرمة حتى تحل من إحرامها؛ لحديث: "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب" رواه الجماعة إلا البخاري 1848، ولم يذكر الترمذي الخطبة 1849.
الجزء: 3 - الصفحة: 324
(و) تحرم (مسلمة على كافر) حتى يسلم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ 1850 وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ 1851، (و) تحرم (كافرة على مسلم) ولو عبدا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ 1852 وقوله ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقوله ﴿وَ [لَا] 1853 تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ 1854 حتى تسلم فتحل للمسلم لزوال المانع، (إلا حرة كتابية) ولو حربية أبواها كتابيان فتحل للمسلم أيضا لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ 1855 فهو مخصص لما تقدم، وأهل الكتاب من دان بالتوراة والإنجيل خاصة ولو من بني تغلب ومن في معناهم من نصارى العرب ويهودهم وعلم منه عدم حل المجوسية ونحوها للمسلم ولو اختارت دين أهل الكتاب، وكذا لو تولدت بين كتابي ومجوسية تغليبا للحظر، وكذا الدروز 1856 ونحوهم لا تحل مناكحتهم ولا
الجزء: 3 - الصفحة: 325
ذبائحهم، ومنع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من نكاح كتابية إكراما له كما منع من نكاح أمة مطلقا 1857. (و) يحرم (على حر مسلم) نكاح (أمة مسلمة ما لم يخف عنت عزوبة لحاجة متعة أو) حاجة (خدمة) امرأة له لكبر أو مرض أو غيرهما، ولو كان خوف عنت العزوبة مع صغر زوجته الحرة أو غيبتها أو مرضها (ويعجز عن طول) أي مال حاضر يكفي لنكاح (حرة) ولو كتابية ولو وجد من يقرضه أو رضيت الحرة بتأخير صداقها أو بدون مهر مثلها أو تفويض بضعها (أو) يعجز عن (ثمن أمة) فتحل له الأمة المسلمة بهذين الشرطين خوف العنت، وعدم الطول لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ 1858 والصبر عن نكاحها مع الشرطين أولى لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ويقبل قوله في وجود الشرطين ولو كان بيده مال فادعى أنه وديعة أو مضاربة، ولا يبطل نكاحها إذا تزوجها بالشرطين إن أيسر، ولو نكح حرة عليها أو زال خوف العنت ونحوه وقال علي: "إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة" 1859، وله إن لم تعفه واحدة نكاح أخرى إلى أربع، وكذا له أن يتزوج أمة على حرة إن لم تعفه بشرطه، ولا يكون = ينظر: الموسوعة الميسرة للمذاهب والأديان المعاصرة ص 223.
الجزء: 3 - الصفحة: 326
ولد الأمة حرا إلا باشتراط الزوج حريته، فإن اشترطها فحر لحديث: "المسلمون على شروطهم" 1860، وإن نكح أمة ثم ادعى فقد أحد الشرطين فرق بينهما وعليه المسمى بعد الدخول مطلقا، ونصفه قبله إن لم يصدقه سيدها.
ويباح لقن ومدبر ومكاتب ومبعض نكاح أمة ولو كانت لابنه الحر حتى لو تزوجها على حرة.
(و) يحرم (على عبد) ولا يصح منه نكاح (سعدته) ولو ملكت بعضه حكاه ابن المنذر إجماعا 1861، لأن أحكام الملك والنكاح تتناقض إذ ملكها إياه يقتضي وجوب نفقته عليها وأن يكون بحكمها، ونكاحه إياها يقتضي عكس ذلك.
ويباح لأمة [نكاح] 1862 عبد ولو كان العبد لابنها لقطع رقها التوارث بينها وبين ابنها فهو كالأجنبي منها.
(و) يحرم (على سيد) ولا يصح منه نكاح (أمته)؛ لأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البضع فلا يجتمع معه عقد أضعف منه، (و) لا (أمة ولده) من النسب؛ لأن له فيها شبهة الملك، ويحرم أيضا (على حرة) نكاح (قن ولدها) لما تقدم.
وإن ملك أحد الزوجين الآخر أو بعضه بشراء أو إرث أو هبة 1863 ونحوها انفسخ النكاح لتنافي أحكام الملك والنكاح كما تقدم، أو ملك ولد أحد الزوجين أو مكاتبه أو
الجزء: 3 - الصفحة: 327
مكاتب ولده الزوج الآخر أو بعضه 1864 انفسخ النكاح لما سبق، فلو بعثت إليه زوجته حرمت عليك ونكحت غيرك وعليك نفقتي ونفقة زوجي فقد ملكت زوجها وتزوجت ابن عمها وهذا الفسخ لا ينقص به عدد الطلاق، فلو أعتقته ثم تزوجها لم يحسب بتطليقة.
ومن جمع في عقد بين مباحة ومحرمة كأيم ومزوجة صح في الأيم؛ لأنها محل قابل للنكاح أضيف إليها عقد صادرمن أهله [لم] 1865 يجتمع معها فيه مثلها فصح كما لو انفردت به، وفارق العقد على الأختين؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى، وهنا قد تعينت التي بطل فيها النكاح ولها من المسمى بقدر مهر مثلها منه، ومن جمع في عقد بين أم وبنت صح في البنت دون الأم؛ لأنه عقد تضمن عقدين يمكن تصحيح أحدهما دون الآخر فصح فيما يصح وبطل فيما يبطل، إذ لو فرضنا سبق عقد الأم ثم بطلانه ثم عقد على البنت صح نكاح البنت بخلاف عكسه فإذا وقعا معا فنكاح البنت أبطل نكاح الأم لأنها تصير أم زوجته، ونكاح الأم لا يبطل نكاح البنت؛ لأنها تصير رييبته من زوجة لم يدخل بها.
(ومن حرم وطؤها بعقد) نكاح (حرم) وطؤها (بملك يمين)؛ لأنه إذا حرم النكاح لكونه طريقا إلى الوطء فهو نفسه أولى بالتحريم (إلا أمة كتابية) فيحرم نكاحها لا وطؤها بملك لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 1866، ولأن 1867 نكاح الأمة الكتابية إنما حرم لأجل إرقاق الولد وبقائه مع كافرة وهذا معدوم في ملك اليمين.
الجزء: 3 - الصفحة: 328
(فصل) في الشروط فى النكاح
وهي ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه غرض، ومحل المعتبر منها صلب العقد، وكذا لو اتفقا عليه قبله في ظاهر المذهب قاله الشيخ تقي الدين، وقال: على هذا جواب أحمد في مسائل الحيل 1868؛ لأن الأمر بالوفاء بالشروط والعقود والعهود يتناول ذلك تناولا واحدا، قال في "الإنصاف" 1869: "وهو الصواب الذي لا شك فيه".
فإن لم يقع الشرط إلا بعد لزوم العقت لم يلزم نصا 1870.
(والشروط في النكاح نوعان): -
أحدهما: (صحيح) لازم للزوج فليس له فكه بدون إبانتها وهو ما لا ينافي مقتضى العقد، فإن بانت منه انفكت الشروط (كشرط زيادة في مهرها) قدرا معينا، وكذا لو شرطت عليه نفقة ولدها وكسوته مدة معينة وتكون من المهر، أو شرط كون مهرها من نقد معين، أو ألا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج أو يتسرى عليها، وأن لا يفرق بينها وبين أبويها أو أولادها، أو أن ترضع ولدها الصغير، أو أن يطلق ضرتها، أو أن يبيع أمته؛ لأن لها فيه قصدا صحيحا، ويروى
الجزء: 3 - الصفحة: 329
صحة الشرط في النكاح وكون الزوج لا يملك فكه عن عمر 1871 وسعد ابن أبي وقاص 1872 وغيرهما، ويؤيده حديث: "إن أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج" متفق عليه 1873 وحديث: "المسلمون على شروطهم" 1874 وهو قول من سمي من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، وروى الأثرم: "أن رجلا تزوج امرأة وشرط لها دارها، ثم أراد نقلها فخاصموه إلى عمر، فقال [لها] 1875 عمر: لها شرطها، فقال الرجل: إذن يطلقننا النساء فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط" 1876، ويصح جمع بين شرطين هنا بخلاف البيع، (فإن لم يف) زوج لها (بذلك) أي بما اشترطت (فلها الفسخ) لما تقدم من قول عمر ولم يلتفت إلى قول الزوج "إذن تطلقنا النساء"، وكالبيع على التراخي؛ لأنه لدفع ضرر أشبه خيار القصاص
الجزء: 3 - الصفحة: 330
بفعله ما شرطت عليه لا بعزمه على الفعل قبله لعدم تحقق المخالفة، ولا يسقط ملكها الفسخ إلا بما يدل على رضاها من قول وتمكين مع العلم بفعله ما اشترطت أن لا يفعله، فإن مكنته قبل العلم لم يسقط فسخها؛ لأنه لا يدل على رضاها بترك الوفاء فلا أثر له كإسقاط الشفعة قبل البيع، ومن شرط لزوجته أن لا يخرجها من منزل أبويها فمات أحدهما بطل الشرط؛ لأن المنزل صار لأحد الأبوين بعد أن كان لهما فاستحال إخراجها من منزل أبوبها، فبطل الشرط، وكذا إن تعذر سكنى المنزل لنحو خراب فله أن يسكن بها حيث أراد سواء رضيت أو لا؛ لأنه الأصل والشرط عارض، وقد زال فرجعنا إلى الأصل وهو محض حقه.
(و) النوع الثاني من الشروط في النكاح: (فاسد) وهو ضربان: ضرب (يبطل العقد) من أصله (وهو) أي المبطل للنكاح من أصله (أربعة أشياء): -
أحدها: (نكاح الشغار) -بكسر الشين- وهو: أن يزوجه بنته أو أخته ونحوهما على أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما 1877، يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول فسمي هذا النكاح شغارا تشبيها في القبح برفع الكلب رجله ليبول 1878، وروي عن عمر وزيد بن ثابت أنهما فرقا فيه بين المتناكحين 1879 لحديث ابن عمر أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نهى عن الشغار" متفق عليه 1880، ولمسلم مثله عن أبي
الجزء: 3 - الصفحة: 331
هريرة 1881، ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلفا في الآخر فلم يصح كقوله: "بعني ثوبك على أن أبيعك ثوبي" وليس فساده من قبل التسمية بل لأنه وقفه على شرط فاسد، ولأنه شرط تمليك البضع لغير الزوج فإنه جعل تزويجه مهرا للأخرى فكأنه ملكه إياها بشرط انتزاعها منه، وسواء قال على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى أو لم يقله لحديث ابن عمر مرفوعا: "نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق" متفق عليه 1882، وكذا إن جعل بضع كل واحدة منهما مع دراهم معلومة مهرا للأخرى لم يصح لما تقدم، فإن سموا مهرا مستقلا غير قليل ولا حيلة صح النكاح نصا 1883 سواء كان المسمى مهر المثل أو أقل، وإن سمى لإحداهما صح نكاحها فقط؛ لأن فيه تسمية وشرطا أشبه ما لو سمى لكل واحدة منهما مهرا.
(و) الثاني من الأربعة الأشياء: نكاح (المحلل) وهو: أن يتزوج المطلقة ثلاثا على أنه إذا أحلها لمطلقها طلقها أو أنه إذا أحلها فلا نكاح بينهما 1884، وهو حرام باطل
الجزء: 3 - الصفحة: 332
لحديث: "لعن اللَّه المحلل والمحلل له" رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي 1885 وقال: "حسن صحيح والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منهم عمر وابنه وعثمان" 1886، وروي عن علي 1887 وابن عباس 1888، وقال ابن مسعود:
الجزء: 3 - الصفحة: 333
"المحلل والمحلل له ملعونان على لسان محمد" -صلى اللَّه عليه وسلم- 1889، ولابن ماجة عن عقبة بن عامر مرفوعا: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: هو المحلل لعن اللَّه المحلل والمحلل له" 1890 أو ينوي التحليل ولم يذكر الشرط في العقد فالنكاح باطل نصا 1891 لدخوله في عموم ما سبق، وروى نافع 1892 عن ابن عمر أن رجلا قال له: تزوجتها أحلها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم قال: "لا إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها، وإن كرهتها فارقتها، قال: وكنا نعده على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سفاحا،
الجزء: 3 - الصفحة: 334
وقال: لا يزالا زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم أنه [ان] 1893 يريد أن يحلها" 1894 وهذا قول عثمان 1895، وجاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا أيحلها له رجل؟ قال: "من يخادع اللَّه يخدعه" 1896، وكذا إن اتفقا على أنه نكاح محلل قبل العقد ولم يذكر في العقد فلا يصح إن لم يرجع عنه وينوي حال العقد أنه نكاح رغبة، فإن حصل ذلك صح لخلوه عن نية التحليل وشرطه، وعليه يحمل حديث ذي الرقعتين 1897 وكذا إن زوج عبده بمطلقته ثلاثا بنية هبته أو بعضه أو بيعه أو بعضه منها ليفسخ نكاحها فلا يصح قال أحمد: هذا نهى عنه عمر ويؤدبان جميعا، وعلل
الجزء: 3 - الصفحة: 335
فساده بشيئين، أحدهما: أنه شبه المحلل؛ لأنه إنما زوجها إياه ليحللها له، والثاني: كونه ليس بكفء لها 1898، ومن لا فرقة بيده لا أثر لنيته.
(و) الثالث من الأربعة أشياء: نكاح (المتعة) وهو أن يتزوجها إلى أمد أو يشرط طلاقها فيه بوقت كزوجتك ابنتي شهرا أو سنة أو إلى انقضاء الموسم ونحوه، فيبطل نصا 1899، لحديث الربيع بن سبرة 1900 أنه قال: أشهد على أبي أنه حدث أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نهى عنه في حجة الوداع" وفي لفظ: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حرم متعة النساء" رواه أبو داود 1901، ولمسلم عن سبرة: "أمرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمتعة عام الفتح حين
الجزء: 3 - الصفحة: 336
دخلنا مكة ثم لم نخرج حتى نهانا عنها" 1902 وحكي عن ابن عباس الرجوع عن قوله بجواز المتعة 1903، وأما إذن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها فقد ثبت نسخه 1904، قال الشافعي: "لا أعلم = "نهى يوم الفتح عن متعة النساء" وأخرجه أبو داود من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر به دون قوله "يوم الفتح" وكذا اللفظ الثاني الوارد في المتن وهو رواية لأحمد.
ينظر: صحيح مسلم 2/ 1026 برقم (1406)، ومسند الإمام أحمد 4/ 407 - 408 برقم (14913، 14919)، وسنن أبي داود 2/ 227 برقم (2573)، والسنن الكبرى للبيهقي 7/ 204. وأما رواية ابن عيينة فهي عند الدارمي وسعيد بن منصور والبيهقي بلفظ: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن نكاح المتعة عام الفتح" وأخرجه مسلم وأحمد عن سفيان دون قوله: "يوم الفتح".
ينظر: صحيح مسلم 2/ 1026 برقم (1406)، ومسند الإمام أحمد 4/ 409 برقم (14935)، وسنن سعيد بن منصور 3/ 1/ 251 برقم (847)، وسنن الدارمي 2/ 188 برقم (2196). وأما رواية صالح بن كيسان فوصلها مسلم في صحيحه 2/ 1026 برقم (1406). فهذه الروايات تدل على وهم إسماعيل بن أمية على الزهري وقوله عنه: "في حجة الوداع" وأن الصواب رواية الجماعة عن الزهري: "يوم الفتح".
ينظر السنن الكبرى للبيهقي 7/ 204، والإرواء 6/ 313 - 314.
الجزء: 3 - الصفحة: 337
شيئا أحله اللَّه ثم حرمه ثم أحله ثم حرمه إلا المتعة" 1905، أو ينوي طلاقها فيه بوقت بقلبه أو يتزوج الغريب بنية طلاقها إذا خرج فلا يصح لأنه شبيه بالمتعة.
(و) الرابع من الأربعة الأشياء: النكاح (المعلق على شرط غير مشيئة اللَّه تعالى) غير زوجت إن شاء اللَّه، قبلت إن شاء اللَّه، فيبطل النكاح المعلق على شرط مستقبل كزوجتك ابنتي إذا جاء رأس الشهر أو إن رضيت أمها أو إن وضعت زوجتي ابنة فقد زوجتكها؛ لأنه عقد معاوضة فلا يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع، ويصح تعليقه على شرط ماض وعلى شرط حاضر، فالماضي كقوله: زوجت فلانة إن كانت بنتي أو زوجتكها إن كنت وليها أو انقضت عدتها وهما يعلمان ذلك، والشرط الحاضر نحو زوجتكها إن شئت فقال: شئت وقبلت ونحوه فيصح النكاح؛ لأنه ليس بتعليق حقيقة بل توكيد وتقوية.
(و) النوع الثاني من الشروط الفاسدة: (فاسد لا يبطله) أي النكاح فيصح معه (كشرط) الزوج (ألا مهر، أو) أن (لا نفقة) للزوجة، (أو أن يقيم عندها أكثر من ضرتها، أو) أن يقيم عندها (أقل) من ضرتها، أو يشترطا أو أحدهما عدم وطء ونحوه كعزله عنها، أو أن لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة، أو شرط لها النهار دون الليل، = نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، كتاب النكاح برقم (1406)، صحيح مسلم 2/ 1023 - 1025. قال الحافظ ابن حجر: "قال القاضي عياض ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها -يعني المتعة- إلا الروافض، وقال الخطابي تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة.
. . " ا. هـ فتح الباري 9/ 173.
الجزء: 3 - الصفحة: 338
أو شرط على المرأة أن تنفق عليه، أو أن تعطيه شيئا، أو شرطا خيارا في عقد أو في مهر، أو شرطت عليه أنه إن جاءها بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما، أو شرطت عليه أن يسافر بها ولو لحج، أو أن تستدعيه لوطء عند إرادتها، أو أن لا تسلم نفسها إليه إلى مدة كذا فيصح النكاح دون الشرط في هذه الصور كلها لمنافاته مقتضى العقد وتضمنه إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده كإسقاط الشفيع شفعته قبل البيع، وأما العقد نفسه فصحيح؛ لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره فيه ولا يضر الجهل به فلم يبطله كشرط صداق محرم فيه، ولأن النكاح صحيح مع الجهل بالعوض فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتق، ومن طلق بشرط خيار وقع طلاقه لصدوره من أهله في محله، ولغا الشرط.
وإن شرطها مسلمة أو قال ولي: زوجتك هذه المسلمة أو ظنها مسلمة ولم تعرف بتقدم كفر فبانت كتابية، أو شرطها بكرا أو جميلة أو نسيبة فبانت بخلافه فله الفسخ، (وإن شرط نفي عيب) عن الزوجة (لا يفسخ 1906 به النكاح) كشرطها سميعة أو بصيرة (فوجد بها) ذلك العيب (فله الفسخ) أي فهو بالخيار؛ لأنه شرط صفة مقصودة ففاتت أشبه ما لو شرطها حرة فبانت أمة، ولا شيء عليه إن فسخ قبل الدخول، وبعده يرجع بالمهر على الغار، وكذا لو شرطها حسناء فبانت شوهاء، أو بيضاء فبانت سوداء، أو طويلة فبانت قصيرة، أو ذات نسب فبانت دونه لا إن ظن 1907 ذلك ولم يشترطه.
ولا خيار له إن شرط صفة فبانت أعلى منها، ومن تزوج أمة فظن أو شرط
الجزء: 3 - الصفحة: 339
أنها حرة فولدت منه فولده حر لاعتقاده حريته باعتقاد حرية أمه، ويفدي ما ولد له حيا لوقت يعيش لمثله لقضاء عمر 1908 وعلي وابن عباس 1909، لأن الولد نماء الأمة المملوكة فسبيله أن يكون مملوكا لمالكها، وقد فوت رقه باعتقاده الحرية فلزمه ضمانه كما لو فوت رقه بفعله فيفديه بقيمته يوم ولادته، قضى به عمر وعلي وابن عباس؛ لأنه محكوم بحريته عند وضعه، وهو أول أوقات إمكان تقويمه، وقيمته التي تزيد بعد وضعه لم تكن مملوكة لمالك الأمة فلا يضمنها كما بعد الخصومة، ثم إن كان الزوج ممن لا يحل له نكاح الإماء فرق بينهما لظهور بطلان النكاح لفقد شرطه، وإلا فله الخيار، فإن رضي بالمقام معها مع ثبوت رقها فما ولدت بعد فهو رقيق لرب الأمة.
وإن كان المغرور بالأمة عبدا فولده حر أيضا؛ لأنه وطئها معتقدا حريتها أشبه الحر، وعلة رق الولد رق أمه خاصة، ولا عبرة بالأب بدليل ولد الحر من الأمة وولد العبد من الحرة، وهنا يقال: حر بين رقيقين، ويفديه إذا عتق لتعلقه بذمته، ويرجع زوج -حرا كان أو عبدًا- بفداء غرمه على من غره إن كان الغار أجنبيا؛ لأنه ضمن له سلامة الوطء كما ضمن له سلامة الولد، فكما يرجع عليه بقيمة الولد كذلك يرجع عليه بالمهر، وكذا أجرة انتفاعه بها إن غرمها، فإن كان الغار بالزوج سيدها ولم تعتق بذلك بأن لم يكن التغرير بلفظ تحصل به الحرية، أو كان الغار بالزوج إياها نفسها وهي مكاتبة فلا مهر له ولا لها؛ لأنه لا فائدة في أن يجب لأحدهما ما يرجع به عليه، وولدها مكاتب لولا التغرير تبعا لها، فيغرم أبوه قيمته لها إن لم تكن هي الغارة؛ لأنه فوته عليها ويرجع بما يغرمه على من غره.
الجزء: 3 - الصفحة: 340
ولمستحق غرم من سيد وزوجة مكاتبة مطالبة غار لزوج ابتداء دون مطالبة الزوج، والغار من علم رقها أو رق بعضها ولم يبينه، ومن تزوجت رجلا على أنه حر، أو تظنه حرا فبان عبدا فلها الخيار إن صح النكاح بأن كملت شروطه وكان بإذن سيده؛ لأن اختلاف الصفة لا يمنع صحة العقد كما لو تزوج أمة على أنها حرة، فإن اختارت الفسخ لم يحتج إلى حكم حاكم، وإن اختارت إمضاءه فلأوليائها الاعتراض عليها إن كانت حرة لعدم الكفاءة، وإن كانت أمة فلها الخيار أيضا؛ لأنه إذا ثبت الخيار للعبد إذا غر بأمة ثبت للأمة إذا غرت بعبد.
وإن شرطت في زوج صفة ككونه نسيبا، أو عفيفا، أو جميلا، فبان أقل مما شرطت فلا فسخ لها؟ لأنه ليس معتبرا في صحة النكاح أشبه شرطها طوله أو قصره، إلا إذا شرطته حرا فبان عبدا فلها الفسخ كما لو كانت أمة وعتقت تحته فهنا أولى، وكذا شرطها فيه صفة يخل فقدها بالكفاءة كما جزم به في "الإقناع" 1910.
ولمن عتقت كلها تحت رقيق كله الفسخ حكاه ابن المنذر وابن عبد البر 1911 وغيرهما إجماعا 1912، لا إن كان حرا وهو
الجزء: 3 - الصفحة: 341
قول ابن عمر 1913 وابن عباس 1914؛ لأنها كافأت زوجها في الكمال فلم [يثبت لها الخيار، أو عتقت تحت] 1915 حر أو مبعض فلا فسخ، أو عتقا معا فلا فسخ؛ لأنها لم تعتق كلها تحت رقيق، فتقول العتيقة إن اختارت الفسخ: فسخت نكاحي، أو 1916 اخترت نفسي، أو اخترت فراقه، وقولها: طلقت نفسي كناية عن الفسخ فينفسخ به نكاحها إن نوت الفرقة؛ لأنه يؤدي معنى الفسخ فصح كونه كناية عنه كالكناية بالفسخ عن الطلاق، وليس فسخها لنكاحها إن نوت به الفرقة طلاقا لحديث: "الطلاق لمن أخذ بالساق" 1917، ولها الفسخ ولو متراخيا كخيار العيب ما لم يوجد منها ما يدل على الرضا بالمقام معه، روي عن ابن عمر وأخته حفصة 1918 لحديث أبي داود: "أن بريرة عتقت وهي عند مغيث عبد لآل
الجزء: 3 - الصفحة: 342
أبي أحمد 1919، فخيرها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال لها: إن قربك فلا خيار لك" 1920 وقال ابن عبد البر: "لا أعلم لابن عمر وحفصة مخالفا من الصحابة" 1921. ولا يحتاج فسخها لحكم حاكم للإجماع، وعدم احتياجه للاجتهاد كالرد بالعيب في البيع بخلاف خيار العيب في النكاح فإنه محل اجتهاد فافتقر إلى حكم الحاكم كالفسخ للإعسار، فإن عتق قبل فسخ، أو مكنته من وطئها، أو مباشرتها، ولو جاهلة عتقها أو ملك الفسخ بطل خيارها، لحديث الحسن عن عمرو بن أمية 1922 قال: سمعت رجالا يحدثون عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "إذا عتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها، إن شاءت فارقت، فإن وطئها فلا خيار لها" رواه أحمد 1923 وروى مالك عن
الجزء: 3 - الصفحة: 343
نافع عن ابن عمر: "أن لها الخيار ما لم يمسها" 1924، ويجوز لزوجها وطؤها بعد عتقها مع عدم علمها به، ولبنت تسع أو بنت دونها إذا بلغتها 1925، ولمجنونة إذا عقلت الخيار دون ولي لأن طريقه الشهوة فلا تدخله الولاية كالقصاص، فإن طلقت قبل فسخ وقع الطلاق؛ لأنه من زوج عاقل يملك العصمة فنفذ كما لو لم تعتق، وبطل خيارها إن كان الطلاق بائنا لفوات محله.
وإن عتقت الرجعية أو عتقت ثم طلقها رجعيا فلها الخيار ما دامت في العدة، ولفسخها فائدة فإنها لا تأمن رجعته إذا لم تفسخ، وإذا فسخت بنت على ما مضى من عدتها؛ لأن الفسخ لا ينافي عدة الطلاق، وتتم عدة حرة؛ لأنها رجعية عتقت في عدتها.
ومتى فسخت بعد دخول فمهرها لسيدها لوجويه بالعقد وهي ملكه حالته، وإن فسخت قبله فلا مهر نصا 1926 لمجئ الفرقة من قبلها كما لو ارتدت أو أرضعت من ينفسخ به نكاحها.
ومن شرط معتقها أن لا تفسخ نكاحها ورضيت صح ولزمها؛ لأن العتق بشرط صحيح.
ولمالك زوجين بيعهما، وله بيع أحدهما ولا فرقة بذلك؛ لأنه لا أثر له في النكاح، ويستحب لمن له عبد وأمة متزوجان إذا أراد عتقهما ابتدأ بالرجل لئلا يثبت لها
الجزء: 3 - الصفحة: 344
عليه خيار فتفسخ نكاحه، لحديث عائشة: "أنه كان لها غلام وجارية فتزوجا، فقالت للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أريد أن أعتقهما، فقال لها: ابدئي بالرجل قبل المرأة" 1927 وعن صفية بنت أبي عبيد 1928 أنها فعلت ذلك وقالت للرجل: "إني بدأت بعتقك لئلا يكون لها عليك خيار" 1929. في إعساره لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده، ولهذا أملكت الفسخ بإعساره بالنفقة، ولأن العسرة نقص في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب، وإنما اعتبرت الكفاءة في الرجل دون المرأة؛ لأن الولد بشرف أبيه لا أمه، وقد تزوج رسول اللَّه -
الجزء: 3 - الصفحة: 345
-صلى اللَّه عليه وسلم- بصفية بنت حيي 1930، وتسرى بالإماء 1931، وموالي بني هاشم لا يشاركونهم في الكفاءة في النكاح نصا، صححه في "الإنصاف" ونقل مهنا 1932: "أنهم كفؤ لهم" 1933.
الجزء: 3 - الصفحة: 346
(فصل) في حكم العيوب فى النكاح
أي ما يثبت به الخيار منها وما لا خيار به (وعيب نكاح) المثبت للخيار (ثلاثة أنواع) أي أقسام: - (نوع مختص بالرجل) وثبوت الخيار لأحد الزوجين إذا وجد بالآخر عيبا في الجملة روي عن عمر 1934 وابنه 1935 وابن عباس 1936؛ لأنه يمنع الوطء فأثبت الخيار كالجب والعنة، ولأن المرأة أحد العوضين في النكاح فجاز ردها بعيب كالصداق، ولأن الرجل أحد الزوجين فثبت له الخيار بالعيب في الآخر كالمرأة، وأما العمى والزمانة 1937 ونحوهما فلا يمنع المقصود بالنكاح وهو الوطء بخلاف الجذام والبرص والجنون ونحوها 1938 فإنها توجب نفرة تمنع من قربانه بالكلية و [المجنون] 1939 يخاف منه الجناية فهو كالمانع الحسي.
الجزء: 3 - الصفحة: 347
والنوع الذي يختص بالرجل (كجب)، أي قطع الذكر كله أو بعضه بحيث لم يبق منه ما يطأ به أو أشله، فإذا وجدت المرأة زوجها مقطوع الذكر أو أشله فلها الفسخ في الحال، فإن أمكن وطؤه بالباقي فادعاه وأنكرته قبل قولها في عدم إمكانه؛ لأنه يضعف بالقطع، والأصل عدم الوطء، أو وجدته قد قطع خصيتاه أو رض بيضتاه -أي عرقهما حتى ينفسخا- أو سلا؛ لأن فيه نقصا يمنع الوطء ويضعفه، (و) كـ (عنة) أي عجز عن الوطء وربما اشتهاه ولا يمكنه، من عن الشيء إذا اعترض لأن ذكره يعن إذا أراد إيلاجه -أي يعترض- 1940.
(ونوع) -أي قسم- من العيوب (مختص بالمرأة) وهو النوع الثاني من العيوب المثبتة للخيار (كسد فرج) بحيث لا يسلكه ذكر، (و) إن كان ذلك بأصل الخلقة فهو (رتق)، والرتق: تلاحم الشفرين خلقة، وإلا يكن بأصل الخلقة فهو قرن وعفل، فهما شيء واحد، وقيل: القرن لحم زائد ينبت في الفرج فيسده، والعفل: ورم يكون في اللحمة التي بين مسلكي المرأة فيضيق منه فرجها فلا ينفذ فيه الذكر، حكاه الأزهري 1941. وقيل: القرن عظم، والعفل رغوة فيه تمنع لذة الوطء، ويثبت به الخيار على كل الأقوال، وكبخر في فرج أو قروح سيالة أو كونها فتقاء بانخراق ما بين سبيليها، أو ما بين مخرج بول ومني، أو كونها مستحاضة، فيثبت للزوج الخيار بكل من هذه.
(ونوع مشترك بينهما) -أي بين الرجل والمرأة- وهو النوع الثالث من العيوب المثبتة للخيار (كجنون) ولو أحيانا، وإن زال العقل بمرض فإغماء لا خيار به فإن زال
الجزء: 3 - الصفحة: 348
المرض ودام فجنون، (و) كـ (جذام) ويرص وبخر فم -أي نتنه- ومما يخففه السواك، قال بعضهم: والدواء القوي لعلاجه أن يتغرغر بالصبر ثلاثة أيام على الريق ووسط النهار وعند النوم ويتمضمض بالخردل بعد الثلاثة ثلاثة أيام أخر يفعل ذلك في كل ما يتغير فيه فمه إلى أن يبرأ، وإمساك الذهب في الفم يزيل البخر، وكاستطلاق بول ونجو 1942 وباسور وناصور -دآءن بالمقعدة معروفان-، وقرع رأس له ريح منكرة 1943، وكون أحدهما خنثى غير مشكل، (فيفسخ بكل من ذلك) لما فيه من النفرة أو النقص أو خوف تعدي أذاه أو تعدي نجاسته، (ولو حدث) ذلك (بعد دخول)؛ لأنه عيب في النكاح يثبت به الخيار مقارنا فاثبته طارئا كالإعسار، ولأنه عقد على منفعة فحدوث العيب بها يثبت الخيار كالإجارة، أو كان بالفاسخ عيب مثله أو مغاير له.
و(لا) يثبت الخيار (بنحو عمى) وعور (وطرشى) وخرس وعرج (وقطع يد أو) قطع (رجل) وقرع لا ريح له، وكون أحدهما عقيما أو نضوا 1944؛ لأن ذلك لا يمنع الاستمتاع ولا يخشى تعديه (إلا بشرط) الزوج نفي ذلك فإن بانت بخلافه فله الخيار، ولمحذا لو شرطته حرا أو ظنته وتقدم 1945، ولا يثبت خيار في عيب زال بعد عقد
الجزء: 3 - الصفحة: 349
لزوال سببه، ولا لعالم به وقته لدخوله على بصيرة.
(ومن) ادعت عنة زوجها فـ (ثبتت عنته) بإقرار أو بينة أو عدما فطلبت يمينه فنكل ولم يدع وطئا قبل دعواها (أجل سنة) هلالية ولو عبدا (من حين ترفعه إلى الحاكم)؛ لأن العجز قد يكون لعنة وقد يكون لمرض فتضرب له سنة لتمر به الفصول الأربعة فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة وبالعكس، وإن كان من برودة زال في فصل الحرارة، وإن كان من احتراق مزاج زال في فصل الاعتدال، فإن مضت الفصول الأربعة ولم يزل علم أنها خلقة، ولا يحتسب عليه من السنة مدة اعتزال الزوجة له، (فإن) مضت السنة (ولم يطأ) ها -أي الزوجة- (فيها) أي السنة (فلها الفسخ) لما تقدم، وثبوت الخيار لامرأة العنين بعد تأجيله سنة روي عن عمر 1946 وعثمان 1947 والمغيرة بن شعبة 1948 وعليه فتوى فقهاء الأمصار 1949؛ لأنه قول من سمي
الجزء: 3 - الصفحة: 350
من الصحابة ولا مخالف لهم، ولأنه عيب يمنع الوطء فأثبت الخيار كالجب، فإن علم أن عجزه عن الوطء لعارض كصغر ومرض يرجى زواله لم تضرب له المدة، وإن قال وطئتها وأنكرت وهي ثيب فقولها إن ثبتت عنته قبل دعواه وطئها لأن الأصل عدم الوطء وقد انضم إليه وجود ما يقتضي الفسخ وهو ثبوت العنة، وإلا تثبت عنته قبل دعواه وطئها فالقول قوله؛ لأن الأصل السلامة، وإن كانت بكرا وثبتت عنته وبكارتها أجل سنة كما لو كانت ثيبا؛ لأن وجود العذرة يدل على عدم الوطء وعليها اليمين إن قال: أزلتها وعادت لاحتمال صدقه، وإن شهد بزوالها لم يؤجل؛ لأنه لم يثبت له حكم العنين وحلف إن قالت: زالت بغيره لاحتمال صدقها، ومن اعترفت بوطء زوجها لها في قبل بنكاح ترافعا فيه ولو مرة، أو في حيض أو نفاس أو إحرام أو ردة أو صوم واجب ولو بعد ثبوت عنته فقد زالت لإقرارها بما يتضمن زوالها وهو الوطء فليس بعنين لاعترافها بما ينافي دعواها، ومجنون تثبت عنته كعاقل في ضرب المدة؛ لأن مشروعية الفسخ لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن الوطء، ويستوي فيه المجنون والعاقل، فإن لم تثبت عنته لم تضرب له مدة، ويسقط حق زوجة عنين ومقطوع بعض ذكره بتغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها.
(وخيار عيب على التراخي)؛ لأنه لدفع ضرر متحقق أشبه خيار القصاص، (لكن يسقط) خيار (بما يدل على الرضا) من وطء أو تمكين مع علم = وينظر: بدائع الصنائع 2/ 322 - 323، وبداية المجتهد 2/ 51، والأم 8/ 279، ومسائل الإمام أحمد رواية أبي داود ص 178، ورواية ابن هانئ 1/ 214، ورواية عبد اللَّه ص 344 - 345، وشرح الزركشي 5/ 261.
الجزء: 3 - الصفحة: 351
بالعيب، كما يسقط بقول نحو: أسقطت خياري كمشتري المعيب يسقط خياره بالقول وبما يدل على رضاه بالعيب، ولو جهل الحكم أو زاد العيب أو ظنه يسيرا فبان كثيرا كظنه البرص في قليل من جسدها فبان في كثير منه فيسقط خياره؛ لأنه من جنس ما رضي به، و (لا) يسقط الفسخ (في عنة إلا بقول) امرأة العنين: "أسقطت حقي من الخيار لعنته" ونحوه لأن العلم بعدم قدرته على الوطء لا يكون بدون التمكين فلم يكن التمكين دليل الرضا فلم يبق إلا القول.
(ولا) يصح (فسخ) من له الخيار (إلا بـ) حكم (حاكم)؛ لأنه فسخ مجتهد فيه أشبه الفسخ للإعسار بالنفقة فيفسخه الحاكم بطلب من له الخيار، أو يرده إلى من له الخيار فيفسخه ويكون كحكمه، ويصح فسخ لعيب مع غيبة زوج.
(فإن فسخ) النكاح (قبل دخول فلا مهر) لها سواء كان الفسخ من الزوج أو من الزوجة؛ لأن الفسخ إن كان منها فالفرقة من جهتها، وإن كان منه فإنما فسخ لعيب دلسته بالإخفاء فكأنه منها ولم يجعل فسخها لعيبه كأنه منه لتدليسه؛ لأن العوض من الزوج في مقابلة منافعها فإذا اختارت الفسخ مع سلامة ما عقد عليه رجع العوض إلى العاقد معها، وليس من جهتها عوض في مقابلة منافع الزوج وإنما لها الخيار لما يلحقها من الضرر لا لتعذر ما استحقت عليه في مقابلته عوضا، فلو زوج عبده بجارية آخر وجعل رقبته صداقا لها وأعتقه مالك الجارية وظهر العبد على عيب بها قبل الدخول ففسخ رجع على معتقه مالك الجارية بقيمته لأنه مهرها، (و) إن فسخ النكاح لعيب زوجة أو زوج (بعده) -أي بعد دخول- فـ (لها) -أي الزوجة- (المسمى) في عقد كما لو طرأ العيب بعد الدخول؛ لأنه يجب بالعقد ويستقر بالدخول فلا يسقط بحادث بعده، ولذلك لا يسقط بردتها، ولا بفسخ من جهتها.
الجزء: 3 - الصفحة: 352
(ويرجع) زوج (به) -أي بنظير مسمى- غرمه (على مغر) له من زوجة عاقلة وولي ووكيل، ويقبل قول ولي ووكيل في عدم علمه بالعيب حيث لا بينة بعلمه؛ لأن الأصل عدمه فلا غرم عليه؛ لأن التغرير من غيره، فلو وجد التغرير من زوجة وولي فالضمان على الولى؛ لأنه المباشر، ومن المرأة والوكيل الضمان بينهما نصفان 1950 قاله الموفق 1951، وكذا لو تزوج رجل امرأة فأدخلوا عليه غيرها فوطئها فعليه مهر مثلها ويرجع به على من غره ويلحقه الولد إن حملت نصا للشبهة، وتجهز إليه امرأته بالمهر الأول نصا 1952.
وإن طلقت المعيبة قبل دخول وقبل العلم بالعيب فعليه نصف الصداق ولا يرجع به على أحد، وكذا لو مات أحدهما قبل العلم بالعيب فلا رجوع بالصداق المستقر بالموت على أحد؛ لأن سبب الرجوع الفسخ ولم يوجد.
وليس لولي صغير أو صغيرة أو مجنون أو مجنونة أو سيد أمة تزويجهم بمعيب يرد به في النكاح لوجوب نظره لهم بما فيه الحظ والمصلحة وانتفاء ذلك في هذا العقد، ولا لولي حرة مكلفة تزويجها به بلا رضاها فلو فعل مع علمه بالعيب لم يصح النكاح، وإلا يعلم صح وله الفسح إذا علم، وفي "الإقناع" 1953: "يجب الفسخ على ولي غير المكلف والمكلفة وسيد الأمة".
الجزء: 3 - الصفحة: 353
وإن اختارت مكلفة عنينا أو مجبوبا لم يمنعها وليها؛ لأن الحق في الوطء لها دونه، وإن اختارت مجنونا أو مجذوما أو أبرص فلوليها منعها منه؛ لأن فيه عارا عليها وعلى أهلها وضررا يخشى تعديه إلى الولد؛ كمنعها من تزوجها بغير كفؤ، وإن علمت العيب بعد العقد أو حدث به بعده لم تجبر على الفسخ؛ لأن حق الولي في ابتداء العقد لا دوامه، ولهذا لو دعت وليها إلى تزويجها بعبد لم تلزمه إجابتها، ولو عتقت تحت عبد لم يملك إجبارها على الفسخ.
الجزء: 3 - الصفحة: 354
فصل فى حكم نكاح الكفار
وما يقرون عليه لو ترافعوا إلينا أو أسلموا وهو صحيح، وحكمه كنكاح المسلمين فيما يجب به من وقوع الطلاق والظهار والإيلاء ووجوب المهر والنفقة والقسم والإباحة للمطلق ثلاثا بعد نكاح زوج غيره والإحصان، ودليل صحته قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ 1954 و ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ 1955 فأضاف النساء إليهم، وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة، وقال عليه الصلاة والسلام: "ولدت من نكاح لا سفاح" 1956 وإذا ثبتت الصحة ثبتت أحكامها كأنكحة المسلمين، ومنها: وقوع الطلاق لصدوره من أهله في محله كطلاق المسلم، ويحرم عليهم في النكاح ما يحرم على المسلمين.
(ويقر الكفار على نكاح فاسد) إذا خالف أنكحة المسلمين (إن اعتقدوا صحته) في دينهم، ولأن ما لا يعتقدون صحته ليس من دينهم فلا يقرون عليه كالزنا والسرقة ولم يرتفعوا إلينا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ.
. .﴾ الآية 1957 فدل على أنهم يخلون وأحكامهم إن لم يجيئوا إلينا، ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم-
الجزء: 3 - الصفحة: 355
أخذ الجزية من مجوس هجر 1958 ولم يعترضهم في أنكحتهم مع علمه أنهم يستبيحون نكاح محارمهم 1959، فإن أتونا قبل عقد نكاحهم عقدناه على حكمنا بإيجاب وقبول وولي وشاهدي عدل منا كأنكحة المسلمين، (وإن) أتونا بعده أو (أسلم الزوجان) على نكاح لم نتعرض لكيفية العقد، قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معا في حال واحدة أن لهما المقام على نكاحهما ما لم يكن بينهما نسب أو رضاع" 1960، وقد أسلم خلق كثير في عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأسلم نساؤهم فأقروا على أنكحتهم ولم يسألهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شروط النكاح ولا كيفيته.
(و) إن كانت (المرأة تباح) للزوج (إذن) -أي حال الترافع أو الإسلام- كعقد في عدة فرغت نصا 1961، أو عقد على أخت زوجة ماتت، أو بلا شهود، أو بلا ولي، أو بلا صيغة (أقرا) على نكاحهما لما تقدم، وإن حرم [وقت] 1962 ابتداء نكاحها وقت الترافع أو الإسلام كذات محرم أو في عدة لم تفرغ أو كانت حبلى من غيره ولو من زنا
الجزء: 3 - الصفحة: 356
أو استدام نكاح مطلقته ثلاثا ولو معتقدا حلها فرق بينهم؛ لأنه حال يمنع من ابتداء العقد فمنع استدامته كنكاح ذوات المحارم.
وإن أسلم الزوجان معا بأن تلفظا بالإسلام دفعة واحدة فهما على نكاحهما؛ لأنه لم يوجد بينهما اختلاف دين، ولحديث أبي داود عن ابن عباس: "أن رجلا جاء مسلما على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم جاءت امرأته مسلمة بعده، فقال: يا رسول اللَّه! إنها كانت أسلمت معي فردها عليه" 1963، أو أسلم زوج كتابيةكتابيا كان أو لا فهما على نكاحهما ولو قبل الدخول؛ لأن المسلم له ابتداء نكاح الكتابية فاستدامته أولى، وإن أسلمت كتابية تحت كافر كتابي أو غيره قبل دخول انفسخ نكاحهما؛ لأنه لا يجوز لكافر ابتداء نكاح مسلمة، أو أسلم أحد زوجين غير كتابيين قبل دخول انفسخ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ 1964 ولها نصف المهر إن أسلم الزوج فقط لمجيء الفرقة من قبله بإسلامه، كما لو طلقها، أو أسلما وادعت سبقه بالإسلام فتحلف وتأخذ نصف المهر لما تقدم، ولا تقبل دعواه بسقوطه؛ لأن الأصل خلافه، كان قال الزوج أسلمنا معا فنحن على النكاح فأنكرته فالقول قولها، لأنه الظاهر لبعد اتفاقهما في الإسلام دفعة واحدة، وإن أسلم أحد الزوجين غير الكاتبيين، أو أسلمت كتابية تحت كافر بعد الدخول وقف
الجزء: 3 - الصفحة: 357
الأمر إلى انقضاء العدة، فإن أسلم الثاني قبله فهما على نكاحهما لحديث مالك في الموطأ عن ابن شهاب قال: "كان بين إسلام صفوان بن أمية 1965 وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر أسلمت يوم الفتح، وبقي صفوان حتى شهد حنينا والطائف وهو كافر، ثم أسلم فلم يفرق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بينهما" 1966 واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح، وهذا بخلاف ما قبل الدخول فإنه لا عدة لها فتتعجل البينونة كالمطلقة، وإلا يسلم الثاني قبل انقضاء العدة تبينا فسخ النكاح منذ أسلم الأول منهما لاختلاف الدين، ولا تحتاج لعدة ثانية، فلو وطئ في العدة ولم يسلم الثاني فيها فلها مهر مثلها، وإن أسلم الثاني قبل انقضاء العدة وبعد الوطء فلا مهر، وإن أسلمت قبله فلها نفقة العدة ولو لم يسلم لتمكنه من الاستمتاع بها وإبقاء نكاحها بإسلامه في عدتها أشبهت الرجعية، وإن أسلم قبلها فلا نفقة لأنه لا سبيل له لتلافي نكاحها فأشبهت البائن، ويجب الصداق بكل حال لاستقراره بالدخول وسواء كان بدار الإسلام أو دار الحرب، أو أحدهما في دار الإسلام والآخر في دار الحرب، ومن هاجر إلينا بذمة مؤلدة أو مسلما أو مسلمة والآخر بدار الحرب لم ينفسخ نكاحهما بالهجرة.
الجزء: 3 - الصفحة: 358
(بَابُ الصَّدَاقِ)
بفتح الصاد وكسرها 1967، يقال: ، صْدَقْتُ المرأةَ ومَهَرْتُهَا، وهو العوض المسمى في عقد نكاح وبعده لمن لم يسم لها فيه 1968، وكما يسمى صداقًا يسمى مهرًا، وصَدُقَةً، ونِحْلَةً، وفَرِيْضَةً، وأجْرًا، وعلائق 1969، وعُقرًا 1970، وحِبَاءً 1971، وقد نظم بعضهم منها ثمانية في بيت فقال: صَدَاقٌ وَمَهْرٌ نِخلَةٌ وفَرِيْضَةٌ ... حَبَاءٌ وأجْرٌ ثُمَّ عَقْرٌ عَلَائق 1972 وهو مشروع في نكاح إجماعًا 1973 لقوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 359
نِحْلَةً} 1974 قال أبو عبيد 1975: "يعني عن طيب نفس به كما تطيب النفس بالهبة".
1976 وقيل: نحلة من اللَّه للنساء 1977؛ ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- تزوج وزوج بناته على صدقات ولم يتركه في النكاح 1978.
و(يُسَنُّ تَسْمِيَتُهُ) أي الصداق (في العَقْدِ) لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ 1979 ولما تقدم من فعله عليه السلام، ولأن تسميته أقطع 1980 للنزاع وليست شرطا لقوله تعالى: {لَا جُنَاحَ
الجزء: 3 - الصفحة: 360
عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} 1981 وروي أنه عليه السلام: "زوج رجلا امرأة ولم يُسَمِّ لها مهرًا" 1982. (و) يسن (تَخْفِيْفُهُ) -أي الصداق- لحديث عائشة مرفوعًا: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة" رواه أبو حفص 1983، وعن أبي هريرة: "أن رجلا تزوج امرأة من الأنصار فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على كم تزوجتها؟ فقال: على أربع أواق قال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: على أربع أواق! تنحتون الفضة من عُرْضِ 1984 هذا الجبل" رواه
الجزء: 3 - الصفحة: 361
مسلم 1985، ويستحب أن لا ينقص عن عشرة دراهم، وأن يكون من أربعمائة درهم فضة وهو صداق بنات النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى خمسمائة درهم وهي صداق أزواجه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما روى أبو العجفاء 1986 قال: "سمعت عمر يقول: لا تغلوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة كان أولاكم بها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ما أصدق الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- امرأة من نسائه أكثر من ثنتي عشرة أوقية" رواه الترمذي 1987، وعن أبى سلمة قال: "سألت عائشة كم كان صداق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدرى ما النش؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية
الجزء: 3 - الصفحة: 362
فتلك خمسمائة درهم" رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي 1988، والأوقية كانت أربعين درهما، وإن زاد الصداق على خمسمائة درهم فلا بأس؛ لحديث أم حبيبة 1989: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تزوجها وهي بأرض الحبشبة زوجها النجاشي وأمهرها أربعة آلاف وجهزها من عنده وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة 1990 فلم يبعث إليها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بشيء" رواه أحمد والنسائي 1991، ولو كره لأنكره، وكان له -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يتزوج بلا مهر لقوله تعالى: {
الجزء: 3 - الصفحة: 363
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ.
. .} الآية 1992.
(و) لا يتقدر الصداق فـ (كل ما صح ثمنا) في بيع (أو أجرة) في إجارة (صح مهرا) وإن قل لحديث: "التمس ولو خاتما من حديد" 1993، وحديث: "لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا ملء يده طعاما كانت له حلالا" رواه أبو داود بمعناه 1994، وعن = سنن أبي داود 2/ 235، والحاكم، باب مهر أم حبيبة أربعة آلاف، كتاب النكاح، المستدرك 2/ 181 والبيهقي، باب لا وقت في الصداق كثر أو قل، كتاب الصداق، السنن الكبرى 7/ 232، والحديث قال عنه الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/ 396.
الجزء: 3 - الصفحة: 364
عامر بن ربيعة 1995: "أن امرأة من فزارة 1996 تزوجت على نعلين، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أرضيت من مالك ونفسك بنعلين؟ قالت: نعم، فأجازه" رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه 1997، واشترط الخرقي 1998: أن يكون له نصف يتمول فلا
الجزء: 3 - الصفحة: 365
يجوز على فلس ونحوه.
وتبعه عليه جمع وصاحب "الإقناع" 1999، فيصح النكاح على عين ودين حال ومؤجل ولو على منفعة زوج أو غيره معلومة مدة معلومة، كرعاية غنمها مدة معلومة أو على عمل معلوم كلخياطة ثوبها ورد قنها من محل معين، ومنافع الحر والعبد سوءا لقوله تعالى حكاية عن شعيب وموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 2000 ولأن منفعة الحر يجوز العوض عنها في الإجارة فجازت صداقا كمنفعة العبد، والقول بأنها ليست مالا ممنوع بأنه يجوز المعاوضة عنها وبها ثم إن لم تكن المنفعة مالا فقد أجريت مجرى المال، فإن كانت المنفعة مجهولة كرد عبدها أين كان وخدمتها فيما شاءت لم تصح التسمية 2001 كالثمن في المبيع والأجرة في الإجارة، ويصح النكاح على تعليم معين من فقه أو حديث إن كانت مسلمة أو شعر مباح أو أدب أو صنعة، كخياطة أو كتابة ولو لم يعرف العمل الذي أصدقه إياها ويتعلمه ثم يعلمها إياه لأن التعليم يكون في ذمته = ينظر: طبقات الحنابلة 2/ 75 - 118، وسير أعلام النبلاء 15/ 363 - 364.
الجزء: 3 - الصفحة: 366
أشبه ما لو أصدقها مالا في ذمته لا يقدر عليه حال الإصداق، ويجوز أن يقيم لها من يعلمها، وإن تعلمته من غيره لزمته أجرة تعليمها، وكذا إن تعذر عليه تعليمها أو أصدقها خياطة ثوب فتعذرت عليه كما لو تلف الثوب، وإن أتته بغيرها ليعلمه ما أصدقها لم يلزمه لأن المستحق عليه العمل في عين لم يلزمه إيقاعه في غيرها كما لو استأجرته لخياطة ثوب معين فاتته بغيره ليخيطه لها، ولأن المتعلمين يختلفون في التعليم اختلافا كثيرا، وقد يكون له غرض في تعليمها فلا يلزمه تعليم غيرها، وإن أتاها بغيره ليعلمها لم يلزمها قبوله لاختلاف المعلمين في التعليم، وقد يكون لها غرض في التعلم منه لكونه زوجها، وعليه بطلاقها قبل تعليم ودخول نصف الأجرة وبعد دخول كلها، وإن علمها ثم سقط الصداق لمجيء الفرقة من قبلها رجع بالأجرة، ويرجع مع تنصفه لنحو طلاقها بعد أن علمها وقبل دخول بنصف الأجرة، وإن أصدقها تعليم شيء من القرآن ولو معينا لم يصح؛ لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ 2002 وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 2003 والطول: المال 2004، وما روي أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- زوج رجلا
الجزء: 3 - الصفحة: 367
على سورة من القرآن ثم قال: "لا تكون لأحد بعدك" رواه البخاري 2005، ولأن تعليم القرآن لا يقع إلا قربة لفاعله فلم يصح أن يقع صداقا كالصوم والصلاة، وأما حديث الموهوبة وقوله عليه السلام فيه: "زوجتكها بما معك من القرآن" متفق عليه 2006، فقيل معناه زوجتكها لأنك من أهل القرآن، كما زوج أبا طلحة 2007 على إسلامه 2008 وليس في الحديث الصحيح ذكر التعليم، ويحتمل أن يكون خاصا بذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 368
الرجل لحديث البخاري 2009، ومن تزوج أو خالع نساء بمهر أو عوض واحد صح وقسم بينهن على قدر مهور مثلهن لأن الصفقة اشتملت على أشياء مختلفة القيمة فوجب تقسيم العوض عليها بالقيمة كما لو اشترى شقصا وسيفا، ولو قال بينهن قسم على عددهن بالسوية؛ لأن إضافته إليهن إضافة واحدة.
(فإن لم يسم) الصداق في العقد وهو تفويض البضع (أو بطلت التسمية) كعلى خمر أو خنزير أو مال مغصوب (وجب مهر) الـ (مثل بعقد) لأن المرأة لا تسلم إلا ببدل ولم يسلم البدل وتعذر رد العوض فوجب بدله كبيعه سلعة عمر فتتلف عند مشتر، ولا يضر جهل يسير في صداق، فلو أصدقها عبدا من عبيده أو دابة من دوابه أو قميصا من قمصانه ونحره صح ولها أحدهم بقرعة نصا 2010 لأن الجهالة فيه يسيرة ويملك التعيين فيه بالقرعة بخلاف ما إذا أصدقها عبدا وأطلق، ولو أصدقها قفيزا من حنطة ونحوه صح ولها الوسط لأنه العدل، وإن تزوجها على ألف إِن لم تكن له زوجة أو إن لم يخرجها من دارها أو من بلدها، وعلى ألفين إن كانت له زوجة أو أخرجها صح = الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إني قد أسلمت فإن أسلمت نكحتك، فأسلم، فكان صداق ما بينهما" والحديث صححه الألباني في صحيح سنن النسائي 2/ 703.
الجزء: 3 - الصفحة: 369
ذلك، لأن خلو المرأة من ضرة أو سرية تغايرها وتضيق عليها من أكبر أغراضها المقصودة، وكذا بقاؤها بدارها أو بلدها بين أهلها وفي وطنها ولذلك تخفف صداقها لتحصيل غرضها وتغليه عند فواته، وإن أصدقها عتق قن له صح لا طلاق زوجة له أو جعل طلاقها إليها مدة ولو معلومة لحديث ابن عمر مرفوعا: "لا يحل لرجل أن ينكح امرأة بطلاق أخرى" 2011 ولأن خروج البضع من الزوج ليس يتمول فهو كما لو أصدقها نحو خمر ولها مهر مثلها لفساد التسمية، ومن قال لسيدته: "أعتقيني على أن أتزوجك" فأعتقته أو قالت ابتداء: "أعتقتك على أن تتزوجني" عتق مجانا فلا يلزمه أن يتزوج بها؛ لأن ما شرطته عليه حق له فلا يلزمه، ومن قال: "أعتق عبدك عني على أن أزوجك ابنتي" فأعتقه على ذلك لزمته قيمته لمعتقه بعتقه ولم يلزمه تزويج ابنته، كقوله لآخر: "أعتق عبدك على أن أبيعك عبدي"، وإن تزوجها على أن يعتق أباها صح نصا 2012 فإن تعذر عليه عتقه فلها قيمته، وإن تزوجها على عبد فخرج حرا أو مغصوبا فلها قيمته ويقدر حر عبدا يوم عقد لرضاها بقيمته إن ظنته مملوكا له وكما لو وجدته معيبا فردته، وتخير في عين جعلت لها صداقا كدار وعبد بان جزء منها مستحقا بين أخذ قيمة العين كلها أو أخذ الجزء غير المستحق وقيمة الجزء المستحق لأن الشركة عيب فكان لها الفسخ بها كغيرها من العيوب، أو عين ذرعها فبانت أقل
الجزء: 3 - الصفحة: 370
[خُيِّرت] 2013 بين أخذه وأخذ قيمة ما نقص وبين الرد وأخذ قيمة الجميع، وما وجدت به عيبا أو ناقصا صفة شرطتها فكمبيع يجده مشترٍ معيبا أو ناقصا صفة شرطها فيه، ولمتزوجة على عصير بان خمرا مثل العصير لأنه مثلي، وإن قال أصدقتها هذا الخمر وأشار إلى خل أو عبد فلان هذا وأشار إلى عبده صحت التسمية ولها المشار إليه كبعتك هذا الأسود أو الطويل مشيرا إلى أبيض أو قصير.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا) -أي المرأة- (على ألفٍ لها وألفٍ لأَبِيها) أو على أن كل الصداق لأبيها إن صح تملكه من مال ولده، وتقدم بيان شروطه في الهبة (صَحَّ، فلو طَلَّقَ قَبْلَ دُخولٍ رَجَعَ بأَلفِها) فقط (ولا شئَ على الأَبِ لهما) لأنه أخذ من مال ابنته ألفا فلا يجوز الرجوع به عليه، وإن شرط الأب الكل له وطلق الزوج قبل دخول رجع عليها بقدر نصف الصداق، ولا شيء على الأب إن قبضه بنية تملكه لأنا قدرنا أن الجميع صار لها ثم أخذه الأب منها، فصار كأنها قبضته ثم أخذه منها وعلم منه أن الأب لا يملكه بالشرط بل بالقبض مع النية، (وإِنْ شُرِطَ لغيرِ الأبِ شيءٌ) كجدها وأخيها (فالكُلِّ لَها) ويبطل الشرط نصًّا 2014.
(وَيَصِحُّ تأْجِيلُهُ) -أي الصداق- (وإِنْ 2015 أُطْلِقَ الأَجَلُ) ولم يذكر محله بأن قيل على كذا مؤجلا (فَمَحلُّهُ الفُرقَةُ) البائنة؛ لأن اللفظ المطلق يحمل على العرف والعرف في الصداق المؤجل ترك المطالبة إلى الموت أو البينونة فيحمل عليه فيصير حينئذ معلوما
الجزء: 3 - الصفحة: 371
بذلك، وإن أطلق فلم يقيد بحلول ولا أجل صح ويكون حالا لأن الأصل عدم التأجيل.
ولأب تزويج بكر وثيب بدون صداق مثلها ولو كبيرة وإن كرهت نصًّا 2016 لأن عمر خطب الناس فقال: "ألا لا تغالوا في صداق النساء فما أصدق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدًا من نسائه ولا أحدًا من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية" 2017 وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر، فكان اتفاقا منهم على أن يزوج بذلك وإن كان دون صداق مهر المثل، وزوّج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين 2018 وهو من أشراف قريش نسبًا وعلمًا ودينًا، ومن المعلوم أنهما ليسا مهر مثلها، ولأن المقصود من النكاح السكن والازدواج ووضع المرأة في منصب عند من يصونها ويحسن عشرتها دون العوض، ولا يلزم الزوج ولا الأب تتمته لصحة التسمية، وإن فعل ذلك غير الأب بأن زوجها بدون مهر مثلها بإذنها صح مع رشدها ولا اعتراض لأن الحق لها وقد أسقطته كما لو أذنت في بيع سلعتها بدون قيمتها وبدون إذنها يلزم زوجها تتمته لفساد التسمية إذن لأنها غير مأذون فيها فوجب على الزوج مهر المثل كما لو تزوجها بمحرّم، وعلى الولي ضمانه لأنه المفرط كما لو باع مالها بدون قيمته، ونَصّ الإمام أحمد يلزم الولي تتمته لأنه مفرط بعقده بدون مهر المثل 2019، كما يلزم تتمته مقدرًا من زوّج موليته بدون ما قدرته له من
الجزء: 3 - الصفحة: 372
صداق، ولا يصح كون المهر المسمى من يعتق على زوجة كان تزوجها على أبيها أو أخيها أو عمها لأنه يؤدي إلى إتلاف الصداق عليها إذ لو صحت التسمية لملكته ولو ملكته لعتق عليها إلا أن يكون بإذن زوجة رشيدة فيصح لأن الحق لها وقد رضيت، وإن زوج أب ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل صح ولزم المسمى الابن، لأن المرأة لم ترض بدونه فلا ينقص منه، وقد يكون للابن غبطة ومصلحة في بذل الزيادة على مهر المثل والأب أعلم بمصلحته في ذلك، ولا يضمنه أب مع عسرة ابن لنيابة الأب عنه في التزويج أشبه الوكيل في شراء سلعة، ولو قيل له: ابنك فقير من أين يؤخذ الصداق؟ فقال: عندي ولم يزد على ذلك لزمه المهر عنه لأنه صار ضامنا بذلك، وكذا لو ضمنه عنه غير الأب أو ضمن عنه نفقتها مدة معينة فيصح موسرا كان أو معسرا، ولو قضاه الأب عن ابنه ثم طلق الابن الزوجة ولم يدخل بها ولو قبل بلوغ فنصفه للابن دون الأب لأن الطلاق من الابن وهو سبب استحقاق الرجوع بنصف الصداق فكان لمتعاطي سببه دون غيره، وكذا لو أرتدت ونحوه فرجع كله ولا رجوع للأب فيه لأن الابن لم يملكه من قبله، وكذا لو قضاه عنه غير الأب ثم تنصف أو سقط ويأتي، ولأب قبض صداق بنت محجور عليها لصغر أو جنون أو سفه لأنه يلي مالها فكان له قبضه كثمن مبيعها، ولا يقبض أب ولا ولي غيره صداق رشيدة ولو بكرا إلا بإذنها لأنها المتصرفة في مالها فاعتبر إذنها في قبضه كثمن مبيعها.
الجزء: 3 - الصفحة: 373
تَتِمَّةٌ: -
وإن تزوج عبد بإذن سيده صح وله نكاح أمة ولو أمكنه نكاح حرة، ومتى أذن له وأطلق نكح واحدة فقط نصًّا 2020؛ لأنه المتبادر من الإطلاق ويتعلق صداق ونفقة وكسوة ومسكن بذمة سيده، سواء ضمن ذلك أو لم يضمنه وسواء كان العبد مأذونًا له في التجارة أو لا نصًّا 2021، فإن باعه سيده أو أعتقه لم يسقط الصداق عنه كأرش جناية، ويتعلق زائد على مهر مثلٍ لم يؤذن للعبد فيه أو زائد على ما سمي له برقبته كأرش جناية، وإن تزوج عبد بلا إذن سيده لم يصح النكاح فهو باطل نصًّا 2022، وكذا لو أذن في معينة أو من بلد معين أو جنس معين فخالفه لما روى جابر مرفوعًا: "أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر" رواه أحمد وغيره 2023، والعُهْرُ دليل بطلان النكاح إذ لا يكون عاهرًا مع صحته، ويجب في رقبته بوطئه في نكاح لم يأذن فيه سيده مهر المثل لأنه قيمة البضع الذي أتلف بغير حق أشبه أرش الجناية، ومن زوج عبده أمته لزم العبد مهر المثل يتبعه سيده به بعد عتقه نصًّا 2024 لأن النكاح إتلاف
الجزء: 3 - الصفحة: 374
بضع يختص به العبد فلزمه عوضه في ذمته، وإن زوج عبده حرة ثم باعه لها بثمن في الذمة من جنس المهر تقاصا إن اتحد الدينان جنسا وصفة وحلولا وتأجيلا أجلا واحدا، فإن اتحد قدرهما سقطا وإلا سقط بقدر الأقل من الأكثر، ولرب الزائد الطلب بالزائد، وينفسخ النكاح بملكها زوجها، ولو جعل السيدُ العبدَ صداقَ زوجته الحرة بطل العقد، وإن باعه لها بمهرها صح قبل دخول وبعده لأن المهر مال يصح جعله ثمنا لغير هذا العبد فصح أن يكون ثمنا له كغيره من الأموال، وينفسخ النكاح، ويرجع سيد باع العبد لزوجته الحرة في فرقة قبل دخول بنصف المهر لأن البيع إنما تم بالسيد القائم مقام الزوج فلم يتمحض سبب الفرقة من قبلها، وكذا لو طلقها العبد ونحوه قبل دخول وكانت قبضت المهر رجع عليها سيده بنصفه.
(وَتَمْلِكُهُ) -أي المهر- كاملا زوجة حرة وسيدُ أمةٍ (بعقدٍ) لحديث: "إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك" 2025 ولأن النكاح عقد يملك فيه المعوض بالعقد فملك به العوض كاملا كالبيع، وسقوط نصفه بالطلاق لا يمنع وجوب جميعه بالعقد إذ لو ارتدت سقط جميعه وإن كانت قد ملكت نصفه، ولها نماء مهر معين كعبد ودار معينة من حين عقد فكسب العبد ومنفعة الدار لها لأنه نماء ملكها ولحديث: "الخراجُ بالضَّمَانِ" 2026 ولها التصرف في المهر ببيع ونحوه لأنه ملكها، إلا نحو مكيل قبل قبضه،
الجزء: 3 - الصفحة: 375
وضمانه ونقصه إن تلف أو تعيب على الزوج إن منعها قبضه لأنه كالغاصب، وإلا فضمانه عليها كزكاته، والصداق غير المعين لم يدخل في ضمانها إلا بقبضه كمبيع ولا تملك تصرفا فيه إلا بقبضه.
= ابن ماجة 2/ 754، والحديث قال عنه الترمذي: "حسن صحيح"، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/ 670، وصحيح سنن ابن ماجة 2/ 22.
الجزء: 3 - الصفحة: 376
فَصْلٌ فى المُفَوّضَةِ
بكسر الواو وفتحها فالكسر على إضافة الفعل للمرأة على أنها فاعلة، والفتح على إضافته لوليها، والتفويضُ: الإهمال، كان المهر أهمل حيث لم يسم 2027 قال الشاعر: لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضًى لا سَرَاةَ لهم ... ولا سَرَاةَ إذَا جُهَّالُهُم سَادُوا 2028 والتفويض نوعان: - تفويض بُضْعٍ: وهو المشار إليه بقوله (ويَصِحُّ تفويضُ بُضْع بأَنْ يُزَوّجَ أبٌ ابنتَهُ المُجْبَرَة) بلا مهر (أَوْ) يزوج (وليّ غيرها) -أي غير المجبرة- وهي الثيب البالغة من أب أو أخ ونحوه (بإذْنِهَا بلا مهرٍ) لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ 2029 ولحديث ابن مسعود: "أنه سئل عن امرأة تزوجها رجل ولم يفرض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها لا وَكْس 2030 ولا شَطَط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي 2031 فقال: قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بَرْوَعَ بنت
الجزء: 3 - الصفحة: 377
واشق 2032 امرأة منا مثل ما قضيت" رواه أبو داود والترمذي وقال: "حسن صحيح" 2033، وسواء قال زوجتك بلا مهر أو زاد لا في الحال ولا في المآل لأن معناهما واحد.
والنوع الثاني: تفويض المهر، بأن يجعل المهر إلى رأي أحد الزوجين أو غيرهما (كـ) قوله: زوجتك بنتي أو أختي أو نحوهما (على ما شاءت) الزوجة أو على ما شاء الزوج (أو) على ما (شاء فلان) وهو أجنبي من الزوجين أو قريب لهما أو لأحدهما فيصح.
(ويجب لها بعقد مهر مثل) لأنها لم تأذن في تزويجها إلا على صداق لكنه مجهول فسقط لجهالته فوجب مهر المثل، فلو فوض مهر أمة ثم بيعت أو عتقت ثم فرض لها مهر المثل فهو لسيدها حال العقد، ولها مع ذلك ومع فساد تسمية كإن تزوجها على خمر = ينظر: أسد الغابة 5/ 230 - 231، والإصابة 6/ 143 - 144.
الجزء: 3 - الصفحة: 378
ونحوه طلب فرضه قبل دخول وبعده فإن امتنع أجبر عليه لأن النكاح لا يخلو من مهر، ويصح إبراؤها من المهر قبل فرضه لانعقاد سبب وجوله وهو النكاح، فإن تراضيا ولو على شيء قليل أو كثير صح إن كانا جائزي التصرف، وإن كان الزوج محجورا عليه لحظه فليس لوليه بذل أكثر من مهر مثلها، وإن كانت كذلك فليس لوليها الرضا بأقل من مهر مثلها، وإلا يتراضيا على شيء فرضه حاكم بقدر مهر مثل لأن الزيادة عليه ميل على الزوج والنقص منه 2034 ميل على الزوجة والميل حرام.
(ويستقر) مهر مثل لمفوضة (بدخول) كالمسمى، وكذا لو خلا بها ونحوه، (وإن مات أحدهما) أي الزوجين في نكاح التفويض (قبل دخول) بمفوضة (و) قبل (فرض) حاكم مهر المثل (ورثه الآخر) سواء كان الميت الزوج أو الزوجة لحديث ابن مسعود، ولأن ترك التسمية لا يقدح في صحة النكاح، (ولها) مع موت أحدهما وكذا سائر ما يقرر المهر (مهر نسائها) المساوية لها من جميع أقاربها (كأمها وعمتها وخالتها) وغيرهن كأخت وبنت أخ أو عم القربى فالقربى لقوله في حديث ابن مسعود: "ولها صداق نسائها" فإن المرأة تنكح لحسبها للأثر 2035، وحسبها يختص به أقاربها ويزداد المهر لذلك ويقل لعدمه، ويعتبر التساوي في مال وجمال وعقل وأدب وسن وبكارة أو ثيوبة وبلد وصراحة نسب وكل ما يختلف لأجله المهر؛ لأن مهر المثل بدل متلف وهذه الصفات مقصودة فيه فاعتبرت، فإن لم يكن في نسائها إلا دونها زيدت بقدر فضيلتها لأن زيادة فضيلتها تقتضي زيادة مهرها فتقدر الريادة بقدر الفضيلة، أو لم يوجد في نسائها إلا
الجزء: 3 - الصفحة: 379
فوقها نقصت بقدر نقصها كأرش عيب يقدر بقدر نقص المبيع، وتعتبر عادة نسائها في تأجيل مهر أو بعضه أو تخفيف عن عشيرتهن دون غيرهم فإن اختلفت عادتهن أخذ بوسط حال، من نقد البلد فإن تعدد فمن غالبه، وإن لم يكن لها أقارب من النساء اعتبر شبهها بنساء بلدها فإن عدمن فبأقرب النساء شبها بها من أقرب بلد إليها.
(وإن طلقت) مفوضة (قبلهما) -أي قبل دخول وفرض مهر- (لم يكن لها) -أي المفوضة- (عليه) -أي المطلق- (إلا المتعة) نصا 2036 وهو قول ابن عمر 2037 وابن عباس 2038 لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ 2039 والأمر يقتضي الوجوب وأداء الواجب من الإحسان فلا تعارض، وكل فرقة يتنصف بها المسمى توجب المتعة إذا كانت مفوضة، وكل فرقة تسقط المسمى كاختلاف دين وفسخ لرضاع من قبلها لا تجب به متعة لقيامها مقام نصف المسمى فتسقط في كل موضع يسقط فيه (وهي) -أي المتعة- (بقدر يسره وعسره)
الجزء: 3 - الصفحة: 380
نصا 2040 اعتبارا بحال الزوج لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ 2041 فأعلاها خادم إذا كان الزوج موسرا والخادم الرقيق ذكرا كان أو أنثى، وأدناها إذا كان الزوج معسرا كسوة تجزيء الزوجة في صلاتها وهي درع وخمار أو ثوب تصلي فيه بحيث يستر ما يجب ستره، ولا تسقط المتعة إن وهبته مهر المثل أي أبرأته منه قبل الفرقة لظاهر الآية، ولأنها إنما وهبته مهر المثل فلا تدخل فيه المتعة، ولا يصح إسقاطها قبل الفرقة لأنها لم تجب بعد كإسقاط الشفعة قبل البيع، وإن وهب الزوج للمفوضة شيئا ثم طلقها قبل دخول وفرض فلها المتعة نصا 2042، لأن المتعة إنما تجب بالطلاق فلا يصح قضاؤها قبله.
(ويجب مهر مثل لمن وطئت) ولو كان الوطء من مجنون بنكاح باطل إجماعا كنكاح خامسة أو معتدة، أو وطئت (بشبهة) إن لم تكن حرة عالمة مطاوعة فيهما (أو) وطئت بـ (زنا كرها) أي مكرهة إن كان الوطء في قبل لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فلها المهر بما استحل من فرجها" 2043 أي نال منه وهو الوطء لأن ذكر الاستحلال في غير موضع الحل دليل على إرادة المباشرة المقصودة منه وهي الوطء، قلت: ومن ذلك قول نساء الجاهلية الطائفات بالبيت عراة:
الجزء: 3 - الصفحة: 381
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله 2044 (لا أرش بكارة) فلا يجب (معه) أي مع المهر لأن الأرش يدخل في مهر المثل فلا يجب مرة أخرى، وسواء كانت الموطؤة أجنبية أو من ذوات محارمه لأن ما ضمن للأجنبي ضمن للقريب كالمال بخلاف اللواط فإنه غير مضمون على أحد لعدم ورود الشرع ببدله، ويتعدد مهر في وطء شبهة بتعدد شبهة كان وطئها ظانا أنها زوجته خديجة ثم وطئها ظانا أنها زوجته فاطمة ثم وطئها ظانا أنها سريته فيجب لها ثلاثة مهور، فإن اتحدت الشبهة وتعدد الوطء فمهر واحد، ويتعدد المهر بتعدد إكراه على زنا، وإن اتحد الإكراه وتعدد الوطء فمهر واحد، ويجب مهر بوطء ميتة كالحية، وقال القاضي: وطء الميتة محرم ولا مهر ولا حد 2045، ولا يجب مهر بوطء مطاوعة على زنا لأنه إتلاف بضع برضا مالكه فلم يجب له شيء كسائر المتلفات، وسواء كان الوطء في قبل أو دبر، غير أمة فيجب لسيدها مهر مثلها على زان بها ولو مطاوعة لأنها لا تملك بضعها فلا يسقط حق سيدها بطواعيتها، وغير مبعضة طاوعت على الزنا فلا يسقط حق سيدها بمطاوعتها بل له من مهرها بقدر رق، وعلى من أذهب عذرة أجنبية -بضم العين أي بكارتها- 2046 بلا وطء أرش بكارتها لأنه إتلاف جزء لم يرد الشرع بتقدير عوضه فيرجع فيه إلى أرشه كسائر المتلفات وهو ما بين مهرها بكرا وثيبا ذكره في
الجزء: 3 - الصفحة: 382
"الإقناع" وغيره 2047، ومقتضى ما يأتي في الجنايات أن أرشه حكومة 2048، وإن فعله زوج ثم طلق قبل دخول أو خلوة لم يكن عليه إلا نصف المسمى لقوله تعالى: الآية 2049 وهذه مطلقة قبل المسيس والخلوة فليس لها إلا نصف المسمى، ولأنه أتلف ما يستحق إتلافه بالعقد فلا يضمنه لغيره كما لو أتلف عذرة أمته، ولا يصح تزويج من نكاحها فاسد كالنكاح بلا ولي قبل طلاق أو فسخ لأنه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد فاحتاج إلى إيقاع فرقة كالصحيح المختلف فيه، ولأن تزويجها بلا فرقة يفضي إلى تسليط زوجين عليها كل واحد يعتقد صحة نكاحه وفساد نكاح الآخر بخلاف النكاح الباطل، فإن أبى زوج فسخه حاكم نصا 2050 لقيامه مقام الممتنع مما وجب عليه، فإن تزوجت بآخر قبل التفريق لم يصح النكاح الثاني ولم يجز تزويجها لثالث حتى يطلق الأولان أو يفسخ نكاحهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 383
فائدة: -
قال الشيخ في "الفتاوى المصرية" 2051: "وهل له أن يتزوج المعتدة منه في نكاح فاسد؟ فيه قولان لأحمد: -
أحدهما: يجوز كمذهب أبى حنيفة والشافعي.
والثاني: لا يجوز كمذهب مالك".
انتهى.
(ولها) أي الزوجة (منع نفسها) من زوج قبل دخول (حتى تقبض مهرا حالا) مسمى لها كانت أو مفوضة حكاه ابن المنذر إجماعا 2052؛ ولأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء فإذا تعذر عليها استيفاء المهر لم يمكنها استرجاع بدله بخلاف المبيع، و (لا) تمنع نفسها حتى تقبض مؤجلا (إذا حل قبل تسليم) لأنها رضيت بتأخيره، ولها زمن منع نفسها لقبض حال مهر النفقة لأن الحبس من قبله نصا 2053، ولها السفر بلا إذنه لأنه لم يثبت له عليها حق الحبس فصارت كمن لا زوج لها، وبقاء درهم منه كبقاء جميعه كسائر الديون، ومتى سافرت بلا إذنه فلا نفقة لها كلما بعد الدخول، ولو قبضت المهر الحال وسلمت نفسها ثم بان معيبا فلها منع نفسها حتى تقبض بدله لأنها إنما سلمت نفسها ظنا منها أنها قبضته فتبين عدمه، ولو أبى كل من الزوجين تسليم ما وجب عليه بأن قال الزوج لا أسلم المهر حتى أتسلمها، وقالت لا أسلم نفسي حتى أقبض حال مهري أجبر زوج أولا على تسليم صداق ثم أجبرت زوجة على تسليم نفسها لأن في
الجزء: 3 - الصفحة: 384
إجبارها على تسليم نفسها أولا خطر إتلاف البضع والامتناع من بذل الصداق ولا يمكن الرجوع في البضع، وإن بادر أحدهما ببذل ما وجب عليه أجبر الآخر لانتفاء عذره في التأخير، ولو أبت زوجة تسليم نفسها بلا عذر فله استرجاع مهر قبض، (أو تبرعت بتسليم نفسها) قبل تسليم مهر فليس لها منع نفسها منه بعد ذلك لاستقرار العوض بالتسليم برضاها، فإن وطئها مكرهة لم يسقط حقها من الامتناع بعد لحصوله بغير رضاها كالمبيع إذا أخذه المشتري من البائع كرها.
(وإن أعسر) زوج (بـ) مهر (حال) ولو بعد دخول (فلها) -أي لزوجة- حرة مكلفة (الفسخ) لتعذر الوصول إلى العوض كما لو أفلس مشتر بثمن ما لم تكن تزوجته عالمة بعسرته حين العقد لرضاها بذلك، والخيرة في الفسخ لحرة مكلفة وسيد أمة لأن الحق في المهر لهما، ولا خيرة لولي صغيرة ومجنونة لأنه لا حق له في المهر لأنه عوض منفعة البضع، ولا يصح الفسخ لذلك إلا (بـ) حكم (حاكم) لأنه فسخ مختلف فيه أشبه الفسخ للعنة والإعسار بالنفقة، ومن اعترف لامرأة أن هذا ابنه منها لزمه لها مهر مثلها لأنه الظاهر قاله في "الترغيب" 2054.
(ويقرر) المهر (المسمى كله موت) أحد الزوجين (وقتل) أحدهما الآخر أو قتل أحدهما نفسه لبلوغ النكاح لنهايته فقام ذلك مقام الاستيفاء في تقرير المهر ولأنه أوجب العدة فأوجب كمال المهر كالدخول، (ووطء) زوجة حية (في فرج ولو دبرا) أو بلا خلوة لأنه استوفى المقصود فاستقر عليه عوضه، فإن وطئها ميتة فقد تقرر
الجزء: 3 - الصفحة: 385
بالموت، (و) يقرر المهر المسمى كله (خلوة) زوج بها وإن لم يطأها روي من الخلفاء الراشدين، وزيد 2055 وابن عمر 2056، وروى أحمد والأثرم عن زرارة بن أوفى 2057 قال: "قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق بابا أو أرخى سترا فقد أوجب المهر ووجبت العدة" 2058 ورواه أيضا عن الأحنف 2059 عن عمر
الجزء: 3 - الصفحة: 386
وعلي 2060، وهذه قضايا اشتهرت ولم يخالفهم أحد في عصرهم فكان كالإجماع، وأما قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ 2061 فيحتمل أنه كنى بالسبب عن المسبب الذي هو الخلوة بدليل ما سبق (عن مميز) وبالغ مطلقا، مسلما كان أو كافرا ذكرا أو أنثى أعمى أو بصيرا عاقلا أو مجنونا إن كان الزوج (ممن يطأ مثله) كابن عشر فأكثر (مع علمه) بالزوجة (إن لم تمنعه) من وطئها وكانت ممن يوطأ مثلها كبنت تسع فأكثر، فإن كان أحدهما دون ذلك أو منعته لم يتقرر المهر لعدم التمكين التام، ولا تقبل دعواه عدم علمه بها لنحو نوم أو عمى نصا 2062 لأن العادة عدم خفاء ذلك، أو كان بهما أو بأحدهما مانع حسي كجب ورتق أو مانع شرعي كحيض وإحرام وصوم واجب فإذا خلا بها ولو في حال من هذه تقرر الصداق بالشروط السابقة، لأن الخلوة نفسها مقررة للمهر لعموم ما سبق.
(و) يقرر المهر كاملا (طلاق في مرض موت أحدهما) المخوف قبل دخول لأنه يجب عليها عدة الوفاة إذا كان هو الميت ومعاملة له بضد قصده كالفار بالطلاق من الإرث ما لم تتزوج قبل موته أو ترتد عن الإسلام لأنها لا ترثه إذن، (و) يقرره (لمس) الزوج الزوجة (أو نظر) هـ (إلى فرجها بشهوة فيهما) -أي في اللمس والنظر إلى فرجها- ولو
الجزء: 3 - الصفحة: 387
بلا خلوة فيهما نصا (1) لقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية (2)، وحقيقة المس: التقاء البشرتين (3) , (و) يقرره كاملا (تقبيلها) لأنه نوع استمتاع أشبه الوطء، لا إن تحملت بمائه بلا خلوة لأنه لا استمتاع منه بها.
ولا يثبت بخلوة أحكام الوطء من إحصان وحلها لمطلقها ثلاثا لحديث "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (4) ونحو ذلك (5).
فصل
وإن اختلف الزوجان أو ورثتهما أو أحدهما وورثة الآخر أو اختلف زوج وولي نحو صغيرة أو ولي نحو زوج صغير مع زوجة رشيدة أو مع ولي غيرها أو وارثها في قدر صداق بأن قال: تزوجتك على خمسين فقالت: بل على ثمانين، أو في عينه بأن قال: على هذا العبد، فتقول: بل على هذه الأمة، أو في صفته بأن قال: على عبد زنجي، فقالت: بل حبشي، أو في جنسه بأن قال: على فضة، فتقول: بل على ذهب، أو في ما يستقر به الصداق بأن ادعت وطئها أو خلوة فأنكر، فقول زوج20632064206520662067
الجزء: 3 - الصفحة: 388
أو وارثه أو وليه بيمينه لأنه منكر والقول قوله بيمينه 2068 لحديث: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" 2069 ولأن الأصل براءته مما يدعى عليه.
وإذا اختلفا أو ورثتهما أو وليهما أو أحدهما وولي الآخر أو وارثه في قبض صداق فقولها أو من يقوم مقامها لأن الأصل عدم القبض، أو في تسمية مهر مثل بأن20702071
الجزء: 3 - الصفحة: 389
قال: لم اسم لك مهرا، وقالت: بل سميت لي قدر مهر المثل فقولها أو وليها أو ورثتها بيمين لأنه الظاهر، وإن أنكر أن يكون لها عليه صداق فقولها قبل دخول وبعده فيما يوافق مهر مثلها سواء قال: لا تستحق علي شيئا أو وفيتها أو أبرأتني أو غير ذلك، وإن دفع إليها ألفا أو عرضا وقال: دفعته صداقا، وقالت: بل هبة فقوله بيمينه، ولها رد ما ليس من جنس صداقها وطلبه بصداقها، وإن تزوجها على صداقين سر وعلانية أخذ بالزائد مطلقا سواء كان الزائد صداق السر أو العلانية.
وتلحق بالمهر زيادة بعد عقد ما دامت في حباله فيما يقرر المهر كاملا كموت ودخول وخلوة وفيما ينصفه كطلاق وخلع لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ 2072 ولأن ما بعد العقد زمن لفرض المهر فكان حالة للزيادة كحالة العقد بخلاف البيع والإجارة فيثبت للزيادة حكم المسمى ولا يفتقر إلى شروط الهبة، وتملك الزيادة به من حينها لا من حين العقد لأن الملك لا يجوز تقدمه على سببه ولا وجوده في حال عدمه، فما زاده زوج بعد عتق زوجة لها دون سيدها، وكذا لو بيعت 2073 أمة زيد في صداقها بعد بيع فالزيادة لمشتر دون بائع.
وهدية زوج ليست من المهر نصا 2074، فما أهداه قبل عقد إن وعدوه ولم يفوا رجع بها قاله الشيخ تقي الدين 2075، فإن كان الإعراض منه أو ماتت فلا رجوع له.
الجزء: 3 - الصفحة: 390
وما قبض بسبب نكاح فكمهر فيما يقرره وينصفه ويسقطه، وما كتب فيه المهر لها ولو طلقت عملا بالعادة، وترد هدية في كل فرقة اختيارية مسقطة للمهر كفسخ لعيب ونحوه، وفي فرقة قهرية كفسخ لفقد كفاءة ونحوه قبل الدخول لدلالة الحال على أنه وهب بشرط بقاء العقد فإذا زال ملك الرجوع كالهبة بشرط الثواب، وتثبت الهدية مع أمر مقرر للمهر كوطء وخلوة أو مقرر لنصفه كطلاق ونحوه لأنه المفوت على نفسه، ومن أخذ شيئا بسبب عقد كدلال ونحوه فإن فسخ بيع بإقالة ونحوها مما يقف على تراض كشرط الخيار لهما ثم يفسخا البيع لم يرده، وإلا رده وقياسه نكاح فسخ لفقد كفاءة أو عيب فيرده آخذه لا إن فسخ لردة ورضاع ومخالعة فلا يرده.
الجزء: 3 - الصفحة: 391
فصل
(وينصفه) -أي المهر المسمى- (كل فرقة) جاءت (من قبله) -أي الزوج- (قبل دخول) كطلاقه وخلعه ولو بسؤالها، وكإسلامه إن لم تكن كتابية، وردته أو جاءت من قبل أجنبي كرضاع بأن أرضعت أخته زوجته مثلا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية 2076 ثبتت في الطلاق والباقي قياسا عليه لأنه في معناه، ويتنصف الصداق أيضا بشراء زوج لزوجته وبشرائها لزوجها الرقيق، (و) كل فرقة جاءت (من قبلها) -أي الزوجة- (قبله) 2077 [أي] 2078 الدخول كإسلامها تحت كافر وردتها وإرضاعها من ينفسخ برضاعه نكاحها كما لو أرضعت زوجة له صغرى وارتضاعها وهي صغيرة من أمه أو أخته ونحوهما وفسخها لعيبه وفسخها لإعساره بمهر أو نفقة أو غيرهما أو بعتقها تحت عبد وفسخه لعيبها وفسخه لفقد صفة شرطها فيها فكل هذه (تسقطه)، وكذا فسخها بشرط صحيح شرط عليه حالة العقد كأن تزوجها بشرط أن لا يتزوج عليها ونحوه فلم يف به فلا مهر لها ولا متعة لما تقدم، وفرقة اللعان سقطت كل المهر لأن الفسخ من قبلها لأنه إنما يحصل عند تمام لعانها، وكذا لو جعل لها الخيار بسؤالها فاختارت نفسها قبل الدخول فلا مهر لها نصا 2079 لأن الفرقة تمت بفعلها، وإن كان جعل 2080 الخيار إليها بغير سؤالها لم يسقط الصداق باختيارها نفسها
الجزء: 3 - الصفحة: 392
قبل الدخول بل يتنصف لأنها نائبة عنه ففعلها كفعله (1)
تتمة: -
قال الشيخ تقي الدين: "لو طلقها على صفة من فعلها الذي لها منه بد كدخولها دار أجنبي وفعلته قبل الدخول فلا مهر لها".
(2) وقواه ابن رجب (3).
تنبيه: -
الذي بيده عقدة النكاح في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ 2084 الزوج لا ولي الصغيرة 2085 روي ذلك208120822083
الجزء: 3 - الصفحة: 393
عن علي 2086 وابن عباس 2087 وجبير بن مطعم 2088 لحديث الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "ولي العقد الزوج" 2089؛ ولأن الذي بيده عقدة النكاح بعد العقد هو الزوج لتمكنه من قطعه وإمساكة وليس إلى الولي منه شيء ولقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ 2090 والعفو الذي هو أقرب للتقوى هو عفو الزوج عن حقه وأما عفو الولي عن مال المرأة فليس هو أقرب للتقوى، ولأن المهر مال للزوجة فليس للولي هبته ولا إسقاطه كغيره من أموالها وحقوقها، ولا يمنعه العدول عن خطاب الغائب كقوله = الروايتين والوجهين 2/ 124 - 125، والمغني 10/ 160، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف 21/ 201، وشرح الزركشي 5/ 320، والمبدع 7/ 157. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأب هو الذي بيده عقدة النكاح.
ينظر: الاختيارات ص 408.
الجزء: 3 - الصفحة: 394
تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ 2091 فإذا طلق زوج قبل دخول فأيهما عفا لصاحبه عما وجب له بالطلاق من نصف مهر عينا كان أو دينا وهو جائز التصرف برئ منه صاحبه للآية السابقة ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ 2092 ومتى أسقطت المهر عن الزوج ثم طلقت قبل دخول أو ارتدت رجع عليها في الأولى ببدل نصف الصداق وفي الثانية ببدل جميعه لأن عود نصف الصداق أو كله إلى الزوج بالطلاق أو الردة وهما غير الجهة المستحق بها الصداق أولا فأشبه ما لو أبرأ إنسانا من دين ثم ثبت له عليه مثله من وجه آخر، ولو وهبته نصف المهر ثم تنصف بطلاق ونحوه [فله] 2093 كله لوجوبه له بالطلاق كما لو وهبته غيره، ولو تبرع شخص بأداء مهر عن زوج ثم تنصف بنحو طلاق أو سقط بنحو ردة قبل دخول فالراجع من نصف الصداق أو كله للزوج، ومثله أداء ثمن عن مشتر تبرعا ثم يفسخ البيع لعيب أو تقايل ونحوه فالراجع من ثمن لمشتر لما تقدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 395
(فصل) في الوليمة
وما يتعلق بها، وهى اسم لطعام العرس خاصة لاجتماع الرجل والمرأة كما قال الأزهري: " [سمي] 2094 طعام العرس وليمة لاجتماع الرجل والمرأة".
انتهى 2095، قال ابن الأعرابي 2096: "يقال أولم الرجل إذا اجتمع عقله وخلقه" 2097.
وأصل الوليمة: تمام الشيء واجتماعه، ويقال للقيد: ولم؛ لأنه يجمع إحدى الرجلين إلى الأخرى 2098 وحذاق: اسم لطعام عند حذاق صبي ويوم حذاقه يوم ختمه القرآن قاله في "القاموس" 2099، وعذيرة وإعذار: اسم لطعام ختان 2100، وخرسة وخرس -بضم المعجمة وسكون الراء-: اسم لطعام ولادة 2101 ووكيرة: اسم لدعوة بناء 2102 قال
الجزء: 3 - الصفحة: 396
النووي 2103: "أي مسكن متجدد" انتهى 2104، من الوكر وهو المأوى، ونقيعة: اسم لطعام لقدوم غائب 2105 وعقيقة: اسم لذبح لمولود 2106، ومأدبة -بضم الدال-: اسم لكل دعوة لسبب وغيره 2107 ووضيمة: اسم لطعام مأتم -بالمثناة فوق- وأصله اجتماع الرجال والنساء 2108 وتحفة: اسم لطعام قادم 2109، فالتحفة من القادم والنقيعة له، وشندخية: اسم لطعام إملاك على زوجة، ومشداخ اسم لطعام مأكول في ختمة القارئ 2110 ولم يخصوا الدعوة لإخاء وتسر باسم بل المأدبة تشملهما، وقيل تطلق الوليمة على كل طعام لسرور حادث لكن استعمالها في طعام العرس
الجزء: 3 - الصفحة: 397
أكثر، وتسمى الدعوة العامة: الجفلى 2111 -بفتح الفاء- والقصر، والخاصة: النقرى 2112 -بالتحريك- قال الشاعر:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر 2113
أي يخص قوما دون آخرين، والآدب بالمد صاحب المأدبة.
(وتسن الوليمة) بتأكد (للعرس) لأنه عليه السلام فعلها وأمر بها فقال لعبد الرحمن بن عوف حين قال تزوجت: "أولم ولو بشاة" 2114 وقال أنس: "ما أولم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على امرأة من نسائه ما أولم على زينب جعل يبعثني فأدعو له الناس فأطعمهم لحما وخبزا حتى شبعوا" متفق عليه 2115، قال ابن الجوزي: "تستحب بعقد" 2116، وقدمه
الجزء: 3 - الصفحة: 398
في "تجريد العناية" 2117، وقال الشيخ تقي الدين: "تستحب بالدخول" 2118، وفي "الإنصاف" 2119 قلت: "الأولى أن يقال وقت الاستحباب موسع من عقد النكاح إلى انتهاء أيام العرس لصحة الأخبار في هذا، وهذا وكمال السرور بعد الدخول لكن قد جرت العادة بفعل ذلك قبل الدخول بيسير" انتهى، (ولو بشاة فأقل) قال جمع: ويستحب أن لا تنقص عن شاة لحديث عبد الرحمن بن عوف، وكانت وليمته -صلى اللَّه عليه وسلم- على صفية حيسا كما في خبر أنس المتفق عليه 2120، والحيس: تمر يخلط بسمن وأقط 2121 قال الراجز:
التمر والسمن معا ثم الأقط ... الحيس إلا أنه لم يختلط 2122
وإن نكح أكثر من واحدة في عقد أو عقود أجزأته وليمة واحدة إن نواها للكل.
(وتجب الإجابة) على من عينه (إليها) -أي إلى وليمة العرس- أول مرة بأن يدعوه
الجزء: 3 - الصفحة: 399
في اليوم الأول لحديث أبي هريرة مرفوعا: "شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لا يجب فقد عصى اللَّه ورسوله" رواه مسلم 2123، فإن كان المدعو مريضا أو ممرضا أو مشغولا بحفظ مال أو في شدة حر أو برد أو مطر يبل الثياب أو وحل أو كان أجيرا لم يأذنه مستأجره لم تلزمه الإجابة ولو كان الداعي له عبدا بإذن سيده أو مكاتبا لم تضر بكسبه (بشرطه) بأن يكون الداعي مسلما يحرم هجره ومكسبه طيب.
وتسن الإجابة لمن عينه داع للوليمة في ثاني مرة كأن دعي في اليوم الثاني، (وتسن) الإجابة (لكل دعوة مباحة) لحديث البراء 2124 مرفوعا: "أمر بإجابة الداعي" متفق عليه 2125، وأدنى أحوال الأمر الاستحباب ولما فيها من جبر قلب الداعي وتطييب خاطره، ودعي أحمد إلى ختان فأجاب وأكل 2126، غير مأتم فتكره إجابة
الجزء: 3 - الصفحة: 400
دعائه، (وتكره) الإجابة (لمن في ماله) شيء (حرام كـ) كراهة (أكل منه ومعاملته وقبول هديته و) قبول (هبته) كقبول صدقته قل الحرام أو كثر، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته فإن لم يعينه بالدعوة بل دعى الجفلى كقوله: أيها الناس تعالوا إلى الطعام، وكقول رسول رب الوليمة: أمرت أن أدعو كل من لقيت كرهت إجابته، أو دعاه في المرة الثالثة بأن دعاه في اليوم الثالث لحديث: "الوليمة أول يوم حق والثاني معروف والثالث رياء وسمعة" رواه أبو داود وغيره 2127، أو دعاه ذمي كرهت إجابته لأن المطلوب إذلاله، ولأن اختلاط طعامه بالحرام والنجس غير مأمون، وكذا من لا يحرم هجره كمبتدع ومتجاهر بمعصيته.
(ويسن) لمن حضر طعاما دعي إليه (الأكل) منه ولو كان صائما تطوعا لما روي أنه عليه السلام كان في دعوة وكان معه جماعة فاعتزل رجل من القوم ناحية فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دعاكم أخوكم وتكلف لكم، كل يوما ثم صم يوما مكانه إن شئت" 2128؛ ولما فيه من إدخال السرور على أخيه المسلم، ولا يأكل إن كان صومه واجبا لأنه يحرم
الجزء: 3 - الصفحة: 401
قطعه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ 2129، ولأبي هريرة مرفوعا: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما فليدع وإن كان مفطرا فليطعم" رواه أبو داود، وفي رواية: "فليصل" 2130 يعني يدعو، وروى أبو حفص بإسناده عن عثمان بن عفان أنه أجاب عبد المغيرة وهو صائم فقال: "إني صائم ولكن أحببت أن أجيب الداعي فأدعو بالبركة" 2131 ويسن الإخبار بصومه لذلك 2132، ولفعل ابن عمر 2133؛ ليعلم عذره، وإن أحب دعى وانصرف لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء أكل وإن شاء
الجزء: 3 - الصفحة: 402
ترك" 2134 قال في "الشرح" 2135: "حديث صحيح".
فإن دعاه أكثر من واحد في وقت واحد أجاب الأسبق قولا، فإن لم يكن سبق فالأدين لأنه الأكرم عند اللَّه، فالأقرب رحما فالأقرب جوارا، لحديث أبي داود مرفوعا: "إذا اجتمع داعيان أجب أقربهما بابا فإن أقربهما بابا أقربهما جوارا" 2136؛ ولأنه من باب البر فقدم من هذه المعاني، ثم إن استووا في ذلك أقرع فيقدم من خرجت له القرعة، وإن علم أن في الدعوة منكرا كخمر وزمر وآلة لهو، وأمكنه الإنكار حضر وأنكر لأدائه بذلك فرضين إجابة أخيه المسلم وإزالة المنكر، وإلا يمكنه الإنكار لم يجب ويحرم عليه الحضور لحديث ابن عمر: "سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يقعد عند مائدة يدار عليها الخمر" رواه أحمد وغيره 2137 ولأنه يكون قاصدا لرؤية المنكر أو سماعه بلا
الجزء: 3 - الصفحة: 403
حاجة، ولو حضر بلا علم بالمنكر فشاهده أزاله وجوبا للخبر وجلس، فإن لم يقدر على إزالته انصرف لئلا يكون قاصدا لرؤيته أو سماعه، وروى نافع قال: "كنت أسير مع عبد اللَّه بن عمر فسمع زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه ثم عدل عن الطريق فلم يزل يقول: يا نافع! أتسمع، حتى قلت: لا، فأخرج أصبعيه من أذنيه، ثم رجع إلى الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صنع" رواه أبو داود 2138 = ومن حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أخرجه أبو داود، باب ما جاء في الجلواس على مائدة عليها بعض ما يكره، كتاب الأطعمة برقم (3774) سنن أبي داود 3/ 349، والبيهقي في السنن الكبرى -الموضع السابق-.
ومن حديث جابر -رضي اللَّه عنه- أخرجه الترمذي، باب ما جاء في دخول الحمام، كتاب الأدب برقم (2801) الجامع الصحيح 5/ 104، وأحمد برقم (14241) المسند 4/ 296، والدارمي، باب النهي عن القعود على مائدة يدار عليها الخمر، كتاب الأشربة برقم (2092) سنن الدارمي 2/ 153، والحاكم، باب لا تجلسوا على مائدة يدار عليها الخمر: كتاب الأدب، المستدرك 4/ 288. والحديث حسنه الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي -من حديث جابر-، وصححه الألباني في الإرواء 7/ 6 - 7 من حديث عمر وجابر.
وأما حديث ابن عمر فقال عنه أبو داود: "هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزهري، وهو منكر".
الجزء: 3 - الصفحة: 404
والخلال 2139، وخرج أحمد من وليمة فيها آنية فضة فقال الداعي: نحولها فأبى أن يرجع نقله حنبل 2140، وإن علم بالمنكر ولم يره ولم يسمعه أبيح له الجلوس والأكل نصا 2141 لأنه لا يلزمه الإنكار إذن، وله الانصراف فيخير، وإن شاهد ستورا معلقة فيها صور حيوان كره جلوسه ما دامت معلقة، قال في "الإنصاف" 2142: "المذهب لا يحرم".
انتهى؛ لأنه عليه السلام دخل الكعبة فرأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام فقال: "قاتلهم اللَّه لقد علموا أنهما ما استقسما بها"، رواه أبو داود 2143، ولا يكره جلوسه إن كانت الصور مبسوطة على الأرض أو كانت على
الجزء: 3 - الصفحة: 405
وسادة، لحديث عائشة قالت: "قدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من سفر وقد سترت له سهوة بنمط فيه تصاوير فلما رآه قال: أتسترين الجدر بستر فيه تصاوير! فهتكه قالت: فجعلت منه منبذتين كأني أنظر إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- متكئا على إحديهما" رواه ابن عبد البر 2144 والسهوة الصفة أو المخدع بين بيتين أو شبه الرف والطاق يوضع فيه الشيء أو بيت صغير شبه الخزانة الصغيرة، أو أربعة أعواد أو ثلاثة يعرض بعضها على بعض ثم يوضع عليه شيء من الأمتعة قاله في "القاموس" 2145، والمنبذتان: تثنية منبذة كمكنسة وهي الوسادة 2146 ولأنها إذا كانت مبسوطة تداس وتمتهن فلم تكن معزوزة معظمة فلا تشبه الأصنام التي تعبد، ومتى قطع من الصورة الرأس أو ما لا يبقى بعد ذهابه حياة فلا كراهة، وكذا لو صورت ابتداء بلا رأس.
وكره ستر حيطان بستور لا صور فيها أو فيها صور غير حيوان كشجر بلا ضرورة من حر أو برد، وهو عذر في ترك الإجابة، لفعل أبي أيوب 2147 -رضي اللَّه عنه-، ويحرم = ذكر ما يستحب للمرء أن لا يدخل بيتا فيه صورة.
. .، كتاب الحظر والإباحة برقم (5861) الإحسان 13/ 171 - 172، والحاكم، باب ذكر إبراهيم الخليل، كتاب التاريخ، المستدرك 2/ 550.
الجزء: 3 - الصفحة: 406
سترها بحرير وتعليقه وجلوس مع ستر الحيطان بالحرير لما فيه من الإقرار على المنكر.
(وإباحته) -أي الأكل- من الوليمة (تتوقف على صريح إذن) من رب الطعام (أو قرينة) تدل على إذن (مطلقا) كتقديم طعام ودعاء إليه ولو كان أكله من بيت قريبه أو صديقه لحديث ابن عمر مرفوعا: "من دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا" رواه أبو داود 2148؛ ولأنه مال غيره فلا يباح أكله بغير إذنه، قال في "الفروع" 2149: "وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره يجوز واختاره شيخنا وهو أظهر".
والدعاء إلى الوليمة أو تقديم الطعام إذن في الأكل، لحديث أبي هريرة: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فذلك إذن"، رواه أحمد وأبو داود 2150، وقال ابن مسعود: "إذا دعيت فقد أذن لك" رواه أحمد 2151، ولا يملك الطعام من قدم إليه بل يملكه بالأكل على ملك صاحبه لأنه إنما أباحه الأكل فلا يملك التصرف فيه بغير = الهيثمي في مجمع الزوائد 4/ 54 - 55 وقال: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح".اهـ.
الجزء: 3 - الصفحة: 407
إذنه، قال في "الفروع" 2152: "ويحرم أخذ طعام، فإن علم بقرينة رضى مالكه ففي الترغيب يكره ويتوجه يباح وأنه يكره مع ظنه رضاه".
(والصائم فرضا يدعو) لصاحب الوليمة إذا حضرها كما تقدم ولا يأكل، (و) الصائم (نفلا يسن أكله) منها (مع جبر خاطر) أخيه المسلم بذلك كما تقدم 2153.
وتسن التسمية جهرا على أكل وشرب لحديث عائشة مرفوعا: "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم اللَّه فإن نسي أن يذكر اسم اللَّه في أوله فليقل بسم اللَّه أوله وآخره" 2154 وقيس عليه الشرب.
ويسن حمد اللَّه إذا فرغ من أكله أو شربه لحديث: "إن اللَّه ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة ويشرب الشربة فيحمده عليها" رواه مسلم 2155، وعن معاذ بن أنس الجهني 2156
الجزء: 3 - الصفحة: 408
مرفوعا: "من أكل طعاما فقال الحمد للَّه الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه ابن ماجة 2157، ويسن أكله مما يليه لحديث عمر بن أبي سلمة قال: "كنت يتيما في حجر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: يا غلام سم اللَّه وكل بيمينك وكل مما يليك" متفق عليه 2158، ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله" 2159، ويكره أكله مما يلي غيره إن لم يكن أنواعا أو فاكهة.
ويسن أكله بثلاث أصابع ولا يمسح يديه حتى يلعقها لم روى الخلال عن كعب بن مالك 2160 قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يأكل بثلاث أصابع ولا يمسح يديه حتى = ينظر: أسد الغابة 5/ 193، والإصابة 6/ 107.
الجزء: 3 - الصفحة: 409
يلعقها" 2161، ولم يصحح أحمد أكله -صلى اللَّه عليه وسلم- بكفه كلها 2162.
ويسن تخليل ما علق بأسنانه من طعام قال في "المستوعب" 2163: "روي عن ابن عمر: "ترك الخلال يوهن الأسنان".
2164 وذكره بعضهم مرفوعا، وروي: "تخللوا = ينظر: أسد الغابة 4/ 487 والإصابة 5/ 456.
الجزء: 3 - الصفحة: 410
من الطعام فإنه ليس شيء أشد على الملك الذي على العبد أن يجد من أحدكم ريح الطعام" 2165، ويلقي ما أخرجه الخلال ولا يبتلعه للخبر 2166. ويسن مسح الصحفة وأكل ما تناثر من الطعام، ويسن غض بصره عن جليسه لئلا يستحي، ويسن إيثاره على نفسه لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية 2167 قال أحمد: "يأكل بالسرور مع الإخوان، وبالإيثار مع الفقراء، وبالمروءة مع أبناء الدنيا" 2168، زاد في "الرعاية الكبرى": والآداب، ومع العلماء بالتعلم 2169. وسن شربه ثلاثا مصا لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا فإن الكباد من العب" 2170 والكباد -بضم الكاف وبالباء الموحدة- قيل وجع الكبد، وعكسه اللبن
الجزء: 3 - الصفحة: 411
فيعبه عبا لأنه طعام، ويسن غسل يديه إذا أراد الأكل قبل طعام -وإن كان على وضوء- متقدما به رب الطعام إن كان وغسل يديه بعده متأخرا به ربه عن الضيف إن كان لحديث: "من أحب أن يكثر خير بيته فليتوضأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع" رواه ابن ماجة 2171، ولأبي بكر 2172 عن الحسن مرفوعا: "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم" 2173 يعني بالوضوء: غسل اليدين، ويكره الغسل بطعام، ولا بأس بنخالة وغسله في الإناء الذي أكل فيه نصا 2174، وكره تنفسه في الإناء، ورد شيء من فيه إليه لأنه يقذره، ولا يمسح يده بالخبز ولا يستبذله، وكره نفخ الطعام ليبرده وكذا الشراب، وفي "المستوعب" 2175: "النفخ في الطعام والشراب والكتاب منهي عنه".
وكره أكل الطعام حارا، وفي "الإنصاف" 2176: "قلت عند عدم الحاجة".
انتهى؛ لأنه لا بركة فيه، وكره أكله من أعلى الصحفة أو وسطها لحديث ابن عباس مرفوعا: ، "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل
الجزء: 3 - الصفحة: 412
من أعلاها" وفي لفظ آخر: "كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها" رواهما ابن ماجة 2177، وكره لحاضر مائدة فعل ما يستقذره من غيره كتمخط وكذا الكلام بما يضحكهم أو يحزنهم قاله الشيخ عبد القادر 2178 وكره لرب طعام مدح طعامه وتقويمه لأنه يشبه المن به، وكره عيب الطعام للخبر 2179، وكره قرانه في تمر مطلقا، سواء كان
الجزء: 3 - الصفحة: 413
ثم شريك لم يأذن أو لا؛ لما فيه من الشره، وكره أن يفجأ قوما حين وضع طعامهم تعمدا نصا، فإن لم يتعمده أكل نصا 2180، وكره أكل بشماله بلا ضرورة لأنه تشبه بالشيطان وذكره النووي في الشرب إجماعا 2181، ويكره ترك التسمية، وكره أكله كثيرا بحيث يؤذيه فإن لم يؤذه جاز، وكره الشيخ تقي الدين أكله حتى يتخم وحرمه أيضًا 2182، وحرم الإسراف وهو مجاوزة الحد، وكره أكله قليلا بحيث يضره، وكره شربه من فم السقاء واختناث الأسقية نصا 2183 أي قلبها إلى خارج ليشرب منه فإن كسره إلى داخل فقد قبعه 2184، وكره الشرب من ثلمة الإناء، وإذا شرب ناوله الأيمن، وكذا في غسل يده قاله في "الترغيب" 2185، وقال ابن أبي = (5409) صحيح البخاري 7/ 64، ومسلم، في باب لا يعيب الطعام، من كتاب الأشربة برقم (2064) صحيح مسلم 3/ 1632.
الجزء: 3 - الصفحة: 414
المجد 2186: "وكذا في رش الماء ورد" 2187، قال الشيخ منصور: "قلت وكذا البخور ونحوه" 2188، قلت: كقهوة البن.
وكره شرب في أثناء طعام بلا عادة لأنه مضر، ولا يكره شربه قائما نصا 2189، وعنه بلى، وظاهر كلامهم لا يكره أكله قائما قال في "الفروع" 2190: "ويتوجه كشرب قاله شيخنا".
انتهى، وكره أحمد الخبز الكبار وقال: "ليس فيه بركة" 2191، وذكر معمر 2192 أن أبا أسامة 2193 قدم لهم طعاما فكسر الخبز، قال
الجزء: 3 - الصفحة: 415
أحمد: "لئلا يعرفوا كم يأكلون" 2194، ويجوز قطع اللحم بالسكين والنهي عنه لا يصح.
وكره نثار 2195 والتقاطه في عرس وغيره؛ لما فيه من النهبة والتزاحم وهو يورث الخصام والحقد ولحديث زيد بن خالد 2196: "أنه سمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ينهى عن النهبة والخلسة" رواه أحمد 2197، ومن حصل في حجره منه شيء أخذه له مطلقا سواء قصد تملكه بذلك أو لا؛ لقصد مالكه تمليكه لمن حصل في حيزه وقد حازه من حصل في حجره.
وتباح المناهدة 2198 -وهو أن يخرج كل واحد من رفقة شيئا من النفقة- وإن لم يتساووا ويدفعونه إلى من ينفق عليهم منه ويأكلون جميعا، فلو أكل بعضهم أكثر من رفيقه، أو تصدق منه فلا بأس، ولم يزل الناس يفعلونه نصا 2199، قال في
الجزء: 3 - الصفحة: 416
"الفروع" 2200: "وما جرت العادة به كإطعام سائل وسنور وتلقيم وتقديم يحتمل كلامهم وجهين قال: وجوازه أظهر".
انتهى، قال الشيخ منصور -رحمه اللَّه تعالى-: "لكن الأدب والأولى الكف عنه لما فيه من إساءة الأدب على صاحبه والإقدام على طعامه ببعض التصرف من غير إذن صريح".
انتهى 2201.
(وسن إعلان نكاح، و) سن (ضرب بدف مبدح) وهو ما لا حلق فيه ولا صنوج 2202، (فيه) -أي النكاح- لحديث: "أعلنوا النكاح" 2203 وفي لفظ: "أظهروا النكاح" 2204، وكان يحب أن يضرب عليه بالدف 2205 وفي لفظ: "واضربوا عليه بالغربال" رواه
الجزء: 3 - الصفحة: 417
ابن ماجة 2206، وظاهره سواء كان الضارب رجلا أو امرأة وهو ظاهر نصوصه وكلام الأصحاب 2207، وقال الموفق: "ضرب الدف مخصوص بالنساء" 2208، وقال أحمد: "لا بأس بالغزل في العرس لقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للأنصار: "أتيناكم أتيناكم، فحيونا نحييكم، لولا الذهب الأحمر، لما حلت بواديكم، ولولا الحبة السوداء، لما سرت عذاريكم" 2209 لا على ما يصنع الناس اليوم" 2210، ومن غير هذا الوجه: "لولا الحنطة الحمراء ما سرت عذاريكم" 2211 وتحرم كل ملهاة سوى الدف كمزمار وطنبور ورباب وجنك، (و) يسن ضرب بدف مباح (في ختان ونحوه) كقدوم غائب وإملاك وولادة قياسا على النكاح.
= الدف، كتاب النكاح برقم (3369) المجتبى 6/ 127، وابن ماجة، باب إعلان النكاح، كتاب النكاح برقم (1896) سنن ابن ماجة 1/ 611، وأحمد برقم (15025) المسند 4/ 429، والحديث حسنه الترمذي، وكذا الألباني في الإرواء 7/ 50.
الجزء: 3 - الصفحة: 418
(فصل) في عشرة النساء
- بكسر العين- أصلها الاجتماع، ويقال لكل جماعة: عشرة ومعشر 2212، وهي هنا، ما يكون بين الزوجين من الألفة والانضمام.
(ويلزم كلا من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف، وألا يمطله بما يلزمه) من حقه (ولا يتكره لبذله) أي ما يلزمه من حق الآخر لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 2213 وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 2214 قال ابن زيد 2215: "تتقون اللَّه فيهن كما عليهن أن يتقين اللَّه فيكم" 2216 وقال ابن عباس: "إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 2217. ويستحب لكل منهما تحسين الخلق لصاحبه، والرفق به، واحتمال أذاه، وفي الحديث: "استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة اللَّه،
الجزء: 3 - الصفحة: 419
واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه" رواه مسلم 2218. وحق الزوج أعظم من حقها عليه لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ 2219 وحديث: "لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل اللَّه لهم عليهن من الحق" رواه أبو داود 2220، وينبغي إمساكه لها مع كراهتها لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ 2221 قال ابن الجوزي وغيره: قال ابن عباس: "ربما رزق منها ولدا فجعل اللَّه فيه
الجزء: 3 - الصفحة: 420
خيرا كثيرا" 2222.
(ويجب بعقد تسليم) زوجة (حرة) -وتأتي الأمة- (يوطأ مثلها)، ونص الإمام أحمد أن التي يجب تسليمها بنت تسع قال: "فإن أتى عليها تسع سنين دفعت إليه ليس لهم أن يحبسوها بعد التسع" 2223 وذهب في ذلك إلى أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين" 2224 فيلزم تسليمها ولو كانت نضوة الخلقة -أي مهزولة الجسم- ويستمتع بمن يخشى عليها بما دون الفرج، ويقبل قول امرأة ثقة في ضيق فرجها وعبالة 2225 ذكره ونحوهما كقروح بفرج كسائر عيوب النساء تحت الثياب، وللثقة أن تنظرهما للحاجة وقت اجتماعهما لتشهد بما تشاهده.
فيجب تسليم من يوطأ مثلها (في بيت زوج إن طلبها) كما يجب تسليمه الصداق إن طلبته، (ولم تكن شرطت دارها)، فإن شرطتها فلها الفسخ إذا نقلها عنها، للزوم الشرط وتقدم 2226، ويلزم الزوج تسلمها إن بذلته فتلزمه النفقة لتسلمها أو لا، ولا يلزم زوجة أو وليها ابتداء تسليم محرمة بحج أو عمرة أو مريضة لا يمكن استمتاع بها وصغيرة وحائض، ولو قال: لا أطأ لأن هذه الأعذار تمنع الاستمتاع بها، ويرجى زوالها أشبه
الجزء: 3 - الصفحة: 421
ما لو طلب تسليمها في نهار رمضان، ولو بذلت نفسها وهي كذلك لزمه تسلم ما عدا الصغيرة، ومتى امتنعت الزوجة من تسليم نفسها قبل مرض ثم حدث المرض فلا نفقة لها ولو بذلت نفسها عقوبة لها، ولو أنكر من ادعت زوجته أن وطءه يؤذيها فعليها البينة؛ لأن الأصل عدم ذلك أشبه سائر الدعاوي.
(ومن استمهل) من الزوجين (أمهل اليومين والثلاثة) طلبا لليسر والسهولة، ويرجع في ذلك للعرف لأنه لا تقدير فيه، و (لا) يمهل من طلب المهلة منهما (لعمل جهاز) -بفتح الجيم وكسرها- وفي "الغنية" 2227: "إن استمهلت هي أو أهلها استحب له إجابتهم ما يعلم به التهيؤ من شراء جهاز وتزين".
2228
(و) يجب بعقد (تسليم) زوجة (أمة ليلا فقط) نصا 2229، وللسيد استخدامها نهارا لأن السيد يملك من أمته منفعتين الاستخدام والاستمتاع فإذا عقد على أحدهما لم يلزمه تسليمها إلا في زمن استيفائها كما لو آجرها للخدمة لم يلزمه تسليمها إلا زمنها وهو النهار، فلو شرط تسليمها نهارا وجب، لحديث: "المؤمنون عند شروطهم" 2230 أو بذله سيد وجب أيضا، لأن الزوجية تقتضظي وجوب التسليم مع البذل ليلا ونهارا، وإنما منع منه في الأمة نهارا لحق السيد فإذا بذله فقد ترك حقه فعاد إلى الأصل.
الجزء: 3 - الصفحة: 422
(ولزوج استمتاع بزوجة) من أي جهة شاء ولو من جهة العجيزة 2231 في قبل لاختصاص التحريم بالدبر دون ما سواه (كل وقت) فلا يكره الوطء في يوم من الأيام ولا ليلة من الليالي، وكذا الخياطة وسائر الصناعات (ما لم يضرها) استمتاعه بها، (أو يشغلها عن فرض) ولو على تنور أو ظهر قتب 2232 ونحوه كما رواه أحمد وغيره 2233، وظاهره أنه لا
الجزء: 3 - الصفحة: 423
يقدر بشيء سوى ذلك، ولو زادا عليها وتنازعا 2234، ولزوج السفر بلا إذنها حيث شاء ولو عبدا مع سيده وبدونه بخلاف سفرها بلا إذنه لأنه لا ولاية لها عليه، (و) له (السفر بحرة ما لم تكن شرطت بلدها) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه كانوا يسافرون بنسائهم، فإن شرطت بلدها فلها شرطها لحديث: "إن أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج" 2235، فإن كانت أمة فليس له السفر بها بلا إذن سيدها لما فيه من تفويت منفعتها نهارا على سيدها، ولا لسيد سفر بها بلا إذن الزوج لما فيه من تفويت استمتاع زوجها بها ليلا، ويحرم وطء في حيض إجماعا 2236؛ لقوله تعالى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ الآية 2237 ونفاس مثله وتقدم حكم استحاضة.
ويحرم وطء في دبر لحديث: "إن اللَّه لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن" وحديث: "لا ينظر اللَّه إلى رجل جامع امرأته في دبرها" رواهما ابن ماجة 2238، وأما
الجزء: 3 - الصفحة: 424
قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ 2239 فعن جابر قال: "كان اليهود يقولون: إذا جامع الرجل امرأته في فرجها من ورائها جاء الولد أحول فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ من بين يديها ومن خلفها غير أن لا يأتيها إلا في المأتى" متفق عليه 2240، ويعزر عليه عالم بتحريمه، وإن تطاوعا على الوطء في الدبر فرق بينهما، وإن أكرهها عليه نهي عنه فإن أبي فرق بينهما.
= (21347) المسند 6/ 279، والبيهقي، باب إتيان النساء في أدبارهن، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 196 - 197، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 1/ 324، وفي الإرواء 7/ 65. والثاني: من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أخرجه ابن ماجة، في الموضع السابق برقم (1923) سنن ابن ماجة 1/ 619، وأبو داود بنحوه، باب في جامع النكاح، كتاب النكاح برقم (2162) سنن أبي داود 2/ 249، والبيهقي في السنن الكبرى الموضع السابق 7/ 198، وأخرجه من حديث ابن عباس الترمذي، باب ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن، كتاب الرضاع برقم (1165) الجامع الصحيح 3/ 469، وحديث أبي هريرة صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 1/ 324، وحديث ابن عباس حسنه الترمذي، وكذا الألباني في المشكاة 2/ 953.
الجزء: 3 - الصفحة: 425
ويحرم عزل عن زوجة حرة بلا إذنها وأمة بلا إذن سيدها نصًّا 2241؛ لحديث ابن عمر: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها" رواه أحمد وابن ماجة 2242، ولأن لها حقا في الولد وعليها ضرر في العزل، وقيس عليه سيد الأمة إلا بدار حرب فيسن عزله مطلقا حرة كانت الزوجة أو أمة أو سرية له خشية استرقاق العدو ولدها وهذا إن جاز ابتداء النكاح وإلا وجب العزل كما تقدم.
وللزوجة تقبيل الزوج ولمسه بشهوة ولو كان نائمًا لا استدخال ذكره بلا إذنه نائما كان أولا.
(وَلَهُ) -أي الزوج- (إِجْبَارُهَا) -أي الزوجة- (على غُسْلِ حَيْضٍ) ونفاس (وجَنَابةٍ ونَجَاسَةٍ) إن كانت مكلفة قال الشيخ منصور: "وظاهره ولو ذمية خلافًا للإقناع" 2243، واجتناب المحرمات وكذا إزالة وسخ ودرن، ويستوي في ذلك المسلمة والذمية لاستوائهما في حصول النفرة ممن ذلك حالها، (و) له إجبارها بـ (أخذ مَا تَعَافُهُ النَّفسُ مِنْ شَعْر) عانة (وغيرِهِ) كظفر، وفي منعها من أكل ما له رائحة كريهة كثوم وبصل وجهان: -
أحدهما: له المنع لأنه يمنع القبلة وكمال الاستمتاع بها.
الجزء: 3 - الصفحة: 426
والثاني: ليس له ذلك لأنه لا يمنع الوطء، وجزم بالأول في "المُنَوِّر" 2244 وصحَّحه في "النَّظْمِ" 2245 و"تصحيح المحرر" 2246 وقدمه ابن رزين 2247 في شرحه وهو معنى ما في "الإقناع" 2248، ولا يملك إجبارها بعجن أو خبز أو طبخ ونحوها ككنس دار وملء ماء من بئر وطحن، وأوجب الشيخ تقي الدين المعروف من مثلها لمثله 2249، وله منع زوجة ذمية
الجزء: 3 - الصفحة: 427
دخول بيعة وكنيسة وشرب ما يسكرها من خمر أو نبيذ لاتفاق الأديان على تحريمه لا ما دونه لاعتقادها حله، ولا تكره ذمية على إفساد صومها أو صلاتها بوطء أو غيره لأنه يضر بها، ولا على إفساد سَبْتِهَا لبقاء تحريمه عليهم.
(وَيَلْزَمُهُ) -أي الزوج- (الوَطءُ) لزوجة مسلمة كانت أو ذمية حرة أو أمة بطلبها (في كُلِّ أربعةِ أَشهرٍ مرةً إِنْ قَدِرَ) على الوطء نصًّا 2250؛ لأنه تعالى قدره بأربعة أشهر في حق المولي فكذا في حق غيره؛ لأن اليمين لا توجب ما حلف عليه فدل أن الوطء واجب بدونها.
(و) يلزمه (مَبِيْتٍ) في المضجع (بطلبٍ عِنْدَ) زوجة (حُرَّةٍ ليلةً مِنْ كلّ أربع) ليال إن لم يكن له عذر، لقوله عليه السلام لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص: "يا عبد اللَّه ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: بلى يا رسول اللَّه.
قال: فلا تفعل، صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا" متفق عليه 2251، فأخبر أن للمرأة على زوجها حقًا، وروى الشعبي: "أن كعب بن سُوْرٍ 2252 كان جالسا عند
الجزء: 3 - الصفحة: 428
عمر بن الخطاب فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي واللَّه إنه ليبيت ليله قائما ويظل نهاره صائمًا.
فاستغفر لها وأثنى عليها، وأستحيت المرأة وقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها.
فقال لكعب: اقض بينهما فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم.
قال: فإنى أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن فأقضي بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن ولها يوم وليلة.
فقال عمر: ما رأيك الأول بأعجب إلي من الآخر اذهب فأنت قاض على البصرة" 2253 وهذه قضية اشتهرت ولم تنكر فكانت إجماعًا، ولأنه لو لم يكن حقا للمرأة لملك الزوج تخصيص إحدى زوجاته به كالزيادة في النفقة.
(و) يلزمه بطلب زوجة (أَمَةٍ) أن يبيت عندها ليلة (مِنْ كلِّ سبعٍ) لأن أكثر ما يمكن جمعها مع ثلاث حرائر فلها السابعة، وله أن ينفرد بنفسه في البقية إذا لم تستغرق زوجاته جميع الليالي، فمن معه حرة فقط فله الانفراد في ثلاث ليال، وحرتان له الانفراد ليلتين، وثلاث حرائر له الانفراد في ليلة، ومن تحته أمة له الانفراد في ست ليال، وحرة وأمة له الانفراد في أربع وهكذا، لأنه قد وفى ما عليه من المبيت لكن قال أحمد: "لا يبيت وحده ما أحب ذلك إلا أن يضطر".
2254
(وَإِنْ سَافَرَ) الزوج (فَوْقَ نِصفِ سنةٍ) في غير حج أو غزو واجبين أو في غير طلب رزق يحتاج إليه (وطَلَبَتْ) زوجته (قُدُومَهُ) لزمه القدوم، فإن أبي القدوم
الجزء: 3 - الصفحة: 429
(راسله حاكم) أن يقدم، (فإن أبي) القدوم (بلا عذر) بعد مراسلة الحاكم (فرق) الحاكم (بينهما بطلب 2255 الزوجة) ذلك ولو قبل الدخول نصا 2256، قال في رواية ابن منصور 2257 في رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها يقول غدا أدخل بها غدا أدخل بها إلى شهر هل يجبر على الدخول؟ قال: "أذهب إلى أربعة أشهر إن دخل بها وإلا فرق بينهما" 2258، فجعله كالمولي، ولا يصح الفسخ هنا إلا بحكم حاكم لأنه مختلف فيه.
(وإن) غاب الزوج غيبة ظاهرها السلامة كتاجر وأسير عند من ليست عادته القتل (ولم يعلم خبره) أي حياته ولا موته وتضررت زوجته بترك النكاح مع وجود النفقة عليها (فلا فسخ لذلك بحال) لأنه يمكن أن يكون له عذر.
وسن عند وطء قول: بسم اللَّه اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، لقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ 2259 قال عطاء: "هي التسمية عند الجماع" 2260، ولحديث
الجزء: 3 - الصفحة: 430
ابن عباس مرفوعًا: "لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: بسم اللَّه اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فولد بينهما ولدا لم يضره الشيطان أبدا" متفق عليه 2261، وكره الوطء متجردين لحديث: "إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجرد تجرد العَيْرينِ "رواه ابن ماجة 2262، والعَيْرُ -بفتح العين- الحمار أهليًا كان أو وحشيًا 2263، وكُره إكثار كلام حالة الوطء، لحديث: "لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء فإنه يكون منه الخرس والفأفاة" 2264، وكره نزعه قبل فراغها لحديث أنس مرفوعًا: "إذا جامع الرجل أهله فليقصدها ثم إذا قضى حاجته فلا يعجلها حتى تقضي
الجزء: 3 - الصفحة: 431
حاجتها" 2265؛ ولأن فيه ضررًا عليها ومنعًا لها من شهوتها.
ويستحب ملاعبة المرأة عند الجماع لتنهض شهوتها فتنال من لذة الجماع كما يناله، وكره وطؤه بحيث يراه أو يسمعه غير طفل لا يعقل، قال أحمد: "كانوا يكرهون الوَجْسَ" 2266 وهو: الصوت الخفي 2267، وكره لكل من الزوجين أن يتحدث بما جرى بينهما لحديث الحسن: "جلس رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين الرجال والنساء، فأقبل على الرجال فقال: لعل أحدكم يحدث بما يصنع بأهله إذا خلا، ثم أقبل على النساء فقال: لعل إحداكن تحدث النساء بما يصنع بها زوجها، قال: فقالت امرأة: إنهم ليفعلون وإنا لنفعل، فقال: لا تفعلوا، فإنما مثل ذلكم كمثل شيطان لقي شيطانة فجامعها والناس ينظرون" 2268، وله الجمع بين وطء نسائه بغسل واحد لحديث أنس
الجزء: 3 - الصفحة: 432
قال: "سكبت لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من نسائه غسلًا واحدًا في ليلة واحدة" 2269؛ ولأن حدث الجنابة لا يمنع الوطء بدليل إتمام الجماع، وكذا له أن يجمع بين وطء نسائه مع وطء إمائه بغسك واحد لما مر.
(وَحَرُمَ جمعُ زَوْجَتَيْهِ) أو زوجاته أو زوجاته وإمائه (بِمَسْكَنٍ واحدٍ ما لم يَرْضَيَا) أو يرضين الزوجات كلهن لأنه ضرر عليهن لما بينهن من الغيرة، واجتماعهن يثير الخصومة فإن رضين جاز، لأن الحق لا يعدوهن فلهن المسامحة به، وكذا إن رضين بنومه بينهن في لحافٍ واحدٍ، وإن أسكن زوجتيه أو زوجاته في دار واحدة كل واحدة ببيت منها جاز إذ كان مسكن مثلها، ويجوز نوم الرجل مع امرأته بلا جماع بحضرة محرم لها, "كنوم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وميمونة في طول الوسادة، وابن عباس في عرضها لما بات عندها" 2270.
(وَلَهُ) -أي الزوج- (مَنْعُهَا) -أي زوجته أو زوجاته- (من الخُرُوج) من منزله إلى ما لها منه بد ولو لزيارة والديها أو عيادتهما أو شهود جنازة أحدهما، قال أحمد في امرأة = ذكر الرجل إصابة أهله، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 193 - 194، والحديث صحّحه الألباني في الإرواء 7/ 73، ولم أقف عليه من حديث الحسن.
الجزء: 3 - الصفحة: 433
لها زوج وأم مريضة: "طاعة زوجها أوجب عليها من أمها إلا أن يأذن لها" 2271. أو تضطر إلى الخروج كإتيان بنحو مأكل لعدم من يأتيها به؛ لحديث أنس: أن رجلا سافر ومنع زوجته من الخروج فمرض أبوها فاستأذنت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حضور جنازته فقال لها: "اتقي اللَّه ولا تخالفي زوجك فأوحى اللَّه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أني قد غفرت لها بطاعتها زوجها" رواه ابن بطة 2272 في "أحكام النساء" 2273 وحيث خرجت بلا إذنه بلا ضرورة فلا نفقة لها ما دامت خارجة عن منزله إن لم تكن حاملا لنشوزها، وسن إذنه لزوجته إذا مرض محرم لها لتعوده، أو مات لتشهده لما فيه من صلة الرحم، وعدم إذنه يحمل الزوجة على مخالفته، وقد أمر تعالى بالمعاشرة بالمعروف وليس هذا منها، وليس له منعها من كلام أبويها ولا منعهما من زيارتها لما فيه من قطيعة الرحم، لكن إن عرف بقرائن الحال حدوث ضرر بزيارتهما أو زيارة أحدهما فله المنع، صوبه في "الإنصاف" 2274، وجزم به في "الإقناع" 2275. ولا يلزم الزوجة طاعتهما في فراق زوجها ولا عصيانه بل زوجها أحق، ولا تصح
الجزء: 3 - الصفحة: 434
إجارتها نفسها لرضاع وخدمة بعد نكاح بلا إذن زوجها سواء آجرت نفسها أو أجرها وليها، لتفويت حق الزوج مع سبقه كإجارة المؤجر، فإن أذن زوج صحت الإجارة ولزمت لأن الحق لا يعدوهما، وتصح إجارتها قبل عقد النكاح وتلزم الإجارة فليس للزوج منعها من رضاع ونحوه لملك المستأجر منافعها بعقد سابق على نكاح الزوج أشبه ما لو اشترى أمة مستاجرة، ولزوجها الوطء مطلقًا سواء أضر الوطء بالمرتضع أولا، لأنه يستحقه بعقد التزويج فلا يسقط بأمر مشكوك فيه، وليس لزوج فسخ النكاح إن لم يعلم أنها مؤجرة.
الجزء: 3 - الصفحة: 435
فَصْلٌ في القَسْمِ
(و) يجب (على) زوج (غيرِ طِفْلٍ التَّسْوِيَةُ بينَ زوجاتٍ في القَسْمِ) لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 2276 وزيادة إحداهن في القسم ميل، ولا معروف مع الميل، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ.
.﴾ الآية 2277؛ لأن العدل أن لا يقع ميل البتة وهو متعذر، وعن أبي هريرة مرفوعًا: "من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل".
وعن عائشة قالت: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقسم بيننا فيعدل ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك" رواهما أبو داود 2278. و (لا) يجب عليه التسوية (في وَطْءٍ وكِسْوَةٍ ونحوهما) كالقبلة
الجزء: 3 - الصفحة: 436
والنفقة إذا قام بالواجب بل ذلك مستحب لأنه أبلغ في العدل بينهن، وروي أنه عليه السلام كان يسوي بين زوجاته في القبلة ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني في ما لا أملك".
ولا تجب التسوية بينهن في الجماع، لأن طريقه الشهوة والميل ولا سبيل إلى التسوية فيه، كما لا تجب التسوية بينهن في الشهوات والنفقة والكسوة (إِذَا قَامَ بالواجِب)، وإن أمكنه فهو أولى، ويسن لسيد تسوية يين إمائه في قسم لأنه أطيب لقلوبهن ولا قسم عليه لهن واجب لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 2279 ولأنه لا حق للأمة في الاستمتاع، ولهذا لا خيار لها بعنَّة السيد أو جَبِّه، ولا يضرب لها مدة الإيلاء بحلفه على ترك وطئها، وعليه أن لا يعضلهن إذا طلبن النكاح إن لم يرد استمتاعا بهن فيزوجهن أو يبيعهن دفعًا لضررهن.
(وعِمَادُهُ) -أي القسم- (اللَّيْلُ) لأنه مأوى الإنسان إلى منزله وفيه يسكن إلى أهله وينام على فراشه، والنهار للمعاش والاشتغال قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ 2280 والنهار يتبع الليل فيدخل في القسم تبعًا لما روي: "أن سورة وهبت يومها لعائشة"، متفق = الجامع الصحيح 3/ 446، والنسائي، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، كتاب عشرة النساء برقم (3943) المجتبى 7/ 64، وابن ماجة، باب القسمة بين النساء، كتاب النكاح برقم (1971) سنن ابن ماجة 1/ 633، والحديث ضعّفه الألباني في الإرواء 7/ 81 - 82.
الجزء: 3 - الصفحة: 437
عليه 2281، وقالت عائشة: "قبض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بيتي وفي يومي" 2282، وإنما قبض نهارًا 2283، ويتبع اليوم الليلة الماضية إلا أن يتفقوا على عكسه (إِلَّا في حَارِسٍ ونحوه) ممن معيشته بالليل (فـ) عماد قسمه (النَّهَار) ويتبعه الليل.
ويكون القسم ليلة وليلة؛ لأن في قسمه ليلتين فأكثر تأخير لحق من لها الليلة الثانية للتي قبلها إلا أن يرضين بأكثر من ليلة وليلة لأن الحق لا يعدوهن، وإن كانت نساؤه بمحال متباعدة قسم بحسب ما يمكنه مع التساوي بينهن إلا برضاهن، (وزَوْجَةٌ أَمَةٌ) مع زوجة حرّة (على النِّصفِ مِن حُرَّةٍ) ولو كانت الحرة كتابية فلها ليلة من ثلاث رواه الدارقطني عن علي 2284 واحتجّ به
الجزء: 3 - الصفحة: 438
أحمد 2285، ولأن الحرة يجب تسليمها ليلًا ونهارًا فحقها أكثر في الإيواء بخلاف النفقة والكسوة فتقدر بالحاجة، وحاجة الأمة في ذلك كحاجة الحرة، وبخلاف قسم الابتداء، فإنه لزوال الاحتشام من كل واحد من الزوجين من الآخر وذلك لا يختلف بحرية ورق، قال ابن المنذر: "أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء" 2286.
(و) يقسم لـ (مُبَعَّضَةٍ بالحسَابِ) فللمنصفة ثلاث ليال، وللحرة أربع ليال، وإن عتقت أمة في نوبتها فلها قسم حرة، أو عتقت في نوبة حرة سابقة على نوبة أمة فلها قسم حرة؛ لأن النوبة أدركتها وهي حرة فاستحقت قسم حرة، وإن عتقت الأمة في نوبة حرة مسبوقة بأن بدأ بالأمة فوفاها ليلتها ثم انتقل للحرة فعتقت الأمة يستأنف القسم متساويًا بعد أن يقسم للحرة على حكم الرق في ضرتها؛ لأن الأمة لما استوفت مدتها حال الرق لم تزد شيئًا وكان للحرة ضعف مدة الأمة، بخلاف ما لو عتقت قبل مجيء نويتها أو قبل تمامها.
ومعنى وجوب التسوية في حق من لم يبلغ أن وليه يطوف به عليهن، ويطوف بمجنون مأمون وليه للتعديل، فإن لم يكن مأمونًا فلا قسم عليه، لأنه لا فائدة فيه، ويحرم تخصيص بعض زوجاته بإفاقة، لأنه ميل على البعض الآخر، فلو أفاق في نوية واحدة قضى يوم جنونه للأخرى تعديلًا بينهما، فإن لم يعدل الولي في القسم وأفاق المجنون قضى للمظلومة لثبوت الحق في ذمته كالمال.
الجزء: 3 - الصفحة: 439
وللزوج أن يأتي زوجاته كل واحدة في مسكنها، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقسم كذلك 2287 ولأنه أستر لهن، وله أن يدعوهن إلى محله لأن له نقلها حيث شاء بلائق لها، وله أن يأتي بعضًا من زوجاته إلى مسكنها وأن يدعو بعضًا منهن إلى منزله لأن السكن له حيث لاق المسكن.
ويقسم مريض ومجبوب وخصي وعنِّين ونحوه؛ لأن القسم للأنس وهو حاصل ممن لا يطأ، وكان عليه السلام: "يدور على نسائه في مرضه ويقول: أين أنا غدا أين أنا غدا" رواه البخاري 2288، فإن شقّ عليه استأذن أن يكون عند إحداهن، لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- رواه أبو داود من حديث عائشة 2289، فإن لم يأذن له أقام عند إحداهن بقرعة أو اعتزلهن جميعًا إن أحب.
ويجب القسم لحائض، ونفساء، ومريضة، ومعيبة، كجذماء، ورتقاء، وكتابية، ومحرِمة، وزَمِنة، ومميزة، ومجنونة مأمونة، ومن آلى منها، أو ظاهر منها، أو وطئت بشبهة زمن عدتها؛ لأن القصد بالقسم الأنس لا الوطء، أو سافر بها بقرعة فيقسم لها إذا قدم؛ لأنه فعل ماله فعله فلا يسقط حقها في المستقبل.
وليس له بداءة في قسم ولا سفر بإحداهن بلا قرعة؛ لأنه تفضيل لها، والتسوية
الجزء: 3 - الصفحة: 440
واجبة، "وكان عليه السلام إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فمن خرجت لها القرعة خرج بها معه" متفق عليه 2290، وإذا سافر بها بقرعة إلى محل ثم بدى له غيره ولو أبعد منه فله أن يصحبها معه، فإن رضين بالبداءة بإحداهن أو السفر بها جاز، لأن الحق لا يخرج عنهن، ويقضي لبقية زوجاته مع قرعة في سفر بإحداهن، أو مع رضاهن بسفر بمعينة منهن ما تعقبه سفر، أو إقامة في البلد الذي سافر إليه، أو تخلل سفره من إقامة لتساكنهما إذًا، لا زمن مسيره وحله وترحاله، لأنه لا يسمى سكنًا، ويقضي من سافر بواحدة من زوجتيه أو زوجاته بدون قرعة أو رضاهن جميع غيبته حتى زمن سيره وحله وترحاله، سواء طال السفر أو قصر؛ لأنه خص بعضهن على وجه يلحقه فيه تهمة فلزمه القضاء كما لو كان حاضرًا، وإن سافر باثنتين بقرعة آوى إلى كل ليلة في رحلها كخيمتها ونحوها، فإن كانتا في رَحِله فلا قسم إلا في الفراش، ومتى بدأ في القسم بواحدة من نسائه بقرعة أو لا لزمه مبيت ليلة آتية عند ثانية ليحصل التعديل بينهما في الأولى وتدارك الظلم في الثانية، ويحرم على زوج أن يدخل إلى غير ذات ليلة فيها إلا لضرورةٍ، كأن تكون منزولًا بها فيريد أن يحضرها، أو توصي إليه، أو في نهارها إلا لحاجة كعيادة، أو سؤال عن أمرٍ يحتاج إليه، أو دفع نفقةٍ، أو زيارة لبعد عهده بها، فإن دخل إليها ولم يلبث لم يقض، لأنه لا فائدة في قضاء الزمن اليسير، وإن لبث أو جامع لزمه قضاء لبث وجماع ولا يلزمه قضاء قبلة ونحوها من حق الأخرى، لحديث عائشة: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدخل عَلَيَّ في يوم غيري، فينال مني
الجزء: 3 - الصفحة: 441
كل شيء إلا الجماع" 2291، وله قضاء أول ليل عن آخره، وليل صيف عن ليل شتاء وعكسهما، ومن انتقل من بلد إلى بلد وله زوجات لم يجز له أن يصحب إحداهن ويصحب البواقي غيره؛ لأنه ميل إلا بقرعة، فإن فعله بقرعة فأقامت معه في البلد الذي انتقل إليه قضى للباقيات مدة إقامته معها خاصة؛ لأنه صار مقيمًا، وبدون قرعة قضى للباقيات كل المدة كالحاضر.
(وَإِنْ أَبَت) زوجة (المَبِيْتَ مَعَهُ) -أي مع زوجها- أو أغلقت الباب دونه، أو قالت له: لا تبيت عندي، (أَوْ) أبت (السَّفَرَ) معه، (أَوْ سَافَرَت في حَاجَتِهَا) ولو بإذنه (سَقَطَ قَسْمُهَا ونَفَقَتُهَا) لعصيانها في الأوليين، ولعدم التمكين من الاستمتاع في الأخيرة، بخلاف ما إذا لو سافرت معه لوجود التمكين، ولا يسقط حقها من قسم ونفقة إن سافرت لحاجته ببعثه لها، أو انتقالها إلى بلد آخر بإذنه، لأن سبب تعذر الاستمتاع من جهته، فيقضي لها ما أقامه عند الأخرى.
ولها هبة نوبتها من القسم بلا مال لزوج ليجعله لمن يشاء من ضراتها، لأن الحق لا يخرج عن الواهبة والزوج، ولها هبتها بلا مال لضرة معينة بإذن الزوج ولو أبت موهوب لها، لثبوت حق الزوج في الاستمتاع بها كل وقت، وإنما منعته المزاحمة في حق صاحبتها، فإذا زالت المزاحمة بهبتها ثبت حقه في الاستمتاع بها وإن كرهت كما لو كانت منفردة، "ووهبت سودة يومها لعائشة، فكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقسم لعائشة
الجزء: 3 - الصفحة: 442
يومها، ويوم سودة" متفق عليه 2292، فإن كان بمال لم يصح؛ لأن حقها كون الزوج عندها، وهو لا يقابل بمال، فإن أخذت الواهبة عليه مالا وجب رده وقضى لها زمن هبتها، وإن كان العوض غير مال كإرضاء زوجها عنها جاز لقصة عائشة وصفية 2293، وليس للزوج نقل زمن قسم الواهبة لِيَلِيَ ليلة الموهوب لها إلا برضى الباقيات، فإن رضين جاز، لأن الحق لا يعدوهن، ومتى رجعت واهبة لليلتها ولو في بعض ليلة عاد حقها في المستقبل؛ لأنها هبة لم تقبض، ولها بذل قسم ونفقة وغيرهما لزوج ليمسكها لقصة سودة، ويعود حقها برجوعها كالهبة قبل القبض، وأما ما مضى فكالهبة المقبوضة.
الجزء: 3 - الصفحة: 443
فصل
(وإن 2294 تزوج بكرا) ومعه غيرها (أقام عندها سبعا) ولو أمة وضرائرها حرائر ثم دار للقسم، (أو) تزوج، (ثيبا) ومعه غيرها (أقام) عندها، (ثلاثا ثم دار)، وتصير الجديدة آخرهن نوبة، لحديث أبي قلابة 2295 عن أنس قال: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم".
