الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتالمقدمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات تأليف عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي . . . - 1240 هـ تحقيق الدكتور عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم الجزء الأول

الجزء: المقدمة - الصفحة: 1

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الجزء: المقدمة - الصفحة: 2

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات 1

الجزء: المقدمة - الصفحة: 3

بسم اللَّه الرحمن الرحيم غاية في كلمة مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الأولى 1424 هـ - 2003 م جميع الحقوق محفوظة 2003 م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه.
ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن مسبق من الناشر.

الجزء: المقدمة - الصفحة: 4

مقدمة: إن الحمد للَّه نحمده ونستعيه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فقد يسر اللَّه تعالى لي، ولأخي الشيخ الدكتور عبد اللَّه بن محمد البشر، الانتهاء من تحقيق كتاب: "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" لمؤلفه الشيخ عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي، وذلك لنيل درجة الدكتوراة في الفقه المقارن، من المعهد العالي للقضاء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد حظينا في هذا العمل بإشراف صاحب الفضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز ابن عبد اللَّه آل الشيخ -مفتي عام المملكة العربية السعودية- حفظه اللَّه ونفع بعلومه.
وقد كان نصيبي من تحقيق هذا الكتاب: قسمه الأول، من أوله إلى آخر باب الهبة.
وأكمل أخي الشيخ الدكتور عبد اللَّه البشر الكتاب إلى آخره.
ورغبة منا في عموم نفع الكتاب، أقدمنا على طباعته، مع مراعاة حذف لبعض التعليقات، وتصحيح لبعض الأخطاء.
وسأقتصر في هذه المقدمة على الحديث عن المؤلِّفِ ومؤلَّفِه.
أسأل اللَّه أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يجزي مؤلفه ومحققيه خير الجزاء.
وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد.

الجزء: المقدمة - الصفحة: 3

الفصل الأول: مؤلف الكتاب

، وفيه عشرة مباحث:

المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده.

المبحث الثاني: نشأته وطلبه للعلم.
المبحث الثالث: أهم أعماله.
المبحث الرابع: صفاته.
المبحث الخامس: عقيدته ومذهبه.
المبحث السادس: وفاته ورثاء الناس له.
المبحث السابع: شيوخه.
المبحث الثامن: تلاميذه.
المبحث التاسع: مكانته العلمية.
وفيه مطلبان: المطلب الأول: الجوانب العلمية.
المطلب الثاني: وصفه من حيث التقليد والاجتهاد.
المبحث العاشر: مؤلفاته عامة ومنهجه فيها.

الجزء: المقدمة - الصفحة: 5

المبحث الأول اسمه، ونسبه، ومولده

هو عثمان بن عبد اللَّه بن جمعة بن جامع بن عبد ربه، الأنصاري، الخزرجي.
وعبد ربه هذا، عُرفَ باسم: عُبَيْد.
وأصل هذه الأسرة من المدينة المنورة، قدِمَ جَدُّهم: جامع بن عبد ربه هو وأخوه من المدينة إلى بلدة القصب من إقليم نجد، ثم انتقلا من القصب إلى بلدة جلاجل، وفيها وُلد ابنه: جمعه، فلما كبر جمعة رحل إلى الشام لطلب العلم، فطلب حتى أصبح عالمًا، وهو: جدُّ المؤلف الشيخ عثمان (1). أما عن مولده، فلم أر من ذكر تاريخ ولادته، ولا مكانها، وأظنها في "الأحساء" حيث هو معدود في أهلها، على ما سيأتي.

المبحث الثاني نشأته، وطلبه للعلم

أسرة آل جامع أسرة عِلم، حيث فيها علماء كثر: فجدُّهم جمعة من العلماء الذين رحلوا إلى الشام من نجد للاستفادة، وقد رافقه في هذه الرحلة ابن عم له هو: عبد الرحمن للغرض نفسه 2. كان لهذه الأسرة أثر كبير على تَدَيُّن الشيخ عثمان وحبه للعلم.1

الجزء: المقدمة - الصفحة: 7

ولم تحدثنا مصادر ترجمته عن بداية نشأته.
إلا أنه أخذ العلم في مدينة الأحساء عن علمائها الكبار، الشيخ محمد بن فيروز (1)، وأبيه الشيخ عبد اللَّه بن فيروز، لازم الأول ملازمة تامة، حتى تخرج على يديه، وعرف بالتتلمذ عليه، بل أجازه شيخه إجازة مدح تحصيله فيها، وأثنى على فهمه وإدراكه، حيث قال فيها: (وقرأ على الوالد قليلًا من "مختصر المقنع" ثم اشتغل على يد الفقير في الفقه، والفرائض، والعربية، ففتح اللَّه عليه، وأدرك إدراكًا تامًا، مع حسن السيرة، والورع، والعفاف، والكرم، والعبادة، والصلاح.
. .) اهـ (2) كما أنه رحل رحلات لطلب العلم: فقد رحل إلى مكة المكرمة، والمدينة المنورة، حيث درس فيهما على العلماء: الفقه، والمواريث، والحساب، والأدب (3). كما سافر إلى الشام، وحلب (4).

المبحث الثالث أهم أعماله

1 - القضاء: تولى القضاء في البحرين، وفي الزبير.
أما قضاؤه في البحرين فقد باشره سنين عديدة، إلى أن توفي بها، سنة 1240 هـ. ولم يذكر من ترجمه متى كان ذهابه إلى البحرين.
لكن وقفت على وثيقة وقف وثقها هو، مهرها بخاتمه، في 27 ربيع الأول سنة 1236 هـ. جاء فيها: (حرره عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي، القاضي في محروسة3456

الجزء: المقدمة - الصفحة: 8

البحرين عفا اللَّه عنه وعن جميع المسلمين بمنه وكرمه.
حرر في 27 ربيع 1 سنة 1236) 7. وقد نص المترجمون للمؤلف على أن توليه قضاء البحرين كان بطلب من أهلها، وجهوه إلى شيخه ابن فيروز، فأرسله إليهم.
قال ابن حميد 8: ثم طلبه أهل البحرين من شيخه المذكور، ليكون قاضيًا لهم، ومفتيًا، ومدرسًا، فأرسله إليهم، فباشره سنين عديدة، بحسن السيرة، والورع والعفة والديانة والصيانة، وأحبه عامتهم وخاصتهم.
اهـ أما قضاؤه في الزبير، فقد أشار إليه عثمان بن سند في كتابه "سبائك العسجد" 9 فقال: سكن الزبير وتولى القضاء فيه.
اهـ فلعل ذلك كان قبل توليه قضاء البحرين.
2 - الإفتاء، والتدريس: أثبت ذلك ابن حميد في "السحب الوابلة" 10 وقد باشر ذلك في البحرين.
3 - الإمامة والخطابة: تولى الإمامة والخطابة في مسجد "النجادى" بالزبير.
وقام بهذه الوظيفة خير قيام 11.

الجزء: المقدمة - الصفحة: 9

وجامع "النجادى" لا يتولى إمامته وخطابته إلا من تولى القضاء والإفتاء وتدريس علوم الشريعة (1).

المبحث الرابع صفاته

أما صفاته الخَلْقيَّه: فلم أقف على من ذكرها من مترجميه.
أما صفاته الأخرى: فإن اجتهاده في العبادة صفة تستوقف من ترجمه، مما يعني أن الرجل كان مجتهدًا في الطاعة، حريصًا على كثرة العبادة، ولما مدحه عثمان بن سند في ترجمته، قال فيه شعرًا منه: إذا قرأ القرآن سالت دموعه ... ولاح على الخدين منه خشوعه إذا اسودَّ جنح الليل قام مصليًا ... وقعقع من خوف الإله ضلوعه 13 كما وصفه شيخه الشيخ محمد بن فيروز في إجازته له، فقال: وأدرك إدراكًا تامًّا، مع حسن السيرة، والورع، والعفاف، والكرم، والعبادة، والصلاح.
اهـ 14. وقال ابن حميد 15 في ترجمته: الفقيه، النبيه، الورع، الصالح.
اهـ ووصفه عثمان بن سند في "سبائك العسجد" 16 بأنه تصدر في السادة12

الجزء: المقدمة - الصفحة: 10

الحنبلية، وفاق مشايخه بلا ارتياب.
اهـ كما أن المؤلف شاعر، شعره شعر الفقهاء، وبينه وبين الشاعر المعروف: عبد الجليل ياسين، مساجلات شعرية (1). ومما نقل من شعره: إلهي بعفو يا رب أطمع ... فلا تخزني يومًا به الخلق تجمع وخذ بيدي ذات اليمين وأعطني ... كتابي باليمنى فعفوك أوسع (2)

المبحث الخامس عقيدته، ومذهبه

أما مذهبه الفقهي فهو المذهب الحنبلي.
أثبت ذلك هو بخط يده في عنوان كتابه "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" حيث جاء فيه: جمع الفقير إلى عفو ربه الغني عثمان بن عبد اللَّه بن جامع النجدي الحنبلي.
عفا اللَّه عنه وعن جميع المسلمين بمنه وكرمه 19. اهـ وكذا جاء في بعض الوثائق التي حررها بيده 20. وقد اتفق من ترجمه على ذلك 21. أما عقيدته: فهو مناوئ للدعوة الإصلاحية دعوة الحق التي قام بها الشيخ الإمام1718

الجزء: المقدمة - الصفحة: 11

شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب -رحمه اللَّه تعالى رحمة واسعة- كيف لا يكون كذلك وشيخه ابن فيروز ألدُّ أعداء الدعوة، وحامل لواء الطعن فيها.
ومن ثمراته في ذلك: المؤلف -عفا اللَّه عنهما- فقد تأثر بشيخه، حتى كان غيضه على الدعوة وأهلها ليفيض في عبارته التي جاءت في ثنايا مؤلَّفه هذا، فشانه بها، حيث قال في كتاب الصلاة (ص 207) عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (طاغية العارض) وقد رددت عليه هناك، فأغنى عن إعادته.
وهذا يدل على خلل في العقيدة عنده، لأن المعارضة للشيخ محمد بن عبد الوهاب إنما هي معارضة لما وضحه وقرره من عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة، فالطعن فيه دلالة على سوء عقيدة الطاعن.
وهذا منهج للسلف -رضي اللَّه عنهم- يعرفون سوء عقيدة المرء بطعنه في علماء السنة وقدحه فيهم.
أخرج اللالكائي في "السنة" 22 عن أحمد بن عبد اللَّه بن يونس أنه قال: امتحن أهل الموصل بمعافى بن عمران، فإن أحبوه فهم أهل السنة، وإن أبغضوه فهم أهل بدعة، كما يمتحن أهل الكوفة بيحيى.
وعن قتيبة أنه قال: إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه -وذكر قومًا آخرين- فإنه على السنة.
ومن خالف هؤلاء فاعلم أنه مبتدع.
قلت: محمد بن عبدالوهاب في زمنه كأحمد بن حنبل في زمنه.
ومما يكشف عقيدة المؤلف أنه ذكر في الكتاب (ص 205، 206) عبد القادر الجيلاني، فقال: شيخنا.
ويعني بذلك أنه على الطريقة الصوفية المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني -رحمه اللَّه تعالى- وهي مشتملة على

الجزء: المقدمة - الصفحة: 12

بدع معروفة، وخرافات مرفوضة (1).

المبحث السادس وفاته، ورثاء الناس له

أرَّخ ابن حميد وفاته بسنة (1240 هـ) (2) وفي "علماء نجد" (3) لابن بسام أن وفاته كانت بالبحرين.

المبحث السابع شيوخه

أخذ المؤلف العلم في عدة بلدان هي: الأحساء، موطنه، ومكة، والمدينة، وسافر -أيضًا- إلى الشام، وحلب.
وقد تلقى عن جماعة من أهل العلم في تلك البلدان.
بيد أنه لم يُسَمَّ من شيوخه سوى: 1 - عبد اللَّه بن محمد بن عبد الوهاب بن فيروز، من وهبة تميم، نجدي الأصل، حيث أن آل فيروز انتقلوا من بلدة أشيقر بالوشم إلى الأحساء 26. ولد في 6 شعبان سنة 1105 هـ كما ذكر ذلك ابنه محمد 27. هو من فحول العلماء، أثنى على معرفته بعقيدة الإمام أحمد: الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في "المقامات" 28: ثم إن شيخنا رحمه اللَّه232425

الجزء: المقدمة - الصفحة: 13

تعالى -يعني الشيخ محمد بن عبدالوهاب-: رحل إلى الأحساء، وفيها فحول العلماء، منهم عبد اللَّه بن فيروز -أبو محمد الكفيف- ووجد عنده من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ما سُرَّ به، وأثنى على عبد اللَّه هذا بمعرفته بعقيدة الإمام أحمد.
. اهـ وقال ابن حميد 29: مَهَرَ في الفقه وأصوله، وأصول الدين، وغيرهما، ودرَّس، وأفتى، وأجاب على أسئلة عديدة بأجوبة سديدة، وكان دينًا، صينًا، تقيًّا، نقيًّا، ذا أوراد وتأله وعبادة.
اهـ وكانت وفاته في رجب، سنة 1175 هـ، كما أثبته الغزي في "طبقاته" 30 ونقل ابن بسام 31 عن ابنه محمد أنه توفي فجر يوم الأحد، السادس من رجب، في السنة المذكورة.
وقد درس عليه المؤلف الشيخ عثمان، كما أثبت ذلك محمد بن فيروز في إجازته له.
حيث قال: وقرأ على الوالد قليلًا من "مختصر المقنع" 32 اهـ 2 - محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الوهاب بن فيروز.
ابن للسابق، ولد في المبرَّز التابع لمدينة الأحساء في 18 ربيع الأول 1142 هـ وكفَّ بصره بالجدري، وهو ابن ثلاث سنين 33. أخذ العلم عن والده، وعن الشيخ محمد بن عفالق، والشيخ محمد حياة السندي المدني، وغيرهم.
عالم متقن، سيما في الفقه، درس على يده خلق كثير من أهل الأحساء، وغيرهم، وتخرَّجوا عليه 34.

الجزء: المقدمة - الصفحة: 14

وممن تخرج عليه المؤلف الشيخ عثمان، حيث لازمه ملازمة تامة.
قال عنه ابن فيروز: ثم اشتغل على الفقير في الفقه والفرائض والعربية، ففتح اللَّه عليه (1). اهـ 3 - قرأ المؤلف على علماء في مكة، والمدينة (2)، ولم يسمِّ المترجمون له هؤلاء العلماء.

المبحث الثامن تلاميذه

نص المترجمون على أن المؤلف قد قام بالتدريس في البحرين، وفي الزبير -أيضًا- (3) إلا أنهم لم يسموا أحدًا ممن درس على يده.
حتى أنهم لم يذكروا ابنه عبد اللَّه من تلاميذه، بل جاء في ترجمة عبد اللَّه بن عثمان بن جامع: أخذ العلم هو ووالده عن الشيخ محمد بن فيروز (4).

المبحث التاسع مكانته العلمية

، وفيه مطلبان

المطلب الأول: الجوانب العلمية.

برز المؤلف في علم الفقه، خصوصًا الحنبلي.
ومؤلفه هذا يدل على عنايته الفائقة بالفقه الحنبلي، وإدراكه فيه إدراكا جيدًا، وقد أثنى عليه في هذا الجانب جماعة من المتمكنين فيه: فشيخه محمد بن فيروز يثني عليه بقوله:35363738

الجزء: المقدمة - الصفحة: 15

ثم اشتغل على الفقير -يعني نفسه- في الفقه والفرائض والعربية، ففتح اللَّه عليه، وأدرك إدراكًا تامًّا.
اهـ (1) وقال عثمان بن سند النجدي ثم البصري (2) اهـ: تصدَّر في السادة الحنبلية (3). وقال ابن حميد في "السحب الوابلة" (4): الفقيه، النبيه، الورع، الصالح.
اهـ كما أن المؤلف له إلمام بالفرائض والنحو، كما أشار إلى ذلك شيخه ابن فيروز.
كما أن له إلمامًا بعلم الحساب، والأدب.
أشار إلى ذلك ابن سند في ترجمته له (5).

المطلب الثاني: وصفه من حيث التقليد والاجتهاد.

ليس المؤلف من أهل الاجتهاد، بل هو مقلدٌ، وكتابه هذا واضح في أن المؤلف متقيد بالمذهب، وليس له اجتهادات فقهية، لا في المذهب، ولا خارج المذهب.

المبحث العاشر مؤلفاته عامة ومنهجه فيها

لم يذكر المترجمون للمؤلف مؤلفات سوى كتابه: "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" وسيأتي الحديث عنه مفصلًا.3940414243

الجزء: المقدمة - الصفحة: 16

الفصل الثاني الكلام عن الكتاب المحقق

. وفيه عشرة مباحث:

المبحث الأول: إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف، ووصف المخطوطة وبيان مكان وجودها.

المبحث الثاني: تعريف موجز بالكتاب.
المبحث الثالث: منزلته بين كتب الفقه بعامة وبين كتب مذهبه بخاصة.
المبحث الرابع: منهجه في الكتاب.
المبحث الخامس: مصادره في الكتاب.
المبحث السادس: الكتاب من حيث التبعية والاستقلال.
المبحث السابع: اختياراته الفقهية في الكتاب.
المبحث الثامن: محاسن الكتاب.
المبحث التاسع: الملحوظات على الكتاب.
المبحث العاشر: الأبواب والفصول التي يتناولها التحقيق.

الجزء: المقدمة - الصفحة: 17

المبحث الأول إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف ووصف المخطوطة وبيان مكان وجودها

كتاب "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" ألفه الشيخ عثمان قطعًا.
وأدلة ذلك: أن الكتاب بخط مؤلفه.
وذلك واضح بعد المقارنة بين خط الكتاب وبعض الوثائق التي كتبها ومهرها بخاتمه.
وقد أثبت ذلك الشيخ محمد بن ناصر العجمي في كتابه "نوادر مخطوطات علامة الكويت الشيخ عبد اللَّه بن خلف الدحيان في مكتبة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية" 44 حيث قال في وصف النسخة: نسخها المؤلف في يوم الجمعة في غرة ذي الحجة الحرام سنة 1224 هـ بمدينة المبرز في الأحساء، وقد شارك أحد النساخ في بعض الورقات من الكتاب.
كما أن الذي جعلني أجزم أنه بخط المؤلف ثلاثة أمور: (أ) خط المؤلف.
فقد سبق في مخطوطة "التيسير" للداني (ص 29) تملك له على هذا المخطوط بخطه، وبالموازنة بينهما تبين أنه نفس الخط.
(ب) كثرة الضرب بالقلم على بعض السطور والكلمات والتصحيح في الحاشية بنفس الخط.
(ب) تاريخ نسخ الكتاب في حياة المصنف.
اهـ قلت: وفي بلد المؤلف الأحساء كان النسخ -أيضًا-.
وقد أثبت المترجمون له أن هذا الكتاب من تأليفه.
نص على ذلك شيخه ابن فيروز، وابن حميد، وابن سند، وابن بسام في "علماء نجد" وغيرهم 45.

