الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتكتاب الحج
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بفتح الحاء لا كسرها في الأشهر، وعكسه شهر الحجة 1. ذكره شارح المنتهى 2. وهو لغة: القصد إلى من تعظمه 3، وشرعًا: قصد مكة، لعمل مخصوص، في زمن مخصوص يأتي بيانه 4. وهو أحد أركان الإسلام ومبانيه، وفرض سنة تسع عند الأكثر 5، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ

الجزء: 1 - الصفحة: 514

حِجُّ الْبَيْتِ} 6 الآية.
والعمرة، وهي لغة: الزيارة 7. وشرعًا: زيارة البيت الحرام، على وجه مخصوص يأتي بيانه 8. وينبغي لمن أراده المبادرة به، والاجتهاد في رفيق صالح، ويكون خروجه يوم خميس أو اثنين بكرة، ويقول إذا خرج، أو نزل منزلًا، ونحوه، ما ورد 9، ويصلي في منزله ركعتين.
(يجبان) أي الحج والعمرة لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 10، وحديث عائشة قالت: "يا رسول اللَّه، هل على النساء من جهاد؟ قال: نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج = 61) و"القرى" للطبري محب الدين (ص 63) و"زاد المعاد" (2/ 101) و"التلخيص الحبير" (2/ 233).

الجزء: 1 - الصفحة: 515

والعمرة" 11 رواه أحمد، وابن ماجه، بإسناد صحيح.
وإذا ثبت في النساء فالرجال أولى.
ولمسلم عن ابن عباس: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" 12 وإنما يجبان (على) من كمل فيه شروط خمسة: وهو (المسلم، الحر، المكلف المستطيع) فالإسلام والعقل، شرطان للوجوب والصحة، فلا يصحان من كافر ومجنون، ولو أحرم عنه وليُّه، والبلوغ وكمال الحرية، شرطان للوجوب والإجزاء دون الصحة، واكتفى بالتكليف عن ذكر البلوغ والعقل طلبًا للاختصار، والاستطاعة شرط للوجوب دون الإجزاء، للآية والأخبار 13، ولا تبطل بجنون، ولو مطبقًا، فيحج عنه، وهي: ملك زاد يحتاجه في سفره ذهابًا وإيابًا، من مأكول، ومشروب، وملبوس.
ولا يلزمه حمله إن وجد بثمن مثله، أو أزيد يسيرًا بالمنازل في طريق الحاج، لحصول المقصود.
وملك راحلة لركوبه بآلتها، تصلح لمثله، لحديث أحمد، عن الحسن: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 14 قال رجل: يا رسول اللَّه، ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة" 15. وذلك لمن منزله عن مكة مسافة قصر، فلا يعتبر ملك راحلة فيما دونها، للقدرة على

الجزء: 1 - الصفحة: 516

المشي فيها غالبًا، إلا العاجز عن مشي، كشيخ كبير، فيعتبر له ملك الراحلة.
ولا يلزمه السير حبوًا، ولو أمكنه ذلك، وأما الزاد فيعتبر، قربت المسافة أو بعدت.
أو ملك ما يقدر به على تحصيل الزاد والراحلة، فإن لم يملك ذلك؛ لم يلزمه الحج.
لكن يستحب لمن أمكنه المشي والكسب بالصنعة، ويكره لمن حرفته المسألة.
فاضلًا عما يحتاج من كتب، ومسكنٍ، وخادم، ولباس صالح لمثله، وعن ما لا بد منه، وعن قضاء دينه حالًّا أو مؤجلًا، وعن مؤنته ومؤنة عبده، لحديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" 16. على الدوام، من عقار، أو بضاعة، أو صناعة، ولا يصير مستطيعًا ببذل غيره له ما يحتاجه لحجه وعمرته، ولو أباه أو أُمَّه 17 للمنة.
ومن الاستطاعة سعة وقت، وأمن طريق يمكن سلوكه، ولو بحرًا، لحديث: "لا يركب البحر إلا حاجًّا، أو معتمرًا، أو غازيًا" 18. رواه أبو داود وسعيد.
أو كان بلا خفارة 19 في الطريق، فإن لم يمكنه سلوكه إلا بها،

الجزء: 1 - الصفحة: 517

لم يجب، ولو يسيرة في ظاهر كلامه.
وإنما يجبان (في العمر مرة) لحديث أبي هريرة: "خطبنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: أكل عام يا رسول اللَّه؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" 20 رواه أحمد ومسلم والنسائي.
(على الفور) من غير تأخير لمن كملت شروطه.
(فإن زال مانع حج) بأن أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو بلغ صغير، أو عتق قِنٌّ مكلف، والحال أنه (بعرفة) قبل أن يدفع منها، أو بعده، إن عاد فوقف بها في وقته، أجزأه حجه، ويلزمه العود حيث أمكن أ (و) زال مانع (عمرةٍ) بأن بلغ، أو عتق محرم بعمرة (قبل طوافها) أي العمرة (وفُعلا) إذن، أي بعد بلوغ وعتق (وقعا فرضًا).
ويكون صغير بلغ محرمًا، وقن عتق محرمًا، كمن أحرم بعد بلوغه وعتقه، لأنها حال تصلح لتعيين الإحرام، كحال ابتداء الإحرام.
ولا يجزئ حج عن حجة الإسلام مع سعي قن وصغير بعد طواف القدوم، قبل وقوف، ولو أعاده بعد بلوغه أو عتقه، لأن السعي لا تشرع مجاوزة عدده، ولا تكراره، بخلاف الوقوف، فاستدامته مشروعة، ولا قدر له محدود 21. ويصح الحج، وكذا العمرة، من صغير ذكر، أو أنثى، ولو ابن ساعة، لحديث ابن عباس: أن امرأة رفعت إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صبيًّا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" 22. رواه مسلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 518

ويُحرم ولي في مال عن من لم يميز، لتعذر النية منه، فإن لم يكن ولي فيحرم عنه من يتولاه، كفي قبول زكاة وهبة، ولو كان الولي محرمًا أو لم يحج ويقع لازمًا، وحكمه كالمكلف، نصًّا (1). ويُحرم مميز عن نفسه بإذن وليه، لأنه يصح وضوؤه، فيصح إحرامه، كالبالغ، ويفعل ولي عن مميز وغيره ما يعجزهما من أفعال حج وعمرة، لكن لا يبدأ ولي في رمي جمرات إلا بنفسه، كنيابة حج، ولا يعتد برمي حلال لا عن نفسه، ولا عن غيره، وإن أمكن مناولة صغير نائبًا الحصى ناوله، وإلا استحب وضعه في كفه، ثم أخذه منه، ويرمي عنه.
ويُطاف بالصغير لعجزه عن طواف بنفسه، راكبًا، أو محمولًا، ككبير عاجز، ويعتبر لطواف صغير نية طائف به، لتعذر النية منه، ولا يعتبر كون الطائف به طاف عن نفسه، ولا كونه محرمًا، بخلاف الرمي.
وكفارة حج صغير، وما زاد عن نفقة الحضر، في مال وليه إن أنشأ السفر به تمرينًا على الطاعة، لأنه الذي أدخله فيه، ولو تركه لم يتضرر بتركه، وإن لا ينشئ السفر، بل سافر به لتجارة، أو خدمة، أو ليستوطن بمكة، ونحو ذلك، فلا تجب على الولي، بل من مال الصغير، لأنه لمصلحته.
وعمد صغير ومجنون؛ خطأ، لا يجب فيه إلا ما يجب في خطأ مكلف، أو في نسيانه لعدم اعتبار قصده.

تتمة

: لا يمنع زوج امرأته من حج فرض كملت شروطه، كبقية الواجبات، ويستحب لها استئذانه، وإن كان غائبًا كتبت إليه، فإن أذن، وإلا حجت بمحرم.
ولكل من أبوي حر بالغ، حرين، منعه من إحرام بنفل حج، أو23

الجزء: 1 - الصفحة: 519

عمرة، أو جهاد، للأخبار 24، وما يفعله في الحضر من نفل نحو صلاة وصوم فلا يعتبر فيه إذن، وكذا السفر لواجب، كحج، وعلم، لأنه فرض عين، كالصلاة، وتجب طاعتهما في غير معصية، قال الشيخ تقي الدين 25: فيما فيه نفع لهما، ولا ضرر عليه، ولو شق عليه، ولا يحللانه إذا أحرم.
ولا يحلل غريم مدينًا أحرم بحج أو عمرة، لوجوبهما بالشروع (وإن عجز) من وجب عليه الحج والعمرة عن السعي (لكبر، أو مرض لا يُرجى برؤه) لنحو زمانة، أو لثقل، بحيث لا يقدر معه على ركوب إلا بمشقة شديدة، أو لكونه نِضْوَ 26 الخلقة، لا يقدر ثبوتًا على راحلة إلا بمشقة غير محتملة (لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر) حديث ابن عباس: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول اللَّه، إن أبي أدركته فريضة اللَّه في الحج شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يستوي على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "حجي عنه" 27. متفق عليه، وعلم من الحديث جواز نيابة المرأة عن الرجل، فعكسه أولى (من حيث وجبا) أي من بلد العاجز، لأنه وجب عليه كذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 520

ويكفي أن ينوي النائب عن المستنيب وإن لم يسمه لفظًا، وإن نسي اسمه ونسبه نوى عمن دفع إليه المال ليحج ضنه (ويجزئه) 28 أي المستنيب فعل نائب (ما لم يبرأ قبل إحرام نائب) فإن برأ قبل إحرام نائبه لم يجزئه، لقدرته على المبدل قبل الشروع في البدل، ومن يُرجى برؤه لا يستنيب، فإن فعل لم يجزئه.
(وشرط لـ) وجوب حج أو عمرة على (امرأة مَحْرَم أيضًا) نصًّا 29، قال: المحرم من السبيل 30. فمن لم يكن لها محرم لم يلزمها الحج بنفسها ولا بنائبها، ولا فرق بين الشابة والعجوز نصًّا 31، ولا بين طويل السفر وقصيره، لحديث ابن عباس: "لا تسافر امرأة إلا مع محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم.
فقال رجل: يا رسول اللَّه، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج؟ فقال: أخرج معها" 32. رواه أحمد.
والمحرم معتبر لمن لعورتها حكم، وهي بنت سبع سنين، فأكثر.
ونفقة المحرم عليها، ولا يلزمه مع بذلها ذلك له سفر معها، وتكون كمن لا محرم لها (فإن أيست) المرأة (منه) أي من المحْرَم (استنابت) من يفعل النسك عنها، ككبير عاجز، والمراد أيست بعد أن وجدت المحرم، وفرطت بالتأخير، حتى فقد، لما قدمناه من نص الإمام 33، وإن حجت بدون محرم حرم وأجزأ، وإن مات بالطريق مضت في حجها، إذ لا تستفيد برجوعها شيئًا، لأنها مع غير محرم.

الجزء: 1 - الصفحة: 521

(وإن مات من لزماه) أي الحج والعمرة، بأصل الشرع، أو بإيجابه على نفسه، ولو قبل التمكن من فعله (أخرجا من تركته) أي أخرج عنه من جميع مالِه حجة وعمرة من بلده، نصًّا 34، لأن القضاء يكون بصفة الأداء، ولو لم يوص بذلك، لحديث ابن عباس، أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه، إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دَيْن أكنت قاضيته؟ اقضوا اللَّه، فاللَّه أحق بالوفاء" 35 رواه البخاري.
ويجزئ أن يستناب عن معضوب 36، أو ميت له وطنان، من أقرب وطنيه، ويجزئ من خارج بلده، إلى دون مسافة قصر.
ويسقط حج عمن وجب عليه، ومات قبله، بحج أجنبي عنه بدون مال، ودون إذن وارث، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- شبَّهه بالدين، وكذا عمرة، ولا يسقط عن حي معضوب، بفعل أجنبي إلا بإذنه، كدفع زكاة مال حي عنه بلا إذنه، بخلاف الدين، لأنه ليس بعبادة.
ومن وجب عليه نسك، ومات قبله، وضاق ماله عن أدائه من بلده، استنيب عنه من حيث بلغ، أو لزمه دَيْن وعليه حج، وضاق ماله عنهما، أخذ من ماله لحج بحصته كسائر الديون، وحج به من حيث بلغ، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 37. ولا يصح ممن لم يحج عن نفسه حج عن غيره، فرضًا، ولا نذرًا، ولا نفلًا، حيًا كان المحجوج عنه، أو ميتًا، فإن فعل انصرف إلى حجة الإسلام، لحديث ابن عباس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة قال:

الجزء: 1 - الصفحة: 522

حججت عن نفسك؟ قال: لا.
قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" 38. رواه الإمام أحمد، واحتج به.
ولو أحرم بنذر أو نفل من عليه حجة الإسلام، وقع حجه عنها، والنائب كالمنوب عنه.
(وسنَّ لمريد إحرام) قال ابن فارس 39: هو نية الدخول في التحريم، كأنه 40 يحرم على نفسه الطيب والنكاح وأشياء من اللباس، كما يقال: أشتى إذا دخل في الشتاء، وأربع إذا دخل في الربيع.
وشرعًا: نية النسك 41 -أي نية الدخول فيه- لا نية أن يحج أو يعتمر.
وسن لمريده (غسل) للخبر 42، ولو حائضًا أو نفساء لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل 43 رواه مسلم.
وأمر عائشة أن

الجزء: 1 - الصفحة: 523

تغتسل لإهلال الحج وهي حائض 44. متفق عليه.
(أو تيمم لعذر) من عدم ماء، أو عجز عن استعماله، لنحو مرض، لعموم الآية 45، ولا يضر حَدَثُه بين غسل وإحرام، كغسل الجمعة.
(و) سن له (تنظف) بأخذ شعره، وظفره، وقطع رائحة كريهة، ولأن الإحرام يمنع أخذ الشعر والأظفار، فاستحب قطعه قبله.
(و) سن له (تطيب في بدن) بما تبقى عينه كمسك، أو أثره كماء ورد وبخور، لقول عائشة: كنت أطيب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.
وقالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو محرم 46. متفق عليه.
(وكُره) لمريد إحرام تطيب (في ثوب) وله استدامة لبسه في إحرامه ما لم ينزعه، فإن نزعه، لم يلبسه حتى يغسل طيبه، لزومًا، لأن الإحرام يمنع الطيب، ولبس المطيب، دون الاستدامة.
ومتى تعمد محرم مسَّ طيب على بدنه، أو نحاه عن موضعه ثم رده إليه، أو نقله إلى موضع آخر؛ فدى، لا إن سال بعَرَقٍ، أو شمس.
(و) سن لمريده (إحرام بإزار ورداء أبيضين) نظيفين جديدين، أو غسيلين، ونعلين، لحديث: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" 47 رواه

الجزء: 1 - الصفحة: 524

أحمد، ويكون لبسه ذلك بعد تجرد ذكر من مخيط، كقميص، وسراويل، وخُفٍّ، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم-"تجرد لإهلاله" 48 رواه الترمذي.
وسن إحرامه (عقب) صلاة (فريضة، أو) عقب صلاة (ركعتين) نفلًا، نصًا 49، لأنه عليه السلام "أهل في دبر صلاة" 50 رواه النسائي (في غير وقت نهي) لتحريم النفل إذن، ويستحب أن يستقبل القبلة عند إحرامه، صح ذلك عن ابن عمر 51. (ونيته) أي الإحرام (شرط) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" 52 ولأنه عمل وعبادة محضة، فافتقر إليها، كالصلاة.
(والاشتراط فيه) أي الإحرام (سُنة) لحديث ضباعة بنت الزبير حين قالت له: إني أريد الحج، وأجدني وجعة.
قال: حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني" 53 متفق عليه.
زاد النسائي في رواية إسنادها = المنذر في الأوسط، وأبي عوانة في صحيحه بسند على شرط الصحيح.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 525

جيد: "فإن لك على ربك ما استثنيت" 54، فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني، فيسره لي، وتقبله مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
فيستفيد أنه متى حبس بمرض، أو عدو، ونحوه؛ حل، ولا شيء عليه، نصًّا 55، ولو شرط أن يحل متى شاء، وإن أفسده، لم يقضه؛ لم يصح شرطه، لأنه لا عذر له فيه.
ويبطل إحرام ويخرج منه بردة، لعموم قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 56 ولا يبطل بجنون، وإغماء وسكر كموت، ولا ينعقد إحرام مع وجود أحدها لعدم صحة القصد.
ويُخير مُريد إحرام بين ثلاثة أشياء: تمتع، فإفراد، فقران، وأفضل الثلاثة التمتع، كما قال: (وأفضل الأنساك التمتع) نصًّا 57، فإنه آخر ما أمر به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ففي "الصحيحين" أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة، إلا من ساق هديًا 58، وثبت على إحرامه لسوقه الهدي، وتأسف بقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هديًا، ولأحللت معكم" 59 ولا ينقل أصحابه إلا إلى الأفضل، ولا يتأسف إلا عليه، ولما في التمتع من اليسر والسهولة مع كمال أفعال النسكين.

الجزء: 1 - الصفحة: 526

(وهو) أي التمتع (أن يحْرِمَ بعمرة في أشهر الحج) نصًا 60، وهي: شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة، نصًا 61. قال الأصحاب: (ويفرغ منها)، وفي "المستوعب" 62: ويتحلل (ثم) يحرم (به) أي الحج (في عامه) من مكة أو قربها أو بعيد منها، فلو كان أحرم قبل أشهر الحج لم يكن متمتعًا، ولو أتم أفعالها في أشهره.
(ثم) بعد التمتع في الأفضلية (الإفراد) لأن فيه كمال أفعال النسكين، (وهو) أي الإفراد (أن يحرم بحج) ابتداء (ثم) يحرم (بعمرة بعد فراغه منه) أي الحج مطلقًا.
(و) صفة (القِران أن يحرم بهما) أي الحج والعمرة (معًا أو) يُحرم (بها) أي العمرة ابتداء (ثم يدخله) أي الحج (عليها)، أي العمرة، لما في الصحيحين أن ابن عمر فعله، وقال: هكذا صنع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 63. ويكون إدخال حج عليها (قبل الشروع في طوافها) أي العمرة، فلا يصح بعد الشروع فيه لمن لا هدي معه، كما لو أدخله عليها بعد سعيها، وسواء كان في أشهر الحج، أو لا.
ويصح إدخال حج على عمرة ممن معه هدي ولو بعد سعيها، بل يلزمه، لأنه مضطر إليه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 64 ومن أحرم بالحج، ثم أدخل العمرة عليه، لم يصح إحرامه بها، لأنه لم يرد به أثرٌ، ولم يستفد به فائدة، بخلاف ما سبق، فلا يصير قارنًا،

الجزء: 1 - الصفحة: 527

وعمل قارن كمفرد، نصًّا 65، ويسقط ترتيبها، ويصير الترتيب للحج، كما يتأخر الحلاق إلى يوم النحر، فوطؤه قبل طواف القدوم لا يفسد عمرته، إذا وطئ وطئًا لا يفسد الحج، مثل إن وطئ بعد التحلل الأول.
(و) يجب (على كلِّ من متمتع وقارن إذا كان أُفقيًّا)، أي لم يكن من حاضري المسجد الحرام (دم نسك) لا دم جبران، إذ لا نقص في التمتع يجبره، وهذا في التمتع، والقران مقيس عليه، أما المتمتع فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 66 وذلك إجماعًا 67، وأما القارن فلأنه ترفه بسقوط أحد السفرين، كالمتمتع (بشرطه) المعتبر له، وهو: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام للآية 68، وهم أهل الحرم، ومن كان منه دون مسافة قصر، فمن كان له منزلان متأهل بهما، أحدهما دون مسافة قصر من الحرم، والآخر فوقها أو مثلها، لم يلزمه دم تمتع، ولو أحرم من أبعدهما.
الثاني: أن يعتمر في أشهر الحج، فلو أحرم بالعمرة في رمضان، ثم حل منها في شوال، لم يكن متمتعًا، كما تقدم آنفًا 69، وإن أحرم الأفقي بعمرة في غير أشهر الحج، ثم أقام بمكة، واعتمر في الحل في أشهر الحج، وحج من عامه، فهو متمتع، نصًّا 70، وعليه دم، لعموم الآية.
الثالث: أن يحج من عامه.
الرابع: أن لا يسافر بين الحج والعمرة مسافة قصر فأكثر، فإن فعل، فأحرم بالحج، فلا دم عليه، نصًّا 71، لما روي عن عمر، أنه قال: إذا اعتمر