قال أبو قلابة: "لو شئت قلت: إن أنسا رفعه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" رواه الشيخان 2296، وإن شاءت الثيب لا الزوج أن يقيم عندها سبعا فعل وقضى السبع لكل ضرائرها، لحديث أم سلمة: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام، وقال: إنه ليس بك هوان على أهلك، فإن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي" رواه أحمد ومسلم وغيرهما 2297، ولفظ الدارقطني: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لها حين دخل بها: ليس
الجزء: 3 - الصفحة: 444
بك هوان على أهلك، إن شئت أقمت عندك ثلاثا خالصة لك، وإن شئت سبعت لك ولنسائي.
قالت: تقيم معي ثلاثا خالصة" 2298، وإن طلق زوج ثنتين فأكثر واحدة وقت قسمها أثم؛ لأنه وسيلة إلى إبطال حقها من القسم، ولعله إذا لم يكن بسؤالها، ويقضي لها متى نكحها وجوبا، ولزوج ثنتين فأكثر نهار ليل قسم أن يخرج لمعاشه وقضاء حقوق الناس لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)﴾ 2299، وكذا له الخروج لصلاة جماعة، ومتى ترك قسم بعض نسائه لعذر أو غيره قضاه لها.
= ماجة، باب الإقامة على البكر والثيب، كتاب النكاح برقم (1917) سنن ابن ماجة 1/ 617، والدارمي، باب الإقامة عند الثيب والبكر، كتاب النكاح برقم (2210) سنن الدارمي 2/ 194.
الجزء: 3 - الصفحة: 445
فصل في النشوز
(والنشوز حرام) من النشز وهو ما ارتفع من الأرض، فكأنها ارتفعت وتعالت عما فرض عليها من المعاشرة بالمعروف، ويقال: نشزت -بالشين والزاي- ونشصت -بالشين والصاد المهملة- 2300. (وهو معصيتها) -أي الزوجة- (إياه) -أي الزوج- (فيما يجب عليه، ) طاعته فيه 2301، (فمتى ظهرت) 2302 منها (أماراته) -أي النشوز- بأن منعته الاستمتاع بها، أو أجابته متبرمة، كأن تتشاغل إذا دعاها، أو لا تجيبه إلا بكره (وعظها) أي خوفها اللَّه، وذكر لها ما أوجب اللَّه عليها من الحق والطاعة، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة، وما يسقط به من النفقة والكسوة، وما يباح من ضربها وهجرها، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ 2303 وفي الحديث: "إذا باتت المرأة مهاجرة
الجزء: 3 - الصفحة: 446
فراش زوجها لعنتها الملائكة إلى أن ترجع" متفق عليه 2304، (فإن أصرت) على النشوز بعد وعظها (هجرها في المضجع) أي ترك مضاجعتها (ما شاء) ما دامت كذلك، (و) هجرها (في الكلام ثلاثا) -أي ثلاثة أيام- لا فوقها لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ 2305، ولحديث أبي هريرة مرفوعا: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" 2306، (فإن أصرت) مع هجرها في المضجع والكلام على ما هي عليه (ضربها) ضربا (غير شديد) لحديث: "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم" 2307، ولا يجلدها فوق عشرة أسواط لحديث: "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود اللَّه
الجزء: 3 - الصفحة: 447
تعالى" متفق عليه 2308، ويجتنب الوجه والمواضع المخوفة، وليس له ضربها إلا بعد هجرها في الفراش والكلام؛ لأن القصد التأديب والزجر، فيبدأ فيه بالأسهل، وقال أحمد في الرجل يضرب امرأته: "لا ينبغي لأحد أن يسأله ولا أبوها لم ضربها للخبر" 2309 رواه أبو داود 2310. ويمنع من هذه الأشياء من علم بمنعه حقها حتى يؤديه، وحتى يحسن عشرتها لظلمه بطلبه حقه مع منع حقها، وينبغي للمرأة أن لا تغضب زوجها، لحديث أحمد عن الحصين بن أبي حصين 2311: "أن عمة له أتت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: أذات زوج أنت؟ قالت: نعم.
قال: انظري أين أنت منه فإما هو جنتك ونارك" 2312، قال في
الجزء: 3 - الصفحة: 448
"الفروع" 2313: "إسناده جيد".
وينبغي للزوج مداراتها، وحدث رجل لأحمد: ما قيل: العافية عشرة أجزاء تسعة منها في التغافل، فقال أحمد: "العافية عشرة أجزاء كلهما في التغافل" 2314.
(وله) -أي الزوج- (ضربها على ترك فرائض اللَّه تعالى) كواجب صلاة وصوم، وينبغى تعليق السوط بالبيت للخبر، رواه الخلال 2315، فإن لم تصل فقال أحمد: "أخشى أن لا يحل للرجل أن يقيم مع امرأة لا تصلي، ولا تغتسل من الجنابة، ولا تتعلم القرآن 2316.
فإن ادعى كل من الزوجين ظلم صاحبه أسكنهما حاكم قرب رجل ثقة يشرف عليهما ويكشف حالهما، كعدالة وإفلاس من خبرة باطنة ليعلم الظالم منهما ويلزمهما الحق، لأنه طريق الإنصاف، فإن تعذر إسكانهما قرب ثقة يشرف عليهما، أو تعذر إلزامهما الحق وتشاقا بعث الحاكم إليهما حكمين ذكرين حرين مكلفين مسلمين عدلين = زوجته، كتاب النكاح، المستدرك 2/ 189 وقال: صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 2/ 33.
الجزء: 3 - الصفحة: 449
يعرفان حكم الجمع والتفريق؛ لأنهما يتصرفان في ذلك، فاعتبر علمهما به، وإنما اعتبر فيهما هذه الشروط مع أنهما وكيلان لتعلقهما بنظر الحاكم، فكأنهما نائبان عنه، والأولى كونهما من أهلهما، لأن الشخص يفضي إلى قرابته وأهله بلا احتشام، فهو أقرب إلى الإصلاح، فيخلو كلٌّ بصاحبه، ويستعلم رأيه في الفراق والوصلة، وما يكره من صاحبه فيوكلانهما برضاهما في فعل الأصلح من جمع أو تفريق بعوض أو دونه، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا.
.﴾ الآية 2317.
ولا يصح إبراء غير وكيلها في خلع فقط، فلا يصح الإبراء من وكيل الزوج مطلقًا، ولا من وكيل الزوجة إلا في الخلع خاصة، وإن شرطا ما لا ينافي نكاحًا كإسكانها بمحل فإذا، وأن لا يتزوج أو يتسرى عليها ونحوه لزم الشرط، ولعلهم نزلوا هذه الحالة منزلة ابتداء العقد لحاجة الإصلاح، وإلا فمحله المعتبر من الشروط صلب العقد كما تقدم 2318، وإن شرطا ما ينافي نكاحًا لم يلزم، كترك قسم، أو ترك نفقة، أو وطء، أو سفر إلا بإذنها ونحوه، ولمن رضي من الزوجين بشرط ما ينافي نكاحا العود لعدم لزومه، ولا ينقطع نظر الحكمين بغيبة الزوجين أو أحدهما لأن الوكالة لا تنقطع بغيبة الموكل، وينقطع نظرهما بجنون الزوجين أو أحدهما ونحوه مما يبطل الوكالة كحجر لسفه كسائر الوكلاء.
الجزء: 3 - الصفحة: 450
(باب الخلع)
- بضم المعجمة وسكون اللام- 2319، وهو: فراق زوج زوجته بعوض يأخذه الزوج منها أو من غيرها بألفاظ مخصوصة 2320، سمي بذلك لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما تخلع اللباس من بدنها، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ 2321.
(ويباح) الخلع (لسوء عشرة) بين الزوجين بأن صار كل منهما كارها للآخر لا يحسن صحبته، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 2322، (و) يباح الخلع فى لمـ (بغضة) زوجها تخشى أن لا تقيم حدود لا له في حقه، لحديث ابن عباس: "جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس 2323 إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسول اللَّه! ما أعيب علية من خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم.
فقال رسول اللَّه
الجزء: 3 - الصفحة: 451
-صلى اللَّه عليه وسلم-: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" رواه البخاري 2324، فأمره عليه السلام بذلك دليل إباحته، وبه قال عمر 2325 وعثمان 2326 وعلي 2327 ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة 2328. (و) يباح الخلع إذا كرهت الزوج (لكبر أو قلة دين) أو ضعف ونحو ذلك وخافت إثما، وتسن إجابتها إذا سألت الخلع على عوض حيث أبيح الخلع، لأمره عليه السلام لثابت بن قيس بقوله: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" إلا مع محبته لها فيسن صبرها عليه وعدم افتدائها منه دفعا لضرره، ولا تفتقر صحة الخلع إلى حكم حاكم نصا 2329. (ويكره) الخلع (مع استقامة) حال الزوجين، أما الكراهة فلحديث: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة" رواه
الجزء: 3 - الصفحة: 452
الخمسة إلا النسائي 2330، ولأنه عبث، وأما الصحة فلعموم قوله تعالى: ﴿لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ 2331.
ويحرم ولا يصح الخلع إن عضلها بأن ضربها أو ضيق عليها، أو منع حقها من نفقة أو كسوة أو قسم ونحوه لتختلع منه، لقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآية 2332؛ ولأنها مكرهة إذا على بذل العوض بغير حق فلم يستحق أخذه منها للنهي عنه، وهو يقتضي الفساد، ويقع الطلاق رجعيا إن أجابها بلفظ طلاق أو خلع مع نية الطلاق، ولا تبين منه لفساد العوض.
ويباح عضل الزوج لها لتفتدي منه لزناها نصا 2333 لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ 2334 والاستثناء من النهي إباحة، ولأنه لا يأمن أن تلحق به ولدا
الجزء: 3 - الصفحة: 453
من غيره، وإن أدبها لنشوزها أو تركها فرضا فخالعته لذلك صح الخلع وأبيح له عوضه؛ لأنه بحق.
ويصح الخلع ويلزم ممن يقع طلاقه، مسلما كان أو ذميا، حراكان أو عبدا، كبيرا أو صغيرا يعقله؛ لأنه إذا ملك الطلاق وهو مجرد إسقاط لا تحصيل فيه فلأن يملكه محصلا لعوض أولى.
(وهو) -أي الخلع- (بلفظ خلع أو فسخ أو مفاداة) ولم ينو به طلاقا (فسخ) لا ينقص به عدد الطلاق، روي ذلك عن ابن عباس 2335، وروي عن عثمان وعلي وابن مسعود أنه طلقة بائنة بكل حال 2336، لكن ضعف أحمد الحديث عنهم فيه
الجزء: 3 - الصفحة: 454
وقال: "ليس لنا في الباب شيء أصح من حديث ابن عباس أنه فسخ" 2337، واحتج ابن عباس بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 2338 ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 2339 فذكر تطليقتين، والخلع وتطليقة بعدهما، فلو كان الخلع طلاقا لكان رابعا، ولأن الخلع فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته، فكانت فسخا كسائر الفسوخ، وأما كون فسخت صريحا فيه فلأنها حقيقة فيه، وأما خلعت فلثبوت العرف به، وأما فاديت فلقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
(و) هو (بلفظ طلاق أو نيته) -أي الطلاق- (أو كنايته طلقة بائنة)، وكنايات الخلع باريتك، وأبرأتك، وأبنتك، فمع سؤال الخلع وبذل عوضه يصح الخلع بصريح وكناية بلا نية، لأن الصريح لا يحتاج إليها، وقرينة الحال من السؤال والبذل تقوم مقام النية مع الكناية، وإلا فلا بد من النية مع الكناية كلطلاق ونحوه، وتعتبر الصيغة من المتخالعين، فلا خلع بمجرد بذل مال وقبوله بلا لفظ من زوج؛ لأن الخلع أحد نوعي الفرقة فلم يصح بدون لفظ كالطلاق بعوض، ولأن أخذ المال قبض لعوض فلم يقم بمجرده مقام الإيجاب كقبض أحد العوضين في البيع، وحديث جميلة امرأة ثابت رواه البخاري وفيه: "اقبل
الجزء: 3 - الصفحة: 455
الحديقة وطلقها تطليقة" وفي رواية: "فأمره ففارقها" 2340 ومن لم يذكر الفرقة، فقد اقتصر على بعض القصة، وعليه يحمل كلام أحمد وغيره 2341، والصيغة من الزوج: خلعتك، أو فسخت نكاحك على كذا، ومنها: رضيت، أو نحوه.
ويصح الخلع بكل لغة من أهلها كالطلاق، ولا يصح معلقا على شرط كقوله لزوجته: إن بذلت لي كذا فقد خالعتك، إلحاقا بعقود المعاوضات لاشتراط العوض فيه، وإن تخالعا هازلين فلغو ما لم يكن بلفظ طلاق أو نيته، ويلغو شرط رجعة في خلع كقوله: خالعتك على كذا بشرط أن لي رجعتك في العدة، أو ما شئت، وشرط خيار في خلع كخلعتك على كذا بشرط أن لي الخيار، أو على أن لي الخيار إلى كذا، أو يطلق، لأنه ينافي مقتضاه دون الخلع فلا يلغو لذلك كالبيع بشرط فاسد، ويستحق الزوج العوض المسمى لصحة الخلع وتراضيهما على عوضه.
ولا يقع بمعتدة من خلع طلاق لأنه قول ابن عباس وابن الزبير 2342 ولا يعرف لهما مخالف في عصرهما، ولأنها لا تحل له إلا بعقد جديد، وحديث: "المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة" 2343 لا يعرف له أصل، ولا ذكره أصحاب السنن، ومن خولع جزء منها كنصفها أو يدها لم يصح الخلع لأنه فسخ.
الجزء: 3 - الصفحة: 456
فصل
(ولا يصح) الخلع (إلا بعوض)؛ لأنه فسخ، ولا يملك الزوج فسخ النكاح بلا مقتضى بخلافه على عوض فيصير معاوضة فلا يجتمع له العوض والمعوض، ولو قالت: بعني عبدك فلانا واخلعني بكذا، ففعل صح وكان بيعا وخلعا بعوض واحد؛ لأنهما عقدان يصح إفراد كل منهما بعوض فصح جمعهما كبيع ثوبين.
(ويكره) خلع زوجة (بأكثر مما أعطاها)، روي عن عثمان 2344 لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث جميلة: "ولا تزدد" رواه ابن ماجة 2345، وعن عطاء عنه عليه السلام: "أنه كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها" رواه أبو حفص بإسناده 2346، ولا يحرم ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقالت الربيع بنت
الجزء: 3 - الصفحة: 457
معوذ 2347: "اختلعت من زوجي بما دون عقاص 2348 رأسي فأجاز ذلك علي" 2349.
(ويصح بذله) -أي عوض الخلع- (ممن يصح تبرعه) وهو المكلف غير المحجور عليه بخلاف المحجور عليه؛ لأنه بذل ماله في مقابلة ما ليس بمال ولا منفعة أشبه التبرع، وسواء كان بذله (من زوجة أو أجنبي) ولو ممن شهدا بطلاقها وردا لمانع كالمبذول في افتداء أسير، فيصح قول رشيد لزوج امرأة: اخلعها على كذا علي، أو اخلعها على كذا عليها وأنا ضامن، فإن أجابه الزوج صح ولزمه عوض لالتزامه له، ولا يلزمها العوض إن لم تأذن، ويصح سؤالها زوجها الخلع على مال أجنبي بإذنه وبدونه إن ضمنته بأن قالت: اخلعني على عبد زيد وأنا ضامنته صح؛ لأنها باذلة للبدل ومال الغير لاغ، وإن لم تضمنه لم يصح الخلع لتصرفها في مال غيرها بغير إذنه، كبذل الأجنبي مالها بدون إذنها.
وإن قال أبو امرأة: طلق بنتي وأنت بريء من مهرها ففعل فالطلاق رجعي لخلوه من
الجزء: 3 - الصفحة: 458
العوض، ولم يبرأ بإبراء أبيها لأنه ليس له، ولم يرجع على الأب بشيء لأنه أبرأه مما ليس له أشبه الأجنبي، ولا تطلق إن قال الزوج: طلقتها إن برئت من مهرها، لأنه لا يبرأ منه بذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 459
(ويصح) الخلع (بمجهول) 2350 لأنه إسقاط لحقه من البضع وليس تمليك شيء، والإسقاط يدخله المسامحة ولهذا جاز بلا عوض بخلاف النكاح، وأبيح لها افتداء نفسها لحاجتها إليه، فوجب ما رضيت ببذله دون ما لم ترصنه، فلو خالعها على ما في يدها أو بيتها من دراهم أو متاع فله ما بهما من ذلك، فإن لم يكن بيدها شيء فله ثلاثة دراهم لأنها أقل الجمع فهي المتيقنة، أو لم يكن ببيتها شيء فله ما يسمى متاعا كالوصية، وإن كان بيدها دون الثلاثة فلا شيء له غيره.
(و) يصح الخلع بـ (معدوم) 2351 كعلى ما تحمل شجرتها أو ما تحمل أمتها ونحوها، أو ما في بطنها كالوصية، وله ما يحصل من ذلك، لكن قياس ما سبق في الوصية له قيمة ولد الأمة لتحريم التفريق، فإن لم يحصل منه شيء وجب فيه مطلق ما تناوله الاسم، ويجب فيما إذا خالعها على شيء يجهل مطلقا كثوب ونحوه مطلق ما تناوله الاسم، وإن خالعها على هذا الثوب الهروي فبان مرويا 2352 أو معيبا، أو على هذا العبد السندي فبان هنديا أو زنجيا فليس له غيره لوقوع الخلع على عينه، ويصح على
الجزء: 3 - الصفحة: 460
هروي في الذمة، وعليها أن تعطيه سليما؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة.
و(لا) يصح الخلع (بلا عوض، ولا) بعوض (محرم) يعلمانه 2353 كخمر أو خنزير، فيقع الخلع رجعيا بنية طلاق؛ لأن الخلع من كنايات الطلاق، فإذا نواه به وقع، وقد خلا عن العوض فكان رجعيا، فإن لم ينو به طلاقا فلغو: وإن لم يعلماه محرما كعلى عبد فبان حرا أو مستحقا، أو على خل فبان خمرا أو مستحقا صح الخلع وله بدله؛ لأن الخلع معاوضة بالبضع فلا يفسد بفساد العوض كالنكاح، وإن بان معيبا فله أرشه أو قيمته.
ويحرم الخلع (ولا) يصح (حيلة لإسقاط) يمين (طلاق)؛ لأن الحيل خداع لا تحل ما حرم اللَّه، ولا يسقط ما بين متخالعين من حقوق نكاح كمهر ونفقة أو قرض بسكوت عنها حال خلع، فيتراجعان بما بينهما من الحقوق؛ لأن ذلك لا يسقط بلفظ الطلاق فلا يسقط بالخلع كسائر الحقوق، ولا يسقط ما بينهما من نفقة عدة حامل ولا بقية ما خولع ببعضه كسائر الفسوخ، وكالفرقة بلفظ الطلاق.
(وإذا قال) لزوجته: (متى) أعطيتني ألفا فأنت طالق، (أو) قال لها: (إذا) أعطيتني (أو إن أعطيتني ألفا فأنت طالق) لزم التعليق من جهته، فليس له إبطاله، فأي وقت أعطته على صفة يمكنه القبض ألفا فأكثر وازنه بإحضاره للزوج وإذنها في قبضه، وإن لم يقبضه بيده ولو مع نقص في العدد اكتفاء بتمام الوزن (طلقت بـ) مجرد (عطيته) الألف (ولو تراخت) العطية لوجود الصفة وملكه، لأنه إعطاء شرعي يحنث به من حلف لا يعطي فلانا شيئا إذا فعله معه، فإن هرب الزوج قبل عطيتها أو
الجزء: 3 - الصفحة: 461
قالت: يضمنه لك زيد، أو أجعله قصاصًا مما لي عليك، أو أعطته به رهنًا، أو أحالته به، أو نقصت الألف وزنًا، أو أعطته سبيكة لم يقع لعدم وجود الصفة.
(وإِنْ قَالت) لزوجها: (اخْلَعْنِي بألفٍ أوْ على ألفٍ) أو ولك ألف، أو قالت له: طلقني بألفٍ أو على ألفٍ أو لك ألف، أو قالت له: إن خلعتني فلك ألف أو فأنت برئ من ألف، أو قالت له: إن طلقتني فلك ألف، أو أنت برئ من ألف (فَفَعَلَ) أي فقال لها: خلعتك أو طلقتك جوابًا لقولها: اخلعني أو طلقني ولو لم يذكر الألف مع قوله: خلعتك أو طلقتك (بَانَتْ) منه (وَاسْتَحَقَّهَا) -أي الألف-؛ لأن قوله: خلعتك أو طلقتك جوابا لما استدعته منه، والسؤال كالمعاد في الجواب، أشبه ما لو قال: بعني عبدك بألف فقال: بعتكه ولم يذكر الألف، ويكون من غالب نقد البلد إن ثم نقود إن أجابها على الفور، ولها الرجوع قبل إجابته لأنه إنشاء منها على سبيل المعاوضة فلها الرجوع قبل تمامه بالجواب كالبيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 462
فَصْلٌ
ومن سئل الخلع على شيء فطلق لم يستحقه؛ لأنها استدعت منه فسخًا فلم يجبها إليه وأوقع طلاقا لم تطلبه ولم تبذل فيه عوضًا ووقع طلاقه رجعيًا، لأنه لم يبذل فيه عوض.
ومن سئل الطلاق على عوض فخَلَعَ ولم ينو به الطلاق لم يصح خلعه الذي هو فسخ لخلوه عن العوض، لأنه مبذول في الطلاق لا فيه، وإن قالت لزوجها: طلقني بألف إلى شهر أو بعد شهر لم يستحقه إلا بطلاقها بعده، لأنه إذا طلقها قبله فقد اختار إيقاع الطلاق بلا عوض فيقع رجعيًا، أما في الأولى فَلأَنَّ إلى تكون بمعنى مِنْ الابتدائية ودل عليه أن الطلاق لا غاية لانتهائه وإنما الغاية لابتدائه، وأما في الثانية فواضح، وإن قالت: طلقني بألف إلى شهر أو بعد شهر، فقال لها: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق استحق العوض، ووقع الطلاق بائنًا عند رأس الشهر.
ومن قالت لزوجها: طلقني واحدة بألف، أو على ألف، أو طلقني ولك ألف، فطلقها أكثر استحقه، لإيقاع ما استدعته وزيادة، لوجود الواحدة في ضمن الثنتين والثلاث.
ولو أجاب قولها: طلقني واحدة بألف ونحوه بقوله أنت طالق وطالق وطالق بانت منه بالأولى لوقوعها في مقابلة العوض، ولم يقع ما بعدها.
وإن قالت: طلقني ثلاثًا بألف فطلق أقل لم يستحق شيئًا؛ لأنه لم يجبها إلى ما سألته، وإن لم يكن بقي من الثلاث إلا ما أوقعه ولو لم تعلم بذلك استحق الألف؛ لأنها حصلت ما يحصل بالثلاث من البينونة والتحريم.
الجزء: 3 - الصفحة: 463
ولو قال لزوج امرأتاه: طلقنا بألف فطلق واحدة منهما بانت بقسطها من الألف، فيقسط على مهر مثليهما، ولو قالته إحداهما فقال: أنت طالق فرجعي ولا شيء له، لأنها جعلت الألف في مقابلة طلاقهما ولم يحصل.
الجزء: 3 - الصفحة: 464
فَصْلٌ
إذا خالعت الزوجة في مرض موتها المخوف فالخلع صحيح؛ لأنه معاوضة فصح في المرض كالبيع، ومتى اختلف المسمى في الخلع وإرثه منها فله الأقل من المسمى، أو إرثه منها، لأنها متهمة في قصد إيصال شيء من مالها إليه بغير عوض على وجه لم تكن قادرة عليه وهو وارث لها، فبطل الزائد، كما لو أوصت له به أو أقرت، وأما قدر الميراث فلا تهمة فيه، فإنها لو لم تخالعه لورثه، وإن صحت من موضها فله جميع ما خالعها عليه كما لو خالعها في الصحة.
وإن طلقها في مرض موته ثم وصى لها أو أقر لها بزائد عن إرثها لم تستحق الزائد إن لم تجز الورثة للتهمة؛ لأنه لم يكن له سبيل إلى إيصال ذلك إليها وهي في حباله فطلقها ليوصله إليها فمنع منه كالوصية بها، وإن خالعها في مرض موته المخوف وحاباها فمن رأس المال؛ لأنه لو طلقها بلا عوض صح فمعه أولى.
ومن وكل في خلع امرأته ولم يعين عوضًا فخالع الوكيل بأنقص من مهرها ضمن النقص وصح الخلع، لانصراف الإذن إلى إزالة ملكه عن البضع بالعوض المقدر شرعًا وهو مهرها، فإذا أزاله بأقل منه ضمن النقص، كالوكيل المُطْلَقِ في البيع إذا باع بدون ثمن المثل، وإن عين الزوج له العوض فنقص منه لم يصح الخلع، لأنه إنما أذن فيه بشرط ما قدره من العوض فإذا لم يوجد المقدر لم يوجد الشرط فيشبه خلع الفضولي، وإن زاد من وكلته الزوجة وأطلقت في خلعها على مهرها، أو زاد من عينت له العوض عليه صح الخلع ولزمته الزيادة، لأن الزوجة رضيت بدفع العوض
الجزء: 3 - الصفحة: 465
الذي يملك الخلع به عند الإطلاق، أو بالقدر المأذون فيه مع التقدير، والزيادة لازمة للوكيل لبذله لها في الخلع فلزمته كما لو لم يكن وكيلًا، وإن وكل الزوجان واحدا صح أن يتولى طرفي الخلع، وإن خالف وكيل ما أمر أن يخالع به جنسًا أو حلولًا أو نقدًا لبلد لم يصح الخلع؛ لأن المُوَكِّلَ لم يأذن فيه، والوكيل لم يوجد السبب بالنسبة إليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 466
فَصْلٌ
وإن قال لزوجته: خالعتك بألف مثلًا فأنكرته أو قالت: إنما خالعك غيري بانت منه يإقراره، وتحلف على نفي العوض لأنها منكرة والأصل براءتها، وإن قالت: خالعتني بألف لكن ضمنه غيري لزمها الألف؛ لأنها مقرة بالخلع مدعية على الغير ضمان العوض، فلزمها العوض لإقرارها، ولا تسمع دعواها على الغير.
(ولَيْسَ لَهُ) هذا الضمير عائد على غير مذكور أي ليس لأب (خُلعُ زوجةِ ابنهِ الصَّغِير) أو المجنون (ولا طَلاقُها)، ولا لسيدِ صغيرٍ ولا مجنون أن يطلق عنهما، لحديث: "الطلاق لمن أخذ بالساق" 2354، (ولا) لأبٍ خلعُ (ابنتهِ الصَّغِيرةِ) أو المجنونة أو السفيهة (بشيءٍ مِنْ مَالِهَا) ولا طلاقها بشيء من مالها؛ لأنه إنما يملك التصرف بما يملكه فيه بما لها فيه الحظ، وليس في هذا حظ بل فيه إسقاط حقها الواجب لها، والأب وغيره من الأولياء في ذلك سواء.
وإن خالعت أمة زوجها ولو مكاتبة بلا إذن سيدها لم يصح، لعدم أهليتها في التصرف في المال بلا إذن سيدها، فإن لم بإذنه صح إذًا لعوض مبذول منه لا منها، وتسلمه مكاتبة مأذونة مما بيدها، فإن لم يكن بيدها شيء فهو في ذمة سيدها.
أو خالعت زوجها محجورة لسفه أو صغر أو جنون لم يصح الخلع ولو أذن فيه ولي؛ لأنه لا إذن له في التبرع، ويقع الخلع إذن بلفظ طلاق أو نيته رجعيًا، لخلوه عن العوض، ولا يبطل إبراء من ادعت سفهًا حالة الخلع بلا بينةٍ، كمن باع شيئًا ثم ادعى
الجزء: 3 - الصفحة: 467
سفهًا ونحوه حالته.
(وإِنْ عَلَّقَ) زوج (طَلاقَهَا على صِفَةٍ) 2355 كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا مثلًا، (ثُمَّ أَبَانَهَا) بخلع أو طلقة أو ثلاث (فَوُجِدَت) الصفة حال البينونة (أو لا، ثُمَّ نَكحَهَا فَوُجِدَت) الصفة بأن دخلت الدار وهي في عصمته، أو في عدة طلاق رجعي (طَلُقَت) نصًّا 2356؛ لكان عقد الصفة ووجودها وجدا في النكاح أشبه ما لو لم تتخلله بينونة، كما لو بانت بما دون الثلاث عند مالك وأبي حنيفة، (وكَذَا) إن علق رب قن (عِتْق) ـه بصفة ثم باعه فوجدت الصفة، أو لم توجد ثم ملكه فوجدت الصفة وهو في ملكه عتق لما تقدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 468
(كِتَابُ الطَّلاقِ)
وهو لغةٌ: التَّخْلِيَةُ 2357 قال ابن الأنباري 2358: "من قول العرب: أطْلَقْتُ النَّاقة فطَلُقَتْ إذا كانت مشدوده فأزلت الشد عنها وخليتها، فشبه ما يقع بالمرأة بذلك لأنها كانت متصلة الأسباب بالزوج 2359، وقال الأزهري: "طَلَّقْتُ المرأةَ فطَلُقَتْ، وأطْلَقْتُ النَّاقةَ من العِقَالِ فانْطَلَقَت، هذا الكلام الجيد" 2360. وشرعًا: حل قيد النكاح أو بعضه بالطلاق الرجعي 2361. وأجمعوا على مشروعيته للكتاب والسنة 2362، ولأنه قد يقع بين الزوجين من التنافر والتباغض ما يوجب المخاصمة الدائمة، فلزوم النكاح إذنْ ضَررٌ في حقهما، ومفسدةٌ محضةٌ بلا فائدةٍ، فوجب إزالتها بالترك ليتخلص كل من الضرر.
الجزء: 3 - الصفحة: 469
(ويكره) الطلاق (بلا حاجة) لإزالته النكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها، ولحديث: "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق" 2363، (ويباح) الطلاق (لها) أي الحاجة إليه كسوء خلق المرأة، والتضرر بها من غير حصول الغرض بها.
(ويسن) الطلاق (لتضررها) -أي الزوجة- (بـ) استدامة (الوطء)، كحال الشقاق وما يحوج المرأة إلى المخالعة ليزيل ضررها، (و) يسن الطلاق أيضًا لـ (تركها صلاة وعفة ونحوهما)، كتفريطها في حقوق اللَّه تعالى إذا لم يمكنه إجبارها عليها، ولأن فيه نقصا لدينه، ولا يأمن إفساد فراشه وإلحاقها به ولدا من غيره إذا لم تكن عفيفة، وله عضلها إذن والتضييق عليها لتفتدي به لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ 2364، والزوجة كهو، فيسن لها أن تختلع منه إن ترك حقا للَّه تعالى كصلاة وصوم.
ويحرم الطلاق في حيض أو طهر أصابها فيه، ويجب على مول بعد التربص إن أبى الفيئة ويأتي 2365، فينقسم الطلاق إلى أحكام التكليف الخمسة، ولا يجب على ابن طاعة أبويه ولو كانا عدلين في طلاق زوجته؛ لأنه ليس من البر، ولا طاعتهما في منع من
الجزء: 3 - الصفحة: 470
تزويج نصا 2366 لما سبق.
(ولا يصح) الطلاق (إلا من زوج)، لحديث: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" 2367، (ولو) كان الزوج (مميزا يعقله) فيصح طلاقه كالبالغ لعموم الخبر، ولحديث: "كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمعلوب على عقله" 2368، وعن علي: "اكتموا الصبيان النكاح" 2369 فيفهم أن فائدته أن لا يطلقوا، ولأنه طلاق من عاقل صادف محل الطلاق أشبه طلاق البالغ، ويعتبر لوقوع الطلاق إرادة لفظه لمعناه فلا يقع طلاق لفقيه يكرره لتعليم، ولا حاك طلاقا ولو عن نفسه.
(ومن عذر بزوال عقله) بنحو جنون أو إغماء أو برسام أو نشاف 2370 ولو بضربه نفسه
الجزء: 3 - الصفحة: 471
فطلق لم يقع طلاقه، لحديث: "كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله"، وحديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" 2371 ولأن الطلاق قول يزيل الملك فاعتبر له العقل كالبيع، وكذا لا يقع طلاق آكل بنج ونحوه لتداو أو غيره نصًّا، لأنه لا لذة فيه، وفرق أحمد بينه وبين السكران فالحقه بالمجنون 2372، وكذا لا يقع طلاق مَنْ غَضِبَ حتى أغمي عليه أو اغشي عليه لزوال عقله أشبه المجنون، ويقع الطلاق ممن أفاق من جنون أو إغماء فذكر أنه طلق نصًّا 2373؛ لأنه إذا ذكر أنه طلق لم يكن زائل العقل حينه، قال الموفق: "وهذا واللَّه أعلم في من جنونه بذهاب معرفته بالكلية وبطلان حواسه، فأما من كان جنونه لنشافٍ أو كان مُبَرْسَمًا فإن ذلك يسقط حكم تصرفه مع أن معرفته غير ذاهبة بالكلية، فلا يضر ذكره للطلاق إن شاء اللَّه تعالى" انتهى 2374، ويقع الطلاق ممن شرب طوعًا مسكرًا أو نحوه مما يحرم استعماله بلا = ينظر: المطلع ص 240، ومعجم لغة الفقهاء ص 479.
الجزء: 3 - الصفحة: 472
حاجة إليه، كالحشيشة المسكرة؛ لأن الشيخ تقي الدين ألحقها بالشراب المسكر حتى في الحد، وفرق بينها وبين البنج بأنها تشتهى 2375 وتطلب 2376، ولو خلط في كلامه أو سقط تمييزه بين الأعيان كان صار لا يعرف ثوبه من ثوب غيره، ويؤاخذ بسائر أقواله وبكل فعل يعتبر له العقل كإقرار وقذف وظهار وإيلاء وقتل وسرقة وزنا ونحو ذلك؛ لأن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد بالقذف، ولأنه فرط بإزالة عقله فيما يدخل فيه ضرر على غيره فألزم حكم تفريطه عقوبة له، ولا يقع الطلاق ممن أكره على شرب مسكر ونحوه لم يأثم بسكره بأن لم يتجاوز ما أكره عليه، (أو أكره) على الطلاق ظلما، كضرب وخنق وعصر ساق ونحوه، ولا يرفع ذلك عنه حتى يطلق، (أو هدد) هو أو ولده (من قادر) على ما هدد به بسلطنة أو تغلب، كلص وقاطع طريق، بقتل أو قطع طرف أو ضرب كثير، قال الموفق والشارح: "فإن كان يسيرا في حق [من] 2377 لا يبالي به فليس بإكراه، وإن كان في ذوي المروءات على وجه يكون إخراقا لصاحبه وغضا له وشهرة في حقه فهو كالضرب الكثير في حق غير" انتهى 2378، أو هدد بحبس أو أخذ مال يضره كثيرا وظن إيقاع ما هدد به (فطلق لذلك لم يقع) طلاقه، لحديث عائشة مرفوعا: "لا طلاق ولا عتق في إغلاق" رواه أحمد وغيره 2379، والإغلاق:
الجزء: 3 - الصفحة: 473
الإكراه؛ لأن المكره مغلق عليه في أمره مضيق عليه في تصرفه كمن أغلق عليه باب، ولأنه قول أحمل عليه بلا حق أشبه كلمة الكفر، وتجب الإجابة مع التهديد بقتل أو قطع طرف من قادر يغلب على الظن إيقاعه به إن لم يطلق لئلا يلقي بيده إلى التهلكة المنهي عنه، وروى سعيد وأبو عبيد: "أن رجلا على عهد عمر تدلى بحبل يشتار عسلا فأقبلت امرأته فجلست على الحبل فقالت: لتطلقها ثلاثا وإلا قطعت الحبل، فذكرها اللَّه تعالى والإسلام فأبت فطلقها ثلاثا، ثم خرج إلى عمر فذكر ذلك له، فقال له: ارجع إلى أهلك فليس هذا طلاقا" 2380 وكمكره ظلما من سحر ليطلق، قاله 2381 الشيخ تقي الدين، واقتصر عليه في الفروع 2382 قال في "الإنصاف" 2383: "قلت: بل هو من أعظم الإكراهات"، إلا من شتم أو أهين بالشتم = الطلاق، سنن الدارقطني 4/ 36، والحاكم، باب ثلاث جدهن جد.
.، كتاب الطلاق، المستدرك 2/ 198، والبيهقي، باب ما جاء في طلاق المكره، كتاب الخلع والطلاق، السنن الكبرى 7/ 357، والحديث قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وخالفه الذهبي وقال: "محمد بن عبيد لم يحتج به مسلم"، وحسن الحديث الألباني في الإرواء 7/ 113 بكثرة طرقه.
الجزء: 3 - الصفحة: 474
ليطلق فليس كمكره بل يقع طلاقه، لأن ضرره يسير، ومن قصد إيقاع الطلاق وقد أخره عليه دون دفع الإكراه وقع طلاقه، أو أكره على طلاق معينة فطلق غيرها، أو أكره على طلقة فطلق أكثر وقع طلاقه؛ لأنه غير مكره عليه، ولا يقع طلاق إن أكره على طلاق مبهمة من نسائه فطلق معينة، أو ترك التأويل بلا عذر لعموم الخبر، وينبغي له إذا أكره على الطلاق وطلق أن يتأول خروجا من الخلاف.
وإكراه على عتق وعلى يمين باللَّه وعلى ظهار كإكراه على طلاق فلا يؤاخذ بشيء منها في حال لا يؤاخذ فيها بالطلاق، ولا يقال: لو كان الوعيد إكراها لكنا مكرهين على العبادات فلا ثواب، لأن أصحابنا قالوا: يجوز أن يقال: إننا مكرهون عليها والثواب بفضله لا مستحقا عليه عندنا، ثم العبادات تفعل للرغبة ذكره في "الانتصار" 2384، ويقع الطلاق في النكاح المختلف في صحته كالنكاح بولاية فاسق أو بشهادة فاسقين، أو نكاح الأخت في عدة أختها ونحو ذلك؛ لأن الطلاق إزالة ملك بني على التغليب والسراية فجاز أن ينفذ في العقد الفاسد إذا لم يكن في نفوذه إسقاط لحق الغير، كالعتق ينفذ في الكتابة الفاسدة بالأداء كما ينفذ في الصحيحة، ويكون الطلاق في الفاسد بائنا فلا يستحق عوضا سئل عليه ما لم يحكم بصحته فيكون كالصحيح المتفق عليه، ولا يكون الطلاق في نكاح مختلف فيه بدعيا في حيض فيجوز فيه، لأن الفاسد لا يجوز استدامته كابتدائه ولا يسمى طلاق بدعة، ولا يصح خلع في نكاح فاسد لخلوه عن العوض، لأنه إذا كان الطلاق بائنا بلا عوض فلا يستحق عوضا ببذله؛ لأنه لا مقابل للعوض، ولا يقع طلاق في نكاح باطل إجماعا، كمعتدة وخامسة.
الجزء: 3 - الصفحة: 475
فصل
(ومن صح طلاقه) من بالغ ومميز يعقله (صح توكيله فيه و) صح (توكله) فيه؛ لأن من صح تصرفه في شيء تجوز فيه الوكالة بنفسه صح توكيله وتوكله فيه، ولأن الطلاق إزالة ملك فصح التوكيل والتوكل فيه كالعتق، ولوكيل لم يحد له حد أن يطلق متى شاء كالوكيل في البيع، ولا يطلق وقت بدعة من حيض أو طهر وطئ فيه فإن فعل حرم ولم يقع صححه الناظم 2385، وقيل: يحرم ويقع، قدمه في "الرعايتين" و"الحاوي الصغير" 2386 ذكره في "الإنصاف" 2387 وجزم بوقوعه في "الإقناع" 2388، وليس لوكيل أن يطلق أكثر من طلقة واحدة إلا أن يجعله الموكل له، ولا يملك وكيل بإطلاق موكل تعليق طلاق على شرط لأنه لم يؤذن فيه صريحا ولا عرفا، وإن وكل اثنين لم ينفرد أحدهما بالطلاق إلا بإذن صاحبه.
الجزء: 3 - الصفحة: 476
(ويصح توكيل امرأة في طلاق نفسها) متراخيا كـ (و) كيل (غيرها)، ويبطل برجوع زوج عنه وبما يدل عليه كوطئ، ولا تملك زوجة به أكثر من واحدة إلا أن جعله لها فتملك ما جعله لها لأن الحق له في ذلك، وإن قال لها: طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة أو ثنتين وقعت لأنها مأذونة فيه وفي غيره، وتملك الثلاث إذا قال: طلاقك بيدك؛ لأنه مفرد مضاف فيعم، وإن قال لزوجته: اختاري من ثلاث ما شئت لم يكن لها أن تختار أكثر من ثنتين لأن من للتبعيض.
الجزء: 3 - الصفحة: 477
فصل في سنة الطلاق وبدعته
(والسنة) لمن أراد الطلاق (أن يطلقها) أي زوجته (واحدة) رواه البخاري عن علي 2389 -رضي اللَّه عنه- (في طهر لم يجامعـ) ـها (فيه) -أي الطهر- ثم يدعها فلا يطلقها ثانية حتى تنقضى عدتها من الأولى، إذ المقصود من الطلاق فراقها وقد حصل فراقها بالأولى، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 2390 قال ابن مسعود وابن عباس: "طاهرات من غير جماع" 2391 إلا طلاقا في طهر متعقب في رجعة من طلاق في حيض فهو طلاق بدعة، لحديث ابن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فتغيظ فيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها
الجزء: 3 - الصفحة: 478
فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر اللَّه عز وجل أن تطلق لها النساء" رواه الجماعة إلا الترمذي 2392. (وإن طلق) زوجة (مدخولا بها في حيض) أو نفاس (أو طهر جامع فيه) ولم يستبن حملها (فـ) هو طلاق (بدعه محرم)، أو علقه على أكلها ونحوه مما يعلم وقوعه حالة الحيض والطهر الذي أصابها فيه فهو طلاق بدعة محرم، (ويقع) نصا 2393، لحديث ابن عمر، قال نافع: "وكان عبد اللَّه طلقها تطليقة فحسبت من طلاقها وراجعها كما أمره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" 2394، ولأنه طلاق من مكلف في محل الطلاق فوقع كطلاق الحامل، (لكن تسن رجعتها) من طلاق البدعة للخبر، وأقل أحوال الأمر
الجزء: 3 - الصفحة: 479
الاستحباب، وليزول 2395 المعنى الذي حرم الطلاق لأجله، فإن راجعها وجب إمساكها حتى تطهر لحديث: "ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر" 2396، فإذا طهرت سن إمساكها حتى تحيض ثانية ثم تطهر، ولو قال لها: إن قدم زيد أو قمت فأنت طالق، فوجد حال حيض طلقت للبدعة ولا إثم، وإن طلق ثلاثا بكلمة حرم نصا ووقعت 2397، ويروى ذلك عن عمر 2398 وعلي 2399 وابن مسعود 2400 وابن عباس 2401 وابن
الجزء: 3 - الصفحة: 480
عمر 2402، وعن مالك بن الحارث 2403 قال: "جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا.
فقال: إن عمك عصى اللَّه وأطاع الشيطان، فلم يجعل له مخرجا" 2404 ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ 2405 ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ 2406 ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ 2407 ومن جمع الثلاث لم يبق له أمر يحدث ولم يجعل اللَّه له مخرجا ولا من أمره يسرا، وروى النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد 2408 قال: "أخبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن رجلا طلق ثلاث طلقات جميعا، فغضب ثم قال: أيلعب بكتاب اللَّه وأنا بين
الجزء: 3 - الصفحة: 481
أظهركم؟ حتى قام رجل فقال: يا رسول اللَّه! ألا أقتله؟ " 2409 وفي حديث ابن عمر قال: "قلت: يا رسول اللَّه! أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ ، قال: إذن عصيت وبانت منك امرأتك" 2410 ولا فرق في ذلك بين ما قبل الدخول أو بعده، روى ذلك عن ابن عباس 2411، وأبي هريرة 2412، وابن عمر 2413، وعبد اللَّه بن عمر 2414، وعبد اللَّه بن
الجزء: 3 - الصفحة: 482
مسعود 2415، وأنس 2416، وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين والأئمة من بعدهم 2417، وكذا لو طلق ثلاثا بكلمات في طهر لم يصبها فيه، أو في أطهار قبل رجعة حرم ذلك نصا 2418 لما تقدم، لا إن طلق اثنتين فلا يحرم لأنهما لا يمنعان من رجعة فلم يسد المخرج على نفسه، لكنه فوت على نفسه طلقة جعلها اللَّه له من غير فائدة تحصل له بها فكان مكروها كتضييع المال، قاله في "الشرح" 2419، ولا بدعة في الثلاث بعد رجعة أو عقد، كإن طلقها طلقة ثم راجعها أو عقد عليها ثم طلقها أخرى ثم واجعها أو عقد عليها ثم طلقها الثالثة.
(ولا سنة ولا بدعة) لا في زمن ولا عدد (لـ) زوجة (مستبين حملها و) لا لزوجة (صغيرة أو آيسة) لأنها لا تعتد بالأقراء فلا تختلف عدتها، (و) [لا] 2420 لزوجة (غير مدخول بها)، لأنها لا عدة لها فتنضر بتطويلها، فلو قال الزوج لإحداهن: أنت طالق للسنة أو للبدعة طلقت في الحال؛ لأن طلاقها لا يتصف بذلك فتلغو الصفة
الجزء: 3 - الصفحة: 483
ويبقى الطلاق بدون الصفة فيقع في الحال، أو قال لإحداهن: أنت طالق للسنة طلقة وللبدعة طلقة وقعتا في الحال لما سبق، ويدين في غير آيسة إذا قال: أردت إذا صارت من أهل السنة أو البدعة لادعائه محتملا، ويقبل ذلك منه حكما لأنه فسر كلامه بما يحتمله وهو أعلم بنيته، وإن قاله لزوجة -لها سنة وبدعة وهي المدخول بها غير الحامل ذات الحيض- فواحدة تقع في الحال، لأنها لا تخلو من أحد الحالين فتقع المعلقة بها وتقع الأخرى في ضد حالها إذن، لأنها معلقة على ضد تلك الحال، أو قال لها: أنت طالق للسنة فقط، في طهر لم يطأها فيه وقع في الحال لوصفه الطلقة بصفتها فوقعت في الحال، أو قاله في حيض طلقت إذا طهرت لوجود الصفة، وفي طهر وطئ فيه طلقت إذا طهرت من الحيضة المستقبلة لما سبق.
الجزء: 3 - الصفحة: 484
فصل
وإن قال: أنت طالق أحسن الطلاق، أو أجمله أو أقربه أو أعدله أو أكمله أو أفضله ونحو ذلك، كالسنة 2421، فإن كانت في طهر لم يصبها فيه وقع في الحال، وإلا وقع إذا صارت من أهل السنة والحسن والكمال والفضل لأنه في ذلك الوقت مطابق للشرع موافق للسنة.
وأنت طالق أبشع الطلاق أو أقبحه أو أفحشه أو أردأه أو أنتنه ونحو ذلك كالبدع، فإن كانت حائضا أو في طهر وطيء فيه وقع في الحال، وإلا فإذا صارت في زمن البدعة؛ لأن حسن الأفعال وقبحها إنما هو جهة الشرع، فما حسنه فهو حسن وما قبحه فهو قبيح 2422، وإلا فالطلاق في نفسه في الزمانين واحد، إلا أن ينوي أحسن أحوالك أو أقبحها: أن تكوني مطلقة فيقع في الحال.
وإن قال لزوجته: أنت طالق طلقة حسنة قبيحة، أو طالق في الحال للسنة وهى حائض، أو في طهر وطئ فيه، أو أنت طالق في الحال للبدعة في طهر لم يطأها فيه طلقت في الحال إلغاء لقوله للسنة والبدعة.
ويباح خلع وطلاق بسؤال الزوجة ذلك على عوض زمن بدعة؛ لأن المنع منه لحق المرأة، فإذا رضيت بإسقاط حقها زال المنع.
الجزء: 3 - الصفحة: 485
فصل في صريح الطلاق وكنايته
فالصريح في الطلاق وغيره: ما لا يحتمل غيره بحسب الوضع العرفي من كل شيء وضع له اللفظ، والكناية: ما يحتمل غيره ويدل على معنى الصريح.
(ويقع) الطلاق ممن أتى (بصريح) غير حاك ونحوه (مطلقا) ولو كان هازلا أو لاعبا، قال ابن المنذر: "أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن هزل الطلاق وجده سواء".
2423 فيقع باطنا وظاهرا، لحديث أبي هريرة مرفوعا: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة"، راوه الخمسة إلا النسائي 2424، وكان فتح تاء أنت لأنه واجهها بالإشارة فسقط حكم اللفظ، أو كأن لم ينو الطلاق؛ لأن إيجاد 2425 هذا اللفظ من العاقل دليل إرادته، والنية لا تشترط للصريح لعدم احتمال غيره 2426.
وإن أراد أن يقول: طاهرا ونحوه فسبق لسانه بطالق، أو أراد أن يقول: طلبتك فسبق لسانه بطلقتك دين ولم يقبل حكما، أو قال: طالقا وأراد من وثاق، أو من زوج كان قبله، أو من نكاح سبق هذا النكاح وادعى ذلك، أو قال: أنت طالق وقال: أردت إن قمت فتركت الشرط، أو قال: أنت طالق إن قمت، ثم قال: وأردت وقعدت فتركته ولم أرد طلاقا دين فيما بينه وبين اللَّه؛ لأنه أعلم بنيته ولم يقبل منه ذلك حكما؛ لأنه خلاف الظاهر عرفا، فتبعد إرادته كما لو أقر بعشرة ثم قال: أردت
الجزء: 3 - الصفحة: 486
زيوفا 2427.
ومن قيل له: أطلقت امرأتك؟ أو قيل له: امرأتك طالق؟ فقال: نعم.
وأراد الكذب طلقت وإن لم ينو الطلاق؛ لأن نعم صريح في الجواب، والجواب الصريح بلفظ الصريح صريح، إذ لو قيل له: ألزيد عليك ألف؟ فقال: نعم، بيان إقرارا.
ولو قيل له: أخليتها؟ ونحوه من الكنايات فقال: نعم فكناية إن نوى الطلاق وقع وإلا فلا، أو قيل له: ألك امرأة؟ فقال: لا وأراد الكذب لم تطلق؛ لأنه كناية تفتقر إلى النية ولم توجد مع إرادة الكذب، وكذا إن نوى ليس لي امرأة تعفني وتخدمني ونحوه، وإني كمن لا امرأة له ولم ينو شيئا، فإن نوى الطلاق وقع.
وإن قيل لعالم بالنحو: ألم تطلق امرأتك؟ فقال: نعم لم تطلق؛ لأنه إثبات لنفي الطلاق، وتطلق امرأة غير النحوي لأنه لا يفرق بينهما في الجواب، وإن قال العالم بالنحو أو في غيره لقوله: ألم تطلق امرأتك؟ : بلى طلقت لأنه نفي، ونفي النفي إثبات فكأنه قال: طلقتها.
ومن قامت عليه بينة فأقر بوقوع طلاق ثلاث لتقدم يمين منه توهم وقوع الطلاق عليه فيها ونحوه ثم استفتى فأفتي أنه لا شيء عليه لم يؤاخذ بإقراره لمعرفة مستنده في إقراره بوقوع الطلاق ويقبل قوله، قال الشيخ تقي الدين: "بيمينه أن مستنده في إقراره بذلك إن كان ممن يجهله مثله" 2428.
الجزء: 3 - الصفحة: 487
وإن أخرج زوجته من دارها أو لطمها أو أطعمها أو ألبسها ونحوه وقال: هذا طلاقك طلقت وكان صريحا نصا 2429 فلو فسره بمحتمل كإن نوى أن هذا سبب طلاقك في زمن بعد هذا الوقت قبل حكما لعدم ما يمنع منه لاحتماله.
من كتب صريحا طلاق امرأته بما يبين وقع وإن لم ينوه؛ لأن الكتابة صريحة فيه، لأنها حروف يفهم منها المعنى، فإذا أتى بالطلاق وفهم منها وقع كاللفظ، ولقيام الكتابة مقام قول الكاتب، ولو قال كاتب الطلاق: لم أود إلا تجويد خصي، أو غم أهلي قبل؛ لأنه أعلم بنيته وقد نوى محتملا غير الطلاق أشبه ما لو نوى باللفظ غير الإيقاع، وإذا أراد غم أهله بتوهم الطلاق دون حقيقته لا يكون ناويا للطلاق.
ويقع الطلاق بإشارة مفهومة من أخرس لقيامها مقام نطقه، فلو لم يفهمها إلا بعض [الناس] 2430 فهي كناية بالنسبة إليه، وتأويله مع صريح إشارة مفهومة كتأويل غير أخرس مع نطق بصريح طلاق، وعلم مما تقدم أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ وكناية أو إشارة وكتابة لأخرس بما يبين طلاق كناطق وأولى، فأما القادر على الكلام فلا يصح طلاقه بإشارة ولو كانت مفهومة لقدرته على النطق.
وصريح الطلاق بلسان العجمي بهشتم 2431 -بكسر الموحدة والهاء وسكون الشين المعجمة وفتح التاء المثناة فوق-؛ لأنها في لسانهم موضوعة للطلاق يستعملونها فيه أشبه لفظ الطلاق بالعربية، ولو لم تكن صريحة في لسانهم لم يكن فيه صريح في
الجزء: 3 - الصفحة: 488
الطلاق، ولا يضر كونها بمعنى خليتك، فإن طلقتك كذلك إلا أنه لما كان موضوعا ومستعملا فيه كان صريحا، فمن قال 2432 عارفا معناه وقع ما نواه من طلقة وأكثر فإن لم ينو شيئا فواحدة كصريحه بالعربية، فإن زاد بسيار وقع ثلاثا.
وإن أتى به وبصريح الطلاق من لا يعرف معناه لم يقع عليه شيء كأنه لم يرد بلفظه معناه لعدم علمه.
(و) يقع ممن أتى (بكنايته مع النية) وكنايته 2433 نوعان: -
ظاهرة: وهي الألفاظ الموضوعة للبينونة لأن معنى الطلاق فيها أظهر.
وخفية: وهي الألفاظ الموضوعة لطلقة واحدة ما لم ينو أكثر.
فالظاهرة خمسة عشر: أنت خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وأنت حرة، وأنت الحرج -بفتح الحاء والراء- أي الإثم، وحبلك على غاربك، وتزوجى من شئت، وحللت للأزواج، ولا سبيل لي عليك، أو لا سلطان لي عليك، وأعتقتك، وغطي شعرك، وتقنعى.
والخفية عشرون: اخرجى، واذهبي، وذوقي، وتجرعي، وخليتك، وأنت مخلاة، وأنت واحدة، ولست لي بامرأة، أو اعتدي، واستبرئي، واعتزلي، والحقي بأهلك، ولا حاجة لي فيك، وما بقي شيء، وأغناك اللَّه، وإن اللَّه قد طلقك، واللَّه قد أراحك منى، وجرى القلم، ولفظ فراق وسراح وما تصرف منهما غير ما استثني من لفظ الصريح.
ولا يقع الطلاق بكناية ولو ظاهرة إلا مع النية لقصور رتبتها عن الصريح فوقف عملها
الجزء: 3 - الصفحة: 489
على النية تقوية لها لتلحقه فيـ[العمل] 2434، ولاحتمالها غير معنى الطلاق فلا تتعين له بدون نيته، وتكون مقارنة للفظ، فإن وجدت في ابتدائه وعزبت عنه في باقيه وقع الطلاق اكتفاء بها في أوله كسائر ما تعتبر له النية من صلاة وغيرها.
ولا يشترط لكناية نية طلاق حال خصومة أو غضب أو سؤال طلاقها اكتفاء بدلالة الحال، فلو لم يرده أو أراد غيره إذن دين فيما بينه وبين اللَّه ولم يقبل حكما لتأثير دلالة الحال في الحكم، كما يحمل الكلام الواحد على المدح تارة والذم أخرى بالقرائن، وكذا لو قال على خصومة: ليست أمي بزانية كان تعريضا بالقذف لمخاصمه، وفي غير خصومة يكون تنزيها لأمه عن الزنا، فتقوم دلالة الحال مقام القول فيه، فلا يقبل منه ما يخالفه لأنه خلاف الظاهر، ويقع بكناية ظاهرة ثلاث طلقات وإن نوى واحدة؛ لأنه قول علماء الصحابة منهم ابن عباس وأبو هريرة وعائشة 2435، وكان أحمد يكره الفتيا في الكناية الظاهرة مع ميله إلى أنها ثلاث 2436، ويقع بكناية خفية طلقة رجعية في مدخول بها؛ لأن مقتضاه الترك كصريح الطلاق دون البينونة، فإن نوى أكثر من واحدة وقع؛ لأنه لفظ لا ينافي العدد فوجب وقوع ما نواه به.
وقوله: كلي واشربي، واقعدي وقومي، وقربي، وبارك اللَّه عليك، وأنت مليحة
الجزء: 3 - الصفحة: 490
أو قبيحة، ونحوه لغو لا يقع به طلاق وإن نواه؛ لأنه لا يحتمل الطلاق.
(وصريحه) -أي الطلاق- (لفظ طلاق) أي المصدر فيقع بقوله: أنت الطلاق ونحوه (وما تصرف منه) -أي الطلاق- كطالق ومطلقة وطلقتك، (غير أمر) كاطلقي (و) غير (مضارع) كتطلقين (و) غير (مطلقة -بكسر اللام-) اسم فاعل فلفظ الإطلاق وما تصرف منه نحو: أطلقتك ليس بصريح، فيقع الطلاق من مصرح ولو كان هازلا أو لاعبا كما تقدم.
(وإن قال) لزوجته: (أنت علي حرام أو كظهر أمي) أو أختي ونحوه، (أو ما أحل اللَّه علي حرام فهو ظهلر ولو نوى) به (طلاقا)؛ لأنه صريح في تحريمها، وقوله: علي حرام، أو يلزمه مني الحرام، والحرام لازم لي لغو مع نية أو قرينة ظهار كانت علي حرام، وإن قاله لمحرمة بحيض ونحوه ونوى أنها محرمة به فلغو، وإن قال: ما أحل اللَّه علي حرام أعني به الطلاق وقع ثلاثا نصا 2437، وأعني به طلاقا وقع واحدة نصا 2438، أما في الأولى فإن أل للاستغراق أو العهد، ولا معهود فيحمل على الاستغراق فيتناول الطلاق كله بخلاف الثانية فقد ذكره منكرا فيكون طلاقا واحدا، وكذا قوله: أنت علي حرام أو الحل علي حرام أعني به الطلاق أو أعني به طلاقا بخلاف أنت علي كظهر أمي أعنى به الطلاق فلا يصير طلاقا؛ لأنه لا تصلح
الجزء: 3 - الصفحة: 491
الكناية به عنه ذكره في "الشرح" 2439 و"المبدع" 2440.
وإن قال: فراشي علي حرام فإن فوى امرأته فظهار، وإن نوى فراشه فيمين نصا 2441، فمتى جلس أو نام على فراشه فعليه كفارة يمين لحنثه، فإن لم ينو شيئا فالظاهر أنه يمين.
(وإن قال) لزوجته: أنت علي (كالميتة أو الدم وقع ما نواه) من طلاق؛ لأنه يصلح كناية فيه، فإذا اقترنت به النية انصرف إليه، فإن نوى عددا وقع وإلا فواحدة، ومن ظهار كأنت علي حرام، ومن يمين بأن يريد ترك وطئها لا تحريمها ولا طلاقها فتجب فيها الكفارة بالحنث، (ومع عدم نية) شيء من الثلاثة 2442 فـ (ظهار)؛ لأن معناه أنت علي حرام كالميتة والدم.
(وإن قال: حلفت بالطلاق) لا أفعل كذا أو لأفعلنه (وكذب) بأن لم يكن حلف بالطلاق (دين) فيما بينه وبين اللَّه (ولزمه) الطلاق (حكما) مؤاخذة له بإقراره، لأنه
الجزء: 3 - الصفحة: 492
يتعلق به حق آدمي معين فلم يقبل رجوعه عنه كإقراره له بمال ثم يقول: كذبت، وإن قالت امرأته: حلفت بالثلاث أو طلقتني ثلاثا فقال: بل واحدة، أو قالت: علقت طلاقي بقدوم زيد فقال: بل عمرو فقوله لأنه منكر لما تقوله، وهو أعلم بحال نفسه.
الجزء: 3 - الصفحة: 493
فصل
وإن قال لامرأته: أمرك بيدك فكناية ظاهرة تملك بها ثلاثا وإن نوى أقل نصا 2443 روي عن عثمان 2444 وعلي 2445 وابن عمر 2446 وابن عباس 2447؛ لأنه لفظ يقتضي العموم في جميع أمرها، لأنه اسم جنس مضاف فيتناول الطلقات الثلاث، أشبه ما لو قال: طلقي نفسك ما شئت، وإن قال: اختاري نفسك فكناية خفية ليس لها أن
الجزء: 3 - الصفحة: 494
تطلق بها، ولا بقوله: طلقي نفسك أكثر من واحدة.
قال أحمد: "هذا قول ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وعائشة" 2448 قالوا: "إن اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها"، رواه البخاري عنهم بإسناده 2449، ولا يكون أحق بها إلا إذا كانت رجعية، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ 2450 ولأنها طلقة بلا عوض لم تكمل عدد الطلاق بعد الدخول أشبه ما لو طلقها هو واحدة، ولها أن تطلق
الجزء: 3 - الصفحة: 495
نفسها متى شاءت ما لم يحد لها حدا فلا تتجاوزه، أو يفسخ ما جعله لها أو يطأها لدلالته على رجوعه نصا 2451 أو ترد هي فتبطل الوكالة كسائر الوكالات، إلا قوله: اختاري نفسك فيختص بالمجلس ما لم يشتغلا بقاطع نصا 2452، روي عن عمر وعثمان 2453 وابن مسعود 2454 وجابر 2455، فإن قام أحدهما من المجلس أو تشاغلا بقاطع قبل اختيارها كأن انتقلا من كلام إلى غيره أو تشاغلا بصلاة بطل اختيارها، وكذا إن كان أحدهما قائما فركب أو مشى بخلاف ما لو قعد، وإن كانت في صلاة فأتمتها لم يبطل خيارها.
وإن أكلت يسيرا أو سبحت يسرا أو قالت: بسم اللَّه أو أدع إلي شهودا أشهدهم على ذلك لم يبطل خيارها.
ولا يقع طلاق بقولها: اخترت بنية الطلاق حتى تقول: اخترت نفسي أو أبوي أو
الجزء: 3 - الصفحة: 496
الأزواج، فإن قالت: اخترت زوجي لم يقع شيء نصا 2456، ومتى اختلفا في نية فقول موقع الطلاق؛ لأنها لا تعلم إلا من جهته، وإن اختلافا في رجوع عن جعل طلاقها إليها ونحوه فالقول قول زوج؛ لأنهما اختلفا فيما يختص به ولو كان اختلافهما بعد إيقاع طلاق، ونص أحمد في رواية أبي الحارث 2457: "أنه لا يقبل بعده إلا ببينة تشهد أنه كان رجع قبل" 2458. قال المنقح: "وهو أظهر، وجزم به الشيخ تقي الدين" 2459، وكذا دعوى عتق رقيق وكل في بيعه بعد أن باعه الوكيل ونحو ذلك.
وقوله لزوجته: وهبتك لأهلك أو نفسك ونحوه فمع قبول تقع طلقة رجعية وإلا فلغو.
ومن طلق في قلبه لم يقع طلاقه لما تقدم، وإن تلفظ به أو حرك لسانه وقع ولو لم يسمعه في ظاهر نصه، قال في رواية ابن هانئ: "إذا طلق في نفسه لا يلزمه ما لم يلفظ أو يحرك به لسانه".
2460 بخلاف قراءة في صلاة وذكر يجب فيها فلا يجزئه إن لم يسمع يه نفسه، قال في "الفروع" 2461: "ويتوجه كقراءة في صلاة".
يعني أنه لا يقع طلاقه إذا حرك به لسانه إلا إذا تلفظ به بحيث يسمع نفسه إن لم يكن مانع.
الجزء: 3 - الصفحة: 497
فصل فيما يختلف به عدد الطلاق
(ويملك حر) ثلاث تطليقات (و) يملك (مبعض ثلاث تطليقات)؛ لأنه لا يمكن قسمته في حقه لاقتضاء الحال أن يكون له ثلاثة أرباع الطلاق وليس له ثلاثة أرباع فكمل في حقه، ولأن الأصل إثبات الطلاق الثلاث في حق كل مطلق خولف في كامل الرق وبقي فيما عداه على الأصل، ولو كان الحر والمبعض زوجي أمة.
(و) يملك (عبد) ولو طرأ رقه كذمي تزوج ثم لحق بدار حرب فاسترق قبل أن يطلق أو كان معه حرة (ثنتين) ولو مدبرا أو مكاتبا، روي ذلك عن عمر 2462 وعثمان 2463 وزيد 2464 وابن عباس 2465؛ لأنه خالص حق الرجل فاعتبر به كعدد المنكوحات، ولحديث الدارقطني عن عائشة مرفوعا: "طلاق العبد اثنتان فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وقرؤ الأمة حيضتان، وتتزوج الحرة على الأمة، ولا تتزوج الأمة على
الجزء: 3 - الصفحة: 498
الحرة" 2466 فلو علق عبد الطلقات الثلاث بشرط فوجد بعد عتقه وقعت لملكه لها حين الوقوع.
وإن قال الزوج لزوجته: أنت الطلاق، أو أنت طلاق، أو يلزمني الطلاق، أو الطلاق لازم لي أو الطلاق علي ولم يذكر المرأة أو علي يمين بالطلاق فصريح لا يحتاج إلى نية، سواء كان منجزا كانت الطلاق ونحوه، أو معلقا بشرط كأنت الطلاق إن دخلت الدار ونحوه، أو محلوفا به كأنت الطلاق لأقومن ونحوه؛ لأنه مستعمل في عرفهم.
قال الشاعر 2467:
فأنت الطلاق وأنت الطلاق ... وأنت الطلاق ثلاثا تماما
ولا ينافي ذلك كونه مجازا؛ لأنه يتعذر حمله على الحقيقة ولا محمل له يظهر سوى هذا المحمل فتعين فيه، ويقع به واحدة؛ لأن أهل العرف لا يعتقدونه ثلاثا ولا يعلمون أن أل فيه للاستغراق، وينكر أحدهم أن يكون طلاقا ثلاثا، ما لم ينو أكثر فيقع ما نواه، فمن معه عدد من زوجات وقال: علي الطلاق أو يلزمني ونحوه إن فعلت كذا وفعله وثم نية أو سبب يقتضي تعميما أو تخصيصا لبعض نسائه عمل به وإلا وقع بكل واحدة طلقة.
وإن قال لزوجته: أنت طالق ونوى ثلاثا فثلاث كنية الثلاث بقوله: أنت طالق طلاقا لأن المصدر يقع على القليل والكثير فقد نوى بلفظه ما يحتمله، وإن أطلق فواحدة لأنها
الجزء: 3 - الصفحة: 499
اليقين كما لو نوى واحدة.
وإن قال لها: أنت طالق واحدة، أو طالق واحدة بائنة، أو واحدة بتة، أو واحدة تملكين بها نفسك ولا عوض فواحدة رجعية في مدخول بها، ولو نوى أكثر من واحدة لوصفها بواحدة، والأصل فيها أن تكون رجعية فلا تخرج بوصفها بذلك عن أصلها وإنما كانت بائنا بالعوض لضرورة الافتداء.
وإن قال: أنت طالق واحدة ثلاثا، أو طالق ثلاثا واحدة، أو طالق بائنا، أو طالق البتة، أو طالق بلا رجعة فثلاث لتصريحه بالعدد، أو وصفه الطلاق بما يقتضي الإبانة.
وإن قال: أنت طالق هكذا وأشار بثلاث أصابع فثلاث، وإن أراد الإصبعين المقبوضتين فثنتان، ويصدق في إرادتهما لاحتماله؛ لأن العدد تارة يكون بقبض الأصابع وتارة يكون ببسطها، والقبض يكون في أول العدد دون البسط، وإن لم يقل هكذا بأن قال: أنت طالق وأشار بثلاث أصابع من غير أن يقول: هكذا وقع واحدة ما لم ينو أكثر.
ومن أوقع طلقة ثم قال: جعلتها ثلاثا ولم ينو استئناف طلاق بعدها فواحدة؛ لأنها لا تصير ثلاثا.
وإن قال لإحدى زوجتيه: أنت طالق واحدة بل هذه مشيرا للثانية ثلاثا طلقت المخاطبة أولا واحدة والأخرى ثلاثا لإيقاعه بهما كذلك، وإن قال لإحداهما: هذه طالق، لا بل هذه طالق مشيرا إلى كل واحدة منهما طلقتا.
وإن قال لزوجته: أنت طالق كل الطلاق أو أكثره أو جميعه أو منتهاه أو غايته أو أقصاه أو عدد الحصى أو القطر ونحوه فثلاث ولو نوى واحدة؛ لأن هذا اللفظ يقتضي
الجزء: 3 - الصفحة: 500
عددا، والطلاق له أقل وأكثر، فأقله واحدة وأكثره ثلاث.
وإن قال: أنت طالق كألف ونحوه فلو نوى في صعوبتها كألف دين وقبل حكما لأن لفظه يحتمله.
وإن قال: أنت طالق أشد الطلاق أو أغلظه أو أطوله أو أعرضه أو ملء البيت أو ملء الدنيا أو مثل الجبل أو عظمه ونحو ذلك فطلقة إن لم ينو أكثر؛ لأن هذا الوصف لا يقتضي عددا، وتكون رجعية في مدخول بها إن لم تكن مكملة لعدد الطلاق، فإن نوى أكثر وقع ما نواه.
وإن قال: أنت طالق من طلقة إلى ثلاث فثنتان؛ لأن ما بعد الغاية لا يدخل، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوأ الْصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ 2468، وإن قال: أنت طالق ما بين واحدة وثلاث فواحدة لأنها التي بينهما، وجزء طلقة كهي لأن مبناه على السراية كالعتق فلا يتبعض، فإذا قال لزوجته: أنت طالق نصف أو ثلث أو سدس طلقة فواحدة، أو قال: أنت طالق نصف طلقتين أو ثلث أو سدس أو ثمن طلقتين فواحدة أيضا، وأنت طالق نصفي طلقتين فثنتان؛ لأن نصفي الشيء جميعه فهو كأنت طالق طلقتين؛ أو أنت طالق ثلاثة أنصاف أو أربعة أثلاث أو خمسة أرباع طلقة فثنتان، أو أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقتين فثلاث نصا 2469؛ لأن نصف الثنتين واحدة وقد كرره ثلاثا أشبه أنت طالق ثلاثا، وإن قال: أنت طالق نصف طلقة وثلث طلقة وسدس طلقة ونحوه فثلاث لدلالة اللفظ، إذ كل جزء من طلقة غير التي منها الجزء الآخر وإلا لم يجتج إلى
الجزء: 3 - الصفحة: 501
تكرار لفظ طلقة، فيقع من كل واحدة جزء فيكمل.
وإن قال لأربع زوجاته: أوقعت بينكن أو عليكن طلقة أو ثنتين أو ثلاثا أو أربعا وقع بكل واحدة منهن طلقة، لاقتضاء اللفظ قسمة ما أوقعه بينهن، وإن قال للأربع: أوقعت بينكن خمس طلقات أو ستا أو سبعا أو ثمانيا، -وكذا إن لم يقل: أوقعت- وقع بكل واحدة منهن ثنتان لما تقدم، وإن قال: تسعا فأكثر أو طلقة وطلقة وطلقة وقع بكلل واحدة منهن ثلاث طلقات؛ لأن العطف اقتضى قسم كل طلقة على حدتها ثم يكمل الكسر قوله طلقتكن ثلاثا.
قال في "الشرح" 2470: "ويستوي في ذلك المدخول بها وغيرها في قياس المذهب، لأن الواو لا تقتضي ترتيبا".
وإن قال لزوجته: نصفك ونحوه أو بعضك أو جزء منك طالق طلقت، أو قال: دمك أو حياتك أو يدك أو إصبعك طالق ولها يد أو إصبع طلقت، لإضافته الطلاق إلى جزء ثابت استباحه بعقد النكاح أشبه الجزء الشائع، وإن قال: شعرك أو ظفرك أو سنك أو منيك أو روحك أو حملك أو سمعك أو بصرك أو سوادك أو بياضك طالق لم تطلق، قال أبو بكر 2471: "لا يختلف قول أحمد أنه لا يقع طلاق وعتق وظهار وحرام بذكر الشعر والظفر والسن والروح وبذلك أقول" انتهى 2472، لأن الروح ليست عضوا ولا شيئا يستمتع به أشبهت السمع والبصر، ولأنها تزول عن الجسد في حال سلامة الجسد، وهي حال النوم كما يزول الشعر، ولأن الشعر ونحوه أجزاء تنفصل منها حال السلامة أشبهت الريق والعرق، وعتق في ذلك كطلاق.
الجزء: 3 - الصفحة: 502
فصل فيما تخالف الزوجة المدخول بها غيرها
تطلق مدخول بها بوطء أو خلوة في عقد صحيح بقول زوجها لها: أنت طالق أنت طالق ثنتين؛ لأن اللفظ للإيقاع فيقتضي الوقوع كما لو لم يتقدمه مثله، إلا أن ينوي بتكراره تأكيدا متصلا أو إفهاما لانصرافه عن الإيقاع بنية ذلك، وغير المدخول بها تبين بالأولى نوى بالثانية الإيقاع أو لا، متصلا أو لا، روي ذلك عن علي وزيد بن ثابت 2473 وابن مسعود 2474.
فإن لم يتصل بأن قال للمدخول بها: أنت طالق وسكت ما يمكنه كلام فيه ثم أعاده لها طلقت ثانية ولو نوى التأكيد؛ لأنه تابع وشرطه الاتصال كسائر التوابع، وإن قال لمدخول بها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق وأكد الأولى بالثالثة لم يقبل للفصل بينهما بالثانية فتقع الثالثة، وإن أكد الأولى بهما قبل لعدم الفصل وتقع واحدة، أو قال: أردت تأكيد ثانية بثالثة قبل لما مر، وإن أطلق التأكيد فلم يعين تأكيد أولى ولا ثانية فواحدة لانصراف ما زاد عليها عن الإيقاع بنية التأكيد.
وإن قال لها: أنت طالق وطالق وطالق فثلاث طلقات مدخولا بها كانت أو غيرها؛ لأن الواو تقتضي الجمع بلا ترتيب، ويقبل منه حكما إرادة تأكيد ثانية بثالثة
الجزء: 3 - الصفحة: 503
لمطابقتها لها في لفظها، ولا يقبل منه تأكيد أولى بثانية لعدم مطابقتها لها باقترانها بالعطف دونها، وكذا الفاء فلو قال: أنت طالق فطالق فطالق فتطلق مدخول بها ثلاثا، ويقبل منه حكما تأكيد ثانية بثالثة لا أولى بثانية، وكذا ثم.
وإن غاير الحروف فقال: أنت طالق وطالق فطالق، أو أنت طالق ثم طالق فطالق لم يقبل منه إرادة تأكيد لعدم المطابقة في اللفظ.
ويقبل حكما تأكيد في قوله: أنت مطلقة أنت مسرحة أنت مفارقة إذا أراد تأكيد الأولى بما بعدها أو الثانية بالثالثة لأنه أعاد اللفظ بمعناه، ولا يقبل منه إرادة التأكيد مع واو أو فاء أو ثم بأن قال: أنت مطلقة وأنت مسرحة وأنت مفارقة، أو أنت مطلقة فمسرحة فمفارقة أو مطلقة ثم مسرحة ثم مفارقة؛ لأن حروف العطف تقتضي المغايرة.
وإن أتى بشرط عقب جملة اختص بها كقوله: أنت طالق أنت طالق إن دخلت الدار فتطلق مدخول بها بالأولى في الحال والثانية إذا دخلت الدار، أو أتى باستثناء عقب جملة اختص بها فأنت طالق أنت طالق إلا واحدة يقع اثنتان لاختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة فقد استثنى الكل، أشبه أنت طالق طلقة إلا طلقة، أو أتى بصفة عقب جملة نحو: أنت طالق أنت طالق صائمة اختص بها فتطلق الأولى في الحال والثانية إذا صامت بخلاف معطوف ومعطوف عليه إذا تعقبه بشرط أو استثناء أو صفة، فيعودان للكل، فقوله: أنت طالق ثم أنت طالق إن قدم زيد لا تطلق حتى يقدم فيقع طلقتان إن دخل بها وإلا فواحدة، وكذأ أنت طالق وطالق صائمة فتطلق بصيامها طلقتين.
الجزء: 3 - الصفحة: 504
وإن قال لها: أنت طالق لا بل أنت طالق فواحدة نصا 2475؛ لأنه صرح بنفي الأولى ثم أثبته بعد نفيه فالمثبت هو المنفي بعينه وهو الطلقة الأولى فلا يقع به أخرى، وهو قريب من الاستدراك، كأنه نسي أن الطلاق الموقع لا ينفى فاستدرك وأثبته لئلا يتوهم السامع أن الطلاق قد ارتفع بنفيه، فهو إعادة للأول لا استئناف طلاق.
وإن قال لها: أنت طالق فطالق، أو ثم طالق، أو بل طالق، أو بل أنت طالق، أو طلقة بل طلقتين، أو طلقة بل طلقة فثنتان؛ لأن حروف العطف تقتضي المغايرة، وبل من حروف العطف إذا كان بعدها مفرد كما هنا؛ لأن اسم الفاعل من المفردات وإن تحمل الضمير، وفي طلقة بل طلقتين الأولى داخلة فيهما.
أو قال: طالق طلقة قبل طلقة أو قبلها طلقة ولم يرد في النكاح قبل ذلك أو من زوج قبل ذلك فثنتان، فإن أراد في النكاح ومن زوج قبله فواحدة، ويقبل منه ذلك حكما إن كان وجد نكاح أو زوج قبله.
وإن قال: أنت طالق طلقة معها طلقة أو تحتها طلقة أو تحت طلقة أو طالق وطالق فثنتان مدخول بها كانت أو غيرها، لإيقاعه الطلاق بلفظ يقتضي وقوعه طلقتين فوقعتا معا كما لو قال: أنت طالق طلقتين.
وإن قال: أنت طالق طالق طالق فطلقة لعدم ما يقتضي المغايرة ما لم ينو أكثر فيقع ما نواه.
ومعلق في هذا كمنجز، فلو قال: إن قمت فأنت طالق وطالق وطالق فقامت فثلاث
الجزء: 3 - الصفحة: 505
ولو غير مدخول [بها] 2476؛ لأن الواو لمطلق الجمع كما تقدم، وإن قال: إن قمت [فأنت] 2477 طالق فطالق أو ثم طالق فقامت وقع بها طلقة إن لم يدخل بها؛ لأنها تبين بالأولى فلا تلحقها الثانية، وإن كانت مدخولا [بها] 2478 فثنتان لوقوع الأولى رجعية وهي يلحقها طلاقه، وإن قصد إفهاما وتأكيدا في مكرر متصل مع جزاء كقوله: إن قمت فأنت طالق إن قمت فأنت طالق يقصد إفهامها أو التأكيد فواحدة لصرفه عن الإيقاع كما سبق في المنجز.
الجزء: 3 - الصفحة: 506
فصل الاستثناء في الطلاق
وهو لغة: من الثني وهو الرجوع [يقال: ثنى] 2479 رأس البعير إذا عطفه إلى ورائه فكأن المستثني رجع في قوله إلى ما قبله 2480.
واصطلاحا: إخراج بعض الجملة بإلا أو ما قام مقامها غير وسوى وليس وعدا [و] 2481 خلا وحاشا من متكلم واحد 2482، فلا يصح أن يكون من متكلمين.
والاستثناء واقع في الكتاب والسنة ولسان العرب 2483.
(ويصح استثناء النصف فأقل)؛ لأنه كلام متصل أبان به أن المستثنى غير مراد بالأول فصح
الجزء: 3 - الصفحة: 507
كما لو أتى بما بعد المستثنى في المستثنى منه، فيصح الاستثناء (من طلقات) كأنت طالق ثلاثا إلا واحدة، (و) من (مطلقات) كنسائه طوالق إلا فلانة، (وشرط) بالبناء للمجهول في الاستثناء (تلفظ واتصال معتاد) لأن غير المتصل لفظ يقتضي رفع ما وقع بالأول، ولا يمكن رفع الطلاق إذا وقع بخلاف المتصل، إذ الاتصال يجعل اللفظ جملة واحدة فلا يقع الطلاق قبل تمامها ولولا ذلك لما صح التعليق، ولو كان الاتصال حكما كانقطاعه عما قبله بتنفس أو سعال أو عطاس بخلاف انقطاعه بكلام معترض أو سكوت طويل.
(و) شرط الاستثناء أيضا (نيته قبل تمام مستثنى منه) فإذا قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة لم يعتد بالاستثناء إن لم ينوه قبل قوله ثلاثا، وكذا شرط لاحق لآخر الكلام، كأنت طالق إن قمت فيشترط اتصاله عادة ونية قبل تمام أنت طالق، وكذا عطف مغاير نحو: أنت [طالق] 2484 أو لا فلا يقع به الطلاق إن اتصل عادة ونواه قبل تمام معطوف عليه، وكذا الاستثناء بالمشيئة ونية العدد حيث يؤثر ذلك؛ لأنها صوارف للفظ عن مقتضاه فوجب مقارنتها لفظا ونية كالاستثناء.
(ويصح) استثناء (بقلب من) أزواج (مطلقات) فلو قال من له أربع نسوة: نسائي طوالق، واستثنى واحدة منهن بقلبه لم تطلق؛ لأنه اسم عام يجوز التعبير به عن بعض ما وضع له، واستعمال العام في الخاص كثير، فينصرف اللفظ بنيته إلى ما أراده فقط، و (لا) يصح استثناء بقلب من (طلقات)، فلو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا واستثنى بقلبه إلا واحدة وقعت الثلاث؛ لأن العدد نص فيما يتناوله فلا يرتفع بالنية ما أثبت بنص اللفظ لأنه أقوى منها، وإن نوى بالثلاث اثنتين فقد استعمل في غير ما يصلح له فوقع مقتضى اللفظ ولغت النية، وإن قال [من] 2485 له أربع نسوة: نسائي الأربع طوالق واستثنى واحدة بقلبه طلقن كلهن لما سبق.
الجزء: 3 - الصفحة: 508
فصل في الطلاق في الماضي والمستقبل
إذا قال لامرأته: [أنت] 2486 طالق أمس أو قبل أن أتزوجك ونوى بذلك وقوعه إذن وقع في الحال لإقراره على نفسه بما هو أغلظ في حقه، [وإلا] 2487 ينو وقوعه لم يقع؛ لأن الطلاق رفع للاستباحة، ولا يمكن رفعها في الماضي كما لو قال لها: أنت طالق قبل قدوم زيد بيومين فقدم اليوم.
ولو مات أو أخرس أو جن قبل العلم بمراده لم يقع طلاقه؛ لأن العصمة ثابتة بيقين فلا تزول مع الشك فيما أراده.
وإن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا قبل قدوم زيد بشهر فلها النفقة إلى أن يبين وقوع الطلاق؛ لأنها محبوسة لأجله فإن قدم قبل مضي الشهر أو معه لم يقع طلاقا لأنه لابد من مضي جزء يقع [فيه] 2488 الطلاق بعد مضي الشهر، وإن قدم بعد مضي شهر وجزء يتسع لوقوع الطلاق تبين وقوعه وتبين أن وطاه بعد التعليق محرم إن بيان الطلاق بائنا ولها المهر بما نال من فرجها.
(و) إن قال لامرأته: (أنت طالق قبل موتي) فإنها حينئذ (تطلق في الحال)، وكذا قبل موتك أو موت زيد؛ لأن ما قبل موته من حين ما عقد الصفة محل للطلاق ولا مقتضى للتأخير، (و) إن قال لها: أنت طالق (بعده) -أي بعد موتي-[أو معه] 2489 فـ (لا تطلق) لحصول البينونة بالموت فلم يبق نكاح يزيله الطلاق، [وفي هذا الشهر أو اليوم أو السنة تطلق في الحال] 2490.
الجزء: 3 - الصفحة: 509
فصل
ويستعمل طلاق ونحوه استعمال القسم باللَّه تعالى، ويجعل جواب القسم جوابه في غير المستحيل، فمن قال لامرأته: أنت طالق لأقومن وقام لم تطلق وإلا طلقت، وأنت طالق لا أكلت غدا الرغيف وأكله حنث وإلا فلا، وأنت طالق ما أكلته لم يحنث إن كان صادقا، وأنت طالق لولا أبوك لطلقتك وبيان صادقا لم تطلق وإلا طلقت، وإن علقه بفعل مستحيل عادة وهو ما لا يتصور وجوده وإن وجد خارقا للعادة كقوله: أنت طالق إن صعدت السماء أو شاء الميت أو البهيمة، وأنت طالق إن طرت أولا طرت لم تطلق، أو علقه بفعل مستحيل لذاته كقوله: أنت طالق إن رددت أمس، أو إن جمعت بين الضدين ونحو ذلك لم تطلق حلفه باللَّه عليه؛ لأنه علقه بصفة لم توجد، ولأن ما يقصد تبعيده يعلق بالمحال، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ في سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ 2491، وإن علقه على نفي المستحيل كقوله: أنت طالق لأصعدن السماء، أو إن لم أصعدها، أو أنت طالق لأطيرن ونحو ذلك وقع في الحال؛ لأنه علقه على عدم فعل المستحيل، وعدمه معلوم في الحال وما بعده، ولأن الحالف على فعل الممتنع كاذب حانث تحقق عدم الممتنع فوجب أن يتحقق الحنث، وعتق وظهار وحرام ونذر ويمين باللَّه تعالى كطلاق 2492 فيما سبق تفصيله.
(و) إذا قال لامرأته: أنت طالق (غدا، أو) أنت طالق (يوم السبت ونحوه) كأنت
الجزء: 3 - الصفحة: 510
طالق في رجب (تطلق بأوله) أي أول يوم السبت، أو غد أو رجب أي بطلوع فجره، لأنه جعله ظرفا للطلاق، فكل جزء منه صالح للوقوع فيه، فإذا وجد ما يكون ظرفا له منها وقع كانت طالق إذا دخلت الدار حيث تطلق بدخول أول جزء منها، (فلو 2493 قال: أردت الآخر) منها لم يدين و (لم يقبل) منه حكما؛ لأن لفظه لا يحتمله، (و) إن قال: (إذا مضت سنة فأنت طالق) فـ (تطلق بمضي اثني 2494 عشر شهرا) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ 2495 أي شهور السنة، وتعتبر الشهور بالأهلة تامة كانت أو ناقصة، ويكمل شهر حلف في أثنائه بالعدد ثلاثين يوما، لأن الشهر اسم لما بين الهلالين، (وإن قال): أنت طالق إذا مضت (السنة فـ) تطلق (بانسلاخ) شهر (ذي الحجة) من السنة المطلق فيها لأنه عرفها بلام التعريف العهدية كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ 2496 والسنة المعروفة آخرها ذو الحجة.
وأنت طالق إذا مضى شهر فبمضي ثلاثين يوما تطلق لما مر، وإن قال: إذا مضى الشهر فأنت طالق فبانسلاخه تطلق لما سبق.
وإن قال: أنت طالق كل يوم طلقة وكان تلفظه بالتعليق نهارا وقع في الحال طلقة ووقعت الثانية في فجر اليوم الثاني إن كان دخل بها، وكذا تقع الثالثة بفجر اليوم
الجزء: 3 - الصفحة: 511
الثالث لما تقدم، وإن قال: أنت طالق في [كل] 2497 سنة طلقة تقع الأولى في الحال وتقع الثانية في أول المحرم الآتي عقبها، وكذا تقع الثالثة في أول المحرم الآتي بعد ذلك إن كانت في عصمته أو رجعية في العدة ليصادف الطلاق محلا للوقوع.
الجزء: 3 - الصفحة: 512
(فصل) في تعليق الطلاق بالشروط
جمع شرط وتقدم معناه 2498، والمراد هنا الشرط اللغوي، وهو ترتيب شيء غير حاصل في الحال من طلاق وغيره على شيء حاصل أو غير حاصل بحرف "إن" -بكسر الهمزة وسكون النون- وهي أم أدوات الشرط أو أحد أخواتها.
(ومن علق طلاقا ونحوه) كعتق وظهار ونذر (بشرط لم يقع) الطلاق (حتى يوجد) الشرط؛ لأنه زوال ملك بني على التغليب والسراية أشبه العتق، وليس له إبطال التعليق لأن إبطاله رفع له وما وقع لا يرتفع، فإن مات أحدهما قبل وجود الشرط أو استحال وجوده كأن قال: أنت طالق إن قتلت زيدا فمات زيد سقطت اليمين ولا حنث لعدم وجود الصفة، وإن قال: عجلت ما علقته أو أوقعته لم يتعجل لأنه حكم شرعي 2499 فلم يملك تغييره، (فلو لم يلفظ به) -أي الشرط- (وادعاه) دين لأنه أعلم بنيته، و (لم يقبل) منه ذلك (حكما) لأنه خلاف الظاهر.
(ولا يصح) تعليق طلاق (إلا من زوج) يصح تنجيزه منه حين التعليق، فمن قال: إن تزوجت امرأة فهي طالق لم يقع عليه إن تزوج ولو عين في قول أكثر أهل العلم 2500
الجزء: 3 - الصفحة: 513
وروي عن ابن عباس 2501 ورواه الترمذي عن علي 2502 وجابر بن عبد اللَّه 2503 لقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ 2504، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك، ولا طلاق فيما لا يملك"، رواه أحمد وغيره 2505، وعن المسور بن مخرمة 2506
الجزء: 3 - الصفحة: 514
مرفوعا: "لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك" رواه ابن ماجة 2507، ولأنه لو نجز الطلاق إذن لم يقع فكذا تعليقه.
ويصح تعليق مع تقدم شرط كإن قمت فأنت طالق، ومع تأخره (بصريح) كأنت طالق إن قمت (و) بـ (كنايته) -أي الطلاق- كأنت مسرحة إن دخلت الدار (مع قصد) الطلاق بالكناية، (ويقطعه) -أي التعليق- (فصل) بين الشرط وجوابه (بتسبيح) ونحوه كتهليل وتحميد وتكبير (و) بـ (سكوت) يمكنه كلام فيه ولو قل، و (لا) يضر فصل بين الشرط وجوابه بـ (كلام منتظم كأنت طالق يا زانية إن قمت) وإن قمت يا زانية فأنت طالق لأنه متصل حكما.
(وأدوات الشرط) أي الألفاظ التي يعين بها معناه المستعملة غالبا في طلاق وعتاق -بفتح العين- ست، (نحو إن) -بكسر الهمزة وسكون النون- (ومتى، وإذا) ومن -بفتح الميم- وأي -بفتح الهمزة وتشديد الياء- وكلما، وهي وحدها للتكرار بخلاف متى؛ لأن كلما تعم الأوقات، فهي بمعنى كل وقت، فمعنى كلما قمت قمت: كل وقت تقوم فيه أقوم، وأما متى فهي اسم زمان بمعنى أي وقت، وبمعنى إذا فلا تقتضي مالا يقتضيانه واستعمالها للتكرار في بعض الأحيان لا يمنع استعمالها في غيره، كإذا وأي فإنهما يستعملان في الأمرين، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي = ينظر: أسد الغابة 5/ 175، وسير أعلام النبلاء 3/ 390، والإصابة 6/ 93.
الجزء: 3 - الصفحة: 515
آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} 2508، ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ 2509، ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ 2510، وكذا أي وقت وأي زمان فإنهما يستعملان للتكرار، وسائر الحروف يجازي بها، إلا أنها لما كانت تستعمل للتكرار وغيره لا يحمل على التكرار إلا بدليل كذلك، وكل الأدوات المذكورة ومهما وحيثما على التراخي إذا تجردت عن لم أو نية فور أو قرينة، فأما إذا نوى الفورية أو كان هناك قرينة تدل عليها فإنه يقع في الحال ولو تجردت عن لم، فإذا اتصلت بلم صارت على الفور إلا إن فقط فإنها للتراخى نفيا وإثباتا مع عدم نية فور أو قرينة.
الجزء: 3 - الصفحة: 516
فصل في تعليق الطلاق بالحيض والطهر والحمل والولادة
إذا قال لامرأته: إذا حضت فأنت طالق يقع الطلاق في الحال بأول الحيض إن تبين كون الدم حيضا لوجود الصفة، وإلا يكن حيضا كإن نقص عن أقله لم يقع لأن الصفة لم توجد وكذا لو رأت 2511 دما قبل تمام تسع سنين أو وهي حامل أو آيسة، ويقع الطلاق فيما إذا قال: إذا حضت فأنت طالق بانقطاعه، ولا يعتد بحيضة علق الطلاق فيها بل يعتبر ابتداء الحيضة وانتهاؤها 2512 بعد التعليق.
وإن قال: كلما حضت فأنت طالق طلقت إذا شرعت في الثانية، وكذا تطلق الثالثة إذا شرعت فيها ويحسبان من عدتها ولا تحسب الحيضة الأولى من العدة؛ لأن الطلاق وقع في أولها فالباقي منها بعض حيضة، وبعض الحيضة لا يعتد به فلا بد من ثلاث حيضات بعد ذلك، فتنقضي عدتها بآخر حيضة رابعة وطلاقه في ثانية وثالثة غير بدعي؛ لأنه لا أثر له في تطويل العدة لأنها تحسب بخلافه في الأولى إذ لا تحسب منها كما تقدم، وإن قال: إذا حضت نصف حيضة فأنت طالق، فإذا مضت حيضة مستقرة تبينا وقوعه لنصفها؛ لأنه علقه بالنصف ولا يعرف إلا بوجود الجميع، ومتى ادعت من علق طلاقها بحيضها 2513 حيضا وأنكر زوجها فقولها بلا يمين؛ لأنها أمينة على نفسها، ولا يقبل قولها في ولادة إن لم يقر بالحمل، فإن أقر به رجح قولها.
الجزء: 3 - الصفحة: 517
وإذا قال لامرأته: إذا طهرت فأنت طالق وهي حائض فإذا انقطع الدم طلقت نصا 2514 لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ 2515 أي ينقطع دمهن، وإن لا تكن حائضا حين التعليق فإذا طهرت من حيضة مستقبلة طلقت؛ لأن أدوات الشرط تقتضي فعلا مستقبلا ولا يفهم من الكلام إلا ذلك.
وإذا قال لامرأته: إن كنت حاملا فأنت طالق فبانت حاملا زمن حلف وقع الطلاق من زمن الحلف لوجود الصفة وتبين أنها كانت حاملا بأن تلد دون ستة أشهر من حلفه، ويعيش أو لدون أربع سنين ولم توطأ بعد حلفه، وإلا يتبين كونها حاملا حين حلفه بأن تلد لأكثر من أربع سنين من حلفه لم تطلق لعدم وجود الصفة، أو وطئ بعد حلفه وولدت لستة أشهر فأكثر من أول وطئه لم تطلق لإمكان أن يكون الحمل من الوطء بعد الحلف، والأصل العصمة، وإن قال لها: إن لم تكوني حاملا فأنت طالق فبالعكس من التي قبلها، ويحرم وطؤها 2516 قبل الاستبراء في الصورتين لاحتمال أن يكون الطلاق وقع، وقبل زوال ريبة أو ظهور حمل في الصورة الثانية لاحتمال أن تحمل من الوطء بعد الحلف فيظهر أن الطلاق لم يقع وقد كان وقع فيكون ذريعة إلى إباحة المحرم، وأما في الأولى فيحرم قبل زوال ريبة وبعد ظهور حمل إن كان الطلاق بائنا نصا 2517 وإلا جاز؛ لأن وطء الرجعية مباح وتحصل به الرجعة، ويحصل استبراء
الجزء: 3 - الصفحة: 518
بحيضة موجودة أو مستقبلة أو ماضية لم يطأ بعدها لأن 2518 المقصود معرفة براءة رحمها، قال أحمد: "فإن تأخر حيضها أريت النساء من أهل المعرفة، فإن لم يوجد أو خفي عليهن انتظر عليها تسعة أشهر غالب مدة الحمل" 2519.
وإن قال لها: إن حملت أو إذا حملت فأنت طالق ونحوه لم يقع طلاق إلا بحمل متجدد، ولا يطؤها إن كان وطئ في طهر حلفه قبل حيض لاحتمال أن تكون حملت، ولا يطأ أكثر من مرة كل طهر لاحتمال أن تحمل منها إن كان الطلاق بائنا، وإن قال لها: إن كنت حاملا بذكر فأنت طالق طلقة، وبأنثى فثنتين فولدت ذكرين فأكثر فطلقة؛ لأنه جعل الطلقة مع وصف حملها بالذكورة، والطلقتين مع وصفه بالأنوثة، ولم توجد الأنوثة فلم تطلق أكثر من طلقة، وإن ولدت أنثى فأكثر مع ذو فأكثر وقع ثلاث طلقات ثنتان بالأنثى وواحدة بالذكر لوجود شرط التعليقين.
وإن قال لها: إن كان حملك ذكرًا فأنت طالق طلقة، وإن كان أنثى فأنت طالق اثنتين فولدتهما لم تطلق، أو قال لها: إن كان ما في بطنك [ذكرا] 2520 فأنت طالق واحدة، وإن كان أنثى فأنت طالق اثنتين، فولدتهما لم تطلق؛ لأنه جعل الذكر والأنثى خبرا عن الحمل وما في البطن، فيقتضي حصره في أحدهما ولم يتمحض ذكرا ولا أنثى، فلم يقع المعلق لعدم وجود شرطه، وما علق على ولادة يقع بإلقاء ما تصير به أمة أم ولد.
الجزء: 3 - الصفحة: 519
فصل في تعليقه بالطلاق والحلف
إذا قال لامرأته: إن طلقتك فأنت طالق ثم أوقعه عليها بائنا لم يقع ما علق من طلاق لأنه لم يصادف عصمة، كما لم يقع طلاق معلق على خلع لوجوب تعقب الصفة الموصوف، وإن أوقعه رجعيا وقع ثنتان طلقة بالمباشرة والأخرى بالصفة؛ لأنه جعل تطليقها شرطا لطلاقها وقد وجد الشرط، أو علقه بقيامها ثم بوقوع طلاقها بأن قال: إن قمت فأنت طالق ثم قال لها: إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق فقامت رجعية وقع ثنتان طلقة بقيامها وطلقة بوقوع طلاقه عليها، وإن قال لها: إن طلقتك فأنت طالق ثم قال لها: إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق ثم نجزه رجعيا وقع ثلاث واحدة بالمنجز وثنتان بالتعليق والوقوع، فلو قال: أردت بقولي: إذا طلقتك فأنت طالق إذا طلقتك طلقت بما أوقعت عليك ولم أرد عقد صفة دين لأنه محتمل، ولم يقبل منه حكما لأنه خلاف الظاهر.
وإن قال لمدخول بها: كلما طلقتك فأنت طالق ثم قال لها: أنت طالق فثنتان طلقة بالمنجز وأخرى بالتعليق، ولا تطلق أكثر لأن التعليق لم يوجد إلا مرة، وإن قال لها: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم وقع عليها طلاقه بمباشرة أو سبب بأن علقه على شيء فوجد فثلاث؛ لأن الثانية وقعت عليها فتطلق بها الثالثة إن وقعت الأولى والثانية رجعيتين؛ لأن البائن لا يلحقها طلاق.
ومن كتب لامرأته: إذا قرأت كتابي فأنت طالق فقرأ عليها وقع الطلاق إن كانت أمية لا تقرأ، لأن هذا هو الذي يراد بقراءتها، وإلا تكن أمية فلا تطلق بقراءة غيرها عليها لأنها لم تقرأه، والأصل استعمال اللفظ في حقيقته ما لم تتعذر، ومن حلف لا يقرأ
الجزء: 3 - الصفحة: 520
كتاب فلان فقرأه في نفسه ولم يحرك شفتيه حنث لانصراف يمينه إلى ما يعرفه الناس إلا أن ينوى حقيقة القراءة فلا يحنث إلا بها.
وإذا قال لامرأته: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم علق طلاقها بما فيه حنث على فعل كإن لم أدخل فأنت طلاق، أو أنت طالق لأقومن طلقت في الحال، أو علقه بما فيه منع من فعل كإن قمت فأنت طالق طلقت في الحال، أو علقه بما فيه تصديق خبر كانت طالق لقد قمت، أو إن هذا القول لصدق ونحوه طلقت في الحال، أو علقه بما فيه تكذيب خبر كأنت طالق إن لم يكن هذا القول كذبا طلقت في الحال لوجود الحلف بطلاقها تجوزا، لما فيه من المعنى المقصود بالحلف وهو الحث والمنع والتأكيد، وإن كان في الحقيقة تعليقا إلا أن اللفظ إذا تعذر حمله على الحقيقة حمل على مجازه لقرينة الاستحالة، لا إن علقه بمشيئتها أو مشيئة غيرها أو علقه بحيض أو طهر أو طلوع الشمس أو قدوم الحاج ونحوه، لأنه تعليق محض ليس في معنى الحلف.
وإن قال لامرأته: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، أو إن كلمتك فأنت طالق، وأعاده لها مرة أخرى فطلقة لأنه حلف أو كلام، وإن أعاده مرتين فثنتان، وإن أعاده ثلاثا [فثلاث] 2521 طلقات؛ لأن كل مرة يوجد فيها شرط الطلاق، وينعقد شرط طلقة أخرى ما لم يقصد إفهامها في قوله: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق فلا يقع، بخلاف ما لو أعاده من علقه بالكلام بقصد إفهامها، لأنه لا يخرج بذلك عن كونه كلاما، قال في "الفروع" 2522: "وأخطأ بعض أصحابنا وقال فيها
الجزء: 3 - الصفحة: 521
كالأولى ذكره في "الفنون" 2523. وتبين غير مدخول بها إذا أعاده بطلقة، فلا يلحقها ما بعدها، ولم تنعقد يمينه الثانية ولا الثالثة في مسألة الكلام في غير مدخول بها؛ لأنها تبين بشروعه في كلامها فلا يحصل جواب الشرط إلا وهي بائن، بخلاف مسألة الحلف فتنعقد يمينه الثانية؛ لأنها لا تبين إلا بعد انعقادها، فإن تزوجها بعد ثم حلف بطلاقها طلقت لوجود الحنث باليمين المنعقدة في النكاح السابق.
ولو قال لامرأتيه: إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان وأعاده وقع بكل منهما طلقة لما سبق، وإن لم يدخل بإحداهما فأعاده بعد أن وقع بكل منهما طلقة فلا طلاق لأن الحلف بطلاق البائن غير معتد به.
الجزء: 3 - الصفحة: 522
فصل في تعليقه بالكلام والإذن ونحو ذلك
(و) إذا قال لامرأته: (إن كلمتك فأنت طالق فتحققي أو تنحي ونحوه) كاسكتي اتصل ذلك بيمينه أو لا فإنها (تطلق)، وكذا لو سمعها تذكره بسوء فقال: الكاذب عليه لعنة اللَّه حنث نصا 2524 لأنه كلمها.
(وإن) قال لها: إن (بدأتك بالكلام فأنت طالق فقالت) له: (إن بدأتك به) أي بالكلام (فعبدي حر انحلت يمينه) لأنها كلمت أولا فلم يكن كلامه لها يعد ابتداء (وتبقى يمينها)، فإن بدأته بكلام حنثت لوجود الصفة، وإن بدأها بكلام انحلت يمينها لما سبق.
وإن علق طلاقها بكلامها لزيد فكلمته فلم يسمع لغفلة أو شغل، أو كلمته وهو مجنون أو سكران أو أصم يسمع لولا المانع، أو كاتبته أو راسلته ولم ينو مشافهتها له بالكلام حنث؛ لأن ذلك كلام، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ 2525، ولأن ظاهر اليمين هجرانها لزيد ولا يحصل مع مواصلته بالكتاب والمراسلة، وإن أرسلت إنسانا يسأل أهل العلم عن مسألة أو حديث فجاء الرسول فسئل المحلوف عليه لم يحنث؛ لأنها لم تقصده بإرسال الرسول، ولا يحنث إن كلمته ميتا أو غائبا أو مغمى عليه أو نائما؛ لأن التكليم فعل يتعدى إلى المكلم فلا يكون إلا في حال يمكنه الاستماع فيها.
الجزء: 3 - الصفحة: 523
(وإن) قال لامرأته: إن (خرجت بغير إذني ونحوه) كبغير علمي (فأنت طالق، ثم أذن لها فخرجت ثم خرجت) ثانيا (بغير إذن) طلقت، (أو أذن لها) في الخروج (ولم تعلم) بإذنه فخرجت (طلقت)؛ لأن الإذن هو الإعلام ولم يعلمها ولا يحنث بخروجها إن أذن لها فيه كلما شاءت نصا 2526 ما لم يجدد حلفا أو ينهاها.
وإن قال لها: إن خرجت إلى غير حمام بغير إذني فأنت طالق فخرجت له ولغيره طلقت؛ لأنه يصدق عليها إن خرجت للحمام.
ومتى قال من حلف لا تخرج زوجته إلا بإذنه وخرجت: كنت أذنت في خروجها وأنكرت قبل منه ببينة لا بدونها لوقوع الطلاق ظاهرا؛ لأن الأصل عدم الإذن.
الجزء: 3 - الصفحة: 524
فصل في تعليقه بالمشيئة
(وإن علقه) -أي الطلاق- (على مشيئتها) فقال: أنت طالق إن شئت، أو إذا شئت، أو متى شئت، أو أنى شئت، فإنها (تطلق بمشيئتها غير مكرهة) ولو كانت كارهة لوجود الصفة، أو كانت مشيئتها بعد تراخ أو بعد رجوع الزوج عن تعليقه بها؛ لأن الطلاق إزالة ملك علق على المشيئة فكان على التراخي كالعتق، والتعليق لا يبطل برجوعه عنه للزومه، وإن قيد المشيئة بوقت كأنت طالق إن شئت اليوم أو الشهر تقيدت به فلا يقع بمشيئتها بعده، ولا يقع إن قالت: شئت إن شئت ولو [شاء، أو] 2527، شئت إن 2528 شاء أبي ولو شاء أبوها؛ لأن المشيئة أمر خفي لا يصح تعليقه على شرط، وكذا شئت إن طلعت الشمس ونحوه نصا 2529 ونقل ابن المنذر الإجماع عليه 2530، لأنه لم يوجد منها مشيئة إنما وجد منها تعليق مشيئتها بشرط وليس تعليقها بذلك مشيئة.
(أو) علقه (بمشيئة اثنين) كقوله: أنت طالق إن شاء زيد وعمر، أو أنت [طالق] 2531 إن شئت و 2532 شاء أبوك، (فبمشيتئهما) يقع (كذلك)، ولو شاء أحدهما فورا والآخر
الجزء: 3 - الصفحة: 525
متراخيا وقع لوجود مشيئتهما، وإن قال لها: أنت طالق إن شاء زيد فشاء ولو كان مميزا يعقل المشيئة حينها، أو كان أخرس فشاء بإشارة مفهومة وقع الطلاق لصحته من مميز يعقله ومن الأخرس بالإشارة.
(وإن علقه على مشيئة اللَّه تعالى) كقوله: أنت طالق إن شاء اللَّه تعالى (تطلق في الحال، وكذا عتق)، فإذا قال لعبده: أنت حر إن شاء اللَّه تعالى يعتق في الحال نصا 2533، وذكر قول قتادة "شاء اللَّه الطلاق حين أذن فيه" 2534، ولأنه تعليق على ما لا سبيل إلى علمه فبطل كما لو علقه على شيء من المستحيلات، ولأنه إنشاء حكم في محل فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح، ولأنه يقصد بإن شاء اللَّه تأكيد الوقوع.
وإن قال لامرأته: أنت طالق إن قمت إن شاء اللَّه، أو أنت طالق إن لم تقومي إن شاء اللَّه، أو قال لأمته مثلا: إن قمت أو إن لم تقومي فأنت حرة إن شاء اللَّه، فإن نوى رد المشيئة إلى الفعل لم يقع الطلاق والعتق بفعل ما حلف على تركه أو بترك ما حلف على فعله؛ لأن الطلاق والعتق [هنا] 2535 يمين، لأنه تعليق على ما يمكن فعله وتركه، فشمله عموم حديث ابن عمر يرفعه: "من حلف على يمين فقال: إن شاء اللَّه فلا حنث عليه"، رواه الخمسة إلا أبا داود 2536، وعن أبي هريرة مرفوعا: "من حلف
الجزء: 3 - الصفحة: 526
باللَّه فقال: إن شاء اللَّه لم يحنث" رواه الترمذي وابن ماجة وقال: فله ثنياه 2537 فإذا قال لها: أنت طالق لتدخلن الدار إن شاء اللَّه لم تطلق دخلت أو لم تدخل؛ لأنها إن دخلت فقد فعلت المحلوف عليه، وإن لم تدخل علمنا أنه تعالى لم يشأ؛ لأنه لو شاء لوجد، فإن ما شاء اللَّه كان، وما 2538 لم يشأ لم يكن، وإلا ينو رد المشيئة إلى فعل بأن = موقوفا، وهكذا روي عن سالم عن ابن عمر موقوفا، ولا نعلم أحدا رفعه غير أيوب السختياني" ا. هـ. وكذا أخرجه أبو داود، باب الاستثناء في اليمين، كتاب الأيمان والنذور برقم (3261)، سنن أبي داود 3/ 225، والنسائي، باب الاستثناء، كتاب الأيمان والنذور برقم (3828) المجتبى 7/ 25، وابن ماجة، باب الاستثناء في اليمين، كتاب الكفارات برقم (2106) سنن ابن ماجة 1/ 680، وأحمد برقم (4496) المسند 2/ 68، والدارمي، باب الاستثناء في اليمين، كتاب النذور والأيمان برقم (2342) سنن الدارمي 2/ 242، وابن حبان، باب ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذ الخبر تفرد به أيوب السختياني، كتاب الأيمان برقم (4340) الإحسان 10/ 183، والحاكم، باب إذا شق إيفاء النذر على رجل فليكفر عن يمينه، كتاب الأيمان والنذور، المستدرك 4/ 303، وأخرجه البيهقي، باب الاستثناء في اليمين، كتاب الأيمان، السنن الكبرى 10/ 46، والحديث قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الإرواء 8/ 198.
الجزء: 3 - الصفحة: 527
لم ينو شيئا أو ردها للطلاق أو العتق وقع كما لو لم يذكر الفعل.
(وإن حلف لا يدخل دارا ولا يخرج منها فأدخل) بعض جسده (أو أخرج بعض جسده أو دخل طاق الباب) -أي باب الدار- لم يحنث، (أو) حلف أن (لا يلبس ثوبا من غزلها فلبس ثوبا فيه منه) أي من غزلها لم يحنث؛ لأنه كله ليس من غزلها، (أو) حلف أن (لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه لم يحنث)؛ لأنه لم يشربه كله، أو حلف أن لا يبيع عبده أو أن لا يهبه فباع أو وهب بعضه أو باع بعضه ووهب باقيه لم يحنث؛ لأنه لم يبعه كله ولا وهبه كله، أو حلف لا يسجن فلان على شيء فقامت بينة على الحالف بسبب الحق من قرض أو نحوه دون أن يقولا وهو باق عليه لم يحنث لإمكان صدقه بدفع الحق أو براءته منه، ويحكم عليه بما شهدا عليه به؛ لأن الأصل بقاؤه.
وإن حلف لا يشرب ماء هذا النهر فشرب حنث لصرف يمينه إلى البعض لاستحالة شربه جميعه، وكذا من حلف لا يأكل الخبز أو اللحم ولا يشرب الماء واللبن ونحوه من كل ما علق على اسم جنس أو اسم جمع فيحنث بالبعض.
وإن حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من نهر يأخذ منه حنث، أو حلف على امرأة لا يلبس من غزلها فلبس ثوبا فيه منه حنث؛ لأنه لبس من غزلها بخلاف ما لو قال: ثوبا من غزلها وتقدم، وإن قال لامرأته: إن لبست ثوبا أو لم يقل ثوب بل قال: إن لبست فأنت طالق ونوى ثوبا معينا قبل منه حكما؛ لأن لفظه يحتمله وصدقه ممكن سواء بيان حلفه بطلاق أو بغيره.
وإن حلف لا بات ببلد أو لا آكل ببلد فبات أو أكل خارج بنيانه لم يحنث؛ لأنه لم يبت أو يأكل فيه، ويحنث إن أكل أو بات بمسجدها؛ لأنه يعد منها ولو كان خارجها
الجزء: 3 - الصفحة: 528
قريبا منها عادة.
ولو قال: إن كانت امرأتي في السوق فعبدي حر، وإن كان عبدي في السوق فامرأتي طالق وكانا فيه عتق العبد ولم تطلق المرأة؛ لأن العبد عتق باللفظ الأول فلم يبق له بالسوق عبد.
وإن قال لامرأته: أنت طالق إذا رأيت الهلال أو عند رأسه وقع الطلاق إذا رؤي الهلال منها أو من غيرها وقد غربت الشمس، أو تمت العدة بتمام الشهر قبله ثلاثين يوما؛ لأن رؤية الهلال في عرف الشرع العلم بأول النهر، حديث: "إذأ رأيتم 2539 الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا" 2540 والمراد رؤية البعض وحصول العلم فانصرف لفظ الحالف إلى عرف الشرع، كقوله: إذا صليت فأنت طالق فإنه ينصرف إلى الصلاة الشرعية لا الدعاء، ولا تطلق برؤية الهلال قبل الغروب، وإن نوى إداركه بحاسة البصر خاصة أو من غيرها أو نوى حقيقة رؤيتها قبل منه حكما؛ لأن لفظه يحتمله فلا تطلق حتى تراه في الثانية أو يرى في الأولى وهو هلال إلى ثالثة ثم يقمر، فلو نوى حقيقة رؤيتها فلم تره حتى أقمر لم يحنث.
ومن حلف عن شيء لا يفعله ثم قعله مكرها أو مجنونا أو مغمى عليه أو نائما لم يحنث، وإن فعله ناسيا لحلفه أو جاهلا أنه المحلوف عليه أو الحنث به كمن حلف لا يدخل دار زيد فدخل جاهلا أنها دار زيد، أو حلف لا يبيع ثوب زيد فدفعه زيد لآخر
الجزء: 3 - الصفحة: 529
ليدفعه للحالف فباعه غير عالم حنث في طلاق وعتق فقط، أو عقد اليمين يظن صدق نفسه فبان بخلافه حنث في طلاق وعتق؛ لأن كل منهما معلق بشرط وقد وجد، ولأنه تعلق 2541 به حق آدمي كإتلاف دون اليمين المكفرة فلا يحنث فيها نصا 2542 لأنه محض حق للَّه تعالى فيدخل في عموم حديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" 2543، وإن حلف
الجزء: 3 - الصفحة: 530
على شيء ليفعله فتركه مكرها لم يحنث؛ لأن الترك لا يضاف إليه، أو يتركه ناسيا لم يحنث قطع به في "التنقيح" 2544 و"المنتهى" 2545، ومقتضى كلام جماعة يحنث في طلاق وعتق كما قبلها، وقطع به في "الإقناع" 2546.
ومن يمتنع بيمين الحالف كزوجته وولده وغلامه ونحوهم وقصد بيمينه منعه كهو، فمن حلف على نحو زوجته لا تدخل دار فدخلتها ناسية أو جاهلة ليمينه فعلى ما سبق يحنث في طلاق وعتق فقط، وإن قصد أن لا يخالفه وفعله كرها لم يحنث، وإن حلف على من لا يمتنع بيمينه كأجنبي وذي سلطان حنث بالمخالفة مطلقا.
وإن حلف لا يدخل على فلان بيتا، أو لا يكلمه، أو لا يسلم عليه، أو لا يفارقه حتى يقضيه حقه، فدخل بيتا هو فيه ولم يعلم به أو سلم على قوم هو فيهم ولم يعلم به أو قضاه حقه فخرج رديئا أو أحاله به ففارقه ظنا منه أنه قد بر حنث لفعله ما حلف عنه قاصدا له، إلا في السلام إذا سلم عليه، أو سلم على قوم هو فيهم، أو كلمهم ولم يعلم به فلا حنث؛ لأنه لم يقصده بسلامه أو كلامه، وإن علم به فيهم ولم ينوه = قال الحافظ ابن حجر: "تكرر هذا الحديث في كتب الفقهاء والأصوليين بلفظ: "رفع عن أمتي" ولم نره بها في الأحاديث المتقدمة عند جميع من أخرجه" ا. هـ. التلخيص الحبير 1/ 283، وقال الإمام السخاوي: "ومجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلًا".
ا. هـ المقاصد الحسنة ص 230.
الجزء: 3 - الصفحة: 531
بسلام أو كلام ولم يستثنه بقلبه (حنث) 2547 لأنه سلم عليه عالما به أشبه ما لو سلم عليه منفردا.
(و) إن حلف (ليفعلن شيئا) فإنه (لا يبر إلا بفعله)؛ لأن اليمين تناولت فعل الجميع فلم يبر إلا به، فمن حلف ليأكلن الرغيف لم يبر حتى يأكله (كله)، أو حلف ليدخلن الدار لم يبر حتى يدخلها يحملته (ما لم يكن له نية) تخالف ظاهر قوله فلا يحنث إذا فعل البعض، (وإن فعل المحلوف عليه ناسيا أو جاهلا) أنه المحلوف عليه (حنث في طلاق وعتاق) فقط وتقدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 532
فصل في التأويل في الحلف
(وينفع) حالف (غير ظالم) بحلفه (تأول بيمينه)، وهو أن يريد الحالف بلفظه ما يخالف ظاهره، وسواء في ذلك الحلف بالطلاق والعتاق واليمين المكفرة، كالحلف باللَّه تعالى، أو بالظهار، أو النذر، فإن بيان الحالف ظالما كالذي يستحلفه الحاكم عن حق عنده لم ينفعه تأوله، قال في "المبدع" 2548: "بغير خلاف نعلمه".
وكانت يمينه منصرفة إلى ظاهر الذي عنى المستحلف، لقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" 2549 وفي لفظ: "اليمين على نية المستحلف" رواه مسلم 2550.
الجزء: 3 - الصفحة: 533
وإن كان الحالف مظلوما كالذي يستحلفه ظالم على شيء لو صدقه لظلمه أو ظلم غيره أو نال مسلما منه ضرر فهنا له تأويله، لحديث سويد بن حنظلة 2551 قال: "خرجنا نريد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ومعنا وائل بن حجر 2552، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي فخلى بسبيله، فأتينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرنا له ذلك فقال: كنت [أبرهم] 2553 وأصدقهم، المسلم أخو المسلم" رواه أبو داود 2554، وقال = يمينه، كتاب الكفارات برقم (2120) سنن ابن ماجة 1/ 685، والبيهقي، باب اليمين على نية المستحلف في المحكومات، كتاب الأيمان، السنن الكبرى 10/ 65.
الجزء: 3 - الصفحة: 534
رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن في المعارض مندوحة عن الكذب" رواه الترمذي 2555، قال محمد ابن سيرين 2556: "الكلام أوسع من أن يكذب ظريف بذلك" 2557 أي الكيس الفطن، فإنه يفطن للتأويل فلا حاجة إلى الكذب.
وكذا إن لم يكن الحالف ظالما أو مظلوما ولو كان التأويل بلا حاجة إليه؛ لأنه عليه السلام كان يمزح 2558 ولا يقول إلا حقا، ومزاحه أن يوهم السامع بكلامه غير ما عناه وهو التأويل، قال عليه السلام لعجوز: "لا تدخل الجنة عجوز" 2559.
ويقبل منه حكما دعوى التأويل مع قرب الاحتمال ومع توسطه لعدم مخالفة
الجزء: 3 - الصفحة: 535
الظاهر، ولا يقبل منه مع بعده، فمن أمثلة التأويل: أن ينوي باللباس الليل، وبالفراش والبساط الأرض، وبالأوتاد الجبال، وبالسقف والبناء السماء، وبالأخوة أخوة الإسلام، وينوي بقوله: ما ذكرت فلانا أي ما قطعت ذكره وما رأيته ما ضربت رئته، وينوي بنسائه طوالق أي نسائه الأقارب، كبناته وعماته وخالاته ونحوهن، وينوي بجواريي أحرار أي سفنه، وما كاتبت فلاتا ولا عرفته ولا أعلمته ولا سألته حاجة ولا أكلت له دجاجة ولا فروجة ولا في بيتي فرش ولا حصير ولا بارية، ويعني بالمكاتبة مكاتبة الرقيق، وبقوله: ما عرفته أي ما جعلته عريفا، ويعني بإعلامه أي جعله أعلم الشفة أي مشقوقها، وينوي بالحاجة شجرة صغيرة، وبالدجاجة الكبة من الغزل، وبالفروجة الدراعة، وبالفرش صغار الإبل، وبالحصير الحبس، وبالبارية السكين التي يبرأ بها الأقلام.
وما أكلت من هذا شيء ولا أخذت منه، ويعني بالمشار إليه الباقي بعد أكله وأخذه فلا حنث في ذلك كله حيث لم يكن ظالما؛ لأن لفظه يحتمل ما نوى.
وإن استحلفه ظالم ما لفلان عندك وديعة وهي عنده، وحلف وقصد بما الذي فكأنه قال: الذي لفلان عندي وديعة، أو نوى ماله عندي وديعة غير المطلوبة، أو نوى ماله عندي وديعة في مكان كذا فلا حنث؛ لأنه صادق، وكذا لو استحلفه ظالم بطلاق وعتاق أن لا يفعل ما يجوز فعله، أو أن يفعل ما لا يجوز فعله فحلف بالطلاق ثلاثا ونوى بقوله طالق من عمل تعمله كخياطة وغزل لا طلاق من عصمته ونوى بقوله ثلاثا ثلاثة أيام.
أو قال له ظالم: قل زوجتي طالق إن فعلت كذا، أو كل زوجة لي طالق إن فعلت كذا، ونوى زوجته العمياء أو اليهودية أو الحبشية ونحوه، أو نوى بقوله: كل زوجة
الجزء: 3 - الصفحة: 536
تزوجتها بالصين 2560 ونحوه ولا زوجة للحالف على الصفة المذكورة لم يحنث، وكذا لو نوى إن كنت فعلت كذا بالصين أو نحوه من الأماكن التي لم يفعله فيها لم يحنث، ومن حلف ما فلان هنا وعنى موضعا ليس فيه لم يحنث لأنه صادق، ومن حلف على زوجته لا سرقت مني شيئا فخانته في وديعة لم يحنث إلا إن نوى بالسرقة الخيانة.
ولو حلف ليعبدن اللَّه تعالى عبادة ينفرد بها دون جميع الناس في وقت تلبسه بها بر بالطواف وحده أسبوعا بعد أن يخلى له المطاف.
الجزء: 3 - الصفحة: 537
فصل في الشك في الطلاق
وهو التردد بين أمرين لا مرجح لأحدهما على الآخر 2561، وهو هنا مطلق التردد بين وجود المشكوك فيه من طلاق أو عدده أو شرطه وعدمه، فيدخل فيه الظن والوهم.
(ومن شك في طلاق أو) شك فيـ (ما علق عليه) الطلاق ولو كان المعلق عليه عدميا، كإن لم يقم زيد يوم كذا فزوجتي طالق، وشك في قيامه في ذلك اليوم بعد مضيه (لم يلزمه) طلاق؛ لأن الأصل بقاء العصمة إلا أن يثبت المزيل، كالمتطهر يشك في الحدث، وسن ترك وطء قبل رجعة إن كان الطلاق رجعيا خروجا من الخلاف، وتمام التورع قطع الشك بها حيث أمكنت، لحديث: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" 2562، أو بعقد جديد أمكن لتيقن الحل، وإلا يمكن رجعة ولا عقد بأن كان المشكوك فيه متمما 2563 لعدد ما يملكه فقطع الشك بفرقة متيقنة بأن يقول: إن لم تكن طلقت فهي طالق لئلا تبقى معلقة، ومتى لم يطلقها لم تحل لغيره.
(أو) شك (في عدده) -أي الطلاق الواقع عليه- (رجع إلى اليقين) وهو الأقل لما سبق، فمن قال لامرأته: أنت طالق بعدد ما طلق زيد زوجته وجهل فطلقة؛ لأنها المتيقنة، وإن قال لامرأتيه: إحداكما طالق ونوى معينة منهما طلقت المنوية؛ لأنه
الجزء: 3 - الصفحة: 538
عينها بنيته أشبه ما لو عينها بلفظه، وإلا ينوى معينة أخرجت المطلقة منهما بقرعة نصا 2564، روي عن علي 2565 وابن عباس 2566، كمعينة منسية أشبه ما لو عينها.
وكقوله: عن طائر إن كان غرابا فحفصة طالق، وإلا يكن غرابا فعمرة طالق، وذهب الطائر وجهل فيقرع بينهما، فتطلق من أخرجتها القرعة؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة المطلقة منهما عينا فهما سواء، والقرعة طريق شرعي لإخراج المجهول 2567، وإن ماتتا أو إحداهما وكان نوى المطلقة حلف لورثة الأخرى أنه لم ينوها أو للحية ولم يرث الميتة، وإن كان لم ينو أحدهما أقرع، وإن مات قبل القرعة أقرع ورثته لقيامهم مقامه، ويحرم وطؤه إحداهما ودواعيه قبل القرعة إن كان الطلاق بائنا لوقوع الطلاق بأحدهما يقينا فيحتصل أن يصادفها، وتجب النفقة للزوجتين إلى القرعة؛ لأنهما محبوستان لحقه في حكم الزوجية، ومتى ظهر بعد خروج القرعة لإحديهما أن المطلقة غير المخرجة بأن ذكرها بعد نسيانه ردت المخرجة لزوجها؛ لأنه لم يقع عليها طلاقه فيها بصريح ولا كناية، والقرعة لا حكم لها مع الذكر، فإذا علم المطلقة رجع إلى قوله؛ لأنه لا يعلم إلا منه، ولأنه إنما منع منها بالاشتباه فإذا زال عنها ردت إليه، كما لو علمت مذكاة بعد أن اشتبهت بميتة، ما لم تتزوج فلا ترد إليه
الجزء: 3 - الصفحة: 539
لتعلق حق غيره بها فلا يقبل قول في إبطاله كسائر الحقوق، أو ما لم يحكم بالقرعة، أو يقرع الحاكم بينهن؛ لأنها لا يملك الزوج رفعها كسائر الحكومات.
(وإن قال) زوج (لمن) -أي امرأة- (ظنها زوجته) سماها أم لم يسمها: (أنت طالق طلقت زوجته) اعتبارا بالقصد دون الخطاب (لا عكسها) بأن قال لامرأته ظانا أنها أجنبية: أنت طالق، أو قال: تنحي يا مطلقة لم تطلق امرأته، قاله أبو بكر 2568، ونصره في "الشرح" 2569 لأنه لم يردها بذلك، وصححه في "الاختيارات" 2570 ومشى عليه في "الإقناع" 2571، ويخرج على قول ابن حامد 2572 أنها تطلق، قاله في "المبدع" 2573، وجزم به في "المنتهى" 2574، واعتمده صاحب
الجزء: 3 - الصفحة: 540
"الغاية" 2575، وكذا العتق في جميع ما تقدم.
(ومن أوقع بزوجته كلمة) وجهلها (وشك) فيها (هل هي طلاق أو ظهار لم يلزمه شيء)؛ لأن الأصل عدمها ولم يتيقن أحدهما.
وإن شك هل ظاهر من زوجته أو حلف باللَّه تعالى لا يطؤها لزمه بحنث أدنى كفارتيهما وهو كفارة اليمين باللَّه تعالى؛ لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه، والأحوط أعلاها.
الجزء: 3 - الصفحة: 541
﴿فصل﴾ فى الرجعة
وهي بالفتح: فعل المرتجع مرة واحدة، فلهذا اتفق الناس على فتحها 2576. وشرعا: إعادة مطلقة طلاقا غير بائن إلى ما كانت عليه قبل الطلاق بغير عقد نكاح 2577، وأجمعوا عليها 2578، لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ 2579، وحديث ابن عمر حين طلق امرأته فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مره فليراجعها" رواه مسلم وغيره 2580، و"طلق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حفصة ثم راجعها"، رواه أبو داود وغيره 2581، وقال ابن المنذر: "أجمع
الجزء: 3 - الصفحة: 542
أهل العلم على أن الحر إذا طلق دون الثلاث والعبد دون الاثنتين أن لهما الرجعة في العدة" 2582، (وإذا طلق حر) ظاهره ولو مميزا يعقله؛ لأن الرجعة إمساك وهو يملكه لا وليه (من) أي زوجة (دخل) بها (أو خلا بها) في نكاح صحيح طلاقا (أقل من ثلاث، أو) طلق (عبد) من دخل أو خلا بها في نكاح صحيح طلقة (واحدة) بـ (لا عوض) من المرأة أو من غيرها (فيهما) -أي في طلاق الحر والعبد- (فله) -أي المطلق حرا كان أو عبدا- رجعتها في عدتها، وظاهره ولو بلا إذن سيد زوج، (ولولي مجنون) طلق بلا عوض دون ما يملكه وهو عاقل ثم جن في عدة (رجعتها في عدتها مطلقا) رضيت أو كرهت لقيام ولي المجنون مقامه خشية الفوات بانقضاء عدتها، فإن لم يكن دخل بها أو خلا بها فلا رجعة، وكذا إذا كان النكاح فاسدا، كبلا ولي أو شهود 2583 فيقع فيه الطلاق بائنا ولا رجعة.
وتحصل الرجعة بلفظ راجعتها ورجعتها وارتجعتها وأمسكتها ونحوه.
(وسن لها) -أي الرجعة- (إشهاد) وليس هو من شرطها [لأنها] 2584 لا تفتقر إلى قبول كسائر حقوق الزوج 2585، وكذا لا تفتقر إلى ولي ولا صداق ولا رضى المرأة ولا علمها
الجزء: 3 - الصفحة: 543
إجماعا 2586؛ لأن حكم الرجعية حكم الزوجات، والرجعة إمساك لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 2587. (وتحصل) الرجعة (بوطئها مطلقا) ولو لم ينو الرجعة بالوطء؛ لأن الطلاق سبب زوال الملك، ومعه خيار، فتصرف المالك بالوطء في مدته يمنع عمله كوطء البائع الأمة المبيعة في مدة الخيار، ولا تحصل رجعتها بإنكار طلاقها لأنه مناف لوجوب حقه، ولا تحصل بمباشرة دون فرج ولا بنظر لفرج، وكذا خلوة لشهوة إلا على قول، قال المنقح: "اختاره الأكثر" انتهى 2588، قياسا على إلحاقها بالوطء في تكميل المهر ووجوب العدة، (والرجعية زوجة) يملك زوج منها ما يملكه ممن لم يطلقها، فيصح [أن] 2589 تلاعن وأن تطلق ويلحقها ظهاره وإيلاؤه، ويرث أحدهما صاحبه إجماعا 2590، ويصح خلعها لأنها زوجة يصح طلاقها ونكاحها باق فلا تأمن رجعته فهي زوجة (في غير قسم) صرح به الموفق وغيره 2591، ولها أن تتشرف لمطلقها وتتزين كما تزين النساء
الجزء: 3 - الصفحة: 544
لأزواجهن لإباحتها له كما قبل الطلاق، وله السفر والخلوة بها.
(وتصح) رجعة (بعد طهر من حيضة ثالثة قبل غسل) نصا 2592، وروي عن عمر 2593 وعلي 2594 وابن مسعود 2595؛ لأن أثر الحيض يمنع الزوج الوطء كما يمنعه الحيض، فيحرم وطؤها قبل الغسل، فوجب أن يمنع ذلك ما يمنعه الحيض ويوجب ما أوجبه الحيض كما قبل انقطاع الدم، وتنقطع بقية الأحكام من التوارث والطلاق واللعان والنفقة وغيرها بانقطاع الدم، وتصح الرجعة قبل وضع ولد متأخر إن كانت حاملا بعدد، وقبل خروج بقية ولد لبقاء العدة.
ولا يصح تعليق الرجعة بشرط كقوله: كلما طلقتك فقد راجعتك ولو عكس صح وطلقت كلما راجعها 2596 (وتعود بعد عدة) بأن اغتسلت من حيضة ثالثة إن كانت من ذوات الحيض وأتمت ثلاثة أشهر أو وضعت كل حملها (بعقد جديد) لأنها بانت منه فلا
الجزء: 3 - الصفحة: 545
تحل إلا بنكاح جديد إجماعا 2597، لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ 2598 أي العدة، وتعود (على ما بقي من طلاقها) ولو كان عودها بعد وطء زوج آخر غير المطلق في قول أكابر الصحابة، منهم عمر 2599 وعلي 2600 وأبي 2601 ومعاذ 2602 وعمران بن حصين 2603 وأبو هريرة 2604 وزيد 2605
الجزء: 3 - الصفحة: 546
وعبد اللَّه بن عمر 2606؛ ولأن وطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال فلا يغير حكم الطلاق كوطء الشبهة والسيد، ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث أشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني، وإن أشهد مطلق رجعيا على رجعتها في العدة ولم تعلم حتى اعتدت ونكحت من أصابها، ثم جاء وادعى رجعتها قبل انقضاء عدتها وأقام البينة بذلك ردت إليه لثبوت أنها زوجته وأن نكاح الثاني فاسد، ولا يطؤها الأول حتى تعتد إن أصابها الثاني احتياطا للأنساب، وكذا إن صدقه الزوج والزوجة في أنه راجعها في عدتها حيث لا بينة له؛ لأن تصديقهما أبلغ من إقامة البينة، وإن لم يثبت رجعته ببينة وأنكراه رد قوله لتعلق حق الزوج الثاني بها، والنكاح صحيح في حقهما، وإن صدقه الزوج الثاني بانت منه لاعترافه بفساد نكاحه، وعليه مهرها إن كان دخل بها، وإلا فنصفه؛ لأنه لا يصدق عليها في إسقاط حقها عنه، ولا تسلم المرأة إلى المدعي؛ لأن قول الثاني لا يقبل عليها بل في حق نفسه فقط والقول قولها بغير يمين.
قال في "الإقناع" 2607: "وإن صدقته المرأة لم يقبل 2608 على الزوج الثاني في فسخ نكاحه ولا يلزمها مهر الأول له لأنه استقر لها بالدخول"، لكن متى بانت من الثاني عادت للأول بلا عقد جديد، ولا يطأ حتى تعتد للثاني إن دخل بها، وإن مات الأول قبل بينونتها من الثاني فقال الموفق ومن تبعه: "ينبغي أن ترثه لإقراره بزوجيتها وتصديقها له, وإن ماتت لم يرثها الأول لتعلق حق الثاني بالإرث، وإن مات الثاني لم ترثه هي
الجزء: 3 - الصفحة: 547
لإنكارها صحة نكاحه 2609، قال الزركشي: "ولا يمكن الأول من تزوج أختها ولا أربع سواها" 2610.
(ومن ادعت انقضاء عدتها) بولادة أو غيرها (وأمكن) بأن مضى زمن يمكن انقضاؤها فيه (قبلـ) ــت دعواها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ 2611 قيل هو: الحيض والحمل 2612 فلولا قبول قولهن لم يحرجن بكتمانه، ولأنه أمر تختص المرأة بمعرفته فقبل قولها فيه كالنية من الإنسان حيث اعتبرت.
وإن لم يمض ما يمكن انقضاء عدتها فيه رد قولها، فإن مضى ما يمكن صدقها فيه ثم ادعته فإن بقيت على دعواها المردودة لم تقبل، وإن ادعت انقضاءها في المدة كلها، أو في ما يمكن منها قبلت، و (لا) تقبل دعواها انقضاء عدتها (في شهر بحيض إلا ببينة) نصا 2613، لقول شريح: "إذا ادعت أنها حاضت ثلاث حيض في شهر، وجاءت ببينة من النساء العدول من بطانة أهلها ممن يرضى صدقه وعدله أنها رأت ما يحرم عليها الصلاة من الطمث، وتغتسل عند كل قرء وتصلي فقد انقضت عدتها، وإلا فهي
الجزء: 3 - الصفحة: 548
كاذبة.
فقال له علي: قالون -ومعناه بالرومية- أصبت وأحسنت" 2614، وإنما لم تصدق في ذلك مع إمكانه لندرته بخلاف ما زاد على الشهر، وأقل زمن تنقضي فيه عدة حرة بأقراء تسعة وعشرون يوما ولحظة لما سبق؛ لأن الأقراء الحيض، وأقله يوم وليلة، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما، ويكون طلقها آخر الطهر واللحظة لتحقق انقطاع الدم، وحيث اعتبر الغسل اعتبر له لحظة أيضا.
وأقل ما تنقضي فيه عدة أمة خمسة عشر يوما ولحظة، وسواء في ذلك الفاسقة والمرضية والمسلمة والكافرة، لأن 2615 ما يقبل فيه إخبار الإنسان عن نفسه لا يختلف باختلاف حاله.
ومن قالت ابتداء: انقضت عدتي في زمن يمكن فيه فقال زوجها: كنت راجعتك وأنكرته فقولها، أو تداعيا معا فقولها أيضا، ولو صدقه سيد أمة رجعية نصا 2616، ومتى رجعت قبل رجوعها، كجحد أحدهما النكاح ثم يعترف به، وإن سبق الزوج فقال: ارتجعتك فقالت: انقضت عدتي قبل رجعتك فقوله لسبق دعواه الرجعة إخبارها بانقضاء عدتها، والأصل بقاؤها، ودعواها ذلك بعد دعوى الزوج الرجعة تقصد به إبطال حقه فلا يقبل منها.
الجزء: 3 - الصفحة: 549
فصل
(وإن طلق حر) زوجته (ثلاثا أو) طلق (عبد اثنتين) ولو عتق قبل انقضاء عدتها (لم تحل له حتى يطأها زوج غيره في نكاح صحيح)، قال ابن عباس: "كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك قوله تعالى: ﴿مرتان﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 2617 " رواه أبو داود والنسائي 2618، وعن عائشة قالت: "جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: كنت عند رفاعة القرظي فطلقني، فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير -بكسر الموحدة من تحت-، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" رواه الجماعة 2619، وعن ابن عمر قال: "سئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا، فيتزوجها آخر، فتغلق الباب، وترخى الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل تحل للأول؟ قال: لا، حتى تذوق عسيلته" رواه أحمد والنسائي
الجزء: 3 - الصفحة: 550
وقال: " [لا] 2620 حتى يجامعها الآخر" 2621، وعن عائشة مرفوعا: "العسيلة: هي الجماع 2622 " في قبل لأن الوطء المعتبر لا يكون في غيره بنكاح صحيح؛ لأن غير الصحيح لا يعتد به كنكاح المحلل والمتعة والشغار، ونكاح السيد إن كانت أمة؛ لأنه ليس بزوج (مع انتشار)، لحديث العسيلة؛ [لأنها] 2623 لا تكون [إلا] 2624 مع انتشار، ولو كان الزوج الواطئ مجبوبا 2625 أو خصيا مع بقاء ذكره، أو نائما أو مغمى عليه وأدخلته في رحمها مع انتشار لوجود 2626 حقيقة الوطء من زوج أشبه حال إفاقته ووجود خصيتيه، أو كان الزوج الثاني ذميا وهي ذمية لحلها له فيحلها لمطلقها الأول ولو مسلم، (ويكفي) في حلها (تغييب حشفة) أو قدرها من مجبوب الحشفة؛ لأنه
الجزء: 3 - الصفحة: 551
جماع يوجب الغسل ويفسد الحج، أشبه تغييب الذكر، ويكفى في حلها وطء محرم لمرض الزوجة وتضررها بالوطء، ولضيق وقت صلاة، وفي مسجد، وفي حال منع الزوجة نفسها في قبض مهرها ونحوه؛ لأن الحرمة في هذه الصور لا لمعنى فيها لحق اللَّه تعالى (ولو لم ينزل) لما تقدم أن العسيلة هي الجماع، (أو يبلغ عشرا) لعموم: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، أو ظنها أجنبية حين وطئه لوجود حقيقة الوطء من زوج في نكاح صحيح.
و(لا) يحلها وطء محرم (في حيض، أو نفاس، أو إحرام، أو صوم فرض، أو ردة)، أو في دبر، أو نكاح باطل أو فاسد؛ لأن التحريم في هذه الصور لمعنى فيها لحق اللَّه تعالى، ولأن النكاح الفاسد لا أثر له في الشرع في الحل فلا يدخل في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ولا يكفي في حل المطلقة وطؤها بشبهة أو ملك يمين لما تقدم، وإن كانت أمة فاشتراها مطلقها ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره 2627 للآية، ويطأها للحديث، ولو طلق عبد طلقة ثم عتق قبل ثانية ملك تتمة ثلاث؛ لأنه في حال طلاق الثانية حر فاعتبر حاله إذن، ككافر حر طلق زوجته ثنتين ثم رق فيملك الثالثة وله أن يتزوجها قبل أن تنكح زوجا غيره؛ لأن الطلقتين كانتا غير محرمتين فلا يتغير حكمهما بما طرأ بعدهما، كما لو طلق العبد ثنتين ثم عتق فليس له أن ينكحها حتى تنكح زوجا غيره، لوقوعهما محرمتين.
ومن غاب عن مطلقته ثلاثا ثم حضر، فذكرت له أنها نكحت من أصابها وانقضت عدتها، وأمكن ذلك بأن مضى زمن يتسع له -وكذا لو غابت عنه ثم حضرت وذكرت
الجزء: 3 - الصفحة: 552
ذلك- فله نكاحها إذا غلب على ظنه صدقها؛ لأنها مؤتمنة على نفسها وعلى ما أخبرت به عن نفسها، ولا سبيل إلى معرفة ذلك حقيقة إلا من جهتها فوجب الرجوع إليها فيه، كإخبارها بانقضاء عدتها، فإن لم يغلب على ظنه صدقها لم يحل له نكاحها؛ لأن الأصل التحريم ولم يوجد ما ينقل عنه.
ولو تزوجت امرأة رجلا وفارقها وادعت إصابته وهو منكرها فقوله في تنصيف مهر إن لم يقر بخلوة، وقولها في حلها لمطلقها ثلاثا، ووجوب العدة عليها وكل ما يلزمها بالوطء، وكذا لو أنكر أصل النكاح، ولمطلقها ثلاثا نكاحها إن غلب على ظنه صدقها.
وإن أتت امرأة حاكما وادعت أن زوجها طلقها وانقضت عدتها فله تزويجها إن ظن صدقها ولاسيما إن كان الزوج لا يعرف؛ لأن الإقرار المجهول لا يصح، وأيضا الأصل صدقها ولا منازع، والإقرار المعين إنما يثبت الحق إذا صدق مقر له.
الجزء: 3 - الصفحة: 553
(فصل) في الإيلاء وأحكام المولي
وهو أفعال من الألية 2628 -بتشديد المثناه تحت- قال ابن قتيبة 2629: " ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 2630: يحلفون، يقال: آليت من امرأتي، أولي إيلاء إذا حلف لا يجامعها" حكاه عنه أحمد 2631.
(والإيلاء حرام)؛ لأنه يمين على ترك واجب فهو كظهار، وكان كل من الإيلاء والظهار طلاقا في الجاهلية.
(وهو) -أي الإيلاء- شرعا: (حلف زوج عاقل -يمكنه الوطء- باللَّه) تعالى (أو) بـ (صفة من صفاته) تعالى كالرحمن ورب العالمين (على ترك وطء زوجته) لا أمته أو أجنبية (الممكن) وطؤها (في قبل أبدا أو مطلقا، أو فوق أربعة أشهر) 2632 مصرحا بها، أو ينويها بأن يحلف أن لا يطأها وينوي فوق أربعة أشهر، وسواء حلف في حال
الجزء: 3 - الصفحة: 554
الرضى أو غيره، والزوجة مدخول بها أو لا نصا 2633. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية 2634 وكان أبي بن كعب وابن عباس يقرآن "يقسمون" مكان ﴿يؤلون﴾ 2635 قال ابن عباس: "كان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئا فأبت أن تعطيه، حلف أن لا يقربها السنة والسنتين والثلاث، فيدعها لا أيما ولا ذات بعل، فلما كان الإسلام جعل اللَّه ذلك للمسلين أربعة أشهر، ونزلت الآية" 2636، ويترتب حكم الإيلاء مع خصاء زوج ومع جب بعض ذكره إن بقي منه ما يمكن الجماع 2637 [به] 2638، ومع عارض بزوج أو زوجة يرجى زواله كحبس لا عكسه فلا يثبت حكمه مع عارض لا يرجى زواله بأحدهما كرتق وجب، ويبطله جب ذكره كله بعد إيلائه؛ لأن ما لا يصح معه ابتداء الشيء امتنع مع حدوثه [دوام] 2639 ذلك الشيء، [ويبطله] 2640 شلله 2641
الجزء: 3 - الصفحة: 555
بعد إيلائه، ومرض لا يرجى برؤه لأنه لا يمكن معه الوطء.
ويصح الإيلاء من كل زوج يصح طلاقه ويمكنه الوطء من مسلم، وكافر، وحر، وقن، وبالغ، ومميز عقله، وسكران، وغضبان، ومريض يرجى برؤه، ومن لم يدخل بزوجته، ولا يصح من غير زوج ولا من مجنون ومغمي عليه؛ لأنه لا قصد لهما.