الجزء: المقدمة - الصفحة: 19

وقال ابن حميد في "الدر المنضد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد" (1): عثمان بن جامع النجدي: [له] شرح "أخصر المختصرات": جلد كبير.
اهـ وهذه المخطوطة منسوخة بخط نسخي مقروء.
كتبها المؤلف في الأحساء.
وانتهى منها في يوم الجمعة من شهر اللَّه المحرم سنة 1224 هـ. وفي بعض الصفحات خط مغاير لخط المؤلف لعله أحد النساخ يعينه في النسخ.
وعدد ورقاتها (375) ورقة.
في كل ورقة (25) سطرًا، وطول الورقة في عرضها 22 * 15 سم.
وقد كتب المتن والتبويبات بالحمرة.
وفي بعض الصفحات أثر بلل من ماءٍ أو ندى.
وهي محفوظة في مكتبة الشيخ عبد اللَّه بن خلف الدحيان (2). ثم انتقلت إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت.
وهي مسجلة عندهم تحت رقم (39) (3).

المبحث الثاني تعريف موجز بالكتاب

اسم الكتاب الذي سماه به مؤلفه: "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات".464748

الجزء: المقدمة - الصفحة: 20

فهو شرح على متن من متون الحنابلة، هو: "أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل" تأليف الشيخ محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي.
ولد بدمشق سنة 1006 هـ تقريبًا.
قال الغزي 49: وكان من كبار أصحاب الشهاب أحمد بن أبي الوفا الوفائي المقدم ذكره في الحديث والفقه، ثم زاد عليه في معرفة فقه المذاهب زيادة على مذهبه، فكان يقرئ في المذاهب الأربعة.
. انتهت إليه رئاسة العلم بالصالحية بعد وفاة الشيخ علي القبردي.
. اتفق أهل عصره على تفضيله وتقديمه.
اهـ بتصرف.
ألف مؤلفات في المذهب بديعة، منها: 1 - "مختصر الإفادات في ربم العبادات والآداب وزيادات" 50. 2 - متن "كافي المبتدي" 51 ثم اختصر هذا المتن في: 3 - "أخصر المختصرات" 52 وهو الكتاب المشروح بـ "الفوائد المنتخبات" لعثمان بن جامع.
وشرح -أيضًا- بكتاب "كشف المخدرات

الجزء: المقدمة - الصفحة: 21

والرياض المزهرات شرح أخصر المختصرات في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل الشيباني رضي اللَّه عنه" لزين الدين عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أحمد البعلي 53. توفي ابن بلبان -رحمه اللَّه تعالى- ليلة الخميس 9 رجب سنة 1083 هـ 54. ومتن "أخصر المختصرات" له مكانة عالية عند الحنابلة.
قال العلامة ابن بدران في وصفه 55: تأملته فوجدته: سهل العبارة، واضح المعاني.
وهو على صغر حجمه إذا تأمله الذكي لا يحتاج في فهمه إلى موقف، وينتفع به الصغير والكبير.
وهو من المتون المعتمدة في المذهب.
اهـ وقال الغزي 56: له مختصر في الفقه في المذهب: صغير الحجم كثير الفائدة.
اهـ فبان بذلك أن كتاب "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات": شرح لمتن مهم جدًا في فقه الحنابلة، لعلو منزلة مؤلفه، وقوة تحريره، وسهولة عبارته.
وقد قام المؤلف بشرح غريب هذا المتن، والاستدلال للأحكام الواردة فيه، والعناية بالتعليل، مقتصرًا على بيان مذهب الحنابلة.
ويذكر أحيانًا الخلاف في المذهب، وأحيانًا الخلاف بين سائر المذاهب الفقهية الأربعة.
وسيأتي بيان ذلك في الحديث عن منهج المؤلف في كتابه.

الجزء: المقدمة - الصفحة: 22

المبحث الثالث منزلته بين كتب الفقه بعامة، وبين كتاب مذهبه بخاصة

الكتاب أثنى عليه جماعة، منهم من هو حنبلي المذهب، ومنهم من ليس حنبليًّا، إلا أن ثناءهم عليه مقيد بمدحه بين سائر كتب المذهب الحنبلي.
فهذا شيخه ابن فيروز -وهو من المتقنين للمذهب- يقول في إجازته للمؤلف: وشرح أخصر المختصرات للشيخ البلباني شرحًا مبسوطًا، وجمع من الفوائد زبدة كتب المذهب 57. اهـ وقال عثمان بن سند، المالكي المذهب، في كتابه "سبائك العسجد" 58 عن المؤلف: وشرح "أخصر المختصرات" في المذهب، شرحًا أبان عن فضله وأعرب.
اهـ وقال ابن حميد في "السحب الوابلة" 59: وصنَّف "شرح أخصر المختصرات" شرحًا مبسوطًا، نحو ستين كراسًا، جمع فيه جمعًا غريبًا.
اهـ فثناء هؤلاء العارفين بالمذهب على مؤلفه هذا يدل على أن لكتابه منزلة بين كتب المذهب.

الجزء: المقدمة - الصفحة: 23

المبحث الرابع منهجه في الكتاب

أشار المؤلف في مقدمة كتابه إلى أن غالب اعتماده في شرحه على: شرحي الإقناع، والمنتهى، وحاشيتيهما.
الجميع للعلامة الشيخ منصور البهوتي -رحمه اللَّه تعالى-.
وقد اعتمد المؤلف فعلًا على هذه الكتب، خصوصًا "شرح منتهى الإرادات" فقلَّ أن يخرج المؤلف عن عبارته وسياقه.
ولذا جعلت "شرح منتهى الإرادات" كالنسخة الأخرى للكتاب، أقابل عليها، وأكشف من خلالها ما لم يتضح لي في المخطوط، سيما بعض الصفحات التي نابها شيء من الماء أو الندى.
وإذا خرج المؤلف عن عبارة "شرح المنتهى" فإنه ينقل تقريرًا لشيخه ابن فيروز.
كما في (ص 99، 60، 381) وغيرها وهو قليل جدًا.
ويبدأ المؤلف بذكر المتن لأخصر المختصرات، مميزًا بلون أحمر، وقد وضعته أنا بين قوسين في هذا المطبوع، ثم يشرح المؤلف عبارة الماتن، وذلك بما يلي: أ - لغويًّا، وهو قليل.
ب - يورد الأدلة من الكتاب، والسنة، والآثار.
وقلَّ أن يرد مسألة إلا ويستدل لها المؤلف.
جـ - يورد التعليلات للأحكام، خصوصًا إذا لم يكن هناك أدلة منصوصة في المسألة.
وقد يورد المؤلف خلافًا في المذهب دون ترجيح، كما في (ص 224) (ص 107) وقد يورد الخلاف مرجحًا، كما في (ص 226)، كما أنه يورد

الجزء: المقدمة - الصفحة: 24

أحيانًا أقوال بقية الأئمة الأربعة كما في (ص 564). وقد يورد أقوالًا لأئمة المذاهب مخالفة للمذهب وينتصر للمذهب، كما في (ص 770). ويورد الخلاف مطلقًا كما في (ص 9) و (ص 269) و (ص 337) وينقل المؤلف عن بعض العلماء غير الحنابلة، وذلك لتوضيح حديث، أو مسألة لا تتعلق بصلب موضوع الفقه، كما في نقله عن ابن العربي المالكي (ص 8) في موضوع عدد أسماء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وكما في نقله عن النووي في "شرح مسلم" و"التبيان" (ص 8، 284، 343) وغيرها.
ويهتم المؤلف بإيراد الإجماعات، منصوصة أحيانًا إلى من حكاها، كما في (ص 336، 444) حيث نقل عن ابن المنذر.
و (ص 140، 444) كما نقل عن ابن عبد البر.
وأحيانًا يورد الإجماع دون ذكر من حكاه (ص 97، 112). ويعزو المؤلف -أحيانًا- إلى بعض كتب المذهب، كالمغني، والشرح الكبير، والإنصاف، وغيرها، كما في (ص 402، 436، 869، 892) إلا أن المؤلف إنما ينقل عنها بواسطة: "شرح منتهى الإرادات" أو "كشاف القناع".
ويورد اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، تبعًا لما يورده في "شرح منتهى الإرادات" كما في (ص 425).

المبحث الخامس مصادره في الكتاب

أشار المؤلف في مقدمة كتابه أنه يعتمد غالبًا على أربعة كتب، كلها من تأليف الشيخ العلامة منصور البهوتي -رحمه اللَّه تعالى-: 1 - "كشاف القناع عن متن الإقناع".
2 - "شرح منتهى الإرادات".

الجزء: المقدمة - الصفحة: 25

3 - "حاشية الإقناع".
4 - "حاشية على المنتهى" المسماة: "إرشاد أولي النهى لدقائق المنتهى".
وقد تبين لي -كما قدمت- أن غالب اعتماده على "شرح منتهى الإرادات" من بين هذه الأربعة.
وجميع ما ورد من كتب غيرها، كالمغني، والشرح الكبير، والإنصاف، والفروع، والمبدع، وغيرهما، إنما ينقله بواسطة الشيخ منصور البهوتي في أحد كتابيه "شرح منتهى الإرادات" و"كشاف القناع عن متن الإقناع" كما تقدم.

المبحث السادس الكتاب من حيث التبعية والاستقلال

تبع المؤلف الشيخ منصور البهوتي في عبارته وأسلوبه ومعلوماته التي أودعها كتابه "شرح منتهى الإرادات" ولم يخرج عن ذلك إلا قليلًا نادرًا.
فوظيفة المؤلف تنزيل عبارة البهوتي على ترتيب متن "أخصر المختصرات".
وهذه إحدى طرق التأليف، سيما عند الفقهاء.
فكتاب "شرح منتهى الإرادات" هو مختصر لكتاب "معونة أولي النهى شرح المنتهى" للفتوحي، كما أشار إلى ذلك البهوتي في المقدمة 60. حيث قال: ولخصته من شرح مؤلِّفه -يعني "معونة أولي النهى"- وشرحي على الإقناع.
اهـ والمؤلف قد ظهرت شخصيته العلمية في القدرة على صياغة العبارة من "شرح منتهى الإرادات" ملائمة لمتن: "أخصر المختصرات" إذ يحتاج إلى تقديم جمُل وتأخير أخرى، وهكذا، ولا يقوى على ذلك إلا من له خبرة ودربة في الفقه.
فالكتاب ليس له استقلالية كاملة، بل هو أشبه بالاختصار والتهذيب لكتاب "شرح منتهى الإرادات" وإضافة بعض المعلومات من: "كشاف القناع عن متن الإقناع" و"حاشية المنتهى" و"حاشية الإقناع" الجميع للعلامة منصور البهوتي.

الجزء: المقدمة - الصفحة: 26

المبحث السابع اختياراته الفقهية في الكتاب

له -رحمه اللَّه تعالى- بعض الاختيارات، من ذلك: أنه لما ذكر مسألة تكرار السورة في ركعتين، وأورد حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كرر سورة الزلزلة في ركعتين.
قال: قلت: والذي يظهر -واللَّه أعلم- أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كررها لسبب فضلها.
. اهـ ينظر (ص 183) وقد تعقبته هناك.

المبحث الثامن محاسن الكتاب

الكتاب: وحيدُ المؤلِّف، وصاحب الواحد يبدع غالبًا.
لقد اجتهد المؤلف في تحرير الكتاب وتهذيبه، وذلك واضح من كثرة الانتقال إلى الهامش لإثبات معلومة، أو تصحيح خطأ كتابي.
وهذا دليل على مراجعة المؤلف له مرات عديدة.
ويظهر -واللَّه أعلم- أن الشيخ محمد بن فيروز له إشراف على الكتاب، وذلك لأن التأليف كان بالأحساء زمن ابن فيروز، والمؤلف تلميذ خاص له، فلعل التصحيحات في الهامش توجيه من الشيخ ابن فيروز.
ولذا فإن ابن فيروز مدح الكتاب مدح من سمعه كاملًا.
فقال: وشرح أخصر المختصرات للشيخ البلباني شرحًا مبسوطًا، وجمع من الفوائد زبدة كتب المذهب.
اهـ 61 وهذا الثناء من شيخ المؤلف يعد من مناقب الكتاب، لأن ابن فيروز من المتقنين للمذهب الحنبلي.
ومما يعد من محاسن هذا الكتاب تصريح مؤلفه في مقدمته بأنه اعتمد

الجزء: المقدمة - الصفحة: 27

على كتب الشيخ منصور البهوتي: "كشاف القناع" و"شرح منتهى الإرادات" و"حاشيتيهما" وذلك أداء للأمانة، ونسبة للفضل إلى أهله.
كما أن المؤلف يُعنى بالاستدلال للمسائل، ويكثر من ذلك.
ولا يغفل الحكم على الأحاديث التي يُبنى حكم المسألة على تصحيحها وتضعيفها، أحيانًا.

المبحث التاسع الملحوظات على الكتاب

لا يخلو عمل الإنسان من نقص، ولا يسلم أحد من خطأ، إلا من عصم اللَّه تعالى.
وكتاب "الفوائد المنتخبات" عليه ملحوظات هي: 1 - لا يخرج المؤلف عن نصوص: "شرح منتهى الإرادات" و"كشاف القناع" كلاهما للبهوتي، فإذا خرج فإنه يأتي بما هو ضعيف جدًا، أو مرفوض تمامًا: ففي (ص 99) لما ذكر الفقهاء: (وتخييره بين الدينار ونصفه، كتخيير المسافر بين القصر والإتمام) قال المؤلف: تنبيه: وقد ذكر في "الإنصاف" أن الكمال دينار.
فإن قيل: فما معنى تشبيهه بتخيير المسافر بين القصر والإتمام، مع أن القصر في السفر مباح أفضل من الإتمام.
وهنا الكمال الدينار، فما معنى تشبيهه بذلك؟ أجاب شيخنا محمد بن عبد اللَّه بن فيروز: أنه لا يلزم منه كون المشبه كالمشبه به.
انتهى.
ثم ألقى اللَّه في روعي شاهدًا من القرآن العزيز، وهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. ﴾ فعلمت يقينًا صحة ما أجاب به شيخنا.
ثم وقفت بعد ذلك على قول أبي تمام: لا تنكروا ضربي له من دونه.
. إلخ.

الجزء: المقدمة - الصفحة: 28

فحمدت اللَّه على فهم هذه الدقيقة.
. اهـ أقول: لما خرج المؤلف ليته خرج إلى قضايا مهمة لفهم دقائقها، وتوضيح غامضها.
أما هذه فإن كون المشبه ليس كالمشبه به، من بدايات المعلومات لدى طلاب العلم، وليست بهذا الخفاء الذي صورها به المؤلف.
2 - حقده الشديد على الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه اللَّه- دفعه إلى تخبطه في قضية الدعاء بعد المكتوبة.
فانظر إليه حيث تكلم في (ص 205) عن مسألة: دعاء الإمام بعد كل مكتوبة.
فلما قررها واستدل لها بكل باطل، قال (ص 207): فحينئذ تبين لك فساد ما ذهب إليه.
. ابن عبد الوهاب من نهيه عن رفع اليدين بالدعاء بعد الفراغ من الأذكار الواردة بعد أدبار الصلوات الكتوبة.
ثم ذكر أن الشيخ استند على كلام ابن القيم في "زاد المعاد" ثم وافق المؤلف ابن القيم.
فياللَّه العجب: كيف يصنع الحسد بأصحابه.
تكلم أولًا عن مسألة الدعاء بعد الكتوبة واستدل لها.
وهذا هو نفسه الذي ذمه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب! ! ثم انتقل إلى صورة ثانية وهي الدعاء بعد الأذكار، وسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب بها، ثم نقل كلام ابن القيم الذي صرح هو أن ابن عبد الوهاب اعتمد عليه، وقال: هو رد على ابن عبد الوهاب! ! فهل هذا جهل في التصور، أم حقد قاد إلى التلبيس؟ وقد رددت عليه هناك فليرجع إليه.
3 - ينسب إلى "شرح منتهى الإرادات" وغيره، بعض العبارات، وهي بخلاف ذلك كما في (ص 226) و (ص 237) وغيرها، وهو مثبت في هوامش الكتاب.

الجزء: المقدمة - الصفحة: 29

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

وبه نستعين الحمد للَّه الذي جعل الفقه في الدين من أفضل القربات لعباده، وشرح صدر من أراد هدايته للإسلام، فأمده بإمداده.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أتم اللَّه به النعمة وأكمل به الدين، وعلى آله وأصحابه الذين أوضحوا لنا الأحكام على أحسن وجه، وأتم تبيين.
أما بعد، فيقول الفقير إلى عفو ربه العلي عثمان بن عبد اللَّه بن جامع النجدي الحنبلي: إني لما وقفت على الكتاب الموسوم بـ "أخصر المختصرات"، للإمام المحقق الشيخ محمد البلباني الحنبلي -رفع اللَّه له الدرجات- 62 وجدته مع كونه في غاية الاختصار يشتمل على جل المسائل الكبار، ولا يستغني طالب العلم عن حفظه، لكن لم أجد له شرحًا يوضح الغامض 63 من لفظه؛ فاستخرت اللَّه -سبحانه وتعالى- على أن أعلق عليه شرحًا يميط النقاب عن وجوه مخدراته، ويبرز ما وراء الحجاب من خبياته، ويحرر مسائله، ويجرد دلائله، ضامًّا إليه من الفوائد الجليلات بحسب ما يمنحه مفيض النعم الجليات والخفيات.
وغالب امتدادي في هذا الشرح المبارك من شرحي "الإقناع" و"المنتهى" و"حاشيتيهما" 64 -أمد اللَّه روح مؤلفهما بالرحمة والرضوان،

الجزء: 1 - الصفحة: 5

وأسكنه أعلى غرف الجنان-.
وإن لم أكن أهلًا لهذا الشأن، ولا من فرسان ذلك الميدان، لكن الظن بالله -سبحانه وتعالى- على المعونة جميل، لا حول ولا قوة إلا به، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وسميته بـ "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات"، واللَّه أسأل أن ينفع به كل من اعتنى به، وأن يرحمني والمسلمين ويجيرنا من عذابه.
قال الشيخ -رحمه اللَّه تعالى-:

(بسم اللَّه الرحمن الرحيم) ابتدأ كتابه -رحمه اللَّه تعالى- بها اقتداء بالكتاب العزيز، وعملًا بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، فهو أبتر".
وفي رواية "فهو أقطع" 65 ومعناه ناقص البركة.
(الحمد للَّه): الحمد لغة هو: الوصف بالجميل الاختياري على وجه التعظيم، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا.
وفي الاصطلاح: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم؛ بسبب كونه منعمًا على الحامد أو غيره.
والشكر لغة هو: الحمد اصطلاحًا.
واصطلاحًا: صرف العبد جميع = الإقناع" جميعها لمنصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن البهوتي.
العالم الكبير، شيخ المذهب ومحرره، رحل إليه الناس من الآفاق لأجل أخذ مذهب الإمام أحمد.
ولد سنة (1000 هـ) وتوفي سنة (1051 هـ). "خلاصة الأثر" (4/ 426)، "النعت الأكمل" (210)، "عنوان المجد في تاريخ نجد" (2/ 206)، "السحب الوابلة" (3/ 1131)، و"الدر المنضد" لابن حميد (ص 56، 57).

