الانتصار لسيبويه على المبردصفحات 182-221

وأما تفريقه بين ما التميمية والحجازية في هذا الموضع فليس بشيء، لأن ما لا يعمل من الحروف وما يعمل ها هنا سواء، وإنما المراعاة في أن تكون الجملة بمحالها لم يتغير معناها في موضع خبر الأول عاملا كان أو غير عامل، لأن هذا كلام يقدر ويصح من جهة معناه والإبهام الذي ذكرناه /103/، ألا ترى أنه قال: في لكن: إنك تضمر اسما بعدها لتكون هذه الجملة في موضع خبر [فقال: ما أنا ببخيل ولكن إن تأتني أعطك في موضع خبر] المضمر بعدها، ولا يحسن أن يكون في موضع الجملة التي بعد لكن، وتكون لكن داخلة عليها لما ذكرنا من تغير المعنى بهذه الدواخل عليها، إذ ليست جملة معراة، مجردة، فيجوز أن يكون بعدها كما يجوز زيد أخوك إذا قلت: لكن زيدا أخوك، وهذه الجملة إذا وقعت بعد لكن أحسن قليلا منها، إذا وقعت بعد غيرها، لأن ما غير المعنى أكثر كان أبعد من الجواز، ألا ترى أن ذلك لا يجوز مع إن وكان لأنهما عاملان مغيران، فبعد الجواز.
مسألة [76] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب إذا لزمت فيه الأسماء التي يجازى بها حروف الجر لم تغيرها عن الجزاء، قال: (وقد يجوز أن تقول: على من تنزل أنزل، تريد معنى عليه).
قال محمد: صدق هذا جائز، ولكنه أنشد.
إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل

أراد من يتكل عليه.
قال محمد: وهذا خلاف ما ذكر، لأن (على) الأولى الزائدة لا معنى لها، وهذا أيضا إنما يجوز في الموضع الذي تذكر فيه حروف الجر مرة فيكتفي به ويستغنى في الفعل الآخر، عن إعادته نحو: بمن تمرر أمرر، ولكن معنى هذا إن لم يجد يوما شيئا فحذف المفعول ثم قال مستفهما: على من يتكل وهذا قول الفراء.
قال أحمد: إنما احتبس على محمد المعنى في هذا الشعر، من جهة أن الفعلين مختلفا اللفظ، وهما يعتمل من البيت الأول، ويتكل من الثاني، وكلاهما يصل إلى المفعول بـ (على)، فالمعنى: إن الكريم يعتمل على من يتكل عليه إن لم يجد، فـ (على) الأولى متعلقة بيعتمل، والثانية المحذوفة بيتكل، كأنه قال: إن الكريم يكتسب على من يتكل عليه، ويعتمل على من يتكل عليه إذا لم يجد، أي: إذا كان غير واجد أي: غير مستغن، اعتمل على أهله ومن يتكل عليه، وكانت المسألة بفعلين من لفظ واحد فكان الكلام فيها أبين، وسواء كان الفعلان من لفظين أو لفظ واحد، ألا ترى أنك لو قلت: أنزل على من أتكل، تريد أنزل على من أتكل عليه، كان جائزا: كما تقول: أنزل على /104/ من تنزل، وأمر بمن تمر سواء، وكذلك لو قلت: اقصد إلى من تذهب، تريد إليه، جاز، والشعر والمسألة سواء لا فرق بينهما غير اختلاف لفظ الفعلين، وإنما يمتنع مثل هذا إذا كان فعلا واحد كقولك: بزيد مررت به، فهذا قبيح لأنك تستغني بالباء الواحدة عن الأخرى، فأما إذا كانا فعلين فالأجود أن تأتي بالحرفين، وإن حذفت أحدهما جاز إذا كانا مثلين.
فأما قول الفراء فضعيف لأنه إن جعل الثاني منقطعا من الأول وجعل كل واحد

منهما مكتفيا غير متعلق بالآخر فإنه يجعل الاستفهام جوابا للمجازاة، كأنه قال: إن لم يجد يوما فعلى من يتكل، فأضمر الفاء، وهذا ضعيف في الإعراب، والذي تأوله سيبويه أقوى لأنه يجوز في الكلام، فهذا بينهما في حسن الإعراب وقبحه، وبينهما في المعنى أيضا شيء آخر، لأن الاستفهام فيمن يتكل عليه الكريم وغير الكريم، ولا معنى لهذا في الكريم دون غيره، والمعنى في الأول أن الكريم يعتمل على أهله، فلا يعيبه ذلك إذا أعسر وهذا معنى حسن واضح.
مسألة [77] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب الحروف التي تنزل بمنزلة الأمر والنهي، قال: (ولا يستفهم بكلما كما لا يستفهم بما تدوم).
قال محمد: والاستفهام بكلما جائز، وذلك أن كلا بمنزلة غيرها مما انضاف إلى حروف الاستفهام، ألا ترى أن الرجل يقول: أخذت بعضه أو بعض ذلك، فلا يدرى ما هو فيقول: بعض ما أخذت؟ وكذلك لو قال: أخذت كل ذلك، فلم يدر ما هو، لقلت: كل ما أخذت؟ وكان بمنزلة قولك: غلام من ضربت؟ وإن شئت: كل م أخذت؟ مثل مجيء م جئت؟ وكذلك الأسماء يجوز معها الوجهان.
قال أحمد: ذكر سيبويه ما بين المسألتين فقال: كلما تأتيني آتيك، وما تدوم لي أدوم لك، لا يجوز فيهما الجزاء ولا الاستفهام، لأن تدوم وتأتي صلتان لـ (ما) وهي في معنى

المصدر، لأنك لم تجعل الفعل عاملا في (ما) ولا تجعل فيه ضميرا يعود على (ما) فيجوز فيه الجزاء والاستفهام، ألا ترى أنك لو وضعت موضع /105/ تدوم تأخذ لجاز الجزاء والاستفهام جميعا فقلت: ما تأخذ آخذ، وكذلك كلما تأخذ آخذ، وإن استفهمت على هذا جاز، وكذلك إن أتيت بفعل يصلح أن يكون خبرا وفيه ضمير (ما) أو ضمير ما تضيفه إلى (ما)، جاز ذلك فقلت: ما يعجبك يعجبه، وكذلك إن استفهمت أو أضفت إلى (ما).
وإنما أراد سيبويه بقوله: ولا تستفهم بكلما كما أراد بقوله: ولا تستفهم بما تدوم، أي: لا تستفهم بكلما تأتيني، يعني أنك لا تستفهم بكلما مع تأتيني كما لا تستفهم بها مع تدوم، والدليل على ذلك قوله: ولا تستفهم بما تدوم، فلو أراد (ما) لكان محالا، وإنما أراد بها إذا اقترنت مع هذا الفعل الذي ليس بخبر عنها ولا عامل فيها، لم يجز أن تستفهم بها ولا تجازي، وكذلك (كلما) إذا قرنها بفعل مثله لا تكون خبرا عنها، ولا عاملا فيها، وكذلك جميع الأفعال إذا جرت هذا المجرى، فإن عديتها إليها استفهمت وجازيت، لأنه قد خرج عن أن يكون صلة، فتقول: على ما تدم لي أدم لك، وإن شئت استفهمت فقلت: علام تدوم يا هذا؟ جاز لما عديت الفعل بعلى وصيرته عاملا في (ما)، فخرج عن أن يكون صلة، وكذلك لو قلت: بكل م تأتيني؟ مستفهما، لجاز إذا عديت الفعل بالباء كما تقول: بم تأتيني؟ وبما تأتني آتك.
مسألة [78] ومن ذلك قوله في هذا الباب، قال: (وزعم أنه وجد رب لا جواب لها في أشعار العرب)، يعني الخليل، قال: (ومن ذلك قوله:

ودوية قفر تمشي نعامها كمشـ ... ــي النصارى في خفاف الأرندج فهذه القصيدة التي فيها هذا البيت لم يجئ فيها لرب بجواب لعلم المخاطب أنه يريد قطعتها).
قال محمد: وإلى جانب هذا البيت في جميع الروايات: قطعت إلى معروفها منكراتها ... وقد خب آل الأمعز المتوهج قال أحمد: أما حذف الجواب فجائز في القرآن والكلام فضلا عن الشعر، ولا خلاف بين النحويين فيه، وأما الشهد فلعمري إنه في بعض النسخ، بل في أكثرها /106/ ما ذكر، وقد قرأت نسخة بخط بعض العلماء قديمة، والبيت الذي ذكره ساقط منها، ومحال أن يكون وجده فادعى أنه لم يجده، فليس هذا إلا من جهة ما يرويه بعض الناس ويسقطه بعض، فوقعت إليه نسخة لم يكن هذا البيت فيها نظير النسخة التي وجدناها، ولم يأت بهذا الشاهد لما احتاج إليه كثرة حذف الجواب في الكلام فعضلا عن الشعر، ومع هذا فقد زعم أن الجواب قطعتا، فكيف يجوز أن يحذف بيتا فيه (قطعت) ولا يذكره، وليس هذا من الغلط ولكنه سقط، ولا هي مسألة فيها خلاف.
مسألة [79] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب الأفعال في القسم: (قال الله عز وجل: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ لأنه موضع ابتداء، ألا ترى أنك لو قلت: بدا لهم أيهم أفضل، لحسن كحسنه في عملت، كأنك قلت: ظهر لهم أهذا أفضل أم هذا).