(فمتى مضى) على مول (أربعة أشهر من) حين (يمينه ولم يجامع فيها) -أي الأربعة أشهر- (بلا عذر) للمرأة، كصغر وجنون ونشوز وإحرام ونفاس ومرض وحبس وسفر، ولا تضرب له المدة مع شيء من هذه الأعذار؛ لأن المدة تضرب لامتناعه من وطئها، والمنع هنا من قبلها، بخلاف حيضها فيحسب من المدة ولا يقطعها لئلا يؤدي ذلك إلى إسقاط حكم الإيلاء إذ لا يخلو من الحيض شهر غالبا، وإن حدث عذرها في أثناء المدة استؤنفت لزواله ولم يبن على ما مضى؛ لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ يقتضي أنها متوالية، فإذا انقطعت بحدوث عذرها وجب استئنافها كمدة الصوم في الكفارة، ولا يستأنف المدة إن حدث عذره في أثنائها؛ لأن المانع من جهته، فيحسب عليه زمن عذره فيها كسفر ومرض وإحرام.
وإن كان عذر مما يعجز به عن الوطء أمره الحاكم أن يفيء بلسانه فيقول: متى قدرت جامعتك، ثم متى قدر جامع أو طلق لزوال عجزه الذي أخر لأجله، ولا كفارة ولا حنث في الفيئة باللسان؛ لأنه لم يفعل المحلوف عليه بل وعد به، فإن لم يكن له عذر (أمر به) 2642 -أي بالجماع- أمره به حاكم (فإن أبى أمر بالطلاق، فإن امتنع) من
الجزء: 3 - الصفحة: 556
الطلاق ومن الفيئة (طلق عليه حاكم) طلقة أو ثلاثا أو فسخ؛ لأن الطلاق تدخله النيابة، وقد تعين مستحقه فقام الحاكم فيه مقام الممتنع كأداء الدين، قال في شرح المنتهى 2643 لمصنفه: "وإن رأى أن يطلق ثلاثا فهي ثلاث؛ لأنه قائم مقام المولي فيقع ما يوقعه من ذلك كالوكيل المطلق" انتهى.
وإن قال حاكم: فرقت بينكما ولم ينو طلاقا فهو فسخ لا ينقص به عدد الطلاق.
وإن ادعى مول طلبته زوجته بالفيئة بقاء المدة قبل قوله؛ لأن الاختلاف فيه يرجع إلى الاختلاف في وقت حلفه، وهو أعلم به لصدوره من جهته، كما لو اختلفا في أصل الإيلاء، أو ادعى وطأها بعد إيلائه وهي ثيب قبل؛ لأنه أمر خفي تتعذر إقامة البينة عليه غالبا، ولا يعلم إلا من جهته كقول 2644 المرأة في حيضها، وإن ادعت زوجة مول -ادعى وطئها- بكارة فشهد بها امرأة ثقة قبلت كسائر عيوب النساء تحت الثياب، وإلا يشهد بيكارتها قبل قوله في وطئها، وعليه اليمين في الصور الثلاث؛ لأنه حق آدمي أشبه الدين، ولعموم حديث: "ولكن اليمين على المدعى عليه" 2645، وتنحل يمين مول جامع [ولو مع] 2646 تحريم الجماع، كجماعه في حيض، أو نفاس، أو إحرام، أو صيام فرض من أحدهما؛ لأنه فعل ما حلف على تركه فانحلت يمينه به، (ويجب بوطئه كفارة يمين) لحنثه، (وتارك الوطء ضرارا)
الجزء: 3 - الصفحة: 557
بزوجته (بلا عذر) أو بلا حلف (كمول) في الحكم، ومثله من ظاهر من امرأته ولم يكفر لظهاره؛ لأنه ضرها بترك وطئها في مدة بقدر مدة المولي فلزمه حكمه كما ترك ذلك بحلفه.
الجزء: 3 - الصفحة: 558
(فصل) في الظهار
مشتق من الظهر، وخص به من بين سائر الأعضاء؛ لأنه موضع الركوب، ولهذا سمي المركوب ظهرا والمرأة مركوبة إذا غشيت 2647 , فقوله لامرأته: أنت علي كظهر أمي معناه: أنه شبه امرأته بظهر أمه في التحريم، كأنه يشير أن ركوبها للوطء حرام.
(والظهار محرم) إجماعا حكاه ابن المنذر 2648 لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ 2649 وقول المنكر والزور من أكبر الكبائر للخبر 2650، ومعناه أن الزوجة ليست كالأم في التحريم، لقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ 2651، ولحديث أوس بن
الجزء: 3 - الصفحة: 559
الصامت 2652: "حين ظاهر زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة 2653، فجاءت إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تشتكيه، فأنزل اللَّه أول سورة المجادلة" رواه أبو داود وصححه الحاكم وابن حبان 2654. (وهو) -أي الظهار- (أن يشبه) الرجل (زوجته أو) يشبه (بعضها) -أي بعض زوجته- كيدها وظهرها (بمن) -أي بامرأة- (تحرم عليه)، كأمه وأخته من نسب أو رضاع وحماته وزوجة أبيه، ولو كان تحريمها عليه إلى أمد، كأخت زوجته وخالتها وعمتها، (أو) يشبهها (ببعضها) -أي ببعض من تحرم عليه- (أو) يشبه زوجته (برجل مطلقا) 2655 كأبيه وزيد، أو بعضو منه نحو قول الزوج لامرأته: أنت أو وجهك أو يدك
الجزء: 3 - الصفحة: 560
أو أذنك كظهر أو كبطن أو كرأس أو كعين أمي أو عمتي أو خالتي أو حماتي أو أخت زوجتي أو عمتها أو خالتها، أو كظهر أو كبطن أو كرأس أو عين أجنبية، أو كظهر أو بطن أو رأس أو عين أبي أو أخي أو أجنبي أو زيد أو رجل، ولا يُديّن إن قال: أردت في الكرامة ونحوها؛ لأن هذه الألفاظ صريحة في الظهار لا تحتمل غيره.
وإن قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي طالق أو عكسه لزمه الطلاق والظهار لإتيانه بصريحهما، وجزم في "الشرح" 2656 و"الإقناع" 2657 بأنه ليس ظهارًا في الثانية إلا أن ينويه.
وإن قال لها: أنت عليَّ كأمي أو مثل أمي أو عندي أو مني أو معي كأمى أو مثل أمي وأطلق فلم ينو ظهارًا ولا غيره فهو ظهار؛ لأنه المتبادر من هذه الألفاظ، وإن نوى في الكرامة ونحوها دين وقبل منه حكمًا لاحتماله وهو أعلم بمراده، وإن قال لها: أنت أمي أو كأمي أو مثل أمى ولم يقل علي أو عندي أو مني أو معي فليس بظهار إلا مع نية أو قرينة؛ لأن احتمال هذه الصور لغير الظهار أكثر من احتمال الصور التي قبلها له، وكثرة الاحتمالات توجب اشتراط النية في المحتمل الأقل ليتعين له، [لأنّه] 2658 يصير كناية فيه، والقرينة تقوم مقام النية.
وقوله لها: أنت علي حرام ظهار ولو نوى به طلاقًا أو يمينا نصًّا 2659؛ لأنه تحريم أوقعه على امرأته أشبه ما لو شبهها بظهر من تحرم عليه، وحمله على الظهار أولى من
الجزء: 3 - الصفحة: 561
الطلاق؛ لأن الطلاق تبين به المرأة وهذا يحرمها مع بقاء الزوجية، فحمله على أدنى التحريمين أولى، لا إن 2660 زاد: إن شاء اللَّه، أو سبق بها فقال: إن شاء اللَّه أنت علي حرام فلا يكون ظهارا، كما لو قال: إن شاء اللَّه وشاء زيد.
وقوله: أنا مظاهر، أو علي ظهار، أو يلزمني الظهار، أو على الحرام، أو يلزمني الحرام، أو أنا عليك حرام، أو كظهر رجل، أو كظهر أبي مع نية أو قرينة دالة عليه ظهار؛ لأن لفظه يحتمله وقد نواه به، ولأن تحريم نفسه عليها يقتضي تحريم كل منهما على الآخر، ولأن تشبيه نفسه بأبيه يلزم منه تحريمها عليه كما تحرم [على أبيه] 2661، وإلا ينو ظهارا ولا قرنية فلغو، كقوله: أمي أو أختي امرأتي أو مثلها، وكقوله: أنت علي كظهر البهيمة ووجهي من وجهك حرام فلغو نصا 2662.
(لا بـ) تشبيه أو تحريم (شعر وسن وظفر وريق ونحوها)، كلبن ودم وروح وسمع وبصر بأن قال: شعرك أو ظفرك.
. . الخ كظهر أمي أو علي حرام، فهو لغو كما سبق في الطلاق.
(وإن قالته) المرأة (لزوجها) أي نظير ما يصير به مظاهرا لو قاله أو علقت بتزويجه نظير ما يصير به مظاهرا لو قاله (فليس بظهار) لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ [مِنْكُمْ] 2663
الجزء: 3 - الصفحة: 562
مِنْ نِسَائِهِمْ} 2664 فخصهم بذلك، ولأن الظهار قول يوجب تحريما في النكاح اختص به الرجل كالطلاق، ولأن الحل في المرأة حق للزوج فلا تملك إزالته كسائر حقوقه، (وعليها كفارته) -أي الظهار-؛ لأنها أحد الزوجين, وقد أتى بالمنكر من القول والزور في تحريم الآخر عليه أشبهت الزوج، وإنما تجب الكفارة عليها (بوطئها مطاوعة)، وعليها التمكين لزوجها من الوطء قبل التكفير؛ لأنه حق للزوج فلا تمنعه كسائر حقوقه، ولأنه لم يثبت لها حكم الظهار وإنما وجبت الكفارة تغليظا وليس لها ابتداء القبلة والاستمتاع قبل التكفير، وروى الأثرم بإسناده عن النخعي، عن عائشة بنت طلحة 2665 أنها قالت: "إن تزوجت مصعبا 2666 فهو علي كظهر أبي، فسألت أهل المدينة فرأوا أن عليها الكفارة" 2667 وروى سعيد: "أنها استفتت أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-
الجزء: 3 - الصفحة: 563
وهم يومئذ كثير، فأمروها أن تعتق رقبة وتتزوجه، فتزوجته وأعتقت عبدا" (1) ويكره دعاء أحد الزوجين الآخر بما يختص بذي رحم، كأبي وأمي وأخي وأختي، قال أحمد: "لا يعجبني" (2).
فائدة
:
إذا كفرت المرأة بالصيام وجامعها زوجها ليلا فهل يقطع ذلك تتابعها أم لا؟ أفتى شيخنا -أيده اللَّه تعالى- الشيخ محمد بن عبد اللَّه بن فيروز الأحسائي 2670 أنه لا يقطعه، وقد سألته عن ذلك بما نصه: -ما قول سيدي أدام اللَّه تعالى نفعه ولا فل جمعه- في امرأة ظاهرت من زوجها إذا قلنا: يلزمها الكفارة وليس لها منع زوجها من الوطء قبلها، فهل إذا كفرت بالصيام وجامعها ليلا انقطع التتابع أم لا؟ وهل كان الوطء يقطع التتابع؟ ومنعها 2671 زوجها من الصيام لحقه تنتقل إلى الإطعام أم ليس له منعها من الصيام؟ أوضحوا لنا الجواب أعظم اللَّه لكم الثواب، فأجاب أدام اللَّه إفادته بما نصه.
. . بسم اللَّه الرحمن الرحيم، الحمد للَّه الذي فتح لمن أناخ ركاب التصريح في موج فضله أبواب المشكلات، والهادي إلى منهج الحق أفضل الصلاة، أما بعد: فأقول في الجواب بعد السؤال الهداية إلى صوب الصواب: لا ينقطع التتابع والحالة ما ذكر، لأنه ليس بظهار، وإنما ثبتت الكفارة للخبر، صرح بذلك بعض26682669
الجزء: 3 - الصفحة: 564
المحققين من المتأخرين، وليس لها الانتقال إلى الإطعام بسبب منعه لها لوجوبه، كالواجب بأصل الشرع، كما ذكروا في الأيمان أنه ليس له منع عبده من الصوم والعبد والمرأة في ذلك سواء واللَّه تعالى أعلم.
أملاه الفقير إلى اللَّه محمد بن فيروز سامحه اللَّه تعالى انتهى.
الجزء: 3 - الصفحة: 565
فصل
(ويصح) الظهار (ممن) -أي من كل زوج- (يصح طلاقه) مسلما كان أو كافرا، حرا أو عبدا، كبيرا أو صغيرا أو مميزا يعقله؛ لأنه تحريم كالطلاق فجرى مجراه وصح ممن يصح منه، ويكفر كافر بعتق أو إطعام؛ لأن الصوم لا يصح منه.
ويصح من كل زوجة مسلمة كانت أو ذمية حرة أو أمة وإن لم يكن وطئها، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ.
.﴾ الآية 2672 فخصهن بالظهار، ولأنه لفظ يتعلق به تحريم الزوجة فاختص بها كالطلاق، ولأنه كان طلاقا في الجاهلية فنقل حكمه وبقي محله، ولا يصح ظهار من أمته أو أم ولده، ويكفر سيد قال لأمته أو أم ولده: أنت علي كظهر أمي، أو أنت علي حرام كيمين بحنث، قال نافع: "حرم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جاريته، فأمره اللَّه أن يكفر يمينه" 2673.
وإن نجز الظهار لأجنبية بأن قال لها: أنت علي كظهر أمي صح ظهارا، رواه أحمد عن عمر 2674 , وكاليمين باللَّه تعالى، والآية خرجت مخرج الغالب، أو علقه بتزويجها بأن قال لها: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، أو قال: النساء علي كظهر
الجزء: 3 - الصفحة: 566
أمي، أو كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي، ذكره في "الشرح" 2675.
أو قال لأجنبية: أنت علي حرام ونوى أبدا صح ذلك ظهارا؛ لأنه ظهار في الزوجة فكذا الأجنبية، فإن تزوجها لم يطأها حتى يكفر، ولا يكون قوله لأجنبية: أنت علي حرام ظهارا إن أطلق فلم ينو أبدا، أو نوى أنها حرام عليه إذن لأنه صادق في، حرمتها عليه قبل عقد التزويج ويقبل منه حكما لأنه الظاهر.
ويصح الظهار منجزا كما تقدم، ومعلقا كإن قمت فأنت علي كظهر أمي، فمن حلف بظهار أو بطلاق أو عتق أو حنث لزمه ما حلف به.
ويصح الظهار مطلقا كما تقدم، ومؤقتا كأنت علي كظهر أمي شهر رمضان، فإن وطئ فيه كفر، وإلا زال حكم الظهار بمضيه، لحديث سلمة بن صخر 2676 وفيه: "ظاهرت 2677 من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان، وأخبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه أصابها فيه، فأمره بالكفارة، ولم ينكر تقييده" 2678 بخلاف الطلاق فإنه يزيل الملك، وهذا
الجزء: 3 - الصفحة: 567
يوقع تحريما يرفعه التكفير أشبه الإيلاء.
(ويحرم عليهما) -أي على مظاهر ومظاهر منها- (وطء ودواعيه قبل كفارته) -أي الظهار- لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 2679 وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 2680 ولو كان تكفيره بإطعام، لحديث عكرمة عن ابن عباس: "أن رجلا أتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد ظاهر من امرأته، فوقع عليها، فقال: يا رسول اللَّه! إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر، قال: ما حملك على ذلك رحمك اللَّه؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك اللَّه" رواه الخمسة إلا أحمد وصححه الترمذي 2681، ولأن ما حرم الوطء من القول حرم دواعيه كالطلاق والإحرام، بخلاف = يجزئ أن يطعم أقل من ستين مسكينا.
.، كتاب الظهار، السنن الكبرى 7/ 390، والحديث قال الترمذي: "حسن غريب".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي ا. هـ. وصححه الألباني في الإرواء 7/ 176 بشواهده.
الجزء: 3 - الصفحة: 568
كفارة يمين فله إخراجها قبل حنث وبعده.
وتستقر كفارة الظهار في ذمته بالعود وهو الوطء نصا 2682 لا العزم، ولو كان الوطء من مجنون بأن ظاهر ثم جن، وكذا لو بانت منه ثم زنا بها لا من مكره لأنه معذور.
ويأثم مكلف بوطء ودواعيه قبل تكفير لما تقدم، ثم إن وطئ قبل أن يكفر لا يطأ بعد حتى يكفر للخبر، ولبقاء التحريم.
وتجزئه كفارة واحدة ولو كرر الوطء للخبر، ولأنه وجد العود والظهار فدخل [في] 2683 عموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ.
.﴾ الآيتين، كمكرر ظهار من امرأة واحدة قبل تكفير ولو كرره بمجالس وأراد بتكراره استئنافا نصا 2684؛ لأن تكريره لا يؤثر في تحريم الزوجة لتحريمها بالقول الأول، فلم تجب كفارة ثانية كاليمين باللَّه تعالى، وكذا لو ظاهر من نسائه بكلمة، كقوله: أنتن علي كظهر أمي فلا يلزمه إلا كفارة واحدة، رواه الأثرم عن عمر 2685 وعلي 2686، ولأنه ظهار واحد، وإن ظاهر = ابن حزم في المحلى 10/ 55: "هذا خبر صحيح من رواية الثقات, لا يضره إرسال من أرسله" ا. هـ. وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح 9/ 433.
الجزء: 3 - الصفحة: 569
منهن بكلمات بأن قال لكل واحدة منهن: أنت علي كظهر أمي فعليه لكل واحدة كفارة؛ لأنها أيمان مكررة على أعيان متفرقة، ولأنها أيمان لا يحنث في إحداها بالأخرى فلا تكفرها كفارة واحدة.
ويلزم إخرج كفارة ظهار بعزم على وطء نصا 2687 لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا.
.﴾ الآيتين، وحديث "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك اللَّه" حيث أمر بالكفارة قبل التماس، وإن اشترى زوجته التي ظاهر منها وهي أمة فظهاره بحاله وله عتقها عنه، فإن عاد وتزوجها فلا كفارة، وإن أعتقها عن غيره ثم تزوجها فعليه الكفارة بالعود.
وإن بانت زوجة ظاهر منها قبل الوطء ثم أعادها فظهاره بحاله نصا 2688.
وإن مات أحدهما بعد ظهار قبل الوطء سقطت كفارة الظهار؛ لأنه لم يوجد الحنث، ويرثها وترثه كما بعد التكفير.
الجزء: 3 - الصفحة: 570
فصل في كفارة الظهار
(وهي) أي كفارته (عتق رقبة) مؤمنة، (فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ.
.﴾ الآيتين 2689، والمعتبر في كفارات من قدرة أو عجز وقت وجوب كفارة، كحد وقود فيعتبران بوقت الوجوب، فمن قذف وهو عبد ثم عتق لم يجلد إلا جلد [عبد] 2690، ومن حنث وهو عبد لم تلزمه إلا كفارة 2691 عبد؛ لأن الكفارة تجب على وجه الطهرة فكان الاعتبار فيها بحال الوجوب، كالحد بخلاف المتيمم فإنه لو تيمم ثم وجد الماء بطل تيممه، وهنا لو صام ثم قدر على الرقبة لم يبطل صومه، ولو قتل قنا وهو رقيق ثم عتق لم يسقط عنه القود، وإمكان الأداء في الكفارات مبني على اعتباره في زكاة، ووقت وجوب في ظهار وقت العود وهو الوطء وقت المظاهرة، فلو أعسر موسر قبل تكفير لم يجزئه صوم لأنه غير ما وجب عليه، وتبقى الرقبة في ذمته
الجزء: 3 - الصفحة: 571
إلى يساره كسائر ما وجب عليه وعجز عن أدائه، ولو أيسر معسر بعد وجوبها عليه معسرا لم يلزمه عتق اعتبارا بوقت الوجوب، ويجزئه العتق لأنه الأصل في الكفارات.
ولا يلزم عتق إلا لمالك رقبة أو لمن تمكنه بثمن مثلها أو بزيادة لا تجحف به ولو كثرت لعدم تكررها، بخلاف ماء وضوء، ويمكنه شراؤها نسيئة وله مال غائب يفي بثمنها أو له دين مؤجل يفي بثمنها لا ضرر عليه فيه، لا بهبته للمنة، ويشترط للزوم عتق أن تفضل الرقبة عما يحتاجه من أدنى مسكن صالح لمثله، وخادم لكون مثله لا يخدم نفسه، أو لعجزه عن خدمة نفسه، وأن تفضل عن مركوب وعرض بذله يحتاج إلى استعماله كلباسه وفرشه وأوانيه وآلة حرفته، وأن تفضل عن كتب علم يحتاج إليها، وثياب تجمل، وعن كفايته ومن يمونه دائما، وعن رأس ماله لذلك 2692، وعن وفاء دين للَّه أو لآدمي حال أو مؤجل؛ لأن ما استغرقته حاجة الإنسان كالمعدوم في جواز الانتقال إلى بدله، ومن له فوق ما يصلح لمثله من خادم ونحوه، وأمكن بيعه وشراء صالح لمثله وشراء رقبة بالفاضل لزمه العتق لقدرته عليه بلا ضرر، فلو تعذر لكون الباقي لا يبلغ ثمن رقبة، أو كان له سرية يمكن بيعها وشراء سرية ورقبة بثمنها لم يلزمه ذلك؛ لأن غرضه قد يتعلق بنفس السرية فلا يقوم غيرها مقامها.
(ويكفر كافر) ذمي لوجوب الكفارة عليه إذا حنث (بمال) إما بالعتق إن قدر وإلا إطعام؛ لأن الصوم لا يصح منه، (و) يكفر (عبد بالصوم) فقط لعدم ملكه.
(وشرط في) إجزاء (رقبة) في (كفارة) مطلقا، (و) في (نذر عتق مطلق 2693 إسلام) ولو كان المكفر كافرا، لقوله تعالى: قال تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ
الجزء: 3 - الصفحة: 572
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} 2694 وألحق بذلك باقي الكفارات حملا للمطلق على المقيد، كما حمل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ 2695 على قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 2696 بجامع أن الاعتاق يتضمن تفريغ العتيق المسلم لعبادة ربه، وتكميل أحكامه، ومعونة المسلمين، فناسب ذلك شرع إعتاقه في الكفارة تحصيلا لهذه المصالح، (و) وشرط فيها (سلامة من عيب مضر بالعمل ضررا بينا)؛ لأن المقصود تمليك القن نفعه وتمكينه من التصرف لنفسه، وهذا غير حاصل مع ما يضر بالعمل كعمى؛ لأن الأعمى لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع، وكشلل يد أو رجل، أو قطع إحداهما؛ لأن اليد آلة البطش، والرجل آلة المشي فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلف إحداهما أو شلله، أو قطع أصبع سبابة أو وسطى أو إبهام من يد أو رجل، أو خنصر وبنصر معا من يد واحدة لزوال نفع يده بذلك، وقطع أنملة من إبهام أو قطع أنملتين من غيره كقطع الأصبع كله لذهاب منفعة الأصبع بذلك، ويجزئ من قطعت بنصره من إحدى يديه وخنصره من الأخرى، ويجزئ من جدع أنفه وإذنه أو يخنق أحيانا؛ لأنه لا يضر بالعمل، أو علق عتقه بصفة لم توجد؛ لأن ذلك لا أثر له، بخلاف من علق عتقه بصفة فنواه عند وجودها فلا يجزئ؛ لأن سبب عتقه انعقد عند وجود الصفة فلا يملك صرفه إلى غيره، وكذا لو قال: إن اشتريتك أو ملكتك فأنت حر فلا يجزئه، بخلاف ما لو قال: إن اشتريتك فأنت حر للكفارة ثم
الجزء: 3 - الصفحة: 573
اشتراه، ويجزئ مدبر وصغير ولو غير مميز، وولد زنا وأعرج يسيرا، ومجبوب وخصي وأصم وأخرس تفهم إشارته، وأعور وأبرص وأجذم ونحوه، ومرهون ومؤجر وجان وأحمق وحامل، وله استثناء حملها؛ لأن ما فيهم من النقص لا يضر بالعمل، وما فيهم من الوصف لا يؤثر في صحة عتقهم، ويجزئ مكاتب لم يؤد شيئا من كتابته، ولا يجزئ من أدى منها شيئا لحصول العوض عن بعضه، كما لو أعتق بعض رقبة، أو اشتري بشرط عتق، ولا يجزئ مريض ميؤس منه، ولا مغصوب، ولا زمن ومقعد ونحيف عاجز عن عمل، ولا أخرس أصم ولو فهمت إشارته، ولا مجنون مطبق، ولا غائب لم تتبين حياته، فإن أعتقه ثم تبين أنه حي فإنه يجزئ قولا واحدا، قاله في "الإنصاف" 2697، ولا موصى بخدمته أبدا لنقصه، ولا أم ولد لاستحقاق عتقها بسبب آخر، ولا جنين ولو ولد بعد عتقه حيا، ومن أعتق في كفارة جزءا من قن ثم أعتق ما بقي منه ولو طال ما بينهما أجزأ؛ لأنه أعتق رقبة كاملة كإطعام المساكين، أو أعتق نصف قنين ذكرين أو أنثيين أو مختلفين عن كفارته أجزأه ذلك؛ لأن الأشقاص كالأشخاص، ولا فرق بين كون الباقي منهما حرا أو ورقيقا لغيره لا ما سرى بعتق جزء، كمن يملك نصف قن وهو موسر بقيمة باقيه، فأعتق نصفه، وسرى إلى نصيب شريكه، فلا يجزئه نصيب شريكه، لأنه لم يعتق بإعتاقه؛ لأن السراية غير فعله وإنما هي من آثار فعله، أشبه ما لو اشترى من يعتق عليه ناويا عتقه عن كفارته، ومن أعتق عن كفارة أو نذر غير مجزئ ظانا إجزاءه نفذ عتقه؛ لأنه تصرف 2698 من أهله في محله وبقي ما وجب عليه بحاله لأنه لم يؤده.
الجزء: 3 - الصفحة: 574
فصل
فإن لم يجد رقبة صام حرا كان أو مبعضا أو قنا شهرين متتابعين للآية والأخبار، ويلزمه تبييت النية لصوم 2699 كل يوم كما تقدم في الصيام، وتعيينها جهة الكفارة، لحديث: "وإنما لكل امرئ ما نوى" 2700، ويلزمه تتابع صوم الشهرين بأن لا يفرق الصوم للآية، وينقطع تتابع بوطء مظاهر منها ولو كان ناسيا لعموم: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 2701، ولأن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان، أو كان وطؤها مع عذر يبيح الفطر كمرض وسفر، أو كان ليلا عامدا أو ناسيا لعموم الآية، وكوطئها لمسها ومباشرتها دون الفرج على وجه يفطر به، وإلا لم ينقطع التتابع، ولا ينقطع التتابع بوطئه غيرها ليلا أو ناسيا أو مع عذر يبيح الفطر؛ لأن ذلك غير محرم عليه، ولا هو محل لتتابع الصوم أشبه الأكل 2702، وينقطع تتابع بصوم غير رمضان؛ لأنه فرقه بشيء يمكنه التحرز منه أشبه ما لو أفطر بلا عذر، ويقع صومه عما نواه لأنه زمن لم يتعين للكفارة، ولا ينقطع التتابع بصوم رمضان، ولا بفطر فيه بسفر ونحوه، ولا بفطر واجب كعيد وأيام تشريق وحيض ونفاس وجنون ومرض مخوف
الجزء: 3 - الصفحة: 575
لتعين رمضان للصوم الواجب فيه وتعين الفطر في تلك الأيام، ولأن الحيض وما بعده لا يمكن التحرز منها، وكذا لو أغمي عليه جميع اليوم، ولا ينقطع تتابع بفطر حامل أو مرضع خوفا على نفسيهما أو لضرر ولدهما بالصوم، وكفطر مكره على فطر ومخطئ كآكل يظن ليلا فبان نهارا وناس؛ لبقاء صوم المكره والناسي وعذر المخطئ، ولحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، 2703 لا جاهل بوجوب التتابع فلا يعذر بذلك إذا أفطر؛ لأنه يمكنه التحرز منه بسؤاله عنه.
الجزء: 3 - الصفحة: 576
فصل
فإن لم يستطع صوما لكبر أو مرض ولو رجي برؤه اعتبارا بوقت الوجوب أو يخاف زيادة المرض أو تطاوله بصومه أو لم يستطع صوما لشبق أو لضعف عن معيشة أطعم ستين مسكينا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ 2704 "ولما أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أوس بن الصامت بالصوم قالت امرأته: يا رسول اللَّه! إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فيطعم ستين مسكينا" 2705، ولما أمر سلمة بن صخر بالصيام قال: "وهل أصبت ما أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعم" 2706 فنقله إليه لما أخبره أنه به من الشبق والشهوة ما يمنعه من الصوم، وقيس عليهما من في معناهما.
ويشترط أن يكون المسكين مسلما حرا كالزكاة ولو أنثى، ولا يضر وطء مظاهر منها أثناء الإطعام نصا 2707، وكذا أثناء عتق، كما لو أعتق نصف عبد ثم وطئ ثم اشترى باقيه وأعتقه فلا يقطعه وطؤه مع أنه محرم، ويجزئ دفعها إلى صغير من أهلها ولو لم يأكل الطعام لأنه حر مسلم محتاج أشبه الكبير، ولدخوله في عموم الآية، وأكله للكفارة ليس بشرط، ويصرف ما يعطى للصغير إلى ما يحتاج إليه مما تتم به كفايته، ويقبضها له وليه كالزكاة، ويجزئ دفعها إلى مكاتب وإلى من يعطى من الزكاة لحاجة، ويجزئ دفعها إلى من ظنه مسكينا فبان غنيا؛ لأن الغنى مما يخفى، ولا يجزئ
الجزء: 3 - الصفحة: 577
دفع كفارته إلى من تلزمه مؤنته لاستغنائه بما وجب له من النفقة، ولأنها للَّه فلا يصرفها لنفعه، ولا يجزئ ترديدها على مسكين واحد ستين يوما إلا أن لا يجد مسكينا غيره فتجزئه لتعذر غيره، ولو قدم إلى ستين مسكينا ستين مدا مما يجزئ وقال: هذا بينكم فقبلوه، فإن قال بالسوية أجزأه ذلك، وإلا فلا يجزئه ما لم يعلم أن كلا أخذ قدر حقه فيجزئه، لحصول العلم بالإطعام الواجب.
(ولا يجزئ التكفير إلا بما يجزئ فطرة) ولو كان ذلك قوت بلده؛ لأن الكفارة وقعت طهرة للمكفر عنه كما أن الفطرة تطهير للصائم فاستويا في الحكم، (و) الذي (يجزئ من البر مد) بمده -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتقدم معرفة قدره (لكل مسكين، و) يجزئ (من غيره) أي البر وهو التمر والشعير والزبيب والأقط (مدان) نصف صاع، وسن إخراج إدام مع مجزئ نصا 2708، وإخراج الحب أفضل عند الإمام أحمد من إخراج الدقيق والسويق 2709، ويجزئان بوزن الحب، وإن أخرجهما بالكيل زاد على كيل الحب قدرا يكون بقدره وزنا؛ لأن الحب إذا طحن توزع، ولا يجزئ خبز لخروجه عن الكيل والادخار أشبه الهريسة، ولا يجزئ في الكفارة أن يغدي المساكين أو يعشيهم؛ لأن المنقول عن الصحابة إعطاؤهم، وقال عليه السلام لكعب في فدية الأذى: "أطعم ثلاثة آصع من تمر ستة مساكين" 2710، ولأنه مال وجب تمليكه للفقراء شرعا أشبه الزكاة، بخلاف نذر
الجزء: 3 - الصفحة: 578
إطعامهم فيجزئ أن يغديهم أو يعشيهم لأنه وفى بنذره، ولا تجزئه القيمة عن الواجب لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.
ولا يجزئ في كفارة عتق ولا صوم ولا إطعام إلا بنية، لحديث: "وإنما لكل امرئ ما نوى" وتقدم 2711، ولا يكفي نية التقرب فقط، فإن كانت كفارة واحدة لم يلزمه تعيين سببها بنيته، ويكفيه نية العتق والصوم والإطعام عن الكفارة لتعينها باتحاد سببها.
ويلزمه مع نسيان سببها كفارة واحدة ينوى بها التي هي عليه، فإن عين سببا غيره غلطا وسببها من جنس يتداخل 2712، كمن عليه كفارة يمين في لبس فنواها عن يمين قيام ونسي يمين اللبس أجزأه ذلك عن الجميع لتداخلها، وإن كانت أسبابها من جنس لا يتداخل، كمن ظاهر من نسائه بكلمات لكل واحدة بكلمة فنوى الكفارة عن ظهاره من إحداهن أجزأه عن واحدة وإن لم يعينها، فتحل له واحدة غير معينة، قال في "الشرح" 2713: "وقياس المذهب أن يقرع بينهن، فتخرج المحللة منهن بالقرعة" وجزم به في "الإقناع" 2714، أو كانت عليه كفارات من أجناس كظهار وقتل ووطء في صوم رمضان ويمين باللَّه تعالى فنوى إحداها أجزأ المخرج عن واحدة منها، ولا يشترط لإجزائها تعيين سببها من ظهار أو غيره؛ لأنها عبادة واحدة واجبة فلم يفتقر صحة أدائها إلى تعيين سببها كما لو كانت من جنس.
الجزء: 3 - الصفحة: 579
﴿فصل﴾ في اللعان
من اللعن وهو: الطرد والإبعاد 2715 لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذبا، وقيل: إنه لا ينفك أحدهما عن أن يكون كاذبا فتحل اللعنة عليه.
وهو شرعا: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين مقرونة بلعن من زوج وغضب من زوجة قائمة مقام حد قذف إن كانت محصنة، أو تعزير إن لم تكن كذلك في جانبه وقائمة مقام حبس في جانبها 2716.
(ويجوز اللعان بين زوجين عاقلين لإسقاط الحد)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآيات 2717، وحديث
الجزء: 3 - الصفحة: 580
سهل بن سعد 2718 في عويمر العجلاني 2719 مع امرأته رواه الجماعة 2720، (فمن قذف زوجته) بالزنا (لفظا) ولو كان قذفها في طهر وطئ فيه بأن قال: زنيت في قبلك أو دبرك (وكذبته) لزمه ما يلزم بقذف أجنبية من الحد إن كانت محصنة، والتعزير إن [لم] 2721
الجزء: 3 - الصفحة: 581
تكن كذلك، ويسقط عنه الحد بتصديقها إياه، وبإقامة البينة عليها به، كما لو كان المقذوف غيرها، فإن لم تصدقه ولا بينة (فله) إسقاط ما لزمه بقذفها بـ (لعانها) للآية والخبر، ولو لاعن وحده 2722 ولم تلاعن هي.
وصفته (بأن يقول) زوج أولا (أربعا: أشهد باللَّه إني لصادق فيما رميتها به من الزنا) يشير إليها مع حضورها ولا حاجة لأن تسمى أو تنسب إلا مع غيبتها، (و) يزيد (في الخامسة: وأن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين)، ولا يشترط أن يقول فيما رماها به من الزنى، (ثم تقول هي) -أي الزوجة- (أربعا: أشهد باللَّه إنه لكاذب فيما رماني به من الزنا، و) تزيد (في الخامسة: وأن [غضب] 2723 اللَّه عليها إن كان من الصادقين) ولا يشترط أن تقول: فيما رماني به من الزنا لظاهر الآية.
فإن نقص لفظ من ذلك ولو أتيا بالأكثر وحكم به حاكم لم يصح؛ لأن نص القرآن أتى به على خلاف القياس بعدد فكان واجبا كسائر المقدرات بالشرع، أو بدأت الزوجة، أو قدمت الغضب، أو أبدلته باللعنة، أو السخط لم يصح، أو قدم 2724 اللعنة أو أبدلها بالغضب أو الإبعاد لم يصح 2725، أو أبدل أحدهما لفظ أشهد بأقسم وأحلف لم يصح لمخالفته النص، أو أتى به قبل إلقائه عليه أو بلا حضور حاكم أو نائبه لم يصح، أو لاعن بغير العربية من يحسنها.
ويصح من أخرس وممن اعتقل لسانه وآيس من نطقه إقرار بزنا بكتابة وإشارة
الجزء: 3 - الصفحة: 582
مفهومة، ويصح منهما لعان بكتابة وإشارة 2726 مفهومة لقيامها مقام النطق، فلو نطق وأنكر اللعان أو قال: لم أرد قذفا ولعانا قبل فيما عليه من حد ونسب، فيقام عليه الحد بطلبها ويلحقه النسب، ولا يقبل قوله فيما له من عود زوجته فلا تحل له؛ لأنها حرمت عليه بحكم الظاهر فلا يقبل إنكاره له، وله أن يلاعن لإسقاط الحد ونفي النسب.
وسن تلاعنهما قياما، لما في حديث ابن عباس في خبر: "أن هلالا جاء فشهد ثم قامت فشهدت" 2727.
وسن بحضرة جماعة؛ لأن ابن عباس وابن عمر وسهلا حضروه 2728 مع حداثة سنهم فدل على أنه حضر جمع كثير؛ لأن الصبيان إنما يحضرون المجالس تبعا للرجال، ولذلك قال سهل: "فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" 2729.
الجزء: 3 - الصفحة: 583
وسن أن لا ينقص الحاضرون عن أربعة رجال؛ لأن الزوجة ربما أقرت فشهدوا عليها.
وسن أن يتلاعنا بوقت ومكان معظمين، كبعد العصر يوم الجمعة، وبين الركن والمقام، وبيت المقدس عند الصخرة 2730، وعند منبر باقي المساجد.
وسن أن يأمر حاكم من يضع يده على فم زوج وزوجة عند الخامسة ويقول: اتق اللَّه فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، لحديث ابن عباس رواه الجوزجاني 2731، وكون الخامسة -هي الموجبة اللعنة أو الغضب- على من كذب منهما لالتزامه ذلك فيها، وكون عذاب الدنيا أهون؛ لأنه ينقطع، وعذاب الآخرة
الجزء: 3 - الصفحة: 584
دائم، والسر في ذلك التخويف ليتوب الكاذب منهما ويرتدع.
ويبعث حاكم إلى امرأة خفرة 2732 من يلاعن بينهما لحصول الغرض بذلك، ومن قذف زوجتين فأكثر ولو بكلمة أفرد كل واحدة بلعان؛ لأن كل واحدة مقذوفة فلا يدرأ عنه حدها إلا لعانها، كما لو لم يقذف غيرها.
الجزء: 3 - الصفحة: 585
فصل
وشروط اللعان ثلاثة: -
أحدها: كونه بين زوجين مكلفين ولو قنين أو فاسقين أو ذميين أو أحدهما كذلك، لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ 2733 فلا لعان بقذف أمته ولا تعزير، وأما اعتبار التكليف فلأن قذف غير المكلف لا يوجب حدا، واللعان إنما وجب لإسقاط الحد.
فيحد بقذف أجنبية بزنا ولو نكحها بعد، أو قال لزوجته: زنيت قبل أن أنكحك فيحد 2734 للقذف، ولا لعان لإضافته إلى حال لم تكن فيه زوجة، ويفارق قذف الزوجة لأنه محتاج إليه لأنها خانته، وإن كان بينهما ولد فهو محتاج إلى نفيه، وأما من تزوجها وهو يعلم زناها فهو مفرط في نكاح حامل من زنا فلا يشرع له طريق إلى نفيه، كمن أنكر قذف زوجته مع بينة عليه بقذفها، لأنه ينكر قذفها فكيف يحلف على إثباته، أو كذب نفسه بعد قذفها، ومن ملك زوجته الأمة فأتت بولد لا يمكن كونه ملك يمين، كإن أتت به لدون ستة أشهر منذ ملكها وعاش فله نفيه بلعان؛ لأنه مضاف لحال الزوجية، وإن أمكن كونه من ملك يمين فلا، ويعزر زوج بقذف زوجة صغيرة أو مجنونة، ولا لعان لما تقدم.
الشرط الثاني: سبق قذف الزوجة بزنا ولو في دبر؛ لأنه قذف يجب به الحد، وسواء
الجزء: 3 - الصفحة: 586
الأعمى والبصير لعموم الآية [كـ] 2735 زنيت أو يا زانية أو رأيتك تزنين أو زنا فرجك، وإن قال: ليس ولدك مني، أو قال معه: ولم تزن، أو لا أقذفك، أو قال لها: وطئت بشبهة، أو مكرهة، أو نائمة، أو مع إغماء، أو جنون، لحقه الولد ولا لعان، لأنه لم يقذفها بما يوجب 2736 الحد، وإن قال لها: وطئك فلان بشبهة وكنت عالمة فله اللعان ونفي الولد، اختاره الموفق وغيره 2737، ومن أقر بأحد توأمين لحقه الآخر؛ لأنه لا يجوز أن يكون بعض الحمل الواحد منه وبعضه من غيره، ويلاعن لنفي الحد؛ لأنه لا يلزم من كون الولد [منه] 2738 انتفاء زناها كما لا يلزم من الزنا نفي الولد، ولذلك لو أقرت بالزنا أو قامت به بينة لم ينتف عنه الولد بذلك.
الشرط الثالث: أن تكذبه الزوجة في قذفها ويستمر تكذيبها إلى انقضاء اللعان، فإن صدقته ولو مرة 2739، أو عفت عن الطلب مجد القذف، أو سكتت فلم تقر ولم تنكر، أو ثبت زناها بشهادة أربعة سواه، أو قذف مجنونة بزنا قبل جنونها، أو قذف محصنة فجنت قبل لعان، أو خرساء أو ناطقة فخرست ولم تفهم إشارتها، أو قذف صماء لحقه النسب إن كأن بينهما ولد نصا 2740، ولا لعان لما سبق من أنه شرع لدرء الحد عن القاذف.
الجزء: 3 - الصفحة: 587
وإن مات أحدهما قبل ثتمة اللعان توارثا وثبت 2741 النسب؛ لأن اللعان لم يوجد فلا يثبت حكمه، وإن لاعن الزوج ونكلت زوجة حبست حتى تقر أربعا أو تلاعن [ولا] 2742 ترجم بمجرد النكول؛ لأنها لو أقرت بلسانها لم ترجم إذا رجعت فكيف إذا أبت اللعان.
(فإذا تم) تلاعنهما (سقط الحد) عنه وعنها إن كانت محصنة، أو التعزير إن لم تكن محصنة (وثبتت الفرقة) بين المتلاعنين ولو بلا فعل حاكم (المؤبدة) لقول عمر: "المتلاعنان يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا" رواه سعيد 2743، ولأن اللعان معنى يقتضي التحريم المؤبد فلم يتوقف على حكم حاكم كالرضاع، ولو كذب الملاعن نفسه لورود الأخبار عن عمر وعلي وابن مسعود: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدا" 2744، أو كانت أمة واشتراها بعد اللعان فلا تحل له؛ لأنه تحريم مؤيد.
(وينتفي الولد) عن الملاعن (بنفيه) له ويعتبر لنفي الولد ذكره صريحا في
الجزء: 3 - الصفحة: 588
اللعان، كقوله: أشهد باللَّه لقد زنيت وما هذا ولدي ويتم اللعان، وتعكس هي وتقول: أشهد باللَّه لقد كذب وهذا الولد ولده ويتم اللعان؛ لأنها أحد الزوجين فكان ذكر الولد منها شرطا في اللعان، كان نفى حملا أو استلحقه أو لاعن عليه مع ذكره لم يصح نفيه؛ لأنه لا تثبت له أحكام إلا في الإرث والوصية، ويلاعن قاذف حامل أولا لدرء حد، وثانيا بعد وضع لنفي الولد، لأنه لم ينتف باللعان الأول.
وشرط لنفي ولد بلعان أن لا يتقدمه إقرار به، أو إقرار بتوأم، أو إقرار بما يدل عليه، كما لو نفاه وسكت عن توأمه، أو هنئ به فسكت، أو أمن على دعاء، أو أخر نفيه مع إمكانه بلا عذر، أو أخره رجاء موته؛ لأنه خيار لدفع ضرر فكان على الفور كخيار الشفعة، كان كان جائعا [أو] 2745 ظمآنا فأخره حتى أكل أو شرب أو نام لنعاس، أو لبس ثيابه أو إسراج دابته أو صلى إن حضرت الصلاة أو أحرز ماله إن لم يكن محرزا ونحوه فله نفيه، وإن قال: لم أعلم بالولد وأمكن صدقه قبل، أو قال: لا أعلم أن لي نفيه، أو لم أعلم أنه 2746 على الفور وأمكن صدقه قبل؛ لأن الأصل عدم ذلك.
ومتى كذب نفسه بعد نفيه [حد] 2747 لزوجة محصنة وعزر لغيرها كذمية أو رقيقة، سواء كان لاعن أو لا، وانجر نسب الولد الذي أقر به من جهة الأم إلى جهة الأب المكذب نفسه بعد نفيه، وعليه ما أنفقت عليه الأم قبل استلحاقه.
الجزء: 3 - الصفحة: 589
ولا يلحق الملاعن نسب ولد نفاه ومات باستلحاق ورثته بعده نصا 2748، لأنهم يحملون على غيرهم نسبا قد نفاه عنه فلم يقبل منهم، والتوأمان المنفيان بلعان أخوان لأم فقط لانتفاء النسب من جهة الأب.
الجزء: 3 - الصفحة: 590
فصل فيما يلحق من النسب وما لا يلحق منه
(ومن أتت زوجته بولد بعد نصف سنة) أي ستة أشهر (منذ أمكن اجتماعه بها) ولو مع غيبته فوق أربع سنين، قال في "الفروع" 2749 و"المبدع" 2750: "ولعل المراد ويخفى سيره وإلا فالخلاف على ما يأتي".
ولا ينقطع الإمكان عن الاجتماع بحيض لاحتماله دم فساد، (أو) أتت به (لدون أربع سنين منذ أبانها) زوجها (ولو) كان الزوج (ابن عشر) سنين فيهما (لحقه نسبه) لحديث: "الولد للفراش" 2751 وللإمكان كونه منه، وقدروه بعشر سنين [لحديث] 2752: "واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" 2753؛ ولأن العشر يمكن فيها البلوغ فالحق به الولد كالبالغ المتيقن، وقد روي
الجزء: 3 - الصفحة: 591
أن عمرو بن العاص وابنه لم يكن بينهما إلا اثنا عشر سنة 2754، وأمره عليه السلام بالتفريق بينهم في المضاجع دليل على إمكان الوطء وهو سبب الولادة، (و) مع هذا (لا يحكم ببلوغه مع شك فيه) لاستدعاء الحكم ببلوغه يقينا لترتب الأحكام عليه من التكاليف ووجوب الغرامات فلا يحكم به مع الشك، وإلحاق الولد به احتياطا حفظا للنسب، ولا يكمل به مهر إن لم يثبت الدخول والخلوة؛ لأن الأصل براءته منه، ولا تثبت به عدة ولا رجعة لعدم ثبوت موجبهما.
وإن لم يمكن كون الولد منه كإن أتت به لدون نصف سنة منذ تزوجها وعاش لم يلحقه للعلم بأنها كانت حاملا به قبل التزوج، فإن مات أو ولدته ميتا لحقه لإمكانه.
أو أتت به لأريع سنين منذ أبانها لم يلحقه للعلم بأنها حملت به بعد بينونتها إذ لا يمكن بقاؤها حاملا به بعد البينونة إلى تلك المدة.
أو أقرت بائن بانقضاء عدتها بالقروء، ثم ولدت لفوق نصف سنة من عدتها التي أقرت بانقضائها لم يلحقه لإتيانها به بعد الحكم بانقضاء عدتها في وقت يمكن أن لا يكون منه، فلم نلحقه به، كما لو انقضت عدتها بوضع الحمل، والإمكان إنما يعتبر مع بقاء الزوجية أو العدة لا بعدهما؛ لأن الفراش سبب، ومع وجود السبب يكتفى بالإمكان، فإذا انتفى السبب وآثاره انتفى الحكم بالإمكان، فإذا ولدت لدون نصف سنة من آخر أقرائها وعاش لحق بزوج لتبين أنها لم تحمل به بعد انقضاء عدتها به، بل أنها كانت حاملا به زمن رؤية [الدم] 2755، فلزم أن لا يكون الدم حيضا فلا تنقضي عدتها، أو فارقها حاملا فوضعت ثم ولدت آخر بعد نصف سنة لم يلحقه
الجزء: 3 - الصفحة: 592
الثاني؛ لأنه لا يمكن كونه حملا واحدا، فعلم أنها علقت بالثاني بعيد الزوجية وانقضاء العدة، أو علم أن الزوج لم يجتمع بها زمن زوجية بأن تزوجها بمحضر حاكم أو غيره ثم أبانها بالمجلس، أو مات بالمجلس لم يلحقه للعلم بأنه ليس منه، أو كان بينهما وقت عقد مسافة لا يقطعها في المدة التى ولدت فيها، كمغربي تزوج بمشرقية فولدت بعد ستة أشهر لم يلحقه؛ لأنه لم يحصل إمكان الوطء في هذا العقد، أو كان الزوج لم يكمل له عشر سنين، أو قطع ذكره مع أنثييه لم يلحقه نسبه لاستحالة الإيلاج والإنزال منه.
ويلحق النسب زوجا عنينا ومن قطع ذكره دون أنثييه لإمكان إنزاله، وكذا يلحق من قطع أنثياه فقط عند الأكثر، وقيل: لا يلحقه نسب مع قطع أنثييه، قال المنقح: "وهو الصحيح" 2756؛ لأنه لا يخلق من مائه ولد عادة ولا وجد ذلك، أشبه ما لو قطع ذكره مع أنثييه.
وإن ولدت مطلقة رجعية بعد أربع سنين منذ طلقها زوجها وقبل انقضاء عدتها لحق نسبه، أو ولدت لأقل من أربع سنين منذ انقضت عدتها ولو بالأقراء لحق نسبه؛ لأن الرجعية في حكم الزوجات في أكثر الأحكام أشبه ما قبل الطلاق، ومن أخبرت بموت زوجها فاعتدت للوفاة ثم تزوجت ثم ولدت لحق بثان ما ولدت لنصف ستة فأكثر منذ تزوجته نصا 2757؛ لأنها فراشه، وأما ما ولدته لدون نصف سنة وعاش فيلحق بالأول؛ لأنه ليس من الثاني يقينا، وكذا لو مات زوجها عندها أو فسخ نكاح غائب.
الجزء: 3 - الصفحة: 593
فصل
ومن أقر أو ثبت أنه وطئ أمته في الفرج أو دونه فولدت لنصف سنة فأكثر لحقه نسب ما ولدته؛ لأنها صارت فراشا له بوطئه، ولحديث عائشة الآتي 2758، ولو قال: عزلت أو لم أنزل لقول عمر: "ما بال رجال يطؤن ولائدهم ثم يعزلون، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها، فاعزلوا بعد أو أنزلوا" رواه الشافعي في مسنده 2759، ولأنها ولدت على فراشه ما يمكن كونه منه لاحتمال أن يكون أنزل ولم يحس به، أو أصاب بعض الماء فم الرحم وعزل باقيه، لا إن 2760 ادعى استبراء بعد وطء بحيضة لتيقن براءة رحمها بالاستبراء، فتبين أنه من غيره، ويحلف على الاستبراء إذا ادعاه، فإن ولدت لدون نصف سنة من الاستبراء تبينا أن لا استبراء، ويلحقه.
وإن أقر السيد بالوطء لأمته مرة، ثم ولدت ولو بعد أربع سنين من وطئه لحقه نسب ما ولدته، لصيرورتها فراشا بوطئه كالزوجة.
(ومن أعتق أو باع من) أي أمة له (أقر بوطئها) في الفرج أو دونه، أو ثبت أنه وطئها في الفرج أو دونه (فولدت لدون نصف سنة) منذ أعتقها أو باعها (لحقه) أي المعتق والبائع ما ولدته؛ لأن أقل الحمل مدة نصف سنة، فما ولدته لدونها وعاش علم أنها كانت حاملا به قبل العتق أو البيع حين كانت فراشا له، (والبيع باطل)؛ لأنها أم ولد والعتق
الجزء: 3 - الصفحة: 594
صحيح، ولو كان استبراؤها قبل البيع لتبين أن ما رأته من الدم دم فساد؛ لأن الحامل لا تحيض، وكذا إن لم يستبرئها قبل بيعها وادعى مشتر أنه من بائع فيلحقه لوجود سبب [الولادة وهو] 2761 الوطء، ولم يوجد ما يعارضه ولا ما يمنعه، فتعين إحالة الحكم عليه سواء ادعاه 2762 البائع أو لم يدعه، وإن ادعاه مشتر لنفسه وقد بيعت قبل استبراء وولدته لفوق ستة أشهر ودون أربع سنين من بيع، والمشتري مقر بوطئها أري القافة 2763، أو ادعى كل من البائع والمشتري في الصورة المذكورة أن الولد للآخر والمشتري مقر بوطئها أري القافة أيضا؛ لأن نظرها طريق شرعي إلى معرفة النسب عند الاحتمال كما تقدم في اللقيط.
وإن استبرئت قبل بيع ثم ولدت لفوق نصف سنة من بيع لم يلحق بائعا، أو لم تستبرأ وولدت لفوق نصف سنة من بيع ولم يقر مشتر له بالولد لم يلحق بائعا؛ لأنه ولد أمة
الجزء: 3 - الصفحة: 595
المشتري فلا تقبل دعوى غيره بدون إقراره، وإن ادعاه بائع وصدقه مشتر في هذه الصورة وهي ما إذا لم تستبرأ وأتت به لفوق ستة أشهر، أو فيما إذا باع أمته ولم يقر البائع بوطء وأتت به لدون نصف سنة وادعى البائع أنه ولده وصدقه مشتر لحقه الولد وبطل البيع؛ لأنا الحق فيه لا يعدوهما، فمهما تصادقا عليه لزمهما، وإن لم يصدقه المشتري فالولد عبد له في الصورتين، ولا يثبت نسبه من بائع؛ لأنه ضرر على المشتري، إذ لو أعتقه كان أبوه أحق بميراثه من مولاه.
وإن ولدت امرأة من مجنون لا ملك له عليها ولا شبهة ملك لم يلحقه نسب ما ولدته منه؛ لأنه لم يستند إلى ملك ولا شبهة ملك ولا اعتقاد إباحة، وإن كان قد أكرهها فعليه مهر مثلها كالمكلف.
ويلحق الولد واطئا بشبهة، فمن وطئت امرأته أو أمته بشبهة في طهر لم يصبها فيه فاعتزلها حتى ولدت لستة أشهر فأكثر من وطء لحق واطئا وانتفى عن الزوج [بلا] 2764 لعان.
ومن قال عن ولد بيد سريته أو زوجته أو مطلقته: ما هذا ولدي ولا ولدته بل التقطتيه، أو استعرتيه ونحوه، فإن شهدت امرأة مرضية بولادتها له لحقه نسب الولد للفراش، وإلا فلا يقبل قولها عليه؛ لأن الأصل عدم ولادتها له، وهي مما يمكن إقامة البينة عليه.
ولا أثر لشبه ولد ولو لأحد مدعييه مع وجود فراش، لحديث عائشة: "اختصم سعد
الجزء: 3 - الصفحة: 596
بن أبي وقاص، وعيد بن زمعة 2765 إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال سعد: يا رسول اللَّه! ابن أخي عتبة بن أبي وقاص 2766 عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول اللَّه! ولد على فراش أبي، فنظر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة" رواه الجماعة إلا الترمذي 2767. وتبعية نسب لأب إجماعا، لقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ 2768 ما لم ينتف كابن
الجزء: 3 - الصفحة: 597
ملاعنة وإلا ولد الزنا، فولد القرشي قرشي ولو ولد من غير قرشية، وولد قرشية ليس قرشيا.
وتبعية ملك أو حرية لأم، فولد حرة حرة وإن كان من رقيق، وولد أمة ولو من حر [قن] 2769 لمالك أمة، إلا مع شرط زوج أمة حرية أولادها فهم أحرار، لحديث: "المسلمون على شروطهم"، وإلا مع غرور بان تزوج بامرأة شرطها أو ظنها حرة فتبين أمة فولدها حر ولو كان أبوه رقيقا ويفديه.
وتبعية دين ولد لخيرهما، فولد مسلم من كتابية مسلم، وولد كتابي من مجوسية كتابي، لكن لا تحل ذبيحته ولا لمسلم نكاحه لو كان أنثى، وتبعية نجاسة وحرمة أكل لأخبثهما، فالبغل من الحمار الأهلي محرم نجس تبعا للحمار دون أطيبهما وهو الفرس، وما تولد بين هر وشاة محرم الأكل تغليبا لجانب الحظر.
الجزء: 3 - الصفحة: 598
(باب العدد)
- بكسر العين- واحدها عدة، وهي مأخوذة من العدد 2770؛ لأن أزمنة العدة محصورة مقدرة بعدد الأزمان والأحوال كالحيض والأشهر.
وشرعا: التربص المحدود شرعا 2771. وأجمعوا على وجوبها للكتاب والسنة في الجملة 2772. والقصد منها استبراء رحم المرأة من الحمل لئلا يطأها غير المفارق لها قبل العلم فيحصل الاشتباه وتضيع الأنساب، والعدة إما لمعنى محض كالحامل، أو تعبد محض كالمتوفى عنها زوجها قبل الدخول، أو لهما والمعنى أغلب، كالموطوءة التي يمكن حبلها ممن يولد لمثله، أو لهما والتعبد أغلب، كعدة الوفاة في المدخول بها الممكن حملها إذا مضت عدة أقرائها في أثناء الشهور.
و(لا عدة 2773 في فرقة) زوج (حي قبل وطء)، أ (و) قبل (خلوة) ولا لقبلة أو لمس لقوله تعالى: {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا
الجزء: 3 - الصفحة: 599
لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} 2774، ولأن الأصل في العدة وجوبها لبراءة الرحم وهي منتفية هنا.
(وشرط) في وجوب عدة ا (لوطء كونها) أي الموطؤة (يوطأ مثلها، وكونه) أي الواطئ (يلحق به الولد)، فإن وطئت بنت دون تسع سنين، أو وطئ دون عشر فلا عدة لذلك الوطء لتيقن براءة الرحم من الحمل.
(و) شرط في وجوب عدة (لخلوة مطاوعتهـ) ـا، فإن خلا بها مكرهة فلا عدة؛ لأن الخلوة إنما أقيمت مقام الوطء لأنها مظنته، ولا تكون كذلك إلا مع التمكين، وشرط أيضا في خلوة كونها يوطا مثلها، وكونه يلحق به ولد كما في الوطء وأولى، (و) شرط الخلوة (علمه) أي الزوج (بها) فلو خلا بها أعمى ولم يعلم أو تركت بمخدع من البيت بحيث لا يراها البصير ولم يعلم بها ازوج فلا عدة لعدم التمكين الموجب للعدة، وحيث وجدت شروط الخلوة وجبت العدة لقضاء [الخلوة] 2775 الخلفاء بذلك كما تقدم في الصداق 2776، (ولو مع مانع) شرعي أو حسي كإحرام وصوم وجب وعنة ورتق إناطة للحكم بمجرد الخلوة التي هي مظنة الإصابة دون حقيقتها.
(وتلزم) العدة (لوفاة مطلقا) كبيرا كان الزوج أو صغيرا يمكنه وطء أو لا، خلا بها أو لا، كبيرة كانت أو صغيرة، لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ 2777، ولا فرق في عدة وجبت بدون
الجزء: 3 - الصفحة: 600
وطء بين نكاح صحيح وفاسد أي مختلف فيه، كنكاح بلا ولي نصا 2778؛ لأنه ينفذ بحكم الحاكم أشبه الصحيح فتجب عدة الوفاة من نكاح فاسد، ولا عدة في نكاح باطل مجمع على بطلانه، كمعتدة وخامسة إلا بوطء؛ لأن وجود صورتها كعدمها، فإن وطئ لزمه العدة كالزانية.
(والمعتدات ست): -
إحداهن: (الحامل، وعدتها مطلقًا) من موت أو غيره، حرة كانت أو أمة، مسلمة أو كافرة (إلى وضع كل حمل) واحدا كان أو أكثر، لعموم.
قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 2779، وبقاء بعض حمل يوجب بقاء العدة؛ لأنها لم تضع حملها بل بعضه، وظاهره ولو مات ببطنها لعموم الآية.
ولا تنقضي عدة حامل إلا بوضع ما (تصير به أمة أم ولد) وهو ما تبين فيه خلق إنسان ولو خفيا، (وشرط لحوقه) أي الحمل (للزوج)، فإن لم يلحقه لصغره بأن يكون دون عشر، أو لكونه خصيا مجبوبا، أو لولادتها لدون نصف سنة منذ نكحها ونحوه، كالذي ولدته بعد أربع سنين منذ أبانها، ويعيش من ولدته لدون نصف سنة منذ نكحها لم تنقض 2780 عدتها من زوجها لانتفائه عنه يقينا.
(وأقل مدته) أي الحمل التي يعيش فيها (ستة أشهر) لقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ
الجزء: 3 - الصفحة: 601
ثَلَاثُونَ شَهْرًا} 2781 مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ 2782 والفصال: انقضاء مدة الرضاع 2783، لأنه يفصل بذلك عن أمه، وإذا سقط حولان من ثلاثين شهرا بقي ستة أشهر هي مدة الحمل، وروى الأثرم عن أبى الأسور 2784: "أنه رفع إلى عمر امرأة ولدت لستة أشهر، فهم عمر برجمها، فقال له علي: ليس لك ذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ فحولان وستة أشهر ثلاثون شهرا، فخلى عمر سبيلها، فولدت مرة أخرى لذلك الحد" 2785، وذكر ابن قتيبة في "المعارف" 2786:
الجزء: 3 - الصفحة: 602
أن عبد الملك بن مروان 2787 ولد لستة أشهر.
فأما دون ذلك فلم يوجد.
(وغالبها) -أي مدة الحمل- (تسعة) أشهر؛ لأن غالب النساء يلدن لذلك.
(وأكثرها) -أي مدة الحمل- (أربع سنين)؛ لأن ما لا تقدير فيه شرعا يرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد من تحمل أربع سنين، قال أحمد: "نساء بني عجلان 2788 يحملن أربع سنين، وامرأة محمد بن عجلان 2789 حملت ثلاث بطون كل بطن أربع سنين 2790، وبقي محمد بن عبد اللَّه بن الحسن بن علي 2791 في بطن أمه أربع
الجزء: 3 - الصفحة: 603
سنين" 2792، وأقل مدة يبين فيها خلق ولد أحد وثمانون يوما لحديث ابن مسعود مرفوعا: "يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضعة مثل ذلك" الخبر متفق عليه 2793، ولا شك أن العدة لاتنقضي بما دون المضغة فوجب أن يكون بعد الثمانين، فأما بعد أربعة أشهر فليس فيه إشكال، وذكر المجد 2794 في شرحه 2795: "أن غالب ما يتبين فيه خلقه ثلاثة أشهر" 2796. (الثانية) من المعتدات: (المتوفى عنها) زوجها (بلا حمل) منه، وتقدم حكم = ينظر: الجرح والتعديل 7/ 295، وتهذيب الكمال 25/ 465 - 471، وسير أعلام النبلاء 6/ 210.
الجزء: 3 - الصفحة: 604
الحامل، وإن كان الحمل من غير الزوج المتوفى كإن وطئت بشبهة فحملت ثم مات زوجها اعتدت بوضعه للشبهة، واعتدت للوفاة بعد وضع الحمل؛ لأنهما حقان لآدميين فلا يتداخلان كالدينين، (فتعتد حرة أربعة أشهر وعشر ليال بعشرة أيام) للآية 2797، والنهار تبع لليل، ولأن المطلقة إذا أتت بولد يمكن الزوج تكذيبها ونفيه باللعان، ولا كذلك الميت فلا يؤمن 2798 أن تأتي بولد فيلحق الميت نسبه وليس له من ينفيه، فاحتيط بإيجاب العدة عليها والمبيت بمنزلها حفظا لها، وسواء وجد فيها الحيض أو لا، (و) عدة (أمة) توفي عنها زوجهاب (نصفها) شهرأن وخمس ليال بخمسة أيام لإجماع الصحابة على تنصف عدة الأمة في الطلاق 2799، فكذا في عدة الموت، وكالحد، (و) عدة (مبعضة بالحساب)، فمن نصفها حر ونصفها رقيق عدتها ثلاثة أشهر وثمانية أيام بلياليها، ومن ثلثها حر فشهران وسبعة وعشرون يوما.
وإن ارتد الزوج بعد الدخول فمات أو قتل قبل انقضاء عدتها سقط ما مضى من عدتها وابتدأت 2800 عدة [وفاة] 2801 من موته نصا 2802؛ لأنه كان يمكنه تلافي النكاح بإسلامه، أو
الجزء: 3 - الصفحة: 605
مات زوج كافرة أسلمت بعد دخوله بها في عدتها قبل إسلامه سقط ما مضى من عدتها وابتدأت عدة وفاة من موته نصا 2803 لما تقدم، أو مات زوج مطلقة رجعية قبل انقضاء عدتها سقطت عدة طلاق وابتدأت عدة وفاة من موته؛ لأنها زوجة يلحقها طلاقه وإيلاؤه 2804، وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل من عدة الطلاق؛ لأنها أجنبية منه في النظر إليها، والتوارث، ولحوقها طلاقه.
(وتعتد من أبانها في مرض موته) المخوف فرارا 2805 (الأطول من عدة وفاة وطلاق 2806؛ لأنها وارثة)، فتجب عليها عدة وفاة كالرجعية ومطلقة فيلزمها عدة الطلاق، ويندرج أقلهما في الأكثر، ما لم تكن أمة أو ذمية والزوج مسلم، أو جاءت البينونة منها بأن سألته الطلاق فتعتد لطلاق لا غير؛ لانقطاع أثر النكاح بعدم إرثها منه.
ومن طلق معينة من نسائه ونسيها، أو طلق مبهمة ثم مات قبل قرعة اعتد نساؤه سوى حامل الأطول من عدة طلاق ووفاة؛ لأن كلا منهن يحتمل أن تكون زوجة أو مطلقة فاحتيط للعدة، وعدة الحامل وضع الحمل مطلقا كما تقدم.
وإن ارتابت متوفى عنها زمن تربصها أو بعده بأمارات الحمل كحركة أو انتفاخ بطن أو
الجزء: 3 - الصفحة: 606
رفع حيض لم يصح نكاحها حتى تزول 2807 الريبة للشك في انقضاء عدتها أو تغليبا لجانب الحظر، وزوال الريبة انقطاع الحركة وزوال الانتفاخ، أو عود الحيض، أو مضي زمن لا يمكن أن تكون فيه حاملا، وإن ظهرت الريبة بعد نكاحها دخل الزوج أو لا لم يفسد النكاح؛ لأنه شك طرأ على يقين النكاح فلا يزيله، ولم يحل لزوجها وطؤها 2808 حتى تزول الريبة للشك في صحة النكاح لاحتمال أن تكون حاملا، ومتى ولدت لدون نصف سنة من عقد عليها وعاش تبينا فساد النكاح، وإن ولدته لأكثر من ذلك لحق بالزوج الثاني والنكاح صحيح.
(الثالثة) من المعتدات: (ذات الحيض المفارقة في الحياة) بعد دخول أو خلوة ولو بطلقة ثالثة إجماعا، قاله في "الفروع" 2809، (فتعتد حرة ومبعضة) مسلمة كانت أو كافرة (بثلاث حيضات) لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 2810 والقرء: الحيض روي عن عمر 2811 وعلي 2812 وابن
الجزء: 3 - الصفحة: 607
عباس 2813 لأنه المعهود في لسان الشرع كحديث: "تدع الصلاة أيام أقرائها" رواه أبو داود 2814، وحديث: "إذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء" رواه النسائي 2815 ولم يعهد في لسانه استعمال القرء بمعنى
الجزء: 3 - الصفحة: 608
الطهر، وإن كان في اللغة القرء مشتركا بين الحيض والطهر 2816.
(و) تعتد (أمة بحيضتين) لحديث: " قرء الأمة حيضتان" 2817 ولأنه قول [عمر] 2818 وابنه 2819 وعلي 2820 ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعا وهو مخصص لعموم الآية، وكان القياس أن تكون عدتها حيضة ونصفها كحدها إلا أن الحيض لا يتبعض.
ولا تعتد بحيضة طلقت فيها بل تعتد بعدها بثلاث حيض كوامل أو حيضتين إن كانت أمة، قال في "الشرح" 2821: "ولا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم".
ولا تحل لغير مطلقها = وللحديث شاهد آخر من حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-: أخرجه أبو داود في الموضع السابق برقم (278) سنن أبي داود 1/ 72، قال الألباني: "إسناده صحيح".
الإرواء 7/ 200.
الجزء: 3 - الصفحة: 609
إذا انقطع دم الحيضة الأخيرة حتى تغتسل فيـ[قول] 2822 أكابر الصحابة، منهم أبو بكر 2823 وعمر 2824 وعثمان 2825 وعلي 2826 وابن مسعود 2827 وأبو 2828 موسى 2829 وعبادة بن الصامت 2830
الجزء: 3 - الصفحة: 610
وأبو الدرداء 2831، ولأن وطء الزوجة قبل الاغتسال حرام لوجود أثر الحيض، فلما منع الزوج الوطء كما منعه الحيض وجب أن يمنع ما منعه الحيض وهو النكاح، وتنقطع بقية الأحكام من التوارث، ووقوع الطلاق، وصحة اللعان، وانقطاع النفقة، ونحوها بانقطاع دم الحيضة الأخيرة؛ لأن هذه الأحكام لا أثر فيها للاغتسال بخلاف النكاح، لأن المقصود منه الوطء، ولا تحسب مدة نفاس لمطلقة بعد وضع، فلا تحسب بحيضة بل لا بد من حيضها بعد ذلك ثلاث حيض كاملة للآية.
(الرابعة) من المعتدات: (المفارقة في الحياة ولم تحض) بعد (للصغر أو الإياس) 2832 من الحيض، (فتعتد حرة بثلاثة أشهر) لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 2833 أي كذلك، من وقت الفرقة، فإن فارقها نصف الليل أو النهار اعتدت من ذلك الوقت إلى مثله في قول أكثر أهل العلم 2834، (و) تعتد (أمة) لم تحض (بشهرين) نصا 2835، واحتج بقول عمر: "عدة أم الولد حيضتان ولو لم تحض كان عدتها شهرين" رواه
الجزء: 3 - الصفحة: 611
الأثرم 2836، وليكون البدل كالمبدل، ولأن غالب النساء يحضن في كل شهر حيضة.
(و) تعتد (مبعضة) لم تحض كذلك (بالحساب)، فتزيد على الشهرين من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، فمن ثلثها حر تعتد بشهرين وعشرة أيام وهكذا.
(وعدة بالغ لم تر حيضا) 2837 ولا نفاسا كآيسة، لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.
(و) عدة (مستحاضة مبتدأة أو ناسية) لوقت حيضها (كآيسة) 2838، لأنهما لا يعلمان وقت حيضهما، ومن علمت أن لها حيضة في كل أربعين يوما مثلا، واستحيضت ونسيت وقت حيضها فعدتها ثلاثة أمثال ذلك، ومن لها عادة من المستحاضات عملت بها، أو لها تمييز [عملت] 2839 به إن صلح حيضا لما تقدم في بابه 2840.
وإن حاضت صغيرة مفارقة في الحياة في أثناء عدتها استأنفتها بالقرء؛ لأن الأشهر بدل عن الأقراء لعدمها، فإذا وجد المبدل بطل حكم البدل، كالمتيمم يجد الماء بعد أن تيمم لعدمه، ومن يئست في أثناء عدة أقراء بأن بلغت سن الإياس فيها وقد حاضت بعض أقرائها أو لم تحض ابتدأت عدة آيسة بالشهور، لأنها إذن آيسة ولا يعتد بما حاضته
الجزء: 3 - الصفحة: 612
قبل، وإن عتقت معتدة في عدتها أتمت عدة أمة، لأن الحرية لم توجد في الزوجية، إلا الرجعية، فتتم عدة حرة لأنها في حكم الزوجات.
(الخامسة) من المعتدات: (من ارتفع حيضها ولم تعلم ما رفعه لتعتد للحمل غالب مدته) تسعة أشهر لتعلم براءة رحمها (ثم تعتد) بعد ذلك (كآيسة)، على ما مر تفصيله آنفا في الحرة والمبعضة، قال الشافعي: "هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار ولم ينكره منهم منكر علمناه" 2841. ولأن الغرض بالعدة معرفة براءة رحمها وهي تحصل بذلك واكتفي به، وإنما وجبت العدة بعد التسعة أشهر؛ لأن عدة الشهور لا تجب إلا بعد العلم ببراءة الرحم من الحمل إما بالصغر أو الإياس، وهنا لما احتمل انقطاع الحيض للحمل أو الإياس اعتبرت البراءة من الحمل بمضي مدته، فتعين كون الانقطاع للإياس، فوجبت عدته عند تعينه، ولم يعتبرما مضى كما لا يعتبر ما مضى من الحيض قبل الإياس؛ لأن الإياس طرأ عليه، ولا تنقضي العدة لعود الحيض يعد المدة لانقضاء عدتها كالصغيرة تعتد ثلاثة أشهر ثم تحيض.
(وإن علمت) معتدة انقطع حيضها (ما رفعه) من مرض أو رضاع ونحوه (فلا تزال) في عدة (حتى يعود) حيضها (فتعتد به) وإن طال الزمن لعدم إياسها من الحيض، فتناولها عموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 2842 وكما لو كانت ممن بين حيضها مدة طويلة (أو) حتى (تصير آيسة) أي تبلغ سن 2843 الإياس (فتعتد
الجزء: 3 - الصفحة: 613
عِدَّتَهَا) [أي] 2844 الآيسة نصًّا 2845 لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ الآية 2846.
ويقبل قول زوج اختلف مع مطلقته في وقت طلاق أنه لم يطلق إلا بعد حيض أو ولادة أو في وقت كذا حيث لا بينة لها؛ لأنه يقبل قوله في أصل الطلاق وعدده، فكذا في وقته، لأن ذلك يرجع إلى الاختلاف في بقاء العدة وهو الأصل.
(السَّادِسَةُ) من المعتدات: (امْرَأةُ المَفْقُودِ) أي الذي انقطع خبره فلم تعلم حياته ولا موته فـ (تَتربَّصُ ولو) كانت (أَمَة أربعُ سنينٍ) منذ فقد (إِنْ انقَطَعَ خَبرُهُ لغَيْبَةٍ ظَاهِرُهَا الهَلاكُ)، كالمفقود من بين أهله أو في مفازة أو بين الصفين حال حرب ونحوه، وساوت الأمة هنا الحرة؛ لأن تربص المدة المذكورة ليعلم حاله من حياة وموت، وذلك لا يختلف بحال زوجته، (و) تتربص تمام (تسْعِينَ) سنة (مُنْذُ وُلدَ إِنْ كانَ ظَاهِرُهَا) أي غيبته (السَّلامَةَ ثُمَ تَعْتَدُّ) في الحالين (للوَفَاةِ) الحرةُ أربعة أشهر وعشرًا والأمة نصف ذلك.
ولا تفتقر امرأة المفقود في ذلك التربص إلى حكم حاكم بضرب المدة، وعدة الوفاة فلا تتوقف على ذلك، كقيام البينة بموته وكمدة الإيلاء، ولا تفتقر إلى طلاق ولي زوجها بعد اعتدادها لوفاة؛ لأنه لا ولاية لوليه في طلاق امرأته.
وينفذ حكم حاكم بالفرقة ظاهرًا فقط بحيث إن حكمه بالفرقة لا يمنع وقوع طلاق
الجزء: 3 - الصفحة: 614
المفقود، لأنه حَكَم بالفرقة بناء على أن الظاهر هلاكه فإذا علمت حياته تبين أن لا فرقة كما لو شهدت بها بينة كاذبة، فيقع طلاقه لمصادفته محله، وتنقطع النفقة عن امرأة المفقود بتفريق الحاكم أو بتزويجها إن لم يحكم بالفرقة لإسقاطها 2847 نفقتها بخروجها 2848 عن حكم نكاحه، فإن قدم واختارها ردت إليه وعادت نفقتها من الرد، قال ابن عمر وابن عباس: "ينفق عليها في العدة بعد الأربع سنين من مال زوجها جميعه أربعة أشهر وعشرا" 2849، فإن لم يفرق الحاكم ولم تتزوج واختارت المقام حتى يتبن أمره فلها النفقة ما دام حيًا من ماله، وان ضرب لها الحاكم مدة التربص فلها النفقة فيها لا في العدة.
ومن تزوجت قبل ما ذكر من التربص والاعتداد بعده لم يصح نكاحها، ولو بأن أنه كان طلق وانقضت عدتها قبل أن تتزوج، أو بَانَ أنه كان ميتًا [وأن] 2850 عدة الوفاة انقضت حين التزويج لتزوجها في مدة منعها الشرع النكاح فيها أشبهت المعتدة والمرتابة قبل زوال ريبتها.
ومن تزوجت بعد التربص والعدة ثم قدم زوجها قبل وطء الثاني دفع إليه ما أعطاها من مهر وردت إلى قادم؛ لأنا تبينا بقدومه بطلان نكاح الثاني ولا مانع من الرد فترد إليه لبقاء نكاحه، ويخير المفقود إن وطئ الزوج الثاني قبل قدومه بين أخذها بالعقد الأول لبقائه ولو لم يطلق الثاني ويطأها الأول بعد عدة الثاني، وبين تركها معه بلا
الجزء: 3 - الصفحة: 615
تجديد عقد لصحة عقده ظاهرًا، قال المنقّح: " قلت الأصح بعقد" انتهى 2851. لما روي عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان [و] 2852 قالا: "إن جاءها زوجها الأول خير بين المرأة وبين الصداق الذي ساق هو" رواه الجوزجاني 2853 والأثرم 2854 ورويا معناه عن على 2855، قال أحمد: "روي عن عمر من ثمانية وجوهٍ، وقضى به ابن الزبير في مولاة لهم 2856، ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة" 2857، وإنما وجب تحديد 2858 العقد للثاني
الجزء: 3 - الصفحة: 616
لتبين بطلان عقده بمجئ الأول، ويحمل قول الصحابة على ذلك لقيام الدليل، فإن زوجة إنسان لا تصير زوجة لغيره بمجرد الترك، وفي "الرعاية": إن قلنا: يحتاج الثاني عقدًا جديدًا طلقها الأول 2859، قال الشيخ منصور: "قلت: فعليه لا بد من العدة بعد طلاقه وهو ظاهر".
2860 ويأخذ الزوج الأول قدر الذي أعطاها من الثاني إذا تركها، ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه الزوج الأول، لأنها غرته، ولئلا يلزمه مهران بوطء واحد.
وإن لم يقدم الأول حتى مات الثاني وَرثته لصحة نكاحه في الظاهر، بخلاف ما إذا مات الأول بعد تزوجها فلا ترثه لإسقاطها 2861 حقها من إرثه بتزوجها.
وإن ماتت بعد قدوم الأول ووطء الثاني فإن اختارها الأول ورثها، وإن لم يخترها ورثها الثاني بناء على أنه لا يحتاج إلى تجديد عقد إذن.
ومن ظهر موته باستفاضة أو يينة تشهد يموته كذبًا ثم قدم فكمفقود فترد إليه إن لم يطأ الثاني ويخير إن كان وطئ على ما تقدم، وتضمن البينة التي شهدت بموته ما تلف من ماله لتلفه بسبب شهادتها 2862، وتضمن مهر الثاني الذي أخذه منه الأول لتسببها في غرمه ذلك.
ومتى فرق بين زوجين لموجب يقتضيه كأخوة رضاع وتعذر نفقة من جهة 2863
الجزء: 3 - الصفحة: 617
زوج، وعنةٍ، ثم بان انتفاؤه فكمفقود قدم بعد تزوج امرأته، (وإِنْ طَلَّقَ غَائِبٌ) عن زوجته (أَوْ مَاتَ) عنها (فَابْتِدَاءُ العِدَّةِ مِنَ الفُرْقَةِ) أي وقت الطلاق والموت لدخولها في عموم ما سبق، وإن لم تُحِدْ فيما إذا مات عنها؛ لأن الإحداد ليس شرطًا لانقضاء العدة سواء ثبت ذلك ببينة أو أخبرها من تثق به.
(وعِدَّةُ مَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا) حرة كانت أو أمة (كـ) عدة (مُطَلقَةٍ) لأنه وطء يقتضي شغل الرحم فوجبت العدة منه كالوطء في النكاح إ (لا أمة غَير مُزَوَّجةٍ فَتُسْتَبْرأ) إذا وطئت بشبهة أو زنا (بحيْضَةٍ)؛ لأن استبراءها من الوطء المباح يحصل بذلك فكذا غيره، ولا يحرم على زوج حرة وطئت بشبهة أو زنا زمن عدة غير وطء في فرج، لأن تحريمها لعارض يختص بالفرج فأبيح الاستمتاع منها بما دونه كالحيض، ولا ينفسخ نكاحها بزنا نصًّا 2864، وإن أمسكها زوجها فلم يطلقها لزنا لم يطأها حتى تنقضي عدتها كغيرها من المعتدات.
الجزء: 3 - الصفحة: 618
فَصْلٌ
(وَإِنْ وُطِئَتْ مُعْتَدَّةٌ بِشبْهَةٍ أَوْ زِنًا أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ) فرق بينهما و (أتَمَّتْ عِدَّةَ الأَوَّلِ)، سواء كانت عدته من نكاح صحيح أو فاسدٍ، أو وطء بشبهةٍ أو زنا ما لم تحمل من الثاني فتنقضي عدتها منه بوضع الحمل ثم تتم عدة الأول، (ولا يُحْتَسَب مِنْهَا) أي عدة الاول (مَقَامُهَا عِنْدَ ثَانٍ) بعد وطئه لانقطاعها بوطئه، وللأول رجعتها إن كانت رجعية في تتمة عدته لعدم انقطاع حقه من رجعتها، (ثُمَّ اعْتَدَّت) بعد تتمة عدة الأول (لـ) وطء (ثانٍ) لخبر مالك عن عليٍّ: "أنه قضى في التي تتزوج في عدتها أنه يفرق بينهما، ولها الصداق بما استحل من فرجها، وتكمل ما أفسدت من عدة الأول، وتعتد من الآخر" 2865، ولأنهما حقان اجتمعا لرجلين فلم يتداخلا وقدم أسبقهما كما لو تساويا في مباح غير ذلك.
وإن ولدت من أحدهما بعينه أو ألحقته به قافة وأمكن أن يكون ممن ألحقته به بأن تأتي [به] 2866 لنصف سنة فأكثر من وطئ الثاني أو لأربع سنين فأقل من بينونة الأول لحقه وانقضت عدتها به ممن ألحق به، لأنه حمل وضعته فانقضت عدة أبيه دون غيره ثم
الجزء: 3 - الصفحة: 619
اعتدت للآخر، وإن ألحقته القافة بهما ألحق وانقضت عدتها به منهما لثبوت نسبه منهما، وإن أشكل الولد على القافة اعتدت بعد وضعه بثلاثة قروء لتخرج من العدتين بيقين.
ومن وطئت زوجته بشبهة أو زنا ثم طلقها اعتدت لطلاق إن كان دخل بها لأنها عدة مستحقة بالزوجية فقدمت على غيرها لقوتها؛ ثم تتم العدة للشبهة أو الزنا لأنها عدة مستحقة عليها فلا تبطل بتقديم الأخرى عليها، ويحرم وطء زوج زوجة موطؤة بشبهة أو زنا ولو مع حمل منه قبل عدة وأطئ 2867 لما تقدم، فإذا ولدت إعتدت للشبهة، ثم للزوج وطؤها.
ومن تزوجت في عدتها فنكاحها باطل، ويفرق بينهما، وتسقط نفقة رجعية وسكناها 2868 عن الأول لنشوزها ولم تنقطع عدتها بالعقد حتى يطأ الثاني لأنه عقد باطل لا تصير به المرأة فراشًا، فإن وطئها انقطعت 2869 ثم إذا فارقها بنت على عدتها من الأول لسبق حقه واستأنفت العدة كاملة للثاني؛ لأنهما عدتان من رجلين فلا يتداخلان، وللثاني أن ينكحها بعد انقضاء العدتين لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 2870 مع عدم المخصّص، ولأن تحريمها عليه إما أن يكون بالعقد الفاسد أو الوطء فيه أو بهما، وجميع ذلك لا يقتضي التحريم كما لو نكحها بلا ولي ووطئها، ولأنها لا تحرم على الزاني على التأبيد فهذا أولى، وما روي عن عمر في
الجزء: 3 - الصفحة: 620
تحريمها على التأبيد 2871 خالفه فيه علي، وروي عن عمر أنه رجع إلى قول علي، فإن عليا قال: "إذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب" 2872 فقال عمر: "ردوا الجهالات إلى السنة" 2873، ورجع إلى قول علي.
وتتعدد 2874 عدة بتعدد واطئ بشبهة لحديث عمر 2875، ولأنهما حقان مقصودان لآدميين
الجزء: 3 - الصفحة: 621
فلا يتداخلا كالدينين، فإن تعدد الوطء من واحد فعدة واحدة 2876 ولا تتعدد العدة بتعدد واطئ بزنا خلافًا لما في "الإقناع" 2877، وإن طلقت رجعية فلم تنقض عدتها حتى طلقت أخرى بَنَتْ على ما مضى من عدتها، وإن راجعها ثم طلقها استأنفت عدة الطلاق الثاني، وإن أبانها ثم نكحها في عدتها ثم طلقها قبل دخوله بها بنت على [ما] 2878 مضى من طلاقها؛ لأن الطلاق الثاني في نكاح ثانٍ قبل المسيس والخلوة فلم يوجب عدة لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية 2879 بخلاف ما إذا راجعها ثم طلقها قبل ذلك؛ لأن الرجعة إعادة إلى النكاح الأول، فالطلاق في عدتها طلاق من نكاح واحد فكان استئناف العدة في ذلك أظهر لأنها مدخول بها، ولولا الدخول لما كانت رجعية، وفي البائن [بعد] 2880 النكاح طلاق عن نكاح متجدد لم يتصل به دخول ولذلك يتنصف به المهر.
وإن انقضت عدة البائن قبل طلاقه ثانيًا وقد نكحها ولم يدخل بها فلا عدة للطلاق الثاني، لأنه من نكاح لا دخول 2881 فيه ولا خلوة، ولم يبق من عدة الطلاق الأول شيء تبني عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 622
فصل
(ويحرم إحداد على غير زوج فوق ثلاث) ليال بأيامها 2882 [لحديث] 2883: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرا" متفق عليه 2884. (ويجب) الإحداد (على زوجة ميت) بنكاح صحيح للخبر، وأما الفاسد فليست زوجة فيه شرعا، ولأنها كانت تحل له ويحل لها فتحزن عليه ولو كانت ذمية أو أمة أو غير مكلفة زمن عدته لعموم الأحاديث، ولتساويهن في اجتناب المحرمات وحقوق النكاح، ولا يجب على بائن بطلقة أو ثلاث أو فسخ، (ويباح) الإحداد (لبائن) ولا يسن لها، قاله في "الرعاية" 2885. (وهو) أي الإحداد: (ترك) الـ (زينة و) ترك (طيب) ولو بها سقم لتحريك الطيب للشهوة ودعائه إلى نكاحها ولو الطيب في دهن، كدهن ورد ونحوه، (و) ترك (كل مد يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها) للأخبار الصحيحة، وترك لبس حلي ولو
الجزء: 3 - الصفحة: 623
خاتما لقوله عليه السلام: "ولا الحلي" 2886، ولأن الحلي يزيد حسنها ويدعو إلى نكاحها، وترك لبس ملون من ثياب لزينة كأحمر وأصفر وأخضر وأزرق صافيين، وما صبغ قبل نسج كالمصبوغ بعده، وترك تحسين بحناء أو إسفيداج 2887، وترك تكحل بكحل أسود بلا حاجة إليه، ولها اكتحال بنحو توتيا 2888، وترك تحمير وجه ونحوه لحديث أم عطية 2889: "كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا نكتحل ولا نتطيب، ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب" رواه
الجزء: 3 - الصفحة: 624
الشيخان 2890، وقي رواية قالت: "قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: لا يحل لامرأة تومن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت أكثر من ثلاث إلا زوج، فإنها لا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار" متفق عليه 2891، والعصب: ثياب يمانية فيها بياض وسواد يصبغ غزلها ثم ينسج، قاله القاضي 2892، وصحح في "الشرح" 2893: أنه نبت يصبغ به.
ولا تمنع من صبر يطلى به بدنها، لأنه لا طيب فيه إلا في الوجه فلا تطلي به وجهها، لحديث أم سلمة قالت: "دخل علي رسول -صلى اللَّه عليه وسلم- حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا فقال: ماذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر ليس فيه طيب، قال: إنه يشب الوجه، لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمشطي بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب" 2894، ولا تمنع من ليس أبيض ولو حسنا من
الجزء: 3 - الصفحة: 625
إبريسم؛ لأن حسنه من أصل خلقته فلا يلزم تغييره كالمرأة الحسناء الخلقة لا يلزمها تغيير نفسها في عدة الوفاة وتشوييها، ولا تمنع [من] 2895 ملون 2896 لدفع وسخ، ككحلي، وكأخضر غير صاف لأنه في معنى ثوب العصب، ولا تمنع من نقاب؛ لأنه ليس منصوصا عليه ولا هو في معنى المنصوص عليه، والمحرمة منعت منه لمنعها من تغطية وجهها، ولا تمنع من أخذ ظفر ونحوه، ولا من تنظف وغسل وامتشاط ودخول حمام لأنه لا يراد للزينة ولا طيب فيه.
(ويحرم بلا حاجة تحولها) أي المعتدة لوفاة (من مسكن وجبت) العدة (فيه)، وهو الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه ولو مؤجرا أو معارا، روي عن عمر 2897 وعثمان 2898 وابن عمر 2899 وابن = حزم: "مجهولة وأمها أشد إيغالا في الجهالة".
ا. هـ. وضعفه الألباني كما في ضعيف سنن النسائي ص 126 - 127.
الجزء: 3 - الصفحة: 626
مسعود 2900 وأم سلمة 2901، لحديث فريعة 2902 وفيه: "امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله، فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا" رواه الخمسة وصححه الترمذي 2903، فإن كان خروجها لحاجة لم يحرم، كخروجها لخوف على
الجزء: 3 - الصفحة: 627
نفسها أو مالها، وتحويل مالك المسكن لها، ولطلبه فوق أجرته المعتادة، أو لا تجد ما تكتري به إلا من مالها؛ لأن الواجب السكن لا تحصيل المسكن، فإذا تعذرت السكنى سقطت فيجوز تحولها إلى حيث شاءت لسقوط الواجب للعذر، ولم يرد الشرع بالاعتداد في معين غيره فاستوى في ذلك القريب والبعيد.
ولا تخرج معتدة لوفاة ليلا؛ لأن الليل مظنة الفساد، (ولها الخروج لحاجتها نهارا)، ولو كان لها من يقوم بمصالحها، فلا تخرج لغير حاجتها كعيادة وزيارة ونحوهما.
ومن سافرت زوجته بإذنه أو معه لنقلة إلى بلد آخر فمات قبل مفارقة البنيان رجعت واعتدت بمنزله؛ لأنها في حكم المقيمة، أو سافرت لغير النقلة ولو لحج ولم تحرم ومات قبل مسافة قصر رجعت واعتدت بمنزله، لما روى سعيد بن منصور بإسناده عن 2904 سعيد بن المسيت قال: "توفي أزواج نساء وهن حاجات أو معتمرات، فردهن عمر من ذي الحليفة حتى يعتددن في بيوتهن" 2905، ولأنها أمكنها أن تعتد في منزلتها = الذهبي، أطال الكلام عليه العلامة ابن القيم في زاد المعاد 5/ 680 ورجح صحته، وصححه شعيب الأرنؤوط في تحقيق الإحسان.
الجزء: 3 - الصفحة: 628
قبل أن تبعد فلزمها كما لو لم تفارق البنيان.
وإن مات زوجها بعد مفارقة البنيان إن كان سفرها لنقلة، أو بعد مسافة قصر إن كان لغيرها تخير بين الرجوع فتعتد في منزلها وبين المضي لقصدها؛ لأن كلا من البلدين سواء إليها، لأنها كانت ساكنة بالأول ثم خرج عن كونه منزلا لها بإذنه في الانتقال كما لو حولها قبله، والثاني لم يصر منزلها؛ لأنها لم تسكنه، وحيث مضت أقامت لقضاء خاجتها، فإن كان لنزهة أو زيارة، فإن كان قدر مدة إقامتها وإلا أقامت ثلاثا، فإذا مضت وقضت حاجتها، فإن كان خوف ونحوه أتمت العدة بمكانها، وإذا إن كانت لا تصل إلى منزلها إلا بعد انقضائها، وإلا لزمها العود لتتمها به.
وتعتد بائن بطلقة أو أكثر أو فسخ بمكان مأمون من البلد الذي بانت فيه حيث شاءت منه نصا 2906، لحديث فاطمة بنت قيس قالت: "طلقني زوجي ثلاثا، فأذن لي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن أعتد في أهلي" رواه مسلم 2907 ولا تبيت إلا به، ولا تسافر قبل انقضاء عدتها لما في البيتوتة بغير منزلها وسفرها إلى غير بلدها من التبرج والتعرض للريبة، وإن أراد مبينها إسكانها بمنزله أو غيره مما يصلح لها تحصينا لفراشه ولا محذور فيه من رؤية ما لا يحل له رؤيته أو خوف عليها ونحوه لزمها ذلك؛ لأن الحق له فيه، وضرره عليه، فكان على اختياره وإن لم تلزمه نفقة، كمعتدة لوطء شبهة أو من نكاح فاسد
الجزء: 3 - الصفحة: 629
أو مستبرأة لعتق فتجب السكنى عليهن بما يختاره الواطئ والسيد تحصينا لفراشه بلا محذور، ولا يلزم الواطئ ولا السيد إسكانها حيث لا حمل.
ورجعية في لزوم منزل مطلق كمتوفى عنها زوجها نصا 2908، لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ 2909، وسواء أذن لها المطلق في الخروج أو لا؛ لأنه من حقوق العدة، وهي حق للَّه تعالى فلا يملك الزوج إسقاط شيء من حقوقها كما لا يملك إسقاطها، ومن امتنع من لزمته سكنى زوجته أو مبانته أجبره الحاكم بطلب من وجبت لها كسائر الحقوق عليه.
وإن غاب اكترى عنه حاكم من ماله لقيامه مقامه في أداء ما وجب عليه، أو اقترض عليه إن لم بِحد له مالا، أو فرض أجرته لتؤخذ منه إذا حضر، وإن اكترت المسكن من وجبت لها السكنى بإذن من وجبت عليه، أو بإذن حاكم إن عجزت عن استئذانه، أو بدونهما ولو مع قدرة على استئذان حاكم رجعت بمثل ما اكترت به، لقيامها عنه بواجب كسائر من أدى عن غيره دينا واجبا بنية رجوع، ولو سكنت في ملكها بنية رجوع عليه بأجرته فلها أجرته لوجوب إسكانها عليه فلزمته أجرته، ولو سكنت ملكها أو اكترت مسكنا مع حضوره وسكوته فلا طلب لها عليه بشيء؛ لأنه ليس بغائب ولا ممتنع ولا آذن، كما لو أنفق على نفسه من لزمت غيره نفقته في هذه الحال.
الجزء: 3 - الصفحة: 630
فصل في استبراء الإماء
من البراءة -أي التمييز والانقطاع- يقال: برئ اللحم من العظم إذا قطع عنه وفصل 2910.
وهو شرعا: قصد علم براءة رحم ملك يمين من قن ومكاتبة ومدبرة وأم ولد ومعلق عتقها بصفة، من حمل غالبا 2911، بوضع حمل أو حيضة أو شهر أو بعشرة أشهر، -وسيأتي تفصيل ذلك-، عند حدوث ملك بشرإء أو هبة ونحوهما، وعند زواله بعتق أو زوال استمتاعه بأن أراد تزويجها.
والأصل فيه حديث رويفع بن ثابت 2912 مرفوعا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم اللآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره" رواه أحمد وغيره 2913، ولأبي سعيد في سبي أوطاس 2914
الجزء: 3 - الصفحة: 631
مرفوعا: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض" رواه أحمد وأبو داود 2915.
ويجب الاستبراء في ثلاثة مواضع فقط بالاستقراء 2916: -
أحدها: ما ذكره بقوله: (ومن ملك) من ذكر ولو طفلا (أمة) بإرث أو شراء ونحوه (يوطأ مثلها) بكرا كانت أو ثيبا ولو مسبية، أو لم تحض لصغر أو إياس (من أي شخص كان) ملكها منه ولو طفلا (حرم عليه وطء) ـها (ومقدماته) من نحو قبلة (قبل استبراء) لما تقدم، وكالعدة قال أحمد: "بلغني أن العذارء تحمل" فقال له بعض أهل المجلس: نعم قد كان في جيراننا.
2917 ومقدمات الوطء مثله، ولأنها لا يؤمن كونها حاملا 2918 من بائعها فهي أم ولده فلا يصح بيعها، فيكون مستمتعا بأم ولد غيره، فإن = ينظر: صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 184، وفتح الباري 8/ 42، ومعجم البلدان 1/ 281، ومعجم ما استعجم 1/ 212.
الجزء: 3 - الصفحة: 632
عتقت قبل الاستبراء لم يجز أن ينكحها ولم يصج نكاحها منه إن تزوجها حتى يستبرئها؛ لأنه 2919 كان يحرم عليه وطوها قبل استبرائها قبل العتق فحرم عليه تزوجها بعده كغيره ولو لم يكن بائعها يطأ.
ومن أخذ من مكاتبه أمة حاضت عنده أو باع أو وهب أمته ثم عادت إليه بفسخ أو غيره ولو قبل تفرقهما عن المجلس حيث انتقل الملك وجب إستبراؤها ولو قبل قبض.
ولا يجب استبراء إن عادت إليه مكاتبته أو رحمها المحرم بعجز أو فك أمته من رهن أو أخذ من عبده التاجر أمة وقد حضن قبك ذلك لعدم تجدد الملك، أو أسلحت مجوسية حاضت عند سيد مسلم، أو أسلمت مرتدة حاضت كما تقدم، أو ملك صغيرة لا يوطئ مثلها؛ لأن براءة رحمها محسوسة، ولا يجب استبراء بملك أنثى من أنثى أو ذكر؛ لأنه لا فائدة فيه، قلت: ولعله إن كان البائع الذكر استبرأها وإلا فلا بد من الاستبراء إن أرادت تزويجها واللَّه أعلم.
وسن استبراء لمن ملك زوجته بإرث أو شراء ونحوهما ليعلم وقت حملها إن كانت حاملا، ومتى ولدت لستة أشهر فأكثر منذ ملكها فأم ولد وإلا فلا.
[و] 2920 يجزئ استبراء من ملكت بشراء أو غيره قبل قبض، ولمشتر زمن خيار لوجود الاستبراء، وهي في ملكه كما بعد القبض أو انقضاء الخيار.
ويد وكيل كيد موكل لقيامه مقامه، ومن ملك معتدة من غيره أو متزوجة فطلقها زوجها بعد دخول، أو مات زوجها اكتفي بالعدة لحصول العلم بالبراءة بها، فلا فائدة في الاستبراء.
الجزء: 3 - الصفحة: 633
وله وطء معتدة منه بغير طلاق ثلاث فيها 2921؛ لأنه لا يلزمه استبراؤها من مائه.
وإن طلقت من ملكت مزوجة 2922 قبل دخول وجب استبراؤها نصا 2923، وقال: هذه حيلة وضعها أهل الرأي لا بد من استبرائها لأنه تجدد له الملك فيها ولم يحصل استبراؤها في ملكه، فلم تحل له بغير استبراء كما لو لم تكن مزوجة، ولأنه ذريعة إلى إسقاط الاستبراء بأن يزوجها البائع إذا أراد بيعها ثم إذا أتم البيع طلقها زوجها قبل دخوله.
الموضع الثانى: إذا وطئ أمته التي يوطأ مثلها ثم أراد تزويجها أو بيعها حرما حتى يستبرئها؛ لأن الزوج لا يلزمه استبراء فيفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، ولأن عمر: "أنكر على عبد الرحمن بن عوف بيع جارية كان يطأها قبل استبرائها" 2924، ولأن المشتري يجب عليه الاستبراء لحفظ مائه فكذا البائع، وللشك في صحة البيع قبل الاستبراء لاحتمال أن تكون أم ولد، ولأنه قد يشتريها من لا يستبرئها فيفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، فلو خالف فزوجها أو باعها قبل استبرائها صح البيع -لأن الأصل عدم الحمل- دون النكاح فلا يصح كتزوج المعتدة، وإن لم يطأ سيد أبيح البيع والنكاح قبل الاستبراء لعدم وجوبه إذن.
الموضع الثالث: إذا أعتق أم ولده أو سريته، أو مات عنها لزمها استبراء [نفسها] 2925؛ لأنها فراش لسيدها وقد فارقها بالعتق أو الموت، فلم يجز أن تنتقل إلى
الجزء: 3 - الصفحة: 634
فراش غيوه بلا استبراء، ولا يلزمها استبراء إن استبرأها قبل عتقها لحصول العلم ببراءة الرحم، أو أراد تزوجها بعد عتقها فلا استبراء لأنها لم تنتقل إلى فراش غيره.
ويحصل استبراء (حامل بوضع) ماتنقضي به العدة للآية والخبر والمعنى 2926، (و) استبراء (من تحيض بحيضة) تامة، لحديث: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة" 2927.
(و) استبراء (آيسة وصغيرة) وبالغة لم تحض (بشهر) لإقامته مقام حيضة، ولذلك اختلفت الشهور باختلاف الحيض، وإن حاضت في الشهر فاستبراؤها بحيضة كالصغيرة إذا حاضت في عدتها، فإن حاضت بعده فقد حصل الاستبراء به.
وأما استبراء من ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه فبعشرة أشهر تسعة للحمل وشهر للاستبراء لما تقدم في العدة، وإن علمت ما رفع حيضها من مرض أو رضاع أو غيره فكحرة، فلا تزال في استبراء حتى يعود الحيض فتستبرأ بحيضة أو تصير آيسة فتستبرأ بشهر.
وإن ادعت أمة موروثة تحريمها على وارث بوطء مورثه كأبيه وابنه صدقت قال الشيخ منصور: "ولعله ما لم تكن مكنته قبل" 2928. أو ادعت أمة مشتراة أن لها زوجا صدقت فيه لأنه لا يعرف إلا من جهتها.
الجزء: 3 - الصفحة: 635
(فصل) في الرضاع
- بفتح الراء وقد تكسر- وهو لغة: مص لبن من ثدي وشربه 2929. وشرعا: مص لبن في الحولين ثاب عن حمل من ثدي امرأة أو شربه نحوه 2930، كأكله بعد تجبينه وسعوط به ووجور 2931. (ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ 2932، وحديث عائشة مرفوعا: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة"، رواه الجماعة، ولفظ ابن ماجة: "من النسب"، 2933، وأجمعوا
الجزء: 3 - الصفحة: 636
على أن الرضاع محرم في الجملة 2934.
(على رضيع) متعلق بيحرم أي يحرم على رضيع من الرضاع في الحولين ذكرا كان أو أنثى ما يحرم عليه من النسب، فإذا حملت امرأة من رجل ثبت نسب ولدها منه بأن تكون زوجته أو أمته أو موطوءته بشبهة فثاب لها منه لبن فارضعت به ولو مكرهة طفلا رضاعا محرما بأن يكون خمس رضعات في الحولين -ويأتي- صار الطفل ولدا لهما في تحريم النكاح للآية والخبر، وفي إباحة النظر والخلوة، وفي ثبوت المحرمية، وصار أولاد الطفل من البنين والبنات وإن سفلوا أولاد ولدهما، وصارا أبويه، وآباؤهما أجداده وجداته، وإخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة الرجل وأخواته أعمامه وعماته، وجميع أولاد المرضعة الذين ارتضع معهم الطفل والحادثين بعده وقبله من زوجها ومن غيره وجميع أولاد الرجل الذي انتسب الحمل إليه من المرضعة ومن غيرها إخوة المرتضع وأخواته، وأولاد أولادهما أولاد إخوته وأخواته وإن نزلت درجتهم.
(و) كذا يحرم على (فرعه) أي الرضاع (وإن نزل) في درجة أو درجات، فتنتشر حرمة الرضاع من المرتضع إلى أولاده وإن سفلوا، فيصيرون أولاد أولادهما؛ لأن الرضاع كالنسب، والتحريم في النسب يشمل ولد الولد وإن سفل، فكذا الرضاع يشمل الولد = الرضاع ما يحرم من النسب، كتاب النكاح برقم (1937) سنن ابن ماجة 1/ 623، وأحمد برقم (23650) المسند 7/ 67.
الجزء: 3 - الصفحة: 637
وإن نزل (فقط) فلا تنتشر الحرمة إلى من في درجة المرتضع من إخوته وأخواته؛ لأنها لا تنتشر في النسب فكذا في الرضاع، ولا تنتشر أيضا إلى من هو أعلى من المرتضع من آبائه وأمهاته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته؛ لأن الحرمة إذا لم تنتشر إلى من هو في الدرجة فلأن لا تنتشر إلى من هو أعلى منه بطريق الأولى، فتحل مرضعة لأبي مرتضع ولأخيه وعمه وخاله من النسب، ويحل لأبيه من النسب أن يتزوج أخته من الرضاع، وتحل أم مرتضع وأخته وعمته وخالته من النسب لأبيه وأخيه من الرضاع، قال أحمد: "لا بأس أن يتزوج الرجل أخت أخيه من الرضاع ليس بينهما رضاع ولا نسب".
2935
وإن أرضعت امرأة بلبن ولدها من الزنا، أو المنفي بلعان طفلا رضاعا محرما صار ولدا لها؛ لأنه رضع من لبنها حقيقة، وحرم على الزاني والملاعن بتحريم المصاهرة؛ لأنه ولد موطوءته، والوطء الحرام الحلال في تحريم الربيب، ولا تثبت حرمة الرضاع في حقهما؛ لأن من شرط ثبوت حرمة الرضاع بين المرتضع والرجل الذي ثاب اللبن بوطئه [أن] 2936 ينسب الحمل إلى الواطن، فأما ولد الزنا ونحوه فلا.
وإن ثاب لامرأة لبن من غير حمل تقدم كلبن البكر التي لم تحمل لم تنتشر الحرمة نصا 2937؛ لأنه نادر لم تجر العادة به، أشبه لبن الرجل والبهيمة ولا ينشر الحرمة غير لبن المرأة، فلو ارتضع طفلان من لبن بهيمة لم يصيرا أخوين، أو من لبن رجل أو من لبن
الجزء: 3 - الصفحة: 638
خنثى مشكل لم تنتشر الحرمة.
(ولا) تثبت (حرمة) الرضاع (إلا) بشرطين: (بخمس رضعات) فأكثر، لحديث عائشة قالت: "أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخ من ذلك خمس رضعات، وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن، فتوفي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والأمر على ذلك" رواه مسلم 2938، والآية فسرتها السنة وبينت الرضاعة المحرمة، وهذا الخبر يخصص عموم حديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، ومتى امتص طفل ثديا ثم قطعه ولو قهرا أو لتنفس أو لانتقال من ثدي إلى ثدي آخر أو من مرضعة إلى مرضعة أخرى فذلك رضعة تحسب من الخمس، ثم إن عاد ولو قريبا فرضعتان؛ لأن المصة الأولى زال حكمها بترك الارتضاع، فإذا عاد فامتص فهي غير الأولى.
ويحرم ما جبن من لبن ثاب عن حمل ثم أطعم للطفل؛ لأنه واصل من حلق يحصل به إنشاز العظم وإنبات اللحم فحصل به التحريم ما لو شربه، أو خلط بغيره وصفاته باقية فيحرم كالخالص؛ لأن الحكم للأغلب.
ولا تحرم حقنة بلبن امرأة ولو خمس مرات؛ لأنها ليست برضاع ولا يحصل بها تغذ.
الجزء: 3 - الصفحة: 639
ومن أرضع خمس أمهات أولاده، أو أربع زوجاته وأم ولده، أو ثلاث زوجاته وإماء ونحو ذلك بلبن زوجة له 2939 صغرى لم يتم لها عامان أرضعتها كل واحدة منهن رضعة حرمت على زوجها أبدا لثبوت الأبوة؛ لأن الخمس رضعات من لبنه أشبه ما لو أرضعتها واحدة منهن الخمس، ولا تحرم عليه أمهات أولاده وزوجاته لعدم ثبوت الأمومة إذا لم ترضعها واحدة منهن خمس رضعات، فلم تكن أما لزوجته.
ومن أرضعت بلبنها من زوج طفلا ثلاث رضعات ثم انقطع لبنها ثم أرضعته بلبن زوج آخر رضعتين في العامين ثبتت الأمومة لإرضاعها 2940 له خمس رضعات، لا الأبوة فلا تثبت لواحد منهما؛ لأنه لم يكمل عدد الرضعات من لبنه، ولا يحل مرتضع لو كان أنثى لواحد من الزوجين لأنها ربيبة قد دخل بأمها.
الشرط الثاني: أن تكون خمس الرضعات (في الحولين) فلو ارتضع بعدهما بلحظة لم تثبت الحرمة لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ 2941، فجعل تمام الرضاعة حولين فدل على أنه لا حكم للرضاعة بعدهما، ولحديث عائشة مرفوعا: "فإنما الرضاعة من المجاعة"، متفق عليه 2942، قال في "شرح المحرر" 2943: "يعني في حال الحاجة إلى الغذاء واللبن".
وعن أم
الجزء: 3 - الصفحة: 640
سلمة مرفوعا: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام" رواه الترمذي وقال: "حسن صحيح".
2944
(وتثبت) حرمة: رضاع (بسعوط) في أنف (و) بـ (وجور) في فم، لحديث ابن مسعود مرفوعا: "لا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم" رواه أبو داود 2945، ولوصول اللبن بذلك إلى جوفه كوصوله بالارتضاع، وحصول إنشاز العظم وإنبات اللحم كما يحصل بالرضاع بالفم، (و) بـ (لبن) ميتة بأن حلب من ميتة؛ لأنه كلبن حية، وبلبن (موطوءة بشبهة)؛ لأن ولدها ملحق بالواطن، (و) بلبن (مشوب) أي مخلوط بغيره وصفاته باقية فيحرم كالخالص؛ لأن الحكم للأغلب، ولبقاء اسمه ومعناه، فإن غلبه
الجزء: 3 - الصفحة: 641
ما خلطه لم يثبت به تحريم؛ لأنه لا ينبت اللحم ولا ينشز العظم.
(وكل امرأة تحرم علمه بنتها [كأمه] 2946 وجدته) وأخته وبنته، (وربيبته إذا أرضعت طفلة حرمتها علمه)؛ لأنها تصير ابنتها من الرضاع، فإن كانت المرضعة أمه فالمرتضعة أخته، وإن كانت المرضعة جدته فالمرتضعة عمته أو خالته، وإن كانت المرضعة أخته فالمرتضعة: بنت أخته، (وكل رجل تحرم عليه بنتة كأبيه وأخيه) وابيه (إذا أرضعت امرأته بلبنه طفلة حرمتها عله)؛ لأنها إن كانت المرضعة امرأة أبيه فالمرتضعة أخته، وإن كانت امرأة أخيه فالمرتضعة بنت أخيه وينفسخ في المسألتين النكاح إن كانت الطفلة زوجة، وإن تزوج بنت عمه أو عمته أو خاله أو خالته فأرضعت جدتهما أحدهما رضاعا محرما انفسخ النكاح وحرمتها عليه أبدا.
وكل امرأة أفسدت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول فلا مهر لها لمجيء الفرقة من قبلها، كما لو ارتدت وإن كانت طفلة بأن كانت تدب فترتضع من امرأة نائمة أو مغمى عليها؛ لأنه لا فعل للزوج في الفسخ، فلا مهر عليه، ولا يسقط المهر بعد الدخول والخلوة، وإن أفسده غير الزوجه لزم الزوج قبل دخول نصف المهر؛ لأنها لا فعل لها في الفسخ، أشبه ما لو طلقها، أو بعده كله 2947 لتقرره، ويرجع زوج بما لزم من مهر أو نصفه على المفسد لنكاحه؛ لأنه أغرمه المال الذي بذله في نظير البضع بإتلافه عليه ومنعه منه، ولها الأخذ من المفسد لنكاحها ما وجب لها نصا 2948؛ لأن قرار الضمان
الجزء: 3 - الصفحة: 642
عليه.
(ومن) تزوج فـ (قال: إن زوجته أخته من الرضاع بطل 2949 نكاحه) لإقراره بما يوجب ذلك فلزمه، كما لو أقر أنه أبانها وبطل فيما بينه وبين اللَّه تعالى [وإن كان صادقا] 2950؛ لأن كذبه لا يحرمها، والمحرم حقيقة الرضاع لا القول، (ولا مهر) لها (قبل دخول إن صدقته) على إقراره وهي حرة؛ لاتفاقهما على بطلان النكاح من أصله، أشبه ما لو ثبت ذلك ببينة، (ويجب) لها (نصفه) -أي المهر- (إن كذبته)؛ لأن قوله لا يقبل عليها، (و) يجب (كله) -أي المهر- (بعد دخول مطلقا) ولو صدقته بما نال من فرجها ما لم تطاوعه على الوطء عالمة بالتحريم فلا مهر لها؛ لأنها إذن زانية مطاوعة، (وإن قالت هي ذلك) -أي هو أخي من الرضاع- (وكذبها فهي زوجته حكما) حيث لا بينة لها، فلا يقبل قولها في فسخ النكاح؛ لأنه حق عليها، ثم إن أقرت قبل الدخول فلا مهر لها لإقرارها بأنها لا تستحقه، وبعد الدخول فإن أقرت بأنها كانت عالمة [بأنها] 2951 أخته وتحريمها عليه وطاوعته في الوطء فكذلك لإقرارها بأنها زانية مطاوعة، وإن أنكرت شيئا من ذلك فلها المهر؛ لأنه وطء بشبهة على زعمها، وهي زوجته ظاهرا، فأما فيما بينها وبين اللَّه تعالى فإن علمت ما أقرت به لم تحل لها مساكنته ولا تمكينه من وطئها، وعليها أن تفر منه وتفتدي بما أمكنها؛ لأن وطأه لها زنا، فعليها التخلص منه ما أمكنها كمن طلقها ثلاثا وأنكر.
(ومن شك في) وجود (رضاع أو) شك في (عدده) أي الرضاع (بنى على اليقين)؛ لأن
الجزء: 3 - الصفحة: 643
الأصل بقاء الحل، وكذا لو شك في وقوعه في العامين، (ويثبت) الرضاع (بإخبار مرضعة مرضية) متبرعة كانت بالرضاع أو بأجرة، لحديث عقبة بن الحارث 2952 قال: "تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب 2953، فجاءت امرأة سوداء 2954 فقالت: قد أرضعتكما، فأتينا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكرت ذلك له، فقال: فكيف وقد زعمت ذلك" متفق عليه 2955، وفي لفظ للنسائى: "فأتيته من قبل وجهه، فقلت: إنها كاذبة فقال: كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، خل سبيلها" 2956 وقال الشعبي: "كانت
الجزء: 3 - الصفحة: 644
القضاة يفرقون بين الرجل والمرأة بشهادة امرأة واحدة في الرضاع" 2957، وكالولادة.
(ويثبت) الرضاع (بشهادة) [عدل] 2958 مطلقا من رجل أو امرأة، ولأنه إذا ثبت بشهادة امرأة واحدة فالرجل من باب أولى.
وإن ادعت أمة أخوة سيدها بعد وطئه مطاوعة لم يقبل قولها، وقبل الوطء يقبل قولها في تحريم الوطء كدعواها أنها مزوجة قبل أن يملكها، ولا يقبل قولها في ثبوت عتق لدعواها زوال ملكله كما لو قالت: أعتقني.
وكره استرضاع فاجرة ومشركة وحمقاء وسيئة خلق؛ لأن الرضاع يغير الطباع، وكره استرضاع جذماء وبرصاء ونحوهما مما يخاف تعديه، وكذا بهيمة وعمياء وزنجية.
= في الرضاع، كتاب الرضاع، السنن الكبرى 7/ 463، وجميعهم بلفظ: "دعها عنك" بدلا من: "خل سبيلها".
الجزء: 3 - الصفحة: 645
الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات تأليف عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي . . . - 1240 هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن محمد بن ناصر البسر الجزء الرابع
الجزء: 4 - الصفحة: 647
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
الجزء: 4 - الصفحة: 648
الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات 4
الجزء: 4 - الصفحة: 649
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
غاية في كلمة
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
1424 هـ - 2003 م
جميع الحقوق محفوظة 2003 م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه.
ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
الجزء: 4 - الصفحة: 650
(باب النفقات)
جمع نفقة وهي لغة: الدراهم ونحوها، مأخوذة من النافقاء موضع يجعله اليربوع في مؤخر الجحر رقيقًا يعده للخروج إذا أتى من باب الجحر دفعه وخرج منه، ومنه سمي النفاق للخروج من الإيمان أو خروج الإيمان من القلب.
2959
وشرعا: كفاية من يمونه أكلًا وشربا وكسوة ومسكنًا وتوابعها 2960، والقصد هنا بيان ما يجب على الإنسان من النفقة بالنكاح والقرابة والملك وما يتعلق بذلك، وقد بدأ بالأول فقال: -
(ويجب على زوج نفقة زوجته) لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ.
. .﴾ الآية 2961 وهي في سياق أحكام الزوجات، فأوجب النفقة على الموسع وعلى من قدر عليه رزقه -أي ضيق- بقدر ما يجد ولحديث جابر مرفوعا: "اتقوا اللَّه في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة اللَّه، واستحللتم فروجهن بكتاب اللَّه، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" رواه مسلم وأبو داود 2962.
الجزء: 4 - الصفحة: 647
وأجمعوا على وجوب نفقة الزوجة على الزوج إذا كانا بالغين ولم تكن ناشزا ذكره ابن المنذر وغيره 2963، ولأن الزوجة محبوسة لحق الزوج فيمنعها ذلك عن التصرف والكسب، وتجب نفقتها عليه ولو كانت معتدة من وطئ بشبهة غير مطاوعة؛ لأن للزوج أن يستمتع منها بما دون الفرج، فإن طاوعت عالمة فلا نفقة لها؛ لأنها في معنى الناشز.
(من مأكول ومشروب وكسوة وسكنى 2964 بالمعروف)، ويعتبر ذلك حاكم إن تنازعا في قدره أو صفته بحالهما يسارا وإعسارا لهما أو لأحدهما؛ لأن النفقة والكسوة للزوجه فكان النظر يقتضي أن يعتبر ذلك بحالها كالمهر، لكن قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ.
. .﴾ الآية فأمر الموسر بالسعة في النفقة ورد الفقير إلى استطاعته، فاعتبر حال الزوجين في ذلك رعاية لكلا الجانبين، ولاختلاف حال الزوجين رجع فيه إلى = الحاج، كتاب المناسك برقم (1850) سنن الدارمي 2/ 67 - 71، وجميعهم بدون لفظ: "عوان عندكم" وبهذا اللفظ: أخرجه الترمذي عن عمرو بن الأحوص، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، كتاب الرضاع برقم (1163) الجامع الصحيح 3/ 467، وقال: "حسن صحيح"، وأخرجه ابن ماجة، باب حق المرأة على الزوج، كتاب النكاح برقم (1851) سنن ابن ماجة 1/ 594، وأحمد عن أبي حرة الرقاشي عن عمه برقم (20172) المسند 6/ 69.
الجزء: 4 - الصفحة: 648
اجتهاد الحاكم، (فيفرض) الحاكم (لموسرة مع موسر عند) الـ (تنازع) كفايتها (من أرفع خبز البلد وأدمه عادة الموسرين) بمحلهما، ويفرض لها لحما وما يحتاج إليه في طبخه، وتنتقل زوجة متبرمة من أدم إلى غيره، ولا بد من ماعون الدار لدعاء الحاجة إليه، ويكتفى بماعون خزف وخشب، والعدل ما يليق بهما، (و) يفرض حاكم لموسرة من الكسوة (ما يلبس مثلها) من حرير وخز وجيد كتان وجيد قطن على ما جرت به عادة مثلها من الموسرات بذلك البلد، (و) ما (ينام عليه) مثلها عادة من فراش ولحاف ومخدة وإزار في محل جرت العادة بالنوم فيه، وما يجلس عليه بساط ورفيع الحصر.
(و) يفرض حاكم (لفقيرة مع فقير كفايتها من أدنى خبز البلد وأدمه) وما تستصبح به ولحم، وذكر جماعة لا يقطعها اللحم فوق أربعين وقدم في "الرعاية" كل شهر مرة 2965، (و) يفرض لها (ما يلبس مثلها وينام) عليه (ويجلس عليه).
(و) يفرض (لمتوسطة مع متوسط وموسرة مع فقير وعكسها) 2966، أي فقيرة مع موسر (ما بين ذلك) لأنه اللائق بحالهما؛ لأن في إيجاب الأعلى لموسرة تحت فقير إضرارا عليه بتكليفه ما لا يسعه حاله، وإيجاب الأدنى ضرر عليها فالمتوسط أولى، وإيجاب الأعلى لفقيرة تحت موسر زيادة على ما يقتضيه حالها، وقد أمر بالإنفاق من سعته فالمتوسط أولى، والواجب على زوج دفع قوت من خبز وأدم ونحوه لزوجة وخادمها وكل من وجبت نفقته، (لا) دفع (القيمة) كالدراهم عن نفقة أو كسوة، ولا يلزمها
الجزء: 4 - الصفحة: 649
قبوله؛ لأنه ضرر عليها لحاجتها إلى من يشتريه لها وقد لا يحصل، أو فيه مشقة بخروجها له وتكليف من يمن عليها به، ولا دفع حب ولا يلزمها قبوله لا فيه من تكليفها طحنه وعجنه وخبزه، ولقول ابن عباس في قوله 2967 تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ 2968 قال: "الخبز والزيت" 2969 وعن ابن عمر: "الخبز والسمن والخبز والزيت والتمر وأفضل ما تطعموهن الخبز واللحم" 2970.
ويكون الدفع أول نهار كل يوم لأنه أول وقت الحاجة إليه فلا يجوز تأخيره عنه، فإن طلبت مكان الخبز حبا أو دقيقا أو دراهم لم يلزمه ذلك (إلا برضاها) لأن الحق لا يعدوهما، ولكل منهما الرجوع عنه بعد التراضي في المستقبل، ولا يجبر من أبي ذلك منهما لعدم وجويه، ولا يملك الحاكم فرض غير الواجب كدراهم مثلا إلا باتفاقهما، ولا يعتاض عن الواجب الماضي بربوي، كإن عوضها عن الخبز حنطة أو دقيقا فلا يصح ولو تراضيا عليه لأنه ربا.
(وعليه) -أي الزوج- لزوجته (مؤنة نظافتها) من سدر ودهن وثمن ماء وثمن مشط وأجرة قيمة -بتشديد الياء التحتية- التي تغسل شعرها وتسرحه وتظفره، و (لا) يلزمه (دواء و) لا (أجرة طبيب) إن مرضت؛ لأن ذلك ليس من حاجتها الضرورية المعتادة
الجزء: 4 - الصفحة: 650
بل لعارض فلا يلزمه، (و) كذا لا يلزمه (ثمن طيب) وحناء وخضاب أو ما يحمر به وجه أو يسود به شعر لأنه ليس بضروري، وإن أراد منها تزينا به أو قطع رائحة كريهة وأتى به لزمها استعماله، ولا يلزمه لزوجته خف ولا ملحفة للخروج لأنه ليس من حاجتها الضرورية المعتادة، وعليها ترك زينة وحناء نهى الزوج عنهما ذكره الشيخ تقي الدين 2971. وعليه لمن بلا خادم ويخدم مثلها ليسار أو كبر أو صغر أو مرض خادم واحد، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 2972 ومن المعروف إقامة الخادم لها إذن، ولأن ذلك من حاجتها كالنفقة ولا يلزمه أكثر من واحد؛ لأن المستحق عليه خدمتها في نفسها وذلك حاصل بالواحد، ويجوز كون الخادم امرأة كتابية؛ لأنه يجوز نظره إليها، ونفقة الخادم وكسوته على الزوج كنفقة فقيرة مع فقير ولو أن الخادم لها، ولا يجب لخادم دهن ولا سدر ولا مشط ونحوه؛ لأنه يراد للزينة وللتنظيف ولا يراد ذلك من الخادم، ونفقة خادم مكرى ومعار على مكر ومعير؛ لأن المكري ليس له إلا الأجرة والمعير لا تسقط منه النفقة بإعارته، وإن قالت زوجة: أنا أخدم نفسي وآخذ ما يحب لخادمي، أو قال الزوج: أنا أخدمك بنفسي وأبى الآخر [لم يجبر] 2973 الممتنع منهما أما الزوج فلأن في إخدامها غيرها توفيرا لها على حقوقه وترفها لها ورفعا لقدرها وذلك يفوت بخدمهتا نفسها، وأما الزوجة فلأن غرضها من الخدمة قد لا يحصل به لأنها تحتشمه وفيه غضاضة عليها.
الجزء: 4 - الصفحة: 651
ويلزمه لزوجته مؤنسة لحاجة كمخوف مكانها وعدو تخاف على نفسها منه؛ لأنه ليس من المعاشرة بالمعروف إقامتها بمكان لا تأمن فيه على نفسها، وتعيين المؤنسة إلى الزوج، ويكتفى بتأنيسه هو لها.
ولا يلزمه أجرة من يوضيء امرأة مريضة؛ لأنه ليس من حوائجها المعتادة بخلاف رقيقه المريض فيلزمه أجرة من يوضئه إن لم يمكنه الوضوء بنفسه؛ لأن النفقة عليه لتملكه إياه بخلاف الزوجة فهي للاستمتاع بها ولا دخل للوضوء فيه.
(وتجب) نفقة وكسوة ومسكن (لـ) مطلقة (رجعية) لأنها زوجة لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ 2974، ولأنه يلحقها طلاقه وظهاره أشبه ما قبل الطلاق، (و) لـ (بائن حامل) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 2975، وفي بعض أخبار فاطمة بنت قيس: "لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا" 2976، ولأن الحمل ولد المبين فلزمه الإنفاق عليه ولا يمكنه ذلك إلا بالإنفاق عليها فوجب كأجرة الرضاع.
وتجب النفقة لحمل ملاعنة لو عنت وهي حامل لأنه لم ينتف بلعانها إذن إلا أن ينفيه بلعان آخر بعد وضعه فتسقط، فإن عاد واستلحقه لزمه ما مضى، ومن أنفق على بائن منه يظنها حاملا فبانت حائلا رجع عليها بما أنفقه عليها، لأخذها منه ما لا
الجزء: 4 - الصفحة: 652
تستحقه، كأخذ دين ادعاه ثم ظهر كذبه، وكذا إن ادعته رجعية فأنفق عليها أكثر من مدة عدتها ثم تبين عدمه رجع بالزائد، ومن ترك الإنفاق على مبانته يظنها حائلا 2977، فبانت حاملا لزمه نفقة ما مضى لتبين استحقاقها للنفقة 2978 فيه فترجع بها عليه كالدين.
والنفقة على الحامل للحمل نفسه؛ لأنها من أجله فتجب لناشز حامل، وتجب لحامل من وطئ شبهة أو نكاح فاسد للحوق نسبه فيهما، ولحامل في ملك يمين ولو أعتقها؛ لأن النفقة للحمل وهو ولده.
وتجب نفقة حامل من مال حمل موسر لأن الموسر لا تجب نفقته على غيره، ولا تجب نفقة حمل على زوج رقيق لولده، فإن بيان حرا فنفقته على وارثه بشرطه، وإن كان رقيقا فعلى مالكه.
وتسقط نفقة حمل بمضي الزمان كسائر الأقارب، قال المنقح: "ما لم تستدن حامل على أبيه بإذن حاكم أو تنفق بنية الرجوع".
انتهى 2979.
و(لا) تجب نفقة (لمتوفى عنها) زوجها أو لأم ولد ولو مات سيدها، ولا سكنى ولا كسوة لها ولو كانت حاملا لانتقال التركة للورثة، ولا سبب للوجوب عليهم.
(ومن) امتنعت من تسليم نفسها أو (حبست) عنه حبسها ولي أو غيره بعد دخول ولو لقبض صداقها الحال، (أو نشزت) سقطت نفقتها.
(أو صامت نفلا، أو) صامت (لكفارة أو قضاء رمضان ووقته متسع، أو حجت نفلا
الجزء: 4 - الصفحة: 653
بلا إذنه) سقطت نفقتها لمنعها نفسها لا من جهته، (أو سافرت لحاجتها بإذنه سقطت) نفقتها لتفويتها التمكين لحظ نفسها وقضاء إربها إلا أن يكون مسافرا معها متمكنا منها.
وتتشطر نفقة لناشز ليلا أو نهارا، أو ناشز بعض أحدهما فتعطى نصف نفقتها أيضا لا 2980 بقدر الأزمنة 2981، وبمجرد إسلام زوجة مرتدة مدخول بها تلزمه نفقتها.
(ولها) -أي الزوجة- (الكسوة) والغطاء والوطاء ونحوهما (كل عام مرة في أوله) -أي العام-؛ لأنه أول وقت الحاجة إلى ذلك فيعطيها السنة؛ لأنه لا يمكن ترديد الكسوة شيئا فشيئا، بل هو شيء واحد يستدام إلى أن يبلى، وتملك زوجة ذلك بقبض فلا بدل على زوج لما سرق [من] 2982 ذلك أو بلي، وتملك التصرف فيه على وجه لا يضر بها ولا ينهك بدنها من بيع وهبة ونحو ذلك كسائر مالها، فإن ضر ذلك ببدنها أو نقص في استمتاعه بها منعت منه لتفويت حق زوجها به.
وإن أكلت زوجة معه عادة أو كساها بلا إذن منها وكان ذلك بقدر الواجب عليه سقطت نفقتها وكسوتها عملا بالمعروف، ومتى انقضى العام والكسوة التي قبضتها له باقية فعليه للعام الجديد اعتبارا بمضي الزمان دون حقيقة الحاجة، كما أنها لو بليت قبل ذلك لم يلزمه بدلها، بخلاف ماعون ونحوه إذا انقضى العام وهو باق فلا يلزمه بدله اعتبارا بحقيقة الحاجة لا المتاع، وألحق به ابن نصر اللَّه غطاء ووطاء وقواه في "تصحيح الفروع" 2983.
الجزء: 4 - الصفحة: 654
وإن قبضت الكسوة ثم مات الزوج قبل مضي العام، أو ماتت، أو بانت منه قبل مضيه رجع بقسط ما بقي من العام لتبين عدم استحقاقها له، وكذا بقية نفقة تعجلتها.
(ومتى لم ينفق) على زوجته، أو غاب عنها مدة ولم ينفق عليها فيها فإنها (تبقى في ذمته)، وتلزمه للزمن الماضي لاستقرارها في ذمته ولو لم يفرضها حاكم؛ لأن عمر: "كتب لأمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، يأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى" 2984، ولأنه حق يجب مع الإيسار والإعسار فلم يسقط بمضي الزمن كأجرة العقار بخلاف نفقة الأقارب فإنها صلة [يعتبر فيها يسار المنفق وإعسار من تجب له] 2985.
[وذمية] 2986 في نفقة وكسوة ومسكن كمسلمة لعموم النصوص، (وإن أنفقت من ماله) -أي مال زوجها- (في غيبته فبان ميتا رجع عليها وارث) ببقية ما أنفقت من ماله بعد موته لارتفاع وجوب النفقة عليها بموته، فلم تستحق ما قبضته، (ومن تسلم) من زوج (من يلزمه تسلمها) وهي التي يوطأ مثلها أي بنت تسع فأكثر، (أو = و"تصحيح الفروع" من تأليف شيخ الذهب، العلامة، علي بن سليمان المرداوي، المتوفى سنة (885 هـ) واسم الكتاب: (الدر المننقى والجوهر المجموع في معرفة الراجح من الخلاف المطلق في الفروع).
وهو مطبوع بهامش كتاب الفروع لابن مفلح.
الجزء: 4 - الصفحة: 655
بذلته هي) أي بتسليم نفسها للزوج تسليما تاما، (أو وليها وجبت نفقتها) وكسوتها وتوابعهما (ولو مع صغره) -أي الزوج- (ومرضه وعنته وجبه) أي قطع ذكره بحيث لا يمكنه وطء أو مع تعذر وطئها لحيض أو نفاس أو رتق أو قرن، أو لكونها نضوة أو مريضة، أو حدث شيء من ذلك عنده لزمه نفقتها وكسوتها لعموم قوله عليه السلام في حديث جابر: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" 2987، ويجبر ولي مع صغر زوج على بذل ما وجب عليه من مال الصبي لنيابته عنه في أداء واجباته، كأروش جناياته وديونه.
لكن لو امتنعت زوجة من بذل نفسها وهي صحيحة ثم مرضت، فبذلته فلا نفقة لها ما دامت مريضة عقوبة لها بمنعها نفسها في حال يمكنه الاستمتاع بها فيها وبذلها في ضدها.
ومن بذلت التسليم وزوجها غائب لم يفرض لها حاكم شيئا؛ لأنه لا يمكن زوجها تسلمها إذن حتى يراسله بأن يكتب إلى حاكم البلد الذي هو به، فيعلمه ويستدعيه ويمضي زمن يمكن قدومه في مثله، فإن سار إليها أو وكل من حملها إليه وجبت النفقة إذن بالوصول، وإلا فرض عليه الحاكم نفقتها من الوقت الذي كان يمكن وصوله إليها فيه، وإن غاب زوجها بعد تمكينها إياه ووجوب النفقة عليه لم تسقط بغيبته.
(ولها) -أي الزوجة- (منع نفسها قبل دخول لقبض مهر حال) لا بعد دخول، سواء كان الصداق مسمى أو مفوضة، حكاه ابن المنذر إجماعا 2988، ولأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء، فإذا تعذر عليها استيفاء المهر لم يمكنها استرجاع بدله بخلاف المبيع، (ولها) -أي الزوجة- (النفقة) زمن منع نفسها لقبض حال مهر؛ لأن الحبس
الجزء: 4 - الصفحة: 656
من قبله نصا 2989، وبقاء درهم منه كبقاء جميعه كسائر الديون، ولو قبضت حال مهرها وسلمت نفسها ثم بأن معيبا فلها منع نفسها حتى تقبض بدله، ولو أبي كل من الزوجين تسليم ما عليه أجبر زوج أولا ثم زوجة، وإن بادر أحدهما به أجبر الآخر.
وإن دخل بها الزوج، أو خلا بها مطاوعة لم تملك منع نفسها منه بعد ذلك، فإن وطئها مكرهة لم يسقط حقها من الامتناع.
وإن أعسر زوج بمهر حال ولو بعد دخول فلزوجة حرة مكلفة الفسخ لتعذر الوصول إلى العوض، كما لو أفلس مشتر بثمن ما لم تكن عالمة بعسرته حين العقد لرضاها بذلك.
ومن سلم أمته ليلا ونهارا فهي كحرة لعموم النص، وإن سلمها ليلا فقط فنفقة نهار على سيد؛ لأنها مملوكته والزوج غير متمكن منها إذن، ونفقة ليل كعشاء ووطاء وغطاء ودهن مصباح ووسادة على زوج؛ لأنه من حاجة الليل دون النهار، ولا يصح تسليمها نهارا فقط؛ لأنه ليس محلا للتفرغ للاستمتاع، ولهذا كان عماد قسم الزوجات الليل.
(وإن أعسر) زوج (بنفقة معسر) فلم يجد القوت (أو) أعسر بـ (بعضها) أي ببعض نفقة المعسر، أو أعسر بكسوة العسر أو ببعضها، [أو] 2990 بمسكنه، أو صار لا يجد النفقة إلا يوما دون يوم خيرت الزوجة بين فسخ للحوق الضرر الغالب بذلك بها، إذ البدن لا
الجزء: 4 - الصفحة: 657
يقوم بدون كفايته، وسواء كانت حرة بالغة رشيدة أو صغيرة أو سفيهة أو رقيقة دون سيدها أو وليها، فلا خيرة له ولو كانت مجنونة، لاختصاص الضرر بها، وهو قول عمر وعلي وأبي هريرة 2991 [لقوله تعالى] 2992 ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 2993 والإمساك مع ترك النفقة ليس إمساكا بالمعروف، ولحديث أبي هريرة مرفوعا في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: "يفرق بينهما" رواه الدارقطني 2994، وقال ابن المنذر: "ثبت [على] 2995 أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى" 2996؛ ولأن جواز الفسخ بذلك أولى من العنة لقلة الضرر؛ لأنه فقد شهوة يقوم البدن بدونها، فتملك الزوجة الفسخ فورا ومتراخيا؛ لأنه خيار لدفع ضرر يشبه خيار العيب في البيع، فتخير بين الفسخ وبين مقام معه مع منع نفسها وبدونه، ولا يمنعها تكسبا.
الجزء: 4 - الصفحة: 658
ولا يحبسها مع عسرته إذا لم تفسخ؛ لأنه إضرار بها، وسواء كانت غنية أو فقيرة؛ لأنه إنما يمل لحبسها إذا كفاها المؤنة وأغناها عما لا بد لها منه، ولها الفسخ بعد رضاها بالمقام معه لتجدد وجوب النفقة كل يوم، فيتجدد لها ملك الفسخ كذلك.
ولا يصح إسقاطها نفقتها فيما لم يجب لها كإسقاط الشفيع الشفعة قبل البيع، وكذا لو قالت: رضيت عسرته أو تزوجته عالمة به فلها الفسخ لما يتجدد لها من وجوب النفقة كل يوم.
وتبقى نفقة معسر وكسوته ومسكنه لزوجته إن أقامت 2997 معه ولم تمتنع نفسها منه دينا في ذمته لوجوبها على سبيل العوض كالأجرة، ويسقط ما زاد عن نفقة معسر.
ومن قدر يكتسب ما ينفق على زوجته أجبر عليه المفلس لقضاء دينه وأولى، ومن تعذر عليه كسب أو بيع في بعض زمنه أياما يسيرة فلا فسخ، أو مرض أياما يسيرة فعجز عن الكسب فلا فسخ؛ لأنه يمكنه الاقتراض إلى زوال 2998 العارض.
(إلا) إن أعسر (بما في ذمته) من نفقة ماضية، أو أعسر بنفقة موسر أو متوسط، أو أعسر بأدم أو بنفقة الخادم فلا فسخ لإمكان الصبر عن ذلك ويبقى دينا في ذمته لوجوبه عليه كالصداق.
وإن منع زوج موسر نفقة أو كسوة أو بعضهما عن زوجته وقدرت على أخذ ذلك من ماله أخذت كفايتها وكفاية ولدها وخادمها بالمعروف بلا إذنه، لقوله عليه السلام لهند
الجزء: 4 - الصفحة: 659
بنت عتبة 2999 حين قالت: له إن أبا سفيان 3000 رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" 3001 فرخص لها عليه السلام في أخذ تمام الكفاية بغير علمه؛ لأنه موضع حاجة إذ لا غنى عن النفقة ولا قوام إلا بها، وتتجدد بتجدد الزمن شيئا فشيئا، فتشق المرافعة [بها] 3002 إلى الحاكم، فيأمره بدفعه لها، فإن امتنع أجبره حاكم، فإن أبي حبسه ودفعها منه يوما بيوم؛ لقيام الحاكم مقامه عند امتناعه مما وجب عليه كسائر الديون، فإن لم يجد إلا عرضا أو عقارا باعه وأنفق منه، فإن غيب ماله وصبر على الحبسر فلها الفسخ لتعذر النفقة عليها من جهته كالمعسر.
(أو غاب) موسر عن زوجته (وتعذرت) نفقته عليها بأن لم يترك لها نفقة ولم تقدر له على مال ولم يمكنها تحصيل نفقتها (باستدانة أو نحوها) 3003 أي اقتراض أو نحوه عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 660
(فلها الفسخ) لتعذر الإنفاق عليها من ماله كحال الإعسار بل أولى، ولأن في الصبر ضررا أمكن إزالته بالفسخ، ولا يصح الفسخ في ذلك كله إلا (بحاكم)، فيفسخ الحاكم بطلبها، أو تفسخ هي بأمره للاختلاف فيه.
(وترجع) زوجة (بما استدانته) على زوجها الغائب الموسر (لها أو لولدها الصغير مطلقًا) بإذن الحاكم وبدونه، وإن دفع لها زوجها نفقة حرام لم يلزمها قبولها.
الجزء: 4 - الصفحة: 661
فصل في نفقة الأقارب والمماليك
والمراد بالأقارب: من يرثه المنفق بفرض أو تعصيب 3004 فيدخل فيهم العتيق.
و[نفقة] 3005 المماليك من الآدميين والبهائم.
وأجمعوا على وجوب نفقة الوالدين والمولودين 3006 لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 3007 وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ 3008، ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما، وحديث هند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" متفق عليه 3009، وعن عائشة مرفوعا: "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" رواه أبو داود 3010، ولأن ولد
الجزء: 4 - الصفحة: 662
الإنسان بعضه، وهو بعض والده، فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه فكذلك على بعضه وأهله.
(وتجب) النفقة (عليه) -أي المنفق-[إذا لم يكن معه] 3011 من يشركه في الإنفاق، أو إكمالها إن وجد المنفق عليه بعضها (بمعروف) أي بحسب ما يليق بهم من حلال لا حرام، وإنما تجب بثلاثة شروط: -
الأول: كون منفق من عمودي نسبه، أو وارثا له، وإليه الإشارة بقوله: (لكل من أبويه وإن علوا، وولده وإن سفل) حتى ذوي الأرحام منهم، (ولو حجبه معسر) كجد مع أب معسر، وكابن مع ابن ابن موسر، فتجب النفقة في المثالين على الموسر ولا أثر لكونه محجويا، وكذا جد مع ابن بنته لأن بينهما قرابة قوية توجب العتق ورد الشهادة فأشبه القريب.
(و) تجب النفقة (لكل من يرثه) قريبه الغني (بفرض) كأخ لأم، (أو تعصيب) كابن عم لغير أم، (لا برحم) كخال ممن (سوى عمودي نسبه)، سواء ورثه الأخر كأخ للغني أو لا كعمة وعتيق، فإن العمة لا ترث ابن أخيها بفرض ولا تعصيب، وهو يرثها = المجتبى 7/ 241، وابن ماجة، باب ما للرجل من مال ولده، كتاب التجارات برقم (2290) سنن ابن ماجة 2/ 768 - 769، وأحمد برقم (23512) المسند 7/ 49، والدارمي، باب في الكسب وعمل الرجل بيده، كتاب البيوع برقم (2537) سنن الدارمي 2/ 321، والحاكم، باب ولد الرجل من كسبه.
.، كتاب البيوع، المستدرك 2/ 46، والحديث قال عنه الترمذي: "حسن صحيح"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الإرواء 6/ 65.
الجزء: 4 - الصفحة: 663
بالتعصيب، وكذا العتيق لا يرث مولاه وهو يرثه، فتجب النفقة على الوارث بالمعروف لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إِلى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم أوجب على الوارث مثل ما أوجب على الأب، ولحديث: "من أبر؟ قال: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك" وفي لفظ: "ومولاك الذي هو أدناك حقا واجبا ورحما موصولا" رواه أبو داود 3012، فألزمه البر والصلة، والنفقة من الصلة وقد جعلها حقا واجبا.
والشرط الثاني: حاجة متفق عليه، وذكره بقوله: (مع فقر من تجب له وعجزه عن كسب)؛ لأن النفقة إنما تجب على سبيل المواساة، والغني يملكه، والقادر على الكسب مستغن عنها، ولا يعتبر نقص المنفق عليه في خلقة كزمن، أو حكم كصغر وجنون، فتجب النفقة لصحيح مكلف لا حرفة له لأنه فقير.
الشرط الثالث: أن يفضل ما ينفقه عليهم عن حاجته، وإليه أشار بقوله: (إذا كانت فاضلة عن قوت نفسه) أي المنفق، (و) قوت (زوجته ورقيقه يومه وليلته كفطرة) وكسوة ومسكن لهم من حاصل بيده، أو استحصل من صناعة أو تجارة أو أجرة عقار
الجزء: 4 - الصفحة: 664
أو ريع وقف ونحوه، فإن لم يفضل عنده عما 3013 ذكر شيء فلا شيء عليه، لحديث جابر مرفوعا: "إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان فضل فعلى عياله فإن كان فضل فعلى قرابته" 3014 وفي لفظ: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" حديث صحيح 3015؛ ولأن وجوب النفقة على سبيل المواساة وهي لا تجب مع الحاجة.
و(لا) تجب النفقة على قريب (من رأس مال) تجارة لنقص الربح بنقص رأس ماله، وربما أفنته النفقة فيحصل له الضرر وهو ممنوع شرعا، (و) لا تجب النفقة من (ثمن ملك) [و] 3016 لا من ثمن (آلة صنعة).
الجزء: 4 - الصفحة: 665
ومن قدر يكتسب بحيث يفضل من كسبه ما ينفقه على قريبه أجبر عليه؛ لأن 3017 تركه مع قدرته عليه تضييع لمن يعول وهو منهي عنه.
ولا تجبر امرأة على نكاح إذا رغب فيها بمهر لتنفقه على قريبها الفقير؛ لأن الرغبة في النكاح قد تكون لغير المال بخلاف التكسب.
وزوجة من تجب له النفقة كهو؛ لأن ذلك من حاجة الفقير اليومية لدعاء الضرورة إليه، فإذا احتاج ولم يقدر عليه ربما دعته نفسه إلى الزنا، ولذلك وجب إعفافه.
(وتسقط) النفقة (بمضي زمن) [ما لم يفرضها حاكم] 3018؛ لأنها تأكدت بفرضه كنفقة الزوجة، (أو) ما لم (تستدن بإذنه) أي الحاكم.
(وإن امتنع من وجبت عليه) نفقة من زوج أو قريب بأن تطلب منه فيمتنع (رجع عليه منفق بنية الرجوع)؛ لأنه قام عنه بواجب كقضاء دينه وتقدم.
