كتاب الجنائز
بفتح الجيم، جمع جنازة بكسرها، والفتح لغةٌ، اسم للميت أو النعش عليه الميت، فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال نعش ولا جنازة، بل سرير 1، مشتقة من جنز إذا ستر 2.
(ترك الدواء أفضل) من التداوي، نصًّا 3، لأنه أقرب إلى التوكل، ولخبر الصديق 4 وحديث: "إن اللَّه أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بالحرام" 5، فالأمر فيه للإرشاد.
ويكره أن يستطب مسلم ذميًّا بلا ضرورة، وأن يأخذ منه دواء لم ييين مفرداته المباحة.
(وسُنَّ استعداد للموت) بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، والزيادة من العمل الصالح (وإكثار من ذكره)، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات" 6 رواه البخاري، وهو بالذال المعجمة أي الموت، فيلاحظ
الجزء: 1 - الصفحة: 375
الخوف من اللَّه والعرض عليه والسؤال، والحساب وغير ذلك مما يزهده في الدنيا ويرغبه في الآخرة.
(و) سن (عيادة) مريض (مسلم) وتحرم عيادة ذمي، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنازة" 7 متفق عليه (غير مبتدع) يجب هجره كرافضي، قال في "النوادر" 8: تحرم عيادته، أو يسن هجره كمجاهر بمعصية، فلا تسن عيادته إذا مرض ليرتدع ويتوب، وعلم منه: أن غير المجاهر بمعصية يعاد، والمرأة كرجل مع أمن الفتنة، وتشرع العيادة في كل مرض حتى الرمد ونحوه.
وحديث: "ثلاثة لا يعادون" 9 غير ثابت، فتسن غبًّا 10، قال في
الجزء: 1 - الصفحة: 376
"الفروع" 11: ويتوجه اختلافه باختلاف الناس، والعمل بالقرائن، وظاهر الحال.
وتكون العيادة من أول المرض بكرة، وعشيًا، للخبر 12، قال أحمد عن قرب وسط النهار: ليس هذا وقت عيادة.
وتكون في رمضان ليلًا، نصًا 13، لأنه أرفق بالعائد.
(و) سن لعائد تذكيره -أي المريض- مخوفًا كان مرضه، أم لا (التوبة) لأنه أحوج إليها من غيره.
وهي واجبة على كل أحد من كل ذنب وفي كل وقت (و) تذكيره (الوصية) لحديث ابن عمر مرفوعًا: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" 14. متفق عليه، ويدعو له عائد بالعافية والصلاح، وبما ورد: "أسأل اللَّه العظيم، رب العرش العظيم أن يشفيك".
سبعًا، للخبر 15، وأن يقرأ عنده فاتحة الكتاب، والإخلاص، والمعوذتين، ولا بأس طهور إن شاء اللَّه، وصح أن جبريل عليه السلام عاده -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "بسم اللَّه أَرقيك من كل شيء يُؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد اللَّه يشفيك باسمه أرقيك" 16. = العراقي -كما في "فيض القدير" (2/ 15) -.
الجزء: 1 - الصفحة: 377
ويسن أن لا يطيل الجلوس عنده، لإضجاره، ولا بأس بوضع يده عليه، لخبر الصحيحين كان يعود بعض أهله، ويمسح بيده اليمنى، ويقول: "اللهم رب الناس أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سَقمًا" 17.
ولا بأس بإخبار مريض بما يجد، بلا شكوى، لحديث: "إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك" 18، وقوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ 19، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في مرضه: "أجدني مغمومًا، أجدني مكروبًا" 20.
ولا بأس بشكواه لخالقه.
وينبغي للمريض أن يحسن ظنه باللَّه تعالى، لخبر الصحيحين، عن أبي هريرة مرفوعًا: "أنا عند ظن عبدي بي" 21 زاد أحمد "إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن بي شرًا فله" 22، وعن أبي موسى مرفوعًا: "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه" 23.
الجزء: 1 - الصفحة: 378
وفي "النصيحة" 24: يُغلِّب الخوف، لحمله على العمل.
ونصه: وينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، زاد في رواية: فأيهما غلب صاحبه هلك 25.
ويكره الأنين، ما لم يغلب، وتمني الموت لضر نزل به، لحديث: "لا يتمنى أحدكم الموت من ضُرٍّ أصابه، فإن كان لابد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" 26. متفق عليه، ولا يكره "وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون" 27،
الجزء: 1 - الصفحة: 379
ولا تمني الشهادة (فإذا نُزل به) بالبناء للمفعول أي المريض (سُن تعاهد) أرفق أهله به، وأتقاهم للَّه تعالى (بلِّ حلقه) أي المريض (بماء، أو شراب، و) تعاهد (تنديَةِ شفتيه) بقطنة، لإطفاء ما نزل به من الشدة، وتسهيل النطق عليه بالشهادة.
(و) سن (تلقينه) أي المنزول به لا إله إلا اللَّه، لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "لقنوا موتاكم لا إله إلا اللَّه" 28، وأطلق على المحتضر ميت لأنه واقع به لا محالة، وعن معاذ مرفوعًا: "من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة" 29 رواه أحمد وصححه الحاكم، واقتصر عليها لأن إقراره بها إقرار بالأخرى (مرة) نصًّا 30، واختار الأكثر ثلاثًا 31، (ولا يزاد على ثلاث إلا أن يتكلم) بعد الثلاث (فيعاد برفق) لأنه مطلوب في كل شيء، وهذا أولى به.
(و) سن (قراءة الفاتحة و) قراءة (يس عنده) لحديث: "اقرأوا على موتاكم يس" 32 رواه أبو داود وصححه ابن حبان، ولأنه يسهل خروج الروح.
(و) سن (توجيهه إلى القبلة) على جنبه الأيمن، لحديث أبي قتادة 33. = الحافظ ابن رجب في كتابه "اختيار الأولى في شرح حديث اخصام الملأ الأعلى".
الجزء: 1 - الصفحة: 380
أخرجه الحاكم، والبيهقي، وصححه الحاكم.
وروي أن حذيفة أمر أصحابه عند موته أن يوجهوه 34، وروي عن فاطمة 35، مع سعة المكان، وإلا فعلى ظهره، وأخمصاه إلى القبلة، كوضعه على المغتسل، زاد بعضهم 36: ويرفع رأسه قليلًا، ليصير وجهه إلى القبلة.
وسن للمريض أن يعتمد على اللَّه تعالى فيمن يحب من بنيه وغيرهم، ويوصي بقضاء دينه، وتؤقة وصيته، ونحو غسله، والصلاة عليه، وعلى غير بالغ رشيد من أولاده، للأرجح في نظره، من قريب، أو أجنبي، لأنه للمصلحة (وإذا مات) سن (تغميض عينيه) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أغمض أبا سلمة وقال: "إن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون" 37 رواه مسلم.
وعن شداد مرفوعًا: "إذا حضرتم الميت فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإنه يؤمَّن على ما قال أهل الميت" 38 رواه أحمد.
ولئلا يقبح منظره ويساء به الظن.
قال شيخنا -أيده اللَّه تعالى-: ويكون تغميض عينيه بجذب إبهامي رجليه، لأنهما لا ينفتحان بعد ذلك.
ويكره تغميضه من حائض وجنب، أو يقرباه، لحديث: "لا تدخل الملائكة = كتاب الجنائز (1/ 505) وصححه، وأقره الذهبي.
الجزء: 1 - الصفحة: 381
بيتًا فيه جنب" 39.
وسن عند تغميضه قول: بسم اللَّه وعلى ملة رسول اللَّه، نصًّا 40، لما روى البيهقي عن بكر بن عبد اللَّه المزني، ولفظه: "وعلى ملة رسول اللَّه" 41.
(و) سن (شد لحييه) بعصابة ونحوها، تجمع لحييه، ويربطها فوق رأسه، لئلا يبقى وجهه مفتوحًا، فتدخله الهوام، ويشوه خَلقه.
