الذي أشبهتها، فأعطوها حقها في الموضعين، وإنما قالوا: بريكة بالتثقيل ولم يحذفوا الساكن مع الهاء، لأن الهاء لا يعتد بها مع الاسم، فكأنك قلت: بروك، ثم حقرته، والهاء غير معتد بها، وكذلك عجوز.
وليست همزة التأنيث كذلك، لأنها من بناء الكلمة، فحذفت معها الزائد لهذا الفرق الذي بينهما، ولأنها قد تحذف زوائد الكلمة في ترخيم التصغير لغير علة، فكيف إذا وقعت على توجب الحذف؟
فأما إذا وقع في موضع هذا الزاد حرف ملحق أو أصلي كقولك: فعولاء، فلو جاءت ملحقة في أسوداء لتكلم بها والواو فيها أصلية لم تحذف في التحقير وقالوا: فعيولاء وأسيوداء، ولم تجر هذا مجرى المدة الزائدة، وهذا في لغة من قال: أسيود في تحقير أسود، وجريول في تحقير جرول، ثم نظر فوجد بعض العرب يجري هذه الحروف مجرى الحروف السواكن في مثل عجوز فيقول: أسد كما يقول: عجيز، فلما أجروها مجرى السواكن في التغيير والقلب في هذه السواكن للخفة التي ذكرناها في الهمزة التي للتأنيث وأنها من بناء الكلمة، فوجب حذف السواكن معها كما تحذف من الخماسي، فجاء سيبويه بقياس اللغتين، فمن غيرها وأجراها مجرى الزائد الساكن حذفها في الموضع الذي يحذف فيه الساكن، و [من] لم يغيرها وجعلها كالأصلي أبقاها ولم يحذفها.
وأما قوله: إن الكاف من مبارك أصلية، والهمزة من بروكاء زائدة، فالأصلي والزوائد إذا كان من بناء الكلمة يحذف في الخماسي، ويثبت الزائد والأصلي جميعا، إذا لم يخرج
عن المثال، فنون رعشن ثابتة في التحقير كثبات راء جعفر، ويحذف الأصلي في الخماسي فتقول: سفيرج في سفرجل، فليس لذكر الزائد والأصلي إذا وقع طرفا في الخماسي معنى لأنهما يستويان/ 132/ في الحذف.
مسألة [102]
ومن ذلك قوله في تمام الباب الذي قبله: زعم أنه إذا حقر ثلاثين قال: ثليثون، لأنه ليس بجمع، وتقول في [تحقير جدارين وظريفين]: جديران وظريفون، لا تثقل لأنه لا يريد أن يحقر جدارا ولا ظريفا ثم يزيد عليه، ولكن تقول ما قال في بروكاء، لأن النون والزيادة التي قبلها لم يدخلا على ثلاث وإنما بنيا مع ثلاث اسما لهذه العدة، فصارت كألفي التأنيث اللتين يبنى الاسم بهما ولم يدخلا على اسم مذكر قد تم بناؤه، وكذلك جداران وظريفون إذا سميت بهما ثم حقرت فهما يجريان هذا المجرى، تحذف منهما حرف اللين "الثالث" ولا تثقله كما ثقلت ذلك في بروكاء، لأنك قد أجريت الزيادتين مجرى ما هو من الاسم ومبني معه، ولم يكن كهاء التأنيث التي هي مضمومة إلى الاسم الذي بعده تمامه.
مسألة [103]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما يحذف في التحقير من زوائد بنات الأربعة، زعم أنه إذا حقر إبراهيم وإسماعيل قال: بريهيهم وسميعيل، يذهب إلى أن الألف زائد [وهذا خطأ ونقض لقوله، لأنه قال: إن الألف لا تلحق بنات الأربعة زائدة] أولا وهذا صواب، ثم أدخلها عليهن في دعواه هذه، ولكن القول: أبيريه وأسيميع وهذا قول
أبي عثمان.
قال أحمد: أما قوله: يذهب إلى أن الألف زائدة، وأنه قد ناقض، لأنه يزعم أن الألف لا تلحق بنات الأربعة زائدة، فهو ادعاء على ضميره، لأنه ليس ذلك في نص قوله، والدليل على أنه لم يذهب إلى ما ذكر أن إبراهيم وإسماعيل اسمان أعجميان، والأعجم لا يشتق فيعلم زائدة من أصليه، فكيف يذهب إلى هذا والاشتقاق فيه ممتنع عنده؟
وأما قوله: إن الهمزة لا تدخل على بنات الأربعة زائدة، فهذا حكم على الأسماء العربية، والأسماء العجمية لا تدخل في مثل هذا الحكم إذ كنا لا نعلم اشتقاقها في كلام العجم فنقضي بذلك على الزائد حتى إذا جرت في كلام العرب فإنما حروفها كلها بمنزلة الأصلية إلا ما أشبه الزائد من كلام العرب، فتقول: هذا مشبه لزوائد كلام العرب ولعله أصلي في كلام العجم، فكان حذف الهمزة من إبراهيم وإسماعيل أولا لأنها أشبه بالزوائد العربية، ولم يراع كونها في أول اسم رباعي لأنه ليس بعربي، فإنما تجعل الحروف من الكلمة في /133/ مثل هذا ما أشبه زوائد كلام العرب.
وإن اعتل بأن الميم من زوائد كلامها فزيادة الهمزة أولا أكثر من زيادة الميم أخرا، ذلك أنها إنما زيدت في زرقم وستهم وليس يوجد ذلك كثيرا، والهمزة تزاد أولا وآخرا، ومع هذا فإن الياء في إبراهيم وإسماعيل إذا حذفت الهمزة صارت رابعة فتثبت وتكون على مثال دنينير، وإذا حذفنا وإذا حذفنا الميم واللام احتجنا إلى حذف الياء لأنها لا تكون حينئذ رابعة، وإذا حذفنا حرفين من موضع واحد "كان تغيير الكلمة بحذف حرفين من موضع واحد أشد منه، فحذف من موضع واحد" وصارت الدلالة على المعنى أبعد ألا ترى أن إبراهيم أدل على المعنى من أبيره، فلو تساوت الزيادتان- أعني الهمزة والميم- في الكثرة لكان الحذف للهمزة أولى، لأنه لا يتغير معها الاسم كتغيره مع حذف الميم، وكذلك حذف الألف أولى من حذف الياء لأنها أم الزوائد.
مسألة [104]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب تحقير ما كانت فيه تاء التأنيث، قال: (ولو سميت بضربت ثم حقرت لقلت: ضريبة، تحذف التاء وترد الهاء.
قال محمد: وهذا غلط، لأنه يقف على الهاء قبل التحقير، وذلك أنه إذا سماها ضربت قال: هذه ضربه، لا يجوز في الوقف إلا ذاك.
قال أحمد: أما قوله: لا يجوز في الوقف إلا ذاك، يعني أنه لا يقف إلا بالهاء إذا سميت بضربت، فمخالف لما قد التزمه في غير هذا الموضع، وذلك أنه إذا سمي بضربت ففيه وجهان: أحدهما أن يجري فيه الإعراب ويقف بالهاء، والآخر أن يحكي، لأنه قد أجاز ذلك في ضرب وحكاه ولم يعربه، واستشهد بقول الشاعر:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
فحكى (جلا) ولم يعربه، ووافق على ذلك محمد ولم ينكره، فإن حقر شيئا من هذا لم تجز الحكاية ولم يكن بد من التعريف، لأن التحقير علم للاسم وسمة من سماته فلا تجوز معه الحكاية، فلذلك قال سيبويه: إذا حقرت ضربت اسما قلت: ضريبة ترد الهاء وتحذف التاء، فهذا لا يجوز غيره البتة، وأما قبل التحقير فكان ذلك فيه الوجهان: التعريف والحكاية.
وكذلك رجلان لو سميت بهما كان لك ترك التثنية على حالها وحكايتها، فتقول: /134/ هذا رجلان، ورأيت رجلين، وإن شئت أدخلت الإعراب في النون [فقلت]:
هذا رجلان برفع النون، فعلامة التأنيث كعلامة التثنية إن شئنا أبقيناها وحكيناها وإن شئنا أعربناها، فهذا قول سيبويه في هذه المواضع كلها بموافقة من الراد له على جميعها إلا في هذه المسألة التي لو حضره ذكر ما وافقه عليه من نظائرها لما خالف [أيضا] فيها إن شاء الله.
ومع هذا فإن قوله: إن الهاء تكون في التحقير مكان التاء ليس بناقض لقوله: إنها في التسمية قبل التحقير كذلك، وكأنه قال: إن هذه الهاء تبدل مكان التاء في التسمية محقرا كان الاسم أو غير محقر، فلا يكون في ذلك تناقض.
مسألة [105]
ون ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب تحقير ما حذف منه ولا يرد في التحقير، قال: (زعم يونس أن ناسا يقولون: هويئر، فهؤلاء لم يقروا هارا)، قال: (ومن قال هذا فإنه لا ينبغي له أن يقيس عليه كما لا يقيس على رويجل تصغير رجل وأنيسان تصغير إنسان).
قال محمد: وهذا غلط، لأن رجلا لم يكن أصله راجلا، ولا يتكلم براجل في معنى رجل ولا أنيسان في معنى إنسان، وهار أصله هائر وهو المستعمل إلا على التخفيف، وكذلك شاك السلاح، الأجود شائك، وهويئر يختاره أبو عثمان في تصغير يضع اسم رجل يويضع وكذلك ما أشبهه.