(وهي على كل) من الورثة (بقدر إرثه) ممن وجبت له النفقة، فمن له -من المحتاجين للنفقة ولو كان حملا- وارث دون أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم منه؛ لأنه تعالى رتب النفقة على الإرث لقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ 3019، فمن له جد وأخ لغير أم النفقة بينهما سواء لأنهما يرثانه كذلك تعصيبا، أو له أم أم وأم أب فالنفقة عليه بينهما سواء؛ لأنهما يرثانه كذلك فرضا وردا، ومن له أم وجد أو أخ وأخت النفقة بينهما أثلاثا كإرثهما له، ومن له أم وبنت النفقة عليهما أرباعا ربعها على الأم وباقيها على البنت؛ لأنهما يرثانه كذلك، وهكذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 666
فلا تلزم النفقة أبا أم مع أم موسرة، ولا ابن بنت معها؛ لأنه محجوب بها، ولا تلزم أخا مع ابن ولو معسرا؛ لأنه محجوب به.
ومن له ورثة بعضهم موسر وبعضهم معسر كأخوين أحدهما موسر والآخر معسر تلزم نفقته موسرا منهما مع فقر الآخر بقدر إرثه فقط؛ لأنه إنما يجب جمليه مع يسار الآخر ذلك القدر فلا يتحمل عن غيره إذا لم يجد الغير ما يجب عليه إذا لم يكن من عمودي النسب.
(وإن كان أب) غنيا (انفرد بها) أي نفقة ولده، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ 3020 وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 3021، وتلزم نفقة جدا موسرا لابن ابنه الفقير ولو كان معه أخ مع فقر أب لعدم اشتراط الإرث في عمودي النسب لقوة قرابتهم، وتلزم جدة موسرة مع فقر أم لما تقدم.
ومن لم يكف ما فضل عن كفايته جميع من تجب نفقته عليه لو أيسر بجميعها بدأ بزوجته؛ لأن نفقتها معاوضة فقدمت على ما وجب مواساة، ولذلك تجب مع يسارهما وإعسارهما بخلاف نفقة القريب، فنفقة رقيقه لوجوبها مع الإيسار والإعسار كنفقة الزوجة، فنفقة أقرب فأقرب، لحديث طارق المحاربي 3022: "ابدأ بمن
الجزء: 4 - الصفحة: 667
تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك" 3023 أي الأدنى فالأدنى، ولأن النفقة صلة وبر، ومن قرب أولى بالبر ممن بعد، ثم مع الاستواء في الدرجة يبدأ بالعصبة، كأخوين لأم أحدهما ابن عم، ثم التساوي، فيقدم ولد على أب لوجوب نفقته بالنص، ويقدم أب على أم لانفراده 3024 بالولاية واستحقاقه الأخذ من مال ولده، وقد أضافه عليه السلام بقوله: "أنت ومالك لأبيك" 3025، وتقدم أم
الجزء: 4 - الصفحة: 668
على ولد ابن؛ لأنها تدلى إليه بلا واسطة ولها فضيلة الحمل والرضاع والتربية، ويقدم ولد ابن علي جد كما يقدم الولد على الأب، ويقدم جد على أخ؛ لأن له مزية الولادة والأبوة، ويقدم أبو أب على أبي أم لامتيازه بالتعصيب، وأبو أم مع أبي أبي أب مستون لتميز أبي الأم بالقرب والآخر بالتعصيب فتساويا.
ولمستحق النفقة الأخذ من مال منفق بلا إذنه مع امتناعه كما يجوز ذلك للزوجة.
ولا نفقة مع اختلاف دين بقرابة ولو من عمودي نسب؛ لأنهما لا يتوارثان إلا بالولاء، فتجب للعتيق على معتقه بشرطه وإن باينه في دينه، لأنه يرثه فدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ 3026، فإن مات مولاه فالنفقة على وارثه من عصبة مولاه.
= برقم (2292) سنن ابن ماجة 2/ 769، وأحمد برقم (6640) المسند 2/ 374، وحسن إسناده الألباني في الإرواء 3/ 325.
الجزء: 4 - الصفحة: 669
فصل
ويجب إعفاف من تجب له النفقة من عمودي نسبه وغيرهم لأنه مما تدعو حاجته إليه ويتضرر بفقده، فيجب إعفاف من تجب نفقته ممن تقدم، ويقدم الأقرب فالأقرب كالنفقة، بزوجة حرة أو سرية تعفه، ولا يملك من أعف بسرية استرجاعها مع غنى الفقير كالزكاة، ولا أن يزوجه أمة، وإن عين أحدهما امرأة والآخر غيرها يقدم تعيين قريب منفق على تعيين زوج إذا استوى المهر لأنه المطلوب بنفقتها وتوابعها، وليس له تعيين عجوز قبيحة المنظر أو معيبة، ويصدق أنه تائق للنكاح بلا يمين، لأنه مقتضى الظاهر.
ويكتفى في الإعفاف بواحدة، فإن ماتت أعفه ثانيا؛ لأنه لا صنيع له في ذلك لا إن طلق بلا عذر، أو أعتق السرية ولم يجعل عتقها صداقها، فليس له أن يعفه ثانيا؛ لأنه المفوت على نفسه.
ويلزم إعفاف أم كأب قال القاضي: "ولو سلم فالأب آكد" 3027. ولأنه لا يتصور الإعفاف لها إلا بالتزويج، ونفقتها على الزوج، قال في "الفروع" 3028: "ويتوجه تلزمه نفقته إن تعذر تزويج بدونها".
وبنت ونحوها كأم.
ويلزم من وجبت عليه نفقة خادم للجميع لحاجة إليه كالزوجة؛ لأنه من تمام الكفاية.
وعلى من تلزمه نفقة صغير نفقة مرضعة حولين كاملين، ولا يفطم قبلهما إلا برضا أبويه أو برضا سيده إن كان رقيقا، ولأبيه منع أمه من خدمته؛ لأنه يفوت حق
الجزء: 4 - الصفحة: 670
الاستمتاع بها في بعض الأحيان، ولا يمنعها من إرضاعه ولو أنها في حباله، والأم أحق بإرضاع ولدها بأجرة مثلها حتى مع متبرعة أو مع زوج ثان وبرضا، لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ 3029، فإن طلبت الأم أكثر من أجرة مثلها ووجد الأب من يرضعه بأجرة مثله أو متبرعة فله أخذه منها، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ 3030، وإن منع الأم زوجها مخير أبي الطفل من رضاعه سقط حقها لتعذر وصولها إليه، ويلزم حرة إرضاع ولدها مع خوف تلفه بأن لم يقبل ثدي غيرها حفظا له عن الهلاك كما لو لم يوجد غيرها، ولها أجرة مثلها، فإن لم يخف تلفه لم تجبر، ولزوج ثان منعها من إرضاع ولدها من الأول إلا لضرورة بأن لا يوجد من يرضعه غيرها، أو لا يقبل ثدي غيرها، أو بشرطها ذلك في العقد فلها شرطها كما تقدم.
(وتجب) النفقة (عليه) أي السيد (لرقيقه) والكسوة والمسكن بالمعروف (ولو) كان رقيقه (آبقا) أو مريضا، أو (و) انقطع كسبه، أو كان أمة (ناشزا)، أو كان ابن أمته من حر؛ لأنه تابع لأمه حيث لا شرط ولا غرور، من غالب قوت البلد، ولمبعض بقدر رقه من ذلك والباقي عليه لاستقلاله بجزئه الحر، وللسيد أن يجعل نفقة رقيقه في كسبه، وأن ينفق 3031 عليه من ماله ويأخذ كسبه أو يستخدمه وينفق عليه من ماله؛ لأن الكل له.
الجزء: 4 - الصفحة: 671
(و) يجب أن (لا يُكَلِّفَهُ) أي الرقيق (مُشِقًّا كثيرًا) لحديث أبي ذرٍّ 3032 مرفوعًا: "إخوانكم خَوَلُكُمْ 3033، جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، [فإن كلفتموهم] 3034 فأعينوهم عليه" متفق عليه 3035. (و) يجب أن (يُرِيْحَهُ وَقْتَ قَائِلَةٍ و) وقت (نَوْمٍ ولـ) أداء (صَلاةِ فَرْضٍ) لأنه العادة، ولأن تركه إضرار بهم، ولا يجوز تكليف أمة رَعيا؛ لأن السفر مظنة الطمع فيها لبعد من يدفع عنها، وسُنَّ لسيد مداواتهم إذا مرضوا، وإطعامهم من طعامه وإلباسهم من لباسه، لحديث أبي ذر، وأن يسوي بين عبيده في الكسوة وبين إمائه إن
الجزء: 4 - الصفحة: 672
كُنَّ للخدمة أو للاستمتاع، وإن اختلفن فلا بأس بتفضيل من هي للاستمتاع 3036 في الكسوة لأنه الأعرف، ومن ولي الطعام من رقيقه فيأكل معه أو يطعمه، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أتى أحدَكم خادمُه يطعامه قد كفاه علاجه ودخانه، فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين" متفق عليه 3037، ولأن نفس المباشر تتوق إلى ما لا تتوق نفس غيره عليه.
وللزوج والأب والسَّيد تأديب زوجته وولده ولو كان مكلفا ورقيق إذا أذنبوا بضرب غير مُبَرِّحٍ، وسن مرة أو مرتين، ولا يجوز بلا ذنب ولا أن يضربوا ضربًا مُبَرِّحًا لحديث: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلَّا في حد من حدود اللَّه تعالى" رواه الجماعة إلا النسائي 3038، ولسيد رقيق أن يُقَيِّدَهُ إن خاف عليه إباقًا نصًّا 3039، ولا يشتم أبويه الكافرين، قال أحمد: "لا يعود لسانه الخنا والرَّدى" ولا يدخل الجنة سيءُ المَلكة.
3040
الجزء: 4 - الصفحة: 673
وهو الذي يسئ إلى مماليكه.
وحرم أن يسترضع أمة لها ولد لغير ولدها إن لم يفضل عنه شيء؛ لأن فيه إضرارا بالولد إلا بعد ريه فيجوز استرضاعها لاستغناء ولدها عنه، ولا يجوز جبر قن على مخارجة وهي جعل سيد على رقيق كل يوم أو كل شهر شيئا معلوما له إلا باتفاقهما إن كانت قدر كسبه فأقل بعد نفقته لما روي أن أبا طيبة 3041: "حجم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأعطاه أجره، وأمر مواليه أن يخففوا عنه من خراجه" 3042 وكان كثير من الصحابة يضربون على رقيقهم خراجا، فروي: "أن الزبير كان له ألف مملوك على كل واحد كل يوم درهم" 3043، فإذا زاد على كسبه لم يجز لأنه تكليف لا يغلبه، وكذا إن لم يكن له = والمعنى المشار إليه بأنه لا يدخل الجنة سيء الملكة ورد من حديث أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- مرفوعا: أخرجه الترمذي، باب ما جاء في الإحسان إلى الخدم، كتاب البر والصلة برقم (1946) الجامع الصحيح 4/ 295، وابن ماجة، باب الإحسان إلى المماليك، كتاب الأدب برقم (3691) سنن ابن ماجة 2/ 1217، وأحمد برقم (14) المسند 1/ 9، والحديث قال عنه الترمذي: "غريب"، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزياداته 6/ 89 - 90.
الجزء: 4 - الصفحة: 674
كسب، ولا يتسرى عبد مطلقا، قال "التنقيح" 3044: "ولا يتسرى ولو أذن له سيده؛ لأنه لا يملك إلا على قول مرجوح بإذن سيده قال: وهو أظهر، ونص عليه في رواية الجماعة، واختاره كثير من المحققين".
انتهى.
وقال في "الإنصاف" 3045: "وهي الصحيحة من المذهب، وهي طريقة الخرقي، وأبي بكر وغيرهم".
وعلى رواية التسري بإذن سيده لا يملك سيد رجوعا في أمة أذن في التسري بها [بعد] 3046 تسر نضا 3047؛ لأن العبد يملك به البضع فلا يملك سيده فسخه قياسا على النكاح، ولمبعض وطء أمة ملكها يحزئه الحر بلا إذن أحد لأنها خالص ملكه، ويجب على سيد امتنع مما يجب لرقيقه 3048 عليه من نفاقة وكسوة وإعفاف إزالة ملكه عنه بطلبه ببيع أو هبة أو عتق، كفرقة زوجة امتنع مما لها عليه إزالة للضرر 3049، وفي الخبر: "عبدك يقول: أطعمني وإلا فبعني، وامرأتك تقول: أطعمني أو طلقني" 3050.
الجزء: 4 - الصفحة: 675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = النكاح، سنن الدارقطني 3/ 297، والبيهقي، باب الرجل لا ينفق نفقةَ امرأته، كتاب النفقات، السنن الكبرى 7/ 471، لكن قوله (تقول المرأة: إما أن تطعمني.
. . الخ) من كلام أبي هريرة أدرجه في الحديث، يدل لذلك ما في رواية البخاري آخر الحديث (قالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة) وبدل لذلك أيضًا ما في رواية أحمد حيث جاء فيها بعد قوله (وابدأ بمن تعول)، قال: سئل أبو هريرة من تعول؟ قال: امرأتك تقول أطعمني.
. . الخ).
الجزء: 4 - الصفحة: 676
فَصْلُ
(وعَليْهِ) أي مالك البهائم (عَلفُ بَهائِمِهِ) أو إقامة من يرعاها، (و) عليه (سَقْيُهَا)، لحديث ابن عمر: " عُذِّبت امرأةٌ في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خَشَاشِ الأرض" متفق عليه 3051.
(وإِنْ عَجَزَ) عن نفقتها (أُجْبِرَ على بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ ذَبْح مَأْكُوْلٍ) إزالة لضررها وظلمها، ولأنها تتلف بتركها بلا نفقة، وإضاعة المال منهي عنها 3052.
فإن أبي فعل حاكم الأصلح من الثلاثة، أو اقترض عليه ما ينفق على بهيمته لقيامه مقامه في أداء ما وجب عليه عند امتناعه، كقضاء دينه.
ويجوز انتفاع بالبهائم لغير ما خلقت له، كبقر لحمل وركوب، وإبلٍ وحُمْرٍ لحرث ونحوه؛ لأن مقضتى الملك جواز الانتفاع بها فيما يمكن وهذا منه، كالذي خلقت له، وبه جرت عادة بعض الناس، ولهذا يجوز أكل الخيل واستعمال اللولؤ في الأدوية وإن لم يكن المقصود منهما ذلك.
(وَحَرُمَ تَحْمِيْلُهَا) أي البهيمة (مُشِقًّا)، لأنه تعذيب لها، (و) حرم (لَعْنُهَا) لحديث
الجزء: 4 - الصفحة: 677
عمر أنه عليه السَّلام كان في سفر فلعنت امرأةٌ ناقةً فقال: "خذوا ما عليها، ودعوها مكانها ملعونة، فكأنِّي أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحدٌ" وحديث أبي بَرْزَةَ 3053: "لا تصاحبنا ناقة عليها لعنةٌ" رواهما أحمد ومسلم 3054. (و) حرم (حَلْبُهَا مَا يَضُرُّ بوَلَدِهَا) لأن لبنه مخلوق له أشبه ولد الأمة، وحرم ذبح حيوان غير مأكولٍ لإراحته من مرض ونحوه؛ لأنه إتلاف مالٍ وقد نُهي [عنه] 3055. (و) حرم (ضَرْبُ وجهٍ وَوَسْمٍ فيهِ) أي الوجه لأنه عليه السَّلام: "لعن من وَسَمَ أو
الجزء: 4 - الصفحة: 678
ضرب الوجه" 3056 و [نهى] 3057 عنه 3058 ذكره في "الفروع" 3059. وهو في الآدمي أشد، قال ابن عقيل: "لا يجوز الوسم إلا لمداواة"، وقال أيضا: "يحرم لقصد المثلة".
3060
(ويجوز) الوسم (في غيره) أي الوجه (لغرض صحيح) كالمداواة.
ويكره خصاء في غنم وغيرها إلا خوف غضاضة 3061 نصا 3062 وحرمه ابن عقيل
الجزء: 4 - الصفحة: 679
والقاضي 3063 كالآدمي، ذكره ابن حزم إجماعًا 3064.
ويكره جَزُّ مَعْرَفَةٍ 3065 وناصية وذنب وتعليق جَرَسٍ أوْ وَتَرٍ للخبر 3066، ويكره إطعامه فوق طاقته وإكراهه على الأكل [على] 3067 ما اتخذه الناس عادةً لأجل التَّسمين، ويكره نَزْوُ 3068 حمار على فرس.
وتستحب نفقة المالك على ماله [غير] 3069 الحيوان وفي "الفروع" 3070: "ويتوجه وجوبه لئلَّا يضيع".
نتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 680
(فَصْلٌ) في الحَضَانَةِ
مُشتقَّةٌ من الْحِضْنِ وهو: الْجَنْبُ، لضم المربي والكافل الطفل ونحوه إلى حضنه 3071. (وَتَجِبُ الحَضَانَةُ لحِفْظِ صَغيرٍ ومَجْنونٍ ومَعتُوْهٍ) -وهو مختل العقل- عما يضرهم، وتربيتهم بعمل مصالحهم من غسل بدنهم وثيابهم ودهنهم وتكحيلهم ونحو ذلك، ومستحقها رجل عصبة كأبٍ وجَدٍّ وأخٍ وعمٍّ لغير أمٍّ، أو امرأة وارثة 3072 كأمٍّ وجَدَّةٍ، أو أختٍ، أو قريبةٍ مُدليةٍ بوارثٍ كخَالَةٍ وبنت أختٍ 3073، أو مدلية بعصبة كعَمَّةٍ وبنت أخٍ وبنت عمٍّ لغير أمٍّ، وذو رحم كأبي أمٍّ وأخٍ لأمٍّ، ثم حاكم؛ لأنه يلي أمور المسلمين وينوب عنهم في الأمور العامة، وحضانة الطفل ونحوه إذا لم يكن له قريب تجب على جميع المسلمين.
الجزء: 4 - الصفحة: 681
(والأَحَقُّ بِهَا) أي حضانة الطفل (أُمٌّ) له، لحديث ابن عمرو 3074: "أن امرأةً قالت: يارسول اللَّه! إنَّ ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحِجْرِيْ له حواء، وأنَّ أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنت أحق به ما لم تَنْكِحِيْ" رواه أبو داود وغيره 3075، ولأنها أشفق والأب لا يلي حضانته بنفسه وإنما يدفعه لامرأته أو غيرها من النساء، وأمه أولى ممن يدفعه إليها ولو بأجرة مثلها، كرضاع حيث كانت أهلًا، (ثُمَّ) إن لم تكن أمٌّ أو لم تكن أهلًا للحضانة فـ (أُمَّهَاتُهَا القُرْبَى فالقُربى)؛ لأنهنَّ نساءٌ لهنَّ ولادةٌ مُتحققةٌ أشبهن الأمّ، (ثُمَّ) بعدهن (أبٌ)؛ لأنه الأصل وأحق بولاية المال، (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذلك) أي القربى فالقربى لإدلائهن بعصبةٍ قريبةٍ، (ثُمَّ جَدٌّ) لأبٍ لأنه في معنى الأب الأقرب فالأقرب، (ثُمَّ أمَّهاتُه كَذلك) لإدلائهنَّ بعصبةٍ، (ثُمَّ أخْتٌ لأبَوَيْنِ) لمشاركتها له في النسب وقوة قرابتها، (ثُمَّ) أختٌ (لأُمٌّ) لإدلائها بالأم كالجدات، (ثُمَّ) أخت (لأَبٍ، ثُمَّ خَالةٌ) لأبوين، ثم خالةٌ لأمٍّ ثم خالةٌ لأبٍ لإدلاء
الجزء: 4 - الصفحة: 682
الخالات بالأم، (ثم عمة) كذلك لإدلائهن بالأب وهو مؤخر في الحضانة عن الأم، ثم خالة أم كذلك، ثم خالة أب، ثم عصته، (ثم بنت أخ) لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، (و) بنت (أخت) كذلك، (ثم بنت عم) لأبوين، ثم لأم ثم لأب، (و) بنت (عمة) كذلك، (ثم بنت عم أب) 3076 كذلك، (و) بنت (عمته) أي الأب (على ما فصل) سابقا، فيقدم من لأبوين ثم لأم ثم لأب، (ثم) الحضانة (لباقي العصبة)، أي عصبة المحضون (الأقرب فالأقرب)؛ لأن لهم ولاية وتعصيبا بالقرابة فثبتت لهم الحضانة كالأب، (وشرط كونه) أي الحاضن (محرما لأنثى) محضونة بلغت سبع سنين؛ لأنها محل الشهوة، ويسلمها غير محرم كابن عم تعذر غيره إلى ثقة يختارها أو يسلمها إلى محرمه؛ لأنه أولى من أجنبيٍّ وحاكم، وكذا أمٌّ تزوجت وليس لولدها غيرها فتسلم ولدها إلى ثقةٍ تختاره أو محرمها كما تقدم.
(ثُمَّ) الحضانة (لذِي رَحِمٍ) ذكرًا وأنثى غير من تقدم؛ لأن لهم رحمًا وقرابةً يرثون بها عند عدم من تقدم أشبهوا البعيد من العصبات، وأولاهم بحضانة أبو أمٍّ فأمَّهاته فأخٌ لأمٍّ فخال 3077، (ثُمَّ) بعد من ذكر الحضانة لـ (لحَاكِمٍ)؛ لأن له ولاية على من لا أب له ولا وَصِيَّ والحضانة ولايةٌ، وتنتقل حضانة مع امتناع مستحقها أو عدم أهليته إلى مَنْ بعده.
(ولا تَثْبُتُ) الحضانة (لمَنْ فِيْهِ رِقٌّ) وإن قَلَّ؛ لأنها ولايةٌ كولاية النكاح، (ولا) تثبت (لكافِرٍ عَلى مُسلمٍ)؛ لأن ضرره عظيمٌ؛ لأنه يفتنه عن دينه
الجزء: 4 - الصفحة: 683
ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتربيته عليه، وفي ذلك كله ضرر، (ولا) تثبت (لفاسق) ظاهر الفسق؛ لأنه لا وثوق به في أداء واجب الحضانة، ولاحظ للمحضون في حضانته، لأنه ربما نشأ على أحواله ولا سيما إن كان من أهل البدع، (ولا) تثبت (لمزوجة بأجنبي من محضون من زمن 3078 عقد) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنت أحق به ما لم تنكحي"؛ ولأن الزوج يملك منافعها بمجرد العقد، ويستحق منعها من الحضانة أشبه ما لو دخل بها، فإن تزوجت بقريب محضونها ولو غير محرم له لم تسقط حضانتها، ولو رضي زوج بحضانة ولدها من غيره لم تستحق الحضانة بذلك، بخلاف رضاع كما تقدم، وبمجرد زوال مانع ولو بطلاق رجعي ولم تنقض عدتها، وبمجرد رجوع ممتنع من حضانة يعود الحق له في الحضانة لقيام سببها مع زوال المانع.
(وإن 3079 أراد أحد أبويه) أي المحضون (نقله إلى بلد آمن وطريقه) أي البلد (مسافة قصر فأكثر ليسكنه) وكان الطريق أيضًا آمنا (فأب أحق)؛ لأنه الذي يقوم عادة بتأديبه وتخريجه وحفظ نسبه، فإذا لم يكن ببلد أبيه ضاع، ومتى اجتمع الأبوان عادت 3080 الحضانة للأم، (أو) أراد أحد أبويه نقله (إلى) بلد (قريب) دون المسافة من بلد الآخر (للسكنى فأم) فتبقى على حضانتها؛ لأنها أتم شفقة كما لو لم يسافر أحدهما، (و) إن أراد أحد أبويه سفرا (لحاجة) ويعود (مع بعد)
الجزء: 4 - الصفحة: 684
البلد الذي أراده (أو لا) أي مع عدم بعده 3081 (فمقيم) من أبويه أحق بحضانته إزالة لضرر السفر، وهذا كله إن لم يقصد المسافر به مضارة الآخر وإلا فأم أحق كما ذكره في "الهدي" 3082 وقواه غيره 3083.
الجزء: 4 - الصفحة: 685
فصل
(وإذا بلغ صبي) محضون (سبع سنين عاقلا) أي تمت له سبع سنين (خير بين أبويه)، لحديث أبي هريرة: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خير غلاما ما بين أبيه وأمه" رواه سعيد والشافعي 3084، ولأبي هريرة أيضا: "جاءت امرأة إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسول اللَّه! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة 3085 وقد نفعني فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما
الجزء: 4 - الصفحة: 686
شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به" رواه أبو داود 3086 وعن عمر: "أنَّه خَيَّرَ غلامًا بين أبيه وأمه" رواه سعيد 3087 وعن عمارة الجرمي 3088: "خَيَّرَني عليٌّ بين أمِّي وأبي وكنت ابن سبع أو ثمان" 3089، وروي نحوه عن أبي هريرة 3090، ولأن
الجزء: 4 - الصفحة: 687
التقديم في الحضانة لحق الولد فيقدم من هو أشفق واختياره دليل ذلك.
فإن اختار أباه كان عنده ليلًا ونهارًا ليحضنه ويعلمه ويؤدبه، ولا يمنع زيارة أمه لما فيه من الإغراء على العقوق وقطيعة الرحم، فيزورها على العادة كيوم في الأسبوع، ولا تمنع هي تمريضه، لصيرورته بالرض كالصغير في الحاجة إلى من يخدمه ويقوم بأمره، والنساء أعرف بذلك.
وإن اختار الأمَّ كان عندها ليلًا؛ لأنه وقت السكن وانحياز الرجال إلى المساكن، وكان [عند] 3091 أبيه نهارًا؛ لأنه وقت التصرف في الحوائج وعمل الصنائع ليؤدبه ويعلمه ليلًا يضيع.
وإن اختار أحد أبويه ثم عاد فاختار الآخر نقل إليه، ثم إن عاد واختار الأول رد إليه، وهكذا أبدًا كلما اختار أحدهما نُقِلَ إليه؛ لأنه اختيار شهوة لحظ نفسه فاتبع ما يشتهيه كالمأكول.
وإن كان يختار أحدهما ليمكنه من الفساد ويكره الآخر للأدب لم يعمل
الجزء: 4 - الصفحة: 688
بمقتضى شهوته، قال ابن عقيل: "ويقرع بين الأبوين إن لم يختر منهما واحدًا أو اختارهما جميعًا لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر فلا مرجح غير القرعة".
3092
(ولا يُقَرُّ مَحْضُونٌ) ذكرًا كان أو أنثى (بيد من لا يصونُهُ و) لا (يُصْلِحُه)؛ لأن وجود من لا يصونه ويصلحه كعدمه فتنتقل عنه إلى من يليه.
وإن بلغ الذكر رشيدًا كان حيث شاء لاستقلاله بنفسه، وزوال الولاية عنه وقدرته على إصلاح أموره، ويستحب له أن لا ينفرد عن أبويه؛ لأنه أبلغُ في برِّهما وصلتهما.
وإن استوى اثنان فأكثر في الحضانة أقرع بينهما أو بينهم لأنه لا مرجح غيرها ما لم يبلغ محضونًا سبعًا ولو أنثى فيخير بينهما أو بينهم؛ لأنه لا يمكن الجمع ولا مزية للبعض، (وتَكُونُ بِنتُ سَبع) سنين تامة (عِنْدَ أَبٍ) إلى زفاف وجوبًا؛ لأنه أحفظ لها وأحق بولايتها، وليؤمن عليها من دخول النساء؛ لأنها معرضة للآفات، لا يؤمن عليها الخديعة لِغِرَّتِهَا 3093 ولمقاربتها إذن الصلاحية للتزويج، وقد تزوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عائشة بنت سبع 3094، وإنما تخطب من أبيها لأنه وليها وأعلم بالكفؤ، ولم
الجزء: 4 - الصفحة: 689
يرد الشرع بتخييرها، ولا يصح قياسها على الغلام؛ لأنه لا يحتاج إلى ما تحتاج البنت، (أَوْ) تكون عند (من يَقومُ مَقَامَة) أي الأب (إلى زِفَافٍ) -بكسر أوله-.
ويمنعها أبوها أو من يقوم مقامه من الانفراد بنفسها خشية عليها، ولا تمنع أمٌّ من زيارتها إن لم يخف منها مفسدة، ولا تمنع من تمريضها ولا زيارة أمِّها إن مرضت؛ لأنه من الصلة والبر.
والمعتوه ولو أنثى يكون عند أمه مطلقًا صغيرًا كان أو كبيرًا لحاجته إلى من يخدمه ويقوم بأمره، والنساء أعرف بذلك، وأمه أشفق عليه من غيرها، فإن عدمت أمه فأمهاتها القربى فالقربى على ما تقدم، ولا حضانة ولا رضاع لأمٍّ جذماء أو برصاء على ما تقدم في الرضاع.
الجزء: 4 - الصفحة: 690
(كِتَابُ الجِنَايَاتِ)
جمع جنايَةٍ وهي لغةً: التَّعدِّي على نفسٍ أو مالٍ 3095.
وشرعًا: التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا 3096 وتسمى الجناية على المال غصبًا وسرقةً وخيانةً 3097 وإتلافًا ونهبًا.
وأجمعوا على تحريم القتل بغير حق 3098، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية 3099 وحديث ابن مسعود مرفوعًا: "لا يحل دم امرئٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" متفق عليه 3100.
فمن قتل مؤمنًا متعمدًا فسق وأمره إلى اللَّه تعالى، وتوبته مقبولة عند أكثر أهل
الجزء: 4 - الصفحة: 691
العلم 3101، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 3102، والآية محمولة على من قتله مستحلا ولم يتب، أو أن هذا جزاؤه إن جازاه اللَّه وله العفو إن شاء، والأخبار لا يدخلها النسخ بل التخصيص والتأويل.
و(القَتْلُ) -أي فعل ما تزهق به النفس أي تفارق الروح [البدن] 3103 - ثلاثة أصناف: -
أحدها: (عَمْدٌ) يختص القَوَدُ به فلا يثبت في غيره، والقَوَدُ: قتل القاتل بمن قتله 3104، مأخوذ من قود الدابة؛ لأنه يقاد إلى القتل بمن قتله.
(و) الصنف الثاني: (شِبْهُ عَمْدٍ) ويقال: خَطَأ العمدِ، وعَمْدُ الخطأ.
الجزء: 4 - الصفحة: 692
(و) الصنف الثالث: (خطأ)، وهذا تقسيم أكثر أهل العلم 3105، وروي عن عمر 3106 وعلي 3107. ويدل لثبوت شبه العمد حديث ابن عمرو مرفوعا: "ألا إن دية الخطأ شبه 3108
الجزء: 4 - الصفحة: 693
العمد: ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" رواه أبو داود 3109.
(فالعَمْدُ يختصُّ القَوَدُ به، وهو: أَنْ يَقْصِدَ) الجاني (مَنْ يَعْلَمُهُ آدميًّا مَعْصُومًا فيَقْتُلَهُ بما) أي بشيء (يَغْلُبُ على الظَّنِّ مَوتُهُ بِهِ) 3110 محددًا كان أو غيره، فلا قصاص إن لم يقصد القتل، أو قصده بما لا يقتل غالبًا.
وللعمد الذي يختص القود به تسع صور بالاستقراء، ذكر إحداها بقوله: (كجَرْحِهِ بما لَهُ نُفُوذٌ) أي دخولٌ (في البَدَنِ) من حديدٍ كسكينٍ وسيفٍ وحربةٍ، أو من غيره كشوكةٍ وخشبٍ وقصبٍ وعظمٍ، وكذا نحاسٍ وذهبٍ وفضةٍ ونحوه، فإذا جرحه فمات به فعمد ولو كان جرحه صغيرًا، كَشَرْطَةِ 3111 حجام فمات به ولو طالت به علته ولا علة به غيره، أو كان في غير مقتل كطرف فالمحدد لا يعتبر
الجزء: 4 - الصفحة: 694
فيه غلبة الظن في حصول القتل به، بدليل [ما] 3112 لو قطع شحمة أذنه أو أنملته فمات، وربطا للحكم بكونه محددا لتعذر ضبطه بغلبة الظن، ولا يعتبر ظهور الحكم في آحاد صور المظنة بل يكفى احتمال الحكمة، ومن قطع أو بط سلعة 3113 خطرة من مكلف بلا إذنه فمات فعليه القود لتعديه بجرحه بلا إذنه.
(و) الثانية: (ضربه بحجر كبير) أو بمثقل كبير فوق عمود الفسطاط لا بمثقل كبير كهو 3114 نصا 3115، وهو الخشبة التي يقوم عليها بيت الشعر، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن المرأة التي ضربت جارتها بعمود الفسطاط فقتلتها وجنينها، "فقضى في الجنين بغرة 3116، وقضى بدية المرأة على عاقلتها" 3117، والعاقلة لا تحمل العمد فدل على أن
الجزء: 4 - الصفحة: 695
القتل به ليس بعمد، وضربه بما يغلب على الظن موته به من كُوْذَيْنِ: وهو ما يدق به الثياب، وسَنْدَانِ حداد 3118 ونحو ذلك ولو كان ضربه بذلك 3119 في غير مقتل فيموت فَيُقَاد به لأنه يقتل غالبًا فيتناوله عموم قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظلُومًا فَقَد جَعَلنَا لِوَليِّهِ سُلطانًا﴾ 3120، ولحديث أنسٍ: "أن يهوديًا قتل جارية على أوْضَاحٍ 3121 لها بحَجَرٍ، فقتله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" متفق عليه 3122، ولأن المثقل الكبير يقتل غالبا أشبه المحدد، وأما حديث: "ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل [عمد] 3123 السوط والعصا والحجر مائة من الإبل" 3124 فالمراد الحجر الصغير جمعا بين
الجزء: 4 - الصفحة: 696
الأخبار، ولأنه قرنه بالعصا والسوط فدل على أنه أراد ما يشبههما.
أو يضربه في مقتل بمثقل دون [ما تقدم] 3125، أو يضربه في حال ضعف قُوَّةٍ من مَرضٍ أو صِغَرٍ أو كِبَرٍ أو حَرٍّ أو بَرْدٍ بحجر صغير فيموت، أو يُعِيْدُ الضرب بما لا يقتل غالبا حتى يموت، أو يُلْقِيْ عليه حائطًا أو سقفًا ونحوهما مما يقتل غالبًا، أو يُلقيه من شاهقٍ فيموت ففيه كله القود؛ لأنه يقتل غالبًا، وإن قال: لم أقصد قتله بذلك لم يصدق لأنه خلاف الظاهر.
الصُّورة الثالثة: أن يلقيه بزُبْيَةِ أسد -بضم الزاي- أي حفرته، أو زُبْيَة ذئبٍ أو غيره 3126 فيقتله، أو يلقيه مكتوفًا بفضاءٍ بحضرة ذلك، أو يلقيه في مضيق بحضرة حيَّةٍ، أو ينهشه كلبًا أو حيَّةً، أو يُلسعه عقربًا من القواتل غالبًا، فيموت فيقتل به؛ لأنه مما يقتل غالبًا.
الصورة الرابعة: أن يلقيه في ماء يغرقه، أو نار، ولا يمكنه التخلص منهما، [لكثرتهما] 3127 أو عجزه عنه لمرضه ونحوه، أو لكونه مربوطا أو ألقاه في حفرة لا يقدرعلى صعود منها فيموت فيقتل به لا تقدم.
الصورة الخامسة: أن يخنقه بحبل أو غيره، أو يسد فمه أو أنفه، أو يعصر خصيته زمنا يموت في مثله غالبا فيموت، فيقتل به لما سبق.
الجزء: 4 - الصفحة: 697
الصورة السادسة: أن يحبسه ويمنعه الطعام والشراب فيموت جوعًا أو عطشًا لزمنٍ يموت فيه من ذلك غالبًا، فيُقَاد 3128 به بشرط تعذر الطلب 3129.
الصورة السابعة: أن يسقيه سُمًّا يقتل غالبًا لا يعلم به شاربه، أو يخلطه بطعامٍ ويطعمه لمن لا يعلم فيموت، فيُقَادُ به كما لو قتله بمُحَدَّدٍ.
الصورة الثامنة: أن يقتله بسحر يقتل غالبًا فيقتل به لأنه يقتل غالبًا، وقال ابن البناء 3130: "يقتل حدًّا، وتجب دية المقتول في تركته"، وصحّحه في "لإنصاف" 3131 وجزم به في "الإقناع" 3132.
الصورة التاسعة: أن يشهد رجلان على شخصٍ بقتل عمد أو ردَّةٍ حيث امتنعت توبته، أو يشهد أربعة بزنا محصن فيقتل بشهادتهم، ثم ترجع البينة وتقول: عمدنا قتله، أو يقول الحاكم: علمت كذبهما أو كذبهم وعمدت
الجزء: 4 - الصفحة: 698
قتله، فيقاد بذلك كله وشبهه بشرطه، لما روى القاسم بن عبد الرحمن 3133: "أن رجلين شهدا عند عليِّ بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- على رجلٍ أنه سرق فقطعه، ثم رجعا عن شهادتهما، فقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتُ أيديكما، وغَرَّمَهُما دية يده" 3134.
ولا قود على بينة ولا على حاكم مع مباشرة ولي عالم بالحال لمباشرته القتل عدوانًا، وغيره متسبب، والمباشرة تبطل حكم التَّسبب ويختص بالقصاص إذا لم يباشر الولي القتل [بل وَكَّلَ] 3135 مباشر عالم لمباشرته القتل عمدا ظلما بلا إكراه، فإن لم يعلم ذلك فولي أقر بعلمه بكذب الشهود وفساد الحكم بالقتل، فإن جهل الولي ذلك فَبَينةٌ وحاكم عُلِمَ كذبهما لتسبب الجميع في القتل ظلمًا حيث علموا ذلك، ومتى لزمت حاكم وبينة دية كإن عفا الولي إلى الدية فهي على عددهم لاستوائهم في السبب.
(وشِبْهُ العَمْدِ) المسمى بخطأ العمد وعمد الخطأ: (أَنْ يَقْصِدَ جِنَايةً لا تَقْتُلُ غَالبًا
الجزء: 4 - الصفحة: 699
ولم يجرحه بها) 3136 أي الجناية، (كضرب) شخص (بسوط أو عصا) أو حجر صغير إلا أن يصغر كثيرا كقلم وإصبع، في غير مقتل، أو يمسه بالكبير بلا ضرب فلا قصاص، أو لكز غيره بيده في غير مقتل، أو ألقاه في ماء قليل، أو سحره بما لا يقتل غالبا فمات، أو صاح بعاقل اغتفله، أو بصغير أو معتوه على نحو سطح فسقط فمات، أو ذهب عقله ونحوه ففيه الكفارة في مال جان لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ 3137، والخطأ موجود في هذه الصور لأنه لم يقصد قتله بفعله ذلك، وفيه الدية على عاقلته لقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ وحديث أبي هريرة: "اقتتلت امرأتان من هذيل 3138، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن دية جنينها عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها"، متفق
الجزء: 4 - الصفحة: 700
عليه (1)، فإن صاح بمكلَّفٍ لم يَغْتَفِلُه فلا شيء عليه مات أو ذهب عقله.
(والخَطَأُ) ضربان: -
ضرب منهما في القصد وهو نوعان: -
أحدهما: أن يرمي ما يظنه صيدًا فيقتل إنسانًا، أو يرمي من يظنه مباح الدم كمرتد فيبين ما ظنه صيدا آدميًّا معصومًا، أو يبين من ظنه مباح الدم معصومًا، أو يفعل ما له فعله كقطع لحم فيقتل إنسانًا، ففي ماله الكفارة، وعلى عاقلته الدية لما سبق.
النوع الثاني: أن يقتل بدار حرب من يظنه حربيًّا فيبين مسلمًا، أو يقتل بصف كفار من يظنه حربيًّا فيبين مسلمًا.
قال الشيخ تقي الدين: "إن كان مقدورًا عليه
كأسير ومن لا يمكنه الخروج من صفهم، فإن وقف باختياره لم يضمن بحال" انتهى 3140. أو يرمي كفارا تَتَرَّسُوْا بمسلم ويجب رميهم حيث خيف على المسلمين إن لم يرمهم 3141 فيقصدهم بالرمي دون المسلم فيقتله ففيه الكفارة فقط، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ 31423139
الجزء: 4 - الصفحة: 701
ولم يذكر الدية، وترك ذكرها في هذا النوع مع ذكرها فيما قبله وبعده ظاهر في عدم وجوبها فيه.
الضرب الثاني من ضربي الخطأ: خطأ في الفعل وهو (أن يفعل ما) أي شيء (له فعله كرمي صيد ونحوه) كهدف (فيصيب آدميا) معصوما لم يقصده، أو ينقلب وهو نائم أو مغمى عليه على إنسان فيموت فعليه الكفارة في ماله، وعلى عاقلته الدية كسائر أنواع الخطأ.
(وعمد صبي و) عمد (مجنون) للقتل (خطأ) أي كخطأ المكلف؛ لأنه لا قصد لهما بخلاف السكران اختيارا.
ومن قتل بسبب كحفر بئر ونصب سكين أو حجر ونحوه تعديا إن قصد جناية فشبه عمد؛ لأنه بالنظر إلى القصد كالعمد، وبالنظر إلى عدم المباشرة خطأ، وإلا يقصد جناية فهو خطأ لعدم قصد الجناية، وإمساك الحية محرم وجناية؛ لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، فلو قتلت ممسكها من مدعي المشيخة، ونحوه فهو قاتل نفسه، قلت: فعلى هذا لا يصلي عليه الإمام الأعظم ولا القاضي؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- امتنع عن الصلاة على الشخص الذي قتل نفسه بمشاقص 3143 كما رواه مسلم 3144.
الجزء: 4 - الصفحة: 702
ومن أريد قتله قودًا ببينة بالقتل لا بإقراره فقال شخص: أنا القاتل لا هذا فلا قود على واحدٍ منهما، وعلى مُقِرٍّ الدية لقول علي: "أحيا نفسًا" 3145 ولزوم الدية له لصحة بذلها منه، ولو أقر الثاني بعد إقرار الأول قتل الأول لعدم التهمة ومصادفته الدعوى.
(وَيُقْتَل عَدَدٌ) أي ما فوق الواحد (بوَاحِدٍ) قتلوه إن صح فعل كل للقتل به بأن كان فعل كل منهم لو انفرد لوجب به القصاص لإجماع الصحابة، فروى سعيد ابن المسيب عن عمر أنه قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا وقال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا" 3146، وعن عليٍّ: "أنه قتل = على أهل القبلة، كتاب الجنائز برقم (1526) سنن ابن ماجة 1/ 488، وأحمد برقم (20348) المسند 6/ 97.
الجزء: 4 - الصفحة: 703
ثلاثةً قَتلوا رجلًا" 3147 وعن ابن عباس: "أنه قتل جماعة قتلوا واحدًا" 3148 ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا 3149، ولأن القتل عقوبة تجب للواحد على الواحد فوجبت على الجماعة كحد القذف، ويفارق الدية فإنها تتبعض والقصاص لا يتبعض.
وللولي أن يقتص من البعض ويعفو عن البعض، فيأخذ منه بنسبته [من الدية] 3150 وإلَّا 3151 يصلح فعل كل واحد للقتل به ولا تواطؤ بأن ضربه كل منهم
الجزء: 4 - الصفحة: 704
بحجر صغير حتى مات ولم يكونوا اتفقوا على ذلك فلا قصاص؛ لأنه لم 3152 يحصل ما يوجبه من واحد منهم، (ومَعَ عَفْوٍ) عن قودٍ، (تَجِبُ دِيَةٌ واحِدة)؛ لأن القتل واحد فلا يلزمهم أكثر من ديته كما [لو] 3153 قتلوه خطأ.
وإن جرح واحد شخصًا جُرْحًا، وجرحه [آخر] 3154 مائة ومات، أو أوْضَحَه أحدهما، وشَجَّهُ الآخر أو أمَّه، أو جرحه أحدهما وأجَافَهُ 3155 الآخر فهما سواء في القصاص أو الدية، لصلاحية فعل كل منهما للقتل لو انفرد، وإن فعل واحد مالا تبقى معه حياة عادة كقطع حُشْوَتِهِ أو مَرِيْئِهِ أو وَدَجَيْه ثم ذبحه آخر فالقاتل هو الأول لفعله ما لا تبقى معه حياة شيئًا من الزَّمان، ويعزر الثاني كما لو جنى على ميت.
وإن رماه الأول من شاهق فتلقاه الثاني بمُحَدَّدٍ فقده فهو القاتل؛ لأنه فوت حياته قبل أن يصير إلى حالة ييأس فيها من حياته، أشبه ما لو ألقى عليه صخرةً فأطار آخر رأسه قبل وقوعها عليه.
(ومَنْ أَكْرَهَ مُكلَّفًا على قَتْلِ) شخص (مُعَيَّنٍ) ففعل فعلى كل منهما القود، (أَوْ) أكرهه (على أَنْ يُكْرِهَ عليه) -أي على قتل شخصٍ مُعَيَّنٍ- (فَفَعَلَ) -أي أكره من قتله- (فعلى كُلٍّ) من الثلاثة (القَوَدُ أَوْ الدِّيةُ)، أما الآمر فلتسببه إلى
الجزء: 4 - الصفحة: 705
القتل بما يفضي إليه غالبًا كما لو أنهشه حيَّةً أو أسدًا أو رماه بسهم، وأما القاتل فلأنه غير مسلوب الاختيار؛ لأنه قصد استبقاء نفسه بقتل غيره ولا خلاف في أنه يأثم ولو كان مسلوب الاختيار لم يأثم كالمجنون.
وإن أكْرِهَ على قتل غير معين كأحد هذين فليس إكراهًا فيقتل القاتل وحده.
وإن قال قادر على ما هدد به: اقْتُلْ نَفسك وإلا قَتَلْتُكَ فهو إكراه على القتل فيُقْتَلُ به إن قتل نفسه كما لو أكرِهَ عليه غيره.
(وَإِنْ أمَرَهُ بِهِ) أي القتل (غَيْرَ مُكَلَّفٍ) لصغير أو مجنون فقتل لزم القصاص الآمر لما تقدم، (أَوْ) أمر به (مَنْ) -أي شخصًا مكلفا- (يَجْهَلُ تَحْرِيْمَهُ) كمن نشأ بغير دار الإسلام فقتل لزم الآمر القصاص أجنبيا كان المأمور أو عبدًا للآمر؛ لأن المأمور غير العالم بحظر القتل له شبهة تمنع القصاص كما لو اعتقده صيدا، ولأن حكمة القصاص الردع والزجر ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة، وإذا لم يجب عليه القصاص وجب على الآمر.
(أو) أمر به (سُلْطَانٌ ظُلمًا مَنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ فِيْهِ) أي في القتل (لَزِمَ) القصاصُ (الآمِرَ) لعذر المأمور لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية، والظاهر أن الإمام لا يأمر إلا بحق، وإن علم الامور المكلف تحريمه لزمه القصاص لأنه غير معذور في فعله، لحديث: "لا طاعة لِمَخلُوقٍ في معصية الخَالقِ" 3156 وحديث: "مَنْ أمَرَكم
الجزء: 4 - الصفحة: 706
من الوُلاة [بمعصية اللَّه] 3157 فلا تطيعوه" 3158 وسواء كان الآمر السّلطان أو غيره.
ومن دفع لغير مكلف آلة قَتْلٍ كسيف وسكين ولم يأمر بقتل فقتل لم يلزم الدافع شيءٌ لأنه لم يأمر بالقتل ولم يباشره.
ومن قال لغيره: اقتلني ففعل فَهَدَرٌ، أو قال له: اجْرَحْنِيْ ففعل فَهَدَرٌ نصًّا 3159 لإذنه في الجناية عليه فسقط [حقه] 3160 منها كما لو أمره بإلقاء متاعه في البحر، قلت: والظاهر أن عليه الكفارة؛ لأنه فعل ما لا يحل للآمر فعله، فسقط عنه القود لإذن المقتول في ذلك، وبقي حق اللَّه تعالى في ذلك وهو الكفارة والتوبة ولم أقف في ذلك على نص واللَّه أعلم.
= الأخبار برقم (7257) صحيح البخاري 9/ 72، ومسلم، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، كتاب الإمارة برقم (1840).
الجزء: 4 - الصفحة: 707
فَصْلٌ
ومن أمسك إنسانًا لآخر يعلم أنه يقتله حتى قتله، أو حتى قطع طرفه فمات، أو فتح فمه حتى سقاه آخر سما فمات قُتِلَ قَاتِلٌ لقتله عمدًا من يكافئه بغير حق، وحُبسَ ممسك حتى يموت، لحديث الدارقطني عن ابن عمر مرفوعًا: "إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يُقتَلُ الذي قَتَلَ، ويُحبس الذي أمسك" 3161، ولأنه حبسه إلى الموت فيحبس الآخر إليه ولا يمنع من الطعام والشراب، فإن قتل الوَلِيُّ
الجزء: 4 - الصفحة: 708
الممسك فقال القاضي: "عليه القصاص" وناقش فيه المجد، وصحّح سقوطه لشبهة الخلاف 3162.
ومن قطع طرف هارب من قتل فحبس حتى أدركه قاتله فقتله أقيد منه في الطرف الذي قطعه، سواء حبسه ليقتله الآخر أو لا، وهو فيما يجب عليه في النفس كممسك إنسانا لآخر حتى قتله؛ لأنه حبسه للقتل فكانه أمسكه حتى قتله، وإن لم يقصد حبسه فعليه القطع فقط، كمن أمسك إنسانا لآخر لا يعلم أنه يقتله بخلاف الجارح فلا يعتبر فيه قصد الموت لموته من سراية الجرح وأثره فاعتبر فيه قصد الجرح الذي هو السبب دون قصد الأثر، وأما مسألة الإمساك فالموت فيها بأمرٍ غير السراية، والفعل ممكن له، فاعتبر قصده لذلك الفعل كما لو أمسكه.
وإن اشترك عدد في قتل لا يقاد به البعض لو انفرد كحُرٍّ وقِنٍّ اشتركا في قتل قن، وكأب وأجنبي اشتركا في قتل ولده، وكخاطئ وعامد ومكلف وغير مكلف، فالقود على القن شريك الحر، ومثله ذمي اشترك مع مسلم في قتل ذمي؛ لأن القصاص سقط عن الحر والمسلم لعدم مكافأة المقتول له، وهذا المعنى لا يتعدى إلى فعل شريكه فلم يسقط القصاص عنه، والقود أيضًا على شريك أب في قتل ولده لمشاركته في القتل العمد العدوان فيمن يقتل به لو انفرد، وإنما امتنع في حق الأب لمعنى يختص بالمحل 3163 لا لقصور في السبب الموجب فلا يمنع عمله في
الجزء: 4 - الصفحة: 709
المحل الذي لا مانع فيه.
ومثل الأب الأم والجد والجدة وإن علوا.
وعلى حر شريك قن في قتل قن [نصف ديته، وفي قتل قن] 3164 نصف قيمة القن المقتول لمشاركته في إتلافه فلزمه بقسطه، وعلى شريك غير قن وأب في قتل حر نصف ديته، وفي قتل [قنٍّ] 3165 نصف قيمته كالشريك في إتلاف مال.
ومن جُرِحَ عمدًا فداوى جرحه بسم فمات فلا قود على جارحه لقتله نفسه، أشبه ما لو جرح فذبح نفسه، لكن إن أوجب الجرح قصاصا [استوفي وإلا] 3166 أخذ الوارث أرشه إن شاء لأن [الحق] 3167 له فيه دون غيره.
الجزء: 4 - الصفحة: 710
(فَصْلٌ) في شُرُوْطِ وُجُوْبِ القِصَاصِ
(وَللقِصَاصِ أَرْبَعَةُ شُروطٍ) بالاستقراء: -
أحدها: (تكليف قاتل) بأن يكون بالغا عاقلا قاصدا؛ لأن القصاص عقوبة مغلظة فلا تجب على غير مكلف كصغير ومجنون ومعتوه؛ لأنهم ليس لهم قصد صحيح كقاتل خطأ، وإن قال جان: كنت حين الجناية صغيرا، وقال ولي الجناية: بل مكلفا وأقاما بينتين تعارضتا، وإن لم يحصل بينة فالقول قول الصغير حيث أمكن.
(و) الثاني من الشروط: (عصمة مقتول) ولو كان مستحقا دمه 3168 بقتل لغير قاتله؛ لأنه لا سبب فيه يبيح دمه لغير مستحقه، فالقاتل لحربي لا قود ولا دية عليه، أو القاتل لمرتد -قبل توبته إن قبلت ظاهرا- لا قود ولا دية عليه بخلاف القاتل له بعد توبته المقبولة؛ لأنه معصوم، والقاتل لزان محصن ولو قبل ثبوته عند حاكم إذا ثبت أنه زنى محصنا بعد قتله لوجود الصفة التي أباحت دمه، قبل الثبوت وبعده على السواء، وإنما يظهر ذلك للحاكم بالبينة فلا قود ولا دية عليه ولو أن القاتل مثله في عدم العصمة بأن يقتل حربي حربيا أو مرتد مرتدا أو زان محصن زانيا 3169 محصنا، ويعزر قاتل غير معصوم لافتياته على ولي الأمر.
الجزء: 4 - الصفحة: 711
(و) الشرط الثالث: (مُكَافَأتهُ) أي المقتول (لقَاتِلٍ) حال جنايةٍ لأنه وقت انعقاد السبب، والمكافأة بأنـ[لان] 3170 لا يفضله قاتله (بدِيْنٍ) أ (و) بـ (حُريةٍ) أو بملك.
فيقتل مسلم حر وعبد بمثله في الإسلام والحرية والرق ولو مجدع الأطراف معدم الحواس والقاتل صحيح سوي الخلق وعكسه، وكذا لو تفاوتا في العلم والشرف والغنى والفقر والصحة والمرض ونحوها.
ويقتل ذمي حر وعبد بمثله ومستأمن من حرٍّ أو عبد بمثله للمساواة، ويقتل كتابي بمجوسي، ويقتل ذمي بمستأمن وعكسهما، ويقتل كافر غير حربي جنى ثم أسلم بمسلم للمكافأة.
ويقتل قن بحر وبقن ولو كان القن المقتول أقل قيمة منه لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ 3171 ولا أثر لكون أحدهما مكاتبًا أو مدبرًا أو أم ولد والآخر ليس كذلك، للتساوي في النفس والرق.
ويقتل من بعضه حر بمثله وبأقل حرية منه.
ويقتل مكلف بغير مكلف للتساوي في النفس والحرية والرق، ويقتل ذكر بأنثى وبخنثى، ولا يعطى للذكر نصف دية إذا قُتِلَ بالأنثى وعكسها للمساواة في النفس والحرية والرق.
ولا يقتل مسلم ولو ارتدَّ بعد القتل بكافر كتابي أو غيره ذمي أو معاهد، روي
الجزء: 4 - الصفحة: 712
عن عمر 3172 وعثمان 3173 وعلي 3174 وزيد بن ثابت 3175 ومعاوية 3176 لحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مؤمن بكافر" رواه أحمد وأبو داود 3177، وفي لفظ: "لا يقتل مسلم بكافر" رواه البخاري 3178، وعن
الجزء: 4 - الصفحة: 713
علي: "من السنة أن لا يقتل مؤمن بكافر" رواه أحمد 3179، ولأن القصاص يقتضي المساواة، ولا مساواة بين الكافر والمسلم والعمومات مخصصة بهذه الأحاديث، وحديث أنه عليه السَّلام: "أقاد مسلما بذمي" 3180 ليس له إسناد قاله = ماجة 2/ 887، وأحمد برقم (600) المسند 1/ 128، والدارمي، باب لا يقتل مسلم بكافرٍ، كتاب الديات برقم (2356) سنن الدارمي 2/ 249 - 250، من طرق عن الشعبي عن أبي جحيفة قال: (قلت لعلي قل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب اللَّه، أوفهم أعطيه مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر).
الجزء: 4 - الصفحة: 714
أحمد 3181، ولا يقتل حر بقن لقول علي: "من السنة أن لا يقتل حر بعبد" رواه الدارقطني 3182 ولأنه لا يقطع طرفه بطرفه مع التساوي في السلامة فلا يقتل به حر، والعمومات مخصصة بذلك، وإن انتقض عهد ذمي بقتل مسلم حر وعبد فقتل لنقضه العهد فعليه دية الحر إن كان القتيل حرًا، وقيمة القن إن كان القتيل قنا كما لو مات حتف أنفه إذ لا مسقط لموجوب جنايته.
وإن قتل ذمى أو مرتد ذميا، أو جرح ذمي أو مرتد ذميا، أو قتل أو جرح قنًا ثم أسلم الذمي القاتل أو الجارح، أو عتق القن القاتل أو الجارح ولو قبل موت مجروح قتل به نصًّا 3183، لحصول الجناية بالجرح في حال تساويهما، كما لو جن قاتل أو جارح بعد الجناية.
ولو جرح مسلم ذميا، أو جرح حر قنا فأسلم مجروح أو عتق قن ثم مات فلا قود على جارح اعتبارا بحال الجناية، وعليه دية حر مسلم اعتبارا بحال = الدارقطني 3/ 135، والبيهقي، باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر.
. .، كتاب الجنايات، السنن الكبرى 8/ 30 من طرق عن عبد الرحمن بن البيلماني يرفعه بلفظ: "أن رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة، فرفع ذلك إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: أنا أحق من وفى بذمته، ئم أمر به فقتل" وضعفه الدارقطني والبيهقي.
الجزء: 4 - الصفحة: 715
الزهوق؛ لأنه وقت استقرار الجناية فيعتبر الأرش به بدليل [ما] 3184 لو قطع يدي إنسان ورجليه فسرى إلى نفسه ففيه دية واحدة، ويستحق دية من أسلم بعد الجرح وارثه المسلم لموته مسلما، ويستحق دية من عتق بعد جرح سيده إن كان قدر قيمته فأقل كاستحقاقه لقيمته لو لم يعتق لأنها بدله، فلو جاوزت ديته قيمته رقيقا فالزائد لورثته لحصوله بحريته، ولا حق للسيد في ما حصل بها إلا أن السيد يرثه بالولاء إن لم يكن مستغرقا من نسب ونكاح.
ومن قتل من يعرفه أو يظنه كافرا أو رقيقا أو قاتل أبيه فبان تغير حاله بأن أسلم الكافر أو أعتق القن أو تبين خلاف ظنه بأن تبين أنه غير قاتل أبيه فعليه القود لقتله من يكافئه عمدا محضا بغير حق أشبه ما لو علم حاله.
(و) الشرط الرابع: (عدم الولادة) بأن يكون المقتول ليس بولد القاتل وإن سفل، ولا بولد بنته وإن سفلت، فيقتل ولد باب وأم وجد وجدة لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ في القَتلَى﴾ 3185 وهو عام في كل قتيل، فخص منه صورتان بالنص ويقي ما عداهما، ولا يقتل أحدهما وإن علا بالنسب بالولد، أو ولد البنت وإن سفلا، لحديث عمر وابن عباس مرفوعا: "لا يقتل والد بولده" رواه ابن ماجة 3186،
الجزء: 4 - الصفحة: 716
وروى النسائي حديث عمر 3187، وقال ابن عبد البر 3188: "هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد، حتى يكون الإسناد في مثله مع شهرته تكلُّفًا".
ولأنه سبب إيجاده فلا ينبغي أن يسلط 3189 بسببه على إعدامه، ولو أن الولد أو البنت حُرٌّ مسلم والقاتل له من آبائه وأمهاته وإن علوا كافر أو قن لانتفاء القصاص لشرف الأبوة وهو موجود في = أخرجه الترمذي، باب ما جاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا، كتاب الديات برقم (1400) الجامع الصحيح 4/ 12، وأحمد برقم (348) المسند 1/ 80، والدارقطني، كتاب الحدود والديات وغيره، سنن الدارقطني 3/ 141، والبيهقي، باب الرجل يقتل ابنه، كتاب الجنايات، السنن الكبرى 8/ 38 - 39، والحديث صحّح إسناده البيهقي في معرفة السنن والآثار 12/ 40، وقال الألباني: "هذا إسناد رجاله ثقات غير أن الحجاج بن أرطأة مدلس وقد عنعنة، لكنه لم ينفرد به".
الإرواء 7/ 269. وحديث ابن عباس أخرجه ابن ماجة، باب لا يقتل الوالد بولده، كتاب الديات برقم (2661) سنن ابن ماجة 2/ 888، والترمذي، باب ما جاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا، كتاب الديات برقم (1401) الجامع الصحيح 4/ 12، والدارقطني، كتاب الحدود والديات وغيره، سنن الدارقطني 3/ 141، والحاكم، باب لا يقاد مملوكٌ من مالكه ولا ولد من والده، كتاب الحدود، المستدرك 4/ 369، والبيهقي، باب الرجل يقتل ابنه، كتاب الجنايات، السنن الكبرى 8/ 39، والحديث قال عنه الترمذي: "لا نعرفه بهذا الإسناد مرفوعًا إلا من حديث إسماعيل بن مسلم، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه" ا. هـ، وقال البيهقي: "إسماعيل بن مسلم المكي هذا ضعيف".
وصحّح الحديث الألباني في الإرواء 7/ 272 بمجموع طرقه.
الجزء: 4 - الصفحة: 717
كل حال، ويأخذ حر من أب وأم وجد وجدة قتل ولده وإن سفل بالدية كما تجب على الأجنبى في ماله قال في "الاختيارات" 3190 "ونص عليه الإمام أحمد، وكذا لو جنى على طرفه لزمته ديته انتهى".
وذكر في "الشرح" 3191 عن عمر -رضي اللَّه عنه-: "أنه أخذ من قتادة المدلجي 3192 دية ابنه" 3193 ومتى ورث قاتل بعض دمه بوجود واسطة بينه وبين المقتول، أو ورث ولد القاتل بعد دمه فلا قود على قاتل؛ لأن القصاص لا يتبعض، ولا يتصور وجوبه للإنسان على نفسه ولا لولده عليه، فلو
الجزء: 4 - الصفحة: 718
قتل شخص زوجته فورثها ولدها منه سقط القصاص؛ لأنه إذا لم يجب للولد على والده بجنايته عليه فلأن لا يجب بالجناية على غيره أولى، وسواء كان الولد ذكرا أو أنثى، أو كان للمقتول وارث سواه أو لا؛ لأنه إذا لم يثبت بعضه سقط كله لأنه لا يتبعض.
أو قتل أخا زوجته فورثته، ثم ماتت فورثها القاتل بالزوجية، أو ورثها ولده سقط القصاص لما تقدم، وكذا لو قتلت أخا زوجها فورثه زوجها ثم مات فورثته هي أو ولدها، ومن قتل أباه وورثه أخواه، أو قتل أخاه فورثه أخواه، ثم قتل أحدهما صاحبه سقط القود عن القاتل الأول؛ لأنه ورث بعض دم نفسه.
ومن قتل من لا يعرف بإسلام ولا حرية أو ملفوفا لا يعلم موته ولا حياته وادعى قاتل كفره أو رقه وأنكر وليه فالقود، ويحلف الولي لأنه محكوم بإسلامه بالدار، ولأن الأصل الحرية والرق طارئ.
أو ادعى قاتل ملفوف موته وأنكر وليه فالقود 3194؛ لأن الأصل الحياة.
أو قتل شخصا في داره وادعى أنه دخل لقتله، أو أخذ ماله فقتله دفاعا عن نفسه فالقود حيث لا بينة؛ لأن الأصل عدم [ذلك] 3195 ويؤيده ما روي عن علي أنه سئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله فقال: "إن لم يأت بأربعة شهداء
الجزء: 4 - الصفحة: 719
فليعط برمته" 3196 فإن اعترف الولي بذلك فلا قصاص على قاتل ولا دية، لما [روي] 3197 عن عمر أنه كان يوما يتغدى، إذ جاء رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بالدم، ووراءه قوم يعدون خلفه، فجاء حتى جلس مع عمر، فجاء الآخرون فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر: "ما تقول؟ قال: يا أمير المؤمنين! إني ضربت فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد قتلته، فقال عمر: ما تقولون؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر سيفه، فهزه ثم دفعه إليه" رواه سعيد 3198.
أو تجارح اثنان وادعى كل الدفع عن نفسه فالقود على كل منهما للآخر بشرطه، أو الدية إن لم يجب قود، أو عفا مستحقه، ويصدق منكر منهما بيمينه؛ لأن الأصل عدم ما يدعيه الآخر، ومتى صدق الولي فلا قود ولا دية لما تقدم عن عمر، ولاعتراف الخصم بما يهدر دم القتيل.
وإن اجتمع قوم بمحل فقتل بعض بعضا وجرح بعض بعضا وجهل الحال فعلى عاقلة المجروحين دية القتلى منهم يسقط منها أرش الجراح نص
الجزء: 4 - الصفحة: 720
عليه 3199 لروايته بإسناده إلى الشعبي قال: أشهد على [عليٍّ] 3200 أنه قضى به 3201.
الجزء: 4 - الصفحة: 721
فصل فى استيفاء القصاص في النفس وما دونها
وهو فعل مجني عليه أو وليه بجان مثل فعله أو شبهه 3202. (ولاستيفائه) أي القصاص (ثلاثة) شروط: - أحدها: (تكليف مستحق له) لأن غير المكلف ليس أهلا للاستيفاء ولا تدخله النيابة لما يأتي، ومع صغر مستحق أو جنونه يحبس جان لبلوغ صغير أو إفاقة مجنون يستحقه؛ لأن معاوية حبس هدبة بن خشرم 3203 في قصاص حتى بلغ ابن القتيل 3204، وكان في عصر الصحابة ولم ينكر، وبذل الحسن والحسين، وسعيد بن العاص 3205 لابن القتيل سبع ديات فلم يقبلها 3206 ولأن
الجزء: 4 - الصفحة: 722
[في] 3207 تخليته تضييعا للحق إذ لا يؤمن هربه، وأما المعسر بالدين فلا يحبس؛ لأن الدين لا يجب مع الإعسار بخلاف القصاص فإنه واجب وإنما تأخر لقصور المستوفي، وأيضا المعسر إذا حبس تعذر عليه الكسب لقضاء دينه فحبسه يضر بالجانبين وهنا الحق هو نفسه فيفوت بالتخلية.
ولا يملك استيفاء القصاص لصغير ومجنون أب كوصي وحاكم إذ لا يحصل باستيفائهم التشفي للمستحق له فتفوت حكمة القصاص، فإن احتاجا لنفقة فلولي مجنون لا صغير العفو إلى الدية؛ لأن الجنون لا حد له ينتهي إليه عادة بخلاف الصغر، وإن قتل الصغير أو المجنون قاتل مورثهما أو قطعوا قاطعه قهرا سقط حقهما لاستيفائهما ما وجب لهما، كما لو كان بيده مال لهما فأخذاه منه قهرا فأتلفاه.
(و) الشرط الثاني: (اتفاقهم) أي المشتركين في القصاص (عليه) أي على استيفائه، فليس لبعضهم استيفاؤه بدون إذن الباقين؛ لأنه يكون مستوفيا لحق غيره بلا إذنه، ولا ولاية عليه أشبه الدين.
(و) الشرط الثالث: (أن يؤمن في استيفائه) أي القود (تعديه) أي الاستيفاء (إلى غير جان) لقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ 3208، فلو لزم القود حاملا لم تقتل حتى تضع، أو حائلا فحملت لم تقتل حتى تضع حملها أيضا؛ لأن قتلها
الجزء: 4 - الصفحة: 723
إسراف لتعديه إلى حملها، وحتى تسقيه اللبأ 3209؛ لأن تركه يضر الولد وفي الغالب لا يعيش إلا به، ولابن ماجة عن معاذ بن جبل، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس 3210 مرفوعا: "إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفل ولدها" 3211 ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- للغامدية 3212: "ارجعي حتى تضعي ما في بطنك، ثم قال لها: ارجعي حتى ترضعيه" 3213 ثم إن وجد من
الجزء: 4 - الصفحة: 724
يرضعه بعد سقيها له اللبأ أعطي لمن يرضعه وأقيد منها لقيام غيرها مقامها في إرضاعه وتربيته فلا عذر، وإلا يوجد من يرضعه فلا يقاد منها حتى تفطمه لحولين كما تقدم، وتقاد حامل في طرف بمجرد وضع، ومتى ادعت الحمل وأمكن قبل قولها لأنه لا يعلم إلا من جهتها خصوصا في ابتداء الحمل، ولا يؤمن الخطر بتكذيبها وحبست لقود كما تقدم حتى يتبين أمرها في الحمل وعدمه، ومن اقتص من حامل فألقت جنينها ضمنه بالغرة إن ألقته ميتا أو حيا لوقت لا يعيش لمثله، وبديته إن وضعته حيا لوقت يعيش لمثله وبقي زمنا يسيرا ثم مات، ولا تحبس لحد بل تترك حتى يتبين أمرها.
(ويحبس) جان (لقدوم) وارث (غائب وبلوغ) وارث صغير (و) لـ (إفاقة) وارث مجنون؛ لأنهم شركاء في القصاص فلا ينفرد به بعضهم كما لا ينفرد بالدية بخلاف قتل في محاربة لتحتمه لحق اللَّه تعالى، وبخلاف حد قذف فيقام إذا طلبه بعض الورثة حيث يورث لوجوبه لكل واحد من الورثة إذا طلبه كاملا.
ومن لا وارث له يستوفي الإمام القصاص فيه بحكم الولاية لا بحكم الإرث، وإنما قتل الحسن ابن ملجم 3214 كفرا؛ لأن من اعتقد حل ما حرم اللَّه = بالزنا، كتاب الحدود برقم (2324) سنن الدارمي 2/ 234 - 235، والبيهقي، باب الحبلى لا ترجم حتى تضع ويكفل ولدها، كتاب الحدود، السنن الكبرى 8/ 229.
الجزء: 4 - الصفحة: 725
كافر، وقيل: لسعيه في [الأرض] 3215 بالفساد، ولذلك لم ينتظر به قدوم من غاب من الورثة.
ومتى انفرد بالقصاص من منع منه عزر فقط لافتياته بالانفراد ولا قصاص عليه؛ لأنه شريك في الاستحقاق، ومنع من استيفاء حقه لعدم التجزؤ، فإذا استوفى وقع نصيبه قصاصا وبقيت الجناية على بعض النفس فيتعذر فيه القصاص، ولشريك مقتص من تركة جان حقه من الدية، ويرجع وارث جان على مقتص بما فوق حقه، فلو قتلت 3216 امرأة رجلا وله ابنان فقتلها أحدهما بغير إذن الآخر فلمن لم يأذن نصف دية أبيه في تركة المرأة القاتلة، ويرجع ورثتها على من اقتص منها ينصف ديتها.
وإن عفا بعض مستحقي القصاص ولو كان زوجا أو زوجة، أو شهد بعضهم = وابن ملجم هو: عبد الرحمن بن ملجم المرادي التدؤلي الحميري، ثم الكندي، حليف بني حنيفة، كان رجلا من الخوارج، أدرك الجاهلية، وهاجر في خلافة عمر، وشهد فتح مصر وسكنها، كما شهد مع علي موقعة صفين، ثم خرج عليه، واتفق هو مع البرك وعمرو بن بكر على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص في ليلة واحدة، هي ليلة (17/ 9/ 40 هـ) وتعهد البرك بقتل معاوية، وعمرو بن بكر بقتل عمرو بن العاص، وابن ملجم بقتل علي، فأخطأ الاثنان صاحبيهما، وأصاب الثالث، فقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وحبس ابن ملجم فقطعت يداه ورجلاه ثم قتل بالكوفة سنة 40 هـ. ينظر: البداية والنهاية 7/ 309، ولسان الميزان 3/ 439 - 440، والأعلام 4/ 114 - 115.
الجزء: 4 - الصفحة: 726
ولو مع فسقه بعفو شريكه سقط القود؛ لأنه لا يتبعض كما تقدم، وأحد الزوجين من جملة الورثة، ودخل في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فأهله بين خيرتين" 3217 بدليل قوله: "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، وما علمت من أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، يريد عائشة، وقال له أسامة بن زيد: أهلك ولا نعلم إلا خيرا" 3218 وعن زيد بن وهب 3219: أن عمر أتي برجل قتل قتيلا فجاء ورثة المقتول ليقتلوه فقالت امرأة المقتول وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي، فقال عمر: "اللَّه أكبر عتق
الجزء: 4 - الصفحة: 727
القتيل" رواه أبو داود 3220، وأما سقوطه بشهادة بعضهم ولو مع فسقه فلإقراره بسقوط نصيبه، وإذا أسقط بعضهم حقه سرى إلى الباقي كالعتق.
ولمن لم يعف من الورثة حقه من الدية على جان سواء عفى شريكه مجانا أو إلى الدية؛ لأنها بدل عما فاته من القصاص كما لو ورث القاتل بعض دمه.
ثم [إن] 3221 قتله عاف قتل ولو ادعى نسيانه أو جواز القتل بعد العفو، سواء عفى مجانا أو إلى مال لقوله تعالى: ﴿فَمَن اعْتَدَى بَعدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ 3222 قال ابن عباس وغيره: "أي بعد أخذه الدية" 3223، ولأنه قتل معصوما مكافئا.
وكذا شريك 3224 علم بالعفو وبسقوط القود به ثم قتله فيقتل به، سواء حكم بالعفو أو لا، لقتله معصوما عالما أنه لا حق له فيه، والاختلاف لا يسقط القصاص، إذ لو قتل مسلما بكافر قتلناه به مع الاختلاف في قتله، ويستحق كل
الجزء: 4 - الصفحة: 728
وارث للمقتول من القود بقدر إرثه من المال حتى الزوجين وذي الرحم؛ لأن القود حق ثبت للوارث على سبيل الإرث فوجب له بقدر ميراثه من المال.
ومن لا وارث له فالإمام وليه في القود أو الدية؛ لأنه ولي من لا ولي له، له أن يقتص أو يعفو إلى مال فيفعل ما يراه الأصلح؛ لأنه وكيل المسلمين، ولا يعفو مجانا ولا على أقل من الدية؛ لأنها حق ثابت للمسلمين فلا يجوز له تركها ولا شيء منها؛ لأنه لا حظ للمسلمين فيه.
(ويجب استيفاؤه) أي القود (بحضرة سلطان أو نائبه) لافتقاره إلى اجتهاد، ويحرم الحيف فيه ولا يؤمن مع قصد المقتص التشفي بالقصاص، وللإمام أو نائبه تعزير مخالف اقتص بغير حضوره لافتياته بفعل ما منع منه، ويقع فعله الموقع لأنه استوفى حقه.
(و) يجب استيفاؤه (بآلة ماضية) أي غير كالة لحديث: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" 3225 والاستيفاء بالكالة تعذيب للمقتول.
ويخير ولي بين أن يباشر الاستيفاء ولو في طرف وبين أن يوكل من يستوفيه منه
الجزء: 4 - الصفحة: 729
كسائر حقوقه، ومن له وليان فأكثر وأراد كل مباشرة الاستيفاء بنفسه قدم أحدهما بقرعة ووكله من بقي.
الجزء: 4 - الصفحة: 730
(و) يجب استيفاء قود (في النفس بضرب العنق بسيف) لحديث: "لا قود إلا بالسيف" رواه ابن ماجة 3226، ولأن القصد من القود إتلاف جملته وقد أمكن بضرب عتقه فلا يجوز تعذيبه بإتلاف أطرافه كقتله بسيف كال، وإن ظن ولي دم أنه اقتص في النفس فلم يكن استوفى وداواه أهله حتى برئ فإن شاء الولي دفع إليه دية فعله الذي فعله به وقتله، وإلا تركه فلا يتعرض له، قال في "الفروع" 3227: "وهذا رأي عمر وعلي ويعلى بن أمية ذكره أحمد".
ومن قتل أو قطع عددا في وقت أو أكثر فرضي أولياء كل بقتله، أو رضي المقطوعون بقطعه اكتفى به لجميعهم لتعذر توزيع الجاني على الجنايات، وإن طلب ولي كل قتله على الكمال وجنايته في وقت واحد أقرع بينهم، فيقاد لمن خرجت له القرعة، وإلا تكن جنايته
الجزء: 4 - الصفحة: 731
في وقت واحد أقيد للأول لسبق استحقاقه، ولمن بقي الدية كما لو مات قبل أن يقاد منه، وكما لو بادر غير ولي الأول أو غير المقطوع الأول واقتص فيقع موقعه، ولمن بقي الدية، وإن رضي ولي الأول بالدية أعطيها لأن الخيرة إليه، وقتل الجاني أو قطع لثان وهلم جرا.
الجزء: 4 - الصفحة: 732
(فصل)
(ويجب بعمد) عدوان (القود أو الدية فيخير ولى) جناية بينهما لحديث أبي هريرة مرفوعا: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يودي، وإما أن يقاد" رواه الجماعة إلا الترمذي 3228، وعن أبي شريح الخزاعي 3229 مرفوعا: "من أصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه"، رواه أحمد وغيره 3230، والخبل -بخاء معجمة وباء موحدة-: الجراح، (والعفو مجانا) أي
الجزء: 4 - الصفحة: 733
من غير أخذ شيء (أفضل) [لقوله تعالى] 3231: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ 3232 ولحديث أبي هريرة مرفوعا: "ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده اللَّه تعالى بها عزا"، رواه أحمد ومسلم 3233، ويصح عفوه بلفظ الصدقة وكل ما أدى معناه لأنه إسقاط.
(ومتى اختار) الودي (الدية) أو الصلح على أكثر منها تعينت، فلو قتله ولي الجناية بعد اختياره الدية قتل به لسقوط حقه من القصاص بعفوه عنه.
(أو عفا مطلقا) فلم يقيد بقصاص ولا دية فله الدية، أو عفا عن القود فله الدية لانصراف العفو إلى القصاص دون الدية؛ لأن العفو عن القصاص هو المطلوب الأعظم في باب القود، إذ المقصود منه التشفي فانصرف العفو المطلق = قتل العمد، كتاب الديات برقم (2351) سنن الدارمي 2/ 247، والدارقطني، كتاب الحدود والديات وغيره، سنن الدارقطني 3/ 96، والبيهقي، باب الخيار في القصاص.
.، كتاب الجنايات 8/ 52، وضعفه الألباني وضعيف الجامع الصغير وزياداته 5/ 168.
الجزء: 4 - الصفحة: 734
إليه؛ لأنه في مقابلة الانتقام 3234، وهو إنما يكون بالقتل لا بالمال، فتبقى الدكة على أصلها؛ لأنها ثبتت في كل موضع امتنع فيه القتل.
(أو هلك جان) عمدا (تعينت الدية) في ماله لتعذر استيفاء القود.
ومن قطع طرفا عمدا كإصبع فعفى عمه المجني عليه، ثم سرت الجناية إلى عضو آخر كبقية اليد، أو سرت إلى النفس والعفو على مال أو على غير مال فلا قصاص، وله تمام دية ما سرت إليه ولو مع موت جان فيلقى أرش ما عفي عنه من دية ما سرت إليه ويجب الباقي؛ لأن حق المجني عليه فيما سرت إليه الجناية لا فيما عفا عنه.
(ومن وكل) في استيفاء قود (ثم عفا) موكل عن قود وكل فيه (ولم يعلم وكيل) بعفوه (حتى اقتص فلا شيء عليهما)، أما الوكيل فلأنه لا تفريط منه لحصول العفو على وجه لا ممكن الوكيل استدراكه، أشبه ما لو عفا بعد ما رماه، وأما الموكل فلأنه محسن بالعفو، وقال تعالى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ 3235 فإن علم الوكيل فعليه القصاص.
وإن عفا مجروح عمدا أو خطأ عن قود نفسه أو ديتها صح عفوه لإسقاطه حقه بعد انعقاد سببه، ولأن الجناية عليه فصح عفوه عنها كسائر حقوقه، وكعفو وأرثه عن ذلك، فلو قال: عفوت عن هذا الجرح وعن هذه الضربة فلا شيء في سرايتها
الجزء: 4 - الصفحة: 735
ولو لم يقل وما يحدث منها إذ السراية تبع للجناية، فحيث لم يجب بها شيء لم يجب بسرايتها بالأولى، كما لو قال: عفوت عن الجناية فلا شيء في سرايتها، ولو قال: أردت بالجناية الجراحة دون سرايتها؛ لأن لفظ الجناية يدخل فيه الجراحة وسرايتها لأنها جناية واحدة بخلاف عفوه على مال وعن القود فقط، فلا يبرأ جان من السراية لعدم ما يقتضي براءته منها.
ويصح قول مجروح: أبرأتك من دمي أو قتلي، أو وهبتك ذلك معلقا بموته لأنه وصية، فإن مات من الجراحة برئ منه، ولو عوفي بقي حقه من قصاص أو دية؛ لأن لفظه لم يتضمن الجراح ولم يتعرض له وإنما اقتضى موجب القتل، فبقي موجب الجرح بحاله، بخلاف: عفوت عنك ونحوه لتضمنه الجناية وسرايتها.
ولا يصح عفوت عن قود شجة لا قود فيها كالمنقلة والمأمومة 3236 لأنه عفو عما لا يجب ولا انعقد سبب وجويه، أشبه الإبراء من الدين قبل وجويه، فلوليه مع سرايتها القود أو الدية كما لو لم يعف.
(وإن وجب لقن قود أو) وجب له (تعزير قذف) ونحوه (فطلبه) أي القود أو التعزير [وإسقاطه] 3237 (له) أي القن لاختصاصه 3238 به دون سيده، لأنه لا يستحقه ما دام القن حيا، وليس له إسقاط المال، (وإن مات) القن (فلسيده) طلبه وإسقاطه كالوارث؛ لأنه أحق به ممن ليس له فيه ملك.
الجزء: 4 - الصفحة: 736
فصل في الجراح فيما دون النفس
(والقود فيما دون النفس) من الأطراف والجراح (كالقود فيها)؛ لأن 3239 من أقيد به في النفس إنما أقيد به لحصول المساواة المعتبرة للقود فوجب أن يقاد به فيما دونها، فلو قطع مسلم يد مسلم قطعت يده لأنه يقاد به في النفس.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 3240، ولحديث أنس بن النضر وفيه: "كتاب اللَّه القصاص" رواه البخاري وغيره 3241، ولأن حرمة النفس أقوى من حرمة الطرف [فهو] 3242 أولى لكن بالشروط المتقدمة.
ومن لا يؤخذ بغيره في نفس فلا يؤخذ به فيما دونها كالأبوين مع ولدهما والحر مع العبد والمسلم مع الكافر، فلا يقتص له في طرف ولا في جراح لعدم المكافأة، وكذا قاطع حربي أو مرتد أو زان محصن، فلا قطع عليه ولو أنه
الجزء: 4 - الصفحة: 737
مثله، ويقطع حر مسلم أو ذمي أو عبد بمثله وذكر بأنثى وخنثى وعكسه، ويقطع ناقص بكامل كالعبد بالحر والكافر بالمسلم.
(وهو) أي القصاص فيما دون النفس (نوعان: أحدهما في الطرف، فيؤخذ كل من عين وأنف وأذن وسن ونحوها) كيد ورجل وذكر وإصبع وكف ومرفق ويمين ويسار وعليا وسفلى من شفة وسن وجفن (بمثله) متعلق بيؤخذ، وإنما يجب ذلك (بـ) شروط أربعة: -
أحدها: العمد المحض، فلا قصاص في الخطأ إجماعا؛ لأنه لا يوجب القصاص في النفس، وهي الأصل فما دونها أولى، ولا في شبه العمد، والآية مخصوصة بالخطأ، فكذا شبه العمد قياسا على النفس.
الـ (شرط) الثاني: (مماثلة) أي مساواة في الاسم، كالعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن للآية، ولأن القصاص 3243 يقتضي المساواة، والاختلاف في الاسم دليل الاختلاف في المعنى، والمساواة في الموضع، فلا تؤخذ يمين بيسار ولا عكسه، ولا جراحة في الوجه بجراحة في الرأس ونحوه اعتبارا بالمماثلة.
(و) الشرط الثالث: (أمن من حيف) بأن يكون القطع من مفصل، كالكوع والمرفق والكعب، أو ينتهى إلى حد كمارن الأنف وهو ما لان منه، فلا قصاص يف جائفة ولا في كسر 3244 عظم غير سن ونحوه، ولا إن قطع قصبة أنف أو قطع
الجزء: 4 - الصفحة: 738
بعض ساعد أو ساق أو عضد أو ورك لأنه لا يمكن الاستيفاء منها بلا حيف، بل ربما أخذ أكثر من الفائت أو يسري إلى عضو آخر أو إلى النفس فيمنع منه.
وإن قطع يده من الكوع فتآكلت إلى نصف الذراع فلا قود اعتبارا باستقراره.
ومن أوضح إنسانا أو شجه دون موضحة أو لطمه فذهب ضوء عينيه أو ذهب شمه أو سمعه فعل به كما فعل، فإن ذهب بذلك ما أذهبه الجاني فقد استوفى الحق، وإلا فعل ما يذهبه من غير جناية على حدقة أو أنف أو أذن، فإن لم يمكن إلا بذلك سقط القود إلى الدية.
ومن قطعت يده من مرفق فأراد القطع من كوع يد جان منع لإمكان الاستيفاء من محل الجناية، فلا يقتص من غيره لاعتبار المساواة في المحل حيث لا مانع.
(و) الشرط الرابع: (استواء في صحة وكمال)، فلا تؤخذ يد أو رجل كاملة أصابع أو كاملة أظفار بناقصتها، رضي الجاني بذلك أو لا، لزيادة المأخوذة على المفوتة، فلا يكون مقاصة، بل تؤخذ سليمة الأظفار بنظيرتها مع كونها ذات أظفار معيبة كما يؤخذ الصحيح بالمريض، ولا تؤخذ عين صحيحة بقائمة وهي التي بياضها وسوادها صافيان غير أن صاحبها لا يبصر بها، قاله الأزهري 3245 لنقص منفعتها، فلا لوخذ [بها] 3246 كاملة المنفعة، ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس، ولا يؤخذ عضو صحيح بأشل من يد ورجل وأصبع وذكر، أو كان العضو ببعضه شلل كأنملة يد، ولا يؤخذ ذكر فحل بذكر خصي
الجزء: 4 - الصفحة: 739
وذكر عنين؛ لأنه لا منفعة فيهما؛ لأن ذكر العنين لا يوجد 3247 منه وطء ولا إنزال، والخصي لا يولد له ولا يكاد يقدر على الوطء، فهما كذكر الأشل.
ويؤخذ مارن الأنف الأشم الصحيح بمارن الأخشم الذي لا يجد رائحة شيء؛ لأنه لعلة في الدماغ؛ والأنف صحيح، وتؤخذ أذن صحيح سميع بأذن أصم شلاء؛ لأن القصد الجمال.
ويؤخذ معيب من ذلك كله بمثله إن أمن تلف من قطع بأن قال أهل الخبرة: أنه إذا قطع لم تفسد العروق ولم يدخل الهواء إلى البدن فيفسده، وإلا سقط القصاص؛ لأنه لا يجوز أخذ نفس بطرف، وأما مع الأمن فله القصاص؛ لأن الشم والسمع ليسا بنفس العضو؛ لأن مقطوع الأنف والأذن يشم ويسمع وإنما هي زينة وجمال لئلا يبقى موضع الأذن نقبا مفتوحا، فيقبح منظره ولا يبقى له ما يرد الاء والهوام عن الصماخ 3248، ولئلا يبقى موضع الأنف مفتوحا فيدخل الهواء إلى الدماغ فيفسد به، فجعل له غطاء لذلك.
ويصدق ولي الجناية إن اختلف مع جان في شلل العضو بأن قال جان: قطعته أشل، وقال مجني عليه: صحيحا فقول مجني عليه بيمينه في صحة ما جنى عليه لأنه الظاهر.
ومن أذهب بعض لسان أو بعض مارن أو شفة أو حشفة أو أذن أو سن
الجزء: 4 - الصفحة: 740
أقيد منه مع أمن قلع سنه بقدر الذي أذهبه بنسبه الأجزاء من ذلك العضو، كنصف وثلث وربع ونحو ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 3249، ولأن جميع ذلك يؤخذ بجميعه فأخذ بعضه ببعضه، ولا يدخل بالمساحة لأنه قد يفضي إلى أخذ لسان الجاني جميعه ببعض لسان المجني عليه.
ولا قود ولا دية لما رجي عوده، فما ذهب بجناية في مدة تقولها أهل الخبرة من عين كسن أو منفعة كعدو ونحوه كمنفعة الوطء لأنه معرض للعود فلا يجب به شيء، وتسقط الطالبة به فوجب تأخيره، فإن عاد فلا شيء للمجني عليه، كما لو قطع شعرا فعاد، وإن لم يعد في المدة وجب ضمانه كغيره مما لا يرجى عوده، فلو مات مجني عليه فيها تعينت دية الذاهب بالجناية لليأس من عوده بالموت، كما لو انقضت المدة ولم يعد.
ومتى عاد ما ذهب بحاله فلا أرش على جان، وإن عاد ناقصا في قدر بأن عاد بفعله السن قصيرا، أو عاد ناقص في صفة بأن عاد السن أخضر ونحوه فعلى جان حكومة 3250، لحدوث النقص به بفعله فضمنه.
ثم إن كان المجني عليه أخذ دية ما أذهبه قبل أن يعود ثم عاد ردها إلى من أخذها منه، أو كان المجني عليه اقتص من جان نظير ما أذهبه منه ثم عاد فلجان الدية لتبين أنه استوفى ذلك بلا حق، ولا قصاص للشبهة، ويرد الدية إن عاد لما تقدم في
الجزء: 4 - الصفحة: 741
المجني عليه.
ومن قلع سنه أو ظفره أو قطع طرفه كمارن وأذن ونحوهما مما يمكن عوده فرده فالتحم فله أرش نقصه حكومة؛ لأنها أرش كل نقص يحناية لا مقدر فيها، وإن قلعه قالع بعد ذلك فعليه ديته ولا قصاص فيه؛ لأنه لا يقاد به الصحيح بأصل الخلقة لنقصه بالقلع الأول، ومن جعل مكان سن قلعت بجناية عظما أو سنا أخرى ولو من آدمي فثبتت لم تسقط دية السن المقلوعة كما لو [لم] 3251 يجعل مكانها شيء، وعلى مبين ما ثبت من ذلك حكومة؛ لأنه ينقص بإبانتها ولا يجب به ديتها لأنها ليست من أصل الخلقة.
النوع (الثاني): مما يوجب القصاص (في الجروح) أي فيما دون النفس (بشرط) زائد على ما سبق، وهو (انتهاؤها إلى عظم كموضحة) في رأس أو وجه (وجرح عضد وساعد 3252 ونحوهما) كفخذ وساق وقدم، لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، ولإمكان الاستيفاء بلا حيف ولا زيادة لانتهائه إلى عظم، فأشبه الوضحة المتفق على 3253 جواز القصاص فيها، ولا قصاص في غير ذلك من الشجاج والجروح، كما دون الموضحة أو أعظم منها.
ولمجروح جرحا أعظم من الموضحة كهاشمة ومنقلة ومأمومة أن يقتص 3254
الجزء: 4 - الصفحة: 742
موضحة؛ لأنه يقتص بعض حقه ومن محل جنايته، فإنه إنما يضع السكين في موضع وضع الجاني لوصول سكين الجاني إلى العظم بخلاف قاطع الساعد فإنه لم يضع سكينه في الكوع، ويأخذ إذا اقتص موضحة ما بين ديتها ودية تلك الشجة التي هي أعظم منها لتعذر القصاص فيه، فينتقل إلى البدل كما لو قطع إصبعيه ولم يمكن القصاص إلا في أحدهما، فيأخذ إذا اقتص في الهاشمة من الجاني موضحة خمسا من الإبل، ويأخذ في منقلة إذا اقتص منه موضحة عشرا من الإبل.
ومن خالف ممن جني عليه واقتص مع خوف تلف جان من منكب، أو من نحو يد شلاء، أو من قطع نصف ساعده ونحوه، كمن قطع نصف ساقه، أو اقتص من مأمومة، أو جائفة مثل ذلك، بأن لم يزد على ما فعل به ولم يسر جرحه وقع الموقع ولم يلزمه شيء؛ لأنه لم يأخذ زيادة على حقه.
ويعتبر قدر جرح بمساحة دون كثافة لحم لأن حده العظم، والناس يختلفون في قلة اللحم وكثرته، فلو روعيت الكثافة لتعذر الاستيفاء، وصفة الاعتبار المذكور أن يعمد إلى موضع الشجة من رأس المشجوج، فيعلم طولها وعرضها بخشبة أو خيط، فيضعها على رأس الشاج، ويعلم طرفيه بسواد أو غيره، ويأخذ حديدة عرضها كعرض الشجة، فيضعها في أول الشجة يجرها 3255 إلى آخرها، فيأخذ مثل الشجة طولا وعرضا، فمن أوضح بعض رأس والبعض الذي أوضحه كرأس الشاج أو أكبر أوضحه في رأسه كله، ولا أرش لزائد لئلا يجتمع في جرح واحد قصاص ودية، ومن أوضح رأسه كله ورأسه أكبر من رأس المشجوج أوضحه قدر شجته من
الجزء: 4 - الصفحة: 743
[أي] 3256 جانب شاء من رأس الشاج، ولو كانت الشجة بقدر بعض الرأس منهما لم يعدل عن جانبها إلى غيره لئلا تفوت المماثلة في الوضع.
وإن اشترك عدد في قطع طرف عمدا، أو في جرح موجب لقود ولو موضحة ولم تتميز 3257 أفعالهم، كإن وضعوا حديدة على يد وتحاملوا [عليها] 3258 جميعا حتى بانت فعلى كل منهم القود، لما روي عن علي: أنه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة فقطع يده، ثم جاء آخر فقالا: هذا هو السارق، وأخطأنا في الأول، فرد شهادتهما على الثاني، وغرمهما دية الأول، وقال: "لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما"، 3259، ولأنه أحد نوعي القصاص فأخذ فيه الجماعة بالواحد 3260 كالنفس، ومع تفرق أفعالهم أو قطع كل واحد منهم من جانب لا قود على أحد منهم؛ لأن كلا لم يقطع اليد ولم يشارك في قطع جميعها.
(وتضمن سراية جناية) ولو بعد [أن] 3261 اندمل جرح واقتص من جان ثم انتقض الجرح فسرى لحصول التلف بفعل الجاني، أشبه ما لو باشره؛ فتضمن بقود ودية في نفس ودونهما، فلو هشمه في رأسه فسرى إلى ذهاب عينه ثم مات اقتص
الجزء: 4 - الصفحة: 744
منه في النفس وأخذ منه دية بصره، ولو قطع إصبع فتآكلت اليد أو سقطت من مفصل فالقود فيما سقط، وفيما يشل الأرش لعدم إمكان القصاص في الشلل، وإن سرت إلى النفس فالقود والدية كاملة.
و(لا) تضمن سراية (قود) لقول عمر وعلي: "من مات من حد أو قصاص لا دية له، الحق قتله" رواه سعيد بمعناه 3262، ولأنه قطع بحق، فكما أنه غير مضمون فكذا سرايته كقطع السارق، لكن لو قطعه بلا إذنه، أو إذن الإمام، أو نائبه مع حر، أو برد، أو حال لا يؤمن فيها الخوف من السراية، أو قطعه بآلة كالة، أو مسمومة فمات لزم المقتص الدية منقوصا منها دية العضو الذي وجب له فيه القصاص، فإن وجب في يد فعليه نصف الدية، أو في جفن فعليه ثلاثة أرباعها وهكذا.
(ولا يقتص عن 3263 طرف و) لا من (جرح ولا [يطلب] 3264 لهما دية قبل البرء) لحديث جابر: "أن رجلا جرح رجلا، وأراد أن يستقيد، فنهى
الجزء: 4 - الصفحة: 745
النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح" رواه الدارقطني 3265، فإن اقتص مجروح قبل برء جرحه فسرايتهما بعد هدر، أما الجاني فلما تقدم، وأما المجني عليه فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رجلا طعن بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: أقدني، فقال: حتى تبرأ، ثم جاء إليه فقال: أقدني، فأقاده، ثم جاء إليه فقال: يا رسول اللَّه! عرجت، فقال: قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك اللَّه وبطل عرجك، ثم نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه" رواه أحمد 3266، ولأنه باقتصاصه قبل الاندمال
الجزء: 4 - الصفحة: 746
رضي بترك ما يزيد عليه بالسراية فبطل حقه منه.
= الجنايات، السنن الكبرى 8/ 68، قال الألباني: "رجاله ثقات، غير أن ابن اسحاق وابن جريج مدلسان، ولم يصرحا بالتحديث.
. لكن للحديث شواهد يتقوى بها".
الإرواء 7/ 298.
الجزء: 4 - الصفحة: 747
(فصل) في الديات
جمع [دية] 3267 وهي مصدر وديت القتيل، أي أديت ديته 3268. وشرعا: المال المؤدى إلى مجني عليه أو وليه بسبب جناية 3269. وأجمعوا على وجوب الدية في الجملة 3270 لقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ 3271 وحديث مالك في الموطأ والنسائي أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كتب إلى عمرو بن حزم 3272 كتابا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات وقال فيه:
الجزء: 4 - الصفحة: 748
"وفي النفس مائة من الإبل" 3273 قال ابن عبد البر: "وهو كتاب مشهور عند أهل السير، وهو معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها عن الإسناد".
3274 فمن أتلف إنسانا مسلما، أو ذميا، أو معاهدا، بمباشرة أو سبب، أو أتلف جزءا منه فالدية، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 3275.
(ودية العمد على الجاني) في ماله؛ لأن العاقلة لا تحمل العمد، (وغيرها) أي
الجزء: 4 - الصفحة: 749
غير دية العمد وهو دية الخطأ وشبه العمد (على عاقلته)، لحديث أبي هريرة: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بدية المرأة على عاقلتها" متغق عليه 3276، ولا خلاف فيه في الخطأ، حكى ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم.
3277
ولا تطلب دية طرف ولا جرح قبل برئه كما لا يقتص منه قبل برئه.
فمن ألقى على آدمي حية، أو ألقاه عليها فقتلته، أو طلبه بسيف ونحوه مجردا فتلف في هربه ولو كان غير ضرير فعليه الدية، سواء سقط من شاهق، أو انخسف به سقف، أو خر في بئر، أو غرق في ماء، أو لقيه سبع فافترسه، أو احترق بنار صغيرا كان المطلوب أو كبيرا، وعاقلا أو مجنونا، لتلفه بسبب عدوانه، أو روعه بأن شهر السيف ونحوه في وجهه فمات خوفا، أو دلاه من شاهق فمات، أو ذهب عقله خوفا، أو حفر بئرا محرما حفره، كفي طريق ضيق، أو وضع حجرا، أو قشر بطيخ، أو صب ماء بفنائه، أو بطريق، أو بال بها، أو بالت بها دابته ويده عليها كراكب وقائد وسائق، وتلف به آدمي [ففيه] 3278 الدية، وكذا يضمن ما تلف به من ماشية أو تكسر من أعضاء ونحوه، فإن لم تكن يده عليها إذ ذاك فلا ضمان، أو رمى من منزله حجرا أو غيره أو حمل بيده رمحا جعله بين يديه أو خلفه -لا إن جعله قائما في الهواء وهو يمشي لأنه لا عدوان منه إذن- أو وقع على
الجزء: 4 - الصفحة: 750
نائم بفناء جدارفأتلف إنسانًا، أو تلف به فمات مع قصد تعدٍّ، كإلقاء الحية عليه وإلقائه عليها والترويع والتَّدْلِيَةُ من شَاهِقٍ شبه عَمْدٍ وما بدون قصد خطأ، وفي كلٍّ منهما الدية على العاقلة والكفارة في مال جان.
ومن سَلَّمَ على غيره فمات، أو أمسك يده فمات، أو أجلسه أو أقامه فمات، أو تلف واقع على نائم بلا سبب من أحد فَهَدَرٌ لعدم الجناية.
وإن حفر بئرًا ووضع آخر حجرًا ونحوه ككيس دراهم فَعَثَر به إنسانٌ 3279 فوقع في البئر فمات ضمن واضع الحجر ونحوه دون الحافر؛ لأن الحجر أو نحوه كدافع إذا [تعديا] 3280؛ لأن الحَافِرَ لم يقصد بذلك القتل لعين عادةً، وإلَّا يتعديا جميعًا فالضمان على متعدٍّ منهما، فإن تعدَّى الحافر وحده بأن كان وضع الحجر لمصلحة، كوضعه في محل وحل لتمر عليه الناس فعلى الحافر الضمان، وعكسه بعكسه.
ومن حفر بئرًا قصيرةً فعمقها آخر تعديا فضمان تالف بسقوطه فيها بينهما لحصول السبب منهما، وإن وضع ثالث فيها سكينًا أو نحوها فوقع فيها شخص على السكين فمات فعلى عَوَاقِلِ الثلاثة الدية نصًّا 3281؛ لأنهم تسببوا في قتله.
وإن حفرها بملكه وسترها ليقع فيها أحدٌ، فمن دخلها بإذنه وتلف بها فعلى
الجزء: 4 - الصفحة: 751
حافرها القود لتعمده قتله عدوانًا، كما لو قدم له طعاما مسمومًا فأكله، وإن دخل بغير إذنه فلا ضمان، كما لو سقط ببئرٍ مكشوفةٍ بحيث يراها الداخل البصير؛ لأنه هو الذي أهلك نفسه، أشبه ما لو قدم إليه سكينًا فقتل نفسه بها، فإن كان أعمى أو في ظلمة بحيث لا يبصرها ضمنه، ويقبل قول حافر البئر بملكه في عدم إذنه لداخل في الدخول لأنه الأصل، ولا يقبل قوله في كشفها إذا ادعى وَليُّهُ أنها كانت مغطاة؛ لأن الظاهر مع ولي الداخل إذ المتبادر أنها لو كانت مكشوفةً بحيث يراها لم يسقط بها، وإن تلف أجير مكلف بحفرها بها فَهَدَرٌ لأنه لا فعل للمستأجر في قتله بمباشرة ولا سبب، أو دعى من يحفر له بداره حفيرة أو من يحفر له بمعدن ليستخرجه له فمات بهدم ذلك عليه بلا فعل أحد فَهَدَرٌ نَصًّا 3282 لما تقدم.
الجزء: 4 - الصفحة: 752
(ومَنْ قَيَّدَ حُرًّا مُكلَّفًا أو غَلَّهُ) 3283 فتلف بحية أو صاعقة فالدية لهلاكه في حال تعديه، (أَوْ غَصَبَ) حُرًّا (صَغِيْرًا) أو مجنونًا (فَتَلِفَ بِحَيَّةٍ أو صَاعِقَةٍ) وهي نار تنزل من السماء فيها رعد شديد قاله الجوهري 3284، (فالدِّيةُ) لهلاكه في حال تعديه 3285 بحبسه وإن لم يقيده ولم يغله لضعفه عن الهرب من الصاعقة والبطش بالحية أو دفعها عنه.
و(لا) يضمن الحر المكلف من قيده أو غَلَّه أو الصغير إدن حبسه (إِنْ مَاتَ بَمَرضٍ أَوْ) ممات (فَجْأَة) نصًّا 3286؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد 3287، ولا جناية إذن، وأما القِنُّ فيضمنه غاصبه تَلِفَ أو أتْلَفَ وتقدم.
وإن تجاذب حران مكلفان حبلًا أو نحوه فانقطع فسقطا فماتا فعلى عاقلة كل منهما دية الآخر لتسبب كل منهما في قتل [الآخر] 3288.
وإن اصطدما ولو كانا ضريرين، أو كان أحدهما ضريرًا فماتا كمتجاذبين على
الجزء: 4 - الصفحة: 753
عاقلة كل منهما [دية] 3289 الآخر، روي عن علي 3290، وإن اصطدمت امرأتان حاملان فكالرجلين، فإن أسقطت كل منهما جنينها فعلى كل واحدةٍ منهما نصف ضمان جنينها، ونصف ضمان جنين صاحبتها لاشتراكهما في قتله، وعلى كل منهما عتق ثلاث رقاب واحدة لقتل صاحبتها، واثنتان لمشاركتهما في الجنين، وإن أسقطت إحداهما دون الأخرى اشتركتا في ضمانه، وعلى كل منهما عتق رقبتين.
وإن اصطدم الحران المكلفان عمدًا -وذلك يقتل غالبًا- فهو عمدٌ يلزم كلًا منهما دية الآخر في ذمته فيتقاصان إن كانا متكافئين، وإلا يكن يقتل غالبا فشبه عمد فيه الكفارة في مالهما والدية على عاقلتهما، وإن كانا راكبين أو أحدهما فما تلف من دابتيهما فقيمته على الآخر، أو نَقَصَ فعلى كل منهما نقص دابة الآخر، وإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر فأدركه فصدمه فماتت الدابتان أو إحداهما فالضمان على اللَّاحِق؛ لأنه الصادم، وإن غلبت الدابة راكبها لم يضمن.
وإن كان أحدهما واقفًا أو قاعدًا فضمان مالهما على سائر نصًّا 3291؛ لأنه الصادم المتلف، وديتهما على عاقلته لحصول التلف بصدمه، وإن انحرف الواقف فصادفت الصدمة انحرافه فهما كالسائرين.
الجزء: 4 - الصفحة: 754
وإن اصطدم قِنَّانِ ماشيان فهما هَدَرٌ لوجوب قيمة كل منهما في رقبة الآخر، وقد تلف المحل الذي تعلقت به فذهبا هدرًا، وإن مات أحدهما فقيمته في رقبة الآخر كسائر جناياته.
وإن كانا حرًّا وقِنًّا فماتا فقيمة قن في تركة حر، وتجب دية الحر كاملة في تلك القيمة إن اتسعت لها.
ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحدٍ منهما فاصطدما فماتا فديتهما وما تلف لهما من ماله لتعديه بذلك، فإن أركبهما ولي لمصلحة كتمرين على ركوب ما يصلح لركوبهما وكانا يثبتان بأنفسهما، أو ركبا من عند أنفسهما فهما كبالغين مخطئين، على عاقلة كل منهما دية الاخر، وعلى كل منهما ما تلف من مال الآخر.
وإن اصطدم كبير وصغير فمات الصغير فقط ضمنه الكبير، وإن مات الكبير فقص ضمنه مركب الصغير إن تعدى بإركابه، وإن أركبه وليه لمصلحةٍ، أو ركب من عند نفسه فكبالغ مخطئ على ما سبق.
ومن أرسل صغيرًا لحاجة ولا ولاية له عليه فأتلف نفسًا أو مالًا فجنايته خطأ من مرسله فيضمنها، وإن جُني عليه ضمنه مرسله نقله في "الفروع" 3292 عن "الإرشاد" 3293 وغيره 3294، قال ابن حمدان: "إن تعذر تضمين الجاني".
3295 على
الجزء: 4 - الصفحة: 755
الصغير، فإن لم يتعذر تضمينه فعليه الضمان؛ لأنه مباشر، والمرسل المتسبب، وإن كان المرسل قنا وأرسله بلا إذن سيده فكغصبه فيضمن جناياته، والجناية عليه على ما تقدم تفصيله في الغصب.
ومن ألقى حجرًا أو عِدْلًا مملؤا بسفينة فغرقت ضمن جميع ما فيها لحصول التلف بسبب فعله كما لو خرقها.
ومن وقع في بئرٍ أو حُفْرَةٍ ثم وقع ثانٍ ثم ثالث ثم رابع بعضهم على بعض فماتوا كلهم أو مات بعضهم بلا تَدَافُعٍ ولا تَجَاذُبٍ فدم الرابع هَدَرٌ لموته بسقوطه، ولم يسقط عليه أحد، ودية 3296 الثالث على عاقلة الرابع لموته بسقوطه عليه، ودية الثاني على عاقلة الثالث والرابع لموته بسقوطهما عليه، ودية الأول على عاقلة الثلاثة لموته بسقوطهم عليه.
وإن جَذَبَ الأول الثاني، وجذب الثاني الثالث، وجذب الثالث الرابع، فدية الرابع على عاقلة الثالث لمباشرته جذبه وحده، ودية الثالث على
الجزء: 4 - الصفحة: 756
عاقلة الثاني؛ لأنه أتلفه بجذبه له، ودية الثاني على عاقلة الأول والثالث نصفين لموته بجذب الأول وسقوط الثالث عليه، ودية الأول على عاقلة الثاني والثالث نصفين لموته بسقوطهما عليه، وإن هلك الأول بوقعة الثالث عليه فضمان نصفه على عاقلة الثاني لمشاركته بجذبه للثالث، والباقي من ديته هدر في مقابلة [فعل] 3297 نفسه لمشاركته في قتلها، ولو لم يسقط بعضهم على بعض بل ماتوا بسقوطهم لعُمْقِ البئر أو ماء يُغْرِقُ الْوَاقِعَ فَيَقْتُلُهُ لا بسقوط أحد منهم على غيره، وكذا لو جهل الحال ولم يتجاذبوا، أو قتلهم أسد فيما وقعوا فيه فدماؤهم جميعا مُهَدَّرَةٌ؛ لأنه ليس لواحد منهم فعل في تلف الآخر.
ومن نام على سَقْفٍ فسقط به على قوم لزمه المكث لئلا يهلك بانتقاله أحدا ويضمن ما تلف من نفسٍ ومَالٍ بدوام مكثه أو بانتقاله لتلفه بسببه، ولا يضمن ما تلف بسقوطه لأنه ليس من فعله بخلاف مكثه وانتقاله.
ومن اضْطُرَّ إلى طعام غَير مُضْطَرِّ أو شرابه فطلبه فمنعه حتى مات ضمنه ربُّ 3298 الطعام أو الشراب نصًّا 3299، لقضاء عمر به 3300، ولأنه إذا اضطر إليه صار أحق به ممن هو في يده، فإن لم يطلبه المضطر منه لم يضمنه؛ لأنه لم يمنعه ولم
الجزء: 4 - الصفحة: 757
يوجد منه فعل يكون سببا لهلاكه، وكذا إن منعه ربُّ الطعام والشراب وهو مضطر أو خائف ذلك لأنه لا يلزمه بذله إذن.
أو أخذ طعام غيره أو شرابه وهو عاجز عن دفعه فتلف أو تلفت دابته بسبب الآخذ ضمن الأخذُ التالفَ لتسببه في هلاكه، أو أخذ منه ما يدفع به صائلًا عليه من سَبُعٍ ونحوه فأهلكه الصائل ضمنه الآخذ لصيرورته سببا لهلاكه.
قال في "المغني" 3301: "وظاهر كلام أحمد أن الدية في ماله لأنه تعمد هذا الفعل الذي يقتل مثله غالبا".
وقال القاضي: "تكون على عاقلته لأنه لا يوجب القصاص فهو شبه العمد".
3302
ولا يضمن من أمكنه إنجاءُ نفسٍ من هلكةٍ فلم يفعل؛ لأنه لم يهلكه ولم يفعل شيئا يكون سببا في هلاكه، كما لو [لم] 3303 يعلم به.
ومن أفزع أو ضَرَبَ شخصًا ولو صغيرًا فأحدث بغائط أو بول أو ريح ولم يُدْم فعليه ثلث ديته، لما روي: "أن عثمان قضى به فيمن ضرب إنسانًا حتى أحدث" 3304 قال أحمد: "لا أعرف شيئًا يدفعه".
3305 والقياس لا ضمان وهو قول
الجزء: 4 - الصفحة: 758
الأكثر، وروي أيضًا عن أحمد لكن المذهب الأول؛ لأن قول الصَّحابي بما يخالف القياس توقيف نصًّا 3306، خصوصًا وهذا القضاء في مَظِنَّةِ الشُّهرَةِ ولم ينقل خلافه فهو إجماع.
ويضمن أيضًا من أفزع إنسانًا أو ضَرَبَه جنَايَتَه على نَفْسِهِ أو غيرِه بسبب إفْزَاعِهِ أو ضربه وتحمله العاقلة بشرطه.
(و [إِن] 3307 أدَّبَ) زوجٌ (امرأَتَه بنُشُوزٍ)، أو أدب ولده، (أَوْ) أدب (مُعَلِّمٌ صَبِيَّهُ، أَوْ) أدب (سُلطَانٌ رَعِيَّتَهُ بلا إِسْرَاف) أي زيادة على الضرب المعتاد فيه لا في عدد ولا شدة فتلف المؤدَب بذلك (فَلا ضَمَانَ) على المؤدِب (بِتَلفٍ مِنْ ذَلك) نصًّا 3308، لفعله ما له فعله شرعا بلا تعدٍّ، أشبه سراية القود والحد.
وإن أسرف أو زاد على ما يجصل [به] 3309 المقصود، أو ضرب من لا عقل له من صبي لم يُمَيِّز، أو مجنونٍ أو معتوهٍ فتلف ضمن؛ لأن الشرع لم يأذن في تأديب من لا عقل له لأنه لا فائدة في تاديبه.
(ومَنْ أَمَرَ مُكلَّفًا) سواء كان الآمِرُ مُكلَّفًا أو غير مكلف (أَنْ يَنْزِلَ بِئْرًا) أي في بئر (أَوْ) أن (يَصْعَدَ شَجَرَةً) أي على شجرة (فَهَلَكَ بِهِ) أي بنزول في البئر أو بصعود
الجزء: 4 - الصفحة: 759
على الشجرة (لَمْ يَضْمَن) الآمر؛ لأنه لم يجن عليه ولم يتعد، أشبه ما لو أذن له ولم يأمره كاستئجاره لذلك أقبضه أجرة أولا.
(ولو مَاتَتْ حَاملٌ 3310 أَوْ) مات (حَمْلُهَا مِنْ رِيْحِ طَعَامٍ ونحوه) ككبريت وعظم (ضَمِنَ رَبُّهُ) أي الطعام ونحوه ديتها مع حملها (إِنْ عَلِمَ ذَلك) أي أنها تموت أو يموت حملها من ريح ذلك (عَادةً) أي بحسب المعتاد وأنَّ الحاملَ هُناك لتسببه فيه، وإلا فلا إثم ولا ضمان.
وإن سَلَّمَ بالغ عاقل نفسه أو سلم ولده إلى سَابحٍ حَاذِقٍ ليعلمه السباحة فغرق لم يضمنه حيث لم يفرط لفعله ما أذن فيه.
ومن وضع على سطحه جَرَّةً أو نحوها ولو متطرفة فسقطت بريح أو طير أو هرة على آدمي أو غيره فتلف لم يضمنه واضع لسقوطه بغير فعله وزمن وضعه كان في ملكه.
الجزء: 4 - الصفحة: 760
(فَصْلٌ) في مَقَادِيْرِ دِيَاتِ النَّفْسِ
(ودِيَةُ الحُرِّ المُسْلِمِ مَائةُ بَعِيْرٍ، أَوْ ألفُ مِثقالٍ ذَهبًا، أو اثنَا عَشَرَ ألفَ دِرهَمٍ) إسلامي (فِضَّة، أَوْ مائتَا 3311 بَقَرةٍ، أَوْ ألفًا شاةٍ)، قال القاضي: "لا يختلفُ المذهبُ أنَّ أصول الدِّيَة الإبلُ والذَّهبُ والوَرقُ والبَقَرُ والغَنَمُ".
3312 لما روى عطاء 3313 عن جابر قال: "فرض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الدية على أهل الإبل مائةً، وعلى [أهل] 3314 البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة" رواه أبو داود 3315،
الجزء: 4 - الصفحة: 761
وعن عكرمة 3316 عن ابن عباس: "أن رجلا قُتل فجعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ديته اثني عشر ألف درهم" 3317، وفي كتاب عمرو بن حزم: "وعلى أهل الذهب ألف دينار" 3318 وهذه الخمسة المذكورة أصول الدية لما سبق، لأن غيرها من الحلل لا تنضبط (فيُخَيَّرُ مَن عَليهِ دِيةٌ بينها) أي أحد هذه الخمسة، ويلزم ولي الجناية قبوله، سواء كان من أهل
الجزء: 4 - الصفحة: 762
ذلك النوع أو لا؛ لإجزاء كل منهما، فالخِيَرَةُ إلى من وجبت عليه كخصال الكفارة.
(ويَجِبُ في عَمْدٍ وشِبههِ من إبلٍ رُبْعٌ) أي خمس وعشرون (بِنْتُ مَخَاضٍ، وربعٌ بنتُ لَبُوْنٍ، وربعٌ حِقّةٌ ورُبعٌ جَذَعَةٌ) رواه سعيد عن ابن مسعود 3319 ورواه الزهري عن السائب بن يزيد 3320 مرفوعًا 3321، ولأن الدية حق يتعلق بجنس الحيوان فلا يعتبر فيه الحمل كالزكاة والأضحية.
الجزء: 4 - الصفحة: 763
وتغلظ دية عمد وشبهه في طرف كما تغلظ في نفس لاتفاقهما في السبب الموجب، ولا تغلظ دية في غير إبل لعدم وروده.
(و) تجب الدية (في خَطإٍ أَخْمَاسًا ثَمَانُونَ مِنَ المَذْكُورَةِ) من كلٍّ عشرون (وعِشْرُونَ ابنُ مَخَاضٍ) قال في "الشرح" 3322: "لا يختلف فيه المذهب".
وهو قول ابن مسعود 3323.
(و) تؤخذ دية (مِنْ بَقَرٍ) أنصافًا، (نِصْفٌ مُسِنَّات، ونِصْفٌ أَتْبِعَةٌ، و) تؤخذ دية (مِنْ غَنَمٍ) أنصافًا أيضًا، (نِصْفٌ ثَنَايَا، ونِصْفٌ أَجْذعةٌ)؛ لأن دية الإبل من الأسنان المقدرة في الزكاة فكذا البقر والغنم.
(وتُعْتَبَرُ السَّلَامَةُ) من عيب في الأنواع؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة، و (لا) تعتبر (القِيْمَةُ)، فلا يعتبر أن تبلغ قيمة الإبل والبقر والغنم دية نقد لعموم حديث: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" 3324 وهو مطلق فلا يجوز تقييده إلا بدليل، ولأنها كانت تؤخذ على عهده -صلى اللَّه عليه وسلم- وقيمتها ثمانية آلاف، وقول عمر: "أن الإبل قد غلت فقَوِّموها على أهل الورق باثني عشر
الجزء: 4 - الصفحة: 764
ألف"، 3325 دليل على أنها في حال رخصها أقل قيمة من ذلك.
(ودِيَةُ أُنْثَى) حُرَّة (نِصْفُ دِيَةِ) الـ (رجُل مِنْ أَهْلِ دِيَتِها) 3326 حكاه ابن المنذر وابن عبد البر إجماعًا 3327، وفي كتاب عمرو بن حزم: "دية المرأة على النصف من دية الرجل"، 3328، وهو مخصّص للخبر السابق، (وجِرَاحُهَا) أي الأنثى وقطعها (تُسَاوي جِرَاحَهُ) أي الرجل وقطعه (فِيمَا دُونَ ثُلُثِ دِيَتِهِ) لحديث عمرو بن شعصب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها" رواه النسائي 3329، وقال ربيعة 3330: "قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع
الجزء: 4 - الصفحة: 765
المرأة؟ قال: عشر، قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع أصابع؟ قال: عشرون، قلت: لما عظمت مصيبتها قل عقلها، قال: هكذا السنة يا بن أخي" رواه سعيد في سننه 3331، ولأنهما يستويان في الجنين فكذا باقي ما دون الثلث، وأما ما يوجب الثلث فما فوق فهي فيه على النصف من الذكر لقوله في الحديث: "حتى يبلغ الثلث" وحتى للغاية، فيجب أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها.
ودية خُنثى مُشكل نصف دية كل [من] 3332 الذكر والأنثى، أي ثلاثة أرباع دية ذكر لاحتماله الذكورة والأنوثة احتمالًا واحدًا، وقد أيس من انكشاف حاله فوجب التوسط بينهما، والعمل بكل من الاحتمالين، وكذا جراحه إذا بلغ ثلث الدية فأكثر.
(ودِيَةُ كِتَابِيٍّ) أي يهودي أو نصراني ومن تدين بالتوراة والإنجيل (حُرٍّ) ذمي أو
الجزء: 4 - الصفحة: 766
معاهد أو مستامن (نِصْفُ دِيَةِ مُسْلِمٍ) حرٍّ، لحديث عمِرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "دية المعاهد نصفُ دية المسلم" 3333 وفي لفظ: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين" رواه أحمد 3334، قال الخطّابي 3335: "ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا، ولا بأس بإسناده".
3336، وكذا جراحه نصف جراح المسلمين.
(و) دية (مَجُوْسِيٍّ) حر ذمي أو معاهد أو مستأمن (و) دية حر (وثَنِيٍّ) أي عابد وثن، ودية غيرهما من المشركين مستأمن أو معاهد بدارنا أو غيرها (ثمَانمائةِ دِرهمٍ) وهو قول عمر، وعثمان، وابن مسعود في
الجزء: 4 - الصفحة: 767
المجوسي 3337، وألحق به باقي المشركين لأنهم دونه، وأما قوله عليه السلام: "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب" 3338 فالمراد في حقن دمائهم وأخذ الجزية منهم، ولذلك لا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم، وجراحه وأطرافه بالنسبة إلى ديته نصًّا 3339، كما أن جراح المسلم بالحساب من ديته، ودية أنثى ممن تقدم ذكره من الكفار كنصف دية ذكرهم، قال في "الشرح" 3340: "لا نعلم فيه خلافا".
وتغلظ دية خطأ في كل من حرم مكة وإحرام وشهر حرام ثلث دية نصًّا 3341 وهو
الجزء: 4 - الصفحة: 768
من المفردات، لما روى أبو نجيح 3342: "أن امرأة وطئت في الطواف، فقضى عثمان فيها بستة آلاف وألفين تغليظًا للحرم" 3343، وعن ابن عباس: "في رجل قتل في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام ديته اثنا عشر ألف درهم، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف" 3344، وهذا في مظنّة الشهرة ولم ينكر، ومع اجتماع حالات التغليظ كلها يجب ديتان، قال في "الشرح" 3345: "وظاهر كلام الخرقي أن الدية لا تغلظ بشيء من [ذلك] 3346 ". وهو ظاهر الآية والأخبار، وعلم منه أنه لا تغليظ في القتل عمدًا ولا في قطع طرف، وإن قتل مسلم كافرًا ذميًا أو معاهدًا عمدًا أضعفت ديته على المسلم لإزالة القود، قضى به عثمان، رواه عنه أحمد 3347، فظاهره
الجزء: 4 - الصفحة: 769
الإضعاف في جراحه، وفي "الوجيز" 3348: "يضعف".
ولم يتعرض له في "الإنصاف" 3349.
(ودِيَةُ رَقِيْقٍ) ذكرا أو أنثى أو خنثى صغيرا أو كبيرا ولو مدبرا أو أم ولد أو مكاتبا (قِيْمَتُهُ) عمدًا كسان القتل أو خطأ من حر أو غيره، وسواء ضمن باليد أو الجناية ولو كانت قيمته فوق دية حر لأنه مال متقوم فضمن بكمال قيمته كالفرس، وضمان الحر ليس بضمان مال، ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته التي يزيد بها قيمته لو كان رقيقا وإنما يضمن بما قدره الشرع، وضمان الرقيق ضمان مال يزيد بزيادة المالية وينقص بنقصانها.
(وجرحُهُ) أي الرقيق (إِنْ كَانَ مُقَدَّرًا مِنَ الْحُرِّ فَهو مقدَّرٌ منه مَنْسُوبًا إلى قِيمتِهِ)، ففي لسانه قيمته كاملة، وفي يده نصفها، وفي موضحة نصف عشر قيمته سواء نقص بجنايته أقل من ذلك أو أكثر منه، (وإِلَّا) يكن فيه مقدر من الحر كالعُصْعُصِ 3350
الجزء: 4 - الصفحة: 770
وخَرْزَةِ الصُّلْب 3351 (فـ) على جان (مَا نَقَصَهُ) بجنايته (بعد بُرْءٍ)؛ لأن الأرش جبر لما فات بالجناية وقد انجبر بذلك فلا يزاد عليه كغيره من الحيوانات، فلو جنى على رأسه أو وجهه دون موضحة ضمن بما نقص ولو أنه أكثر من أرش موضحة كسائر الأموال إذا نقصها، ودية من نصفه حر نصف دية حر ونصف قيمته وكذا جراحه.
(ودِيةُ جَنِيْنٍ) ولو أنثى (حُرٍّ) مسلم، والجنين: الولد في البطن من الإجنان وهو الستر لأنه أجنه بطن أمه أي ستره 3352، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ 3353، أو ما تصير به قِنٌّ أمَّ ولد، وهو ما تَبَيَّنَ فيه خلق إنسان ولو خفيا إن ظهر أو ظهر بعضه ميتا، ولو كان ظهوره بعد موت أمه بجنايته عمدا أو خطأ فسقط في الحال أو بقيت متالمة حتى سقط -فإن لم يسقط كأن قتل حاملا ولم يسقط جنبنها فلا شيء فيه- ولو كان إسقاطها بفعلها بشرب دواء أو كانت أمة والجنين حر لغرور أو شرط أو اعتاقه وحده -فتقدر أمه حرة- (غُرَّة) خبر: دية جنين، وتتعدد بتعدده وهي عبد أو أمة، وأصلها الخيار سمي بها العبد والأمة لأنهما من أنفس الأموال.
ووجه وجوب الغرة في الجنين حديث أبي هريرة قال: "اقتتلت امرأتان من هذيلٍ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقضى أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على
الجزء: 4 - الصفحة: 771
عاقلتها، وورثها ولدها ومن معه" متفق عليه 3354.
(مَوْرُوثَةٌ عنهُ) أي الجنين، كأنه سقط حيًا ثم مات لأنها بدله، ولأنها دية آدمي حر فوجب أن تورث عنه كسائر الديات فلا حق فيها لقاتل؛ لأنه لا يرث المقتول ولا لكامل رقّ؛ لأنه مانع للإرث.
(قِيْمَتُهَا عُشْرُ دِيةِ أُمِّهِ) صفة لغرة أي خمس من الإبل روي ذلك عن عمر وزيد 3355؛ لأنه أقل ما قدره الشرع في الجناية وهو أرش الموضحة.
ولا يقبل فيها معيب ولا من له دون سبع سنين؛ لأنه لا يحصل به المقصود من الخدمة، فإن أعوزت الغرة فقيمتها من الدية.
الجزء: 4 - الصفحة: 772
(و) في جنين (قِنٍّ) ولو أنثى (عُشرُ قِيْمَتِها) أي أمه كما لو جنى عليها موضحة.
وإن كان الجنين قِنًّا وأمُّهُ حُرةً بأن أعتقها سيدها (و) استثناه فـ (تُقَدَّرُ) أمه الـ (حرة أمةً) كعكسه ويؤخذ عُشر قيمتها يوم جناية عليها نقدًا كسائر أروش الأموال.
ولا يجب مع غرة ضمان نقص أم، وفي جنين محكوم بكفره كجنين ذمية من ذمي لاحق به غرة قيمتها عشر دية أمه قياسًا على جنين الحرة السلمة.
وإن سقط الجنين حيا لوقت يعيش لمثله وهو نصف سنة فصاعدًا ولو لم يستهل ثم مات بسبب جناية ففيه دية كاملة، كما لو كانت الجناية عليه بعد ولادته حيا.
وإن اختلف الجاني ووارث الجنين في خروجه حيا ولا بينة فقول جانٍ بيمينه؛ لأنه منكر لما زاد عن الغرة، والأصل براءته منه، وإن أقاما بينتين بذلك قدمت بينة الأم، وإن ثبتت حياته وقالت لوقت يعيش لمثله وأنكر جانٍ فقولها.
وإن ادعت امرأة على آخر أنه ضربها فألقت جنينها فأنكر الضرب فقوله بيمينه؛ لأن الأصل عدمه، وإن أقر بالضَّرب أو قامت به بينة وأنكر أن تكون أسقطت فقوله بيمينه أنه لا يعلم أنها أسقطت لا على البَتِّ؛ لأنه على فعل الغير.
وإن ثبت الإسقاط والضرب وادعى إسقاطها من غير الضرب فإن كانت أسقطت عقب الضرب فقولها بيمينها إحالة للحكم على ما يصلح أن يكون سببا له، وكذا لو أسقطت بعده بأيام وكانت متألمة إلى الإسقاط وإلا فقوله بيمينه.
الجزء: 4 - الصفحة: 773
وفي جنين دابةٍ ما نقص أمه نصًّا 3356، كقطع بعض أجزائها، قال في "القواعد" 3357: "وقياسه جنين الصيد في الحرم والإحرام".
الجزء: 4 - الصفحة: 774
فصل
(وإن جنى رقيق) عبد أو أمة ولو مدبرا أو أم ولد أو معلقا عتقه بصفة (خطأ أو عمدا) لا قود فيه كجائفة، أو عمدا فيه قود (واختير المال) أي اختاره ولي الجناية تعلق برقبته، (أو أتلف مالا بغير إذن سيده) تعديا لم تلغ جنايته ولا إتلافه؛ لأنها جناية آدمي فوجب اعتبارها كجناية الحر وكالصغير والمجنون وأولى، ولا يمكن تعلقها بذمة الرقيق لأنه يفضي إلى إلغائها أو تأخير حق المجني عليه إلى غير نهاية، ولا بذمة السيد لأنه لم يجن فتعين تعلقها برقبة الرقيق لأن ذلك موجب جناية كالقصاص، وإذا تعلق برقبته (خير) سيده (بين فدأئه بأرش الجناية) إن كان أقل من قيمته (أو تسليمه لوليها) أي ولي الجناية، فيملكه أو يبيعه ويدفع ثمنه لولي الجناية، فإن كان أرش الجناية أكثر من قيمته لم يكن على السيد أكثر من قيمته إلا أن يكون السيد أمره بالجناية أو أذن له فيها، فيلزمه الأرش كله كما لو استدان بإذن سيده.
الجزء: 4 - الصفحة: 775
﴿فصل﴾ فى دية الأعضاء ومنافعها
(ومن أتلف ما في الإنسان منه) شيء (واحد كأنف) ولو مع عوجه بأن قطع مارنه (ففيه ديه نفسه) نصا 3358، فإن كان من ذكر حر مسلم ففيه ديته، وإن كان من حرة مسلمة ففيه ديتها، وإن كان من خنثى مشكل ففيه ديته على ما تقدم، وكذكر ولو لصغير نصا 3359، أو لشيخ فإن ففيه دية نفسه، وكلسان ينطق به كبير أو يحركه صغير ببكاء ففيه دية نفسه لحديث عمرو بن حزم مرفوعا: "وفي الذكر الدية وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية، وفي اللسان الدية" رواه أحمد والنسائي ولفظه له 3360، ولأن في إتلافه إذهاب منفعة الجنس.
الجزء: 4 - الصفحة: 776
(أو) أتلف ما في الإنسان منه (اثنان أو أكثر فكذلك) ففيه الدية كاملة، (وفي أحد ذلك نسبته منها) كالعينين ولو مع حول أو عمش 3361، وسواء الصغيرتان والكبيرتان لعموم حديث عمرو بن حزم، ومع بياض بالعينين أو بأحدهما ينقص البصر تنقص الدية بقدره، وكالأذنين، قضى به عمر وعلي 3362، وكالشفتين إذا استوعبتا وفي البعض بقسطه من ديتها بقدر الآخر، وكاللحيين وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان؛ لأن فيهما نفعا وجمالا وليس في البدن مثلهما، وكثندوتي رجل -بالثاء المثلثة- وهما له بمنزلة ثديي المرأة، فإن ضممت الأول همزته، وإن فتحته لم تهمز فالواحدة مع الهمزة فعللة ومع الفتح فعلوة 3363، وكأنثييه ففيهما الدية وفي إحداهما نصفها، وكثديي أنثى وإسكتيها بكسر الهمزة وفتحها وهما شفراها أي حافتا فرجها ففيهما الدية؛ لأن = ذكر كتبة المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم-، كتاب التاريخ برقم (6559) الإحسان 14/ 507، والحاكم، باب زكاة الذهب، كتاب الزكاة، المستدرك 1/ 397، والبيهقي، مفرقا في: باب دية الأنف، وباب دية اللسان، وباب دية الذكر والأنثيين، كتاب الديات، السنن الكبرى 8/ 87 - 89، 97. وحديث عمرو بن حزم تقدم الكلام عليه، وهذا جزء منه.
الجزء: 4 - الصفحة: 777
فيهما نفعا وجمالا، وإن جنى عليهما فأشلهما فالدية كما لو أشل الشفتين، وسواء الرتقاء وغيرها، وكاليدين والرجلين لأن في إتلافهما إذهاب منفعة الجنس، وقدم أعرج ويد أعسم 3364 ويد مرتعش كصحيح للتساوي في البطش.
وفي الأليتين الدية كاملة وإن لم يصل القطع إلى العظم، وفي منخريه ثلثا الدية، وفي حاجز ثلثها لاشتمال المارن على ثلاثة أشياء منخرين وحاجز فوجب توزيع الدية على عددها كالأصابع، وإن قطع أحد المنخرين ونصف الحاجز ففي ذلك نصف الدية، وإن شق الحاجز بينهما ففيه حكومة.
وفي الأجفان الأربعة الدية، وفي أحدها ربعها؛ لأنها أعضاء فيها جمال ظاهر ونفع كامل لأنها تكن العين وتحفظها من الحر والبرد، ولولاها لقبح منظر العين، وأجفان عين الأعمى كغيرها لأن ذهاب البصر عيب في غير الأجفان.
وفي أصابع اليدين أو الرجلين الدية، وفي إصبع يد أو رجل عشرها لحديث الترمذي وصححه عن ابن عباس مرفوعا: "دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل إصبع" 3365، وفي البخاري عنه مرفوعا قال: "هذه وهذه
الجزء: 4 - الصفحة: 778
سواء" 3366 يعني الخنصر والإبهام.
وفي الأنملة ولو مع ظفر إن كانت من إبهام يد أو رجل نصف عشر الدية؛ لأن في الإبهام مفصلين ففي كل مفصل نصف عقل الإبهام، وفي الأنملة من غير الإبهام ثلث عشر الدية؛ لأن فيه ثلاثة مفاصل فتوزع ديته عليها.
(وفي الظفر) إن لم يعد أو عاد أسود (بعيران) أي خمس دية إصبع نصا 3367، روي عن ابن عباس ذكره ابن المنذر 3368 ولم يعرف له مخالف من الصحابة.
= سواء، كتاب الديات، السنن الكبرى 8/ 92، والحديث قال عنه الترمذي: "حسن صحيح غريب"، وصححه الألباني في الإرواء 7/ 316 - 317.
الجزء: 4 - الصفحة: 779
وفي سن أو ناب أو ضرس قلع بسنخه 3369 أو الظاهر منه فقط ولو كان من صغير ولم يعد أو عاد أسود واستمر أو عاد أبيض ثم أسود بلا علة خمس من الإبل، روي عن عمر وابن عباس 3370، وفي حديث عمرو بن حزم مرفوعا: "في السن خمس من الإبل" رواه النسائي 3371، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "في الأسنان خمس" رواه أبو داود 3372، وهو عام فيدخل فيه الناب
الجزء: 4 - الصفحة: 780
والضرس، ويؤيده حديث ابن عباس مرفوعا: "الأصابع سواء، والأسنان سواء، والثنية سواء، هذه وهذه سواء" رواه أبو داود 3373، ففي جميع الأسنان مائة وستون بعيرا لأنها اثنان وثلاثون، أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربعة أنياب وعشرون ضرسا في كل جانب خمسة عشرة من فوق وخمسة من تحت.
وفي سنة واحده حكومة، وفي سن أو ظفر عاد قصيرا أو متغيرا أو أبيض ثم أسود لعلة حكومة؛ لأنها أرش كل ما لا مقدر فيه وتأتي 3374.
وتجب دية يد ورجل بقطع من كوع ومن كعب لفوات نفعهما المقصود منهما بالقطع من ذلك، ولا شيء لزائد لو قطعا من فوق ذلك، كأن قطعت اليد من المنكب أو الرجل من الساق نصا 3375؛ لأن اليد اسم للجميع إلى المنكب لقوله = 2/ 379، والدارمي، باب دية الأسنان، كتاب الديات برقم (2374) سنن الدارمي 2/ 256، والدارقطني، كتاب الحدود والديات وغيره، سنن الدارقطني 3/ 210، والبيهقي، باب دية الأسنان، كتاب الديات، السنن الكبرى 8/ 89، والحديث حسن إسناده الألباني في الإرواء 7/ 320.
الجزء: 4 - الصفحة: 781
تعالى: [﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ والرجل إلى الساق لقوله تعالى] 3376 ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ 3377، ولما نزلت آية التيمم مسحت الصحابة إلى المناكب 3378، وأما قطعهما بالسرقة من الكوع والكعب فلحصول المقصود به ولذلك وجبت ديتهما بقطعهما منه، وكذلك الذكر يجب بقطعه من أصله كما يجب بقطع الحشفة، وإن قطع يده من الكوع ثم قطعها من المرفق وجب في المقطوع ثانيا حكومة.
وفي مارن أنف وحشفة ذكر وحلمة ثدي دية كاملة؛ لأنه الذي يحصل به الجمال في الأنف، وحشفة الذكر وحلمة الثدي بمنزلة الأصابع من اليدين.
وفي تسويد سنن وظفر وأذن بحيث لا يزول التسويد دية ذلك العضو كاملة لإذهابه جماله.
وفي إذهاب نفع عضو ديته كاملة كما لو قطعه لصيرورته كالمعدوم.
الجزء: 4 - الصفحة: 782
وفي قطع نصف ذكر بالطول نصف ديته، وقيل: بل دية كاملة واختاره في "الإقناع" 3379 وغيره 3380. وفي عضو ذهب نفعه وبقيت صورته حكومة.
الجزء: 4 - الصفحة: 783
فصل
(وتجب) الدية (كاملة في كل حاسة) أي القوة الحاسة يقال: حس وأحس أي علم وأيقن وبالألف أفصح وبها جاء القرآن 3381، قال الجوهري: "الحواس المشاعر الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس" 3382، لحديث: "وفي السمع الدية"، 3383، ولأن عمر: "قضى في رجل ضرب رجلا فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات والرجل حي" ذكره أحمد 3384، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، ولأن كلا منها يختص بنفع أشبه السمع.
(وكذا) تجب الدية كاملة في (كلام)، وفي بعض الكلام
الجزء: 4 - الصفحة: 784
بحسابه من الدية، (و) في (عقلي) قال بعضهم بالإجماع 3385 لما في كتاب عمرو بن حزم 3386، وروي عن عمر وزيد 3387، ولأنه أكبر المعاني قدرا وأعظمها نفعا إذ به يتميز الإنسان عن البهائم وبه يهتدي للمصالح ويدخل في التكليف، وهو شرط للولايات وصحة التصرفات والعبادات.
وتجب كاملة في حدب -بفتح الحاء والدال المهملتين مصدر حدب بكسر الدال أي صار أحدب- لذهاب الجمال؛ لأن انتصاب القامة من الكمال والجمال، وبه شرف الآدمي على سائر الحيوانات.
وتجب كاملة في صعر بفتح المهملتين بأن يضرب فيصير وجهه في جانب نصا 3388، وأصل الصعر داء يأخذ البعير في عنقه فيلتوي منه عنقه 3389، قال تعالى:
الجزء: 4 - الصفحة: 785
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ 3390 أي لا تعرض عنهم بوجهك تكبرا 3391.
وتجب كاملة في صيرورة المجني عليه لا يستمسك غائطا أو بولا لأن كلا منهما منفعة كبيرة ليس في البدن مثلها أشبه السمع والبصر، فإن فاتت المنفعتان ولو بجناية واحدة فديتان.
(و) تجب كاملة في (منفعة أكل) لأنه نفع مقصود أشبه الشم، (و) تجب كاملة في منفعة (مشي) لأنه نفع مقصود أشبه الكلام، (و) تجب كاملة في منفعة (نكاح) كإن كسر صلبه فذهب نكاحه، روي عن علي 3392؛ لأنه نفع مقصود أشبه المشي.
وتجب كاملة في ذهاب منفعة صوت ومنفعة بطش.
وتجب في إذهاب بعض يعلم بقدره، وإلا يعلم فحكومة، ويقبل قول مجني عليه في نقص سمعه وبصره بيمينه لأنه لا يعلم إلا من جهته، وإن ادعى نقص إحدى عينيه عصبت التي يدعي نقص ضوئها وأطلقت الأخرى، ونصب له شخص ويتباعد عنه حتى تنتهي رؤيته فيعلم الموضع، ثم تشد الصحيحة وتطلق الأخرى، وينصب له شخص ثم يذهب حتى تنتهي رؤيته فيعلم، ثم يدار الشخص إلى جانب آخر ويصنع كذلك ثم يعلم عند المسافتين ويذرعان ويقابل بينهما، فإن استوتا فقد صدق وله من الدية بقدر ما بين الصحيحة والعليلة من الرؤية، وإن
الجزء: 4 - الصفحة: 786
اختلفت المسافتان فقد كذب، روى ابن المنذر نحوه عن عمر 3393.
وإن اختلف جان ومجني عليه في ذهاب بصر أري أهل الخبرة بذلك، لأنهم أدرى به وامتحن بتقريب شيء إلى عينه وقت غفلته، فإن حركها فهو يبصر لأن طبع الآدمي الحذر على عينيه، وإن بقيتا بحالهما دل على أنه لا يبصر.
وإن اختلفا في ذهاب سمع أو شم أو ذوق صيح به وقت غفلته 3394 إن اختلفا في ذهاب سمعه، وأتبع بمنتن إن اختلفا في ذهاب شمه، وأطعم الشيء المر إن اختلفا في ذهاب ذوقه، فإن فزع من الصياح أو عبس للمنتن أو المر سقطت دعواه لتبين كذبه وإلا صدق بيمينه؛ لأن الظاهر صحة دعواه.
(ومن وطئ زوجة يوطأ مثلها لمثله) بأن لم تكن صغيرة ولا نحيفة (فخرق) بوطئه (ما بين مخرج بول ومني، أو) خرق (ما بين السبيلين فـ) هو (هدر) لحصوله من فعل مأذون فيه كأرش بكارتها، وكما لو أذنت في قطع يدها فسرى القطع إلى نفسها، (وإلا) تكن الزوجة يوطأ مثلها لمثله فوقع ذلك (فـ) عليه أرش (جائفة إن استمسك بول) ثلث الدية لقضاء عمر في الإفضاء بثلث الدية 3395، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، (وإلا) يستمسك بول (فـ) عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 787
(الدية) كاملة لإبطاله نفع المحل الذي يجتمع فيه البول وعليه المهر المسمى في النكاح؛ لأنه تقرر بالدخول مع أرش الجناية المذكور، ويجب أرش بكارة حكومة مع فتق بغير وطء لعدوانه بذلك الفعل، وإن التحم ما أرشه مقدر كجائفة وموضحة وما فوقها ولو على غير شين لم يسقط أرشه لعموم النصوص.
(وفي كل) واحد (من) الشعور الأربعة وهي: (شعر) إلى (رأس و) شعر (حاجبين و) شعر (أهداب العينين و) شعر (لحية الدية)، روي عن علي وزيد بن ثابت: "في الشعر الدية" 3396، ولأنه أذهب الجمال على الكمال كأذني الأصم وأنف الأخشم بخلاف اليد الشلاء فليس جمالها كاملا.
(و) في (حاجب نصفها) أي الدية لأن فيه منه شيئين، (و) في (هدب ربعها) لأن فيه منها أربعة، (و) في (شارب حكومة) نصا 3397، وفي بعض كل من الشعور
الجزء: 4 - الصفحة: 788
الأربعة بقسطه من الدية بقدر المساحة كالأذنين، وسواء كانت هذه الشعور كثيفة أو خفيفة جميلة أو قبيحة من صغير أو كبير كسائر ما فيه دية من الأعضاء.
(وما عاد) من شعر (سقط ما فيه) من دية أو بعضها أو حكومة كما تقدم في سنن ونحوها إذا عادت، وإن عادت بعد أخذ ما فيه رده.
وإن قلع جفنا بهدبه فدية الجفن فقط لتبعية الشعر له في الزوال كالأصابع مع الكف، وإن قلع لحيين بأسنانهما فعليه دية الكل فلا تدخل دية الأسنان في دية اللحيين لأن الأسنان ليست متصلة باللحيين بل مغروزة فيها وكل من اللحيين والأسنان ينفرد باسمه عن الآخر، واللحيان يوجدان قبل الأسنان ويبقيان بعد قلعها، وإن قطع كفا بأصابعه لم يجب غير دية يد لدخول الكل في مسمى اليد كقطع ذكر بحشفة.
وفي كف بلا أصابع، وفي ذراع بلا كف، وفي عضد بلا ذراع في كل واحد ثلث ديته أي الكف شبهه أحمد بعين قائمة 3398، وكذا تفصيل رجل، ومقتضي تشبيه الإمام بالعين القائمة أن في ذلك حكومة، ومشى عليه في "الإقناع" 3399، وقال في حاشية "التنقيح" 3400 أنه المذهب وعليه جمهور الأصحاب.
الجزء: 4 - الصفحة: 789
(وفي عين الأعور دية كاملة) قضى به عمر وابنه وعلي وعثمان 3401، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة، ولأنه أذهب البصر كله فوجب عليه جميع ديته كما لو أذهبه من العينين لأنه يحصل بعين الأعور ما يحصل بعيني الصحيح لرؤيته الأشياء = ينظر: السحب الوابلة 3/ 1134 - 1135.
الجزء: 4 - الصفحة: 790
البعيدة وإدراكه الأشياء اللطيفة.
(وإن قلعها) أي عين الأعور (صحيح) العينين (أقيد) أي قلعت عينه (بشرطه) السابق لما تقدم، (وعليه) أي الصحيح (أيضا) معه أي القود من نظيرتها (نصف الدية)؛ لأنه أذهب بصر الأعور كله، ولا يمكن إذهاب بصره كله لما فيه من أخذ عينين بعين واحدة، وقد استوفى نصف البصر تبعا لعينه بالقود وبقي النصف الذي لا يمكن القصاص فيه فوجبت ديته.