(و) سن (تليين مفاصله) برد ذراعيه إلى عضديه ثم ردهما، ورد أصابع يديه إلى كفيه ثم يبسطهما، ويرد فخذيه إلى بطنه وساقيه إلى فخذيه ثم يمدهما لسهولة الغسل لبقاء الحرارة في البدن عقب الموت، ولا يمكن تليينها بعد برودته.
(و) سن (خلع ثيابه) لئلا يحمى جسده فيسرع إليه الفساد، وربما خرج منه شيء فلوثها.
(و) سن (سترُه) -أي الميت- (بثوب) لحديث عائشة "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين توفي سُجي بثوب حبرة 42 " 43 احترامًا له، وصونًا عن الهوام، وينبغي أن يجعل أحد طرفيه تحت رأسه، والآخر تحت رجليه، لئلا ينكشف.
الجزء: 1 - الصفحة: 382
(و) سن (وضع حديدة) كسيف، وسكين، أو شيء صقيل، كمرآة (أو نحوها) كقطعة طين (على بطنه) 44 لما روى البيهقي: أنه مات مولى لأنس عند مغيب الشمس، فقال أنس: ضعوا على بطنه حديدة 45. ولئلا ينتفخ بطنه.
وقدَّر بعضهم 46 وزنه بنحو عشرين درهمًا، ويصان عنه مصحف، وكتب فقه، وحديث.
(و) سن (جعله على سرير غسله) بعدًا له عن الهوام (متوجهًا) إلى القبلة (منحدرًا نحو رجليه) فيكون رأسه أعلى، لينصب عنه ما غسله، وما يخرج منه.
(و) سن (إسراع تجهيزه) لحديث: "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" 47 رواه أبو داود، إن مات غير فجأة، فإن مات بها، أو شك في موته، انتظر، حتى يعلم موته بيقين، قال أحمد: من غدوة إلى الليل 48.
الجزء: 1 - الصفحة: 383
وقال القاضي: يترك يومين أو ثلاثة ما لم يخف فساده 49. ويتيقن موته بانخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه.
ولا بأس بتقبيل الميت، والنظر إليه، ولو بعد تكفينه، نصًّا 50، لحديث عائشة: رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقبِّل عثمان بن مظعون وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل 51 صححه في "الشرح" 52.
(ويجب) الإسراع (في نحو تفريق وصيته) والصحيح: يسن كما مشى عليه في "الإقناع" 53 و"المنتهى" 54 (و) يجب الإسراع إلى (قضاء دينه) وما فيه إبراء ذمته، من إخراج كفارة، وحج، ونذر، وغير ذلك، لما روى الشافعي، وأحمد، والترمذي وحسنه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يُقضى عنه" 55 بخلاف الوصية، فلا يجب المبادرة إلى إخراجها لقول علي: قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالدَّين قبل الوصية 56. وأما
الجزء: 1 - الصفحة: 384
تقديمها في الآية، فلأنها لما أشبهت الميراث في كونها بلا عوض، كان في إخراجها مشقة على الوراث، فقدمت حثًا على إخراجها، كل ذلك قبل الصلاة عليه، فإن تعذر إيفاء دينه في الحال، لغيبة المال، ونحوه، استحب لوارث، أو غيره، أن يتكفل به عنه لربه.
= (2/ 228) عند قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: أجمع العلماء سلفًا وخلفًا: أن الدين مقدم على الوصية.
وذلك عند إمعان النظر يفهم من فحوى الآية الكريمة.
ثم ساق الحديث وكلام الترمذي عليه، ثم قال: قلت: لكن -الحارث- كان حافظًا للفرائض معتنيًا بها وبالحساب.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 385
فصل في غسل الميت
غسله مرة، أو تيمم لعذر، فرض كفاية (وإذا أخذ) أي شرع (في غسله) أي الميت (ستر عورته) وجوبًا، لحديث علي "لا تبرز فخذك، ولا تنظر لفخذ حي ولا ميت" 57. رواه أبو داود، وهذا في من له سبع سنين فأكثر، لأن عورة ابن سبع إلى عشر الفرجان ومن فوقه، وبنت سبع فأكثر ما بين سرة وركبة، كما تقدم 58.
وسن تجريده للغسل، لأنه أمكن في تغسيله، وأصون له من التنجيس، ولفعل الصحابة، بدليل قولهم: أنجرد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كما نجرد موتانا، أم لا؟ وأما النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فغسلوه وعليه قميص، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص دون أيديهم، لمكلِّم كَلَّمهُم من ناحية البيت، لا يدرون من هو، بعد أن أوقع اللَّه سبحانه عليهم النوم 59. رواه أحمد، وأبو داود، ولطهارة فضلاته -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(وسُنّ ستر) جسده (كله عن العيون) تحت سترة، في خيمة، أو بيت إن أمكن، لأنه أستر، ولئلا يستقبل بعورته السماء.
(وكُره حضور غير مُعين) في غسله، لأنه ربما كان بالميت ما يكره أن يطلع عليه، والحاجة غير داعية إلى حضوره، واستثنى بعضُهُم: وليه 60.
الجزء: 1 - الصفحة: 386
وكره تغطية وجهه نصًّا 61 وفاقًا (ثم نوى وسمَّى) غاسل عن ميت لتعذر النية منه (وهما) أي النية والتسمية (كفي غسل حي) فالنية شرط لا يصح الغسك إلا بها، وأما التسمية فتجب مع الذكر، وتسقط مع السهو، لما تقدم في غسل الحي 62 (ثم يرفع) غاسل (رأس غير حامل إلى قرب جلوس، ويعصر بطنه) ليخرج المستعد للخروج (برفق) لأن الميت في محل الشفقة والرحمة (ويكثر) صب (الماء حينئذ) ليدفع ما يخرج بالعصر، وأما الحامل فلا يعصر بطنها، لئلا يتأذى الولد، ولحديث أم سليم مرفوعًا: "إذا توفيت المرأة، فأرادوا غسلها، فليبدأ ببطنها فلتمسح مسحًا رفيقًا إن لم تكن حبلى، وإن كانت حبلى فلا تحركها" 63 رواه الخلال، ويكون ثمَّ بخور، دفعًا للتأذي برائحة الخارج مع الماء (ثم يلف) الغاسل (على يده خرقة فينجِّيه) أي الميت (بها) أي الخرقة كما تسن بداءة حي بالحَجَر ونحوه، قبل الاستنجاء بالماء، ويجب غسل نجاسة بالميت، لأن المقصود بغسله تطهيره حسب الإمكان.
(وحرم مس عورة من له سبع) سنين، لأن اللمس أعظم من النظر، وكحال الحياة، وروي أن عليًّا حين غسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لف على يده خرقة حين غسل فرجه.
ذكره المروذي 64 عن أحمد 65.
وسن أن لا يمس سائر جسده إلا بخرقة، فحينئذ يُعد الغاسل
الجزء: 1 - الصفحة: 387
خرقتين: إحداهما للسبيلين، والأخرى لبقية البدن (ثم يدخل) الغاسل بعد غسل كفي الميت، نصًّا 66 (إصبعيه) الإبهام والسيابة (وعليهما خرقة مبلولة في فمه، فيمسح أسنانه و) يدخلهما (في منخريه فينظفهما) بها، فيقوم مقام المضمضة والاستنشاق، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 67، (بلا إدخال ماء) في فمه وأنفه، خشية تحريك النجاسة، بدخول الماء إلى جوفه (ثم يوضِّئه) وضوءًا كاملًا، استحبابًا، لحديث أم عطية مرفوعًا في غسل ابنته -صلى اللَّه عليه وسلم-"ابدأن بميامنها وموضع الوضوء منها" 68 رواه الجماعة.
(ويغسل رأسه ولحيته برغوة السدر) لأن الرأس أشرف الأعضاء، ولهذا جعل كشفه شعار الإحرام، وهو مجمع الحواس الشريفة، والرغوة تزيل الدرن، ولا تتعلق بالشعر، فناسب أن تغسل بها اللحية (و) يغسل (بدنه بثفله) 69 أي السدر (ثم يفيض عليه الماء) ليعمه الغسل.
(وسُنّ تثليث) أي تكريوه ثلاثًا، كغسل الحي، إلا الوضوء، فلا يثلثه.