قال أحمد: لم يمتنع سيبويه من تصغير هائر على هويئر، بل هذا قياسه إذا لم يحذف مكسرا ألا يحذف مصغرا، وتكون الهمزة ثابتة في الموضعين، ولكن القياس عنده إذا حذفها
في هارٍ أن يحذفها في التحقير أيضا، وكذلك ميت في لغة من خفف فحذف، القياس فيه عندهم أن يقولوا: مييت، فيدعون محذوفا في التحقير كما كان قبله.
ويلزم أبا عثمان على قوله في إيجاب رد الهمزة في التحقير إذا كان يخرج عن أمثلة التحقير أو كانت فيه على تدعو إلى الرد، وليس في هار علة توجب الرد، لأنه على ثلاثة أحرف، وقد صار بمنزلة باب، وإن كانت الألف في هار زائدة كما كانت الياء في /135/ ميت زائدة، لأن أصل هذا "فويعل" وذاك فاعل، والمحذوف منهما العين، فلما كان بعد الحذف في وزن ما يحقر من بنات الثلاثة لم يلزم الرد، ولو وجب ذلك لوجب أن يرد كل محذوف إلى أصله من غير سبب يضطر إليه ولا داع يدعو إلى رده.
فأما قوله في رويجل وأنيسان: إن الأصل فيهما متروك غير مستعمل لأنهم لم يقولوا: راجل بمعنى رجل ولا أنيسان بمعنى إنسان، وإن هائرا مستعمل، فهذا وإن استعمل الأصل فيه ولم يستعمل في ذلك فقد وقعت التسوية بينهما في معنى آخر وإن اختلفا في الاستعمال وتركه، وذلك أنه ليس لنا أن "نقول": هويئر بالهمز تصغير لهار المحذوف، [وقد] سوى بينهما سيبويه.
والكلام في تحقير يضع كالكلام في هذا، لأنه ليست فيه علة يلزم معها الرد، إذ كان على ثلاثة أحرف، فهو يجري على أمثلة التحقير، ولو لزم الرد بغير علة توجبه للزم كل محذوف الدر إلى أصله من غير شيء يوجبه.
مسألة [106]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب تحقير بنات الياء والواو اللائي لأماتهن ياءات أو واوات، قال: وإذا حقرت عدويا اسم رجل أو صفة قلت: عديي، لأنك لم تضف إلى
عَدِيّ مصغرا فتقول فيه ما قلت في أموي، قال: (ومن قال: عدوي فقد أخطأ).
قال محمد: أما قوله فيه صفة فلا يدفع، من قبل أن عديا فيه ياء النسب، لأنك إليه تقصد، فإن أذهبتها منه ذهب المعنى ولكن لو سميت به رجلا لم يجز فيه إلا عدي، لأنك لا تريد النسب، فالحذف له ألزم منه لتصغير عطاء، وهذا قول أبي عثمان، والدليل على صحته أنك لو نسبت إلى قولك: اثنا عشر وهو عدد لم يجز، لأنه يلزمك حذف عشر فيذهب المعنى، ولو أضفت إليه وهو اسم رجل لجاز فقلت: اثني وثنوي.
قال أحمد: لغلط على سيبويه بين في هذه المسألة، وذلك أنه تكلم في عدوي ووقعت التخطئة على عدي، فعدي كعطاء كما ذكر، لأن هذا فعيل وهذا فعال، وتحقيرهما عدي وعطي، وليست الياء في عدي ياء نسب، إنما هي كذلك في عدوي، فياء النسب فيه بمنزلة هاء /136/ التأنيث، فإذا حقرته فكأنك حقرت غدوة وعدوة، فتقول: عديي كما تقول: عدية وغدية، لأنك أدغمت ياء التصغير في الواو التي هي لام الفعل، وصارت ياء النسب المشددة بمنزلة اسم ضم إلى اسم فكانت كالهاء، وسواء كان وصفا أو اسما كما أن هاء التأنيث كذلك، ألا ترى أنك لو أضفت إلى مسلمة أو مسلمات لقلت: مسلمي، وكذلك لو أضفت إلى المنسوب مسمى أو صفة لحذفت ياء النسب كما تحذف الهاء وتثبت في الموضع الذي تثبت فيه، فهما متساويتان في أكثر المواضع، ألا ترى أنك تقول: هذا أمي فتصرف للياء كما تصرف للهاء صياقلة، ومع هذا فقد قالوا: أميي في أمية، وأمية
فُعَيْلة وليست بياء نسب، وأمية كعدي، فلم يحذفوا من هذا في بعض اللغات، فإذا جاز ترك الحذف في هذا فالمنسوب لا يجوز فيه الحذف البتة.
وأما قول سيبويه: إنك لم تضف إلى عدي مصغرا، فإنما أراد بذلك أن منهم من قال في تحقيره: عدوي بالواو كما قالوا أموي فقال: هذا خطأ، لأن هذا نسبة إلى مصغر وليس بتصغير لمنسوب، فخطأ من يذهب إلى هذا القول، ألا ترى أنك لو نسبت إلى أمية- وأمية مصغر- قلت: أموي، وكذلك لو نسبت إلى عدي مصغرا لقلت: عدوي، فهذا قد أضفت إليه مصغرا، فإذا أردت أن تصغر منسوبا وهو عدوي وأموي قلت: عديي وأميي.
فأما ما قاله محمد: إنك تقول: عدي فهذا تحقير عدي، وعدي فعيل ليس بمنسوب، وجرى الكلام منه على غلط، فأما اعتلاله باثني عشر إذا نسبت إليه مسمى وغير مسمى فإنه يختلف، فليس يدفع أن يكون في الكلام ما يخالف وصفه إذا سمي به، وليس هذا موضعه ولا يشبه المسألة.
مسألة [107]
ومن ذلك قوله في باب ما يحقر لدنوه من الشيء، زعم أنه لا يحقر تحقير الثلاثاء والأربعاء لأنهما وما أشبههما أعلام، وإنما يحقر من أسماء الزمان ما كان نكرة.
قال محمد: وهذا خطأ فاحش، لأنه إذا جاز تحقير يوم وليلة لأن ذلك بمنزلة رجل وامرأة، فكذلك يلزمه أن يكون السبت والأحد كزيد وعمرو، ولا اختلاف /137/ بين
النحويين في إجازة تحقير اسم المكان معرفة كان أو نكرة.
قال أحمد: أما ادعاؤه الإجماع في مسألة خالف فيها سيبويه فمخالفته تبطل الإجماع الذي ذكره لو كان كل من سواه يوافق محمدا فكيف والأمر على خلاف ما ذكر؟
ولكنا نبين حجة سيبويه ونبطل الاعتلال في تخطئته [فنقول]: إنما امتنع تحقير الأعلام من أسماء الزمان لأنها ليست بموضوعة على مقادير كما وضع يوم على مقدار من الزمان وعدد من الساعات، ألا ترى أن يوما يكون جوابا لـ (كم)، يقول القائل: كم سرت؟ فيقول المجيب: يوما أو يومين، فإذا كان مقدارا جازا تحقيره وتقليله، وأما السبت والأحد وما يجري مجراهما فلم يوضع للمقادير وإنما هي أعلام وسمات لأوقات لا يراد بها المقدار، وهي تكون في جواب متى سرت؟ فيقول المجيب: السبت فلما أريد بها ذلك لم يجز فيها التقليل لأن التحقير في المقادير إنما هو كتقصير الشيء أو تقليل عدده.
فأما زيد وما أشبهه فهو وإن كان علما فقد يسمى به غير واحد، ولم يجر السبت في كلامهم هذا المجرى ولا سموا به غيره من الأيام.
وأما قوله: إن المكان يجري مجرى الزمان فهو كذلك، ألا ترى أنه لا يجوز تحقير ما كان من الأماكن علما كمكة وعمان، لأنه ليست هناك مكة أخرى تكون هذه أصغر منها، لأن الصغر والكبر من باب الإضافة تقول: هذا أصغر بالإضافة إلى ما هو أكبر منه، فإن لم يكن ثم أكبر منه لم يجز أن تنسبه إلى الصغر، ولكن يجوز ذلك في النكرات من الأماكن كما جزا في النكرات من الأزمان فتقول: فريسخ تصغير فرسخ، لأنه يكون فرسخ أطول من
فرسخ على حسب الوضع والتقدير.
فإن قال: إن السبت يتكرر كما يتكرر يوم، فلو كان يجري في هذا مجرى يوم كان نكرة كيوم، ولكنهم جعلوه اسما لأول كل جمعة فصار كأنه اسم لشيء واحد ولم يوضع على التكرير، ولو وضع على التكرير لكان نكرة كما قلنا في يوم.
مسألة [108]
ومن ذلك قوله في باب تحقير [الأسماء] المبهمة، ذكر أن الألف تلحق في أواخرها.
قال محمد: وليس كل ما وصف، ولكن الألف تلحق في /138/ أواخر بعضها وقبل أواخر بعض، فما لحقته الألف قبل آخره أولاء فيمن مد الياء، وتصغيره لو زدتها في آخره الياء، فتدغم ياء التصغير في ألف أولاء ثم تأتي بالهمزة بعدها ثم تزيد الألف بعد ذلك، ولكنهم كرهوا وقوع هذه الألف ها هنا لأن الألف تحذف خامسة من نحو حبنطي وقرقري، فزادوها قبل آخره لأن يكون على مثال التصغير، وأرادوا أن يسلم آخره على الكسر.
وقال في هذا الباب: لا يصغر (اللاتي) لاستغنائهم بتصغير (التي) وجمعها في قولهم: اللتيات، وكان الأخفش يقول في تصغير اللاتي: اللويتا.
و [في] اللائي:
اللويئا، وهو القياس.
قال أحمد: في هذه المسألة أربعة أجوبة: إنه لو كان قول سيبويه على ما ذكر عنه لما كان إلزامه صحيحا، وذلك أنه إذا تكلم على معظم الباب جاز أن يجعل الكلام عاما وإن شذ الحرف، فهذا وجه.