(وإن قلع) الأعور (ما يماثل صحيحته) أي عينه الصحيحة (من) شخص (صحيح) العينين (عمدا فـ) على الأعور (دية كاملة) ولا قود عليه في قول عمر وعثمان 3402، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة؛ لأن القصاص يفضي إلى استيفاء جميع البصر، وهو إنما أذهب بعض بصر الصحيح، فلما امتنع القصاص وجبت الدية لئلا تذهب الجناية مجانا، وكانت كاملة؛ لأنها بدل القصاص الساقط عنه رفقا به، ولو اقتص منه ذهب ما لو ذهب بالجناية لوجبت فيه دية كاملة، وإن قلع الأعور ما يماثل عينه الصحيحة خطأ فنصف الدية كما لو قلعها صحيح، وكذا لو قلع ما لا يماثل صحيحته، وإن قلع الأعور عيني صحيح عمدا فالقود أو الدية فقط لأنه أخذ جميع بصره ببصره.
(و) يد (الأقطع) ورجله (كغيره) إن قطعت يده الأخرى أو رجله ولو عمدا
الجزء: 4 - الصفحة: 791
ففيها نصف ديته ذكرا كان أو أنثى، مسلما كان أو كافرا، حرا أو رقيقا، كبقية الأعضاء؛ لأن أحد هذين العضوين لا يقوم مقامهما بخلاف عين الأعور، ولو قطع الأقطع يد صحيح أو رجله أقيد بشرطه السابق لوجود الموجب وانتفاء المانع.
الجزء: 4 - الصفحة: 792
فصل في الشجاج وكسر العظام
والشجة: جرح الرأس والوجه، سميت بذلك لقطعها الجلد، وفي غيرهما يسمى جرحا لا شجة، وهي باعتبار أسمائها المنقولة عن العرب عشر 3403 مرتبة، خمس منها فيها حكومة، وخمس فيها مقدر.
فالخمس التي فيها مقدر: -
1 - أولها: ما ذكره بقوله: (وفي الموضحة) وهي التي توضح العظم أي تبرزه ولو بقدر رأس إبرة فلا يشترط وضوحه للناظر، والوضح البياض، سميت بذلك لأنها أبدت بياض العظم، وفيها نصف عشر الدية (خمس من الإبل) لما في حديث عمرو بن حزم: "وفي الموضحة خمس من الإبل" 3404، وسواء كانت في الرأس أو الوجه
الجزء: 4 - الصفحة: 793
لعموم الأحاديث، وروي عن أبي بكر وعمر 3405، وهي إن عمت رأسا أو لم تعمه ونزلت إلى وجه موضحتان لأنه وضحة في عضوين، فلكل حكم نفسه، وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز فعليه عشر من الإبل؛ لأنهما موضحتان، فإن ذهب الحاجز بفعل جان أو سراية صارا واحدة، كما لو أوضح الكل بلا حاجز، وإن اندملتا ثم أزال الحاجز بينهما فعليه خمس عشرة بعيرا لاستقرار أرش الأولتين عليه باندمالهما ثم لزمه أرش الثالثة.
2 - ثم يلي الموضحة الهاشمة، وقد ذكرها بقوله: (و) في (الهاشمة) أي التي توضح العظم وتهشمه أي تكسره (عشر) من الإبل، روي عن قبيصة بن ذؤيب 3406 عن زيد بن ثابت 3407، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، وقول الصحابي فيما يخالف القياس توقيف، فإن هشمه هاشمتين بينهما حاجز ففيهما عشرون بعيرا، فإن زال الحاجز فعلى ما تقدم تفصيله، والهاشمة الصغيرة كالكبيرة.
3 - ثم تليها المنقلة، وقد ذكرها بقوله: (و) في (المنقلة): وهي التي توضح وتهشم
الجزء: 4 - الصفحة: 794
وتنقل العظم (خمسة عشر) بعيرا حكى ابن المنذر إجماع أهل العلم 3408، وفي كتاب عمرو بن حزم: "وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل" 3409، فإن كانتا منقلتين فعلى ما سبق.
4 - ثم يليها المأمومة التي تصل إلى جلدة الدماغ، وتسمى الآمة، قال ابن عبد البر: "أهل العراق يقولون لها: الآمة، وأهل الحجاز المأمومة".
3410، وتسمى أيضًا: أم الدماغ لوصولها إلى الجلدة التي تحوط الدماغ، وقد ذكرها بقوله: (و) في (المأمومة ثلث الدية) لما في كتاب عمرو بن حزم مرفوعًا: "وفي المأمومة ثلث الدية"، 3411، وعن ابن
الجزء: 4 - الصفحة: 795
عمر مثله 3412 (كالجائفة) وهي: ما يصل إلى باطن جوف من جرح كداخل بطن وظهر وصدر وحلق ومثانة وبين خصيتين وداخل دبر، لما في كتاب عمرو بن حزم: "وفي الجائفة ثلث الدية" 3413، وإن جرح جانبا فخرج من جانب آخر فجائفتان نصا 3414، لما روى سعيد بن المسيب: "أن رجلا رمى رجلا بسهم فأنفذه، فقضى = 1/ 397، والبيهقي، باب المأمومة، كتاب الديات، السنن الكبرى 8/ 82، وصححه الألباني في الإرواء 7/ 327.
الجزء: 4 - الصفحة: 796
أبو بكر بثلثي الدية" أخرجه سعيد في سننه 3415، ولا يعرف له مخالف من الصحابة فهو كالإجماع.
5 - (و) كـ (الدامغة) أي: التي تخرق جلدة الدماغ ففيها ثلث الدية أيضًا لما في كتاب عمرو بن حزم في المأمومة، والدامغة أولى، وصاحبها لا يسلم غالبا.
6 - (وفي الحارصة): -بالحاء والصاد المهملتين- التي تحرص الجلد أي تشقه ولا تدميه، حكومة.
7 - (و) في (البازلة): الدامعة -بالعين المهملة- التي تدمي الجلد يقال: بزل الشيء إذا سال 3416، وسميت دامعة لقلة سيلان الدم منها تشبيها له بخروج الدمع من العين، حكومة.
8 - (و) في (الباضعة): التي تبضع اللحم أي تشقه بعد الجلد، ومنه -البضع- حكومة.
9 - (و) في (المتلاحمة): أي الغائصة في اللحم، مشتقة من اللحم لغوصها فيه حكومة.
الجزء: 4 - الصفحة: 797
10 - (و) في (السمحاق): التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة تسمى السمحاق، سميت الجراحة الواصلة إليها بها ففي كل من هذه الخمس (حكومة) لأنه لا توقيف فيها من الشرع ولا قياس يقتضيه، وعن مكحول 3417 قال: "قضى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الموضحة بخمس من الإبل ولم يقض فيما دونها".
3418
الجزء: 4 - الصفحة: 798
فصل
وفي كسر ضلع جبر لم تتغير صفته بعير، وكذا ترقوة جبرت كما كانت ففيها بعير نصا 3419، وفي الترقوتان بعيران لما روى سعيد بسنده عن زيد بن أسلم 3420 عن عمر بن الخطاب: "في الضلع جمل، وفي الترقوة جمل" 3421، والترقوة: العظم المستدير حول العنق من ثغرة النحر إلى الكتف لكل إنسان ترقوتان 3422، وإلا يجبر الضلع والترقوة مستقيمين ففي كل منهما حكومة، وفي كسر كل عظم من زند وعضد وفخذ وساق وذراع بعيران نصا 3423، لما روى سعيد عن عمرو بن شعيب أن عمرو بن العاص: "كتب إلى عمر في أحد الزندين إذا كسر، فكتب إليه عمر أن
الجزء: 4 - الصفحة: 799
فيه بعيرين، وإذا كسر الزندان ففيهما أربع من الإبل" 3424، ومثله لا يقال من قبل الرأي، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، وألحق بالزند في ذلك باقي العظام المذكورة؛ لأنها مثله.
وفيما عدا ما ذكر من جرح ومن كسر عظم ككسر خرزة صلب وكسر عصعص وكسر عظم عانة حكومة؛ لأنه لا مقدر فيها.
والحكومة: أن يقوم مجني عليه كأنه رقيق لا جناية به، ثم يقوم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة بالجناية فله على جان كنسبة نقص القيمة من الدية 3425، فيجب فيمن قوم لو كان رقيقا صحيحا بعشرين، ومجنيا عليه بخمسة عشر ربع ديته لنقصه بالجناية ربع قيمته لو كان رقيقا وهكذا.
ولا يبلغ بحكومة محل له مقدر شرعا مقدره، فلا يبلغ بها أرش موضحة في شجة دونها كالسمحاق، ولا دية إصبع أو دية أنملة فيما دونهما، ولا يقوم مجني عليه حتى يبرأ ليستقر الأرش، فلو لم تنقصه الجناية حال برء قوم حال جريان دم لئلا تذهب الجناية على معصوم هدرا، فإن لم تنقصه الجناية أيضًا أو زادته حسنا كقطع سلعة أو ثؤلول فلا شيء فيها لأنه لا نقص فيها.
الجزء: 4 - الصفحة: 800
(فصل) في العاقلة وما تحمله من الدية
والعاقلة: من غرم 3426 ثلث دية فأكثر بسبب جناية غيره 3427، سموا بذلك لأنهم يعقلون، يقال: عقلت فلانا إذا أعطيته ديته، وعقلت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته، وأصله من عقل الإبل، وهي الحبال التي تثنى بها أيديها، ذكره الأزهري 3428، وقيل: من العقل أي المنع؛ لأنهم يمنعون عن القاتل، أو لأنها تعقل لسان ولي المقتول 3429. (وعاقلة جان) ذكرا وأنثى (ذكور عصبته نسبا وولاء) حتى عمودي نسبه، وحتى من بعد كابن ابن عم جد جان، لحديث أبى هريرة قال: "قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن ميراثها لبنتيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها" متفق عليه 3430، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى أن يعقل عن المرأة عصبتها من كانوا، ولا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها" رواه
الجزء: 4 - الصفحة: 801
الخمسة إلا الترمذي 3431، ولأن العصبة يشدون أزر قريبهم وينصرونه فاستوى قريبهم وبعيدهم في العقل، ولأن الأب والابن أحق بنصرته من غيرهما فوجب أن يحملا عنه كالإخوة وبني الأعمام، وأما حديث: "لا يجني عليك ولا تجني عليه" 3432 أي إثم جنايتك لا يتخطاك إليه وإثم جنايته لا يتخطاه إليك كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ 3433. وإذا ثبت العقل في عصبة النسب فكذا عصبة الولاء لعموم الخبر، وأما الأخ
الجزء: 4 - الصفحة: 802
للأم وذوو الأرحام والنساء فليسوا من العاقلة بلا خلاف؛ لأنهم ليسوا من أهل النصرة، لكن لو عرف نسبه من قبيلة ولم يعلم من أي بطونها لم يعقلوا عنه.
ويعقل عاصب هرم غني وأعمى وغائب كضدهم 3434.
(ولا عقل على فقير) أي من لا يملك نصابا عند حلول الحول فاضلا عنه كحج وكفارة ظهار ولو كان معتملا؛ لأنه ليس من أهل المواساة كالزكاة، ولأنها وجبت على العاقلة تخفيفا على الجاني فلا تثقل على من لا جناية منه، (و) لا على (غير مكلف) كصغير ومجنون؛ لأنهما ليسا من أهل النصرة والمعاضدة، ولا على امرأة 3435 ولو معتقة أو خنثى مشكل لما تقدم، ولا على قن؛ لأنه لا مال له.
(و) لا على (مخالف دين جان) لفوات النصرة، ولا تعاقل بين ذمي وحربي لانقطاع التناصر بمنهما، ويتعاقل أهل ذمة اتحدت مللهم كما يتوارثون.
وخطأ إمام وحاكم في حكمهما في بيت المال لا تحمله عاقلتهما لأنه يكثر فيجحف بالعاقلة، ولأن الإمام والحاكم نائبان عن اللَّه فيكون أرش خطئهما في مال اللَّه تعالى كخطأ وكيل فإنه لا ضمان عليه فيما تلف منه بلا تعد ولا تفريط بل يضيع على موكله.
(ولا تحمل) العاقلة (عمدا) وجب به قود أو لا (ولا صلحا) عن إنكار (ولا
الجزء: 4 - الصفحة: 803
اعترافا) بأن يقر جان على نفسه بجناية خطأ أو شبه عمد توجب ثلث دية فأكثر وتنكر العاقلة، ولا تحمل قيمة دابة أو قن أو قيمة طرفه، ولا تحمل 3436 قيمة جنايته لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لا تحمل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا" 3437، وروي عن ابن عباس موقوفا 3438، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، ولأن القاتل عمدا غير معذور فلا يستحق المواساة ولا التخفيف، ولأن الصلح يثبت بفعله واختياره فلا تحمله العاقلة كالاعتراف لأنه متهم في مواطأة المقر لعهم بالقتل ليأخذ الدية من عاقلته فيقاسمهم إياها، ولأن العبد يضمن ضمان المال أشبه سائر الأموال.
(ولا) تحمل (ما دون ثلث الدية) كثلاث أصابع وأرش موضحة لقضاء عمر أنها لا تحمل شيئا حتى يبلغ عقل المأمومة، ولأن أصل الضمان على الجاني لأنه المتلف خولف في ثلث الدية فأكثر لإجحافه بالجاني لكثرته، فبقي ما عداه على الأصل، إلا غرة جنين مات مع أمه أو بعدها بجناية واحدة فتحمل الغرة تبعا لدية
الجزء: 4 - الصفحة: 804
الأم نصا 3439 لاتحاد الجناية.
وتحمل العاقلة شبه عمد لحديث أبى هريرة: "اقتتلت امرأتان من هذيل" وتقدم 3440، ولأنه نوع قتل لا يوجب القصاص أشبه الخطأ، ويكون ما وجب في شبه عمد مؤجلا في ثلاث سنين كواجب بخطأ لما روي عن عمر وعلي: "أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين" 3441، ولا مخالف لهما في عصرهما، ولأنها تحمله مواساة فاقتضت الحكمة تخفيفه عليها، ويجتهد حاكم في تحميل كل من العاقلة لأنه لا نص فيه فرجع فيه إلى اجتهاده كتقدير النفقة فيحمل
الجزء: 4 - الصفحة: 805
كلا منهم ما يسهل عليه نصا 3442؛ لأن ذلك مواساة للجاني وتخفيف عنه فلا يشق على غيره.
ويبدأ في تحميل عاقلة بالأقرب فالأقرب كالإرث، فيقسم على الأباء والأبناء ثم الإخوة ثم بني الإخوة ثم الأعمام ثم بنيهم، وهكذا أبدا حتى تنقرض عصبة النسب ثم المولى المعتق ثم عصبته الأقرب فالأقرب كالميراث، لكن تؤخذ من بعيد لغيبة قريب، وإن اتسعت أموال الأقربين للدية لم يتجاوزهم وإلا انتقل إلى من يليهم.
وما أوجب ثلث دية فقط أخذ في رأس الحول؛ لأن العاقلة لا تحمل حالا، وما أوجب ثلثيها فأقل أخذ في رأس الحول ثلث والتتمة في رأس آخر.
الجزء: 4 - الصفحة: 806
فصل في كفارة القتل
من الكفر بفتح الكاف أي الستر لأنها تستر الذنب وتغطيه 3443. وأجمعوا على وجوبها في الجملة 3444 لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية 3445. (ومن قتل نفسا محرمة) ولو نفسه أو نفس قنه لعموم الآية، أو كان مستأمنا؛ لأنه آدمي قتل ظلما لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآية (غير عمد) بأن قتلها خطأ أو شبه عمد، (أو شارك فيه) أي القتل (فعليه الكفارة) للآية، وألحق يالخطأ شبه العمد؛ لأنه في معناه بخلاف العمد المحض، ولو كان القاتل كافرا أو قنا أو صغيرا أو مجنونا لأنها حق مالي يتعلق بالفعل أشبهت الدية، وأيضا هي عبادة مالية أشبهت الزكاة، وسواء قتل بمباشرة أو سبب كحفر بئر تعديا ولو كان القتل بها بعد موت المتسبب لعموم قوله تعالى: {وَمَنْ
الجزء: 4 - الصفحة: 807
قَتَلَ} 3446، أو كان المقتول جنينا بأن ضرب بطن حامل فألقت جنينا ميتا أو حيا تم مات لأنه نفس محرمة، ولا كفارة بإلقاء مضغة لم تتصور، غير أسير حربي يمكنه أن يأتي به الإمام فيحرم عليه قتله ولا كفارة فيه، وغير نساء أهل حرب وذراريهم، وغير من لم تبلغه الدعوة فيحرم قتلهم ولا كفارة لمفهوم قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآية، لأنه لا أمان لهم ولا إيمان والمنع من قتلهم للافتيات على الإمام وانتفاع المسلمين بهم أو لعدم الدعوة، ولأنهم غير مضمونين بقصاص ولا دية أشبهوا مباح الدم.
ولا كفارة على من قتل نفسا مباحة كباغ ومرتد ومن تحتم قتله للمحاربة وكالقتل قصاصا أو حدا أو دفاعا عن نفسه لأنه مأذون فيه شرعا.
(وهي) أي الكفارة (ككفارة ظهار) عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، (إلا أنها لا إطعام فيها) وتقدم 3447، (ويكفر عبد بالصوم)؛ لأنه لا مال له يعتق منه، ويكفر من مال غير مكلف وليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 808
فصل في القسامة
(والقسامة) -بفتح القاف- وهي: اسم مصدر، من أقسم إقساما وقسامة 3448، قال الأزهري: "هم القوم يقسمون في دعواهم على رجل أنه قتل صاحبهم، سموا قسامة باسم المصدر، كعدل ورضا.
3449
وشرعا: (أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم) 3450، لا نحو مرتد، قال ابن قتيبة 3451: "أول من قضى بالقسامة في الجاهلية الوليد بن المغيرة فأقرها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 3452. ولا تكون القسامة في دعوى قطع طرف ولا في جرح؛ لأنها
الجزء: 4 - الصفحة: 809
ثبتت على خلاف الأصل في النفس لحرمتها فاختصت بها كالكفارة.
الجزء: 4 - الصفحة: 810
وشروط صحتها عشرة: - أحدها: اللوث 3453 وهو: العداوة الظاهرة وجد معها أثر قتل كدم أو لا لحصول القتل بما لا أثر له كغم الوجه والخنق؛ ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- " [لم] 3454 يسأل الأنصار هل بقتيلهم أثر أو لا" 3455. ولو كانت العدواة مع سيد مقتول؛ لأن السيد هو المستحق لدمه، وأم الولد والمدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة في ذلك كالقن.
الجزء: 4 - الصفحة: 811
والعداوة الظاهرة نحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر 3456، وما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضا بثأر، وما بين البغاة وأهل العدل، وما بين الشرطة واللصوص.
ولا يشترط مع اللوث أن لا يكون بموضع القتل غير العدو نصا 3457؛ لأنه عليه السلام لم يسأل الأنصار هل كان بخيبر غير اليهود أو لا؟ مع أن الظاهر وجود غيرهم.
فإن لم يكن عداوة ظاهرة ولكن غلب على الظن صدق المدعي كتفرقة جماعة عن قتيل، أو وجد قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم، أو في زحام، أو شهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان والفساق ونحو ذلك فليس بلوث، لقوله عليه السلام: "لو يعطى الناس بدعواهم.
. . " الحديث 3458، ومتى فقد اللوث وليست الدعوى بقتل عمد حلف مدعى عليه يمينا واحدة لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "البينة على من ادعى، واليمين على من
الجزء: 4 - الصفحة: 812
أنكر، إلا في القسامة" رواه الدارقطني 3459، ولا يمين في دعوى قتل عمد مع فقد لوث لأنه ليس بمال.
الشرط الثاني: تكليف مدعى عليه القتل لتصح الدعوى لأنها لا تصح على صغير ولا مجنون.
الشرط الثالث: إمكان القتل منه، وإلا يمكن منه قتل لنحو زمانة لم تصح عليه دعواه كبقية الدعاوي التي يكذبها الحس.
الشرط الرابع: وصف القتل في الدعوى كأن يقول: جرحه بسيف أو سكين ونحوه في محل كذا من بدنه أو خنقه، فلو استحلفه حاكم قبل وصف مدع القتل لم يعتد به لعدم صحة الدعوى.
الشرط الخامس: طلب جميع الورثة فلا يكفي طلب بعضهم لعدم انفراده بالحق.
الشرط السادس: اتفاقهم على الدعوى فلا يكفي عدم تكذيب بعضهم إذ الساكت لا ينسب إليه حكم.
3460
الشرط السابع: اتفاق الورثة على القتل فإن أنكر بعضهم فلا قسامة.
الجزء: 4 - الصفحة: 813
الشرط الثامن: اتفاقهم على عين قاتل نصا 3461 فلو قال بعض الورثة: قتله زيد، وقال بعضهم: قتله بكر فلا قسامة.
الشرط التاسع: كون فيهم ذكور مكلفون 3462 لحديث: "يقسم خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم" 3463، ولأن القسامة يثبت بها قتل العمد فلا تسمع من النساء كالشهادة، والدية إنما تثبت ضمنا لا قصدا، ولا يقدح غيبة بعض الورثة ولا عدم تكليفه ولا نكوله عن اليمين؛ لأن القسامة حق له ولغيره فقيام المانع بصاحبه لا يمنع حلفه واستحقاقه لنصيبه كالمال المشترك.
فلذكر حاضر مكلف أن يحلف بقسطه من الأيمان ويستحق نصيبه من الدية كما لو كان الكل حاضرين مكلفين، ولمن قدم من الغائبين أو كلف من الورثة أن يحلف بقسط نصيبه من الأيمان ويأخذ نصيبه من الدية لبنائه على أيمان صاحبه كما لو كان حاضرا مكلفا ابتداء.
الشرط العاشر: كون الدعوى على واحد معين
الجزء: 4 - الصفحة: 814
لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- للأنصار: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برُمَّتِهِ" 3464، ولأنها بينة ضعيفة خُولف بها الأصل في قتل الواحد فاقتصر عليه.
فلو قال الورثة: قتله هذا مع آخر أو قتله أحدهما فلا قسامة لما تقدم من اشتراط اتحاد المدعى عليه.
ولا يشترط كون القسامة بقتل عمد لأنها حجة شرعية فوجب أن يثبت بها الخطأ كالعمد، ويقاد فيها إذا تمت الشروط العشرة وشروط القود لقوله عليه السلام: "يحلف خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برُمَّتِهِ" وفي لفظ لمسلم: "ويسلم إليكم" 3465، والرُّمَّة: الحبل الذي يربط به من عليه القود 3466، ولثبوت العمد بالقسامة كالبينة فيثبت أثره، وروى الأثرم بسنده عن عامر الأحول 3467: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقاد بالقسامة في الطائف" 3468.
الجزء: 4 - الصفحة: 815
(وإِذَا تَمَّتْ شُرُوطُهَا) المذكورة (بُدِئَ بأَيمانِ ذُكورِ عَصَبَتِهِ) أي القتيل (الوَارِثينَ) بدل من العصبة، أي بذكور الوارثين له فيقدمون بها على أيمان المدعى عليه فلا يمكن مدعى عليه من حلف مع وجود ذكر من ورثة القتيل، ومع وجود شرط القسامة لقيام أيمانهم مقام بينتهم هنا خاصة للخبر، (فيَحْلِفُونَ خَمْسِيْنَ يمينًا كُلّ) واحد (بقَدْرِ إِرْثِهِ) من القتيل لأنه حق ثبت تبعا للميراث أشبه المال، (ويُجْبَرُ كَسْرٌ) كابن وزوج فيحلف الابن ثمانية وثلاثين ويحلف الزوج ثلاثة عشر يمينًا؛ لأن للزوج الربع وهو من الخمسين اثنا عشر ونصف فيكمل فيصير ثلاثة عشر، وللابن الباقي وهو سبعة وثلاثون ونصف فيكمل فيصير كما ذكر، وقس على ذلك.
ويعتبر لأيمان قسامة حضور مدع ومدعى عليه وقت حلف كبينة عليه، ويجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله وإن كانوا غائبين عن مكان القتل قاله القاضي 3469، ولا ينبغي أن يحلفوا إلا بعد الاستيثاق وغلبة الظن، وينبغي للحاكم أن يعظهم ويعرفهم ما في اليمين الكاذبة.
ولا يعتبر فيها مولاة الأيمان ولا كونها في مجلس واحد.
وإن جاوز ذكور الورثة خمسين رجلا حلف منهم خمسون كل واحد يمينا
الجزء: 4 - الصفحة: 816
لقوله عليه السلام: "يقسم خمسون منكم.
. " الحديث، وسيد في ذلك كوارث، فإن كان رجلا واحدا أو معه نساء حلفها، وإن كان اثنين فأكثر حلف كل منهم بقدر ملكه فيه.
ومتى حلف الذكور من الورثة فالحق الواجب بالقتل حتى في قتل عمد لجميع الورثة ذكورا ونساء؛ لأنه حق ثبت للميت فصار لورثته كالدين.
(فإن نكلوا) أي ذكور الورثة عن أيمان القسامة (أو كان الكل نساء) أو خناثا (حلفها) أي الخمسين يمينا (مدعى عليه وبرئ) لقوله عليه السلام: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم" أي يبرأون منكم وفي لفظ: "فيحلفون خمسين يمينا ويبرأون من دمه" إن رضي الورثة بأيمان مدعى عليه، لأنه عليه السلام لم يحلف اليهود حين قال الأنصار: "كيف نأخذ بأيمان قوم كفار".
ومتى نكل مدعى عليه عن شيء من الخمسين يمينا لزمته الدية، وليس للمدعي إن ردها المدعى عليه أن يحلف لنكوله عنها أو لا.
وإن نكل الورثة عن أيمان القسامة ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فدى الإمام القتيل من بيت المال وخلى المدعى عليه؛ لأنه عليه السلام ودى الأنصاري من عنده لما لم ترض الأنصار بيمين اليهود، ولأنه لم يبق سبيل إلى الثبوت ولم يوجد ما يوجب السقوط فوجب الغرم من بيت المال لئلا يضيع المعصوم هدرا، كميت في
الجزء: 4 - الصفحة: 817
زحمة، كجمعة وطواف فيفدى من بيت المال نصا 3470، واحتج بما روي عن عمر وعلي 3471، ومنه ما روى سعيد في سننه عن إبراهيم 3472 قال: "قتل رجل في زحام الناس بعرفة فجاء أهله إلى عمر فقال: بينتكم على من قتله فقال علي: يا أمير المؤمنين لا يعطل دم امرئ مسلم إن علمت قاتله، وإلا فأعط ديته من بيت المال" 3473.
الجزء: 4 - الصفحة: 818
(كتاب الحدود)
وهي جمع حد، وهو لغة: المنع 3474، وحدود اللَّه محارمه لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ 3475 وحدوده أيضًا: ما حده وقدره كالمواريث وتزويج الأربع لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ 3476 وما حده الشرع لا يجوز فيه زيادة ولا نقصان.
وعرفا: عقوبة مقدرة شرعا في معصية من زنا وقذف وشرب وقطع طريق وسرفهّ لتمنع تلك العقوية من الوقوع في مثلها.
3477
و(لا تجب) الحدود (إلا على مكلف) لحديث: "رفع القلم عن ثلاثة" رواه أبو داود والترمذي وحسنه 3478، والحد أولى بالسقوط من العبادة لعدم التكليف لأنه يدرء بالشبهة، ومن يخنق إذا أقر أنه زنا في إفاقته أخذ بإقراره وحد، وإن أقر في إفاقته أنه زنا ولم يضفه إلى حال أو شهدت عليه بينة أنه زنا ولم تضفه إلى حال إفاقته فلا حد للاحتمال، وكذا لا حد على نائم ولا نائمة.
(ملتزم) أحكامنا من هم وذمي، بخلاف حربي ومستأمن (عالم بالتحريم)
الجزء: 4 - الصفحة: 819
لقول عمر وعثمان وعلي: "لا حد إلا على من علمه" 3479، فلا حد على من جهله لأن جهل تحريم الزنى أو عين المرأة كأن زفت إليه غير امرأته فوطئها ظانا أنها امرأته ونحوه لحديث: "ادرؤا الحدود بالشبهات ما استطعتم" 3480. (وعلى إمام أو نائبه إقامتها) أي الحدود مطلقا سواء كان الحد للَّه تعالى كحد زنا أو لآدمي كحد قذف؛ لأنه يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن فيه الحيف فوجب تفويضه إلى نائب اللَّه تعالى في خلقه، ولأنه عليه الصلاة والسلام كان يقيم الحدود في حياته، وكذا خلفاؤه من بعده، ويقوم
الجزء: 4 - الصفحة: 820
نائب الإمام مقامه لقوله عليه السلام: "واغد يا أنيس 3481 إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها" 3482، وأمر برجم ماعز 3483 ولم يحضره 3484، وقال في سارق أتي به: "اذهبوا
الجزء: 4 - الصفحة: 821
به فاقطعوه" 3485. وتحرم شفاعة في حد للَّه تعالى بعد أن يبلغ الإمام، ويحرم قبولها بعد أن تبلغه لقوله عليه السلام: "فهلا قبل أن تأتيني به" 3486، ولأن الشفاعة فيه طلب فعل محرم على من طلب منه.
الجزء: 4 - الصفحة: 822
ولسيد حر مكلف عالم بالحد وشروطه ولو كان فاسقا أو امرأة إقامة الحد بجلد أو تعزير على رقيق كله [له] 3487، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" 3488، ولأن السيد يملك تأديب رقيقه وضربه على الذنب وهذا من جنسه، ولكون سبب ولايته الملك استوى العدل والذكر فيه وضدهما، ولو كان الرقيق مكاتبا أو مرهونا أو مستاجرا فلسيده جلده في الحد بشرطه لعموم الخبر، ولتمام ملكه عليه.
ولا يقيمه سيد على أمة مزوجة لقول ابن عمر: "إذا كانت الأمة مزوجة رفعت إلى السلطان، فإن لم يكن لها زوج جلدها سيد نصف ما على المحصن" 3489، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، ولأن منفعتها مملوكة لغيره ملكا غير مقيد بوقت أشبهت المشتركة، وما ثبت مما يوجب الحد على رقيق بعلم السيد برؤية أو غيرها أو إقرار كالثابت ببينة؛ لأنه يجري مجرى التأديب، بخلاف الحاكم فإنه متهم، وللسيد سماع البينة على رقيقه إذا علم شروطها، وليس له قتل
الجزء: 4 - الصفحة: 823
في ردة، ولا قطع في سرقة؛ لأن الأصل تفويض إقامة الحد إلى الإمام، وإنما فوض الجلد إلى السيد خاصة لأنه تأديب، والحديث جاء في جارية زنت، فالظاهر أنه إنما أراد ذلك الحد وشبهه، ولأن في الجلد سترا على رقيقه لئلا يفتضح بإقامة الإمام الحد عليه فتنقص قيمته وذلك منتف فيهما.
ويجب إقامة الحد ولو كان من يقيمه شريكا أو عونا لمن يقيمه عليه في تلك المعصية لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في هذه الحالة، ولا يجمع بين معصيتين.
وتحرم إقامته بمسجد لحديث حكيم بن حزام 3490: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى أن يستقاد بالمسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود" 3491؛ ولأنه لا يؤمن من حدوث ما يلوث المسجد، فإن أقيم به لم يعد لحصول المقصود من الزجر.
الجزء: 4 - الصفحة: 824
ويحرم أن يقيمه إمام أو نائبه بعلمه بلا بينة لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ 3492 ولقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ 3493، ولأنه لا يجوز له التكلم به فالعمل أولى، حتى لو رماه بما علمه منه لكان قاذفا يحد للقذف.
(ويضرب) الـ (رجل) الحد (قائما) ليعطى كل عضو حظه من الضرب (بسوط)، قال في "الرعاية" 3494 من عنده: "حجم السوط بين القضيب والعصا".
وهو معنى ما في شرح المهذب للحنفية، وفي المختار لهم: بسوط لا ثمرة له 3495. قال في "المبدع" 3496: "فيتعين أن لا يكون من الجلد".
(لا خلق) نصا بفتح اللام؛ لأنه لا يؤلم (ولا جديد) لئلا يجرح، وفي "الرعاية" 3497: بين اليابس والرطب.
وروى مالك عن زيد بن أسلم 3498 مرسلا أن رجلا اعترف عند
الجزء: 4 - الصفحة: 825
النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتي بسوط مكسور فقال: "فوق هذا"، فأتي بسوط جديد لم تكسر ثمرته فقال: "بين هاذين" 3499، وروي عن أبي هريرة مسندا 3500، وعن علي: "ضرب بين ضربين وسوط بين سوطين" 3501، أي لا شديد فيقتل ولا ضعيف فلا يردع.
بلا مد ولا ربط ولا تجريد لقول ابن مسعود: "ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد" 3502، ولم ينقل عن أحد من أصحابه عليه السلام فعل ذلك، (ويكون
الجزء: 4 - الصفحة: 826
عليه قميص وقميصان) وينزع عنه فرو وجبة محشوة؛ لأنه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب، ولا يبالغ في ضرب بحيث يشق الجلد؛ لأن القصد أدبه لا إهلاكه، (ولا يبدي ضارب إبطه) في رفع يد للضرب نصا، (ويسن تفريقه) أي الضرب (على الأعضاء) ليأخذ منه كل عضو حظه، وتوالي الضرب على عضو واحد يؤدي إلى قتله، وهو مأمور بعدمه، قال في "الشرح" 3503: "ويكثر منه في مواضع اللحم كالآليتين والفخذين".
ويضرب من جالس ظهره وما قاربه، (ويجب) في الجلد (اتقاء وجه و) اتقاء (رأس و) اتقاء (فرج و) اتقاء (مقتل) كفؤاد وخصيتين لئلا يؤدى ضربه في شيء من هذه المواضع إلى قتله أو ذهاب منفعته، والقصد أدبه فقط.
(وامرأة كرجل لكن تضرب جالسة) لقول علي: "تضرب المرأة جالسة، والرجل قائما" 3504، (وتشد عليها ثيابها وتمسك يداها) لئلا تنكشف لأن المرأة عورة وفعل ذلك أستر لها.
= ضعيف، فإنه مع انقطاعه بين الضحاك وابن مسعود، فإن جويبرا متروك".
الجزء: 4 - الصفحة: 827
ويعتبر لإقامة حد نية بأن ينويه للَّه ولما وضع اللَّه ذلك [لأجله كالزجر] 3505، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 3506، لكن إن نوى الإمام وأمر عبدا أعجميا لا معرفة له بالنية أجزأت نية الإمام والعبد كالآلة ذكره في "الفصول" 3507، ولا تعتبر موالاة الضرب في الجلد لزيادة العقوبة ولسقوطه بالشبهة.
وأشد الجلد في الحدود جلد زنا فقذف فشرب فتعزير.
(ولا يحفر لمرجوم) ولو كان أنثى ولو ثبت الزنى عليها ببينة؛ لأنه عليه السلام لم يحفر للجهنية 3508،
الجزء: 4 - الصفحة: 828
واليهوديين 3509. (ومن مات وعليه حد سقط) بموته.
وإن رأى الإمام أو نائبه الضرب في حد شرب مسكر بجريد أو نعال وأيد فله ذلك، لحديث أبي داود عن أبي هريرة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أتي برجل قد شرب فقال: "اضربوه، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بنعله، والضارب بثوبه، والضارب بيده" 3510.
ولا يؤخر استيفاء حد لمرض ولو رجي زواله؛ لأن عمر أقام الحد على قدامة بن مظعون 3511 في مرضه ولم يؤخر 3512 وانتشر ذلك ولم ينكر؛ ولأن الأصل في الأمر = الجنائز برقم (1957) المجتبى 4/ 63، وأحمد برقم (19360) المسند 5/ 593، والدرمي، باب الحامل إذا اعترفت بالزناء، كتاب الحدود برقم (2325) سنن الدارمي 2/ 235.
الجزء: 4 - الصفحة: 829
أنه للفور فلا يؤخر المأمور به بلا حجة، ولا يؤخره لحر أو برد أو ضعف لما تقدم.
فإن كان الحد جلدا وخيف على المحدود من السوط لم يتعين، فيقام عليه الحد بطرف ثوب وعثكول 3513 نخل وهو: الضغث -بالضاد والغين المعجمتين والثاء المثلثة- فإذا أخذ ضغثا به مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة أجزأ، لحديث أبي داود والنسائي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف 3514 عن بعض أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 3515 لكن قال ابن المنذر: في إسناده مقال.
3516، ولأن ضربه التام يؤدي إلى
الجزء: 4 - الصفحة: 830
إتلافه، وتركه بالكلية غير جائز فتعين ما ذكر.
ويؤخر الحد لسكر حتى يصحو الشارب نصا 3517، فلو خالف وأقام الحد عليه في سكره سقط الحد إن أحس بألم الضرب وإلا فلا.
ويؤخر قطع في سرقة ونحوها خوف تلف محدود بقطعه لما مر أن القصد زجره لا إهلاكه.
ويحرم بعد إقامة حد حبس محدود وإيذاؤه بكلام كالتعبير لنسخه بمشروعية الحد كنسخ حبس المرأة، ومن مات بجلد في تعزير أو في حد بقطع أو جلد ولم يلزم تأخيره فهدر؛ لأنه مات في فعل مأذون فيه شرعا.
فإن لزم تأخير الحد بأن كانت حاملا أو كان مريضا ووجب عليه القطع فاستوفاه إذن فتلف المحدود ضمنه لعدوانه.
الجزء: 4 - الصفحة: 831
ومن زاد في عدد جلد ولو جلدة أو في السوط الذي ضرب به أو اعتمد في ضربه أو ضربه بسوط لا يحتمله فتلف ضمنه بديته كاملة لحصول التلف بعدوانه.
ويجب في إقامة حد زنا حضور إمام أو نائبه وحضور طائفة من المؤمنين ولو واحدا مع من يقيم الحد لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 3518، وسن حضور من شهد بزنا وبداءتهم برجم، وإن ثبت بإقرار سن بداءة إمام أو نائبه، لما روى سعيد عن علي: "الرجم رجمان، فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإِمام، وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس" 3519، ولأن فعل ذلك أبعد من التهمة في الكذب عليه، والسنة أن يدور الناس حول المرجوم إن ثبت ببينة لا بإقرار ولاحتمال أن يهرب فيترك.
ومتى رجع مقر بزنا عن إقراره، أو رجع مقر بسرقة، أو بشرب خمر عن إقراره قبل أن يقام عليه الحد ولو بعد الشهادة على إقراره لم يقم عليه، وإن رجع في أثناء الحد أو هرب ترك؛ لأن ماعزا هرب فذكر ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "هلا تركتموه يتوب فيتوب اللَّه عليه" 3520.
الجزء: 4 - الصفحة: 832
فإن تمم حد على راجع فلا قود للشبهة، ويضمن راجع لا هارب بالدية لزوال إقراره برجوعه عنه، بخلاف الهارب، ومثله من طلب أن يرد للحاكم لأن ذلك ليس صريحا في رجوعه.
وإن ثبت زنا أو سرقة أو شرب ببينة على الفعل فهرب لم يترك؛ لأنه لا أثر لرجوعه ولا هربه إذن.
ومن أتى حدا ستر نفسه استحبابا, ولم يجب ولم يسن أن يقر به عند حاكم لحديث: "إن اللَّه ستير ويحب من عباده الستير" 3521، والحد كفارة لذلك الذنب الذي أوجبه للخبر.
= 285، وابن أبي شيبة، باب في الزاني كم مرة يرد، كتاب الحدود برقم (8816) الكتاب المصنف 10/ 71، 72، والبيهقي، باب من أجاز أن لا يحضر الإِمام المرجومين ولا الشهود، كتاب الحدود، السنن الكبرى 8/ 219، والحديث حسن إسناده الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 4/ 58، وكذا الألباني في الإرواء 7/ 358.
الجزء: 4 - الصفحة: 833
وإذا اجتمعت حدود للَّه تعالى من جنس واحد بأن زنى أو سرق أو شرب مرارا تداخلت، فلا يحدّ سوى مرة حكاه ابن المنذر إجماع كل من يحفظ عنه من أهل العلم 3522؛ لأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل وهو حاصل بحد واحد، وكالكفارة من جنس.
وإن اجتمعت حدود للَّه تعالى من أجناس كإن زنى وسرق وشرب وفيها قتل بأن كان محصنا استوفى القتل وحده، لقول ابن مسعود: "إذا اجتمع حدان أحدهما القتل أحاط القتل بذلك" رواه سعيد 3523، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، وكالمحارب إذا قتل وأخذ المال، ولأن الغرض الزجر ومع القتل لا حاجة له.
وإلا يكن فيها قتل وهي من أجناس وجب أن يبدأ بالأخف فالأخف، فيحد أولا لشرب، ثم لزنا، ثم يقطع.
وتستوفى حقوق آدمي كلها فيها قتل أو لا كسائر حقوقه، ولأن ما دون القتل حق لآدمي فلا يسقط بالقتل كالديون، بخلاف حق اللَّه فإنه مبني على المسامحة، ويبدأ بغير قتل بالأخف فالأخف وجوبا، فمن قذف، وقطع
الجزء: 4 - الصفحة: 834
عضوا، وقتل مكافئا، حد أولا لقذف، ثم قطع، ثم قتل.
وكذا لو اجتمعت حقوق آدمي مع حدود اللَّه تعالى فتستوفى كلها ويبدأ بحق آدمي، فلو زنى وشرب مسكرا وقذف وقطع يدا قطعت يده؛ لأنه محض حق آدمي لسقوطه بإسقاطه، ثم حد لقذف للاختلاف في كونه حقا لآدمي، ثم لشرب، ثم لزنا.
ولا يستوفى حد حتى يبرأ ما قبله لئلا يؤدي توالي الحدود عليه إلى تلفه.
الجزء: 4 - الصفحة: 835
فصل
ومن قتل أو أتى حدا خارج حرم مكة ثم لجأ إليه، أو لجا حربي أو مرتد إليه حرم أن يؤاخذ حتى بدون قتل فيه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ 3524، وهو خبر أريد به الأمر، أي: أمنوه 3525، ولأنه عليه السلام: "حرم سفك الدم بمكة" 3526، وقوله عليه السلام: "فقولوا: إن اللَّه أذن لرسوله، ولم يأذن لكم" 3527، وقوله: "إن أعدى الناس على اللَّه من قتل في الحرم" رواه أحمد من حديث عبد اللَّه بن عمر 3528، وحديث أبي
الجزء: 4 - الصفحة: 836
شريح 3529، وقال ابن عمر: "لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته" رواه أحمد 3530.
لكن لا يبايع ولا يشارى ولا يكلم زاد في "الروضة": "ولا يؤاكل ولا يشارب".
3531 حتى يخرج منه فيقام عليه، لئلا يتمكن من الإقامة دائما فيضيع الحق عليه.
ومن فعله فيه أخذ به فيه لقول ابن عباس: "من أحدث حدثا في الحرم أقيم = طريق حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وأرده الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 177 وقال: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات".
ا. هـ. وأخرجه ابن حبان، من حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- باب ذكر نفي القصاص في القتل.
. الخ، كتاب الجنايات برقم (5996) الإحسان 13/ 341، وفيه: "إن أعتى الناس على اللَّه ثلاثة: من قتل في حرم اللَّه، أو قتل غير قاتله.
. . "، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط -محقق الإحسان-: "إسناده حسن.
. . والخبر بطوله من حديث ابن عمر لم أجده عند غير المؤلف.
. وأخرجه مطولا مع قليل من الاختصار: أحمد من طريقين عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فجعله من مسند عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وهذا سند حسن".
الجزء: 4 - الصفحة: 837
عليه ما أحدث من شيء" رواه الأثرم 3532، ومن قوتل في الحرم دفع عن نفسه فقط، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ 3533، ولأن أهل الحرم محتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولهتك الجاني ونحوه في الحرم حرمته، فلا ينتهر لتحريم دمه وصيانته كالجاني في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك.
ونسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم، ولا تعصم الأشهر الحرم شيئًا من الحدود والجنايات، فلو أتى بشيء من ذلك ثم دخل شهر حرام أقيم عليه ما وجب قبله لعموم الأدلة.
الجزء: 4 - الصفحة: 838
فصل في حد الزنى
بالقصر في لغة الحجاز والمد عند تميم.
3534
وهو فعل الفاحشة في قبل أو دبر 3535. وهو من أكبر الكبائر، وأجمعوا على تحريمه 3536 لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)﴾ 3537 , وحديث: "اجتنبوا السبع المويقات" 3538، وكان حد
الجزء: 4 - الصفحة: 839
الزنى في صدر الإِسلام الحبس للنساء، والأذى بالكلام للرجال، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ الآيتين 3539 ثم نسخ بحديث عبادة بن الصامت مرفوعا: "خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" رواه مسلم 3540، وأجاز أصحابنا نسخ الكتاب بالسنة 3541، ومن منع ذلك قال: ليس هذا نسخا إنما هو تفسير للقرآن وتبيين = 8/ 137، ومسلم، باب كون الشرك أقبح الذنوب، كتاب الإيمان, برقم (86) صحيح مسلم 1/ 90 - 91.
الجزء: 4 - الصفحة: 840
له 3542، ويمكن أن يقال: نسخه حصل بالقرآن، فإن الجلد في كتاب اللَّه تعالى، والرجم كان فيه فنسخ رسمه وبقي حكمه، قاله في "المغني" 3543 و"الشرح" 3544.
(فيرجم زان) مكلف (محصن) وجوبا بحجارة متوسطة كالكف، فلا ينبغي أن يثخن بصخرة كبيرة، ولا أن يطول عليه بحصاة خفيفة، ويتقى الوجه (حتى يموت) لحديث عمر قال: "إن اللَّه تعالى بعث محمدا -صلى اللَّه عليه وسلم- بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأتها وعقلتها ووعيتها، رجم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورجمنا بعده، فاخشى إن طال بالناس زمان يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب اللَّه، فيضل بترك فريضة.
أنزلها اللَّه تعالى، فالرجم حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت به البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف، وقد قرأتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم" متفق عليه 3545، ولا يجلد محصن قبل الرجم قال
الجزء: 4 - الصفحة: 841
الأثرم: سمعت أبا 3546 عبد اللَّه يقول في حديث عبادة: أنه أول حد نزل، وأن حديث ماعز بعده، رجمه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يجلده، وعمر رجم ولم يجلد 3547. (وغيره) أي المحصن بأن زنا حر مكلف غير محصن فإنه (يجلد مائة) بلا خلاف للخبر، (ويغرب) إلى ما يراه الإمام لا هو (عاما) ولو أنثى، مسلما كان أو كافرا، لعموم الخبر؛ ولأنه حد ترتب على الزاني فوجب على الكافر كالقود، وروى الترمذي عن ابن عمر: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب" 3548. ويكون تغريب أنثى مع محرم باذل نفسه معها وجوبا لعموم نهيها عن السفر بلا محرم، وعليها أجرته لصرف نفعه في أداء ما وجب عليها، فإن تعذرت أجرته = 6/ 158، ومن حديث زيد بن ثابت برقم (21086) المسند 6/ 234، والدارمي، باب في حد المحصنين بالزناء، كتاب الحدود برقم 2323، سنن الدارمي 2/ 234، والحاكم، باب من كفر بالقرآن، كتاب الحدود، المستدرك 4/ 360 وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
الجزء: 4 - الصفحة: 842
منها لعدم أو امتناع فمن بيت المال؛ لأنه من المصالح، فإن أبى السفر معها، أو تعذر بأن لم يكن لها محرم فتغرب وحدها إلى مسافة قصر للحاجة كسفر الهجرة وكالحج إذا مات المحرم في الطريق، ويغرب غريب زنى إلى غير وطنه لأن عوده إلى وطنه ليس تغريبا.
(و) يجلد (رقيق) زنى (خمسين) جلدة لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ 3549، والعذاب المذكور في القرآن مائة جلدة فينصرف التنصيف إليه دون غيره والرجم لا يتأتى تنصيفه، (ولا يغرب) رقيق زنى؛ لأنه عقوبة لسيده دونه، إذ العبد لا ضرر عليه في تغريبه؛ لأنه غريب في موضعه، ويترفه فيه بترك الخدمة، ويتضرر سيده بذلك، ولا يعير زان بعد الحد، لقوله عليه السلام: "فليجلدها ولا يثرب" 3550 يقال: ثربه أي: لامه وعيره بذنبه 3551.
(و) يجلد ويغرب (مبعض) زنى (بحسابه) [فيهما] 3552، فالمنصف يجلد خمس
الجزء: 4 - الصفحة: 843
وسبعون جلدة ويغرب نصف عام نصا 3553، ويحسب زمن التغريب عليه من نصيبه الحر، والمدبر والمكاتب وأم الولد والعلق عتقه بصفة كالرقيق في الحد لأنه رقيق كله.
وإن زنى محصن ببكر وعكسه فلكل حده، لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد: "في رجلين اختصما إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان ابن أحدهما عسيفا 3554 عند الآخر فزنا بامرأته، فجلد ابنه مائة وغربه عاما، وأمر أنيسا الأسلمي يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها" متفق عليه 3555، وزان بذات محرم كزان بغيرها على ما سبق تفصيله لعموم الأخبار.
ولوطي فاعل ومفعول به كزان، فمن كان منهما محصنا رجم وغير المحصن يجلد مائة ويغرب عاما، والرقيق يجلد خمسين والمبعض بحسابه لحديث: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" 3556، ومن أتى البهيمة ولو سمكة عزر، روي عن
الجزء: 4 - الصفحة: 844
ابن عباس 3557 , لأنه لا نص فيه يصح، ولا يصح قياسه على فرج الآدمي؛ لأنه لا حرمة له، والنفوس تعافه، وقتلت البهيمة المأتية مأكولة كانت أو لا، لئلا يغتر بها, لحديث ابن عباس مرفوعًا: "من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي 3558، وضعفه الطحاوي 3559، وصح عن ابن
الجزء: 4 - الصفحة: 845
عباس: "من أتى البهيمة فلا حد عليه" 3560 لكن لا تقتل إلا بالشهادة على فعله بها إن لم تكن ملكه؛ لأنه لا يقبل إقراره على ملك غيره، ويحرم أكلها؛ لأنها حيوان وجب قتله لحق اللَّه تعالى، أشبه سائر المقتولات، فيضمنها الآتي لها بقيمتها لإتلافها بسببه كما لو جرحها فماتت.
(والمحصن: من وطئ زوجته) لا سريته (بنكاح صحيح) لا باطل ولا فاسد ولو كتابية (في قبلها ولو مرة)، أو في حيض، أو صوم، أو إحرام ونحوه وهما حران مكلفان ولو مستأمنين أو ذميين، فلا إحصان مع صغر أحدهما أو جنونه أو رقه، فلا إحصان لواحد منهما مع فقد شيء مما ذكر من القيود السابقة، ويثبت إحصانه بقوله: وطئتها أو جامعتها أو دخلت بها, ولا يثبت إحصان بولده منها مع إنكاره وطئها؛ لأن الولد يلحق بإمكان الوطء، والإحصان لا يثبت إلا بحقيقة الوطء، وكذا لو كان لامرأة ولد من زوجها فأنكرت أن يكون وطئها لم يثبت إحصانها لذلك.
وإذا جلد زان على أنه بكر فبان محصنا رجم، لحديث جابر: "أن رجلا زنى بامرأة فأمر به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فجلد به الحد، ثم أخبر أنه محصن
الجزء: 4 - الصفحة: 846
فرجم" رواه أبو داود 3561، ولتبين أنه لم يحد الحد الواجب.
ويكفن المحدود بالرجم ويغسل ويصلى عليه إن كان مسلما، قال أحمد 3562: سئل علي عن شراحة 3563 وكان رجماها فقال: "اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم، وصلى علي عليها" 3564 وللترمذي عن عمران بن حصين في الجهنية: "فأمر بها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فرجمت، وصلى عليها" وقال: "حسن صحيح".
3565
الجزء: 4 - الصفحة: 847
(وشروطه) أي حد الزنى (ثلاثة): - أحدها: (تغييب حشفة أصلية) ولو من خصي أو تغييب قدرها لعدمها (في فرج أصلي لآدمي ولو دبرا) لذكر أو أنثى، لحديث ابن مسعود: "أن رجلا جاء إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إني وجدت امرأة في البستان فأصبت منها كل شيء غير أني لم أنكحها، فافعل بي ما شئت، فقرأ عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ 3566 رواه النسائي 3567، فلا حد بتغييب بعض الحشفة، ولا بتغييب ذكر خنثى مشكل، ولا بتغييب في فرجه، ولا بالقبلة والباشرة دون الفرج، ولا بإتيان المرأة المرأة، ويعزر في ذلك كله، وأما الرجل المذكور في حديث ابن مسعود فقد جاء تائبا كما يدل عليه = 3/ 1324، وأبو داود، باب المرأة التي أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- برجمها من جهينة، كتاب الحدود برقم (4440) سنن أبي داود 4/ 151 - 152، والنسائي، باب الصلاة على المرجوم، كتاب الجنائز برقم (1957) المجتبى 4/ 63، وأحمد برقم (19360) المسند 5/ 593، والدارمي، باب الحامل إذا اعترفت بالزنا، كتاب الحدود برقم (2325) سنن الدارمي 2/ 235.
الجزء: 4 - الصفحة: 848
ظاهر حاله، على أن للإمام ترك التعزير إذا رآه كما في "المغني" 3568 و"الشرح" 3569. (و) الشرط الثاني: (انتفاء الشبهة) لحديث: "ادرؤا الحدود بالشبهات ما استطعتم" 3570 فلو وطئ زوجته أو سريته في حيض أو نفاس أو دبرها فلا حد عليه؛ لأنه وطء صادف ملكا، أو وطئ أمته المحرمة برضاع أو غيره كموطؤة ابنه أو أم زوجته أو أمته المزوجة أو المعتدة أو المرتدة أو المجوسية أو أمة له فيها شرك أو لولده أو لمكاتبه أو لبيت المال، أو وطئ في نكاح مختلف فيه، أو في ملك يختلف فيه يعتقد تحريمه كنكاح متعة أو بلا ولي أو في شراء فاسد بعد قبضه، أو وطئ امرأة وجدها على فراشه أو بمنزله ظنها امرأته أو أمته، أو ظن أن له فيها شركا، أو جهل تحريم الزنى لقرب إسلامه أو لنشوئه ببادية فلا حد، لحديث عائشة مرفوعا: "ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإِمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" 3571.
الجزء: 4 - الصفحة: 849
وإن وطئ مكلف امرأة في نكاح باطل إجماعا مع علمه ببطلانه كنكاح مزوجة أو معتدة من غير زنا، أو خامسة أو ذات محرم من نسب أو رضاع أو مصاهرة حد لا بإكراه على شيء من ذلك.
(و) الشرط الثالث: (ثبوته) أي الزنى وله صورتان، ذكر الأولى منهما بقوله: (بشهادة أربعة رجال عدول) يشهدون عليه (في مجلس واحد) ولو جاءوا متفرقين (بزنا واحد) متعلق بشهادة (مع وصفه) أي الزنى، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ الآية 3572، وقوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ 3573، فيجوز لهم النظر إليهما حال الجماع لإقامة الشهادة عليهما، واعتبر كونهم رجالا؛ لأن الأربعة اسم لعدد المذكور، ولأن في شهادة النساء شبهة لتطرق الاحتمال إليهن، وعدولا كسائر الشهادات، وكونها في مجلس: "لأن عمر حد الثلاثة = عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
. . ويزيد بن زياد الدمشقي ضعيف في الحديث" ا. هـ، والحديث قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: قال النسائي يزيد بن زياد شامي متروك".
ا. هـ، ثم أخرج الترمذي من طريق وكيع عن يزيد بن زياد نحوه ولم يرفعه: وكذا ابن أبي شيبة في المصنف 9/ 569 - 570 برقم (8551)، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 238. قال الألباني في الإرواء 8/ 25: "هو ضعيف مرفوعا وموقوفا، فإن مداره على يزيد بن زياد الدمشقي وهو متروك كما في التقريب".
وينظر: التقريب ص 601.
الجزء: 4 - الصفحة: 850
الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا لما تخلف الرابع" 3574، ولولا اعتبار اتحاد المجلس لم يحدهم لاحتمال أن يكملوا برابع في مجلس آخر، ومعنى وصفهم للزنا أن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة 3575 والرشاء في البئر 3576، ويكفي أنهم رأوا ذكره في فرجها والتشبيه تأكيد.
فإن شهدوا في مجلسين فأكثر بأن شهد البعض ولم يشهد الباقي حتى قام الحاكم من مجلسه حد الجميع للقذف لما تقدم عن عمر، ولا ينافيه كون المجلس لم يذكر في الآية؛ لأن العدالة أيضا ووصف الزنى لم يذكرا فيها مع اعتبارهما لدليل آخر.
أو شهد بعضهم بالزنا وامتنع بعض أو لم يكملها بعضهم حد من شهد منهم للقذف، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، وجلد عمر أبا بكرة 3577 وصاحبيه حين لم يكمل الرابع شهادته بمحضر من الصحابة ولم ينكر.
الجزء: 4 - الصفحة: 851
أو كان الشهود أو بعضهم لا تقبل شهادتهم فيه لعمى أو فسق أو لكون أحدهم زوجا حدوا للقذف، لعدم كمال شهادتهم كما لو لم يكمل العدد، وكما لو بأن مشهود عليه مجبوبا أو بانت مشهود عليها رتقاء للقطع بكذبهم.
وإن شهدوا عليها بالزنا فتبين أنها عذراء لم تحد هي لثبوت بكارتها، ووجودها يمنع من الزنى ظاهرا, ولا يحد الرجل للشبهة ولا الشهود؛ لأن الشهادة كملت مع احتمال صدقهم، فإنه يحتمل أن يكون وطئها ثم عادت عذرتها.
أو كان الشهود الأربعة مستوري الحال، أو مات أحدهم قبل وصفه فلا يحدون لمفهوم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ وقد جيء هنا بالأربعة ولا تحد هي ولا الرجل.
وإن شهد أربعة بزنا فرجعوا كلهم أو رجع بعضهم قبل حد ولو بعد حكم لم يحد مشهود عليه للشبهة، وإن رجع بعضهم بعد حد حد راجع عن شهادته فقط؛ لأن إقامة الحد كحكم فلا ينقض برجوع الشهود أو بعضهم، لكن يحد الراجع لإقراره بالقذف إن طالب به مقذوف قبل موته وإلا فلا.
وإن شهد أربعة بزناه بفلانة فشهد أربعة آخرون أن الشهود هم الزناة بها دون المشهود عليه حد الأربعة للقذف وللزنا؛ لأنهم شهدوا بزنا لم يثبت فهم قذفة وثبت عليهم الزنى بشهادة الآخرين.
وإذا كملت الشهادة بحد ثم مات الشهود أو غابوا لم يمنع ذلك إقامة الحد كسائر الحقوق، واحتمال رجوعهم ليس شبهة يدرأ بها الحد لبعده.
وإن حملت من لا لها زوج ولا سيد لم تحد بذلك العمل بمجرده لكن تسأل
الجزء: 4 - الصفحة: 852
ولا يجب سؤالها لما فيه من إشاعة الفاحشة، وهو منهي عنه، فإن ادعت إكراها أو وطءا بشبهة أو لم تقر بالزنا أربعا لم تحد، وروى سعيد: "أن امرأة رفعت إلى عمر ليس لها زوج وقد حملت، فسألها عمر فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس، وقع علي رجل وأنا نائمة فما استيقظت حتى فرغ فدرأ عنها الحد" 3578، وروي عن علي وابن عباس: "إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل" 3579. وذكر الصورة الثانية بقوله: (أو) بـ (إقراره) أي المكلف بالزنا (أربع مرات) لحديث ماعز بن مالك: "اعترف عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الأولى والثانية والثالثة ورده، فقيل له: إنك إن اعترفت عنده الرابعة رجمك، فاعترف الرابعة فحبسه، ثم سأل عنه فقالوا: لا نعلم إلا خيرا، فأمر به فرجم" 3580 حتى ولو كان الاعتراف أربعا في مجالس لأن
الجزء: 4 - الصفحة: 853
ماعزا أقر أربع مرات عنده عليه السلام في مجلس واحد، والغامدية أقرت عنده بذلك في مجالس، رواه مسلم والدارقطني 3581 من حديث = وله شواهد من حديث جابر بن سمرة، وعبد اللَّه بن عباس، وبريدة بن الخصيف -رضي اللَّه عنهم- لكن ليس في شيء منها: (إنك إن اعترفت عنده الرابعة رجمك).
فأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم، باب من اعترف على نفسه في الزنى، كتاب الحدود برقم (1692) صحيح مسلم 3/ 1319 - 1320، وأحمد برقم (20343) المسند 6/ 97. وحديث ابن عباس أخرجه أيضا مسلم، في الموضع السابق، برقم (1693)، وأبو داود، باب رجم ماعز، كتاب الحدود برقم (4425 - 4426) سنن أبي داود 4/ 147، وأحمد بالأرقام (2203، 2869، 3020) المسند 1/ 406، 516، 539. وحديث بريدة أخرجه أيضا مسلم في الموضع السابق، برقم (1695)، وأحمد برقم (22433) المسند 6/ 476.
الجزء: 4 - الصفحة: 854
بريدة 3582. (مع ذكر حقيقة الوطء) لحديث ابن عباس: "لما أتى ماعز بن مالك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول اللَّه، قال: أنكتها؟ لا يكني قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه" رواه البخاري وأبو داود 3583، وفي حديث أبي هريرة قال للأسلمي: "أنكتها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزنى؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، قال: فأمر به فرجم" رواه الدارقطني 3584، ولأن الحد يدرأ بالشبهة
الجزء: 4 - الصفحة: 855
فلا تكفي فيه الكناية.
ولا يعتبر أن يصرح بمن زنى بها فلو أقر أنه زنى بفلانة فكذبته فعليه الحد دونها, لحديث أبي داود عن سهل بن سعد مرفوعا 3585.
(بلا رجوع) متعلق بإقراره، أي بأن لا يرجع مقر بزنا حتى يتم الحد، فإن رجع عن إقراره، أو هرب ترك وتقدم 3586، ولو شهد أربعة على إقراره به أربعا [فأنكر] 3587، أو صدقهم دون أربع فلا حد عليه لرجوعه، ولا حد على من شهد عليه لكمالهم في النصاب.
= الرحمن بن الصامت وهو مجهول".
الإرواء 8/ 24، وأورده في ضعيف سنن أبي داود ص 440 - 441.
الجزء: 4 - الصفحة: 856
فصل في حد القذف
وهو لغة: الرمي بقوة 3588 ثم غلب على الرمي بزنى أو لواط أو شهادة بأحدهما ولم تكمل البينة.
وهو محرم إجماعا 3589 لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ.
.﴾ الآية 3590، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَات.
.﴾ الآية 3591 وحديث: "اجتنبوا السبع الوبقات" متفق عليه 3592.
(والقاذف) وهو مكلف مختار ولو أخرس وقد قذف بإشارة (محصنا) ولو مجبوبا أو كانت مقذوفة ذات محرم من قاذف، أو كانت رتقاء لعموم الآية والأخبار.
(يجلد) قاذف (حر ثمانين) جلدة لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، (و) يجلد قاذف (رقيق نصفها) أربعين جلدة، (و) يجلد قاذف (مبعض
الجزء: 4 - الصفحة: 857
بحسابه)، فمن نصفه حر ونصفه رقيق يجلد قاذفه ستين؛ لأنه حد يتبعض.
ولا يجب حد قذف على أبوين وإن علوا لولد وإن سفل كما لا يجب قود.
والحق في حد القذف للآدمي كالقود فلا يقام بلا طلبه، لكن لا يستوفيه مقذوف بنفسه، ويسقط بعفوه ولو بعد طلبه به كما لو عفى قبله.
وكذا يسقط بإقامة البينة بما قذفه به وبتصديق مقذوف له فيه، وبلعانه إن كان زوجا.
ومن قذف غير محصن ولو قنه عزر ردعا له عن أعراض المعصومين وكفا له عن إيذائهم.
(والمحصن هنا) أي في باب القذف (الحر المسلم العاقل العفيف) عن الزنى ظاهرا ولو كان تائبا منه؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وملاعنة وولدها وولد زنا كغيرهم نصا 3593، فيحد بقذف كل منهم إن كان محصنا.
(وشرط كون مثله يطأ أو يوطأ) وهو ابن عشر فأكثر وبنت تسع فأكثر للحوق العار لهما، و (لا) يشترط (بلوغه) أي المقذوف، ولا يحد قاذف غير بالغ حتى يبلغ ويطالب به بعد بلوغه إذ لا أثر لطلبه قبل بلوغه لعدم اعتبار كلامه ولا طلب لوليه عنه؛ لأن الغرض منه التشفي فلا يقوم غيره مقامه فيه كالقود، وكذا لو جن مقذوف أو أغمي عليه قبل طلبه فلا يستوفى حتى يفيق ويطالب به، وإن جن أو أغمي عليه بعده أقامه الإِمام أو نائبه على القاذف لوجود شرطه وانتفاء مانعه.
ومن قال لمحصنة: زنيت وأنت صغيرة، فإن فسره بدون تسع سنين
الجزء: 4 - الصفحة: 858
عزر، أو قاله لذكر صغير فسره بدون عشر سنين عزر، وإلا يفسره بدون ذلك حد لأنه لا يشترط بلوغ مقذوف.
الجزء: 4 - الصفحة: 859
فصل
وللقذف صريح وكناية، فصريحه: يا منيوكة إن لم يفسره بفعل زوج أو سيد، ويا منيوك يا زان يا عاهر، أو قد زنيت أو زنى فرجك، أو يا لوطي.
وقوله لشخص: لست لأبيك، ولست بولد فلان قذف لأمه إلا أن يكون المقول له ذلك منفيا بلعان لم يستلحقه ملاعن بعد نفيه ولم يفسره قائل ذلك بزنا أمه فلا يكون قذفا لها.
وقوله: ما أنت ابن فلانة ليس بقذف مطلقا إذ الولد من أمه بكل حال.
وقوله لولده: لست بولدي كناية في قذف أمه نصا 3594؛ لأن الوالد إذا أنكر شيئًا من أحوال ولده يقول له ذلك كثيرا، يريد بذلك أنه لا يشبهه لا أنه ليس مخلوقا من مائه، فلا يكون قذفا لأمه مع الاحتمال إلا مع إرادته أنه ليس منه بخلاف الأجنبي.
وقوله: أنت أزنى الناس أو أزنى من فلانة أو فلان صريح في المخاطب فقط، لاستعمال أفعل في المنفرد بالفعل كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ 3595، وقوله: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ
الجزء: 4 - الصفحة: 860
أَحَقُّ بِالْأَمْنِ} 3596، وقولهم العسل أحلى من النحل.
وكنايته والتعريض به: زنت يداك أو زنت رجلاك، لحديث: "العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه" 3597، ويا خنيث يا نظيف يا عفيف، ولامرأة: يا قحبة يا فاجرة يا خبيثة، ولامرأة شخص: قد فضحته وغطيت رأسه أو نكست رأسه وجعلت له قرونا وعلقت عليه أولادا من غيره وأفسدت فراشه.
وقوله لعربي: يا نبطي يا فارسي يا رومي، وقوله لأحدهم: يا عربي، وقوله لمن يخاطبه 3598: يا حلال ابن حلال ما يعرفك الناس بالزنى، أو ما أنا بزان أو ما أمي بزانية، أو يسمع من يقذف شخصا فيقول له: صدقت، أو صدقت فيما قلت، أو أخبرني فلان أنك زنيت، أو أشهدني فلان أنك زنيت ويكذبه فلان، قال أحمد في رواية حنبل: لا أرى الحد إلا على من صرح بالقذف أو الشتيمة.
3599
فإن فسره بمحتمل غير القذف كقوله: أردت بالنبطي نبطي اللسان ونحوه
الجزء: 4 - الصفحة: 861
وبالرومي رومي الخلقة، وبقول أفسدت فراشه: أي أحرقته أو أتلفته، وبقولي: علقت عليه أولادا من غيره التقطت أولادا ونسبتهم إليه، وبمخنث أي فيه طباع التأنيث أي التشبه بالنساء، وبقحبة أنها تتصنع للفجور ونحوه قبل منه وعزر لارتكابه معصية لا حد فيها ولا كفارة.
(و) كما (يعزر بنحو) قوله: (يا كافر، يا ملعون، يا أعور، يا أعرج) يا فاسق، يا فاجر، يا حمار، يا تيس، يا رافضي، يا خبيث البطن أو يا خبيث الفرج، يا عدو اللَّه، يا كذاب، يا خائن، يا شارب الخمر، يا مخنث، يا قرنان 3600، يا قواد ونحوها يا ديوث 3601، قال إبراهيم الحربي 3602: الديوث الذي يدخل الرجال على امرأته.
3603 والقواد عند العامة: السمسار في الزنى.
وإن قذف أهل بلدة أو جماعة لا يتصور الزنى منهم عزر لأنه لا عار عليهم
الجزء: 4 - الصفحة: 862
بذلك للقطع بكذب القاذف.
الجزء: 4 - الصفحة: 863
فصل في التعزير
وهو لغة: المنع، ومنه التعزير بمعنى النصرة 3604، كقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ 3605 لمنع الناصر المعادي والمعاند لمن ينصره.
واصطلاحا: التأديب لأنه يمنع مما لا يجوز فعله 3606.
(ويجب التعزير) على كل مكلف، نص عليه في سب صحابي 3607، وكحد، وكحق آدمي طلبه (في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة)، كمباشرة دون فرج، وإتيان امرأة امرأة، وسرقة لا قطع فيها لفقد حرز ونقص نصاب، وكجناية لا قود فيها كصفع ووكز، وكقذف بغير زنا كقوله: يا فاسق، يا شاهد زور، ونحو ذلك، وكلعنه وليس لمن لعن ردها على من لعنه، وكدعاء عليه وشتمه بغير فرية، وكقوله: اللَّه أكبر عليك، وخصمك اللَّه، وكذا ترك الواجبات، ولا يحتاج في إقامة تعزير إلى مطالبة؛ لأنه مشروع للتأديب، فيعزر من سب صحابي ولو كان له وارث ولم يطالب به، وفي سقوطه
الجزء: 4 - الصفحة: 864
بعفو مجني عليه خلاف.
(ومرجعه) أي التعزير (إلى اجتهاد الإِمام) ولا يزاد فيه على عشرة نصا 3608، لحديث أبي بردة 3609 مرفوعا: "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود اللَّه" متفق عليه 3610 , وللحاكم نقصه عن العشرة؛ لأنه عليه السلام قدر أكثره ولم يقدر أقله فيرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم بحسب حال الشخص.
ويشهر لمصلحة نقله عبد اللَّه في شاهد زور 3611.
ويكون التعزير أيضا بالحبس والصفع والتوبيخ والعزل عن الولاية وإقامته من المجلس حسب ما يراه الحاكم، ويصلبه حيا, ولا يمنع من أكل ووضوء ويصلي بالإيماء ولا يعيد.
ويحرم تعزير بحلق لحية وقطع طرف وجرح؛ لأنه مثلة، وبأخذ مال أو إتلافه؛ لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عمن يقتدى به.
الجزء: 4 - الصفحة: 865
ولا يحرم تعزير بتسويد وجه ولا بأن ينادى عليه بذنبه، ويطاف به مع ضربه، قال أحمد في شاهد الزور 3612 فيه عن عمر: "يضرب ظهره، ويحلق رأسه، ويسخم 3613 وجهه، ويطاف به ويطال حبسه" 3614.
ومن قال لذمي: يا حاج أو لعنه بغير موجب أدب.
ومن عرف بأذى الناس حتى بعينه حبس حتى يموت أو يتوب، ونفقته من بيت المال ليدفع ضرره، وقال المنقح: لا يبعد أن يقتل العائن إذا كان يقتل بعينه غالبا، وأما ما أتلفه فيغرمه انتهى.
3615 وفي "شرح منازل السائرين" لابن القيم 3616: إن كان ذلك بغير اختياره بل غلب على نفسه لم يقتص منه وعليه الدية، وإن عمد ذلك وقدر على رده وعلم أنه يقتل به ساغ للوالي أن يقتله بمثل ما قتل به فيعينه إن شاء كما هو أعان المقتول، وأما قتله بالسيف قصاصا فلا؛ لأن هذا
الجزء: 4 - الصفحة: 866
ليس مما يقتل غالبا ولا هو مماثل للجناية، وفرق بينه وبين الساحر من وجهين قال: وسألت شيخنا عن القتل بالحال هل يوجب القصاص؟ فقال: للولي أن يقتله بالحال كما قتل به.
ويعزر بعشرين سوطا بشرب مسكر في نهار رمضان مع الحد، لما روى أحمد: "أن عليا أتي بالنجاشي 3617 قد شرب خمرا في رمضان، فجلده ثمانين الحد، وعشرين سوطا لفطره في رمضان" 3618 , ومن وطئ أمة امرأته حد ما لم تكن أحلتها له فيجلد مائة إن علم التحريم، لحديث أبي داود عن حبيب بن سالم 3619: "أن رجلا يقال له: عبد الرحمن بن حبيب وقع على جارية
الجزء: 4 - الصفحة: 867
امرأته، فرفع إلى النعمان بن بشير 3620 وهو أمير على الكوفة فقال: لأقضين فيك بقضية رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوها أحلتها فجلده مائة" 3621، وإن ولدت منه لم يلحقه نسبه لانتفاء الملك والشبهة، ولا يسقط حد بإباحة في غير هذا الموضع، ومن وطئ أمة له فيها شرك عزر بمائة سوط إلا سوطا نصا 3622، لينتقص عن حد الزنا, وللحاكم نقص التعزير فيما سبق بحسب اجتهاده.
ومن استمنى من رجل أو امرأة لغير حاجة حرم وعزر عليه؛ لأنه معصية، وإن فعله خوفا من الزنا أو اللواط فلا شيء عليه، ولا يباح إلا إذا لم يقدر
الجزء: 4 - الصفحة: 868
على نكاح ولو لأمة، وقياسه المرأة فلا يباح لها إلا إذا لم يرغب أحد في نكاحها.
الجزء: 4 - الصفحة: 869
فصل في حد المسكر
وهو اسم فاعل من السكر، وهو اختلاط العقل.
3623
(وكل شراب مسكر) خمر (يحرم) شرب قليله وكثيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ 3624، وحديث ابن مسعود مرفوعا: "إن اللَّه قد حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده شيء فلا يشرب ولا يبع، فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها" رواه مسلم مختصرا 3625، وأجمع المسلمون على تحريم الخمر 3626، لكن اختلفوا فيما يقع عليه اسمه.
(مطلقا) أي سواء كان من العنب أو الشعير أو غيرهما، لحديث: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" رواه أحمد وأبو داود 3627، وعن عائشة
الجزء: 4 - الصفحة: 870
مرفوعا: "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" رواه أبو داود والترمذي وقال: "حسن صحيح" 3628، والفرق -بالتحريك-: مكيال يسع ستة عشر رطلا 3629، وعن ابن عمر مرفوعا: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" رواه أحمد وغيره 3630، وعن عمر: "نزل تحريم = 3/ 327، ومسلم، باب بيان أن كل مسكر خمر.
. .، كتاب الأشربة برقم (2003) صحيح مسلم 3/ 1587 - 1588، والترمذي، باب ما جاء في شارب الخمر، كتاب الأشربة برقم (1861) الجامع الصحيح 4/ 256، والنسائي، باب إثبات اسم الخمر لكل مسكر من الأشربة، كتاب الأشربة برقم (5585) المجتبى 8/ 297، وابن ماجة، باب كل مسكر حرام، كتاب الأشربة برقم (3390) سنن ابن ماجة 2/ 1124.
الجزء: 4 - الصفحة: 871
الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والبر والشعير، والخمر ما خامر العقل" متفق عليه 3631.
ولو شربه لعطش لم يجز؛ لأنه لا يحصل به ري بخلاف ماء نجس فيجوز شربه لعطش عند عدم غيره، ولا يجوز استعماله لدواء (إلا لـ[دفع] 3632 لقمة غص بها) ولم يجد غيره (مع خوف تلف) فيجوز لأنه مضطر، (ويقدم عليه) أي الخمر في دفع لقمة غص بها (بول) لوجوب 3633 الحد باستعمال المسكر دون البول، ويقدم عليهما ماء نجس؛ لأن أصله مطعوم بخلاف البول.
(فإذا شربه) أي المسكر أو شرب ما خلط به ولم يستهلك فيه أو استعط (أو احتقن به) أو أكل عجينا لت به (مسلم مكلف) لا صغير ولا مجنون (عالما أن كثيره يسكر) -ويصدق إن قال: لم أعلم- (مختارا) -فإن أكره عليه لم يحد-، وصبره على الأذى أفضل من شربها مكرها نصا 3634، وكذلك كل ما جاز لمكره، وإن أكره بالقتل تعين عليه الفعل ولم يجز له التخلف؛ لأنه إلقاء بنفسه إلى التهلكة، أو وجد مسلم سكران، أو تقيأ الخمر (حد)؛ لأنه لم يسكر، أو تقيأها إلا وقد شربها (حر) وجد منه شيء مما تقدم (ثمانين) جلدة، لما روى الجوزجاني
الجزء: 4 - الصفحة: 872
والدارقطني وغيرهما أن عمر: "استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام" 3635، وعن علي أنه قال في المشورة: "إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفتري" 3636، (و) حد (قن نصفها) أي أربعين جلدة، ذكرا كان أو أنثى ولو مكاتبا أو مدبرا أو أم ولد، ولو ادعى شاربه جهل وجوب الحد حيث علم التحريم.
ويعزر من وجد منه رائحة الخمر ولا يحد لاحتمال أنه تمضمض بها أو ظنها ماء فلما صارت في فيه مجها ونحوه.
ويعزر من حضر شربها لحديث ابن عمر مرفوعا: "لعن اللَّه الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه" رواه أبو داود 3637، ولا تقبل دعوى الجهل بالتحريم ممن
الجزء: 4 - الصفحة: 873
نشأ بين المسلمين؛ لأنه لا يكاد يخفى، بخلاف من نشأ ببادية بعيدة وحديث عهد بالإسلام فيقبل منه ذلك لاحتمال صدقه.
(ويثبت) شرب مسكر (بإقراره) به (مرة كقذف)؛ لأن كلا منهما لا يتضمن إتلافا، بخلاف زنا وسرقة، (أو) بـ (شهادة عدلين) على الشرب أو الإقرار به ولو لم يقولا: شرب مختارا عالما بتحريمه لأنه الأصل، ويقبل رجوع مقر به فلا يحد وتقدم 3638.
(وحرم عصير) عنب (ونحوه إذا غلا) كغليان القدر بأن قذف بزبده نصا 3639، وظاهره ولو لم يسكر؛ لأن علة التحريم الشدة الحادثة فيه وهي توجد بوجود الغليان، وعن أبي هريرة قال: "علمت أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصوم، فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء، ثم أتيته به فإذا هو ينش 3640 فقال: اضرب بهذا الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن باللَّه واليوم الآخر" رواه أبو = 2/ 1121 - 1122، وأحمد برقم (4772) المسند 2/ 103، والبيهقي، باب ما جاء في تحريم الخمر، كتاب الأشربة والحد فيه، السنن الكبرى 8/ 287، والحديث صححه الألباني في الإرواء 8/ 50، وفي صحيح سنن أبي داود 2/ 700.
الجزء: 4 - الصفحة: 874
داود والنسائي 3641.
(أو) أي وحرم عصير (أتى عليه ثلاثة أيام) بلياليهن وإن لم يغل نصا 3642، لحديث: "اشربوا العصير ثلاثا ما لم يغل" 3643، وعن ابن عمر في العصير: "اشربه ما لم يأخذه شيطانه، قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال: ثلاثا" حكاه أحمد وغيره 3644، ولحصول الشدة في الثلاث غالبها وهي خفية تحتاج لضابط والثلاث تصلح لذلك فوجب اعتبارها بها.
وإن طبخ عصير قبل تحريم حل إن ذهب بطبخه ثلثاه فأكثر نصا 3645،
الجزء: 4 - الصفحة: 875
وذكره أبو بكر إجماع المسلمين 3646؛ لأن أبا موسى: "كان يشرب من الطلاء 3647 ما ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه" رواه النسائي 3648 وله مثله عن عمر 3649 وأبي الدرداء 3650 , ولذهاب أكثر رطوبته فلا يكاد يغلي فلا يحصل فيه الشدة بل يصير كالرب 3651. ويكره الخليطان كنبيذ تمر مع زبيب أو بسر مع تمر أو رطب، لحديث جابر مرفوعا: "نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا، ونهى أن ينبذ البسر والرطب جميعا" رواه الجماعة إلا الترمذي 3652.
الجزء: 4 - الصفحة: 876
ولا يكره انتباذ في دباء -بضم الدال وتشديد الباء- أي القرع، ولا في حنتم أي جرار خضر، ولا في نقير أي ما حفر من خشب كقصعة وقدح، ولا في مزفت أي ملطخ بالزفت 3653 لحديث بريدة مرفوعا: "كنت نهيتكم عن الشرب إلا في ظروف الأدم 3654، فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا" رواه أحمد ومسلم 3655. = سنن أبي داود 3/ 333، والترمذي، باب ما جاء في خليط البسر والتمر، كتاب الأشربة برقم (1876) الجامع الصحيح 4/ 263 - 264، والنسائي، باب خليط البسر والتمر، كتاب الأشربة برقم (5556) المجتبى 8/ 290، وابن ماجة، باب النهي عن الخليطين، كتاب الأشربة برقم (3395) سنن ابن ماجة 2/ 1125، وأحمد برقم (14501) المسند 4/ 338.
الجزء: 4 - الصفحة: 877
ومن تشبه بشراب الخمر في مجلسه وآنيته حرم وعزر ولو كان المشروب لبنا.
الجزء: 4 - الصفحة: 878
فصل في القطع في السرقة
أجمعوا عليه 3656 لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 3657 وحديث عائشة مرفوعا: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا" 3658، إلى غيره من الأخبار.
(ويقطع السارق بثمانية شروط): -
أحدها: (السرقة) لأنه تعالى أوجب القطع على السارق فإذا لم توجد السرقة لم يكن الفاعل سارقا، (وهي): أي السرقة (أخذ مال معصوم خفية) من مالكه أو نائبه، مأخوذة من استراق السمع ومسارقة النظر إذا استخفى بذلك 3659، فيقطع الطرار وهو: من بط جيبا أو كما
الجزء: 4 - الصفحة: 879
أو غيرهما 3660 وأخذ منه نصابا، وكذا يقطع جاحد عارية قيمتها نصاب لحديث ابن عمر: "كانت مخزومية 3661 تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بقطع يدها" رواه أحمد وغيره 3662، وعن عائشة مثله، رواه أحمد ومسلم 3663. ولا يقطع جاحد وديعة ولا منتهب لحديث جابر: "ليس على المنتهب قطع" رواه أبو داود 3664 ولا مختلس 3665 ولا غاصب ولا خائن لحديث: "ليس
الجزء: 4 - الصفحة: 880
على الخائن والمختلس قطع" رواه أبو داود والترمذي 3666، وإذا لم يقطع الخائن والمختلس فالغاصب أولى.
(و) الشرط الثاني: (كون سارق مكلفا)؛ لأن غير المكلف مرفوع عنه القلم، (مختارا) لأن المكره معذور، (عال بمسروق و) بـ (تحريمه) أي المسروق عليه فلا قطع على سارق منديل بطرقه نصاب مشدود لم يعلمه، ولا بسرقة جوهر يظن قيمته دون نصاب فبانت أكثر؛ لأنه لا يرفه إلا خواص الناس.
(و) الشرط الثالث: (كون مسروق مالا)؛ لأن غير المال ليس له حرمة المال ولا يساويه فلا يلحق به، والأخبار مقيدة للآية، (محترما)؛ لأن غير المحترم كمال الحربي تجوز سرقته.
ولو كان المسروق من غلة وقف وليس السارق من مستحقيه؛ لأنه مال محترم لغيره.
= ينظر: معجم مقاييس اللغة 2/ 208، ولسان العرب 6/ 65.
الجزء: 4 - الصفحة: 881
ولا يقطع إن سرق من سارق أو غاصب ما سرقه أو غصبه؛ لأنه لم يسرقه من مالكه ولا نائبه.
وما أصله الإباحة كملح وكلأ ونحوهما كغيره فيقطع سارقه إذا بلغت قيمته نصابًا للعمومات سوى ماء فلا يقطع بسرقته؛ لأنه لا يتمول عادة، وسوى سرجين 3667 نجس لأنه ليس بمال.
ويقطع بسرقة كتب علم؛ لأنها مال حقيقة، ويقطع بسرقة قن نائم أو أعجمي ولو كانا كبيرين وبسرقة قن صغير أو مجنون مطلقًا، لما روي عن عائشة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتي برجل يسرق الصبيان، ثم يخرج بهم فيبيعهم في أرض أخرى، فأمر رسول اللَّه بيده فقطعت" 3668.
ولا يقطع بسرقة مكاتب ولا أم ولد ولا حر ولو صغيرًا؛ لأنه ليس بمال، ولا بسرقة مصحف؛ لأن المقصود منه ما فيه من كلام اللَّه تعالى ولا يحل أخذ العوض
الجزء: 4 - الصفحة: 882
عنه 3669، ولا بسرقة ما على مصحف أو صغير من حلي ونحوه ككيس مصحف وثوب صبي ولو بلغت قيمته نصابًا؛ لأنه تابع لما لا يقطع بسرقته، ولا بسرقة كتب بدع وتصاوير كسائر الكتب المحرمة؛ لأنها واجبة الإتلاف، ولا بسرقة آلة لهو ونحو ذلك؛ لأنه معصية كالخمر، ولا بآنية فيها خمر أو ماء لاتصالها بما لا قطع فيه.
(و) الشرط الرابع: (كونه) أي المسروق (نصابا وهو) أي نصاب السرقة (ثلاثة دراهم فضة) خالصة أو تخلص من فضة مغشوشة (أو ربع مثقال ذهبا) ويكفي الوزن من الفضة الخالصة أو التبر 3670 الخالص ولو لم يضربا فلا يقطع بسرقة ما دون ذلك، لحديث: "لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا" رواه أحمد ومسلم وغيرهما 3671، وحديث عائشة مرفوعًا: "اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثني عشر درهمًا" رواه أحمد 3672 وهذان يخصصان عموم الآية، وأما حديث
الجزء: 4 - الصفحة: 883
أبي هريرة مرفوعًا: "لعن اللَّه السارق يسرق العمل فتقطع لده، ويسرق البيضة فتقطع يده" متفق عليه 3673 فيحمل على حبل يساوي ذلك، وكذا البيضة يحمل أن يراد بها بيضة السلاح وهي تساوي ذلك جمعًا بين الأخبار، ويكمل أحدهما بالآخر، فلو سرق درهمًا ونصف درهم من خالص الفضة وثمن دينار من خالص الذهب قطع؛ لأنه سرق نصابًا.
(أو ما) تبلغ (قيمته أحدهما) أي نصابي الذهب والفضة من غيرهما كثوب ونحوه يساوي ذلك، لحديث ابن عمر: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قطع يد = المدينة، فلقيت أَبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو عامل على المدينة، قال: (أتيت بسارق فأرسلت إلى خالتي عمرة بنت عبد الرحمن أن لا تعجل في أمر هذا الرجل حتى آتيك فاخبرك ما سمعت من عائشة في أمر السارق، قال: فأتتني وأخبرتني أنها سمعت عائشة تقول.
.) الحديث قال الألباني في الإرواء 8/ 61: "محمد بن راشد هذا هو المكحولي فيه ضعف من قبل حفظه".
وأخرج الدارقطني في سننه 3/ 189 في كتاب الحدود من طريق خالد بن مخلد نا عبد اللَّه بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور عن يزيد بن عبد اللَّه بن عبد الهادي عن أبي بكر بن حزم عن عروة عن عائشة به مرفوعا نحوه.
فزاد في السند عروة.
قال الألباني في الإرواء 8/ 61: "وبذلك اتصل السند وصح".
وللحديث شاهد عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- مرفوعًا وفيه (أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم) رواه الجماعة، يأتي بعده.
الجزء: 4 - الصفحة: 884
سارق سرق برنسا من صفة النساء 3674 قيمته ثلاثة دراهم" رواه أحمد وغيره 3675، وعن ابن عمر أَيضًا: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قطع في مجن 3676 قيمته ثلاثة دراهم" رواه الجماعة 3677، وفي رواية: "لا تقطع يد السارق في ما دون ثمن
الجزء: 4 - الصفحة: 885
المجن قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار" رواه النسائي 3678، وهذا يدل على أن كلا من النقدين أصل، والمجن الترس.
وتعتبر القيمة حال إخراجه من الحرز اعتبارا بوقت السرقة؛ لأنه وقت الوجوب لوجود السبب فيه لا ما حدث بعد، فلو نقصت قيمة مسروق بعد إخراجه قطع لوجود النقص بعد السرقة، كما لو نقصت قيمته باستعماله.
ولا يقطع إن أتلفه في حرزه باكل أو غيره أو نقصه بذبح أو غيره فنقصت قيمته عن النصاب ثم أخرجه فلا يقطع لما تقدم.
وإن ملكه سارق ببيع أو هبة أو نحوهما بعد إخراجه من حرزه لم يسقط القطع بعد رفعه للحاكم، وليس للمسروق منه العفو عن السارق نصا 3679، لحديث صفوان بن أمية 3680: "أنه نام على ردائه في المسجد، فأخذ من
الجزء: 4 - الصفحة: 886
تحت رأسه، فجاء بسارقه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأمر بقطعه، قال صفوان: يا رسول اللَّه لم أرد هذا، ردائي عليه صدقة، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: فهلا قبل أن تأتيني به" رواه ابن ماجه والجوزجاني 3681.
وإن سرق فرد خف قيمة كل منهما منفردًا درهمان وقيمتهما معا عشرة لم يقطع؛ لأنه لم يسرق نصابًا، وعليه -إن تعذر رد الفرد- ثمانية دراهم قيمة الفرق المتلف درهمان ونقص التفرقة ستة دراهم، وهذا جزء من كتاب واحد [ونظائره كـ] 3682 مصراعي باب.
ويضمن متعد ما في وثيقة من نحو دين أتلفها إن تعذر استيفاؤه بدون إحضارها، وإن كانت عنده أمانة وتلفت بلا تعد ولا تفريط لم يضمن.
وإن اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا كلهم لوجود سبب القطع منهم، كالقتل حتى من لم يخرج منهم نصابًا كاملا لاشتراكهم في هتك الحرز وإخراج النصاب، ولو لم يقطع بعضهم لشبهة أو غيرها قطع الباقي.
ويقطع سارق نصاب لجماعة لوجود السرقة والنصاب كما لو كان رب المال واحدا.
وإن هتك اثنان حرزا وفي خلاه وأخرج أحدهما المال دون الآخر قطعًا
الجزء: 4 - الصفحة: 887
نصا 3683؛ لأن المخرج أخرجه بقوة صاحبه ومعونته أو دخل أحدهما فقربه من النقب وأدخل الآخر يده فأخرجه، أو وضعه وسط النقب فأخذه الخارج منهما قطعًا لما سبق.
وإن رماه إلى الخارج أو ناوله إياه فأخذه أولا قطع الداخل منهما وحده؛ لأنه المخرج للنصاب فاختص القطع به.
وإن هتكه أحدهما وحده ودخل الآخر فأخرج المال فلا قطع عليهما؛ لأن الأول لم يسرق والثاني لم يهتك الحرز.
ومن هتك الحرز وأمر غير مكلف بإخراج النصاب فأخرجه قطع الآمر؛ لأن غير المكلف لا حكم لفعله.
ولو علم إنسان قردا أو نحوه السرقة فسرق قليلًا أو كثيرا فعلى معلمه الغرم دون القطع؛ لأنه لم يهتك الحرز.
(و) الشرط الخامس: (إخراجه) أي النصاب (من حرز مثله) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رجلا من مزينة سأل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الثمار فقال: ما أخذ من غير أكمامه واحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان من الجران 3684 ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن" رواه أبو داود وابن
الجزء: 4 - الصفحة: 888
ماجه 3685، وهو مخصص للآية فلو سرق من غير حرز فلا قطع.
(وحرز كل مال ما حفظ به) ذلك المال (عادة) لأن معنى الحرز: الحفظ، ومنه احترز من كذا 3686، ويختلف الحرز باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته؛ لأنه لما ثبت بالشرع أعتباره من غير تنصيص على بيانه علم أنه رد ذلك إلى العرف؛ لأنه طريق إلى معرفته رجع إليه كما رجع إلى معرفة القبض والفرقة في البيع.
فحرز جوهر ونقد وقماش في الأبنية الحصينة المسكونة من البلد بدار ودكان = 1/ 447، وينظر: لسان العرب 13/ 87. وقال ابن الأثير في النهاية 1/ 263: "هو موضع تجفيف التمر، وهو له كالبيدر للحنطة".
الجزء: 4 - الصفحة: 889
وراء غلق وثيق من قفل خشب أو حديد، فإن كانت الأبواب مفتحة ولا حافظ فيها فليست حرزا، وإن كان فيها خزائن مغلقة فالخزائن حرز لما فيها.
وصندوق بسوق وثم حارس حرز، وحرز خشب وحطب الحظائر 3687، وحرز ماشية من إبل وبقر وغنم الضمير جمع صيرة أي حظيرة الغنم 3688، وحرز ماشية في مرعى براع يراها غالبًا فما غاب عن مشاهدته خرج عن الحرز، وحرز سفن في شط بربطها به على العادة، وحرز إبل باركة معقولة بحافظ حتى نائم، فإن لم تكن معقولة فبحافظ يقظان، وحرز بيوت بصحراء وبيوت في بساتين بملاحظ يراها إن كانت مفتوحة، وإن كانت مغلقة فبنائم فيها، وهذا خيمة وبيت شعر، وحرز ثياب في حمام وأعدال وغزل بسوق أو في خان 3689 بحافظ يراها، كقعوده على متاع وتوسده، فإن فرط حافظه فنام أو اشتغل فلا قطع على سارق؛ لأنه لم يسرق من حرز وضمن حافظ معد للحفظ وإن لم يستحفظ لتفريطه، وأما من ليس معدا للحفظ كجالس بمسجد وضع عنده متاعه فلا ضمان عليه ما لم يستحفظ.
ويقبل صريحا ويفرط.
وحرز كفن مشروع بقبر على ميت، فمن نبش قبرًا وأخذ منه كفنا أو بعضه
الجزء: 4 - الصفحة: 890
يساوي نصابًا قطع لعموم الذي؛ ، وقول عائشة: "سارق أمواتنا كسارق أحيائنا" 3690، وروي عن ابن الزبير أنه قطع نباشا 3691، فإن كان الكفن غير مشروع كان كفن الرجل في أكثر من ثلاث لفائف والمرأة في أكثر من خمسة فسرق الزائد عن المشروع، أو ترك الميت في تابوت فأخذ التابوت، أو ترك معه طيب مجموع، أو نحو ذهب أو فضة فأخذ فلا قطع؛ لأنه سفه وإضاعة مال فلا يكون محرزا بالقبر، وهذا إن أكل الميت ونحوه وبقي الكفن فلا قطع على سارقه كما لو زال نائم بنحو مسجد عن ردائه ثم سرق، والكفن ملك للميت والخصم فيه الورثة لقيامهم مقامه، فإن عدموا فنائب الإِمام وإنه ولي من لا ولي له.
وحرز باب تركيبه بموضعه مفتوحا كان أو مغلقا لأنه العادة، وحرز حلقته بتركيبها فيه، وتأزير 3692 وجدار وسقف كباب، ونوم على رداء ونعل برجل حرز، فيقطر سارقه إذا بلغ نصابًا، وكذا لو سرق باب الكعبة.
الجزء: 4 - الصفحة: 891
ولا يقطع بسرقة ستارة الكعبة الخارجة نصا 3693، ولو كانت مخيطة عليها، ولا بسرقة قناديل مسجد وحصره ونحوهما مما هو لنفع المسلمين، كقفص يضعون نعالهم فيه وخابية 3694 يشربون منها إن كان السارق مسلمًا؛ لأن له فيه حقًا كسرقته من بيت المال، فإن كان ذميًا قطع.
(و) الشرط السادس: (انتفاء الشبهة) فلا قطع بسرقة من مال عمودي نسبه ولا من مال له فيه شرك أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه، ولا بسرقة من غنيمة لأحد ممن ذكر فيها حق قبل القسمة، ولا بسرقة مسلم من بيت المال لقول عمر وابن مسعود: "من سرق من بيت المال فلا قطع، ما من أحد إلا وله في هذا المال حق" 3695.
الجزء: 4 - الصفحة: 892
ولا قطع بسرقة سيد من مكاتبه وعكسه كقنه إذ المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وروى ابن ماجه عن ابن عباس: "أن عبدًا من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يقطعه، وقال: مال اللَّه سرق بعضه بعضًا" 3696.
ولا قطع بسرقة زوج أو زوجة من مال الآخر ولو أحرز عنه، رواه سعيد عن عمر بإسناد جيد 3697، ولأن كلا منهما يرث صاحبه بغير حجب وينبسط في ماله أشبه الولد مع الوالد، وكما لو منعها نفقتها.
ولا قطع بسرقة مسروق منه أو مغصوب منه مال سارق أو غاصب من الحرز الذي فيه العين المسروقة أو المغصوبة؛ لأن لكل منهما شبهة في هتك الحرز إذن لأخذ عين ماله، فإذا هتكه صار كأن المسروق من ذلك الحرز أخذ من غير حرز، وإن = وقول ابن مسعود -رضي اللَّه عنه - فلم أقف على غير ما أشير إليه في رواية عبد الرزاق.
الجزء: 4 - الصفحة: 893
سرقه من حرز آخر أو من مال من له عليه دين قطع؛ لأنه لا شبهة له في المال ولا الحرز لا إن سرق من مال مدينه بقدر دينه لعجزه عن استخلاصه بحاكم لإباحة بعض العلماء له الأخذ إذن، فإن سرق أكثر من دينه وبلغ الزائد نصابًا قطع.
ومن سرق عينا وادعى ملكها أو ملك بعضها لم يقطع، وسماه الشافعي: السارق الظريف 3698؛ لأن ما ادعاه محتمل فهو شبهة في درء الحد، أو ادعى الإذن في دخول الحرز لم يقطع لما تقدم، ويأخذها مسروق منه بيمينه أنها ملكه وحده حيث لا بينة.
(و) الشرط السابع: (ثبوتها) أي السرقة (بشهادة عدلين) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ 3699 والأصل عمومه لكن خولف فيما فيه دليل خاص للدليل فبقي فيما عداه على عمومه، (يصفانها) أي السرقة في شهادتهما، وإلا لم يقطع؛ لأنه حد فيدرء بالشبة؛ كالزنا، ولا تسمع شهادتهما قبل الدعوى من مالك مسروق أو من يقوم مقامه.
(أو) بـ (إقرار) السارق (مرتين)؛ لأنه يتضمن إتلافا فاعتبر تكرار الإقرار فيه كالزنا، واحتج أحمد في رواية مهنا بما حكاه عن القاسم بن عبد الرحمن 3700 عن
الجزء: 4 - الصفحة: 894
علي: "لا تقطع يد السارق حتى يشهد على نفسه مرتين" 3701، (مع وصفـ) ـها، أي السرقة، فيصفها السارق في كل مرة لاحتمال ظنه وجوب القطع عليه مع فقد بعض شروطه، (ولا يرجع عن إقراره) 3702 حتى يقطع، فإن رجع ترك، ولا بأس بتلقجنه الإنكار لحديث أبي أمية المخزومي 3703: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أتي بلص قد اعترف فقال: ما إخالك سرقت، قال: بلى، فأعاد عليه مرتين قال: بلى، فأمر به فقطع" رواه أبو داود 3704. = ينظر: تهذيب الكمال 23/ 379 - 383، وسير أعلام النبلاء 5/ 195 - 196، وتقريب التهذيب ص 450.
الجزء: 4 - الصفحة: 895
(و) الشرط الثامن: (مطالبة مسروق منه أو) مطالبة (وكيله أو) مطالبة (وليه) إن كان محجورا عليه لحظه؛ لأن المال يباح بالبذل والإباحة فيحتمل إباحة مالكه إياه أو إذنه له في دخول حرزه ونحوه مما يسقط القطع، فإذا طالب رب المال به زال هذا الاحتمال وانتفت الشبهة.
= السرقة، السنن الكبرى 8/ 276، من طريق أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي به.
قال الألباني في الإرواء 8/ 79: "هذا إسناد ضعيف من أجل أبي المنذر هذا فإنه لا يعرف".
وأورد الحديث في ضعيف سنن النسائي ص 206.
الجزء: 4 - الصفحة: 896
فصل
(فإذا وجب) القطع (قطعت يده اليمنى) لقراءة ابن مسعود: ﴿اقطعوا أيمانهما﴾ 3705 وهو إما قراءة أو تفسير سمعه من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يثبت في القرآن شيئًا برأيه، ولأنه قول أبي بكر وعمر 3706، ولا مخالف لهما من الصحابة، ولأن السرقة جناية اليمنى غالبًا فتقطع (من مفصل كفه) لقول أبي بكر وعمر: "تقطع يمنى السارق من الكوع" 3707، ولأن اليد تطلق عليها إلى الكوع، وإلى المرفق، وإلى المنكب، وإرادة ما سوى الأول مشكوك فيه فلا قطع مع الشك، (وحسمت) وجوبًا لقوله عليه السلام في سارق: "اقطعوه واحسموه" 3708،
الجزء: 4 - الصفحة: 897
وحسمها بغمسها في زيت مغلي لتنسد أفواه العروق فينقطع الدم إذ لو ترك بلا حسم لنزف الدم فأدى إلى موته، وسن تعليقها في عنقه ثلاثة أيام إن رآه الإمام لتتعظ السراق به.
(فإن عاد) من قطعت يمناه إلى السرقة (قطعت رجله اليسرى من مفصل كعبه) وترك عقبة.
أما قطع الرجل فلحديث أبي هريرة مرفوعًا في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله" 3709، ولأنه قول أبي بكر 3710 وعمر 3711 ولا مخالف لهما من الصحابة، وأما كونها اليسرى فقياسا
الجزء: 4 - الصفحة: 898
على المحاربة، ولأنه أرفق به لأن المشي على الرجل اليمنى أسهل وأمكن له من اليسرى، وأما كونه من مفصل كعبه وترك عقبة فلما روي عن علي: "أنه كان يقطع من شطر القدم ويترك له عقبا يمشي عليها" 3712 (وحسمت) لما تقدم في يده، وينبغي في قطعه أن يقطع بأسهل ما يمكن بأن يجلس ويضبط لئلا يتحرك فيجنى على نفسه، وتشد يده بحبل وتجر حتى يتيقن المفصل ثم توضع السكين وتحر بقوة ليقطع في مرة.
(فإن عاد) فسوق بعد قطع يده ورجله حبس حتى يتوب، ويحرم أن يقطع لما روي عن أبي سعيد المقبري 3713 عن أَبيه عن جده قال: "حضرت علي بن أبي طالب أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق فقال لأصحابه: ما ترون في هذا؟ قالوا: اقطعه يا أمير المؤمنين، قال: أقتله إذا وما عليه القتل بأي شيء يأكل الطعام؟ بأي شيء يتوضأ للصلوات؟ بأي شيء يغتسل من جنابته؟ بأي شيء يقوم لحاجته؟ فرده إلى السجن أيامًا، ثم أخرجه فاستشار أصحابه فقالوا: مثل قولهم الأول، وقال لهم مثل ما قال أول مرة، فجلده جلدًا شديدا، ثم أرسله" رواه
الجزء: 4 - الصفحة: 899
سعيد 3714، ولأن في قطع يده الأخرى تفويتا لمنفعة جنس اليد وذهاب عضوين من شق، وحكمة حبسه كله عن السرقة وتعزيره.
فلو سرق شخص ويمينه ذاهبة أو رجله اليسرى ذاهبة قطع الباقي منهما؛ لأن منفعة الجنس لا تتعطل بذلك وليسا من شق واحد، وإن كان الذاهب يده اليسرى ورجله اليمنى لم يقطع منه شيء لتعطيل منفعة الجنس وذهاب عضوين من شق بذلك القطع لو فعل، ولو كان الذاهب يديه أو يسراهما لم تقطع رجله اليسرى لذهاب عضوين من شق، ولو كان الذاهب رجليه أو يمناهما قطعت يمنى يديه لأنها الآلة ومحل النص ولا يذهب بقطعها منفعة جنسها، ولو ذهبت بعد سرقته يمنى يديه أو يسرى يديه أو مع رجليه أو أحدهما سقط القطع، أما في الأولى فلتلف محل القطع كما لو مات من عليه قود، وأما سقوطه في الثانية فلذهاب منفعة الجنس بقطع يمناه، وأما في الأخيرتين فكذلك وأولى.
والشلاء من يد أو رجل ولو أمن التلف بقطعها كمعدومة، وما ذهب معظم نفعها لمن يد أو رجل وإن ذهب منها ثلاث أصابع كمعدومة لا ما ذهب منها خنصر وبنصر فقط، أو ذهب إصبع سواهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 900
وإن وجب قطع يمناه فقطع قاطع يسراه بلا إذنه عمدًا فعليه القود، وإلا يتعمد فعليه دية البدل؛ لأنه خطأ ولا تقطع يمنى السارق بعد قطع يسراه لئلا يفضي إلى تعطيل منفعة الجنس.
ويجتمع على سارق القطع والضمان؛ لأنهما حقان لمستحقين فجاء اجتماعهما كالدية والكفارة في قتل الخطأ فيرد ما سرقه لمالكه إن كان باقيًا؛ لأنه عين ماله، وإن تلف فعليه مثل مثلي وقيمة غيره كمغصوب ويعيد ما خرب من حرز لتعديه.
وعليه ثمن زيت حسم حفظًا لنفسه إذ لا يؤمن عليها التلف بدونه.
(ومن سرق ثمرا) أو طلعا أو جمارا (أو ماشية) في المرعى (من غير حرز غرم قيمته مرتين) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "سئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الثمر المعلق فقال: من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة 3715 فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن تؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" رواه أحمد وغيره 3716، قال أحمد: لا أعلم شيئًا يدفعه 3717، واحتج أحمد أَيضًا أن عمر: "غرم حاطب
الجزء: 4 - الصفحة: 901
بن أبي بلتعة 3718 حين نحو غلمانه ناقة رجل من مزيتة مثلي قيمتها" رواه الأثرم 3719، ولا تضعف قيمتها في غير ما ذكر، (ولا قطع) عليه لحديث رافع بن خديج 3720 مرفوعا: "لا قطع في ثمر ولا كثر 3721 " رواه أحمد وغيره (5)، فإن كانت الشجرة بدار محرزه قطع3722
الجزء: 4 - الصفحة: 902
وأضعفت عليه قيمته مرتين لما تقدم.
(ومن لم يجد ما) أي شيئًا (يشتريه أو) ما (يشتري به زمن مجاعة غلاء لم يقطع بسرقة) قال جماعة: ما لم يبذل له ولو بثمن غال، وفي "الترغيب": ما يحيي به نفسه 3723. = كتاب قطع السارق برقم (4961، 4965) المجتبى 8/ 87، ومالك، باب ما لا قطع فيه، كتاب الحدود برقم (1583) الموطأ ص 559، والشافعي في المسند 2/ 84، والدارمي، باب ما لا قطع فيه من الثمار، كتاب الحدود برقم (2304) سنن الدارمي 2/ 228، والبيهقي، باب القطع في كل ما له ثمن إذا سرق من حرز.
. .، كتاب السرقة، السنن الكبرى 8/ 263، من طرق عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن رافع به.
قال الألباني في الإرواء 8/ 72: "هذا إسناد رجاله ثقات، لكنه منقطع بين ابن حبان ورافع".
وقد جاء الحديث موصلا من طريقين آخرين.
ينظر: الجامع الصحيح 4/ 42 - 43 برقم (1449)، والمجتبى 8/ 87 - 88 برقم (4966 - 4967)، وسنن ابن ماجه 2/ 865 برقم (2593)، والسنن الكبرى للبيهقي 8/ 263.
الجزء: 4 - الصفحة: 903
﴿فصل﴾ في حد قطاع الطريق
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا.
. .﴾ الآية 3724، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: "نزلت في قطاع الطريق من المسلمين" 3725 لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ 3726 والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة عليهم وقبلها، وأما الحد فلا يسقط بالتوبة بعد وجوبه.
وهم 3727: المكلفون اللتزمون من المسلمين وأهل الذمة، -وينتقض به عهدهم- ولو كان المكلف أنثى -الذين يعرضون 3728 للناس بسلاح ولو عصا أو حجرًا في صحراء أو بنيان أو بحر لعموم الآية، فيغصبون مالا محترما مجاهرة 3729.
(وقطاع الطريق) على أربعة (أنواع): -
الجزء: 4 - الصفحة: 904
أشار للأول بقوله: (فمن منهم قتل مكافئا أو غيره) أي غير مكافئ كما لو قتل من لا يقاد به لو قتله في غير المحاربة (كولد)، وكقن يقتله حر، وكذمي يقتله مسلم (وأخذ المال قتل) لوجوبه لحق اللَّه تعالى كالقطع في السرقة، (ثم صلب) قاتل (مكافئ) يقاد به لو قتله في غير المحاربة لقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (حتى يشتهر) ليرتدع غيره ثم يترك، ويغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن ولا يقطع مع ذلك؛ لأنه لم يذكر معهما في حديث ابن عباس الذي رواه عنه الشافعي بإسناده: "إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض" 3730 وروي نحوه مرفوعًا 3731، ولأن القتل والقطع عقوبتان تتضمن إحداهما الأخرى؛ لأن إتلاف
الجزء: 4 - الصفحة: 905
البدن يتضمن إتلاف اليد والرجل فاكتفي بقتله كما لو قطع يد إنسان ورجله ثم قتله في الحال.
ولو مات محارب أو قتل قبل قتله للمحاربة لم يصلب لعدم الفائدة فيه وهي اشتهار أمره في القتل في المحاربة؛ لأنه لم يقتل فيها.
ولا يتحتم قود فيما دون نفس على محارب، فلو قطع يدا أو رجلا ونحوهما فلولي الجناية القود والعفو؛ لأن القود إنما يتحتم إذا قتل؛ لأنه حد المحاربة بخلاف الطرف فإنه يستوفى قصاصا لا حدا.
وردء محارب أي مساعده ومعينه إن احتاج إليه وطليع يكشف له حال القافلة ليأتوا إليها كمباشر كاشتراك الجيش في الغنيمة إذا دخلوا دار الحرب وباشر بعضهم القتال ووقف الباقون للحراسة ممن يدهمهم من ورائهم، وكذا العين الذي يرسله ليعرف أحوال العدو وظاهره حتى في المال.
ولو قتل بعضهم ثبت حكم القتل في حق جميعهم، وإن قتل بعض وأخذ المال بعض تحتم قتل الجميع وصلبهم كما لو فعل ذلك كل منهم.
والصورة الثانية: أشار إليها بقوله: (ومن قتل) من محارب (فقط) لقصد المال (قتل حتما ولا صلب) عليه لما تقدم عن ابن عباس، ولأن جنايتهم بالقتل وأخذ المال تزيد على جنايتهم بالقتل وحده فوجب اختلاف العقوبتين.
الصورة الثالثة: ما أشار إليها بقوله: (ومن أخذ المال فقط) فلم وأخذ نصابًا لا شبهة له فيه (قطعت يده) أي يد كل من المحاربين (اليمنى ثم رجله اليسرى في مقام واحد) حتما، ولا ينتظر بقطع أحدهما اندمال الآخر؛ لأنه تعالى أمر بقطعهما بلا تعرض لتأخير والأمر للفور، (وحسمتا) لحديث: "اقطعوه
الجزء: 4 - الصفحة: 906
واحسموه" 3732، (وخلي) سبيله لاستيفاء ما لزمه.
فلو كانت يده 3733 اليسرى مفقودة قطعت رجله اليسرى فقط، أو كانت يمينه مقطوعة أو مستحقة في قود قطعت رجله اليسرى فقط لئلا تذهب منفعة جنس اليد، وإن عدم يمنى يديه لم تقطع يمنى رجليه بل يسراهما فقط كما تقدم.
وإن حارب ثانية بعد قطع يمنى يديه وشرى رجليه لم يقطع منه شيء لما تقدم في السارق 3734، وقياسه أن يحبس حتى يتوب، وتتعين دية لقود لزم بعد محارية لتقديمها بسبقها، وكذا لو مات قبل قتله للمحاربة.
الصورة الرابعة: ما أشار إليها بقوله: (وإن أخاف السبيل فقط) فلم يقتل أحدًا ولا أخذ مالا (نفي وشرد) ولو قنا لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ 3735 فلا يترك يأوي إلى بلد حتى تظهر توبته، وتنفى الجماعة متفرقة كل إلى جهة لئلا يجتمعوا على المحاربة ثانيًا.
(وشرط) لوجوب حد المحارب ثلاثة شروط: -
أحدها: (ثبوت ذلك) أي قطع الطريق (ببينة أو إقرار مرتين) كالسرقة.
(و) الثاني: (حرز) بأن يأخذه من يد مستحقه وهو بالقافلة، فلو وجده مطروحا أو أخذه من سارقه أو غاصبه أو منفردا عن قافلة لم يكن محاربًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 907
(و) الثالث: (نصاب) يقطع به السارق.
(ومن تاب منهم) أي المحاربين (قبل القدرة عليه سقط عنه حق اللَّه تعالى) من صلب وقطع ونفي وتحتم قتل لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وكذا خارجي وباغ ومرتد ومحارب تاب قبل قدرة عليه، وأما من تاب منهم بعد قدرة عليه فلا يسقط عنه شيء مما وجب عليه؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، (وأخذ بحق آدمي) طلبه من قصاص في نفس أو دونها وغرامة مال ودية ما لا قصاص فيه وحد قذف، وكذا يؤخذ غير حربي من ذمي ومعاهد ومستأمن أسلم بحق اللَّه تعالى إن وجب عليه حال كفره كنذر وكفارة لا حد زنا ونحوه، وحق آدمي طلبه كما قبل الإِسلام.
(ومن وجب عليه حق 3736 للَّه) تعالى من حد سرقة أو زنا أو شرب (فتاب) منه (قبل ثبوته) عند حاكم (سقط) عنه بمجرد توبته قبل إصلاح عمله لقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)﴾ 3737، وقوله بعد ذكر حد السارق: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)﴾ 3738، وقوله
الجزء: 4 - الصفحة: 908
عليه السلام: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" 3739، ولإعراضه عليه السلام عن المقر بالزنا حتى أقر أربعًا، فإن ثبت عند الحاكم لم يسقط بالتوبة لحديث: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب" رواه أبو داود والنسائي 3740.
الجزء: 4 - الصفحة: 909
(ومن أريد) أخذ (ماله) ولو قل (أو) أريدت (نفسه) أي قصدت لتقتل أو يفعل بها الفاحشة (أو) أريدت (حرمته) كامه وأخته أو زوجته ونحوهن لزنا أو قتل فله دفع المزيد بالأسهل، لئلا يؤدي إلى تلفه وأذاه وتسلط الناس بعضهم على بعض، فيفضي إلى الهرج والمرج، ولحديث أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار" رواه أحمد ومسلم 3741.
(و) إن (لم يندفع المريد إلا بالقتل أبيح) قتله (ولا ضمان) عليه لظاهر الخبر، ولا يضمن بهيمة سألت عليه ولم تندفع بدون قتل فقتلها دفاعا عن نفسه أو حرمته أو ماله كصغير ومجنون صائل بجامع الصول، ولا يضمن من دخل منزله متلصصا إن لم يندفع بدون قتل.
ويجب الدفع عن حرمته إذا أريدت نصا 3742، فمن رأى مع امرأته أو ابنته ونحوهما رجلًا يزني بها أو مع ولده ونحوه رجلًا يلوط به وجب عليه قتله إن لم يندفع بدونه؛ لأنه يؤدي به حق اللَّه تعالى من الكف عن الفاحشة وحق نفسه بالمنع عن أهله فلا يسعه إضاعة الحقين.
الجزء: 4 - الصفحة: 910
وكذا يجب في غير فتنة الدفع عن نفسه وعن نفس غيره، ويجب الدفع عن حرمة غيره، وكذا عن ماله مع ظن سلامة الدافع والمدفوع وإلا حرم.
ومن عض يد شخص فانتزعها من فمه ولو بعنف فسقطت ثناياه فهدر لحديث عمران بن حصين: "أن رجلا عض رجلا فنزع يده من فمه، فوقعت ثناياه، فاختصموا إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل، لا دية لك" رواه الجماعة إلا أبا داود 3743، ولإتلافها لضرورة دفع شر صاحبها كالصائل.
ومن نظر في بيت غيره من خصاص 3744 باب مغلق ونحوه ولو لم يتعمد لكن ظنه رب البيت متعمدًا فخذف عينه ونحوها فتلفت فهدر، وكذا لو طعنه بعود لا إن رماه بحجر كبير أو رشقه بسهم أو طعنه بحديدة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من
اطلع في بيت ففقؤا عينه فلا دية ولا قصاص" رواه أحمد والنسائي 3745، وفي
الجزء: 4 - الصفحة: 911
رواية: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا عينه" رواه أحمد ومسلم 3746، ولأنه في معنى الصائل بخلاف مستمع وضع أذنه في خصاص 3747 الباب فليس له قصد إذنه قبل إنذاره اقتصارا على مورد النص، ولأن النظر أبلغ من السمع، فإن أنذره فأبى فله طعنه كدفع الصائل.
= -صلى اللَّه عليه وسلم-: ما كان عليك جناح أراد به نفي القصاص والدية، كتاب الجنايات برقم (6004) الإحسان 13/ 351، والدارقطني، كتاب الحدود والديات وغيره، سنن الدارقطني 3/ 199، والبيهقي، باب التعدي والاطلاع، كتاب الأشربة والحد فيها، السنن الكبرى 8/ 338، كلهم من طريق معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة به.
وإسناده صحيح على شرط مسلم كما في الإرواء 7/ 284. وأخرجه البخاري في صحيح 9/ 75 برقم (6888) ومسلم في صحيحه 3/ 1699 برقم (2158) وغيرهما من طريق الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: (لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح).
الجزء: 4 - الصفحة: 912
فصل
(والبغاة) أي أهل الجور والظلم والعدول عن الحق وهم: (ذوو شوكة يخرجون على الإِمام) ولو غير عدل (بتأويل سائغ) 3748 ولو لم يكن فيهم مطاع، سموا بغاة لعدولهم عن الحق وما عليه أئمة المسلمين.
والأصل في قتالهم قوله تعالي: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ 3749 وحديث: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم، فاقتلوه" رواه أحمد ومسلم 3750، وعن ابن عباس مرفوعًا: "من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فميتته جاهلية" متفق عليه 3751، وقاتل علي
الجزء: 4 - الصفحة: 913
أهل النهروان 3752 فلم ينكره أحد، ومتى اختل شرط من ذلك فهم قطاع طريق.
ونصب الإِمام فرض كفاية لحاجة الناس إلى ذلك لحماية البيضة والذب عن الحوزة وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(فيلزمه) أي الإِمام (مراسلتهم) أي البغاة لأنها طريق إلى الصلح ورجوعهم إلى الحق، وروي أن عليًا راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل 3753 ولما اعتزلته الحرورية 3754 بعث إليهم عبد اللَّه بن عباس فواضعوه كتاب اللَّه ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة
الجزء: 4 - الصفحة: 914
آلاف 3755، (و) يلزمه (إزالة ما يدعونه من شبهة) ليرجعوا إلى الحق، (و) إزالة ما يدعونه من (مظلمة)؛ لأنه وسيلة للصلح المأمور به لقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فإن نقموا مما لا يحل فعله أزاله، وإن نقموا ما يحل فعله لالتباس الأمر فيه عليهم فاعتقدوا مخالفته للحق بين لهم دليله وأظهر لهم وجهه، لبعث علي ابن عباس للخوارج لما تظاهروا بالعبادة والخشوع وحمل المصاحف في أعناقهم يسألهم عن سبب خروجهم، وبين لهم الحجة التي تمسكوا بها في قصة مشهورة 3756. (فإن فاؤوا) أي رجعوا عن البغي وطلب القتال تركهم (وإلا) يفيئوا (قاتلهم قادر) لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ 3757، ويجب على رعيته معونته لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْر
الجزء: 4 - الصفحة: 915
مِنكُمْ} 3758 وحديث أبي ذر مرفوعًا: "من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" رواه أحمد وأبو دواد 3759 "وربقة الإسلام -بفتح الراء وكسرها 3760 - استعارة لما يلزم العنق من حدود الإسلام وأحكامه.
فإن استنظروه مدة ورجى فيئتهم أنظرهم وجوبًا حفظًا لدماء المسلمين، وإن خاف مكيدة فلا.
ويحرم قتالهم بما يعم إتلافه المقاتل وغيره والمال كمنجنيق ونار، ويحرم استعانة عليهم بكافر؛ لأنه تسليط له على دماء المسلمين إلا لضرورة، كعجز أهل الحق عنهم، وكفعلهم بنا إن لم نفعله بهم، فيجوز رميهم بما يعم إتلافه إذا فعلوه بنا لو لم نفعله، ويحرم أخذ مالهم؛ لأنه مال معصوم، ويحرم أخذ ذريتهم وقتلهم لأنهم معصومون لا قتال منهم ولا بغي، ويحرم قتل مدبرهم وجريحهم ولو من نحو
الجزء: 4 - الصفحة: 916
خوارج إن لم نقل بكفرهم، وروى سعيد عن مروان 3761 قال: "صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتل مدبر ولا يذفف على جريح 3762، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن" 3763 وعن عمار 3764 نحوه 3765، وكالصائل، ولأنه قتل من لم يقاتل قال في
الجزء: 4 - الصفحة: 917
"المستوعب" 3766: "المدبر من انكسرت شوكته لا المتحرف إلى موضع".
ومجرم قتل من ترك القتال، ولا قود في قتل من يحرم قتله منهم للشبهة ويضمن بالدية لأنه معصوم.
ويكره لعدل قصد رحمه الباغي كأخيه وعمه بقتل لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ 3767 وقال الشافعي: "كف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا حذيفة بن عتبة 3768 عن قتل أَبيه".
3769
وتباح الاستعانة على البغاة بسلاح أنفسهم وخيلهم وعبيدهم وصبيانهم لضرورة فقط، ومن أسر منهم ولو صبيًا أو أنثى حبس حتى لا شوكة ولا حرب دفعًا لضررهم عن أهل العدل.
الجزء: 4 - الصفحة: 918
وإذا انقضت الحرب فمن وجد منهم ماله بيد غيره أخذه، ولا يضمن بغاة ما أتلفوه حال حرب على أهل عدل كما لا يضمن أهل عدل ما أتلفوه لبغاة حال حرب؛ لأن عليًا لم يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب من نفس أو مال 3770، قال الزهري: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- متوافرون، فأجمعوا أن لا يقاد أحد ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه 3771، ذكره أحمد في رواية الأثرم محتجًا به".
3772، ويضمنان ما أتلفاه في غير حرب.
وما أخذ البغاة حال امتناعهم من خراج وزكاة وجزية اعتد به لدافعه لهم، فلا يؤخذ منه ثانيًا إذا ظفر به أهل العدل؛ لأن عليًا لما ظفر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جباه البغاة 3773 وكان ابن عمر وسلمة بن الأكوع يأتيهم ساعي نجدة الحروري 3774 فيدفعون إليه
الجزء: 4 - الصفحة: 919
زكاتهم 3775، ولأن في ترك الاحتساب بذلك ضررا عظيمًا على الرعايا، ويقبل بلا يمين ممن عليه زكاة دعوى دفع زكاة إليهم كدعوى دفعها إلى الفقراء، ولأنها حق للَّه تعالى فلا يستحلف عليها كالصلوات، ولا يقبل دعوى دفع خراج أو جزية إليهم إلا ببينة؛ لأن كلا منهما عوض، والأصل عدم الدفع، وهم في شهادتهم وإمضاء حكم حاكمهم كأهل العدل؛ لأن التأويل السائغ في الشرع لا يفسق به الذاهب إليه، أشبه المخطئ من الفقهاء في فرع، فيقضى بشهادة عدولهم ولا ينقض حكم حاكمهم إلا ما خالف نص كتاب أوسنة أو إجماعًا، ويجوز قبول كتابه وإمضائه إن كان أهلا للقضاء، وأما الخوارج وأهل البدع إذا خرجوا عن الإِمام فلا تقبل لهم شهادة ولا ينفذ لقضائهم حكم لفسقهم.
وإن استعانوا بأهل ذمة أو أهل عهد انتقصن عهدهم وكانوا كلهم أهل حرب لقتالهم لنا كما لو انفردوا به.
الجزء: 4 - الصفحة: 920
فصل
وإن أظهر قوم رأي الخوارج كتكفير مرتكب الكبيرة وسب الصحابة ولم يخرجوا عن قبضة الإِمام لم يتعرض لهم لما روي: أن عليًا كان يخطب فقال رجل من باب المسجد: لا حكم إلا للَّه تعريضا بالرد عليه في ما كان من تحكيمه فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد اللَّه أن تذكروا فيها اسم اللَّه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال 3776 وتجري الأحكام عليهم كأهل العدل، وإن صرحوا بسب إمام أو سب عدل عزروا كغيرهم.
ومن كفر أهل الحق والصحابة واستحل دماء المسلمين بتأويل فهم خوارج بغاة فسقة قدمه في "الفروع" 3777، قال الشيخ تقي الدين: "نصوصه صريحة على عدم كفر الخوارج والقدرية 3778 والمرجئة 3781 وغيرهم، وإنما37793780
الجزء: 4 - الصفحة: 921
كفر الجهمية (3782) لا أعيانهم (3783) قال: وطائفة تحكي عنه روايتين في تكفير أهل البدع مطلقًا حتى المرجئة والشيعة المفضلة لعلي، وعن الإِمام أحمد أيضا: أن الذين كفروا أهل الحق والصحابة واستحلوا دماء المسلمين بتأويل أو غيره كفار (3786) قال37843785 =
الجزء: 4 - الصفحة: 922
المنقح: وهو أظهر.
انتهى 3787، وقال في "الإنصاف" 3788: وهو الصواب والذي ندين اللَّه به انتهى.
وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رئاسة فهما ظالمتان تضمن كل منهما ما أتلفت على الأخرى.
الجزء: 4 - الصفحة: 923
﴿فصل﴾ في حكم المرتد
وهو لغة: الراجع 3789، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ 3790.
(والمرتد) شرعًا: (من كفر) بنطق أو اعتقاد أو فعل أو شك (طوعا ولو) كان (مميزًا) أو هازلا (بعد إسلامه) 3791 ولو كان إسلامه كرها بحق، كما لا تقبل منه الجزية إذا قوتل على الإسلام فأسلم ثم ارتد.
وأجمعوا على وجوب قتل المرتد إن لم يتب 3792، لحديث ابن عباس مرفوعًا: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه الجماعة إلا مسلمًا 3793، وروي عن
الجزء: 4 - الصفحة: 924
أبي بكر وعمر 3794 وعثمان 3795 وعلي 3796 ومعاذ بن جبل 3797 وخالد بن الوليد 3798 وغيرهم، وسواء الرجل والمرأة لعموم الخبر، وروى الدارقطني: "أن امرأة يقال لها؛ أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمر أن تستتاب، فإن تابت، وإلا قتلت" 3799 وحديث النهي عن قتل المرأة الكافرة 3800 [فالمراد به الأصلية] 3801؛ لأنه = 4065) المجتبى 7/ 104 - 105، وابن ماجة، باب المرتد عن دينه، كتاب الحدود برقم 2535، سنن ابن ماجة 2/ 848، وأحمد برقم 1874، المسند 1/ 358.
الجزء: 4 - الصفحة: 925
قاله حين رأى امرأة مقتولة وكانت كافرة أصلية، ويخالف الكفر الأصلي الطارئ إذ المرأة لا تجبر على ترك الكفر الأصلي بضرب ولا حبس بخلاف المرتدة.
(فمتى ادعى النبوة) أو صدق من ادعاها كفر؛ لأنه مكذب للَّه تعالى في قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ 3802، ولحديث: "لا نبي بعدي" 3803، وفي الخبر: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، كلهم يزعم أنه رسول اللَّه" 3804، (أو سب اللَّه) تعالى، (أو) سب (رسوله) كفر؛ لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد به، (أو جحده) أي جحد ربوبيته أو وحدانيته، (أو) جحد (صفة من صفاته) ذاتية له كالعلم والحياة كفر، (أو) جحد (كتابًا) للَّه تعالى، (أو رسولا) مجمعًا عليه، أو ثبت بتواتر الآحاد كخالد بن سنان 3805، (أو) جحد (ملكًا) للَّه
الجزء: 4 - الصفحة: 926
تعالى، (أو) جحد وجوب (إحدى أبي في أن الخمس) المشار إليها بقوله: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" 3806، ومثلها الطهارة فيكفر من جحد وجوبها وضوءا كان أو غسلا أو تيمما.
(أو) جحد (حكمًا ظاهرا) بين المسلمين، بخلاف فرض السدس لبنت الابن مع بنت الصلب (مجمعًا عليه) إجماعًا قطعيا لا سكوتيا؛ لأن فيه شبهة، كجحد تحريم زنا أو لحم خنزير، وكجحد 3807 حل خبز ونحوه كلحم مذكاة بهيمة الأنعام والدجاج، أو شك في ذلك، ومثله لا لمجهله لكونه نشأ بين المسلمين أو كان يجهل مثله وعرف وأصر (كفر) لمعاندته للإسلام وامتاعه من قبول الأحكام.
= عنه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "ذاك نبي أضاعه قومه".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، فإن أبا يونس الذي روى عن عكرمة هو حاتم بن أبي صغيرة، وقد احتجا جميعا به".
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 214 عن ابن عباس قال: (ذكر خالد بن سنان عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: ذاك بني ضيعه قومه) وعزاه للبزار والطبراني، ثم قال الهيثمي: "وفيه قيس بن الربيع وقد وثقه شعبة والثوري، لكن ضعفه أحمد مع ورعه وابن معين".
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية 2/ 215 - 216: خالد بن سنان: العبسي، كان رجلا صالحا له أحوال وكرامات قبل مبعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
الجزء: 4 - الصفحة: 927
أو سجد لكوكب أو صنم كفر؛ لأنه مشرك باللَّه تعالى، أو أتى بقول أو فعل صريح بالاستهزاء بالدين كفر لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.
. (66)﴾ 3808.
أو استهزأ بالقرآن، أو ادعى اختلافه، أو اختلاقه، أو القدرة على مثله، أو أسقط حرمته كفر لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)﴾ 3809.
وكذا من اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع، أو سخر بوعد أو وعيد أو لم يكفر من وإن بغير الإسلام، أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.
ولا يكفر من حكى كفرًا سمعه ولم يعتقده، ومن تزيا بزي كفر حرم ولم يكفر، وإن ترك مكلف عبادة من العبادات الخمس تهاونًا مع إقراره بوجوبها لم يكفر سواء عزم على أنه لا يفعلها أبدا أو على تأخيرها إلى زمن يغلب على ظنه أنه لا يعيش إليه، لحديث معاذ مرفوعًا: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه إلا حرمه اللَّه على النار.
قال معاذ: يا رسول اللَّه! ألا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما" متفق
الجزء: 4 - الصفحة: 928
عليه 3810، وعن عبادة بن الصامت مرفوعًا: "خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند اللَّه عهدا بأن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند اللَّه عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" رواه الخمسة إلا الترمذي 3811، ولو كفر بذلك لم يدخل في مشيئة الغفران؛ لأن الكفر لا يغفر إلا بالصلاة.
أو شرط أو ركن لها مجمع عليه إذا دعاه الإِمام أو نائبه إلى شيء من ذلك وامتنع حتى تضايق وقت التي بعد الصلاة 3812 فيكفر لما تقدم توضيحه في كتاب الصلاة، ويستتاب كمرتد ثلاثة أيام وجوبًا، فإن تاب بفعلها خلي سبيله، وإن أصر قتل كفرًا بشرطه، ويقتل في غير الصلاة وشروطها وأركانها المجمع عليها
الجزء: 4 - الصفحة: 929
كالزكاة والصوم والحج حدا لما تقدم.
فمن ارتد مكلفا مختارا ولو أنثى رعي إلى الإسلام (فيستتاب ثلاثة أيام) وجوبا، لحديث أم مروان وتقدم 3813، وينبغي أن يضيق عليه مدة الاستتابة ويحبس، (فإن) تاب لم يعزر ولو بعد مدة الاستتابة؛ لأن فيه تنفيرًا له عن الإسلام، وإن أصر و (لم يتب قتل) بالسيف ولا يحرق بالنار، لحديث: "إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء" 3814، وحديث: "من بدل دينه فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب اللَّه يعني النار" رواه البخاري 3815، ولا يقتل رسول كفار ولو
الجزء: 4 - الصفحة: 930
مرتدا بدليل رسولي مسيلمة 3816.
ولا يقتل المرتد إلا الإِمام أو نائبه كرجم الزاني المحصن، فإن قتله غيرهما بلا إذن أساء وعزر لافتياته على ولي الأمر، ولا ضمان بقتل مرتد ولو قبل استتابته؛ لأنه مهدر الدم، وردته أباحت دمه في الجملة، ولا يلزم من تحريم القتل الضمان.
ومن أطلق الشارع كفره كدعواه لغير أبيه، ومن أتى عرافا -وهو الذي يحدس ويتخرس- فصدقه فهو تشديد وتأكيد.
نقل حنبل: كفر دون كفر لا يخرج به عن الإسلام، وقيل: كفر نعمة، وقيل: قارب الكفر 3817.
الجزء: 4 - الصفحة: 931
ويصح إسلام مميز يعقل الإسلام؛ لأن عليا أسلم وهو ابن ثماني سنين، أخرجه البخاري 3818، قال رضي اللَّه عنه:
سبقتكموا إلى الإسلام طرا ... صبيا ما بلغت أوان حلمي 3819
ولأن الإسلام عبادة محضة فصحت من الصبي كالصلاة والصوم، وتصح ردة المميز كإسلامه، ولا يقتل هو ولا سكران ارتدا حتى يستتابا بعد بلوغ وصحو ثلاثة أيام، وإن مات قبل بلوغ أو في سكر مات كافرا.
(ولا تقبل ظاهرا) توية (ممن سب اللَّه) تعالى صريحا لعظم ذنبه جدا، فيدل على فساد عقيدته، (أو) سب (رسولا) 3820 له، أو ملكا له صريحا أو تنقصه أو أحدا من رسله أو ملائكته لما تقدم، (أو تكررت ردته) فلا تقبل توبته في الدنيا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ 3821 وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ 3822 ولأن تكرار ردته يدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام.
الجزء: 4 - الصفحة: 932
(ولا) تقبل في أحكام الدنيا توبة (من منافق) أي زنديق وهو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ 3823، والزنديق لا يعلم تبين رجوعه وتوبته؛ لأنه لا يظهر منه بالتوبة خلاف ما كان عليه، فإنه كان ينفي الكفر عن نفسه قبل ذلك، وقلبه لا يطلع عليه.
(و) لا تقبل توبة (ساحر) مكفر بسحره كالذي يركب المكنسة فتسير به في الهواء، لحديث جندب بن عبد اللَّه 3824 مرفوعا: "حد الساحر ضربة بالسيف" رواه الدارقطني 3825، فسماه حدا، والحد بعد ثبوته لا يسقط بالتوبة، ولأنه لا
الجزء: 4 - الصفحة: 933
طريق لنا في علم إخلاصه في توبته؛ لأنه يضمر السحر ولا يجهر به، وقوله: في أحكام الدنيا علم منه أنه من مات منهم مخلصا قبلت توبته في الآخرة لعموم حديث: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" 3826. = صحيح" ووافقه الذهبي، وضعف الحديث الألباني في ضعيف سنن الترمذي ص 167 - 168، وفي سلسلة الأحاديث الضعيفة 3/ 641.
الجزء: 4 - الصفحة: 934
فصل
وتوبة مرتد وكل كافر إتيانه بالشهادتين أي قوله: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدا رسول اللَّه، لحديث ابن مسعود: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- دخل الكنيسة، فإذا هو بيهودي يقرأ عليهم التوراة، فقرأ حتى إذا أتى على صفة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأمته فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: لوا أخاكم" 3827، ولحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه" 3828، وإذا ثبت بها إسلام الكافر الأصلي فكذا المرتد، ولا يلزم من جعل الإسلام اسما للخمسة في
الجزء: 4 - الصفحة: 935
حديث: "أخبرني عن الإسلام" 3829 أن لا يكون مسلما إلا بفعل الجميع لجواز أن يعرف الشارع حقيقة ويجعل بعض أجزائها بمنزلتها في الحكم، ففرق بين النظر في الشيء من حيث بيان حقيقته والنظر فيه من حيث معرفة ما يجزئ منه مع إقرار جاحد لفرض أو لتحليل حلال أو لتحريم حرام أو لنبي أو لكتاب أو رسالة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى غير العرب بما جحده من ذلك؛ لأن كفره بجحده من حيث التكذيب فلا بد من إتيانه بما يدل على رجوعه عنه.
أو قوله: أنا مسلم فهو توبة أيضا للمرتد ولكل كافر وإن لم يأت بالشهادتين؛ لأنه إذا اخبر عن نفسه بما تضمن الشهادتين كان مخبرا بها، قال في "المغني" 3830: "ويحتمل أن هذا في الكافر الأصلي أو من جحد الوحدانية، أما من كفر بجحد نبي أو كتاب أو فريضة ونحو هذا فلا يصير مسلما بذلك؛ لأنه ربما 3831 اعتقد أن الإسلام ما هو عليه، فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون ومنهم من هو كافرا".
ولا يغني قوله: محمد رسول اللَّه عن شهادة أن لا إله إلا اللَّه ولو من مقر بالتوحيد؛ لأن الشهادة بأن محمدا رسول اللَّه لا تتضمن الشهادة بالتوحيد كعكسه
الجزء: 4 - الصفحة: 936
فلا يكفي لا إله إلا اللَّه، وأما قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قل: لا إله إلا اللَّه كلمة أشهد لك بها عند اللَّه" 3832 فالظاهر أنها كناية عن الشهادتين جمعا بين الأخبار.
ومن شهد عليه بردة ولو بجحد تحليل حلال أو تحريم حرام فأتى بالشهادتين ولم ينكر ما شهد به عليه لم يكشف عن شيء لعدم الحاجة -مع ثبوت إسلامه- إلى الكشف عن صحة ردته، فلا يعتبر إقراره بما شهد به عليه من الردة لصحة الشهادتين من مسلم ومرتد، بخلاف توبته من بدعة فيعتبر إقراره بها؛ لأن أهل البدع لا يعتقدون ما هم عليه بدعة.
ويكفي جحده لردة أقر بها ولم يشهد بها عليه كرجوعه عن إقراره بحد، وإن شهد على مسلم أنه كفر فادعى الإكراه قبل منه مع قرينة فقط.
وإن شهد عليه بكلمة كفر فادعاه قبل مطلقا، وإن أكره ذمي على إقرار بإسلام لم يصح إقراره، وإن كتب كافر الشهادتين صار مسلما؛ لأن الخط كاللفظ، وإن قال: أسلمت أو أنا مسلم أو أنا مؤمن صار مسلما بذلك وإن لم يتلفظ بالشهادتين لما تقدم، ولا يبطل إحصان مرتد ولا عبادة فعلها قبل ردته ولا صحبته عليه السلام إذا تاب، لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ 3833.
الجزء: 4 - الصفحة: 937
فصل
ومن ارتد لم يزل ملكه عن ماله بمجرد ردته ويملك بتمليك، ويمنع التصرف في ماله وتقضى منه ديونه وأروش جناياته، ولو جناها بدار حرب أو في فئة مرتدة ممتنعة؛ لأن المرتد تحت حكمنا بخلاف البغاة، وينفق منه عليه وعلى من تلزمه نفقته، فإن أسلم فماله له وإلا صار فيئا من حين موته مرتدا؛ لأنه لا وارث له من مسلم ولا غيره.
وإن لحق بدار حرب فهو وما معه من ماله كحربي، وأما ما بدارنا من ماله فهو فيء من حين موته، ويؤخذ مرتد بحد أتاه في ردته وإن أسلم نصا 3834 لا بقضاء ما ترك فيها من عبادة لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 3835 ولم يأمر الصديق المرتدين بقضاء ما فاتهم.
الجزء: 4 - الصفحة: 938
فصل في السحر وما يتعلق به
وهو عقد ورقى وكلام يتكلم به فاعله أو يكتبه أو يعمل شيئا يؤثر في بدن مسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له 3836، وله حقيقة، فمنه ما يقتل، ومنه ما يمرض، ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه من وطئها، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه، لحديث عائشة: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سحر حتى أنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله" 3837 وروي من أخبار السحرة ما لم يمكن التواطؤ على الكذب فيه، ولا يلزم منه إبطال معجزات الأنبياء عليهم السلام؛ لأنه لا يبلغ ما يأتون به.
ويحرم تعلم السحر وتعليمه 3838.
وساحر يركب المكنسة فتسير به في الهواء، أو يدعي أن الكواكب تخاطبه كافر، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أى ما كان ساحرا كفر بسحره، وقوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ
الجزء: 4 - الصفحة: 939
فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} 3839 أي لا تعلمه فتكفر بذلك.
ولا يكفر ولا يقتل من يسحر بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر، ويعزر بذلك بليغا لينكف هو ومثله، ولا يكفر من يعزم على الجن ويزعم أنه يجمعها أو تطيعه، ولا يكفر كاهن وهو الذي له رئي 3840 من الجن يأتيه بالأخبار، ولا عراف أي من يحدس ويتخرس، ولا منجم أي ناظر في النجوم ويستدل بها على الحوادث، فإن أوهم قوما بطريقته أنه يعلم الغيب فللإمام قتله لسعيه بالفساد.
ولا يقتل ساحر كتابي إلا أن يقتل بسحره غالبا فيقتل قصاصا؛ لأن لبيد بن الأعصم 3841 سحر -النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يقتله، ولأن كفره أعظم من سحره.
ومشعبذ وقائل بزجر طير وضارب بحصى أو شعير أو قداح والناظر في أكتاف الألواح إن لم يعتقد إباحته ولم يعتقد أنه يعلم به الأمور المغيبة عزر لفعله معصية، وإلا بأن اعتقد إباحته، وأنه يعلم به الأمور المغيبة كفر فيستتاب فإن تاب وإلا قتل.
الجزء: 4 - الصفحة: 940
ويحرم طلسم 3842 ورقية بغير العربي إن لم يعرف صحة معناه؛ لأنه قد يكون سبا وكفرا، وكذا يحرمان باسم كوكب وما وضع على نجم من صورة أو غيرها.
ويجوز حل السحر بالقرآن والذكر والأقسام والكلام الذي لا بأس به، ويجوز حله أيضا بسحر ضرورة وتوقف أحمد عنه 3843.
(وتجب التوبة من كل ذنب) لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ 3844، (وهي) أي التوبة المعتبرة (إقلاع) بأن يترك فعل الذنب الذي تاب منه، (وندم) بقلبه على ما مضى من ذنبه، (وعزم) على (أن لا يعود) إلى ذلك الذنب الذي تاب منه، (مع رد مظلمة) كمغصوب ونحوه، فإن عجز نوى رده متى ما قدر عليه أو يستحل رب المظلمة أو يستمهله إن كان معسرا، والتوبة من البدعة الرجوع عنها واعتقاد ضد ما كان يعتقد من مخالفة أهل السنة، ولا تصح التوية معلقة بشرط و (لا) يشترط لصحتها (استحلال) من مقذوف أو مغتاب (من نحو غيبة وقذف) وإعلامه، قال أحمد: إذا قذف ثم تاب لا ينبغي أن يقول له قد قذفتك هذا يستغفر اللَّه؛ لأن
الجزء: 4 - الصفحة: 941
فيه إيذاءه صريحا 3845. وإذا استحله يأتي بلفظ مبهم لصحة البراءة من المجهول واللَّه أعلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 942
(فصل) في الأطعمة
واحدها طعام، وهو ما يؤكل ويشرب، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ 3846. (وكل طعام طاهر) لا نجس ولا متنجس و (لا مضرة فيه) كسموم (حلال) خبر كل، (وأصله الحل) لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ 3847 وقوله: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ 3848 وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ 3849. (وحرم نجس كدم وميتة) لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ 3850، (و) حرم (مضر كسم) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 3851، والسم مما يقتل غالبا ولذا عد مطعمه لغيره قاتلا، وفي
الجزء: 4 - الصفحة: 943
الواضح 3852: المشهور أن السم نجس، وفيه احتمال لأكله عليه السلام من الذراع المسمومة 3853.
ونحو السقمونيا 3854 والزعفران يحرم استعماله على وجه يضر ويجوز على وجه لا يضر لقلة أو إضافة ما يصلحه.
وحرم من حيوان بر حمر أهلية لحديث جابر: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى يوم
الجزء: 4 - الصفحة: 944
خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل" 3855. (و) حرم (مِنْ حَيَوانِ بَرٍّ ما يَفْتَرِسُ بِنَابِهِ) أي ينهش (كأسدٍ ونَمِرٍ وفَهْدٍ وثَعْلَب وابنِ آوى) لحديث أبي ثعلبة الخُشنِيْ 3856: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أَكْلِ كَّلِّ ذِي نَابٍ من السِّبَاع" متفق عليه 3857، وكذا ذئب وكلب وقِرْدٌ وخنزير ودُبٌّ ونِمْسٌ 3858 وابن عِرْسٍ 3859 وسِنَّوْرٌ 3860 مطلقًا، وسِنْجَابٌ 3861 وسَمُّور 3862
الجزء: 4 - الصفحة: 945
وفنك 3863 -بفتح الفاء والنون-؛ لأنها من السباع ذات الناب فتدخل في عموم النهي.