(و) سن (تيامن) لحديث: "ابدأن بميامنها" 70 وكغسل الحي، فيبدأ بصفحة عنقه، ثم إلى الكتف، ثم إلى الرجل، ويقلبه على جنبه، مع غسل
الجزء: 1 - الصفحة: 388
شقه، فيرفع جانبه الأيمن، ويغسل ظهره ووركه، ويغسل جانبه الأيسر كذلك، ولا يكبه على وجهه.
(و) سن (إمرار يده كل مرة) من الثلاث (على بطنه) أي الميت، برفق، ليخرج ما تخلف، فلا يفسد الغسل بعدُ به (فإن لم ينق) التثليث (زاد حتى ينقى) ولو جاوز السبع (وكره اقتصار) في غسل ميت (على مرة) واحدة، لأنه لا يحصل بها كمال النظافة، إن لم يخرج من الميت شيء بعد المرة، فإن خرج شيء بعدها، حرم الاقتصار عليها، ما دام يخرج إلى السَّبْع.
ولا يجب مباشرة الغسل كالحي، فلو ترك تحت ميزاب ماء ونحوه، وحضر من يصلح لغسله، ونوى، وسمى، ومضى زمن يمكن غسله فيه، بحيث يغلب على الظن أن الماء عمه، كفى.
(و) كره غسله بـ (ماء حار) إن لم يحتج إليه، لشدة برد، لأنه يرخي البدن، فيسرع الفساد إليه، والبارد يصلبه، ويبعده عن الفساد.
(و) كره (خلال) إن لم يحتج إليه لشيء بين أسنانه، لأنه عبث.
(و) كره (أُشنان بلا حاجة) ولا يكره بها، ككثرة وسخ.
(و) كره (تسريح شعره) أي الميت، رأسًا كان، أو لحية، نصًّا 71، لأنه يقطعه من غير حاجة إليه، وعن عائشة: أنها مرت بقوم يسرحون شعر ميت، فنهتهم عن ذلك، وقالت: علام تنصون 72 ميتكم 73.
وسن أن يضفَّر 74 شعر أنثى ثلاثة قرون، وأن يسدل من ورائها، نصًّا 75، لقول أم عطية: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه
الجزء: 1 - الصفحة: 389
خلفها 76. رواه البخاري.
(وسن) جعل (كافور وسدر في) الغسلة (الأخيرة) نصًّا 77، لأن الكافور يصلب الجسد، ويبرده، ويطرد عنه الهوام برائحته.
(و) سن (خضاب شعر) أي رأس المرأة، ولحية الرجل (وقص شارب، وتقليم أظفار إن طالا) أي الشارب والأظفار، وأخذ شعر إبطه، نصًّا 78، لأنه تنظيف لا يتعلق بقطع عضو أشبه إزالة الوسخ والدرن، ويجعل المأخوذ من شعر وظفر معه في كفنه، بعد إعادة غسله ندبًا، كعضو ساقط، لما روى أحمد، في "مسائل صالح" عن أم عطية قالت: يغسل رأس الميتة فما سقط من شعرها في أيديهم غسلوه ثم ردوه في رأسها 79، ولأنه يستحب دفن ذلك من الحي فالميت أولى، وتلفق أعضاؤه إن قطعت بالتقميط 80 والطين الحر 81 حتى لا يتبين تشويهه.
وحرم حلق شعر رأس ميت، لأنه إنما يكون لنسك أو زينة، والميت ليس محلًا لها، كأخذ شعر عانة، وختن لميت أقلف.
(و) سن (تنشيف) ميت بثوب، كما فعل به عليه الصلاة والسلام 82، ولئلا يبتل كفنه فيفسد به، ولا ينجس ما نشف به (ويُجنَّب محرم مات ما يُجنب في حياته) من تغطية رأس، ومس طيب، وغير ذلك (وسقط)
الجزء: 1 - الصفحة: 390
بتثليث السين 83 (لأربعة أشهر) فأكثر (كمولود حيًّا) يغسل، ويصلى عليه، نصًّا 84، لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "والسقط يصلى عليه" 85 رواه أبو داود والترمذي.
(وإذا تعذر غسل ميت يمم) كأن يعدم الماء، أو يموت رجل بين نساء لا يباح لهن غسله، كأن لم يكن فيهن زوجة، ولا أمة له، أو عكسه، بأن ماتت امرأة بين رجال ليس فيهم زوجها ولا سيدها، لما روى تمام 86 في "فوائده" 87 عن واثلة مرفوعًا: "إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما ييمم الرجال" ولأنه لا يحصل بالغسل من غير مس تنظف، ولا إزالة نجاسة، بل ربما كثرت.
وحرم أن ييمم ميت بدون حائل على غير محرم، فيلف على يده خرقة عليها تراب، فييممه بها.
ولا يغسل مسلم كافرًا، للنهي عن موالاة
الجزء: 1 - الصفحة: 391
الكافر (1)، ولا يكفنه ولا يصلي عليه، بل يوارى لعدم من يواريه من الكفار، كما فُعل بكفار بدر، واروهم بالقليب (2)، ولا فرق بين الحربي والذمي والمرتد في ذلك، وكذا كل صاحب بدعة مكفرة.
تتمة
:
شهيد المعركة، وهو من مات بسبب قتال كفار، وقت قيام القتال، لا يغسل، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)﴾ 90 والحي لا يغسل.
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم- في قتلى أحد: "لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكًا يوم القيامة" ولم يصل عليهم.
رواه أحمد 91، وهذه العلة توجد في غيرهم، فلا يقال إنه خاص بهم، وسمي شهيدًا لأنه حي، أو لأن اللَّه وملائكته يشهدون له بالجنة، أو لقيامه بشهادة الحق حتى قتل، أو غير ذلك.
وكذا مقتول ظلمًا كمن قتله نحو لص، أو أريد منه الكفر فقتل دونه، أو أريد على نفسه، أو ماله، أو حرمه، فقاتل دون ذلك، فقتل، لحديث سعيد بن زيد مرفوعًا: "من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" 92 رواه أبو داود، والترمذي وصححه.
ولأنهم مقتولون بغير حق،8889
الجزء: 1 - الصفحة: 392
أشبهوا قتلى الكفار، ولا يغسلون، بخلاف المطعون المبطون، والغريق، ونحوهم.
ويغسل شهيد المعركة، والمقتول ظلمًا، مع وجوب غسل عليهما قبل الموت، لأن الغسل وجب لغير الموت، فلم يسقط به، كغسل النجاسة، وكذا إن حُمِل فأكل، أو شرب، أو بال، أو تكلم، أو عطس، أو طال بقاؤه عرفًا، فهو كغيره، يغسل، ويصلى عليه، لأن ذلك لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة، والأصل وجوب الغسل والصلاة.
ويجب بقاء دم الشهيد، والمقتول ظلمًا عليهما، لأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- بدفن شهداء أُحد بدمائهم (1) إلا أن تخالطه نجاسة، فيغسلا، ويجب دفنه في ثيابه التي قتل فيها، فلا يزاد ولا ينقص، وإن لم يحصل المسنون بعد نزع لامة حرب ونحو فرو وخف، نصًّا (2)، لحديث ابن عباس مرفوعًا: "أمر بقتلى أُحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم (3) رواه أبو داود وابن ماجه، فإن سلب ثيابه كفن في غيرها.
تنبيه
:
والأفضل أن يختار للغسل ثقة، عارف بأحكام الغسل، والأولى به وصيُّه العدل، لأن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء 96. وأنس أوصى939495 = باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد (4/ 30). قال الترمذي: حسن صحيح.