الجزء: 1 - الصفحة: 6

ما أنعم اللَّه به عليه لما خلق لأجله 66. (المفقِّه) أي: المفهم (من شاء من خلقه) ممن أراد به الخير (في الدين) والدين: ما شرعه اللَّه تعالى من الأحكام، قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين" 67. (والصلاة) التي هي من اللَّه الرحمة 68، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدمي التضرع والدعاء.
(والسلام): أي السلامة من النقائص والرذائل، أو الأمان (على نبينا) أي: ورسولنا (محمد) بالجر بدل من نبينا، والنبي: إنسان أوحي إليه بشرع، وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بذلك فرسول أيضًا، فالنبي أعم من الرسول 69، والنبيء بالهمز من النبأ، أي: الخبر؛ لأنه مخبر

الجزء: 1 - الصفحة: 7

عن اللَّه تعالى، وبلا همز -وهو الأكثر- من النبوة، وهي: الرفعة؛ لأن النبي مرفوع الرتبة 70. ومحمد: اسم من أسماء نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي كما نقل بعضهم عن أبي بكر بن العربي 71، والنووي 72 رحمهما اللَّه تعالى ألفُ اسمٍ 73، سمي به؛ = وليس برسول.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 8

لكثرة خصاله الحميدة، وسمي به قبله سبعة عشر شخصًا بخلاف أحمد، فلم يُسَمَّ به قبله أحد.

تتمة

: الصلاة عليه -صلى اللَّه عليه وسلم- مستحبة بتأكد يوم الجمعة وليلتها، وكذا كلما ذكر اسمه، وقيل بوجوبها إذًا 74. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ = بعضهم أن يجمع له عليه الصلاة والسلام ألف اسم.
اهـ من ذلك كتاب أبن فارس اللغوي "أسماء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ومعانيها" توجد منه نسخة في المكتبة الظاهرية، ناقصة الآخر.
حققها ماجد الذهبي، ونشرها في مجلة "عالم الكتب" (العدد 334 محرم 1408 هـ). ومنها: كتاب ابن دحية "المستوفى في أسماء المصطفى" ذكره حاجي خليفة في "كشف الظنون" (2/ 1675)، والبغدادي في "هدية العارفين" (5/ 86). وينظر: "الشفا" للقاضي عياض (1/ 311)، و"الوفا بأحوال المصطفى" لابن الجوزي (1/ 103).

الجزء: 1 - الصفحة: 9

وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} 75، وروي عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "من صلى عليّ في كتاب، لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب" 76. (الأمين) بالجر أيضًا، أي: أمين اللَّه على وحيه، قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء" 77. (المؤيد) أي: المقوّى (بكتابه) أي بكتاب اللَّه تعالى الذي أنزله عليه نجومًا 78 في.
. . . = والراجح قول الجمهور، لقوة الدليل الصارف عن الوجوب، وهو فعل الصحابة مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في مخاطبته.
ولو كانت الصلاة عليه واجبة كلما ذكر لى يسعهم ترك ذلك، ولكان قد أنكر عليهم -صلى اللَّه عليه وسلم- ترك ذلك.
ينظر: "جلاء الأفهام" لابن القيم (ص 382 - 397)، و"القول البديع" للسخاوي (ص 20 - 24)، و"روح المعاني" للألوسي (22/ 81).

الجزء: 1 - الصفحة: 10

ثلاثة 79 وعشرين سنة على الصحيح 80، الذي نسخ جميع الكتب.
(المبين) صفة لكتابه، والمبين: الظاهر أمره في الإعجاز، أو الواضحة معانيه والمبينة لمن تدبرها أنها من عند اللَّه (المتمسك بحبله المتين) أي: بدينه الإسلام أو بكتابه، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "القرآن حبل اللَّه المتين" 81 استعار له الحبل؛ من حيث أن التمسك به سبب النجاة عن الردى، كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة عن التردي.
(وعلى آله): وهم أتباعه على دينه إلى يوم القيامة على الصحيح 82،

الجزء: 1 - الصفحة: 11

نص عليه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- 83. = مريم المعروف باب مع وهو متهم.
ورواه البيهقي في "سننه" (2/ 152) من طريق آخر ثم قال: هذا لا يحل الاحتجاج بمثله، نافع السلمي أبو هرمز بصري كذبه يحيى بن معين وضعفه أحمد بن حنبل وغيرهما من الحفاظ.
اهـ وقد ضعَّف العلامة ابن القيم هذا القول، وصحح أن الآل من تحرم عليهم الصدقة، كما في "جلاء الأفهام" (ص 223) والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة" أخرجه البخاري (2/ 133 - 134) وهو في مسلم (2/ 751) بلفظ: "إنا لا نأكل الصدقة" ومنها ما رواه مسلم في "صحيحه" (4/ 1873) عن زيد بن أرقم أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: ". . . وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب اللَّه فيه الهدى: النور فخذوا بكتاب اللَّه واستمسكوا به" فحث على كتاب اللَّه ورغَّب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم اللَّه في أهل بيتي.
. . " ثلاث مرات.
فقال حصين بن سبرة: مَن أهل بيته؟ يا زيد: أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته.
ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.
قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس.
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه (3/ 1557) عن عائشة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال عند ذبح أضحيته: "باسم اللَّه.
اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد" وحقيقة العطف المغايرة، وأمته -صلى اللَّه عليه وسلم- أعمُّ من آله.
وهذا القول هو الصحيح، وعليه الجمهور.
ينظر: "فتح الباري" (11/ 160) قال ابن القيم في "الجلاء" (228): وأما من زعم أن "الآل" هم الأتباع، فيقال: لا ريب أن الأتباع يطلق عليهم لفظ "الآل" في بعض المواضع بقرينة، ولا يلزم من ذلك أنه حيث يقع لفظ "الآل" يراد به الأتباع، لما ذكرنا من النصوص.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 12

(وصحبه أجمعين) جمع صاحب، بمعنى الصحابي: وهو من اجتمع بالنبي محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- مؤمنًا ومات على ذلك 84. وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام، وفي الجمع بينهم مخالفة لأهل البدع كالروافض 85 -قبحهم اللَّه تعالى- لأنهم يوالون الآل دون الصحب.
(وبعد) يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى غيره، ويستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات اقتداء به -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فإنه كان يأتي بها في خطبه ونحوها، كما صح ذلك عنه 86. وقيل: إنها فصل الخطاب المشار إليه في الآية 87، = روى عنه الأئمة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن المديني، وابن معين، وعباس الدوري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وحرب بن إسماعيل، والكوسج، والأثرم، وإبراهيم، الحربي، وبقي بن مخلد.
ومن شيوخه الذين رووا عنه: عبد الرزاق، والحسن بن موسى، وأبو عبد اللَّه الشافعي.
صبر يوم المحنة، وصنَّف المسند، توفي سنة 241 هـ. ينظر: "سير أعلام النبلاء" (11/ 177) و"طبقات الحنابلة" (1/ 4).

الجزء: 1 - الصفحة: 13

والصحيح أنه الفصل بين الحق والباطل.
والمعروف بناؤها على الضم، وأجاز بعضهم رفعها ونصبها منونة، وفتحها بلا تنوين على تقدير المضاف إليه 88. (فقد سنح) أي: عرض (بخلدي) بفتح الخاء واللام، بمعنى البال والنفس والقلب، كما ذكره في "القاموس" 89 (أن أختصر كتابي المسمى بكافي المبتدي) الاختصار: الإيجاز، والمختصر الموجز.
وهو: تقليل اللفظ وتكثير المعاني 90. قال علي -رضي اللَّه عنه-: خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيملّ 91. انتهى (الكائن في فقه الإمام) أي: المقتدى به.
والفقه لغة: الفهم 92. واصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل أو القوة القريبة 93. والفقيه: من عرف جملة غالبة، كذلك بالاستدلال.
(أحمد) بدل = فإنه لم يكن ذلك منه بالعربية على هذا النظم، وإنما كان بلسانه، واللَّه أعلم.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 14

من الإمام (بن محمد بن حنبل) الشيباني -رضي اللَّه عنه- المجتمع نسبه بنبينا -صلى اللَّه عليه وسلم- في نزار (الصابر لحكم الملك المبدي) 94 حين حبس وضرب على القول بخلق القرآن، فلم يُجِبْ إلى ذلك وصبر لحكم اللَّه تعالى (ليقرب تناوله على المبتدئين) من صغار الطلبة.
والقريب ضد البعيد (ويسهل حفظه) بسبب اختصاره (على الراغبين) في العلوم (ويقل حجمه على الطالبين) فلا تضعف هممهم عنه لكثرته.
(وسمّيته) أي: هذا الكتاب (أخصر المختصرات؛ لأني لم أقف على) كتاب (أخصر منه) أي: من هذا الكتاب (جامع لمسائله في فقهنا) معشر الحنابلة، (من المؤلفات) والتأليف: إيقاع الألفة بين الأجزاء (واللَّه أسأل) لا غيره (أن ينفع به قارئيه) من غير حفظ، (وحافظيه) على ظهر قلب، (وناظريه) من غير قراءة ولا حفظ (إنه حقيق) 95 أي: خليق (بإجابة الدعوات) لأنه -سبحانه وتعالى- أمر بذلك، قال عز من قائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ 96 (و) اللَّه أسأل (أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم) لأنه -سبحانه وتعالى- لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، وهو أغنى الشركاء عن الشرك، كما ورد في الحديث الشريف: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري، فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك" 97، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر".
= (1/ 46)، و"مقدمة في بيان المصطلحات الفقهية على المذهب الحنبلي" للهندي (ص 6).

الجزء: 1 - الصفحة: 15

قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء" 98. واللَّه أسأل أن يجعله (مقربًا لديه) 99، أي: عنده (في جنان النعيم) لعدم انقطاع ثوابه ما دام الناس ينتفعون بعلمه.
(وما توفيقي 100 إلا باللَّه) التوفيق: تسهيل سبيل الخير والطاعة، وقيل: هو أن لا يكلك اللَّه إلى نفسك طرفة عين.
وقيل غير ذلك.
والتوفيق عزيز جدًّا ولهذا لم يذكر في القرآن إلا في موضع واحد في سورة هود 101. (عليه توكلت): أي اعتمدت، (وإليه أنيب) أي أرجع فيما ينزل من النوائب، وقيل في المعاد 102.

(كتاب) هو من المصادر السيالة التي توجد شيئًا فشيئًا.
يقال كتبتُ كتابًا وكُتبًا وكتابة، ومعناه لغة الجمع، من تَكَتَّبَ بنو فلان إذا اجتمعوا.
= (2/ 1405) عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: قال اللَّه عز وجل.
. . الحديث.
واللفظ لابن ماجه.
وفي الأصل: هو للذي عمله.
والمثبت من سنن ابن ماجه.

الجزء: 1 - الصفحة: 16

ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة، والكتابة بالقلم لاجتماع الكلمات والحروف 103. والمراد هنا المكتوب، أي هذا مكتوب جامع لمسائل.
(الطهارة) مما يتطهر به، ومما يوجبها، ونحو ذلك.
مصدر طهر بالفتح والضم كما في "الصحاح" 104 ومعناها لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار حسيّة كانت أو معنوية 105. واصطلاحًا: رفع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث 106. (المياه) باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع (ثلاثة) أنواع: (الأول) منها (طهور) أي مطهّر، وهو بفتح الطاء، الطاهر في نفسه المطهر لغيره.
وقدمه؛ لأنه أشرف الثلاثة (وهو) أي: الطهور (الباقي على خلقته) أي صفته التي خلق عليها إما حقيقة بأن يبقى على ما وجد عليه من برودة، أو حرارة، أو ملوحة ونحوها، أو حكمًا كالمتغير بطول الإقامة في مقره، وهو الآجن 107 أو بطاهر شق صون الماء عنه من نابت فيه، وورق شجر، وسمك، وما تلقيه الريح أو السيول من تبن ونحوه، وطحلب 108، فإن وضع قصدًا، وتغير به الماء سلبه الطهورية، وإن تغير بالريح من مجاورة ميتة خارج الماء، أو سُخِّنَ بالشمس ولو في إناء منطبع، أو بطاهر مباح ولم يشتد حره، لم يكره.

الجزء: 1 - الصفحة: 17

تتمة

: من الطهور ما لا يرفع حدث الرجل البالغ والخنثى، وهو: مما خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث، لما روي أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة.
رواه الخمسة 109 إلا أن النسائي 110، وابن ماجه 111 قالا: "وضوء المرأة" بدل "طهور" 112 فيرفع حدث الأنثى، وغير البالغ منه، ويجوز استعماله فيما عدا رفع الحدث للكل، فإن حضرها من تزول به خلوة النكاح من كبير وصغير، أو كان الماء كثيرًا لم تؤثر خلوتها.
(و) منه (محرم) أي من الطهور ماء محرم (لا يرفع الحدث ويزيل الخبث) مع حرمة الاستعمال، (وهو) الماء (المغصوب) وما ثمنه المعين حرام، وماء آبار ثمود سوى بئر الناقة، (ومنه مكروه) مع عدم الحاجة إليه، وهو المتغير

الجزء: 1 - الصفحة: 18

بغير ممازج، كتغيره بالعود القماري (1)، وقطع الكافور، والدهن، والملح المائي، والمسخن بالنجس إن لم يصل إليه شيء من أجزاء النجاسة، وما استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء، وغُسل جمعة، وعيد، وغسلة ثانية وثالثة في وضوء أو غسل.

تنبيه

: الأحكام خمسة، وعليها تدور مسائل الفقه، فينبغي معرفتها من هنا: أحدها: واجب.
ومعناه لغة: الساقط والثابت، يقال: وجبت الشمس إذا غربت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا.
. .﴾ الآية 114. أي سقطت، لأن السنة نحر الإبل قائمة، ووجب البيع، لزم وثبت 115. واصطلاحًا: ما يثاب فاعله بنية، ويعاقب تاركه إن لم يُعْفَ عنه 116. وضده الحرام، ومعناه لغة: المنع والحظر 117. وشرعًا: ما يعاقب فاعله، ويثاب تاركه بنية أيضًا 118.113

الجزء: 1 - الصفحة: 19

الثالث: المندوب، ومعناه لغة: الدعاء لأمر مهم.
قال الشاعر: لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا 119 وشرعًا: ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه 120. قال في: "مختصر التحرير وشرحه" 121 وأعلاه أي: المندوب: سنة ثم فضيلة ثم نافلة.
انتهى.
وضد المندوب المكروه وهو لغة: ضد المحبوب 122. وشرعًا ما يثاب تاركه بنية، ولم يعاقب فاعله 123. الخامس: المباح، وهو لغة: المعلن والمأذون، يقال: أباح الرجل ماله، أذن في الأخذ والترك، وجعله مطلق الطرفين 124. وشرعًا: ما خلا من مدح وذم 125. (الثاني) من الثلاثة (طاهر) في نفسه غير مطهر لغيره، (لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث) ويجوز استعماله فيما عدا ذلك، (وهو المتغير بممازج طاهر) كالعجين واللبن ونحوهما، (ومنه يسير) لا كثير (مستعمل في رفع

الجزء: 1 - الصفحة: 20

حدث) أصغر كان أو أكبر، وكذا يسير انغمست فيه يد المسلم المكلف القائم من نوم ليل ناقض لوضوء قبل غسلها ثلاثًا، بنية وتسمية، وذلك واجب؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده".
رواه مسلم (1)، وكذلك البخاري (2) إلا أنه لم يذكر ثلاثًا (3). وعلم منه أنه لا أثر لغمس بعض اليد، ولا يد كافر، ولا يد غير مكلف، ولا يد نائم نهارًا.

فائدة

: لا أثر لغمس يد القائم من نوم ليل قبل غسلها في دهن ونحوه من المائعات غير الماء.
(الثالث) من أقسام الماء (نجس يحرم استعماله مطلقًا) إلا لضرورة، كلقمة غص بها، ولا طاهر، أو عطش معصومٍ، أو طفي حريق، ويجوز بل التراب به، وجعله طينًا يطيّن به ما لا يُصلى عليه، لا نحو مسجد، (وهو ما126127128

الجزء: 1 - الصفحة: 21

تغير بنجاسة في غير محل تطهير) وفيه طهور مادام مترددًا؛ لبقاء عمله (أو لاقاها في غيره) أي: في غير محل التطهير (وهو يسير) فينجس بمجرد الملاقاة، (وجار) في الحكم (كراكد) في القلة والكثرة (والكثير) الذي لا ينجس إلا بالتغيُّر (قلتان) بقلل هَجَر -بفتح الهاء والجيم، قرية كانت بقرب المدينة المشرّفة، إليها تنسب القلال- والقُلة الجرة العظيمة، لأنها تقل بالأيدي، أي ترفع بها (وهما) أي القلتان (مائة رطل، وسبعة أرطال، وسُبع رطل بالدمشقي) وخمسمائة رطل بالعراقي.
وأربعمائة رطل، وستة وأربعون رطلًا، وثلاثة أسباع رطل مصري، وما وافقه كالمكي.
وتسعة وثمانون رطلًا وسُبْعا رطل حلبي.
وثمانون رطلًا وسُبعان ونصف سُبع رطل قدسي، وما وافقه كالنابلسي والحمصي، وذلك تقريبًا، فلا يضر نقص رطل أو رطلين عراقية، ومساحتهما مربعًا ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا بذراع اليد 129، (واليسير) والقليل (ما دونهما).

الجزء: 1 - الصفحة: 22

وإن شك في كثرة الماء وقلته عمل باليقين؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" 130. وإن اشتبه طهور مباح بمحرم، أو اشتبه طهور مباح بنجس لا يمكن تطهيره به لم يتص ويتيمم بلا إعدام 131. وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من هذا غرفة، ومن هذا غرفة، ويصلي صلاة واحدة.
وإن اشتبهت ثياب طاهرة مباحة بنجسة أو محرمة، صلى في كل ثوب منها صلاة بعدد النجس إن علمه، وزاد صلاة 132، وإن لم يعلم عدد النجسة أو المحرمة، صلى في كل ثوب صلاة حتى يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر مباح.
وإن اشتبهت أمكنة ضيقة بعضها نجس كزاوية، صلى مرتين في زاويتين منه، = "الروض المربع" للدكتور الطيار ومشاركيه (1/ 151 - 152).