(لا ضبع) 3864 لورود الرخصة فيه عن سعد وابن عمر 3865 وأبي
الجزء: 4 - الصفحة: 946
هريرة 3866، قال عروة بن الزبير: "ما زالت العرب تأكل الضبع لا ترى بأكله بأسا" 3867 لحديث جابر: "أمرنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بأكل الضبع، قلت: هي صيد؟ قال: نعم" 3868 احتج به أحمد 3869. (و) حرم (من طير ما يصيد بمخلب كعقاب وصقر) وباز وباشق وشاهين
الجزء: 4 - الصفحة: 947
وحدأة وبومة لحديث ابن عباس: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير" رواه أبو داود 3870. (و) حرم (ما يأكل الجيف كنسر ورخم)، ولقلق 3871، وعقعق طائر نحو الحمامة طويل الذنب فيه بياض وسواد نوع من الغربان 3872، وغراب البين
الجزء: 4 - الصفحة: 948
والأبقع 3873 قال عروة: "ومن يأكل الغراب! وقد سماه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فاسقا، واللَّه ما هو من الطيبات" 3874 ولأنه عليه السلام أباح قتل الغراب بالحرم 3875 ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم.
(و) حرم كل (ما تستخبثه العرب ذوو اليسار) وهم أهل الحجاز من أهل الأمصار؛ لأنهم هم أولو النهى وعليهم نزل الكتاب وخوطبوا به وبالسنة فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون غيرهم، بخلاف الجفاة من أهل البوادي؛ لأنهم للمجاعة يأكلون كلما وجدوه.
(كوطواط) ويسمى خفاشا وخشافا، قال أحمد: "ومن يأكل الخفاش! " 3876 (وقنفذ 3877 ونيص) 3878 لحديث أبي هريرة قال: "ذكر القنفذ
الجزء: 4 - الصفحة: 949
لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: هو خبيثة من الخبائث" رواه أبو داود 3879، ومثله النيص.
وحرم فأر لأنه عليه السلام أمر بقتله في الحرم 3880، ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم، وكذا زنبور 3881 ونحل وذباب وفراش لأنها مستخبثة غير
الجزء: 4 - الصفحة: 950
مستطابة، وهدهد وصرد، لحديث ابن عباس: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحل والهدهد والصرد" رواه أحمد وغيره 3882، والصرد -بضم الصاد وفتح الراء- طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير 3883، وهو أول طائر صام للَّه تعالى، وكذا خطاف 3884 وحية وحشرات.
(و) حرم (ما تولد من مأكول وغيره كبغل) متولد بين خيل وحمر أهلية، وكحمار متولد بين حمار أهلي ووحشي، وكسمع بكسر السين المهملة وإسكان الميم ولد ضبع من ذئب.
الجزء: 4 - الصفحة: 951
وما تجهله العرب من الحيوان، ولا ذكر في الشرع يرد إلى أقرب الأشياء شبها به بالحجاز، فإن أشبه محرما أو حلالا ألحق به، ولو أشبه مباحا ومحرما 3885 غلب التحريم احتياطا، لحديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" 3886 وقال أحمد: كل شيء اشتبه عليك فدعه.
3887 وإن لم يشبه شيئا بالحجاز فمباح لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية 3888، وقال أبو الدرداء
الجزء: 4 - الصفحة: 952
وابن عباس: "ما سكت اللَّه عنه فهو مما عفا عنه" 3889.
وما تولد من مأكول طاهر كذباب باقلاء ودود خل وجبن ونبق يجوز أكله تبعا لا منفردا، وقال أحمد في الباقلاء المدودة: تجنبه أحب إلي وإن لم يتقذره فأرجو.
وقال عن تفتيش التمر المدود: لا بأس به 3890.
وما أحد أبويه المأكولين مغصوب فكأمه، فإن كانت الأم مغصوبة لم تحل هي ولا شيء من أولادها لغاصب، وإن كان المغصوب الفحل والأم ملك للغاصب لم يحرم عليه شيء من أولادها.
ويباح ما عدا المتقدم تحريمه لعموم نصوص الإباحة.
(ويباح حيوان بحر كله) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ 3891، وقوله عليه السلام لما سئل عن ماء البحر: "هو
الجزء: 4 - الصفحة: 953
الطهور ماؤه الحل ميتته" رواه مالك وغيره 3892. (سوى ضفدع) فيحرم نصا 3893، واحتج بالنهي عن قتله 3894، ولاستخباثها
الجزء: 4 - الصفحة: 954
فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ 3895 (و) سوى (تمساح) نصا 3896، لأن له نابا يفترس به.
ويؤكل القرش كخنزير الماء وكلبه وإنسانه لعموم الآية والأخبار، وروى البخاري أن الحسن بن علي -رضي اللَّه عنهما- ركب سرجا عليه جلد من جلود كلاب الماء 3897. (و) سوى (حية) لأنها من المستخبثات.
وتحرم الجلالة وهي التي أكثر علفها النجاسة ويحرم لبنها وبيضها لحديث ابن عمر: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أكل الجلالة وألبانها" رواه أحمد وأبو داود 3898، وفي رواية لأبي داود: "نهي عن ركوب
الجزء: 4 - الصفحة: 955
جلالة الإبل" 3899، وعن ابن عباس: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شرب لبن الجلالة" رواه أحمد وغيره 3900، وبيضها كلبنها، -فإن لم يكن أكثر علفها النجاسة لم تحرم ولا لبنها ولا بيضها- حتى تحبس ثلاثا من الليالي بأيامها وتطعم الطاهر فقط؛ لأن ابن = وألبانها، كتاب الضحايا، السنن الكبرى 9/ 332، كلهم من طريق محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عمر به.
والحديث قال عنه الترمذي: "حسن غريب"، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وقال الألباني في الإرواء 8/ 149: "رجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه، وقد خولف في إسناده.
. . ولعل تحسين الترمذي إياه من أجل طرقه وشواهده".
وأخرجه الإمام أحمد بنحوه عن ابن عمرو برقم (6999) المسند 2/ 439، ولم أقف عليه عن ابن عمر في المسند.
الجزء: 4 - الصفحة: 956
عمر: كان إذا أراد أكلها يحبسها ثلاثا 3901، ويباح أن يعلف النجاسة ما لا يذبح أو يحلب قريبا نصا 3902.
وما سقي من ثمر وزرع أو سمد بنجس محرم نصا 3903.لحديث ابن عباس قال: "كنا نكري أراضي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ونشترط عليهم أن لا يدملوها بعذرة الناس" 3904 ولولا تأثير ذلك لما اشترط عليهم تركه، ولأنه تتربى أجزاؤه بالنجاسة كالجلالة.
وقوله: أن لا يدملوها قال في "القاموس" 3905: "دمل الأرض دملا ودملانا أصلحها أو سرجنها فتدملت صلحت به".
انتهى.
حتى يسقى بعده بطاهر وتستهلك عين النجاسة فيطهر ويحل كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات.
ويكره أكل تراب وفحم وطين لا يتداوى به لضرره نصا بخلاف الأرمني للدواء 3906 وأكل غدة وأذن قلب نصا 3907، قال في
الجزء: 4 - الصفحة: 957
رواية عبد اللَّه 3908: كره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أكل الغدة 3909، ونقل أبو طالب 3910: نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أذن القلب 3911. ويكره أكل بصل وثوم وكراث وفجل ما لم ينضج بطبخ، قال أحمد: لا
الجزء: 4 - الصفحة: 958
يعجبني.
وصرح بأنه كرهه بمكان الصلاة في وقت الصلاة 3912.
ويكره أكل حب ديس بحمر أهلية نصا، وقال: لا ينبغي أن يدوسه بها، وقال حرب: كرهه كراهية شديدة، ونقل أبو طالب: لا يباع ولا يشترى ولا يؤكل حتى يغسل 3913.
ويكره مداومة أكل لحم لأنه يورث قسوة، ولا يكره لحم نيء 3914 ومنتن نصا 3915.
ويحرم ترياق 3916 فيه من لحوم الحيات أو الخمر وتداو بألبان حمر، وكل محرم غير بول إبل.
الجزء: 4 - الصفحة: 959
وسئل أحمد عن الجبن فقال: يؤكل من كل أحد.
فقيل له عن الجبن الذي تصنعه المجوس فقال: ما أدري 3917. وقيل: إن أصح حديث فيه حديث عمر أنه سئل عن الجبن وقيل له: يعمل فيه أنفحة الميتة فقال: "سموا اللَّه سبحانه وتعالى وكلوا" 3918.
(ومن اضطر) بأن خاف التلف إن لم يأكل حضرا كان أو سفرا نقل حنبل: إذا علم أن النفس تكاد تتلف، وفي "المنتخب" 3919: أو مرضا أو انقطاعا عن الرفقة بحيث ينقطع فيهلك (أكل وجوبا) نصا 3920 لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 3921، قال مسروق 3922: ومن اضطر فلم يأكل ولم يشرب فمات دخل
الجزء: 4 - الصفحة: 960
النار.
3923 و (من محرم غير سم) ونحوه مما يضر (ما يسد رمقه) فقط أي بقية روحه أو قوته لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ 3924 وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 3925 وليس له الشبع لأن اللَّه حرم الميتة واستثنى ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم تحل كحالة الابتداء، وله التزود منه إن خاف الحاجة.
ويجب على مضطر تقديم السؤال على أكله المحرم نصا، وقال لسائل: قم قائما ليكن لك عذر عند اللَّه 3926، وإن وجد مضطر ميتة وطعاما يجهل مالكه قدم الميتة؛ لأن تحريمها في غير حال الضرورة لحق اللَّه، أو وجد مضطر محرم ميتة وصيدا حيا أو بيض صيد سليما قدم الميتة، ويقدم على صيد حي طعاما يجهل مالكه إن لم يجد ميتة بشرط ضمانه.
ومن لم يجد إلا طعام غيره فربه المضطر أو الخائف أحق به وليس له إيثار غيره به لئلا يلقي بيده إلى التهلكة، وإلا يكن مضطرا لزمه بذل ما يسد رمقه فقط بقيمته
الجزء: 4 - الصفحة: 961
نصا 3927 ولو في ذمة معسر لوجود الضرورة، فإن أبي رب الطعام بذله بقيمته أخذه بالأسهل فالأسهل، ثم قهرا ويعطيه عوضه يوم أخذه، فإن منعه فله قتاله عليه، فإن قتل المضطر ضمنه رب الطعام بخلاف عكسه، وإن منعه إلا بما فوق القيمة فاشتراه منه بذلك كراهة أن يجري بينهما دم أو عجز عن قتاله لم يلزمه إلا القيمة.
ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه كثياب لدفع برد ودلو وحبل لاستسقاء ماء وجب على رب الماء بذله مجانا؛ لأنه تعالى ذم على منعه بقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)﴾ 3928 وما لا يجب بذله لا يذم على منعه، وما وجب فعله لا يقف على بذل العوض بخلاف الأعيان فلربها منعها بدون عوض ولا يذم على ذلك، ومحل وجوب بذل نحو ماعون مع عدم حاجة ربه إليه وإلا فهو أحق به من غيره لتميزه بالملك.
ومن لم يجد من مضطر إلا آدميا مباح الدم كحربي وزان محصن ومرتد فله قتله وأكله؛ لأنه لا حرمة له أشبه السباع وكذا إن وجده ميتا، ولا يجوز لمضطر أكل معصوم ميت ولو لم يجد غيره كالحي لاشتراكهما في الحرمة،
الجزء: 4 - الصفحة: 962
لحديث: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي" 3929، ولا يجوز له أكل عضو من أعضاء نفسه لأنه إتلاف موجود لتحصيل موهوم.
ومن مر بثمرة بستان لا حائط عليه ولا ناظر فله أكل ولو بلا حاجة مجانا، لما روى ابن أبي زينب التميمي قال: سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة 3930 وأبي برزة فكانوا يمرون بالتمار فيأكلون في أفواههم 3931، وهو قول عمر 3932
الجزء: 4 - الصفحة: 963
وابن عباس 3933. فإن كان البستان محوطا لم يجز الدخول إليه لقول ابن عباس: "إن كان عليها حائط فهو حرز فلا تأكل" 3934، وكذا إن كان ثم حارس لدلالة ذلك على شح صاحبه وعدم المسامحة.
ولا يجوز صعود شجره ولا ضربه ورميه بشيء نصا 3935 ولو كان البستان غير محوط ولا حارس، لحديث: "وكل ما وقع أشبعك اللَّه وأرواك" رواه الترمذي وقال: "حسن صحيح" 3936، ولأن الضرب والرمي يفسد الثمرة، ولا
الجزء: 4 - الصفحة: 964
يحمل من الثمرة مطلقا كغيره لقول عمر: "ولا تتخذ خبنة" 3937.
وكذا زرع قائم لجريان العادة بأكل الفريك، وكذا شرب لبن ماشية، لحديث الحسن عن سمرة مرفوعا: "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، وإن لم يجد أحدا فليحلب ويشرب ولا يحمل" رواه الترمذي وقال: "حسن صحيح".
3938
(ويلزم مسلما ضيافة مسلم) لا ذمي (مسافر) لا مقيم (في قرية لا مصر يوما وليلة قدر كفايته) مع أدم، لحديث أبي شريح الخزاعي مرفوعا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول اللَّه؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فهو صدقة لا يحل له أن يثوي عنده حتى يؤثمه، قيل يا رسول اللَّه كيف يؤثمه؟ قال: يقيم عنده وليس = ومن طريق آحر أخرجه أبو داود، باب من قال: إنه يأكل مما يسقط، كتاب الجهاد برقم (2622) سنن أبي داود 3/ 39، وابن ماجة، باب من مر على ماشية قوم أو حائط هل فيصيب منه؟ كتاب التجارات برقم (2299) سنن ابن ماجة 2/ 771، وأحمد برقم (19830) المسند 6/ 7 - 8، والحاكم في المستدرك 4/ 444، وضعف إسناده الألباني في الإرواء 8/ 159.
الجزء: 4 - الصفحة: 965
عنده ما يقريه" 3939، وعن عقبة بن عامر قال: "قلت للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا فما ترى؟ قال: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" متفق عليه 3940، ولو لم تجب الضيافة لم يأمرهم بالأخذ، واختص ذلك بالمسلم وبالمسافر لقول عقبة: "إنك تبعثنا فننزل بقوم" والقوم إنما ينصرف للجماعات دون أهل الأمصار، ولأن أهل القرى مظنة الحاجة إلى الضيافة والإيواء لبعد البيع والشراء بخلاف المصر ففيه السوق والمساجد.
(وتسن) الضيافة (ثلاثة أيام) بلياليها والمراد يومان مع الأول وما زاد عليها فهو صدقة لحديث أبي شريح، وليس للضيفان قسم طعام قدم لهم؛ لأنه إباحة لا تمليك وللضيف الشرب من ماء رب البيت والاتكاء على وسادة وقضاء الحاجة بلا إذنه لفظا.
ومن امتنع من الطيبات بلا سبب شرعي فهو مبتدع مذموم، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ 3941، فإن كان لسبب
الجزء: 4 - الصفحة: 966
شرعي كطيب فيه شبهة أو عليه فيه كلفة فلا بدع، وما نقل عن أحمد أنه امتنع من أكل البطيخ لعدم علمه بكيفية أكل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فكذب عليه 3942.
الجزء: 4 - الصفحة: 967
فَصْلٌ في الذَّكَاةِ
وهي تمامُ الشيءِ، ومنه الذَّكاةُ في السِّنِّ أي تمامه، سمي الذبح ذكاة لأنه إتمام الزهوق 3943.
وأصله قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ 3944 أي أدركتموه وفيه حياة فأتممتموه 3945، ثم استعمل في الذبح سواء كان بعد جرح سابق أو ابتداءً ذكره الزَّجَّاج 3946، يقال: ذَكَّى الشاة ونحوها تذكية أي ذبحها.
و(لا يُبَاحُ حَيَوانٌ يَعِيْشُ في الْبَرِّ) مباح أكله (غير جَرَادٍ) إلا بذبحه أو نحره بقطع
الجزء: 4 - الصفحة: 968
حُلْقُومٍ ومَريءٍ أو عَقْرِ مُمتنعٍ لأنه تعالى حرم الميتة وما لم يذك فهو ميتة، فذبح نحو كلب وسبع لا يسمى ذكاة.
ويباح جراد (ونحوه) بدونها، وسمك وما لا يعيش إلا في الماء، لحديث ابن عمر مرفوعًا: "أُحِلَّ لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطِّحَال" رواه أحمد وغيره 3947، وسواء مات الجراد بسبب ككبسه وتغريقه أولا، ولا بين الطافي من السمك وغيره، ولا فرق بين ما صاده مجوسي من سمك أو جراد أو صاده غيره.
ولا يباح ما يعيش في الماء والبر كسلحفاة وكلب ماء إلا بالذكاة، قال أحمد: كلب الماء تذبحه ولا أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبح 3948 إلحاقا لذلك بحيوان البر لكونه يعيش فيه احتياطا، ويحرم بلع سمك حيا ذكره ابن حزم
الجزء: 4 - الصفحة: 969
إجماعا 3949، وكره شيه حيا؛ لأنه تعذيب له ولا حاجة إليه لأنه يموت بسرعة لا شي جراد حيا؛ لأنه لا يموت في الحال.
(وشروطه) 3950 أي الذبح (أربعة): -
أحدها: (كون ذابح) أو ناحر أو عاقر (عاقلا) ليصح منه قصد التذكية، فلا يباح ما ذكاه مجنون أو طفل لم يميز؛ لأنهما لا قصد لهما، وكونه (مميزا) فتحل ذبيحته كالبالغ ولو متعديا كغاصب أو مكرها أو قنا أو جنبا أو أنثى، لحديث كعب بن مالك عن أبيه: "أنهم كان لهم غنم ترعى بسلع 3951، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمها موتا، فكسرت حجرا فذبحتها به فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنه سئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك أو أرسل إليه فأمر بأكلها" رواه أحمد والبخاري 3952، ففيه إباحة ذبيحة المرأة والأمة والحائض والجنب؛ لأنه عليه السلام لم
الجزء: 4 - الصفحة: 970
يستفصل عنها، وفيه أيضًا إباحه الذبح بالحجر وما خيف عليه الموت وحل ما يذبحه غير المالك بغير إذنه، (ولو) كان الذابح (كِتَابيًّا) لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ 3953، قال البخاري: قال ابن عباس: "طعامهم ذبائحهم" 3954 ومعناه عن ابن مسعود 3955، أو كان من نصارى بني تَغْلب 3956، ولا تحل ذبيحة مَنْ أحَدُ أبويه غير كتابي، ولا ذبيحة وثني، ولا مجوسي، ولا زنديق، ولا مرتد، لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ولا تحل ذبيحة = 306، والدارمي، باب ما يجوز به الذبح، كتاب الأضاحي برقم (1971) سنن الدارمي 2/ 112.
الجزء: 4 - الصفحة: 971
سكران؛ لأنه لا قصد له.
(و) الشرط الثاني: (الآلةُ: وهي كل مُحَدَّدٍ) حتى حجر وقصب وخشب وذهب وفضة وعظم (غير سِنِّ وظُفُرٍ) نصًّا 3957، لحديث: "ما أنهر الدَّم فَكُلْ، ليس السِّنّ والظفر" متفق عليه 3958، ولو كان المحدد مغصوبا لعموم الخبر.
(و) الشرط الثالث: (قَطْعُ حُلْقُوْمٍ) أي مجرى النفس (ومَرِيْءٍ) بالمد أي مجرى الطَّعام سواء كان القطع فوق الغَلْصَمَةِ 3959 أو دونها، ولا يعتبر قطع شيء غيرهما ولا إبانتهما، ولا يضر رفع يده إن أتم الذكاة على الفور كما لو لم يرفعها، فإن تراخى ووصل الحيوان إلى حركة المذبوح فأتمها لم يحل، (وسُنَّ قَطْعُ الوَدْجَيْنِ) وهما عرقان محيطان بالحلقوم.
والسنة مخر إبلٍ بطَعْنٍ في لَبَّتِهَا -وهي الوَهْدَةُ بين أصل الصدر والعنق- وذبح
الجزء: 4 - الصفحة: 972
غيرها، قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)﴾ 3960 وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ 3961، وثبت أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نَحَر بَدَنَةً" 3962 و"ضَحَّى بكَبْشَيْنِ ذبحهما بيده" متفق عليه 3963، ومن عكس فذبح الإبل ونحر غيرها أجزأ، قالت أسماء: "نحرنا فرسًا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأكلنا ونحن بالمدينة" 3964، وعن عائشة: "نحر رسول اللَّه في حجة الوداع بقرةً واحدةً" 3965.
الجزء: 4 - الصفحة: 973
(وما عُجِزَ عنه كواقعٍ في بِئْرٍ ومُتَوَحِّشٍ ومُتَرَدٍّ) مِنْ عَالٍ (يكفي جَرْحُهُ حَيْثُ كان) من بدنه، ورُويَ عن علي 3966 وابن مسعود 3967 وابن عباس 3968 وعائشة 3969، لحديث رافع بن خديج قال: "كنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فَنَدَّ بعيرٌ، وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه، فأعياهم، فأَهْوَى إليه رجلٌ بسهم فحبسه اللَّه عز وجل، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن لهذه البهائم أوَابِدَ 3970 كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ منها فاصنعوا به هكذا" وفي لفظٍ: "فَمَا نَدَّ عليكم فاصنعوا به هكذا" متفق عليه 3971، واعتبار الحيوان بحال الذكاة لا بأصله، بدليل الوحشي [إذا قدر
الجزء: 4 - الصفحة: 974
عليه، والمتردى إذا لم يقدر على تذكيته يشبه الوحشي] 3972 بالعجز عن تذكيته.
(فَإِنْ أَعَانَهُ) أي الجارح 3973 على قتله (غيره ككونِ رأسهِ) أي الواقع في نحو بئر (في الماءِ ونحوه) مما يقتله لو انفرد (لَمْ يَحْل) لحصول قتله بمبيحٍ وحاظرٍ فغلب الحظر، كما لو اشترك مسلم ومجوسي في ذبحه.
وما ذبح من قفاه ولو عمدًا إن أتت الآلة على محل ذبحه وفيه حياة مستقرة حل لبقاء الحياة مع الجرح في القفا وإن كان غائرًا ما لم يقطع الحلقوم والمريء، كَأَكيلَةِ السبع إذا أدركت وفيها حياة مستقرة فذبحت حلت وإن كانت لا تعيش مع ذلك غالبًا، وإلا تأتي الآلة على محل الذبح وفيه حياة مستقرة لم يحل، وتعتبر الحياة المستقرة بالحركة القوية، فإن شك هل فيها حياة مستقرة قبل قطع حلقوم ومريء، فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القطع حل، وإن كانت الآلةُ كَالَّةً وأبطأ قطعه وطال تعذيبه لم يبح.
ولو بأن رأسه حَلَّ مُطْلَقًا سواء كان من جهة وجهه أو قفاه أو غيرهما، لقول
الجزء: 4 - الصفحة: 975
علي في من ضرب وجه ثور بالسيف: "تلك ذكاة" 3974، وأفتى بأكلها عمران بن حصين 3975 ولا مخالف لهما، ولأنه اجتمع قطع ما لا تبقى معه الحياة مع الذبح.
وحيوان مُلْتَوٍ عنقه كمَعْجُوْز عنه.
وما أصابه سبب الموت من حيوانٍ مَأكولٍ من مُنْخَنِقَةٍ ومَوْقُوْذَةٍ ومُتَرَدِّيَةٍ ونَطِيْحَةٍ وأكِيْلَةِ سبع ومريضة، وما صيد بشبكة أو شَرَكة أو أحبولة أو فخّ ولو وصل إلى حد لا يعيش معه فذكاه وحياته تمكن زيادتها على حركة مذبوح حل ولو مع عدم تحركه بنحو يد، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ 3976 مع أن ما تقدم ذكره أسباب للموت، والاحتياط أن لا يؤكل ما ذبح من ذلك إلا مع تحركه ولو بيد أو رجل أو طرف عين أو تحرك ذنب وضرب الأرض به.
وما قطع حلقومه أو أبِيْنَتْ حشوته مما لا يبقى معه حياة فوجود حياته كعدمها فلا يحل بذكاةٍ.
(و) الشرط الرابع: (قَوْلُ بِسْمِ اللَّه عِنْدَ تَحْرِيْكِ يَدِهِ) بذبح لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ 3977، والفِسْقُ
الجزء: 4 - الصفحة: 976
الحرام 3978، وذكر جماعة: وعند الذبح قريبًا منه ولو فصل بكلام كالتسمية على الطهارة، واختص بلفظ اللَّه؛ لأن إطلاق التسميه: ينصرف إليه، ويجزئ أن يسمي بغير عربية ولو أحسنها؛ لأن المقصود ذكر اللَّه تعالى، وقياسه الوضوء والغسل والتيمم بخلاف التكبير والسلام فإن المقصود لفظه، ويجزئ أن يشير أخرس بالتسمية برأسه أو طَرَفه إلى السَّماء لقيامها مقام نُطْقِ النَّاطِقِ.
(وتَسْقُطُ) التَّسْميَةُ (سَهْوًا لا جَهْلًا)، لحديث راشد بن سعد 3979 مرفوعًا: "ذييحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمد" أخرجه سعيد 3980، ولحديث:
الجزء: 4 - الصفحة: 977
"عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" 3981 والآية محمولة على العمد جمعًا بين الأخبار، ومتى لم يعلم هل سمى الذابح أو لا؟ فالذَّبِيْحَةُ حَلَالٌ، لحديث عائشة: "أنهم قالوا: يا رسول اللَّه! إنَّ قَوْمًا حديثو عهد بشركٍ يأتوننا بلحم لا ندري أذكَرُوْا اسمَ اللَّه عليه أو لم يذكروا؟ قال: سَمُّوْا أنتم وكلوا" رواه البخاري 3982، ويضمن أجير ترك التسمية على الذبيحة إن حرمت 3983 بأن تركها عمدًا.
ومن ذكر عند الذبح مع اسم اللَّه غيره حرم عليه لأنه شركٌ ولم تحل الذبيحةُ رُوي = في السنن الكبرى 9/ 239 - 240، ولكنها لا تخلوا من مقالٍ.
وينظر: المحلى 7/ 413، والتلخيص الحبير 4/ 137، وفتح الباري 9/ 539، وإرواء الغليل 8/ 169 - 170.
الجزء: 4 - الصفحة: 978
عن عليّ.
3984
(وذَكاةُ جَنِيْنٍ) مباح (خَرَجَ) من بطن أمه المذكاة (ميتًا ونحوه) كتحرك كحركة مذبوح أشعر أولا (بذكَاةِ أُمِّهِ) رُوي عن عليٍّ 3985 وإبن عُمَرَ 3986، لحديث جابرٍ مَرفوعًا: "ذكَاةُ الْجَنِيْنِ ذكاةُ أمِّهِ" 3987 أشبه أعضاءها، واستحب
الجزء: 4 - الصفحة: 979
أحمد ذبحه ليخرج دمه ولم يبح مع حياةٍ مُستقرَّةٍ إلا بذبحه نَصًّا 3988؛ لأنه نفس أخرى مستقل بحياته.
وقوله في الحديث: "ذكَاةُ أمِّهِ" فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والنصب قال ابن مالك 3989: على معنى ذكاة الجنين في ذكاة أمه 3990، فيكون موافقًا لرواية الرفع المشهورة.
(وكُرِهَتْ) الذكاة (بآلةٍ كَالَّةٍ)، لحديث شداد بن أوس مرفوعًا: "إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا الْقِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحَةَ، وليُحِدَّ أحدكم شَفْرَتَهُ، وليُرحْ ذبيحته" رواه أحمد وغيره 3991، ولأن الذَّبح بالكَالَّةِ تعذيبٌ للحيوان.
الجزء: 4 - الصفحة: 980
(و) كُرِهَ (حَدُّهَا بحضرةِ) حيوانٍ (مُذَكَّى)، لحديث ابن عمر: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أَمَرَ أنْ تُحَدَّ الشِّفَارُ وأنْ تُوَارَى عن البهائم" رواه أحمد وابن ماجة 3992.
(و) كرِهَ (سَلْخُ) حيوان (وكَسْرُ عُنُقـ) ــــه (قَبْلَ زُهُوق) نفسه لحديث: "لا تَعْجَلُوْا الأَنْفُسَ أَنْ تُزْهَقَ" 3993، (و) كُرِهَ (نَفْخُ لَحْمٍ لبيعٍ) لأنه غِشٌّ.
(وسُنَّ تَوْجِيْهُهُ) أي المذكى 3994 بجعل وجهه (إلى القِبْلَةِ على شِقِّهِ الأَيْسَرِ)، فإن كان لغيرها حل ولو عمدًا، (و) سنَّ (رِفْقٌ به) وحمل على الآلة بقوة والإسراع بالشَّحْطِ، (و) سن (تَكْبِيْر) مع التسمية أي قول: بسم اللَّه واللَّه
الجزء: 4 - الصفحة: 981
أكبر، وكان ابن عمر يقوله 3995، ولا خلاف أن قول بسم اللَّه يجزئه، ولا تُسَنُّ الصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عند الذبح؛ لأنه لم يرد ولا يليق بالمقام كزيادة الرحمن الرحيم.
وإن ذبح كتابي ما يحرم عليه يقينًا كذي الظفر، أي ليس بمفرج الأصابع من إبل ونعام وبط، أو ذبح ما يحرم عليه ظنًّا فكان كما ظنَّ أو لا، كحال الرِّئَةِ 3996، أو ذبح لعيده، أو لِتَقَرُّبٍ لشيءٍ يُعظمُه لم يحرم علينا إذا ذكر اسم اللَّه فقط نصًّا 3997؛ لأنه من جملة طعامهم فدخل في عموم الآية.
وإن ذبح الكتابي ما يحل له لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم، ويحرم بولُ حيوانٍ طاهرٍ مأكول وكَرَوْثِهِ؛ لأنه رجيعٌ مُستخبثٌ، ويجوز التداوي ببول إبل
الجزء: 4 - الصفحة: 982
للخبر 3998، وإسماعيل هو الذبيح عليه السَّلام 3999.
الجزء: 4 - الصفحة: 983
فَصْلٌ في الصَّيْدِ
مصدر صَادَ يَصِيْدُ 4000.
وشرعًا: اقْتِنَاصُ حيوانٍ حَلَالٍ متوحش طبعًا غير مقدور عليه ولا مملوكٍ.
4001
(والصَّيْدُ مُبَاحٌ) لقاصده، ويكره الصيد لهوًا لأنه عبث، وهو أفضل مأكولٍ؛ لأنه من اكتساب الحلال الذي لا شبهة فيه، والزراعة أفضل مكتسب؛ لأنه أقرب إلى التوكل لخبر: "لا يغرس مُسلمٌ غرسًا، ولا يَزْرَعُ زَرْعًا، فيأكل منه إنسانٌ ولا دَابَّةٌ ولا شيءٌ [إلَّا] 4002 كانت له صدقة" 4003، وأفضل المعاش التجارة، وأفضل التجارة في بَزٍّ وعِطْرٍ وعلى زرعٍ وغرسٍ ومَاشيةٍ، وأبغضها في رقيقٍ
الجزء: 4 - الصفحة: 984
وصَرْفٍ لتمكن الشبهة فيهما، وأفضل الصِّنَاعة خياطة ونصَّ أحمد: أن كل ما نَصح فيه فهو حسن 4004 وقال الْمَرُّوْذِيُّ 4005: حثني أبو عبد اللَّه على لزوم الصنعة للخبر 4006. قال أحمد: لم أرَ مثل الغنى عن الناس، وقال في قوم لا يعملون ويقولون نحن متوكلون: هؤلاء مبتدعةٌ.
4007، وأدنى الصناعة حِيَاكةٌ وحِجَامَة ونحوهما، كقُمَامَةٍ وزُبَالةٍ وذَبْحٍ، وفي الحديث: "كسب الحجام
الجزء: 4 - الصفحة: 985
خبيث" 4008، وأشدها كراهة صِبْغٌ وصِيَاغَة وحِدَادَةٌ وجِزَارَةٌ لما يدخلها من الغش ومخالطة النجاسة، قال في "الفُرُوع" 4009: والمراد مع إمكان ما هو أصلح منها، وقاله ابن عقيل.
ومن أدرك صيدًا مجروحًا مُتحرِّكًا فوق حركة مذبوح واتسع الوقت لتذكيته لم يبح إلا بها؛ لأنه مقدورٌ عليه وفي حكم الحي، وحتى لو خشي موته ولم يجد ما يذكيه به، وإن امتنع بِعَدْوهِ فلم يتمكن من ذبحه حتى مات تعبًا فهو حلال بشروطه الآتية؛ لأنه غير مقدور على تذكيته.
(وشُروطُهُ) أي شروط إباحة الصَّيْد (أَربعةٌ): -
أحدها: (كَونُ صَائِدٍ مِنْ أَهْلِ) الـ (ذَكَاة) أي تحل ذبيحته لقوله عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 986
السلام: "فَإِنَّ أخْذَ الكلبِ ذكاة" متفق عليه 4010، والصائد بمنزلة المذكي ولو كان أعمى.
(و) الشَّرْطُ الثَّانِي: (الآلةُ، وهي) نوعان، أحدهما: مُحَدَّدٌ فهو كـ (آلة ذكاة) فيما تقدم تفصيله، وشُرِطَ جرح الصيد به لحديث: "ما أنهر الدم وذكر اسم اللَّه عليه فكل" 4011، فإن قتل الصيد بثقله كشبكة وفخ وعصًا وبندقة ولو مع شدخ أو قطع حلقوم أو مريء ولم يجرحه لم يبح أكله لحديث عدي بن حاتم 4012 قال: "قلت: يا رسول اللَّه! إني امرؤ أرمي بالْمِعْرَاضِ الصيد فأصيب، فقال: إذا رَمَيْتَ بالمعراض فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل" متفق عليه 4013 والمعراض خشبةٌ مَحدودة
الجزء: 4 - الصفحة: 987
الطرف وربما جعل في رأسه حديدة.
ولم يُحَل ما قُتِلَ بمحدد فيه سُمٌّ مع احتمال إعانته على قتله تغليبًا للتحريم، وما رمي من صَيْد فوقع في ماءٍ أو تردى من عُلُوٍّ أو وطئ عليه شيءٌ وكل من ذلك يقتل مثله لم يحل لحديث عدي بن حاتم قال: "سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الصَّيْدِ فَقَالَ: إذا رميت سهمك فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّه، فإن وجدته قد قَتَلَ فَكُلْ إلا أن تجده وَقَعَ في ماءٍ، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك" متفق عليه 4014، والتردي والوطء عليه كالماء في ذلك، فإن كان لا يقتل مثل ذلك بأن كان رأس الحيوان خارج الماء أو كان من طيره حل إذ لا شك أن الماء لم يقتله.
وإن رماه بالهواء أو على شجرة أو حائط فسقط فمات حل؛ لأن موته بالرمي ووقوعه بالأرض لا بد منه، فلو حرم به لأدى إلى أن لا يحل صيدٌ أبدًا، أو رمى صيدًا ثم غابَ ولو لَيْلًا ثم وجد ولو بعد يومه الذي رماه فيه ميتًا حل، لحديث عدي بن حاتم قال: "سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أرضنا أرض صيد، فيرمي أحدنا الصيد، فيغيب عنه ليلة أو ليلتين، فيجد فيه سهمه، فقال: إذا وجدت سهمك ولم تجد فيه أثر غيره، وعلمت أن سهمك قتله فَكُلْهُ" رواه أحمد والنسائي 4015.
الجزء: 4 - الصفحة: 988
ويَحرُمُ عضو أبانَهُ صائد بمحدد مما به حياة مُسْتَقِرَّةٌ، لحديث: "ما أبيْنَ من حَيٍّ فهو ميت" 4016، لا إن مات الصيد المبان منه في الحال كما لو لم يبق فيه حياة مستقرة، أو كان من حوت ونحوه مما تحل ميتته، وإن بقي المقطوع مُعَلَّقًا بجلده حل بحله لأنه لم يبن.
والنوع الثاني من آلة الصيد ما أشار إليه بقوله: (أَوْ جَارِحٌ مُعَلَّمٌ) مما يصيد بنابه كالفهود والكلاب، أو بمخلبه من الطير لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ = يرمي الصيد فيغيب عنه، كتاب الصيد برقم (1468) الجامع الصحيح 4/ 55، والبيهقي، باب الإرسال على الصيد يتوارى عنك ثم تجده مقتولًا، كتاب الصيد والذبائح، السنن الكبرى 9/ 242، والحديث قال عنه الترمذي: "حسن صحيح"، وصحّحه الألباني كما في صحيح سنن النسائي 3/ 900.
الجزء: 4 - الصفحة: 989
الآية 4017، قال ابن عباس: "هي الكلابُ المعلمةُ، وكُلُّ طَيْرٍ تعلم الصيد والفهود والصقور وأشباهها" 4018. والجَارحُ لغةً: الكاسب 4019 قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ 4020 أي: كسبتم 4021، ويقال: فلان جراحة أهله أي كاسبهم، ومُكَلِّبِيْنَ من التَّكْلِيْبِ (وهُو) الإغراءُ 4022، غير كلبٍ أسود بهيمٍ وهو ما لا بياض فيه نَصًّا 4023 فيحرم صيده لأنه عليه الصلاة والسَّلام: "أمر بقتله وقال: إنه
الجزء: 4 - الصفحة: 990
شيطان" رواه مسلم 4024، وكذا يحرم اقتناؤه وتعليمه لما ذكر ويجب قتل كلب عَقُور لدفع شَرِّهِ عن الناس لا إن عقرت كلبةٌ مَنْ قَرُبَ من ولدها أو خرقت ثوبه فلا يباح قتلها بذلك؛ لأن عقرها ليس عادة لها.
ثم تعليم ما يصيد بنابه بثلاثة [شروط] 4025 أشياء: بـ (أَنْ يَسْترسِلَ إذا أُرْسِلَ، ويَنْزَجِرَ إذا زُجِرَ) قال في "المغني" 4026: إلا في وقت رؤية الصيد.
ومعناه في "الوجيز" 4027 (وإِذَا أَمْسَكَ) صيدًا (لَمْ يَأْكُلْ) منه لحديث: "فإن أكَلَ فلا تَأْكُلْ، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" 4028، ولأن عادة المعلم أن ينتظر صاحبه ليطعمه ولا يعتبر تكرر ذلك بل يحصل بمرة لأنه تعلم صنعة أشبه سائر الصنائع، فلو أكل بعد أن صاد صيدًا ولم يأكل منه لم يخرج بذلك عن كونه
الجزء: 4 - الصفحة: 991
معلمًا، ولم يحرم ما تقدم من صيده؛ لأنه صاده حال كونه معلمًا، ولم يبح ما أكل منه للخبر، ولقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ 4029 وهذا إنما أمسكه على نفسه، ثم إن صاد بعد حل ما لم يأكل منه ولو شرب الصائد دمه لم يحرم نَصًّا 4030؛ لأنه لم يأكل منه، ويجب غسل ما أصابه فم كلب لتنجسه كما لو أصاب ثوبه ونحوه.
وتعليم ما يصيد بمخلبه كبَاز وصَقْرٍ وعُقَابٍ بأمرين: أن يسترسل إذا أرسل، ويرجع إذا دعي لا بترك الأكل، لقول ابن عباس: "إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإن أكل الصَّقْرُ فكُلْ" رواه الخلال 4031، ويعتبر لحل صيد ذي نابٍ أو مخلبٍ جرحه للصيد؛ لأنه آلة القتل كالمحدد، فلو قتله بصدم أو خنق لم يبح.
(و) الشرط الثالث: (إِرسَالها) بأن يرمي السهم أو ينصب نحو المنجل أو يرسل الجارح (قَاصِدًا) للصيد؛ لأن قتل الصيد 4032 أمر يعتبر له الدين فاعتبر له القصد كطهارة
الجزء: 4 - الصفحة: 992
الحدث لحديث: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللَّه عليه فكُلْ" متفق عليه 4033، ولأن إرسال الجارح جعل بمنزلة الذبح ولهذا اعتبرت التسمية معه.
(فَلو اسْتَرْسَل جَارِحٌ بنَفْسِهِ فَقَتَلَ صَيْدًا لم يَحِلَّ) ولو زجره ربه ما لم يزد في طلبه بزجره فيحل حيث سمى عند زجره.
ومن رمى هدفًا فقتل صيدًا أو رمى رائد صيدًا ولم يره فقتل صيدًا لم يحل؛ لأنه لم يقصد صيدًا على الحقيقة، وإن رمى صيدًا فأصاب غيره أو رمى صيدًا واحدًا فأصاب عددًا حل الكل، وكذا جارح أرسل.
وتحل طَريدَةٌ وهي الصيد بين قوم يأخذونه قطعًا حتى يؤتى عليه وهو حي، روى أحمد بإسناده عن الحسن: أنه كان لا يرى بالطَّرِيْدَةِ بأسًا، كان المسلمون يفعلون ذلك في مَغَازيْهِم، وما زال النَّاسُ يفعلونه في مغازيهم 4034، قال أحمد وليس هو عندي إلا الصيد يقع بينهم لا يقدرون على ذكاته فيأخذونه قطعًا.
4035، ومن أثبت صيدًا ملكه؛ لأنه أزال امتناعه بإثباته كما لو قتله، فإن تحامل ومشى غير ممتنع فأخذه غيره لم يملكه، وإن لم يثبته فدخل محل غيره فأخذه رب المحل ملكه، أو وَثَبَ حوتٌ فوقع حِجْرِ شخصٍ ولو لِسَفِينة ملكه بذلك لسبقه إلى مباح، أو دخل ظبي داره فأغلق بابها ولو جهله أو لم يقصد تملكه ملكه، أو فَرَّخَ في برجه طائر غير مملوك ملكه صاحب
الجزء: 4 - الصفحة: 993
البرج لحيازته له، وإن وقعتْ سَمكةٌ بسفينةٍ لا بحجر أحد فلِرَبِّ السَّفينةِ لأنها ملكه ويده عليها.
ويحرم صيد سمك وغيره بنجاسةٍ كعذرةٍ ومَيْتَةٍ ودَمٍ؛ لأنه يأكلها فيصير كالجلالة، ويكره صيد الطَّير بالشِّبَاشِ، وهو طائر كالبُوْمَةِ تخاط عيناه أو تربط لأن فيه تعذيبًا للحيوان، ولا يكره الصيد ليلًا أو بما يُسكره.
ومن وَجَدَ فيما صاده علامة مُلْكٍ كقِلَادَةٍ يِرَقَبة وكحَلَقَةٍ بأذنه وكقَصِّ جناح طائر فهو لُقَطَةٌ يُعَرِّفُهُ وَاجِدُهُ.
(و) الشرط الرابع: (التَّسْمِيَةُ) أي قول بسم اللَّه (عِنْدَ رَمْي) نحو سهم (أو) عند (إِرْسَال) جَارحَه كما تعتبر في ذكاة، وتجزئ بغير العربية ولو ممن يحسنها، صحّحه في "الإنصاف" 4036، (ولا تَسْقُطُ) التسمية في الصيد (بحالٍ) بخلاف الذكاة فتسقط سهوًا كما تقدم.
ولا يضر تقدم يسير عرفًا للتسمية على الإرسال أو الرمي، وكذا لا يضر تأخيرٌ يَسيرٌ للتسمية في جارح إذا زجره فانزجر إقامة ذلك مقام ابتداء إرساله.
ولو سمى على صيد فأصاب غيره حل لا إن سمى على سهم ثم ألقاه ورمى بغيره، أو سمى على شاة وذبح غيرها بتلك التسمية لم تحل، سواء أرسل الأولى أو ذبحها؛ لأنه لم يقصد الثانية بتلك التسمية، (وسُنَّ تَكْبِيرٌ معها) أي التسمية كما يسن مع الذكاة.
الجزء: 4 - الصفحة: 994
(ومَنْ أَعتَقَ صَيْدًا) أو أرسله ولم يقل: أعتقته، (أَوْ أَرْسَلَ بَعِيْرًا أو غَيْرَهُ) من بهيمة الأنعام (لم يَزُلْ مُلْكُهُ عنه) ذكره ابن حزم إجماعًا 4037 وكَانْفِلَاتِهِ منه، قال ابن عقيل: ولا يجوز أعتقتك في حيوان مأكول؛ لأنه فعل الجاهلية.
انتهى 4038، فلا يملكه آخذه بإعراضه عنه، بخلاف نحو كسرة أعرض عنها فإنه يملكها آخذها؛ لأنه مما لا تتبعه الهمة وعادة الناس الإعراض عن مثلها.
الجزء: 4 - الصفحة: 995
بَابُ الأَيْمَانِ
واحدها يَمينٌ وهي: القَسَمُ -بفتح القاف والسين الهملة- والإيلاءُ والْحَلفُ بأيمان مخصوصة تأتي، وأصل اليمين اليد المعروفة سمي بها الحلف لإعطاء الحالف يمينه فيه كالعهد والمُعَاقَدَة.
4039
فاليمين: تَوكيدُ حُكْم بذكرِ مُعَظَّمٍ على وجه مخصوص وهي وجوابها كشرطٍ وجزاءٍ 4040.
وهي مشروعة في الجملة إجماعًا 4041 لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ 4042 وحديث: "إذا حَلَفْتَ عَلَى يَمينٍ ثم رأيت غيرها خيرًا منها فَأْتِ الذي هُوَ خيرٌ وكَفِّرْ عن يمينك" متفق عليه 4043.
الجزء: 4 - الصفحة: 997
و (تَحرُمُ) اليمين (بغيرِ) ذات (اللَّهِ، أَوْ) بغير (صِفَةِ مِنْ صِفَاتِهِ) تعالى، (أَوْ) بغير (القرآن) لحديث ابن عمر: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سمع عمر يحلف بأبيه فقال: إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف باللَّه أو ليصمت" متفق عليه 4044، وعن ابن عمر مرفوعًا: "من حلف بغير اللَّه فقد كفر أو أشرك" رواه الترمذي وحسّنه 4045، وهو على التغليظ، ولا كفارة في الحلف بغير اللَّه ولو حنث؛ لأنها وجبت في الحلف باللَّه تعالى وصفاته صيانة لأسمائه تعالى، وغيره لا يساويه في ذلك، واليمين الموجبة للكفارة بشرط الحنث هي التي باسم اللَّه تعالى الذي لا يسمى به غيره كقوله: واللَّه أو والرحمن، لقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ
الجزء: 4 - الصفحة: 998
ادْعُوا الرَّحْمَنَ} الآية 4046، فجعل لفظة اللَّه ولفظة الرحمن سواء في الدعاء، فيكونان سواء في الحلف، والقديم الأزلي، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر ليس الذي بعده شيء، وخالق الخلق، ورازق الخلق، ورب العالمين، والعالم بكل شيء، ومالك يوم الدين، ورب السماوات والأراضين، واسم اللَّه الذي لم يسم به غيره، ولم ينو الحالف الغير كالرحيم قال اللَّه تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 4047، والعظيم، والقادر، والرب، والمولى، والرازق، والخالق، والسيد من الأسماء المشتركة، أو بصفة له تعالى كوجه اللَّه تعالى نَصًّا 4048 قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ 4049 وعظمته وكبريائه، وعزته وعهده وميثاقه، وحقه وأمانته، وإرادته وقدرته وعلمه، ولو نوى مراده ومقدوره أو معلومه سبحانه وتعالى، لأنه بالإضافة إليه صار [يمينا] 4050 بذكر اسم اللَّه تعالى معه، وإن لم يضفها لم تكن يمينًا إلا أن ينوي بها صفته تعالى، وأمَّا [ما] 4051 لا يُعَدُّ من أسمائه تعالى
الجزء: 4 - الصفحة: 999
كالشيء، والموجود، والذي لا ينصرف إطلاقه إليه تعالى ويحتمله، كالحي، والواحد، والكريم، فإن نوى به اللَّه تعالى فهو يمينٌ لنيته بلفظه ما يحتمله كالرحيم والقادر، وإلا ينوِ به اللَّه تعالى فلا يكون يمينًا.
وقول الحالف: وأيْمُ اللَّه يمينٌ كقوله: وأيْمن اللَّه، وهمزته همزة وصل عند البصريين، وهو بضم الميم والنون، قال أبو عبيد: "وهو مُشْتَقٌّ من اليُمْنِ 4052 يعني البَرَكَةَ".
4053
أو قوله: لَعَمْرُ اللَّه يمينٌ ومعناه الحلف ببقائه وحياته، والعَمرُ -بفتح العين وضمها- الحياة، والمستعمل في القَسَمِ المفتوح خاصة واللام للابتداء وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوفٌ وُجوبًا أي قسمي.
4054
وأقْسَمتُ باللَّه أو أقْسِمُ باللَّه، وشَهِدْتُ 4055 أو أشْهَدُ، وحَلَفْتُ أو أحْلِفُ، وعَزَمتُ أو أعزِمُ، وآلَيْتُ أو أُوْلِيْ، وقَسَمًا وحَلِفًا، وألِيَّةً وشهادةً، وعزيمةً باللَّه يمين نواه بذلك أو أطلق قال اللَّه تعالى: {فَيُقْسِمَانِ
الجزء: 4 - الصفحة: 1000
بِاللَّهِ} 4056 ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ 4057 ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ 4058، ولأنه لو قال: باللَّه لأفعلن بلا قسم ونحوه صار يمينًا، فإذا ضم إليه ما يؤكده كان أولى، وإنْ نَوَى بذلك خبرًا فيما يحتمله كقوله: نويت بأقْسَمْتُ باللَّه ونحوه الخبر عن يمين سبق قُيلَ منه لاحتماله.
والحلف بكلام اللَّه تعالى والمصحف والقرآن أو سورة منه أو آية يمينٌ؛ لأنه صفة من صفات اللَّه تعالى، والمصحف يتضمن القرآن الذي هو صفته تعالى 4059، ولذلك أطلق عليه القرآن في الحديث: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو" 4060، وقالت عائشة: "ما بين دَفَّتَيْ المصحف كلام اللَّه" 4061.
الجزء: 4 - الصفحة: 1001
وفي اليمين بشيء من ذلك فيه 4062 كفارة واحدة، لأنه يمين واحدة، وكذا الحلف بالتوراة ونحوها من كتب اللَّه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1002
فَصْلٌ
وحروف القسم ثلاثةٌ: -
باء: وهي الأصل، ويليها مُظهر، كباللَّه، ومضمر كاللَّه أقْسِمُ به.
والثاني: واوٌ، وَيَليها مظهر فقط، كواللَّه والنجم، وهي أكثر استعمالًا.
والثالث: تاء، وأصلها الواو، ويليها اسم اللَّه تعالى خاصةً نحو: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ 4063 وشَذَّ تالرَّحْمنِ وتَربِّ الكعبة ونحوها فلا يقاس عليه، كان ادَّعَى من أتى بأحد الحروف الثلاثة في موضعه المستعمل فيه أنه لم يرد القسم لم يقبل منه؛ لأنه خلاف الظاهر.
وقوله: باللَّه لأفعلن يمينٌ، ولو قال: أردت أني أفعله بمعونة اللَّه ولم أرد القسم لم [يقبل] 4064، وقوله: أسالك باللَّه لتفعلن إن نوى به اليمين انعقدتْ، وإن نوى السؤال دون اليمين لم تنعقد.
ويصح قسم بغير حروفه كقوله: اللَّه لأفعلن جرًا للاسم الكريم [ونصبًا] 4065؛ لأن كلًّا منهما لغة صحيحة
الجزء: 4 - الصفحة: 1003
كقوله عليه السلام لرُكانَةَ 4066 لما طلق امرأته: "آللَّه ما أردت إلا طلقةً واحدةً؟ " 4067، وقال ابن مسعود: لما أخبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بقتل أبي جهل وقال له: "آللَّهِ إِنَّكَ قَتَلْتَهُ؟ قال: آللَّه إِنِّيْ قَتَلْتُهُ" 4068، فإن نصب المقسم به مع واو القسم أو رفعه معها أو بدونها فذلك
الجزء: 4 - الصفحة: 1004
يمينٌ؛ لأن من لا يعرف العربية لا يفرق بين الجر وغيره، والظاهر منه مع اقترانه بالجواب إرادة اليمين إلا أن لا ينويها من يحسن العربية فلا يمينًا؛ لأن القسم به لا يكون مرفوعًا وإنما هو مبتدأ أو عطف على شيء متقدم، ولا يكون منصوبًا مع الواو إذ لا تكون إلا عاطفة، فعدوله عن الجر ظاهر في إرادة غير اليمين، فإن نوى به اليمين فيمين؛ لأنه لَاحِنٌ، واللحن لا يقاوم النية كلحنه في القرآن لا يخرجه عن كونه قرآنًا.
ويجاب قسم في إيجاب بإنْ بكسر الهمزة خفيفة كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ 4069 وثقيلة كقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ 4070 وبلام التوكيد كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾ 4071، ونُؤنَيْ توكيدٍ كقوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ 4072 ويقَدْ كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾ 4073 بعد {والشَّمْسِ = وعزاه لأحمد والبزار، وقال: "وهو من رواية أبي عبيدة عن أبيه ولم يسمع منه، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح".
الجزء: 4 - الصفحة: 1005
وَضُحَاهَا 4074} (1) وبِبَلْ عند الكوفيين كقوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ﴾ 4075 وقال البصريون: الجواب محذوف 4076 واختلفوا في تقديره، ويجاب قسم في نفي بما كقوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)﴾ 4077، وبإنْ بمعناها كقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ 4078، وبلا كقول الأعشى 4079:
الجزء: 4 - الصفحة: 1006
فآليت لا أرثي لها من كلالةٍ ... ولا منحفًا حتى تلاقي محمدا 4080 وتحذف لا لفظًا من جواب قسم إذا كان الفعل مضارعًا نحو: والله أفعل، ومنه قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ 4081. ويكره حلف بالأمانة لحديث: "من حلف بالأمانة فليس منا" رواه أبو داود 4082، كما يكره الحلف بعتق وطلاق لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تحلفوا إلا باللَّه ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" رواه النسائي 4083.
الجزء: 4 - الصفحة: 1007
(فمَنْ حَلَفَ) على فعل شيء أو تركه (وحَنِثَ) بأن لم يبر في حلفه (وَجَبَتْ عَليهِ الكَفَّارَةُ، ولوجُوبِها) أي كفارة اليمين (أربعةُ شروطٍ): -
أحدها: (قَصدُ عَقْدِ الْيَمِينِ) لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ 4084 فلا تنعقد لغوًا بأن سبقت على لسانه بلا قصدٍ كقوله: لا واللَّه، وبلى والله في عُرضِ حديثه فلا كفارة فيها، لحديث عائشة مرفوعًا: "اللغو في اليمين كلام الرجل في بيته: لا واللَّه، وبلى واللَّه" رواه أبو داود 4085، والعُرْضُ بالضم الجانب وبالفتح خلاف الطُّول 4086، ولا تنعقد من نائمٍ وصغيرٍ ومجنونٍ ومُغْمًى عليه ومعتوهٍ لأنهم لا قصد لهم.
(و) الشرط الثاني: (كونُهَا) أي اليمين (على مُسْتَقْبَلٍ) ممكن يتأتى يرُّهُ وحِنْثُهُ، (فَلا تَنْعَقِدُ) اليمين بحلف (على ماضٍ كاذبًا عالمًا به) أي بكذبه (وهي) اليمين
الجزء: 4 - الصفحة: 1008
(الْغَمُوْسُ)، سميت به لغمس الحالف بها في الإثم [ثم] 4087 في النار، (ولا) على ماضٍ (ظَانًّا صِدْقَ نَفْسِهِ فَيَبِيْنُ بِخِلَافِهِ) أي خلف ظنه فلا كفارة حكاه ابن عبد البر إجماعًا 4088 لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، وهذا مِنْهُ، لأنه يكثر فلو وجبت فيه كفارة لشَقَّ وحصل الضرر وهو منتفٍ شرعًا.
(ولا) تنعقد يمين علق الحنث فيها (على فعلٍ مُسْتَحِيْلٍ) لذاته كشرب ماء الكُوْز كقوله: واللَّه لا شربت ماء الكُوْز والحال أنه لا ماء فيه، وكذا لا جمعت بين الضدين أو رددت أمس أو على فعلٍ مستحيلٍ لغيره كقتل الميت وإحيائه كنحو: واللَّه لأقتلن فلانًا الميت ولأُحْييَنَّه ونحوه، أو لا طِرْتُ أو لا صعدت السماء.
وتنعقد بحلف على عدم المستحيل لذاته أو إعادته، كقوله: واللَّه لأشربن ماء الكوز ولا ماء فيه، ولأرددن أمس ولأقتلن فلانًا الميت، وتجب الكفارة عليه بذلك في الحال لاستحالة البر في المستحيل، وكذا كل مقالة مُكفرةٍ كالظهار، وقوله: هو يهودي أو برئ من الإسلام كيمين باللَّه في ما سبق تفصيله.
(و) الشرط الثالث: (كونُ حَالفٍ مُخْتَارًا) لليمين فلا تنعقد من مُكْرَهٍ لحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
4089
(و) الشرط الرالع: (حِنْثُهُ بفعلِ مَا حَلَفَ على تركهِ أو تركِ ما حلف على
الجزء: 4 - الصفحة: 1009
فعلِهِ)، فإن لم يحنث فلا كفارة؛ لأنه لم يهتك حرمة القسم، ولو كان فعل ما حلف على تركه أو ترك بها حلف على فعله محرمين كمن حلف على ترك الخمر فشربها أو صلاة فرض فتركها فيكفر لوجود الحنث.
(غيرَ مُكْرهٍ)، فحن حلف لا يدخل دارًا فحمل مكرهًا فدخلها لم يحنث؛ لأن فعل المكره لا ينسب إليه للخبر (أَوْ) غير (جَاهِلٍ أَوْ نَاسٍ) كما لو دخل في المثال ناسيًا ليمينه أو جاهلًا أنها المحلوف عليها فلا كفارة لأنه غير آثم، وكذا إن فعله مجنونًا.
ومن استثنى فيما يكفر بقوله: إن شاء اللَّه، أو إن أراد اللَّه، أو إلا أن يشاء اللَّه، وقصد ذلك واتصل استثناؤه بيمينه لفظًا بأن لم يفصل بينهما بسكوتٍ ولا غيره، أو اتصل حكمًا كقطع بتنفس أو سُعالٍ ونحوه لم يحنث فعل أو ترك، لحديث أبي بكر مرفوعًا: "من حلف فقال: إن شاء اللَّه لم يحنث" رواه الخمسة إلا أبا داود 4090.
الجزء: 4 - الصفحة: 1010
ويعتبر نطق غير مظلوم خائف بأن يلفظ بالاستثناء نصًّا، وأما المظلوم الخائف فتكفيه نيته؛ لأن يمينه غير منعقدةٍ، أو لأنه بمنزلة المتأول 4091، ويعتبر قصد استثناء قبل تمام مستثنى منه أو بعده قبل فراغه من كلامه، ومن شك فيه فكمن لم يستثن؛ لأن الأصل عدمه.
وإن حلف لَيَفْعلَنَّ شيئًا وعَيَّنَ وَقْتًا لفعله تعين، فإن فعله فيه بر وإلا حنث، وإلا يُعَيِّنُ وقتًا لم يحنث حتى يَيْأَسَ من فعله بتلف محلوف عليه أو موت حالف أو نحوهما لقول عمر: "يا رسول اللَّه! ألم تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك آتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه وتطوف به".
4092
(ويُسَنُّ حنث ويُكْرَهُ بِرٌّ إِذَا كانت) الحلف (على فِعْلِ مَكروهٍ) كأكل بصلٍ وثومٍ نِيْءٍ، (أو) على (تَركِ مَندوبٍ) كصلاة الضحى (وعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ)، أي يكره حنث ويسن بر إذا كانت على فعل مندوبٍ أو ترك مكروهٍ، (ويجبُ) الحنث (إِنْ كانت) اليمين (على فِعلِ مُحَرَّمٍ) كشرب خمر، (أَوْ) على (تركِ واجبٍ) كنفقة على
الجزء: 4 - الصفحة: 1011
زوجة، أو يحلف كاذبًا عالمًا بكذبه، وعُلِمَ منه أن اليمين تعتريه الأحكام الخمسة (وعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ)، أي يجب البر إذا كانت اليمين على فعل واجب أو ترك محرم ويحرم الحنث.
ويجب الحلف لإنجاء معصوم من هلكةٍ ولو نفسه كتوجه أيمان القسامة وهو مُحِقٌّ، ويندب لصلحة كإزالة حقدٍ بها صلاء بين متخاصمين، ويباح على فعل مباح أو تركه، ويكره على فعل مكروه أو تَرك مندوبٍ، ويحرم الحلف على فعل محرم أو ترك واجبٍ.
ولا يلزم محلوفًا عليه إبرار قسم كما لا يلزم إجابة سؤال باللَّه، ويسن إبرار قسم كإجابة سؤال باللَّه تعالى لحديث ابن عباس مرفوعًا قال: "وأخبركم بشر الناس؟ قلنا: نعم يا رسول اللَّه! قال: الذي يسأل باللَّه ولا يعطي به" رواه أحمد والترمذي وقال: "حسن غريب".
4093
(وإِنْ حَرَّمَ) شخصٌ (أَمَتَهُ، أَوْ) حَرَّمَ (حلالًا غَير زوجَتِهِ) من طعام أو لباس أو غيره كقوله: ما أحل اللَّه عَلَيَّ حرامٌ ولا زوجة له، أو كَسْبيْ أو كسب فلان
الجزء: 4 - الصفحة: 1012
عليَّ حرام، أو طعامي عليَّ كالميتة والدم أو لم الخنزير، أو علقه بشرطٍ كإن أكلته فهو عليَّ حرام (لم يَحْرُمُ) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ 4094، واليمين على الشيء لا تحرمه، ولأنه لو حرم بذلك لقدمت الكفارة عليه كالظهار، وأما تحريم زوجته فظهار وتقدم حكمه 4095. (وعليهِ كَفَّارَةُ يمينٍ إِنْ فَعَلَهُ) 4096 نَصًّا 4097 للآية، وسبب نزولها أنه عليه السَّلام قال: "لن أعود إلى شرب العسل" متفق عليه 4098، وعن ابن عباس وابن عمر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "جعل تحريم الحلال يمينًا" 4099، فإن ترك ما حرمه على
الجزء: 4 - الصفحة: 1013
نفسه فلا شيء عليه.
ومن قال: هو يهودي أو نصراني أو يعبد الصَّليب أو بريء من اللَّه أو من الإسلام أو من القرآن أو من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن فعله فقد فعل مُحَرَّمًا لحديث ثابت بن الضحاك 4100 مرفوعًا: "من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال" متفق عليه 4101، وعن بريدة مرفوعًا: "من قال: هو بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يعد إلى الإسلام سالمًا" رواه أحمد = قالت: (آلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من نسائه وحرّم، فجعل الحرام حلالًا، وجعل في اليمين كفارة).
قال الألباني: "هذا إسناد رجاله ثقات غير مسلمة بن علقمة، ففيه ضعف".
الإرواء 8/ 200.
الجزء: 4 - الصفحة: 1014
وابن ماجة 4102، وعليه كفارة يمين حيث خالف لحديث زيد ابن ثابت أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو برئ ممن الإسلام في اليمين يحلف بها فيحنث في هذه الأشياء فقال: "عليه كفارة يمين" رواه أبو بكر 4103، لأنه قول يوجب هتك الحرمة فكان يمينًا كالحلف باللَّه تعالى.
وإن قال: عصيت اللَّه، وأنا أعصي اللَّه في كل ما أمرني، أو محوت المصحف، أو أدخله اللَّه النار، أو قطع اللَّه يديه ورجليه ليفعلن بهذا، أو لا يفعل كذا فلغو؛ لأن هذه الأشياء لا توجب هتك حرمة فلم تكن يمينًا.
ويلزم بحلف بأيمان المسلمين ظهار وطلاق وعتاق ونذر ويمين باللَّه تعالى مع النية
الجزء: 4 - الصفحة: 1015
كما لو حلف بكلٍّ على انفراده.
ومن قال: عليَّ نذرٌ أو عليَّ يمينٌ فقط، أو: إن فعلت كذا ففعله فعليه كفارة يمين، أو قال: علي عهد اللَّه أو ميثاقه إن فعلت بهذا وفعله فعليه كفارة يمين، لحديث عقبة بن عامرٍ مَرفوعًا: "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة [يمين] 4104 " 4105، ومن أخبرعن نفسه بحلف باللَّه ولم يكن حلف فكذبةٌ لا كفارة فيها.
(وَتَجِبُ) كفارة يمين ونذر أى إخراجها (فَوْرًا لحِنْثٍ) نَصًّا 4106؛ لأنه الأصل في الأمر وإخراجها قبله وبعده سواء، وتجمع تخييرًا ثم ترتيبًا لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ.
. .﴾ الآية 4107.
الجزء: 4 - الصفحة: 1016
(ويُخَيَّرُ) حانث (فيها) أي في الكفارة يمين (بين إطعامِ عَشرةِ مَسَاكِين) من جنسٍ وَاحدٍ أو أكثر ما يجزئ من بر أو غيره، فيجوز أن يطعم بعضهم بُرًّا وبعضهم تَمرًا مثلًا، (أَوْ كِسْوَتُهم كسوةً تَصِحُّ بِها صَلاةُ فرضٍ) للرجل ثوب يجزئ في صلاته الفرض فيه وللمرأة قميص وخمار كذلك، (أَوْ عتقِ رقبةٍ مؤمنةٍ) سليمة مما يضر بالعمل ضررًا بَيِّنًا وتقدم تفصيله في كفارة الظهار 4108، وتجزئ الكسوة من كتان وقطن وصوف ووبر وشعر، ويجزئ الجديد واللبيس ما لم تذهب قوته لعموم الآية.
(فَمنْ عَجَزَ) ممن وجبت عليه كفارة يمين عن هذه الثلاثة فـ (كـ) عجزه عن (فِطْرَةٍ) وتقدم موضحًا، (صَامَ ثَلاثةَ أَيَّامٍ) للآية (مُتَتابِعَةٍ) لقراءة ابن مسعود: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ 4109، وكصوم المظاهر بجامع أنه صوم في كفارة ولا ينتقل إليه إلا = فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)} سورة المائدة الآية (89).
الجزء: 4 - الصفحة: 1017
بعد العجز عن أحد الثلاثة؛ إن لم يكن عذر في ترك التتابع من نحو مرض.
ويجزئ فى الكفارة أن يطعم بعضًا ويكسو بعضًا، ولا يجزئ تكميل عتق بإطعام أو كسوة، ولا تكميل إطعام أو كسوة بصوم كبقية الكفارات.
ومن ماله غائب يستدين إن قدر ويكفر، وإلا صام؛ لأنه لم يجد.
ولا تحزئ كفارة أخرجت قبل حلف إجماعًا 4110؛ لأنه تقديم للحكم على سببه كتقديم الزكاة على ملك النصاب.
ومن لزمته أيمان موجبها واحد ولو على أفعال وحنث في الكل قبل تكفير فكفارةٌ واحدةٌ نَصًّا 4111؛ لأنها كفارات من جنس فتداخلت كالحدود من جنس وإن اختلفت مَحَالّها كما لو زنى بنساء أو سرق من جماعة.
وإن اختلف موجبها كظهار ويمين باللَّه تعالى فكفارتان.
ومن حلف يمينًا واحدة على أجناس مختلفة كقوله: واللَّه لا ذهبت إلى فلان ولا = 204: "وبالجملة فالحديث أو القراءة ثابت بمجموع هذهـ الطرق عن هؤلاء الصحابة: ابن مسعور، وابن عباس، وأبيّ".
الجزء: 4 - الصفحة: 1018
كلمته ولا أخذت منه فكفارة واحدة سواء حنث في الجميع أو في واحد منها.
وليس لِقِنٍّ أن يكفر بغير صوم؛ لأنه لا مال له يكفر منه ولا لسيده منعه منه ولا من صوم نذر لوجوبه لحق اللَّه تعالى كصوم رمضان وقضائه، ويكفر كافر ولو مرتدًا بغير صوم لأنه لا يصح من الكافر، ويتصور عتقه للمسلم بقوله لمسلم: أعتق عبدك عني وعلي ثمنه فيفعل، أو يكون دخل في ملكه بنحو إرثٍ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1019
فَصْلٌ
(ومَبنى يَمينٍ على العُرْفِ)، والاسم العرفي ما اشتهر مجازه حتى غلب على حقيقته كالرَّاوية حقيقة في: الجمل يستسقى عليه وعرفًا: للمزادة، وكالظَّعِيْنَةِ الناقة يظعن عليها 4112، وعرفًا المرأة في الهوْدَج 4113، وكالدَّابة حقيقة ما دَبَّ ودرج وعُرفًا: الخيل والبغال والحمير، وكالغَائِطِ حقيقة: المكان المطمئن من الأرض 4114 وعرفًا: الخارج المستقذر، وكالعَذِرَة حقيقة: فناء الدار 4115 وعُرفًا: الغائط، ونحو ذلك، وإنما يرجع إلى الاسم العرفي عند عدم النية والسبب والتعيين، ويقدم عند الإطلاق إذا اختلفت الأسماء شرعي فعرفي فلغوي، فإن اختلف بأن لم يكن له إلا مسمى واحد كسماء وأرض ورجل وإنسان ونحوها انصرف اليمين إلى مسماه بلا خلاف.
الجزء: 4 - الصفحة: 1020
(ويُرْجَعُ فيها) أي اليمين (إلى نِيَّةِ حَالف) فهي مبناها ابتداء (ليس) بيمينه (ظالمًا) نصًّا 4116 مظلومًا كان أو لا، وأما الظالم الذي يستحلفه حاكم لحق عليه فيمينه على ما يصدقه صاحبه (إِنْ احتَمَلَها) أي النية (لَفظُهُ) أي الحالف (كَنِيَّتِهِ ببناءٍ وسَقْفٍ السَّمَاءَ)، وكنيته بالفراش وبالبساط الأرض، وباللباس الليل، وبالأخوة أخوة الإسلام، وما ذكرت فلانًا أي قطعت ذكره، وما رَأيْتُهُ أي قطعت رئَتَه، وكَنِيَّتِه بنسائي طوالق أقاربه النساء، وكنيتهِ بِجَوَاريْ أحرار سفنه، وما كاتَبْتُ فلانًا مكاتبة الرقيق، وبما عَرَفْتُهُ جعلته عريفًا، وبما أعْلَمْتُهُ أي: جعلته أعلما أي شققت شفته، وبما سألته حاجة أي شجرة صغيرة، وبما أكلت له دجاجة: الكُبَّةِ من الغزل، وبالفَرْشِ صغار الإبلِ، والحَصْرُ الْحَبْسُ والبَارَية السِّكِّيْنُ يبرأ بها ونحوه.
ويقبل حكمًا دعوى إرادة ما ذكره مع قرب احتمال من ظاهر لفظه ومع توسطه، فيقدم ما نواه على عموم لفظه؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله ويسوغ لغةً التعبير به عنه فانصرفت يمينه إليه، والعام قد يراد به الخاص كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ 4117 فالناس الأول أريد به نعيم بن مسعود
الجزء: 4 - الصفحة: 1021
الأشجعي 4118، والناس الثاني أبو سفيان وأصحابه 4119، وكقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ 4120 ولم تدمر السماء ولا الأرض ولا مساكنهم، والخاص قد يراد به العام كقوله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ 4121 ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ 4122 ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ 4123 ولم يرد ذلك بعينه بل كل شيءٍ.
وحيث احتمله اللفظ صرف اليمين إليه بالنية لحديث: "وإنما لكل امرئٍ ما نوى" 4124، ولأن كلام الشارع يحمل على ما دل دليل على إرادته به فكذا كلام
الجزء: 4 - الصفحة: 1022
غيره، وأما ما لا يحتمله اللفظ أصلًا كما لو حلف لا يأكل خبزًا وقال: أردت أن لا أدخل بيتًا فلا أثر له، ويجوز التعريض في مخاطبةٍ لغير ظالم ولو بلا حاجةٍ كمن سئل عن شخصٍ فقال: ما هو هنا يشير إلى نحو كفه.
فإن لم ينو حالف شيئًا فإلى سبب يمين وما هيجها فمن حلف لأقضين زيدًا حقه غدًا فقضاه قبله لم يحنث إذا قصد عدم تجاوز الغد أو اقتضاه السبب؛ لأن مبنى الأيمان على النية ثم السبب، فحيث نوى القضاء قبل خروج الغد أو دل السبب عليه تعلقت اليمين به، ومن حلف عن شيء لا يبيعه إلا بمائة لم يحنث إلا إن باعه بأقل، ولا يبيعه بها حنث ببيعه بها وبأقل منها؛ لأنها العرف في هذا، كان حلف لا يدخل دارًا وقال: أردت اليوم قُيِلَ منه حكمًا؛ لأنه محتمل ولا يعلم إلا، منه.
والعبرة في اليمين بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، فمن حلف لا يدخل بلدًا ما دام الظلم فيها فزال ودخل بعد لم يحنث أو حلف لوالي من ولاة الأمور لا أرى منكرًا إلا رفعته إليه فعزل، أو حلف على زوجته فطلقها، أو حلف على رقيقه أن لا يفعل كذا إلا بإذنه فأعتقه، أو باعه أو وهبه لم يحنث بذلك بعد ولو لم يرد ما دام كذلك، إلا إذا وجد محلوف على تركه أو ترك محلوف على فعله حال وجود صفة عادت.
ومن حلف ليتزوجن بر بعقد نكاح صحيح، كان حلف لا يكلم زيدًا لشربه الخمر فكلمه وقد تركه لم يحنث.
الجزء: 4 - الصفحة: 1023
فَصْلٌ
فإن عدمت النية والسبب رجع إلى التعيين؛ لأنه أبلغ من دلالة الاسم على مسماه لنفيه الإبهام بالكلية، فمن حلف لا يدخل دار فلانٍ هذه فدخلها وقد باعها أو هي فضاء أو مسجد أو حمام، أو حلف لا لبست هذا القميص فلبسه وهو رداء أو وهو عمامة حنث.
أو حلف لا كلمت هذا الصبي فصار شيخًا، أو حلف لا كلمت امرأة فلانٍ هذه أو عبده أو صديقه هذا فزال ذلك ثم كلمهم حنث.
أو حلف لا أكلت هذا الرطب فصار تمرًا ودبسًا أو خلا، أو حلف لا أكلت هذا اللبن فصار جبنًا أو أقطًا ثم أكله ولا نية ولا سبب يخص الحالة الأولى حنث.
فإن عدم ما تقدم من النية والسبب والتعيين رجع في اليمين إلى ما يتناوله الاسم؛ لأنه مقتضاه ولا صارف عنه.
ويقدم عند الإطلاق إذا اختلفت الأسماء شرعي فعرفي فلغوي كما تقدم 4125، ثم الاسم الشرعي ما له موضوع شرعًا وموضوع لغةً، كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك، فاليمين المطلقة على فعل شيءٍ من ذلك أو على تركه تنصرف إلى الموضوع الشرعي؛ لأنه المتبادر للفهم عند الإطلاق، ولذلك حمل عليه كلام الشارع حيث
الجزء: 4 - الصفحة: 1024
لا صارف، ويتناول الصحيح منه بخلاف الفاسد؛ لأنه ممنوع منه شرعًا، فمن حلف لا ينكح أو لا يبيع أو يشتري -والشَّرِكةُ 4126 والتَّوْلِيَةُ 4127 والسَّلَمُ 4128 والصُّلْحُ على مالٍ 4129 شراءٌ- فعقد عقدًا فاسدًا 4130 لم يحنث؛ لأن الاسم لا يتناول الفاسد، إلا إن حلف لا يحج فحج حجًّا فاسدًا فيحنث وكذا العمرة، بخلاف سائر العبادات.
ولو قيد يمينه بممتنع الصحة كمن حلف لا يبيع الخمر ونحو ذلك حنث بصورة ذلك لتعذر الصحيح، ومن حلف لا يحج أو لا يعتمر حنث بإحرام به أو بها، ولا يصوم حنث بشروع صحيح بالصوم لأنه يسمى صائمًا بالشروع فيه ولو نفلًا بنيته من النهار حيث لم يأتِ بِمُنَافٍ، ومن حلف لا يصلي حنث بالتكبير للإحرام ولو على جنازة لدخولها في عموم الصلاة بخلاف الطواف، وإن حلف أن لا يبيع فلانًا أو لا يؤجره أو لا يزوجه لم يحنث حتى يقبل.
الجزء: 4 - الصفحة: 1025
ومن حلف أن لا يهب زيدًا شيئًا فأهدى إليه، أو باعه وحاباه، أو وقف عليه، أو تصدق عليه صدقة تطوع حنث؛ لأن ذلك كله من أنواع الهبة، ولا يحنث إن كانت الصدقة واجبة كالزكاة، أو كانت من نَذرٍ أو كفارةٍ أو ضَيَّفَهُ القدر الواجب فلا حنث؛ لأن ذلك من حق اللَّه تعالى فلا يسمى هبة، أو أبرأه من دين له عليه فلم يحنث لأن الهبة تمليك وليس له إلا دين في ذمته، أو أعاره أو أوصى له فلا حنث، أو حلف أن لا يتصدق عليه فوهبه فلا حنث؛ لأن الصَّدَقةَ نَوعٌ خَاصٌ من الهبة، ولا يحنث حالف على نوع بفعل نوع آخر، ولذلك لم يلزم من تحريم الصدقة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تحريم الهبة والهدية، أو حلف لا يتصدق فأطعم عياله؛ لأنه لا يسمى صدقة عرفًا، وإطلاق الصدقة عليه في الخبر باعتبار ترتب الثواب عليه كالصدقة، وإن نذر أن يهب فلانًا شيئًا بر بالإيجاب سواء قبل الموهوب له أو لا.
والاسم العرفي: ما اشتهر مجازه حتى غلب على حقيقته كما تقدم تمثيله، فمن حلف لا يأكل عيشًا حنث بأكل خبزٍ؛ لأنه المعروف فيه، والعيش لغة: الحياة.
ومن حلف لا يطأ امرأته حنث مجماعها لانصراف اللفظ إليه عرفًا، ومن حلف لا يتسرَّى حنث بوطء أمته مطلقًا؛ لأن التَّسرِّي مأخوذٌ من السِّرِّ وهو الوطء، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ [لا] 4131 تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ 4132 وقال الشاعر 4133:
الجزء: 4 - الصفحة: 1026
أَلَا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْقَوْم أنِّنِيْ ... كَبِرْتُ وَأَنْ لَا يُحْسِنُ السِّرَّ أمْثَالِيْ
ولا يعتبر الإنزال كسائر أحكام الوطء.
ومن حلف لا يطأ ولا يضع قدمه في دار حنث بدخولها راكبًا وماشيًا ومنتعلًا وحافيًا؛ لأن ظاهر الحال أن القصد امتناعه من دخولها.
ومن حلف لا يركب حنث بركوب سفينة لقولى تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ 4134 أو لا، يدخل بيتًا حنث بدخول مسجد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ 4135 ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ 4136 ويدخول حمام لحديث: "بئس البيت الحمام" 4137، وبدخول بيت شعر وبيت أدَمٍ وخيمة لقوله تعالى: {وُجَعَل
الجزء: 4 - الصفحة: 1027
لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا.
. .} الآية 4138 لا بدخول صُفة دارٍ ودِهْلِيْزِهَا 4139؛ لأنه لا يسمى بيتًا.
وإن حلف لا يضرب فلانًا فخنقه أو نتف شعره أو عضه حنث لوجود المقصود بالضرب وهو التألم.
وإن حلف لا يَشُمُّ الريحان فَشَمَّ وردًا وَياسَمِيْنًا 4140 أو بَنَفْسَجًا 4141 ولو يابسا حنث.
= وأخرج الحاكم في المستدرك 4/ 288 بإسناده عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- مرفوعًا "اتقو بيتًا يقال له الحمام" قالوا يا رسول اللَّه! إنه يذهب الدرن وينفع المريض، قال "فمن دخله فليستتر".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
الجزء: 4 - الصفحة: 1028
والاسم اللغوي: ما يغلب مجازه على حقيقته، فمن حلف أن لا يأكل لحمًا حنث بأكل لم سمك وأكل لم محرم كغير مأكول لدخوله في مسمى اللحم، ولا يحنث برق لم؛ لأنه ليس بلحم، ولا بأكل منع وكبد وكلية وشحم وكرش ومصران وطحال وقلب ودماغ وأكارع ولحم رأس ولسان؛ لأن مطلق اللحم لا يتناول شيئًا من ذلك، وهذا مع الإطلاق، فإن كان نية أو سبب فكما تقدم.
وإن حَلَفَ لا يأكل لبنًا فأكله ولو من صيد أو آدمية حنث؛ لأن الاسم يتناوله حقيقة وعرفًا، ولا يحنث إن أكل زبدًا أو سمنًا أو كَشْكًا 4142 أو أقطًا ونحوه مما يعمل من اللبن ويختص بالاسم؛ لأنه لا يدخل في مسمى اللَّبن.
ومن حلف لا يأكل رأسًا ولا بيضًا حنث بأكل رأس طير وسمك وجراد وبيض ذلك لدخوله في مسمى الرأس والبيض.
وإن حلف لا يأكل من هذه البقرة فلا يعم ولدًا ولا لبنًا؛ لأنهما ليسا من أجزائها، كان حلف لا يأكل فاكهةً حنث بأكل بطيخ؛ لأنه ينضج ويحلو ويتفكه به، وسواء الأصفر وغيره.
وإن حلف لا يأكل رطبًا أو بسرًا فأكل مذنبا حنث؛ لأن فيه رطبًا وبسرًا لا إن أكل تمرًا، أو حلف لا يأكل رطبًا أو بسرًا فأكل الآخر [لم يحنث] 4143 لأنه لم يأتِ
الجزء: 4 - الصفحة: 1029
بالمحلوف عليه، أو، يأكل تمرًا فأكل رطبًا أو بسرًا أو دبسًا أو نَاطِفًا 4144 لم يحنث؛ لأنه لم يأكل تمرًا.
وإن حلف [لا] 4145 يأكل أدمًا حنث بأكل بيضٍ وشوي وجبنٍ وملحٍ وتمرٍ، لحديث يوسف بن عبد اللَّه بمن سلام 4146 قال: "رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وضع تمرة على كسرة وقال: هذا أدم" رواه أبو داود 4147، وعنه عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 1030
السلام: "سيد الإدام اللَّحم" 4148، وقال: "سيد إدامكم اللحم" رواه ابن ماجة 4149، وكذا زيتون ولبن وخل وعسل وزيت وسمن لحديث: "ائتدموا بالزيت، وادهنوا به، فإنه من شجرةٍ مباركةٍ" رواه ابن ماجة 4150، وعنه عليه السلام: "نعم الإدام الخل" 4151، والباقي في معناه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1031
وإن حلف لا آكل قوتًا حنث بأكل خبز وتمر وزبيب وتين يابس ولحم ولبن وكل ما تبقى معه البنية؛ لأنَّ كُلًّا من هذا يُقتات في بعض البلاد.
وإن حلف لا يأكل طعامًا حنث باستعمال كل ما يُؤْكَلُ ويشرب من قوت وأدم وحلوى أو فاكهة وجامد ومائع.
ومن أكل ما حلف لا يأكله مُستَهلكًا في غيره كسمن حلف لا يأكله فأكله في خَبيْصٍ 4152، أو حلف لا يأكلُ بَيضًا فأكل ناطفًا، أو لا يأكل شعيرًا فأكل حنطة فيها حبات شعير لم يحنث؛ لأن ما أكله لا يسمى سمنًا ولا بيضًا، والحنطة فيها شعير لا تسمى شعيرًا إلا إذا ظهر طعم شيء من محلوف عليه كظهور طعم السمن في الخبيص والبيض في الناطف والشعير في الحنطة فيحنث.
ومن حلف لا يلبس شيئًا فلبس ثوبًا أو درعًا أو جَوْشَنًا 4153 أو = الأطعمة برقم (1839) الجامع الصحيح 4/ 245، وابن ماجة، باب الائتدام بالخل، كتاب الأطعمة برقم (3317) سنن ابن ماجة 2/ 1102.
الجزء: 4 - الصفحة: 1032
قَلَنْسُوَةً 4154 أو عمامةً أو خُفًّا أو نعلا حنث؛ لأنه ملبوس حقيقةً وعُرفًا كالثياب، ومن حلف لا يلبس ثوبًا حنث كيف لبسه وإن تعمم به.
وإن حلف لا كلمت زيدًا فكاتبه أو راسله حنث لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ 4155 وحديث: "ما بين دفتي المصحف كلام اللَّه" 4156 ما لم ينو مشافهته بالكلام فلا يحنث بالمكاتبة ولا المراسلة لعدم المشافهة فيهما إلا إذا ارْتُجَّ عليه في صلاة ففتح عليه فلا يحنث لأنه كلام اللَّه.
وإن حلف ليشربن هذا الماء أو ليضربن غلامه وأمكنه فعل محلوف عليه بأن مضى بعد يمينه ما يتسع لفعله فتلف المحلوف عليه بأن أريْقَ الماء أو مات الغلام قبل الشرب أو الضرب حنث حال تلفه؛ لأنه لم يفعل ما حلف على فعله في وقته بلا إكراهٍ ولا نسيانٍ لليأس من فعله بتلفه.
وإن حلف لَيَقْضِيَنَّهُ حقه غدًا فأبرأه رب الحق اليوم لم يحنث؛ لأنه منعه بإبرائه من قضائه أشبه المكره أو أخذ رب الحق منه عوضًا لحصول الإيفاء به، أو منع الحالف
الجزء: 4 - الصفحة: 1033
منه كرهًا على عدم القضاء فلا حنث، أو مات رب الحق فقضاه لورثته لم يحنث لقيام وارثه مقامه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1034
فَصْلٌ في النَّذْرِ
وهو لغةً: الإيجاب 4157 يقال: نذر دم فلان أي وجب قتله.
وشرعًا: إلزإم مكلف مختار نفسه بعبادة للَّه تعالى 4158، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه اللَّه" رواه أحمد 4159، ولو كافرًا نصًّا 4160 لحديث عمر: "إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً، فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أوفِ بنذرك" 4161، ولأن نذر العبادة ليس عبادة، ويلزم بكل قول
الجزء: 4 - الصفحة: 1035
يدل عليه فلا يختص بـ للَّه عليَّ ونحوه ولا ينعقد بغير القول كالنكاح والطلاق.
وأجمعوا على صحة النذر ولزوم الوفاء به في الجملة 4162 لقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ 4163 ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ 4164، وحديث عائشة مرفوعًا: "من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" 4165.
وابتداء (النَّذْرُ مَكْرُوهٌ) لحديث: "النذر لا يأتي بخير وانما يستخرج [به] 4166
الجزء: 4 - الصفحة: 1036
من البخيل" 4167، وقال ابن حامد 4168 وغيره: لا يَرُدُّ قَضَاءً ولا يَمْلِكُ به شيئًا مُحْدَثًا 4169. قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ 4170، وحرمه طائفة من أهل الحديث 4171، ونقل عبد اللَّه: نهى عنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(ولا يَصِحُّ) النذر (إلا مِنْ مُكلَّفٍ)، فلا ينعقد من غير مكلف كالإقرار، (والْمُنْعَقِدُ) من النذر (ستةُ أنواعٍ): -
أحدها: النّذر (المُطْلَقِ كـ) قوله: (للَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ فَعَلْتُ كَذا)، أو إن فَعَلْتُ كذا فـ للَّه عليّ نذر (ولا نِيَّةَ) له بشيء وفعل ما علق عليه نذره
الجزء: 4 - الصفحة: 1037
(فـ) عليه (كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ إِنْ فَعَلَه)، لحديث عقبة بن عامر مَرفوعًا: "كفارة النذر إذا لم يسم كفَّارة يمين" رواه ابن ماجة والترمذي 4172 وقال: "حسىن صحيح غريب".
النوع (الثاني: نَذْرُ لِحَاجٍ وغَضَبٍ وهُو تَعْلِيْقهُ) أي النذر (بشرطٍ يَقْصِدُ المَنْعَ من) فعلـ (ـــه أو) يقصد (الحملَ عَليهِ) أي على فعله، فالأول (كـ) قوله: (إِنْ كَلَّمْتُكَ فَعَليَّ كذا) من حج أو عتق ونحو ذلك (فيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ و) بين (كَفَّارَةِ يمينٍ) لحديث عمران بن حصين قال: "سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: لا نذر في غضبٍ وكفَّارَتُه كفارة يَمين" رواه سعيد 4173، ولا يَضُرُّ قوله على مذهب من يلزم بذلك أو لا أقلد من يَرَى بالكفارة ونحوه؛ لأنه توكيد والشرع لا يتغير به.
النوع (الثالث: نذرُ) فِعْلٍ (مُباحٍ كـ) قوله: (للَّه عَلَيَّ أن أَلْبَسَ ثوبي) وأرْكَبَ دابتي (فيُخَيَّر أيضًا) بين فعل وكفارة يمين كما لو حلف عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1038
النوع (الرابع: نذرُ) فعل (مَكرُوهٍ كـ) نذر (طَلاقٍ 4174 ونحوه) كأكل ثوم وبصل، (فالتَّكْفِيرُ أولى) كما لو حلف عليه.
النوع (الخامس: نَذْرُ) فعل (مَعْصِيَةٍ كشُرْبِ خَمْرٍ) وصوم يوم عيد أو يوم حيض أو أيام تشريق، أو ترك واجب (فَيَحْرُمُ الوَفَاءُ) به، لحديث: "ومن نذر أن يعصي اللَّه فلا يعصه" 4175 ولأن المعصية لا تباح في حال من الأحوال، (ويجِبُ التَّكفِيرُ) على من لم يفعل نذر المعصية كفارة يمين، روي نحوه عن ابن مسعود 4176، وابن عباس 4177، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب 4178 كما لو حلف ليفعلنَّهُ ولم يفعله.
ويقضي من نذر صومًا محرمًا غير يوم حيضٍ، فمن نذر صوم يوم عيد وأيام تشريق قضاها وكفَّر؛ لأن المنع لمعنى في غيرها وهو كونه في ضيافة اللَّه تعالى، كنذر مريض صوم يوم يُخَافُ عليه فيه فينعقد نذره ويحرم صومه، وكذا نذر صلاةٍ في ثوب
الجزء: 4 - الصفحة: 1039
مُحرَّمٍ، بخلاف نذر 4179 صوم يوم حيض فلا ينعقد؛ لأنه منافٍ للصوم لمعنًى فيه، ومن نذر ذبح معصوم حتى نفسه فعليه كفارة يمين فقط لحديث "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" 4180. النوع (السادس: نذرُ تبرّرٍ كصَلاةٍ وصِيَامٍ واعْتِكَافٍ) وصدقة بما لا يضره ولا عياله ولا غريمه، وحج وعمرة وزيارة أخ في اللَّه وعيادة مريض وشهود جنازة (بقَصْدِ التَّقَرُّبِ مُطْلقًا) أي غير مُعلق بشرط، (أَوْ مُعلقًا بشرط) وجود نعمة يرجوها أو دفع نِقمةٍ يَخَافُها (كـ) قوله: (إِنْ شفا اللَّهُ مَريضي) أو سلم مالي (فـ للَّهِ عَلَىَّ كذا)، أو حلف بقصد التقرب كقوله: واللَّه لأن شفا اللَّه مريضي أو سلم مالي فـ دلّه عليَّ
الجزء: 4 - الصفحة: 1040
كذا، فوجد شرطه (فيلزمُهُ الوفاءُ بهِ) نصًّا 4181، وكذا إن طلعت الشمس وقدم الحاج فـ للَّه عَلَيَّ كذا ذكره في "المستوعِب" 4182، لعموم حديث: "من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه" رواه البخاري 4183، وذم اللَّه تعالى الذين ينذرون ولا يوفون فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ 4184، ومن نذر طاعة وما ليس بطاعة لزمه فعل الطاعة فقط، لحديث ابن عباس قال: "بينما النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب إذَا هو برجلٍ قائم فسأل عنه فقيل: أبو إسرائيل 4185، نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم 4186، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: مُرُوْهُ فليجلس، وليستظل، وليتكلم،
الجزء: 4 - الصفحة: 1041
وليُتِمَّ صومه" رواه البخاري 4187، ويكفر للمتروك كفارة واحدة ولو خصالًا كثيرة لأنه مَنذورٌ وَاحدٌ، ويجوز فعل ما نذره من الطاعة قبل وجود ما علق عليه لوجود سببه وهو النذر كإخراج كفارة يمين قبل الحنث.
(ومَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ) ممن تسن له الصَّدَقة (بكُلِّ مَالِهِ) بقصد القربة (أجزأه ثُلُثُه) يوم نذره يتصدق به ولا كفارة نصًّا 4188 لقوله عليه السلام لأبي لبابة بن المنذر 4189: "يجزئ عنك ثلث حين قال: إن توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك، وأن أنْخَلِعَ من مالي
الجزء: 4 - الصفحة: 1042
صدقةً للَّه عزَّ وجَلَّ ولرسوله" رواه أحمد 4190، ولو نذر الصدقة ببعض مسمى من ماله كنصفه لزمه ما سماه؛ لأنه التزام ما لا يمنع منه شيء كسائر النذور.
(أو) نذر (صَوْمَ شهرٍ ونحوه) وأطلق فلم يعينه (لَزمَهُ التَّتَابُعُ)؛ لأن إطلاق الشهر يقتضيه سواء صام شهرًا هلاليًّا أو ثلاثين يومًا بالعدة، فإن قطعه بلا عذر استأنفه لئلا يفوت التتابع، وإن قطعه لعذر خُيِّرَ بين الاستئناف بلا كفارة وبين البناء على ما مضى ويتم ثلاثين يومًا ويكفر كما لو حلف عليه؛ لأنه لم يأتِ بالمنذور على وجهه.
وكذا لو نذر صوم سنةٍ فيلزمه التتابع، ويصوم اثني عشر شهرًا سوى رمضان وسوى أيام النهي، لانصراف نذره إلى صوم سنةٍ كاملةٍ بالنذر، ولو شرط التتابع فيقضي عوض رمضان وأيام النهي، وإن نذر صوم سنة من الآن أو من وقت كذا فكنذر صوم سنةٍ معينةٍ فلا يدخل في نذره رمضان وأيام النهي فلا يقضيها، ولا كفارة؛ لأن تعيين أولها تعيين لها قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ
الجزء: 4 - الصفحة: 1043
شَهْرًا} 4191 فإذا عين أولها تعين أن يكون آخرها انتهاء الثاني عشر.
وإن نذر صوم شهر معين كالمحرم فلم يصمه لعذر أو غيره فعليه القضاء متتابعًا؛ لأنه أوجبه على نفسه كذلك، وعليه كفارة يمين لفوات المحل، وإن صام قبله لم يجزئه كصوم شعبان عن رمضان، وإن أفطر يومًا فأكثر لغير عذر استأنف شهرًا من يوم فطره لوجوب التتابع وكفر لفوات المحل، وإن أفطر يومًا فأكثر لعذر بنى على ما مضى وقضى ما أفطره متتابعًا متصلًا بتمامه وكفر لما تقدم، وإن جُنَّ الشهر الذي نذر صومه كله لم يقضه، ولا كفارة لعدم تكليفه فيه كرمضان.
و(لا) يلزمه تتابع (إِنْ نَذَرَ) أن يصوم (إيَّامًا معدودةً) ولو ثلاثين نصًّا 4192؛ لأن الأيام لا دلالة لها على التتابع بدليل قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 4193 إلا بشرط أو نية.
ومن نذر صومًا فعجز عنه لِكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يرجى بُرؤه أطعم لكل يوم مسكينًا وكفَّرَ كفَّارة يمينٍ حَمْلًا للمنذور على المشروع، وسبب الكفارة عدم الوفاء بالنذر، وسبب الإطعام المحجز عن واجب بالصوم، فاختلف السببان واجتمعا فلا يسقط واحد منهما لعدم ما يسقطه، أو نذره حال عجزه فكذلك، وعلم منه انعقاد
الجزء: 4 - الصفحة: 1044
نذره إذنْ لحديث: "من نذر نذرا لم يُطِقْهُ فكفارته كفارة يمين" 4194، ولأن العجز إنما هو من فعل المنذور فلا فرق بين كونه حال عقد النذر ويستمر أو يطرأ عليه.
وإن نذر صلاةً ونحوها فعجز فعليه الكفارة فقط؛ لأنه لم يف بنذره، وإن عجز لعارضٍ يُرجى زواله انتظر ولا كفارة إن لم يعين وقتًا، فإن استمر عجزه حتى صار غير مَرْجُوِّ الزوال فكما تقدم.
وإن نذر حجًا لزمه مع قدرته عليه كبقية العبادات، فإن لم يطقه ولا شيئًا منه حُجَّ عنه كمن عجز عن حجة الإسلام، وإلا بأن أطاق بعض ما نذره أتَى به وكفر للباقي، ومع عجزه عن زادٍ وراحلةٍ حال نذره لا يلزمه كحجةِ [الإسلام] 4195، ثم إن وجدهما لزمه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1045
وإن نذر صومًا وأطلق أو صوم بعض يوم لزمه يوم تام بنيته من [الليل] 4196؛ لأنه أقل الصوم.
وإن نذر صلاةً وأطلق فعليه ركعتان قائمًا لقادر على قيام؛ لأن الركعة لا تجزئ في فرضٍ، ولمن نذر صلاة جالسًا أن يصليها قائمًا لإتيانه بأفضل مما نذره.
وإن نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام أو إلى موضع من مكة أو إلى حرمها وأطلق فلم يقل: في حج ولا عمرة ولا غيره، أو قال: غير حاجٍّ ولا معتمرٍ لزمه المشي في حج أو عمرة حملًا له على المعهود الشرير وإلغاءً لإرادته غيره، من مكانه أي دويرة أهله كما في حج الفوض، ولا يلزمه إحرام قبل ميقاته ما لم ينو مكانًا بعينه للمشى منه والإحرام فيلزمه، أو ينوي بنذره المشي إلى بيت اللَّه الحرام إتيانه لا حقيقة المشي، فيلزمه الإتيان ويُخَيَّرُ بين المشي والركوب لحصوله بكلٍّ منهما، وإن ركب من نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام لعجز أو غيره، أو مشى من نذر الركوب فعليه كفارة يمين لحديث: "كفارة النذر كفارة يمين" 4197.
وإن نذر المشي إلى مسجد المدينة المنورة أو إلى المسجد الأقصى لزمه ذلك ولزمته الصلاة فيه ركعتين، إذ القصد بالنذر القربة وإنما يحصل ذلك بالصلاة فتضمن ذلك نذرها، كنذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام حيث وجب به أحد النُّسُكَيْنِ.
ومن نذر الصلاة في المسجد الحرام لم يجزئه في غيره؛ لأنه أفضل المساجد، وإن
الجزء: 4 - الصفحة: 1046
نذرها في مسجد المدينة أجزأته فيه وفي المسجد الحرام؛ لأنه أفضل منه، وإن نذرها في الأقصى أجزأته في الثلاثة وتقدم ما يعلم منه دليل ذلك، فإنْ عَيَّنَ بنذره مسجدًا غير الثلاثة لم يتعين، فيخير بين فعله وبين التكفير لحديث: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثلاثة مساجد" 4198.
وإن نذر عتق رقبةٍ فعليه عتق ما يجزئ عن الواجب في نحو ظهار حملًا للنذر على المعهود شرعًا إلا أن يعينها فيُجزئه ما عينه، لكن لو مات المنذور المعين أو أتلفه ناذر قبل عتقه لزمه كفارة يمين بلا عتق نَصًّا 4199 لفوات محله، وعلى متلف لمنذور غير ناذر قيمته له لبقاء ملكه عليه، ولا يلزمه صرفها في العتق، ومن قال: إن ملكت عبد زيد فـ للَّه عَلَيَّ أن أعتقه بقصد القربة ألزم بعتقه إذا ملكه؛ لأنه نذر تبرر، وإن كان في لجاجٍ وغضبٍ خُيِّرَ بينه وبين كفارة يمين.
ومن نذر طوافًا أو سعيًا فأَقلُّه أُسْبُوعٌ حملًا على المعهود شرعًا، وإن نذر طوافًا أو سعيًا على أربع فعليه طوافان أو سعيان أحدهما عن يديه والأخرى عن رجليه، وهذا قول ابن عباس في الطواف رواه سعيد 4200 لقوله عليه السَّلام لكبشة بنت
الجزء: 4 - الصفحة: 1047
معدي كرب 4201 حيث قالت: "يا رسول اللَّه! آليت أن أطوف بالبيت حبوًا، فقال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: طُوْفِيْ على رجْلَيْكِ سُبْعَيْن، سُبْعًا عن يديك، وسُبْعًا عن رجليك" رواه الدارقطني 4202، ولأن الطواف على أربع مثله وقيس عليه السعي.
ومن نذر طاعةً على وجه منهي عنه كالصلاة عريانًا أو الحج حافيًا حاسرًا أو الصلاة في ثوبٍ نجسٍ أو حريرٍ وَفَّى بها على الوجه المشروع كما لو أطلق، وتلغى تلك الصفة ويكفر؛ لأنه لم ينذره على وجهه كما لو كان أصل النذر غير مشروع.
(وسُنَّ الوفاءُ بالوَعْدِ) ولا يلزم الوفاء به نصًّا 4203، (و) يـ (حرم بلا استثناءٍ) لقوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
.﴾ 4204 أي لا تقولن ذلك إلا معلقًا بإن شاء اللَّه تعالى 4205.
الجزء: 4 - الصفحة: 1048
(كِتَابُ القَضَاءِ)
لغة: إحكام الشيء والفراغ منه، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (1)، وبمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ 4206، وبمعنى إمضاء الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ 4207 أي أمضينا وأنهينا، وسمي الحاكم قاضيًا؛ لأنه يمضي الأحكام ويحكمها، أو لإيجابه الحكم على من يجب عليه 4208.4209
فصل
ت من الآية (12)، وينظر: جامع البيان للطبري 24/ 99، وفتح القدير للشوكاني 4/ 508.
الجزء: 4 - الصفحة: 1049
واصطلاحًا: تَبْيِّينُ الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الحكومات 4210، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ 4211 وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ 4212، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر" متفق عليه 4213، والفتيا تبيين الحكم الشرعي للسائل، وعنه كان السلف الصالح يهابون الفتيا كثيرًا ويشددون فيها ويتدافعونها حتى ترجع إلى الأول لما فيها من المخاطرة، وأنكر أحمد وغيره من الأعيان على من يهجم على الجواب وقال: لا ينبغي أن يجيب على كل ما يستفتى فيه، وقال: إذا هاب
الجزء: 4 - الصفحة: 1050
الرجل شيئًا لا ينبغي أن يحمل على أن يقوله 4214. وينبغي للمستفتي حفظ الأدب مع المفتي ويجلّه ويعظمه ولا يفعدما جرت عادة العوام به كإيمائه بيده على وجهه، ولا يقول له: ما مذهب إمامك في كذا، أو ما تحفظ في كذا، أو أفتاني فلانٌ غيرك بكذا، ولا يسأله عند هَمٍّ أو ضجرٍ أو قيامٍ ونحوه، ولا يطالبه بالحجة، ولا يلزم المفتي جواب ما لم يقع، روى أحمد عن ابن عمر: "لا تسألوا عمَّا لم يكن فإن عمر نهى عن ذلك" 4215، وله أيضًا عن ابن عباس قال عن الصحابة: "ما كانوا يسألون إلَّا عمَّا ينفعهم" 4216، واحتج الشافعي على كراهة السؤال عن الشيء قبل وقوعه بقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ 4217، وكان عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 1051
السَّلام: "ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال" 4218 وفي لفظ: "إن اللَّه كره لكم ذلك" متفق عليه 4219. ولا يلزم جواب ما لم يحتمله سائل قال البخاري: قال علي: "حدّثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب اللَّه ورسوله" 4220، وفي مقدمة مسلم عن ابن مسعود: "ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حَديثًا لا تبلغه عُقُولهمْ إلَّا كان فتنة لبعضهم" 4221 ولا يلزم جواب ما لا نفع فيه لقول ابن عباس لعكرمة: "من سألك عمَّا لا يعنيه فلا تُفته" 4222، وسأل مُهَنَّا أحمد عن مسألة فغضب وقال: خذ ويحك فيما تنتفع به وإياك وهذه المسائل المحدثة وخذ فيما فيه حديث 4223.
الجزء: 4 - الصفحة: 1052
ويحرم تساهل مفتٍ في الإفتاء لئلا يقول على اللَّه ما لا علم له به، ويحرم تقليد معروف به، ويقلد المجتهد العدل ولو ميتا لبقاء قوله في الإجماع، وكالحاكم والشاهد لا يبطل حكمه ولا شهادته بموته، قال الشافعي: "المذاهب لا تموت بموت أربابها" 4224. ويفتي مجتهد فاسق نفسه فقط؛ لأنه ليس بأمين على ما يقول، وفي "أعلام الموقعين" 4225: الصواب جواز استفتاء الفاسق إلا أن يكون معلنًا بفسقه داعيا إلى بدعته.
ويجوز أن يقلد عامي من ظنه عالما ولو عبدا أو أنثى أو أخرس بإشارةٍ مفهومةٍ، وكذا من رآه منتصبا للإفتاء أو التدريس معظمًا؛ لأنه دليل علمه لا إن جهل عدالته فلا يجوز أن يقلده لاحتمال فسقه، ولمفتٍ رد الفتيا إن خاف غائلتها أو كان بالبلد عالم قائم مقامه لفعل السلف ولعدم تعين الإفتاء وإلا لم يجز له رد الفتيا لتعينها، كما لا يجوز قول حاكم لمن ارتفع إليه في حكومة: امْضِ إلى غيري ولو كان في البلد من يقوم مقامه؛ لأن تدافع الحكومات يؤدي إلى ضياع الحقوق.
الجزء: 4 - الصفحة: 1053
ويحرم على مفتٍ إطلاق الفتيا في اسم مشترك، قال ابن عقيل: إجماعًا 4226، فمن سئل: أيأكل أو يشرب برمضان بعد الفجر؟ لا بد أن يقول: الفجر الأول أو الفجر الثاني، ومثله ما امتحن به أبو يوسف فيمن دفع ثوبًا إلى قَصَّار فقصره وجحده هل له أجرة إن عاد وسلمه لربه؟ فقال: إن كان قصره قبل جحود فله الأجرة، وإن كان بعد جحوده فلا أجرة له؛ لأنه قصره لنفسه 4227، ومثله من سئل عن بيع رطل تمر برطل تمر هل يصح؟ وجوابه: إن تساويا كيلًا يصح وإلا فلا، لكن لا يلزم التنبيه على احتمال بعيد.
ويكره أن يكون السؤال بخط المفتي لإملائه وتهذيبه، وللمفتي تخيير من استفتاه بين قوله وبين مخالفه، ولا يجوز لمن انتسب لمذهب إمام أن يتخير في مسألة ذات قولين لإمامه أو وجهين لأحد أصحابه فيفتي أو يحكم بحسب اختياره منهما، بل عليه أن ينظر أيهما أقرب من الأدلة أو قواعد مذهبه فيعمل به، ومن لا يجد إلا مفتيا لزمه الأخذ بقوله كما لو حكم به عليه حاكم، قال ابن الصَّلاح 4228: "ولا يتوقف ذلك على التزامه ولا سكون
الجزء: 4 - الصفحة: 1054
نفسه إلى صحته" 4229. ويجوز تقليد مفضول من المجتهدين مع وجود أفضل منه لعموم قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ 4230 وقوله عليه السَّلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" 4231 وفيهم الأفضل من غيره، وكان المفضول [من الصحابة] 4232 والسلف يفتي يوجود الأفضل بلا = 577 هـ، تفقّه عليه خلق كثير، له مصنفات كثيرة منها: "علوم الحديث" و"أدب المفتي" و"الفتاوى", توفي سنة 643 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء 23/ 140 - 144، وطبقات الشافعية الكبرى 8/ 326 - 336، وطبقات الحفاظ ص 503.
الجزء: 4 - الصفحة: 1055
نكيرٍ، خصوصًا والعامي يقصر عن الترجيح، ولا يجوز التقليد في معرفة اللَّه تعالى والتوحيد والرسالة لأمره تعالى بالتدبر والتفكر والنظر وقد ذم اللَّه تعالى التقليد بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ.
.﴾ الآية 4233 وهي فيما يطلب للعلم فلا يلزم [في] 4234 الفروع.
وأجمع المسلمون على نصب القضاة للفصل بين الناس 4235، (وهو) أي القضاء (فَرْضُ كِفايةٍ)؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه (كالإمامةِ) والجهادِ، وفيه فضل عظيم لمن قوي عليه وأدى الحق فيه، والواجب اتخاذها دِيْنًا وقُرْبةً فإنها من أفضل القُرب، وإنما فسد حال بعضهم بطلب الرياسة والمال بها، ومن فعل ما يمكنه لم يلزمه ما يعجز عنه.
(فـ) يجب أن (يَنْصِب الإمامُ بكلِّ إقليمٍ) بكسر الهمزة أحد الأقاليم السبعة 4236 (قاضيًا)؛ لأنه لا يمكن الإمام تولي الخصومات والنظر فيها في جميع
الجزء: 4 - الصفحة: 1056
البلاد، ولئلا تضيع الحقوق بتوقف فصل الخصومات على السفر للإمام لما فيه من المشقة وكلفة النفقة، وقد بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه القضاة للأمصار، فبعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليًّا إلى اليمن 4237، وبعث معاذًا قاضيًا أيضًا 4238، وولى عُمر شُرَيحًا قضاء الكوفة 4239، ووَلَّى كعب بن سور قضاء البصرة 4240، وكتب إلى أبي عبيدة ومعاذٍ يأمرهما بتولية القضاة في الشام 4241، (و) على الإمام أن (يختار) لذلك -أي نصب القضاة- (أفضل مَنْ يجد علمًا ووَرعًا)؛ لأن الإمام ينظر للمسلمين فوجب عليه تحري الأصلح، (ويأمرهُ) -أي الإمام إذا ولاه- (بالتَّقْوَى)؛ لأنها رأس الأمر ومِلَاكُه ووصية اللَّه تعالى لعباده، (و) يأمره بـ (تَحَرِّي العَدل) أي إعطاء الحق لمستحقه بلا
الجزء: 4 - الصفحة: 1057
ميلٍ؛ لأنه المقصود من القضاء، أو يأمره أن يستخلف في كل صُقْعٍ -بضم الصاد المهملة وسكون القاف- أي ناحية من عمله 4242 أفضل من يجد لهم علمًا وورعًا، لحديث: "من ولي من أموو المسلمين شيئًا، فولى وجلًا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين، فقد خان اللَّه ورسوله والمؤمنين" وواه الحاكم في صحيحه 4243. ويجب على من يصلح للقضاء إذا طلب له ولم يوجد غيره ممن يوثق به أن يدخل فيه؛ لأن القضاء فرض كفاية، ولا قدرة لغيره على القيام إذن فتعين عليه كغسل الميت، ولئلا تضيع حقوق التاس إن لم يشغله عما 4244 هو أهم منه، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" 4245، فإن لم يطلب له أو وجد موثوق به غيره لم يلزمه الدخول
الجزء: 4 - الصفحة: 1058
فيه، ومع وجود غيره ممن يصلح للقضاء الأفضل أن لا يجيب طلبًا للسلامة، ودفعًا للخطر، واتباعًا للسلف في الامتناع منه والتوقي له، لما روى ابن مسعود مرفوعًا: "ما من حاكم يحكم بين الناس إلا حُبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقفه على جهنم، ثم يرفع رأسه إلى اللَّه، فإن قال له: ألْقِهِ ألْقَاهُ في مَهْوَاةٍ (1) أربعين خريفًا" رواه أحمد وابن ماجة 4246، وكره له طلبه مع وجود صالح له لحديث أنس = وأما حديث عبادة بن الصامت فأخرجه ابن ماجة أيضا في الموضع السابق برقم (2340)، والإمام أحمد في المسند 6/ 446 - 447 برقم (2227). وأما حديث أبي سعيد الخدري فاخرجه الدارقطني في سننه 4/ 228، والحاكم في المستدرك 2/ 57 - 58، وقال: "صحيح الإسناد على شرط مسلم".
ووافقه الذهبي.
والحديث صحّحه الألباني في الإرواء 3/ 408 - 413 بمجموع طرقه.
في الأصل: "في هوى فهوى" والمثبت من كتب الحديث.
الجزء: 4 - الصفحة: 1059
مرفوعًا: "من سأل القضاء وُكِلَ إلى نفسه، ومن جبر عليه نزل ملكٌ يسدده" رواه الخمسة إلا النسائي 4247، وفي الصحيحين عن أبي موسى مرفوعًا: "إنا واللَّه لا = في مهواة أربعين خريفًا".
والحديث في إسناده مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني، أبو عمر الكوفي، ليس بالقوي وقد تغيّر في آخر عمره كلما قاله الحافظ ابن حجر في التقريب ص 520، وقال الشوكاني في نيل الأوطار 8/ 299 - 300: "في إسناده مجالد بن سعيد وثقه النسائي وضعّفه جماعة".
ا. هـ، وضعّف الحديث الألباني كما في ضعيف الجامع الصغير وزياداته 5/ 114.
الجزء: 4 - الصفحة: 1060
نولي هذا العمل أحدًا سأله، ولا أحدًا حريصًا عليه" 4248، ويحرم على من بذل له [مال] 4249 فيه أخذه وهو من أكل المال بالباطل، ويحرم طلب القضاء وفيه مباشر صالح له.
ويحرم الدخول فيه على من لا يحسنه ولم تجتمع فيه شروطه، وتحرم الشفاعة له والإعانة على التولية؛ لأنه إعانة على معصية.
ويصح تعليق ولاية قضاء أو إمارة بشرط نحو قول الإمام: إن مات فلان القاضي أو الأمير ففلان عوضه لحديث: "أميركم زيد فإن قُتل فجعفر، فإن قُتل فعبد اللَّه بن رواحة" 4250.
وشرط لصحة ولاية القضاء كونها من إمامٍ أو نائبه فيه؛ لأنها من المصالح العامة كعقد الذمة، ولأن الإمامَ صَاحِب الأمر والنهي فلا يُفْتَاتُ عليه في [ذلك] 4251، وأنْ يعرف أنَّ المولَّى صالح للقضاء؛ لأن الجهل بصلاحيته كالعلم بعدمها، فإن لم يعرفه
الجزء: 4 - الصفحة: 1061
سأل عنه أهل المعرفة به.
وتعيين 4252 ما يوليه الحكم فيه من عمل وبلد، ومشافهته بالولاية أو مكاتبته بها إن كان غائبًا كالوكالة، فيكتب له الإمام عهدًا بما ولاه؛ لأنه عليه السلام: "كتب لعمرو بن حزم حين بعثه لليمن" 4253 وكتب عمر إلى أهل الكوفة: "أما بعد .. فإني قد بعثت عمارًا أميرًا، وعبد اللَّه قاضيًا، فاسمعوا وأطيعوا" 4254.
وإشهاد 4255 عدلين عليها فيكتب العهد ويقرأ على العدلين ويقول المولي: اشْهَدَا على أني قد وليت فلانًا قضاء كذا، وتقدمت إليه بما اشتمل عليه هذا العهد ليمضي إلى ولايته فيقيما له الشهادة هناك، واستفاضة الولاية إذا كانت بلد الأمام خمسة فما دون آكد من الشهادة، ولهذا يثبت بها النسب والموت فلا حاجة معها إلى الشهادة، ولا يشترط عدالة المولّي بكسر اللام لئلَّا يفضي إلى تعذر التولية.
وألفاظ التولية الصريحة سبعة: وَلَّيْتُك
الجزء: 4 - الصفحة: 1062
الحكمَ، وقَلَّدْتُكَ، وفَوَّضْتُ، ورَدَدْتُ، وجَعَلْتُ إليكَ الحكمَ، واسْتَخْلَفْتُكَ، واسْتَنَبْتُكَ في الحكم، فإذا وجد أحد هذه الألفاظ السَّبعة وقبل مولى حاضر بالمجلس أو غائب بعد بلوغ الولاية له، أو شرع الغائب في العمل انعقدت لدلالة شروعه في العمل على القبول كالوكالة.
والكناية من ألفاظ التولية نحو: اعتمد عليك، أو عَوَّلْتُ عليك، أو وكلت، أو اسْتنَدْتُ إليك، ولا تنعقد الولاية [بها] 4256 إلا بقرينة نحو: فاحكمْ، أو اقضِ فيه، أو فتَوَلَّ ما عولت عليك فيه؛ لأن هذه الألفاظ تحمل الولاية وغيرها كالأخذ برأيه ونحوه فلا تنصرف إلى التولية إلا بقرينةٍ تنفي 4257 الاحتمال.
الجزء: 4 - الصفحة: 1063
فَصْلٌ
(وتُفِيْدُ ولايةُ حُكْمٍ عَامَّة) أي لم تقيد بحال دون أخرى (فَصْلَ الحكُومَةِ، وأَخْذ الحقِّ) ممن هو عليه، (ودَفْعَهُ إلى ربِّهِ، والنَّظَرَ في مالِ يَتِيْمٍ، و) مال (مجنونٍ، و) مال (سفيهٍ) لا ولي لهم غيره، (و) مال (غائبٍ)، والحجر لسفه ولفلس، (و) النظر في (وَقْفِ عملِهِ، ليُجْرَى على شَرْطِهِ وغير ذلك) من النظر في مصالح طرق عمله وأفنيته، وتنفيذ الوصايا، وتزويج من لا ولي لها، وتصفح حال شهوده وأمنائه ليستبدل بمن ثبت جرحه، وإقامة حد، وإقامة جمعة، وإقامة عيد ما لم يُخصا بإمام، وجباية خراج وزكاة ما لم يُخصا بعامل يجبيها، ولا تفيد ولايته الاحتساب على الباعة والمشترين وإلزامهم بالشرع؛ لأن العادة لم تجر بتولية القضاة ذلك.
وللقاضي طلب رَزْقٍ من بيت المال لنفسه وأمنائه وخلفائه، لما روي عن عمر أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقًا 4258، ورزق شريحًا في كلِّ شهرٍ مائة درهم 4259 حتى مع عدم حاجة لحاجة الناس إلى القضاء، ولو لم يجز الفرض لهم لتعطل
الجزء: 4 - الصفحة: 1064
القضاء وضاعت الحقوق، ولأن أبا بكر لما ولي الخلافة فرضوا له رزقًا كل يوم درهمين 4260 فإن لم يجعل للقاضي شيء وليس له ما يكفيه ويكفى عياله وقال للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بِجُعْلٍ جاز له أخذ الجعل لا الأجرة، قال عمر: "لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا" 4261، ولأنه قربةٌ يختص به فاعله أن يكون من أهل القربة أشبه الصلاة، وعلم منه أنه إن كان له ما يكفيه فليس له أخذ = أن عمر رزق شريحًا.
. . وهذا ضعيف منقطع، وفي البخاري تعليقًا: كان شريح يأخذ على القضاء أجرًا.
. ".
الجزء: 4 - الصفحة: 1065
الجعل أيضًا، لا مَنْ تَعَيَّنَ أن يفتي وله كفاية فليس له أخذ الجعل على إفتاء، وإن لم يتعين بأن كان بالبلد عالم يقوم مقامه أو لم تكن له كفاية جاز.
(ويجوزُ) للإمام (أَنْ يُولِّيَهُ) أي القاضي (عُمُومَ النَّظَرِ في عمومِ الْعَمَلِ) بأن يوليه سائر الأحكام بسائر البلاد، (و) يَجُوْزُ أن يوليه (خَاصًّا في أحَدِهما أَوْ) خاصًا (فيهما)، فيوليه عموم النظر أو يوليه خَاصًّا كعقود الأنكحة مثلًا، أو بمحلةٍ خاصة ينفذ حكمه في مقيم بها وفي طارئ إليها من غير أهلها، ولا يسمع قاضٍ بينة في غير عمله وهو محل حكمه.
وللإمام أن يولي قاضيًا من غير مذهبه، وله أن يولي قاضيين فأكثر ببلدٍ واحدٍ ولو اتحد عملهما، وإن تنازع خصمان وطلب كل منهما الحكم عند أحدهما قدم مُدعٍ، فإن استويا كمدعيين اختلفا في ثمن مبيع باقٍ فأقرب الحاكمين؛ لأنه لا حاجة إلى كلفة المضي للأبعد.
وإن زالت ولاية المولِّي بكسر اللام بموت أو غيره أو عَزَلَ المُولِّي بكسر اللام الْمُولَى بفتحها مع صلاجة لم تبطل ولايته؛ لأنه نائب المسلمين للإمام إذ تولية الإمام لمصلحة المسلمين فلم يبطل بزواله ولم يملك إبطاله كعقده النكاح على موليته، ولأن الخلفاء ولوا حُكامًا في زمانهم فلم ينعزلوا بموتهم، ولا في عزله بموت الإمام وغيره من الضرر على المسلمين بتعطيل الأحكام وتوقفها إلى أن يولي الثاني.
ولو كان المستنيب قاضيًا فعزل نوابه أو زالت ولايته بموت أو غيره انعزلوا؛ لأنهم نوابه كالوكلاء، بخلاف من ولاه الإمام قاضيًا فإنه يتعلق به قضايا الناس وأحكامهم
الجزء: 4 - الصفحة: 1066
عنده وعند نوابه في البلدان، فيشق ذلك على المسلمين.
وكذا والٍ ومحتسب وأمير جهاد ووكيل ييت المال، ومن نصب لجباية مال كخراج وصرفه إذا ولاهم الإمام فلا ينعزلون بعزله ولا بموته؛ لأنها عقود لمصلحة المسلمين.
ومن عزل نفسه من إمام وقاضٍ ونحوهما انعزل؛ لأنه وكيل، ولا ينعزل قاضٍ بعزل قبل علمه لتعلق قضايا الناس وأحكامهم به فيشق بخلاف الوكيل فإنه يتصرف في أمر خاص.
الجزء: 4 - الصفحة: 1067
فَصْلٌ في شُروطِ القَاضِي
وهي عشرة كما ذكرها المصنف قال: (وشُرِطَ كُونُ قاضٍ بَالغًا، عاقلًا) أي مكلفًا؛ لأن غير المكلف تحت ولاية غيره فلا يكون وليا على غيره.
الثالث: كونه (ذكرًا) لحديث: "ما أفلح قومٌ وَلَّوْا أمرهم امرأةً" 4262، ولأنها ضعيفة الرأي، ناقصة العقل، ليست أهلًا للخُطُوب ومحافل الرجال، ولم يُوَلِّ عليه السَّلام ولا أحد من خُلَفائه امرأة قضاء.
الرابع: كونه (حُرًّا) كله؛ لأن غيره منقوص بالرق مشغول بحقوق سيده.
الخامس والسادس: كونه (مسلمًا، عدلًا) ولو تائبًا من قذف نصًّا 4263، فلا يجوز
الجزء: 4 - الصفحة: 1068
تولية من فيه نقص يمنع قبول شهادته لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ 4264، ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله.
السابع: كونه (سميعًا)، لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين.
الثامن: كونه (بصرًا)؛ لأن الأعمى لا يميز المدعي من المدعى عليه، ولا المُقِرِّ من المُقَرِّ له.
التاسع: كونه (مُتَكَلِّمًا)؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته.
العاشر: كونه (مُجْتَهدًا) ذكرره ابن حزمٍ إجماعًا 4265 لقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ 4266 (ولو) كان اجتهاده (في مَذْهَبِ إمَامِهِ) لضرورة بأن لم يوجد مطلق، واختار في "الإفصاح" 4267 و"الرِّعَاية": أو
الجزء: 4 - الصفحة: 1069
مقلدًا.
4268 وفي "الإنصاف" 4269: قلت: وعليه العمل من مدة طويلة وإلا لتعطلت أحكام الناس".
انتهى.
وفي "الإفصاح" 4270: "الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة وأنَّ الحق لا يخرج عنهم".
وفي خطبة "المغني" 4271: "النسبة إلى إمام في الفروع كالأئمة الأربعة ليست بمذمومة، فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة قاطعة".
فيراعي المجتهد في مذهب إمام ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك ويحكم به ولو اعتقد خلافه؛ لأنه مقلد، ولا يخرج عن الظاهر منه، ويحرم الحكم والفتوى بالهوى إجماعًا، وبقولٍ أو وجهٍ من [غير] 4272 نظر في الترجيح إجماعًا، ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده في ما له أو عليه إجماعًا ذكره في "الفروع" 4273 وقال الشيخ تقي الدين: "هذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، ويجب = قطعة منه، وهذا الكتاب صنفه في ولاية الوزارة واعتنى به وجمع أئمة المذاهب وأوفدهم من البلدان إليه لأجله.
ينظر: الذيل 1/ 251 - 252، وسير أعلام النبلاء 20/ 430. وكتاب الإفصاح مطبوع في مجلدين طبع ونشر المؤسسة السعيدية بالرياض.
الجزء: 4 - الصفحة: 1070
تولية الأمثل فالأمثل وإن على هذا يدل كلام أحمد وغيره فيولى لعدم أنفع الفاسقين وأقلهما شرًّا وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد".
انتهى 4274.
ولا يشترط كون القاضي كاتبًا؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان أمِّيًا وهو سيد الحكام و [ليس] 4275 من ضرورة الحكم الكتابة، ولا كونه ورعا أو زاهدا أو يقظًا أو مثبتا للقياس أو حسن الخلق؛ لأن ذلك ليس من ضرورة الحكم، والأولى كونه كذلك؛ لأنه أكمل كالأسَنِّ إذا ساوى الشاب في جميج الصفات، وما يمنع التولية ابتداء يمنعها دوامًا، لا فقدهما 4276 ليس من مقدمات الاجتهاد، والحكم يستند إلى حال السمع والبصر، وقد ثبت الحكم عنده في حال يسمع فيها كلام الخصمين ويميز أحدهما عن الآخر، بخلاف غيرهما من الفسق والجنون والردة وغيرها، ويتعين عزله مع مرض يمنعه القضاء لدعاء الحاجة إلى إقامة غيره، ويصح أن يولى عبد إمارةَ سريَّةٍ وقسم صدقة، وفي إمامة صلاة غير جمعة وعيد.
الجزء: 4 - الصفحة: 1071
فَصْلٌ
(وإنْ حَكَّمَ) بتشديد الكاف (اثنانِ) فأكثر (بينهما رجلًّا يَصْلُحُ للقَضَاءِ) بأن اتصف بما تقدم من شروط القاضي، وقال الشيخ تقي الدين: "العشر صفات التي ذكرها في "المحرر" في القاضي لا تشترط فيمن يحكم الخصمان بينهما".
انتهى 4277. (نَفُذَ حُكمُهُ في كُلِّ مَا يَنْفُذُ فيهِ حُكْمُ مَنْ وَلَّاهُ إمامٌ أو نَائِبُهُ) لحديث أبي [شريح] 4278 "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: إن اللَّه هو أحكم الحاكمين فلم تكنى أبا الحكم؟ قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمتُ بينهم، فرضي علي الفريقان، قال: فما أحسن هذا فمن أكبر ولدك؟ قال: شريح، قال: فأنت أبو شريح" رواه النسائي 4279، وروي مرفوعًا: "مَنْ حَكَمَ بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما
الجزء: 4 - الصفحة: 1072
فهو ملعون" 4280 وتحاكم عمر وأُبَيُّ إلى زيدٍ 4281، وعثمان وطلحة إلى جُبير بن مطعم 4282 ولم يكن أحد منهم قاضيًا، لكن لكل منهما الرجوع قبل شروعه في الحكم؛ لأنه لا يلزم حكمه إلا برضا الخصمين كرجوع الموكل قبل تصرف وكيله [قبل] 4283 فيما وكل فيه، وله أن يشهد على نفسه بحكمه، ويلزم الحاكم قبوله وكتابته ككتاب من ولاه الإمام، وينبغي أن يشهد عليهما بالرضا قبل أن يحكم بينهما لئلا يجحد المحكوم عليه منهما أنه حكمه فلا يقبل
الجزء: 4 - الصفحة: 1073
قوله عليه إلا ببينة ذكره في "المستَوْعِب" 4284.
الجزء: 4 - الصفحة: 1074
فَصْلٌ في آدَابِ القَاضِي
وهي أخلاقه التي ينبغي أن يتخلق يها، (وسُنَّ كَوْنُهُ) أي القاضي (قويًّا بلا عُنْفٍ) لئلا يطمع فيه الظالم، (لَيِّنًا بلا ضَعْفٍ) لئلا يهابه المحق، (حَلِيمًا) لئلا يغضب من كلام الخصم فيمنعه الحكم، (مُتَأَنِّيًا) من التأني وهو ضد العجلة لئلا تُؤَدِّي عجلته إلى ما لا ينبغي، (فَطِنًا) لئلا يخدع من بعض الخصوم لِغِرَّةٍ، قال في "الشرح" 4285: "عالما بلغات أهل ولايته".
(عَفِيْفًا) أي كافًا نفسه عن الحرام لئلا يطمع في ميله بإطماعه، بصيرًا بأحكام الحكام قبله لقول علي: "لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيًا حتى تكمل فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في اللَّه لومة لائم" 4286، وليسهل عليه الحكم ويتضح له طريقه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1075
ويسن سؤاله إن ولي في غير بلده عن علمائه ليشاورهم في الحوادث ويستعين بهم على قضائه، وعن عدوله لاستناد أحكامه إليهم وثبوت الحقوق عنده بهم، ويسن إعلامهم يوم دخوله ليتلقوه؛ لأنه أوقع له في النفوس وأعظم لحشمته من غير أن يأمرهم بتلقيه؛ لأنه أنسب بمقامه، وسن دخوله [بلدا] 4287 وُلِّيَ الحكم فيه يوم اثنين أو خميس أو سبت؛ لأنه عليه الصلاة والسلام دخل في الهجرة المدينة يوم الاثنين 4288، وكذا من غزوة تبوك وقال: "بورك لأمتي في سبتها وخميسها" 4289، وينبغي
الجزء: 4 - الصفحة: 1076
أن يدخلها ضحوة تفاؤلًا لاستقبال الشهر لابسًا أجمل ثيابه؛ لأنه تعالى يحب الجمال وقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 4290 لأنها مجامع الناس وهنا يجتمع ما لا يجتمع في المساجد فهو أولى بالزينة 4291، وكذا أصحابه؛ لأنه أعظم له ولهم في النفوس، ولا يتطير وإن تفاءل فحسن؛ "لأنه عليه السلام كان يحب الفأل الحسن، وينهى عن الطيرة" 4292 فيأتي الجامع فيصلي فيه ركعتين تحيته، ويجلس مستقبلًا القبلة؛ لأن خير المجالس ما استقبل القبلة، ويأمر بعهده فيقرأ على الناس ليعلموا توليته، ويأمر بمن يناديهم بيوم جلوسه للحكم، وُيقِلُّ من الكلام إلا لحاجة؛ لأنه أهيب له، ثم يمضي إلى منزله.
ويبعث ثقة فيتسلم ديوان الحكم وهو الدفتر المعد لكتب الوثائق والسجلات = سبتها، ويوم خميسها" وسئل أبو زرعة عن هذه الزيادة فقال هي مُفتعلة".
ا. هـ. التلخيص الحبير 4/ 98.
الجزء: 4 - الصفحة: 1077
والودائع ممن كان قاضيًا قبله؛ لأنه الأساس الذي يبنى 4293 عليه، وهو في يد الحاكم بحكم الولاية وقد صارت إليه، ويأمر كاتبًا ثقةً يثبت ما تسلمه بمحضر عَدْلَيْنِ، ثم يخرج يوم الوعد بأعدل أحواله غير غضبان ولا جائع ولا حاقن ولا مهموم بما يشغله عن الفهم فيُسلِّم على من يمر به ولو صبيًا، ثم يسلم على من بمجلسه لحديث: "إن من حق المسلم على المسلم أن يسلم عليه إِذا لقيه" 4294، ويجلس على بساطٍ ونحوه يختص به ليتميز عن جلسائه؛ لأنه أهيب له لأنه مقام عظيم يجب فيه إظهار الحرمة تعظيمًا للشرع، ويدعو اللَّه بالتوفيق للحق والعصمة من زلل القول والعمل؛ لأنه مقام خطر، وكان من دعاء عمر -رضي اللَّه عنه- "اللهم أرني الحق حقًا ووفقني لاتباعه وأرني الباطل باطلًا ووفقني لاجتنابه" 4295 وليكن مجلسه فسيحًا كجامع فيجوز القضاء فيه بلا كراهة، روي عن عمر وعثمان وعلي "أنهم كانوا يقضون في المسجد" 4296 قال مالك: "القضاء في
الجزء: 4 - الصفحة: 1078
المسجد من أمر الناس القديم" 4297، وكان عليه السلام "يجلس في المسجد" 4298 مع حاجة الناس إليه في الفتيا والحكم وغيرهما من حوائج الناس، وكدار واسعة وسط البلد [إن] 4299 أمكن يستوي أهل البلد في المضي إليه، ولا يتخذ حاجبًا ولا بَوَّابًا بلا عُذر لحديث عمرو بن مُرَّةَ 4300 مرفوعًا: "ما من إمام أو والٍ يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق اللَّه أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" رواه أحمد والترمذي 4301، ولأنهما ربما منعا ذا الحاجة لغرض النفس أو غرض الحطام، ويَعْرِضُ = قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية 4/ 72: "قوله: أن الخلفاء الراشدين كانوا يجلسون في المساجد لفصل الخصومات، قلت: غريبٌ".
ا. هـ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1079
الْقَصَصَ، ويجب تقديم سابق ولا يقدم سابقًا في أكثر من حكومةٍ لئلا يستوعب المجلس ويقرع بينهم إن حضروا دفعةً واحدةً وتشاحوا.
(و) يجب (عَلَيهِ) أي القاضي (العدلُ بين مُتَحَاكِمَينِ) ترافعا إليه (في لَفْظِهِ) أي كلامه (ولَحْظِهِ) أي ملاحظته (ومجلسِهِ ودخولٍ عليهِ) إلَّا إذا سلم أحدهم عليه فيرد عليه السَّلَام، ولا ينتظر سلام الثاني لوجوب الرد فورًا، وإلا المسلم إذا ترافع إليه مع الكافر فيقدم المسلم دخولًا ويرفع جلوسا لحرمة الإسلام 4302، قال = إني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: ما من والٍ.
. . " الحديث.
قال الترمذي: "حديث عمرو بن مرّة حديث غريب، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه.
. . ". وصحّحه الألباني كما في صحيح الجامع الصغير 5/ 158. وأخرج أبو داود في سننه 3/ 135 باب فيما يلزم الإمام من أمر الرعية.
.، كتاب الخراج والإمارة والفيء برقم (2948)، وكذا الحاكم في المستدرك 4/ 93 - 94، باب إن اللَّه مع القاضي ما لم يُجرْ، كتاب الأحكام، والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 101، باب ما يستحب للقاضي من أن يقضي في موضع بارز للناس.
. .، كتاب آداب القاضي، من طريق يزيد بن أبي مريم، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي مريم، قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من ولي من أمر المسلمين شيئًا فاحتجب دون خلّتهم وفقرهم وفاقتهم، احتجب اللَّه عز وجل يوم القيامة دون خلته وفاقته وحاجته وفقره".
والحديث قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه وإسناده شامي صحيح" ا. هـ. ووافقه الذهبي، وصحّحه الألباني كما في صحيح سنن أبي داود 2/ 569.
الجزء: 4 - الصفحة: 1080
تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾ 4303 ودليل وجوب العدل بين الخصمين حديث عُمَرَ بن شَبَّةَ 4304 في كتاب القضاء عن أمِّ سلمة مرفوعًا: "من ابتلي بالقضاء بين السلمين فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر" 4305 وفي
الجزء: 4 - الصفحة: 1081
رواية "فَلْيُسَوِّ بينهم في النظر والمجلس والإشارة" 4306 ولأنه إذا ميز أحدهما حُصِرَ الآخر وانْكَسَرَ وربما لم تقم له حجة فيؤدي ذلك إلى الظلم، ولا يكره قيامه للخصمين، فإن قام لأحدهما وجب أن يقوم للآخر، ويحرم أن يُسَارَّ أحدهما أو يلقنه حجته أو يضيفه؛ لأنه إعانة له على خصمه وكسر لقلبه، وروي عن علي أنه نزل به رجل فقال: "ألك خصمٌ؟ قال: نعم، قال: تحوَّل عنا فإني سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: لا تضيفوا أحد الخصمين إلا وخَصْمُه معه" 4307 أو يعلمه كيف يدعي إلا أن يترك ما يلزم ذكره في الدعوى كشرط عقد وسبب إرث ونحوه فله أن يسأل عنه ضرورة تحريرًا للدعوى، ولا ضرر على صاحبه في ذلك، وأكثر الخصوم لا يعلمه
الجزء: 4 - الصفحة: 1082
وليتضح للقاضي وجه الحكم، وللقاضي أن يَزِنَ عن أحد الخصمين؛ لأن فيه نفعًا لخصمه، وله أن يشفع له عند خصمه ليضع عنه بعض دينه أو ينظره فيه ويكون ذلك بعد الحكم، قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ 4308 وعن كعب بن مالك: "أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَدٍ 4309 دينًا كان عليه، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سِجْفَ حجرته، فنادى يا كعب، فقلت: لبيك يا رسول اللَّه! فقال: ضع من دينك وأومأ إليه أي الشَّطْرَ، قال: قد فعلت يا رسول اللَّه قال: قم فاقضه" رواه الجماعة إلا الترمذي 4310، وله أن يؤدب خصمًا افْتَاتَ عليه كقوله: ارتشيت علي، أو حكمت علي بغير حق ونحوه بضرب لا يزيد على عشر وحبس، وأن يعفو عنه، وله أن ينتهره
الجزء: 4 - الصفحة: 1083
إذا التوى عن الحق لئلا يطمع فيه.
ويسن للقاضي أن يحضر مجلسه فقهاء المذهب ومشاورتهم فيما يشكل إن أمكن وسؤالهم إذا حدث حادثة ليذكروا جوابهم وأدلتهم فيها فإنه أسرع لاجتهاده وأقرب لصوابه، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ 4311 قال الحسن: "إنه كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لغني عن مشاورتهم وإنما أراد أن يستن بذلك الحكام بعده".
4312 فإن اتضح له الحكم [حكم] 4313 باجتهاده ولا اعتراض؛ لأنه افتيات عليه، وإلا يتضح له الحكم أَخَّرَهُ حتى يتضح، فلو حكم ولم يجتهد لم يصح حكمه ولو أصاب الحق إن كان من أهل الاجتهاد، ويحرم تقليد غيره ولو كان غيره أعلم منه كالمجتهدين في القبلة، نقل أبو الحارث: "إلا تُقَلِّدْ أمرك 4314 أحدًا وعليك بالأثر" 4315، وقال أحمد للفضل بن زياد 4316: "ولا
الجزء: 4 - الصفحة: 1084
تُقَلِّدْ دِيْنَكَ الرِّجَالَ فإنهم لم يسلموا أن يغلطوا".
4317
(وحَرُمَ) على قاض (القضاءُ وهو غَضبانُ كثيرًا) لخبر أبي بكرة مرفوعًا: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان" متفق عليه 4318، بخلاف غضب يسير لا يمنع فهم الحكم.
(أَوْ) أي وحرم أن يقضي وهو (حَاقِنٌ أو في شِدَّةِ جُوْع أو) في شدة (عَطَشٍ أوْ هَمٍّ أو مَلَلٍ أو كَسَلٍ أو نُعَاسٍ أو بَرْدٍ مُؤْلِمٍ أوْ حُرٍّ مُزْعِجٍ)؛ لأن ذلك كله في معنى الغضب؛ لأنه يشغل الفكر الموصل إلى إصابة الحق غالبًا، فإن خالف وقضى وهو غضبان ونحوه فأصاب الحق نفذ حكمه وإلا لم ينفذ، وكان للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- القضاءُ مع ذلك؛ لأنَّه عليه السَّلام لا يجوز عليه غلط يقر عليه لا قولًا ولا فعلًا في حكم بخلاف غيره من الأمة.
(و) حرم على قاضٍ (قبولُ رِشوَةٍ) بتثليث الراء لحديث ابن عمر = ينظر: طبقات الحنابلة 1/ 251 - 253، والمقصد الأرشد 2/ 312 - 313، وتاريخ بغداد 12/ 363.
الجزء: 4 - الصفحة: 1085
قال: "لعن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الرَّاشِيَ والْمُرْتَشِيَ" 4319 وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
ورواه أبو هريرة وزاد: "في الحكم" 4320 رواه أبو بكر في
الجزء: 4 - الصفحة: 1086
"زاد المسافر" 4321 وزاد "والرائش" 4322 وهو السفير بينهما؛ لأنه إنما يرتشي ليحكم بغير الحق أو يوقف الحكم وهو من أعظم الظُّلْمِ.
(و) كذا يحرم عليه قبول (هَدِيَّةٍ) لحديث أبي حميد السَّاعِدِيِّ 4323 مرفوعًا: "هَدَايَا العُمَّالِ غُلُوْل" رواه أحمد 4324، ولأن القصد بها غالبًا استمالة الحاكم ليعتنى [به] 4325 في الحكم فتشبه الرشوة (من غيرِ [من كان] (1) يُهَادِيْهِ قبل ولايته4326
الجزء: 4 - الصفحة: 1087
ولا حُكُومةَ لَهُ) فيباح له قبولها لانتفاء التهمة إذن، كما يباح لِمُفْتٍ أخذها، وردها من الحاكم أولى، فإن خالف القاضي فأخذ الرشوة والهدية حيث حرمت ردتا لمعطٍ؛ لأن أخذها بغير حق كالمأخوذ بعقد فاسدٍ.
ويكره بيع القاضي وشراؤه إلا بوكيل لا يعرف به، وليس له ولا لوالٍ أن يَتَّجِرَ لحديث أبي الأسود المالكي 4327 عن أبيه عن جده مرفوعًا: "ما عدل والٍ اتَّجَرَ في رَعِيَّتِهِ أبدًا" 4328، وإذا احتاج إلى التجارة ولم يكن له ما يكفيه لم تكره له؛ لأن أبا بكر قصد السوق ليتجر فيه حتى فرضوا له ما يكفيه 4329، ولوجوب القيام بعياله فلا يتركه لِوَهْم مَضَرَّةٍ.
ويسن له عيادة المرضى وشهادة الجنائز وتوديع غازٍ وحاجٍ ما لم يشغله ذلك عن الحكم؛ لأنه من القُرَبِ وفيه أجرٌ عَظيمٌ، وهو في الولائم كغيره؛ لأنه عليه السلام
الجزء: 4 - الصفحة: 1088
كان يحضرها 4330 وأمر بحضورها 4331 وقال: "ومن لم يجب فقد عَصَى اللَّه ورسوله" 4332، ولا يجيب قومًا ويدع قومًا بلا عُذر، ومتى كثرت وازدحمت تركها كلها، فإن كانَ في بعضها عُذْرٌ كمنكر ونحوه أجاب من لا عذر له في تركها، ويوصي وجوبًا الوكلاء والأعوان ببابه بالرفق بالخصوم وقلة الطمع، ويجتهد أن يكونوا شيوخًا أو كُهولًا من أهل الدِّين والعفة والصِّيانة ليكونوا أقل شرًّا، فإن الشَّباب شعبة من الجنون، والحاكم تأتيه النساء، وفي اجتماع الشباب بهنَّ مفسدةٌ.
ويباح لقاضٍ وفي "المبدع" 4333: "والأشهر أنه يُسَنُّ أن يتخذ كاتبًا؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم-
الجزء: 4 - الصفحة: 1089
استكتب زيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان 4334 وغيرهما، ولكثرة اشتغال الحاكم ونظره في أمر الناس فلا يمكنه تولي الكتابة بنفسه وشرط كون الكاتب مُسْلِمًا لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ
الجزء: 4 - الصفحة: 1090
خَبَالًا} 4335 وقال عمر: "لا تُؤَمِّنوْهُمْ وقد خَوَّنَهُم اللَّهُ، ولا تُقَرِّبُوْهمْ وقد أَبْعَدَهُمُ اللَّه، ولا تُعِزُّوْهُمْ وقد وقد أَذَلَّهُم اللَّه" 4336، عدلًا؛ لأنه موضع أمانة، ويسن كونه حافظًا عالمًا؛ لأن فيه إعانة على أمره، وكونه حرًا خُرُوجًا من الخلاف، وكونه جيد الخط؛ لأنه أكمل، وكونه عارفًا، قاله في "الكافي" 4337 لئلا يفسد ما يكتبه بجهله، ويجلس بحيث يشاهد القاضي ما يكتبه؛ لأنه أمكن لإملائه عليه وأبعد للتُّهْمَةِ، ويجعل القاضي القِمَطْرَ -بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء أعجمي مُعَرَّبٌ- وهو ما يجمع فيه القضايا 4338 مختومًا بين يديه ليحفظ عن التغيير، ويُسَنُّ حكمه بحضرة شهودٍ ليستوفي بهم الحقوق، وتثبت بهم الحجج والمحاضر 4339، ويحرم عليه تعيين قوم بقبول الشهادة بحيث لا يقبل غيرهم لوجوب قبول شهادة من تثبت عدالته.
ولا يصح (ولا يَنفُذُ حُكْمُهُ) أي القاضي (على عَدُوّهِ) كالشهادة عليه بل يُفْتِيْ
الجزء: 4 - الصفحة: 1091
عليه؛ لأنه لا إلزام في الفتيا بخلاف القضاء، (ولا) يَصِحُّ ولا ينفذ حكم (لنفسهِ ولا لِمَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) كزوجته وعمودي نسبه كالشهادة ولو كانت الخصومة بين ولديه أو بين والده وولده لعدم قبول شهادته لأحدهما على الآخر، فإن عرضت للقاضي ولمَنْ تُرَدُّ شهادته له حكومة تحاكم إلى بعض خلفائه أو بعض رعيته، فإن عُمَرَ حاكم أبيًّا إلى زيد بن ثابت 4340 وحاكم رجلًا عراقيًّا إلى شريحٍ وحاكم عليٌّ رجلًا يهوديًّا إلى شُريحٍ 4341 وحاكم عثمانُ طَلْحَةَ إلى جبير بن مطعمٍ 4342، وله استخلاف من لا يصح حكمه له كحكمه لغيرهم بشهادتهم وكحكمه عليهم.