الجزء: 1 - الصفحة: 528

في الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن خرج ورجع فليس بمتمتع 72. وعن ابن عمر نحو ذلك 73. الخامس: أن يحل من العمرة قباب إحرامه بالحج، فإن أحرم به قبل حله منها صار قارنًا.
السادس: أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده، أو من مسافة قصر من مكة، فلو أحرم من دون مسافة قصر من مكة، لم يكن عليه دم تمتع، ويكون حكمه حكم حاضري المسجد الحرام.
ولا يعتبر لوجوب دم تمتع وقران وقوع الحج والعمرة عن واحد، فلو اعتمر عن واحد، وحج عن آخر، وجب الدم بشرطه.
ولا تعتبر هذه الشروط في كون الآتي بالحج والعمرة يسمى متمتعًا، فإن المتعة تصح من المكي كغيره، لكن ليس عليه دم متعة، كما تقدم، ويلزم الدم بطلوع فجر يوم النحر.
ولا يسقط دم تمتع وقران بفساد نسكهما، لأن ما وجب الإتيان به في الصحيح وجب في الفاسد، كالطواف، وغيره، وسن لمفرد، وقارن؛ فسخ نيتهما، نصًا 74، وينويان بإحرامهما عمرة مفردة، فمن كان منهما قد طاف وسعى، قصَّر وحلّ من إحرامه، وإن لم يكن طاف وسعى، فإنه يطوف ويسعى ويقصر ويحل، فإذا حلّا، أحرما بالحج، ليصيرا متمتعين، ما لم يسوقا هديًا، فإن ساقاه لم يصح الفسخ للخبر 75، وكذا إن وقفا بعرفة، لم

الجزء: 1 - الصفحة: 529

يصح الفسخ أيضًا لعدم ورود ما يدل على إباحته.
وإن ساق الهدي متمتع، لم يكن له أن يُحلَّ من عمرته، فيحرم بحج إذا طاف وسعى لعمرته، قبل تحلل بحلق، لحديث ابن عمر: تمتع الناس مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج، فقال: "من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه" 76 فإذا ذبحه يوم النحر منهما معًا، نصًا 77، لأن التمتع أحد نوعي الجمع بين الحج والعمرة كالقران، ولا يصير قارنًا، لاضطراره لإدخال حج على عمرته.
(وإن حاضت متمتعة) أو نفست، قبل طواف العمرة (فخشيت فوات الحج) أو خشي غيرها فوات الحج (أحرمت به) أي الحج، وجوبًا (وصارت قارنة) لحديث مسلم: أن عائشة كانت متمتعة، فحاضت، فقال لها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أهليِّ بالحج" 78، ولم تقض هي، ولا غيرها، طواف القدوم، لفوات محله، كتحية المسجد.
ويجب على قارن وقف قبل طواف وسعي دمُ قران، إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام، قياسًا على التمتع كما تقدم 79، فإن كان أحرم بالعمرة، وطاف وسعى لها، ثم أدخل الحج عليها، لسوقه الهدي، فعليه دم تمتع، وليس بقارن، كما تقدم، وتسقط العمرة عن القارن، فتندرج أفعالها في الحج، لحديث ابن عمر مرفوعًا: "من أحرم بالحج والعمرة، أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما، حتى يحل منهما جميعًا" إسناده جيد، رواه النسائي، والترمذي، وقال: حسن غريب 80.

الجزء: 1 - الصفحة: 530

ومن أحرم فلم يعين نسكًا، صح إحرامه، وصرفه لما شاء من الأنساك، وما عمل قبل صرفه لأحدها فهو لغو، لا يعتد به، لعدم التعيين، وإن أحرم بما أو بمثل ما أحرم به فلان، وعلم ما أحرم به قبل إحرامه أو بعده، انعقد إحرامه بمثله، لحديث جابر، أن عليًا قدم من اليمن، فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بمَ أهللت؟ قال: بما أهل به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال: فأهل وامكث حرامًا" 81، وعن أبي موسى نحوه، متفق عليهما 82. فإن تبين إطلاق الثاني صرفه لما شاء.
ومن أحرم بحجتين أو بعمرتين، انعقد بأحدهما، لأن الزمن لا يصلح لهما مجتمعين، فصح بواحد منهما كتفريق الصفقة.
ومن أحرم بنسك، أو بنذر، فنسيه قبل طواف، صرفه إلى عمرة استحبابًا، لأنه اليقين، ويجوز إلى غيرها، فإن صرفه إليه صح حجًّا فقط، لاحتمال أن يكون المنسي حجًا مفردًا، فلا يصح إدخال عمرة عليه، فلا تسقط بالشك، ولا دم عليه، لأنه ليس بمتمتع ولا قارن، وإن صرفه إلى تمتع فكفسخ حج إلى عمرة، فيصح، إن لم يقف بعرفة، ولم يسق هديًا، كما تقدم 83، ويلزمه دم متعة بشروطه المتقدمة، ويجزئه تمتعه عن الحج والعمرة، لصحتهما بكل حال.
ومن أخذ من اثنين حجتين ليحج عنهما في عام واحد أدِّبَ على فعله = مناسك الحج، باب طواف القارن (5/ 225، 226)، قال الترمذي: صحيح غريب، وقد رواه غير واحد عن عبد اللَّه بن عمر.
ولم يرفعوه.
وهو أصح.
اهـ وابن ماجه، في المناسك، باب طواف القارن (2/ 991).

الجزء: 1 - الصفحة: 531

ذلك، لأنه فعل محرمًا، وإن أحرم عن أحدهما بعينه، صح، ولم يصح إحرامه للآخر في تلك السنة.
(وتسن التلبيةُ) لمن أحرم، عين نسكًا، أو لم يعينه، عقب إحرامه، لقول جابر: فأهل رسول اللَّه بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
. . الحديث متفق عليه 84. فتسن التلبية كتلبيته -صلى اللَّه عليه وسلم-.
والتلبية من ألبَّ بالمكان إذا لزمه 85، كأنه قال: أنا مقيم على طاعتك وأمرك.
وثنيت وكررت، ولفظ لبيك مثنى، ولا واحد له من لفظه، ومعناه التكثير 86، ولا تستحب الزيادة عليها.
وسن ذكر نسكه في التلبية، والقارن يبدأ بذكر العمرة لحديث أنس سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لبيك عمرة وحجًا" 87 متفق عليه.
ويسن الإكثار من التلبية، لحديث "ما من مسلم يَضحى للَّه، يلبي حتى تغيب الشمس، إلا غابت بذنوبه، فعاد كما ولدته أمه" 88 رواه ابن ماجه.
(وتتأكد) التلبية (إذا علا نشزًا) بالتحريك، أي مكانًا

الجزء: 1 - الصفحة: 532

مرتفعًا 89 (أو هبط واديًا أو صلى مكتوبة، أو أقبل ليل، أو) أقبل (نهار، أو التقت الرفاق، أو ركب) دابته (أو نزل) عنها (أو سمع ملبيًا، أو رأى البيت، أو فعل محظورًا ناسيًا) لحديث جابر: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يلبي في حجته إذا لقي راكبًا، أو على أكمة، أو هبط واديًا، وفي أدبار الصلوات المكتوبة، وفي آخر الليل" 90. وسن جهر ذكر بها، لقول أنس: سمعتهم يصرخون بها صراخًا 91. رواه البخاري، وخبر السائب بن خلاد: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية" 92 رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
ولا تسن التلبية في مساجد الحلِّ، وأمصاره، بخلاف البراري، وعرفات، والحرم، ومكة.
قال أحمد: إذا أحرم في مصره، لا يعجبني أن يلبي حتى يبرز، لقول ابن عباس لمن سمعه يلبي بالمدينة: إن هذا لمجنون، إنما التلبية إذا برزت 93. ولا يلبي في طواف القدوم، والسعي بعده، لئلا يخلط على الطائفين والساعين.
وتشرع التلبية بالعربية لقادر عليها، وإلا فبلغته.

الجزء: 1 - الصفحة: 533

وسن دعاء بعدها، فيسأل اللَّه الجنة، ويستعيذ به من النار، ويدعو بما أحب، لحديث الدارقطني، عن خزيمة بن ثابت: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا فرغ من تلبيته، سأل اللَّه مغفرته ورضوانه، واستعاذ برحمته من النار 94. وسن صلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعدها، لأنه موضع شرع فيه ذكر اللَّه، فشرع فيه ذكر رسوله، كأذان.
ولا يسن تكرارها في حالة واحدة.
قاله أحمد 95. لعدم وروده.
وكره لأنثى جهر بتلبية، مخافة الفتنة بها، ولا يكره لحلال تلبية، كسائر الأذكار.
(وكره إحرام) بحج أو عمرة (قبل ميقات) وينعقد، لما روى سعيد، عن الحسن، أن عمران بن حصين أحرم من مصره، فبلغ ذلك عمر، فغضب، وقال: يتسامع الناس أن رجلًا من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحرم من مصره 96. وقال البخاري: كره عثمان أن يحرم من خراسان وكرمان 97.

الجزء: 1 - الصفحة: 534

ولحديث أبي يعلى الموصلي 98، عن أبي أيوب مرفوعًا: "يستمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه" 99. (و) كره إحرام (بحج قبل أشهره) قال في "الشرح" 100: بغير خلاف علمناه.
وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، منها يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر، لحديث ابن عمر مرفوعًا: "يوم النحر يوم الحج الأكبر" 101 رواه البخاري، وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ 102 أي في أكثرهن، وإنما فات الحج بفجر يوم النحر، لفوات الوقوف، لا لفوات الحج، ثم الجمع يقع على اثنين وبعض آخر، والعرب تغلب التأنيث في العدد خاصة لسبق الليالي فتقول: سرنا عشرًا.
وينعقد إحرام الحج بحج في غير أشهره، لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ 103 وكلها مواقيت للناس، فكذا = وكرمان، بالكسر، والفتح وهو أشهر بالصحة، وهي: ولاية مشهورة وناحية كبيرة معمورة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان.
. "معجم البلدان" (4/ 454).

الجزء: 1 - الصفحة: 535

الحج كالميقات المكاني، وقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ أي: معظمه فيها، كحديث "الحج عرفة" 104. وقول ابن عباس: السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج 105. على الاستحباب، والإحرام تتراخى الأفعال عنه، فهو كالطهارة، ونية الصوم، بخلاف نية الصلاة.

الجزء: 1 - الصفحة: 536

فصل في المواقيت

جمع ميقات، وهو لغة: الحد 106، وعرفًا: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة من حج وغيره 107، والكلام هنا في الحج والعمرة.
(وميقات أهل المدينة) المنورة ذو (الحُليفة) بضم الحاء وفتح اللام، أبعد المواقيت من مكة، بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة (3)، وبينها وبين مكة عشر مراحل، وتعرف الآن بالإحساء.
(و) ميقات أهل (الشام ومصر والمغرب الجُحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، قرية جامعة على طريق المدينة، خَرِبَة قرب رابغ، على يسار الذاهب لمكة، تعرف الآن بالمقابر، وكان اسمها مَهْيَعَة، فجحف السيل بأهلها، فسميت بذلك، وتلي ذا الحُليفة في البُعد، وبينها وبين مكة ثلاث مراحل، أو أربع، وبينها وبين المدينة ثمان مراحل 108. ومن أحرم من رابغ فقد أحرم قبل الميقات بيسير.
(و) ميقات أهل (اليمن يلملم) بينه وبين مكة مرحلتان، ثلاثون ميلًا 109. (و) ميقات أهل (نجد) الحجاز، وأهل نجد اليمن، وأهل الطائف (قَرْن) بفتح القاف وسكون الراء، ويقال له: قرن المنازل، وقرن الثعالب،110

تنبيه

" (ص 137) و"المطلع" (ص 164) و"هداية السالك" (2/ 448).

الجزء: 1 - الصفحة: 537

على يوم وليلة من مكة 111. (و) ميقات أهل (المشرق) أي العراق وخراسان وباقي المشرق (ذات عِرْق) منزل معروف، سمي بذلك لعرق فيه -أي جبل صغير- أو أرض سبخة تنبت الطَّرفاء 112. وهذه المواقيت لأهلها المذكورين، ولمن مر بها من غير أهلها، كالشامي يمر بالمدينة (ويحرم من بمكة لحج منها) للخبر 113، ويصح أن يحرم من الحل له، ولا دم (و) يحرم من بمكة (لعمرة من الحلِّ) لأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم 114. متفق عليه 115. ولأن أفعال العمرة كلها من الحرم، فلم يكن بد من الحل، ليجمع في إحرامه بينهما، بخلاف الحج، فإنه يخرج إلى عرفة، فيحصل الجمع، ويصح إحرامه من مكة لعمرة، وعليه دم، لتركه واجبًا، كمن جاوز ميقاتًا بغير إحرام، وتجزئه عن عمرة الإسلام، لأن الإحرام من الحل ليس شرطًا لصحتها.
ومن لم يمر بميقات، أحرم بحج أو عمرة وجوبًا، إذا علم أنه حاذى

الجزء: 1 - الصفحة: 538

أقربها منه، لقول عمر: انظروا حذوها من قُديد (1). رواه البخاري.
وسن له أن يحتاط ليخرج من عهدة الوجوب، فإن لم يحاذ ميقاتًا، أحرم عن مكة بقدر مرحلتين.
(وأشهر الحج، شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة) منها يوم النحر، كما تقدم.

تنبيه

: لا يحل لمكلف حر مسلم أراد مكة، أو أراد نسكًا، تجاوز ميقات بلا إحرام، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقَّت المواقيت، ولم ينقل عنه، ولا عن أحد من أصحابه أنه تجاوز ميقاتًا بلا إحرام.
وعلم منه أنه يجوز الإحرام من أول الميقات ومن آخره، لكن أوله أولى.
إلا إن تجاوزه لقتال مباح، لدخوله -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر 117، ولم ينقل عنه، ولا عن أحد من أصحابه أنه دخل مكة محرمًا ذلك اليوم، أو تجاوزه لخوف، أو حاجة تكرر، كحطاب وحشاش، ونحو ذلك، ثم إن بدا لمن لم يلزمه الإحرام أن يحرم، أو بدا لمن لم يرد الحرم،116

الجزء: 1 - الصفحة: 539

كقاصد عُسفَان 118 أن يحرم، فمن موضعه يحرم، لأنه حصل دون الميقات على وجه مباح، فأشبه ذلك المكان، ولا دم عليه، لأنه لم يجاوز الميقات حال وجوب الإحرام عليه بغير إحرام.
ومن تجاوزه يريد نسكًا بلا إحرام، أو كان النسك فرضًا، ولو كان جاهلًا أنه الميقات، أو ناسيًا، لزمه أن يرجع إلى الميقات، فيحرم منه، حيث أمكن، كسائر الواجبات، إن لم يخف فوت حج، أو غيره، كعلى نفسه، أو ماله، ولا دم عليه، نصًّا 119، فإن خاف، لم يلزمه رجوع، ويحرم من موضعه، ويلزمه دم، لما روى ابن عباس مرفوعًا: "من ترك نسكًا فعليه دم" 120. وقد ترك واجبًا، وسواء كان لعذر، أو غيره.
ولا يسقط الدم إن أفسد النسك، نصًّا 121؛ لأنه كالصحيح نصًّا 122، كدم محظور.
(ومحظورات) أي ممنوعات (الإحرام) أي المحرمات بسببه (تسعة: ) أحدها: (إزالة شعر) من بدن كله، ولو من أنفه، بلا عذر، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 123 وألحق بالحلق: القلع، والنتف، ونحوه، وبالرأس: سائر البدن، بجامع الترفه.
(و) الثاني: (تقليم أظفار) من يد، أو رجل أصلية أو زائدة، أو قصه، ونحوه، لأنه إزالة جزء من بدن يترفه به، أشبه الشعر بلا عذر، فإن زال شعره، أو ظفره، لعذر، لم يحرم، لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ

الجزء: 1 - الصفحة: 540

بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} 124، ولحديث مسلم، عن كعب بن عُجْرة وفيه: وكأن هوام رأسك تؤذيك؟ فقلت: أجل.
فقال: "فاحلقه واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين" 125، فإن أزاله لأذاه، كما لو خرج بعينه شعر، أو انكسر ظفره، فأزالهما؛ فلا فدية، لأنه أزيل لأذاه، أشبه قتل الصيد الصائل عليه، أو زال الشعر والظفر مع غيرهما، كقطع جلد عليه شعر، أو أنملة بظفرها، فلا يفدي، لأنهما بالتبعية لغيرهما، والتابع لا يفرد بحكم.
ومن طُيِّب، أو حُلق رأسه مثلًا، أو قلم ظفره بإذنه، أو سكت ولم ينهه، ولو بغير أذنه، أو حلق رأس نفسه، أو قلم ظفره كرهًا، فعليه الفدية دون الفاعل، ولو محرمًا، لأنه تعالى أوجب الفدية بحلق الرأس، مع أن العادة أن غيره يحلقه، ولأن المفعول به ذلك مفرط بسكوته، وعدم نهيه.
وإن حلق رأسه مكرهًا بيد غيره، أو نائمًا، فالفدية على حالق، وكذا من طيَّب غيره مكرهًا، أو ألبسه ما يحرم عليه، ولا فدية بحلق محرم شعر حلال، أو تطييبه بلا مباشرة طيب.
ويباح لمحرم غسل شعره بسدر، ونحوه، نصًّا 126 في حمام، وغيره، بلا تسريح، وله -أيضًا- حك بدنه، ورأسه برفق، ما لم يقطع شعرًا.
(و) الثالث: (تغطية رأس ذكر) إجماعًا 127، لنهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن لبس العمائم والبرانس 128 وقوله في المحرم الذي وقصته 129 ناقته: "ولا تخمروا

الجزء: 1 - الصفحة: 541

رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" 130. متفق عليهما.
وتقدم أن الأذنين من الرأس 131، وكذا البياض فوقهما، فمتى غطى رأسه بلاصق معتاد، كبرنس، وعمامة، أو غيره، ولو بقرطاس به دواء، أو لا، أو غطاه بطين، أو نورة، أو حناء، أو عصبة، ولو بسير، حرم بلا عُذْر، وفدى، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها" 132. ونهى أن يشد الرجل رأسه بالسير، ذكره القاضي 133، وكذا يحرم ستره بغير لاصق، كأن يستظل بمحمل، ونحوه، أو بثوب، ونحوه، كخوص، وريش يعلو الرأس ولا يلاصقه، راكبًا أو لا، بلا عذر، ويفدي، أشبه ما لو ستره بشيء يلاصقه، بخلاف نحو خيمة.
ولا يحرم أن يحمل على رأسه شيئًا، كطبق، ومكتل، أو نصب حياله شيئًا يستظل به، لأنه لا يقصد استدامته، أشبه الاستظلال بحائط، أو شجرة، أو بيت، لحديث جابر في حجة الوداع: وأمر بقبة من شر فضربت

الجزء: 1 - الصفحة: 542

له بنمرة، فأتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس 134. رواه مسلم.
وكذا لو غطى وجهه لم يحرم ولا فدية، لأنه لم يتعلق به سنة التقصير، فلم يتعلق به سنة التخمير.
قلت: ومثل حمله على رأسه شيئًا، كما لو وضع رأسه على نحو وسادة، فالظاهر أنه لا يحرم ولا فدية، ولم أقف على من صرح بذلك.
(و) الرابع: (لبسُه) أي الذكر (المخيط) في بدنه أو بعضه، وهو ما عُمل على قدر ملبوس، ولو درعًا منسوجًا، أو لبدًا 135 معقودًا، ونحوه (إلا سراويل لعدم إزار و) إلا (خفين لعدم نعلين) لحديث ابن عباس: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب بعرفات يقول: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل" 136 متفق عليه، ولا فدية عليه، لظاهر الخبر.
ولا يعقد محرم عليه رداء ولا غيره ولا يخله 137 بنحو شوكة، ولا يزره في عروته، ولا يغرزه في إزاره، فإن فعل أثم، وفدى، لأنه كمخيط، ولقول ابن عمر لمحرم: ولا تعقد عليك شيئًا 138، رواه الشافعي، والأثرم.
وقال الإمام أحمد في محرم حزم عمامته على وسطه: لا يعقد، ويدخل بعضها في بعض 139. إلا إزاره، فله عقده، لحاجته ليستر عورته، وإلا

الجزء: 1 - الصفحة: 543

مِنطقة 140، أو همِيانًا 141 فيهما نفقته، لقول عائشة: أوثق عليك نفقتك 142. وروي معناه عن ابن عمر وابن عباس 143، فله عقدها، فإن ثبت هميان بغير عقد، بأن أدخل السيور بعضها في بعض، لم يعقده، لعدم الحاجة.
ويتقلد محرم بسيف لحاجة، لقصة صلح الحديبية، رواها البخاري 144، ولا يجوز بلا حاجة، نصًّا 145، ويحمل محرم جرابه وقربة الماء في عنقه، لا في صدره، نصًّا 146، فلا يدخل حبلها في صدره، وله أن يتزر بقميص، وأن يلتحف به، وأن يرتدي به.
وإن طرح على كتفه قباء 147، ولو لم يدخل يديه في كمه، فدى، لنهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن لبسه للمحرم 148. رواه البخاري، عن علي.
وإن غطى خُنثى مشكل وجهه ورأسه؛ فدى، أو غطى وجهه، ولبس

الجزء: 1 - الصفحة: 544

مخيطًا، فدى، لا إن لبسه، ولم يغط وجهه، أو غطى وجهه وجسده بلا لبس مخيط للشك.
(و) الخامس من محظورات الإحرام: (الطيب) إجماعًا 149، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولا ثوبًا مسه ورس ولا زعفران" 150، وأمْره يعلى بن أمية بغسل الطيب 151، وقوله في المحرم الذي وقصته ناقته: "لا تحنطوه" 152 متفق عليه، ولمسلم: "لا تمسوه بطيب" 153. فمتى طيَّب محرم ثوبه، أو بدنه، أو شيئًا منهما، حرم، وفدى، وكذا إن استعمله في أكل، أو شرب، أو ادِّهان، أو اكتحال، أو استعاط، أو احتقان، أو قصد شم دهن مطيب، أو مسك، أو كافور، أو عنبر، أو زعفران، أو ورس، أو عود، أو ما ينبته آدمي لطيب، ويتخذ منه كورد، وبنفسج، وياسمين، ونحوه، لا إن شم شيئًا من ذلك بلا قصد، أو مس ما لا يعلق به، كقطع عنبر، وكافور، لأنه غير مستعمل للطيب، أو شم ولو قصدًا فواكه من نحو تفاح، أو أترج، أو نبات صحراء، كشيحٍ ونحوه، وما ينبته آدمي لا لطيب، كحناء، وعصفر، وقرنفل، ودارصيني 154.