اهـ
الجزء: 1 - الصفحة: 393
أن يغسله محمد بن سيرين 97، ثم أبوه، ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب نسبًا، ثم ولاء، ثم ذووا الأرحام كالميراث، ثم الأجانب، والأولى بغسل أنثى، وصيتها، فأمها، وإن علت، فبنتها وإن نزلت، ثم الأقرب فالأقرب، كميراث، وعمة، وخالة، وبنت أخ وأخت سواء، لاستوائهما في القرب، ولزوجٍ، وسيد: غسل زوجة، وأمة، وأم ولد، ولو مزوجته، وبالعكس، وإذا مات رجل فالأجنبي أولى بغسله من زوجته، أو ماتت امرأة فالأجنبية أولى بغسلها من زوجها، للاختلاف فيه 98، وإذا ماتت أمة مزوجه، فزوجها أولى بغسلها من سيدها، أو مات رجل له زوجة، وأم ولد، فزوجته أولى بغسله من أم ولده، وليس لآثم بقتل حق في غسل مقتوله، ولا لرجل غسل ابنة سبع سنين فأكثر، ولا لامرأة غسل ابن سبع فأكثر كذلك، ولهما غسل من دون ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 394
تكفين الميت
(وسُنّ تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض) من قطن، لحديث عائشة: قالت: كفِّن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ثلاثة أثواب بيض سحولية 99، جدد يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة أدرج فيه إدراجًا.
متفق عليه زاد مسلم في رواية: "وأما الحلة فاشتبه على الناس فيها أنها اشتريت ليكفن فيها، فتركت الحلة، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية 100 (بعد تبخيرها) بعود ونحوه، بعد رشها بنحو ماء ورد، لتعلق رائحة البخور بها، إن لم يكن الميت محرمًا.
وكره تكفين رجل في أكثر من ثلاثة أثواب بيض، لأنه وضع للمال في غير وجهه، وكره تعميمه لحديث عائشة 101، وتبسط اللفائف على بعضها واحدة فوق أخرى، ليوضع الميت عليها مرة واحدة (ويجعل الحنوط) وهو أخلاط من طيب، ولا يقال في غير طيب الميت 102 (فيما بينها) أي يذر بين اللفائف (و) يجعل (منه) أي الحنوط (بقطن بين أليتيه) أي الميت، وتشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف، كالتُبَّان 103 تجمع أليتيه ومثانته، لرد الخارج، وإخفاء ما ظهر من الروائح (و) يجعل (الباقي) من قطن محنط (على منافذ وجهه) كعينه، وفمه، وأنفه، وعلى أذنيه (و) يجعل منه على (مواضع سجوده)
الجزء: 1 - الصفحة: 395
جبهته، ويديه، وركبتيه، وأطراف قدميه، تشريفًا لها، وكذا مغابنه، كطي ركبتيه، وتحت إبطيه وسرته، لأن ابن عمر كان يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك 104. (ثم يرد طرف) اللفافة (العليا من الجانب الأيسر) للميت (على شقه الأيمن ثم) يرد طرفها (الأيمن، على) شق الميت (الأيسر) كعادة الحي (ثم) ترد اللفافة (الثانية) كذلك (والثالثة كذلك) فيدرجه فيه إدراجًا (ويجعل أكثر الفاضل) من اللفائف على الميت (عند رأسه) لشرفه عن الرجلين، ثم يعقدها لئلا تنتشر، وتحلَّ العقد في القبر، قال ابن مسعود: إذا أدخلتم الميت اللحد فحلوا العقد، رواه الأثرم 105، ولأمن انتشارها.
ولا يكره تكفين الرجل في قميص ومئزر ولفافة، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- ألبس عبد اللَّه بن أُبي قميصه لما مات 106. رواه البخاري.
وعن عمرو بن العاص: أن الميت يؤزر، ويقمص، ويلف بالثالثة 107. والسنة إذًا أن يجعل المئزر مما يلي جسده، ثم يلبس القميص، ثم يلف كما يلف الحي.
والكفن الجديد أفضل، وكره تكفين برقيق، ولا يجزئ ما يصف البشرة.
وكره تكفين بشعر وصوف، لأنه خلاف فعل السلف.
وكره كفن مزعفر، ومعصفر، ولو لامرأة، لأنه لا يليق بالحال.
وحرم بجلد، لأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- بنزع الجلود عن الشهداء 108.
الجزء: 1 - الصفحة: 396
وجاز تكفين ذكر وأنثى بحرير، ومذهب، ومفضض؛ لضرورة.
(وسن لامرأة) وخنثى بالغين (خمسة أثواب) من قطن تكفن فيها (إزار، وخمار، وقميص، ولفافتان)، قال ابن المنذر 109: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفين المرأة في خمسة أثواب.
وسن لصبي ثوب واحد، لأنه دون الرجل، ويباح في ثلاثة، ما لم يرثه غير مكلف.
(و) سن لـ (صغيرة قميص، ولفافتان) بلا خمار، نصًّا 110.
ولا بأس باستعداد الكفن لحل، أو عبادة فيه، قيل لأحمد: يصلي أو يحرم فيه، ثم يغسله ويضعه لكفنه.
فرآه حسنًا.
ويحرم دفن حلي، وثياب مع ميت، غير كفنه، لأنه إضاعة للمال.
(والواجب) لحق اللَّه تعالى، ولحق الميت (ثوب) واحد، لا يصف البشرة (يستر جميع الميت) لظاهر الأخبار 111، من ملبوس مثله في الجمع والأعياد، لأنه لا إجحاف فيه على الميت، ولا على ورثته، ما لم يوص بدونه.
ويكره أن يكفن في أعلى من ملبوس مثله، ولو أوصى به، لأنه إضاعة للمال.
= ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم (1/ 485) عن ابن عباس أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم".
وفي إسناده: عطاء بن السائب كان اختلط.
. ينظر: "إرواء الغليل" (3/ 165).
الجزء: 1 - الصفحة: 397
فصل في الصلاة على الميت
وهي فرض كفاية، لأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- بها في غير حديث، كقوله: "صلوا على أطفالكم فإنهم أفراطكم" 112. وقوله في الغالِّ: "صلوا على صاحبكم" 113، وقوله: "إن صاحبكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه" 114، وقوله: "صلوا على من قال: لا إله إلا اللَّه" 115 والأمر للوجوب، فإن لم يعلم به إلا واحد تعين عليه، وعلم منه: أنه لا يصلى على شهيد معركة، ومقتول ظلمًا في حال لا يغسلان فيها.
(وتسقط الصلاة عليه) أي الميت (بـ) صلاة (مكلف) ذكرًا كان أو خنثى أو أنثى حُرًّا أو عبدًا، أو مبعضًا، كغسله، وتكفينه، ودفنه، وظاهره: لا تسقط بمميز، لأنه ليس من أهل الوجوب، وقدم في "المحرر" تسقط، كما لو غسله.
(وتسن) الصلاة عليه (جماعة) كفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه 116، واستمر
الجزء: 1 - الصفحة: 398
الناس عليه، إلا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يصلوا عليه بإمام، احترامًا له، قال ابن عباس: دخل الناس على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أرسالًا يصلون عليه، حتى إذا فرغوا، أدخلوا النساء حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناسَ على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحد 117. رواه ابن ماجه، وفي البزار والطبراني 118: أن ذلك كان بوصية منه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ويسن أن لا تنقص الصفوف عن ثلاثة، لحديث مالك بن هبيرة: كان إذا صلى على ميت جزأ الناس ثلاثة صفوف، ثم قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من صلى عليه ثلاثة صفوف من الناس فقد أوجبت له الجنة" 119. رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
فإن كانوا ستة أو أكثر، جعل كل اثنين صفًا، وإن كانوا أربعة جعلهم صفين.
ولا تصح صلاة الفذ فيها، والأولى بالصلاة على الميت إمامًا: وصيّه العدل، لأن الصحابة ما زالوا يوصون بها، ويقدمون الوصي، فأوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر 120، وأوصى عمر أن يصلي عليه صهيب 121، وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد 122، وأوصى أبو بكرة أن
الجزء: 1 - الصفحة: 399
يصلي عليه أبو برزة 123، ذكره كله أحمد 124، وإن أوصى بها لفاسق لم تصح، فإن لم يكن وصي، فالسلطان، فنائبه، فالأولى بغسل رجل، فزوج بعد ذوي الأرحام، ثم مع تساوٍ الأولى بإمامةٍ، ثم يقرع.
وتباح صلاة على ميت في المسجد إن أمن تلويثه، لصلاته -صلى اللَّه عليه وسلم- على سهل بن بيضاء فيه 125. رواه مسلم، وجاء أن أبا بكر 126 وعمر 127 صُلي عليهما في المسجد، فإن خيف تلويث المسجد، بنحو انفجاره، حرم إدخاله إياه، صيانة له عن النجاسة.