ويُسَنُّ للقاضي أن يبدأ بالنظر بأمر المحبوسين؛ لأن الحبس عذابٌ وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه، فينفذ ثقةً إلى الحبس فيكتب أسماءهم وأسماء من حبسهم وفيم، ذلك كله في رقعةٍ مُنْفردة لِئَلَّا يتكرر النَّظر في حال الأول لو كتبوا في رقعة واحدة، ويخرج واحدة من الرقاع بالاتفاق كالقرعة ثم ينادي بالبلد أن القاضي ينظر في حال المحبوسين في كذا، فمن له خصم محبوس فليحضر، فإذا جلس لموعدهم نظر ابتداءً في رقاع المحبوسين، فيخرج رقعة منها ويقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه، فمن حضر له خصم نظر بينهما، فإن كان حبس لتعدل البينة فإعادته إلى
الجزء: 4 - الصفحة: 1092
الحبس مبنية على حبسه في ذلك، والأصح حبسه إن كان في غير حَدٍّ، فيعاد للحبس، ويقبل قول خصمه في أن القاضي حبسه بعد تكميل البينة وتعديلها؛ لأن الظاهر أنه إنما حبسه لحق ترتيب عليه، وإن ذكر مَحبوسٌ أنَّهُ حبس بقيمة كلبٍ أو خَمْر ذمي وصدقه 4343 خلي سبيله؛ لأنه لا دين عليه 4344 وإن كذبه 4345 وقال: بل بحق واجب غير هذا فقول غريم؛ لأنه الظاهر، وإن بَانَ حبسه في تهمةٍ أو تعزيرٍ كافتياتٍ على القاضي قبله [خلاه] 4346 أو أبقاه في الحبس بقدر ما يرى.
فإطلاق القاضي وإذنه ولو في قضاء دين أو في نفقةٍ ليَرْجِعَ، ووضع ميزاب وبناء ووضع خشب على جدار جار وأمره بإراقة نبيذ وقرعةٍ حكم يرفع الخلاف إن وإن، وذكر الشيخ تقي الدين أنه لو أذن أو حكم لأحدٍ باستحقاق عقدٍ أو فسخٍ لم يحتج بعد ذلك إلى حكمه بصحته بلا نزاع، وكذا نوع من فعله كتزويج يتيمةٍ بالولاية العامة وشراء عينٍ غَائبةٍ مَوصُوفةٍ بما يكفي في سَلَمٍ لقضاء دين نحو غائب وممتنع حكم يرفع الخلاف.
وحكمه بشيء -كبيع عبد أعتقه من أحاط الدين مسألة- حكم بلازمه وهو بطلان العتق في المثال؛ لأنه لصحة البيع فلا يحكم غيره بخلافه؛ لأنه نقض لحكمه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1093
وإقراره غيره على فعل مختلف فيه، وثبوت شيء عنده ليس حكمًا به، بخلاف إثبات صفة العدالة وأهلية وصيَّةٍ فهو حُكمٌ.
وتنفيذ الحكم يتضمن الحكم بصحة الحكم المنفذ قاله ابن نصر اللَّه، وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنَّه حكم 4347.
والحكم بالصحة يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعًا، فمن ادَّعَى أنه ابتاع من المدعى عليه عينًا، واعترف له بذلك لم يجز للحاكم الحكم بصحة البيع بمجرد ذلك حتى يدعى المدعي أنه باعه العين المذكورة وهو مالك لها، ويقيم البينة بذلك.
والحكم بالمُوْجب -بفتح الجيم- حكمٌ بموجب الدعوى الثابتة ببينة أو غيرها كالإقرار والنكول، فالدعوى المشتملة على ما يقتضي صحة العقد المدعى به من نحو بيع وإجارة الحكم فيها بالموجب حكم بالصحة؛ لأنها من موجبه كسائر آثاره قال الوليُّ العراقي 4348: فيكون الحكم فيها بالموجب حينئذ أقوى مطلقًا لسعته وتناوله الصحة وآثارها.
والدعوى غير المشتملة على ذلك كإن أدعى أنه باعه العين فقط الحكم فيها
الجزء: 4 - الصفحة: 1094
بالموجب ليس حكمًا بالصِّحَّةِ إذ مُوْجب الدعوى حينئذ حصول صورة بيع بينهما، ولم تشتمل الدعوى على ما يقتضي صحته حيث لم يذكرهر أن العين كانت للبائع ولم تقم به بينة وصحة العقد تتوقف على ذلك، بخلاف ما سبق، لا يقال: هو أيضًا في الأولى لم يدع الصِّحة فكيف يحكم له بها؛ لأن دعواها وإن لم تكن صريحةً فهي واقعةٌ ضمنًا؛ لأنها مقصود المشتري، والحكم بالإقرار ونحوه كالحكم بموجبه، إذ معناه إلزام المقر بما أقر به وهو أثر إقراره ولا يحكم بالصِّحَّة، نقله الولي العراقي عن شيخه البُلْقِيْنِيْ 4349 وقال: لا يظهر لهذا معنًى فليتأمل.
4350 وقد رجع الشيخ إلى ما ذكر أولًا من أن الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة.
ومن لم يعرف خصمه أو أنكره المحبوس بأن قال: حبست ظلمًا ولا حق علي ولا خصم لي نودي بذلك في البلد 4351، فإن لم يعرف خصمه بعد ذلك حلفه حاكمٌ وأطلقه، ومع غيبة خصمه يبعث إليه ليحضر، ومع تأخره بلا عذر يخلي
الجزء: 4 - الصفحة: 1095
سبيله، والأولى بكفيلٍ.
ثم إذا تم آمر المحبوسين نظر في أمر أيتام ومجانين ووقوف ووصايا لا ولي لهم ولا ناظر؛ لأن هذه أموال يتعلق بها حفظها وصرفها في وجوهها فلا يجوز إهمالها، ولا نظر له مع الولي أو الناظر الخاص لكن له الاعتراض إن فعل ما لا يسوغ، فلو نفذ القاضي الأول وصية موسى إليه أمضاها الثاني؛ لأن الظاهر أن الأول لم ينفذها إلَّا بعد معرفة أهليته.
ويحرم أن ينقض من حكم قاض صالح للقضاء شيئًا لئلا يؤدي إلى نقض الحكم بمثله غير ما خالف نص كتاب اللَّه تعالى أو سنة متواترة أو آحاد كالحكم بقتل مسلم بكافر، وكالحكم بجعل من وجد عين ماله عند من حجر عليه بفلس أسوة الغرماء فينقض؛ لأنه لم يصادف شرطه، إذ شرط الاجتهاد عدم النص، لخبر معاذ بن جبل 4352، ولأنه مفرط بترك الكتاب والسنة، أو خالف إجماعًا قطعيًّا فينقض؛ لأن المجمع عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 1096
ليس محلا للاجتهاد بخلاف الإجماع السكوتي، أو خالف ما يعتقده بأن حكم بما لا يعتقد صحته فيلزم نقضه لاعتقاد بطلانه، فإن اعتقده صحيحًا وقت الحكم ثم تغير اجتهاده ولا نص ولا إجماع لم ينقض لقضاء عمر في المشركة حيث أسقط الإخوة من الأبوين ثم شرك بينهم ويين الإخوة للأم بعد، وقال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي 4353، وقضى في إرث الجد بقضايا مختلفة 4354، ولئلا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بمثله، وإن تغير اجتهاده قبل الحكم عمل بالأخير لاعتقاده بطلان ما قبله، ولا ينقض حكم بتزويج المرأة نفسها ولو مع حضور وليها لاختلاف الأئمة في صحته، وحديث: "لا نكاح إلا بوليٍّ وشَاهِدَيْ عَدلٍ" تقدم ما فيه 4355، ولا ينقض حكم لمخالفة قياس؛ لأن من أحكام الشريعة ما ثبت على خلاف القياس، ولا لعدم علمه الخلاف في المسألة المحكوم 4356 فيها؛ لأن علمه ذلك لا أثر له في صحة الحكم حيث وافق الشرع، ولا إن حكم بينة خارج وجهل = قال عنه الترمذي: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصلٍ" ا. هـ، وأورده الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير 4/ 182 - 183 مع بيان أوجه ضعفه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1097
علمه ببينة تقابلها، أو حكم [ببيِّنة] 4357 داخل وجهل علمه بسبب بينة تقابلها حيث وقع الحكم على وفق الشرع 4358.
وما قلنا: أنه ينقض فالناقض له حاكمه إن وإن موجودًا، فيثبت عنده السبب المقتضي للنقض وينقضه وجوبًا، ولا يعتبر لصحة نقضه طلب رب الحق نقضه؛ لأنه حق للَّه تعالى، وينقضه إن بَانَ بمن شهد عنده ما لا يرى معه قبول الشهادة ككون الشاهد من عمودي نسب مشهودٍ، وكذا كل ما صادف وما حكم به مختلف فيه [-صِفَةٌ) 4359 لِمَا الأُوْلَى- أي 4360 أن لا يرى القاضي الحكم معه كبيع عبد تبين أنه منذور عتقه نذر تَبَرُّر ولم يعلم قاضٍ عند حكم فينقضه إذا ثبت عنده.
وتنقض أحكام من لا يصلح للحكم لفقد بعض الشُّروط وإن وافقت الصواب؛ لأن حكمه غير صحيح فوجوده كعدمه، وهذا في غير قضاة الضرورة، ولا ينقض من أحكامهم ما وافق الصواب كما اختاره الشَّيْخُ تقي الدِّين 4361؛ لأنها ولاية شرعية وإلا تعطلت الأحكام.
الجزء: 4 - الصفحة: 1098
(ومن اسْتَعْدَاهُ) أي القاضى (على خَصْمٍ في البلدِ) الذي به القاضي (بما) أي شيء (تتْبَعُهُ الْهِمَّةُ لَزِمَهُ) أي القاضي (إحضاره) أي الخصم ولو لم يحرر المستعدي الدعوى نَصًّا 4362 أو لم يعلم أن بينهما معاملة لئلا تضيع الحقوق ويقر الظلم، وقد يثبت حق الأدنى على الأرفع منه لنحو غصب أو شراء ولا يوفيه ثمنه أو إيداع أو إعارة ولا يرد إليه، فإن لم يعد عليه ذهب حقه وهو أعظم ضررًا من حُضُور مجلس الحكم فإنه لا نقص فيه، وقد حضر عمرُ وأبيٌّ عند زيد بن ثابت، وللمُستَعْدَى عليه أن يوكل إن كره الحضور، ومن طلبه خصمه أو حاكم حيث لزمه إحضاره بطلبه منه لمجلس الحكم لزمه الحضور، فإن حَضَرَ وإلا أعلم القاضي الوالي، ومتى حضر فله تأديبه بما يراه من انتهار أو ضرب، ويعتبر تحرير الدعوى فيما إذا استعدى على حاكم معزول ومن في معناه من ذوي المناصب كالخليفة والعالم الكبير والشيخ المتبوع صيانة له عن الابتذال، ثم يراسله القاضي، فإن خرج من العهدة وإلا أحضره.
(إلا غَيْرَ بَرْزَةٍ) وهي المخدرة التي لا تبرز لقضاء حوائجها إذا استعدي عليها (فَتُوَكِّلُ كمريض ونحوه) ممن له عذر (وإِنْ وَجَبَـ) ـت عليها (يَمِيْنٌ أَرْسَلَ) الحاكم (مَنْ) أي أمينا معه شاهدان (يُحَلِّفُهَا) بحضرتهما.
ومن ادَّعى على غائبٍ بموضع من عمل القاضي لا حاكم به بعث القاضي إلى ثقةٍ يتوسط بينهما قطعًا للنِّزاع، فإن تعذر حرر دعواه ثم أحضره ولو بَعُد مكانه إذا كان
الجزء: 4 - الصفحة: 1099
بعمله.
ومن قال لحاكمٍ: حكمتَ علي بشهادة فاسقين عمدًا فأنكر القاضي لم يحلف لئلا يتطرق المدعى عليهم على إبطال ما عليهم من الحقوق بذلك وفيه ضرر عظيم، واليمين إنما تجب للتهمة، والقاضي ليس من أهلها.
وإن قال قاضٍ معزولٍ عدلٍ لا يُتَّهَمُ: كانتُ حكمتُ في ولايتي لفلان على فلان بكذا وبَيَّنَهُ وهو ممن يسوغ الحكم له قُيلَ نَصًّا 4363 ولو لم يذكر مستنده في حكمه من نحو بينة أو إقرار، ولو أن العادة تسجيل أحكامه وضبطها بشهود؛ لأن عزله لا يمنع قبول قوله، قال القاضي مجد الدين 4364 ما لم يشتمل قوله على إبطال حكم حاكم آخر فلا يقبل إذن، فلو حكم حنفي برجوع واقف على نفسه وأخبر حنبلي أنه حكم بصحة ذلك الوقف قبل حكم الحنفي برجوعه لم يقبل، نقله المحب ابن نصر اللَّه في "حواشي الفروع" 4365.
وإذا أخبر حاكمٌ حاكمًا بحكمٍ أو ثبوتٍ ولو في غير عملهما قبل وعمل به
الجزء: 4 - الصفحة: 1100
الْمُخْبَرُ -بفتح الباء- إذا بلغ عمله كما لو أخبره بعد عزله وأوْلَى، ويجوز للمُخْبَرِ -بفتح الباء- أن يعمل بأخبار الآخر مع حضوره وهما بعملهما إذا أخبره بالثبوت عنده بلا حكمٍ؛ لأنه كنقل الشهادة فاعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة على الشَّهادة، بخلاف ما لو حكم وأخبر به أوكانا أو أحدهما بغير عملهما، وكذا إخبار أمير جهاد وأمين صدقة وناظر وقف بعد عزله بأمرٍ صدر منه حال ولايته فيقبل منه حيث يقبل في ولايته، قال في "الانتصار": كل من صحّ منه إنشاء أمر صحّ إقراره به.
4366
الجزء: 4 - الصفحة: 1101
فَصْلٌ فِي طَرِيْق الحُكْمِ وَصِفَتِهِ
وطريقُ كل شيء ما يتوصل به إليه (1). والحُكْمُ لغةً: المنع (2). واصطلاحًا:
فصل
الخصومات، أو الإلزام بحكمٍ شرعيٍّ لعقد رفع إليه فحكم به بلا خصومة 4369، وسُمِّيَ القاضي حاكمًا لأنه يَمنعُ الظالم من ظلمه.
وإذا حضره خصمان استحب أن يجلسهما بين يديه لحديث أبي داود "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم" 4370 وقال علي حين خاصم اليهودي في درعه إلى شريح: "لولا أن خصمي يهودي لجلست معه43674368
الجزء: 4 - الصفحة: 1102
بين يديك" 4371، ولأنه أمكن للحاكم في العدل بينهما.
فإذا جلسا فله أن يسكت حتى يبدأ 4372 وله أن يقول: أيُّكُما المدعي؛ لأنه لا تخصيص في ذلك لأحدهما، ومن سبق بالدَّعْوَى قدمه على خصحه لترجحه بالسبق، فإذا قال خصمه: أنا المدعي لم يلتفت القاضي إليه وقال له: أجب دعواه، ثم إن ادعيا معا قدم من قرع فإذا انتهت حكومته ادعى الآخر، ولا تسمع دعوى مقلوبة نحو أدَّعِيْ على هذا أنه يدعي عليَّ دينارًا مثلًا، فاستحلفنى له أنه لا حق له علي، سميت مقلوبة؛ لأن المدعي فيها يطلب أن يعطى المدعى عليه والمدعي في غيرها يطلب أن يأخذ من المدعى عليه فانقلب فيها القصد المعتاد، ولا تسمع دعوى حسبةٍ بحق اللَّه تعالى كعبادة من صلاة أو زكاة أو حج ونحوها وحَدٍّ وكفارةٍ ونذر وجزاء صيد قتله محرمًا أو في الحرم، وتسمع بلا دعوى بينة بذلك وبعتق ولو أنكر معتوق العتق لحق اللَّه تعالى، وكذا تسمع بطلاق وبوقف ووصية على غير معين، وبوكالة وإسناد وصية من غير حضور خصم 4373 ولو كان بالبلد، ولا تسمع بينة بحق آدمي معين قبل دعواه، ولا تسمع يمينه إلا بعد دعواه وبعد شهادة الشاهد إن كان حيث يقضي بالشاهد واليمين، وأجاز بعض أصحابنا سماع الدعوى والبينة لحفظ
الجزء: 4 - الصفحة: 1103
وقف وغيره بالثَّبات بلا خصم 4374، وأجازه الحنفية 4375، وبعض الشافعية 4376، وبعض أصحابنا بخصم مُسَخَّرٍ 4377 أي ينصب لينازع صورة، قال الشيخ تقي الدين: "وعلى أصلنا وأصل مالك إما أن تثبت الحقوق بالشهادة على الشهادة وقاله بعض أصحابنا، وإما أن يسمعها ويحكم بلا خصم وذكره بعض المالكية وبعض الشافعية، وهو مقتضى كلام أحمد وأصحابه في مواضع لأنا نسمعها على غائب وممتنع وميت، فسماعها مع عدم خصم أولى، فإن المشتري مثلًا قبض المبيع وسلم الثمن فلا يدعي ولا يدعى عليه، وإنما الغرض الحكم لخوف خصم مستقبل وحاجة الناس خصوصًا فيما فيه شبهة أو خلاف لرفعه".
4378 قال المنقّح: "وعمل الناس عليه" 4379. أي على ما قاله الشيخ تقي الدين فيما يقع من عقود البيوع والإجارات والأنكحة وغيرها، حيث يرفع للحاكم وتشهد به البينة فيحكم به بلا خصمٍ، قال الشيخ منصور: "قلت: ولا ينقض الحكم لذلك وإن كان الأصح خلافه، لما تقدم
الجزء: 4 - الصفحة: 1104
أنه لا ينقض إلا ما خالف نص كتاب [أو] 4380 سنة أو إجماعًا".
4381
وتصح الدعوى بالقليل ولو لم تتبعه الْهِمَّةُ بخلاف الاستعداء للمشقة.
ويشترط لصحة الدعوى شروط: -
أحدها: ما أشار إليه بقوله: (وشُرِطَ كَوْنُ مُدَّعٍ ومُنْكِرٍ جَائِزَيْ التَّصَرُّفِ)؛ لأن قول غيره غير معتبر لكن تصح على سفيه فيما يؤآخذ به حال سفهه وبعد فك حجره كطلاقه وقذفه ونحوه؛ لأن إقراره به معتبر لعدم التهمة، ويحلف إذا أنكر فيما يحلف الرشيد في مثله.
(و) الشرط الثاني: (تحرِيرُ الدَّعْوَى) لترتب الحكم عليها، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "إنما أقضي على نحو ما أسْمَعُ" 4382، ولا يمكن الحكم عليها مع عدم تحريرها، فلو كانت الدعوى بدين على ميت ذكر موته وحرر الدين، فإن كان أثمانًا ذكر جنسه ونوعه وقدره وحرر التركة، وفي "المغني" 4383: "أو أن المدعى عليه وصل إليه من تركة مورثه ما يفي بدينه ويقبل قول وارثٍ في عدم التركة، ويكفيه أن
الجزء: 4 - الصفحة: 1105
يحلف أنه ما وصل إليه من تركة مورثه شيءٌ، ولا يلزمه أن يحلف أنه لم يخلف شيئًا؛ لأنه قد يحلف شيئًا لم يصل إليه فلا يلزمه الإيفاء".
(و) الشرط الثالث: (عِلْمُ مُدَّعًى بهِ) ليتمكن الحاكم من الإلزام به إذا ثبت (إلا فِيما نُصَحِّحُهُ) معاشر الحنابلة (مَجْهُولًا كوَصِيَّةٍ) بمجهولٍ بأن ادعى أنه وصى له بدابةٍ أو بشيءٍ ونحو ذلك، وكإقرار بمجهولٍ بأن ادَّعى أنه أقر له بمجهول فتصح وإذا ثبت طُولب مدعى عليه بالبيان، وكخلع أو طلاقٍ على مجهولٍ كإن سألته الخلع أو الطلاق على أحد دوابها ويتنازعان.
والشرط الرابع: كون الدّعوى 4384 مصرحًا بها، فلا يكفي: لي عنده كذا حتى يقول: وأنا مطالبه.
والشرط الخامس: أن تكون الدعوى متعلقةً بالحال، فلا تصح بدين مؤجل لإثباته؛ لأنه لا يملك الطلب به قبل أجله، وتصح الدعوى بتدبير وكتابة واستيلاد لصحة الحكم بها وإن تأخر أثرها.
الشرط السادس: أن تكون الدعوى منفكة عمَّا يكذبها، فلا تصح بأنه قتل أو سرق من عشرين سنةً وسنُّه دونها ونحوه، ولا يشترط ذكر سبب الاستحقاق لعينٍ أو دين لكثرة سببه وقد يخفى على المدعي، ويعتبر تعيين مدعى به إن حضر بالمجلس لنفي اللبس بالتعيين، ويعتبر إحضار عين مدعى بها إن كانت بالبلد لتعين بمجلس الحكم نفيًا للبس، ولو ثبت أن العين المدعى بها بيده ببينة أو نكول حبس حتى يحضرها لتقع
الجزء: 4 - الصفحة: 1106
الدعوى على عينها أو حتى يدعي تلفًا فيصدق للضرورة؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته وتكفي القيمة، وإن كانت العين المدعى بها غائبة عن البلد، أو كانت تالفةً، أو كانت في الذمة ولو غير مثلية كالبيع في الذمة بصفة، وكواجب الكسوة وصفها مدع كسَلَمٍ، والأولى ذكر قيمتها أيضًا، ويكفي في الدعوى ذكره نقد البلد إن اتحد وذكر قيمة جوهر ونحوه مما لا يصح فيه السَّلَمُ لعدم انضباط صفاته، وإن ادعى عقارًا غائبًا عن البلد ذكر موضعه وحدوده وتكفي شهرة عقار عندهما وعند حاكم عن تحديده، ولو قال مدعٍ: أطالبه بثوب غصبه قيمته [عشرة] 4385 فيرده إن كان باقيًا وإلا فقيمته، أو أطالبه بثوب قيمته عشرة أخذه مني ليبيعه بعشرين فيعطنيها إن كان باعه أو الثوب إن كان باقيًا أو قيمته إن تلف صح ذلك اصطلاحا مع ترديد 4386 الدعوى للحاجة، (فَإِنْ ادَّعَى عَقْدًا) ولو غير نكاح كبيع وإجارة (ذَكَرَ شُرُوْطَهُ) للاختلاف في الشروط، وقد لا يكون صحيحًا عند القاضي فلا يتأتَّى الحكم بصحته مع جهله، إلا إن ادعى زوج استدامة الزوجية فلا يشترط ذكر شروط النكاح؛ لأنه لم يدع عقدًا وإنما يدعي خروجها عن طاعته، ويجزئ عن تعيين المرأة المدعى نكاحها إن غابت ذكر اسمها ونسبها، وإن ادّعته المرأة وأدَّعت معه نفقةً ومهرًا ونحوهما سمعت دعواها؛ لأنها تدَّعي حقًا لها تضيفه إلى سبب أشبه سائر الدعاوي، وإلا تدعي سوى النكاح فلا تسمع دعواها؛ لأنه حق للزوج فلا تسمع دعواها بحق لغيرها، ومتى
الجزء: 4 - الصفحة: 1107
جحد الزوج الزوجية ونوى به الطلاق لم تطلق بمجرد 4387 ذلك؛ لأن إنكاره النكاح ليس بطلاق ولو نواه؛ لأن الجحود هنا لعقد النكاح لا لكونها امرأته، ومن ادعى قتل مورثه ذكر وكونه عمدًا أو شبهه أو خطأ ويصفه، وأن القاتل انفرد بقتله أو شارك فيه، (أَوْ) ادعى (إرثًا ذَكَرَ سَبَبَهُ) وُجوبًا لاختلاف أسباب الإرث، (أَوْ) ادعى (مُحَلى بأَحَدِ النَّقْدَيْنِ قَوَّمَهُ بـ) النقد (الآخَرِ)، فإن ادعى محلى بذهب قَوَّمَهُ بفضةٍ، وإن ادعى محلى بفضة قومه بذهب لئلا يفضي تقويمه بجنسه إلى الربا، (أَوْ) ادعى محلى (بِهِمَا)، أو مَصُوغًا منهما مُبُاحًا تزيد قيمته عن وزنه (فبِأَيِّهِمَا) أي النقدين (شَاء) يقوم للحاجة أي انحصار الثمنية فيهما، وإذا ثبت أعطي عروضا.
(وَإذَا حَرَّرَهَا) أي الدعوى فللحاكم سؤال خصم عنها وإن لم يسأل المدعي الحاكم سؤاله، (فَإنْ أَقَرَّ الْخَصْمُ) بالدعوى (حُكِمَ عليهِ بسؤالِ مُدّعٍ)؛ لأن الحق له فلا يستوفيه الحاكم إلا بمسألته، فيقول الحاكم للمدعى عليه: أخرج من حقه، أو قضيت عليك له، أو ألزمتك بحقه، أو حكمت عليك بالخروج منه ونحوه.
وإن أنكر مدعى عليه الدعوى بأن قال مدعى عليه لمدع قرضًا أو ثمنًا: ما أقرضني، أو ما باعني، أو ما يستحق عليَّ ما ادعاه ولا شيئًا منه، أو قال: لا حق له علي صح الجواب لنفيه عين ما ادعى به؛ لأن قوله: "لا حق له" نكرة
الجزء: 4 - الصفحة: 1108
في سياق النفي، فتعم 4388 كل حق ما لم يعترف له بسبب الحق، فلا يكون قوله: ما يستحق علي ما ادعاه ولا شيئًا منه وما بعده جوابًا، فلو ادعت امرأة مهرها على معترف بزوجيتها فقال: لا تستحق عليَّ شيئًا لم يصح الجواب ولزمه المهر إن لم يقم بينة بإسقاطه، وكذا لو ادعت عليه نفقة أو كسوة، ولهذا لو أقرَّتْ مَريضةٌ في مرض الموت أن لا مهر لها على زوجها لم يقبل منها إلا ببينة أنها أخذته نَصًّا، نقله مهنّا 4389، أو أنها أسقطته عنه في الصحة، ولو قال مدعٍ: لي عليك مائة فقال: ليس لك مائة اعتبر قوله ولا شيئًا منها؛ لأن نفي المائة لا ينفي ما دونها كيمين، فلا يكفي الحلف على نفي المائة، فإن نكل عن اليمين عمَّا دون المائة حكم عليه بمائة إلا جزء، ومن أجاب مدعٍ استحقاقَ مبيع بقوله هو ملكي اشتريته من زيد مثلا وهو ملكه لم يمنع ذلك رجوعه على بائعه بثمن المبيع المستحق إذا أثبته ربه، قال في "تصحيح الفروع" 4390: "وهو الصواب لا سيما إن كان المشتري جاهلًا أو الإضافة إلى ملكه في الظاهر، والوجه الثاني: ليس له الرجوع لاعترافه له بالملك وهو بعيد" انتهى.
ولو قال مدعى عليه لمدعٍ دينارًا: لا تستحق عليَّ حبة صحَّ الجواب ويعم حبات
الجزء: 4 - الصفحة: 1109
الدينار؛ لأنها تكرة في سياق النفي، ويعم ما دون الحبة من باب الفَحْوَى 4391. ولمدع أنكر خصمه أن يقول: لي بينة، وللحاكم إن لم يقل المدعي ذلك أن يقول له: ألك بينة؟ لما روي: "أن رجلين 4392 اختصما إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حضرمي وكندي، فقال الحضرمي: يا رسول اللَّه! إن هذا غلبني على أرضي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي، فليس له فيها حقٌّ، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه" 4393 وهو حديث حسن صحيح قاله في "شرح المنتهى" لمصنفه 4394.
الجزء: 4 - الصفحة: 1110
فإن قال مدع سأله الحاكم: ألك بينة؟ فقال: نعم قال له: إن شئت أحضرها، فإذا أحضرها لم يسألها الحاكم عمَّا عندها حتى يسأله المدعي ذلك؛ لأن الحق له فلا يتصرف فيه بلا إذنه، ولم يلقنها الحاكم الشهادة بل إذا مسألة المدعي سؤاله البينة قال: من كان عنده شهادة فليذكرها إن شاء، ولا يقول لهما: اشْهَدَا؛ لأنه أمر، وكان شريح يقول للشاهدين: "ما أنا دعوتكما ولا أنهاكما أن ترجعا، ولا يقضي على هذا المسلم غيركما، وإني بكما اليوم أقضي، وبكما أتقي يوم القيامة" 4395 فإذا شهدت عنده البينة سمعها، وحرم عليه ترديدها، ويكره له طلب زلتها وانتهارها لئلا يكون وسيلة إلى الكتمان، ولا يكره قوله لمدعى عليه: ألك فيها دافع أو مطعن؟ بل يستحب قوله: قد شهدا عليك، فإن كان لك قادحٌ فبينه لي، وقيّده في "الْمُذْهَبِ" 4396 و"الْمُسْتَوْعِبِ" 4397: بما إذا ارتاب منها، فإن لم يأت بقادحٍ واتضح للحاكم الحكم وكان الحق لمعين وسأله الحكم لزمه فورًا، ويحرم الحكم ولا يصح مع علم الحاكم بضده أو مع ليس قبل البيان، ويأمر بالصلح لقوله تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ
الجزء: 4 - الصفحة: 1111
النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} 4398، ومع علمه ضده أو مع لبس لم يره شيئًا يحكم به، ويحرم الاعتراض على القاضي لتركه تسمية الشهود، قال في "الفروع" 4399: "وذكر شيخنا أن له طلب تسمية البينة ليتمكن من القدح بالاتفاق، ويتوجه مثله حكمت بكذا ولو لم يذكر مستنده".
من بينة أو إقرار أو نكول فيحرم الاعتراض عليه لذلك.
وله الحكم ببينة وبإقرار في مجلس حكمه وإن لم يسمعه غيره نصًّا، نقله حرب 4400؛ لأن مستند قضاء القاضي هو الحجج الشرعية، وهي البينة أو الإقرار، فجاز له الحكم بهما إذا سمعها في مجلسه وإن لم يسمعه أحد، لحديث أم سلمة مرفوعًا: "إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إليَّ، ولعل أن يكون بعضكم ألْحَنَ بحجته من بعضٍ فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" رواه الجماعة 4401، فجعل مستند قضائه ما يسمعه
الجزء: 4 - الصفحة: 1112
لا غيره، ولأنه إذا جاز الحكم بشهادة غيره فبسماعه أولى، ولئلا يؤدي إلى ضياع الحقوق، ولا يحكم قاضٍ بعلمه في غير هذه المسألة ولو في غير حد للخبر 4402، ويقول الصديق: "لو رأيت حدا على رجل لم آخذه حتى تقوم البينة" 4403، ولأن تجويز القضاء بعلم القاضي يؤدي إلى تهمته وحكمه بما يشتهي مع الإحالة على علمه لكن يجوز الاعتماد على سماعه بالاستفاضة؛ لأنها من أظهر البيان، ولا يتطرق [إلى] 4404 الحاكم تهمة إذا استند إليها، فحكمه بها حكم بحجة لا بمجرد علمه الذي لا يشاركه فيه غيره، ذكره في "الطُّرُق الحكمية" 4405، = سنن أبي داود 3/ 301، والترمذي، باب ما جاء في التشديد على من يُقضى له بشيء ليس له أن يأخذه، كتاب الأحكام برقم (1339) الجامع الصحيح 3/ 624، والنسائي، باب الحكم بالظاهر، كتاب آداب القضاة برقم (5401) المجتبى 8/ 233، وابن ماجة، باب قضية الحاكم.
. .، كتاب الأحكام برقم (2317) سنن ابن ماجة 2/ 777، وأحمد، برقم (25952) المسند 7/ 413.
الجزء: 4 - الصفحة: 1113
ويعمل بعلمه في عدالة بينة وجرحها بغير خلاف لئلا يتسلسل الاحتياج إلى معرفة المزكين أو جرحهم، فلو لم يعمل بعلمه في ذلك لاحتاج كل من المزكين إلى مزكين ثم يحتاجون أيضًا إلى مزكين وهكذا.
ومن جاء من المدعين ببينةٍ فاسقةٍ استشهدها الحاكم لئلا يفضحها وقال لمدعٍ: زدني شهودًا ولم يقبلها لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ 4406.
(وَإِنْ أَنْكَرَ) مدعًى عليه (و) الحال أن (لا بَيِّنَةَ) بأن قال المدعي: ما لي بينة (فقولُهُ) أي المنكر (بيمينِهِ)، فيعلم المدعيَ حاكمٌ بذلك، لحديث وائل بن حجر: "أن رجلًا من حضرموت، ورجلًا من كندة، أتيا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال الحضرمي: إن هذا غلبني على أرضي ورثتها من أبي، وقال الكندي: أرضي في يدي لا حق له فيها، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: شاهداك أو يمينه، فقال: إنه لا يتورع من شيءٍ، قال: ليس لك إلا ذلك" رواه مسلم 4407، = "الطرق الحكمية في السياسة الشرعيَّة" للإمام المحقق أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر الدمشقي ابن القيم الجوزية المتوفى سنة 751 هـ، وهو كتابٌ مشهورٌ ومطبوعٌ في مجلد بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، دار الكتب العلميَّة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1114
فإن سأل 4408 إحلافه 4409 ولو علم عدم قدرته على حقه -ويكره له إحلافه إذن لئلا يضطر إلى اليمين الكاذبة- أحلف على صفة جوابه نصًّا 4410، لا على صفة الدعوى؛ لأنه لا يلزمه أكثر من ذلك الجواب فيحلف عليه، وإذا حلف خلى سبيله، وتحرم دعواه عليه ثانيًا، وتحليفه أيضًا كبريء.
ولا يعتد بيمين إلا بأمر حاكم بسؤال مدع طوعًا، فإن حلف بلا أمر حاكم، أو حلفه حاكم بلا سؤال مدعٍ أو بسؤاله كرهًا لم تسقط عنه اليمين.
ولا يصل اليمين منكر باستثناء لأنه يزيل حكمها، وتحرم تورية وتأويل في حلف بأن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره إلا لمظلوم فيجوز له التورية والتأويل لدفع الظلم.
ويحرم حلف معسر خاف حبسًا أنه لا حق له علي ولو نوى الساعة، ويحرم حلف من عليه دين مؤجل أراد غريمه منعه من سفر فأنكر وحلف لا حق له عليَّ ولو نوى الساعة نصًّا 4411، ولا يحلف مدعى عليه في شيءٍ مختلف فيه لا يعتقده نصًّا، وحمله الموفّق على الورع، ونقل عن أحمد: لا يعجبني نحو إن باع شافعي لحمًا متروك التسمية عمدًا لحنبلي بثمن في الذمة وطالبه به وأنكر مجيبًا لا حق لك
الجزء: 4 - الصفحة: 1115
علي، وتوقف أحمد في اليمين فيمن عامل بحيلة ربوية إذا أنكر الآخذ الزيادة.
4412.
ومن توجهت عليه اليمين فلم يحلف وامتنع قال له حاكم: إن حلفت وإلا قضيت عليك بالنكول نصًّا 4413، ويسن تكراره ثلاثًا قطعًا لحجته، (فَإِنْ نَكَلَ) عن اليمين فلم يحلف (حُكِمَ عَلَيْهِ) أي حكم عليه قاضٍ (بـ) شرط (سؤالِ مُدَّعٍ) الحكم عليه (في مالٍ وما يُقْصَدُ بهِ) المال كالبيع وأجله وخياره ورهن وإجارة وشركة ونحو ذلك.
(ويُسْتَحْلَفُ في كُلِّ حَقٍّ آدميٍّ) من مال وما قصد به المال مما يثبت بشهادة رجل وامرأتين (سِوَى نِكَاحٍ ورَجْعَةٍ ونَسَب ونحوها) كطلاق وقذف وقصاص مما ليس بمال ولا يقصد به المال فلا يستحلف فيه، و (لا) يستحلف (في حَقِّ اللَّه) تعالى (كحدِّ) زنًا وشربٍ (وعبادةٍ) من صلاة أو زكاة أو حج ونحوها.
(واليَمِيْنُ الْمَشْرُوْعَةُ) في قطع النزاع هي اليمين (باللَّه) تعالى (وَحْدَهُ) الذي لا يسمى به غيره نحو: واللَّه، والرحمن، وخالق الخلق، ورازق العالمين، ونحو ذلك، (أَوْ بِصفةٍ) 4414 من صفاته تعالى، كوجه اللَّه، وعظمته، وكبريائه، وعزته، ونحو ذلك، (ويُحْكَمُ بالبيِّنة بعد
الجزء: 4 - الصفحة: 1116
التَّحليف)؛ لأنها لا تبطل بالاستحلاف كما لو غابت عن البلد، وإن كان لمدعٍ شاهد واحد بالمال وأقامه عرفه القاضي أن له أن يحلف مع شاهده ويستحق، فإن قال: لا أحلف وأرضى بيمينه استحلف له وانقطع النزاع، فإن عاد المدعي وقال: أحلف مع شاهدي لم يسمع منه، نقله في "الشرح" 4415، وإن وجد مدع مع شاهده آخر فشهد عند القاضي بحقه كملت بينته وقضى له بها، وإن قال مدع: لي بينة وأريد يمينه فإن كانت حاضرةً بالمجلس فليس له إلا أحدهما، لحديث: "شاهداك أو يمينه" 4416، وأوْ 4417 للتخيير فلا يجمع بينهما، ولإمكان فصل الخصومة بالبينة فلا يشرع غيرها مع إرادة مدع إقامتها وحضورها، وإلا تكن البينة حاضرة بالمجلس فله تحليفه ثم إقامة البينة لقول عمر: "البينة الصادقة أحب إليَّ من اليمين الفاجرة" 4418 ويلزم من صدق البينة فجور اليمين المتقدمة فتكون أولى.
وإن سأل مدع ملازمة مدعى عليه حتى يقيم البينة أجيب في المجلس حيث أمكن إحضارها فيه؛ لأنه من ضرورة إقامتها، ولا ضرر فيه على المدعى عليه، بخلاف ما إذا بعدت أو لم يمكن إحضارها فإن إلزامه الإقامة إلى حضورها يحتاج إلى حبس أو ما يقوم مقامه ولا سبيل إليه، فإن لم تحضر البينة في المجلس صرفه ولا ملازمة لغريمه
الجزء: 4 - الصفحة: 1117
نصًّا 4419؛ لأنه لم يثبت له حق يحبس به ولا يقيم به كفيلًا، ولئلا يتمكن كل ظالم من حبس من شاء من الناس بلا حق.
وإن سكت مدعى عليه أو قال: لا أقر ولا أنكر، أو قال: لا أعلم قدر حقه ولا بينة قال الحاكم: إن أجبت وإلا جعلتك ناكلًا وقضيت عليك بالنكول، ويسن تكراره ثلاثًا، فإن أجاب وإلا قضى عليه.
ولو قال مدعى عليه في جواب من ادعى ألفًا: إن ادعيت ألفا برهن كذا في بيدك أجبتك وإلا فلا حق علي فجوابه صحيح، أو قال: إن ادعيت هذا الألف بثمن كذا بعتنيه ولم أقبضه فنعم، وإلا فلا حق لك علي فجواب صحيح، لا إن قال: لي مخرج مما ادعاه فليس جوابًا صحيحًا؛ لأن الجواب إما إقرار أو إنكار وليس هذا واحدًا منهما.
وإن قال مدعى عليه: في حساب أريد أن أنظر فيه وسأل الإنظار أنظر ثلاثة أيام، ويلازمه المدعي فيها لإمكان ما يدعيه وتكليفه الإقرار في الحال إلزام له بما لا يتحققه؛ لأنه يجوز أن يكون له حق لا يعلم قدره أو يخاف أن يحلف كاذبًا، وأن لا يكون عليه حق فيقر بما لا يلزمه فوجب إنظاره مما لا ضرر على المدعي في إنظاره إليه وهو ثلاثة أيام جمعًا بين الحقين، أو قال مدعى عليه بعد ثبوت الدعوى عليه ببينة: قضيته أو أبرأني من المدعى به ولي بينة به وسأله الإنظار لزمه
الجزء: 4 - الصفحة: 1118
إنظاره ثلاثة أيام فقط؛ لأن إلزامه في الحال تضييق عليه، وإنظاره أكثر من ذلك تأخير للحق عن مستحقه بلا ضرورة، فجمع بين الحقين، وللمدعي ملازمته زمن الإنظار لئلا يهرب، ولا ينظر إن قال: في بينة تدفع دعواه؛ لأنه لم يبين سببه 4420، فإن عجز عن البينة حلف المدعي على نفي ما ادعاه واستحق ما ادعى به، فإن نكل عن اليمين حكم عليه بنكوله وصدق المدعى عليه؛ لأن الدعي إذن منكر وجبت عليه يمين فنكل عنها فحكم عليه بالنكول كما لو كان مدعى عليه ابتداءً، هذا إن لم يكن المدعى عليه أنكر سبب الحق، فأما إن كان أنكره ثم ثبت فادعى قضاءً أو إبرأءً سابقًا إنكاره ما ادعاه من ذلك فلو ادعى عليه ألفًا من قرض أو ثمن مبيع فقال: ما اقترضت منه وما اشتريت منه فثبت أنه اقترض أو أشترى 4421 منه ببينة أو إقرار فقال: قضيته قبل هذا الوقت أو أبرأني لم يقبل ذلك منه وإن أقام به بينة نصًّا 4422؛ لأن إنكار الحق يقتضي نفي القضاء أو الإبراء منه؛ لأنهما لا يكونان إلا عن حقٍ سابقٍ فيكون مكذبا لنفسه، وإن ادعى قضاء أو إبراء بعد إنكاره قبل منه ببينة؛ لأن قضاءه بعد إنكاره كالإقرار به، فيكون قاضيًا لما هو مقرٌّ به، فتسمع دعواه به كغير المنكر، وإبراء المدعي بعد إنكاره إقرار بعدم استحقاقه فلا تنافي، وإن قال مدعى عليه بعين جوابًا
الجزء: 4 - الصفحة: 1119
لمدعيها: وإنت بيدك أو لك أمس لزمه إثبات سبب زوال يده، وإن عجز عن إثباته حلف مدع على بقائه، وإن العين لم تخرج عنه بوجه وأخذها، وإن قال مدع: لا أعلم لي بينة ثم أتى بها سمعت؛ لأنه يجوز أن تكون له بينة لا يعلمها ثم علمها، ونفي العلم لا ينفيها 4423 فلا تكذيب لنفسه، أو قال عدلان: نحن نشهد لك فقال: هذه بينتي سمعت لما سبق، ولا تسمع إن قال: ما لي بينة ثم أتى بها نصًّا 4424؛ لأنه مكذب لها، أو قال: كذب شهودي، أو قال: كل بينة أقيمها فهي زُوْرٌ أو بَاطِلَة أو لا حق لي فيها فلا تسمع بينته بعد ولا تبطل دعواه بذلك؛ لأنه لا يلزم من بطلان الدليل بطلان المدعى فله تحليف خصمه لاحتمال أنه محق ولم يشهد عليه، ولا ترد البينة بذكر السبب إذا سكت عنه المدعي في دعواه لعدم المنافاة إذن، بل بذكر سبب ذكر المدعي غيره، كإن طالبه بألف قرضا فأنكره فشهدت بألف من ثمن مبيع أو أجرة أو غصب للتنافي.
ومتى شهدت بينة بغير مدعى به كإن ادعى دينارا فشهدت بدراهم فهو مكذب لها
الجزء: 4 - الصفحة: 1120
نصًّا 4425، فلا تسمع، وفي "المستوْعِب" 4426 و"الرِّعاية" إن قال: "أستحقه وما شهدوا به وإنما ادعيت بأحدهما لأدعي بالآخر وقتا آخر ثم ادعاه ثم شهدوا به قبلت".
4427
ومن ادعى شيئًا أنه له الآن لم تسمع بينته إن شهدت أنه كان له أمس أو أنه كان في يده أمس لعدم التطابق حتى تَبين سبب يد الثاني نحو غاصبة أو مستعيرة، بخلاف ما لو شهدت البينة أنه وإن ملكه بالأمس اشتراه من رب اليد فإنه يقبل.
وقال الشيخ تقي الدين: "إن قال: ولا أعلم له مزيلًا قُبِلَ وقال: لا يعتبر في أداء الشهادة قوله، وأن الدين باقٍ في ذمة الغريم بل يحكم الحاكم باستصحاب الحال إذا ثبت عنده سبب الحق إجماعًا" 4428. ومن ادُّعِيّ عليه بشيء فأقر بغيره لزمه ما أقر به إذا صدقه المقر له، لحديث: "لا عذر لمن أقر" 4429 والدّعوى بحالها
الجزء: 4 - الصفحة: 1121
نصا 4430، فله إقامة البينة بها أو تحليفه.
(وشرط في بينة عدالة ظاهرا، و) كذا (في كثر عقد نكاح باطنا أيضًا) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 4431 وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 4432 وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ 4433 والفاسق لا يؤمن كذبه، وأما في عقد النكاح فتكفي العدالة له ظاهرا فلا يبطل لو بانا فاسقين وتقدم 4434 , واختار الخرقي وأبو بكر وصاحب "الروضة" تقبل شهادة كل مسلم لم يظهر منه ريبة 4435؛ لقبوله عليه الصلاة والسلام شهادة الأعرابي برؤية الهلال 4436، وقول
الجزء: 4 - الصفحة: 1122
عمر: "المسلمون عدول" 4437، ولأن ظاهر المسلم العدالة لأنها أمر خفي سببها الخوف من اللَّه تعالى ودليله الإسلام، فإذا وجد اكتفي به ما لم يقم دليل على خلافه، فإن جهل إسلامه رجع إلى قوله والعمل على الرواية = له، باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان، كتاب الصوم برقم (2340) سنن أبي داود 2/ 302، والترمذي، باب ما جاء في الصوم بالشهادة، كتاب الصوم برقم (691) الجامع الصحيح 3/ 74، والنسائي، باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان.
.، كتاب الصيام برقم (2112 - 2113) المجتبى 4/ 131 - 132، وابن ماجة، باب ما جاء في الشهادة على رؤية هلال رمضان، كتاب الصيام برقم (1652) سنن ابن ماجة 1/ 529، والدرامي، باب الشهادة على رؤية هلال رمضان، كتاب الصوم برقم (1692) سنن الدارمي 2/ 9، وابن حبان، باب ذكر إجازة الشاهد الواحد إذا كان عدلا على رؤية هلال رمضان، كتاب الصوم برقم (3446) الإحسان 8/ 229 - 235، والدارقطني، كتاب الصيام، سنن الدارقطني 2/ 158، والحاكم، باب من صام يوم الشك.
.، كتاب الصوم، المستدرك 1/ 424، والبيهقي، باب الشهادة على رؤية هلال رمضان، كتاب الصيام، السنن الكبرى 4/ 211، من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس به.
والحديث قال عنه الترمذي: "حديث ابن عباس فيه اختلاف.
. . وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك عن عكرمة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلا".
ا. هـ، ورجح النسائي إرساله، وقال الحاكم: "قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة واحتج مسلم بأحاديث سماك بن حرب.
وهذا الحديث صحيح ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
الجزء: 4 - الصفحة: 1123
الأولى، وقولهم: ظاهر المسلم العدالة ممنوع بل الظاهر عكسه؛ لأن العادة إظهار الطاعة وإسرار المعصية، وقول عمر معارض بما روي عنه أنه أتي بشاهدين فقال لهما: "لست أعرفكما ولا يضركما أني لم أعرفكما" 4438 والأعرابي الذي قبل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شهادته صحابي والصحابة عدول.
(و) شرط (في مزك معرفة) خبرة مزك باطنة بصحبة أو معاملة من (جرح وتعديل، و) شرط (معرفة حاكم خبرته) أي المزكي (الباطنة) كالمعرفة المتقدمة، ويكفي في تزكية الشاهد عدلان يقول كل منهما: أشهد أنه عدل ولو لم يقل: أرضاه لي وعلي؛ لأنه إذا كان عدلا لزم قبوله على مزكيه وغيره، ولا يكفي قوله: لا أعلم إلا خيرا، (وتقدم بينة جرح) على بينة تعديل؛ لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفي على العدل، وشاهد العدالة يخبر بأمر ظاهر، ولأن الجارح مثبت للجرح، والمعدل ناف له والمثبت مقدم على النافي، وإذا عصى في بلده فانتقل منه فجرحه اثنان في بلده وعدله اثنان في البلد الذي انتقل إليه قدمت التزكية، ويكفي فيها الظن بخلاف الجرح، قاله في "المبدع" 4439، وتعديل خصم وحده لشاهد عليه تعديل له؛ لأن البحث عن عدالته لحقه، ولأن إقراره بعدالته إقرار بما يوجب الحكم عليه لخصمه فيؤخذ بإقراره وكذا تصديقه للشاهد تعديل له، ولا تصح التزكية في واقعة واحدة يقول مزك: أشهد أنه عدل في شهادته في هذه القضية
الجزء: 4 - الصفحة: 1124
فقط، ومن ثبتت عدالته مرة لزم البحث عنها مرة أخرى مع طول المدة بين الشهادتين؛ لأن الأحوال تتغير مع طول الزمن، (فمتى جهل حاكم حال بينة) فلم يعلم قوة ضبطها ودينها (طلب التزكية) أي طلب من يزكيها (مطلقا) من غير تقييد.
بحال دون حال، (ولا يقبل فيها) أي التزكية (و) لا (في الجرح ونحوهما إلا رجلان)، فلا يقبل في ذلك شهادة النساء؛ لأنها شهادة فيما ليس بمال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال غالبا أشبه الشهادة في القصاص، فإذا ارتاب الحاكم من عدلين لزمه البحث عما شهدا به بسؤال كل واحد منهما منفردا عن كيفية تحمله ومتى وأين، ويسأله هل تحمل الشهادة وحده أو مع صاحبه، فإن اتفقا وعظهما وخوفهما، لحديث أبي حنيفة قال: "كنت عند محارب بن دثار 4440 وهو قاضي الكوفة، فجاء رجل فادعى على رجل حقا فأنكره، وأحضر الدعي شاهدين شهدا له، فقال المشهود عليه: والذي تقوم به السماء والأرض لقد كذبا علي، وكان محارب بن دثار متكئا فاستوى جالسا وقال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: إن الطير لتخفق بأجنحتها، وترمي ما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار، فإن صدقتما فاثبتا، وإن كذبتما فغطيا رؤوسكما
الجزء: 4 - الصفحة: 1125
وانصرفا، فغطيا رؤوسهما وانصرفا" 4441، فإن ثبتا بعد وعظهما حكم بشهادتهما بسؤال مدع وإلا يثبتا لم يقبلهما، وإن أقام بينة بدعواه وسأل حبس خصمه في غير حد حتى تزكى بينته أجيب ثلاثة أيام ويقال له: إن جئت بالمزكين فيها وإلا أطلقناه، أو أقام بينة وسأل كفيلا به في غير حد، أو جعل مدعى به بيد عدل حتى تزكى بينته، أو أقام شاهدا بمال وسأل حبسه حتى يقيم الآخر أجيب ثلاثة أيام لتمكنه من البحث فيها فلا حاجة لأكثر منها بل في حبسه أكثر منها ضرر كثير، وإن جرح البينة خصم أو أراد جرحها كلف بينة وينتظر ثلاثة أيام لقول عمر في كتابه لأبي موسى الأشعري: "واجعل لمن ادعى حقا غائبا أمدا ينتهى إليه فإن أحضر بينته أخذت له حقه وإلا استحللت القضية عليه فإنه أنفى للشك وأجلى للفهم 4442 " 4443 ويلازمه المدعي في الثلاثة
الجزء: 4 - الصفحة: 1126
أيام لئلا يهرب فيضيع حقه وظاهره أنه لا يحبس فيها فإن أتى بها وإلا حكم عليه.
ولا يسمع جرح لم يبين سببه بذكر قادح فيه عن رؤية، ويعرض جارح بزنا أو لواط، فإن صرح ولم تكمل بينة حد.
وإن جهل حاكم لسان خصم ترجم له من يعرفه قال أبو جمرة 4444 -كنت أترجم بين الناس وبين ابن عباس 4445 وأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- زيد بن ثابت فتعلم كتاب اليهود قال: "حتى كنت أكتب للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كتبه وأقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه" رواه أحمد والبخاري 4446، ولا يقبل في ترجمة وجرح وتعديل في زنا أو لواط إلا أربعة رجال عدول كشهود الأصل، ويعتبر فيمن رتبه الحاكم يسأل سرا عن الشهود لتزكية
الجزء: 4 - الصفحة: 1127
أو جرح شروط الشهادة الآتية، وتجب الشافهة فيمن يعدل أو يجرح ونحوه، فلا تكفي كتابته أنه عدل أو ضده ونحوه كالشهادة، وإذا رتب الحاكم [من يسأل] 4447 عن الشهود كتب أسماءهم وصنائعهم ومعايشهم وموضع مساكنهم وصلاتهم ليسأل عنهم أهل سوقهم ومسجدهم وجيرانهم، وكتب حلاهم كأسود أو أبيض أو أنزع أو أغم أشهل أو أكحل أقنى الأنف أو أفطس رقيق الشفتين أو غليظهما طويل أو قصير أو ربعة للتمييز، ويكتب المشهود له أو عليه وقدر الحق فيكتب لكل ممن يرسله رقعة بذلك، وينبغي أن يكونوا غير معروفين لئلا يستمالوا بنحو هدية، وأن لا يكونوا من أهل الأهواء والعصبية، وأن يكونوا أصحاب عفة من ذوي العقول الوافرة براء من الشحنة والبغضة، فإذا رجعوا فأخبر اثنان بالعدالة قبل الشهادة، وإن أخبرا بالجرح ردهما، وإن أخبر أحدهما بالجرح والآخر بالعدالة بعث آخرين، فإن عادا وأخبرا بالتعديل تمت بينته وسقط الجرح؛ لأن بينته لم تتم، وإن أخبرا بالجرح ثبت وسقط التعديل، ومن نصب للحكم بجرح أو تعديل أو لسماع بينة قنع الحاكم بقوله وحده إذا قامت البينة عنده؛ لأنه حاكم أشبه غيره من الحكام، ومن سأله حاكم عن تزكية من شهد عنده أخبره وجوبا بالواقع وإلا لم يجب عليه؛ لأنه لم يتعين عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1128
فصل
ومن ادعي عليه عينا بيده فأقر بها لحاضر مكلف جعل المقر له الخصم فيها لاعتراف صاحب اليد بنيابة يده عن يد المقر له وإقرار الإنسان بما في يده لغيره صحيح سواء قال: أنا مستأجر منه أو مستعير أو لا وحلف مدعى عليه أنها ليست لمدع فإن نكل أخذ منه للمدعي بدلها ثم إن صدقه المقر له فهو كأحد مدعيين على ثالث أقر له الثالث على ما يأتي في باب الدعاوي والبينات، وإن قال: ليست في ولا أعلم لمن هي وجهل لمن هي سلمت لمدع، أوقال ذلك المقر له وجهل لمن هي سلمت لمدع بلا يمين، لأنه يدعيها ولا منازع له فيها، فإن كان مدعيها اثنين اقترعا عليها، فمن خرجت له القرعة أخذها وحلف لصاحبه.
وإن عاد المقر بالعين فادعاها لنفسه أو لثالث أو عاد المقر له أو لا إلى دعواه العين ولو قبل أن يدعيها المقر لنفسه لم يقبل؛ لأنه مكذب لهذه الدعوى الإقرار الأول بقوله: هذه لفلان أو بقوله: ليست في ولا أعلم لمن هي؛ لأن ذلك نفي لها عن نفسه وعن غيره فلا يسمع منه خلافه، وإن أقر بها لغائب عن البلد أو غير مكلف وللمدعي بينة فهي له لترجح جانبه بالبينة بلا يمين، لخبر: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" 4448، وإلا يكن للمدعي بينة فأقام المدعى عليه بينة أنها لمن سماه لم يحلف اكتفاء بالبينة وسمعت لزوال التهمة
الجزء: 4 - الصفحة: 1129
ولا يفضى بها لأن البينة للغائب ولم يدعها هو ولا وكيله، قدمه الموفق 4449، وجزم به الزركشي 4450، وإلا يقم بينة أن العين لمن سماه استحلف أنه لا يلزمه تسليم العين لمدعيها وأقرت بيده لاندفاع دعوى المدعي باليمين، فإن نكل غرم بدلها لمدع لا سبق، وإن أقر بها لمجهول قال له حاكم: عرفه وإلا جعلتك ناكلا وقضيت عليك، فإن عاد وادعاها لنفسه لم يقبل منه ذلك.
(ومن ادعى على غائب) عن البلد (مسافة قصر أو) ادعى على (مستتر في البلد) أو بدون مسافة قصر (أو) على (ميت أو غير مكلف وله بينة) ولو شاهدا ويمينا فيما يقبل فيه (سمعت وحكم بها) بشرطه، لحديث هند قالت: يا رسول اللَّه! إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، قال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" متفق عليه 4451، فقضى لها ولم يكن أبو سفيان حاضرا، وأما حديث علي: "إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فإنك لا تدري بما تقضي" 4452 فهو فيما إذا كانا حاضرين والحاضر
الجزء: 4 - الصفحة: 1130
يفارق الغائب فلا تسمع عليه البينة إلا بحضرته، فإن كانت الغيبة دون مسافة قصر فهي في حكم المقيم، وأما سماع البينة على المستتر فلتعذر حضوره كالغائب بل أولى، ولأن الغائب قد يكون له عذر بخلاف المتواري، وروى حرب بإسناده عن أبي موسى قال: "كان الخصمان إذا اختصما إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأنفذ الموعد فوفى أحدهما ولم يوف الآخر قضى للذي وفى" 4453 ولئلا يجعل الاستتار وسيلة إلى تضييع الحقوق، وكذا الميت والصغير والمجنون لأن كلا منهم لا يعبر عن نفسه فهو في حكم الغائب.
(في غير حق اللَّه تعالى) فلا تسمع بينة ولا يحكم بها على غائب ونحوه في حق اللَّه تعالى فيقضى في سرقة ثبتت على غائب بغرم مال مسروق فقط دون قطع، لحديث: "ادرؤا الحدود بالشبهات ما استطعتم" 4454، ولا يجب على محكوم له على غائب ونحوه يمين على بقاء حقه في ذمته، لحديث: "البينة على المدعي واليمين على = الأحكام، المستدرك 4/ 93، والبيهقي، كتاب آداب القاضي، السنن الكبرى 10/ 86، والحديث حسنه الترمذي، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
ووافقه الذهبي، وحسن الحديث الألباني في الإرواء 8/ 226 - 228 بمجموع طرقه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1131
المدعى عليه" 4455 فحصر اليمين في جانب المدعى عليه، ولأنها بينة عادلة فلا تجب معها اليمين كما لو كانت على حاضر إلا على رواية، قال المنقح: "والعمل عليها في هذه الأزمنة" انتهى 4456. ولفساد أحوال غالب الناس لاحتمال أن يكون استوفى ما شهدت به البينة أو ملكه العين التي شهدت له بها البينة، ثم إذا كلف غير مكلف أو رشد بعد الحكم عليه، أو حضر الغائب أو ظهر المستتر فهو على حجته إن كان لزوال المانع، والحكم بثبوت أصل الحق لا يبطل دعوى القضاء أو الإبراء ونحوه بما يسقط الحق، وإن حضر قبل الحكم وقف على حضوره، ولا تجب إعادة البينة بل يخبره الحاكم بالحال ويمكنه الجرح، فإن جرح البينة بأمر بعد أداء الشهادة أو مطلقا لم يقبل؛ لأن ما بعد أداء الشهادة لا يبطلها، وإذا أطلق احتمل الأمرين فلا يبطل الحكم لجواز حدوث الجرح بعده، وإن جرحها بأمر قبل الحكم قبل تجريحه وتبين بطلان الحكم لفوات شرط.
(ولا تسمع) دعوى (على غيرهم) أي الغائب أو المستتر والميت وغير المكلف وهو الحاضر المكلف أو الغائب دون مسافة (حتى يحضر) لمجلس الحكم لحديث علي السابق 4457، ولأنه أمكن سؤاله فلم يجز الحكم عليه قبله بخلاف الغائب البعيد، (أو) حتى (يمتنع) الحاضر بالبلد والغائب دون المسافة عن الحضور فتسمع كما تقدم، ثم إن
الجزء: 4 - الصفحة: 1132
وجد الحاكم له مالا وفاه دينه منه، وإلا قال للمدعي: إن عرفت له مالا وثبت عندي وفيتك منه دينك، والحكم للغائب لا يصح إلا تبعا كمن ادعى موت أبيه عنه وعن أخ له غائب أو غير رشيد وله عند شخص عين أو دين فثبت المدعى به على الشخص بإقراره أو بينة أو نكول أخذ المدعي نصيبه وأخذ الحاكم نصيب الآخر وجعله بيد أمين.
الجزء: 4 - الصفحة: 1133
فصل
ومن ادعى أن الحاكم حكم له بحق فصدقه الحاكم قبل قول الحاكم وحده إن كان عدلا، وإن لم يشهد عليه رجلان بالحكم وليس حكما بالعلم بل إمضاء للحكم السابق كقوله ابتداء: حكمت بكذا فيقبل منه، وإن لم يذكر الحكم فشهد به عدلان قبلهما وأمضاه لقدرته على إمضائه ما لم يتيقن صواب نفسه؛ لأنهما إذا شهدا عنده بحكم غيره قبلهما، وإن تيقن صواب نفسه لم يقبلهما ولم يمضه؛ لأن الشهادة إنما تفيد غلبة الظن، واليقين أقوى بخلاف من نسي شهادته فشهدا عنده بها فلا يشهد بذلك؛ لأن الشاهد لا يقدر على إمضاء شهادته وإنما يمضيها الحاكم ففارق الحاكم بذلك، وإن لم يشهد بحكمه أحد ووجده مكتوبا ولو في قمطرة تحت ختمه أو شهادته بخطه وتيقنه ولم يذكره لم يعمل به نصا 4458 لاحتمال أنه زور عليه، وقد وجد ذلك كثيرا كوجدان خط أبيه بحكم فليس له إنفاذه أو بشهادة فليس له أن يشهد به على شهادة أبيه كشهادة غيره إذا وجدها بخطه ولو تيقنه إلا على قول مرجوح، قال المنقح: "وهو أظهر وعليه العمل".
4459 قال الموفق: "وهذا الذي رأيته عن أحمد في
الجزء: 4 - الصفحة: 1134
الشهادة" 4460؛ لأنه إذا كان في قمطرة تحت ختمه لم يحتمل إلا أن يكون صحيحا.
وحكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته باطنا ولو عقدا أو فسخا لحديث: "إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار" متفق عليه 4461، وقول علي "زوجاك شاهداك" 4462 إن صح فإنما أضاف التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه ولم يجبها إلى التزويج؛ لأن فيه طعنا على الشهود، واللعان يحصل به الفرقة ولا يصدق الزوج، ولهذا لو قامت به البينة لم ينفسخ النكاح، فمتى علمها حاكم كاذبة لم ينفذ حكمه بها حتى ولو في عقد وفسخ، فمن حكم له ببينة زور بزوجية امرأة لم تحل له باطنا، فإن وطئ مع العلم فكزنا فيجب عليه الحد بذلك وعليها الامتناع منه ما أمكنها، فإن أكرهها فالإثم عليه دونها، ويصح نكاحها غيره؛ لأن نكاحه كعدمه، وقال الموفق: "لا يصح لإفضائه إلى وطئها من اثنين أحدهما بحكم الظاهر والآخر بحكم الباطن".
4463
الجزء: 4 - الصفحة: 1135
وإن حكم حاكم بطلاقها ثلاثا بشهود زور فهي زوجته باطنا، ويكره له اجتماعه بها ظاهرا؛ لأنه طعن على الحاكم ولا يصح نكاحها ممن يعلم بالحال من الشاهدين أو غيرهما لبقائها في عصمة الأول، ومن حكم لمجتهد أو عليه بما يخالف اجتهاده عمل باطنا بالحكم له أو لغيره كما يعمل به ظاهرا لرفعه الخلاف، وإن باع حنبلي لحما متروك التسمية عمدا فحكم بصحته شافعي نفذ حكمه، فيدخل الحكم بالطهارة أو النجاسة تبعا لا استقلالا، وإن رد حاكم شهادة واحد برؤية هلال رمضان لم يؤثر ذلك في الحكم بعدالته ويلزم الصوم من علم ذلك، (ولو رفع إليه) أي الحاكم (حكم) مختلف فيه كنكاح امرأة نفسها (لا يلزمه نقضه) -صفة لحكم- بأن لم يخالف نص كتاب أو سنة صحيحة أو إجماعا قطعيا (لينفذه) -متعلق برفع- (لزمه) أي الحاكم (تنفيذه) وإن لم يره صحيحا عنده؛ لأنه حكم بما ساغ الاجتهاد فيه لا يجوز نقضه فوجب تنفيذه لذلك، وكذا إن كان نفس الحكم مختلفا فيه كحكمه بعلمه وتزويجه يتيمة وحكم على غائب أو بالثبوت بطريق الشهادة على الحق أو نحوه، وظاهر هذا أن الحكم بشيء حكم بصحة الحكم به وفي "شرح المحرر" 4464 - "لأن الحكم المختلف فيه صار محكوما به فلزم تنفيذه كغيره" انتهى.
وإن رفع خصمان إلى حاكم عقدا فاسدا عنده فقط كنكاح بلا ولي وأقرا بأن حاكما نافذ الحكم كحنفي حكم بصحته فله إلزامهما ذلك العقد؛ لأنه حق أقرا به
الجزء: 4 - الصفحة: 1136
وله رده والحكم بمذهب؛ لأن الحكم به لا يثبت بقولهما بلا بينة فلا يلزمه لعدم ثبوته عنده، ومن قلد مجتهدا في صحة نكاح لم يفارق زوجته بتغير اجتهاده كحكم بخلاف مجتهد نكح ثم رأى بطلانه فيلزمه فراق زوجته لاعتقاد تحريم وطئها.
الجزء: 4 - الصفحة: 1137
فصل
ومن غصبه إنسان مالا جهرا أو كان عنده عين ماله فله أخذ قدر المغصوب من مال غاصب جهرا ولو قهرا لا أخذ قدر دينه من مال مدين تعذر أخذ دينه منه بحاكم لجحد أو غيره كسكان بواد يتعذر إحضار الخصوم منها نصا 4465 لحديث: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" رواه الترمذي وحسنه 4466، وأخذه من ماله بلا إذنه قدر
الجزء: 4 - الصفحة: 1138
حقه خيانة له إلا إذا تعذر على ضيف أخذ حقه بحاكم فيأخذه، وتقدم بدليله في كتاب الأطعمة 4467.
ولو كان لكل واحد من اثنين على الآخر دين من غير جنسه فجحد أحدهما دين صاحبه فليس للآخر أن يجحد دين الجاحد لدينه؛ لأنه كبيع دين يدين ولا يجوز ولو تراضيا، فإن كان من جنسه تقاصا.
= حصين صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الإرواء 5/ 381 لشواهده.
الجزء: 4 - الصفحة: 1139
فصل في كتاب القاضي إلى القاضي
وأجمعوا على جواز المكاتبة لقوله تعالى حكاية عن بلقيس 4468: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ.
.﴾ 4469، ولأنه عليه السلام كتب إلى النجاشي وغيره وكاتب ولاته وعماله وسعاته.
(ويقبل كتاب قاض إلى قاض) آخر بالإجماع (في كل حق آدمي) كبيع وقرض وغصب وإجارة وصلح ووصية بمال وهبة وجناية توجب مالا 4470؛ لأنه في معنى الشهادة على الشهادة حتى ما لا يقبل فيه إلا رجلان كقود وطلاق ونحوهما، ولا يقبل في حد للَّه تعالى كحد زنا وشرب مسكر؛ لأنها مبنية على الستر والدرء بالشبهة، ولهذا لا تقبل بالشهادة على الشهادة؛ لأنه في معناها، ولهذا ذكر الأصحاب أن كتاب القاضي إلى القاضي حكمه كالشهادة على الشهادة 4471؛ لأنها شهادة القاضي على شهادة من
الجزء: 4 - الصفحة: 1140
شهد عنده، وذكروا فيما إذا تغيرت حال القاضي الكاتب أنه أصل لمن شهد عليه، ومن شهد عليه فرع له فلا يسوغ نقض حكم مكتوب إليه بإنكار القاضي الكاتب كتابه، ولا يقدح إنكاره في عدالة البينة كإنكار شهود الأصل بعد الحكم بل يمنع إنكاره الحكم قبل حكم المكتوب إليه كما يمنعه رجوع شهود الأصل قبل الحكم، فدل أن القاضي الكاتب فرع لمن شهد عنده، وأصل لمن شهد عليه، ودل ذلك أيضا أنه يجوز أن يكون شهود فرع أصلا لفرع آخر لدعاء الحاجة إليه.
(و) يقبل كتاب القاضي (فيما حكم به) الكاتب (لينفذه) المكتوب إليه وإن كانا ببلد واحد؛ لأن الحكم يجب إمضاؤه بكل حال.
و(لا) يقبل (فيما ثبت عنده) أي الكاتب (ليحكم به) المكتوب إليه (إلا في مسدفة قصر) فأكثر؛ لأنه نقل شهادة كالشهادة على الشهادة، ولا يقبل إذا سمع الكاتب البينة وجعل تعديلها إلى المكتوب إليه إلا في مسافة قصر فأكثر فيجوز، وتقدم أن الثبوت ليس بحكم بل خبر بالثبوت كشهادة الفرع؛ لأن الحكم أمر ونهي يتضمن إلزاما، قال الشيخ تقي الدين: "ويجوز نقله إلى مسافة قصر فأكثر ولو كان الذي ثبت عنده لا يرى جواز الحكم به؛ لأن الذي ثبت عنده ذلك الشيء مخبر بثبوت ذلك عنده".
وللقاضي أن يكتب إلى قاض معين وأن يكتب إلى من يصل إليه الكتاب من قضاة المسلمين وحكامهم بلا تعيين، ويلزم من وصل إليه قبوله؛ لأنه كتاب حاكم من ولايته وصل إلى حاكم فلزم قبوله كما لو كان إليه بعينه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1141
ويشترط لقبول كتاب القاضى والعمل به أن يقرأ على عدلين ويعتبر ضبطهما لمعناه وما يتعلق به الحكم منه دون ما لا يتعلق به نصا 4472، ثم يقول بعد القراءة عليهما: هذا كتابي إلى فلان بن فلان أو إلى من يصل إليه من القضاة ويدفعه إليهما، فإذا وصلا دفعاه إلى المكتوب إليه وقال: نشهد أنه كتاب القاضي فلان إليك كتبه بعلمه وأشهدنا عليه والاحتياط ختمه بعد أن يقرأ عليهما صونا لما فيه، ولا يشترط الختم ولا يشترط قولهما وقرئ علينا وأشهدنا عليه اعتمادا على الظاهر، ولا قول كاتب اشهدا علي، وإن أشهدهما عليه مدروجا مختوما لم يصح؛ لأن ما أمكن إثباته بالشهادة لم يجز الاقتصار فيه على الظاهر كإثبات العقود.
وكتاب القاضي في غير عمله أو بعد عزله كخبره بغير عمله أو بعد عزله، ويقبل كتابه في عبد أو حيوان بالصفة اكتفاء بها؛ لأنه يثبت في الذمة بعقد السلم كالدين كمشهود عليه بالصفة فيقبل كتاب القاضي فيه؛ لأنه يبعد مجيء إنسان بصفته فيقول: أنا المشهود عليه ولا تكفي الصفة في المشهود له بأن يقولا: نشهد لشخص صفته كذا وكذا بكذا لاشتراط تقدم دعواه، فإن لم يثبت مشاركته للعبد أو الحيوان المشهود فيه بالصفة في صفته بأن زال اللبس لعدم ما يشاركه في صفته أخذه مدعيه بكفيل مختوما عنقه بأن يجعل في عنقه نحو خيط ويختم عليه بنحو شمع فيأتي به القاضي
الجزء: 4 - الصفحة: 1142
الكاتب لتشهد البينة على عينه لزوال الإشكال ويقضي له به، ويكتب له كتابا آخر إلى القاضي الذي سلمه له بكفيل ليبرأ كفيله من الطلب به بعد، وإن لم يثبت ما ادعاه بأن قال الشهود: إنه ليس المشهود به فهو في يده كمغصوب لوضع يده عليه بغير حق، ولا يحكم القاضي على مشهود عليه بالصفة حتى يسمى وينسب ولا حاجة إلى ذكر الجد إن عرف باسمه واسم أبيه، أو تشهد البينة على عينه ليزول اللبس، وإذا وصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه وأحضر الخصم المذكور فيه باسمه ونسبه وحليته فقال: ما أنا بالمذكور في الكتاب قبل قوله بيمينه؛ لأنه منكر، فإن نكل قضي عليه بالنكول، وإن أقر بالاسم والنسب أو ثبت ببينة فقال المحكوم عليه: غيري لم يقبل إلا ببينة تشهد أن بالبلد شخصا آخر كذلك، ولو كان المساوي له في الاسم والنسب ميتا يقع به إشكال فيتوقف الحكم 4473 حتى يعلم الخصم منهما فيحضر القاضي المساوي له إن أمكن ويسأله، فإن اعترف بالحق لزمه وتخلص الأول، وإن أنكر وقف الحكم ويكتب للقاضي الكاتب يعلمه بما حصل من اللبس حتى يرسل الشاهدين فيشهدا عنده على أحدهما بعينه فيلزمه الحق، وإن كان الميت لا يقع به التباس فلا أثر له، وإن مات القاضي الكاتب أو عزل لم يمنع ذلك قبول كتابه والعمل به كموت بينة الأصل فيحكم بشهود الفرع، وإن فسق القاضي الكاتب قدح فيما ثبت عنده ليحكم به المكتوب إليه فلا يحكم به؛ لأن الكاتب أصل وبقاء عدالة الأصل شرط في الحكم بشاهدي الفرع دون ما حكم به الكاتب وكتب به، فلا يقدح فسقه فيه، فللمكتوب إليه أن يحكم
الجزء: 4 - الصفحة: 1143
به؛ لأن حكمه لا ينقض بفسقه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1144
فصل
وإذا حكم عليه المكتوب إليه بما ثبت عليه عند الكاتب من الحق فسأله أن يشهد عليه بما جرى عنده من حكمه عليه لئلا يحكم عليه القاضي الكاتب ثانيا أجابه إلى ذلك دفعا لضرره، أو يسأل من ثبتت براءته عند الحاكم، كمن أنكر وحلفه الحاكم، أو من ثبت حقه عنده أن يشهد له بما جرى من براءة أو ثبوت مجرد أو متصل بحكم أو بحكم وتنفيذ، أو سأله الحكم بما ثبت له عنده أجابه، وإن سأله مع الإشهاد كتابته وأتاه بورقة أو كان من بيت المال ورق معد لذلك لزمه إجابته إليه؛ لأنه وثيقة له ككتابة ساع يأخذ زكاة لئلا يطلبه بها ساع آخر.
ولا يلزم من له الحق دفع وثيقة به إذا استوفاه بل الإشهاد باستيفائه؛ لأنه ربما خرج ما قبضه مستحقا فيحتاج إلى حجة بحقه، وكذا بائع عقار لا يلزمه تسليم كتاب ابتياعه إلى المشتري منه بعد الإشهاد على نفسه بالبيع؛ لأن ذلك حجة له عند الدرك، ذكره في "المستوعب" 4474.
وما تضمن الحكم ببينة يسمى سجلا، والسجل لغة: الكتاب 4475
الجزء: 4 - الصفحة: 1145
[والآن] 4476 الدفتر تنزل فيه الوقائع والوثائق، وغير ما تضمن الحكم ببينة يسمى محضرا -بفتح الميم والضاد المعجمة- سمي بذلك لما فيه من حضور الخصمين والشهود 4477، والمحضر شرح ثبوت الحق عند الحاكم بثبوته، والأولى جعل السجل نسختين نسخة يدفعها الحاكم إلى صاحب الحق تكون وثيقة بيده، والأخرى عنده ليرجع إليها عند ضياع ما بيد الخصم أو الاختلاف فيها لأنه أحوط.
وصفة المحضر بسم اللَّه الرحمن الرحيم، حضر القاضي فلان بن فلان قاضي عبد اللَّه الإمام على مدينة كذا، وإن كان القاضي نائبا كتب خليفة القاضي فلان بن فلان قاضي عبد اللَّه الإمام على كذا في مجلس حكمه وقضائه، بموضع كذا، مدع ذكر أنه فلان بن فلان، وأحضر مدعى عليه ذكر أنه فلان بن فلان، ومن كان معروفا منهما لم يحتج إلى قوله، وذكر ولا يعتبر ذكر الجد بلا حاجة، والأولى ذكر حليتهما إن جهلهما دفعا للإنكار، فادعى عليه كذا، فأقر له أو فأنكر، فقال للمدعي: ألك بينة؟ قال: نعم، فأحضرها وسأله سماعها ففعل، أو فأنكر المدعى عليه، ولا يينة وسأل تحليفه فحلفه، وإن نكل المدعى عليه عن اليمين وعن الجواب ذكره، وأنه حكم بنكوله وسأله خصمه كتابة محضر فأجابه إلى ذلك، وجرى ذلك في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا، ويعلم القاضي في الإقرار والإنكار والإحلاف على رأس المحضر
الجزء: 4 - الصفحة: 1146
جرى الأمر على ذلك، وفي شهادة البينة شهدا عندي بذلك؛ لأن الشهادة تتضمن كل ما هو من مقدماتها من الدعوى والجواب وغيره، وقد يقال: عادة بلده أولى لسهولة فهم معناها، وإن ثبت الحق بإقرار مدعى عليه لم يحتج أن يقال في مجلس حكمه لصحة الأقرار بكل موضع، وإن كتب وأنه شهد على إقراره شاهدان كان آكد.
وأما السجل فهو لإنفاذ ما ثبت عنده والحكم به، وصفته أن يكتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما شهد عليه القاضي فلان بن فلان كما تقدم أول المحضر من حضره من الشهود وأشهدهم أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان، وقد عرفهما بما رأى معه قبول شهادتهما بمحضر من خصمين، ويذكرهما إن كانا معروفين، وإلا قال: مدع ومدعى عليه جاز حضورهما وسماع الدعوى من أحدهما على الآخر معرفة فلان بن فلان، ويذكر المشهود عليه وإقراره طوعا في صحة منه وجواز أمر بجميع ما سمي به ووصف به في كتاب نسخته كذا، وينسخ الكتاب المثبت أو المحضر جميعه حرفا بحرف، فإذا فرغ من نسخه قال: وإن القاضي أمضاه وحكم به على ما هو الواجب في مثله بعد أن سأله ذلك، وسأل الإشهاد به الخصم المدعي، وينسبه ولم يدفعه خصمه بحجة، وجعل القاضي كل ذي حجة على حجته، وأشهد القاضي فلان على إنفاذه والحكم به وإمضائه من حضره من الشهود في مجلس حكمه في اليوم المؤرخ أعلاه، وأمر بكتب هذا السجل نسختين متساويتين نسخة تكون بديوان الحكم ونسخة يأخذها من كتبها له لتكون كل من النسختين وثيقة بما أنفذه، ويكتب ذلك ليعلم أنه نسخة أخرى، وهذا كله اصطلاح نسخ، ولو لم يذكر في السجل بمحضر من الخصمين
الجزء: 4 - الصفحة: 1147
جاز لجواز القضاء على الغائب بشرطه، ويضم القاضي والشاهد ما اجتمع عنده من محضر وسجل، ويكتب عليه محضر كذا من وقت كذا لسهولة الكشف عند الاحتياج إليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1148
(فصل) في القسمة
بكسر القاف اسم مصدر من قسمت الشيء جعلته أقساما، والقسم بكسر القاف النصيب المقسوم 4478. وعرفا: تمييز بعض الأنصباء عن بعض وإفرازها عنها 4479. وأجمعوا عليها 4480 لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ 4481، وحديث: "إنما الشفعة فيما لم يقسم" 4482 و"قسم -النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خيبر على ثمانية عشر سهما" 4483، ولحاجة الناس إليها، وذكرت في القضاء لأن منها ما يقع بإجبار
الجزء: 4 - الصفحة: 1149
الحاكم عليه ويقاسم بنفسه.
(والقسمة نوعان): -
أحدهما: (قسمة تراض) بأن يتفق عليها الشركاء (وهي) أي قسمة التراضي (فيما لا ينقسم إلا بضرر)، وتحرم القسمة في مشترك لا ينقسم إلا بضرر على الشركاء أو أحدهم، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" رواه أحمد وغيره 4484 إلا برضا كل الشركاء (أو) أي وفيما لا ينقسم إلا بـ (رد عوض) منهم أو من أحدهم؛ لأنها معاوضة بغير الرضا (كحمام ودور صغار) بحيث يتعطل الانتفاع بها أو يقل، وكشجر مفرد وأرض ببعضها بئر أو بناء ونحوه، ولا تتعدل بأجزاء ولا بقيمة (وشرط لها رضا كل الشركاء)؛ لأن فيها إما ضررا أو رد عوض، وكلاهما لا يجبر الإنسان كليه (وحكمها) أي هذه القسمة (كبيع)، فيجوز فيها ما يجوز فيه لمالك النصيب خاصة إن لم يكن محجورا كليه، ووليه إن كان كذلك لما فيه من الرد، وبه يصير بيعا لبذل صاحبه إياه عوضا عما حصل له من حق شريكه، وهذا هو البيع فلا يفعلها الولي إلا إن رآها مصلحة وإلا فلا كبيع عقار موليه.
(ومن دعا شريكه فيها) أي قسمة التراضي (وفي شركة نحو عبد وسيف وفرس إلى = يزيد، عن عمه مجمع بن جارية الأنصاري قال: شهدنا الحديبية.
. . وفيه (فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على ثمانية عشر سهما).
قال الحاكم: "هذا حديث كبير صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
ووافقه الذهبي.
الجزء: 4 - الصفحة: 1150
بيع أو إجارة أجبر) شريكه على البيع معه أو الإجارة (فإن أبى) أي امتنع شريكه من بيع معه أو إجارة (بيع أو أو جر عليهما) أي باعه أو أجره حاكم، (وقسم ثمن أو أجرة) بينهما على قدر حصتيهما نصا 4485، والضرر المانع من قسمة الإجبار نقص القيمة بها سواء انتفع به أو لا؛ لأن نقص قيمته ضرر وهو منتف شرعا، ومن بينهما عبيد أو ثياب أو بهائم ونحوها فطلب أحدى هما قسمها أعيانا بالقيمة وأبى شريكه أجبر الممتنع إن تساوت القيم، لحديث عمران بن حصين: "أن رجلا أعتق في مرضه ستة أعبد، وأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جزأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرق أربعة" 4486، وهذه قسمة لهم، ولأنها أعيان أمكن قسمها بلا ضرر ولا رد عوض أشبهت الأرض، ومن بينهما أرض مزروعة فطلب أحدهما قسمها دون زرع وأبى الآخر أجبر وقسمت كخالية، وإن طلب القسم على الأرض مع الزرع أو طلب قسم الزرع دونها لم يجبر الممتنع، فإن تراضيا على قسم الأرض مع الزرع أو الزرع وحده والزرع قصيل 4487 لم يشتد حبه جاز أو قطن جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما ولا محذور لجواز التفاضل إذن
الجزء: 4 - الصفحة: 1151
والمراد بالقطن إذا لم يصل إلى حال يكون فيها موزونا وإلا فكالحب المشتد، وإن كان الزرع بذرا أو سنبلا مشتد الحب فلا يجوز لهما ذلك؛ لأنه بيع حب بحب مع الجهل بالتساوي فهو العلم بالتفاضل، وإن كان بينهما نهر أو قناة أو عين ماء فالنفقة على ذلك لحاجة بقدر حقهما والماء بينهما على قدر ما شرطاه عند الاستخراج لحديث: "المسلمون على شروطهم" 4488 لأنه تملك مباح فكان على ما شرطاه كما لو اشتركا في اصطياد واحتشاش، وإن كان الملك والنفقة بينهما نصفين لم يصح التفاضل في الماء ولهما قسمته بمهايأة بزمن 4489 أو بنصب خشبة أو حجر مستوفي مصطدم الماء فيه ثقبان بقدر حقيهما، ولكل من الشريكين سقي أرض لا نصيب لها من الماء بنصيبه منه؛ لأنه ملكه فيفعل به ما شاء.
(و) النوع (الثاني) من نوعي القسمة: (قسمة إجبار، وهي: ما لا ضرر فيها) عمى أحد الشركاء (ولا رد عوض) من واحد على غيره، سميت بذلك لإجبار الممتنع إذا كملت شروطه، (كمكيل) من جنس واحد، كحبوب ومائع وتمر وزبيب ولوز وفستق وبندق ونحوه مما يكال من الثمار، وكذا أشنان ونحوه، (و) كـ (موزون من جنس واحد) كذهب وفضة ونحاس ورصاص ونحوه، (و) كـ (دور كبار) ودكاكين وأرض وبساتين واسعة ولو لم تتساو أجزاؤها إذا أمكن قسمها بالتعديل (فيجبر شريك) أي يجبره الحاكم (أو) يجبر (وليه) إن كان محجورا عليه (عليها) أي قسمة
الجزء: 4 - الصفحة: 1152
الإجبار.
ويشترط لإجبار الحاكم على القسمة ثلاثة شروط: -
1 - ثبوت ملك الشركاء.
2 - وثبوت أن لا ضرر فيها.
3 - وثبوت إمكان تعديل السهام في المقسوم بلا شيء يجعل معها وإلا فلا إجبار لما تقدم.
(ويقسم حاكم على غائب) منهما (بطلب شريك) للغائب (أو وليه) أي ولي شريك الغائب إن كان محجورا عليه، ومن دعى شريكه في بستان إلى قسم شجره فقط لم يجبر؛ لأن الشجر المغروس تابع لأرضه غير مستقل بنفسه، ولهذا لا تثبت فيه شفعة إذا بيع بدون الأرض، وإلى قسم أرضه أجبر ودخل الشجر تبعا، ومن بينهما أرض في بعضها نخل وفي بعضها شجر غيره أو بعضها يشرب سيحا 4490 وبعضها بعلا 4491 وطلب أحدهما قسمة كل عين على حدة وطلب الآخر قسمتها أعيانا بالقيمة قدم
الجزء: 4 - الصفحة: 1153
من طلب قسمة كل عين على حدة إن أمكن تسوية في جيده ورديئه، وإلا قسمت أعيانا بالقيمة إن أمكن التعديل بالقيمة، وإلا يمكن التعديل بها فأبى أحدهما لم يجبر لعدم إمكان تعديل السهام الذي هو شرطها.
(وهذه) أي قسمة الإجبار (إفراز) حق الشريك من حق الآخر وليست بيعا لمخالفتها له في الأحكام والأسباب كسائر العقود، ولو كانت بيعا لم تصح بغير رضى الشريك، ولوجبت فيها الشفعة، ولما لزمت القرعة، فيصح قسم لحم هدي وأضاح ولو لم يصح بيع شيء منها، ولا يصح قسم رطب من شيء ربوي بيابسه، ويصح قسم ثمر يخرص خرصا وقسم ما يكال من ربوي وغيره وزنا وعكسه وإن لم يقبض بالمجلس.
ويصح قسم مرهون وموقوف ولو على جهة واحدة في اختيار صاحب "الفروع" 4492 بلا رد عوض من أحد الجانبين؛ لأن العوض إنما يرده من يكون نصيبه أرجح في مقابلة الزائد، فهو اعتياض عن بعض الوقف كبيعه، ولا يحنث بالقسمة من حلف ألا يبيع؛ لأن هذه القسمة ليست بيعا، ومتى ظهر فيها غبن فاحش بطلت لتبين فساد الإفراز، ولا شفعة في نوعيها؛ لأنها لو ثبتت لأحدهما على الآخر لثبت للآخر عليه فيتنافيان وينفسخان بعيب ظهر في نصبب أحدهما، ويصح أن يتقاسما بأنفسهما، وأن ينصبا قاسما بأنفسهما، وأن يسألا حاكما نصبه؛ لأن الحاكم أعلم بما يصلح للقسمة، فإذا سألوه إياه وجبت عليه أجابتهم لقطع النزاع بين المشتركين.
الجزء: 4 - الصفحة: 1154
(وشرط كون قاسم) نصبه حاكم (مسلما عدلا) ليقبل قوله في القسمة (عارفا بالقسمة) ليحصل منه المقصود؛ لأنه إذا لم يعرف ذلك لم يكن تعيينه للسهام مقبولا، كحاكم يجهل ما يحكم به لا حريته فتصح قسمته ولو عبدا (ما لم يرضوا بغيره) أي غير المسلم العدل العارف بالقسمة، فإن تراضوا بغيره جاز كقسمهم بأنفسهم، (ويكفي) قاسم (واحد) حيث لم يكن في القسمة تقويم لأنه كالحاكم، (و) لا يكفي (مع تقويم) إلا (اثنان)؛ لأنها شهادة بالقيمة فاعتبر النصاب كباقي الشهادات.
وتباح أجرة قاسم؛ لأنها عوض عن عمل لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، وتسمى أجرة القاسم القسامة -بضم القاف- ذكره الخطابي، وهي على الشركاء بقدر أملاكهم نصا 4493، ولو شرط خلافه فالشرط لاغ، ولا ينفرد بعضهم باستئجار قاسم.
(وتعدل السهام) أي سهام القسمة يعدلها قاسم (بالأجزاء) أي أجزاء المقسوم (إن تساوت وإلا) فـ (بالقيمة) إن اختلفت كالمكيلات والموزونات والأرض التي ليس بعضها أجود من بعض ولا بناء بها ولا شجر سواء استوت الأنصباء أو اختلفت، (أو) تعدل السهام بـ (الرد إن اقتضته) أي الرد بأن لم يمكن تعديل السهام بالأجزاء ولا بالقيمة، فتعدل بالرد بأن يجعل لمن يأخذ الرديء أو القليل دراهم على من يأخذ الجيد والأكثر، (ثم يقرع) بين الشركاء لإزالة الإيهام، فمن خرج له سهم صار له، وكيف
الجزء: 4 - الصفحة: 1155
أقرع جاز، قال في رواية أبي داود: "إن شاء رقاعا وإن شاء خواتيم".
4494 يطرح ذلك في حجر من لم يحضر، ويكون لكل واحد خاتم معين ثم يقال: أخرج خاتما على هذا السهم فمن خرج خاتمه فهو له، وعلى هذا لو أقرع بالحصى وغيره جاز، والأحوط كتابة اسم كل شريك برقعة تدرج في بنادق من طين أو شمع متساوية قدرا وحجما ووزنا، ويقال لمن لم يحضر ذلك: أخرج بندقة على هذا السهم، فمن خرج اسمه عليه فهو له، ثم كذلك الثاني والثالث وغيره إن كان، وإن اختلفت سهامهم كنصف وثلث وسدس جزئ مقسوم بحسب أقل السهام، وهو هنا ستة، ولزم إخراج أسماء الشركاء على السهام، فيكتب باسم رب النصف ثلاث رقاع وباسم رب الثلث ثنتان وباسم رب السدس رقعة بحسب التجزئة، ثم يخرج بندقة على أول سهم، فإن خرج اسم رب النصف أخذه مع ثان وثالث يليانه، ويخرج القرعة الثانية على السهم الرابع، وإن خرج اسم رب الثلث أخذه مع سهم ثان يليه والباقي لرب السدس، وإن خرجت القرعة ابتداء لرب السدس أخذ السهم وحده، وإن خرجت لرب الثلث أخذه مع ما يليه ثم يقرع بين الأخيرين كذلك والباقي للثالث، وإنما لزم إخراج الأسماء على السهام؛ لأنها إذا خرجت قرعة فيها اسم الثاني لصاحب السدس وأخرى لصاحب النصف أو الثلث فيها السهم الأول احتاج أن يأخذ نصيبه متفرقا فيتضرر بذلك.
ثم إن القسمة أربعة أقسام: -
الجزء: 4 - الصفحة: 1156
أحدها: أن تتساوى السهام وقيمة الأجزاء.
الثاني: أن تختلف السهام وتتساوى قيمة الأجزاء.
الثالث: أن تتساوى السهام وتختلف قيمة الأجزاء فتعدل الأرض بالقيم وتجعل أسهما متساوية القيمة ويفعل في إخراج السهام كالقسم الأول.
والرابع: أن تختلف القيمة والسهام فتعدل السهام بالقيمة وتجعل السهام متساوية القيمة وتخرج الأسماء على السهام كالقسم الثاني إلا أن التعديل هنا بالقيمة.
(وتلزم القسمة بها) أي بخروج القرعة؛ لأن القاسم كحاكم، وقرعته حكم نص عليه 4495، ولو كانت القسمة فيما فيه رد عوض أو ضرر إذا تراضيا عليها وخرجت القرعة إذ القاسم يجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق فوجب أن تلزم قرعته كقسمة الإجبار.
(وإن خير أحدهما) أي الشريكين (الآخر) بأن قال له: اختر أي القسمين شئت بلا قرعة ولم يكن ثم قاسم (صحت) القسمة (ولزمت برضاهما وتفرقهما) بأبدانهما كتفرق متبايعين، ومن ادعى من الشركاء غلطا أو حيفا فيما تقاسماه بأنفسهما وأشهدا على رضاهما به لم يلتفت إليه، فلا تسمع دعواه ولا تقبل بينته، ولا يحلف غريمه لرضاه بالقسمة على ما وقع، وتقبل دعواه غلطا أو حيفا ببينة فيما قسمه قاسم حاكم، وإلا تكن بينة حلف منكر الغلط؛ لأن الظاهر صحة القسمة، وكذا قاسم
الجزء: 4 - الصفحة: 1157
نصباه بأنفسهما، وإن استحق بعد القسمة معين من حصتيهما على السواء لم تبطل القسمة فيما بقي إلا أن يكون ضرر المستحق في نصيب أحدهما أكثر، كسد طريقه أو مجرى مائه فتبطل القسمة لفوات التعديل.
ومن بنى أو غرس في نصيبه فخرج مستحقا فقلع رجع على شريكه بنصف قيمته في قسمة تراض فقط ولمن خرج في نصيبه عيب جهله إمساك مع أرش كفسخ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1158
فصل في الدعاوي والبينات
الدعاوي: جمع دعوى من الدعاء لغة فهي الطلب 4496، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ 4497 أي: يتمنون ويطلبون 4498، ومنه حديث: "ما بال دعوى الجاهلية" 4499؛ لأنهم كانوا يدعون بها عند الأمر الشديد بعضهم بعضا وهي قولهم: يا لفلان.
والدعوى اصطلاحا: إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء بيد غيره -إن كان المدعى عينا- أو في ذمته -إن كان دينا من قرض أو غصب- ونحوه 4500.
والمدعي: من يطالب غيره بحق من عين أو دين يذكر استحقاقه عليه، ويقال
الجزء: 4 - الصفحة: 1159
أيضا: من [إذا] 4501 ترك ترك.
والمدعى عليه: من يطالب بفتح اللام أي يطالبه غيره بحق يذكر استحقاقه عليه، ويقال: من إذا ترك لا يترك.
والبينة: العلامة الواضحة، كالشاهد فأكثر 4502، وأصل هذا الباب حديث ابن عباس مرفوعا: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" رواه أحمد ومسلم 4503.
ولا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف، وكذا إنكار سوى إنكار سفيه فيما يؤاخذ به حال سفهه وبعد فك حجر عنه، وهو مالا يتعلق بالمال مقصوده كطلاق وحد قذف فيصح منه إنكاره ويحلف إذا أنكر حيث تجب اليمين.
وإذا ادعى كل من اثنين عينا لم تخل من أربعة أحوال: -
أحدها: أن لا تكون بيد أحد ولا ثم ظاهر يعمل به ولا بينة وادعى كل منهما أنها كلها له، حلف كل منهما أنها له لا حق للآخر فيها وتناصفاها، وإن وجد أمر ظاهر
الجزء: 4 - الصفحة: 1160
لأحدهما عمل به فيحلف ويأخذها، فلو تنازعا عرصة 4504 بها شجر أو بناء لهما فهي لهما بحسب البناء والشجر؛ لأن استيفاء المنفعة دليل الملك، والبناء والشجر استيفاء لمنفعة العرصة واستيلاء عليها بالتصرف، وإن كان الشجر أو البناء لأحدهما فالعرصة له وحده لما سبق.
وإن تنازعا جدارا بين ملكيهما حلف كل منهما أن نصفه له ويقرع بينهما إن تشاحا في المبتدئ منهما باليمين، لحديث البخاري عن أبي هريرة "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عرض على قوم اليمين، فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف" 4505، ولا يقدح في حكم المسألة إن حلف أحدهما أو كل منهما أن كله له وتناصفاه كحائط معقود ببنائهما، وإن كان معقود ببناء أحدهما وحده أو متصلا به اتصالا لا يمكن إحداثه عادة أو كان له عليه أزج قال الجوهري: ضرب من
الجزء: 4 - الصفحة: 1161
الأبنية 4506، أو كان له عليه سترة مبنية أو قبة فالجدار له بيمينه، ولا ترجيح بوضع خشبة على الجدار المتنازع فيه؛ لأنه مما يسمح به الجار، وورد الخبر بالنهي عن المنع منه 4507 كإسناد متاعه إليه، ولا بوجود آجر 4508 ولا تزويق 4509 وتجصيص 4510. وإن تنازع رب علو ورب سفل في سقف بينهما تحالفا وتناصفاه لحجزه بين ملكيهما وانتفاعهما به واتصاله ببناء كل منهما كالحائط بين ملكيهما، وإن تنازع رب
الجزء: 4 - الصفحة: 1162
علو ورب سفل في سلم منصوب أو في درجة يصعد منها وليسن تحتها مرفق لصاحب السفل كدكته أو سلم مسمر فالسلم المنصوب والدرجة لرب العلو عملا بالظاهر، إلا أن يكون تحتها مسكن لصاحب السفل فيتحالفان ويتناصفاها، وإن تنازعا الصحن المتوصل منه إلى الدرجة والدرجة بصدره فهو بينهما، وإن كانت الدرجة في الوسط فما إليها من الصحن بينهما وما وراءه من باقي الصحن لرب السفل وحده؛ لأنه لا يد لرب العلو عليه، وكذا لو تنازع رب باب بصدر درب غير نافذ ورب باب بوسطه في الدرب، فمن أوله إلى الباب بوسطه بينهما، وما وراء الباب بوسطه إلى صدره لمن بابه بصدره لما تقدم.
الحال الثاني: أن تكون العين بيد أحدهما فهي له، ويحلف أنه لاحق فيها للآخر إن لم تكن لمن العين بغيريده بينة لخبر: "شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك" 4511، ولأن الظاهر من اليد الملك فإن كان للمدعي يينة حكم له بها، وإن سأل المدعى عليه الحاكم كتابة محضر بما جرى أجابه إليه وجويا وذكر فيه أن العين بقيت بيده لم يثبت ما يرفعها، ولا يثبت ملك بذلك كما يثبت ببينة فلا شفعة له بمجرد اليد؛ لأن الظاهر لا تثبت به الحقوق لاحتمال خلافه وإنما ترجح به الدعوى.
الحال الثالث: أن تكون العين المتنازع فيها بيديهما كل منهما ممسك لبعضها أو تكون في غير يد أحدهما ولا بينة لهما فيحلف كل منهما ويتناصفانها، لحديث أبي موسى: "أن رجلين اختصما إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في دار ليس لأحدهما
الجزء: 4 - الصفحة: 1163
بينة، فجعلها بينهما نصفين" رواه الخمسة إلا الترمذي 4512، وكذا إن نكل كل منهما عن اليمين فهما سواء فلا مرجح لأحدهما على الآخر؛ لأن كل واحد يستحق ما في يد الآخر بنكوله عن اليمين له، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر قضي له بجميعها إلا أن يدعي أحدهما نصفها فأقل والآخر الجميع أو أكثر مما بقي، فيحلف مدعي الأقل وحده ويأخذه لأنه يدعي أقل مما بيده ظاهرا أشبه ما لو انفرد باليد، وإن كان الذي بيديهما مميز مجهول النسب فقال: إني حر خلي سبيله حتى تقوم بينة برقه؛ لأن الأصل في بني آدم الحرية، والرق طارئ، فإن قويت يد أحد المتنازعين في عين بأيديهما كحيوان أحدهما سائقه أو آخذ بزمامه وآخر راكبه أو عليه حمله فللثاني بيمينه؛ لأن تصرفه أقوى ويده آكد، وهو المستوفي لمنفعة الحيوان، أو واحد منهما عليه حمله وآخر راكبه فللثاني الراكب بيمينه لقوة تصرفه، وإن اتفقا على أن الدابة
الجزء: 4 - الصفحة: 1164
للراكب وادعى كل منهما ما عليها من الحمل فهو للراكب بيمينه؛ لأن يده على الدابة والحمل معا، أو ادعيا قميصا واحد آخذ بكمه وآخر لابسه فهو للثاني بيمينه لما تقدم، فإن كان كمه بيد أحدهما وباقيه بيد الآخر، أو تنازعا عمامة طرفها بيد أحدهما وباقيها بيد الآخر فهما سواء فيهما.
وإن تنازع اثنان دارا فيها أربعة أبيات أحدهما ساكن في بيت منها والآخر ساكن في الثلاثة فلكل منهما ما هو ساكن فيه، وإن تنازعا الساحة التي يتطرق منها إلى البيوت فهي بينهما بالسوية لاشتراكهما في ثبوت اليد عليها.
ويعمل بظاهر الحال فيما بيد المتنازعين مشاهدة أو حكما، أو بيد واحد منها مشاهدة والآخر حكما، وتأتي أمثلة ذلك، فلو نوزع رب دابة في رحل عليها وكل منهما آخذ ببعضه فهو لرب الدابة بيمينه؛ لأن ظاهر الحال عادة أن الرحل لصاحب الدابة، أو نوزع رب قدر ونحوه في شيء فيه مع اتفاقهما على أن القدر لأحدهما فما فيه له بيمينه عملا بظاهر الحال، ولو نازع رب دار خياطا فيها في إبرة أو في مقص فللثاني لما تقدم.
وإن تنازع مكتر ومكر لدار في رف مقلوع له شكل في الدار أو تنازعا في مصراع مقلوع له شكل منصوب في الدار فهو لربها بيمينه؛ لأن المنصوب تابع للدار، والظاهر أن أحد الرفين أو أحد المصراعين لمن له الآخر؛ لأن أحدهما لا يستغني عن صاحبه كالحجر الفوقاني في الرحى والمفتاح مع القفل، وإلا يكن معهما شكل منصوب في الدار فهما بينهما بيمينهما، وما جرت عادة به ولو لم يدخل في بيع
الجزء: 4 - الصفحة: 1165
الدار فهو لربها، وإلا تجر العادة بأنه لمكر كالأثاث والأواني والكتب فهو لمكتر بيمينه؛ لأن العادة أن الإنسان يكري داره فارغة.
ولو تنازع زوجان أو ورثتهما أو تنازع أحدهما وورثة الآخر ولو مع رق أحدهما نصا 4513 في قماش البيت ونحوه فادعى كل منهما أنه كله له، فإن كان لأحدهما بينة بشيء أخذه، وإلا تكن بينة فما يصلح لرجل كعمامة وقمصان رجال وجيابهم وأقبيتهم والسلاح وأشباهه فهو للزوج، وما يصلح للمرأة من حلي وقمص نساء ومقانعهن ومغازلهن فهو للزوجة، وصالح لهما كفرش وقماش لم يفصل وأوان ونحوها فهو بينهما سواء كان بيديهما من طريق الحكم أو المشاهدة، نقل الأثرم: "المصحف لهما فإن كانت لا تقرأ ولا تعرف بذلك فله".
4514 فإن كان المتاع بيد غيرهما فمن أقام به بينة فهو له، وإن لم تكن بينة أقرع، فمن قرع حلف وأخذه.
وكذا إن تنازع صانعان في آلة دكانهما فآلة كل صنعة لصانعها، كنجار وحداد بدكان وتنازعا في آلتهما أو بعضها فآلة النجارة للنجار وآلة الحداد للحداد سواء كانت أيديهما على الآلة من طريق الحكم أو طريق المشاهدة عملا بالظاهر، فإن لم تكن يد حكمية كرجل وامرأة تنازعا شيئا ليس بدارهما أو صانعان تنازعا آلة ليست بدكانهما
الجزء: 4 - الصفحة: 1166
فلا يرجح أحدهما بشيء مما ذكر بل إن كان بيد أحدهما فله، أو بيديهما فبينهما، أو في يد غيرهما ولم ينازع أقرع.
وكل من قلنا هو له فهو بيمنيه لاحتمال صدق غريمه إن لم يكن لأحدهما بينة، ومتى كان لأحدهما بينة حكم له بها ولم يحلف لحديث الحضرمي والكندي 4515، ولأن البينة أحد حجتي الدعوى فيكتفى بها كالعين، وإن كان لكل من المتنازعين بينة وتساوتا من كل وجه تعارضتا وتساقطتا؛ لأن كلا منهما تنفي ما تثبته الأخرى فلا يمكن العمل بهما ولا بأحدهما فيسقطان ويصيران كمن لا بينة لهما، فيتحالفان ويتناصفان ما بأيديهما، لحديث أبي موسى: "أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فبعث كل منهما شاهدين، فقسمه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بينهما" رواه أبو داود 4516.
ويقرع بين المتنازعين إذا أقام كل منهما بينة فيما ليس بيد أحد أو بيد ثالث ولم
الجزء: 4 - الصفحة: 1167
ينازع، فمن قرع حلف وأخذه، روي عن ابن عمر وابن الزبير 4517، وإن كان المتنازع فيه بيد أحدهما وأقام كل منهما بينة أنه له حكم به للمدعي وهو الخارج ببينته سواء أقيمت بينة منكر وهو الداخل بعد رفع يده أو لا، وسواء شهدت له أنها نتجت في ملكه أو أنها مطيعة من إمام أو لا، لحديث: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" 4518 فجعل جنس البينة في جنبة المدعي فلا يبقى في جنبة المدعى عليه بينة، ولأن بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها كتقديم بينة الجرح على التعديل، ووجه كثرة فائدتها أنها تثبت سببا لم يكن، وبينة المنكر إنما تثبت ظاهرا تدل عليه اليد، فيجوز أن يكون مستندها رؤية اليد والتصرف، ولا يحلف الخارج مع بينته كما لو لم تكن بينة داخل، وتسمع بينة رب اليد وهو منكر لدعوى الخارج لادعائه الملك لما بيده، وكذا من ادعي عليه تعديا ببلد ووقت معينين وقامت به بينة وهو منكر فادعى كذبها وأقام بينة أنه كان بذلك الوقت بمحل بعيد من ذلك البلد فتسمع ويعمل بها، قال في "الانتصار" 4519: "لا تسمع إلا بينة مدع باتفاقنا".
ولا تسمع بينة داخل مع عدم بينة خارج لعدم حاجته إليها كما لو أقر مدعى عليه، ومع حضور البينتين لا تسمع بينة داخل قبل بينة خارج وتعديلها صححه في "الإنصاف".
4520 وتسمع بعد
الجزء: 4 - الصفحة: 1168
التعديل قبل الحكم وبعده قبل التسليم وتقدم عليها بينة الخارج، وإن كانت بينة المنكر غائبة حين رفعنا يده عن المدعى به فجاءت وقد ادعى فيه ملكا مطلقا غير مستند لحال وضع يده وأقام بينة فهي بينة خارج فتقدم على بينة المدعي الأول، وإن ادعى الملك مستندا لما قبل وضع يده وأقامها فهي بينة داخل فتقدم بينة المدعي عليها لاستناد دعوى المنكر إلى حال وضع يده، وإن أقام الخارج بينة أنه اشتراها من الداخل وأقام الداخل بينة أنه اشتراها من الخارج قدمت بينة الداخل؛ لأنه الخارج معنى لإثبات البينة أن المدعي صاحب اليد وأن يد الداخل نائبة عنه، وإن أقام الخارج بينة أنها ملكه وأقام الداخل بينة أنه باعها منه أو وقفها عليه أو أعتقها قدمت البينة الثانية لشهادتها بأمر حدث على الملك خفي على الأولى كقوله: أبرأني من الدين ويقيم به بينة، أما لو قال: لي بينة غائبة بأنه باعه مني أو وقفه علي طولب بالتسليه للمدعي به؛ لأن تأخيره يطول وقد يكون كاذبا، ومتى أرخ كل من البينتين والعين بيديهما في شهادة بملك أو بيد أو أرخت إحداهما فقط فهما سواء، لحديث أبي موسى: "أن رجلين اختصما إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بعير، فأقام كل واحد منهما شاهدين، فقضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالبعير بينهما نصفين" رواه أبو داود 4521، ولأن كلا منهما داخل في نصف العين خارج في نصفها إلا أن تشهد المتأخرة تاريخا بانتقال الملك عن المشهود له بالملك المتقدم، ولا تقدم إحدى البينتين بزيادة نتاج بأن شهدت بأنها بنت فرسه أو ناقته نتجت في ملكه والأخرى شهدت بالملك فقط، ولا تقدم بزيادة سبب ملك بأن شهدت
الجزء: 4 - الصفحة: 1169
إحداهما أنه ملكها بالبيع ونحوه والأخرى بالملك فقط بل هما سواء لتساويهما فيما يرجع إلى المختلف فيه وهو ملك العين الآن فتساويا في الحكم، ولا تقدم إحداهما باشتهار عدالة أو كلثرة عدد ولا رجلان على رجل وامرأتين أو على رجل ويمين؛ لأن الشهادة مقدرة بالشرع فلا تختلف بالزيادة، ومتى ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد وهي ملكه وادعى الآخر أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه وأقاما بذلك بينتين تعارضتا إن لم تكن بيد أحدهما، ثم إن كانت العين بأيديهما تحالفا وتناصفاها، وإن كانت بيد ثالث لم ينازع أقرع بينهما، فمن قرع حلف وأخذها، وإن كانت بيد أحدهما فهي للخارج ببينته، وإن شهدت إحداهما بالملك والأخرى بانتقاله منه له قدمت الناقلة لشهادتها بأمر زائد على الملك خفي على الأخرى كما تقدم، كتقدم بينة ملك على بينة يد.
الحال الرابع: أن تكون العين المتنازع فيها بيد ثالث، فإن ادعاها لنفسه وأنكرهما حلف لكل منهما يمينا، فإن نكل عنهما أخذاها منه أو بدلها إن تلفت بتفريطه وهو ترك اليمين للأول أشبه ما لو أتلفها واقترعا عليها أو بدلها؛ لأن المحكوم له بالعين غير معين، وإن أقر الثالث بالعين لهما أخذاها منه واقتسماها نصفين وحلف كل منهما يمينا بالنسبة إلى النصف الذي أقر به لصاحبه؛ لأنه يدعيه له كما لو أقر بها لأحدهما فإنه يحلف للآخر وحلف كل من المدعين لصاحبه على النصف المحكوم له به كما لو كانت العين بأيديهما ابتداء، وإن نكل المقر بالعين لهما عن اليمين لكل منهما أخذا منه بدلها واقتسماه أيضا كما لو أقر لكل منهما بالعين، وإن أقر لأحدهما بعينه بالعين جميعها.
الجزء: 4 - الصفحة: 1170
حلف المقر له أنه لا حق لغيره فيها وأخذها؛ لأنه بالإقرار له صار كأن العين بيده والآخر مدع عليه وهو ينكره فيحلف له لنفي دعواه، ويحلف المقر للآخر إن طلب يمينه؛ لأنه يمكن أن يخاف من اليمين فيقر له فيغرم له بدلها، فإن نكل عن اليمين أخذ منه بدلها بنكوله وإذا أخذها المقر له فأقام المدعي الآخر بينة أنها ملكه أخذها منه لثبوت ملكه لها، وإن قال من العين بيده: هي لأحدهما وأجهله فصدقاه لم يحلف لتصديقهما له وإلا يصدقاه حلف لهما يمينا واحدة؛ لأن صاحب الحق منهما واحد غير معين، ولا يلزمه اليمين إلا بطلبهما جميعا؛ لأن المستحق منهما لليمين غير معين ويقرع بينهما، فمن قرع حلف وأخذها نصا 4522 لحديث: "أن رجلين تداعيا في دابة ليس لواحد منهما بينة، فأمرهما رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يستهما على اليمين أحبا أو كرها" رواه أحمد وغيره 4523، ولأن المقر له بها يصير صاحب اليد وهو غير معين فيعين بالقرعة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1171
فصل
ومن بيده عبد ادعى أنه اشتراه من زيد وادعى العبد أن زيدا أعتقه وأقام كل بينة صححنا أسبق التصرفين إن علم التاريخ، أو ادعى شخص أن زيدا باعه العبد أو وهبه له وادعى آخر مثله وأقام كل منهما بينة بدعواه صححنا أسبق التصرفين إن علم التاريخ لمصادفة التصرف الثاني ملك غيره فوجب بطلانه، وإلا يعلم التاريخ أو اتفق تساقطتا لتعارضهما وعدم المرجح، وكذا إن كان العبد بيد نفسه نصا 4524 إلغاء لهذه اليد للعلم بمستندها وهو الدعوى ولم تثبت، كمن بيده عبد ادعى أنه اشتراه من زيد وأنكره زيد فلا يحكم بهذه اليد.
ولو ادعيا زوجية امرأة فأنكرتهما أو أحدهما دون الآخر وأقام كل منهما بينة بدعواه ولو كانت المرأة بيد أحدهما سقطتا لتعارضهما واليد لا تثبت على الحر 4525، وإن أقرت لأحدهما لم تقبل؛ لأنها متهمة، وإن كان لأحدهما بينة وحده حكم له بها، وإن ادعاها واحد فصدقته قبل إقرارها؛ لأنها غير متهمة إذن.
ولو أقام كل ممن العين بيده بينة بشرائها من زيد وهي ملكه بكذا واتحد تاريخهما
الجزء: 4 - الصفحة: 1172
تحالفا وتناصفاها؛ لأن بينة كل منهما داخلة في أحد النصفين خارجة في الآخر، ولكل منهما أن يرجع على زيد بنصف الثمن الذي دفعه له؛ لأنه لم يسلم له سوى نصف المبيع، ولكل منهما أن يفسخ البيع لتبعض الصفقة عليه ويرجع من فسخ منهما بكل الثمن، ولكل منهما أن يأخذ كل العين بكل الثمن مع فسخ الآخر، وإن سبق تاريخ سنة إحداهما فهي له لصحة عقده بسبقه وللثاني على بائعه الثمن إن كان قبضه منه لتبين بطلان بيعه، وإن أطلق بينتاهما أو أطلقت إحداهما تعارضتا في ملك إذن لا في شراء لجواز تعدد بخلاف الملك، فيقبل من البائع لهما دعواهما لنفسه بيمين واحدة لهما أن العين لم تخرج عن ملكه.
وإن ادعى اثنان ثمن عين بيد ثالث كل منهما يقول: أنه أشتراها منه بثمن سماه فمن صدقه منهما أو أقاء بينة أخذ ما ادعاه من الثمن، وإلا يصدق واحدا منهما ولا أقام واحد منهما بينة حلف لكل منهما يمينا لجواز تعدد العقد، وإن أقاما بينتين وهو منكر دعواهما فإن اتحدا تاريخا تعارضتا وتساقطتا لعدم إمكان الجمع بينهما، ويكون كما لو ادعيا عينا بحد ثالث وأقاما بينتين، وإن اختلف تاريخهما أو أطلقتا أو احداهما عمل بالبينتين؛ لأن الظاهر أنهما عقدان شهد بهما بينتان في عين واحدة على مشتر واحد، وعقد الشراء فيه دليل على اعتراف المشتري للبائع بالملك، ومن الجائز أن يكون اشتراه من الأول، ثم انتقل منه ببيع أو هبة إلى الثاني، ثم اشتراه من الثاني فلا تعارض، ويلزمه الثمنان المدعى بهما.
وإن كانت عين بيد إنسان فادعاها اثنان فقال أحدهما: غصبنيها، وقال
الجزء: 4 - الصفحة: 1173
الآخر: ملكنيها أو أقر لي بها وأقاما بينتين فهي لمغصوب منه؛ لأن مع بينته زيادة علم وهو سبب ثبوت اليد، والبينة الأخرى إنما تشهد بتصرفه فيها فلا تعارضها، ولا يغرم المدعى عليه للآخر شيئا لعدم مقتضيه، إذ بطلان التمليك أو الإقرار بثبوت ملك الغير بغير فعله لا يوجب عوضا بخلاف البيع فإنه يوجب رد الثمن؛ لأنه أخذه بغير حق، وإن قال كل من المدعيين: غصبنيها وأقاما بينتين فكما لو ادعى كل منهما أنه اشتراهما منه على ما سبق.
وإن ادعى رب دار أنه أجره بيتا معينا من الدار بعشرة فقال المستأجر: بل أجرتني كل الدار بعشرة، وأقاما بينتين تعارضتا ولا يقتسمان بقية منفعة الدار، قال الشيخ منصور: "قلت: والظاهر أن القول قول المؤجر بيمنه؛ لأنه ينكر إجارة غير البيت".
انتهى 4526.
الجزء: 4 - الصفحة: 1174
فصل في تعارض البينتين
وهو التعادل من كل وجه، يقال: تعارضت البينتان إذا تقابلتا أي أثبتت كل منهما ما نفته الأخرى حيث لا يمكن الجمع بينهما فيتساقطان، وعارض زيد عمرا إذا أتاه بمثل ما أتى به 4527. إذا قال لعبده: متى قتلت فأنت حر فادعى العبد أنه قتل وأنكر ورثته فالقول قولهم إن لم تكن له بينة: لأن الأصل عدم القتل، وإن أقام كل منهما بينة بما ادعاه قدمت بينة العبد وعتق: لأن مع بينته زيادة وهو القتل، وإن لم تكن له بينة فله تحليفهم على نفي العلم.
وإن قال سيد عبدين فأكثر: إن مت في المحرم فسالم حر وإن مت في صفر فغانم حر ثم مات وأقام كل منهما بينة بموجب عتقه تساقطتا؛ لأن كلا منهما تنفى ما أثبتته الأخرى ورقا لجواز موته في غير المحرم وصفر، وإن علم موته في إحدى الشهرين وجهل أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة عتق ورق الآخر، وإن قال: إن مت في مرضي هذا فسالم حر وإن برئت منه فغانم حر ثم مات وأقاما بينتين تساقطتا ورقا لنفي كل منهما ما أثبتته الأخرى، وإن جهل ثم مات ولا بينة أقرع بينهما، فيعتق من خرجت له القرعة؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون بريئا أو لم يبرأ، فيعتق أحدهما على كل حال، وكذا إن أتى بمن بدل في التعارض، وأما في صورة الجهل وعدم البينة فيعتق سالم؛ لأن الأصل دوام المرض وعدم البرء.
الجزء: 4 - الصفحة: 1175
وإن شهدت 4528 بينة على ميت أنه وصى بعتق سالم وأخرى على أنه وصى بعتق غانم وكل واحد من سالم وغانم ثلث ماله ولم تجز الورثة عتقهما عتق أحدهما بقرعة لثبوت الوصية بعتق كل منهما، والإعتاق بعد الموت كالإعتاق في مرض الموت، وقد ثبت الإقراع بينهما فيه لحديث عمران بن حصين 4529، فكذا الإعتاق بعد الموت لاتحاد المعنى فيهما، فإن أجاز الورثة الوصيتين عتقا؛ لأن الحق لهما كما لو أعتقوهما بعد موته.
ومن مات عن ابنين مسلم وكافر فادعى كل منهما أنه مات على دينه فإن عرف أصله من إسلام وكفر قبل قول مدعيه، وإن لا يعرف أصل دينه فميراثه للكافر إن اعترف المسلم بأخوته أو ثبتت ببينة؛ لأن المسلم لا يقر ولده على الكفر في دار الإسلام ولاعترافه بكفر أبيه فيما مضى وادعائه إسلامه فجعل أصل دينه الكفر، والأصل بقاؤه عليه، وإلا يعترف المسلم بأخوته ولا ثبتت ببينة فميراثه بينهما لاستوائهما في اليد والدعوى، وإن جهل أصل دينه وأقام كل منهما بينة بدعواه تساقطتا وتناصفا التركة كما لو لم تكن بينة، وإن قالت بينة: نعرفه مسلما وأخرى نعرفه كافرا ولم تؤرخا وجهل أصل دينه فميراثه للمسلم لإمكان العمل بالبينتين، إذ الإسلام يطرأ على الكفر
الجزء: 4 - الصفحة: 1176
وعكسه خلاف الظاهر؛ لأن المرتد لا يقر على ردته، وتقدم البينة الناقلة إذا عرف أصل دينه فيهن؛ لأن معها علما لم تعلمه الأخرى كما تقدم في نظائره، ولو شهدت بينة أنه مات ناطقا بكلمة الإسلام وأخرى أنه مات ناطقا بكلمة الكفر تساقطتا سواء عرف أصل دينه أو لا.
ومن أسلم وادعى تقدم إسلامه على موت مورثه المسلم، أو ادعى تقدم إسلامه على قسم تركته قبل منه ببينة أو تصديق وارث معه لدعواه، وإلا فلا؛ لأن الأصل بقاؤه على كفره فالقول قول أخيه المسلم بيمينه لأنه منكر.
وإن قال من كان كافرا: أسلمت في محرم ومات مورثي في صفر، وقال الوارث: مات قبل محرم ورث لاتفاقهما على الإسلام في المحرم واختلافهما في الموت هل كان قبله أو بعده، والأصل بقاء حياة الأب فالقول قول مدعي تأخر الموت.
ولو خلف حر ابنا حرا وابنا كان قنا فادعى الذي كان قنا أنه عتق وأبوه حي ولا بينة له صدق أخوه في عدم ذلك؛ لأن الأصل بقاء الرق، وإن ثبت عتق برمضان فقال الحر: مات أبي بشعبان وقال العتيق: بل بشوال صدق العتيق؛ لأن الأصل بقاء حياة الأب إلى شوال، وتقدم بينة الحر مع التعارض؛ لأن معها زيادة علم.
وإن شهد اثنان على اثنين بقتل فشهدا على الأولين به فصدق الولي الأولين فقط حكم له بهما لرجحانهما بتصديق المشهود له، وإن صدق الجميع أو الأخيرين أو كذب الجميع أو الأولين فقط فلا شيء له لسقوط شهادة المشهود عليهما لاتهامهما بالدفع عن
الجزء: 4 - الصفحة: 1177
أنفسهما بذلك، وتصديق الولي لهما غير معتبر، وكذا لو صدق الجميع بأن قال: قتلوه كلهم؛ لأن كلا من البينتين تدفع عن نفسها القتل بالشهادة فلا تقبل، وكذا لو كذب الجميع؛ لأنه يصير كمن لا بينة له.
وإن شهدت بينة بتلف ثوب وقالت: قيمته عشرون وشهدت أخرف أن قيمته ثلاثون ثبت الأقل لاتفاقهما عليه دون الزائد لاختلافهما فيه، وكذا لو كان بكل قيمة شاهد واحد فيثبت الأقل لما تقدم.
الجزء: 4 - الصفحة: 1178
(كتاب الشهادات)
مشتقة من المشاهدة، واحدها شهادة لإخبار الشاهد بما يشاهده، يقال: شهد الشيء إذا رآه 4530.
وأجمعوا على قبول الشهادة في الجملة 4531؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية 4532 وحديث: "شاهداك أو يمينه" 4533 ولدعاء الحاجة إليها لحصول التجاحد، قال شريح: "القضاء جمر فنحه عنك بعودين -يعني الشاهدين- وإنما الخصم داء والشهود دواء فأفرغ الشفاء على الداء".
4534
والشهادة حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه بل الحاكم يلزم به بشرطه، فهي الإخبار بما علمه الشاهد بلفظ خاص كشهدت أو أشهد ويأتي.
(تحملها) أي الشهادة على المشهود به (في غير حق اللَّه) تعالى ما لا كان
الجزء: 4 - الصفحة: 1179
حق الآدمي كالبيع والقرض والغصب أو غيره كحد قذف (فرض كفاية) إذا قام به من يكفي سقط عن غيره، فإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه ولو عبدا وليس لسيده منعه لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ 4535 قال ابن عباس وقتادة والربيع: "المراد به التحمل للشهادة وإثباتها عند الحاكم" 4536 ولدعاء الحاجة إلى ذلك في إثبات الحقوق والعقود كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولئلا يؤدي إلى امتناع الناس من تحملها فيؤدي إلى ضياع الحقوق.
وتطلق الشهادة على التحمل والأداء فيكون الأداء أيضا فرض كفاية قدمه الموفق 4537 وجزم [به] 4538 جمع، وظاهر الخرقي أنه فرض عين 4539، فلذلك قال: (وأداؤها) أي الشهادة (فرض عين) قال في "الفروع" 4540: "ونصه أنه فرض عين".
قال في
الجزء: 4 - الصفحة: 1180
"الإنصاف" 4541: "وهو المذهب".
لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ 4542، وخص القلب بالإثم؛ لأنه محل العلم بها، ويجبان إذا دعي إليهما لدون مسافة قصر (مع القدرة) على التحمل أو الأداء (بلا ضرر) يلحقه، فإن كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء في بدنه أو ماله أو أهله، أو كان ممن لا يقبل الحاكم شهادته، أو يحتاج إلى التبذل في التزكية لم يلزمه لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ 4543، ولأنه لا يلزمه ضر نفسه بنفع غيره، وإن كان الحاكم غير عدل فقال أحمد: "كيف أشهد عند رجل ليس عدلا" 4544. وروى الطبراني عن أبي هريرة مرفوعا: "يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة، ووزراء فسقة، وقضاة خونة، وفقهاء كذبة، فمن أدرك منكم ذلك الزمان فلا يكون لهم كاتبا، ولا عريفا، ولا شرطيا" 4545 فلو أدى شاهد وأبى الآخر وقال: احلف بدلي
الجزء: 4 - الصفحة: 1181
أثم، ويختص الأداء بمجلس الحكم.
ولا يقيمها على مسلم بقتل كافر، قاله في "الفروع" 4546، وظاهره يحرم، ولعل المراد عند من يقتله به، ومتى وجبت الشهادة وجبت كتابتها لئلا ينساها، وإن دعي فاسق لتحمل الشهادة فله الحضور مع عدم غيره إذ التحمل لا يعتبر له العدالة، فلو لم يؤدها حتى صار عدلا قبلت، ولا يحرم أداء الفاسق الشهادة ولو لم يكن فسقه ظاهرا؛ لأنه لا يمنع صدقه.
(وحرم أخذ أجرة) على الشهادة (و) أخذ (جعل عليها) ولو لم تتعين عليه؛ لأنها فرض كفاية كصلاة الجنازة، و (لا) يحرم أخذ (أجرة مركوب لمتأذ بمشي) إلى محلها من رب الشهادة، ومن عنده شهادة بحد للَّه تعالى كزنا وشرب فله إقامتها وتركها؛ لأن حقوق اللَّه مبينة على المسامحة، والستر مأمور به، ولذلك اعتبر في الزنا أربعة رجال وشدد فيه على الشهود ما لم يشدد على غيرهم طلبا للستر، واستحب القاضي وأصحابه وأبو الفرج والشيخ و"الترغيب" 4547: "الترك للترغيب في الستر" وللحاكم أن يعرض للشهود بالتوقف عنها كتعريضه لمقر بحد للَّه ليرجع عن إقراره لتعريض عمر
الجزء: 4 - الصفحة: 1182
لزياد 4548 بالرجوع، وتقبل الشهادة بحد قديم، ومن عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يقمها حتى يسأله رب الشهادة إقامتها، لحديث: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم ياتي قوم ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون" رواه البخاري 4549، وإلا يعلم رب الشهادة بأن له عنده شهادة استحب إعلامه قبل إقامتها، وله إقامتها قبل إعلامه، لحديث: "ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها" رواه مسلم 4550، وحمل هذا
الجزء: 4 - الصفحة: 1183
الحديث على ما إذا ما لم يعلم رب الشهادة، والأول على ما إذا علم جمعا بينهما، ويحرم على من عنده شهادة بحق آدمي لا يعلمها كتمها للآية فيقيمها بطلبه ولو لم يطلبها حاكم منه لما تقدم، ولا يقدح أداء الشاهد بلا طلب حاكم وبلا طلب مشهود له لم يعلم به فيه كشهادة حسبة للَّه تعالى من غير تقدم دعوى.
(و) حرم (أن يشهد إلا بما يعلمه) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ 4551 قال المفسرون: وهو يعلم ما شهد به عن بصيرة وإيقان 4552، وقال ابن عباس: "سئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الشهادة قال: ترى الشمس؟ قال: على مثلها فاشهد أو دع" 4553 رواه الخلال في جامعه 4554، والمراد العلم في أصل المدرك لا في = صاحبها، كتاب الأحكام برقم (2364) سنن ابن ماجة 2/ 792، ومالك، باب ما جاء في الشهادات، كتاب الأقضية برقم (1426) الموطأ ص 471، وأحمد برقم (16592) المسند 5/ 91 - 92.
الجزء: 4 - الصفحة: 1184
دوامه، فمدركه العلم الذي تكون له الشهادة يكون (برؤية أو سماع) غالبا لجوازها ببقية الحواس كالذوق واللمس، فإن تحمل الشهادة على من يعرفه بعينه واسمه ونسبه جاز أن يشهد عليه مع حضوره وغيبته، وإن جهل حاضرا جاز أن يشهد عليه في حضرته فقط بمعرفته عينه نصا 4555، وإن كان غائبا فلا يشهد حتى يعرف اسمه، فإن عرفه به من يسكن إليه ولو واحدا جاز له أن يشهد عليه ولو امرأة لحصول المعرفة به، ولا تعتبر إشارته إلى حاضر مع ذكر نسبه ووصفه اكتفاء بهما، فإن لم يذكرهما أشار إليه لحصول التعيين.
وإن شهد شاهد بإقرار بحق لم يعتبر لصحة الشهادة ذكر سببه ولا قوله طوعا في = ينظر: طبقات الحنابلة 2/ 12 - 15، والمطلع ص 430 - 431، وسير أعلام النبلاء 14/ 297 - 298، والدر المنضد ص 17.
الجزء: 4 - الصفحة: 1185
صحته مكلفا عملا بالظاهر، والرؤية تختص بالفعل كقتل وسرقة وغصب وشرب خمر ورضاع وولادة وعيوب مرئية في نحو مبيع؛ لأنه يمكن الشهادة على ذلك قطعا فلا يرجع إلى غيره.
والسماع ضربان: -
الأول: سماع من مشهود عليه كعتق وطلاق وعقد من نكاح وغيره وإقرار بمال ونسب وحد وقود ورق وغير ذلك، فيلزمه الشهادة بما سمع سواء استشهده مشهود عليه أو لا لئلا يمتنع ثبوت الغصب وسائر ما يتضمن العدوان فإن فاعلها لا يشهد بها على نفسه، أو كان الشاهد مستخفيا أو لا، فمن عنده حق ينكره بحضرة من يشهد عليه فسمع إقراره من لا يعلم به المقر جاز أن يشهد عليه بما سمعه منه.
الضرب الثاني: ما ذكره بقوله: (أو استفاضة) ما يشتهر المشهود به بين الناس فيتسامعون به بإخبار بعضهم بعضا، ولا يجوز لأحد أن يشهد باستفاضة إلا إن سمع ما يشهد به (عن عدد يقع به) أي بخبره (العلم)؛ لأن لفظ الاستفاضة مأخوذ من فيض الماء لكثرته 4556، قال في "شرح المنتهى" لمصنفه 4557: "ويكون ذلك العدد عدد التواتر؛ لأنها شهادة فلا يجوز أن يشهد بها من غير علم لقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ
الجزء: 4 - الصفحة: 1186
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} " 4558 ومن قال: شهدت بالاستفاضة ففرع، ذكره في "الفروع" 4559 و"الإنصاف" 4560 و"التنقيح" 4561، وإنما تصح شهادة الاستفاضة (فيما يتعذر علمه غالبا بغيرها) أي الاستفاضة (كنسب) إجماعا 4562، وإلا لاستحالت معرفته إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغير ذلك، ولا يمكن المشاهدة فيه وكولادة (وموت ونكاح) وملك مطلق إذ الولادة قد لا يباشرها إلا المرأة الواحدة، والموت قد لا يباشره إلا الواحد ممن يحضره ويتولى غسله وتكفينه، والملك قد يتقادم سببه، فتوقف الشهادة في ذلك على المباشرة يؤدي إلى التعسر خصوصا مع طول الزمن، وكنكاح عقدا ودواما (وطلاق) وخلع نصا فيهما 4563؛ لأنه مما يشيع ويشتهر غالبا، والحاجة داعية إليه، (ووقف) بأن يشهد أن هذا وقف زيد لا أنه
الجزء: 4 - الصفحة: 1187
وقفه، (ومصرفه) أي الوقف وما أشبه ذلك، قال الخرقي: "وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به" 4564. ولأن هذه الأشياء تتعذر الشهادة عليها غالبا بمشاهدتها ومشاهدة أسبابها أشبهت النسب، وكونه يمكن العلم بمشاهدة سببه لا ينافي التعذر غالبا.
ومن رأى شيئا بيد إنسان يتصرف فيه مدة طويلة كتصرف مالك من نقض وبناء وإجارة وإعارة فله الشهادة بالملك؛ لأن تصرفه فيه على هذا الوجه بلا منازع دليل على صحة الملك كمعاينة سبب الملك من بيع فيه وارث، وإلا يراه يتصرف كما ذكر فإنه يشهد له باليد والتصرف؛ لأن ذلك لا يدل على الملك غالبا.
(و) من شهد بعقد (اعتبر ذكر شروط مشهود به) للاختلاف فيها، فربما اعتقد الشاهد صحة ما لا يصح عند القاضي، فيعتبر في نكاح يشهد به أنه تزوجها برضاها إن لم تكن مجبرة وذكر بقية الشروط كوقوعه بولي مرشد وشاهدي عدل حال خلوها من الموانع، وفي شهادة رضاع عدد الرضعات وأنه يشرب من ثديها أو من لبن حلب منه للاختلاف في الرضاع المحرم، ولا بد من ذكر أنه في الحولين، فإن شهد أنه ابنها من الرضاع لم يكف، وفي قتل ذكر القاتل وأنه ضربه بسيف فقتله أو جرحه فقتله أو أنه مات من ذلك، ولا يكفي أن يشهد أنه جرحه فمات لجواز موته بغير جرحه، وفي زنا ذكر مزني بها، وأين؟ وكيف؟ وفي أي وقت زنا؟ لاحتمال أن يشهد أحدهما بزنا غير الذي شهد به غيره فلا تلفق وأنه رأى ذكره في فرجها لئلا يعتقد الشاهد ما ليس بزنا
الجزء: 4 - الصفحة: 1188
زنا، ويقال: زنت العين واليد والرجل كما تقدم 4565.
وإن شهد أن هذا ابن أمته لم مجكم له به لجواز أن تكون ولدته قبل أن يملكها حتى يقولا: وأنها ولدته وهي في ملكه وكذا ثمرة شجرته، وإن شهدا أن هذا الغزل من قطنه، أو أن هذا الدقيق من حنطته، أو أن هذا الطير من بيضته حكم له به؛ لأنه لا يتصور أن يكون الغزل أو الدقيق أو الطير من قطنه أو حنطته أو بيضته قبل ملكه للقطن أو الحنطة أو البيضة، ولا يحكم له بالبيضة إن شهدا أن هذه البيضة من طيره حتى يشهدا أنها باضتها في ملكه، أو يشهدا أنه اشترى هذا العبد أو هذا الثوب ونحوه من زيد حتى يقولا: وهو في ملكه.
ومن ادعى إرث ميت فشهد شاهدان أنه وارثه لا يعلمان وارثا غيره، أو قالا: في هذا البلد سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أو لا سلم المال إليه بغير كفيل لثبوت إرثه، والأصل عدم الشريك، ويسلم إليه المال بكفيل إن شهدا بأنه وارثه فقط، ثم إن شهدا لآخر أنه وارثه شارك الأول في إرث الميت، قال الموفق في فتاويه 4566: "إنما احتاج إلى بيان لا وارث سواه؛ لأنه يعلم ظاهرا، فإنه بحكم العادة يعلمه جاره ومن يعلم باطن أمره بخلاف دينه على الميت فلا يحتاج إلى إثبات أن لا دين عليه سواه لخفاء الدين، ولأن جهات الإرث يمكن الاطلاع عليها عن يقين".
الجزء: 4 - الصفحة: 1189
وإن شهد اثنان أن هذا ابن الميت لا وارث له غيره، وشهد آخران أن هذا ابنه لا وارث له غيره قسم الإرث بينهما ولا تعارض لجواز أن تعلم كل بينة ما لم تعلمه الأخرى، وإن شهدا أنه طلق واحدة من نسائه ونسيا عينها، أو أنه أعتق من أرقائه رقبة ونسيا عينها، أو أنه أبطل من وصاياه واحدة ونسيا عينها لم تقبل شهادتهما؛ لأنها بغير معين فلا يمكن العمل بها، وإن شهد أحدهما بغصب ثوب أحمر والآخر بغصب ثوب أخضر، أو شهد أحدهما أنه غصبه الثوب اليوم والآخر أنه غصبه أمس لم تكمل البينة؛ لأن اختلاف الشاهدين فيما ذكر يدل على تغاير الفعلين، وكذا كل شهادة على فعل متحد في نفسه كقتل زيد إذ لا يكون إلا مرة واحدة أو على فعل متحد باتفاق المشهود له والمشهود عليه، كالغصب إذا اتفقا على أنه واحد وكسرقة ونحوها إذا اختلف الشاهدان في وقت الفعل أو مكانه أو صفة متعلقة به كلونه وآلة قتل ونحوه مما يدل على تغاير الفعلين فلا تكمل البينة للتنافي، وكل من الشاهدين يكذب الآخر فيتعارضان ويسقطان، وإن أمكن تعدد الفعل ولم يشهدا بأنه متحد فبكل شيء شاهد فيعمل بمقتضى ذلك، فإذا ادعى الفعلين وأقام بكل منهما شاهدا، أو حلف مع كل من الشاهدين يمينا ثبتا، ولا تنافي بين شهادة الشاهدين بذلك لتغاير المشهود عليه، ولو كان بدل كل شاهد منهما بينة تامة ثبت كلا الفعلين فيما إذا كان الفعل غير متحد لا في نفسه ولا باتفاقهما لتمام نصاب كل منهما وعدم التنافي إن ادعاهما المشهود له، والا بأن ادعى أحدهما فقط ثبت ما ادعاه دون الآخر وتساقطتا في مسألة اتحاد الفعل في نفسه أو باتفاقهما، وكفعل من قول نكاح وقذف فقط دون
الجزء: 4 - الصفحة: 1190
غيرهما من الأقوال، فإذا شهد واحد أنه تزوجها أو قذفه أمس وشهد الآخر أنه اليوم لم تكمل البينة؛ لأن النكاح والقذف الواقعين أمس غير الواقعين اليوم، فلم يبق بكل نكاح أو قذف إلا شاهد، فلم تكمل البينة، ولأن من شرط النكاح حضور الشاهدين فإذا اختلفا في الشرط لم يتحقق حصوله، وكذا لو شهد أحدهما أنه قذفه غدوة أو خارج البلد أو بالعجمية، وشهد الآخر بخلافه؛ لأنه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات، ولو كانت الشهادة بإقرار بفعل أو بغيره ولو نكاحا أو قذفا، أو شهد شاهد واحد بالفعل وآخر على إقراره جمعت وعمل بها لعدم التنافي، ولو شهد أحدهما أنه أقر له بألف وشهد الآخر أنه أقر له بألفين كملت البينة بألف، وله أن يحلف على الألف الآخر مع شاهده ويستحقه حيث لم يختلف السبب ولا الصفة، ولو شهدا لشخص بمائة وشهد آخران له بعدد أقل من المائة دخل الأقل فيها إلا مع ما يقتضي التعدد، كما لو شهد اثنان بمائة قرضا وآخران بخمسين ثمن مبيع فيلزمانه لاختلاف سببهما، ولو شهد واحد بألف وأطلق، وشهد الآخر بألف من قرض كملت شهادتهما حصلا للمطلق على المقيد، وإن شهدا أن عليه ألفا وقال أحدهما: قضاه بعضه بطلت شهادته نصا 4567؛ لأن قوله: قضاه بعضه يناقض شهادته عليه بالألف فأفسدها، وإن شهدا أنه أقرضه ألفا ثم قال أحدهما: قضاه نصفه صحت شهادتهما؛ لأنه رجوع عن الشهادة بخمسمائة وإقرار بغلط نفسه أشبه ما لو
الجزء: 4 - الصفحة: 1191
قال: بألف بل بخمسمائة.
ولا يحل لمن تحمل شهادة بحق أخبره عدل باقتضاء الحق أو انتقاله بنحو حوالة أن يشهد به نصا، ولو قضاه نصفه ثم جحده بقيته فقال أحمد: "يدعيه كله وتقوم البينة فتشهد على حقه كله ثم يقول للحاكم قضاني نصفه" 4568 ومن له بينة بألف فقال لهما: أريد أن تشهدا لي بخمسمائة لم يجز لهما أن يشهدا بالخمسمائة له نصا 4569؛ لأن على الشاهد نقل الشهادة على ما شهد، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ 4570، ولو شهد اثنان في محفل على شخص أنه طلق أو أعتق، أو على خطيب أنه قال على المنبر أو فعل على المنبر في الخطبة شيئا لم يشهد به غيرهما مع المشاركة في سمع وبصر قبلا لكمال النصاب.
(ويجب إشهاد) اثنين (في نكاح)؛ لأنه شرط فيه فلا ينعقد بدونهما وتقدم 4571.
(ويسن) إشهاد (في) كل عقد (غيره) من بيع وإجارة وصلح لقوله تعالى: (وَأَشهِدُوَأ إِذَا تَبَايَعَتُم) 4572 وحمل على الاستحباب، لقوله تعالى: {فَإِن
الجزء: 4 - الصفحة: 1192
أَمِن بَعضُكُم بَعضًا فَليُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِن أَمَنَتَهُ} 4573.
الجزء: 4 - الصفحة: 1193
فصل في شروط من تقبل شهادته
وهي ستة بالاستقراء: - ذكر الأول منها بقوله: (وشرط في شاهد) أي واحد الشهود (إسلام) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ 4574، والكافر ليس من رجالنا، ولأنه غير مأمون، وحديث جابر: "أنه عليه السلام أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض" رواه ابن ماجة 4575 ضعيف؛ لأنه من رواية مجالد 4576، فلا تقبل من كافر ولو على كافر مثله غير رجلين كتابيين عند عدم مسلم بوصية مسلم ميت بسفر أو كافر، ويحلفهما حاكم وجوبا بعد العصر، لخبر أبي موسى
الجزء: 4 - الصفحة: 1194
رواه أبو داود 4577؛ لأنه وقت يعظمه أهل الأديان فيحلفان لا نشتري به -أي اللَّه تعالى، أو الحلف، أو تحريف الشهادة- ثمنا ولو كان ذا قربى، وما خانا وما حرفا، وأنها الوصية لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ] 4578 إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ.
. .﴾ الآية 4579 وقضى به ابن مسعود وأبو موسى الأشعري 4580، قا ل ابن المنذر: "وبهذا قال أكابر الماضين".
4581
الجزء: 4 - الصفحة: 1195
فإن عثر: أي اطلع على أنهما أي الشاهدين الكتابيين استحقا إثما أي كذبا في شهادتهما قام آخران أي رجلان من أولياء الموصي فحلفا باللَّه تعالى لشهادتنا أي يميننا أحق من شهادتهما، ولقد خانا وكتما، ويقضي لهم للآية وحديث ابن عباس قال: "خرج رجل من بني سهم 4582 مع تميم الداري 4583 وعدي بن بداء 4584 فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدموا بتركته
الجزء: 4 - الصفحة: 1196
فقدوا جام فضة مخوصا بذهب، فأحلفهما رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا باللَّه لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم فنزلت الآية فيهم" 4585 وروى أبو عبيد 4586 في "الناسخ والمنسوخ" 4587 أن ابن مسعود قضى بذلك في زمن عثمان 4588. وأيضا فالمائدة = ينظر: كتاب الثقات 3/ 318، ومعرفة الصحابة 4/ 2196 - 2197، وأسد الغابة 4/ 5 - 6، والإصابة 4/ 387.
الجزء: 4 - الصفحة: 1197
آخر سورة نزلت.
(و) الشرط الثاني: (بلوغ) فلا تقبل الشهادة من الصغير ذكرا أو أنثى ولو كان في حال أهل العدالة بأن كان متصفا بما يتصف به العدل.
(و) الثالث: (عقل) وهو نوع من العلوم الضرورية، والعاقل من عرف الواجب عقلا الضروري وغيره، وعرف الممكن والممتنع، كوجود الباري تعالى، وكون الجسم الواحد ليس في مكانين، وأن الواحد أقل من الاثنين، وأن الضدين لا يجتمعان، وعرف ما يضره وينفعه غالبا، فلا تقبل الشهادة من معتوه ومجنون؛ لأنه لا يمكنه تحمل الشهادة ولا أداؤها لاحتياجها إلى الضبط وهو لا يعقله.
(و) الرابع: (نطق) أي كون الشاهد متكلما فلا تقبل الشهادة من أخرس بإشارة؛ لأن الشهادة يعتبر فيها التعيين، وانما اكتفي بإشارة الأخرس في أحكامه كنكاحه وطلاقه للضرورة، (لكن تقبل من أخرس) إذا أداها (بخطه) لدلالة الخط على الألفاظ، (و) تقبل (من) 4589 مجنون (يفيق) أحيانا إذا شهد (حال إفاقته)، لأنها شهادة عاقل أشبه من لم يجن.