الجزء: 1 - الصفحة: 23

فإن تنجست زاويتان صلى في ثلاث وهكذا، وإن لم يعلم عدد النجسة صلى حتى يتيقن أنه صلى في مكان طاهر، ويصلي في فضاء واسع حيث شاء بلا تحرٍّ صلاة واحدة دفعًا للحرج والمشقة.
ويلزم من علم بنجاسة شيء إعلام من أراد أن يستعمله.

الجزء: 1 - الصفحة: 24

فصل

الفصلُ هو: الحجز بين شيئين، ومنه فصل الربيع لحجزه بين الشتاء والصيف 133. وهو في كتب العلم حاجز بين أجناس المسائل وأنواعها 134. (كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله) ولو كان ثمينًا، كالمتخذ من الجوهر والياقوت والزمرُّد، إلا من عظم الآدمي وجلده، فيحرم لحرمة الآدمي، لا لنجاسته؛ لأن ميتته طاهرة.
والآنية لغة وعرفًا: الأوعية.
جمع إناء ووعاء 135، (إلا أن تكون ذهبًا أو فضة) فيحرم اتخاذها واستعمالها، لحديث حذيفة -مرفوعًا-: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" 136. ولحديث أم سلمة -ترفعه-: "الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" متفق عليهما 137. والجرجرة: صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف 138. وغير الأكل والشرب في معناهما.

الجزء: 1 - الصفحة: 25

وكذا يحرا اتخاذ واستعمال مموه بذهب أو فضة، وهو: إناء من نحاس 139 يلقى فيما أذيب من ذهب أو فضة فيكتسب دونه كمصمتٍ 140، ومُطعّم بذهب أو فضة، بأن يحفر في إناء من نحو خشب حفْرٌ، ويوضع فيها قطع ذهب أو فضة بقدرها، ومُكفتٍ، بأن يُبْرد الإناء حتى يصير فيه شبه المجاري، ويوضع فيها شريط رقيق هت ذهب أو فضة، ويدق عليه حتى يلصق كل ذلك، كمصمت في الحرمة.
(أو مضببًا بأحدهما) أقي الذهب والفضة، فيحرمُ اتخاذه واستعماله (لكن تباح ضبةٌ يسيرةٌ) لا كثيرة (من فضة) لا من ذهب (لحاجة) كأن انكسر إناء خشب ونحوه، فضبب كذلك، فلا يحرمُ؛ لحديث أنس -رضي اللَّه عنه- أن قدح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- انكسر، فاتخذ مكان الشَّعْبِ 141 سلسلة من فضة.
رواه البخاري 142. وهذا مخصص لعموم الأحاديث السابقة، فإن كانت من ذهب، أو كبيرة من فضة حرمت مطلقًا، وكذا إن كانت يسيرة لغير حاجة.
والحاجة أن يتعلق بها غرض غير زينة 143

الجزء: 1 - الصفحة: 26

وإن وجد غيرها.
وتكره مباشرة ضبة الفضة بلا حاجة.
(وما لم تعلم نجاسته من آنية كفار وثيابهم) ولو وليت عوراتهم (طاهر) 144 لقوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ 145 وهو يتناول ما لا يقوم إلا بآنية.
ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه -رضي اللَّه عنهم- توضؤوا من مزادة مشركة.
متفق عليه 146. ولأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك، وبدن الكافر طاهر، وكذا ما صبغه أو نسجه.
قيل لأحمد عق صبغ اليهود بالبول فقال: المسلم والكافر في هذا سواء، ولا يسأل عن هذا ولا يبحث عنه، فإن علمت، فلا تصل فيه حتى تغسله.
انتهى 147. (ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) لكن جلد مأكول اللحم، وكذا كل ما كان طاهرًا في الحياة، كالهر، ونحوه إذا دبغ أبيح استعماله في اليابسات، لحديث مسلم أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وجد شاة ميتة أُعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال: "ألا أخذوا أهابها فدبغوه فانتفعوا به" 148. (وكل أجزائها) أي الميتة كقرنها = ذهب أو فضة بأن لا يجد غيرها ضرورة، وهي تبيح المنفرد.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 27

وعظمها وظفرها وعصبها وحافرها ولبنها وإنفحتها (1) وجلدتها (2) (نجسة إلا شعرًا ونحوه) كصوف ووبر وريش من حيوان طاهر في الحياة، فإنه طاهر، لكن أصوله نجسة، (والمن

فصل

من) حيوان (حيٍّ كميتته) طهارة ونجاسةً، فما قطع من السمك مع بقاء حياته طاهر، لأن ميتته كذلك، بخلاف ما قطع من بهيمة الأنعام، إلا نحو طريدة الصيد (3) -وتأتي في بابها إن شاء اللَّه تعالى- وإلا المسك مع فأرته (4).

تتمة

: يباح استعمال منخل من شعر نجس كشعر بغل في يابس، لا مائع149150151152 = كتاب الزكاة، باب الصدقة على موالي أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (2/ 135).

الجزء: 1 - الصفحة: 28

لتعدي نجاسته إليه.
ويُسنُّ تغطية آنية، وإيكاء أسقية لحديث أبي هريرة: أمرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نغطي الإناء ونُوكيَ السِّقاء.
رواه أبو داود 153.

الجزء: 1 - الصفحة: 29

فصل

و(الاستنجاءُ) من نجوت الشجرة إذا قطعتها، لأنه يقطع الأذى، أو من النجوة، وهي ما يرتفع من الأرض، لأن قاضي الحاجة يستتر بها (1). وشرعًا: إزالة خارج من سبيل أصلي قُبُلًا كان أو دُبُرًا.
(واجبٌ لكلِّ (2) خارج) من السبيلين قليلًا كان أو كثيرًا (إلا الريح) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من استنجى من ريح فليس منا".
رواه الطبراني (3) في "معجمه" (4) (و) إلا (الطاهر) كالمني، وكالولد بلا دمٍ، (و) إلا (غير الملوث) من النجس، فلا يجب له استنجاء؛ لأن الاستنجاء إنما شُرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا.

تتمة

: لا يجب غسل نجاسة، ولا جنابة بداخل فرج ثيبٍ نصًّا 158، فلا154155156157

الجزء: 1 - الصفحة: 30

تدخل يدها أو أصبعها، بل ما ظهر؛ لأن المشقة تلحق فيه.
وكذلك لا يجب غسل نجاسة، ولا جنابة بداخل حشفة أقلف 159 غير مفتوق، بخلاف المفتوق فيجب غسلها لعدم المشقة.
ويستحبُّ لمن استنجى بالماء نضح فرجه وسراويله.
ومن ظن خروج شيء فقال أحمد 160: لا يلتفت حتى يتيقن والْهَ عنه فإنه من الشيطان، فإنه يذهب.
(وسُنَّ عند دخول خلاء) وهو بالمد، ما أعد لقضاء الحاجة، وأصله المكان الذي لا شيء به 161 (قول: بسم اللَّه) لحديث علي -رضي اللَّه عنه- مرفوعًا: "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم اللَّه".
رواه الترمذي 162 وابن ماجه وقال: ليس إسناده بالقوي 163.

الجزء: 1 - الصفحة: 31

وسُن لداخل الخلاء -أيضًا- أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك) أي الجأ إليك (من الخُبْث) بإسكان الباء: الشر (والخبائث) الشياطين.
فكأنه استعاذ من الشر وأهله.
وقيل: هو: بضم الباء وهو: جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة.
فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم 164؛ لما روى أنس -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
متفق عليه 165 (و) سنَّ (بعد خروج منه) أي: من الخلاء أن يقول: (غُفرانك) أي أسألك غفراتك، من الغفر وهو الستر، لحديث عائشة -رضي اللَّه عنها- كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" رواه الترمذي وحسنه 166. كأنه لما خلص مما يثقل البدن سأل اللَّه الخلاص مما يثقل الروح، وهو الذنب لتكمل الراحة.
وسنَّ بعد خروجه من الخلاء -أيضًا- أن يقول: (الحمد للَّه الذي = -كما في الروض البسام بترتيب فوائد تمام (4/ 440) وفي إسناده: إسماعيل بن يحيى بن طلحة وعطية العوفي.
قال الحافظ ابن حجر في "نتاج الأفكار" (1/ 130): وهو -يعني إسماعيل- ضعيف، وفي عطية -أيضًا- ضعف.
فالحاصل أنه لم يثبت في الباب شيء.
واللَّه أعلم.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 32

أذهب عني الأذى وعافاني) لما رواه ابن ماجه عن أنس: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد للَّه الذي أذهب عني الأذى وعافاني" 167. (و) سنَّ (تغطية رأس، وانتعال) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا دخل المرفق 168 لبس حذاءه وغطى رأسه.
رواه ابن سعد 169 عن حبيب بن صالح 170 مرسلًا 171. (و) سنَّ (تقديم رجله اليسرى دخولًا) لأنها تُقدَّم في الأماكن الخبيثة.
ولما روى الحكيم الترمذي 172 عن أبي هريرة: "من بدأ برجله اليمنى قبل

الجزء: 1 - الصفحة: 33

يساره إذا دخل الخلاء ابتلي بالفقر" 173. (و) سنَّ (اعتماده عليها) أي على رجله اليسرى (جالسًا) أي حال جلوسه لقضاء الحاجة؛ لحديث سراقة بن مالك: أمرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نتكئ على اليسرى، وأن ننصب اليمنى.
رواه الطبراني، والبيهقي 174. ولأنه أسهل لخروج الخارج.
(و) يسنُّ تقديم رجله (اليمنى خروجًا) لأنها أحق بالأماكن الطيبة (عكس مسجد) ومنزل ونحوهما كخلع (نعل) وقميص وسراويل وخف ونحوها، فيقدم اليمين على اليسار في هذه الأماكن دخولًا واليسار خروجًا، لما روى الطبراني في "المعجم الصغير" 175 عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا انتعل أحدكم، فليبدأ باليمنى، وإذا خلع، فليبدأ باليسرى".
(و) يُسن له (بُعدٌ في فضاء) حتى لا يُرى، لحديث جابر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أراد البَراز انطلق حتى لا يراه أحد.
رواه أبو

الجزء: 1 - الصفحة: 34

داود 176. (و) سُن له (طلب مكان رخو) بتثليث الراء (لبول) لحديث أبي موسى قال: كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دمثًا 177 في أصل جدار، فبال ثم قال: "إذا بال أحدكم فليرتد لبوله".
رواه الإمام أحمد وأبو داود 178. (و) سُن له (مسح الذكر باليد اليسرى إذا انقطع البول من أصله إلى رأسه ثلاثًا) فيضع أصبع يده اليسرى، الوسطى تحت الذكر، والإبهام فوقه ويمر بهما إلى رأسه ثلاثًا.
(و) سُن له (نتره) أي: (الذكر) ثلاثًا ليخرج ما فيه من بقية البول 179. (وكُره دخول خلاء بما فيه ذكر اللَّه تعالى) تعظيمًا لاسم اللَّه تعالى عن

الجزء: 1 - الصفحة: 35

موضع القاذورات، ولحديث أنس: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا دخل الخلاء نزع خاتمه.
رواه الخمسة إلا أحمد 180. وكان نقش خاتمه -صلى اللَّه عليه وسلم-: محمد رسول اللَّه 181. ولا يكره له أن يصحب دنانير أو دراهم فيها اسم اللَّه تعالى، لمشقة التحرز عنها، ومثلها حِرْزٌ 182. لكن يجعل فصَّ خاتم فيه ذكر اللَّه تعالى بباطن كفه اليمنى.
(و) كره (كلام فيه بلا حاجة) ولو برد سلام، لقول ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- مر بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلٌ، فسلم عليه وهو يبول، فلم يرد عليه السلام.
رواه مسلم 183. لكن يجب تحذير نحو ضريرٍ وغافل عن هلكة.
ولا يُكره البول قائمًا من آمِنِ تلويث، وناظر 184. (و) كره (رفع ثوب قبل دنو من الأرض) لحديث أبي داود عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن

الجزء: 1 - الصفحة: 36

النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض 185. ولأنه أستر.
(و) كره (بولٌ في شق ونحوه) كَسَرَب -بفتح الراء- بيت يتخذه الوحش والدُّبَيْبُ في الأرض- 186 لحديث قتادة: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُبَالَ في الجحر.
قالوا لقتادة: ما يكره من البور في الجحر؟ قال: يقال إنها مسكن الجن.
رواه أحمد، وأبو داود 187. وروي أن سعد بن عبادة -رضي اللَّه عنه- عندما بال بجحر بالشام ثم استلقى ميتًا.
فسُمع من بئر بالمدينة: نحن قتلنا سيد الـ ... خزرج سعد بن عبادة

الجزء: 1 - الصفحة: 37

رميناه بسهمين ... فلم نُخْطِ فؤاده 188 فحفظوا ذلك فوجدوه اليوم الذي مات فيه.
(و) كره (مسُّ فرج بيمين بلا حاجة) لحديث أبي قتادة مرفوعًا: "لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه" متفق عليه 189، فإن كان ثمَّ حاجة كمن قطعت يده اليسرى، أو كان بها مرض، استنجى أو استجمر بيمينه بلا كراهة.
(و) كره (استقبال النيَّرين) وهما: الشمس والقمر لما فيهما من نور اللَّه تعالى.
وروي أن معهما ملائكة، وأن أسماء اللَّه مكتوبة عليهما 190. وكُره استقبال مهب الريح، لئلا ترد عليه بوله.
وكره بوله في الماء القليل الجاري، لأنه ينجسه، لا في كثير جارٍ لمفهوم النهي عن البول في الماء

الجزء: 1 - الصفحة: 38

الدائم 191. وكُره بوله في إناء بلا حاجة.
وبوله في نارٍ ورماد، لأنه من أعمال أهل الفسق كالسحرة.
وحرم تغوطه بماء قليل أو كثير راكد أو جار، لأنه يقذره ويمنع الانتفاع به، لا البحر، والمعد لذلك كالجاري في المطاهر 192. (وحرم استقبال قبلة واستدبارها) ببول أو غائط (في غير بنيان).
لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا".
رواه الشيخان 193. ويكفي انحرافه عن القبلة ولو يسيرًا يمنة أو يسرة، لفوات الاستقبال والاستدبار بذلك.
ويكفي حائل بينه وبين القبلة، كاستتار بدابة وجدار وجبل ونحوه، ولو كان كموخرة رحل.
ولا يعتبر قربه منها في ظاهر كلامهم 194، كما لو كان في بيت، كما صرح به الشيخ منصور في "شرح المنتهى" 195. (و) حرم (لبثٌ فوق الحاجة) لأنه كشف عورة بلا حاجة.
وقد قيل إنه يدمي الكبد، ويورث الباسور 196. وقد روى الترمذي عن ابن عمر

الجزء: 1 - الصفحة: 39

مرفوعًا: "إيَّاكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم" 197. (و) حرم (بولٌ) وتغوطٌ (في طريق مسلوك ونحوه) كظل نافع، لحديث معاذ مرفوعًا: "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل".
رواه أبو داود وابن ماجه 198. ومثل الظل مشمس الناس من الشتاء، ومتحدثهم.
(و) حرم بول أو غائط (تحت شجرة مثمرة ثمرًا مقصودًا) مأكولًا، أو منتفعًا به، لأنه يفسده، وتعافه النفس.
فإن لم يكن عليها ثمر لم يحرم إن لم يكن ظل نافع، لأنه يزول بالأمطار إلى مجيء الثمرة.
وحرم بوله وتغوطه على ما نهي عن الاستجمار به لحرمته كطعام، ومتصل بحيوان، وما فيه اسم اللَّه تعالى، لأنه أفحش من الاستجمار به.
(وسنَّ استجمار) بحجر ونحوه (ثم استنجاء بماء) لقول عائشة -رضي اللَّه عنها- للنساء: مُرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء، فإني

الجزء: 1 - الصفحة: 40

أستحييهم، وإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يفعله.
رواه الإمام أحمد 199. (ويجوزُ الاقتصارُ على أحدهما) أي الاستجمار بالحجر ونحوه، أو الاستنجاء بالماء (لكن) إن اقتصر على أحدهما، فـ (الماءُ أفضل حينئذٍ) لأنه يطهر المحل، وأبلغ في التنظيف، بخلاف غيره، فإنه ليس كذلك.
(ولا يصحُّ استجمار إلا بطاهر مباح يابس منق) فلا يصح بنجس، ولا محرَّم، ولا رطب، ولا أملس، لأنه ينشر النجاسة (وحرم) استجمار (بروث) ولو طاهرًا (وعظم) ولو من مذكّى.
لحديث مسلم عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن" 200. (و) حرم استجمار بـ (طعام) ولو لبهيمة (و) بـ (ذي حرمة) ككتب فقه وحديث، لأن في ذلك هتكًا للشريعة واستخفافًا بحرمتها (و) بـ (متصل بحيوان) كذنب بهيمة، وما اتصل بها من نحو صوف أو بجلد سمك أو حيوان مذكّى، أو حشيش رطب (وشرط له) أي للاقتصار على الحجر ونحوه (عدم تعدي خارج) من سبيل (موضع العادة) بأن لم ينتشر الخارج

الجزء: 1 - الصفحة: 41

على شيء من الصفحة، أو يمتد إلى الحشفة امتدادًا غير معتاد (و) شرط له أيضًا (ثلاث مسحات منقية فأكثر) من الثلاث، إما بثلاثة أحجار ونحوها، أو بحجر واحد له شعب، فلا يجزئ أقل من ثلاث، ولو أنقت، لحديث جابر -رضي اللَّه عنه- مرفوعًا: "إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات".
رواه أحمد 201. وسنَّ قطعه على وتر، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج".
رواه الإمام أحمد وأبو داود 202. فإن أنقى برابعة زاد خامسة، وهكذا.
ولا يصح وضوء ولا تيمم قبل الاستنجاء، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث المقداد المتفق عليه: "يغسل ذكره ثم يتوضأ" 203.

الجزء: 1 - الصفحة: 42

فصل

(يُسَن السواك) بمعنى التسوك مصدر سَوَك إذا دلك فمه بالعود.
ويقال: جاءت الإبل تساوك، إذا كانت أعناقها تضطرب من الهزال 204 (بالعود) أي: المعهود، فألْ فيه للعهد، اللين الذي ينقي الفم، ولا يجرحه، ولا يضر، ولا يتفتت، فيكره التسوك بغير ذلك مما يجرح كالقصب، أو يتفتت كالطرفاء 205، والذي فيه مضرة، كالريحان والرمان.
ولا يتخلل -أيضًا- بريحان ولا رمان، لأنه يحرك عرق الجذام، كما في الخبر 206. قال بعضهم: ولا بما يجهله، لئلا يكون من ذلك 207 (كل وقت) أي في كل وقت من الآوقات.
ولحديث عائشة -رضي اللَّه عنها-: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" 208. رواه الإمام أحمد، والشافعي 209. وروى مسلم وغيره

الجزء: 1 - الصفحة: 43

عن عائشة -أيضًا- أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا دخل بيته بدأ بالسواك 210 (إلا لصائم بعد الزوال فيكره) هذا مستثنى من القاعدة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لخلوف فم الصائم عند اللَّه أطيب من ريح المسك".
متفق عليه 211، وهو إنما يظهم.
غالبًا بعد الزوال.
ولأنه أثر عبادة مستطاب شرعًا، فيستحب استدامته كدم الشهيد عليه 212. (ويتأكد) السواك (عند صلاة) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
رواه الجماعة 213. وفي لفظ لأحمد: "لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء" 214. (ونحوها) أي: الصلاة، كعند وضوء، لحديث أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: "لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء" وهو للبخاري = الحفاظ" (1/ 361).