(و) يسن (قيام إمام و) قيام (منفرد عند صدر رجل) أي ذكر، (ووسط امرأة) أي أنثى، نصًّا 128، وقيامهما بين ذلك من خنثى مشكل، لتساوي الاحتمالين فيه.
ويسن أن يلي إمامٌ -إذا اجتمع موتى- من كل نوع أفضل، وكان -صلى اللَّه عليه وسلم- يقدم في القبر من كان أكثر قرآنًا 129، فيقدم حر مكلف، الأفضل فالأفضل، فعبد كذلك، فصبي كذلك، ثم خنثى، ثم امرأة كذلك، فأسن فأسبق، ثم يقرع مع الاستواء في الكل.
= (3/ 285)، والبيهقي، كتاب الجنائز، باب من قال الوصي بالصلاة عليه أولى.
. . (4/ 29)، وابن المنذر في "الأوسط" (5/ 403).
الجزء: 1 - الصفحة: 400
وجمع الموتى بصلاة واحدة مع التعدد أفضل، ويجعل وسط أنثى حذاء صدر رجل، وخنثى بينهما، ليقف الإمام أو المنفرد موقفه مع كل واحد منهم (ثم يكبر) مصل (أربعًا) رافعًا يديه مع كل تكبيرة (يقرأ بعد) التكبيرة (الأولى و) بعد (التعوذ) والبسملة (الفاتحة بلا استفتاح) لأن مبناها على التخفيف، ولذلك لم تشرع فيها السورة بعد الفاتحة (ويصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد) التكبيرة (الثانية) كما يصلي عليه في تشهد، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما سئل كيف نصلي عليك؟ علمهم ذلك 130 (ويدعو بعد) التكبيرة (الثالثة) مخلصًا، لحديث: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" 131 رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبان (والأفضل) دعاؤه (بشيء مما ورد، ومنه) أي الوارد: ("اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا) أي حاضرنا (وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا) أي منصرفنا، (ومثوانا) أي مأوانا وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحْيهِ على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما" 132 رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة زاد ابن ماجه: "اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده" 133، وفيه: ابن إسحاق 134. قال.
. . .
الجزء: 1 - الصفحة: 401
الحاكم 135: حديث أبي هريرة صحيح على شرط الشيخين.
لكن زاد فيه الموفق 136: وأنت على كل شيء قدير.
ولفظ السنة: ("اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُلَه) بضم الزاي، وقد تسكن (وأوسع مَدخله) بفتح الميم موضع الدخول، وبضمها الإدخال (واغسله بالماء والثلج والبرد) بالتحريك، المطر المنعقد (ونقِّه من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأجره 137 من عذاب القبر وعذاب النار 138 ") رواه مسلم 139، من حديث عوف بن مالك أنه سمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول ذلك على جنازة، حتى تمنى أن يكون ذلك الميت، وفيه: "وأبدله أهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة".
زاد الموفق 140 لفظ: "من الذنوب"، (وافسَح له في قبره، ونوِّر له فيه) لأنه لائق بالحال، زاد الخِرقي 141، وابن عقيل 142، والمجد 143 وغيرهم: "اللهم إنه عبدك، وابن = صدوق يدلّس، ورمي بالتشيع والقدر.
مات سنة (150 هـ) اهـ من "تقريب التهذيب" (453).
الجزء: 1 - الصفحة: 402
أمتك نزل بك، وأنت خير منزول به.
إن كان الميت رجلًا، فإن كانت امرأة قال: اللهم إنها أمتك، بنت أمتك، نزلت بك، وأنت خير منزول" زاد بعضهم: "ولا نعلم إلا خيرًا".
قال ابن عقيل وغيره: ولا يقوله إلا إن علم خيرًا، وإلا أمسك عنه حذرًا من الكذب 144.
(وإن كان) الميت (صغيرًا أو مجنونًا) واستمر على جنونه حتى مات، (قال) بعد "ومن توفيته منا فتوفه عليهما": ("اللهم اجعله ذُخْرًا لوالديه وفرطًا) أي سابقًا مهيئًا لمصالح أبويه في الآخرة، سواء مات في حياتهما أو بعد موتهما (وأجرًا وشفيعًا مجابًا، اللهم ثقِّل به موازينهما، وعظِّم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقِهِ برحتمك عذاب الجحيم") لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "السقط يصلى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" 145 وفي لفظ: "بالعافية والرحمة" 146 رواهما أحمد، وإنما عدل عن الدعاء له بالمغفرة إلى الدعاء لوالديه بذلك، لأنه شافع غير مشفوع فيه، ولم يجر عليه قلم.
وإن لم يعلم مصل إسلام والديه دعا لمواليه، لقيامهم مقامهما في المصاب به، ولا بأس بإشارة بنحو أصبع لميت حال دعائه له، نصًّا، ويؤنث الضمير في حال دعائه لأنثى، فيقول: اللهم اغفر لها وارحمها.
. . إلخ.
ولا يقول في ظاهر كلامهم: وأبدلها زوجًا خيرًا من زوجها.
(ويقف بعد) التكبيرة (الرابعة قليلًا) لحديث زيد بن أرقم مرفوعًا: كان يكبر أربعًا، ثم يقف ما شاء اللَّه، فكنت أحسب هذه الوقفة ليكبر آخر = 23/ 291.
الجزء: 1 - الصفحة: 403
الصفوف، رواه الجوزجاني 147، ولا يدعو بعد الرابعة لظاهر الخبر (ويسلِّم) تسليمة واحدة عن يمينه، نصًّا 148، لأنه أشبه بالحال، وأكثر ما روي في التسليم، (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) نصًّا 149، رواه الشافعي 150 عن ابن عمر، وسعيد عن ابن عباس، والأثرم عن عمر، وزيد بن ثابت 151. وسن وقوف المصلي على الجنازة حتى ترفع، نصًّا 152، قال مجاهد 153: رأيت عبد اللَّه بن عمر لا يبرح من مصلاه حتى يراها على أيدي الرجال 154. وروي عن أحمد -أيضًا- أنه صلى ولم يقف 155.
الجزء: 1 - الصفحة: 404
وأركان صلاة جنازة ستة: قيام قادر في فرضها، والتكبيرات الأربع، وقراءة الفاتحة، والصلاة على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، والدعاء للميت، والسلام.
وشرط لها ما شرط لمكتوبة، إلا الوقت، وحضور الميت بين يديه، إلا إذا صلى على غائب عن البلد، إلى شهر من موته بالنية، لأنه لا يعلم بقاؤه بعد ذلك.
والثاني: إسلام الميت.
والثالث: تطهيره ولو بتراب لعذر.
وللمصلي على جنازة قيراط من الأجر، وله بتمام دفنها قيراط آخر، لحديث: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان".
قيل: وما القيراطان؟ قيل: "مثل الجبلين العظيمين" ولمسلم: "أصغرهما مثل أحد" 156. بشرط أن لا يفارقها من الصلاة عليها حتى تدفن لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث آخر: "فكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها" 157.
(وسنّ تربيع في حملها) أي يسن أن يحملها أربعة، لقول ابن مسعود: إن اتبع أحدكم جنازة فليأخذ بقوائم السرير الأربع، ثم ليتطوع بعد، أو ليذر 158. رواه سعيد.
فيضع قائمة السرير اليسرى المقدّمة حال السير لأنها تلي يمين الميت من عند رأسه على كتفه اليمنى، ثم يدعها لغيره، وينتقل إلى قائمة السرير اليسرى المؤخرة فيضعها على كتفه اليمنى -أيضًا- ثم يضع قائمة السرير اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى، ثم يدعها لغيره، وينتقل إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 405
قائمة السرير اليمنى المؤخرة فيضعها على كتفه اليسرى أيضًا، فيكون البدء من الجانبين بالرأس، والختم منهما بالرجلين، كالغسل.
ويقول: بسم اللَّه، وعلى ملة رسول اللَّه، ويذكر اللَّه إذا تناول السرير، نصًّا 159.