قال محمد: وتفسيره خطأ، لأنه لم يجعل في (بدا) فاعلا، فقد أحال وناقض في قوله: ولا يخلو الفعل من فاعل، ولكنه- والله أعلم- على قوله: ثم بدا لهم بدو، ولكن حذف بدو من الكلام لأن (بدا) يدل عليه، ونظيره من كلام العرب من كذب كان شرا له، أي: الكذب، وكأنه- والله أعلم- ثم بدا لهم بدو قالوا: ليسجننه ولم يذكر (قالوا) لدلالة الكلام عليه كما قال: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ ومثله ﴿والذين اتخذوا من دوله أولياء ما نعبدهم﴾ يقولون، وليس ما وصف بمنزلة عملت، لأن في عملت الفاعل.
قال أحمد: ما أقوله: لم يجعل في (بدا) فاعلا وأنه أحال وناقض فليس الأمر كذلك، لأن (ليسجننه) جملة في موضع الفاعل، وذلك أن أفعال العلم وما قاربها في معناها يجوز فيها مثل هذا، ألا ترى أنك تقول: قد بان لي أيهما أفضل، وقد بان لي أزيد أفضل أم عمرو، كقولك: قد بان لي ذلك، فهذه الجملة في موضع قولك: ذلك، وتقول: قد علمت أزيد أفضل أم عمرو، فتجعل هذه الجملة في موضع المفعول به، وإن شئت جعلتها في موضع الاسم الذي يقوم مقام الفاعل، فتقول: قد علم أزيد أفضل أم عمرو، ولذلك /107 قال سيبويه: إنه حسن كحسنه في علمت، لأن ظهر وتبين يجريان مجرى أفعال العلم والظن فهما يعملان فيه.
وأما قوله: إنه يضمر فيه البدو، فإنما تضمر إذا كان الكلام محتاجا إلى الإضمار ناقصا عن التمام، فأما إذا كان الكلام تماما مفيدا غير مستحيل ولا ناقص فلا حاجة فيه إلى الإضمار، ولو كان الفاعل ها هنا هو البدو لجاز أن يحذف (ليسجننه) ويكون الكلام تاما، فتقول: قد ظهر وقد بدا، مبتدأين بالإخبار، ويضمر في البدا والظهور، ويكون الكلام تاما

على قوله، وهذا لا يجوز.
وأما إضمار يقولون ليسجننه فلو كان هذا كما ذكر لكان من كلامين ولم يكن من كلام واحد، وليس مثل الآية التي ذكرها في قوله: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم﴾، فهذا إذا ظهر القول كان في موضع الحال، وهو من الجملة، كأنه- والله أعلم- يدخلون عليهم قائلين سلام عليكم، وليس يكون الحال في ﴿ليسجننه﴾ لأن الرأي لم يبد لهم في حال قولهم: ليسجننه، وإنما كان القول منهم بعد ظهور الرأي.
وأما الآية الأخرى ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم﴾ فكذلك ولو أظهر (البدو فقال: بدا لهم بدو ليسجننه لكان ليسجننه بدلا من البدو، ولا معنى لإضمار ما إذا ظهر كان هذا بدلا منه، وليس يكون الإضمار إلا مع نقص الكلام والحاجة إليه.
مسألة [80] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب تكون فيه أن بدلا من شيء ليس بالآخر، قال: (ومما جاء بدلا من هذا الباب أيضا، قوله: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون﴾، فكأنه على: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم، وذلك أريد بها، ولكن قدمت (أن) الأولى ليعلم بعد أي شيء يكون الإخراج، ومثل ذلك: زعم أنه إذا أتاك أنه سيمضي، ولا يجوز أن تبتدئ إن ها هنا كما تبتدئ الأسماء والفعل إذا قلت: قد علمت زيد أبوه خير منك، وقد رأيت زيدا يقول أبوه ذلك، لأن إن لا تبتدأ في كل موضع، فهذا من تلك المواضع.
قال محمد: أما الآية- والله أعلم- فإن تكرار أن فيها على وجهين: أحدهما،

أيعدكم /108/ أنكم إذا متم إخراجكم فأنكم مخرجون هذا الإخراج، وعمل الظرف وهو إذا، فمن ثم لم يجز الكسر كما لا يجوز يوم الجمعة إنك ذاهب، لأن معناه ذهابك، وهذا خلاف قوله في الظروف، وهو يقول أيضا، لا يجوز يوم الجمعة إنك ذاهب، وحجته قوله: لأن إن لا تبتدأ في كل موضع، وهذا كلام لا وجه له متى لم يحدد تلك المواضع بالعلل، والمعنى فيها ما قلناه من أن الظروف عاملة.
والوجه الآخر أن يكون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما مخرجون، فلما تباعد مخرجون عن أن ردها توكيدا، ومثل هذا في القرآن كثير، من ذلك ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ رد إن ثانية، والمعنى- والله أعلم- قل إن الموت الذي تفرون منه ملاقيكم، ومثله ﴿أفإن مت فهم الخالدون﴾، رد الفاء، والمعنى- والله أعلم- أفهم الخالدون إن مت، وكذلك ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها﴾ وهذا أكثر من أن يحصى.
وحكى عن الخليل، أن مثل ذلك قوله: ﴿ألم يعلموا أنه من يحدد الله ورسوله فأن له نار جهنم﴾ ولم يقل صوابا، لأن ما بعد الفاء لا يكون إلا مبتدأ، ولكنه إنما فتح على معنى فوجوب النار، هذا قول الأخفش، والصواب عندي "في" (أن) أن الأولى ردت على ما ذكرت لك قبل، وكذلك قول الجرمي.

قال أحمد: أما قوله: إن (إذا) عملت في (أن) فقد مضى رده والقول في أن الظروف لا يرفع، وأتينا في ذلك بما أغنى عن الإعادة إذ كانت فيه كفاية، ولكنا نخص هذا الموضع من الرد بما يشاكله، لو كان الأمر على ما ذهب إليه لجاز أن يكون الكلام مكتفيا بإذا والاسم الذي في تأويل المصدر، فتقول: إذا متم الإخراج، وإذا متم أنكم مخرجون، وهذا لا يجوز لأن الإخراج من صلة الكلام الأول الذي قبل إذا، وهو وجوب إذا، لأنها في تأويل الجزاء، ومن العرب من يجزم بها ومنهم من لا يجزم، وهي بمعنى الجزاء في الوجهين، وإنما استغنينا عن الفاء والفعل ها هنا لأن الفعل الذي يليها ماض، فحسن تقدم الجواب، وهذا كقولك: أنا إن شاء الله إزورك.
وأن تمثيله هذا بيوم الجمعة فليس كذلك، لأن يوم الجمعة ليس فيه "معنى" جزاء، وإنما فتحت (أن) ولم تكسر إذا قلت: يوم الجمعة أنك ذاهب، لأن يوم الجمعة من صلة الخير، فلا /109/ يجوز أن تقدم ها هنا صلة الخبر على (أن) كما لا يجوز أن تقدم الخبر عليها، فلما لم يجز ذلك جعلت مصدرا وجعل اليوم خبرا مقدما.
وأما قوله: إنه جعل حجته في ذلك قوله: إن (إن) لا تبتدأ في كل موضع، فالذي أنكره أنه لم يصحب هذه الدعوى تحديد المواضع وذكر العلل التي توجب فتحها أو كسرها، وقد ذكر ذلك وخطب به في أبواب كثيرة ومواضع بين فيها ما يوجب الكسر والفتح، وليس يصلح إعادتها عند كل دعوى فيطول بذلك الكتاب، ولا هي علة واحدة فيأتي بها في لفظ أو لفظات يسيرة، ولا كل قول يمكن فيه ذلك، فإن كان هذا ممكنا فقد كان بذكره أولى وبشرحه أحق من الطعن عليه، لأن هذا يدخل في باب الشرح لما قصر في كشفه والدلالة عليه لا في باب الرد فيما غلط فيه، إذا كانت دعواه صحيحة.
وأما التوجه الآخر الذي ذكره في التكرار فهو الوجه الذي ذكره سيبويه في البدل، وهل

البدل إلا تكرار الاسم الأول مؤكدا بتكرره، ألا ترى إلى قول سيبويه في باب البدل: إن الاسم الثاني يثنى توكيدا، فقد جعله مثنى، وإنما سماه هذا مكررا لأنه يأتي على نوعين: منه ما يرد بلفظ الأول وهو واحد، وهو أقل الوجهين، ومنه ما يأتي بغير لفظ الأول كقولك: قام أخوك زيد، وهو أكثر الوجهين، فسمى ما كان مثنى بلفظ الأول مكررا، وهو بدل بأي اسم سماه، ألا ترى أنه لا بد "له" من أن يجعل لـ (أن) الثانية موضعا من الإعراب "وإن جعلها مكررة، وليس التكرر بمخرجها من الإعراب"، ولا بد له ضرورة من أن يقول: إنه يعرب الثانية بإعراب الأولى، وإلا جعل هذا الاسم في الكلام لا موضع له من الإعراب، ولو قلت: قام زيد زيد لكان إعرابه كإعراب قام أخوك زيد، كأنك ظننت أن المخاطب لم يفهم عنك فأعدت الاسم وكررته توكيدا.
وأما الآيات التي استشهد بها في التكرار فليس ينكر أن يكون التكرار جائزا في الكلام، وقد أصاب في تأويل بعضها وأخطأ في بعض، فأما ما أخطأ فيه فهو تأويل قوله عز وجل: ﴿أفإن مت فهم الخالدون﴾ /110/، فجعل الفاء ها هنا مكرره، وليس كما ذكره، لأن الفاء الأولى عاطفة على كلام المتكلم، والثانية جواب المجازاة، ألا ترى أن الثانية لا يصلح الكلام إلا بها ولا يتم دونها، والأولى ليست كذلك، لأن المجيء بها في الكلام لا يلزم، ألا ترى أن قائلا لو قال لك: ما قام زيد، فأردت أن تعطف على كلامه لقلت أفقام عمرو، وإن شئت لم تأت بالفاء، ومن العجب أنه في هذا الكلام يجعل التكرار بالحرف الأول لا بالثاني، لأن الأول لا يجوز حذفه، والثاني جائز حذفه من الكلام.
وأما تأويله في قوله تعالى: ﴿ألم يعلموا أن من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم﴾ وقوله: إن ما بعد الفاء لا يكون إلا مبتدأ، فهذا رد على القراء في قراءتهم بالفتح، ثم ناقض