الجزء: 1 - الصفحة: 545

(و) السادس: (قتل صيد البر) إجماعًا 155، لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ 156، أو اصطياده، وإن لم يقتله، لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ 157، وهو الوحشي المأكول، والمتولّد منه ومن غيره، وغير المأكول، كسبع، تغليبًا للتحريم، والاعتبار في كونه وحشيًّا أو أهليًّا بأصله، كحمام، وبط، وهو الأوز، ولو استأنس، يحرم قتله، واصصياده، ويجب جزاؤه، وإن توحش أهلي من إبل وبقر ونحوها، لم يحرم أكله، ولا جزاء فيه.
قال أحمد في بقرة صارت وحشية: لا شيء فيها 158، لأن الأصل فيها الإنسية.
فمن أتلف شيئًا من صيد البر الوحشي المأكول، أو المتولد منه، ومن غيره، وهو محرم، أو أتلف بعضه بمباشرة، أو سبب، ولو بجناية دابة متصرف فيها، أو بإشارة لمريد صيده، أو دلالته إن لم يره، أو إعانته، حرم وفدى.
وإن دلَّه، أو أشار إليه بعد رؤية صائدٍ له، أو ضحك، أو استشرف عند رؤية الصيد، ففطن له غيره، أو أعاره آلة لغير صيد، فاستعملها فيه، فلا إثم، ولا ضمان.
ولا تحرم دلالة محرم على طيب ولباس، لأنه لا ضمان فيهما بالسبب.
وإن دل محرمٌ محرمًا على صيد فقتله، فالجزاء بينهما، لأنهما اشتركا في التحريم، فكذا في الجزاء.
ولو دل حلال حلالًا على صيد بالحرم، فقتله، = بتخوم الصين كالرمان لكنه سبط.
وأوراقه كأوراق الجوز، إلا أنها أدق، ولا بزر له.
والدارصيني قشر تلك الأغصان لا كل الشجر.
. ينظر: "قصد السبيل" (2/ 8) و"قاموس التداوي بالنبات" (ص 525).

الجزء: 1 - الصفحة: 546

فكدلالة محرم محرمًا، فالجزاء بينهما، نصًّا 159. وحرم أكل المحرم من ذلك كله، وكذا ما ذُبح له، أو صِيد لأجله، نصًّا 160، لحديث الصحيحين: أن الصعب بن جثَّامة أهدى للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حمارًا وحشيًّا، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قار: "إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم 161 "، وكذا ما أخذ من بيض الصيد، أو لبنه لأجله.
ويلزم المحرم بأكل ما صيد لأجله، الجزاء.
وما حرم عليه لدلالته، أو إعانة عليه، أو صيد لأجله، لا يحرم على محرم غيره، كما لا يحرم على حلال، لما روى مالك، والشافعي: أن عثمان أتى بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا.
فقالوا: ألا تأكل.
فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد لأجلي 162. وإن نقل محرم بيض صيد سليمًا ففسد، أو حلب صيدًا، ضمنه بقيمته مكانه 163، نصًّا 164. ومن قتل صيدًا صائلًا عليه دفعًا عن نفسه، وهو محرم، لم يحل، ولم يضمنه، ولا تأثير لحرم وإحرام في تحريم حيوان إنسي، كبهيمة الأنعام، ودجاج، لأنه ليس بصيد، ولا في محرم الأكل، ككلب، وخنزير، وذئب، ونحو ذلك.
ويحرم بإحرام قتل قمل وصيبانه من رأسه، أو بدنه، أو ثوبه، ولو

الجزء: 1 - الصفحة: 547

برميه، لما فيه من الترفه بإزالته، أشبه قطع الشعر، ولا جزاء فيه، لأنه لا قيمة له، أشبه البراغيث، ولا يحرم قتل براغيث وقراد 165 ونحوهما، لأن ابن عمر قرد 166 بعيره بالسقيا 167 ورماه 168، وهذا قول ابن عباس 169. ويسن قتل كل مؤذٍ في الحل والحرم، غير الآدمي، لحديث عائشة: أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بقتل خمس فواسق في الحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور" 170 متفق عليه.
وفي معناها: كل مؤذٍ.
وأما الآدمي، غير الحربي، فلا يحل قتله إلا بإحدى الثلاث، للخبر 171. ويباح للمحرم وغيره -لا بالحرم- صيد ما يعيش في الماء كسمك 172،

الجزء: 1 - الصفحة: 548

ولو عاش في بر أيضًا كسلحفاة وسرطان لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ 173، وأما البحريَ في الحرم، فيحرم صيده، لأن التحريم فيه للمكان، فلا فرق فيه بين صيد البر والبحر، وطير بري، لأنه يبيض ويفرخ في البر، فيحرم على محرم صيده، وفيه الجزاء، ويضمن جراد إذا أتلفه محرم بقيمته، لأنه غير مثلي.
ولمحرم احتاج إلى فعل محظور، فعله، ويفدي، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ 174 الآية، وحديث كعب بن عجرة 175. وألحق بالحلق باقي المحظورات.
ومن ببدنه شيء لا يحب أن يطلع عليه أحد، لبس، وفدى، نصًّا 176، وكذا لو اضطر إلى ذبح صيد، فله ذبحه، وأكله، وهو ميتة في حق غيره، فلا يباح، إلا لمن يباح له أكلها.
(و) السابع: (عقد نكاح)، فيحرم، ولا يصح من محرم، فلو تزوج محرم، أو زوَّج، أو كان وليًّا، أو وكيلًا فيه، لم يصح، نصًّا 177، تعمَّده، أو لا، لحديث مسلم، عن عثمان مرفوعًا: "لا ينكحُ المحرم ولا يُنكح" 178. ولمالك، والشافعي: أن رجلًا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر نكاحه 179. وعن علي، وزيد معناه 180، ورواه أبو بكر النيسابوري.

الجزء: 1 - الصفحة: 549

ولأن الإحرام يمنع الوطء، ودواعيه، فمنع عقد النكاح، كالعدة، إلا في حق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فليس محظورًا، لحديث ابن عباس: تزوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ميمونة وهو محرم 181. متفق عليه، وهذا الحديث له معارض 182، فإن ثبت

الجزء: 1 - الصفحة: 550

فهو من خصائصه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولا فدية في عقد المحرم، لأنه عقد فاسد، للإحرام، كشراء الصيد، وسواء كان الإحرام صحيحًا، أو فاسدًا، والاعتبار بحالة العقد، فلو وكل حلالًا، صح عقده بعد حل موكله.
وتكره خطبة محرم، لحديث عثمان يرفعه: "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب" 183 كما يكره له حضور نكاح بين حلالين، وشهادة فيه، ولا تكره رجعته لمطلقته الرجعية، لأنها إمساك، ولا شراء أمة للوطء، لأن الشراء واقع على عينها، وهي تراد للوطء، وغيره.
(و) الثامن: (جماع) وهو تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي، قُبلًا كان أو دبرًا، من آدمي أو غيره، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ 184، قال ابن عباس: هو الجماع، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ 185 وهو يفسد النسك قبل التحلل الأول، حكاه ابن المنذر إجماعًا 186، ولو بعد وقوف، نصًّا 187، لأن بعض الصحابة قضوا بفساد الحج، ولم يستفصلوا، وحديث: "من وقف بعرفة فقد تم حجه" 188 = بينهما.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
اهـ وقال ابن مفلح "الفروع" (3/ 383): إسناده جيد.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 551

أي قاربه، وأمن فواته.
ولا فرق بين عامد وجاهل، وناس وعالم، ومكره وغيره، وعلى الواطئ والموطوءة المضي في فاسده، ولا يخرج منه بالوطء، روي عن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وابن عباس 189، وحكمه كالإحرام الصحيح، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 190، وروي مرفوعًا أمر المجامع بذلك 191، فيفعل بعد الإفساد كما كان يفعله قبله، من وقوف، وغيره، ويجتنب ما يجتنبه قبله، ويفدي لمحظور فعله بعده.
ويقضي من فسد نسكه بالوطء، كبيرًا كان أو صغيرًا، فرضًا كان الذي أفسده أو نفلًا، لقول ابن عمر: فإذا أدركت قابلًا حج واهد 192. وعن ابن عباس مثله 193 رواه الدارقطني، والأثرم.
إن كان المفسد نسكه مكلفًا، لأنه لا عذر له في التأخير، وإلا فيقضي بعد حجة الإسلام فورًا، لزوال عذره.
ويحرم من أفسد نسكه في القضاء من حيث أحرم أولًا، إن كان إحرامه = (5/ 263)، وابن ماجه في الحج، باب من أتى عرفة قبل الفجر (2/ 1004) قال الترمذي: حسن صحيح.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 552

به قبل ميقات، لأن القضاء يحكي الأداء، وإلا فمنه.
ومن أفسد القضاء قضى الواجب الذي أفسده أولًا فقط، ونفقة قضاء نسك مطاوعة عليها، ومكرهة على مكره، ولو طلقها، لإفساده نسكها.
وسن تفرق واطئ وموطوءة في قضاء من موضع وطء، فلا يركب معها في محمل، ولا ينزل معها في فسطاط، أو نحوه، إلى أن يحلا من إحرام القضاء، لحديث ابن وهب بإسناده عن سعيدبت المسيب، أن رجلًا جامع امرأته وهما محرمان، فسأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال لهما: "أتما حجكما ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى من قابل، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما، فأحرما، وتفرقا ولا يؤاكل أحد منكما صاحبه، ثم أتما مناسككما، واهديا" 194 وروى سعيد، والأثرم، عن عمر، وابن عباس نحوه 195. والوطء بعد التحلل الأول لا يفسد نسكه، لقول ابن عباس في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزورًا بينهما، وليس عليه حج من قابل 196، رواه مالك، ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
وعلى الواطئ بعد تحلل أول شاة لفساد إحرامه، وعليه المضي إلى الحل، فيحرم منه، ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، ليطوف للزيارة محرمًا، لأن الحج لا يتم إلا به، لأنه ركن، ثم يسعى إن لم يكن سعى قبلُ

الجزء: 1 - الصفحة: 553

وتحلل.
وعمرة وطئ فيها كحج فيما سبق تفصيله، فيفسدها وطء قبل تمام سعي، لا بعده وقبل حلق، وعليه بوطئه في عمرة شاة، لنقص حرمة إحرامها عن الحج، لنقص أركانها، ودخولها فيه إذا جامعته، سواء وطئ قبل تمام السعي، أو بعده قبل حلق، ولا فدية على مكرهة في وطء في حج أو عمرة لحديث: "وعما استكرهوا عليه" 197، ومثلها النائمة، ولا يلزم الواطئ أن يفدي عنهما.
(و) التاسع: (مباشرة) الرجل للمرأة (فيما دون فرج) لشهوة، لأنها تنافي الإحرام، ولا تفسد المباشرة النسك، ولو أنزل، لأنه لا نص فيه ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الواطئ في الفرج، لأن نوعه يوجب الحد، ويأتي تفصيل ما يجب فيها.
(فـ) يجب (في أقل من ثلاث شعرات وثلاثة أظفار في كل واحد فأقل) كبعضه (طعام مسكين) ففي شعرة، أو بعضها طعام مسكين، وفي شعرتين، طعام مسكينين، وفي ظفر أو ظفرين أو بعض ظفر كذلك (وفي الثلاث) من الشعر (فأكثر) أو الثلاثة من الأظفار فأكثر (دم) أي فدية شاة ويأتي بيانها.
(وفي تغطية الرأس بلاصق) أولى (ولُبس مخيط، وتطيب في بدن، أو ثوب، أو شمِّ) طيب (أو دَهن) بمطيب (الفدية) ويأتي تفصيلها.
(وإن قتل محرم صيدًا مأكولًا) لا يحرم الأكل (بريًّا أصلًا) أي وحشيًّا، لا إنسيًّا، ولو توحش كما تقدم 198، فعليه -أي القاتل- (جزاؤه) أي

الجزء: 1 - الصفحة: 554

الصيد، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 199. (والجماع قبل التحلل الأول في حج، وقبل فراغ سعي في عمرة مفسد لنسكهما) أي الحاج والمعتمر، كما تقدم (مطلقًا) أي سواء كانا عامدين، أو ساهيين، أو مكرهين، أو جاهلين، لأن من تقدم من الصحابة قضوا بفساد النسك، ولم يستفصلوا.
(وفيه) أي الجماع قبل التحلل الأول (لحجٍّ بدنة) لقول ابن عباس: اهد ناقة، ولتهد ناقة 200. سواء كان قارنًا، أو مفردًا، فإن لم يجدها صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، أي فرغ من عمل الحج، كدم المتعة، (و) فيه العمرة) قبل فراغ سعيها (شاة) وحكمها حكم فدية الأذى، لنقص العمرة عن الحج (ويمضيان) أي الحاج والمعتمر (في فاسده) أي: النسك (ويقضيانه مطلقًا إن كانا مكلفكين فورًا) لأنهما لا عذر لهما في التأخير (وإلا) يكونا مكلفين فـ (بعد التكليف و) بعد (حجة الإسلام) يقضيان (فورًا) لزوال عذرهما، كما تقدم 201. (ولا يفسُدُ النسك بمباشرة) دون فرج (ويجب بها بدنة إن أنزل) نقله الجماعة 202، لأنها مباشرة اقترن بها الإنزال، فأوجبتها، كالجماع في الفرج، ولم يفسد نسكه، لعدم الدليل، فإن كرر النظر فأمنى، أو قبَّل فأمنى، أو لمس لشهوة فأمنى، أو استمنى فأمنى، فعليه بدنة قياسًا على الوطء (وإلا) ينزل، وإن أمذى بذلك، أو أمنى بنظرة واحدة، فعليه (شاة) وحكمها حكم فدية الأذى.
ولا يفسد النسك (بوطء في حج بعد التحلل الأول وقبل) التحلل

الجزء: 1 - الصفحة: 555

(الثاني لكن يفسُد) به (الإحرام فيحرم من الحل) التنعيم، أو غيره، ليجمع بين الحل والحرم (ليطوف للزيارة في إحرام صحيح، ويسعى إن لم يكن سعى) وتحلل، لأن الذي بقي عليه بقية أفعال الحج، وليس هذا عمرة حقيقة، والإحرام إنما وجب ليأتي بما بقي من الحج (وعليه شاة) لعدم إفساده الحج، كوطء دون الفرج بلا إنزال، ولخفة الجناية فيه.
والقارن كالمفرد، لأن الترتيب للحج لا للعمرة، بدليل تأخير الحلق إلى يوم النحر.
(وإحرام امرأة كـ) إحرام (رجل) فيما يحل ويحرم، فيحرم عليها إزالة شعر، وظفر، وطيب، وقتل صيد، وغيره، مما تقدم، إلا فيما استثناه بقوله: (إلا في لُبس مخيط) فيحرم على الرجل، ولا يحرم عليها، وكذا تظليل محمل، لأنها عورة إلا وجهها (وتجتنب البرقع والقفازين)، لحديث: "ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين" 203 رواه البخاري، وغيره، وتجتنب (تغطية الوجه) لحديث: "ولا تنتقب المرأة".
فتسدل أي تضع الثوب فوق رأسها، وترخيه على وجهها، للحاجة، كمرور أجانب قريبًا منها، لحديث عائشة: كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا 204. رواه أبو داود، والأثرم.
قال أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل.
قال الموفق: كأن الإمام يقصد أن النقاب من أسفل وجهها 205، ولا يضر مس المسدول بشرة وجهها.
وتحرم تغطية وجه المحرمة (فإن غطته بلا عذر فدت) ويباح لها من

الجزء: 1 - الصفحة: 556

حلي: خلخال، وسوار، ونحوه، لحديث ابن عمر أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب.
وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي 206. ويسن لها خضاب بحناء عند إحرام، لحديث ابن عمر "من السنة أن تدلك المرأة يدها في حناء" 207، ولأنه من الزينة، فاستحب لها، كالطيب، وكره بعده، ما دامت محرمة، لأنه من الزينة، أشبه الكحل بالإثمد، ولا يكره الاكتحال بالإثمد لغير الزينة كوجع عين لرجل وامرأة، ولهما لبس معصفر.
وكحلي، وكل مصبوغ بغير ورس وزعفران، لأن الأصل الإباحة، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، ولهما قطع رائحة كريهة بغير طيب، ولهما اتجار، وعمل صنعة، ما لم يشغلا عن واجب، أو مستحب، لقول ابن عباس: كانت عكاظ، ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ 208 في مواسم الحج 209 رواه البخاري، ولهما نظر في مرآة لحاجة، وتكره لزينة.
ولا يصلح المحرم شعثًا، ولا ينفض عنه غبارًا، لحديث أبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمر مرفوعًا "إن اللَّه تعالى يباهي الملائكة بأهل عرفة، انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا" 210 رواه أحمد.

الجزء: 1 - الصفحة: 557

وللرجل المحرم لبس خاتم مباح من فضة أو عقيق، روى الدارقطني عن ابن عباس: لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم 211، وفي رواية: رخص للمحرم في الهميان والخاتم.
وله -أيضًا- ختان، وبط جرح 212، وقطع عضو عند حاجة، وحجامة.
ويجتنب المحرم والمحرمة الرفث، وهو الجماع، كما تقدم 213، والفسوق، أي: السباب، وقيل: المعاصي.
والجدال، وهو: المراء، روي عن ابن عمر 214، قال ابن عباس: هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه 215. وسن قلة كلامهما إلا فيما ينفع، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" 216 متفق عليه، وعنه مرفوعًا: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" 217 رواه الترمذي، وغيره وقال: حديث حسن.