الجزء: 1 - الصفحة: 44

تعليقًا 215. وعند قراءة القرآن تطييبًا للفم، لئلا يتأذى المَلَكُ عند تلقي القراءة منه.
وكذا عند دخول المسجد، والمنزل، وعند الانتباه من النوم؛ لحديث حذيفة: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا قام من الليل يشوص 216 فاهُ بالسواك.
متفق عليه 217. (و) عند (تغير فم) بمأكول، أو بإطالة سكوت، أو خلو معدة من طعام، لأن السواك شرع لتطييب الفم وإزالة رائحته (ونحوه) كصفرة الأسنان أي: نحو تغير رائحة الفم.
وفي السواك أزيد من ثلاثين فائدة ليس هذا موضع بسطها 218. (وسُن بداءة بالأيمن فيه) أي في السواك بيده اليسرى

الجزء: 1 - الصفحة: 45

نصًّا 219، وكونه عرضًا بالنسبة إلى الأسنان، لحديث الطبر اني وغيره أنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: كان يستاك عرضًا 220 على أسنانه ولثته -بكسر اللام وفتح المثلثة مخففة- ولسانه.
(و) سُن بداءةٌ بالأيمن (في طهر) أي في تطهره (و) في (شأنه كله) كترجيل شعر وانتعال، أحديث عائشة كان يحب التيمن في تنعله وترجله وفي شأنه كله.
متفق عليه 221. (و) سُن (ادِّهان غِبًّا) يفعله يومًا ويتركه يومًا.
لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الترجل إلا غبًّا 222. ونهى أن يتمشط أحدهم كل يوم 223. والترجل: تسريح الشعر، ودَهْنُهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 46

(و) سُن (اكتحالٌ) كل ليلة (في كل عين ثلاثًا) بإثمد مطيب بالمسك قبل نوم، لحديث ابن عباس -مرفوعًا- كان يكتحل بالإثمد كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال.
رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه 224. (و) سُن (نظر في مرآة) كل يوم، ليزيل ما عسى أن يكون بوجهه من أذى.
ويقول ما ورد ومنه: "اللهم كما حسنت خَلقي فحسّن خُلُقي، وحرِّم وجهي على النار" 225.

الجزء: 1 - الصفحة: 47

(و) سُن (تطيُّب) بطيب، لحديث أبي داود -مرفوعًا-: "أربع من سنن المرسلين: الحناء، والتعطر، والسواك، والنكاح".
رواه الإمام أحمد 226، ويستحب التطيب للرجال بما يظهر ريحه ويخفى لونه، كالعود، والعنبر، ونحوه.
وعكسه للنساء إذا خرجن، وفي بيوتهن بما شئن.
(و) سُن (استحداد) أي: حلق شعر العانة.
وله قصُّهُ وإزالته بما شاء، من نحو نُوْرَة 227. والتنوير في العانة وغيرها فعله أحمد 228، وكذا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رواه ابن ماجه من حديث أم سلمة 229. (و) سُن (حَفُّ شارب) أو قصُّ طرفه، وحفُّهُ أولى نصًا 230، وهو: = (ص 171) عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا نظر في المرآة قال: "اللهم كما حسنت.
. . " الحديث.
وفي إسناده أبان بن سفيان.
قال الدراقطني -كما في "الميزان" (1/ 7) -: متروك.
اهـ وقد ثبت هذا الدعاء من حديثها دون ذكر النظر في المرآة.
أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (6/ 68، 155) قال الهيثمي في "المجمع" (11/ 730): رجاله رجال الصحيح.
اهـ والزيادة التي أوردها المؤلف وهي "وحرم وجهي على النار" عند ابن مردويه عن عائشة وأبي هريرة، ذكر ذلك في "الفتوحات الربانية" (6/ 195)، و"الفروع" (1/ 62).

الجزء: 1 - الصفحة: 48

المبالغة في قصِّه، ومنه السبالان، وهما طرفاه.
لحديث أحمد: "قُصُّوا سبالاتكم، ولا تتشبهوا باليهود" 231. (و) سُن (تقليم ظفر) مخالفًا يوم الجمعة قبل الزوال، وغسلها بعده.
فيبدأ بخنصر اليمنى، ثم الوسطى، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم السبابة، ثم اليسرى عكس ذلك.
(و) سُن (نتف إبط) لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط".
متفق عليه 232. ويستحبُّ دفن ما أخذه من أظفاره وشعره 233. (و) كُره (قَزَعٌ) وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه، لحديث ابن عمر -مرفوعًا-: نهى عن القزع وقال: "احلقه كله أو دعه كله".
رواه أبو داود 234. (و) كُره (نتف شيب) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن نتف الشيب.
وقال: إنه نور الإسلام 235.

الجزء: 1 - الصفحة: 49

وكره -أيضًا- تغييره بسوادٍ، لحديث الصديق -رضي اللَّه عنه- أنه جاء بأبيه إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "غيروهما، وجنبوهما السواد" 236. ويحَرُم نَمْص، وهو: نتف الشعر من الوجه.
ووشرٌ، وهو: برد الأسنان لتتحدد وتفلج.
وحرم وشم، وهو غرز الجلد بإبرة ثم يحشى كحلًا.
ويحرم وصل شعر بشعر، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعن الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة 237. (و) كُره (ثقب أذن صبي) لا جارية نصًّا 238 (ويجب ختان ذكر) بأخذ جلدة الحشفة، (و) يجب ختان (أنثى) 239 بأخذ جلدة فوق محل الإيلاج تشبه عرف الديك، ويستحب أن لا تؤخذ كلها نصًّا 240 لحديث: "اخفضي ولا تنهكي، فإنه أنضر للوجه، وأحظى عند الزوج".
رواه الطبراني

الجزء: 1 - الصفحة: 50

والحاكم 241 (بُعَيْد بلوغ) تصغير: بعد، أي يجب ختان بعيد بلوغ (مع أمن الضرر) بالختان بعد البلوغ.
فإن خيف ضرر سقط الوجوب.
(ويسن قبله) أي قبل البلوغ لأنه أقرب إلى البرء.
(ويكره) ختان (سابع ولادته) للتشبه باليهود.
(و) يكره (منها) أي: الولادة (إليه) أي إلى السابع لذلك 242.

الجزء: 1 - الصفحة: 51

فصل

(فروض الوضوء ستة) مبتدأ وخبر، جمع: فرض.
ومعناه لغة: الحز والقطع والتقدير 243. وشرعًا: ما يترتب الثواب على فعله والعقاب على تركه 244. والوضوء -بضم الواو- فعل المتوضئ، من الوضاءة، وهي النظافة والحسن، لأنه ينظف المتوضئ ويحسِّنه.
وبفتحها: الماء يُتوضَّؤُ به 245. وشرعًا: استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة 246. وكان فرضه مع فرض الصلاة، كما رواه ابن ماجه 247. أحدها: (غسل الوجه) وهو الأول من الستة (مع مضمضة واستنشاق) لأنهما منه.
وحدُّهُ: من منابت شعر الرأس المعتاد إلى النازل من اللحيين -بفتح اللام وكسرها- والذِّقن وهو مجمع اللحيين طولًا مع مسترسل شعر اللحية.
وحد الوجه عرضًا: من الأذن إلى الأذن.
(وغسل اليدين) مع المرفقين، وهما الفرض الثاني (و) غسل (الرجلين) مع الكعبين، وهما الفرض الثالث (ومسح جميع الرأس مع الأذنين) لأنهما منه، لحديث ابن ماجه: "الأذنان من الرأس" 248. وهو

الجزء: 1 - الصفحة: 52

الفرض الرابع.
(وترتيب) بين الأعضاء، كما ذكر اللَّه تعالى، لأنه أدخل ممسوحًا بين مغسولين، وقطع النظير عن نظيره، وهذا قرينة إرادة الترتيب.
وتوضأ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرتبًا، وقال: "هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصلاة إلا به" 249. أي بمثله.
وهذا هو الفرض الخامس.
(و) السادس (موالاة) لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ 250 لأن الأول شرط والثاني جوابه، وإذا وجد الشرط وهو القيام وجب أن لا يتأخر عنه جوابه وهو غسل الأعضاء، يؤيده حديث خالد بن معدان أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء.
رواه أحمد، وأبو داود، وزاد: والصلاة 251. ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة فقط، ولم ينقل عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه توضأ إلا متواليًا، وإنما لم تشترط في الغسل؛ لأن المغسول فيه بمنزلة العضو الواحد.
(والنية شرط لكل طهارة شرعية) لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 252. أي لا عمل جائز ولا فاضل إلا بها (غير إزالة خبث) فلا = والحديث صحيح بمجموع طرقه.
ينظر: "نصب الراية" (1/ 59، 65)، و"التلخيص الحبير" (1/ 103)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" اللألباني (رقم 36).

الجزء: 1 - الصفحة: 53

يشترط له نية (و) غير (غسل كتابية لحل وطء) لزوج أو سيد من حيض أو نفاس أو جنابة؛ لأنها ليست من أهل النية، (و) غير غسل (مسلمة ممتنعة) من غسل لزوج أو سيد من نحو حيض حتى لا يطأها، فتغتسل قهرًا لحق الزوج أو السيد، ويباح له وطؤها ولا تصلي بالغسل المذكور؛ لعدم وجود النية، وقياسه منعها من طواف وقراءة ونحوها.
ولا يُنوى عنها؛ لعدم تعذُّرها، بخلاف الميت فينوى عنه.
وكذلك المجنونة يُنوى عنها.
وتسن النية عند أول كل مسنون وُجد قبل واجب 253. ويسن النطق بها سّرًا؛ 254 ليوافق اللسان القلب.
ويجب تقديمها على أول واجب وهو التسمية، ولا يضر سبق لسانه بغير قصده، ولا شكُّه في النية بعد فراغه.
(والتسمية) أي قول بسم اللَّه (واجبة في وضوء) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم اللَّه عليه".
رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه 255. (و) واجبة في (غسل و) واجبة في

الجزء: 1 - الصفحة: 54

(تيمم و) واجبة في (غسل يَدَيْ قائم من نوم ليل ناقض لوضوء) وتجب أيضًا في الذكاة، وفي إرسال الجارحة.
(وتسقط) التسمية (سهوًا وجهلًا) لا عمدًا.
(ومن سننه) أي: الوضوء (استقبال قبلة، وسواك) لما تقدم 256، ويكون فيه عند المضمضة (وبُداءة بغسل يَدَيْ غير قائم من نوم ليل) لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم-، كما ذكره عثمان، وعلي، وعبد اللَّه بن زيد في وصفهم وضوءه 257. (ويجب له) أي: للقيام من نوم الليل (لغسل ثلاثًا تعبدًا) لأمر الشارع -صلى اللَّه عليه وسلم- به 258، وعدم عقل معناه، كما تقدم 259. (و) من سنن الوضوء -أيضًا- البداءة قبل غسل الوجه (بمضمضة) في فم (فاستنشاق) في أنف (ومبالغة فيهما) بأن يدير الماء في فمه ويجذبه في الاستنشاق إلى أقصى أنفه، لكن ذلك (لغير صائم) وأما الصائم فلا يسن له المبالغة فيهما، بل تكره، لئلا يدخل الماء إلى جوفه فيفسد صومه.
(و) من سننه (تخليل شعر كثيف) لا خفيف.
وأما الخفيف فيجب تخليله حتى يصل الماء إلى أصوله.
(و) تخليل (الأصابع) من اليدين والرجلين.
(و) من سننه (غسلة ثانية وثالثة) في الأعضاء كلها خلا الرأس

الجزء: 1 - الصفحة: 55

(وكره أكثر) من الثلاث، لأنه إسراف 260. (وسُنَّ بعد فراغه) من الوضوء (رفع بصره إلى السماء وقول ما ورد) وهو: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
لحديث عمر -مرفوعًا-: "ما منكم من أحد يتوضأ فيُبْلِغ أو يُسْبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء".
رواه مسلم، والترمذي وزاد: "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين".
رواه أحمد، وأبو داود، وفي بعض رواياته: "فأحسن الوضوء، ثم رفع بصره إلى السماء".
وساق الحديث 261. وزاد في "الإقناع" 262: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك 263.

الجزء: 1 - الصفحة: 56

فصل

و(يجوز المسح على خف ونحوه) كجرموق 264 وجورب (و) على (عمامة ذكرٍ محنكة، أو ذات ذؤابة و) على (خُمُر نساء مدارةٍ تحت حلوقهن) وهو رخصة، وهو أفضل من الغسل، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه إنما طلبوا الفضل.
وعنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه يحب أن يؤخذ برخصة" 265. وفيه مخالفة أهل البدع 266. والرخصة لغة: السهولة 267. وشرعًا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجحٍ.
وضدها: العزيمة وهي لغة: القصد المؤكد.
وشرعًا: ما ثبت بدليل شرعي خال عن معارض راجح 268. وهما وصفان للحكم الوضعي.
(و) يجوز المسح (على جبيرة) جمعها: جبائر، نحو أخشاب تربط على نحو كسر، سميت بذلك تفاؤلًا بالجبر (لم تجاوز قدر الحاجة) أي: ما تحتاج

الجزء: 1 - الصفحة: 57

إليه في ربطها (إلى حلِّها) والمسح عليها عزيمة لا رخصة، فيجوز بسفر المعصية كالتيمم.
(وإن جاوزته) أي قدر الحاجة (أو وضعها على غير طهارة لزم نزعها) ليغسل ما تحتها (فإن خاف الضرر) بنزعها (تيمم) لما زاد عن موضع الحاجة، أو وُضع على غير طهارة (مع مسح موضوعة على طهارة) فيجمع حينئذ بين غسل الصحيح، ومسح قدر الحاجة، والتيمم لما زاد عن موضع الحاجة.
أو وضع على غير طهارة.
(ويمسح) على غير جبيرة (مقيم وعاص بسفره من حدث بعد لبس يومًا وليلة و) يمسح (مسافر سفر قصر) مباح، ولو عصى في سفره (ثلاثة أيام بلياليها) من حدثٍ بعد لبس (فإن مسح في سفر ثم أقام أو عَكَسَ) بأن مسح في حضر ثم سافر، (فكمقيم) لا يزيد عن يوم وليلة.
(وشُرط) لصحة مسح الخُفِّ ونحوه (تقدم كمال طهارة) بالماء، لحديث المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذات ليلة في سفرٍ، فأفرغت عليه من الإداوة، فغسل وجهه، وغسل ذراعيه، ومسح رأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما".
متفق عليه 269. وعنه -أيضًا- قال: قلنا: يا رسول اللَّه أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: "نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان".
رواه الحميدي 270 في "مسنده" 271.

الجزء: 1 - الصفحة: 58

وألحق بالخف باقي الحوائل.
(و) شُرط (ستر ممسوح) من نحو خُفٍّ (محلَّ فرض) فلو ظهر منه شيء وجب الغسل، ولم يجز المسح، إذ لا يجمع بين البدل والبدل في محلٍّ واحدٍ.
وكما لو غسل إحدى الرجلين فيجب غسل الأخرى، ولو كان الستر بمخرق أو مفتق، وينضم بلبسه، (و) شرط (ثبوته بنفسه) من غير شدٍّ، فإن لم يثبت إلا بشده، لم يجز المسح عليه لفقد شرطه (و) شرط (إمكان مشي به عرفًا) فلا يصح المسح على ما لا يمكن المشي به، (و) شرط (طهارته) أي: الممسوح خفّا كان أو غيره، فلا يصح المسح على نجس العين (و) شرط (إباحته) فلا يصح المسح على نحو مغصوبٍ، وإن خاف بنزعه سقوط أصابعه من نحو بردٍ، لأن المسح رخصة، فلا تباح بالمعصية، كما لا يستبيح المسافر الرخصر بسفر المعصية.
وكذا حريرٌ وذهب ونحوه لرجل 272. (ويجب مسح أكثر دوائر عمامة) لأنها أحد الممسوحين على وجه البدل، فأجزأ مسح بعضه كالخفِّ (وأكثر ظاهر قدم خُفٍّ) ونحوه كجرموق، وجورب جعلا للأكثر كالكُلِّ، ولا يُسَنُّ استيعابه.
(و) يجب مسح (جميع جبيرة) لحديث أبي داود في صاحب الشَّجَّة: "إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعضد، أو يعصب على جرحه خرقة، ويمسح عليها، ويغسل سائر جسده" 273. (وإن ظهر بعض محلِّ فرضٍ أو تمَّت المدة) وهي اليوم والليلة للمقيم، والثلاثة للمسافر سفرًا مباحًا (استأنف الطهارة) لأن طهارته مؤقتة، فبطلت بانتهاء وقتها، كخروج وقت الصلاة في حق المتيمم.

الجزء: 1 - الصفحة: 59

فصل في نواقض الوضوء

(نواقض الوضوء) جع ناقضة، بمعنى ناقض، إن قيل: لا يجمع فاعل وصفًا مطلقًا على فواعل إلا ما شذَّ، هذا إذا كان الوصف لعاقلٍ أما إذا كان لغيره، فيجمع من غير شذوذ.
قاله شيخنا -أيده اللَّه تعالى- 274 وهي -أي: نواقض الوضوء- أي: مفسداته (ثمانية) بالاستقراء.
أحدها (خارج من سبيل مطلقًا) قُبُلًا كان أو دُبُرًا، قليلًا كان أو كثيرًا، طاهرًا كالريح، ونحو ولد بلا دم، أو نجسًا كالبول والغائط.
(و) الثاني (خارج من بقية البدن من بول وغائط) سواء كان قليلًا أو كثيرًا (و) خارج (كثير نجس غيرهما) أي: البول والغائط، كدمٍ وقيح وصديد وقيء.
(و) الثالث (زوال عقل) بسكر أو إغماء أو نوم، (إلا يسير نوم من قائم) لم يستند، (أو قاعد) لم يستند، ولم يحتبِ، ولم يتكئ، لحديث أنس: كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينتظرون العشاء الأخيرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤن.
رواه أبو داود 275. وإن رأى رؤيا، فهو كثير، وإن خطر بباله شيء لا يدري أرؤيا أم حديث نفس، فلا نقض.