والثاني، إنه ليس الأمر كما حكاه عنه البتة، وذلك أن سيبويه إنما جعل الكلام عاما في أوائل هذه الأسماء المبهمة لا في أواخرها، فزعم أن أوائلها لا تغير، ثم ذكر الأسماء التي تلحق أواخرها الألف خاصة لا عامة، ثم ذكر أولاء الممدودة مفردة بعد ذلك منها، وإذا كان هذا هكذا فليس يلزمه ما ذكر، وإذ قرئ نص كلامه من الباب علم أن الأمر على خلاف ما ذكر، وأنها حكاية ظن.
والجواب الثالث: إن هذه الألف لما كانت تلحق آخر أولى المقصورة وصار موضعا لها ودخلت الكاف عليها إذا قلنا: أولياك، ألحقوها أيضا هذه الهمزة في المد كما ألحقوها الكاف وكانت الألف كأنها في الطرف.
والوجه الرابع- وهو الذي أختاره- أن تكون الهمزة هي ألف التصغير على أليا، وذلك أن الياء أدغمت في ألف أولاء فلما انقلبت الألف ياء صارت الهمزة "ألفا، " وأدخلت عليها ألف التحقير فهمزت لاجتماع ألفين.
وأما قوله: كان ينبغي أن يكون على قياسه ألياء فخطأ، لأن الألف لما انقلبت ياء تغيرت الهمزة فصارت ألفا.
وأما ما حكاه الأخفش في إجازة تحقير اللاتي واللائي فليس هذا بنقض، لأن الأخفش إنما أجازه/ 139/ قياسا لا سماعا، وسيبويه يذكر أن العرب استغنت عنه باللتيات، ولم
يسمع في كلامها تحقير هذين وقياسه سهل عليه وعلى من هو دونه.
مسألة [109]
قال: وذكر سيبويه في اسم الله جل وعز أن تقديره (فعال) لأنه إلاه.
والألف واللام في (الله) بدل من الهمزة، فلذلك لزمت الاسم مثل أناس والناس، ثم قال في كراسة ست وثلاثين: إنهم يقولون: لهي أبوه في معنى لله أبوه، قال: فيقدمون اللام ويؤخرون العين.
قال محمد: وهذا نقض ذلك، لأنه قال أولا: إن الألف زائدة لأنها ألف فعال، ثم ذكر ثانيا أنها عين الفعل.
قال أحمد: وذكر سيبويه هذا الكلام في باب الإضافة إلى المحلوف به، وليس بناقض لما قدمه ولكنهم فعلوا في هذا الاسم لكثرته على ألسنتهم ما لم يفعلوا في غيره، فحذفوه وألزموا فيه الحذف فقالوا: لاه أبوه، فصارت هذه الألف كأنها عين الفعل، وإن كانت زائدة في الأصل، ثم أكدوا ذلك بأن قلبوها ياء وأزالوها عن موضعها فقالوا: لهي أبوك، فضارعوا بها الألف المبدلة، وألف (فعال) ليست منقلبة من ياء، فلما رأى العرب قد قلبوها وأجروها مجرى ما هو مبدل من حرف من نفس الكلمة، صارت عنده بذلك مضارعة لعين الفعل، ولو لم يضارعوا بها العين لما قلبوها ياء، فلما شبهوها بالألفات والمبدلة عينا لذلك فهي عنده ألف (فعال)، إلا أنه لما دخلها هذا الإبدال والنقل عن موضعها خرجت عن
نظائرها فسميت باسم ما ضورع به.
مسألة [110]
ومن ذلك قوله في باب النونين الخفيفة والثقيلة، زعم أنه إنما يقول: هل تضربن زيدا؟ إذا أراد الجماعة، وهل تضربن زيدا؟ إذا عنى المرأة، لأنهم كرهوا اجتماع نونين، ثم قاس هذا في باب النون كله.
قال محمد: وهذا اعتلال فاسد، لأن الجميع بني نونين في تضربونني وثلاث نونات في قولهم: إنني، غير مستنكر، ولكن القول في هذا: إنهم بنوا الفعل المذكر مع النون على الفتح فقالوا: هل تخشين زيدا للواحد، واضربن زيدا، وسقوط النون من الجميع والمؤنث/ 140/ نظير الفتحة في الواحد كما كان ذلك في نصبها، فهذا القياس، وهو قول أبي عثمان.
قال أحمد: قول سيبويه: إنهم كرهوا اجتماع النوني، كلام صحيح، من أجل أن تضعيف الحرف وتكرره ثقيل على اللسان، وزعم الخليل أن اللسان إذا انتقل من حرف إلى غيره فهو سهل كسهولة الرجل إذا انتقلت من موضع إلى سواه، فإذا نطق اللسان بحرف ثم رجع إليه كان كمشي المقيد.
وهذا اعتلال يستدل على صحته بما نجد من طباعنا من استثقال ما استثقلت العرب، وهذا النحو من العلل صحيح لا يدفع، لأن وجودنا إياه في أنفسنا شاهد عدل على ما
أدعى في غير هذا مع تبيان العلة التي ذكرها الخليل، والراد غير مخالف لنا في هذا الأصل الذي قدمناه لنبني الكلام عليه.
ومن الدلالة على صحة ما قاله سيبويه من كراهة اجتماع النونات قولهم في الأمر لجماعة النساء: اضربنان، فأدخلت الألف لتفصل بين النونين: الأولى والمدغمة التي للتوكيد، وليس قولنا: إنهم يستثقلون التضعيف بمعنى أنهم لا يقدرون على التكلم به، فيكون ما عارض به الراد من قولهم: إنني ويضربونني، ولكن الاستثقال صحيح، وقد يتحملونه في مواضع من كلامهم لمعان تعرض فيه ولا يجوز غيره، وقد يدعونه في مواضع لا يجيزونه فيها البتة، وفي مواضع يجيزون الوجهين: التعضيف والترك، فمما ألزموه الإدغام كراهة التضعيف قولهم في الفعل: رد وما أشبهه، ولا يقولون: ردد إلا أن يسكن الحرف الآخر، ومما ضاعفوه ولم يدغموه قولهم في الاسم: شرر وطلل.
ولم يكن تحملهم للثقل في مثل هذا لما ذهبوا إليه في الاسم والفعل بمبطل ثقله، ولا بمانع لنا أن نعتل به في (رد) فنقول: إنهم أدغموه استثقالا للتضعيف، كما أن قولهم: إنني ويضربونني لا يجب أن يكون مانعا لنا من أن نقول: إنهم استثقلوا اجتماع النونات في موضع آخر من الكلام، إذ ليس كل مستثقل متروكا التبة في جميع المواضع.
والنون التي تدخل للتوكيد فهي وإن كانت زائدة فإنما/ 141/ زيدت في حروف الكلمة، وليست بمنزلة شيء منفصل كالنون، والياء التي هي كناية المفعول في قولك: إنني ويضربونني، لأنك قد تأتي بالظاهر كقولك: إن زيدا فاعل، وبكناية ليس فيها نون
كقولك: إنه وإنها، فليست هذه النون بحرف مزيد في الكلمة، ولا يغير لها آخر الفعل كما يغير لنون التوكيد ويبنى معها، ومع هذا فقد تلزم نون التوكيد الفعل في بعض المواضع في مثل قوله: والله ليفعلن، فكان الحذف مع ما يبنى مع الفعل ويغير له آخره ويصير كأحد حروفه ويلزم في بعض مواضعه أولى، ومع هذا كله فقد حذفوا النون من (إنني) فقالوا: إني، وقرأ بعضهم: (أتحاجوني)، فإذا حذفوا هذه النون استثقالا مع ما وصفنا من أنها لا تلزم وليست مبنية مع الفعل [كان الحذف لنون التوكيد أولى] لتغييرهم آخر الفعل لها.
والعلة التي أتى بها للاستثقال بالنونات على قاطعة على أصل متفق عليه، تشهد فطرة الإنسان بصحبته، والعلة التي أتى بها المازني خليقة حسنة غير ناقضة للأخرى، وقد تكون للمسألة علتان وعلل، وليس ما كان خليقا من العلل لأنه أشبه بعض كلامهم، واستحسن كذلك، وظن أنه مرادهم إذ لم يوجد أقرب منه ولا أشبه، مثل ما قامت الدلالة على أنه مقصدها وإرادتها، وإذا عدمنا في الشيء هذا النوع من الاعتلال- أعني ما علمت علته من الاستدلال- رجعنا إلى باب الاستحسان، وإنما آثر محمد هذا الطريق واستحسنه، لأنه طريق يتبين فيه لطف الصانع وحسن حيلته وتشبيهه، لأنه قد عدم الدلالة فاحتاج إلى المماثلة والمقاربة.
والمعنى الذي حكاه المازني أنه قال: لما كان آخر فعل الواحد مع نون التوكيد مفتوحا كقولك: تفعلن، ضارع هذا المنصوب إذا قلت: لن يفعل، فحذفت النون في التثنية والجمع مما فيه النون كما حذفت في تثنية المنصوب وجمعه فقالوا: هل تفعلن، فحذفوا نون الجميع كما حذفوا من قولك: لم تفعلوا.