الجزء: 1 - الصفحة: 558

فصل في الفدية وبيان أقسامها وأحكامها

وهي مصدر فدى يفدي فداء 218. وشرعًا: ما يجب بسبب نسك، كدم تمتع أو قران، وواجب، بفعل محظور في إحرام، أو ترك واجب، أو بسبب حرم، كصيد الحرم المكي ونباته.
وهي قسمان: قسم على التخيير، وقسم على الترتيب.
وقد ذكر الأول بقوله: (يخيّر بـ) ين (فدية حلق) شعر ثلاث فأكثر، أو إزالته (وتقليم) أظفار، ثلاثة فأكثر (وتغطية رأس) رجل، ووجه امرأة، ولبس رجل مخيطًا (وطيب، بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين) لـ (كل مسكين مدُّ بُر، أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير) أو أقط، ومما يأكله أفضل.
وينبغي أن يكون بأدم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 219 وأو للتخيير، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لكعب بن عجرة: العلك آذاك هوام رأسك؟ قال: نعم يا رسول اللَّه، فقال: "احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة" 220 متفق عليه.
وخصت الفدية بالثلاثة، لأنها جمع، واعتبرت في مواضع بخلاف ربع الرأس، وقيس على الحلق باقي المذكورات، لأن تحريمها فيها 221 للترفه، أشبهت الحلق، وغير المذكور ثبت الحكم فيه بطريق التشبيه تبعًا له 222.

الجزء: 1 - الصفحة: 559

النوع الثاني: جزاء الصيد، وقد ذكره بقوله: (وفي جزاء صيد) أي: يخير في جزاء صيد (بين) ذبح (مثل مثلي) من النعم، وإعطائه لفقراء الحرم، أي وقت شاء، فلا يختص بأيام النحر، ولا يجزئه أن يتصدق به حيًا (أو تقويمه) أي المثل، بمحل التلف، أو بقربه (بدراهم يشتري بها) أي الدراهم، التي هي قيمة المثل (طعامًا) نصًّا 223، لأن كل مثلي قوم إنما يقوم مثله، كمالِ الآدمي.
ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم، لأنه ليس من المذكورات في الآية (يجزئ) إخراجه (في فطرة) كواجب في فدية أذى، وكفارة، وهو البر، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، وله أن يخرج من طعام عنده يعدل ذلك (فيطعم كل مسكين مُدَّ بر أو نصف صاع من غيره) مما ذكر (أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ 224، وإن بقي دون إطعام مسكين صام عنه يومًا كاملًا، لأن الصوم لا يتبعض، ولا يجب تتابع الصوم، ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء، ويطعم عن بعضه، نصًّا 225، لأنه كفارة واحدة، كباقي الكفارات (و) يخير (بين إطعام أو صيام في) ما اشتراه بقيمته صيد (غير مثلي) إذا قتله، كما تقدم، لتعذر المثل.
القسم الثاني من الفدية: ما يجب مرتبًا.
وهو ثلاثة أنواع: أحدها دم المتعة والقران، فيجب هدي لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 226، وقيس عليه القارن،

الجزء: 1 - الصفحة: 560

وتقدم 227، (وإن عدم متمتع أو قارن الهدي صام ثلاثة أيام في الحج والأفضل جعل آخرها) أي الثلاثة (يوم عرفة) نصًّا 228، فيقدم الإحرام، ليصومها في إحرام الحج، واستحب له هنا صوم يوم عرفة لموضع الحاجة، وله تقديمها قبل إحرامه بالحج، فيصومها في إحرام العمرة، لأنه أحد إحرامي التمتع، فجاز الصوم فيه، كإحرام الحج، ولجواز تقديم الواجب على وقت وجوبه، إذا وجد سبب الوجوب، كالكفارة بعد الحلف قبل الحنث، وسبب الوجوب هنا قد وُجد، وهو: الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، وعلم منه: أنه لا يجوز صومها قبل إحرام عمرة.
ووقت وجوب صوم الثلاثة كوقت وجوب هدي، لأنها بدله، وهو يجب بطلوع فجر يوم النحر (و) صام (سبعة) أيام (إذا رجع لأهله) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ 229، وإن صام السبعة قبل رجوعه إلى أهله، بعد إحرام بحج، وفراغه منه.
أجزأه صومها.
والأفضل إذا رجع إلى أهله، لكن لا يصح صوم شيء منها أيام منى، نصًّا 230، لبقاء أعمال من الحج.
قالوا: لأن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي من عمل الحج 231. ومن لم يصم الثلاثة إلا بعد أيام التشريق، صام بعد ذلك عشرة كاملة، وعليه دم لتأخيره واجبًا من مناسك الحج عن وقته، كتأخير رمي جمار عنها، سواء كان لعذر، أو غيره، وكذا إن أخَّر الهدي عن أيام النحر بلا عذر، فيلزمه دم بتأخيره ذلك.
ولا يلزم تتابع، ولا تفريق في صوم الثلاثة، ولا في صوم السبعة، ولا

الجزء: 1 - الصفحة: 561

بين الثلاثة والسبعة إذا قضاها، وكذا لو صام الثلاثة أيام منى، وأتبعها السبعة، ولأن الأمر بها مطلق، فلا يقتضي جمعًا ولا تفريقًا.
ولا يلزم من قدر على هدي بعد وجوب صوم انتقال عنه، شرع فيه، أولًا، اعتبارًا بوقت الوجوب، فقد استقر الصوم في ذمته، فإن أخرج الهدي إذن (1) أجزأه، لأنه الأصل.
النوع الثاني: المحصَر، وقد ذكره بقوله: (والمحصَر) يلزمه هدي لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (2) فـ (إذا لم يجده) أي الهدي (صام عشرة أيام) قياسًا على هدي التمتع، بنية التحلل (ثم حل) وليس له التحلل قبل ذلك، ولا إطعام فيه.
النوع الثالث: فدية الوطء.
يجب به بدنة في حج، قبل التحلل الأول، كما تقدم (3)، فإن لم يجدها، صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع، كدم المتعة، لقضاء الصحابة به.

تتمة

: من كرر محظورًا من جنس، غير قتل صيد، كأن حلق شعرًا، وأعاده، أو قلَّم أظفاره، وأعاده، ونحو ذلك، قبل التكفير عن أول مرة، فعليه كفارة واحدة للكل، لأن اللَّه تعالى أوجب لحلق الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع دفعة أو دفعات، وإن كفر للأول، ثم فعله ثانيًا، لزمه كفارة ثانية، كما لو حلف، وحنث، وكفر، ثم حلف، وحنث.
وإذا لبس وغطى رأسه، ولبس الخف، فعليه فدية واحدة، لأن الجميع جنس واحد، وإن كان المحظور من أجناس، فعليه لكل جنس فداء، وعليه في الصيود جزاء بعددها، لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا232233234

الجزء: 1 - الصفحة: 562

قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} 235. ويكفِّر وجوبًا من حلق ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا، أو قلَّم أظفاره كذلك، أو وطئ أو باشر كذلك، وتقدم 236، أو قتل صيدًا ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا.
قال الزهري: تجب الفدية على قاتل الصيد متعمدًا بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة 237 (وتسقط) الفدية (بنسيان) أو جهل، أو إكراه (في لُبس وطيب و) في (تغطية رأس)، لحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" 238 ولأنه يقدر على رد هذه الإزالة، بخلاف الأول، لأنها إتلاف، ومتى زال عذره أزاله في الحال، لحديث يعلى بن أمية، وفيه: "اخلع عنك هذه الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق 239 -أو قال أثر الصفرة- واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك" 240. متفق عليه، ولم يأمره بالفدية مع سؤاله عما يصنع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، فدل على أنه عُذر بجهله، والناسي في معناه.
(وكل هدي أو إطعام) يتعلق بحرم، أو إحرام، كجزاء صيد، وما وجب لترك واجب، أو لفوات حج، أو فعل محظور، كلبس ووطء (فـ) هو (لمساكين الحرم).
قال ابن عباس: الهدي والإطعام بمكة 241. وكذا هدي تمتع وقران،

الجزء: 1 - الصفحة: 563

ومنذور، ونحوها، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 242، وقال في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ 243، وقيس عليه الباقي.
ويلزم ذبحه في الحرم.
قال أحمد: مكة ومنى واحد 244. واحتج الأصحاب 245 بحديث جابر مرفوعًا: "كل فجاج مكة طريق ومنحر" 246. رواه أحمد، وأبو داود.
ويجب تفرقة لحمه، أو إطلاقه لمساكين الحرم، لأن المقصود من ذبحه بالحرم التوسعة عليهم، ولا يحصل بإعطاء غيرهم، وكذا الإطعام.
قال ابن عباس: الهدي والإطعام بمكة 247. ولأنه ينفعهم كالهدي، وهم -أي مساكين الحرم-: المقيم به، والمجتاز، من حاج، وغيره، ممن له أخذ زكاة لحاجة، ولو تبين غناه بعد ذلك، فكزكاة، والأفضل نحر ما وجب بحج بمنى، ونحر ما وجب بعمرة بالمروة، خروجًا من خلاف مالك 248، ومن تبعه 249. = روِّينا عن ابن عباس أنه قال: يتصدق به على مساكين مكة.
وفي حكاية ابن المنذر، عن ابن عباس أنه قال: الدم والطعاء بمكة والصوم حيث شاء.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 564

والعاجز عن إيصاله إلى الحرم بنفسه، أو بمن يرسله معه، ينحره حيث قدر، ويفرقه بمنحره، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ 250 (إلا فدية أذى) وفدية طيب (و) نحوهما: كفدية (لبس [ونحوها]) 251 وتغطية رأس (فحيث وجد سببها) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر كعب بن عجرة بالفدية، بالحديبية 252 وهي من الحل، واشتكى الحسين بن علي -رضي اللَّه عنهما- رأسه فحلقه علي ونحر عنه جزورًا بالسقيا 253. رواه مالك، والأثرم وغيرهما.
وله تفرقتها -أيضًا- في الحرم كسائر الهدايا، ودم إحصار حيث أحصر، من حل أو حرم، نصًّا 254 (ويجزئ الصوم) والحلق (بكل مكان) = في حج.
اهـ من "الذخيرة" للقرافي (3/ 370) وقال في "عقد الجواهر الثمينة" (1/ 460): أما المكان -أي مكان إراقة الدماء- فيختص بجواز الإراقة بالحرم فيما عدا فدية الأذى، وفيه محلان: أحدهما: منى.
وهو: لكل ما نحر في أيامها مما وُقف به بعرفة، دون ما لم يوقف به بعرفة.
وقال ابن الماجشون: يجوز نحره بها، وإن لم يوقف به بعرفة.
والمحل الثاني: مكة.
ولا يشترط في النحر بها الوقوف، ولا أيام منى، بل لو نحر بها ما وقف به بعرفة لكان في إجزائه ثلاثة أقوال.
في الثالث: يخصص الإجزاء بما نحر بعد خروج أيام منى.
. اهـ قال ابن مفلح بعد سياق قول مالك: لا ينحر في إلحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة: وهو متجه.
اهـ من "الفروع" (3/ 465). ينظر: "كفاية المحتاج إلى الدماء الواجبة على الحاج" (ص 467) و"الفروع" لابن مفلح (3/ 465) و"بداية المجتهد" (1/ 462، 463).

الجزء: 1 - الصفحة: 565

لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، فلا فائدة في تخصيصه بالحرم، ولعدم الدليل عليه.
(والدم) المطلق (شاة) تجزئ في أضحية: جذع ضأن له ستة أشهر، أو ثني معز له سنة (أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة) لقوله تعالى في التمتع: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 255، قال ابن عباس: شاة، أو شِركٌ في دم 256. فإن ذبح كاملة فهو أفضل، وتجب كلها، لأنه اختار الأعلى، لأداء فرضه.
وتجزئ بدنة أو بقرة عن سبع شياه مطلقًا، في جزاء الصيد، أو غيره، لحديث جابر: أمرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نشترك في الإبل، والبقر، كل سبعة منا في بدنة 257. رواه مسلم.
(ويُرجع) بالمبني للمجهول (في جزاء صيد) وهو: ما يستحق بدله، على متلف بفعل، أو سبب (إلى ما قضت فيه الصحابة) رضي اللَّه عنهم، فيجب ما أوجبوا فيه، لأنهم أعرف، وقولهم أقرب إلى الصواب.
وفي الخبر "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" 258. وفيه: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" 259. ومما قضت فيه الصحابة: في

الجزء: 1 - الصفحة: 566

النعامة بدنة.
روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن عباس، ومعاوية 260؛ لأنها تشبهها.
وفي حمار الوحش: بقرة، روي عن عمر 261. وفي بقرة: بقرة.
روي عن ابن مسعود 262. وفي إيَّل 263 -بوزن قنّب- وهو ذكر الأوعال.
ذكره في "الإنصاف" 264: بقرة عن ابن عباس 265. وفي تيتل -بوزن جعفر- الوعل المسن 266: بقرة.
وفي وعل -بفتح الواو مع العين وكسرها وسكونها- تيس الجبل، كما ذكره في "القاموس" 267، وقال في "الصحاح" 268: هو الأروى: بقرة.
يروى عن ابن عمر: في الأروى بقرة 269. وقضى به عمر، وابن عباس 270. = من "تحفة الطالب" (ص 168، 169).

الجزء: 1 - الصفحة: 567

وفي الضبع كبش.
قال الإمام 271: حكم فيها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بكبش 272. وفي الغزال شاة.
روي عن علي، وابن عمر 273، وروي عن جابر مرفوعًا: "في الظبي شاة" 274 قاله صاحب "المنتهى" في شرحه 275. وفي وبر -بسكون الباء- جدي، وهو دويبة كحلاء، دون السنور، لا ذنب له 276. وفي الضب: جدي، قضى به عمر 277. والجدي الذكر من أولاد المعز، له ستة أشهر.
= الآتية: (وفي الضبع كبش.
.) قال في "شرح المنتهى" (2/ 41): (. . . الأروى: بقرة.
يروى عن ابن عمر في الأروى: بقرة.
وفي الضبع كبش.
قال الإمام: حكم فيها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بكبش.
انتهى.
وقضى به عمر وابن عباس) اهـ وهو كذلك في "الشرح الكبير" (9/ 8).

الجزء: 1 - الصفحة: 568

وفي يربوع: جفرة لها أربعة أشهر، روي عن عمر، وابن مسعود، وجابر 278. وفي الأرنب: عناق، وهي الأنثى من أولاد المعز، أصغر من الجفرة.
يروى ذلك عن عمر 279. وفي الحمامة، وهي: كل ما عبّ الماء، أي وضمع منقاره فيه، وكرع 280، كما تكرع الشاة، ولا يأخذ قطرة، كالدجاج والعصافير، وهدر، أي: صوّت، فيدخل فيه قمري، وفواخت، وراشين، وقطا، ونحو ذلك: شاة، نصًّا 281، قضى به عمر، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، ونافع بن عبد الحارث 282 في حمام الحرم، وقيس [عليه] 283 حمام الإحرام.
روي عن ابن عباس أنه قضى به في حمام الإحرام 284. (و) يرجع (فيما لم تقض فيه) الصحابة (إلى قول عدليْن) لقوله تعالي: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 285 (خبيريْن) ليحصل المقصود بهما، فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به، من حيث الخلقة، لا القيمة، كقضاء الصحابة، ولا يشترط كونهما، أو أحدهما، فقيهًا، لظاهر الآية.
ويجوز كون القاتل أحدهما، أو هما، فيحكمان على أنفسهما بالمثل، لعموم الآية، ولقول عمر:

الجزء: 1 - الصفحة: 569

احكم يا أربد فيه 286. أي: الضب، الذي وطئه أربد.
قال ابن عقيل: إنما يحكم القاتل إذا قتله خطأ، أو لحاجة أكله، أو جاهلًا تحريمه.
انتهى.
(وما لا مِثْلَ له) من النعم، وهو باقي الطير (تجب قيمته مكانه) أيَ: الإتلاف، كإتلاف مال الآدمي، ولو كان أكبر من الحمام، كأوزٍّ، ونحوه.
وإن أتلف جزءًا من صيد، فاندمل، وهو ممتنع، وله مثل من النعم، ضمن الجزء المتلف بمثله من مثله لحمًا، وإلا يكن له مثل، فإنه يضمنه بنقصه من قيمته.
وعلى جماعة اشتركوا في قتل صيد: جزاء واحد.
روي عن عمر، وابنه، وابن عباس 287، سواء كفروا بالصيام، أو غيره، للآية.
ويجوز إخراج الجزاء بعد الجرح، وقبل الموت.
(وحرم مطلقًا) على المحرم، وغيره، قتل (صيد حرم مكة) إجماعًا 288، لخبر ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرّمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام، بحرمة اللَّه تعالى إلى يوم القيامة.
. ." الحديث، "وفيه: "ولا ينفر صيدها" 289. متفق عليه.
وصغير، وكافر، كغيرهما في الضمان.
ويحرم صيد بحري الحرم، ولا جزاء فيه، لعدم وروده، وإن أرسل حلال كلبه من الحل على صيد بالحل فقتله أو غيره بالحرم، أو فعل ذلك بسهمه، فشطح، فقتل صيدًا بالحرم، لم يضمن، لأنه لم يرم، ولم يرسل كلبه على صيد بالحرم، ولا يحل ما وجد سبب موته، بالحرم تغليبًا للحظر.

الجزء: 1 - الصفحة: 570

(و) حرم (قطع شجره) أي حرم مكة، الذي لم يزرعه آدمي، إجماعًا 290، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولا يعضد شجرها" 291 (و) حرم قطع (حشيشه) أي الحرم، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولا يحش حشيشها" 292، حتى الشوك، ولو ضر، لعموم "لا يختلى شوكها" 293، وحتى السواك، ونحوه، والورق، لدخوله في مسمى الشجر، إلا اليابس ممن شجر وحشيش، لأنه كميت، و (إلا الإذخر)، لقول العباس: يا رسول اللَّه، إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم.
قال: "إلا الإذخر" 294 وهو نبت طيب الرائحة، والقين الحداد، وإلا الكمأة، والفقع، لأنهما لا أصل لهما، وإلا الثمرة، لأنها تستخلف، وإلا ما زرعه آدمي من زرع، وبقل ورياحين، إجماعًا 295، نصًّا 296، حتى من الشجر، لأنه أنبته آدمي، كزرع، ولأنه مملوك الأصل، كالأنعام، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يقطع شجرها" المراد: لا يملكه أحد، لأن هذا يضاف إلى مالكه.
ويباح رعي حشيشه، لدعاء الحاجة إليه، أشبه قطع الإذخر، بخلاف الاحتشاش لها (وفيه) أي قطع الشجر والحشيش (الجزاء) فتضمن شجرة قطعت، أو كسرت، صغيرة، عرفًا بشاة، ويضمن ما فوقها، ببقرة، لقول

الجزء: 1 - الصفحة: 571

ابن عباس "في الدوحة 297 بقرة، وفي الجزلة شاة" 298 قال 299: والدوحة الشجرة العظيمة.
والجزلة: الصغيرة.
ويخير بين ذبحها، وتفرقتها، أو إطلاقها، لمساكين الحرم، وبين تقويمها بدراهم، ويفعل بقيمته كجزاء صيد، بأن يشتري طعامًا، يجزئ في فطرة، فيطعم كل مسكين مد بر، أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا.
ويُضمن حشيش، وورق بقيمته، نصًّا 300، لأنه متقوم، ويفعل بقيمته كما سبق.
ويُضمن غصن بما نقص، كأعضاء الحيوان.
ويُضْمن غصن في هواء الحل أصله بالحرم، أو بعض أصله بالحرم، لتبعيته لأصله.
وكره إخراج تراب الحرم، وحجارته إلى الحل، نصًّا 301، قال: لا يخرج من تراب الحرم، ولا يدخل من الحل، كذلك قال ابن عمر، وابن عباس 302. ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل، والإخراج أشد كراهة.
ولا يكره إخراج ماء زمزم، لما روى الترمذي -وقال: حسن غريب- عن عائشة: أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يحمله 303، ولأنه يستخلف، كالثمرة.
وقال أحمد: أخرجه كعبٌ 304. ولم يزد عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 572

ولا يكره وضع الحصى بالمساجد كما في مسجده -صلى اللَّه عليه وسلم- زمنه، وبعده، ويحرم إخراج تراب المساجد، وإخراج طيبها، في الحل والحرم، لتبرُّك وغيره، لأنه انتفاع بالموقوف في غير جهته.
قال أحمد: إذا أراد أن يستشفي بطيب الكعبة، لم يأخذ منه شيئًا، ويلزق عليها طيبًا من عنده، ثم يأخذه (1).