الجزء: 1 - الصفحة: 60

(و) الرابع (غسل الميت) مسلمًا كان أو كافرًا، صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، أو غسل بعضه.
والغاسل: هو مَنْ يقلب الميت ويباشره.
لا من يصب الماء، ولا ينتقض وضوءه إن يمَّمه.
(و) الخامس (أكل لحم إبل) ولو نيئًا، لحديث البراء بن عازب، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم".
قيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "لا".
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي 276. وذلك تعبدًا، فلا نقض ببقية أجزائها كسنامها، وقلبها، وكبدها، وطحالها، وكرشها، ومصرانها، ورأسها، وكوارعها، ومرق لحمها، لأن ذلك لا يُسمى لحمًا، ولا يحنث به من حلف لا يأكل لحمًا.
(و) السادس (الرِّدة) عن الإسلام، نعوذ باللَّه من ذلك، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ 277، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الطهور شطر الإيمان" 278. والردة تبطل الإيمان.
(و) كذلك (كل ما أوجب غسلًا) أوجب الوضوء (غير موت) فإنه يوجب الغسل، ولا يوجب الوضوء.
(و) السابع (مس فرج آدمي متصل) لا منفصل، فلا نقض بمسه (أو حلقة دبره) أي: الآدمي (بيده)، بلا حائل، لحديث بُسْرةَ بنت صفوان -مرفوعًا-: "من مس فرجه فليتوضأ".
رواه أحمد ومالك والشافعي 279.

الجزء: 1 - الصفحة: 61

وسواء كان الفرج أو حلقة الدبر من ذكر أو أنثى أو صغير أو كبير.
(و) الثامن (لمس ذكر أو أنثى الآخر لشهوة بلا حائل فيهما) أي في لمس الذكر الأنثى، والأنثى الذكر، لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ 280، وخُصَّ بما إذا كان لشهوة جمعًا بين الآية والأخبار، لحديث عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: فقدت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدمه، وهو في المسجد، وهما منصوبتان.
رواه مسلم 281. ونصبهما دليل على أنه يصلي.
وعنها -رضي اللَّه عنها- "كنت أنام بين يدي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، رجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي" متفق عليه 282. والظاهر أنه (بلا حائل) لأن الأصل عدمه.
لا لمس الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر (لشعر وسن وظفر ولا) نقض باللمس (بها) أي المذكورة من الشعر والسن والظفر (ولا) نقض بلمس صغير (مَنْ دون سبع) سنين، لأنه ليس محلًا للشهوة.
(ولا ينتقض وضوء ملموس مطلقًا) من ذكر أو أنثى ولو وجد شهوة.
(ومن شك في طهارة) بعد تيقن حدث (أو) شك (في حدث) بعد تيقن طهارة، ولو كان شكه في حين صلاةٍ (بنى على تيقنه) لحديث عبد اللَّه بن زيد: شُكي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الرجل يحيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة.
فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" متفق عليه 283. = "ذكره".
وقد صحح الحديث الإمام أحمد، وابن معين، والدارقطني، والبيهقي وغيرهم.
ينظر: "التلخيص الحبير" (1/ 131).

الجزء: 1 - الصفحة: 62

واليقين: ما أذعنت 284 النفس للتصديق به، وقطعت به بأن قطعها صحيح.
قاله الموفق في مقدمة "الروضة" 285. وإن تيقن الحدث والطهارة معًا وجهل أسبقهما، فإن جهل حاله قبلهما تطهر.
وإن علمهما فهو على ضدها، فإن كان متطهرًا فهو إذ ذاك محدث، وإن كان محدثًا فهو متطهر.
(وحُرِّم على مُحدث مس مصحف) لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)﴾ 286، ولحديث عبد اللَّه [بن أبي بكر بن محمد] 287 بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن جده، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كتب إلى أهل اليمن كتابًا، وفيه: "لا يمس القرآن إلا طاهر" رواه الأثرم 288، والنسائي، والدارقطني 289 متصلًا، واحتج به أحمد.
ورواه مالك مرسلًا 290.

الجزء: 1 - الصفحة: 63

ويحرم مس جلده وحواشيه وما فيه من ورق أبيض، لأنه يشمله اسم المصحف، ويدخل في بيعه بلا حائل.
ولا يرم حمله بعلَّاقة وفي كيس، وتصفُّحُهُ بكُمِّه أو بعود.
ولا يحرم مس تفسير قرآن لأنه لا يسمى مصحفًا.
ويجوز للصبي أن يمس لوحًا فيه قرآن من محل خال من الكتابة.
ويحرم مس المصحف بعنصر متنجس.
وتوسُّدُه، ويكره مد رجله إليه واستدباره.
(و) حُرِّم على محدث (صلاة) لحديث ابن عمر -مرفوعًا- "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول".
رواه الجماعة إلا البخاري 291، وسواء في ذلك الفرض والنفل، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، ولا يكفر من صلى محدثًا 292. = ثقات.
اهـ أما النسائي فقد روى الكتاب في "سننه" كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول (8/ 57) عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده.
. . فذكره، ولم يأتِ فيه ذكر لمس المصحف.
وأخرجه الإمام مالك في "الموطأ" كتاب القرآن، باب الأمر بالوضوء لمن مسَّ القرآن (1/ 199) عن عبداللْه بن أبي بكر بن حزم، أن في الكتاب الذي كتبه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمرو بن حزم.
. . الحديث.
وقد صححه الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه.
وللحديث شواهد يتقوى بها.
ينظر: "مسائل الإمام أحمد" للمروزي (ص 5)، و"التلخيص الحبير" (1/ 140)، و"إرواء الغليل" (1/ 158 - 161).

الجزء: 1 - الصفحة: 64

(و) حُرِّم على محدث (طواف) بالبيت المعظم، فرضًا كان أو نفلًا، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن اللَّه أباح فيه الكلام".
رواه الشافعي 293. (و) حُرِّم (على جنبٍ ونحوه) كحائض ونفساء (ذلك) أي: الصلاة والطواف، ومس المصحف.
(و) حُرِّم عليه -أيضًا- (قراءة آية قرآن) فأكثر، لحديث علي -رضي اللَّه عنه- كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يحجبه -وربما قال- لا يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة.
رواه ابن خزيمة 294، والحاكم، والدارقطني، وصححاه 295. = شرعية مستحلًّا لذلك فهو كافر.
ولو لم يستحل ذلك فقد اختلف في كفره.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 65

(و) حُرِّم عليه -أيضًا- (لبث في مسجد بغير وضوء) لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ 296 وهو الطريق.
وعن جابر: كان أحدنا يمر في المسجد جنبًا مجتازًا.
رواه سعيد بن منصور 297. وسواء كان المرور لحاجة أم لا.
ومن الحاجة كونه طريقًا قصيرًا.
لكن كره أحمد اتخاذه طريقًا 298. وأما المتوضئ، فيجوز له اللبث فيه، لما روي عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا وضوء الصلاة 299. إسناده صحيح، قاله في "المبدع" 300. = منه.
ينظر: "التلخيص الحبير" (1/ 147)، وقال الحافظ في "الفتح" (1/ 408): رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن حبان.
وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة.
اهـ وقد خالفهم غيرهم، فقال الشافعي: أهل احديث لا يثبتونه.
وقال الخطابي: كان أحمد يوهم هذا الحديث.
وقال النووي في "الخلاصة": خالف الترمذي الأكثرون فضعفوا هذا احديث.
ينظر: "التلخيص الحبير" (1/ 147) وهو الصحيح، لأن مدار احديث على عمرو بن مُرَّة عن عبد اللَّه بن سلمة عن علي.
وابن سَلِمَة تغير حفظه في آخر عمره، ولم يدركه عمرو إلا بعد ذلك.
ينظر: "المنتقى" لابن الجارود (ص 52، 53) و"مختصر السنن" للمنذري (1/ 156) و"إرواء الغليل" (2/ 241).

الجزء: 1 - الصفحة: 66

وقال الشيخ تقي الدين 301: وحينئذٍ فيجوز أن ينام في المسجد كغيره 302.

الجزء: 1 - الصفحة: 67

فصل في أحكام الغسل

(موجبات الغسل) الأحداث التي توجب الغسل باعتبار أنواعه (سبعة) إحداها (خروج المنيِّ من مخرجه) المعتاد ولو دمًا (بلذة) من غير نائم ومغمى عليه.
وأما النائم ونحوه فبمجرد خروجه، ولو لم يجد لذة.
(و) الثاني من موجبات الغسل (انتقاله) أي المني، فيجب الغسل على الرجل لمجرد إحساس انتقال منيِّه عن صلبه.
والمرأة بانتقاله من ترائبها، لأن الجنابة تباعد الماء عن مواضعه وقد وجد ذلك 303. (و) الثالث [من] 304 موجبات الغسل (تغييب حشفة) أو قدرها من

الجزء: 1 - الصفحة: 68

مقطوعها (في فرج) أصلي (أو دُبُر) لأنه فرج (ولو) كان الفرج (لبهيمة أو ميت) أو طير 305 (بلا حائل) لانتفاء التقاء الختانين مع الحائل، لأنه هو الملاقي للختان 306.

الجزء: 1 - الصفحة: 69

(و) الرابع (إسلام كافر) ولو مرتدًّا، ذكرًا أو أنثى أو خنثى، حديث قيس بن عاصم، أنه أسلم فأمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يغتسل بماء وسدر.
رواه أحمد، وغيره 307. (و) الخامس (موت) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اغسلنها" 308، وذلك تعبدًا لا من حدث، لبقاء سببه، ولا عن نجاسة، لتعذر طهارة عين النجاسة 309. (و) السادس (حيض) ويأتي حكمه في بابه، وانقطاعه شرط لصحة الغسل.
(و) السابع خروج دم (نفاس) فلا غسل لولادة عرت منه 310، ولا = -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا التقى الختانان.
. . " اهـ فعلى ذلك يجب الغسل بعد الجماع بالحائل الرقيق المانع المصنوع من البلاستيك ونحوه، ولو لم ينزل.
فإن أنزل وجب الغسل للإنزال.
واللَّه أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 70

يحرم بها وطءٌ، ولا يفسد بها صوم، والولد طاهر، ومع الدم يجب غسله.
(وسُنَّ) الغسل (لـ) صلاة (جمعة) في يومها لذكرٍ حَضَرَها ولو لم تجب عليه، لحديث أبي سعيد -مرفوعًا- "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من جاء منكم [الجمعة] فليغتسل" متفق عليهما 311، وقوله: "واجب" أي: متأكد الاستحباب، ويدل على عدم وجوبه ما روى الحسن عن سمرة بن جندب أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي 312. وسُنَّ الغسل لغسل ميت، (و) لصلاة (عيدٍ) لحاضرها، لحديث ابن عباس أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يغتسل يوم الفطر والأضحى.
رواه ابن ماجه 313. = لأن اللَّه طهَّرها من دم الحيض والنفاس.
اهـ فائدة: أشار العلماء قديمًا إلى ما يعرف الآن بالعملية القيصرية، وبينوا حكم الولادة بها.
قال ابن الهمام في "شرح فتح القدير" (1/ 186): . . . لو وَلَدَتْ من قبَلِ سُرَّتها، بأن كان ببطنها جرح، فانشقت وخرج الولد منها، تكون صاحبة جرح سائل، لا نفساء، وتقضي به العدة.
وتصير الأمة أمَّ ولدٍ به.
. . اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 71

(و) سُنَّ الغسل لصلاة (كسوف و) لصلاة (استسقاء) قياسًا على الجمعة والعيد، بجامع الاجتماع لهما.
(و) سُنَّ الغسل لإفاقةٍ من (جنون، وإغماء لا احتلام فيهما) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- اغتسل للإغماء.
متفق عليه 314. ولأنه لا يأمن أن يكون احتلم ولم يشعر.
والجنون في معناه بل أبلغ، فإن أنزل فالغسل واجب.
(و) سُنَّ الغسل لـ (استحاضة لكل صلاة) لأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- به أمَّ حبيبة لما استحيضت، فكانت تغتسل لكل صلاة.
متفق عليه 315. (و) سُنَّ الغسل لـ (إحرام، و) لـ (دخول مكة و) لدخول (حرمها) أي (3/ 278) وقد ضعفه -أيضًا- الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (1/ 87) لكن جاءت الآثار الصحيحة عن السلف في إثبات الغسل للعيدين.
ففي "المصنف" لابن أبي شيبة (2/ 181)، والفريابي في "أحكام العيدين" (ص 79) عن نافع أن ابن عمر كان يغتسل للعيدين.
إسناده صحيح.
وثبت عن عليٍّ ذلك من قوله -أخرجه اليهقي في "سننه" (3/ 278) وينظر -أيضًا- "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (5/ 49)، و"أحكام العيدين" (ص 78 - 97)، و"مصنف" عبد الرزاق (3/ 308 - 310).

الجزء: 1 - الصفحة: 72

مكة، (و) لـ (وقوف بعرفة) روي ذلك عن علي، وابن مسعود 316، (و) لـ (طواف زيارة) وهو طواف الإفاضة (و) لطواف (وداع) للبيت، (و) لـ (مبيت بمزدلفة، و) لـ (رمي جار) في كل يوم من أيام الرمي.
(وتنقض المرأة شعرها لـ) غسل (حيض) وجوبًا، لحديث عائشة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لها: "إذا كنت حائضًا خذي ماءك وسدرك وامتشطي" ولا يكون المشط إِلا في شعر غير مضفور، وللبخاري "انقضي شعرك وامتشطي" 317.

الجزء: 1 - الصفحة: 73

(و) تنقضه لـ (نفاس)، و (لا) تنقضه لى (جنابة إذا روَّت أصوله)، فيعفى عن نقضه فيها؛ لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، بخلاف الحيض والنفاس.
(وسُنَّ توضؤ بمُدٍّ) من ماءٍ بمدِّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 318، لحديث أنس أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
متفق عليه 319. (و) سُنَّ (اغتسال بصاع) وهو أربعة أمداد 320. (وكره إسراف) في وضوء وغسل، وهو الزيادة الكثيرة، ولو على نهر = (2/ 139) و"شرح منتهى الإرادات" (1/ 82)، و"فتح الباري" للحافظ ابن حجر (1/ 418).

الجزء: 1 - الصفحة: 74

جار، لحديث ابن ماجة، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: "ما هذا السرف؟ " فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: "نعم وإن كنت على نهر جارٍ" 321. ولا يكره إسباغ في وضوء أو غسل بدون ما ذكر لحديث عائشة -رضي اللَّه عنها- أنها كانت تغتسل هي والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من إناء واحد يَسعُ 322 ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك.
رواه مسلم 323. والإسباغ تعميم العضو بالماء، بحيث يجري عليه فلا يكفي مسحه.
(وإن نوى) مغتسل (بالغسل رفع الحدثين) أي: الأكبر والأصغر (أو لحدث وأطلق) فلم يقيده بالأكبر ولا بالأصغر (ارتفعا) 324 بخلاف لو عيَّنَ واحدًا منهما، فلا يرتفع غيره.
(وسُنَّ لجنب) لم يغتسل في الحال (غسل فرجه، والوضوء لأكل، وشرب، ونوم، ومعاودة وطءٍ) لما روى في المتفق عليه، أن عمر سأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: يرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد" 325. (والغسل لها) أي لما ذكر من الأكل، والشرب، والنوم، ومعاودة الوطء

الجزء: 1 - الصفحة: 75

(أفضل) لأنه أزكى وأطيب وأطهر، كما رواه أحمد وأبو داود -رضي اللَّه عنه- حديث أبي رافع 326. (وكُره نوم جنب بلا وضوء) لمخالفته للسنة.
تذنيب: قد تقرر أن الوضوء يسنُّ بالمد، والغسل بالصاع، وحررت الصاع بأنه أربعة أمداد.
فتحتاج إلى تحرير المد وهو بالمثاقيل: مائة وعشرون مثقالًا، وبالأرطال: رطل وثلث بالعراقي، والرطل العراقي بالدراهم: مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، إذا عرفت ذلك عرفت مقدار 327 بقية الأرطال.

الجزء: 1 - الصفحة: 76

فصل في التيمم

(يصحُّ) أي (التيمم) والتيمم لغة: القصد 328، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 329، وقال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ 330 أي اقصدوا.
وشرعًا: استعمال تراب مخصوص، في وجه ويدين 331. وهو بدل طهارة ماء عند عدم ماء، أو عند عدم القدرة على استعماله.
ويصح بشروط ثمانية: نيّة، وعقل، وتمييز، واستئجاء، ودخول وقت لصلاة فرض أو إباحة غيرها، وتعذر استعمال الماء، وكونه بتراب طهور كما يأتي تخصيصه في المتن في قول المصنف (بتراب) متعلّق بـ (يصحُّ) فلا يصح برمل، أو نُورةٍ، أو جصٍّ 332، أو نحت حجارة ونحوها 333 (طهور) فلا يصح بنجس، ولا

الجزء: 1 - الصفحة: 77

بما تناثر من يدي المتيمم ووجهه؛ لأنه استعمله في طهارة أباحت الصلاة، أشبه الماء المستعمل في طهارة واجبة 334. وإن تيمم جماعة من موضع واحد صح، كما لو توضؤوا من حوض يفترقون منه.
(مباح) فلا يصح التيمم بتراب مغصوب، كالوضوء به (له غبار) يعلق باليد، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ 335، وما لا غبار له لا يمسح بشيء منه.
ولا يصح بمحترق كالمدقوق من نحو خزفٍ 336؛ لأن الطبخ أخرجه من أن يقع عليه اسم التراب.
(إذا عدم الماء لحبس أو غيره) كقطع عدوٍ ماء بلده، أو عجز عن تناوله (أو خيف باستعماله أو طلبه ضرر ببدن) من جرح فيه، أو من برد شديد، ولم يجد ما يسخن به الماء، ولم يتمكن من استعماله على وجه لا ضرر فيه، (أو) خيف باستعماله ضرر بـ (مال) كأن يجده يباع زائدًا على ثمن المثل زيادة غير يسيرة (أو) خيف (غيرهما) أي غير الضرر في البدن والمال، كخوف فوت رفقته، ونحو ذلك (ويُفعل) أي التيمم، بالبناء للمفعول (عن 337 كل ما = و"بدائع الفوائد" (3/ 251) و (4/ 89)، و"زاد المعاد" (1/ 200).

الجزء: 1 - الصفحة: 78

يفعل بالماء) لأنه بدله، إِلا ما استثني بقوله: (سوى نجاسة على غير بدن) فلا يصح التيمم عنها كعلى ثوب وبقعة، إذْ لا نصَّ فيه ولا قياس يقتضيه.
وأما النجاسةُ على البدن فيصح التيمم لها بعد تخفيفها ما أمكن، والاعتبار بصحة التيمم كما مر آنفًا (إذا دخل وقت فرض) فلا يصح أن يتيمم لفرضٍ قبل وقته، بخلاف الوضوء بالماء إذا (أبيح غيره) أي غير الفرض فلا يصح أن يتيمم لصلاة عيد ما لم يدخل وقتها، ولا لفريضة فائتة إِلا إذا ذكرها وأراد فعلها، ولا لصلاة كسوف قبل وجوده، ولا لصلاة استسقاء ما لم يجتمعوا لها، ولا لصلاة جنازة إِلا إذا غسل الميت، ولا لنافلة في وقت نهي 338.