وفي هذه المسألة على في حذف النون هي أحسن مما حكاه محمد عن المازني مستخرجة
من قول سيبويه، منتزعة من مذهبه، وذلك/ 142/ أنه زعم في الرسالة التي صدر بها كتابه أن العرب فعلت بلام (فعل) كما تفعل بلام (يفعل) في البناء على السكون في قولك: فعلن ويفعلن، وعلى الفتحة في قولك: فعل وهل يفعلن، فإذا كانت مع نون التوكيد مبنية على الفتح مضارعا بها الفعل الماضي، وجب حذف النون في التثنية والجمع، لأنها إنما تدخل الإعراب، فإذا ثنيت في واحدها زال الإعراب من تثنيتها ومن جمعها، كما لم يدخلوا النون في ضربا وضربوا، وفي قولهم في الأمر: اضربنا واضربوا، لأن فعل الواحد مبني على الوقف، وكل موضع بنيت فيه الفعل، فإنك تحذف النون من تثنيته ومن جمعه، فهذا الاستخراج على مذهبه، وهو أصح مما أتى الراد به لأنه شبه هو المبني بالمعرب، وهذا إنما هو حمل المبني على المبني، فحمله على نظيره أولى.
مسألة [111]
ومن ذلك قوله في باب الهمز، قال: (ألا ترى أن ناسا يحققون الهمزة، فإذا صارت بين ألفين خففوا، وذلك قولهم: لي كساءان، ورأيت كساءا، فيخففون كما يخففون إذا التقت الهمزتان، لأن الألف أقرب الحروف إلى الهمزة.)
قال محمد: وهذا نقض لقوله في غير هذا الموضع، وخطأ فاحش، وذلك لأنهم إنما خففوا فيما زعم لأن الهمزة المخففة قريبة من الألف، ففروا من وقوعها مع ألفين، وكان بمنزلة اجتماع ثلاث ألفات، فهم إذا "خففوا" قربوها من الألف بأكثر من قربها وهي محققة، فإنما تقربوا مما يكرهون، فهذا من أكبر الغلط.
قال أحمد: قوله: إن الألف أقرب الحروف إلى الهمزة، يعني في الموضع، لأنهما من حروف الحلق لا في الشدة والثقل، ألا ترى أنه لما تكلم في باب مواضع الحروف ومخارجها جعل الألف والهمزة من حيز، وزعم أنهما من الحلق، ولما تكلم في الشديدة واللينة جعل الهمزة في حيز الشديدة، والألف في حيز اللينة، وقسمها غير تلك القسمة، وتقريبها من الألف ليس مما استثقل، لأنهم إنما يقاربونها من حرف يدانيها في مخرجها، وهو ألين منها، وهذا كالإمالة "في مثل" قولك: عالم، إنما يقرب الحرف من/ 142/ المكسور ليخرج ن شيء إلى قريب منه غير مباعد له، وكذلك إذا خففت الهمزة، فإنما تنقله عن حرف شديد ثقيل، فيضاهي بها الخفيف اللين المقارب لها في الموضع لا في الشدة، فإذا خففتها أزلت بعض شدتها، وصيرتها مقاربة لها في اللين مع مقاربته لها في الموضع، والدليل على أن الألف ألين الحروف وأخفها، أنها أكثرها وقوعا في اللفظ وترددا فيه، وبها يبتدأ في استخراج التراجم المعماة، لأن الخط سبيله أن يستر ما في اللفظ، فإذا عددت صور الحروف كان أكثرها عددا برجوعه وتكرره، لأنها كذلك في اللفظ، فإنما قربوا الهمزة مما يستخفون لا مما يستثقلون، وإنما زعم أنها أقرب الحروف إليها في موضعها من الحلق لا في شدتها وثقلها، وقد يتقارب الحرفان في الموضع ويتباعدان في الشدة والرخاوة، والهمس والجهر، وربما اتفقا في ذلك.
مسألة [112]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ذكر الاسم الذي تبين به العدة كم هي، قال: فمن هذا [قولك: هذا] رابع ثلاثة على قولك: ربع ثلاثة، أي صيرهم أربعة، قال: هذا رابع ثلاثة عشر.
قال محمد: وهذا خطأ، لأنه يريد أن يبني فاعلا من فعل نحو: ثلث وخمس وربع، فهو رابع وخامس ونحوه، ويلزمه أن يبني فاعلا في هذا الموضع من أربعة عشر من الاسمين جميعا، وهذا محال، فلا يجوز أن تتكلم بمثل هذا إلا على قول من قال: ثالث ثلاثة، فتقول على الحذف: ثالث ثلاثة عشر، لأن معناه أحد ثلاثة عشر، ولا يريد أن يكون فاعلا من الفعل بمنزلة ضارب من الضرب، وترك جواز ما ذكرنا قبل قول الأخفش والمازني.
قال أحمد: هذا الذي حكاه عن الأخفش والمازني من الاعتلال في أنه لا يجوز: رابع ثلاثة عشر كما جاز: رابع أربعة عشر، هو بعينه لازم لهم في: رابع أربعة عشر، وذلك أنهم زعموا أن هذا إنما امتنع من أجل أنك تريد أن يبنى فاعلا من كلمتين، من أربعة وعشر، وهذا لا يجوز، فهم أيضا إنما فروا أن يبنوا فاعلا/ 144/ في الوجه الآخر وهم يريدون اللفظين، أعني قولهم: رابع أربعة عشر، وذلك أنه في الأصل رابع عشر أربعة عشر، وإنما حذفوا عشرا استخفافا واستغناء بدلالة الثاني عليه، وكذلك "هو" إذا قالوا:
رابع ثلاثة عشر، فإنما معناه رابع عشر ثلاثة عشر، وحذفت (عشر) الأولى ودلت عليها الثانية، وهذا شيء فعلته العرب، بنت فاعلا من الصدر لما لم يجز أن تبنيه من اللفظين، وليس الحذف ها هنا بقياس قاسه النحويون، ومثل ذلك من كلامهم النسبة إلى المحكي نحو: تأبط شرا إنما تقول: تأبطي فتنسب إلى الصدر، ولو لزمه أن يبني فاعلا من لفظين في رابع ثلاثة عشر للزمه ذلك في رابع أربعة عشر، فإن قال: إنه بنى رابعا من أربعة وحذف (عشرا) استخفافا، فكذلك هو في رابع ثلاثة عشر، بنى رابعا من أربعة وحذف (عشر) استخفافا، ولا فرق بينهما غير مخالفة لفظ أربعة للفظ ثلاثة، فأما بناء فاعل في الوجهين فمن لفظة واحدة، وحذفت الأخرى، وكان ما أبقوا دليلا على ما ألقوا، واستعملت العرب "الحذف" استعمالا مطردا في الوجهين، ومنهم من يأتي بعشر فيقول: رابع عشر ثلاثة عشر، والحذف أجود وأكثر.
فأما قوله: إذا أردت بفاعل الاسم بناؤه وكان معناه أحد أربعة عشر، وإذا أردت به الفعل لم يجز، فهذا تحكم بغير علة، وقد جعلت العرب حكم هذا الباب أن تبني فاعلا من الأول كما ينسب إلى اللفظة الأولى، ولم يرنا الراد علة مانعة من الوجه الآخر الذي على معنى الفعل غير قوله: يلزمك إذا أردت به الفعل أن تبني فاعلا من لفظتين، ولا فرق في اللفظ بين فاعل إذا أردت به الفعل وبين فاعل إذا أردت به الاسم في الاشتقاق، وإنما يقع الفرق في النية إذا نويت به الاسم ولم ترد إيقاع الفعل، فأما في لفظ الاشتقاق فهما سواء، ألا ترى أن ضارب زيد أمس، وضارب زيدا غدا، اشتقاقهما واحد واللفظ بهما سواء، وإن كنت تريد بالمستقبل إيقاع الفعل وبالماضي الاسم.
مسألة [113]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته هذا/ 145/ باب ما هو اسم واحد يقع على جميع وفيه علامة التأنيث، يقال: حلفاء واحدة وحلفاء للجميع، وطرفاء وبهمى.
قال محمد: وزعم الأصمعي أن واحد الطرفاء طرفة، وواحد الحلفاء حلفة مكسور اللام، وواحد القصباء قصبة، وهذا خاصة كثير على ألسن العوام.
قال أحمد: أما ما حكاه عن الأصمعي من سماعه طرفة وحلفة فصحيح، وليس يحكي إلا ما سمع، وأما تأوله أ، هـ مكسر على حلفاء وطرفاء فغير صحيح، وهو في صناعة النحو ضعيف، والدليل على أن حلفاء وطرفاء ليس بجمع كسرت عليه طرفة وحلفة أنك تحقره على لفظه فتقول: حليفاء وطريفاء، ولا ترده إلى تحقير طرفة "وحلفة"، ثم تجمع بالألف والتاء كما تفعل ذلك بالجموع إذا كسر عليها الواحد نحو قولك في تحقير الواحد [من] درهم: دريهمات، وإنما حقرت درهما ثم جمعته، ولو جمع طرفة وحلفة على بابه لأجرى مجرى نظائره نحو: شجرة وشجر، وخرزة وخرز، فكان فيه طرفة وطرف وحلفة وحلف كما قالوا: قصبة وقصب.
فأما قصباء فليس بجمع على قصبة كما قلنا في حلفاء، وإنما هذا من باب الباقر والجامل، لأنه لم يكسر عليه جمل ولا بقر، والدليل على ذلك قولهم: هو الجامل، وجويمل، فيذكرونه لأنه واحد يدل على جمع، ويحقرونه على لفظه ولا يردونه إلى لفظ
جمل فعلم بذلك أنهم جعلوه اسما واحدا يدل على جمع، وقد أفرد سيبويه لهذا بابا، وهو مذهب الخليل وغيره، ولم ينكر الراد هذا ولا أدعى في شيء منه أنه جمع على واحد، على أنه قد جاءت فيه حروف اطردت أكثر من اطراد باب حلفاء، وذلك قولهم: صاحب وصحب، وراكب وركب، وكمأة وكمء، فهذا يجعل جمعا على واحده وإن كان من لفظه، وتصغير العرب إياه وتذكيره دليلان على أنهم أرادوا به واحدا ينوب عن جميع، ألا ترى إلى قولهم: هذا الركب، ولا يقولون: هذه الركب، ويقولون: ركيب.