ولا يكره حمل جنازة بين عمودين نصًّا كل واحد على عاتق.
نصًّا 160، لما روي أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين 161، وأن سعد بن أبي وقاص حمل جنازة عبد الرحمن بن عوف بين العمودين 162.
ولا يكره حملٌ بأعمدة للحاجة، كجنازة ابن عمر 163، ولا الحمل على دابة لغرض صحيح، كبعد قبره.
ولا يكره حمل طفل على يديه.
(و) سن (إسراع) بها أي الجنازة، لحديث: "أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" 164. متفق عليه، ويكون الإسراع دون الخبب، نصًّا 165، لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "أنه مر عليه بجنازة تمخض مخضًا، فقال: "عليكم بالقصد في جنائزكم" 166 رواه أحمد.
الجزء: 1 - الصفحة: 406
(و) سن (كون ماش) معها (أمامها) لحديث ابن عمر، رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكر وعمر -رضي اللَّه تعالى عنهما- يمشون أمام الجنازة 167. رواه أبو داود، والترمذي.
وعن أنس، نحوه 168، رواه ابن ماجه، ولأنهم شفعاؤه.
(و) سن كون (راكب لحاجة خلفها) لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "الراكب خلف الجنازة" 169. رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
(وقُرب) متبع الجنازة (منها) أفضل، لأنها كالإمام، وكره لمتبع جنازة ركوب، لحديث ثوبان قال: خرجنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في جنازة فرأى ناسًا ركبانًا فقال: "ألا تستحيون؟ إن ملائكة اللَّه على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب" 170. رواه الترمذي.
إلا لحاجة، كمرض، وإلا لعود، فلا يكره، لحديث جابر بن سمرة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تبع جنازة ابن الدحداح ماشيًا، ورجع على فرس 171، قال الترمذي: صحيح.
وكره تقدمها إلى موضع الصلاة، لا إلى المقبرة.
وكره جلوس من يتبعها حتى توضع بالأرض للدفن، نصًّا 172،
الجزء: 1 - الصفحة: 407
لحديث مسلم، عن أبي سعيد مرفوعًا: "إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع" 173.
وكره قيام لها إن جاءت، أو مرت به وهو جالس، لحديث علي قال: رأينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قام، فقمنا تبعًا له، وقعد وقعدنا تبعًا له 174. يعني في الجنازة.
رواه مسلم وغيره.
وعن ابن عباس مرفوعًا: "قام ثم قعد" 175 رواه النسائي.
وكره رفع الصوت معها، ولو بقراءة، أو تهليل، لأنه بدعة، وقول القائل مع الجنازة: استغفروا له، ونحوه بدعة، وروى سعيد أن ابن عمر وسعيد بن جبير قالا لقائل ذلك: لا غفر اللَّه لك 176.
وكره أن يتبعها امرأة، لحديث أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا 177. متفق عليه.
أي لم يحتم علينا ترك اتباعها.
وحرم أن يتبعها مع منكر، من نحو نوح، ولطم خد، عاجز عن إزالته، لما فيه من الإقرار على المعصية، ويلزم القادر على إزالته أن يزيله ولا يترك اتباعها.
ودفن الميت فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ 178 قال ابن عباس: أكرمه بدفنه 179. وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ 180 أي جامعة للأحياء في ظهرها بالمساكن، وللأموات في بطنها
الجزء: 1 - الصفحة: 408
بالقبور 181، والكفت الجمع 182، وهو إكرام للميت، لأنه لو ترك لأنتن، وتأذى الناس بريحه، وقد أرشد اللَّه قابيل إلى دفن أخيه هابيل 183، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ 184. ويسقط دفن وتكفين وحمل بفعل كافر، لأن فاعلها لا يختص أن يكون من أهل القربة، ويقدم بدفن ذكر وأنثى من يقدم بغسله، ونائبه كهو، ويقدم بدفن امرأة، محارمها الرجال، فزوج، فأجانب، لأن النساء يضعفن عن إدخال الميت القبر 185. (وكون قبر لحدًا) أفضل من كونه شقًّا -وهو بفتح اللام والضم لغة- أن يحفر في أسفل حائط القبر حفرة تسع الميت، وأصله الميل 186. وكون اللحد مما يلي القبلة أفضل، ونصب لبن عليه أفضل من نصب حجارة أو غيرها، لحديث مسلم، عن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي مات فيه: ألحدوا لي لحدًا، وأنصبوا علي اللبن نصبًا، كما فُعل برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 187. وكره شق بلا عذر، قال أحمد 188: لا أحب الشق لحديث: "اللحد لنا
الجزء: 1 - الصفحة: 409
والشق لغيرنا" 189 رواه أبو داود وغيره، لكنه ضعيف، والشق أن يحفر وسط القبر كالحوض، ثم يوضع الميت فيه، ويسقف عليه ببلاط أو غيره، أو يبنى جانباه بلبن أو غيره، فإن تعذر اللحد لكون التراب ينهال، ولا يمكن دفعه بنصب لبن ولا حجارة ونحوها، لم يكره الشق.
وكره دفن في تابوت ولو امرأة، لأن الأرض أنشف لفضلاته، ولأن التابوت خشب، وتفاؤلًا أن لا يمس الميت نار.
وسن أن يعمق قبر، ويوسع بلا حد، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في قتلى أحد: "احفروا، ووسعوا، وأعمقوا" 190. قال الترمذي: حسن صحيح.
ولأن التعميق أبعد لظهور الرائحة وأمنع للوحش، والتعميق -بالعين المهملة- الزيادة في النزول، ويكفي ما يمنع السباع، والرائحة، لأنه يحصل به المقصود، وسواء الرجل والمرأة.
(و) سن (قول مدخل) للميت القبر: (بسم اللَّه، وعلى ملة رسول اللَّه) لحديث ابن عمر مرفوعًا: "إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا: بسم اللَّه وعلى ملة رسول اللَّه" 191 رواه أحمد، وإن قرأ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ 192 أو أتى بذكر أو دعاء لائق عند وضعه وإلحاده، فلا بأس.
(و) سن (لحده على شقه الأيمن) لأنه يشبه النائم، وهذه سنته، وأن يجعل تحت رأسه لبنة، فإن لم يوجد فحجر، فإن لم يوجد فقليل من تراب،
الجزء: 1 - الصفحة: 410
لأنه شبه بالمخدة للنائم، ولئلا يميل رأسه، ويزال الكفن عن خده، ويلصق بالأرض، لأنه أبلغ في الاستكانة.
قال عمر: إذا أنا مت فأفضوا بخدي إلى الأرض 193. ويكره جعل مخدة تحت رأسه، نصًّا 194، لأنه غير لائق بالحال، ولم ينقل عن السلف، ويكره جعل مضرَّبة 195 وقطيفة تحته، روي عن ابن عباس أنه كره أن يُلقى تحت الميت في القبر شيء 196. ذكره الترمذي.
وعن أبي موسى: لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئًا 197. والقطيفة التي وضعت تحته -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما وضعها شقران 198 ولم يكن عن اتفاق من الصحابة.
(ويجب استقباله) أي الميت (القبلة) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في الكعبة: "قبلتكم أحياء وأمواتًا" 199 ولأنه طريقة المسلمين بنقل الخلف عن السلف، وينبغي أن يدنى من الحائط، لئلا ينكب على وجهه، ويتعاهد خلال اللبن بسده بالمدر ونحوه، ثم يطيَّن فوقه، لئلا ينتخل عليه التراب.
وسن حثو التراب عليه ثلاثًا باليد، ثم يهُال عليه التراب، لحديث أبي هريرة قال فيه: "فحثي عليه من قبل رأسه
الجزء: 1 - الصفحة: 411
ثلاثًا" 200 رواه ابن ماجه.
ولا يجوز أن يوضع الميت على الأرض، ويوضع فوقه حبال 201 من تراب، أو يبنى عليه بناء، لأنه ليس بدفن.
وسن تلقينه بعد الدفن عند القبر، لحديث أبي أمامة الباهلي قال: "قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب، فليقم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قائمًا، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك اللَّه، ولكن لا تسمعون، فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا.
شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا.
فإن منكرًا ونكيرًا يقولان: ما يقعدنا عنده وقد لُقِّنَ حجته.
قال رجل: يا رسول اللَّه فإن لم يعرف اسم أمه؟ قال: فلينسبه إلى حواء" 202 رواه أبو بكر عبد العزيز في "الشافي" ويؤيده حديث: "لقنوا موتاكم لا إله إلا اللَّه" 203 وظاهره: لا فرق بين الصغير وغيره، بناء على نزول الملكين إليه، ورجحه في "الإقناع" 204 وصححه الشيخ تقي الدين 205، وخصه بعضهم بالمكلف 206.
الجزء: 1 - الصفحة: 412
وسن الدعاء للميت بعد الدفن عند القبر، نصًّا 207، فعله عليّ 208، والأحنف بن قيس 209، لحديث عثمان: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: "استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل" 210. رواه أبو داود.
وفعله أحمد جالسًا 211، واستحب الأصحاب وقوفه 212.
وسن رش القبر بماء، بعد وضع الحصباء عليه، لما روى جعفر بن محمد، عن أبيه، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على قبر ابنه إبراهيم ماء، ووضع علي الحصباء 213. رواه الشافعي.
وسن رفعه قدر شبر، ليعلم أنه قبر، فيُتوقَّى، ويترحم على صاحبه.
(وكره بلا حاجة جلوس تابعها) أي الجنازة (قبل وضعها) على الأرض للدفن، كما تقدم 214.
(و) كره (تجصيص قبر، وبناء، وكتابة، ومشي وجلوس عليه) أي القبر وكره رفعه فوق شبر، وكره زيادة ترابه، نصًّا 215، لحديث جابر مرفوعًا: نهي أن يُبنى على القبر أو يزاد
الجزء: 1 - الصفحة: 413
عليه 216. رواه أبو داود، والنسائي.
(و) كره (إدخاله) أي القبر (شيئًا مسته النار) كآجر، وكحل، وخشب، إلا لضرورة.
(و) كره (تبسُّمٌ، وحديث بأمر الدنيا عنده) أي: القبر، ووطء عليه، ولو بلا نعل، لحديث جابر مرفوعًا: نهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه 217. رواه مسلم والترمذي، وزاد: "وأن يكتب عليه" 218 وقال: حسن صحيح.
وروي أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رجلًا قد اتكأ على قبر، فقال: "لا تؤذوا صاحب القبر" 219، ولأن الحديث في أمر الدنيا والتبسم عنده غير لائق بالحال.
(وحَرُمَ دفن اثنين فأكثر في قبر) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يدفن كل واحد في قبر، ولا فرق بين المحارم (إلا لضرورة) أو حاجة، ككثرة الموتى بقتل أو غيره، فيجوز دفن اثنين فأكثر بقبر، للعذر.
وسن حجز بينهما بتراب، وأن يقدم إلى القبلة من يقدم إلى الإمام، لحديث هشام بن عامر قال: "شكي إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كثرة الجراحات يوم أحد، فقال: احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر، وقدِّموا أكثرهم قرآنًا" 220 رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
ويحرم دفن بمسجد، ونحوه، كمدرسة، لأنه لم يبن له، وينبش من
الجزء: 1 - الصفحة: 414
دفن ويخرج، نصًّا 221، ويحرم دفن في ملك غيره، ما لم يأذن مالك، ويباح نبش قبر حربي، لأن موضع مسجده -صلى اللَّه عليه وسلم- كان قبورًا للمشركين، فأمر بنبشها، وجعلها مسجدًا 222، ولا يباح نبش قبر مسلم مع بقاء رُمَّته 223، إلا لضرورة، كأن دفن في ملك الغير بلا إذنه، والأولى له تركه إذن، وإن كُفن بغصب، نبش وأخذ مع بقائه، ليرد إلى مالكه، إن تعذر غرمه من تركته، وإلا لم ينبش لهتك حرمته، مع إمكان دفع الضرر بدونها.
ويجب نبش من دفن بلا غسل أمكن، تداركًا للواجب، ويجوز نبش ميت لغرض صحيح، كتحسين كفنه، لحديث جابر، قال: أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عبد اللَّه بن أبي بعدما دفن، فاخرجه، فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه 224. متفق عليه.
ويجوز نبشه، لنقله لبقعة شريفة، ومجاورة صالح، لما في "الموطأ" لمالك: أنه سمع غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة، ودفنا بها 225، إلا شهيدًا دفن بمصرعه، فلا يجوز نقله، لحديث جابر مرفوعًا: "ادفنوا القتلى في مصارعهم" 226.
وإن ماتت حامل بمن ترجى حياته، حرم شق بطنها للحمل، مسلمة كانت أو ذمية، لأنه هتك حرمة متيقنة، لإبقاء حياة متوهمة، إذ الغالب أن
الجزء: 1 - الصفحة: 415
الولد لا يعيش، واحتج أحمد 227، بحديث عائشة مرفوعًا: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي" 228 رواه أبو داود، وأخرج النساء من ترجى حياته، فإن تعذر عليهن إخراجه لم تدفن حتى يموت، ولا يوضع عليه ما يموته، وإن خرج بعضه حيًّا شق للباقي، فإن مات قبل إخراجه، أخرج ليغسل ويكفن، ولا يشق بطنها، فإن تعذر إخراجه غسل ما خرج منه، لأنه في حكم السقط، ولا تيمم للباقي، لأنه حمل، وصلي عليه معها، بشرط أن يكون له أربعة أشهر فأكثر.
وإن ماتت كافرة حامل بمسلم لم يصل عليها، ودفنها مسلم مفردة إن أمكن، وإلا فمعنا، وتدفن على جنبها الأيسر، مستدبرة القبلة، ليكون الجنين على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة.
(وأي قُربة فُعلت وجُعل ثوابها لمسلم) لا كافر (حي أو ميت نفعـ) ـتـ (ـه) كالدعاء، والاستغفار، وواجب تدخله النيابة، وصدقة التطوع إجماعًا 229، وكذا العتق، وحج التطوع، والقراءة، والصلاة، والصيام.
قال أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير، من صدقة، أو صلاة، أو غيره، للأخبار 230. ومنها ما روى أحمد، أن عمر سأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك" 231. وروى أبو جعفر عن الحسنين أنهما كانا يعتقان عن علي بعد موته 232، وأعتقت عائشة عن
الجزء: 1 - الصفحة: 416
أخيها عبد الرحمن بعد موته، ذكره ابن المنذر 233.
ولا يشترط في الإهداء، ونقل الثواب، نيته به ابتداء، بل يتجه حصول الثواب له قبل ابتداء بالنية له قبل الفعل، وظاهره لا يشترط أن يقول: إن كنت أثبتني على هذا فاجعل ثوابه لفلان، ولا يضر كونه أهدى ما لا يتحقق حصوله، لأنه يظنه ثقة بوعد اللَّه، وحسنًا للظن، ولو صلى فرضًا وأهدى ثوابه لميت، لم يصح في الأشهر، وإهداء القرب مستحب، قال في "الفنون" والمجد: حتى للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 234.
روى البيهقي، عن ابن مسعود، وعائشة، أن "موت الفجاءة راحة للمؤمن، وأخذة آسفٍ للفاجر" 235 ورواه مرفوعًا -أيضًا-.
(وسن لرجال زيارة قبر مسلم) نصًا 236، ذكرًا كان أو أنثى، لحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الموت" 237 وللترمذي:
الجزء: 1 - الصفحة: 417
"فإنها تذكر الآخرة" 238، وهذا التعليل يرجح أن الأمر للاستحباب، وإن كان واردًا بعد الحظر.
(و) سن (القراءة عنده) 239 أي القبر والذكر (و) فعل (ما يخفف عنه) أي الميت (ولو بجعل جريدة رطبة في القبر) للخبر 240، وأوصى به بريدة، ذكره البخاري 241. وسن أن يقف زائر قريبًا منه عرفًا.