الجزء: 1 - الصفحة: 79

(وإن وجد) محدث (ماءً لا يكفي لطهارته استعمله) فيما يكفي وجوبًا، (ثم تيمم.
ويتيمم للجرح عند غسله) لو كان صحيحًا؛ لئلا يفوت الترتيب (إن لم يمكن مسحه بالماء) فإن أمكن مسحه بالماء بأن كان الجرح طاهرًا ولا ضرر في مسحه، وجب مسحه بالماء وأجزأ، لأن المسح بعض الغسل، وقد قدر عليه، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 339. كمن عجز عن الركوع أو السجود، وقدر على الإيماء.
(ويغسل الصحيح) بعد مسح الجريح.
(وطلب الماء شرط) لصحة التيمم.
فلو تيمم قبله لم يصح تيممه (فإن نسي قدرته عليه) أي الماء 340، أو جهله بموضمع يمكنه استعماله ولو مع عبده 341 (وتيمم أعاد) لأن الطهارة تجب مع العلم والذِّكر، فلا تسقط بالنسيان، كمصلٍّ محدثًا ناسٍ لحدثه، وكمصلٍّ عريانًا ناسٍ للسترة، ومكفرٍ بصومٍ ناسٍ للرقبة 342. = و"الروض المربع" (1/ 356 - 357).

الجزء: 1 - الصفحة: 80

(وفروضه) أي التيمم أربعة في الجملة.
أحدها: (مسح وجهه) ومنه 343 اللحية، لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ 344 سوى ما تحت شعر ولو كان خفيفًا، وسوى داخل فمٍ وأنفٍ.
ويكره إدخال التراب فمه وأنفه لتقذيره.
(و) الثاني مسح (يديه إلى كوعيه) لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ 345 وإذا عُلِّق حكم بمطلق اليدين لم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق، ومس الفرج.
ولحديث عمار قال: بعثني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حاجة فأجنبت فلما أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت ذلك له.
فقال: "إنما يكفيك أن تقوك بيديك هكذا"، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه.
متفق عليه 346. الثالث والرابع (وفي) حدث (أصغر ترتيب وموالاة أيضًا.
.) لا في حدث أكبر، أو نجاسة على بدن، فلا يجب ترتيب وموالاة؛ لأن التيمم مبني = كالصيام في الظهار، ولأنه سبب للصلاة مختص بها، فلزمه الاجتهاد في طلبه عند الإعواز كالقبلة.
ووجه الرواية الأخرى قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "التراب كافيك ما لم تجد الماء" ولأنه غير عالم بوجود الماء قريبًا منه، فاشبه ما لو طلب فلم يجد.
ولأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا.
. .﴾ يقتضي عدم الوجدان مطلقًا عن قيد الطلب فيعمل بإطلاقه.
ينظر: "المغني" (1/ 313)، و"الشرح الكبير" (2/ 197). تنبيه: اشتراط طلب الماء إنما هو للمسافر في الفلوات.
أما من كان في العمران أو في قربها وجب عليه مطلقًا.
هذا هو الظاهر من كلام الأصحاب.

الجزء: 1 - الصفحة: 81

على طهارة الماء، وهما فرضان في الوضوء دون ما سواه.
والموالاة هنا بقدرها في وضوء.
(ونية الاستباحة شرط لما يتيمم له) من صلاة أو طواف فرضًا أو نافلًا أو غيرهما من حدث أصغر أو أكبر، أو نجاسة ببدن، ويكفيه لها تيمم واحد وإن تعددت مواضعها.
فإن نوى رفع حدثه لم يصح تيممه؛ لأنه مبيح لا رافع.
وكذا من هو محدث حدثًا أصغر أو أكبر لا يكفيه التيمم عن واحد إِلا بنية عنهما.
وكذا نجاسة على بدن لابد من تعيينها مع تعيين الحدث في نية التيمم.
(ولا يصلي به) أي التيمم (فرضًا إن نوى نفلًا) لأن من تيمم لشيء استباحه فما دونه على ما يستباح بالتيمم: فرض عين، فنذر، ففرض كفاية، فنافلة، فطواف فرض، فطواف نفلٍ، فمس مصحف، فقراءة قرآن، فلبث بمسجدٍ.
(أو أطلق) النية لصلاة، أو طواف، ولم يعين فرضًا ولا نفلًا، لم يستبح إِلا النفل فقط 347. (ويبطل) التيمم، حتى تيمم جنب لقراءة القرآن، ولبث بمسجدٍ، وتيمم حائض لوطءٍ (بخروج الوقت) لقول علي -رضي اللَّه عنه- التيمم لكل صلاة 348. فلو تيمم وقت الصبح بطل تيممه بعد طلوع الشمس.
وكذا

الجزء: 1 - الصفحة: 82

لو تيمم بعد الشروق بطل بالزوال (و) يبطل التيمم -أيضًا- بـ (مبطلات الوضوء) الثمانية (وبوجود ماءٍ) مقدور على استعماله بلا ضرر، وعلى ما تقدم 349 (إن تيمم لفقده) أي الماء.
(وسُنَّ لراجيه تأخير) للصلاة (لآخر وقت مختار) لا إلى وقت الضرورة.
(ومن عدم الماء والتراب) كمن حبس بمحل لا ماء فيه ولا تراب، (أو لم يمكنه استعمالها) أي: الماء والتراب كمن به قروح أو جراحات لا يستطيع معهما مس البشرة.
أو به مرض يعجزه عن استعمال الماء والتراب، ولا ثم من يطهر بأحدهما (صلى الفرض فقط) دون النوافل (على حسب حاله) لأن الطهارة شرط، فلم تؤخر الصلاة عند عدمه (ولا إعادة) على من عَدِمَ الماء والتراب، أو عجز عن استعماله لهما فصلى على حسب حاله؛ لأنه أتى بما أمر به فخرج من عهدته (ويقتصر على مجزئ) فلا يقرأ زائدًا على الفاتحة، ولا يستفتح، ولا يتعوذ، ولا يبسمل، ولا يسبح زائدًا على المرة الواحدة، ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة لركوع وسجود أو جلوس بين السجدتين.
وإذا فرغ من قراءة الفاتحة ركع في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد نهض أو سلَّم في الحاله؛ لأنها صلاة ضرورة فتقيدت بالواجب إذ لا ضرورة للزائد (ولا يقرأ في غير صلاة إن كان جنبًا) لأن قراءته في الصلاة ضرورة 350. = وابن عمرو وابن عمر.
وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في "الفتاوى" (21/ 437) إلى ضعف هذه الآثار.
قال ابن التركماني في "الجوهر النقي على سنن البيهقي" (1/ 221) على أثر عليٍّ المذكور: وفي سنده رجلان: الحجاج بن أرطأة، قال البيهقي: لا يحتج به.
. . مشهور بالتدليس قاله الدارقطني.
والثاني: الحارث الأعور.
قال الشعبي: كان كذابًا.
اهـ بتصرف.

الجزء: 1 - الصفحة: 83

فصل في إزالة النجاسة الحكمية

351 (تطهر أرض) تنجست، وأجرنة حمام ونحوه.
جمع جُرْنٍ -قال في "القاموس"، الجرن بالضم حجر منقور يتوضأ منه، انتهى 352 - صغار مبنية أو كبار مطلقًا (ونحوها) أي: الأرض، والأجرنة، كأحواض وحيطان (بإزالة عين النجاسة) الجرمية، (و) بإزالة (أثرها) كاللون والريح (بالماء) ولو من غسلة واحدة؛ لحديث أنس قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره النَّاس، فنهاهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فلما قضى بوله أمر بذنوب 353 من ماء، فأهريق عليه".
متفق عليه 354.

الجزء: 1 - الصفحة: 84

(و) يطهر (بول غلام لم يأكل طعامًا بشهوة، وقيئه، بغمره به) أي بالماء وإن لم يقطر منه شيء، ولا يحتاج إلى مرسٍ 355 وعصر، لحديث أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل طعامًا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأجلسته في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله.
متفق عليه 356. ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح 357 من بول الذكر".
رواه أبو داود 358. وعلم منه أنه يُغْسل من الغائط مطلقًا، ومن بول الأنثى، والخنثى، ومن بول الصبي إذا أكل الطعام لشهوة، فإن كان لغير شهوة نُضِحَ، لأنه قد يَلْعَقُ العسل ساعة يولد.
والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حنَّك بالتّمر 359. (وغيرهما) أي الأرض ونحوها، وبول الغلام وقيؤه، يطهر (بسبع غسلات أحدها بتراب ونحوه) كأشنان وصابون ونخالة (في نجاسة كلب أو خنزير فقط)، أو متولد منهما (مع زوالها)، لحديث مسلم عن أبي هريرة -مرفوعًا-: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب" 360. = كتاب الطهارة (1/ 236 - 237).

الجزء: 1 - الصفحة: 85

ولا يكفي تراب نجس ولا مستعمل، وأما سائر النجاسات غير المتنجس بالكلب والخنزير، فيكفي في تطهيرها سبع غسلات من غير تراب إذا زالت عين النجاسة 361. (ولا يضر بقاء لون أو ريح) من النجاسة (أو هما) أي اللون والريح (عجزًا) عن إزالتهما دفعًا للحرج.
(وتطهر خمرة انقلبت بنفسها خلًّا) لأن نجاستها لشدّتها المسكرة الحادثة لها وقد زالت من غير نجاسة خلفتها، كالماء الكثير يزول تغيره بنفسه، بخلاف النجاسات العينية.
ولا تطهر إن وُضِعَ فيها شيء يخللها أو نقلت لأجل التخليل، خبر النهي عن تخليلها 362، فلا تطهر إذن.

الجزء: 1 - الصفحة: 86

(وكذا دنُّها) وهو: وعاؤها 363 يطهر بطهارتها، لأن من لازم الحكم بطهارتها الحكمُ بطهارته.
ولا يطهر إناء طهر ماؤه بزوال تغيره بنفسه أو بإضافة أو نزح، لأن الأواني وإن كانت كبيرة لا تطهر إِلا بسبع غسلات 364، فإن انفصل عنه الماء حسب غسلة، ثم تُكمَّل 365، ولا يطهر الإناء بدون إراقته (لا دهنٌ) متنجس فلا يطهر بحال؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن السمن يقع فيه الفأرة.
فقال: "إن كان مائعًا فلا تقربوه" رواه أبو داود 366. ولو أمكن تطهيره = داود في الأشربة، باب ما جاء في الخمر تخلل (4/ 82 - 83) واللفظ له.

الجزء: 1 - الصفحة: 87

لما أمر بإراقته 367. (و) لا يطهر (متشرب نجاسة) أي بنجاسة من حبٍّ 368 وعجين ولحم تشرَّبها بغسلٍ، لأنه لا يستأصل أجزاء النجاسة ممّا ذكر.
ولا تطهر أرض اختلطت بنجاسة ذات أجزاء متفرقة، كالرمم 369 والدم إذا جفَّ، والروث إذا اختلط بأجزاء الأرض، فلا تطهر بالغسل، لأن عينها لا تنقلب، بل تطهر بإزالة أجزاء المكان، بحيث يتيقن زوال أجزاء النجاسة.
= في ذلك، وهو نفسه اضطربت روايته في هذا الحديث إسنادًا أو متنًا.
. . إلخ.
انتهى وقال ابن القيم في "التهذيب" (5/ 337)، ولما كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة، صحح الحديث جماعة، وقالوا: هو على شرط الشيخين، وحكي عن محمد بن يحيى الذهلي تصحيحه.
ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه، ولم يروه صحيحًا، بل رأوه خطأ محضًا.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 88

ولا تطهر سكين سُقيت النجاسة بغسلها.
قال أحمد في العجين: يطعم النواضح 370، ولا يطعم لشيء يؤكل في الحال، ولا يحلب لبنه، لئلا يتنجس به ويصير كالجلّالة 371. ولا يطهر صقيلٌ كسيفٍ ومرآة بمسح 372. ولا تطهر أرض بشمس وريح وجفاف 373. ولا تطهر نجاسة بنارٍ، فرمادها ودخانها نجس.
ولا تطهر نجاسة باستحالة.
فالمتولد منها نجس، كدود جرح، وصراصر كنف، وكالكلب يلقى في المملحة فيصير ملحًا 374.

الجزء: 1 - الصفحة: 89

(وعُفي في غير مائع و) في غير (مطعوم عن يسير دم نجس) لا كثير (ونحوه) أي الدم، كالقيح، والصديد لتولدهما منه، فهما أولى بالعفو منه (من حيوانٍ طاهرٍ) في الحياة، لا نجس، لأنه لا يعفى عن يسير فضلاته، كعرقه وريقه، فدمه أولى (لا دم سبيل) قُبُل أو دُبُر، فلا يعفى عن شيءٍ منه، لأن حكمه حكم البول والغائط (إِلا) دم (من حيضٍ) أو نفاسٍ فيعفى عن يسيره؛ لأنه يشق التحرز منه.
(وما لا نفس له سائلة) كالعقرب، والخنفساء، والعنكبوت، والنحل، والزنبور، والدود من طاهر (وقمل وبراغيث وبعوضٌ ونحوها) كالذباب والنمل (طاهرة مطلقًا) سواء كانت حية أو ميتة.
(ومائع مسكر) نجس خمرًا كان أو نبيذًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿رِجْسٌ﴾ 375، ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام".
رواه مسلم 376، ولأن النبيذ شراب فيه شدة مطربة أشبه الخمر، وكذا الحشيشة المسكرة، قاله في "شرح المنتهى" 377 لمصنفه 378. = ومواردها، بل وأصل الثواب والعقاب.
وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت.
وقد نبش النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قبور المشركين من موضع مسجده، ولم ينقل التراب.
. . إلخ وقد ذكر أدلة مفيدة في تقرير هذا القول والانتصار له.
ينظر: "الإنصاف" (2/ 299)، و"الفتاوى" (21/ 70)، و"إعلام الموقعين" (2/ 14)، و"بدائع الفوائد" (3/ 119 - 120).

الجزء: 1 - الصفحة: 90

(وما لا يؤكل من طير وبهائم مما فوق الهر خلقةً) نجس كالعقاب، والصقر، والحدأة، والبومة، والنسر، والرَّخم، وغراب البين والأبقع، والفيل والبغل، والحمار والأسد، والنمر والذئب، والفهد والكلب، والخنزير وابن آوى، والدب والقرد، وما تولد منها.
(ولبن ومني من غير آدمي) ومن غير مأكول اللحم نجس.
ومن الآدمي ومن مأكول اللحم طاهر (وبول وروث ونحوها) كالدم والقيح والصديد والقيء (من غير مأكول اللحم نجسة) ولا يعفى عن شيء منها.
ويعفى عن يسير من دم، وما تولد منه من حيوان طاهر في الحياة، كالهر والفأر في غير مائع وفي غير مطعوم، كما تقدم 379 (ومنه) أي من مأكول اللحم (طاهرة) جميع فضلاته (كممّا لا دم له سائل) وعرق وريق من حيوان طاهر في الحياة.
والبلغم من صدر أو رأس أو معدة طاهر، ولو ازرقَّ.
(ويعفى عن يسير طين شارع عرفًا) أي في العرف (إن علمت نجاسته) بيقين، (وإلا) فإن ظنَّت (فطاهر) عملًا بالأصل.
= "شذرات الذهب" (10/ 571) و"السحب الوابلة" (2/ 854) و"درر الفوائد المنتظمة" (1852).

الجزء: 1 - الصفحة: 91

فصل في الحيض

الحيض لغة: السيلان.
مصدر حاض، مأخوذ من حاض الوادي إذا سال.
وتحيضت المرأة قعدت أيام حيضها عن نحو صلاة 380. ومن أسمائه: الطمث، والعراك، والضحك، والإعصار، والإكبار، والنفاس، والفراك، والدراس 381. واستحيضت المرأة استمر بها الدم بعد أيامها.
وشرعًا: دم طبيعة وجُبلة -بضم الجيم وكسرها- أي سجيّة وخلقة جبل اللَّه بنات آدم عليها، ترخيه الرحم، يعتاد أنثى إذا بلغت في أوقات معلومة 382. و(لا حيض مع حمل) نصًّا 383، لحديث أبي سعيد -مرفوعًا- في سبي أوطاس 384: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض".
رواه أحمد، وأبو داود 385. فجعل الحيض علمًا على براءة الرحم، فدل على

الجزء: 1 - الصفحة: 92

أنه لا يجتمع معه.
وقال عليه الصلاة والسلام لما طلق ابن عمر زوجته وهي حائض: "ليطلقها طاهرًا أو حاملًا" 386 فجعل الحمل علمًا على عدم الحيض كالطهر، احتج به أحمد 387. وقال: إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم 388. ولأنه زمن لا يُرى فيه الدم غالبًا فلم يكن ما تراه حيضًا، كالآيسة، فإذا رأت دمًا فهو دم فساد، فلا تترك له الصلاة، ولا يمنع زوجها = السبايا (2/ 614) قال الحاكم في "المستدرك" (2/ 195): صحيح على شرط مسلم.
اهـ وقال الزيلعي في "نصب الراية" (4/ 556): وأعله ابن القطان بشريك القاضي.
اهـ وقال ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (1/ 617): إسناده حسن، وكذا قال الحافظ في "التلخيص" (1/ 182). وينظر: "إرواء الغليل" (1/ 200).

الجزء: 1 - الصفحة: 93

من وطئها.
ويستحب أن تغتسل عند انقطاعه نصًّا 389. (ولا بعد خمسين سنة) لقول عائشة -رضي اللَّه عنها-: إذا بلغت المرأة خمسين سنة، خرجت من حد الحيض 390. وعنها -أيضًا-: لن ترى المرأة في بطنها ولدًا بعد الخمسين 391. (ولا قبل تمام تسع سنين) تحديدًا؛ لأنه لم يوجد من النساء من تحيض قبل هذا السن، ولأنه خلق لحكمة تربية الولد، وهذه لا تصلح للحمل، فلا توجد فيها حكمته.
وروي عن عائشة: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة 392. وروي مرفوعًا عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- 393. والمراد حكمها حكم المرأة،

الجزء: 1 - الصفحة: 94

فمتى رأت دمًا يصلح أن يكون حيضًا حكم بكونه حيضًا، وببلوغها.
وإن رأته قبل هذا السن! يكن حيضًا 394. (وأقلُّه) أي: وأقل زمن يصلح أن يكون دم حيض (يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر) يومًا بلياليها، لقول علي: ما زاد على خمسة عشر استحاضة، وأقل 395 الحيض يوم وليلة 396 397. (وغالبه ست أو سبع) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لحمنة: "تحيضي في علم اللَّه ستة أيام، أو سبعة، ثم اغتسلي، وصلي أربعة وعشرين يومًا كما تحيض النساء، وكما يطهرن لميقات" 398.