فإن قال: [فإن] كان هذا من باب ركب وصحب، فلم فصله/ 146/ منه وجعله باب على حدة؟ قيل له: إنما فصله لأن صحب واحدي قع على الجميع، "وباب حلفاء اسم واحد يقع على الجميع" والواحد بلفظ واحد، فقد وافقه بأن اللفظ للواحد والمعنى للجميع، وخالفه بأن حلفاء تقع على معنى الواحد أيضا كما وقع على لفظ الجميع بذلك اللفظ.
فإن قال: فقد استعمل لهذا واحد وإن لم يكن مكسرا عليه نحو: صاحب، كما استعمل لطرفاء واحد وإن لم يكن مكسرا عليه وهو طرفة، فقد اتفقنا بذلك، قيل له: هما متفقان من ذلك الوجه، ومختلفان من جهة أن العرب جعلت لحلفاء وطرفاء وجها آخر، وهو أنها تدل على واحد، والدليل على ذلك ما رواه سيبويه عنهم من أنهم يقولون: حلفاء واحدة وطرفاء واحدة، فيصحبونها هذا النعت كما أصحبوها بهمى في قولهم: هذه بهمى واحدة، وليس يخالف الراد في بهمى وهي من الباب، وليس وجودهم لها واحدا في "بعض اللغات بمانع لأن تجعلها العرب بلفظ جميعها لواحد في" أكثر اللغات، ولا ما رواه الأصمعي بمبطل لما رواه سيبويه من قولهم: حلفاء واحدة وبهمي واحدة، لأن هذا سماع
وليس بقياس قاسه، فكأنه جمع لواحده بناءان، ومع هذا فليس حلفاء من أبنية الجمع وإنما هو كحمراء، وألفا التأنيث في آخره كهاء التأنيث، وهاء التأنيث في مثل هذا إنما تكون للواحد وتسقط من الجميع كقولك: تمرة وتمر، وبسرة وبسر، ألا ترى أنهم يجمعون ما فيه ألفا التأنيث كما يجمعون ما فيه هاء التأنيث فيقولون: قواصع في مع قاصعاء، كأنهم جمعوا قاصعة، وقالوا: قنبراء وقنابر، وخنفساء وخنافس.
[كأنهم جمعوا قنبرة وخنفسة].
فإن قال: فإذا جعلت لفظ حلفاء وطرفاء للواحد والجميع، فما الفرق بين الواحد والجميع؟ قيل له: جعلت العرب الفرق ها هنا بالوصف، فألزمته إذا أردت به الواحد الوصف فقالوا: هذه طرفاء واحدة كما قالوا: بهمى واحدة.
مسألة [114]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما لفظ به مما هو مثنى كما لفظ بالجمع، قال: (وسألت الخليل عن قولهم: ثلاثة كلاب فقال: يجوز في الشعر على غير وجه ثلاثة أكلب، ولكن على قوله: ثلاثة من الكلاب، كما/ 147/ قال:
..... ... ثنتا حنظل
قال محمد: والعرب تقول في أقل العدد في قرء المرأة: أقراء، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ فهذا نقض قوله: إنما يجوز في الشعر.
قال أحمد: نص سيبويه عن الخليل غير ما حكاه، وذلك أنه قال: (وسألت الخليل عن ثلاثة كلاب فقال: يجوز في الشعر، شبهوه بثلاثة قرود، ويكون ثلاثة كلاب على غير وجه ثلاثة أكلب، ولكن على قوله: ثلاثة من الكلاب)، فهذان وجهان: الأول منهما يجوز في الشعر، وهو أن يكون ثلاثة كلاب على معنى ثلاثة أكلب كما قالوا: ثلاث قرود، إلا أنهم لم يستعملوا الجمع القليل في قرود فيقولوا: أقراد، واستعملوا الكثير للقليل والكثير، فجاز في الكلام، وشبهوا كلابا به فجاز في الشعر "لاستعمالهم الجمع القليل فيه وهو قولهم: أكلب.
وأما الوجه الثاني الذي على معنى الإضافة إلى الجنس فهو جائز في الكلام والشعر".
وقد زعم سيبويه في أول الباب أنه قد يجيء خمسة كلاب ولم يقل في الشعر، وقال: كقولك: خمسة من الكلاب، وحذفت (من) وأضفته إلى الجنس، وقال: هذا كما تقول: صوت كلاب، أي صوت هذا الجنس، وحب زمان، والحب ليس بالرمان وإنما هو منه، وكذلك الصوت من الكلاب، فكأنه يريد أن هذه العدة من الكلاب وليست بجميع للكلاب وإذا قلت: ثلاثة أكلب فالثلاثة هي الأكلب.
وإذا لم تستعمل العرب الجمع القليل في مثل هذا استغنت عنه بالكثير فجعلته للقلي والكثير، فمن ذلك قولهم: ثلاثة شسوع، استغنوا "بها" عن أشساع، وثلاثة قرود، استغنوا "بها" عن أقراد، وثلاثة قروء، استغنوا بها عن أقرؤ، فلما جعلوا الجمع الكثير ها هنا ينوب عن القليل والكثير حسنت إضافة الشعر وما دونها إليه، لأنه قد قام مقام القليل لتركهم استعمالهم إياه وجعلهم الكثير ينوب منابه، فأما كلاب فإنما ضعفت فيه خمسة كلاب لأنهم قد قالوا: أكلب، فكان الأولى أن يضاف العدد إليه، إذ كان فيه مستعملا لم
يستغن عنه بكلاب، ولو ترك استعمال أكلب واستغني عنه بكلاب لحسن ثلاثة كلاب كما حسن ثلاثة شسوع.
وأما قوله: إن العرب تقول في القليل: أقراء، فليس ذلك الأصل في جمع فعل القليل، وإنما هو شاذ فيه فشبه بغيره، وإنما الأصل في قليل فعل أفعل، وقد/ 148/ ترك استعماله البتة في قرء واستغنوا عنه بفعول، وإذا لم يستعملوا أقل الجمعين على الأصل أجازوا أن يضيفوا إلى الأكثر، لأنهم قد صيروه يقوم مقام الأقل وإن كان قويا، إذ كانوا قد أجازوا على ضعف استعمال إضافة العدد إلى أكثر الجمعين المستعمل منه القليل على الأصل نحو: خمسة كلاب، فلما استجازوا هذا على ضعفه كان فيما لم يستعمل له قليل على الأصل جيدا قويا، وهو قولهم: ﴿ثلاثة قروء﴾ وبه جاء القرآن.
مسألة [115]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب تكسيرك ما كان من الصفات عدة حروفه أربعة أحرف.
قال محمد: وزعم الخليل أن قولهم: ظريف وظروف لم يكسر على ظريف كما أن المذاكير على ذكر، قال أبو عمر الجرمي: ظروف تكسير ظريف على غير الباب، وليس بمنزلة مذاكير، لأنك لو صغرت ظروفا لقلت: ظريفون فرددته إلى ظريف، ولو حقرت مذاكير لقلت: مذيكرات، لم ترده إلى ذكر.
قال أحمد: قول أبي عمر: إن ظروفا جمع ظريف على غير الباب غلط، وإنما هو على غير
الواحد، وبين اللفظين فرقان، وذلك لأن الذي يجمع على غير الباب مثل قولك: زند وأزناد، وفرد وأفراد، وكان الباب أن يبنى على أفعل كفلس وأفلس وكلب وأكلب، وإنما شبه بجذع وأجذاع، وقفل وأقفال، فحمل على غير بابه لأنه ليس بينهما في البناء اختلاف غير حركة وأما ظريف فليس كذلك، لأنه على وزن فعيل، والذي يجانسه في البناء ويقاربه فعال كغزال وفعال كحمار وفعول كرسول، فهذه أخواتة.
وليس شيء من هذه الأبنية المقاربة "له" يجمع على فعول، فيكون ظروف شاذا قد حمل على ما قاربه من الأبنية، ولم يحمل على بابه كما فعل في ذلك في فعل وفعل وفعل، ولكن يقال في هذا: إنه جاء على غير بناء واحده كما كانت ملامح ومذاكير على غير بناء الواحد، وليس أيضا بمنزلة ركب وجامل وباقر، لأن هذه الجموع موحدة دالة على معنى الجميع، والدليل على ذلك قولهم: هذا الركب وهذا الجامل، فأما ظروف ومذاكير فجمع لأنك تجمع فتقول: هؤلاء الظروف كما تقول: هؤلاء الظرفاء، وتؤنث المذاكير؟
فأما ظروف/ 149/ فهو جمع على غير لفظ واحده، وليس هو بموحد اللفظ كالركب للدلالة التي ذكرناها، وعلى هذا قسم سيبويه هذه الجموع وفصل كل نوع منها عن صاحبه.