تتمة

: حد حرم مكة مات كل جهة عليه أنصاب، لم تزل معلومة، فلا حاجة لتسميتها.
ويستحب المجاورة بمكة.
وهي أفضل من المدينة لحديث عبد اللَّه بن عدي بن الحمراء، أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول، وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: "واللَّه إنك لخير أرض اللَّه وأحب أرض اللَّه إلى اللَّه، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت" 306. رواه أحمد، وغيره.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
قال ابن عقيل: الكعبة أفضل من مجرد الحجرة، فأما والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها فلا واللَّه.
ولا العرش، وحملته، والجنة، لأن بالحجرة جسدًا لو وزن به لرجح 307. وتضاعف الحسنة والسيئة، بمكان فاضل، وزمن فاضل، لقول ابن عباس 308. وسئل أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا،305

الجزء: 1 - الصفحة: 573

إلا بمكة، لتعظيم البلد، ولو أن رجلًا بعدن وَهَمَّ أن يقتل عند البيت، أذاقه اللَّه من العذاب الأليم 309. (و) حرم (صيد حرم المدينة) المشرفة، وتسمى طابة وطيبة 310؛ للخبر 311، والأولى ألا تسمى يثرب، وإن صاده وذبحه؛ صحت تذكيته، = البحرم.
وقيل: كمضاعفة الحسنات خارج الحرم.
قال ابن جماعة: وهذا حرجٌ منفيٌّ بما وضح من القرآن الكريم، قال تعالى -وهو أصدق القائلين- ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وتعظيم الحرم ممكن بغير حرج التضعيف، فلا جرم قلنا بتعظيم الجناية في الحرم حتى غُلِّظت الدية على القاتل فيه.
. إلى أن قال.
وأكثر أهل العلم على أن السيئة لا تضاعف بمكة.
اهـ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد قال: رأيت عبد اللَّه بن عمرو بعرفة، ومنزله في الحل، ومسجده في الحرم.
فقلت له: لم تفعل هذا؟ قال: لأن العمل فيه أفضل والخطيئة فيه أعظم.
"الدر المنثور" (6/ 29).

الجزء: 1 - الصفحة: 574

جزم به في "الإقناع" 312. (و) حرم (قطعُ شجره وحشيشه) لحديث: "إن إبراهيم حرّم مكة، ودعا لأهلها، وإني حرّمت المدينة، كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة" 313. متفق عليه (لغير حاجة علف وفتب ونحوهما) كالمساند، والحرث، مما تدعو إليه الحاجة، لحديث أحمد، عن جابر بن عبد اللَّه: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما حرم المدينة قالوا: يا رسول اللَّه، إنا أصحاب عمل، وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا، فرخِّص لنا.
فقال: "القائمتان، والوسادة، والعارضة، والمسدّ 314، وأما غير ذلك فلا يعضد" 315 رواه أحمد.
والقائمتان اللتان تنصب البكرة عليهما، والعارضة هي التي بين القائمتين، والمسدّ عود البَكَرة.

الجزء: 1 - الصفحة: 575

وعن علي مرفوعًا: "المدينة حرمها ما بين عير إلى ثور، لا يختلى خلالها، ولا ينفر صيدها، ولا يصلح أن تقطع منها شجرة، إلا أن يعلف الرجل بعيره" 316 رواه أبو داود.
ومن أدخلها صيدًا، فله إمساكه، وذبحه، نصًّا 317، لحديث: "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " 318 -بالغين المعجمة- هو طائر صغير، كان يلعب به، متفق عليه (ولا جزاء) فيما حرم من ذلك.
قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا أحدًا من أصحابه، حكموا فيه بجزاء 319. وحرمها: بريدٌ في بريد، نصًّا 320، وهو ما بين ثور، وهو: جبل صغير، يضرب لونه إلى الحمرة، بتدوير، وهو خلف أحد من جهة الشمال.
وعَير، وهو: جبل مشهور بالمدينة، لحديث علي المتقدم 321، وذلك ما بين لابتيها، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما بين لابتيها حرام" 322 متفق عليه، واللابة الحَرَّة، وهي: أرض تركبها حجارة سود.

الجزء: 1 - الصفحة: 576

باب آداب دخول مكة وما يتعلق به من طواف وسعي ونحوهما

يسن الاغتسال لدخولها، كما تقدم 323 و (يسن) دخولها (نهارًا) للخبر 324 (من أعلاهما) أي مكة من ثنية كَدَاء -بفتح الكاف والدال ممدود مهموز- والثنية طريق بين جبلين 325، وسن خروج من أسفلها، من ثنية كُدي -بضم الكاف والتنوين- 326 عند ذي طوى.
(و) يسن دخول (المسجد) الحرام (من باب بني شيبة) وبإزائه الآن الباب المعروف بباب السلام، لحديث جابر: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- دخل مكة ارتفاع الضحى، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة، ثم دخل" 327. رواه مسلم، وغيره.

الجزء: 1 - الصفحة: 577

ويقول ما ورد، كما في دخول غيره من المساجد 328 (فإذا رأى البيت رفع يديه) نصًّا 329، لحديث الشافعي، عن ابن جريح: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا رأى البيت رفع يديه (وقال) بعد رفعهما (ما ورد)، ومنه: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، حيِّنا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيمًا، وتشريفًا، وتكريمًا، ومهابة، وبرًا، وزد من عظمه، وشرفه، ممن حجه واعتمره، تعظيمًا، وتشريفًا، وتكريمًا، ومهابة، وبرًّا" 330. رواه الشافعي بإسناده، عن ابن جريج، مرفوعًا.
ويقول: الحمد للَّه رب العالمين كثيرًا، كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والحمد للَّه الذي بلغني بيته، ورآني أهلًا، والحمد للَّه على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام، وقد جئتك لذلك، اللهم تقبل مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت.
ذكره الأثرم، وإبراهيم الحربي 331. ويرفع بذلك صوته، لأنه ذكر مشروع، أشبه التلبية.
= رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما قدم في عهد قريش، فلما دخل مكة دخل من هذا الباب الأعظم.
قال البيهقي: روي عن ابن عمر مرفوعًا في دخوله من باب بني شيبة.
. . وإسناده غير محفوظ.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 578

(ثم طاف) حال كونه (مضطبعًا) استحبابًا، في كل أسبوعه، نصًّا 332، بأن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، لما روى أبو داود، وغيره، عن يعلى بن أمية، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- طاف مضطبعًا 333. وروي عن ابن عباس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى 334. وإذا فرغ من طوافه أزاله.
ويطوف (للعمرة المعتمر، و) يطوف (للقدوم) وهو الورد (غيره) أي غير المعتمر، وهو المفرد، والقارن، فتستحب البداءة بالطواف لداخل المسجد الحرام، وهو تحية الكعبة، وتحية المسجد الصلاة، وتجزئ عنها ركعتا الطواف، لحديث جابر: حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا 335. وعن عائشة: حين قدم مكة توضأ، ثم طاف بالبيت 336. متفق عليه.
وروي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم 337 (ويستلم الحجر الأسود) أي يمسحه بيده اليمنى، والاستلام من السلام، وهو التحية، وأهل اليمن = "هداية السالك" (2/ 730). ينظر: "الشرح الكبير" (9/ 78).

الجزء: 1 - الصفحة: 579

يسمون الحجر الأسود: المحيا، لأن الناس يحيونه بالاستلام.
وروى الترمذي مرفوعًا: "إنه نزل من الجنة أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم" 338. ويبتدئ الطواف منه، لفعله عليه السلام 339 (ويقبِّله) بلا صوت يظهر للقُبلة.
لحديث عمر: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استقبل الحجر، ووضع شفتيه عليه يبكي طويلًا، ثم التفت، فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال: "يا عمر هاهنا تسكب العبرات" 340. رواه ابن ماجه.
ويسجد عليه لفعل ابن عمر، وابن عباس 341. فإن شق استلامه، وتقبيله، لنحو زحام، لم يزاحم، واستلمه بيده، وقبَّلها، روي عن ابن عمر، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس، وأبي سعيد 342. لما روى ابن عباس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استلمه، وقبل يده 343. رواه مسلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 580

فإن شق استلامه بيده، استلمه بشيء، وقبَّله، روي عن ابن عباس موقوفًا 344. (فإن شق) عليه استلامه بشيء أيضًا (أشار إليه) بيده أو بشيء، لحديث البخاري عن ابن عباس قال: طاف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على بعير، فلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده، وكبر 345؛ ولا يقبله أي ما أشار به.
ويستقبل الحجر الأسود بوجهه (ويقول) كلما استلمه، أو أشار إليه (ما ورد) ومنه: بسم اللَّه، واللَّه أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، لحديث عبد اللَّه بن السائب، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقول ذلك عند استلامه 346. ثم يجعل البيت عن يساره، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- طاف كذلك، وقال: "خذوا عني مناسككم" 347 وليقرب جانبه الأيسر للبيت، فأول ركن يمر به يسمى

الجزء: 1 - الصفحة: 581

الشامي، وهو جهة الشام، ثم الغربي، وهو جهة المغرب، ثم اليماني، جهة اليمن.
(ويرمُل الأفقي) أي غير المحرم من مكة أو قربها، وغير الراكب، وغير حامل معذور، وغير النساء (في هذا الطواف) خاصة، فيسرع المشي، ويقارب الخطى، في ثلاثة أشواط، ثم يمشي أربعة أشواط بلا رمل، حديث عائشة 348. ورواه عنه أيضًا جابر، وابن عباس، وابن عمر.
بأحاديث متفق عليها 349. قال ابن عباس: ورمل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في عُمَرِه كلها، وفي حجه، وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده 350. رواه أحمد.
ويكون الرمل من الحجَر إلى الحجر، لحديث ابن عمر، وجابر 351. ولا يُقضى رَمَلٌ في الأربعة أشواط، لأنه هيئة فات موضعها، فسقط، كالجهر في الركعتين الأوليين من مغرب وعشاء، ومن لم يتمكن من الرمل، مع الدنو من البيت، للزحام، وأمكنه الرمل إن طاف في حاشية الناس، فالرمل له أولى من الدنو من البيت بلا رمل، وتأخير الطواف للرمل، أو للدنو من البيت، أولى من التقديم، ليأتي به على الوجه الأكمل.
وكلما حاذى الحجر، والركن اليماني، استلمهما ندبًا، لحديث ابن عمر: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يدع أن يستلم الركن اليماني، والحجر في طوافه.
قال نافع: كان ابن عمر يفعله 352. رواه أبو داود، لكن لا يقبل إلا

الجزء: 1 - الصفحة: 582

الحجر الأسود، فإن شق استلامهما أشار إليهما.
ولا يسن استلام الركن الشامي، ولا الغربي، لقول ابن عمر: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان لا يستلم إلا الحجر الأسود، والركن اليماني 353. ويقول كلما حاذى الحجر: اللَّه أكبر.
فقط، لحديث ابن عباس: طاف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على بعير، وكلما أتى الركن أشار بيده، وكبر 354. ويقول بين الركن اليماني وبين الحجر: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
لحديث أحمد، في "المناسك" عن عبد اللَّه بن السائب أنه سمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقوله 355. وعن أبي هريرة، مرفوعًا: "وُكِّل به -يعني الركن اليماني- سبعون ألف ملك، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، قالوا: آمين" 356. ويقول في بقية الأشواط: اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، رب اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم، وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم.
وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: رب قني شح نفسي 357. ويَذْكُرَ، ويدعو بما أحب، ويصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويقرأ = استلام هذين الركنين، اليماني والحجر، منذ رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يستلمهما لا في شدة ولا رخاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 583

القرآن، لحديث "الطواف بالبيت صلاة، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير" 358. ولا يجزئ الطواف عن حامل معذور، إلا أن ينوي وحده، أو ينويا جميعًا عنه، وحكم سعي راكبًا كطواف، فلا يجزئه إلا لعذر.
وإن طاف على سطح المسجد، توجه الإجزاء، كصلاته إليها، ويجزئ طواف في المسجد من وراء حائل، ولا يجزئ خارجه، أو منكسًا، أو على جدار الحجر -بكسر الحاء- فلا يجزئه، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 359 والحجر منه، لحديث عائشة مرفوعًا: "هو من البيت" 360. رواه مسلم.
وكذا لو طاف على شاذَروان الكعبة -بفتح الذال المعجمة- وهو ما فضل عن جدارها 361، فلا يجزئه لأنه من البيت، فإذا لم يطف به، لم يطف بكل البيت، وإن مس الجدار بيده في موازاة الشاذروان صح طوافه.
وإن طاف طوافًا ناقصًا، أو طاف بلا نية، فلا يجزئه، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 362. وكالصلاة، أو طاف محدثًا، أو نجسًا -أيضًا- فلا يجزئه، لحديث: "الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه" 363 ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لعائشة حين حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت" 364،

الجزء: 1 - الصفحة: 584

ويلزم الناس انتظار حائض فقط إن أمكن، ويسن فعل سائر المناسك على طهارة.
وإن طاف محرم فيما لا يحل لمحرم لبسه، صح طوافه، لعود النهي لخارج.
ويبتدئ الطواف لحدث فيه تعمَّده، أو سبقه، بعد أن يتطهر، كالصلاة، ويبتدئه لقطع طويل، عرفًا، لأن الموالاة شرط فيه، كالصلاة، ولأنه عليه السلام والى طوافه وقال: "خذوا عني مناسككم" 365، وإن كان قطعه يسيرًا، أو أقيمت صلاة، أو حضرت جنازة، وهو فيه، صلى، وبنى.
ويبتدئ الشوط من الحَجَر، فلا يعتد ببعض شوط قطعه، قاله أحمد 366. وكذا السعي، وعلم مما سبق أنه يشترط لطواف: عقل، ونية، وستر عورة، وطهارة من حدث، لغير طفل لا يميز، وطهارة من خبث، وإكمال السبع، وجعل البيت فيه عن يساره، وكونه ماشيًا مع قدرة، والموالاة بينه، وابتداؤه من الحجر الأسود بحيث يحاذيه، وكونه في المسجد وخارج البيت جميعه.
(فإذا فرغ) من طوافه (صلى ركعتين) نافلة، والأفضل كونهما (خلف المقام) أي مقام إبراهيم، لحديث جابر في صفة حجه -صلى اللَّه عليه وسلم- وفيه: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ 367، فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين.
الحديث، رواه مسلم 368. ولا يشرع تقبيله، ولا مسحه، كصخرة بيت المقدس، ويقرأ فيها بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وسورة الإخلاص، بعد الفاتحة للخبر 369.

الجزء: 1 - الصفحة: 585

وتجزئ مكتوبة عنها (ثم يستلم الحجر) ويسن عوده إلى الحجر (الأسود) بعد الصلاة، فيستلمه، نصًّا 370، لفعله عليه السلام، ذكره جابر في صفة حجه -صلى اللَّه عليه وسلم- 371. ويسن الإكثار من الطواف ليلًا ونهارًا، وهو للغريب أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام، وله جمع أسابيع، بركعتين لكل أسبوع، وفعلته عائشة، والمسور بن مخرمة 372، ولا تعتبر الموالاة بين الطواف والركعتين، لأن عمر صلاهما بذي طوى 373، وأخرت أم سلمة الركعتين حين طافت راكبة، بأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 374، والأولى أن يركع لكل أسبوع ركعتين عقبه.
ولطائف تأخير سعيه عن طوافه، بطواف، وغيره، فلا تجب الموالاة بينهما، ولا بأس أن يطوف أول النهار، ويسعى آخره (ويخرج إلى الصفا من بابه فيرقاه) أي الصفا (حتى يرى البيت فـ) يستقبله و (يكبِّر ثلاثًا، ويقول ما ورد)، فيقول ثلاثًا: "الحمد للَّه على ما هدانا، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، لحديث جابر في صفة حجه -صلى اللَّه عليه وسلم-: ثم

الجزء: 1 - الصفحة: 586

خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا، قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ 375 فبدأ بما بدأ اللَّه به، فبدأ بالصفا، رقى عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحَّد اللَّه، وكبَّر 376، وقال: وذكر ما تقدم، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات، لكن ليس فيه: "يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير" 377 ويدعو بما أحب، لحديث أبي هريرة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد اللَّه ويدعو بما شاء أن يدعو 378. رواه مسلم.
ولا يلبي، لعدم نقله (ثم ينزل) من الصفا (ماشيًا إلى العلم الأول) وهو الميل الأخضر في ركن المسجد، فإذا صار بينه وبينه نحو ستة أذرع (فيسعى) ماش سعيًا (شديدًا إلى) العلم (الآخر) ميل أخضر بفناء المسجد، حذاء دار العباس (ثم يمشي ويرقى المروة) مكان معروف (ويقول) مستقبلًا القبلة (ما قاله على الصفا) من تكبير، وتهليل، ودعاء.
ويجب استيعاب ما بينهما، فيلصق عقبه بأصلهما في ابتدائه بكل منهما، ويلصق -أيضًا- أصابعه بما يصل إليه من كل منهما، والراكب يفعل ذلك بدابته، فمن ترك شيئًا مما بينهما، ولو دون ذراع، لم يجزه سعيه.
(ثم ينزل) من المروة (فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، إلى الصفا، يفعله سبعًا، ويحسب ذهابه) سعية (ورجوعه) سعية، يفتتح بالصفا، ويختم بالمروة، للخبر 379، فإن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 587

الشوط، ويكثر من الدعاء، والذكر فيما بين ذلك.
قال الإمام: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم 380. وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما جُعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة؛ لإقامة ذكر اللَّه عز وجل" 381. قال الترمذي: حسن صحيح.
ويشترط للسعي نية، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات" 382، ويشترط له موالاة، قياسًا على الطواف.
ويشترط كونه بعد طواف نسك، ولو مسنونًا، كطواف القدوم، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- سعى بعد طواف، وقال: "خذوا عني مناسككم" 383. فلو سعى بعد طوافه، ثم علمه بلا طهارة، أعاد، ولا يسن السعي بعد كل طواف، ويسن موالاة بين الطواف والسعي، بأن لا يفرق بينهما طويلًا، وتسن له طهارة من حدث وخبث، وسترة، ولا يسن فيه اضطباع، نصًّا 384، والمرأة لا ترقى الصفا ولا المروة، ولا تسعى سعيًا شديدًا، لأنها عورة.
وتسن مبادرة معتمر بالطواف والسعي، لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(ويتحلل متمتع لا هدي معه بتقصير شعره) لأن عمرته تمت بالطواف

الجزء: 1 - الصفحة: 588

والسعي والتقصير، ليحلق رأسه للحج (ومن معه هدي) تحلل (إذا حج) لحديث ابن عمر: تمتع الناس مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مكة، قال: "من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء أحرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليُحلل" 385 متفق عليه.
ومن معه هدي أدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا، والمعتمر غير المتمتع، يحل سواء كان معه هدي، أو لا، في أشهر الحج، أو غيرها.
وإن ترك الحلق أو التقصير في عمرته، ووطئ قبله، فعليه دم، وعمرته صحيحة.
روي أن ابن عباس سئل عن امرأة معتمرة وقع بها زوجها قبل أن تقصِّر.
قال: من ترك من مناسكه شيئًا، أو نسيه، فليرق دمًا، قيل: فإنها موسرة، قال فلتنحر ناقة 386. (والمتمتع يقطع التلبية إذا أخذ في الطواف) وكذا المعتمر، لحديث ابن عباس مرفوعًا: كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر 387. قال الترمذي: حسن صحيح.
ولا بأس بها سًّرا في طواف القدوم، نصًّا 388، قال الموفق: ويكره الجهر بها، لئلا يخلط على الطائفين 389. وكذا السعي بعده.