والخامس: الحفظ فلا تقبل الشهادة من مغفل ولا من معروف بكثرة غلط وكثرة سهو؛ لأنه لا تحصل الثقة بقوله، وتقبل ممن يقل منه ذلك؛ لأنه لا يسلم منه أحد.
(و) السادس: (عدالة) وهي لغة: الاستقامة والاستواء، مصدر عدل بضم
الجزء: 4 - الصفحة: 1198
الدال إذ العدل ضد الجور 4590، وشرعا: استواء أحوال الشخص في دينه واعتدال أقواله وأفعاله 4591.
(ويعتبر لها) أي العدالة (شيئان): -
(الأول: الصلاح في الدين، وهو) نوعان: (أداء الفرائض) أي الصلوات الخمس والجمعة وما وجب من صوم وحج وزكاة وغير ذلك (برواتبها) أي الصلاة الراتبة، نقل أبو طالب: "الوتر سنة سنها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فمن ترك سنة من سننه -صلى اللَّه عليه وسلم- فهو رجل سوء" 4592. فلا تقبل ممن داوم على تركها، فإن تهاونه بها مما يدل على عدم محافظته على أسباب دينه، وربما جرى التهاون بها إلى التهاون بالفرائض، وتقبل ممن تركها في بعض الأحيان.
(و) النوع الثاني: (اجتناب المحارم بأن لا يأتي كبيره ولا يدمن) أي يدوم (علي صغيرة) وفي "الترغيب": بأن لا يكثر منها ولا يصر علي واحدة منها 4593 وقد نهي اللَّه تعالي عن قبول شهادة القاذف لكون القذف كبيرة فيقاس عليه كل مرتكب وقال الشيخ تقي الدين: "يعتبر العدل في كل زمن بحسبه لئلا
الجزء: 4 - الصفحة: 1199
تضيع الحقوق" 4594. والكذب صغيرة فلا ترد الشهادة به إن لم يداوم عليه، إلا الكذب في شهادة زور وعلى نبي ورمي فتن ونحوه فكبيرة، ويجب الكذب في تخليص مسلم من قتل، قال ابن الجوزي: "وكل مقصود محمود لا يتوصل إليه إلا به".
4595 ويباح الكذب لإصلاح، وحرب، وزوجة فقط.
والكبيرة ما فيه حد في الدنيا -كالزنا وشرب الخمر- أو وعيد في الآخرة -كأكل مال اليتيم والربا وشهادة الزور وعقوق الوالدين- ونحو ذلك.
والصغيرة ما دون ذلك من المحرمات كالتجسس وسب الناس بغير قذف والنظر المحرم والنبز باللقب، والغيبة والنصيمة من الكبائر فلا تقبل شهادة فاسق بفعل كزان وديوث، أو باعتقاد كمقلد في خلق القرآن، أو في نفي رؤية اللَّه في الآخرة، أو في الرفض أو التجهم ونحوه، كمقلد في التجسيم، وما تعتقده الخوارج والقدرية ونحوهم، ويكفر مجتهدهم أي مجتهد القائلين بخلق القرآن ونحوهم ممن خالف ما عليه أهل السنة والجماعة الداعية.
ولا تقبل شهادة قاذف حد أو لا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ 4596 حتى يتوب لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ 4597 وتوبته تكذيب نفسه
الجزء: 4 - الصفحة: 1200
ولو كان صادقا فيقول: كذبت فيما قلت.
لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر مرفوعا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ قال: "توبته إكذاب نفسه" 4598، وتوبة غير القاذف ندم بقلبه على ما مضى من ذنبه، وإقلاع بأن يترك فعل الذنب الذي تاب منه، وعزم أن لا يعود إلى ذلك الذنب الذي تاب منه، ولا يعتبر مع ذلك إصلاح العمل لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ 4599 ومع المغفرة يجب أن تترتب الأحكام لزوال المانع منها وهو الفسق؛ لأنه فسق مع زوال الذنب الذي تاب منه، وإن كان فسق الفاسق بترك واجب فلا بد لصحة توبته من فعله، وإن كان فسقه بترك حق لآدمي كقصاص وحد قذف فلا بد من التمكين من
الجزء: 4 - الصفحة: 1201
نفسه ببذلها للمستحق، ويعتبر رد مظلمة فسق بترك ردها كمغصوب ونحوه، فإن عجز نوى رده متى قدر عليه أو يستحل رب المظلمة أو يستمهله.
والتوبة من البدعة الرجوع عنها والاعتراف بها واعتقاد ضد ما كان يعتقده من مخالفة أهل السنة.
ولا تصح التوبة معلقة بشرط، ولا يشترط لصحتها من قذف وغيبة ونميمة وشتم إعلامه والتحلل منه، قال أحمد: "إذا قذفه ثم تاب لا ينبغي أن يقول له: قذفتك هذا يستغفر اللَّه لأن فيه إيذاء صريحا" 4600. واذا استحله يأتي بلفظ عام مبهم لصحة البراءة من المجهول.
ومن أخذ بالرخص -أي تتبعها من المذاهب- فسق نصا 4601، وذكره ابن عبد البر إجماعا 4602، وذكر القاضي في غير متأول ولا مقلد 4603 ولزوم التمذهب بمذهب وامتناع الانتقال إلى غيره الأشهر عدمه، ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب فإن تاب وإلا قتل، وإن قال: ينبغي كان جاهلا، ومن كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل
الجزء: 4 - الصفحة: 1202
لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته بلا نزاع، قاله الشيخ تقي الدين.
4604
ومن أتى فرعا مختلفا فيه كمن تزوج بلا ولي، أو تزوج بنته من زنا، أو شرب من نبيذ ما لا يسكره إن اعتقد تحريمه ردت شهادته نصا 4605؛ لأنه فعل ما يعتقد تحريمه فوجب أن ترد شهادته كما لو كان مجمعا على تحريمه، وإن تأول أي فعل شيئا من ذلك مستدلا على حله باجتهاد أو مقلدا لقائل بحله فلا ترد شهادته.
الشيء (الثاني): مما يستعمل للعدالة (استعمال المروءة) بوزن سهولة أي الإنسانية (بفعل ما يزينه ويجمله) عادة، (وترك ما يدنسه ويشينه) أي يعيبه عادة من الأمور الدنيئة المزرية به، فلا شهادة لمصافع 4606 ومتمسخر، ورقاص ومشعبذ، والشعبذة والشعبوذة: خفة في اليدين كالسحر، ومغن، ويكره الغناء -بكسر العين المعجمة والمد- وهو: رفع الصوت بالشعر على وجه مخصوص، ويكره سماعه إلا من أجنبية، فيحرم التلذذ به، وكذا يحرم مع آلة لهو من حيث الآلة، وطفيلي الذي يتبع الضيفان، ومتزي بزي يسخر منه، ولا لشاعر يفرط في مدح بإعطاء أو في ذم بمنع، أو
الجزء: 4 - الصفحة: 1203
يشبب بمدح خمر أو بمرد أو بامرأة معينة محرمة، ويفسق بذلك ولا تحرم روايته، ولا شهادة للاعب بشطرنج غير مقلد كمع عوض، أو ترك واجب وفعل محرم إجماعا، أو لاعب بنرد، ويحرمان أي اللعب بالشطرنج والنرد لحديث أبي داود في النرد 4607 والشطرنج في معناه 4608، أو لاعب بكل ما فيه دناءة حتى في أرجوحة أو رفع ثقيل، وتحرم مخاطرته بنفسه فيه، أو لاعب بحمام طيارة أو مسترعيها من المزارع أو من يصيد بها حمام غيره، ويباح اقتناء الحمام للأنس بصوتها ولاستفراخها ولحمل كتب.
ولا شهادة لمن يأكل بالسوق [كثيرا] 4609 لا يسيرا كلقمة وتفاحة ونحوها، ولا
الجزء: 4 - الصفحة: 1204
شهادة لمن يمد رجليه بمجمع من الناس، أو يكشف من بدنه ما العادة جارية بتغطيته كصدره وظهره، أو يحدث بمباضعة أهله أو سريته، أو يدخل الحمام بغير مئزر، أو ينام بين جالسين أو يخرج عن مستوى الجلوس بلا عذر، أو يحكي المضحكات ونحوه في كل ما فيه سخف أو دناءة؛ لأن من رضيه لنفسه واستخفه ليس له مروءة، ولا تحصل الثقة بقوله، ولحديث أبي مسعود البدري 4610 مرفوعا: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" 4611.
ومتى وجد شرط قبول الشهادة بأن بلغ صغير أو عقل مجنون أو أسلم كافر أو تاب فاسق قبلت شهادته بمجرد ذلك لزوال المانع.
ولا يشترط في الشهادات الحرية، فتقبل شهادة عبد وأمة في كل ما يقبل فيه حر
الجزء: 4 - الصفحة: 1205
وحرة لعموم آيات الشهادة وأخبارها، والعبد داخل فيها فإنه من رجالنا، وهو عدل تقبل روايته وفتواه وأخباره الدينية، ومتى تعينت الشهادة على الرقيق حرم على سيده منعه منها كسائر الواجبات.
ولا يشترط للشهادةكون صناعة الشاهد غير دنيئة عرفا، فتقبل شهادة حجام وحداد وزبال وقمام وكناس يكنس الأسواق وغيرها وكباش يربي الكبش ويناطح به، وقراد يربي القرود ويطوف بها للتكسب، ودباب يفعل بالدب كما يفعل القراد، ونفاط يعلب بالنفط، ونخال أي يغربل في الطريق على فلوس ونحوه، وصباغ ودباغ وجمال وجزار وكساح ينظف الحشوش وحائك وحارس وصائغ ومكار وخدام إذا حسنت طريقتهم لحاجة الناس إلى هذه الصنائع؛ لأن كل أحد لا يليها فلو ردت به الشهادة لأفضى إلى ترك الناس لها فيشق ذلك عليهم.
وكذا تقبل شهادة من لبس غير زي بلد يسكنه أو لبس غير زييه المعتاد بلا عذر إذا حسنت طريقتهم بأن حافظوا على أداء الفرائض واجتناب المعاصي والريب.
وتقبل شهادة ولد الزنا حتى به.
وشهادة أعمى بما سمع إذا تيقن الصوت، وبالاستفاضة وبمرئيات تحملها قبل عماه، وكذا لو لم يعرف مشهود عليه إلا بعينه إذا وصفه للحاكم بما يتميز به، والأصم كالسميع فيما يراه أو سمعه قبل صممه.
ومن شهد بحق عند حاكم ثم عمي أو خرس أو صم أو جن أو مات لم يمنع الحاكم بشهادته إن كان عدلا، وإن حدث به مانع من كفر أو فسق أو تهمة كعداوة
الجزء: 4 - الصفحة: 1206
وعصبية قبل الحكم منعه لاحتمال وجود ذلك عند الشهادة، وانتفاؤه حينها شرط للحكم بها غير عداوة ابتدئها مشهود عليه بأن قذف البينة أو قاولها عند الحكومة بدون عداوة ظاهرة سابقة فلا تمنع الحكم لئلا يتمكن مشهود عليه من إبطال الشهادة عليه بذلك، وإن حدث مانع من كفر وفسق وغيرهما بعد الحكم وقبل استيفاء محكوم به يستوفى مال أحد مطلقا ولا قود؛ لأنه إتلاف ما لا يمكن تلافيه.
وتقبل شهادة الشخص على فعل نفسه كحاكم على حكمه بعد عزله وقاسم ومرضعة على قسمته وإرضاعها ولو بأجرة؛ لأن كلا منهم يشهد لغيره فقبل كما لو شهد على فعل غيره، ولحديث عقبة بن الحارث في الرضاع 4612 وقيس عليه الباقي.
الجزء: 4 - الصفحة: 1207
فصل في موانع الشهادة
(ولا تقبل شهادة بعض عمودي نسبه لبعض)، فلا تقبل شهادة والد لولده وإن سفل من ولد البنين أو البنات وعكسه ولو لم يجر الشاهد بما شهد به نفعا غالبا لمشهود له، كشهادته له بعقد نكاح أو قذف، وتقبل لباقي أقاربه كأخيه وعمه لعموم الآيات، ولأنه عدل غير متهم، قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة 4613.
ولا تقبل شهادة من يملكه المشهود له أو يملك بعضه إذ القن ينبسط في مال سيده، وتجب نفقته عليه كالأب مع ابنه.
(ولا) تقبل شهادة (أحد الزوجين للآخر) لتبسط كل منهما في مال الآخر واتساعه بسعته ولو في الماضي بأن يشهد أحد الزوجين للآخر بعد طلاق بائن أو خلع.
(ولا) تقبل شهادة (من يجر بها) أي بشهادته (إلى نفسه نفعا) كشهادة الشخص لرقيقه ولو مأذونا له أو مكاتبا أو لمورثه بجرح قبل اندماله؛ لأنه ربما سري الجرح إلى النفس فتجب الدية للشاهد بشهادته فكأنه شهد لنفسه، ولا شهادته لموصيه أو لموكله في ما وكل فيه نصا 4614، كمن نوزع في ثوب استأجر أجيرا لخياطته أو صبغه أو قصره
الجزء: 4 - الصفحة: 1208
فلا تقبل شهادة الأجير به لمستأجره للتهمة ولو بعد انحلالها أو لشريكه فيما هو شريك فيه، ولا شهادة غريم بمال لمفلس بعد حجر أو موت لتعلق حق غرمائه بماله، فكأنه شهد لنفسه، ولا شهادة أحد الشفيعين بعفو الآخر عن شفعته لاتهامه بأخذ الشقص كله، ولا شهادة من له كلام أو استحقاق وإن قل في رباط أو مدرسة أو مسجد بمصلحة لها، وتقبل شهادة وارث لمورثه في مرضه ولو مرض الموت المخوف وحال جرحه بدين له؛ لأنه لا حق له في ماله حين الشهادة، كشهادته لامرأة يحتمل أن يتزوجها، وغريم له بمال يحتمل أن يوفيه منه.
(أو يدفع بها) أي بشهادته (عنها) أي عن نفسه (ضررا) كشهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ أو شبه العمد؛ لأنهم متهمون في دفع الدية عن أنفسهم ولو كان الشاهد فقيرا أو بعيدا لجواز أن يوسر أو يموت من هو أقرب منه، وكشهادة الغرماء بجرح شهود دين على مفلس أو ميت تضيق تركته عن ديونهم، وكشهادة كل من لا تقبل شهادته له إذا شهد بجرح شاهد عليه، قال الزهري: "مضت السنة في الإسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين" 4615. وهو المتهم، وعن طلحة بن عوف 4616: "
الجزء: 4 - الصفحة: 1209
قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن لا شهادة لخصم ولا ظنين" 4617.
(ولا) تقبل شهادة (عدو على عدوه) لغير اللَّه تعالى سواء كانت مورثة أو مكتسبة (في غير نكاح) وتقدم في كتاب النكاح 4618.
(ومن سره مساءة أحد أو غمه فرحه فهو عدوه)، فتلغو الشهادة من مقذوف على قاذفه، ومن مقطوع عليه الطريق على قاطعه، ومن زوج على امرأته في زنا بخلاف شهادته عليها في قتل وغيره.
(و) كل (من) قلنا (لا تقبل) شهادته (له) كعمودي نسبه ومكاتبه فإنها (تقبل عليه)؛ لأنه لا تهمة فيها، فتقبل شهادة الوصي على الميت والحاكم على من في حجره.
ومن موانع الشهادة: الحرص على أدائها قبل استشهاد من يعلم بها، فإن لم
الجزء: 4 - الصفحة: 1210
يعلم مشهود له بها لم يقدح قبل الدعوى أو بعدها وتقدم، إلا في عتق وطلاق ونحوهما لعدم اشتراط تقدم الدعوى فيهما على الشهادة.
ومن الموانع: العصبية فلا شهادة لمن عرف بها، وبإفراط في الحميةكتعصب قبيلة على قبيلة وإن لم تبلغ رتبة العدواة.
ومنها: أن ترد شهادته لفسقه ثم يتوب ويعيدها فلا تقبل للتهمة في أنه إنما تاب لتقبل شهادته، ولو لم يؤدها حتى تاب قبلت؛ لأن العدالة ليست شرطا للتحمل ولا تهمة، ولو شهد كافر أو غير مكلف أو أخرس فزال ذلك وأعادها قبلت؛ لأن ردها لهذه الموانع لا غضاضة فيه فلا تهمة، ومن شهد بحق مشترك بين من ترد شهادته له كأبيه وأجنبي ردت نصا 4619؛ لأن الشهادة لا تتبعض في نفسها.
الجزء: 4 - الصفحة: 1211
فصل
في أقسام المشهود به من حيث عدد شهوده لاختلاف عدد الشهود باختلاف المشهود به، وهي سبعة بالاستقراء: - ذكر الأول منها بقوله: (وشرط في) ثبوت (الزنا أربعة رجال يشهدون به) أي الزنا واللواط (أو) يشهدون بـ (أنه) أي المشهود عليه بذلك (أقر به أربعا) لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)﴾ 4620 وقوله عليه السلام لهلال بن أمية 4621: "أربعة شهداء وإلا حد في ظهرك" 4622 واعتبار الأربعة في الإقرار به؛ لأنه
الجزء: 4 - الصفحة: 1212
إثبات له فاعتبر فيه كشهود الفعل.
(و) القسم الثاني: (في دعوى فقر ممن عرف بغنى) ليأخذ من زكاة فلا بد من (ثلاثة) رجال يشهدون له، لحديث مسلم: "حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة" 4623 وتقدم في الزكاة.
(و) القسم الثالث: (في) دعوى (قود وإعسار و) وطء (موجب لـ (تعزير) كوطء أمة مشتركة وبهيمة، ويدخل فيه وطء أمته في حيصن أو إحرام أو صوم (أو) وطء موجب لـ (حد) فلا بد فيه من رجلين؛ لأنه يحتاط فيه ويسقط بالشبهة فلم تقبل فيه شهادة النساء لنقصهن، ولثبت قود وقذف وشرب بإقرار مرة.
(و) القسم الرابع: في دعوى (نكاح ونحوه) كرجعة وخلع وطلاق ونسب وولاء، وكذا توكيل (و) إيصاء في غير مال (مما ليس مالا ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال غالبا) فكالذي قبله لا يقبل فيه إلا (رجلان).
الجزء: 4 - الصفحة: 1213
(و) القسم الخامس: (في) دعوى (مال وما يقصد به) المال كقرض ورهن ووديعة وغصب وإجارة وشركة وحوالة وصلح وهبة وعتق وكتابة وتدبير ومهر وتسميته، وعارية وشفعة وإتلاف مال وضمانه وتوكيل فيه وإيصاء فيه ووصية به لمعين ووقف عليه وبيع وأجله وخياره وجناية خطأ أو عمد لا توجب قودا بحال ونحو ذلك، فيقبل فيه (رجلان أو رجل وامرأتان) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ 4624، وسياق الآية في العين وألحق به سائر الأموال لانحطاط رتبة المال عن غيره من المشهود به؛ لأنه يدخله البذل والإباحة، وتكثر فيه المعاملة، ولطلع عليه الرجال والنساء فوسع الشرع باب ثبوته، (أو رجل ويمين المدعى) لحديث ابن عباس: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى باليمين مع الشاهد" رواه أحمد والترمذي 4625، ولأحمد في رواية: "إنما ذلك في الأموال" 4626 وورد أيضا عن جابر
الجزء: 4 - الصفحة: 1214
مرفوعا 4627، وسواء كان المدعي مسلما أو كافرا أو امرأة، ولا يثبت المال ونحوه بشهادة امرأتين ويمين؛ لأن النساء لا تقبل شهادتهن في ذلك منفردات وكذلك لو شهد أربع نسوة لم يقبل، ويجب تقديم شهادة الرجل الواحد على اليمين؛ لأنه لا يقوى جانبه إلا بشهادته، ولا يشترط قول مدع في حلفه وأن شاهدي صادق في شهادته، ولو نكل عن اليمين من أقام شاهدا حلف مدعى عليه وسقط الحق فإن نكل مدعى عليه عن
الجزء: 4 - الصفحة: 1215
اليمين حكم عليه بالنكول نصًّا لما تقدَّم 4628، ولا ترد اليمين على المدعي؛ لأنها في جنبة غيره فلم تعد إليه كالمدعى عليه إذا نكل عنها، ولو كان لجماعة حق مالي بشاهد فأقاموه فمن حلف أخذ نصيبه ولا يشاركه من لم يحلف، ولا تحلف ورثة ناكل عن يمين بعد إقامة شاهد به؛ لأنه لا حق لوارثه حال حياته، فإن مات فلوارثه الدعوى وإقامة الشاهد ويحلف معه ويأخذ ما شهد به الشاهد.
(و) القسم السادس: (في داء دابَّةٍ ومُوضحةٍ ونحوهما) كداء بعين فيقبل في ذلك (قولُ اثنينِ) أي طبيبين أو بيطارين أو كحَّالين، وإن اختلفا قدم قول مثبت على قول نافٍ؛ لأنه شهد بزيادة لم يدركها النافي، (ومع عُذْرٍ) يقبل قول طبيب (واحد) وبيطار واحد وكَحَّالٍ واحدٍ لعدم غيره في معرفته، نصّ أحمد على ذلك.
4629
(و) القسم السابع -من أقسام المشهود به-: (ما لا يطلع عليه الرّجالُ غالبًا كعيوب نساءٍ تحت ثياب، ورضاع، واستهلال)، وبَكارةٍ، وثُيُوبَةٍ، وحَيْضٍ، ورَتْقٍ، وقَرْنٍ، وعَفلٍ، ونحوه، (و) كذا (جراحةٍ ونحوها في حمّامٍ وعُرْسٍ) مما لا يحضره
الجزء: 4 - الصفحة: 1216
رجال، فيكفي فيه (امرأةٌ عدلٌ) لحديث حذيفة 4630: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أجاز شهادة القَابِلَةِ وحدها" 4631، ذكره الفقهاء في كتبهم، وروى أبو الخطاب 4632 عن ابن عمر مرفوعًا: "يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة" 4633، والأحوط أن
الجزء: 4 - الصفحة: 1217
يشهد به اثنتان لأنه أبلغ (أَوْ) يشهد به (رجل [عدلٌ] 4634 واحد وهو أولى بالقبول من المرأة لكماله، ومن ادعت إقرار زوجها بأخوة رضاع فأنكر لم يقبل فيه إلا رجلان، وإن شهد الرجل والمرأتان بسرقة ثبت المال لكمال نصابه دون القطع؛ لأنه حد فلا يثبت إلا برجلين، وإن أنكر السرقة فطلب يمينه فنكل غرم المال ولا قطع؛ لأن النكول لا يقضى به لغير المال، وإن ادعى زوج خلعا قبل فيه رجل وامرأتان أو رجل ويمين؛ لأنه يدعي المال، وإن ادعته الزوجة لم يقبل فيه إلا رجلان؛ لأن مقصودها الفسخ ولا يثبت إلا برجلين، ومن حلف بطلاق أنه ما سرق أو ما غصب ونحوه فثبت فعله برجل وامرأتين أو رجل ويمين ثبت المال لكمال النصاب ولم تطلق 4635 زوجته؛ لأن الطلاق لا يثبت بذلك، ولو وجد على دابة مكتوب حبيس في سبيل اللَّه أو وجد على أسْكُفَّةِ دَارٍ 4636 أو حائطها مكتوب وقف أو مسجد = ابن عمر قال: (سئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مالذي يجوز في الرضاع من الشهود؟ فقال: رجل أو امرأة) هذا لفظ عبد الرزاق، ونحوه لأحمد والبيهقي.
قال البيهقي: "وابن البيلماني ضعيف، وقد اختلف عليه في متنه، فقيل: هكذا، وقيل: رجل وامرأة، وقيل: ر جل وامرأتان".
وأورد الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد 4/ 201، وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني وهو ضعيف".
ا. هـ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1218
حكم به نصًّا 4637 حيث لا معارض أقوى منه، ولو وجده على كتب علم في خزانة مدة طويلة فكذلك وإلا عَمِلَ بالقرائن.
الجزء: 4 - الصفحة: 1219
(فَصْلٌ) في الشَّهادةِ على الشهادةِ والرجوع عنها وأدائها
قال أبو عبيد: "أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشَّهَادة على الشهادة في الأموال".
4638 ولدعاء الحاجة إليها؛ لأنها وثيقة مستدامة لحفظ الأموال، لما قد يطرأ على الشاهد من اخترام المنيّة والعجز عن الشهادة لعدم الوثيقة على أن من الحقوق ما يحتاج فيه إلى التأبيد كالوقوف، والشاهد لا يعيش أبدًا، (وتُقْبَلُ الشَّهادةُ على الشَّهادةِ في كُلِّ ما يُقْبَلُ فيهِ كتابُ القَاضِيْ إلى الْقَاضِيْ)، وهو حق الآدمي دون حق اللَّه تعالى؛ لأن الحدود مبنية على الستر، والدرء بالشبهة، والشهادة على الشهادة فيها شبهة لتطرق احتمال الغلط والسهو وكذب شهود الفرع فيها مع احتمال ذلك في شهود الأصل، وهذا احتمال زائد لا يوجد في شهود الأصل، ولهذا لا تقبل مع القدرة على شهود الأصل.
(وشُرِطَ) في قبول الشهادة على الشهادة (تَعَذُّرُ شُهُودِ أصلٍ بموتٍ أو مَرَضٍ أو غِيْبَةٍ مَسافةَ قَصْرٍ أو خَوْفٍ من سلطانٍ أو غيرهِ)؛ لأن شهادة الأصل تثبت نفس الحق وشهادة الفرع إنما تثبت الشهادة عليه، ولاستغناء الحاكم بسماع الأصل عن تعديل الفرع، وسماعه من الأصل معلوم، وصدق شاهد الفرع عليه مظنون، ولا يعدل
الجزء: 4 - الصفحة: 1220
عن اليقين مع إمكانه.
(و) شُرِطَ (دَوامُ عَدالَتِهِمَا) أي الأصل والفرع إلى صدور الحكم، فمتى حدث قبله من أحدهم ما يمنع قبوله من نحو فسق أو جنون وقف الحكم؛ لأنه مبني على شهادة الجميع، وإذا فقد شرط الشهادة التي هي شَرطٌ للحكم لم يجر الحكم بها.
(و) شُرِطَ (اسْتِرْعَاءُ) شاهد (أَصْلٍ لـ) شاهد (فرعٍ، أَوْ) استرعاؤه (لغيرهِ وهو) أي الفرع (يَسْمَعُ) استرعاء الأصل لغيره، وأصْلُ الاسترعاء من قول المحدّث: أرعني سمعك يريد اسمع مني، مأخوذٌ من رَعَيْتُ الشيء إذا حفظتْهُ 4639، فشاهد الأصل يطلب من شاهد الفرع أن 4640 يحفظ شهادته ويؤديها، وصفة الاسترعاء ما ذكره بقوله: (فيَقُوْلُ) شاهد الأصل لمن يسترعيه: (اشْهَدْ) على شهادتي (أنِّي أَشْهَدُ)، أو اشْهَدْ أنِّي أشْهَدُ (أن فلان بن فلان) وقد عرفته (أَشْهَدَنِيْ على نَفْسِهِ) أو شهدت عليه، (أو أَقَرَّ عِنْدِيْ بِكَذَا) [ونحوه] 4641، وإلا يسترعه ولا غيره مع سماعه لم يشهد؛ لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة ولا ينوب عنه إلَّا بإذنه، (أَوْ يَسْمَعُهُ) أي يسمع الفرع الأصل (يَشْهَدُ عند حَاكِمٍ أو يَعْزُوْهَا) أي شهادته (إلى سببٍ كبيعٍ وقَرْضٍ) ونحوهما فيشهد على شهادته؛ لأنه بشهادته عند الحاكم وبنسبته الحق إلى سببه يزول الاحتمال كالاسترعاء.
الجزء: 4 - الصفحة: 1221
(و) شُرِطَ (تَأْدِيَةُ فَرعٍ بصفةِ تَحَمُّلِهِ) وإلا لم يحكم بها، وتثبت شهادة شاهدي الأصل بفرعين ولو على كل شاهد أصل شاهد فرع نصًّا 4642، كما لو شهد بنفس الحق، ولأن الفرع بدل الأصل، ويثبت الحق بشهادة فرع واحد مع أصل آخر كأصلين أو فرعين، ويصح تحمل فرع على فرع لدعاء الحاجة إليه، ويصح أن يشهد النِّسَاءُ حيث يقبلن في أصل وفرع؛ لأن المقصود إثبات ما يشهد به الأصول فدخل دنيه النساء فيقبل رجلان على رجل وامرأتين ورجل وامرأتان على مثلهم أو على رجلين أصلين أو فرعين في المال وما يقصد به، وتقبل امرأة على امرأة فيما تقبل فيه المرأة لما تقدم.
(و) شُرِطَ (تَعْيِيْنُهُ) أي تعيين شاهد فرع (لأصل) ـه، قال القاضي: "حتى لو قال تَابِعِيَّانِ: أشهدنَا صَحَابِيَّانِ لم يجز حتى يُعَيِّنَاهُمَا".
4643
(و) شُرِطَ (ثُبُوتُ عدالةِ الْجَمِيْع) أي شهود الأصل والفرع؛ لأنهما شهادتان فلا يحكم بهما بدون عدالة الشهود لانْبِنَاءِ الحكم على الشهادتين جميعًا، ولا يجب على شاهد فرع تعديل شاهد أصل؛ لأنه يجوز أن لا يعرفه فيبحث عنه الحاكم، وتقبل شهادة الفرع بتعديله، قال في "الشرح" 4644: "بغير خلاف نعلمه".
ولا يقبل تعديل شاهد لرفيقه بعد شهادته أصلا كان أو فرعًا لإفضائه إلى انحصار الشهادة في
الجزء: 4 - الصفحة: 1222
أحدهما، قاله ابن نصر اللَّه، فلو كان قد زكاه قبل ذلك ثم شهد قبلت شهادتهما لانتفاء التهمة إذن.
4645
وإذا أنكر الأصل شهادة الفرع لم يعمل بها ويضمن شهود الفرع محكومًا به يتلف بشهادتهم برجوعهم بعد الحكم؛ لأنه تلف بشهادتهم ما لم يقولوا: بَانَ لنا كذب الأصول أو غلطهم فلا يضمنون؛ لأنه ليس برجوع عن شهادتهما، لأنه لا ينافي شهادتهما على الأصول، وإن رجع شهود الأصل بعد الحكم لم يضمنوا شيئًا لحصول الإتلاف بشهادة غيرهم إلا إن قالوا: كذبنا أو غلطنا فيلزمهم الضمان لاعترافهم بتعمد الإتلاف، وإن قالا بعد الحكم: ما أشهدناهما بشيء لم يضمن الفريقان شيئا مما حكم به؛ لأنه لم يثبت كذب شاهدي الفرع ولا رجوع شاهدي الأصل إذ الرجوع إنما يكون بعد الشهادة، ومن زاد في شهادته أو نقص لا بعد حكم أو أدى الشهادة بعد إنكارها قبل لأن الإنسان معرض للخطأ والنسيان فلو نم يقبل منه ما ذكر بعد أن نسيه لضاعت الحقوق بعد تَقَادُمِ عهدها، وكذا لو قال: لا أعْرِفُ الشهادة ثم شهد قبلت؛ لأنها أولى بالقبول مما قبلها.
(وإِنْ رَجَعَ شُهودُ مالٍ) عن شهادتهم (قَبْلَ حُكْمٍ) بها لغت شهادتهم لرجوعهم عنها ولو أدَّوْهَا بعد و (لم يُحْكَمْ) بها، ولا يضمن راجع عن شهادته قبل الحكم بها؛ لأنها لم تتم وإدت لم يصرح شاهدٌ لِرُجُوعه بل قال للحاكم: توقف فتوقف ثم أعادها قبلت لاحتمال زوال ريبة عرضت له.
الجزء: 4 - الصفحة: 1223
(و) إن رجع شهود مال أو شهود عتق (بَعْدَهُ) أي بعد حكم بشهادتهم (لم يُنْقَضْ) الحكم لتمامه ورجوع الشهود بعد الحكم لا ينقضه؛ لأنهم إن قالوا؛ عمدنا فقد شهدوا على نفوسهم بالفسق، فهما متهمان بإرادة نقض الحكم كما لو شهد فاسقان على الشاهدين بالفسق فإنه لا يوجب التوقف في شهادتهما، وإلى قالوا: أخطأنا لم يلزمه نقضه أيضًا لجواز خطأهما في قولهما الثاني، (وضَمِنُوْا) بدل ما شهدوا به من المال قبض أو لم يقبض قائمًا كان أو تالفًا، وقيمة ما شهدوا بعتقه؛ لأنهم أخرجوه من يد مالكه بغير حق وحالوا بينه وبينه كما لو أتلفوه، ومحل ذلك ما لم يصدقهم على بطلان الشهادة مشهود له فلا ضمان على الشهود برد المشهود له ما قبضه من مال المحكوم عليه أو بدله إن تلف لاعترافه بأخذه بغير حق، أو ما لم تكن الشهادة بدين فيبرأ منه المشهود عليه قبل أن يرجعا عن شهادتهما؛ لأن المشهود عليه لم يغرم شيئًا.
وإن رجع شهود قود أو شهود حد بعد حكم بشهادتهم قبل استيفاء قود أو حد لم يستوف قود ولا حد؛ لأنه عقوبة لا سبيل إلى جبرها إذا استوفيت بخلاف المال، ولأن رجوعهم شبهة والحد يدرأ بها والقود في معناه، ووجب دية قود شهدوا به بمشهود له؛ لأن الواجب أحد شيئين فإذا امتنع أحدهما تعين الآخر، ويرجع غارم على شهودٍ، وإن استوفي قود وحد حكم به بشهادتهم ثم قالوا: أخطأنا غرموا دية ما تلف من نفس كما دونها أو أرش الضرب نصًّا 4646، ولا تحمل العاقلة منه شيئًا، ويتقسط
الجزء: 4 - الصفحة: 1224
الغرم على عددهم لحصول التفويت من جميعهم كما لو أتلف جماعةٌ مَالًا.
وإن بَانَ بعد حكم كُفر به شاهد أو بأن فسقهما أو أَنَّهما من عمودي نسب محكوم له أو عَدُوَّا محكومٍ عليه نقض الحكم لتبين فساده، وفي "الإقناع" 4647: "فينقضه الإمام أو غيره" انتهى.
ومقتضى ما سبق أنه ينقضه حاكمه إن كان بعد ثبوت السبب ورجع بمال أو ببدله إن تلف وببدل قود مستوفى على محكوم له لنقض الحكم فيرجع الحق إلى مستحقه، وإن كان الحكم للَّه تعالى بإتلاف حسي كرجم في زنا وقطع في سرقة، أو بما سرى إليه كجلد في شرب سرى إلى النفس ضمنه مزكون إن كانوا؛ لأن المحكوم به قد تعذر رده وشهود التزكية ألجأوا الحاكم إلى الفعل فلزمهم الضمان، ولا ضمان على الحاكم؛ لأنه أتى بما عليه من تزكية الشهود ولا على شاهدي الأصل؛ لأنهما مقيمان على أنهما صادقان في شهادتهما، وإنما الشرع منع قبول شهادتهما بخلاف الراجعين في شهادتهما لاعترافهما بكذبهما، وإلا يكن مزكون أو كانوا فسقة ضمن حاكم لحصول التلف بفعله وهو حكمه وقد فرط بترك التزكية.
وإذا علم حاكم بشاهد زور بإقراره على نفسه بذلك أو بتبين كذبه يقينًا كأن شهد بقتل زيد فإذا هو حي ونحو ذلك عزره حاكم ولو تاب كمن تاب من حد بعد رفعه لحاكم، وروى أبو بكرة مرفوعًا: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس فقال: ألَا وقول
الجزء: 4 - الصفحة: 1225
الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها 4648 حتى قلنا: ليته سكت" متفق عليه 4649، ولا يتقدر تعزيره بل يكون بما يراه حاكم من ضرب أو حبس أو كشف رأس ونحوه ما لم يخالف نصا أو معناه، كحلق لحية أو قطع طرف أو أخذ مالٍ، وطِيْفَ به في المواضع التي يشتهر فيها فيقال: إنَّا وجدناه شاهد زور فاجتنبوه.
(وإِنْ بَانَ خَطَأُ مُفْتٍ) ليس أهلًا للفُتيا (أَوْ) بَانَ خطأُ (قَاضٍ) في حكمه (في إتلافٍ لمخالفةِ) دَليلٍ (قاطعٍ) لا يحتمل التأويل، كقتل في شيء ظَنَّاهُ ردَّةً أو قَطَعَا في سرقة لا قطع فيها أو جلدا بشرب حيث لم يجب كشارب مكره عليه حده فمات (ضَمِنَا) أي المفتي والقاضي ما تلف بسببهما كما لو باشراه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1226
فَصْلٌ في أَداءِ الشَّهادةِ
ولا تقبل الشهادة إلَّا يلفظ أشْهدُ أو شَهِدْتُ؛ لأنه مصدر شهد يشهد شهادةً، فلا بد من الإتيان بفعلها المشتق منه، فلا يكفي قوله: أنا شاهدٌ بكذا؛ لأنه إخبارٌ عما اتصف به كقوله: أنا متحمل شهادة على فلان بكذا، ولا يكفي قوله: أعلم أو أحق أو أعرف أو أتحقق؛ لأنه لم يأت بالفعل المشتق من لفظ الشهادة، ولو قال: أشْهدُ بما وضعت به خطي، أو قال مَنْ تَقَدَّمَهُ غيره بشهادةٍ: أشْهَدُ بمثل ما شهد به لم يصح ذلك لما فيه من الإجمال والإبهام، وإن قال: بذلك أَشْهَدُ أو كذلك أَشْهَدُ صح لاتضاح معناه، وفي "النُّكت" 4650: "القول بالصحة في الجميع".
واختاره الشيخ تقي الدين، وابن القيم.
4651
الجزء: 4 - الصفحة: 1227
فَصْلٌ في اليَمِينِ في الدَّعاوي
وهي تقطع الخصومة عند النزاع ولا تسقط حقا فتسمع البينة بعدها.
وإن رجع حالف وأدى ما حلف عليه قبل وحل لمدع أخذه.
ويستحلف منكر في كل حق آدمي لحديث: "لو يُعْطَى النَّاسُ بدعواهم لادَّعَى قومٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهم ولكن اليمين على المدعي عليه" 4652.
غير نكاح ورجعة وطلاق وإيلاء إلا إذا أنكر مُوْلٍ مُضِيَّ الأربعة أشهر فإنه يستحلف، وغير أصل رق كدعوى رق لقيط وولاء واستيلاد ونسب وقذف وقصاص في غير قَسَامَةٍ فلا يمين في واحد من هذه العشرة؛ لأنها لا يقضى فيها بالنكول.
ولا يستحلف منكر في حق اللَّه تعالى كحد زنا أو شرب أو سرقة أو محاربة؛ لأنه لو أقرَّ ثم رجع قبل منه وخلي سبيله بلا يمين فَلألَّا يستحلف مع عدم الإقرار أولى، ولأنه يستحب ستره والتعريض للمقر به ليرجع، وقال عليه السلام لهزّالٍ 4653 في قصة ماعز "لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك" 4654.
الجزء: 4 - الصفحة: 1228
ولا يستحلف في عبادة وصدقة وكفارة ونذر؛ لأنه حق للَّه تعالى أشبه الحد، ولا يستحلف شاهد أنكر تحمل شهادة ولا حاكم أنكر أنَّهُ حكم أو طلب يمينه أنه حكم بحق، ولا وصي على نفي دين على موصيه، ولا يحلف مدعى عليه بقول مدع ليحلف أنه ما أحلفني أني ما أحلفه، ولا مدع طلب يمين خصمه فقال: ليحلف أنه ما أحلفني؛ لأن ذلك كله لا يُقضى فيه بنكول فلا فائدة بإيجاب اليمين فيه على نفي ذلك؛ لأنه حق آدمي، وإن ادعى وصي وصية للفقراء فأنكر الورثة حلفوا، فإن نكلوا عن اليمين قضي عليهم بالنكول؛ لأنها دعوى بالمال.
ومن حلف على فعل غيره كإن ادعى أن زيدا غصبه نحو ثوب أو اشتراه منه فأنكر وأقام المدعي شاهدا بدعواه وأراد الحلف معه أو دعوى عليه في إثبات بأن ادعى دينارًا على زيدٍ مَثلًا فانكر وأقام المدعي شاهدًا وأراد الحلف معه، أو حلف على فعل نفسه كمن ادعى عليه بدين فأنكر ولا بينة وأراد يمينه أو دعوى عليه حلف على البت أي القطع في الجميع، لحديث ابن عباس أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لرجل حلفه: "قل واللَّه الذي لا إله إلا هو ماله عندي شيء" = 21384) المسند 6/ 284، والحاكم، كتاب الحدود، المستدرك 4/ 363، والبيهقي، باب المعترف بالزنا يرجع عن إقراره فيترك، كناب الحدود، السنن الكبرى 8/ 228، والحديث قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وقال الزيلعي في نصب الراية 3/ 307: "وبزيد بن نعبم روى له مسلم وذكره ابن حبان في الثقات، وأبوه نعيم ذكره في الثقات أيضًا وهو -أي نعيم- مختلف في صحبته، فإن لم تثبت صحبته فالحديث مرسل".
الجزء: 4 - الصفحة: 1229
رواه أبو داود 4655، ومن حلف على نفي فعل غيره كمن ادعي عليه أن أباه غصبه أو سرق كذا وأنكر ولا بينة فعلى نفي العلم أو حلف على نفي دعوى عليه أي على غيره كإن ادعى دينًا على مورثه فأنكر ولا بينة فإنه يحلف على نفي العلم، لحديث الحضرمي حيث قال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألك بينةٌ؟ قال: لا ولكن أحلفه واللَّه ما يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه فتهيأ الكندي لليمين" رواه أبو داود 4656، فأقره عليه السلام، ولأنه لا يمكنه الإحاطة بفعل غيره بخلاف فعل نفسه، ورقيقه كأجنبي في
الجزء: 4 - الصفحة: 1230
حلفه على نفي عمله، فمن ادعى أن عبد زيد جنى علي فأنكر ربه ولا بينة حلف أنه لا يعلم أن عبده جنى على المدعي، وأما بهيمته إذا ادعى أنها جنت فما ينسب إلى تقصير أو تفريط فيه فإنه يحلف على البت وإلا فعلى نفي العلم.
ومن توجه عليه حلف لجماعة حلف لكل واحد يمينًا؛ لأن حق كل منهم غير حق للبقية ما لم يرضوا بيمين واحدة فيكتفى بها، ولو ادعى واحد حقوقًا على واحد فعليه في كل يمين إلا أن تتحد الدعوى فيمينٌ واحدة كما في "المبدع" 4657، وتجزئ اليمين باللَّه تعالى وحده لقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ 4658 ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ 4659، قال بعض المفسرين: من أقسم باللَّه فقد أقسم باللَّه جَهْدَ اليمين "واستحلف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ركانة بن عبد يزيد في الطلاق فقال: واللَّه ما أردت إلا واحدة" 4660.
ولحاكم تغليظها فيما فيه خطر كجناية لا توجب قودًا أو عتقٍ ونصاب زكاة لا فيما دون ذلك بلفظ كو اللَّه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، قال
الجزء: 4 - الصفحة: 1231
الشافعي: "رأيتهم يؤكدون اليمين بالمصحف، ورأيت ابن مازن 4661 قاضي صنعاء يغلظ اليمين به".
4662 قال ابن المنذر: "ولا نترك سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لفعل ابن مازن ولا غيره".
ويقول يهودي غلظ عليه: واللَّه الذي أنزل التوراة على موسى وفلق له البحر وأنجاه من فرعون وملائه.
ويقول نصراني غلظ عليه: واللَّه الذي أنزل الإنجيل على عيسى وجعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص.
ويقول مجوسي ووثني: واللَّه الذي خلقني وصورني ورزقني؛ لأنه يعظم خالقه ورازقه أشبه كلمة التوحيد عند المسلم، ويحلف صابئ يعظم النجوم ورافضي يعظم عليًّا ومن يعبد غير اللَّه تعالى باللَّه تعالى لحديث: "من كان حالفا فليحلف باللَّه العظيم" 4663.
الجزء: 4 - الصفحة: 1232
ولحاكم تغليظها بزمن كبعد العصر لقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ 4664 قال بعض المفسرين: أي صلاة العصر 4665 , ولفعل أبي موسى 4666، أو بين أذان وإقامة؛ لأنه وقت يرجى فيه إجابة الدعاء فترجى فيه معاجلة الكاذب بالعقوية.
والتغليظ بمكان فبمكة بين الرُّكْنِ والمقام لزيادته على غيره في الفضيلة، وبالقدس عند الصخرة لفضيلتها، وفي سنن ابن ماجة مرفوعًا: "هي من الجنة" 4667.
وببقية البلاد عند المنبر لحديث مالك والشافعي وأحمد عن جابر
الجزء: 4 - الصفحة: 1233
مرفوعًا: "من حلف على منبري هذا بيمينٍ آثمةٍ فليتبوأ مقعده من النار" 4668 وقيس
الجزء: 4 - الصفحة: 1234
عليه باقي منابر المساجد.
ويحلف ذمي بموضع يعظمه كما يغلظ عليه بالزمان، قال الشعبي لنصراني: "اذهبْ إلى البيعة".
4669 وقال كعب بن سور 4670 في نصراني: "اذهبوا به إلى المذبح".
4671 زاد بعضهم وتغليظه بهيئة كتحليفه قائمًا مستقبلًا القبلة كاللعان.
ومن أبي التغليظ لم يكن ناكلًا عن اليمين؛ لأنه قد بذل الواجب عليه فوجب الاكتفاء به ويحرم التعرض له، وإن رأى الحاكم ترك التغليظ كان مصيبًا.
ومن وجب عليه يمين فحلف وقال: إن شاء اللَّه أعيدت عليه؛ لأن الاستثناء يزيل حكمها وكذا إن وصل كلامه بشرط أو كلام غير مفهوم وتقدم.
الجزء: 4 - الصفحة: 1235
(كِتَابُ الإِقْرَارِ)
وهو: الاعتراف، مأخوذ من الْمَقَرِّ وهو المكان، كأنَّ الْمُقِرَّ جعل الحق في موضعه.
4672
وأجمعوا على صحة الإقرار للكتاب والسُّنَّة 4673، ولأنه إخبار بالحق على
الجزء: 4 - الصفحة: 1237
وجه منفيّة منه التهمة والريبة، فإن العاقل لا يكذب على نفسه كذبًا يضرها, ولهذا قدم على الشهادة فلا تسمع مع إقرار مدعى عليه، ولو كَذَّبَ مدعٍ بينته لم تسمع، ولو أنكر ثم أقر سمع إقراره.
و(يَصِحُّ) الإقرار (مِنْ مُكَلَّفٍ) لا صغير غير مأذون ومجنون لحديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ" 4674 (مُخْتَارٍ) لمفهوم: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" 4675 وكالبيع فيصح ممن عليه حق من دين أو غيره (بلفظٍ أو كتابةٍ أو إشارة [من] 4676 أخرس لا على الْغَيْرِ)، فلا يصح إقراره بشيء في يد غيره كما لو أقرَّ أجنبي على صغيرٍ أو وقف في ولاية غيره أو اختصاصه (إِلّا مِنْ وَكِيْلٍ) فيصح على موكله فيما وكل فيه، (و) إلا من (وليٍّ) على موليه بما يمكن إنشاؤه لهما، (و) إلا من (وارثٍ) على مورثه بما يمكن صدقه.
وليس الإقرار بإنشاء بل إخبار بما في نفس الأمر، فيصح الإقرار ولو مع إضافة الملك إليه كقوله: عبدي هذا أو داري لزيد ولو من سكران، وكذا من زال عقله = ومن السنة: رجم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ماعزًا والغامدية بإقرارهما، كما سبق في كتاب الحدود.
الجزء: 4 - الصفحة: 1238
بمعصية كمن شرب ما يزيله عمدًا بلا حاجة إليه كطلاقه وبيعه، أو من أخرس بإشارة معلومة لقيامها مقام نطقه ككتابته، أو من صغير مُمَيّزٍ أو قنٍّ أذن لهما في تجارةٍ في قدر ما أذن لهما فيه من المال لفك الحجر عنهما فيه.
ولا يصح الإقرار من مكره عليه ولا بإشارة معتقل لسانه يرتجى نطقه، ويقبل من مقر ونحوه دعوى إكراه على إقرار بقرينة دالة عليه كسجنه أو أخذ ماله أو تهديد قادر على ما هدد به من ضرب أو حبس أو أخذ مال ونحوه لدلالة الحال عليه، وتُقَدَّمُ بينة إكراه على بينة طواعية؛ لأن مع بينة الإكراه زيادة علم، ومن أكره ليقر بدرهم فأقر بدينارٍ، أو أمره ليقر لزيد فأقر لعمرو، أو على أن يقر بدار فأقر بدابةٍ ونحوه حيث أقر بغير ما أكره عليه صح إقراره كما لو أقر به ابتداء؛ لأنه لم يكره عليه، أو أكره على وزن مال بحق أو غيره فباع داره أو نحوها في ذلك صح البيع نصًّا 4677؛ لأنه لم يكره عليه، وكره الشراء منه؛ لأنه كالمضطر إليه، وللخلاف في صحة البيع.
(ويَصِحُّ) الإقرار (مِنْ مَرِيْضٍ مَرَضَ المَوتِ) المخوف بمال لغير وارث؛ لأنه غير متهم في حقه (لا) بمال (لوراث) فلا يصح (إلا ببيِّنةٍ، أَوْ) بـ (إِجَازة) باقي الورثة كالعطية، ولأنه محجور عليه في حقه فلم يصح إقراره له لكن يلزمه الإقرار إن كان حقًا وإن لم يقبل، والاعتبار يكون المُقَرِّ له وارثًا حالة إقراره، فلو أقر بمال لوارث حال
الجزء: 4 - الصفحة: 1239
إقراره لم يلزم، (ولو صَارَ عِنْدَ الموتِ أَجنبيًّا) كمن أقر لأخيه فحدث له ابن، أو قام به مانع لاقتران التهمة به حين وجوده فلا ينقلب لازمًا.
(ويَصِحُّ) إقرارُ المريض (لأجنبي) كأخيه مع ابنه (وَلو صَارَ عِنْدَ الموتِ وارثًا) بأنْ مَاتَ الابن قبل المقرِّ له، وكذا لو أقر لأخ كافر ثم أسلم بعد موت مقر لوجود الإقرار من أهله خاليا من التهمة ولم يوجد ما يسقطه، ويصح إقرار مريض بإحبال أمته ونحوه مما يملك إنشاءه.
(وإِعْطَاءٌ كإقْرَارٍ) فلو أعطاه وهو غير وارث ثم صار وارثا صح، وقال الشيخ منصور في "شرح المنتهى" 4678: "وإن أعطاه وهو غير وارث ثم صار وارثًا وقف على إجازة الوَرَثة خلافًا لما في الترغيب وغيره كما تقدم" انتهى.
(وإنْ أَقَرَّتْ) امرأة بنكاح على نفسها ولو كانت سفيهة قبل إقرارها؛ لأن النكاح حق عليها كما لو أقرت بمال، ولزوال التهمة بإضافة الإقرار إلى شرائطه كما أقرت ببيع وليها مالها قبل رشدها، (أَوْ) أقر عليها (وَلِيُّهَا بنكاحٍ) وهي مجبرة أو مقرة بالإذن (لم يَدَّعِهِ) أي النكاح (اثنان قُبِلَ)؛ لأنها لا قول لها إذًا، ولأنه يملك إنشاء العقد فملك الإقرار به، قال في "الشّرح" 4679: "فإن ادعاه اثنان فأقرت لأحدهما لم يقبل منها؛ لأن الآخر يدعي ملك بضعها وهي معترفة أن ذلك قد ملك عليها فصار إقرارها بحق غيرها لأنها متهمة فإنها لو أرادت ابتداء تزويج أحد المتداعيين لم يكن لها قبل
الجزء: 4 - الصفحة: 1240
الانفصال من دعوى الآخر" انتهى.
وهذه رواية الميموني 4680، واختاره القاضي وأصحابه، وجزم بها في "الوجيز" 4681 " وصحّح في "الإنصاف" 4682 و"تصحيح الفروع" 4683 أنه يقبل إقرارها بالنكاح على نفسها وقال: "صحّحه المجد في "محرره" وصاحب "التصحيح" واختاره الموفق وجزم به في "المغني" في النكاح وجزم به في "المنوّر" وغيره، وقدمه صاحب "الإقناع" في باب طريق الحكم وصفته، وجزم به في المنتهى".
4684 ومن ادعى نكاح صغيرة ولا بينة به فسخه حاكم وفرق بينهما؛ لأن النكاح لا يثبت بمجرد دعواه، ثم إن صدقته إذا بلغت قبل، وإن أقر رجل أو امرأة بزوجية الآخر فسكت صح وورث بالزوجية لقيامها بينهما بالإقرار، أو أقر أحدهما بزوجية
الجزء: 4 - الصفحة: 1241
الآخر وجحده ثم صدقه صح الإقرار وورثه ولا أثر لجحده قبل.
وإن أقر ورثة بدين على مورثهم قضوه وجوبًا من تركته لتعلقه بها، وكذا إن ثبت ببينة أو إقرار ميت، وإن أقر بعضهم بلا شهادة فعلى الْمُقِرِّ منه بقدر إرثه من التركة، وإن شهد منهم عدلان أو عدل وحلف معه ثبت الحق لكمال نصابه، ويقدم من ديون تعلقت بتركة ميت دين ثابت ببينة نصًّا 4685 فدين بإقرار ميت على ما أقر به ورثة؛ لأن إقرارهم في حقهم وإنما يستحقون التركة بعد أداء الدين الثابت عليها فوجب أداء ما ثبت بغير إقرارهم أولًا.
(ويُقْبَلُ إِقرَارُ صَبيٍّ) تم (له عشر) سنين (أَنَّهُ بَلَغَ باحتلامٍ) ومثله جارية تم لها تسع سنين ولا يقبل إقراره ببلوغ بسن إلا ببينة، وإن أقر من جهل بلوغه حال إقراره بمال وقال بعد تيقن بلوغه: لم أكن حال إقراري بالغًا لم يقبل منه ذلك ولزمه ما أقر به؛ لأن الظاهر وقوعه على وجه الصحة، وكذا لو قال: كنت حال البيع صبيًا أو غير مأذون ونحوه وأنكره مشترٍ وتقدم، وإن أقر من شك في بلوغه ثم أنكر بعد بلوغه حال الشك صدق في ذلك؛ لأن الأصل الصغر بلا يمين.
وإن أقر قِنٌّ ولو آبقًا بعد أو قودٍ أو طلاقٍ ونحوه صح وأخذ به في الحال لإقراره بما يمكن استيفاؤه من بدنه دون سيده؛ لأن سيده لا يملك منه إلا المال، ولحديث: "
الجزء: 4 - الصفحة: 1242
الطلاق لمن أخذ بالساق" 4686 ما لم يكن القود في نفس ويكذبه سيده فيؤخذ بعد عتق نصًّا 4687، لأنه أقر برقبته وهو لا يملكها, ولأنه يسقط حق سيده أشبه إقراره بقتل الخطأ فيطلب جواب دعواه منه ومن سيده جميعًا؛ لأنه لا يصح من أحدهما عن الآخر، ولا يقبل إقرار سيده عليه بغير ما يوجب مالًا فقط كالعقوبة والطلاق والكفارة؛ لأنه إقرار على غير نفس المقر أشبه إقرار غير السيد عليه بخلاف إقرار السيد عليه بما يوجب مالًا؛ لأنه إيجاب حق في مال السيد فلزمه كما لو ثبت بالبينة، وإن أقرَّ قِنٌّ غير مأذون له بمال أو بما يوجبه أو أقر قِنٌّ مأذون له بما لا يتعلق بالتجارة فكإقرار محجور عليه يتبع به بعد عتقه نصًّا 4688 عملًا بإقراره على نفسه كالمفلس، وما صح إقرار قِنٍّ به فهو الخصم فيه دون سَيِّدِه، وإلا يصح إقراره به كالذي يوجب مالًا فسيده الخصم فيه والقود في النفس هما خصمان فيه كما سبق.
وإن أقرَّ قِنٌّ بسرقة مال بيده وكذبه سيده قبل إقراره في قطع يده في السرقة بشرطه لما تقدم دون مال فلا يقبل إقراره؛ لأنه حق سيده، والإقرار بشيء لقن غيره إقرار به لسيده؛ لأنه الجهة التي يصح الإقرار لها فتعين جعل المال له، فإن صدقه السيد لزمه ما
الجزء: 4 - الصفحة: 1243
أقر به.
ويصح الإقرار لمسجدٍ أو مقبرةٍ أو طريقٍ ونحوه ولو أطلق فلم يعين سببًا، ولا يصح الإقرار لدار إلا مع ذكر السبب كغصب أو استئجار؛ لأن الدار لا تجري عليها صدقة غالبا بخلاف المسجد، ولا يصح إقراره لبهيمة إلا إن قال: على كذا بسببها.
ويصح الإقرار لحمل آدمية بمال وإن لم يعزه إلى سبب لجواز ملكه إياه بوجه صحيح كالطفل، فإن وضع الحمل ميتا أو لم يكن حمل بطل إقراره؛ لأنه إقرار لمن لا يصح أن يملك، وإن ولدت حيا وميتا فالمقر به جميعه للحي بلا نزاع، وإن ولدت حيين فلهما بالسوية ولو ذكرا وأنثى ما لم يعز الإقرار إلى ما يوجب تفاضلا كإرث أو وصية يقتضيانه فيعمل به.
ومن أقر لمكلف بمال في يده ولو برق نفسه مع جهل نسبه أو كان المقر به قنا فكذبه المقر له بطل إقراره، ويُقَرُّ الْمُقَرُّ به بيد الْمُقِرِّ؛ لأنه مال بيده لا يدعيه غيره ولا يقبل عود مقر له إلى دعواه، وإن عاد الْمُقِرُّ فادعاه لنفسه أو لثالث قبل منه ذلك لأنه في يده.
الجزء: 4 - الصفحة: 1244
فَصْلٌ فيْمَا يَحْصلُ بهِ الإِقْرَارُ ومَا يُغَيِّرهُ
(ومن ادُّعِيَ عَلَيهِ بشيء) كألف أو مائة (فقال: نعم، أوْ) فقال: (بَلَى) فإقرار صحيح لقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ 4689 قال ابن عباس: "لو قالوا نعم لكفروا" 4690 (ونحوهما) كقوله: أجَلْ -بفتح الهمزة والجيم وسكون اللام- لأنه حرف تصديق كنعم قال الأخفش 4691: "إلا أنه أحسن من نعم في التصديق ونعم أحْسَنُ منه في الاستفهام".
4692 ويدل على
الجزء: 4 - الصفحة: 1245
ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ 4693 وقيل لسلمان 4694: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخِراءة قال: "أجَلْ" 4695 أو ادعي عليه بألف فقال: صَدَقْت.
أو قال: أنا أو إني مقر به أو مقر بدعواك أو مقر فقط فقد أقر؛ لأن هذه الألفاظ تدل على تصديق المدعي، (أَوْ) ادعي عليه بألف مثلًا فقال: (اتَّزِنهُ أوْ خُذْ) ـه، أو اقبضها، أو أحرزها، أو قال: هي صحاح أو قال: كأني جاحد لك أو كأني جحدتك حقك (فقد أَقَرَّ)، وكذا إن قال: "أقررت
الجزء: 4 - الصفحة: 1246
لقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ 4696 فكان منهم إقرارًا (لا) إن قال: (خُذْ أو اتَّزِنْ ونحوه) كإحرز أو افتح كمك لاحتمال أن يكون لشيء غير المدعى به، أو قال: أنا أقر؛ لأنه وعد، أو لا أنكر؛ لأنه لا يلزم من عدم الإنكار الإقرار؛ لأن بينهما قسم آخر وهو السكوت، أو قال: يجوز أن تكون محقا لجواز أن لا يكون محقا، أو قال: عسى أو لعل؛ لأنهما للشك، أو قال: أظن أو أحسب أو أقدر لاستعمالها في الشك.
وقول مدعى عليه: بلى في جواب أليس لي عليك كذا؟ إقرار بلا خلاف؛ لأن نفي النفى إثبات لا قوله: نعيم إلا من عامي فيكون إقرارا، كقوله: عشرة غير درهم -بضم الراء- يلزمه تسعة إذ لا يعرفه إلا الحاذق من أهل العربية، وإن قال: اقضني ديني عليك ألفا أو اشتر أو أعطني أو سلم لي ثوبي هذا أو فرسي هذه أو ألفا من الذي عليك أو هل لي عليك ألف؟ فقال: نعم، أو قال: أبي علميك ألف؟ فقال: نعم فقد أقر؛ لأنها صريحةٌ فيه أو قال: أمهلني يومًا أو حتى أفتح الصندوق فقد أقر؛ لأن طلبه المهلة يقتضي الحق عليه، أو قال: له علي ألف إن شاء اللَّه فقد أقرَّ به نصًّا.
4697
وإن علَّق الإقرار بشرط قدوم كقوله: إن قدم زيد فلعمرو علي كذا, أو إن شاء زيدٌ ذلك عليَّ كَذا، أو إن جاء رأس الشهر فله عليَّ كذا لم يكن مقرًا؛
الجزء: 4 - الصفحة: 1247
لأنه لم يثبت على نفسه شيئًا في الحال، وإنما علق ثبوته على شرط، والإقرار إخبار سابق فلا يتعلق بشرطٍ مستقبلٍ بل يكون وعدًا لا إقرارًا بخلاف تعليقه على مشيئة اللَّه فإنَّها تذكر في الكلام تبركا وتفويضًا إليه تعالى، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ 4698 وقد علم اللَّه أنهم سيدخلونه بلا شك، أو قال: إن شهد به زيد فهو صادق أو صدقته لم يكن مقرًا؛ لأنه وعد بتصديقه له في شهادته لا تصديقه، ومتى فسر قوله بأجل أو وصية قبل منه ذلك بيمينه؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته، كمن أقر بغير لسانه وقال: لم أرد ما قلت فيقبل منه بيمينه، وقال الشيخ تقي الدين: "إذا أقر عامي بمضمون محضر وادعى عدم العلم بدلالة اللفظ ومثله يجهله فكذلك".
4699 قال -صلى اللَّه عليه وسلم-"الفروع" 4700: "وهو متجه".
وإن رجع مقرٌّ بحق آدميٍّ أو زَكاةٍ أو كَفَّارَةٍ لم يقبل لتعلق حق الآدمي المعين وأهل الزَّكاة به، (ولا يَضُرُّ الإنشاءُ فيهِ) أي في الإقرار.
الجزء: 4 - الصفحة: 1248
فَصْلٌ فيمَا إذا وصَلَ بإِقْرَارِهِ ما يُغَيِّرهُ
(و) إذا قال: (له عَليَّ أَلفٌ لا يَلْزَمُنِيْ، أو) قال: له عليَّ ألف من (ثمنِ خمرٍ ونحوه) كَلَهُ عليَّ ألفٌ من مضاربة ووديعة، أو قال: له عَليَّ ألف قبضه أو استوفاه أو من ثمن مبيع لم أقبضه أو تلف قبل قبضه أو مضاربة تلفت وشرط عَليَّ ضمانها، أو قال: له عليَّ ألفٌ بكفالة تكفلت بها على أنني بالخيار فـ (يَلزَمُه أَلفٌ) في جميع ذلك؛ لأن ما ذكره بعد قوله: له علي ألف رفع لجميع ما أقر به فلا يقبل كاستثناء الكل.
وإن قال: له علي من ثمن خمس ألف لم يلزمه شيء؛ لأنه أقرَّ بثمن خمر وقدره بألف وثمن الخمر لا يجب.
(و) إن قال: (له) عليَّ ألفٌ، (أو كان) له (علي ألفٌ) وسكت فإقرار؛ لأنه أقر بالوجوب ولم يذكر ما يرفعه فبقي على ما كان عليه، وإن وصل قوله له أي كان لك عليَّ كذا بقوله (قضيْتُهُ) إيَّاه أو قضيته بعضه (أَوْ بَرِئْتُ منه) ولم يعزه لسبب (فـ) يقبل (قوله) بيمينه نصًّا 4701 طبقًا لجوابه لأنه منكر ويخلى سبيله حيث لا بينة (وإنْ ثَبتَ) ما أقر به (ببينةٍ أوْ عَزَاهُ) أي المقر به (لسببٍ)
الجزء: 4 - الصفحة: 1249
بأن قال: من قرض أو ثمن مبيع ونحوه فقد اعترف بما يوجب الحق (فلا) يقبل قوله أنه بريء منه إلا ببينة.
(وإِنْ أَنْكَرَ) مدعى عليه (سببَ الحقِّ) فثبت (ثم ادَّعَى الدفع) أو الإبراء قبل إنكاره لم يسمع منه وإنْ أتَى (ببينةٍ) نَصًّا 4702، فلو ادعى عليه ألفًا من قرض فقال: ما اقترضت منه شيئًا أو من ثمن مبيع فقال: ما ابتعت منه شيئًا ثم ثبت أنه اقترض أو اشترى ببينة أو إقرار فقال: قضيته من قبل هذا الوقت أو أبرأني (لم يقْبَلْ) منه ولو أقام بينة؛ لأن انقضاء أو الإبراء لا يكون إلا عن حق سابق، وإنكار الحق يقتضي نفي القضاء أو الإبراء منه فيكون مكذبا لدعواه وبينته فلا تسمع لذلك، بخلاف ما لو ادعى قضاء أو إبراءً بعد إنكاره فإنها تسمع دعواه بعد ذلك وتقبل بينته؛ لأن قضاءه بعد إنكاره كالإقرار فيكون قاضيًا لما هو مُقِرٌّ به فتسمع دعواه به كغير المنكر.
ويصح استثناء النصف فأقل قال الزَّجَّاجُ: "لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير".
4703 ولو قال: مائة إلا تسعة وتسعين لم يكن متكلما بالعربية فيلزم المقر ألف في قوله: له علي ألف إلا ألفا أو له علي ألف إلا ستمائة لبطلان الاستثناء، ويلزمه خمسة في قوله: ليس لك عليَّ عشرة إلا خمسة؛ لأنه استثنى النصف، والاستثناء
الجزء: 4 - الصفحة: 1250
من النفي إثباتٌ بشرط أن لا يسكت زمنا يمكنه كلام فيه، وأن لا يأتي بكلام أجنبي بينهما؛ لأنه إذا سكت بينهما أو فصل بكلام أجنبي فقد استقر حكم ما أقر به فلم يرتفع بخلاف ما إذا اتصل فإنه كلام واحد، وبشرط أن يكون المستثنى من الجنس المستثنى منه ونوعه؛ لأن الاستثناء إخراج بعض ما يتناوله اللفظ بموضعه وغير ذلك لا يتناوله اللفظ بموضعه، وإن قال: له هذه الدار وَلِيَ نصفها أو إلا نصفها أو إلا هذا البيت، أو قال: هذه الدار له وهذا البيت لي قُبل منه ذلك حيث لا بينة تخالفه ولو كان البيت أكثرها؛ لأن الإشارة جعلت الإقرار فيما عدا الاستثناء فالمقر به معين فوجب أن يصح لا إن قال: له الدار إلا ثلثيها ونحوه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1251
فَصْلٌ إذا قال: له عليَّ ألف درهم مثلا مؤجلة إلى كذا قُبلَ قولُه في تأجيله نَصًّا (1)؛ لأنه مقر بها بصفة التأجيل فلم يلزمه إلا كذلك حتى ولو عزاه إلى سبب قابل للأمرين كالأجرة والصداق والثمن والضمان، وإن قال: له عليَّ ألف وسكت ما يمكن كلام فيه ثم قال: مؤجلة أو زيوف أو صغار لزمته حالّة جيادا وافية لحصول الإقرار بها مطلقا فينصرف إلى الجيد الحال "الوافي" وما أتى به بعد سكوته دعوى لا دليل عليها إلا من بلد أوزان أهلها ناقصة أو نقدهم مغشوش فيلزمه من دراهمها لانصراف الإطلاق إليه.
ولو قال: له عليَّ ألف زُيُوف قبل تفسيره بمغشوشة لا بما لا فضة فيه؛ لأنه لا يسمى دراهم، وإن قال: له عندي ألف وفسره بدينٍ أو وديعةٍ قُبل، قال في "الشرح" (2): "لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافًا سواء فسره بكلام متصل أو من
فصل
؛ لأنه فسر لفظه بما يقتضيه".
فلو فسره بوديعة ثم قال: قبضه أو تلف قبل ذلك أو قال: ظننته باقيا ثم علمت تلفه قُبل منه ذلك بيمينه لثبوت أحكام الوديعة.
وإن قال من ادعي عليه بألف: هو رهن فقال المدعي: بل وديعة فقول47044705
الجزء: 4 - الصفحة: 1252
مدع؛ لأن المقر أقر له بمال وادعى أن له به تعلقًا فلم يقبل منه كما لو ادعاه بكلام منفصل، أو قال: له عليَّ ألف من ثمن مبيع لم أقبضه فقال مقر له: بل هو دين في ذمتك فقول مدعٍ بيمينه؛ لأنه اعترف له بدين وادَّعى عليه مَبيعًا، ولو قال: له عليَّ أو في ذمتي ألف وفسره متصلا بوديعة قُبل؛ لأن الوديعة عليه حفظها، وردها ولا يقبل دعوى تلفها للتناقض إلا إذا انفصلت عن تفسيره فيُقبل.
ويصح قول جائز التصرف: دَيْنِيْ الذي على زيد لعمرو لأنه قد يكون وكيلًا لعمرو أو عاملًا له والإضافة لأدنى ملابسةٍ كقوله: لزيد من مالي أو فيه أو له في ميراثي من أبي ألف ولو لم يقل بحق لزمني لجواز إضافة الإنسان إلى نفسه مال غيره لاختصاص له به لما تقدم، فإن فسر إقراره بذلك بهبة وقال: بدالي من تقبيضه قُبِلَ لأنه محتمل.
(ومَنْ أَقَرَّ بقَبْضِ) ثمنٍ أو أجرة أو مبيع (أَوْ) أقر بـ (إقْبَاضٍ أو هِبةٍ) لزيد (ونحوهنَّ) 4706 كرهن لزيد مثلا (ثُمَّ أَنْكَرَ) فقال: ما قبضت ولا أقبضت (ولم يجحدْ إِقْرَارَهُ) بالقبض أو الإقباض (ولا بينة، وسأل إحلاف خَصْمِهِ لَزِمَهُ) لجريان العادة بالإقرار بذلك قبله.
(ومَنْ بَاعَ أوْ وَهَبَ أو أَعْتَقَ) قِنًّا (ثُمَّ أَقَرَّ بذلكَ) أي بما باعه أو وهبه أو أعتقه (لغيرِهِ لم يُقْبَلْ) إقرارُه على مشتر أو متهب أو عتيق؛ لأنه أقر على غيره وتصرفه نافذ، (و) يلزمه أن (يغرمهُ) أي بدله (لِمُقَرٍّ له، وإِنْ قال: لم يكن ملكى ثُمَّ مَلكتُهُ بعدُ
الجزء: 4 - الصفحة: 1253
قُبِل ببينةٍ) تشهد به (ما لم يُكذِّبها) أي البينة (بنحو) قوله: (قبضتُ ثمن ملكي) أو قوله: أنه ملكي، فإن وجد ذلك لم تسمع بينته؛ لأنها تشهد بخلاف ما اقر به، ومن قال: قبضت من فلانٍ ألفًا وديعة فتلفت فقال: ثمن مبيع لم تقبضنيه لم يضمن، ويضمن إن قال: غصبا وعكسه أي أعطيتني ألفا وديعة فقال مقر له: بل أخذت مني الألف غصبا فيحلف الْمُقَرِّ له ويأخذه.
(ولا يُقْبَلُ رُجوعُ مُقِرٍّ) عن إقراره (إِلّا في حدٍّ للَّه) تعالى.
الجزء: 4 - الصفحة: 1254
فَصْلٌ في الإِقْرَارِ بالْمُجْمَلِ
وهو: ما احتمل أمرين فأكثر على السَّواء 4707.
وقيل: ما لا يفهم معناه عند الإطلاق 4708 , ضد الْمُفَسَّر.
(ومَنْ 4709 قال: له علي شيءٌ أَوْ) قال: له عليَّ (كذا) أو كرر ذلك بواو فقال: له عليَّ كذا وكذا أو بدون واو فقال: كذا كذا، (أَوْ) قال: له عليَّ (مالٌ عظيمٌ ونحوُهُ) كمالٍ خطيرٍ أو كثيرٍ أو جليلٍ أو نفيسٍ أو عزيزٍ صَحَّ إقرارُهُ، وقيل له: فَسِّرْ ويلزمه تفسير، قال في "الشرح" 4710: "بغير خلاف نعلمه".
ويفارق الإقرار الدعوى حيث لا تصح بالمجهول؛ لأنها للمدعي والإقرار على المقر فلزم تبيين ما عليه مع الجهالة دون الذي له.
وتصح الشهادة بالإقرار بالمجهول.
فإن قيل له: فَسِّرْ (وأبى تَفْسِيْرَهُ) أي تبيينه (حُبِس حَتى يُفَسِّرَهُ) لامتناعه من حق عليه فحبس به كما لو عينه وامتنع عن أدائه، وإنْ فَسَّرَهُ بشيء وصدقه المقر له وادعاه فصدقه المقر ثبت عليه أيضًا، وإن كذبه وامتنع من البيان قيل له: إن بينت وإلا
الجزء: 4 - الصفحة: 1255
جعلت ناكلًا، ويُقْبَلُ تفسيره بحد قذف عليه للمقر له؛ لأنه حق عليه فيحد لقذفه بطلبه، ويقبل تفسيره بحق شفعة؛ لأنه حق واجب يؤول إلى المال، (ويُقْبَلُ) تفسيره أيضًا (بأَقَلِّ مَالٍ)؛ لأن الشيء يصدق عليه أقل مالٍ، ولأن العظيم والخطير والكثير لا حد له شرعًا ولا لغةً ولا عرفًا ويختلف الناس فيه فقد يكون عظيمًا عند بعض حقيرًا عند غيره، ويقبل تفسيره بأم ولد؛ لأنها مال يغرم قاتلها قيمتها.
(و) يقبل تفسيره (بـ) ما يجب رده كـ (كلبٍ مُباحٍ) نفعه ككلب الصيد والماشية في الأصح؛ لأنه شيء يجب رده وتسليمه إلى المقر له والإيجاب يتناوله فقبل لذلك.
و(لا) يقبل تفسيره (بميتةٍ) نجسة (أَوْ خمرٍ) وخنزير؛ لأنها ليست حقا عليه، فإن كانت الميتة طاهرة كسمك وجراد يتمول قبل، ولا يقبل تفسيره برد سلام وتشميت عاطس وعيادة مريض وإجابة دعوة وصلة رحم؛ لأن ذلك كله لا يثبت في الذمة وإقراره يدل على ثبوت الحق في ذمته، (أَوْ) بغير متمول عادة كـ (قِشْرِ جَوزَةٍ ونحوِهِ) كحبة بر أو حبة شعير أو نواة ونحو ذلك؛ لأن إقراره اعتراف بحق عليه يثبت مثله في الذمة بخلاف نحو هذه.
فإنْ مَاتَ الْمُقِرُّ بمجمل قبل التفسير لم يؤاخذ وارثه بشيء ولو خلف تركة لاحتمال أن يكون حد قذف، وإن قال: لا علم لي بما أقررت به حلف على ذلك إن طلبه مُقِرٌّ له ولزمه ما يقع عليه الاسم كالوصية، وإن قال: غصبت منه أو غصبته شيئًا قبل تفسيره بخمرٍ وكلب وجلد ميتة نجسة لوقوع اسم الشيء عليه، والغصب هو الاستيلاء عليه، وإن قال: غصبته فقط قبل تفسيره بحبسه وسجنه؛ لأن غصب الحر هو
الجزء: 4 - الصفحة: 1256
ذلك، وله علي دراهم أو دراهم كثيرة يقبل تفسيره بثلاثة دراهم فأكثر، وكذا لو قال: دراهم عظيمة أو وافرة؛ لأن الكثيرة والعظيمة والوافرة لا حد لها لغة ولا عرفا وتختلف باختلاف الإضافة وأحوال الناس، والثلاثة أكثر مما دونها وأقل مما فوقها, ولأن الثلاثة أقل الجمع وهو اليقين فلا يجب عليه ما زاد عليها بالاحتمال، وله عليَّ حبة أو جوزة أو نحوهما ينصرف إطلاقه إلى الحقيقة ولا يقبل تفسيره ذلك بحبة بر ونحوها ولا بشيء من خبز ونحوه بقدر جوزة، وله عليَّ كذا درهم، أو كذا وكذا درهم، أو كذا كذا درهم بالرفع أو بالنصب لدرهم لزمه درهم في الصور الثلاث، وإن قال: الكل بالجر لزمه بعض درهم أو وقف لزمه بعض درهم ويفسره، فإن قال: أردت جزءًا من ألف جزء من درهم قُبل منه، وإن قال: بعض العشرة قبل تفسيره بما شاء منها وشطرها نصفها.
وله عليَّ ألف إلا درهما فالجميع دراهم أو ألف إلا دينار فالجميع دنانير؛ لأن العرب لا تستثني في الإثبات إلا من الجنس، فمتى علم أحد الطرفين علم الآخر، ويقال: الاستثناء معيار العموم.
وله عليَّ دراهم بدينار لزمه دراهم بسعره؛ لأنه مقتضى لفظه، وله في هذا العبد أو الثوب أو الفرس شرك أو هو شريكي فيه أو هو شرك بيننا أولى وله أو له فيه سهم قبل تفسيره قدر حق الشريك؛ لأن الشركة تارة تقع على النصف وتارة على ما دونه وتارة على ما هو أكثر منه.
ومتى تردد اللفظ بين شيئين فأكثر رجع في تفسيره إلى الْمُقِرِّ؛ لأنه لا
الجزء: 4 - الصفحة: 1257
يعرف إلا من جهته.
ومن قال: له عندي ما بين درهم وعشرة لزمه ثمانية دراهم؛ لأنها ما بينهما, وله من درهم إلى عشرة لزمه تسعة؛ لأنه جعل العشرة غاية وهي غير داخلة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 4711 بخلاف ابتداء الغاية؛ لأنه داخل في مُغَيَّاها، أو قال: له علي ما بين درهم إلى عشرة لزمه تسعة لما تقدم، وإن أراد مجموع الأعداد لزمه خمسة وخمسون، قال في "الشرح" 4712: "واختصار حسابه أن تزيد أول العدد وهو واحد على العشرة فيصيرُ أحد عشر ثم اضربها في نصف العشرة فما بلغ فهو الجواب".
(ولهُ) عندي (تمرٌ في جِراب) 4713 -بكسر الجيم- (أَوْ) له عندي (سكين في قِرابٍ 4714 أو) له عندي (فَصٌّ في خاتمٍ ونحو ذلك) كَلَهُ عندي ثوب في منديل أو عبد عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 1258
عمامة أو دابة عليها سرج، أو له عندي فصٌّ فيه خاتم أو جراب في تمر أو قراب سيف أو منديل فيه ثوب ونحو ذلك (يلزمُهُ الأول) فهو إقرار بالأول دون الثاني؛ لأن الأول لم يتناول الثاني، وذكره في سياق الإقرار لا يلزم منه أن يكون مقرًا له؛ لأنه كما يحتمله يحتمل أن يكون للمقر فلا نوجبه عليه بالشك.
وإن قال: له عبد بعمامة أو بعمامته لزماه؛ لأن الباء تعلق الثاني بالأول، أو قال: له فرس مسرج أو بسرجه، أو له سيف بقراب أو بقرابه، أو له سرج مفضفض، أو ثوب مطرز أو معلم لزمه ما ذكره؛ لأن الباء تعلق الثاني بالأول، والوصف يبين الموصوف ويوضحه فلا يغايره، وإن قال: له خاتم فيه فصٌّ كان مقرًا بهما؛ لأن الفصّ جزء من الخاتم.
(وإقرارٌ بشجرٍ) أو شجرة (ليس إقرارًا بأرضِهِ)؛ لأن الأصل لا يتبع الفرع بخلاف إقراره بالأرض فيشمل غرسها وبناءها وتقدم، فلا يملك مقر له بشجرة غرس مكانها لو ذهبت؛ لأنه غير مالك للأرض، ولا أجرة على مقر له بشجرة ما بقيت، (و) إقراره (بأمةٍ) حاملٍ (ليس إقرارًا بحملها)؛ لأنه ظاهر اللفظ وموافق للأصل ودخوله مشكوك فيه، (و) مثله لو أقر بفرسٍ أو أتانٍ أو ناقةٍ حامل ونحوها، أو إقرار (ببستانٍ يَشْمَلُ أشجَارَهُ) وبناءه وأرضه؛ لأنه اسم للجميع إلا أن يمنع مانع ككون الأرض عنوة.
(وِإنْ ادَّعَى أحدُهُما) أي المتعاقدين (صحّةَ الْعَقْدِ) من بيع أو إجارة أو غير ذلك (والآخرُ فَسَادَهُ) أي العقد (فـ) القول (قولُ مُدَّعي الصِّحَّةِ) بيمينه؛ لأن
الجزء: 4 - الصفحة: 1259
الأصل في عقود المسلمين الصحة.
(واللَّه سبحانه [وتعالى] 4715 أعلم بالصواب).
وقد نجز الكتاب بمعونة الملك الوهاب برقم كاتبه الفاني ومؤلفه محمد البلباني 4716 عفا اللَّه عنه وسامحه برحمته آمين رابع عشرة شعبان سنة 1055 هـ، وهذا آخر ما نجز من شرح هذا المختصر المبارك والحمد للَّه أولًا وآخرًا وباطنًا وظاهرًا، نسأله تعالى حسن الختام والوفاة على الإسلام، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ 4717، قال ذلك جامعه فقير رحمة ربه: عثمان بن عبد اللَّه النجدي الحنبلي عفى اللَّه عنه وغفر له ولوالديه ولمشائخه والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات بمنّه وكرمه، كان إتمامه في يوم الجمعة المبارك غرة ذي الحجة الحرام سنة 1224 هـ بمدينة الْمُبرَّز من الأحساء 4718 المحروسة حرسها اللَّه على العباد، وجعلها دار
الجزء: 4 - الصفحة: 1260
إسلام إلى يوم التناد، والحمد للَّه عودًا على بدءٍ والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى ما غاب نجم وبدا وسلم تسليمًا كثيرًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 1261
الخاتمة
الحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده سبحانه على أن وفقني لتحقيق جزء من هذا الكتاب ودراسته، وقد حرصت أن يكون على الصورة التي أراد له مؤلفه، وقد توصلت من خلال هذه الدراسة للنتائج التالية: -
1 - قيمة الكتاب العلمية، حيث أنه شرح لمن من المتون المعتبرة في المذهب.
2 - يتميز الكتاب بكثرة موارده التي استقى منها مادة الكتاب مع أصالتها وتنوعها.
3 - وفرة الأدلة الشرعية مع تنوعها.
4 - اهتمامه بالتعريفات اللغوية والاصطلاحية والشرعية، وشرح لبعض الألفاظ الغريبة.
5 - أن مصادر ترجمة المؤلف كانت شحيحة جدًا فيما يتعلق بحياته الشخصية والعلمية ومع ذلك فقد حاولت إبراز هذين الجانبين بما أتيح لي من مصادر.
هذا وأسأل اللَّه تعالى حسن الختام، وأن يكتب لي الأجر والمثوبة على ما قدمته في خدمة هذا الكتاب، كما أسأله أن يغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات، وأن يتجاوز عني ما كان من خطأ أو نسيان، فهو حسبي ونعم الوكيل.
وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الجزء: 4 - الصفحة: 1262
فهرس المصادر والمراجع
• أحكام القرآن، محمد بن إدريس الشافعي، ت 204 هـ، تحقيق عبد الغزي عبد الخالق، دار الكتب العلميَّة، بيروت (1400 هـ).
• الآحاد والمثاني، أحمد بن عمرو بن أبي العاصم الشيباني، ت 287 هـ، تحقيق الدكتور باسم فيصل الجوابرة، طُبع (1411 هـ - 1991 م)، دار الراية، الرياض.
• آداب الزفاف، محمد ناصر الدين الألباني، ت 1420 هـ، الطبعة اثاية، (1409 هـ)، المكتبة الإسلاميّة، عمان، الأردن.
• الآداب الشرعيَّة والمنح المرعيَّة، محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، ت 763 هـ، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.
• أحكام القرآن، أحمد بن علي الجصاص، ت 370 هـ، تحقيق محمد الصادق قمحاوى، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
• أخبار القضاة، وكيع محمد في خلف بن حيان، ت 306 هـ، عالم الكتب، بيروت.
• أخصر المختصرات، في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، محمد بدر الدين بن بلبان الدمشقي، ت 1083 هـ، تحقيق محمد بن ناصر العجمي، الطبعة الأولى، (1416 هـ)، دار البشائر الإِسلامية، يبروت.
• أدب القاضى، علي بن محمد بن حبيب الماوردى، ت 450 هـ، تحقيق محيي هلال السرحان، مطبعة الإرشاد، بغداد، (1391 هـ).
• الأدب المفرد، محمد بن إسماعيل البخاري، ت 256 هـ، الطبعة الأولى، (1406 هـ)، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.
• أساس البلاغة، محمود بن عمر بن محمد الزمخشري، ت 538 هـ، طُبع (1385 هـ - 1965 م)، دار صادر، بيروت.
• أسد الغابة في معرفة الصحابة، علي بن محمد الجزري، المشهور بعز الدين بن الأثير، ت 630 هـ، الشعب.
• الأسماء المبهمة في الأغنياء المحكمة، أحمد بن علي الخطيب البغدادي، ت 463 هـ، تحقيق الدكتور عز الدين علي السيد، الطبعة الأولى، (1405 هـ - 1984 م) مطبعة المدني، القاهرة.
• الأشباه والنظائر في النحو، الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ت
الجزء: 4 - الصفحة: 1327
911 هـ، تحقيق الدكتور عبد العال سالم مكرم، الطبعة الأولى، (1406 هـ - 1985 م)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، ت 911 هـ، الطبعة الأولى، (1403 هـ)، دار الكتب العلمية بيروت.
• أصول السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، ت 490 هـ، تحقيق أبو الوفاء الأفغاني، طُبع (1393 هـ - 1973 م)، دار المعرفة، بيروت.
• أعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، ت 751 هـ، دار الجيل، بيروت، (1973 هـ).
• أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام، عمر رضا كحالة، ت 1408 هـ، الطبعة الثالثة، (1397 هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، خير الدين محمود الزركلي، ت 1396 هـ، الطبعة العاشرة، (1992 م)، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان.
• الأغاني، علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني، ت 356 هـ، طبعة الساسي.
• الأم، محمد بن إدريس الشافعي، ت 204 هـ، الطبعة الأولى، (1400 هـ)، دار الفكر، بيروت، لبنان.
• الأموال، أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي، ت 224 هـ، تحقيق محمد خليل هراس، طُبع (1395 هـ - 1975 م)، مكتبة الكليات الأزهرية، ودار الفكر، القاهرة.
• أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، ت 279 هـ، تحقيق الدكتور سهيل نكار، ورياض زركلي، الطبعة الأولى، (1417 هـ - 1996 م)، دار الفكر، بيروت.
• الأنساب، عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، ت 562 هـ، صححه الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني، الطبعة الأولى، (1386 هـ - 1966 م)، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد الدكن، الهند.
• الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، محمد بن إيراهيم بن المنذر النيسابوري، ت 318 هـ، تحقيق صغير أحمد حنيف، الطبعة الأولى، (1405 هـ)، دار طيبة، الرياض.
• أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، عبد اللَّه بن يوسف بن أحمد بن عبد اللَّه بن هشام، ت 761 هـ، ومعه كتاب عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك، محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الخامسة، (1399 هـ)، دار الجيل، بيروت.
• إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين، محمد بن محمد الحسيني الزبيدي، ت
الجزء: 4 - الصفحة: 1328
1205 هـ دار إحياء التراث العربي، بيروت.
• الإجماع، محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابورى، ت 318 هـ، تحقيق صغير أحمد محمد حنيف، الطبعة الأولى، (1402 هـ)، دار طيبة، الرياض.
• الإحسان في تقريب صحيح بن حبان، علي بن بلبان الفارسي، ت 739 هـ، تحقيق شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولى، (1412 هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• الإحكام في أصول الأحكام، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهرى، ت 456 هـ، مطبعة العاصمة، القاهرة.
• الإحكام في أصول الأحكام، علي بن أبي علي بن محمد الآمدي، ت 631 هـ، الطبعة الأول، (1387 هـ)، مؤسسة النور.
• إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني، ت 1420 هـ، الطبعة الأولى، (1399 هـ)، المكتب الإِسلامي، بيروت، ودمشق.
• الإرشاد إلى سبيل الرشاد، الشريف محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي، ت 428 هـ، تحقيق عبد اللَّه التركي، الطبعة الأولى (1419 هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.
• الإشراف على مذاهب أهل العلم، محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، ت 318 هـ، (من كتاب النكاح إلى نهاية كتاب الاستبراء) تحقيق صغير أحمد محمد حنيف، الطبعة الأولى، دار طيبة، الرياض.
• الإشراف على مذاهب أهل العلم، محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، ت 318 هـ، (من كتاب الشفعة إلى نهاية كتاب الوكالة) تحقيق محمد نجيب سراج الدين، الطبعة الأول، (1406 هـ)، دار الثقافة، الدوحة.
• الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، وعلي بن محمد معرض، الطبعة الأولى (1415 هـ)، دار الكتب العلميَّة، بيروت.
• إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين درويش، الطبعة الثالثة، (1412 هـ - 1992 م)، دار ابن كثير، دمشق.
• إفاضة الأنوار على أصول المنار، محمد علاء الدين بن علي الحَصْكَفِيْ الحنفيْ، ت 1088 هـ، تحقيق محمد سعيد البرهاني، الطبعة الأولى، (1413 هـ - 1992 م).
• الإفصاح عن معاني الصحاح، في مذاهب الأئمة الأربعة، الوزير يحيى بن محمد بن هبيرة، ت 560 هـ، المؤسسة السعدية، الرياض.
• الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، محمد الشربيني الخطيب، تحقيق مكتب البحوث
الجزء: 4 - الصفحة: 1329
والدراسات، دار الفكر، بيروت، ط 1415 هـ.
• الإقناع لطالب الانتفاع، موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي المقدسي، ت 968 هـ، دار المعرفة، بيروت.
• الإقناع، محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابورى، ت 318 هـ، تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن محمد العزيز الجبرين، الطبعة الثانية، (1414 هـ)، مكتبة الرشد، الرياض.
• إكمال الإعلام بتثليث الكلام، محمد بن عبد اللَّه بن مالك الجياني الطائي، ت 672 هـ، تحقيق سعد حمدان الغامدي، الطبعة الأولى، (1404 هـ - 1984 م)، مكتبة المدني، جدة.
• إمارة الزبير بين هجرتين، 979 - 1342 هـ، محمد الرزاق محمد المحسن الصانع، وعبد العزيز عمر العلى، الطبعة الأولى، (1408 هـ)، مطابع مقهوي، الكويت.
• إنباء الغَمر بأبناء العمر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد، الهند، (1395 هـ - 1975 م)
• إنباه الرواة على أنباه النحاة، الوزير جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي، ت 624 هـ، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهم، الطبعة الأولى، (1406 هـ - 1986 م)، دار الفكر العربي، القاهرة.
• الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علي بن سليمان بن أحمد المرداوي، ت 885 هـ، تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن محمد المحسن التركي، الطبعة الأولى، (1417 هـ) دار هجر، القاهرة، مصر.
• إيجاز البيان عن معاني القرآن، محمود بن أبي الحسن النيسابورى، ت 553 هـ، تحقيق الدكتور علي بن سليمان العبيد، الطبعه الأولى، (1418 هـ - 1997 م)، مكتبة التوبة.
• إيضاح الإشكال، محمد بن طاهر المقدسي، تحقيق د. باسم الجوابرة، (1408 هـ - 1988 م)، مكتبة المعلا، الكويت.
• ابن تيمية حياته وعصره وآراؤه الفقهية، محمد بن أحمد أبو زهرة، ت 1394 هـ، دار الفكر العربي.
• ابن قدامة وآثاره الأصوليَّة، د. محمد العزيز السعيد، الطبعة الثالثة، (1403 هـ)، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية الشريعة، الرياض.
• الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، اختارها الشيخ علي بن محمد بن عباس البعلي، ت 803 هـ، المؤسسة السعدية، الرياض.
• الاستذكار، يوسف بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد البر، ت 463 هـ، تحقيق الدكتور
الجزء: 4 - الصفحة: 1330
عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى، (1414 هـ)، "دار قتيبة"، دمشق، وبيروت، و"دار الوغى"، حلب، والقاهرة، توزيع مؤسسة الرسالة.
• الاستيعاب في معرفة الصحابة، يوسف بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد البر، ت 463 هـ، تحقيق على محمد البجاوي، مكتبة نهضة مصر، الفجالة.
• البحر الرائق شرح كنز الدقائق، زين الدين بن إبراهم بن محمد الشهير بابن نجيم، ت 970 هـ، دار المعرفة، بيروت.
• البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، أحمد بن يحيى بن المرتضى، ت 840 هـ، الطبعة الثانية، (1394 هـ - 1975 م)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• البحر المحيط في التفسير، محمد بن يوسف بن علي، أبو حيان الأندلسي، ت 754 هـ، عُني به صدقي محمد جميل، المكتبة التجارية، مكة المكرمة.
• بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني، ت 587 هـ، الطبعة الثانية، (1406 هـ)، دار الكتب العلميَّة، بيروت.
• بداية المجتهد ونهاية المقتصد، محمد بن أحمد بن رشد القرطبي, ت 595 هـ، الطبعة السابعة، (1405 هـ)، دار المعرفة، بيروت.
• البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، ت 774 هـ، تحقيق أحمد عبد الوهاب فتيح دار الحديث، القاهرة، (1414 هـ).
• البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، محمد بن علي الشوكاني، ت 1250 هـ، الطبعة الأولى، (1348 هـ) مطبعة السعادة، القاهرة.
• بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة, جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ت 911 هـ، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهم، الطبعة الأولى، (1384 هـ - 1964 م)، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.
• بلوغ المرام من أدلة الأحكام، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، دار الفكر، بيروت، (1415 هـ).
• تاج العروس في شرح القاموس، محمد بن محمد الزبيدي، ت 1205 هـ، تحقيق عبد الكريم العزباوي، مطبعة حكومة الكويت، (1386 هـ - 1967 م).
• التاج والإكليل لمختصر خليل، محمد بن يوسف العبدري، ت 897 هـ، الطبعة الثانية، (1398 هـ)، دار الفكر، بيروت.
• تاريخ الأدب العربي، أحمد حسن الزيات، الطبعة السادسة (1354 هـ - 1935 م)، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر.
الجزء: 4 - الصفحة: 1331
• تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري، ت 310 هـ، الطبعة الأولى، (1407 هـ)، دار الكتب العلميَّة، بيروت.
• تاريخ آداب اللغة العربية، جرجي زيدان، راجعه وعلق عليه د. شوقي ضيف، دار الهلال.
• تاريخ مدينة دمشق، علي بن الحسن بن هبة اللَّه، المعروف بابن عساكر، ت 571 هـ، تحقيق محب الدين أبي سعيد، وعمر بن غرامة العمروي، الطبعة الأولى، (1418 هـ - 1997 م)، دار الفكر، بيروت.
• تجريد العناية في تحرير أحكام النهاية، لأبي الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي الحنبلي، الشهير بابن اللحام، ت 803 هـ، رسالة ماجستير، تحقيق: د. عبد اللَّه العمار، كلية الشريعة بالرياض (1403 هـ).
• تحرير ألفاظ التنبيه، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، ت 676 هـ، تحقيق عبد الغني الدقر، الطبعة الأولى، (1408 هـ - 1988 م)، دار القلم، دمشق، وبيروت.
• التحفة النبهاية في تاريخ الجزيرة العربية، محمد بن خيفة بن حمد النبهاني، الطبعة الأولى (1406 هـ - 1986 م)، دار إحياء العلوم، بيروت، لبنان.
• تحفة الودود بأحكام المولود، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزيَّة، ت 751 هـ، الطبعة الأولى، (1403 هـ)، دار الكلمة الطيبة.
• التحقيق في أحاديث الخلاف، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد، الشهير بابن الجوزي، ت 597 هـ، تحقيق محمد فارس، الطبعة الأولى، (1415 هـ - 1994 م) دار الكتب العلميَّة، بيروت.
• التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية، د. صالح بن فوزان بن عبد اللَّه الفوزان، الطبعة الثالثة، (1407 هـ)، مكتبة المعارف، الرياض.
• تذكرة الحفاظ، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ت 748 هـ، دار الكتب العلميَّة، بيروت.
• ترتيب أحاديث وآثار تلخيص الحبير، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، تحقيق عبد الرحمن دمشقيَّة، الطبعة الأولى، (1407 هـ)، مكتبة الرشد، الرياض.
• ترتيب مسند الشافعي، محمد عابد بن أحمد السندي، ت 1257 هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
• الترغيب والترهيب، محمد العظيم بن عبد القوي المنذري، ت 656 هـ، تحقيق محيي الدين ديب مستو وغيره، الطبعة الأولى، (1414 هـ - 1993 م)، دار ابن كثير، دمشق.
• التاريخ الكبير، محمد بن إسماعيل البخاري، ت 256 هـ، المكتبة الإِسلاميَّة، ديار
الجزء: 4 - الصفحة: 1332
بكر، تركيا.
• تصحيح الفروع، -بهامش كتاب الفروع-، علي بن سليمان بن أحمد المرداوي، ت 885 هـ، الطبعة الثالثة، عالم الكتب، بيروت.
• تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي.
• تفسير أبي السعود، محمد بن محمد العمادي، ت 951 هـ، تحقيق عبد القادر عطا، مطبعة السعادة، القاهرة.
• تفسير التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، ت 1284 هـ، طُبع (1984 م)، الدار التونسية للنشر.
• تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، ت 774 هـ، الطبعة الخامسة، (1416 هـ)، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.
• التفسير الكبير، محمد بن عمر بن حسين الرازى، ت 606 هـ، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، طهران.
• تفسير غريب القرآن، عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري المروزى، ت 276 هـ، تحقيق السيد أحمد صقر، طُبع (1398 هـ - 1978 م)، دار الكتب العلمية.
• تقريب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، الطبعة الثالثة، (1411 هـ)، دار المعرفة، بيروت.
• التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل، الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، الطبعة الأولى، (1417 هـ)، دار العاصمة، الرياض.
• تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، دار نشر الكتب الإسلاميَّة، لاهور، باكستان.
• التمهمد في أصول الفقه، محفوظ بن أحمد بن الحسن أبو الخطاب الكلوذاني الحنبلي، ت 510 هـ، تحقيق د. مفيد أحمد أبو عمشة، الطبعة الأولى، (1406 هـ - 1985 م)، مركز البحث العلمي بحامعة أم القرى، مكة المكرمة.
• التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، يوسف بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد البر، ت 463 هـ، تحقيق سيد أحمد أعراب وآخرين، (1411 هـ)، وزارة عموم الأوقاف والشئون الإسلاميَّة، المغرب.
• التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل، علي بن سليمان المرداو، ت 885 هـ، الطبعة الثانية، (1406 هـ)، المكتبة السلفية، القاهرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1333
• تنقيح تحقيق أحاديث التعليق، محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي، ت 744 هـ، تحقيق أيمن صالح شعبان، الطبعة الأولى، (1419 هـ - 1998 م)، دار الكتب العلمية، بيروت.
• تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، الطبعة الأولى، (1326 هـ)، دار صادر، بيروت.
• تهذيب الكمال في أسماء الرجال، جمال الدين أبو الحجاج يوسف المزي، ت 742 هـ، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، الطبعة الرابعة، (1406 هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• تهذيب اللغة، أبو منصور محمد بن أحمد الأزهرى، ت 370 هـ، تحقيق عبد السلام هارون، ومحمد علي النجار، الدار المصرية للتأليف والترجمة.
• التهذيب في الفرائض، محفوظ بن أحمد الكلوذاني، أبو الخطاب، ت 510 هـ، تحقيق الشيخ عبد اللَّه بن سليمان بن منيع، الطبعة الأولى، (1416 هـ) دار الخزار، جدة.
• تهذيب مدارج السالكين، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزيَّة، ت 751 هـ، هذّبه عبد المنعم صالح العلي العزى، مطبعة كاظم، دبي، الإمارات.
• التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح، أحمد بن محمد بن أحمد الشويكي، ت 639 هـ، تحقيق د. ناصر بن عبد اللَّه بن عبد العزيز الميمان، المطبعة المكية، مكة المكرمة، (1419 هـ).
• الثقات، أبو حاتم محمد بن حبان البستي، ت 354 هـ، الطبعة الأولى، (1399 هـ - 1979 م)، دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد الدكن، الهند.
• الثمر الداني في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، صالح عبد السميع الأزهري، المكتبة الثقافية، بيروت.
• جامع الأصول في أحاديث الرسول، أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، ت 606 هـ، تحقيق محمد القادر الأرناؤوط، طُبع سنة (1392 هـ - 1972 م) مكتبة الحلواني وغيرها.
• جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبرى، ت 103 هـ، الطبعة الثانية، (1373 هـ - 1954 م)، شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر.
• الجامع الصحيح، وهو سنن الترمذى، محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، ت 297 هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرين، دار الكتب العلميَّة، بيروت.
• جامع بيان العلم وفضله، يوسف بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد البر، ت 463 هـ، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، الطبعة الأولى، (1414 هـ - 1994 م) دار ابن الجوزى، الرياض، والدمام.
• الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، ت 671 هـ، تحقيق أحمد
الجزء: 4 - الصفحة: 1334
عبد العلم البردوني، الطبعة الثانية (1372 هـ)، دار الشعب، القاهرة.
• جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإِسلام، أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي, المتوفى في أوائل القرن الرابع, تحقيق د. محمد علي الهاشمي, الطبعة الثالثة (1406 هـ - 1986 م)، دار القلم، دمشق.
• الجنى الداني في حروف المعاني، حسن بن قاسم بن عبد اللَّه المرادي، ت 749 هـ، تحقيق طه محسن، طُبع (1396 هـ - 1976 م)، جامعه الموصل، بغداد.
• الجواهر المضية في طبقات الحنفية، محمد القادر بن أبي الوفاء بن محمد القرشي، ت 775 هـ، نشر مير محمد كتب خانه، كراتشي.
• حاشية ابن عابدين على الدر المختار، محمد أمين الشهير بابن عابدين، ت 1252 هـ، الطبعة الثانية، (1386 هـ)، دار الفكر، بيروت.
• حاشية الدسوقي على الشرح الكبير, محمد عرفة الدسوقي، ت 1230 هـ، وبهامشه الشرح المذكور مع تقريرات محمد عليش، ت 1299 هـ، دار الفكر.
• حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع، عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، ت 1392 هـ، الطبعة الثانية، (1403 هـ).
• حاشية السعدي على شرح كفاية الطالب الرباني، علي بن أحمد الصعيدي العدوي، ت 1189 هـ، تحقيق يوسف الشيخ محمد البقاعي، (1412 هـ) دار الفكر، بيروت.
• حاشية العلامة، إبراهم بن محمد بن أحمد الباجوري، ت 1277 هـ، على شرح الشنشوري، الطبعة الثانية، (1347 هـ)، المطبعة الأزهرية، مصر.
• الحاوي الكبير في فقه الإمام الشافعي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، ت 450 هـ، تحقيق على محمد معوض وغيره، الطبعة الأولى، (1414 هـ - 1994 م)، دار الكتب العلمية، بيروت.
• حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد الأصبهاني، ت 430 هـ، طُبع (1387 هـ - 1967 م)، دار الكتاب العربي، بيروت.
• خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، عبد القادر بن عمر البغدادي، ت 1093 هـ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، الطبعة الثانية، (1979 م) الهيئة المصرية العامة للكتاب.
• خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، محمد أمين بن فضل اللَّه المحيي، ت 1111 هـ، دار صادر، بيروت.
• خلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير للرافعي، سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الأنصاري، ت 804 هـ، تحقيق حمدي محمد المجيد السلفي، الطبعة الأولى، (1410 هـ)
الجزء: 4 - الصفحة: 1335
مكتبة الرشد، الرياض.
• الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، أحمد بن يوسف المعروف بابن السمين الحلبي، ت 756 هـ، تحقيق أحمد محمد الخراط، الطبعة الأولى، (1408 هـ) دار القلم، دمشق.
• الدر المنثور, جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ت 911 هـ، دار الفكر، بيروت.
• الدّر المنضّد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد، عبد اللَّه بن علي بن حميد السبيعي، ت 1346 هـ، تحقيق جاسم بن سليمان الدوسري، الطبعة الأولى (1410 هـ)، دار البشائر الإسلامية، بيروت.
• ديوان الأدب، أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي، ت 350 هـ، تحقيق الدكتور أحمد مختار عمر، طُبع (1396 هـ - 1976 م)، مطبعة الأمانة، مصر.
• ديوان الأعشى، ميمون بن قيس بن جندل الوائلى، ت 7 هـ، دار صادر، بيروت.
• ديوان طرفة بن العبد، طرفة بن العبد بن سفيان البكري الوائلي، ت 564 م، دار صادر، بيروت.
• الذخيرة، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، ت 684 هـ، تحقيق د. محمد حجى، الصبعة الأولى، (1994 هـ)، دار الغرب الإِسلامي، بيروت.
• رؤوس المسائل "المسائل الخلافية بين الحنفية والشافعية" محمود بن عمر بن محمد الزمخشري، ت 538 هـ، تحقيق عبد اللَّه نذير أحمد، الطبعة الأولى، (1407 هـ)، دار البشائر الإسلامية، بيروت.
• رفع النقاب عن تراجم الأصحاب، إبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان، ت 1353 هـ، تحقيق محب الدين أبي سعيد عمر العروي، الطبعة الأولى، (1418 هـ)، دار الفكر.
• الروض المربع شرح زاد المستقنع، شرف الدين موسى بن أحمد الحجاوي، ت 968 هـ، والشرح للعلامة منصور بن يوسف بن إدريس البهوتي، ت 1051 هـ، الطبعة السادسة، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.
• روضة الطالبين وعمدة المفتين، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، ت 676 هـ، الطبعة الثالثة، (1412 هـ)، المكتب الإِسلامي، بيروت، ودمشق، وعمان.
• روضة الناظر وجنة الناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، موفق الدين عبد اللَّه بن أحمد بن قدامة المقدسي، ت 620 هـ، ومعها نزهه الخاطر العاطر، عبد القادر أحمد بن مصطفى بن بدران، ت 1346 هـ، الطبعة الثانية، (1404 هـ -
الجزء: 4 - الصفحة: 1336
1984 م)، مكتبة المعارف، الرياض.
• زاد المحتاج بشرح المنهاج، عبد اللَّه بن حسن الحسن الكرهجي، ت 1389 هـ، تحقيق عبد اللَّه بن إبراهيم الأنصاري، الطبعة الثالثة، (1407 هـ)، إدارة إحياء التراث الإسلامي، قطر.
• زاد المسير في علم التفسير، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزى، ت 597 هـ، الطبعة الأولى، (1384 هـ - 1964 م)، المكتب الإسلامي، بيروت.
• زاد المعاد في هدي خير العباد، محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية، ت 751 هـ، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرنؤوط، الطبعة السابعة، (1405 هـ)، مكتبة المنار الإِسلامية، الكويت، ومؤسسة الرسالة، بيروت.
• الزاهر في غرائب ألفاظ الإمام الشافعي، المعروف بـ "تفسير ألفاظ مختصر المزني"، أبو المنصور الأزهري، ت 370 هـ، دار الطلائع، القاهرة.
• الزبير قبل خمسين عاما، يوسف حمد البسام، المطبعة العصرية، الكويت، (1391 هـ - 1971 م).
• سبائك العسجد، عثمان بن سند، طبعة بومبي، الهند، (1330).
• السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة، محمد بن عبد اللَّه بن حميد، ت 1295 هـ، تحقيق الشيخ بكر أبو زيد، وعبد الرحمن العثيمين، الطبعة الأولى (1416 هـ - 1996 م)، مؤسسة الرسالة, بيروت، لبنان.
• سلسلة الأحاديث الضعيفة، محمد ناصر الدين الألباني، ت 1420 هـ، الطبعة الثانية، (1408 هـ - 1988 م)، المكتب الإسلامي، بيروت.
• سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدى، ت 275 هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصريَّة، صيدا، وبيروت.
• سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد الربعي القزويني، ت 273 هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلميَّة، بيروت.
• سنن الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني، ت 385 هـ، وبذيله التعليق المغني على الدارقطني، محمد شمس الحق العظيم، تحقيق عبد اللَّه هاشم يماني المدني، (1386 هـ)، المدينة المنورة.
• سنن الدارمي، عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمى السمرقندي، ت 255 هـ، تحقيق فؤاد زمرلي، وخالد السبع العلمي، الطبعة الأولى، (1407 هـ)، دار الريان للتراث، القاهرة، ودار الكتاب العربي، بيروت.
الجزء: 4 - الصفحة: 1337
• السنن الكبرى, أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ت 458 هـ، وفي ذيله الجوهر النقي، علاء الدين بن علي بن عثمان المارديني، ت 745 هـ، دار المعرفة، بيروت.
• سن النسائي الكبرى أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، ت 303 هـ، تحقيق د. عبد الغفار سيمان البندراني، وغيره، الطبعة الأولى، (1411 هـ - 1991 م) دار الكتب العلمية، بيروت.
• سنن النسائي، بشرح الحافظ السيوطي، وحاشية الإمام السندي، الطبعة الثالثة، (1409 هـ)، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، وبيروت.
• سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ت 748 هـ، تحقيق مجموعة من الباحثين بإشراف شعيب الأرناؤوط، المطبعة التاسعة، (1413 هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام بن أيوب النحوي، ت 218 هـ، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، الطبعة الأولى، (1411 هـ)، دار الجيل، بيروت.
• شذرات الذهب في أخبار من ذهب، شهاب الدين عبد الحي بن أحمد بن محمد الشهير بابن العماد الحنبلي، ت 1089 هـ، المكتب التجاري، بيروت.
• شرح العقيدة الطحاوية، أحمد بن سلامة الطحاوي، ت 321 هـ، تحقيق د. عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، وشعيب الأرناؤوط، الطبعة السادسة، (1414 هـ - 1994 م)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• شرح أدب القاضي، حسام الدين عمر بن عبد العزيز الخصاف، ت 536 هـ، تحقيق محيي هلال السرحان، الطبعة الأولى، (1397 هـ - 1977 م)، مطبعة الإرشاد، بغداد.
• شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، محمد الزرقاني، دار المعرفة، بيروت، 1398 هـ، توزيع دار الباز.
• شرح الزركشي على مختصر الخرقي في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، محمد بن عبد اللَّه الزركشي، ت 772 هـ، تحقيق الشيخ عبد اللَّه بن عبد الرحمن الجبرين، الطبعة الأولى، (1410 هـ)، شركة العبيكان للطباعة والنشر، الرياض.
• الشرح الكبير، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، ت 682 هـ، تحقيق د. عبد اللَّه التركى، الطبعة الأولى، (1417 هـ) دار هجر، القاهرة، مصر.
• شرح الكوكب المنير المسمى (مختصر التحرير)، محمد بن أحمد بن النجار الفتوحي الحنبلي، ت 972 هـ، تحقيق د. محمد الزحيلي، ونزيه حماد، طُبع (1413 هـ - 1993 م)، مكتبة العبيكان، الرياض.
• شرح المغني وشواهده، عبد اللَّه بن يوسف بن أحمد بن هشام الأنصاري، ت 761 هـ، تحقيق
الجزء: 4 - الصفحة: 1338
عبد اللَّه إسماعيل الصاوى، الطبعة الأولى، (1377 هـ - 1958 م)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر.
• شرح المفصل، أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش، ت 643 هـ، مكتبة المثنى بالقاهرة، وعالم الكتب ببيروت.
• شرح خلاصة الفرائض، عبد الملك بن عبد الوهاب المكي، ت 1327 هـ، الطبعة الأولى، (1354 هـ)، مطبعة مصطفى محمد.
• شرح مختصر الروضة، أبو الربيع سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي، ت 716 هـ، تحقيق د. عبد اللَّه التركي، الطبعة الأولى، (1410 هـ - 1990 م)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• شرح مشكل الآثار، أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، ت 321 هـ، تحقيق شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولى، (1415 هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• شرح معاني الآثار, أحمد بن بن محمد بن سلامة الطحاوي، ت 321 هـ، تحقيق محمد زهري النجار، الطبعة الثانية (1407 هـ)، دار الكتب العلميَّة، بيروت.
• شرح منتهى الإرادات، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ت 1051 هـ، مكتبة الرياض الحديثة.
• شعب الإيمان, أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ت 458 هـ، تحقيق أبي هاجر محمد السعيد زغلول، الطبعة الأولى، (1410 هـ - 1990 م) دار الكتب العلميَّة، بيروت.
• الشعر والشعراء، عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ت 276 هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، (1377 هـ - 1958 م)، دار المعارف، القاهرة.
• الصحاح، إسماعيل بن حماد الجوهري، ت 393 هـ، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الثانية، (1399 هـ - 1979 م)، دار العلم للملايين، بيروت.
• صحيح أبي عبد اللَّه البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، ت 256 هـ، تحقيق محمد النواوي، وآخرون، الطبعة الثانية، (1404 هـ)، مكتبة النهضة الحديثة، مكة، ومكتبة الرياض الحديثة، الرياض.
• صحيح ابن خزيمة، تحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، الطبعة الأولى، (1399 هـ - 1979 م)، المكتب الإِسلامي، بيروت.
• صحيح الجامع الصغير وزياداته، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، (1969 م)، المكتب الإسلامي، بيروت، ودمشق.
• صحيح سنن أبي داود باختصار السند، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة
الجزء: 4 - الصفحة: 1339
الأولى، (1409 هـ)، المكتب الإسلامي، بيروت.
• صحيح سنن ابن ماجة، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، (1407 هـ)، المكتب الإسلامي، بيروت.
• صحيح سنن النسائي، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، (1409 هـ)، المكتب الإسلامي، بيروت.
• صحيح مسلم بشرح النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف، ت 676 هـ، طُبع سنة (1401 هـ - 1981 م)، دار الفكر.
• صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيرى النيسابوري، ت 261 هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الأولى، (1412 هـ)، دار الحديث، القاهرة.
• صفة الصفرة، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجرزي، ت 597 هـ، تحقيق محمود فاخوري، الطبعة الثانية، (1399 هـ)، دار المعرفة، بيروت.
• الضعفاء الكبير، أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي، ت 322 هـ، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى، (1404 هـ - 1984 م)، دار الكتب العلمية، بيروت.
• ضعيف الجامع الصغير وزياداته، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية، (1399 هـ)، المكتب الإِسلامي، بيروت.
• ضعيف سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني، ت 1420 هـ، الطبعة الأولى، (1412 هـ - 1991 م)، المكتب الإسلامي، بيروت.
• ضعيف سنن ابن ماجة، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، (1408 هـ - 1988 م)، المكتب الإِسلامي، بيروت.
• ضعيف سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، (1411 هـ - 1991 م) المكتب الإِسلامي، بيروت.
• ضعيف سنن النسائي، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، (1411 هـ)، المكتب الإسلامي، بيروت.
• الضوء اللامع لأهل القرن التاسع الهجري، محمد بن عبد الرحمن السخاوي، ت 902 هـ، دار مكتبة الحياة، بيروت.
• طبقات الحفاظ، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ت 911 هـ، الطبعة الأولى، (1403 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
• طبقات الحنابلة، محمد بن أبي يعلى، ت 527 هـ، دار المعرفة، بيروت.
الجزء: 4 - الصفحة: 1340
• طبقات الشافعيَّة الكبرى, عبد الوهاب بن علي بن محمد الكافي السبكي، ت 771 هـ، تحقيق د. محمود محمد الطناجى، ود.
عبد الفتاح محمد الحلو، الطبعة الثانية، (1413 هـ)، هجر.
• الطبقات الكبرى, محمد بن سعد بن منيع الهاشمي، ت 230 هـ، دار صادر، بيروت.
• الطرائف الأدبية، ديوان الأفوه الأودي، صلاءة بن عمرو بن مالك بن عوف، تحقيق عبد العزيز الميمني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
• الطرق الحكميَّة في السياسة الشرعيَّة، محمد بن أبي بكر الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزيَّة، ت 751 هـ، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت.
• عالم السحر والشعوذة، د. عمر سليمان الأشقر، الطبعة الأولى، (1410 هـ - 1689 م) مكتبة الفلاح، الكويت.
• العدة في أصول الفقه، أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلى، ت 458 هـ، تحقيق د. أحمد بن علي المباركي، الطبعة الأولى، (1400 هـ - 1980 م)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• العذب الفائض شرح عمدة الفارض، إبراهيم بن عبد اللَّه الفرضى الشمري، ت 1189 هـ، الطبعة الأولى، (1372 هـ - 1953 م)، شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
• عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، عبد اللَّه بن نجيم بن شاس، ت 616 هـ، تحقيق د. محمد أبو الأجفان، والأستاذ محمد الحفيظ منصور، الطبعة الأولى، (1415 هـ)، دار الغرب الإِسلامي.
• عقد الفرائد وكنز الفوائد، محمد بن عبد القوي المقدسي، ت 699 هـ، مطابع دار الشبل، الرياض.
• العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، ت 597 هـ، تحقيق خليل الميس، الطبعة الأولى، (1403 هـ)، دار الكتب العلميَّة، بيروت.
• علماء نجد خلال ثمانية قرون، عبد اللَّه بن عبد الرحمن البسام، الطبعة الثانية، (1419 هـ) دار العاصمة، الرياض.
• عون المعبود شرح سنن أبي داود، محمد شمس الحق العظيم آبادى، ت 1329 هـ، الطبعة الثانية، (1415 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
• غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى، مرعي بن يوسف الحنبلي، ت 1033 هـ، الطبعة الثانية، المؤسسة السعدية، الرياض.
الجزء: 4 - الصفحة: 1341
• الغريبين في القرآن والحديث، أبو عبيد أحمد بن محمد الهرري، ت 401 هـ، تحقيق أحمد فريد المزيدي، الطبعة الأولى، (1419 هـ - 1999 م)، مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة.
• غريب الحديث، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزى، ت 597 هـ، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى، (1405 هـ - 1985 م)، دار الكتب العلمية، بيروت.
• غريب الحديث، أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي، ت 224 هـ، الطبعة الأولى، (1385 هـ - 1966 م)، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانيَّة، الهند.
• الغنية لطالبي طريق الحق، عبد القادر الجيلاني الحسن، ت 561 هـ، الطبعة الثالثة، (1375 هـ - 1956 م) مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر.
• الفائق في غريب الحديث، محمود بن عمر بن محمد الزمخشري، ت 538 هـ، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم وغيره، الطبعة الثانية، مطبعة عيسى الحلبي وشركاه، مصر.
• الفتاوى الكبرى, شيخ الإسلام تقى الدين ابن تيمية، ت 728 هـ، تحقيق محمد ومصطفى عطا، الطبعة الأولى، (1408 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ودار الريان للتراث، القاهرة.
• فتاوى ومسائل ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول، عثمان بن عبد الرحمن الكردي، ت 643 هـ، تحقيق عبد المعطى قلعجي، الطبعة الأولى، (1406 هـ)، دار المعرفة، بيروت.
• فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، تحقيق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية.
• فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، أبو عبد اللَّه محمد أحمد عليش، ت
1299 هـ، طُبع (1378 هـ- 1958 م)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر.
• فتح القدير للعاجز الفقير، محمد بن عبد الواحد، المعروف بابن الهمام، ت 681 هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
• فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن علي الشوكاني، ت 1250 هـ، دار الفكر، بيروت، (1403 هـ).
• الفتح المبين في طبقات الأصوليين، عبد اللَّه مصطفى المراغي، الطبعة الثانية، (1394 هـ - 1974 م)، دار الكتب العلمية، بيروت.
• فتح المعين بشرح قرة العين، زين الدين عبد العزيز المليبارى، دار الفكر.
الجزء: 4 - الصفحة: 1342
• الفرق بين الفرق، عبد القاهر بن طاهر البغدادي، ت 429 هـ، الطبعة الثانية، (1977 م)، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
• الفروع، محمد بن مفلح المقدسي، ت 763 هـ، الطبعة الثالثة، عالم الكتب، بيروت.
• الفصل في الملل والأهواء والنحل، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، ت 456 هـ، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم نصر وغيره، الطبعة الأولى، (1402 هـ - 1982 م)، شركة عكاظ للنشر والتوزيع، الرياض.
• فقه ابن عمر في المعاملات، محمد سلامة، طبعة وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب، (1409 هـ - 1989 م).
• فيض القدير شرح الجامع الصغير, محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين علي المناوي, ت 1031 هـ، الطبعة الثانية، (1391 هـ - 1972 م)، دار المعرفة، بيروت.
• القاموس الفقهي لغةً واصطلاحًا، سعيد أبو جيب، الطبعة الأولى، (1402 هـ - 1982 م)، دار الفكر، دمشق.
• القاموس المحيط، محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ت 817 هـ، مؤسسة الحلبي وشركاه، القاهرة.
• القواعد في الفقه الإِسلامي، أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، ت 795 هـ، الطبعة الثانية (1408 هـ)، دار الجيل، بيروت.
• الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، يوسف بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد البر، ت 463 هـ، تحقيق د. محمد محمد أحيد الموريتاني، الطبعة الأولى، (1398 هـ)، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.
• الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل، موفق الدين أبو محمد عبد اللَّه بن قدامة المقدسي، ت 620 هـ، الطبعة الثانية، (1399 هـ)، المكتب الإسلامي، بيروت.
• الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين، أبو أحمد عبد اللَّه بن عدي الجرجاني، ت 365 هـ، الطبعة الأولى، (1404 هـ - 1984 م)، دار الفكر، بيروت.
• الكامل، محمد بن يزيد الأزدى أبا العباس المبرد، ت 286 هـ، تعليق محمد أبي الفضل إبراهيم، دار نهضة مصر، الفجالة، القاهرة،
• كتاب الجرح والتعديل، عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر، ت 327 هـ، الطبعة الأولى، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند.
• كتاب الخراج، أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، ت 182 هـ، الطبعة الرابعة، (1392 هـ)، المطبعة السلفية ومكتباتها، القاهرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1343
• كتاب السنن, سيد بن منصور الخراساني، ت 227 هـ، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمى، الطبعة الأولى، (1403 هـ)، الدار السلفية، بومبائي، الهند.
• كتاب العلم، زهير بن حرب بن شداد أبو خيثمة النسائي، ت 234 هـ، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية، (1403 هـ - 1983 م)، المكتب الإِسلامي، بيروت.
• الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، ت 235 هـ، تحقيق عبد الخالق الأفغاني، الدار السلفية، بومباي، الهند.
• كتاب المعارف، محمد بن عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة الدينورى، ت 276 هـ، الطبعة الثانية، (1390 هـ - 1970 م)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
• كفاية الطالب الرباني لرسالة أبي زيد القيرواني، أبو الحسن المالكي، تحقيق يوسف البقاعي، دار الفكر، بيروت، 1412 هـ.
• كشَّاف القناع على متن الإقناع، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ت 1051 هـ، عالم الكتب، بيروت.
• كشف الأستار عن زوائد البزار، نور الدين على بن أبي بكر الهيثمي، ت 807 هـ، تحقيق جبيب الرحمن الأعظمى، الطبعة الأولى، (1399 هـ - 1979 م)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• كشف الأسرار على أصول فخر الإسلام البزدوي، عبد العزيز البخاري، ت 730 هـ، طبعة الصدف ببلشرز، كراتشي، باكستان.
• كشف الحقائق شرح كنز الدقائق، عبد الحكيم الأفغاني القندهاري، ت 1326 هـ، وبهامشه شرح عبيد اللَّه بن مسعود صدر الشريعة، ت 747 هـ، الطبعة الأول، (1318 هـ)، المطبعة الأدبية.
• كنز العمال، علاء الدين على المتقي بن حسام الدين الهدي، ت 975 هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• الكوكب الدرى فيما يتخرج على الأصول النحوية، عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي، ت 772 هـ، تحقيق محمد حسن عواد، الطبعة الأولى، (1405 هـ)، دار عمان، الأردن.
• اللباب في علوم الكتاب، أبو حفص عمر بن علي الدمشقي الحنبلي، ت 880 هـ، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود وغيره، الطبعة الأولى، (1419 هـ - 1998 م)، دار الكتب العلمية، بيروت.
• اللباب في معرفة الأنساب، أبو السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري، ت 606 هـ، دار صادر، بيروت.
الجزء: 4 - الصفحة: 1344
• لسان العرب، محمد بن مكرم بن علي بن منظور الأفريقي، ت 711 هـ، دار صادر، بيروت.
• لسان الميزان, أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، الطبعة الأولى، مكتبة آل ياسر، الجيزة، ودار الكتاب الإِسلامي، القاهرة.
• اللمع في أصول الفقه، الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، ت 476 هـ، تحقيق محيي الدين ديب مستو وغيره، الطبعة الأولى، (1416 هـ - 1995 م)، دار ابن كثير، دمشق.
• المبدع في شرح المقنع، إبراهيم بن عبد اللَّه بن محمد بن مفلح، ت 884 هـ، الطبعة الثانية، (1400 هـ)، المكتب الإِسلامي، دمشق، وبيروت.
• المبسوط، شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، ت 490 هـ، الطبعة الأولى، (1414 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
• المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد البستي، ت 354 هـ، الطبعة الأولى، (1396 هـ)، دار الوعي، حلب.
• مجمع البحرين في زوائد المعجمين، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، ت 807 هـ، تحقيق عبد القدوس بن محمد نذير، الطبعة الأولى، (1413 هـ - 1992 م)، مكتبة الرشد، الرياض.
• مجمع البيان في تفسير القرآن، الشيخ أبو على الفضل بن الحسن الطبرسي، ت 548 هـ، طُبع (1380 هـ - 1961 م)، دار مكتبة الحياة، بيروت.
• مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، علي بن أبي بكر الهيثمي، ت 807 هـ، دار الكتاب العربي، بيروت.
• المجموع شرح المهذب، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، ت 676 هـ، تحقيق محمد نجيب المطيعي، المكتبة العالمية، الفجالة.
• مجموع فتاوى أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي، ومساعدة ابنه محمد، دارة المساحة العسكرية، القاهرة، (1404 هـ).
• المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو محمد عبد الحق بن غالب المعروف بابن عطية الأندلسي، ت 541 هـ، تحقيق عبد اللَّه طه بن إبراهيم الأنصاري، وآخرون، الطبعة الأولى، (1409 هـ - 1989 م)، مؤسسة دار العلوم، الدوحة.
• المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، مسجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد اللَّه، ت 652 هـ، مطبعة السنة المحمدية (1369 هـ).
الجزء: 4 - الصفحة: 1345
• المحصول في علم أصول الفقه، محمد بن عمر بن الحسين الرازي، ت 606 هـ، تحقيق د. طه جابر فياض العلواني، الطبعة الأولى، (1400 هـ)، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة.
• المحلى، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، ت 456 هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار التراث، القاهرة.
• المحيط في اللغة، إسماعيل بن عباد بن عباس الطالقاني الأصفهاني، ت 385 هـ، تحقيق محمد حسن آل ياسين، الطبعة الأولى، (1414 هـ - 1994 م)، عالم الكتب، بيروت.
• المختار مع شرحه الإختيار، عبد اللَّه محمود الموصلي، ت 683 هـ، تعليقات محمود أبو دقيقة، دار الكتب العلمية، بيروت، توزيع دار الباز، مكة.
• مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، ت 666 هـ، دار القبلة للثقافة الإسلاميَّة، جدة، ومؤسسة علوم القرآن، بيروت، (1406 هـ).
• مختصر اختلاف العلماء، أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي, ت 321 هـ، تحقيق الدكتور عبد اللَّه نذير أحمد، الطبعة الأولى، (1416 هـ)، دار البشائر الإسلاميَّة، بيروت.
• مختصر الشمائل المحمديَّة، أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، ت 279 هـ، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني, الطبعة الأولى، (1405 هـ)، المكتبة الإسلامية، عمان - الأردن.
• مختصر خلافيات البيهقي، أحمد بن فرح اللخمى الأشبيلي الشافعي، ت 699 هـ، تحقيق د. إبراهيم الخضيري، ود.
ذياب عبد الكريم عقل، الطبعة الأولى، (1417 هـ)، مكتبة الرشد، وشركة الرياض، الرياض.
• مختصر طبقات الحنابلة، محمد جميل بن عمر البغدادي، المعروف بابن شطي، دراسة فواز زمرلي، الطبعة الأولى (1406 هـ - 1986 م)، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
• المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، عبد القادر بن بدران الدمشقي، ت 1346 هـ، تحقيق د. عبد اللَّه التركى، الطبعة الثانية، 1401 هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• المدونة الكبرى, مالك بن أنس الأصبحى، رواية سحنون بن سعيد التنوخي، ت 240 هـ، دار صادر، بيروت.
• المذهب الأحمد في مذهب أحمد, يوسف بن عبد الرحمن بن علي، المعروف بابن الجوزى، ت 656 هـ، مطبعة بومباي، الهند (1378 هـ - 1959 م).
• مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات، أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري، ت 456 هـ، مراجعة حسن أحمد إسبر، الطبعة الأولى، (1419 هـ - 1998 م)، دار ابن حزم، بيروت.
الجزء: 4 - الصفحة: 1346
• مراسيل أبي داود السجستاني، ت 275 هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، (1408 هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت.
• مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، عبد المؤمن عبد الحق البغدادي، ت 739 هـ، تحقيق على محمد الجاوي، دار إحياء الكتب العربية، ومطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر.
• مسائل الإمام أحمد بن حنبل، برواية أبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني، ت 275 هـ، دار المعرفه، بيروت.
• مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، ت 275 هـ، تحقيق زهير الشاويش، الطبعة الأولى، (1400 هـ)، المكتب الإسلامي، بيروت.
• مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه أبي الفضل صالح، ت 366 هـ، تحقيق د. فضل الرحمن محمد، الطبعة الأول، (1408 هـ)، الدار العلميَّة، دلهي، الهند.
• مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه عبد اللَّه، ت 290 هـ، تحقيق زهير شاويش، الطبعة الثالثة، (1408 هـ)، المكتب الإسلامي، بيروت، ودمشق.
• المسائل الفقهيَّة من كتاب الروايتين والوجهين، القاضي محمد بن الحسين بن محمد أبو يعلى الفراء، ت 458 هـ، تحقيق د. عبد الكريم بن محمد اللاحم، الطبعة الأولى، (1405 هـ)، مكتبة المعارف، الرياض.
• المستدرك على الصحيحين في الحديث، محمد بن عبد اللَّه المعروف بالحاكم النيسابوري، ت 405 هـ، وفي ذيله: تلخيص المستدرك، محمد بن أحمد الذهبي، ت 748 هـ، دار الفكر، بيروت، (1398 هـ).
• المستصفى من علم الأصول، محمد بن محمد الغزالي، ت 505 هـ، الطبعة الأولى، (1356 هـ)، المكتبة التجارية الكبرى, مصر.
• المستوعب، محمد بن عبد اللَّه السامري، ت 616 هـ، تحقيق د. عبد الملك بن دهيش، الطبعة الأولى (1420 هـ - 1999 م)، دار خضر، بيروت، لبنان.
• مسند أبي يعلى، أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، ت 307 هـ، تحقيق حسين سليم أسد، الطبعة الأولى (1409 هـ - 1988 م)، دار المأمون للتراث، بيروت.
• مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ت 241 هـ، الطبعة الثانية، (1414 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
• مسند الشاميين، سليمان بن أحمد الطبراني، ت 360 هـ، تحقيق حمدي بن عبد المجيد
الجزء: 4 - الصفحة: 1347
السلفي، الطبعة الأولى، (1409 هـ - 1989 م) مؤسسة الرسالة، بيروت.
• مسند الشهاب، أبو عبد اللَّه محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي، ت 454 هـ، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفى، الطبعة الأولى، (1405 هـ - 1985 م)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• المسودة، في أصول الفقه، لـ آل تيمية، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني، (1384 هـ).
• مشاهير علماء الأمصار، أبو حاتم محمد بن حبان البستي، ت 354 هـ، طُبع عام (1959 م)، دار الكتب العلمية.
• المشترك وضعًا المفترق صقعًا، ياقوت بن عبد اللَّه الحموي، ت 626 هـ، الطبعة الثانية، (1406 هـ - 1986 م)، عالم الكتب، بيروت.
• مشكاة المصابيح، محمد بن عبد اللَّه الخطيب التبريزي، ت 737 هـ، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية (1399 هـ)، المكتب الإِسلامي، بيروت، ودمشق.
• المصباح المنير، أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، ت 770 هـ، طُبع (1347 هـ - 1929 م)، مكتبة عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر.
• مصطلحات الفقه الحنبلي وطرق استفادة الأحكام من ألفاظه، سالم بن علي الثقفي، الطبعة الأولى، (1398 هـ)، دار النصر، القاهرة.
• المصنف، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، ت 211 هـ، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، ومعه كتاب الجامع، الطبعة الثانية، (1403 هـ)، المكتب الإِسلامي، بيروت.
• المطلع على أبواب المقنع، محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي، ت 709 هـ، ومعه معجم ألفاظ الفقه الحنبلي، المكتب الإِسلامي، بيروت، ودمشق، (1401 هـ).
• معالم التنزيل، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد البغوي، ت 516 هـ، تحقيق محمد عبد اللَّه النمر وغيره، الطبعة الأولى، (1409 هـ - 1989 م)، دار طيبة، الرياض.
• معالم السنن, أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي، ت 388 هـ، الطبعة الثانية، (1401 هـ - 1981 م)، المكتبة العلمية، بيروت.
• معاني القرآن الكريم، أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط, ت 215 هـ، تحقيق د. فائز فارس، الطبعة الثانية، (1401 هـ - 1981 م)، الشركة الكويتية لصناعة الدفاتر.
• معاني القرآن وإعرابه، أبو إسحاق إبراهيم الزجاج، ت 311 هـ، تحقيق د. عبد الجليل عبده شلبي، الطبعة الأولى، (1408 هـ - 1988 م)، عالم الكتب، بيروت.
• معاني القرآن، أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد اللَّه الفراء، ت 207 هـ، الطبعة الثانية (1980 م)، عالم الكتب، بيروت.
الجزء: 4 - الصفحة: 1348
• المعتمد في أصول الفقه، أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي، ت 436 هـ، تحقيق محمد حميد اللَّه وغيره، طبعة المعهد العالي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق.
• المعجم الأوسط, سليمان بن أحمد الطبراني، ت 360 هـ، تحقيق د. محمود الطحان، الطبعة الأولى، (1415 هـ - 1995 م)، مكتبة المعارف، الرياض.
• معجم البلدان، ياقوت بن عبد اللَّه الحموي، ت 626 هـ، دار صادر، بيروت.
• المعحم الصغير, سليمان بن أحمد الطبراني، ت 360 هـ، للطبراني، مراجعة محمد شكور، المكتب الإِسلامي، (1405 هـ) بيروت.
• المعجم الكبير، سليمان بن أحمد الطبراني، ت 360 هـ، الطبراني، تحقيق حمدى عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، (1404 هـ) مكتبة العلوم والحكم، الموصل.
• المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية، الدكتور إميل بديع يعقوب، الطبعة الأولى، (1417 هـ - 1996 م)، دار الكتب العلمية، بيروت.
• المعجم الوسيط المصادر عن مجمع اللغة العربية، وضعه لفيف من المؤلفين، المكتبة الإسلامية، إستانبول.
• معجم حروف المعاني، الدكتور أحمد جميل شامي، الطبعة الأولى، (1413 هـ - 1992 م)، مؤسسة عز الدين، بيروت.
• معجم قبائل العرب القديمة والحديثة؛ عمر رضا كحالة، ت 1408 هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• معجم لغة الفقهاء، د. محمد رواس قلعة جي، الطبعة الأولى، (1405 هـ - 1985 م) دار النفائس، بيروت.
• معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، عبد اللَّه بن محمد العزيز البكري الأندلسي، ت 487 هـ، تحقيق مصطفى السقا، عالم الكتب، بيروت.
• معحم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكريا، ت 395 هـ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، الطبعة الأولى، (1411 هـ)، دار الجيل، بيروت.
• المعرّب من كلام الأعجمي على حروف المعجم، لأبي منصور الجواليقي، ت 540 هـ، تحقيق د. فهد عبد الرحيم، الطبعة الأولى، (1410 هـ - 1990 م) دار القلم، دمشق.
• معرفة السنن والآثار, أحمد بن الحسين البيهقي، ت 458 هـ، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى، (1412 هـ)، "حامعة الدراسات
الجزء: 4 - الصفحة: 1349
الإسلامية"، كراتشي، باكستان، "ودار قتيبة"، دمشق، وبيروت، و"دار الوغى"، حلب، القاهرة، و"دار الوفاء"، المنصورة، القاهرة.
• معرفة الصحابة، أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصفهاني، ت 430 هـ، تحقيق عادل بن يوسف العزازي، الطبعة الأولى (1419 هـ - 1998 م) دار الوطن، الرياض.
• مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، جمال الدين عبد اللَّه بن يوسف بن هشام الأنصاري، ت 761 هـ، وبهامشه حاشية الشيخ محمد الأمير، طبعة دار إحياء الكتب العربية، وعيسى البابي الحلبي وشركاه.
• مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، محمد الشربيني الخطيب، ت 977 هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
• المغني في أصول الفقه، أبو محمد عمر بن محمد الخبازي، ت 691 هـ، تحقيق د. محمد مظهر بقا، الطبعة الأولى، (1403 هـ)، مركز البحث العلمي بحامعة أم القرى، مكة المكرمة.
• المغني في الإنباء عن غريب المهذب والأسماء، عماد الدين إسماعيل بن باطيس, ت 655 هـ، تحقيق د. مصطفى عبد العظيم سالم، المكتبة التجارية، مكة المكرمة.
• المغني في حمل الأسفار، أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، ت 806 هـ، مطبعة عيسى الحلبي.
• المغني، عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة، ت 620 هـ، تحقيق د. عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، ود.
عبد الفتاح محمد الحلو، الطبعة الثانية، (1412 هـ)، هجر، القاهرة.
• المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشهرة على الألسنة، محمد بن عبد الرحمن السخاوى، ت 902 هـ، الطبعة الأولى، (1399 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
• مقالات الإِسلاميين واختلاف المصلين، أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، ت 330 هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الثانية، (1389 هـ - 1969 م)، مكتبة النهضة المصرية.
• المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد، برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح، ت 884 هـ، تحقيق عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الطبعة الأولى، (1410 هـ)، مطبعة المدني، القاهرة.
• المقنع في شرح مختصر الخرقى، الحسن بن أحمد بن عبد اللَّه بن البنا، ت 471 هـ، تحقيق د. عبد العزيز بن سليمان بن إبراهيم البعيمي، مكتبة الرشد، الرياض.
• المقنع، عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ت 620 هـ، تحقق د. عبد اللَّه التركى، الطبعة الأولى، (1417 هـ) دار هجر، القاهرة، مصر.
الجزء: 4 - الصفحة: 1350
• منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات، تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الشهير بابن النجار، ت 972 هـ، تحقيق د. عبد اللَّه التركى، الطبعة الأولي، (1419 هـ - 1999 م)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• منح الجليل على مختصر العلامة خليل، وبهامشه حاشيته المسماة تسهيل منح الجيل، محمد عليش، ت 1299 هـ، دار صادر.
• منح الشفا الشافيات في شرح المفردات، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ت 1051 هـ، المؤسسة السعدية، الرياض.
• المنخول من تعليقات الأصول، محمد بن محمد الغزالي، ت 505 هـ، تحقيق د. محمد حسن هيتو، الطبعة الثانية، (1400 هـ)، دار الفكر، دمشق.
• المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، عبد الرحمن بن محمد العُليمي المقدسي، ت 928 هـ، تحقيق مجموعة من طلبة العلم بإشراف محمد القادر الأرناؤوط، الطبعة الأولى، (1997 م)، دار صادر، بيروت.
• المهذب في فقه الإمام الشافعي، إبراهيم بن علي الشيرازي، ت 476 هـ، دار الفكر، بيروت.
• الموسوعة الميسرة للمذاهب والأديان المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإِسلامي الرياض، الطبعة الثانية، (1409 هـ)، مطبعة سفير، الرياض.
• موسوعة الحروف في اللغة العربية، د. إميل بديع يعقوب، الطبعة الثانية (1415 هـ - 1995 م)، دار الجيل، بيروت.
• موسوعة الشعر العربي، مطاع صفدي، وايليا حاوي، تحقيق أحمد قدامة، شركة خياط للكتب والنشر، (1974 م) بيروت، لبنان.
• موطأ الإمام مالك برواية محمد بن الحسن الشأن، ت 189 هـ، تحقيق د. تقي الدين الندوي، الطبعة الأولى، (1412 هـ - 1992 م)، دار القلم، دمشق.
• موطأ، الإمام مالك برواية يحيى بن يحيى بن أكثر الليثي الأندلسي، الطبعة الأولى، (1409 هـ)، دار الفكر، بيروت.
• ميزان الاعتدال، الحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ت 748 هـ، تحقيق على محمد البحاوي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر.
• الناسخ والمنسوخ، أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي، ت 224 هـ، تحقيق محمد بن صالح المديفر، الطبعة الأولى، (1411 هـ - 1990 م)، مكتبة الرشد، الرياض.
• الناسخ والمنسوخ، أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، ت 429 هـ، تحقيق
الجزء: 4 - الصفحة: 1351
د. حلمي كامل عبد الهادي، الطبعة الأولى، (1407 هـ)، دار العدوي، عمان، الأردن.
• النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، جمال الدين يوسف بن تغري بردي الأتابكى، ت 874 هـ، نسخة دار الكتب، وزارة الثقافة والإرشاد، مصر.
• نُزهة الفِكر فيما مضى من الحوادث والعبر في تراجم القرن الثاني عشر والثالث عشر، أحمد بن محمد الحضراوي المكي الهاشمي، ت 1327 هـ، تحقيق محمد المصري، مطابع وزارة الثقافة، إحياء التراث العربي، دمشق، سوريا، (1996 م).
• نصب الراية لأحاديث الهداية، عبد اللَّه بن يوسف الحنفى الزيلعى، ت 762 هـ، مع حاشية بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، دار الحديث.
• نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، إبراهيم بن عمر البقاعي، ت 885 هـ، الطبعة الأولى، (1392 هـ - 1972 م)، تصوير أم القرى للطباعة والنشر.
• النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب، بطال بن أحمد بن سليمان بن بطال الركبي، ت 633 هـ، تحقق مصطفى سالم، (1411 هـ - 1991 م)، المكتبة التجارية، مكة.
• النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل، محمد كمال الدين بن محمد الغزي العامري، ت 1214 هـ، تحقيق محمد مطيع الحافظ، ونزار أباظه، دار الفكر، دمشق، (1402 هـ).
• النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر، شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي، ت 763 هـ، مطبعة السنة المحمدية، (1369 هـ - 1950 م).
• نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي، ت 821 هـ، تحقيق إبراهيم الأبياري، الطبعة الأولى، (1959 م)، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة.
• نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج في الفقه على مذهب الإمام الشافعي، محمد بن أحمد بن حمزة الرملي الشهير بالشافعي الصغير, ت 1004 هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، (1414 هـ). ومعه حاشية أبي الضياء نور الدين علي بن علي الشبراملي القاهري، ت 1087 هـ، وحاشية أحمد بن عبد الرزاق بن أحمد المعروف بالمغربي الرشيدي، ت 1096 هـ.
• النهاية في غريب الحديث والأثر، أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، ت 606 هـ، تحقيق محمود محمد الطناجي، دار إحياء الكتب العربية، ومطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر.
الجزء: 4 - الصفحة: 1352
• نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، محمد بن على بن محمد الشوكاني، ت 1255 هـ، الطبعة الأولى، (1413 هـ)، دار الحديث، القاهرة.
• الهداية شرح بداية المبتدي، علي بن أبي بكر المرغيناني، ت 593 هـ، مطبعة مصطفى البابي وأولاده، مصر.
• الهداية، أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني، ت 510 هـ، تحقيق إسماعيل الأنصاري، وصالح العمري، الطبعة الأولى، (1390 هـ) مطابع القصيم.
• وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس أحمد بن محمد بن خلكان، ت 681 هـ، تحقيق د. إحسان عباس، طُبع (1397 هـ - 1977 م)، دار صادر، بيروت.
• حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين الشاشي، ت 507 هـ، تحقيق ياسين درادكه، الطبعة الأولى (1408 هـ - 1988 م) مكتبة الرسالة الحديثة، عمان الأردن.
• التوقيف على مهمات التعاريف، لمحمد عبد الرؤوف المناوي، ت 1031 هـ، تحقيق محمد رضوان، الطبعة الأولى (1410 هـ) دار الفكر.
الجزء: 4 - الصفحة: 1353