وإنما لحقه الغلط في ظروف، لأنه حقره بلفظ ظريف ثم جمعه، وحقر مذاكير بلفظ مذكار الذي لم يستعمل ولم يحقر بلفظ ذكر، فصار هذا عنده فرقا، والعلة في ذلك أن واحد مذاكير يأتي أبدا في القياس على طريقة واحدة ووزن واحد، لأن مفاعيل إنما هو جمع لفعال أو مفعول وهما واحد وجمعها يرجع إلى مثال واحد، وكذلك تحقيرهما تحقير مثال واحد، وأما ظروف فهو فعول، و (فعول) تأتي جمعا لأبنية مختلفة، فلما لم يلزم طريقة واحدة، ولا كان له مثال من الواحد هو أحق به من غيره كما كان لمفاعيل جمعوه على واحده المستعمل، ومع هذا فليس ذكر من لفظ مذاكير للزوائد التي في لفظ
مذاكير، وليس واحدها من لفظها بمستعمل، وواحد ظروف من لفظها مستعمل وإن لم يكن مكسرا عليه الجمع، فهذا الفرق بينهما، وإنما واحد مذاكير من لفظها مستعمل وإن لم يكن مكسرا عليه الجمع مذكار، ولم يستعملوه، فهو بمنزلة عباديد لأنهم لم يقولوا: عبديد ولا عبداد، فأنت لو حقرت عباديد لقلت: عبيديدون أو عبيديدات، وإنما ظراف جمع ظريف على القياس والباب، وأما ظروف فجمع لم يكسر عليه ظريف، وإن كان واحدا من لفظه وإنما هو بمنزلة شاهد وشهود وجالس وجلوس، فلو صغرت هذا كله لرددته إلى الواحد المستعمل، لأنه من لفظ الجمع وإن كان غير مكسر عليه، فتقول: شريهدون وجويلسون، كما قلت: ظريفون حقرت شاهدا وجالسا ثم جمعت بالواو والنون.
وأما مذاكير فكما قلنا بمنزلة عباديد، لم يستعمل له واحد من لفظه، فلذلك حقرته على واحده بالقياس، إذ لم تجد له واحدا في الاستعمال من لفظه، ألا ترى أن سيبويه قد جمع ظرفا وعباديد في باب واحد، لأنه جمع على غير الواحد، فقد اتفقنا في هذا المعنى وافترقا بأن هذا له واحد مستعمل من لفظه، وليس لهذا واحد مستعمل من لفظه.
/150/ مسألة [116]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب أيضا للخصال التي تكون في الأشياء، قال: (وقالوا: وضع ضعة وضعة، فالضعة مثل الكثرة، والضعة مثل الرفعة).
قال محمد: وهذا خطأ ونقض لقوله: ما كان مما فاؤه واو لم تحذف في فعلة وصح نحو الوثبة والوجبة، ولكنه عندي فعلة في الأصل، والدليل على ذلك قولهم: ضعة، ثم فتحت العين ما قبلها كما كان ذلك في الفعل في يسع ويطأ.
قال أحمد: أما قوله: إن العين في ضعة فتحت ما قبلها كما تفتح في الفعل فغلط، لأن
ذلك لا يكون في الأسماء قياسا، وإنما جعلوا هذا في الفعل، لأن الفعل "في الأصل: مبني على التغيير بتصرفه وتنقله من حال مضي إلى حال استقبال، ويبنى منه فاعل ومفعول ومصدر، فاحتمل ذلك، ولم يكن مثل ذلك في الاسم إلا شاذا، لأن الاسم إنما يدل على المسمى بهيأته، فإذا غير بطلت دلالته، والأفعال إنما هي عبارة بنيت للأزمنة وليست بموضوعة لمسميات فاحتملت من التغيير ما لم يحتمله الاسم، ألا ترى أن الجيم من جعل والراء من رجل وما أشبه هذا لا يجوز فتحهما لحرف الحلق، ولو فتحناهما لم يدلا على المسمين، ونحن إذا فتحنا العين من يفعل أو كسرناها لم تتغير دلالتها على وقوع الحدث في الزمان والمستقبل، فأما قول بعضهم: سعيد، ورجل محك فليس يطرد في الأسماء كاطراده في االأفعال، وهو قليل، وإنما يجيء في بعض اللغات.
وأما قوله: إنه قد ناقض لأنه ذكر أن المصادر التي تعتل الفاء منها إذا انفتح أولها صحت نحو قولهم: الوحدة والوجبة فليس بناقص، لأنه إنما يذكر في صدر الباب ما يطرد، وقد يشذ منه الشيء فيستثنى به، وليس يكاد باب من النحو يخلو من أن يقع مثل هذا فيه إلا اليسير، ألا ترى أنه قال: إن الواو تحذف في المكسور، وقد جاء وجهة، فإتمام المكسور كالحذف من المفتوح، وقد قال في الواو في هذا الباب: إنها إذا انضمت أو انكسرت قلبت همزة لثقل الضمة والكسرة، /151/ وإذا انفتحت لم تقلب، فقالوا في وقتت: أقتت، وفي وعد: أعد، وفي وسادة: إسادة، ولم يقولوا في وعد: أعد كما
يقولون في المضمومة، وقد شذ من المفتوحة، شيء قالوا: امرأة أناة، والأصل وناة، وقالوا: أحد والأصل واحد، فالشاذ يستثنى به: والباب صحيح على أصله.
ولم يذكر سيبويه هذه المسألة) أعني الضعة) في باب ما اعتلت فاؤه يحتج لها ويأتي بالاعتلال لحذفها، وإنما ذكرها في باب من أبواب أبنية الأفعال والمصادر، فلم يلزمه في هذا الباب أن يذكر غير نظائرها في أوزانها من أضدادها، فجاء بالكثرة والرفعة لأنه على وزنها، [لا]، لأنه علة لفتحها أو كسرها، فيقال له: قد أخطأت في هذه العلة، وإنما هي كذا وكذا، ونظير ما ذكر فيها من هذا الباب قولهم: سعد سعادة كما قالوا: شقي شقاوة، فهذا في الارتفاع وهذا بإزائه في الاتضاع، وهذه تمثيلات وليست بعلل.
مسألة [117]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب مصادر ما لحقته الزوائد من الفعل، من بنات الثلاثة، قال: ) فأما فاعلت فإن المصدر [الذي] لا ينكسر أبدا منه مفاعلة، جعلوا الميم عوضا من الألف التي بعد أول حرف منه، والهاء عوض من الألف التي تزاد قبل آخر حرف (.
قال محمد: الاعتلال خطأ، من قبل أن الألف الزائدة بعد الفاء في فاعلت قد جاءت بعد الفاء في مفاعلة.
قال أحمد: معنى سيبويه في هذا الذي ذكره أن المصدر من فاعلت يجيء على ضربين: مرة تحذف الألف الأولى في أحدهما، وهو الفعال نحو القتال، فالألف الأولى محذوفة،
وفي المفاعلة التي تحذف الألف التي قبل آخر حرف، وهي الألف التي تلحق قبل أواخر المصادر في مثل الإفعال والافتعال "وما أشبه ذلك"، فعوضوا الميم من الألف الأولى التي تذهب في الفعال، وجعلوا الهاء عوضا من الألف الثانية التي تذهب من المفاعلة.
فإن قيل: فلم أوقعوا العوض في المفاعلة دون الفعال؟ قيل له: لأن المفاعلة /152/ لازمة مطردة في فاعلت، فجعلو العوض في ألزم المصدرين.
مسألة [118]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب اشتقاقك لبنات الثلاثة التي ليست فيها زيادة من لفظها، قال: وما كان يفعل منه مضموما بني المصدر منه والمكان على مفعل.
قال محمد: وقد جاء في الكلام في بعض الروايات مفعل بغير هاء، قال الشاعر:
أبلغ النعمان عني مالمكا ... أنه قد طال حبسي وانتظار
قال أحمد: من مذهب محمد بن يزيد أن يرد الأبيات التي لا ضرورة فيها على سيبويه.
... ... كله لم أصنع
"بالرفع، " وقال: لا ضرورة فيه، لأنه يمكن أن يكون منصوبا، ولم يجع ما ادعاه من السماع حجة، ثم ارتضى لنفسه في حرف شاذ بالضم أن يستشهد به، والفتح أصله وممكن فيه، لأنه يقال: مالكة بالفتح، ولو جاء في هذا الباب حرف واحد أو حرفان لما كسر ذلك قياسه، لأنه زعم أن ما كان على يفعل فإن العرب تبني منه المفعل على الفتح، لأنه لم
يأت في الكلام، أو في أكثره مفعل، فالعرب تحمل على الأكثر لا على الأقل، هذا مع ما يدخل في هذه الكلمة الشاذة من استعمال الفتح، ومن أنها محذوف منها الهاء، لأن مفعلة بالضم في الكلام نحو: المكرمة، فإذا حذفت الهاء منها فإنما حذفتها من شيء، فهذا مستعمل في الكلام مضموما ولم يأت أصلا بغير هاء، فكأنه قال: ولم يجئ في الكلام مفعل أصلا غير محذوف منه الهاء، لأن ما حذفت منه الهاء فكأنها منوية فيه، فهذا شاذ لا يعمل عليه، مع ما يدخله مما ذكرنا من أنه يستعمل مفتوحا، وأنه محذوف منه الهاء.
مسألة [119]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب الحروف الستة إذا كان واحدا منها عينا، وكانت الفاء قبلها مفتوحة، قال: وقالوا في حرف شاذ: يحب، شبهوه بـ) منتن (، ولم يقولوا: حببت، وإنما قالوه على حببت، وكسرت الياء مثل يئبى ويبجل.