بعد ذلك بأن قال: وإنما فتح على معنى فوجوب النار لهم، وهي إذا كانت مبتدأة فلا يجوز أن تكون مفتوحة، وحكى هذا القول عن الأخفش، ثم رغب عنه، وعدل إلى غيره، ولو لزم أن يفتح على معنى ما قال الأخفش فوجوب النار له، كأنه يجعلها مصدرا في موضع الابتداء فيفتحها ويضمر الخبر لوجب أن يفتحها مبتدئا وينوي ذلك فيقول: أن لزيد مالا بالفتح، وهذا لا يجيزه أحد ولا سمع في كلام عربي.
وأما الذي رآه صوابا وعدل عن قول الأخفش إليه، وهو التكرار الذي ذكره في المسألة الأولى، فهو قول سيبويه في البدل، وإنما غير الكلام بقوله: التكرار، وإلا فلا بد من أن يجعل لـ (أن) الثانية موضعا من الإعراب، وذلك يلزمه أن يعربها بإعراب الأولى لا غير، وإنما التبس عليه ذلك من أجل أن الهاء الأولى كناية عن جملة، وهي الجملة التي بعد الهاء، فإذا أراد أن يضع أن الثانية موضع الأولى صار البدل على المعنى وتغير الفظ، لأنك تقول إذا وضعت الثانية موضع الأولى: ألم يعلموا أن لمن يحادد الله ورسوله نار جهنم، فبطل الجزاء من اللفظ، ومعناه موجود في (من) في هذه التي صارت بمعنى الذي ولم يتغير من المعنى شيء، ولما كانت اللام التي في (له) عاملة في الهاء العائدة على (من) التي للمجازاة جعلناها عاملة بعد (أن) في (من) التي قامت مقام حرف الجزاء، لأن الهاء هي هي في المعنى.
مسألة [81] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب من أبواب إن، قال: وسألته- يعني الخليل- هل يجوز: كما أنك [ها هنا] على "قولك": كما أنت هنا فقال: لا، لأن إن لا تبتدأ في كل موضع.

قال محمد: /111/ وهذا كلام لا وجه له إذا لم يوضح الموضع الذي لا تبتدأ فيه بعلته و"ما" بقوله: كما أنك ها هنا فاسد، ذلك فيمن جعل (ما) والكاف بمنزلة شيء واحد، وهما ها هنا لوقوع الابتداء بعدهما بمنزلة إذا وما أشبهها.
قال أحمد: ليس تركه تبيين العلة في هذا الموضع بدليل على فساد الكلام، لأن المدعي قد يكون صحيح الدعوى وإن لم يأت مع دعواه ببينة، ومع هذا فقد أتى بعلل إن وأن فيما تقدم من الأبواب مجملا ومفسرا، ونحن نشرح العلة في فتحها ها هنا وأنه لا يجوز الكسر، وذلك أن الشبه إنما يكون بين اسمين ولا يكون بين اسم وجملة قول، ألا ترى أنك تقول: زيد كعمرو، وزيد مثل عمرو "ولا تقول: زيد مثل قام عمرو"، ولا زيد كأنه قام عمرو، ولكن زيد كأنه عمرو، فأن المفتوحة وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد في موضع مصدر، ولو أتيت ها هنا بإن المكسورة لاحتجت لأن تتأولها بمعنى المصدر حتى يصح التشبيه ومعنى الكلام، وإذا جعلتها كذلك فتحها.
فإن قال قائل: فلم جاز كما أنت ها هنا؟ [وكيف يصح المعنى؟ قيل له: تأولوه بمعنى المصدر، كأنهم قالوا: هو حق كاستقرارك ها هنا] لأن المفتوحة في كل موضع بتأويل المصدر، وإنما جعل المبتدأ ها هنا في موضع المصدر ليصح معنى الكلام، وليس هذا جائزا في كل موضع، فلو جعلوا إن المكسورة ها هنا لاضطروا أن يتأولوا بتأويل المصدر وعادوا بذلك إلى معنى المفتوحة، فلذلك كانت المفتوحة لازمة، ولم تجز المكسورة ها هنا.
وتأويل الكلام: هو حق ككونك ها هنا: فالمصدر ها هنا واجب ليكون الاسم الأول

مشبها به، فإن أتيت بالمكسورة لم تكن في موضع المصدر، فإن قلت: أجعلها مكسورة في معنى المصدر، لم يجز ذلك واختلط الكلام، لأنك تضع المكسورة [في] موضع المفتوحة والمعنى للمفتوحة، وأنت تقدر على الإتيان بها.
مسألة [82] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب من أبواب أن التي تكون مع الفعل بمنزلة مصدره، فال: (وسألت الخيل عن قوله: أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا ... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم فقال: هي (إن) لأنه يقبح أن يفصل بين أن والفعل كما قبح ذلك في كي، فلما /112/ قبح حمل غلى إن، لأنه قد تقدم فيها الأسماء قبل الأفعال.
قال محمد: وهذا خطأ، وذلك لأن (إن) إنما هي لما لم يقع، والشعر قيل بعد قتل قتيبة، ولكنه أراد أن المخففة من الثقيلة كأنه قال: أتغضب أنه أذنا قتيبة، أي: لأنه، وكسر أن ها هنا لا يجوز البتة كما قال جل وعز: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ أي: أنه.
قال أحمد: قوله: إن هذا خطأ لأن (إن) لما لم يقع، فهذا كثير في الكلام، وهو أن يجعل المستقبل في موضع الماضي، والماضي في موضع المستقبل كقول الله جل وعز: ﴿وإذ قال الله يا عيسى﴾ فهذا ماض في موضع المستقبل، و ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فإذا تدل على الاستقبال وقد وضعت لي موضع الماضي، وكذلك (إن) قد توضع مع الماضي على الحقيقة وإن كان أصلها وذلك نحو قولك في رجل قد جربته: إن أحسنت إليك لم تشكر، بمعنى قد أحسنت إليك فلم تشكر أي: قد بلوت ذلك منك، فقد حمل الخيل هذه

المسألة على تأويل يجوز في الكلام وفي كتاب الله جل وعز، وهو حسن غير ممتنع.
وأما تأويله (أن) المخففة من الثقيلة فلا يجوز ذلك، لأن الجملة التي بعدها مبنية، من اسم وفعل، وإذا كانت من اسم وفعل فالفعل أولى أن يلي (إن)، ولا يجوز أن تنوي بها الثقيلة إذا كان في الجملة فعل، لأن (إن) تطلب الفعل، فأما احتجاجه بالآية ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله﴾ على معنى أنه الحمد لله، فهذه الجملة لا فعل فيها فلذلك حسن أن تنوي بها الثقيلة.
فإن قال قائل: فقد تأتي بالثقيلة وتأتي معها بجملة فيها فعل كقولك: أعجبني أنه قام زيد، وأعجبني أنه زيد قام، فهلا جاز إذا خففناها، قيل له: إنما يجوز ذلك إذا كانت على أصلها وتمامها، ولا يجوز إذا التبس لفظها بأن الخفيفة التي يكون الفعل معها ولا يعلم أهي هذه أم هذه؟ وأما أحب ألا تفعل، فقد لزمتها (لا) عوضا من التشديد، وألزم الفعل المستقبل ولم يجز الماضي ها هنا كما جاز في (أن) إذا قلت: أعجبني أن قام وأن يقوم، فتلك بعدها الماضي والمستقبل ولا يحتاج فيها إلى (لا)، لأنك لم تحذف منها شيئا فتحتاج إلى عوض.
مسألة [83] /113/ ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما ينصرف من الأفعال إذا سميت به رجلا: (فإن سميت رجلا ضربوا فيمن قال: أكلوني البراغيث قلت: هذا ضربون ... ورأيت ضربين، وكذلك يضربون ... فإن جعلت الإعراب في النون فيمن قال: مسلمين،

صرفت وأبدلت مكان الواو ياء، لأنها قد صارت بمنزلة الأسماء، كأنك سميت بيبرين) قال محمد: وصرف يبرين لو لم يكن اسم بلدة، ولكن إذا سميت بها رجلا خطأ، وكذلك يضربين، لأن يبرين يرمين إذا أردت جماعة النساء، ويضربين بمنزلة تضربين إذا خاطبت امرأة، والياء والتاء في هذا واحد، ألا ترى أنك تقول: أنت تعد، ولا ترد الواو، وإنما استثقلت بين الياء والكسرة فطرحت، وإذا جاءت التاء وبعض حروف المضارعة كن متبعات للياء لئلا يختلفن، فكذلك هذا، وكذلك ما أمليح زيدا! وإنما صغر من الأفعال ما أوله الهمزة وجعل سائر حروف المضارعة كذلك، لو صغرت يزيد ويشكر وينضب لم تصرف، وأنت لا تجد فعلا مصغرا إلا ما أوله الهمزة في باب التعجب.
قال أحمد: المسألة التي بني الكلام عليه وصدر القول بها ضربوا، وقال في التسمية به: هذا ضربون ورأيت ضربين، ثم اعترض بيضريون فقال: وكذلك يضربون، أي: يجعل مكان هذه الواو ياء في النصب كما فعلت ذلك في الفعل الماضي فتقول: رأيت يضربين كما تقول: رأيت ضربين، فسوى بينهما في هذا المعنى، ثم رجع إلى الكلام في ضربوا، قال: فإن جعلت الإعراب في النون صرفت، لأنها المسألة التي ابتدأ بالكلام عليها، ولم يرد الصرف في يضربون.
وقوله: كأنك سميته يبرين، فشبهها بها في لزوم الياء وهو الوجه الثاني لا في الصرف، فظن أنه شبهها بها في الأمرين جميعا، وأجرى يضربون مجرى ضربون في بدل الواو خاصة، فإذا جعل حرف الإعراب في النون، من (ضربون) جعل مكان الواو ياء