الجزء: 1 - الصفحة: 589

فصل في صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك

(يسن لمُحِلٍّ بمكة) وبقربها، ولمتمتع حل من عمرته (الإحرام بالحج يوم التروية) وهو ثامن من ذي الحجة، لحديث جابر في صفة حج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وفيه: فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج 390، وسمي الثامن بذلك لأنهم كانوا يتروون فيه الماء، لما بعده، أو لأن إبراهيم أصبح يتروى فيه في أمر الرؤيا.
إلا من متمتع لم يجد هديًا، وأراد الصيام، فيستحب له أن يحرم في السابع، ليصوم ثلاثة أيام في إحرام الحج.
ويسن لمن أحرم من مكة، أو من قربها، أن يكون إحرامه بعد فعل ما يفعله في إحرامه من الميقات، من الغسل، والتنظيف، ونحو ذلك، وبعد طواف، وصلاة ركعتين، ولا يطوف بعده لوداعه، لعدم دخول وقته، والأفضل أن يحرم من المسجد من تحت الميزاب، ويجوز إحرامه من خارج الحرم، ولا دم عليه، نصًّا 391. (و) يسن (المبيت بمنى) فيخرج إليها قبل الزوال، ندبًا، ويصلي بها الظهر مع الإمام، ويقيم بها إلى الفجر من يوم عرفة، ويصلي مع الإمام، لحديث جابر: وركب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس 392 (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة)، فأقام بنمرة 393 إلى الزوال، فيخطب بها

الجزء: 1 - الصفحة: 590

الإمام أو نائبه خطبة قصيرة، مفتتخة بالتكبير، يعلمهم فيها الوقوف، ووقته، والدفع منه، والمبيت بمزدلفة، لحديث جابر: حتى إذا جاء عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس، أمر بالقصواء فَرُحِلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس 394. (وكلها) أي عرفة (موقف إلا بطن عُرَنَة) 395، لحديث: "كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة" 396 رواه ابن ماجه.
فلا يجزئ وقوفه فيه، لأنه ليس من عرفة كمزدلفة، وحَدُّ عرفة.
من الجبل المشرف على عُرَنَة، إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي حوائط بني عامر.
ويسن وقوفه بعرفة راكبًا، كفعله -صلى اللَّه عليه وسلم-، بخلاف سائر المناسك (ويجمع فيها) أي في عرفة من يباح له الجمع (بين الظهر والعصر تقديمًا) حتى المنفرد، نصًّا 397. وسن وقوفه -أيضًا- مستقبلًا القبلة، عند الصخرات، وجبل الرحمة واسمه إلال -على وزن هلال- ويقال له: جبل الدعاء 398، لقول جابر عنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة 399 ما بين يديه واستقبل القبلة 400.

الجزء: 1 - الصفحة: 591

ولا يُشرع صعود جبل الرحمة.
قال شيخ الإسلام إجماعًا 401. فيرفع يديه، ويكثر الدعاء، والاستغفار، والتفرع، ويلح في الدعاء، ولا يستبطئ الاستجابة، ويكرر كل دعاء ثلاثًا، ويكثر من قول: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسِّر لي أمري.
لحديث: "أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له" 402. رواه مالك في "الموطأ".
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: كان أكثر دعاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم عرفة: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير 403. رواه الترمذي.
(ووقت الوقوف) بعرفة (من فجر) يوم (عرفة إلى فجر) يوم (النحر) لقول جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع.
قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك؟ قال: نعم 404. فمن حصل في هذا الوقت بعرفة لحظة وهو أهل للحج، ولو مارًّا، أو نائمًا، أو جاهلًا أنها

الجزء: 1 - الصفحة: 592

عرفة، صح حجه، للخبر 405، وكما لو علم بها، وعكسه إحرام وطواف وسعي، فلا يصير من حصل بالميقات محرمًا بلا نية، لأن الإحرام هو النية، كما سبق، وكذا الطواف والسعي، لا يصحان بلا نية، وتقدم.
ومن وقف بها نهارًا، ودفع قبل الغروب، ولم يعد بعده، فعليه دم، لتركه واجبًا، بخلاف واقف ليلًا فقط، فلا دم عليه، لحديث: "من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج" 406. (ثم يدفع) من عرفة (بعد الغروب) مع الأمير على طريق المأزمين 407،

الجزء: 1 - الصفحة: 593

لأنه عليه السلام سلكه (إلى مزدلفة) 408 وتسمى جمعًا لاجتماع الناس فيها، وهي ما بين المأزمين -بالهمزة وكسر الزاي- وهما جبلان بين عرفة ومزدلفة ووادي محسِّر -بالحاء المهملة والسين المهملة المشددة- واد بين مزدلفة ومنى، سمي بذلك لأنه يحسر سالكه 409 (بسكينة) لقول جابر: ودفع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقد شنق القصواء بالزمام، حتى أن [رأسها] 410 ليصيب مورك رحله 411، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة" 412. ويستغفر لأنه لائق بالحال، يسرع في الفرجة، لحديث أسامة: كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يسير العَنق، فإذا وجد فرجة نصَّ 413. أي: أسرع، لأن العنق انبساط السير.
والنص فوق العنق 414. (ويجمع فيها) أي: في مزدلفة إذا وصلها (بين العشائين) أي المغرب والعشاء (تأخيرًا) قبل حط رحله، لحديث أسامة بن زيد قال: دفع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من عرفة، حتى إذا كان بالشعب، نزل، فبال، ثم توضأ، فقلت له: الصلاة يا رسول اللَّه.
فقال: "الصلاة أمامك".
فركب، فلما جاء مزدلفة، نزل، فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ

الجزء: 1 - الصفحة: 594

كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى العشاء، ولم يصل بينهما 415. متفق عليه.
وإن صلى المغرب بالطريق، ترك السنة، للخبر 416، وأجزأه، لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما، جاز التفريق بينهما، كالظهر والعصر بعرفة، وفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- محمول على الأفضل، ومن فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة أو بمزدلفة، جمَعَ وحده، لفعل ابن عمر 417. (ويبيت بها) -أي بمزدلفة- وجوبًا، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- بات بها 418، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" وله الدفع من مزدلفة قبل الإمام بعد نصف الليل، لحديث ابن عباس: كنت في من قَدَّم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ضعفة أهله، من مزدلفة إلى منى 419. متفق عليه.
وعن عائشة، قالت: أرسل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة، قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت 420. رواه أبو داود.
ومن دفع من مزدلفة إلى منى قبل نصف الليل غير سقاة زمزم ورعاة، فعليه دم، علم الحكم أو جهله، نسيه أو ذكره، لأنه ترك واجبًا، والنسيان إنما يؤثر في جعل الموجود كالمعدوم، لا في جعل المعدوم كالموجود، وأما السقاة والرعاة فلا دم عليهم، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- رخص للرعاة في ترك البيتوتة، في

الجزء: 1 - الصفحة: 595

حديث عدي 421 422، ورخص للعباس في ترك البيتوتة، لأجل سقايته 423، وللمشقة عليهم بالمبيت.
فإن عاد إليها قبل الفجر، مَنْ دفع منها قبل نصف الليل، فلا دم عليه، كمن لم يأتها إلا في نصف الليل الثاني، ومن أصبح بها، صلى الصبح بغلس، لحديث جابر يرفعه: صلى الصبح بها حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة 424. وليتسع وقت وقوفه بالمشعر الحرام.
(فإذا صلى الصبح، أتى المشعر الحرام) سمي به، لأنه من علامات الحج، واسمه في الأصل قُزَح، وهو جبل صغير بمزدلفة 425 (فرقاه) إن سهل أ (ووقف عنده، وحمد اللَّه) تعالى (وكبَّر) وهلل، (وقرأ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ.
. .﴾ الآيتين) إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)﴾ 426، (ويدعو) فيقول: اللهم كما أوقفتنا فيه، وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك، كما هديتنا، واغفر لنا، وارحمنا، كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد.
يكرره (حتى يسفر) لحديث

الجزء: 1 - الصفحة: 596

جابر مرفوعًا: لم يزل واقفًا عند المشعر الحرام حتى أسفر جدًا 427. (ثم يدفع إلى منى) قبل طلوع الشمس، قال عمر: كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، وأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خالفهم "فأفاض قبل أن تطلع الشمس" 428 رواه البخاري.
ويسير بسكينة، لحديث ابن عباس: "إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة" 429. (فإذا بلغ محسِّرًا أسرع رمية حجر) إن كان ماشيًا، وإلا حرّك دابته، لقول جابر: حتى إذا أتى بطن محسر فحرك قليلًا 430، وعن ابن عمر أنه لما أتى محسرًا أسرع، وقال: إليك تعدو قلِقًا وضينها ... مخالفًا دين النصارى دينها معترضًا في بطنها جنينها 431.

الجزء: 1 - الصفحة: 597

(وأخذ حصى الجمار سبعين) حصاة، كان ابن عمر يأخذه من جمع 432، وفعله سعيد بن جبير، وقال: كانوا يتزودون الحصى من جمع.
وذلك لئلا يشتغل عند قدومه منى بشيء قبل الرمي، وهو تحيتها.
وتكون الحصاة (أكبر من الحمص ودون البندق) كحصى الخذف -بالخاء والذال المعجمتين- أي الرمي بنحو حصاة، أو نواة بين السبابتين، تخذف بها 433. ومن حيث شاء أخذ حصى الجمار، لحديث ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- غداة العقبة: "القُط لي حصًى".
فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل يقبضهن في كفه ويقول: "أمثال هؤلاء فارموا".
ثم قال: "أيها الناس، إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" 434 رواه ابن ماجه.
وكان ذلك بمنى.
قال في "الشرح" 435: وكره أخذ الحصى من الحرم -يعني المسجد- لما تقدم من جواز أخذه من جمع ومنى وهما من الحرم.
وكره تكسيره.
ولا يسن غسله.
قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فعله 436. = مخالف دين النصارى دينها وهي كذلك في "لسان العرب".
والمرفوع عن ابن عمر، أخرجه الطبراني في "الكبير" (12/ 308، 309) قال الطبراني عقبه: وهم عندي أبو الربيع السمان في رفع هذا الحديث، لأن المشهور في الرواية عن ابن عمر من عرفات، وهو يقول، ثم ذكر الرجز.
اهـ وقال الهيثمي في "المجمع" (3/ 256): وفيه عاصم بن عبيد اللَّه، ضعيف.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 598

وتجزئ مع الكراهة حصاة نجسة، وتجزئ حصاة غير معهودة، كحصاة مرمر، وبرام 437، ونحوهما، ولا تجزئ حصاة صغير جدًّا، أو كبيرة، لظاهر الخبر 438، ولا ما رمي بها، لأخذه -صلى اللَّه عليه وسلم- الحصى من غير المرمى، ولأنها استعملت في عبادة، فلا تستعمل فيها ثانيًا، كماء وضوء.
ولا يجزئ بغير الحصى، كجوهر، وذهب، ونحوهما.
فإذا وصل منى، وهو ما بين وادي محسر وجمرة العقبة، بدأ بالرمي (فيرمي جرة العقبة وحدها بسبع) حصيات، واحدة بعد أخرى، فلو رمى أكثر من حصاة دفعة فلا يحسب إلا واحدة، لأنه عليه السلام رمى سبع رميات، وقال: "خذوا عني مناسككم" 439 ويؤدب، لئلا يقتدى به.
ويشترط علم الوصول بالمرمى، فلا يكفي ظنه، لأن الأصل بقاؤه بذمته، فلا يبرأ إلا بيقين، فلو رمى حصاة، فطارت بها الريح، أو نحو ذلك، قبل وقوعها بالمرمى لم يجزئه، وإن وقعت خارج المرمى، ثم تدحرجت فيه، أجزأ.
ووقت الرمي من نصف ليلة النحر لمن وقف قبله، لحديث عائشة ترفعه: أمر أم سلمة ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت 440. رواه أبو داود.
وروي: أنه أمرها [أن] 441 تعجل الإفاضة، وتوافي مكة مع صلاة الفجر 442، احتج به أحمد.
ولأنه وقت للدفع من مزدلفة، أشبه ما بعد الشمس، وندب بعد الشروق، لقول جابر: رأيت

الجزء: 1 - الصفحة: 599

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده 443. رواه مسلم.
وحديث أحمد، عن ابن عباس مرفوعًا: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" 444 محمول على وقت الفضيلة، فإن غربت شمس يوم النحر، ولم يرم جمرة العقبة، رماها من غده بعد الزوال، لقول ابن عمر: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس، فلا يرمي حتى تزول الشمس من الغد 445. و(يرفع يمناه) عند الرمي (حتى يُرى بياض إبطه) لأنس معونة على الرمي.
(و) يسن أن (يكبر مع كل حصاة) لحديث جابر 446، وأن يقول مع كل حصاة: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، لما روى حنبل، عن زيد بن أسلم قال: رأيت سالم بن عبد اللَّه استبطن الوادي، ورمى الجمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر.
ثم قال: اللهم اجعله.
. إلخ فسألته عما صنع؟ فقال حدثني أبي، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رمى الجمرة من هذا المكان، ويقول كلما رمى مثل ذلك 447. وندب أن يستبطن الوادي، وأن يستقبل القبلة، وأن يرمي على جانبه

الجزء: 1 - الصفحة: 600

الأيمن، لحديث عبد اللَّه بن يزيد: لما أتى عبد اللَّه جمرة العقبة، استبطن الوادي، واستقبل القبلة، وجعل يرمي الجوة على جانبه الأيمن، ثم رمى سبع حصيات، ثم قال: والذي لا إله غيره من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة 448. قال الترمذي: حديث صحيح.
ولا يقف عندها، لحديث ابن عمر، وابن عباس، مرفوعًا: كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف 449. رواه ابن ماجه.
وللبخاري 450 من حديث ابن عمرو، لضيق المكان.
وله رميها من فوقها، لفعل عمر لما رأى من الزحام عندها 451. ويقطع التلبية بأول الرمي، لحديث الفضل بن عباس مرفوعًا: لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة 452. متفق عليه.
(ثم ينحر) هديًا إن كان معه، واجبًا كان، أو تطوعًا، لقول جابر: ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًّا، فنحر ما بقي، وأشركه في هديه 453. فإن لم يكن معه هدي، وعليه واجب، اشتراه، وإذا نحره، فرقه لمساكين الحرم، أو أطلقه لهم.
(ويحلق أو يقصِّر) لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ 454.

الجزء: 1 - الصفحة: 601

وسن استقبال محلوق رأسه القبلة، كسائر المناسك، وبدأة بشقه الأيمن، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يحب التيامن في شأنه كله 455، وأن يبلغ بالحلق العظم الذي عند مقطع الصُّدغ من الوجه، لأن ابن عمر كان يقول للحالق: ابلغ العظمين، افصل الرأس من اللحية 456، وكان عطاء يقول: من السنة إذا حلق أن يبلغ العظمين 457. قال جماعة: ويدعو 458. قال الموفق وغيره: ويكبر وقت الحلق، لأنه نسك 459، وإن قصَّر، قصَّر (من جميع شعره) لا من كل شعرة بعينها، لأنه مشقة، ولا يكاد يعلم إلا بحلقه.
ولا يجزئ حلق بعض الرأس، أو تقصيره، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حلق جميع رأسه، فكان تفسيرًا لمطلق الحلق، أو التقصير، فوجب الرجوع إليه، ومن لبَّد رأسه، أو ظفره، أو عقصه 460، فكغيره.
(والمرأةُ) تقصر من شعرها كذلك (قدر أنملة) فأقل، لحديث ابن عباس مرفوعًا: "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير" 461. رواه أبو داود، ولأن الحلق مُثْلة في حقهن.
فتقصر من كل شعرها قدر أنملة.
ونقل أبو داود: تجمع شعرها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من أطرافه قدر أنملة 462.

الجزء: 1 - الصفحة: 602

وسن لمن حلق أو قصر أخذ ظفر وشارب ونحوه.
قال ابن المنذر: ثبت أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما حلق رأسه، قلم أظفاره 463. وكان ابن عمر يأخذ من شاربه، وأظفاره 464. وسن أن لا يشارط الحلاق على أجرة، لأنه دناءة.
وسن إمرار الموسى على من عدم الشعر.
وإن نتف الشعر، أو أزاله بنورة، أجزأ، لكن السنة الحلق أو التقصير.
(ثم) بعد رمي وحلق أو تقصير (قد حل له كل شئ) قد حرم بالإحرام (إلا النساء) وطئًا ومباشرة، وقُبلة ولمسًا لشهوة، وعقد نكاح، لحديث عائشة مرفوعًا: "إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم الطيب، والثياب، وكل شيء إلا النساء" 465. رواه سعيد.
وقالت عائشة: طيبت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لإحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت 466. متفق عليه.
والحلق والتقصير نسك، في تركهما دم، لأنه تعالى وصفهم بذلك، وامتن به عليهم، فدل على أنه من العبادة، ولأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: "فليقصر، ثم ليحلل" 467، ولو لم يكن نسكًا لم يتوقف الحل عليه، ولا دم عليه إن أخرهما

الجزء: 1 - الصفحة: 603

عن أيام منى، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 468، فبين أول وقته دون آخره، فمتى أتى به أجزأه، كالطواف، لكن لابد من نيته نسكًا.
وكذا إن قدَّم الحلق على الرمي، أو قدَّم الحلق على النحر، أو نحر قبل رميه، أو طاف للإفاضة قبل رميه جمرة العقبة، فلا شيء عليه، لحديث عطاء: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له رجل: أفضت قبل أن أرمي.
قال: "ارم ولا حرج" 469. وعنه مرفوعًا: "من قدم شيئًا قبل شيء فلا حرج".
رواه سعيد 470. ولحديث ابن عمرو، قال رجل: يا رسول اللَّه، حلقت قبل أن أذبح.
قال: "اذبح ولا حرج"، فقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي.
قال: "ارم ولا حرج" 471. متفق عليه، وفي لفظ، قال: فجاء رجل فقال: يا رسول اللَّه، لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح.
وذكر الحديث، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء، أو يجهل، من تقديم بعض الأمور على بعضها، وأشباهها، إلا قال: "افعلوا ولا حرج" 472 رواه مسلم.
ويحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: رمي، وحلق، وطواف إفاضة.
فلو حلق وطاف، ثم وطئ ولم يرم، فعليه دم لوطئه، ودم لتركه الرمي، وحجه صحيح.
ويحصل التحلل الثاني بما بقي من الثلاثة، مع السعي من متمتع مطلقًا، ومفرد وقارن لم يسعيا مع طواف قدوم، لأنه ركن.

الجزء: 1 - الصفحة: 604

ثم يخطب الإمام أو نائبه بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير، يعلمهم فيها النحر، والإفاضة، والرمي للجمرات كلها أيامه، لحديث ابن عباس مرفوعًا: خطب الناس يوم النحر 473. -يعني بمنى- أخرجه البخاري.
وقال أبو أمامة: سمعت خطبة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمنى يوم النحر 474. رواه أبو داود.
(ثم يُفيض إلى مكة فيطوف) مفرد وقارن لم يدخلا مكة قبل وقوفهما بعرفة طوافًا للقدوم، نصًّا 475، برمل واضطباع، ثم للزيارة، وأما المتمتع الذي دخلها قبل فيطوف (طواف الزيارة) وهي الإفاضة، لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، ولما كان يزور البيت ولا يقيم بمكة بل رجع إلى منى سمي -أيضًا- طواف الزيارة (الذي هو ركن) لا يتم حج إلا به إجماعًا 476 لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)﴾ 477، ولحديث عائشة في حيض صفية 478. متفق عليه.
وأول وقته من نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبل، وإلا فبعد الوقوف، وفعله يوم النحر أفضل، لحديث ابن عمر: أفاض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم النحر 479. متفق عليه، وإن أخره عن أيام منى جاز، لأنه لا آخر لوقته،

الجزء: 1 - الصفحة: 605

ولا شيء في تأخيره، كالسعي.
(ثم يسعى) متمتع لحجه، لأن سعيه الأول كان لعمرته، وأما المفرد والقارن فيسعى أيضًا (إن لم يكن سعى) قبل، ومن سعى منهما، لم يعده، لأنه لا يستحب التطوع به، كسائر الأنساك، إلا الطواف، لأنه صلاة (وقد حل له كل شيء) حتى النساء.
(وسن أن يشرب من ماء زمزم، لما أحب، ويتضلع منه) ويرش على بدنه، وثوبه، لحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنت جالسًا عند ابن عباس، فجاء رجل، فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم.
قال.
فشربت منها كما ينبغي؟ قال: كيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر اسم اللَّه، وتنفس ثلاثًا، وتضلع منها.
فإذا فرغت، فاحمد اللَّه تعالى، فإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم" 480. رواه ابن ماجه.
(ويدعو بما ورد) فيقول: بسم اللَّه، اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا وريًّا وشبعًا، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك.
زاد بعضهم: وحكمتك 481؛ لحديث جابر: "ماء زمزم لما شرب له" 482. رواه ابن ماجه.
(ثم يرجع) من أفاض يوم النحر إلى مكة بعد طوافه وسعيه على ما سبق (فيبيت بمنى ثلاث ليال) إن لم يتعجل، وإلا فليلتين، وجوبًا (ويرمي = (2/ 950).