قال محمد: قال رجل من بني نهشل اسمه "عباد بن شجاع:
وأقسم لولا تمره ما حببته ... وكان عياض منه أدنى ومشرق
/153/ وقال المازني، وأسمه "حاجب بن ذبيان
لعمرك إنني وطلاب مصر ... لكالمزداد مما حب بعدا
قال أحمد: إنما أراد سيبويه أنهم لم يقولوا: حببت- بكسر الباء- في الماضي، لأن هذه الأفعال المستقبلة إنما تكسر أوائلها إذا انكسر الحرف الثاني من ماضيها، وإنما تكلم في كسر أول يحب لا في بناء الفعل، وإنه جاء مستقبله على غير ماضيه، وليس هذا بابه، وإنما بناء هذا الباب على الكلام في كسر الأوائل، فكيف يعتل بفعلت المفتوحة العين، وإنها لم تجئ في كلامهم، ولو جاءت لم توجب الكسر في المستقبل، ولكان شاذا أيضا مثل يئبى لأن ماضيه مفتوح، ولذلك قرن هذا الحرف به إذ ماضيها جميعا مفتوح [الثاني]، وشبه يحب خاصة بـ (منتن) للكسرة التي في الحاء وأتبعها الحرف الأول، فأشبه باب منتن، ولم يكن ذلك في ينبئ لأن مستقبله جاء مجيء الأفعال التي ماضيها على فعل بكسر العين، لأن مستقبلها يأتي مفتوح العين، فلذلك كسروا أوله، وهذا حرف غلط في شكله فجعلت الفتحة موضع الكسرة وتنوقل على ذلك، والشرح يخالف الشكل ويوجب ما قلنا، لاسيما وقد جاء محبوب وإنما هو مفعول من حببت.
مسألة [120]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما يحذف من أواخر الأسماء في الوقف، قال: (وسألت الخليل عن القاضي في الوقف "في النداء" فقال: أختار يا قاضي، لأنه ليس بمنون، كما أختار هذا القاضي) قال: (وأما يونس فقال: يا قاض)، قال سيبويه: (وقول يونس أقوى، لأنه لما كان من كلامهم أن يحذفوا في غير النداء كانوا في النداء أحرى، لأن النداء موضع حذف، يحذفون التنوين ويقولون: يا حار، ويا صاح، ويا غلام أقبل.
قال محمد: القياس عندي قول الخليل، لأن الياءات إنما يختار حذفها في الوقف إذا أذهبها التنوين في الوصل كما تقول: هاذي في الوقف من قولك: هاذي أمة الله.
قال أحمد: اختار محمد قول الخليل ولم يأت /154/ إلا بنص ما اعتل به الخليل، ولا
أرى أنا وجه اختياره بحجة ترجحه، وهذه مسألة تكلموا فيها بآرائهم، وسبيلها أن ترد إلى الأشبه من مذاهب العرب وكلامهم، وكلا الرجلين- أعني الخليل ويونس- قد ذهب مذهبا حسنا إلا أن قول الخليل أقوى، وذلك أن الإتمام أصل والحذف عارض للكلمة لأسباب توجبه، وليس ها هنا سبب أراناه سيبويه غير ما قال من أن النداء باب حذف، يقولون فيه: يا حار ويحذفون التنوين، والأسماء فيه قد تأتي على التمام غير محذوفة ولا مرخمة، فالتمام أولى به لأنه الأصل، إذ لم يسمع قول العرب فيتبعها، وكان الباب قد يقع فيع التمام والمحذوف، فتركه على التمام أولى لأنه الأصل.
فإن زعم أنهم يحذفون التنوين في النداء حذفا مطردا، فهذا أدعى إلى أن يدع الياء لا يحذفها، لأن حذف التنوين يوجب رد الياء في قاض، فلما كان السبب الذي يوجب حذف الياء متروكا في النداء وجب ردها في هذا الباب الذي قد أمن فيه السبب الموجب حذفها، كما وجب ردها مع الألف واللام إذا قلت: هذا القاضي، لأن التنوين قد أمن مع الألف واللام كما أمن في النداء: فلزم ردها في البابين كما قال الخليل.
مسألة [121]
ومن ذلك قوله في باب عدد ما يكون عليه الكلام: [كان] الاسم أولا ثم الفعل ثم الحرف، ألا ترى أنك تذكر الاسم فتستغني عن الفعل، تقول: هذا زيد، وأخوك عمرو، ولا يستغني الفعل عن الاسم، ولا تستغني هذه الحروف التي للمعاني عن الاسم والفعل، ويستغنيان عنها، تقول: يفعل زيد، فيستغنيان عنها، ولا بد لها من أحدهما.
قال محمد: ولا أرى هذا تقوية للفعل على الحرف، لأن الاسم أيضا تستغني به الحروف عن الفعل في قولك: زيد من بني تميم، وأنا منك وإليك، وأنا في الدار، فهذه بمنزلة قام زيد، ولكن الوجه في تقوية الفعل على الحرف أن يقول: ثم الفعل لمضارعته الاسم ووقوعه في معناه، يعني موقع يضرب وما أشبهه "من ضارب وما أشبهه"، إذ كانت الأسماء قد صح تقدمها.
قال أحمد: هذا الإلزام فاسد، وليس هو بناقض، لأن سيبويه أتى بحكمين، فلم /55/ يقابل واحدا منهما بنقض، وذلك أنه قال: "إن" الحروف التي للمعاني لا تستغني عن الاسم [والفعل] ولا بد لها من أحدهما، وسبيل الناقض لهذا القول أن يطرح منه حرف النفي ويجعله موجبا فيقول: إنها قد تستغني عن الاسم والفعل في حال، ولن يجد ذلك لأن الحرف لا يوجد في الكلام إلا متشبثا باسم أو فعل، والحكم الآخر أنه قال: إن الاسم والفعل قد يستغيثان، فكان نقض هذا بالنفي وهو أن يقول: لا يستغنيان في حال، وقد استغنينا في مثل قولنا: قام زيد.
فأما قوله: إن الحروف قد تستغني بالاسم عن الفعل في مثل قولنا: زيد في الدار، وهو منك وإليك، فليس هذا بنقض لقوله: إنها لا تستغني عن أحدهما، لأنها إن احتاجت إلى الاسم فهو أحدهما وإن احتاجت إلى الفعل فكذلك، لأن من الحروف ما يدخل على الأسماء مثل: من، وإلى، ومنها ما يدخل على الأفعال مثل: قد وسوف، فإنه لا بد لها من الفعل، ولا يستغنيان بالاسم دونه، ولم يقل: إن جميع الحروف لا تستغني عن الفعل، فيلزمه
فإن قال: فأين وجه رتبة الفعل في التقدم على الحرف؟ قلنا: إنما تقدم لأن جميع الأفعال مستغنية عن الحروف، وليس جميع الحروف مستغنية عن الفعل، فأي وجه أبني من هذا في تقدم الفعل على الحرف، وهي الرتبة التي قدمت الاسم على الفعل بعينها، وإنما ينبغي أن يرينا أن جميع الحروف تستغني عن الفعل كما أن جميع الأفعال تستغني عن الحروف، فيجب بهذا حينئذ التسوية، ولا يكون لأحدهما على الآخر رتبة.
فأما قوله: زيد في الدار، وأنا منك وإليك، إن الحروف ها هنا قد استغنت بالاسم عن الفعل، فليس ذلك بمانع لأن يكون بعض الحروف يحتاج إلى الفعل كما احتاج بعضها إلى الاسم، فالفعل على الجملة، يستغني عن جملة الحروف، [وليست الحروف على الجملة تستغني عن الفعل]، ويضاف إلى هذا من القول: إن الاسم لا يكتفي بالحرف وحده، لأنا لا نقول: زيد من، ولا عمرو إلى، فنخبر عنه بحرف مجرد من الإضافة إلى اسم آخر، فلما لم يجز ذلك ولم يستغن به الاسم وحده مجردا كما يستغني بالفعل وحده، كانت /156/ هذه رتبة للفعل على الاسم بينة، وهو أن الاسم يكتفي بالفعل ولا يكتفي بالحرف وحده.
ومما ينبغي أن يتصل بها من القول: إن الراد ومن أخذ عنه يذهبون إلى أن حروف المعاني لا بد أن تكون معلقة بفعل ملفوظ به أو منوي معه، لأنه يزعم أنا إذا قلنا: زيد في الدار، فكأنا قلنا: استقر في الدار، وهذا في معنى الكلام، وقد دعاه ذلك إلى أن يرفع الاسم إذا أخره بمعنى الاستقرار في قولنا: في الدار زيد، وإذا كان هذا مذهبه ومذهب أصحابه فقد سقط إلزامه، لأن الحروف لا بد لها من فعل تتشبث به، إما ظاهر أو منوي، فالحرف أبدا يحتاج إلى الفعل، وهذه الوجوه التي ذكرناها كلها تحقق ما ذهب إليه وأما ما ذكره الراد من مضارعة الفعل للاسم وأن هذا أولى بأن يحتج به في تقديم الفعل، فليس جميع الأفعال
بمضارع للأسماء، وإنما يضارعها جنس منها، وجميعها يستغني عن الحروف، وإنما تكلم على الاسم والفعل والحرف كلاما عاما وأتى لكل جنس من الثلاثة بعلة جامعة توجب التقديم والتأخير في الرتبة لذلك الجنس.
مسألة [122]
ومن ذلك قوله في هذا الباب: زعم أنه إذا قال: أنت أفضل من زيد، فإنما دخلت (من) ها هنا لأنه موضع تبعيض، لأنه أراد فضله على بعض الرجال.
قال محمد: وهذا غلط، لأنه قد يجوز أن تقول: أنت أفضل من جميع الناس، ومعناه أنت تفضل زيدا، وأنت تفضل جميع الناس، وإنما (من) ها هنا موصلة ليست على جهة تبعيض، ولكن ابتداء غاية، وذلك أنك نعرف تقدمه في الفضل من فضل زيد، ولولا معرفتك بمقدار فضل زيد لم تدر ما فضل من تفضله عليه.