وصرف، ولزمت الياء كما لزمت في يبرين "ولم يرد أنها انصرفت كما أنصرفت يبرين" وكذلك كلامه وهذا التأويل لظن الراد عليه.
وأما اعتلاله بأن الياء والتاء واحد في باب يعد، وما أميلح زيدا! فقد أتى في غير موضعه، لأن الهمزة والتاء والياء والنون/ 114/ إذا جاءت في أوائل الأسماء التي على وزن الفعل المضارع فمجراها مجرى واحد، في منع الصرف إذا كن زوائد، لا يقال: إن بعضها أولى والثاني تابع ومشبه، وليس الأمر كذلك في باب يعد، وذلك أن الأصل في سقوط الواو مع الياء والكسرة إذا وقعت بينهما في قولك: يعد، وأسقطت مع الهمزة في أعد ومع التاء في تعد، والنون على الإتباع ليطرد الكلام، وليس في المجيء بهذا فائدة في هذا الموضع، لأنه لا خلاف في أن هذه الحروف إذا وقعت زوائد في أوائل الأسماء [التي] على وزن "الفعل" المضارع أن تلك الأسماء غير مصروفة.
مسألة [84] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب أسماء القبائل والأحياء، احتج بمن جعل سبأ اسم الأب والحي فصرفه بقوله: أضحت ينفرها الولدان من سبأ ... كأنهم بين دفيها دحاريج قال محمد: فلا حجة في البيت، لأن الشاعر يصرف ما لا ينصرف.
قال "أحمد" أما قوله في سبأ: إنه لا حجة في البيت الذي أنشده لأنه قد ينصرف في الشعر ما لا ينصرف في الكلام للضرورة، فلم يأت بالشعر إلا بعد تقديم الحجة بأنه ينصرف في الكلام والقرآن، وإذا كان ينصرف في الكلام فهو في الشعر أجوز، وإنما أتى بذلك

سيبويه لأنه ذكر أن ثمود وسبأ يكونان للقبيلتين وللحيين، وذكر أن كثرتهما في الكلام العرب بالصرف وترك الصرف سواء، واحتج أولا بالقرآن، وأن من القراء من يصرف، وأن أبا عمرو كان لا يصرف، ثم ذكر أنهما كذلك في الشعر يتساويان في الصرف وتركه، فأتى بشاهدين لهما ليدل على صحة ما أدعاه من استواء ذلك في الكلام والشعر، ولم يقتصر على الشعر دون الشاهد من القرآن، ولو أتانا شيء غير مصروف في شعر وفيه علة من العلل المانعة للصرف في الكلام لكان الأولى أن نحمله على بابه لا على الضرورة.
مسألة [85] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما لم يفع إلا اسما للقبيلة، احتج في أن يهود اسم مؤنث للقبيلة بقوله: أولئك أولى من يهود بمدحة ... إذا أنت يوما قلتها لم تؤنب قال محمد: ولا حجة في هذا، وذلك أن يهود لا ينصرف لو أراد به الحي، لأن الياء زائدة/ 115/ بمنزلتها في يقول.
قال أحمد: العرب تجري يهود مجرى مجوس في التأنيث، وهما نظيران، وإذا أنثتهما وجعلتهما معرفة فقد لزم ترك الصرف بهاتين العلتين، والراد معترف بهما، وجعل ادعاءه على ثالثة ردا، فإن صح ما قال: إن الياء زائدة وجعلت من هاد يهود، فهذه علة ثالثة، والعلتان

تكفيان في منع الصرف، وإذا جاء اسم أعجمي معرفة على وزن الفعل المضارع لمنعناه الصرف ولم نراع الوزن، وكذلك لو أن اسما مؤنثا معرفة وقع في الكلام على وزن الفعل المضارع لمنعناه الصرف بالتأنيث والتعريف، وألغينا العلة الثالثة، وكذلك لو وقع فيه أكثر من ذلك من العلل المانعة للصرف.
مسألة [86] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب تسميتك الحروف بالظروف، زعم أن أحد ما يستدل به على أن (أين) مذكر أنه بمنزلة جوابه، وجوابه مذكر كخلف زيد ونحوه.
قال محمد: وقد يكون جواب (أين) مؤنثا كقولك: ناحية عبد الله، وقبالة زيد ونحو ذلك، وذكر في هذا الباب في صرف قيل وقال إذا كانا اسمين قول الشاعر: أصبح الدهر وقد ألوى بهم ... غير تقوالك من قيل وقال قال: والقوافي مجرورة، قال محمد: وليس في هذا حجة، لأنه جائز أن تكون القوافي مقيدة وتكون (قيل) مفتوحا ولا ينكسر البيت.
قال أحمد: لو قيل للراد: ما تقول في اسم لا نعلم أمؤنث هو أم مذكر؟ ما الأولى عندك فيه التأنيث أم التذكير؟ فإنه لا يجد بدا على حسب ما توجبه صناعته من أن يحمله على التذكير قبل التأنيث، ولأن التذكير أكثر من التأنيث، ولأنا نرد المؤنث إلى المذكر فنذكر ما كان مؤنثا مسموعا ولا نؤنث ما كان مذكرا، فجواب (أين) وإن وقع مؤنثا فليس بالأكثر، وإنما هي أسماء يسيرة من الظروف، وأكثر الظروف مذكر، وجوابها ظرف، والحمل على الأكثر أولى كما قال سيبويه في هذا الباب، وقد

بين لنا أن أكثر الظروف مذكر حيث حقرت، فهي على الأكثر، وهذا من أصولهم، فإن كان الحمل على الأكثر ليس بالأولى فليكن الحمل على الأقل عنده أولى، وقد وافقه على مثل ذلك في مواضع كثرة، منها أنه زعم أن الهمزة والياء إذا وقعتا في أول اسم على وزن/ 116/ الفعل المضارع أنه يحكم عليه بالزيادة، ويمنع الاسم الصرف وإن لم يعلم اشتقاقه لأن الأكثر الأغلب أن يقعا زائدتين في هذا الموضع.
وأما "ما" ذكره من قول الشاعر: أصبح الدهر ... إلى آخره، وأنه لا حجة له في قوله: والقوافي مجرورة، لأنه يجوز في هذا الوزن أن تكون القوافي مقيدة، فالحجة لسيبويه فيه كالحجة للخليل عنده، إذ قبل ما أتى به في الرمل من هذا الوزن مطلقا ومقيدا، لأنه استشهد للمطلق بقول الشاعر: مثل سحق البرد عفى بعدك ... القطر مغناه وتأويب الشمال فهذا مطلق، وهو أن يكون مقيدا ويصح الوزن، والبيت الآخر المقيد قول الآخر: أبلغ النعمان عني مالكا ... أنه قد طال حبسي وانتظار فهذان البيتان جاء بهما الخليل والأخفش وأصحاب العروض شاهدين، وإنما رد سيبويه بما وقف عليه من جواز التقييد في الرمل، وقبول هذه البيتين يوجب عليه قبول

البيت الذي أتى به سيبويه أو رد الجميع، وذلك أن المقيد منهما يصلح أن يكون مطلقا، والمطلق يصلح أن يكون مقيدا، وإنما قبلناها على حسب ما يقبل خبر الواحد الموثوق به، وإنه سمع العرب تنشد هذا مطلقا وهذا مقيدا، وكذلك البيت الذي أنشده سيبويه إنما يقبل منه على أنه سمع العرب تطلق قوافيه، وإن كان احتمال تقييده يوجب تكذيبه فيما سمعه كان الأمر في هذين البيتين كذلك، وقد حكى النحويون أشياء كثيرة عن العرب بغير شاهد فقبلت عنهم كما يقبل خبر الواحد المظنون به خيرا.
مسألة [87] ومن ذلك قوله في باب ما جاء معدولا عن حده من المؤنث، زعم أن قوله: يدعو بها ولدانهم عرعار وقوله: قالت له ريح الصبا قرقار أنهما معدولان من بنات الأربعة كما عدلت رقاش ونزال من بنات الثلاثة، وأن معنى قرقار الفعل مثل نزال، إنما أراد قرقر بالرعد، وأن عرعار بمنزلة خراج من الثلاثة، وهي لعبة مثلها، ومعنى خراج أخرج من اللعبة، فقد أخرجتك، وكذا زعم معنى عرعار.
قال محمد بن يزيد: وليس هذا كما وصف، من قبل أن الشيء لا يحكم عليه بالعدل والخروج/ 117/ عن أصله حتى يتبين ذلك فلا يكون فيه مطعن، فأما عرعار فغنما هي لعبة للصبيان يقولون فيها: عرعار، وإنما حكى أصواتهم، وزعم أبو عثمان عن