الجزء: 1 - الصفحة: 95

(وأقل طهر بين حيضتين ثلاثة عشر) يومًا.
روى أحمد عن علي -واحتج به- أن امرأة جاءته وقد طلقها زوجها، فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض.
فقال علي لشريح: قل فيها.
فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أههلها ممن يرضى دينه وأمانته، فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة.
فقال علي: قالون -أي جيد بالرومية- 399 قال أحمد: لا يختلف أن العدة يصح أن تنقضي في شهر إذا قامت به البينة 400، وغالبه بقية الشهر، فمن تحيض ستة أيام، أو سبعة من الشهر، فغالب طهرها أربعة وعشرون، أو ثلاثة وعشرون 401. = حنبل: هو حديث حسن صحيح.
اهـ وينظر: "فتح الباري" لابن رجب (2/ 63، 64، 161، 162).

الجزء: 1 - الصفحة: 96

(ولا حد لأكثره) أي الطهر بين الحيضتين، لأنه لم يرد تحديده شرعًا.
ومن النساء من تطهر الشهرين والثلاثة والسنة فأكثر، ومنهن من لا تحيض أصلًا.
والطهر زمن حيض خلوص النقاء، بأن لا تتغير معه قطنة احتشت بها.
ولا يكره وطؤها فيه.
فمن كانت عادتها مثلًا ستًّا أو سبعًا، وطهرت لثلاث، واغتسلت! يكره وطؤها؛ لأنه تعالى وصف الحيض بكونه أذًى، فإذا انقطع واغتسلت فقد زال الأذى.
(وحرم عليها) أي الحائض (فعل صلاة) إجماعًا 402، فلا تقضيها، (و) فعل (صوم) إجماعًا 403؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أليست إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل؟ " قلن: بلى يا رسول اللَّه.
رواه البخاري 404. (ويلزمها قضاؤه) أي الصوم إجماعًا، لحديث معاذة قالت: سألت عائشة، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ فقالت: أحرورية 405 أنت؟ فقلت: لست = وإنما يدل -إذا صح الأثر- أن المرأة قد يجتمع لها في شهر واحد ثلاثة أقراء، وذلك نادر جدًّا، وكذلك طلب البينة على ذلك.
وإلا فقول المرأة مقبول في حيضها وطهرها.
. . إلخ انتهى ينظر: "الإنصاف" (2/ 396)، و"المنح الشافيات شرح المفردات" (1/ 173)، و"مجموع الفتاوى" (19/ 237)، و"بدائع الفوائد" لابن القيم (4/ 14)، و"الفروع" (1/ 179)، و"المختارات الجلية" لابن سعدي (ص 33).

الجزء: 1 - الصفحة: 97

بحرورية، ولكن أسأل.
فقالت: كنا نحيض على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
متفق عليه 406. (ويجب بوطئها في الفرج) الكفارة (دينار أو نصفه) على التخيير؛ لحديث ابن عباس -مرفوعًا- في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: "يتصدق بدينار أو نصف دينار".
رواه أحمد وغيره 407. = لمن يعقد مذهب الخوارج: حروري؛ لأن أول فرقة منهم خرجت على عليٍّ بالبلدة المذكورة فاشتهروا بالنسبة إليها.
قال الحافظ: من أصولهم المتفق عليها بيهم الأخذ بما دل عليه القرآن ورد ما زاد عليه من الحديث مطلقًا.
ينظر: "معجم البلدان" (2/ 245)، و"فتح الباري" (1/ 422)، و"الأنساب" للسمعاني (4/ 134 - 135)، و"الفرق بين الفرق" (ص 75)، و"الملل والنحل" (1/ 115)، و"خبيئة الأكوان" لصديق حسن (ص 28).

الجزء: 1 - الصفحة: 98

وتخييره بين الدينار ونصفه، كتخيير المسافر بين القصر والإتمام.

تنبيه

: وقد ذكر في "الإنصاف" 408 أن الكمال دينار.
فإن قيل: فما معنى تشبيهه بتخيير المسافر بنت القصر والإتمام، مع أن القصر في السفر مباح أفضل من الإتمام.
وهنا الكمال الدينار، فما معنى تشبيهه بذلك.
أجاب شيخنا -أيده اللَّه تعالى الشيخ محمد بن عبد اللَّه بن فيروز 409 - أنه لا يلزم منه كونُ المشبه كالمشبه به.
انتهى.
ثم ألقى اللَّه -سبحانه وتعالى- في روعي شاهدًا من القرآن العزيز، وهو قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ 410 إلخ فعلمت يقينًا صحة ما أجاب به شيخنا -حفظه اللَّه تعالى- 411 ثم وقفت بعد ذلك على قول أبي تمام 412 -رحمه اللَّه تعالى-:

الجزء: 1 - الصفحة: 99

لا تُنكروا ضربي له من دونه.
. . إلخ 413 فحمدتُ اللَّه تعالى على فهم هذه الدقيقة، التي هي بإدامة شكر [و] حمد المنعم على الحقيقة خليقة.
والدينار هنا المثقال من الذهب 414 مضروبًا 415 أو لا.
وتجزئ قيمته من الفضة فقط 416. (كفارة، وتباح المباشرة فيما دونه) أي الفرج لما روى عبد بن417418419420

الجزء: 1 - الصفحة: 100

حميد 421، وابن جرير 422 عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ 423: أي اعتزلوا نكاح فروجهن 424. ولأن المحيض اسم لمكان الحيض، كالمقيل والمبيت، فيختص التّحريم به، ولهذا لما نزلت هذه الآية قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اصنعوا كل شيء إِلا النكاح".
رواه مسلم 425. ويسن ستر الفرج حين استمتاعه بما دونه، لحديث عكرمة عن بعض أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها خرقة.
رواه أبو داود 426.

الجزء: 1 - الصفحة: 101

(والمبتدأة) أي في زمن يمكن أن يكون حيضًا، وهي التي رأت الدم، ولم تكن حاضت (تجلس) أي: تدع الصلاة والصيام ونحوهما بمجرد رؤيته، سواء كان أحمر أو أصفر أو كدرًا (أقله) أي: أقل الحيض يومًا وليلة (ثم تغتسل) بعده، سواء انقطم لذلك أم لا (وتصلي) وتصوم، لأن ما زاد على أقله يحتمل الاستحاضة، فلا تترك الواجب بالشك، ولا تصلي قبل الغسل لوجوبه للحيض (فإن لم يجاوز حيضها أكثره) أي الحيض، بأن انقطع لخمسة عشر فما دون (اغتسلت أيضًا إذا انقطع) وجوبًا، لصلاحية أن يكون حيضًا، (فإن تكرر ثلاثًا) في ثلاثة أشهر ولم يختلف (فهو حيض) أي صار عادة لها، تنتقل إليه، فتجلس جميعه في الشهر الرابع، لتيقنه حيضًا و (تقضي ما وجب فيه) من نحو صوم رمضان، وقضائه، ونذر، وطواف، ونحوه لأنا تبيَّنَّا فساده، لكونه في الحيض (وإن أيست قبله) أي: قبل تكراره ثلاثًا، (أو لم يعد) الدم إليها، (فلا) تقضي، لأنا لم نتحقق كونه حيضًا، والأصل براءتها.
(وإن جاوزه) أي: جاوز دم مبتدأةٍ أكثر حيض (فـ) هي (مستحاضة) لأنه لا يصلح أن يكون حيضًا 427.

الجزء: 1 - الصفحة: 102

والاستحاضة سيلان الدم في غير زمن الحيض من عرق، يقال له: العاذل -بالذال المعجمة- وقيل: المهملة، من أدنى الرحم دون قعره 428؛ لأن المرأة لها فرجان: داخل بمنزلة الدبر، منه الحيض، وخارج بمنزلة الأليتين منه الاستحاضة.
والمستحاضة من جاوز دمها أكثر الحيض.
والدم الفاسد أعم من الاستحاضة.
(تجلس المتميز إن كان) ثم تمييز 429 لأنها لا تخلو من حالين: إما أن تكون مميزة أو لا.
فإن كانت مميزة، كمن رأت بعض دمها ثخينًا وبعضه رقيقًا، أو بعضه أسود وبعضه أحمر، أو بعضه منتنًا وبعضه غير منتن (وصلُح) ضم اللام وفتحها؛ أي الثخين أو الأسود أو المنتن أن يكون حيضًا بأن لم ينقص عن أقله، ولم يجاوز أكثره (في الشهر الثاني) متعلق بـ (تجلس)، أو تدع زَمَنَهُ الصوم والصلاة ونحوهما مما يشترط له الطهارة، فإذا مضى اغتسلت وفعلت ذلك، لحديث عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيْش إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسول اللَّه إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما ذلك دم عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي".
متفق عليه 430. ولو لم يتوال 431 بأن كانت ترى يومًا أسود، ويومًا أحمر إلى = و"المغني" (1/ 408)، و"الإنصاف" (2/ 399)، و"الاختيارات" (ص 57)، و"فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم" (2/ 99).

الجزء: 1 - الصفحة: 103

خمسة عشر يومًا فما دون، ثم أطبق الأحمر، فتضم الأسود بعضه إلى بعض وتجلسه، وما عداه استحاضة، وكذا لو رأت يومًا أسود، وستة أحمر، ثم يومًا أسود، ثم ستة أحمر، ثم يومًا أسود، ثم أطبق الأحمر، فتجلس الثلاثة زمن الأسود، أو لم يتكرر فتجلس زمن الأسود الصالح في أول شهر وما بعده، ولا تتوقف على تكراره، وتجلسه -أيضًا- ولو انتفى التوالي والتكرار معًا؛ لأن التمييز أمارة في نفسه، فلا يحتاج إلى ضم غيره إليه.
وتثبت العادة بالتمييز إذا تكرر ثلاثة أشهر، فتجلسه في الرابع، وإن لم يكن متميزًا.
الحال الثاني: أن تكون غير مميزة، وإليه الإشارة بقوله: (وإلا) أي وإن لم يكن بعض دمها ثخينًا أو أسود أو منتنًا، وصلح حيضًا، بأن كان كله على صفة واحدة، أو الأسود منه ونحوه دون اليوم والليلة، أو جاوز الخمسة عشر، فتجلس (أقل الحيض) من كل شهر؛ لأنه اليقين (حتى تتكرر استحاضتها) ثلاثة أشهر؛ لأن العادة لا تثبت بدونه، كما تقدم 432. (ثم غالبه) أي غالب الحيض: ستًا أو سبعًا، باجتهاد في حال الدم، لحديث حمنة بنت جحش قالت: يا رسول اللَّه: إني أستحاض حيضة شديدة كبيرة، قد منعتني الصوم والصلاة.
فقال: "تحيضي في علم اللَّه ستًّا أو سبعًا، ثم اغتسلي" 433. رواه أحمد وغيره 434.

الجزء: 1 - الصفحة: 104

(ومستحاضة معتادةٌ تقدِّم عادتها) ولو كان لها تمييز صالح 435، لعموم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لأم حبيبة، إذ سألته عن الدم: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي".
رواه مسلم 436. ولأن العادة أقوى، لكونها لا تبطل دلالتها، بخلاف نحو اللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته.
ولا تجلس ما نقصته عادتها قبل استحاضتها، فإذا كانت عادتها ستة أيام فصارت أربعة، ثم استحيضت، جلست الأربعة فقط، وإن لم يتكرر النقص.
(ويلزمها) أي: المستحاضة (ونحوها) ممن حدثُه دائم، كمن به سلس بول، أو مذي، أو ريح، أو جرح لا يرقى دمه أو رعاف دائم (غسل المحلِّ) الملوث لإزالته عنه (وعصبه) أي فعل ما يمنع الخارج حسب الإمكان من = حكمها: تجلس التمييز الصالح من غير تكرار.
ينظر: "حاشية عثمان على المنتهى" (1/ 107): هذا كله تفريع على المذهب.
وقد تقدم أن الراجح بالنسبة للمبتدأة أنها تجلس بمجرد ما ترى الدم ما لم تكن مستحاضة ينظر (ص 102).

الجزء: 1 - الصفحة: 105

حشوه بقطن وشده بخرقة طاهرة.
وتستثفر 437 المستحاضة إن أكثر دمها بخرقة مشقوقة الطرفين تشدُّها على جنبيها ووسطها على الفرج، فإن لم يمكن شدُّه كباسور، وناصور، وجرح لا يمكن شدُّه، صلى على حسب حاله.
(و) يلزم المستحاضة، ومن حدثه دائم (الوضوء لكل صلاة إن خرج شيء) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في المستحاضة: "وتتوضأ عند كل صلاة".
رواه أبو داود وغيره 438. (ونية الاستباحة) أي: يلزم المستحاضة، ومن حدثه دائم أن ينوي بوضوئه الاستباحة؛ لأن الحدث دائم فلا ينوي رفعه.
(وحرم وطؤها) أي المستحاضة (إِلا من خوف زنًا) منها أو منه، لقول عائشة: المستحاضة لا يغشاها زوجها 439. فإن خاف أو خافته، أبيح وطؤها

الجزء: 1 - الصفحة: 106

ولو لواجد الطول خلافًا لابن عقيل 440. وكذا إن كان به = والدارقطني، كتاب الحيض (1/ 219)، والبيهقي، كتاب الحيض، باب صلاة المستحاضة واعتكافها (1/ 329) وقد رواه بعض الرواة عن شعبة موقوفًا على الشعبي.
ورجَّح ذلك البيهقي إِلا أن الإمام أحمد لم يجعل ذلك علة في وصمه إلى عائشة "العلل" (3/ 304). ينظر: "فتح الباري" لابن رجب (2/ 180 - 181).

الجزء: 1 - الصفحة: 107

شَبَق 441 شديد يخاف معه تشقق أنثييه.
وحيث حرم، فلا كفارة فيه؛ لأنه أخف من الحيض، ومدته تطول بخلاف الحيض، ولأن وطء الحائض قد يتعدى إلى الولد فيكون مجذومًا 442. (وأكثر مدة النفاس) وهو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل له.
مأخوذ من التنفس، وهو الخروج من الجوف.
أو من نفس اللَّه كربته، أي فرَّجها 443. وعرفًا: دم ترخيه الرحم مع ولادة، وقبلها بيومين أو ثلاثة، بإمارةٍ على الولادة، كالتألم وإلا فلا تجلسه عملًا بالأصل 444. (أربعون يومًا) قال الترمذي 445: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا، إِلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلي 446. = القيم (2/ 54، 134).

الجزء: 1 - الصفحة: 108

(والنقاء منه) أي: النفاس (طهرٌ) كالحيض فتغتسل وتفعل ما تفعله الطاهرات، لكن (يكره الوطء فيه) أي النقاء منه بعد الغسل.
قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيها زوجها (1)، لحديث عثمان بن أبي العاص، أنها أتته قبل الأربعين، فقال: لا تقربيني (2)، ولانه لا يأمن العود زمن الوطء.
(وهو كحيض في أحكامه) من تحريم الوطء، ووجوب الكفارة فيه، وتحريم العبادات من صوم، وصلاة، وطوافٍ، وقراءة قرآن، ونحو ذلك (غير عدة) فلا تثبت به، لأنه ليس بقرءٍ، فلا تتناوله الآية، (و) غير (بلوغ) لأنه حصل بالإنزال السابق للحمل.

تتمة

: لو عاد الدم في الأربعين بعد انقطاعه، أو لم تره عند الولادة، ثم رأته فيها فهو مشكوك فيه 449، فتصوم وتصلي معه، وتقضي الصوم المفروض447448 = وينظر: "نصب الراية" (1/ 268)، و"التلخيص الحبير" (1/ 181)، و"إرواء الغليل" (1/ 222، 226). وقد جاء هذا التحديد عن جماعة من الصحابة منهم: عمرو ابن عباس وأنس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأم سلمة وعن الإمام أحمد رواية أخرى: أن أكثره ستون يومًا، لأن المرجع في ذلك إلى الوجود، وقد وجد ذلك، روي عن الأوزاعي وعطاء.
وقال شيخ الإسلام: لا حد لأكثر النفاس، ولو زاد على الأربعين أو الستين أو السبعين وانقطع، فهو نفاس، لكن إن اتصل فهو دم فساد.
وحينئذ فالأربعون منتهى الغالب.
اهـ ينظر: "الشرح الكبير" (2/ 471)، و"مسائل أبي داود" (ص 24 - 25)، و"مسائل ابن هانئ" (1/ 34)، و"مسائل عبد اللَّه" (1/ 171)، و"الإنصاف" (2/ 471)، و"مجموع الفتاوى" (19/ 239)، و"الاختيارات" (ص 58)، و"المبدع" (1/ 293).

الجزء: 1 - الصفحة: 109

احتياطًا، ولا توطأُ في هذا الدم كالمبتدأه في الزائد على أقل الحيض قبل تكرره 450. وإن وضعت ولدين فأكثر، فأول مدة النفاس من الأول.
فلو كان بينهما أربعون يومًا فلا نفاس للثاني.

      • = (1/ 220)

الجزء: 1 - الصفحة: 110

فصول الكتاب · 8 فصل
فصول الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات
المقدمة
الفصل الأول: مؤلف الكتابالمبحث الأول اسمه، ونسبه، ومولدهالمبحث الثاني نشأته، وطلبه للعلمالمبحث الثالث أهم أعمالهالمبحث الرابع صفاتهالمبحث الخامس عقيدته، ومذهبهالمبحث السادس وفاته، ورثاء الناس لهالمبحث السابع شيوخهالمبحث الثامن تلاميذهالمبحث التاسع مكانته العلميةالمطلب الأول: الجوانب العلمية.المطلب الثاني: وصفه من حيث التقليد والاجتهاد.المبحث العاشر مؤلفاته عامة ومنهجه فيهاالفصل الثاني الكلام عن الكتاب المحققالمبحث الأول: إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف، ووصف المخطوطة وبيان مكان وجودها.المبحث الأول إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف ووصف المخطوطة وبيان مكان وجودهاالمبحث الثاني تعريف موجز بالكتابالمبحث الثالث منزلته بين كتب الفقه بعامة، وبين كتاب مذهبه بخاصةالمبحث الرابع منهجه في الكتابالمبحث الخامس مصادره في الكتابالمبحث السادس الكتاب من حيث التبعية والاستقلالالمبحث السابع اختياراته الفقهية في الكتابالمبحث الثامن محاسن الكتابالمبحث التاسع الملحوظات على الكتابتتمةتتمةتنبيهفائدةفصلفصلتتمةفصلتتمةفصلفصلفصلفصل في نواقض الوضوءفصل في أحكام الغسلفصل في التيممفصل في إزالة النجاسة الحكميةفصل في الحيضتنبيهتتمة
كتاب الصلاةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الحجكتاب الجهادكتاب البيع
جارٍ التحميل