قال أحمد: أما قوله: إن (من) في قولك: هذا أفضل من زيد لابتداء الغاية فلا يصح، لأن الابتداء يقتضي انتهاء ويكون الفضل واقعا على ما بين الغايتين، ألا ترى أنك إذا قلت: سرت من مكان كذا إلى مكان كذا، فالسير قد وقع على ما بين الغايتين، فأما الغايتان فربما دخلتا في الفعل وربما لم تدخلا، وأما ما بينهما فالفعل واقع عليه لا محالة، ومثال ذلك أنك إذا /157/ قلت: أكلت من رأس السمكة إلى ذنبها، فقد يدخل الرأس والذنب فيما أكل وقد لا يدخلان فيه، فيلزمه على هذا إذا جعل (من) في قولهم: هو أفضل من زيد لابتداء الغاية أن يكون الفضل واقعا على غير زيد، وليس هذا المراد في هذا الكلام، ألا ترى أنه لو كان معناه ما ذكر ثم جئنا باللفظ مطابقا فقلنا: ابتداء فضله من زيد لوجب بهذا أن يكون [ها هنا] مفضول غير زيد، وزيد طرف له وغاية، وليس يريدون ذلك في قولهم: هو أفضل من زيد، ولا أن يفضلوه على سوى زيد، وإذا لم تكن (من) ها هنا لابتداء الغاية ولا
زائدة، فلم يبق إلا ما قاله سيبويه من التبعيض، لأن هذه وجوهها في الكلام.
فإن قال: فما وجه التبعيض؟ قيل له: وجهه يتبين لك إذا قلت: أنت أفضل الرجال وأفضل رجل وأنت تريد العموم بذلك، فإن أدخلت (من) فقلت: أنت أفضل من رجل وأنت تريد العموم لم يجز، وإنما تفضله على رجل واحد، إذا أتيت بمن، وكذلك وجهك أحسن وجه، وثوبك أنظف ثوب، وأبوك أكرم أب، فإنما معنى هذا كله العموم، كأنك قلت: وجهك أحسن الوجوه، وثوبك أنظف الثياب، وأبوك أكرم الآباء، فإن أدخلت (من) على هذا كله صار مخصوصا ودخله معنى التبعيض، ولم تكن مفضلا للاسم على جميع الجنس لكن على بعضه، وذلك إذا قلت: وجهك أحسن من وجه، وثوبك أنظف من ثوب وأبوك أكرم من أب، فإنما تفضله على واحد لا على الجميع.
فإن قال: فنحن نقول: زيد أفضل من الآباء أو أفضل من الرجال، قيل [له]: إن قلت: زيد أفضل من الآباء أومن الرجال، على معنى أفضل الرجال لم يجز، وإنما فضلته على جماعة من الجنس، فقد عاد إلى معنى التبعيض، وسواء فضلته على واحد من الجنس أو على جماعة منه غير مستوعبة له، وكأنك قلت: زيد أفضل من الرجال الذين تعلم أو من جميع الرجال الذين تعلم.
فإن أدخلت (من) معنى: زيد أفضل الرجال، أي: أفضل هذا الجنس لم يجز، والتبست المعاني، وإنما دخلت (من) ها هنا لتفرق بين العموم والخصوص، وإذا كانت فارقة بين معنيين لم يجز إسقاطها /158/ إذا أردت التبعيض، ولا المجيء بها إذا أردت أن تعم، ولذلك قال سيبويه في هذا الفصل: ولا يجوز إسقاطها في هذا الموضع، فإن زعم أن إسقاطها جائز، وأن قولنا: زيد أفضل من الرجال كقولنا: زيد أفضل الرجال في معنى العموم، فقد صارت (من) زائدة ها هنا، وصار دخولها كخروجها، وهذا نقض لقوله: إنها ها هنا لابتداء الغاية.
مسألة [123]
ومن ذلك قوله في باب ما لحقته الزوائد من بنات الثلاثة من غير الفعل، قال: (ويكون على مفعل في الأسماء نحو: مصحف، ومخدع وموسى، ولم يكثر هذا في كلامهم، ولا نعلمه صفة).
قال محمد: وهذا المثال من أكثر ما جاءت عليه الصفات لما تصرف من الفعل نحو: مكرم، ومخرج، ومعطى، وكل ما كان مفعولا من أفعل، وأحسب هذا في الكتاب غلطا عليه، بل لا أشك في ذلك إن شاء الله.
قال أحمد: هذا غلط من أبي العباس على الكتاب لا على سيبويه، لأنه قد اعترف بأنه ليس من كلام سيبويه وإنما غلط عليه في كتابه، وقد نظرنا في عدة نسخ فوجدنا الكلام صحيحا مستقيما على غير ما حكى، وليس هو عندنا ممكن يتعمد الكذب، ولكنه موضع ظننا أنه تجاوزه نظره، لأن هذا الكلام الذي ذكره يتلوه بسطر في مثال مخالف ذلك المثال بحركة، وذلك أنه قال: ويجوز أن يكون الاسم على مفعل نحو: مصحف، ومخدع وموسى، ولم يكثر هذا في كلامهم اسما، وهو في الوصف كثير، والصفة قولهم: مكرم ومدخل ومعطى، ويكون على مفعل نحو: منخل، ومسعط، ومدق، ومنصل، ولا نعلمه صفة، فهذا الذي عنى سيبويه أنه لا يعلمه صفة، وهو مفعل بضم العين، فأما مفعل بفتح العين فقد ذكر في الكتاب أنه كثير في الصفة، وهذا ضد ما حكاه عن نص الكتاب.
مسألة [124]
ومن ذلك قوله في هذا الباب: (ويكون في الأسماء مفعلة نحو: مزرعة، ومشرقة، ومقبرة، ولا يكون في الكلام مفعل بغير الهاء).
قال محمد: وقد جاء في الكلام مالك، قال الشاعر:
أبلغ النعمان عني مالكا ... أنه قد طال حبسي وانتظار
قال أحمد: "هذه" المسألة معادة، وقد مضى الجواب عنها في باب ترجمته، هذا باب اشتقاقك لبنات الثلاثة التي ليست فيها زيادة من لفظها.
مسألة [125]
ومن ذلك قوله /159/ في باب ما لحقته الزوائد من بنات الأربعة، زعم أن عشوزنا من بنات الأربعة، وأن النون أصل.
قال محمد: والنون زائدة، من ذلك قول الشماخ:
..... ... حوامي الكراع المؤيدات العشاوز
ولو كان كما قال لم يجز إلا العشازن.
قال أحمد: إنما لم يقل: العشازن هو الأثل، لأن القافية إلى حذف حرف من الأصل، وهو جائز في الشعر، وهو كقول الآخر:
لها أشارير من لحم تتمره ... من الثعالي ووخز من أرانبها
يريد من الثعالب والأرانب، فحذف الياء، وكقول الآخر:
ولضفادي جمه نقانق
ولا فرق بين حذف النون ها هنا للضرورة وإن كانت أصلية وبين حذفها في كلمة النجاشي:
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك إسقني إن كان ماؤك ذا فضل
فحذف النون من لكن، ألا ترى أن سيبويه يقول في باب ما يحتمل الشعر:
(إنهم يحذفون فيه ما لا يحذف، يشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفا كقول العجاج:
قواطنا مكة من ورق الحما
يريد الحمام)، فالنون على الأصل إلا أن يجيء أمر قاطع يبين أنها زائدة، فأما هذا الموضع فهو موضع يجوز فيه حذف الأصل وليس بقاطع، لأنه موضع ضرورة، ولو جمعنا في الكلام عشوزنا لم نقل إلا عشازن.
مسألة [126]
ون ذاك قوله في باب ترجمته: هذا باب علل ما تلحقه الزوائد قال: وتاء عنكبوت زائدة، لأنهم قالوا: عناكب، وإن كانت التاء من نفس الحرف لم نحذفها في الجمع كما لا يحذفون طاء عضرفوط.
قال محمد: وهذا خطأ، لأنه من حذف التاء لأنها خامسة كما تحذف طاء عضرفوط في
قولك: عضارف، وما أحسبه إلا زيد عليه أو غلط، ولكن الدليل على زيادتها قوله: العنكب والعنكباء، عنه وعن أبي زيد، قال ومثل ذلك تخربوت لقولهم: تخارب، والعلة ما ذكرناه.
قال أحمد: اعتل سيبويه لزيادة عنكبوت بعلتين: إحداهما الجمع "وحذفها فيه"، والأخرى ذهابها في الاشتقاق في قولهم: العنكب والعنكباء، وجاء بالعلتين معا.
فأما قوله: إن الجمع/ 160/ ليس بحجة في هذا لأن الأصول تحذف من بنات الخمسة، ففي هذا جوابان: أحدهما ما ذكره في آخر كتابه، وهو أن نون عنكبوت لو كانت التاء أصلية [كانت] أولى بالحذف، لأن هذا موضع زيادتها التي يقضي بها فيه عليها، فلو لم تكن التاء زائدة لقالوا: عكابت ولم يقولوا: عناكب، والوجه الآخر إنهم لا يجمعون بنات الخمسة البتة، وإنما هذا شيء قاسه النحويون، فلما جمعوا عناكب علم أن التاء زائدة، ولو كانت أصلا لما جمعوه هذا الجمع، لأنهم لا يقولون في سفرجل: سفارج إلا على استكراه، ولم يوجد جمع مثل هذا في كلامهم إلا على استكراه.
وأما قوله: (كما لا يحذفون طاء عضرفوط) فيحتمل أيضا وجهين: أحدهما، كما لا يحذفونها في الاشتقاق كما وجد عنكبوت محذوف التاء في عنكب وعنكباء، ولم يرد الجمع في هذا، والوجه الآخر أن يكون أراد كما لا يجمعون عضرفوطا فيحذفون الطاء في الجميع، أي: ليس يجمع مثل هذا فيقع الحذف، فهذان وجهان في تأويل ما قال.