الأصمعي عن أبي عمرو ما وصفنا أنه يقال: عرعر الصبي إذا قال: عار عار، بمنزلة دعدع بالغنم، وسبح وهلل، وأما قرقار فإنما هو حكاية صوت الريح في السحاب كما قال: البحر يدعو سيفما وسيفما إنما حكى صوته، وهذا قول أبي عثمان، لأن حذام معدول عن حاذمة، وعرعار ونحوه ليس له اسم معروف فيكون هذا معدولا عنه.
قال أحمد: ليس في رد ما قاله شيء أقرب مما حكاه عن أبي عمرو بن العلاء في أنه يقال: عرعر الصبي فيبني منه فعلا، وإذا بنى منه فعلا كان الاسم معرعر، وجاز العدل، وحكى ذلك ثم قال بعده: وليس له اسم معروف فيكون هذا معدولا عنه كما كان حذام من حاذمة، وكذلك معرعر من عرعر، وعارعار ليس حكاية لقولهم: عار عار، لأن هذا بناء غير ذلك البناء، وكذلك قرقار معدول من مقرقر، لأنه يقال: قرقر، وإذا سمع الفعل واسم الفاعل جاز تأويل الفعل، على أن ذكر اسم الفاعل في هذه المسألة لا وجه له، لأن هذا معدول عن افعل كأنه قال: عرعر، وليس بمنزلة حذام، لأن ذلك عدل عن حاذمة، وهذا معدول عن افعل أمرا.
مسألة [88] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب تغيير الأسماء المبهمة إذا صارت علامات، زعم أنه إذا سمى رجلا أمس وسحر وهو يريد المعدول عن الألف واللام الذي لا ينصرف وهو ظرف، وإذا سمي بها أو برباع وثلاث وما أشبه جميع هذا إنه يصرفه في المعرفة

والنكرة، وكذلك يلزمه في أخر.
قال محمد: وهذا صواب، لأنه نقله عن الموضع الذي عدل منه، وزالت عنه العلل التي لها منع الصر والتمكن، فصار أمس كعمرو، وسحر كجبل، ورباع كغراب، وأخر كصرد، كما أنه حيث سمى الرجل ضرب الذي هو فعل أعربه، فصار كحجر، وصار ضارب الذي هو قول ضارب عبد الله زيد بمنزلة خاتم، وصار ضارب في الأمر بمنزلة ضارب الذي هو اسم، وهذا نقض قوله في أحمر وما أشبهه إنه إذا سمي به لم ينصرف في النكرة، ويلزمه أن يصرفه في النكرة كما قال أبو الحسن الأخفش./ 118/ وذلك لأن المانع له من الصرف في النكرة أنه وصف وإذا سمي به فقد أزال عنه ذلك المعنى وأدخله في باب أفعل، وذهبت دلالته على معنى الحمرة.
فإن قال قائل: فأنت قد تقول: مررت بنسوة أربع، فينبغي ألا تصرف أربعا لأنك قد أخرجته من باب الأسماء ووصفت به كما أخرجت من باب الوصف وسميت به، فإن هذا لا يلزم، من قبل أن أربعا إنما كان في الأصل اسما للعدد، ثم توسعت فوصفت به ولم تخرجه عن أن يكون اسما للعدد ولا مفارقا لشيء من معناه، وأحمر حيث سميت به أخرجته من باب الحمرة ومن الشيء الذي كان يدل عليه وصار بمنزلة زيد وما أشبهه.
وكان أبو الحسن لا يصرف أرمل في النكرة من قولك: مررت برجل أرمل يا فتى، ولا

يلتفت إلى قولهم: أرملة، وغيره يصرف في النكرة لأنه اسم نعت به، والدليل على ذلك تأنيثه على لفظه.
قال أحمد: حجة سيبويه في ترك صرف (أحمر) إذا سمي به ما وحد عليه اجتماع العرب في ذلك، ألا ترى إلى قوله في باب ما كان من أفعل صفة في بعض اللغات واسما في أكثر الكلام، قال: (وأما أدهم إذا عنيت به القيد، وأسود إذا عنيت به الحية، وأرقم إذا عنيت الحية أيضا، لم تصرفه في معرفة ولا نكرة، لم تختلف في ذلك العرب، فهذا نص قوله، وسبيله وسبيل النحويين إتباع كلام العرب إذ) كانوا يقصدون إلى التكلم بلغتها، فأما أن يعلموا قياسا- وإن حسن- يؤدي إلى غير لغتها فليس لهم ذلك، وهو غير ما بنوا عليه صناعتهم، وقياس هذه الأشياء سهل كما قال سيبويه وإن وافق كلامهم.
فأما اعتلاله بصرف المعدول إذا سمي به لأن العدل قد زال عنه بالتسمية، فهذا الذي قاس عليه باب أحمر أوقعه في مخالفة العرب فيما لم تختلف فيه، ولعمري لو لم يسمع من العرب ترك الصرف في أدهم وأرقم وأسود وما أشبه ذلك إذا سموا بها لكان ما ذكر قياسا سهلا، ولكن لابد من متابعتهم إذ كنا نريد التكلم بلغتهم دون ما يطرد لنا ويحسن في مقايسنا، وإذ وجدنا العرب تجعل للفعل المستقبل ماضيا من لفظه كقولهم من ضرب: يضرب، ومن يضرب ضرب، وهذا مطرد في أكثر الكلام، ثم ابتعناهم في (يدع) فلم نقس عليه (ودع) ونعمل منه ماضيا على حسب ما جاء مستقبلا، وكان قياس هذا سهلا، ولكنا/ 119/ اتبعناهم فتركنا من ذلك ما تركوا وتكلمنا بما تكلموا، وقالوا: عسى، فجاؤوا بالماضي ولم يقولوا: يعسي فيأتوا بالمستقبل، فتنكبناه إذ تنكبوه.

مسألة [89] قال: ومن ذلك قوله في باب الظروف المبهمة، قال: (ومن العرب من يقول: من فوق ومن تحت، يشبهه بقبل وبعد)، واحتج بقول الراجز: لا يحمل الفارس إلا الملبون ... المحض من أمامه ومن دون قال محمد: ولا حجة في هذا، لأن الشعر مقيد فيجوز أن تكون (دون) ها هنا مجرورة وإن كان ما ذكر من بنائها على الضم صوابا، إلا أن له في هذا أدنى مذهب، نقول: إذا كان أمامه معرفة بالإضافة فالأجود في (دون) أن تكون معرفة، لأنه عطف على معرفة، وإذا كان معرفة فوجهه أن يكون مضموما.
قال أحمد: أما الوجه الذي تأوله فيه وجوز به قوله، وهو أنه عطف على معرفة، فلم يجز ذلك من أجله، والدليل على ما يقول أن النكرة قد تعطف على المعرفة، والمعرفة على النكرة، وأن الذي ذكر قد يجيء في غير العطف، وذلك قولك: نزلت من فوق الدار إلى أسفل، تريد إلى أسفلها، وإنما هذا لأنك أردت إلى أسفل دار بعينها قد ذرتها وأضفت أحد الطرفين إليها، وليس ها هنا عطف ولكنك أردت ما قلنا من التعريف، فلم يجز الجر والتنوين، لأنك تنوي الإضافة، فكذلك قول الراجز: المحض من أمامه ومن دون فليس يجوز أن يتأوله على أنه أراد: المحض من أمامه ومن دون غير ما أضاف الأمام إليه، كما أنك إذا قلت: نزلت من فوق الجبل إلى أسفل، فلست تريد أسفل من آخر غير الجبل، ولا يجوز في البيت على هذا غير ما ذهب إليه سيبويه.

مسألة [90] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب إرادة اللفظ بالحرف الواحد، قال: ولو سميت رجلا بالباء من اضرب لقلت: إب كما ترى، ولا يختل هذا كما ترى أن يكون في وصله على حرف، وشبهه بـ (اب) إذا خففت همزته.
قال محمد: وهذا من الخطأ الفاحش، لأن ألف الوصل لا تلحق حرفا متحركا، لأنها إنما تدخل لسكون ما بعدها، وهذا نقض قوله وأقوال جميع النحويين.
قال أحمد: أما قوله: إن هذا من الخطأ الفاحش، لأن ألف الوصل لا تلحق حرفا متحركا، فتوهم منه، لأن سيبويه إنما يلحق الألف هذه الباء/ 120/ في الوقف لا في الوصل، وهي في الوقف ساكنة، فم يلحقها حرفا متحركا، فإذا وصل الباء بما أسقط الألف، والدليل على ذلك ما حكاه عنه من قوله: ولا يختل هذا أن يكون في وصله على حرف واحد، لأنه يعتمد على ما بعده، وبتمثيله لقوله: ع كلاما وتشبيهه بـ (اب) إذا خففت همزته فقلت: من اب لك؟ فحذفت الهمزة، فألغيت حركتها على النون من (من)، بقوله: إذ كانت كينونته على حرف لا يلزم في الابتداء.
وأما حكايته عنه أنه قال: لو سميت بالباء من اضرب لقلت: اب كما ترى، فليس ذلك في الكتاب على ما حكاه ولا هو النسخة التي رواها فضلا عما سواها، وإنما في الكتاب: هذا اب كما ترى، بإسقاط الهمزة التي للوصل، وإنما حكاه