وتباح زيارة مسلم لقبر كافر، ولا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يقول: أبشر بالنار، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ 242 المراد به عند أكثر المفسرين: الدعاء والاستغفار له 243. = الموت (4/ 70). وأصله عند مسلم، كتاب الأضاحي (3/ 1563) عن بريدة بن الحصيب بلفظ: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".
الجزء: 1 - الصفحة: 418
وتكره زيارة القبور لنساء؛ لحديث أم عطية: نهينا عن زيارة القبور ولم يعزم علينا 244. متفق عليه، فإن علمن أنه يقع منهن محرم حرمت، إلا زيارتهن لقبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقبري صاحبيه -رضوان اللَّه عليهما- فتسن، كرجال لعموم "من حج فزارني" 245 ونحوه.
ولا يمنع كافر من زيارة قبر قريبه المسلم، كعكسه.
(و) سن (قول زائر) لقبر (ومارٍّ به) أو بقبور: ("السلام عليكم دار قوم مؤمنين) أو يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين (وإنا إن شاء اللَّه بكم) لـ (لاحقون، يرحم اللَّه المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل اللَّه لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) 246 للأخبار، وقوله: إن شاء اللَّه، للتبرك أو في الموت على الإسلام، أو في الدفن عندهم، ونحوه مما أجيب به، إذ الموت محقق فلا يعلق بأن.
ويخير في السلام على حي بين تعريف وتنكير، لصحة النصوص بهما، = للكرماني (1/ 461) و"فتح القدير" (2/ 408). وقد أخرج الطبراني والبزار -كما في "مجمع الزوائد" (1/ 117، 118) -: عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: "حيثما مررت بقبر كافر، فبشره بالنار" قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
اهـ وينظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1/ 56).
الجزء: 1 - الصفحة: 419
وهو سنة عين من منفرد، ومن اثنين فأكثر سنة كفاية، لحديث: "أفشوا السلام" 247 وما بمعناه، والأفضل أن يسلموا كلهم، ولا يجب إجماعًا 248، ويكره في الحمام، وعلى من يأكل، أو يقاتل، أو يبول، أو يتغوط، أو يخطب، أو يتلو، أو يذكر، أو يلبي، أو يحدِّث، أو يعظ، أو يستمع لهم، أو يقرر فقهًا، أو يدرس، أو يبحث في العلم، أو يؤذن، أو يقيم، أو يتمتع بأهله، أو يشتغل بالقضاء ونحوهم.
ورده إن لم يكره ابتداؤه: فرض كفاية، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا تعين عليه، ومن سلم في حالة لا يستحب فيها السلام، لم يستحق جوابًا.
ورد السلام سلام حقيقة، لأنه يجوز بلفظ سلام عليكم، ولا تجب زيادة الواو فيه، وفي "الإقناع" 249 تجب.
ولا تسن زيادة على: ورحمة اللَّه وبركاته، في ابتداء ورد، وتجوز زيادة أحدهما على الآخر، والأولى لفظ الجمع، وإن كان المسلَّم عليه واحدًا، ولا يسقط برد غير المسلم عليه، ومن بُعث معه السلام بلَّغه وجوبًا إن تحمله، ويجب الرد عند البلاغ.
ويستحب أن يسلم على الرسول، فيقول: عليك وعليه السلام، كتشميت عاطس حمد اللَّه تعالى، وكإجابته لمن شمته، فكل منهما فرض كفاية، لأن التشميت تحية، فحكمه كالسلام، ولهذا لا يشمت الكافر، كما لا يبتدأ بالسلام، فيقال لعاطس حمد اللَّه: يرحمك اللَّه، أو يرحمكم اللَّه، ويجيب بقوله: يهديكم اللَّه ويصلح بالكم، أو يغفر اللَّه لنا ولكم، فإن لم يحمد لم يشمت، لحديث أبي هريرة: "فإذا عطس أحدكم فحمد اللَّه، فحق على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك اللَّه" 250. ولا يشمت أكثر من ثلاث في مجلس واحد، والاعتبار
الجزء: 1 - الصفحة: 420
بفعل التشميت، لا بعدد العطسات، ويعلَّم صغير الحمد للَّه إذا عطس، ثم يقال له: يرحمك اللَّه، أو بورك فيك، ومن عطسى فلم يحمد، فلا بأس بتذكيره.
ويسمع الميت الكلام، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بالسلام عليهم 251، ولم يكن ليأمر بالسلام على من لا يسمع.
وقال الشيخ تقي الدين: استفاضت الآثار بمعوفة الميت بأحوال أهله، وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الآثار بأنه يرى -أيضًا- وبأنه يدريَ بما فعل عنده، ويُسَرُّ بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا 252. ويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس 253. وفي "الغنية" 254: يعرفه كل وقت وهذا الوقت آكد.
وقال ابن القيم: الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء علم به المزور، وسمع سلامه وأنس به ورد عليه، وهذا عام في حق الشهداء وغيرهم، وأنه لا توقيت في ذلك، وهو أصح من أثر الضحاك الدال على التوقيت 255، انتهى.
يشير إلى ما روي عن الضحاك قال: من زار قبرًا يوم السبت، قبل طلوع الشمس، علم الميت بزيارته، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: [لمكان يوم الجمعة.
و] 256 لما روى ابن أبي الدنيا، عن محمد بن واسع قال: بلغني أن الموتى يعلمون من زارهم يوم الجمعة، ويومًا قبله، ويومًا بعده 257.
الجزء: 1 - الصفحة: 421
وسن لمصاب بموت نحو قريب أن يسترجع، فيقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها.
وقال الآجري وجماعة: ويصلي ركعتين 258، قال في "الفروع" 259: وهو متجه فعله ابن عباس وتلى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ 260.
(وتعزية) المسلم (المصاب بالميت سنة) ولو كان صغيرًا، قبل دفن، وبعده، لحديث: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه اللَّه عز وجل من حلل الجنة" 261. رواه ابن ماجه، وعن ابن مسعود مرفوعًا: "من عزى مصابًا فله كمثل أجره 262. رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: غريب.
وتحرم تعزية كافر، والتعزية: التسلية، والحث على الصبر، والدعاء للميت والمصاب 263. وتكره تعزية رجل لشابة، مخافة الفتنة.
والتعزية إلى ثلاثة أيام بلياليهن، فلا يعزى بعدها، لأنها مدة الإحداد المطلق.
قال المجد 264: إلا إذا كان غائبًا، فلا بأس بتعزيته إذا حضر.
فيقال في تعزية مسلم مصاب بمسلم: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاك، وغفر = "الشعب".
الجزء: 1 - الصفحة: 422
لميتك.
ولمسلم مصاب بكافر: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاك، لأن الغرض الدعاء للمصاب وميته، إلا إذا كان كافرًا فيمسك عن الدعاء له، والاستغفار، لأنه منهي عنه 265، وكره تكرار التعزية، نصًّا 266، وكره جلوس لها 267، ويَرُدُّ معزى على من ىاه بقوله: استجاب اللَّه دعاءك، ورحمنا وإياك.
وسن أن يصلح لأهل الميت طعام، يبعث به إليهم، ثلاثًا، لحديث: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم" 268. رواه أبو داود، والترمذي، وحسنه.
ولا يصلح الطعام لمن يجتمع عند أهل الميت، فيكره، لأنه إعانة على مكروه، وهو الاجتماع عندهم.
قال أحمد: هو من أفعال الجاهلية، وأنكره شديدًا 269. ولأحمد وغيره وإسناده ثقات عن جرير: كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة 270. كما يكره فعل أهل الميت ذلك للناس.
الجزء: 1 - الصفحة: 423
ويكره ذبح عند قبر، وأكل منه، لحديث أنس: "لا عقر في الإسلام" 271. رواه أحمد، وأبو داود، قال أحمد: كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورًا، فنهى -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك 272. وفي معنى الذبح عنده: الصدقة عنده، فإنه محدث، وفيه رياء، قاله الشيخ منصور في "شرح المنتهى" 273، انتهي.
(ويجوز البكاء عليه) أي الميت قبل موته، وبعده، للأخبار، وأخبار النهي محمولة على بكاء معه ندب أو نياحة 274. قال المجد 275: أو أنه كره كثرة البكاء والدوام عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 424