الجزء: 1 - الصفحة: 606

الجمار) الثلاث (في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال) فإن رمى ليلًا، أو قبل الزوال، لم يجزئه، لحديث جابر: رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس 483. (و) سن رميه (قبل الصلاة) أي صلاة الظهر يرمي كل واحدة بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، كما تقدم، لحديث ابن عباس مرفوعًا: كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر 484. رواه ابن ماجه.
وأن يحافظ على الصلوات مع الإمام في مسجد الخيف، وإلا فيصلي مع رفقته، ويبتدئ برمي الجمرة الأولى، وهي أبعدهن مما يلي مكة، وتلي مسجد الخيف، فيجعلها عن يساره، ويرميها بسبع، ثم يتقدم قليلًا، بحيث لا يصيبه الحصى، فيقف يدعو، ويطيل، رافعًا يديه، نصًّا 485. ثم يأتي الجمرة الوسطى، فيجعلها عن يمينه، ويرميها بسبع، ويقف عندها فيدعو، رافعًا يديه، ويطيل.
ثم يأتي جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ويرميها بسبع، ولا يقف عندها، لضيق المكان.
ويستقبل القبلة في رمي الجمرات كلها، لخبر عائشة مرفوعًا: فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، والثانية، ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها 486. رواه أبو داود.
وقال ابن المنذر: كان عمر، وابن مسعود يقولان عند الرمي: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا

الجزء: 1 - الصفحة: 607

مغفورًا 487. وترتيب الجمرات كما ذكر شرط، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- رماها كذلك، وقال: "خذوا عني مناسككم" فإن أخل بحصاة من الأولى، لم يصح رمي الثانية، ولا الثالثة، وإن أخل بحصاة من الثانية، لم يصح رمي الثالثة، لإخلاله بالترتيب.
وإن أخر رمي يوم، ولو يوم النحر، إلى غده، أو أكثر، أجزأه، أو أخر رمي الكل، إلى آخر أيام التشريق، ورماها بعد الزوال، أجزأه أداءً، لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، ويجب ترتيبه بالنية، كفوائت الصلوات، فإذا أخر الكل مثلًا، بدأ بجمرة العقبة، فينوي رميها ليوم النحر، ثم يأتي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ناويًا عن أول يوم من أيام التشريق، ثم عن اليوم الثاني، والثالث كذلك.
وفي تأخير الرمي عن أيام التشريق: دم، لفوات وقت الرمي، فيستقر الفداء، لقول ابن عباس: من ترك نسكًا، أو نسيه، فإنه يهريق دمًا 488، كترك مبيت ليلة غير الثالثة، لمن تعجل بمنى.
وفي ترك حصاة واحدة، ما في إزالة شعرةٍ، وفي ترك حصاتين، ما في إزالة شعرتين، وهذا إنما يتصور في آخر جرة من آخر يوم، وإلا لم يصح رمي ما بعدها، كما تقدم، وفي أكثر من حصاتين: دم.
ومن له عذر من نحو مرض, وحبس، جاز أن يستنيب من يرمي عنه، والأولى أن يشهده إن قدر، وإن أغمي على المستنيب، لم تبطل النيابة، فله الرمي عنه، كما لو استنابه في الحج، ثم أغمي عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 608

ولا مبيت بمنى على سقاة ورعاة، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أذن للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى، لأجل سقايته 489. ولحديث مالك: رخص رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لرعاة الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، يرمونه في أحدهما 490. قال مالك: ظننت أنه قال في أول يوم، فإن غربت الشمس وهم بها، لزم الرعاة فقط المبيت.
ويخطب الإمام أو نائبه ثاني أيام التشريق خطبة، يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير، وحكم توديعهم.
لحديث أبي داود، عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته 491. (ومن تعجل في يومين إن لم يخرج قبل الغروب لزمه المبيت والرمي من الغد) بعد الزوال، قال ابن المنذرة ثبت أن عمر قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلى الغد، حتى ينفر مع الناس 492، ولأنه بعد إدراكه الليل لم يتعجل في يومين، وأما من تعجل قبل الغروب، فيسقط عنه المبيت الليلة الثالثة، وكذا رمى اليوم الثالث، نصًّا 493، ويدفن متعجل بقية حصاه 494، زاد بعضهم 495: في المرمى.

الجزء: 1 - الصفحة: 609

فإذا أتى متعجل أو غيره مكة، لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف.
(وطواف الوداع واجب) إذا فرغ من جميع أموره، لحديث ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض 496. متفق عليه، ويسمى طواف الصدر، لأنه عند صدور الناس من مكة (يفعله) أي طواف الوداع (ثم يقف في الملتزم) وهو أربعة أذرع، بين الركن الذي به الحجر والباب (داعيًا بما ورد).
فيلصق به جميع بدنه: وجهه، وصدره، وذراعيه، وكفيه مبسوطتين.
لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: طفت مع عبد اللَّه، فلما جاء دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: أعوذ باللَّه من النار.
ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره، وذراعيه، وكفيه، وبسطهما بسطًا، وقال: هكذا رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يفعل 497. رواه أبو داود.
ويقول وهو على هذه الحالة: اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فَمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي، إن أذنت لي، غير مستبدل بك، ولا ببيتك ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك، ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير.
ويدعو بعد ذلك بما أحب، ويصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 498.

الجزء: 1 - الصفحة: 610

ويأتي الحطيم -أيضًا- وهو تحت الميزاب 499 فيدعو ثم يشرب من ماء زمزم، قاله 500 الشيخ 501. ويستلم الحجر الأسود، ويقبله، ثم يخرج.
قال أحمد: فإذا ولىّ لا يقف ولا يلتفت، فإن التفت رجع فودع أي استحبابًا 502. ولا يستحب له المشي قهقرى بعد وداعه.
قال الشيخ تقي الدين: هو بدعة مكروهة 503. فإن ودَّع، ثم اشتغل بغير شد رحل، أو اتَّجر، أو أقام، أعاد الوداع وجوبًا، لأن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه، ليكون آخر عهده بالبيت، ولا يعيد إن اشترى حاجة في طريقه، أو اشترى زادًا، أو شيئًا لنفسه، أو صلى، لأن ذلك لا يمنع أن آخر عهده بالبيت الطواف.
(وتدعو الحائض والنفساء على باب المسجد) ندبًا.
وسن دخول البيت بلا خُف، وبلا نعل، وبلا سلاح، نصًّا 504، فيكبر في نواحيه، ويصلي فيه ركعتين، ويدعو، والنظر إلى البيت عبادة نصًّا 505، قال ابن عمر: دخل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبلال، وأسامة بن زيد.
فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم.
قلت: أين؟ قال: بين العمودين، تلقاء وجهه، قال: ونسيت أن أسأله: كم صلى 506؟ متفق عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 611

وإن لم يدخل البيت، فلا بأس، لحديث عائشة مرفوعًا: خرج من عندها وهو مسرور، ثم رجع، وهو كئيب.
فقال: إني دخلت الكعبة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي 507. (وسن زيارة قبر 508 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقبري صاحبيه) رضي اللَّه عنهما، لحديث الدارقطني عن ابن عمر مرفوعًا: "من حج فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي" 509، وفي رواية: "من زار قبري، وجبت له شفاعتي" 510، وعن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد اللَّه علي روحي حتى أرد عليه السلام" 511. وإذا دخل مسجده -صلى اللَّه عليه وسلم- قال ما ورد لدخول غيره من المساجد،

الجزء: 1 - الصفحة: 612

وتقدم 512، وصلى تحية المسجد، والأولى في الروضة، ثم يستقبل وسط القبر الشريف فيسلم عليه -صلى اللَّه عليه وسلم-، مستقبلًا له، موليًا ظهره القبلة، فيقول: السلام عليك يا رسول اللَّه.
كان ابن عمر لا يزيد على ذلك 513، وإن زاد فحسن.
قال في شرح "الإقناع" 514: قال في "الشرح" 515 و"شرح المنتهى" 516 أي لمصنفه، ويقول: السلام عليك يا أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، السلام عليك يا نبي اللَّه وخيرته من خلقه وعباده.
أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أشهد أنك بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت اللَّه حتى أتاك اليقين، صلى اللَّه عليك كثيرًا، كما يحب ربنا ويرضى، اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدًا من النبيين والمرسلين، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنك قلت وقولك الحق: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ 517 وقد أتيتك مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 613

ربي 518، فأسألك يا ربي أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم اجعله أول الشافعين، وأنجح السائلين، وأكرم الأولين والآخرين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ثم يدعو لوالديه، ولإخوانه، وللمسلمين أجمعين، ولا يرفع صوته عنده، لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ 519 وحرمته ميتًا، كحرمته حيًّا.
ثم يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، لئلا يستدبر قبره -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويدعو بما أحب، ثم يتقدم قليلًا من مقام سلامه على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نحو ذراع على يمينه، فيسلم على أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- فيقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق.
ثم يتقدم نحو ذراع على يمينه -أيضًا- فيسلم على عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- فيقول: السلام عليك يا عمر الفاروق.
ويقول: السلام عليكما يا صاحبي رسول اللَّه، وضجيعيه، ووزيريه، اللهم اجزهما عن نبيهما، وعن الإسلام خيرًا، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، اللهم لا تجعله آخر العهد بقبر نبيك -صلى اللَّه عليه وسلم- 520، ولا بمسجده الشريف يا أرحم الراحمين.
ولا يمس قبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-, ولا حائطه، ولا يتمسح به، ولا يلصق به صدره، ولا يقبله، لما في ذلك من إساءة الأدب، والابتداع.
قال الأثرم: رأيتَ أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقومون من ناحية

الجزء: 1 - الصفحة: 614

فيسلمون.
قال أبو عبد اللَّه: وهكذا ابن عمر كان يفعل (1). وأما المنبر، فروي عن ابن عمر أنه كان يضع يده على مقعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من المنبر، ثم يضعها على وجهه (2).

تتمة

: يستحب الإكثار من الصلاة في مسجده -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي بألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، كما تقدم في الاعتكاف 523، وهي في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة.
قال الشيخ: ويحرم طوافه بغير البيت العتيق اتفاقًا 524، ويسن أن يأتي مسجد قباء -بفتح القاف يقصر ويمد- على ميلين من المدينة، من جهة الجنوب 525، فيصلي فيه.
لما في "الصحيحين" أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأتيه راكبًا وماشيًا، فيصلي فيه ركعتين 526، وفيهما كان يأتيه كل سبت راكبًا وماشيًا 527. وكان521522

الجزء: 1 - الصفحة: 615

ابن عمر يفعله 528، يزور البقيع ويسلم على من فيه من الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين.
وإذا أراد الخروج من المدينة ليعود إلى وطنه، عاد إلى المسجد النبوي، فصلى فيه ركعتين، وعاد إلى قبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فودع، وأعاد الدعاء.
قاله في "المستوعب" 529 قال: ويعزم على أن لا يعود على ما كان عليه قبل حجه من عمل لا يُرضى، ففي الحديث: "أنه يعود كيوم ولدته أمه" 530. ويستجاب دعاؤه إلى أربعين يومًا.
وروى أبو الشيخ الأصفهاني، وغيره، من رواية الليث، عن مجاهد قال: قال عمر: يغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج، بقية ذي الحجة، ومحرم، وصفر، وعشر من ربيع الأول 531. ويسن أن يقول عند منصرفه من حجه متوجهًا إلى بلده: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، صدق اللَّه وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
لما روى البخاري عن ابن عمر: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قفل من غزو، أو حج، أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض، ثم يقول.
. فذكره 532.

الجزء: 1 - الصفحة: 616

ولا بأس أن يُقال للحاج إذا قدم: تقبل اللَّه نسكك، وأعظم أجرك، وخلف نفقتك.
رواه سعيد، عن ابن عمر 533، وكان السلف يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب، وفي الخبر: "اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج" 534. (وصفة العمرة أن يحرم بها من بالحرم) من مكي أو غيره (من أدنى الحل) فيخرج من الحرم، ويحرم من الحل وجوبًا، لأنه ميقاته، ليجمع بين الحل والحرم، والأفضل إحرامه من التنعيم، فالجعرانة، فالحديبية، فما بعد من الحرم عن مكة.
وحَرُمَ إحرام بعمرة من الحرم، لتركه ميقاته، وينعقد إحرامه، وعليه دم، كمن تجاوز ميقاته بلا إحرام، ثم أحرم (وغيره) أي غير من بالحرم، يحرم بها (من دُوَيرة أهله، إن كان دون ميقات) كما تقدم في المواقيت (وإلا) يكون دون ميقات (فـ) يحرم (منه) أي من الميقات الذي يليه (ثم يطوف ويسعى ويقصِّر) أو يحلق، وقد حل من عمرته.
ولا بأس بها في السنة مرارًا، روي عن علي، وابن عمر، وابن عباس وأنس، وعائشة 535، واعتمرت عائشة في شهر مرتين بأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها.
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العمرة إلى العمرة كفارة لما

الجزء: 1 - الصفحة: 617

بينهما" (1). متفق عليه.
والعمرة في غير أشهر الحج أفضل، نصًّا (2)، وكره إكثار منها، والموالاة بينها.
قال في "الفروع": باتفاق السلف (3). وهي برمضان أفضل لحديث ابن عباس مرفوعًا "عمرة في رمضان تعدل حجة" (4). متفق عليه.

فائدة

: قال أنس: حج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حجة واحدة، واعتمر أربع عُمَر: واحدة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة إذ قسم غنائم حنين 540. متفق عليه.
ولا يكره إحرام بها يوم عرفة، ولا أيام التشريق، لعدم نهي خاص عنه، وتجزئ عمرة القارن عن عمرة الإسلام، وتجزئ من التنعيم عن عمرة الإسلام، لحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة، قال لها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين حلت منهما: "قد حللت من حجك وعمرتك" 541، وإنما أعمرها من التنعيم قصدًا لتطييب خاطرها، وإجابة مسألتها.536537538539

الجزء: 1 - الصفحة: 618

فصل (أركان الحج أربعة)

أحدها: (إحرام) بالحج، لأنه نية الدخول فيه، فلا يصح بدونها، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 542. وكبقية العبادات.
(و) الثاني: (وقوف) بعرفة لحديث "الحج عرفة" 543 رواه أبو داود مختصرًا.
(و) الثالث: (طواف) الزيارة، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)﴾ 544. (و) الرابع: (سعي) بين الصفا والمروة، لحديث عائشة قالت: طاف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وطاف المسلمون -يعني بين الصفا والمروة- فكانت سنة، فلعمري ما أتم اللَّه حج من لم يطف بين الصفا والمروة" 545. رواه مسلم، ولحديث: "اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي" 546. رواه ابن ماجه.
(وواجباته) أي الحج (سبعة) أحدها: (إحرام مار) عن أي 547 (على ميقات منه) أي من ذلك الميقات، لما تقدم في المواقيت.
(و) الثاني: (وقوف) بعرفة (إلى الليل إن وقف) بها (نهارًا، و)

الجزء: 1 - الصفحة: 619

الثالث: (مبيت بمزدلفة إلى بعد نصفه) أتي الليل (إن وافاها قبله، و).
الرابع: المبيت (بمنى لياليها) أي ليالي أيام التشريق، لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأمره به 548. (و) الخامس: (الرمي) للجمار (مرتبًا) على ما تقدم مفصلًا.
(و) السادس: الـ (الحلق 549 أو) الـ (التقصير، و) السابع: (طواف وداع) وهو الصدر -بفتح الصاد المهملة- وتقدم 550. (وأركان العمرة ثلاثة): (إحرام) بها.
(و) الثاني: (طواف).
(و) الثالث: (سعي) كالحج.
(وواجباتها) أي العمرة (اثنان: الإحرام من الحل، والحلق أو التقصير) كما تقدم 551. (ومن فاته الوقوف) بعرفة في وقته لعذر، أو لا (فاته الحج) ذلك العام، لحديث: "الحج عرفة" 552، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه، فمفهومه فوات الحج بخروج ليلة جمع، وسقط عنه توابع الوقوف، كمبيت بمزدلفة، ومنى، ورمي جمار.
(و) من (تحلل بعمرة) عليه (هدي، إن لم يمن اشترط) في أول إحرامه: أن محلي حيث حبستني، وعليه قضاء حج فاته من قابل، ولو نفلًا، لما روى الدارقطني، عن ابن عباس مرفوعًا: "من فاته عرفات، فقد فاته

الجزء: 1 - الصفحة: 620

الحج، وليتحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل" 553، وعمومه شامل للفرض والنفل.
والحج يلزم بالشروع فيه، فيصير كالمنذور، بخلاف سائر التطوعات، فإن كان اشترط أولًا، لم يلزمه قضاء نفل، ولا هدي، حديث ضباعة، وتقدم في الإحرام 554. وإن وقف الناس كلهم، أو كلهم إلا قليلًا في اليوم الثامن، أو العاشر خطأ، أجزأهم، نصًّا 555، لحديث الدارقطني، عن عبد العزيز بن [خالد] 556 بن أسيد مرفوعًا: "يوم عرفة الذي يعرف الناس فيه" 557، ولحديث أبي هريرة يرفعه: "فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون" 558. (ومن مُنعَ البيت) أي الوصول إليه، بالبلد، أو الطريق، فلم يمكنه الوصول إليه من طرق أخرى، ولو بعدت، ولو كان منعه بعد الوقوف بعرفة، كما قبله، أو كان المنع في إحرام عمرة (أهدى) أي ذبح هديًا، بنية التحلل، وجوبًا، (ثم حل) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 559 ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر أصحابه حين أحصروا في الحديبية أن ينحروا،

الجزء: 1 - الصفحة: 621

ويحلقوا، ويحلوا 560. وسواء كان الحصر عامًا للحاج، أو خاصًّا به، كمن حبس بغير حق، لعموم النص، ومن حبس بحق يمكنه أداؤه، فليس بمعذور (فإن فقده) أي الهدي (صام عشرة أيام) بنية التحلل قياسًا على المتمتع، وحل، نصًّا 561. قال في "شرح المنتهى": وظاهره أن الحلق أو التقصير غير واجب هنا، وأن التحلل يحصل بدونه، وهو أحد القولين.
قدمه في "المحرر"، وابن رزين في شرحه، وهو ظاهر الخرقي، لأنه من توابع الوقوف، كالرمي، انتهى 562. ولا إطعام في الإحصار، لعدم وروده، واعتبرت النية في المحصر دون غيره، لأن من أتى بأفعال النسك أتى بما عليه، فحل بإكماله، فلم يحتج إلى نية، بخلاف المحصر، فإنه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها، فافتقر إلى نيته.
ولا قضاء على محصر تحلل قبل فوت الحج، لظاهر الآية، لكن إن أمكن فعل الحج في ذلك العام لزمه (ومَنْ صُدَّ عن عرفة) دون الحرم في حج (تحلل بعمرة، ولا دم)، لأن قلب الحج إلى العمرة مباح بلا حصر، فمعه أولى، فإن كان قد طاف وسعى للقدوم، ثم أحصر، أو مرض، أو فاته الحج، تحلل بطواف وسعي آخرين، لأن الأولين لم يقصد بهما طواف العمرة

الجزء: 1 - الصفحة: 622

ولا سعيها، وليس عليه أن يُجدد إحرامًا في الأصح.
قاله في "شرح المنتهى" 563. ومن أحصر بمرض، أو بذهاب نفقة، أو ضل الطريق، بقي محرمًا حتى يقدر على البيت، لأنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حال إلى حال خير منها، ولا التخلص من أذى به، بخلاف حصر العدو، ولا ينحر مَنْ مرض، أو ذهبت نفقته، أو ضل الطريق، هديًا معه، إلا بالحرم، فليس كالمحصر من عدو، نصًّا 564، وصغير كبالغ فيما سبق.
لكن لا يقضي، حيث وجب، إلا بعد بلوغه، وبعد حجة الإسلام.
وفاسده في ذلك كصحيحه.
فإن حل من أفسد حجه لإحصار، ثم زال، وفي الوقت سعة قضى في ذلك العام.
قال الموفق، والشارح، وجماعة: وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد الحج فيه في غير هذه المسألة 565. ومن شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني، فله التحلل مجانًا، ولا قضاء عليه، لظاهر خبر ضباعة 566، لكن حجة الإسلام لا تسقط، إن لم يكن حج قبل، لعدم ما يسقط وجوبها.