على الظن لا على التحقيق.
مسألة [91] ومن ذلك قوله في هذا الباب، قال: ولو سميت رجلا بالضاد من ضرب لقلت: ضاء، ومن ضحى لقلت: ضو، ومن ضراب لقلت: ضي، تلحق بعد كل حرف ما حركته منه، ثم تزيد على الذي يلحق مثله كما فعلت بقي ولو ولا.
قال محمد: وهذا خطأ فاحش أيضا ونقض لما أصل عليه، لأنك إنما تتوهم ما حذف منه بالحركات والحروف إذا لم تدر ما أصله، فأما إذا عرفت أنها ضاد من ضرب لم ترد إلا راء ضرب وباءها، لأنه منها حذف، وقد عرفت ذلك، و (ما) و (في) و (لو) لم تدر ما حذف منهن، فرددت مثل ما فيهن، ألا ترى أنك تصغر حرا فتقول: حريح لقولك: أحراح، وتقول [في رجل] اسمه ذو: هذا ذوا قد جاء، لقولك: ذوات، وكذلك جميع ما يشبه هذا.
قال أحمد: لم يرد الخليل بذكر الباء من ضرب هذه الجملة بعينها، وإنما جعل ضرب مثالا، والباء من ضرب ومن ذهب واحد، كما أنه لم يقصد إلى الباء بعينها دون الضاد ودون كل حرف مفتوح فجعله حرفا مفتوحا في مثال من الأمثلة، لأن حروف المعجم ليست لها حركات تستحقها في: أ، ب، ت، "ث" قبل تأليفها في أبنية الكلام، فلذلك مثلها في بناء من الأبنية لتراها متحركة أو ساكنة في بناء الكلمة، ولو قال: إذا سميت بباء مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، والباء لا فتحة لها ولا كسرة ولا ضمة في الأصل إلا أن

تكون مبنية في كلمة، لكان كلاما غير محقق/ 121/ ولا محصل في الظاهر، وإنما يصح على وجه من التأويل، فترجع إلى ما قال: ولو سمينا بالباء من ضرب أو من ذهب لكان قياسهما واحدا، ويدل على أنه لم يرد الكلمة بعينها وأنه لم يأت بها إلا على سبيل المثال، أن المخاطب لا يعلم أنها الباء من ضرب، ولو وصلها "بحرف" آخر من حروف ضرب على قول الأخفش: ضب، وعلى قول غيره: رب، وكذلك لو سمي رجلا بالباء من عذب فقال: عب أو ذب كان الأمر كذلك في الإشكال "فإن كان الغرض تبيين الكلمة" فالإتيان بكل حروفها أبين لها، وإن كان الغرض التسمية بهذا فحذف فالقياس ما قال الخليل، ولم يلتفت إلى نفس الكلمة، لأن الحرف تشترك فيه كلمات كثيرة، فلا يعلم أهو من هذه أو من هذه؟ مسألة [92] ومن ذلك قوله في باب الحكاية، قال: (وإذا سميت رجلا: الذي رأيته، لم تغيره، ولم يجز أن تناديه) قال محمد: [بن يزيد] وهذا خطأ، من قبل أنه لو كان كذا خرج من حد الأسماء، لأن الاسم وقع ليقصد صاحبه به وقد صار اسما فخرج من أن تقول فيه: يا أيها، ولكن تقول: يا الذي رأيته كما تقول: يا الله أغفر لي.
قال أحمد: أما قوله: لو كان كما وصف لخرج من حد الاسم، فقول غير مستقيم، وكيف يخرجه ترك النداء من حد الأسماء؟ والعرب قد سمت بالضحاك والحارث وأشباههما لوم تلحقها حرف النداء ولا أخرجها ذلك من حد الأسماء.
وأما احتجاجه باسم الله تعالى وأنا نقول: يا ألله اغفر لي، فهذا اسم صارت الألف واللام

فيه كبعض حروفه، وحذف منه واختصر وكثر في الكلام والدعاء عند الحذف والرجاء وعند أكثر الأحوال وفي أكثر الأوقات، واختص إذا جرى هذا المجرى بحال لا تكون لسواه.
مسألة [93] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب النسبة إلى فعيل وفعيل من بنات الياء والوا، زعم أنه إذا نسب إلي عدوة قال: عدوي، فحذف منها كما يحذف من حنيفة "الياء".
قال محمد: وهذا غلط، إنما يفر من الياء لاجتماع الياءات، والواو لا تكره ها هنا، والدليل على ذلك اختلافهما في التذكير، ألا ترى أنك تقول في عدو: عدوي، لا اختلاف في ذلك، وفي عدي: /122/ عدوي فتحذف، وأما احتجاجه بقولهم: في شنوءة: شنئي، فإنما هو شاذ كقولهم: زباني في زبينة، وبصري وسهلي، ألا تراه يقول في شقرة: شقري، فرارا من الكسرة والياء، وتقول في سمرة: سمري، فلا تغير.
قال أحمد: ليست علته في باب فعيلة وفعولة في الحذف ما ذكر محمد بن يزيد، وإنما وجد هذا قياسا مطردا فيما كانت فيه الهاء خاصة واعتل بأنهم لما وجدوا أواخر الكلمة تتغير لا محالة، فتكون هاء في الوقف وتاء في الوصل فحذفوه، وكان الحذف على ذلك أنهم قد يقولون في أمية: أميي وفي عدي: عديي فيجمعون بين أربع ياءات وكسرتين، وليس يجتمع مثل

هذا الثقل في حنيفة وربيعة.
وحكى أن العرب تسوي بين ذوات الياء والواو، فتقول في شنوءة: شنئي كما تقول في ربيعة: ربعي، وهذا بالتكذيب لما حكاه أشبه منه بالرد والاحتجاج، لأنه إنما حكاه عن العرب، ولم يدع أنه استنبطه وقاسه.
وأما عدو فليست في آخره الهاء فيلزمه التغيير في النسب بحذف الهاء، فإنما جاء به على الأصل لذلك، وإنما ذكر أن القياس المطرد في كلام العرب حذف ما في آخره الهاء وتغييره بحذف الياءات والواوات منه إذا حذفوا الياءات من آخره، وليس نظير ذلك فيما ليس في آخره هاء نحو فعول وفعيل، ألا ترى أن العرب لا تكاد تدعو ما في آخره الهاء إلا مرخما، لأن الهاء حرف تتغير في الوصل، وليست يا حارث تتغير فتكون مرة "ثاء" ومرة غير ثاء، فلذلك كان الترخيم لما في آخره الهاء في كلام العرب أكثر.
مسألة [94] ومن ذلك قوله في باب الإضافة إلى ما ذهبت فاؤه من بنات الحرفين، قال: (وتقول في الإضافة إلى شية: وشوي، لم تسكن العين كما لم تسكن الميم، إذا قلت: دموي).
قال محمد: هذا خطا من وجهين: أما واحد [الوجهين] فلذهابه إلى أن دما فعل، وإنما هي فعل، الدليل على ذلك أن الشاعر ما رد ما ذبه قال: فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين

وتقول: دَمِيتُ، وأنا دمٍ، والمصدر من هذا إنما يكون على فَعَلٍ نحو: فرِقت فَرَقا، وجزِعت/ 123/ جَزَعا.
وأما الوجه الثاني، فإنهم يقولون: هي مثل يد وإن كان فعلا يدوي، لأن الدال قد جرت عندهم حرف الإعراب فكرهوها متحركة وإن كان أصله السكون لمجراها في الكلام، وليست شية كذلك، لأن الشين إنما تحركت بحركة الواو، وحذفت الواو، ولم يجز أن يبتدأ بالشين ساكنة، فلما رجعت الواو ردت الشين إلى السكون، وهذا قول أبي الحسن الأخفش.
قال أحمد: أما حكمه على دم أنه فعل محرك العين من أحل أن المصدر من دم يأتي على فعل، نحو: فرقت فرقا، فدم ليس بمصدر فتحمله على فعل، وإنما هو اسم، ليس في ذلك خلاف، وأما دليله الآخر في قول الشاعر: .... ... جرى الدميان .... فقولهم: دميان كقولهم: دموي، وتحريكه في التثنية كتحريكها في النسب، لأن التعويض من حركة الإعراب التي كانت في الميم إذا قلت: دم قد وجب لها في الموضعين جميعا، وكذلك لو أردنا في شعر أن نثني يدا على الأصل لقلنا: يديان كما نقول: يدوي بالتحريك، وقد أبان سيبويه عن هذا الفصل وأتى به في آخر باب الإضافة إلى ما فيه الزوائد من بنات الحرفين، قال: (فالحرف الأوسط ساكن على ذلك يبنى، إلا أن يستدل على حركته بشيء، وصار الإسكان أولى لأن الحركة زائدة، فلم يكونوا ليحركوا إلا بثبت، كما أنهم لم يكونوا ليجعلوا الذاهب من (لو) غير الواو بثبت، فجرت هذه الحروف على فعل وفعل و

فعل، هذا نص قوله، والأصل الذي بني عليه، فدم على السكون كيد إلا بثبت يدل على أنه محرك المبنى في الأصل.
وأما قوله في شية: إنه إذا رد حركة الواو إليها أسكن الشين، فتحريك الشين أولى من تحريك الدال من يد، لأننا إنما حركنا في يد إذا قلنا: يدوي تعويضا من حركة الإعراب التي كانت في الدال، وحركة الإعراب ليست بلازمة على كل حال، إنما تدخل في الوصل وتحذف في الوقف، و (شية) حركتها حركة بناء لازمة للحرف، والتعويض من اللازم أولى، وليس كونها في الأصل للواو بمانع لأن يعوض منها، إذ لزمت الشين وجبت/ 124/ لها بعلة من العلل كما وجبت حركة الإعراب في حال من الأحوال، ولما لم يكن تركنا الإعراب في الوقف يوجب ترك التعويض في النسب إلى يد، لم يكن رد حركة الواو إليها من شية في النسب يوجب ترك التعويض، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم مع نظير لها دعا إلى ذكرها.
مسألة [95] ومن ذلك قوله في باب الإضافة إلى الجميع، ذكر أنه إذا نسب إلى جماعة جعل النسب إلى واحدها.
قال محمد: وهذا غير مردود عليه، ولكنه قال: ومن ذلك المسامعة والمهالبة، تقول: مسمعي ومهلبي، فجعل النسب إلى الواحد منها، ولا حجة له في هذا، لأن الأبوين المعلب ومسمع، وإنما ينسب الواحد منهم إلى أبيه لا إلى جماعة مهالبة ومسامعة.
قال أحمد: ذكر في الأصل أنه غير مردود عليه، فوافقه فيه، ثم أنكر في المسامعة

والمهالبة أن يكون النسب إلى واحدها مسمعي ومهلبي، وقد كان يجب عليه إذ وافقه في أصل الباب وأن النسب إلى جماعة بلفظ الواحد منها، أن يبين النسبة إلى واحد المهالبة والمسامعة، ويكون رادا ردا صحيحا، ويبين ذلك خروجه عن الأصل الذي وافقه عليه، لأن المسامعة والمهالبة جمع وله واحد، وإنما التبس عليه الأمر لاشتباه اللفظ إذا نسب إلى الأب وإلى الواحد من المسامعة، وذلك أن واحد المسامعة والمهالبة مسمعي ومهلبي، لأن هذه الجماعة في معنى النسب، كأنك قلت: المسمعيون والمهلبيون، ألا ترى أن المهالبة ليس بجمع للمهلب، وإنما هو جمع منسوب إلى المهلب، فليس كل واحد من هذه الجماعة يقال [له]: مهلب، وإنما هو مهلبي، وإذا نسب إلى هذا الجمع، فإنما ينسب إلى واحده، ولما كان واحده (مهلبي) و (مسمعي) احتجت إلى حذف ياءي النسب، وإلحاق ياءين أخريين مكانهما، كما أنك إذا نسبت إلى بختي قلت: بختي، فكان لفظ المنسوب الأول كلفظ المنسوب إليه، وصار هذا نسبا إلى منسوب، فاشتبه لفظ النسب إلى مسمعي بلفظ النسب إلى مسمع الذي هو الأب، فلما رآه الراد كذلك قال: هذا نسب إلى الأب، وليس اشتباه هذا الأشياء واتفاق ألفاظها يمنع من قياسها، ألا ترى أنه لو سألنا سائل عن تصغير برد وتصغير برد أو برد لكان اللفظ بتصغيرها واحدا، /125/ ولم يكن الاشتباه بمانع من التصغير، لأن الكلام قد تبين بأنحاء مختلفة، منها ما بني المتخاطبان عليه كلامهما، وما يجري قبل ذلك من القول المشاكل لما يجيء بعد، وكذلك لو نسبت إلى مسجد لقلت: مسجدي، ولو نسبت إلى مساجد لقلت: مسجدي، ولا اختلاف في النسب إلى الجماعة وإلى الواحد.
مسألة [96] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا بابا من الإضافة تحذف منه ياءي الإضافة، قال: ولا يقال هذا في كل شيء، قال: (ألا ترى أنك لا تقول لصاحب البر: برار.

قال محمد: [وكل من رأينا ممن ترضى عربيته يقول لصاحبه البر: برار]، حتى صار لكثرة استعماله لا يحتاج فيه إلى حجة من شعر ولا غيره.
فال أحمد: ليس في هذه المسألة غير الدعوى، وليست ها هنا حجة، وذلك أنه رد دعوى بدعوى، لأن سيبويه قال: لا يقال هذا، كأنه لم يسمعه من العرب، فادعى محمد أنه يقال، ولم يأت بحجة، وادعى ذلك في زمن "من" لا ترضى لغته ولا يحتج بقوله، وأنكره سيبويه في زمن "من" يؤخذ بلغته، ويرجع إلى قوله، ويستشهد بلفظه، ويمتنع من التكلم بما امتنع منه، فالنفس إلى الدعوى الأولى أسكن فيها وبها أوثق، لاسيما إذا أضفنا ذلك إلى أنا لم نسمعه من عالم ولا من عربي.
قال أحمد: ما سمعت أحدا مردود القول فضلا عن متبع القول نسب بائع البر فيقول: برار، ولو سمعته في هذا الوقت لما كان سماعه حجة، على أن قولي أيضا لم نسمعه دعوى كادعاء الراد والمردود عليه، ولعله أن يكون قد سمعه من عوام أهل مصر من الأمصار لا يؤخذ بلغتهم، وهذا نوع من الكلام لا فائدة فيه أكثر من أن تتلقى من عالم موثوق بقوله، فيؤخذ ذلك منه ويقبل تقليدا، وقد حكى سيبويه في هذا الباب أنه لا يقال لصاحب الفاكهة: فكاه، وهذا مستعمل في أكثر الأمصار التي شاهدناها، وليس ذلك بحجة، وأحسب أن محمدا سمع برارا على نحو من هذا، ولم يتعمد المخالفة، إلا أنه احتج بلغة من لا يحتج بمثله.
مسألة [97] ومن ذلك قوله في باب "جمع الأسماء" التي آخرها هاء التأنيث، قال: (وإذا جمعت ورقاء اسم رجل قلت: ورقاورن، فلم تهمز.

قال محمد: /126/ والهمز في موضع الواو الأولى جائز، وذلك لأنها واو انضمت بمنزلة واو أدور جمع دار، فأنت في الهمز وتركه بالخيار، وهذا قول أبي عثمان المازني، إذا أردت همزت للضمة [لا] لأنك أثبت الهمزة التي كانت في الواحد.
قال أحمد: في هذه المسألة جوابان: أحدهما يوافق فيه الراد، وهو أن يكون قوله: لم تهمز بالهمزة التي كانت في الواحد، ولم يحتج ها هنا إلى ذكر همزة الواو إذا انضمت، لأنه ليس بابه، وقد ذكره في مواضع أخر، والجواب الآخر: أنه لا يجوز همزها على ذلك، لأن الهمز إنما ترك فيها فرقا بينها وبين ما هي أصل أو مبدلة من الأصل كهمزة قراء ورداء وكساء، لأنك تقول في هذا: كساءان ورداءان، وفي النسب: كسائي وردائي، وإن سميت رجلا فجمعت قلت: كساؤون بالهمز، هذا الوجه فيها.
فأما حمراء وورقاء فإنك تبدل مكان الهمزة واوا لأنها زائدة للتأنيث، وجعل ذلك فرقا بينها وبين ما هو من نفس الكلمة، أو عوض من حرف من نفس الكلمة، فأنت إذا همزته لانضمامه كان اللفظ بتركه على حاله "في الواحد" وبهمزة لانضمامه واحدا، وبطل ما أرادت العرب من الفرق، ألا ترى أنهم يقولون: حمراوي في النسب، وفي الاثنين، حمراوان، وفي الجميع: حمراوات، وإذا سميت رجلا حمراء قلت: حمراوون كما قلت: ورقاوون، ليس في ترك الهمز خلاف.
مسألة [98] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما يحذف في التحقير من بنات الثلاثة من الزيادات، قال: (وإذا حقرت مقعسسا قلت: مقيعس، تحذف النون وإحدى السينين).
قال محمد: وهذا خطأ، وهو نقض قوله فيما عليه أصل التغيير عنده، وذلك أن الملحق

عنده بمنزلة الأصلي، وعند جميع النحويين، وهو يعلم أن سين مقعنسس الزائدة ملحقة بميم محرنجم، ولذلك لم يدغم فيها الذي قبلها، وقد أوجب في تصغير محرنجم بحريجم، فحذف الميم إذا لم يكن بعدها إلا أصل، فكذلك يلزمه فيما كان بمنزلة الأصل أن يقول: قعيسس، وهو القياس اللازم.
قال أحمد: قد زعم محمد في مسألة ذكرها [هو] بعد هذه المسألة ما ينقض ما ذكره ها هنا، وغلط في المسألتين جميعا، وذلك أنه زعم في عثول أن حذف الواو الملحقة أولى من حذف اللام المكررة/ 127/ عن الأصل، وقال في تصغيره: عثيل، وهو مع هذا يزعم أن واو عثول كشين قرشب، فترك اللام الزائدة التي هي مكررة عن الأصل، وحذف الواو التي "هي" في موضع شين قرشب، ورأى ذلك أولى بالحذف، وقال: هي زائدة، والزائد أولى بأن يحذف، فحصلنا عليه هذا القول ثم رأيناه قد وافق في أن حذف الدال من مقدم- وهي مكررة عن الأصل- أولى من حذف الميم، فقال فيه: مقيدم، لأن العرب قالت: مقادم، فأثبت الميم وحذفت الدال، ورأت أن إبقاء الميم أولى من إبقاء ما كان مكررا عن الأصل، لأن المكرر عن الأصل كالحشو، والميم زيدت في الأول لمعنى، فكان إبقاء ما زيد لمعنى أولى من إبقاء ما كان حشوا في الكلمة.
فإذا كان يزعم أنه يحذف الملحق ويبقي المكرر فقد صار المكرر أولى وصارت الميم أولى من المكرر عنده وكذلك هي عند العرب، فكيف جاز أن يحذف الميم من مقعنسس ويبقي السين، وهو يحذف المكرر للميم ويحذف الملحق للمكرر؟ وهذا كلام متناقض بعيد من الصواب، والذي عليه كلام العرب مما لا يختلف أن الميم أولى من الملحق لأن فيها معنى، وليس في الملحق معنى "أكثر" من البناء، والملحق أولى من المضاعف الذي ليس بملحق، لأن ذلك جرى مجرى الأصلي "وإن كان زائدا، والمضاعف زائدا لم يجر مجرى الأصلي"، والأصلي لا يحذف إلا أن [لا] في الكلمة زائد البتة نحو سفيرج،