الجزء: 1 - الصفحة: 623

فصل في الهدي والأضاحي والعقيقة

والعقيقة (والأضحية) بضم الهمزة وكسرها، وتخفيف الياء وتشديدها، واحدة الأضاحي، وهي: ما يذبح من إبل، وبقر، وغنم أهلية، يوم العيد، وتالييه، على ما يأتي تقربًا إلى اللَّه تعالى 567. وأجمعوا 568 على مشروعيتها، لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 569، قال جع من المفسرين: المراد التضحية بعد صلاة العيد 570. وروي: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبَّر، ووضع رجله على صفاحهما 571. متفق عليه.
وهي (سنة) مؤكدة (يكره تركها لقادر) عليها، نصًّا 572، على مسلم تام الملك، أو مكاتب بإذن سيده.
لحديث الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: "ثلاث كُتبت عليَّ وهن لكم تطوع: الوتر، والنحر، وركعتا الفجر" 573، ولحديث: "من أراد أن يضحي فدخل العشر، فلا يأخذ من شعره، ولا بشرته شيئًا" 574. رواه مسلم، فتعليقه على الإرادة، يدل على

الجزء: 1 - الصفحة: 624

عدم وجوبه، وما استدل به على الوجوب 575 ضعفه أصحاب الحديث، ثم يحمل على تأكد الاستحباب، كحديث: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" 576. والتضحية عن ميت أفضل منها عن حي، لعجزه، واحتياجه للثواب، ويعمل بها كأضحية عن حي، وتجب الأضحية بنذر، لحديث:

الجزء: 1 - الصفحة: 625

"من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه" 577. وذبحها، وعقيقة، أفضل من الصدقة بثمنها، نصًّا 578، لحديث: "ما عمك ابن آدم يوم النحر عملًا أحب إلى اللَّه من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من اللَّه سبحانه عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض" 579. رواه ابن ماجه.
وقد ضحى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأهدى الهدايا، والخلفاء بعده، ولو كان الصدقة بالثمن أفضل لم يعدلوا عنه.
(ووقت الذبح) لأضحية، وهدي، ونذر، وتطوع، وقران، من (بعد) أسبق (صلاة عيد) بالبلد الذي يصلى به، ولو قبل خطبة (أو) من بعد (قدرها) أي الصلاة، لمن لم يصل، كأهل البوادي من أصحاب الطُّنُب 580 ونحوهم، وإن فاتت الصلاة بالزوال، ذبح بعده (إلى آخر ثاني) أيام (التشريق) قال الإمام أحمد: أيام النحر ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 581. وذبح أضحية، وهدي، في يوم العيد أفضل، ثم الذي يليه، ويجزئ ذبح في ليلتهما.
قال في "الإقناع" 582 مع الكراهة.
فإن فات الوقت، قضى الواجب، وفعل به كالمذبوح في وقته، فلا يسقط الذبح بفوات وقته، كما لو

الجزء: 1 - الصفحة: 626

ذبحها في وقتها، ولم يفرقها حتى خرج، ويسقط التطوع بخروج وقته، لأنه سنة فات محلها.
(ولا يعطى جازرٌ أجرته منها) لحديث "لا تعط في جزارتها شيئًا منها" 583، قال أحمد: إسناده جيد 584. ويعطيه منها هدية، وصدقة، لمفهوم الحديث، ولأنه في ذلك كغيره، بل هو أولى، لأنه باشرها، وتاقت إليها نفسه.
(ولا يباع جلدها، ولا شيء منها) ويحرم ذلك (بل ينتفع به) أو يتصدق به، لأنه جزء منها، أو تبع له، فجاز الانتفاع به، والصدقة، كاللحم، وإن سُرق مذبوح من أضحية أو هدي مطلقًا، فلا شيء فيه، إلا بتعد، أو تفريط، كأمانة.
ومن اشتبهت عليه أضحيته بأضحية غيره، فذبحها عن نفسه، فبانت للغير، أجزأت عن مالكها، إن لم يفرق لحمها، لعدم افتقار آلة الذبح إلى نية، كغسل النجاسة، فإن فرق اللحم، ضمن، لأن الإتلاف يستوي فيه العمد وغيره، وإن نواها لنفسه، مع علمه أنها للغير، لم تُجز مالكها، سواء فرق الذابح اللحم أو لا، ويضمن الذابح قيمتها، إن فرق لحمها، وأرش الذبح، إن لم يفرقه.
ومن ذبح أضحية أو هديًا معينين، في وقتهما، بغير إذن ربهما، أو وليه، ونوى عنه، أو أطلق، أجزأت، ولا ضمان، لأنها وقعت موقعها بذبحها في وقتها، فلم يضمن ذابحها، ولأن الذبح إراقة دم تعين إراقته لحق اللَّه تعالى، فلم يضمن مريقه، كقاتل المرتد، بغير إذن الإمام.
(وأفضل هدي وأضحية: إبل، ثم بقر، ثم غنم) إن أخرج كاملة،

الجزء: 1 - الصفحة: 627

لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة.
. . " 585 الحديث، والأفضل من كل جنس أسمن، فأغلى ثمنًا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)﴾ 586، قال ابن عباس: تعظيمها استسمانها 587. فالأملح وهو الأبيض، أو ما فيه بياض وسواد، وبياضه أكثر من سواده 588. لما روي عن مولاة أبي ورقة بن سعيد قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دم عفراء أزكى عند اللَّه من دم سوداوين" 589. رواه أحمد بمعناه، ولأنه لون أضحية النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم أصفر، ثم أسود.
قال الإمام أحمد: يعجبني البياض، وقال: وأكره السواد 590. (ولا يجزئ) في أضحية ولا هدي واجب (إلا جذع ضأن) وهو ما له ستة أشهر كوامل، لحديث: "يجزئ الجذع من الضأن أضحية" 591. رواه ابن ماجه.
والهدي مثلها، ويعرف بنوم الصوف على ظهره، كما نقل عن أهل البادية، (وثنيُّ غيره) أي غير الضأن، وهو الإبل، والبقر، والمعز (فثني إبل ما له خمس سنين) كوامل، سمي بذلك، لأنه ألقى بثنية (و) ثني (بقر) ما له (سنتان) كاملتان، وثني معز ما له سنة كاملة.

الجزء: 1 - الصفحة: 628

(وتجزئ الشاة عن واحد) وعن أهل بيته وعياله، نصًّا 592، لحديث أبي أيوب: كان الرجل في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون، ويطعمون 593. (و) تجزئ (البدنة والبقرة عن سبعة) روي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة 594. لحديث جابر: نحرنا بالحديبية مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة 595، ويعتبر ذبحها عنهم، نصًّا 596، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 597 وسواء أرادوا كلهم قربة، أو أراد بعضهم قربة، وبعضهم لحمًا.
وجذع ضأن أفضل من ثني معز، والواحدة من الضأن أو المعز أفضل من سُبع بدنة أو بقرة.
وتجزئ جماء 598، وبتراء 599، وصمعاء 600، وخصي، ومرضوض الخصيتين، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- ضحى بكبشين موجوءين 601 والوجاء رضُّ

الجزء: 1 - الصفحة: 629

الخصيتين 602، ولأن الخصاء أذهب عضوًا غير مستطاب، يطيب اللحم بذهابه، ويسمن، فإن قطع ذكره مع ذلك لم يجز، وهو الخصي المجبوب.
ويجزئ من إبل، وبقر، وغنم، ما خلق بغير أذن، أو ذهب نصف أليته فما دونه 603، وكذا الحامل (ولا تجزئ هزيلة) لا مخ فيها (و) لا (بينة عور) بأن انخسفت عينها، للخبر 604، (أو) بينة (عرج) لا تطيق مشيًا مع صحيحة، ولا مريضة بينة مرض، وهي التي فسد لحمها، بجرب، أو غيره (ولا ذاهبة الثنايا) من أصلها، وهي: الهتماء (أو) ذهب (أكثر أذنها أو) أكثر (قرنها)، لحديث علي: نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُضحى بأعضب الأذن والقرن.
قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: النصف فأكثر.
رواه الخمسة 605. ولأن الأكثر كالكل.
ولا تجزئ الجداء، وهي: جافة الضرع.
ولا عصماء، وهي: التي = (2/ 1043، 1044) عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين.
. . الحديث.
وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة.
ينظر: "التلخيص الحبير" (4/ 155).

الجزء: 1 - الصفحة: 630

انكسر غلاف قرنها.
وتكره معيبة إذن بخرق، أو شق، أو قطع لنصف فأقل.
لحديث علي: أمرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نستشرف العين، والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء.
قال زهير: قلت لأبي إسحاق: ما المقابلة؟ قال: يقطع من طرف الأذن، قلت: فما المدابرة؟ قال: يقطع من مؤخر الأذن، قلت: فما الخرقاء؟ قال: تشق الأذن، قلت: فما الشرقاء؛ قال: تشق إذنها للسِّمة" 606. رواه أبو داود.
وهذا نهي تنزيه، فيحصل الإجزاء بها، لأن اشتراط السلامة من ذلك يشق، ولا يكاد يوجد سالم من ذلك كله.
(والسنة نحر إبل قائمةً معقولةً يدها اليسرى) بأن يطعنها بنحو حربة في الوهدة، وهي ما بين أصل العنق والصدر.
لحديث زياد بن جبير، قال: رأيت ابن عمر أتى رجلًا أناخ بدنة لينحرها، فقال: ابعثها قائمة، مقيدة، سنة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-" 607. متفق عليه.
وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن سابط: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي منها من قوائمها 608، ويؤيده ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ 609، لكن إذا خشي أن تنفر أناخها.
(و) السنة (ذبح غيرها) أي غير الإبل، وهي: البقر والغنم علي جنبها الأيسر، موجهة إلى القبلة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ 610،

الجزء: 1 - الصفحة: 631

ولحديث: "ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده" 611. ويجوز نحر ما يذبح، وذبح ما ينحر، ويحل، لأنه لم يجاوز محل الذبح، ولعموم حديث: "ما أنهر الدم، وذكر اسم اللَّه عليه، فكل" 612، ويسمي وجوبًا، حين يحرك يده بالفعل، وتسقط سهوًا (فيقول: بسم اللَّه) ويكبِّر ندبًا، ويقول: (اللهم هذا منك ولك) ولحديث ابن عمر مرفوعًا: "ذبح يوم العيد كبشين" ثم قال حين وجههما: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للَّه رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، بسم اللَّه، اللَّه أكبر، اللهم هذا منك ولك" 613. رواه أبو داود.
ولا بأس بقول الذابح: اللهم تقبل من فلان، لحديث تقبَّل من محمد، وآل محمد، وأمة محمد، ثم ضحى 614. رواه مسلم، ومن كون ذابح مسلمًا، لأنها قربة، ينبغي أن لا يليها غير أهلها، فإن استناب فيها ذميًّا، أجزأت مع الكراهة.
وتولي مضح بنفسه أفضل، نصًّا 615، للأخبار 616، ويحضر إن وكَّل، لحديث ابن عباس الطويل "واحْضرُوها إذا ذبحتم، فإنه يغفر لكم عند أول

الجزء: 1 - الصفحة: 632

قطرة من دمها" 617. (وسن أن يأكل) من أضحيته (ويهدي ويتصدق أثلاثًا) أي: يأكل مع أهل بيته ثلثًا، ويهدي ثلثًا، ويتصدق بثلث (مطلقًا) حتى من أضحية واجبة، أو موصى بها على يديه، وحتى الإهداء لكافر من أضحية تطوع.
قال الإمام أحمد 618: نحن نذهب إلى حديث عبد اللَّه: يأكل الثلث، ويعطي من أراد الثلث، ويتصدق بالثلث على المساكين.
قال علقمة 619: بعث معي عبد اللَّه بهدية، فأمرني أن آكل ثلثًا، وأن أرسل إلى أخيه بالثلث، وأن أتصدق بثلث.
وهو قول ابن مسعود، ولقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ 620، والقانع: السائل.
والمعتر: الذي يعتريك 621، أي: يتعرض لك لتطعمه، ولا يسأل، فذكر ثلاثة فينبغي أن تقسم بينهم أثلاثًا، ولا يجب الأكل منها.
وإذا ضحى ولي اليتيم عنه فلا يهدي منها، ولا يتصدق بشيء، ويوفرها له، لأنه ممنوع من التبرع من ماله.
(و) سن (الحلق بعدهما) أي بعد ذبح أضحية.
قال أحمد 622: على ما فعل ابن عمر، تعظيمًا لذلك اليوم.
ولأنه كان ممنوعًا من ذلك قبل أن يضحي، فاستحب لذلك بعده، كالمحرم.

الجزء: 1 - الصفحة: 633

فائدة

: قال الشيخ تقي الدين: الأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي المرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه، عند غيبته، كالنفقة عليهم.
انتهى 623. (وإن أكلها) كلها (إلا أوقية، جاز) لإطلاق الأمر بالأكل والإطعام، كما لو تصدق بها، وأهداها كلها، ضمن ما يقع عليه اسم اللحم، كالأوقية، بمثله لحمًا، لأنه حق يجب عليه أداؤه، مع بقائه، فلزمته غرامته، كالوديعة.
ونُسِخَ تحريم ادخار لحم الأضاحي، لحديث: "كنت نهيتكم عن ادخار لحم الأضاحي فوق ثلاث، فامسكوا ما بدا لكم" 624. ويعتبر تمليك الفقير لشيء من اللحم، فلا يكفي إطعامه.
(وحَرُمَ على مريدهما) أي: التضحية، عن نفسه، أو من يضحي عنه غيره (أخذ شيء من شعره) أو (ظفره) أو (بشرته في العشر) أي عشر ذي الحجة، إلى بعد الذبح، لحديث أم سلمة مرفوعًا: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا، حتى يضحي" 625. رواه مسلم.
وفي رواية له: "ولا من بشرته" فإن فعل تاب إلى اللَّه تعالى، لوجوب التوبة من كل ذنب، فإن أخذ شيئًا من شعره، أو ظفره في العشر، ثم أراد التضحية، فظاهره أنه لا يحرم ذلك، لأنه حين أخذه لم يرد التضحية.
(وتسن العقيقة) أي الذبيحة عن المولود، لأن العق: القطع 626، ومنه

الجزء: 1 - الصفحة: 634

عق والديه إذا قطعهما، والذبح قطع الحلقوم والمريء.
وهي سنة مؤكدة.
قال أحمد 627: العقيقة سنة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قد عق عن الحسن والحسين 628، وفعله أصحابه 629، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الغلام مرتهن بعقيقته" إسناده جيد 630. وهي في حق الأب لا غيره، ولو كان معسرًا، ويقترض.
قال أحمد 631: إذا لم يكن عنده ما يعق، فاستقرض، رجوت أن يخلف اللَّه عليه، لأنه أحيا سنة.
(وهي عن الغلام شاتان) متقاربتان سنًّا وشبهًا، فإن عدم الشاتين فواحدة (وعن الجارية شاة) لحديث أم كرز الكعبية: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة" 632. = يقال: شقه، بمعناه.
ومنه: عق الولد أباه عقوقًا.
. اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 635

ولا تجزئ بدنة ولا بقرة إلا كاملة، نصًّا 633، قال في "النهاية" 634: وأفضله شاة (تذبح يوم السابع) من ولادته أي المولود.
قال في "الإنصاف" 635: ذبحها يوم السابع أفضل، ويجوز ذبحها قبل ذلك، ولا يجوز قبل الولادة.
ويحلق فيه رأس ذكر، ويتصدق بوزنه وَرِقًا، لحديث سمرة بن جندب مرفوعًا: "كل غلام رهين بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمَّى، ويحلق رأسه" 636. رواه الأثرم، وأبو داود.
وعن أبي هريرة مثله 637. قال أحمد: إسناده جيد 638. وقال -صلى اللَّه عليه وسلم- لفاطمة لما ولدت الحسن: "احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره فضة، على المساكين والأوفاض 639 -يعني أهل = الأذان في أذن المولود (4/ 98) والنسائي، في العقيقة (7/ 164) وابن ماجه، في الذبائح، باب العقيقة (2/ 1056) قال الترمذي: حسن صحيح.
اهـ.

الجزء: 1 - الصفحة: 636

الصفة" 640 رواه الإمام أحمد.
ويكره لطخ المولود من دمها، لأنه أذى، وتنجيس، ويسن أن يسمى فيه للخبر 641، ويحسن اسمه، لحديث: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم، فحسنوا أسماءكم" 642. رواه أبو داود.
والتسمية حق للأب، وحَرُم أن يسمى بعبد لغير اللَّه، كعبد الكعبة، وعبد النبي، وبما يوازي أسماء اللَّه تعالى: كاللَّه، والرحمن، وما لا يليق إلا به، كملك الملوك، أو ملك الأملاك.
لحديث أحمد: "اشتد غضب اللَّه على رجل يسمى ملك الأملاك لا ملك إلا اللَّه تعالى" 643. وكره أن يسمى بحرب، ويسار، ونحوهما، للنهي عن ذلك 644، ولأنه ربما كان طريقًا إلى التشاؤم، ولا يكره التسمية بأسماء الأنبياء، والملائكة.
وعن مالك: سمعت أهل مكة يقولون: ما من أهل بيت فيهم

الجزء: 1 - الصفحة: 637

اسم محمد إلا رزقوا، ورزق خيرًا 645. وأحب الأسماء إلى اللَّه، عبد اللَّه، وعبد الرحمن، للخبر 646. رواه مسلم، ويسن تغيير اسم قبيح كما فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 647. (فإن فات) الذبح في سابعه (ففي أربعة عشر، فإن فات) في أربعة عشر (ففي إحدى وعشرين) من ولادته (ثم لا تعتبر الأسابيع) بعد ذلك، فيعق أيّ يوم أراد، كقضاء أضحية، وغيرها.
وينزعها أعضاء، ندبًا، ولا يكسر عظمها، لقول عائشة: "السنة شاتان متكافئتان عن الغلام، وعن الجارية شاة، تطبخ جدولًا، ولا يكسر لها عظم" 648. وجدولًا، أي: عضوًا عضوًا، وهو الجدل، بدال مهملة 649، وذلك للتفاؤل بالسلامة، كما روي عن عائشة -رضي اللَّه عنها- وطبخها أفضل، نصًّا 650، للخبر 651، ويكون بشيء حلو 652، تفاؤلًا بحلاوة أخلاقه.

الجزء: 1 - الصفحة: 638

(وحكمها) أي العقيقة، (كأضحية) فلا يجزئ فيها إلا ما يجزئ في أضحية، وكذا فيما يستحب ويكره، وفي أكل، وهدية، وصدقة، لأنها نسك مشروعة، أشبهت الأضحية، لكن يجوز أن يباع منها جلد، ورأس، وسواقط، ويتصدق بثمنه، بخلاف أضحية، وإن اتفق وقت عقيقة وأضحية، فعق، أو ضحى، أجزأت عنه الأخرى، كما لو اتفق يوم عيد وجمعة، فاغتسل لأحدهما، وكذا ذبح متمتع، أو قارن، شاةً يوم النحر، فيجزئ عن الهدي الواجب.
ولا عتيرة في الإسلام 653 متفق عليه، ولا يكرهان، لأن المراد بالخبر نفي كونهما سنة، لا النهي عنهما، واللَّه أعلم.


الجزء: 1 - الصفحة: 639

فصول الكتاب · 8 فصل
جارٍ التحميل