فإن كان فيها زائد كان أولى بالحذف، وإن كان الزائد لمعنى نحو ميم محرنجم تقول: حريجم، فإن كان فيها زائدان أحدهما لمعنى أبقي الزائد الذي له معنى وحذف الزائد الآخر، كان ملحقا أو غير ملحق.
مسألة [99] ومن ذلك قوله في هذا الباب: (وإذا حقرت (عطود) قلت: عطيد، لأنك لو كسرته للجمع لقلت: عطاود، وإنما ثقلت الواو كما ثقلت باء عدبس ونون عجنس)، وذهب إلى أنه تحذف الواو الأولى كما تحذف [واو] فدوكس.
قال محمد: ولا ينبغي ذلك، ولكن نثبت الأولى لأنها ملحقة، ونثبت الثانية لأنها كذلك./ 128/ وهي رابعة، والملحق بمنزلة الأصلي، فينبغي له أن يحذف واو مسرول لأنه ملحق بمدحرج كما فعل في عطود، ولكن القول فيها: مسيرل وعطيد، لأن الواوين يلزمهما السكون فيصير بمنزلة بهلول وجرموق.
قال أحمد: يلزمه على هذا القول ألا يحذف التاء من مختار، لأن بعدها ألفا وهي رابعة، وإذا صغر على هذا اللفظ جاء على أمثلة التصغير، فيجب أن يقال فيه: مختير كما قال: عطيد، فإن قال: إن الواو في عطود للإلحاق، والتاء في مختار ليست كذلك، قيل له: هذا باب تحذف فيه الأصلي فضلا عن الملحق حتى ترده إلى أمثلة التصغير وقياسه والملحق فهو زائد، وإنما نقول: إنه يجري مجرى الأصلي في وزن الكلمة ومثالها، وكذلك يلزمه في منقاد.

فإن احتج بأن هذا الباب إنما يقاس على الجميع، فما حذف في الجمع حذف في التصغير كما قالوا في مقدم: مقادم، فصغر على مقيدم، وكذلك مفتعل حذفوا التاء في الجمع فقالوا في مغتلم: مغالم، فقيل في التصغير، مغيلم، فيقال له: فكذلك عود، لما كان في الجميع عطاود وحذفت الواو الساكنة بعد ألف الجميع، حذفت بعد ياء التصغير فقيل: عطيد، ولا يجوز أن تترك الواو مشددة بغير ألف الجميع كما كانت في الواحد فيخرج عن أمثلة الجمع.
فإن قال: أجعله في الجميع عطاويد، فإن هذا لا يكون جمعا إلا لما كانت فيه لغير إلحاق نحو فعلول وفعليل "وفعلال"، فيصير كأنه جمع لعطواد على وزن جلواخ وقرواح، فيصير عطاود بمنزلة جلاويخ وقراويح، وتكون المدة لغير الألحاق، فإنما وار عطود كراء همرج ونون عجنس، وإذا سميت بشيء من هذا ثم جمعت قلت: همارج وعجانس وما ألحق بالشيء جرى مجراه في جمعه، لا خلاف في ذلك بين النحويين، ولو جمعه على غير هذا لأخرجه عن معنى الإلحاق.
فأما قوله: فينبغي له أن يحذف واو مسرول، فإن مسرولا لو جمع لقيل: مساريل، ولم يكن ها هنا ما يوجب حذفها، والفرق بين واو مسرول وواو عطود يتبين إذا أجريت هذه الزيادة مجرى شبيهها وألحقت بنظائرها، /129/ وهذه الواو زائدة في موضع حرف أصلي، لأنها ملحقة، فإن أجريتها مجرى نظائرها من الزوائد فنظائرها من الزوائد- أعني حروف المد واللين- إذا وقعت رابعة في هذا المثال لم تحذف وإن أجريتها مجرى الحروف الأصلية لأنها ملحقة، والحرف الرابع الأصلي من الخماسي لا يحذف، وإنما يحذف الخامس-

فإلى أي الأصلين رددتها لم يجب الحذف فيها على حال من الأحوال، ثم نظرنا إلى واو عطود فرأيناها يجب حذفها، لأنها في موضع يحذف فيه الأصلي، وذلك أنها بمنزلة ياء عربيد، وأنت تحذف ياء عربيد في الجميع والتصغير، وكذلك واو فدوكس، فلما حذف الأصلي ها هنا حذف ما هو ملحق به وفي موضعه، فقد افترقت الواوان بأن وجب الحذف في هذه بوجوبها في نظائرها، ولم يجب في باب مسرول بامتناعه في نظائره.
مسألة [100] وقال في هذا الباب: (إذا حقرت عثولا قلت: عثيل، لأنك لو جمعت قلت: عثاول)، ولم يجز غيره، وقال: هم بمنزلة قرشب، صارت اللام الزائدة بمنزلة الباء الزائدة كما قالوا: قراشب، فحذفوا ما هو بمنزلة الباء وتركوا ما هو بمنزلة الشين.
قال محمد: وهذا غلط، من قبل أن الواو زائدة واللام مثلها، والواو أولى بالحذف لأنها من حروف الزيادة، واللام إنما هو من حروف التضعيف، وليس هكذا قرشب وأنت مخير في حذف أيهما شئتن إلا أن حذف الواو في قولك: عثيل أجود، وهذا قول أبي عثمان.
قال أحمد: وهذا نقض لرده عليه في مقعنسس، لأنه جعل الميم أولى بالحذف من السين لأن السين عنده ملحقة، وهو يقول: إن الراء في محمر أولى بالحذف من الميم، فيقول في محمر: محيمر، وفي محمار، محيمير، وكذلك الدال في مقدم فهو يجعل الميم أولى

بأن يبقى في الكلمة "من" الحرف المضاعف، "ويجعل الحرف المضاعف من عثول أولى بأن يبقى من الحرف الملحق، فقد وجب على هذا أن تكن الميم أولى بأن تبقى لأنها قد يحذف لها المضاعف"، /130/ ويحذف الملحق للمضاعف، فينبغي أن يحذف الملحق للميم، لأنه يحذف لها ما هو أولى منه.
وإما قوله: إنه مخير في حذف أيهما شاء، فليس الأمر كذلك، إنما يحذف أيهما شاء إذا استوت الزيادتان كزيادة قلنسوة، فأما إذا كانت إحداهما أولى من الأخرى أبقينا التي هي أولى، كزيادة توجب في الكلمة معنى وأخرى للحشو، فتكون التي توجب المعنى أولى بالإبقاء، والتي للحشو أولى بالإلقاء.
مسألة [101] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب تحقير ما كان من ذي الثلاثة فيه زيادتان، وتكون فيه بالخيار في حذف إحداهما، قال: (فإذا صغرت برو كاء قلت: بريكاء)، لأن هذه الألف بمنزلة الهاء، يعني همزة التأنيث.
قال محمد: وقوله هذا غلط بين، يلزمه أن يقول: بريكا، كما كان "قائلا" لو حقر بروكة: بريكة، واحتجاجه بألف مبارك ليس حجة لأن كاف مبارك من الكلمة، فلذلك حذف الألف، لأنه لا يصغر خمسة أحرف، وزعم تحقيقا لهذا القول أن من قال

في أسود: أسيود وبنى منه أفعلاء فإنه يقول: أسوداء فاعلم، ومن قال: أسيد فجعلها في اللفظ كواو عجوز قال: أسيداء، فخفف إذ أشبهت السواكن وصارت عنده بمنزلة ألف مبارك، وهذا توكيد لذلك الخطأ، لا يجوز على حال إلا أسيداء وأسيوداء، ولو كان مثل عجوز تلحقه ألف التأنيث الممدودة لم يجز إلا التثقيل كما قال في بروكاء، وهو مثله وفي وزنه.
قال أحمد: إما إلزامه أن يجعل بروكاء في التحقير كبروكة فيثقل ويقول: بريكاء كما يقول: بريكة فليس بصحيح، لأنه وإن جعل الألف الممدودة للتأنيث بمنزلة الهاء في حال فليست في منزلتها في كل حال، ألا ترى أنه قد فرق بينهما في غير موضع وفي هذا الموضع بعينه فقال: إن الهمزة بمنزلة ما من الكلمة وليست كالهاء، لأن الهاء كاسم ضم إلى اسم، تقول: ضارب ثم تقول: ضاربة، فتدخل التأنيث بعد أن تتكلم بالاسم مذكرا، وليست الألف في حمراء كذلك، إنما هي مبنية مع الاسم وليست داخلة عليه بعد بنائه واستعماله خاليا منها، فجعلها بمنزلة كاف مبارك لهذه العلة، فهي كهاء التأنيث، لأنها للتأنيث كالهاء، ومتحركة كالهاء فتثبت في الاسم الخماسي مصغرا كما تثبت فيه الهاء لمشابهتها إياها في هذا المعنى، ولذلك زعم أنهم أجروها مجرى الهاء.
يريد أنها تثبت في الخماسي كما تثبت الهاء/ 131/ في التحقير، وإنما فارقتها في أنها مبنية مع الاسم لا تفارقه، فشابهت بذلك كاف مبارك وراء عذافر، فحذف معها الزائد الثالث الذي في موضع ألف مبارك، كما حذفت ألف مبارك، وخالفت الهاء في هذا الموضع وأجروها مجرى الهاء في الموضع

جارٍ التحميل