الانتصار لسيبويه على المبردصفحات 142-181

قال: ومن ذلك قوله في باب نعم، "قال": وإما أحد وأرم وكتيع وعريب وكراب وما أشبه ذلك فلا يقعن واجبات ولا حالا ولا استثناء).
قال محمد: وهذا خطأ، لأنا نقول: قد جاءني كل أحد، ومررت اليوم بكل أحد من بني فلان، وإنما القول في أحد وما أشبهه أن تقول: لا يقعن إلا في موضع يقع فيه الجميع

والواحد الذي في معنى الجميع، تقول: كل أحد جاءني وكل الرجال، وما جاءني اليوم رجل، وما جاءني اليوم رجال والرجال، ولا تقول: عندي عشرون أحدا لأنك لا تقول: عندي عشرون رجالا /76/ على هذا الحد، ولو قلت: جاءني أول أحد منهم كان عندي جائزا، لأنك تقول: أول رجل وأول الرجال، وإنما كان لأحد هذا الموضع خاصة لأن له لفظ الواحد ومعنى الجميع، فلذلك كان موضعها الموضع الذي يجمع بين هذين المعنيين، فإن قيل: فرجل في قولك: عشرون رجل لفظه واحد ومعناه جمع، قلنا: إن رجلا إنما كان كذلك لأنه وقع بعد عشرين، ولولا ما قبله لم يجاوز الواحد، ألا ترى أنك تقول: ضربت رجلا وكلمني رجل، فيكون المعنى واقعا على واحد في العدد، وقد ذكر سيبويه مثل ذلك في الجزء الأول في قوله: أتاني رجل، فيقول المجيب: ما أتاك رجل، مما يغني عن إعادته.
قال أحمد: قد تقدم ذكر هذه المسألة، وهي ها هنا مكررة، لأن سيبويه أعاد ذكرها بشيء اقتضى ذلك، فأعاد محمد الرد، وقد أوضحناها بما فيه كفاية، غير أنا نذكر ها هنا نبذا من القول لمن جاء به لم يكن تقدم، زعم أن أحدا إنما يقع في موضع يكون مشتركا للواحد والجميع، ولو كان الأمر على ما زعم لجاز أن تقول: زيد أفضل أحد، لأنك تقول: زيد أفضل رجل، وأفضل الرجال، وهذا ما لا يجوز ولا ينساغ، وأما قوله: إنه يجوز أتاني كل أحد، ومررت "اليوم" بكل أحد، فقد مضى القول والجواب على ذلك مستقصى فيما تقدم.
مسألة [58] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب لا يكون الوصف المفرد فيه إلا رفعا، قال: (وتقول: يا أيها الرجل زيد أقبل، وإنما نونت لأنه موضع يرتفع فيه المضاف، وإنما يحذف

التنوين إذا كان في موضع ينصب فيه المضاف.) قال محمد: وقد ناقض، لأنه يقول: يا هذا زيد أقبل وزيدا على اللفظ وعلى الموضع فينون، وهذا موضع لا يقع فيه المضاف إلا نصبا، لا تقول إلا: يا هذا ذا المال أقبل، على ندائين، وقد كان قال في أول [باب] النداء: أقول: يا زيد الطويل والطويل على الموضع، والرفع فعلى أن زيدا وما أشبهه قد اطرد فيه النداء وصار بمنزلة ما يرفعه الفعل والابتداء ونحو ذلك.
قيل: فلم لا تقول: يا زيد ذو الجمة؟ قال: من قبل أن ذا الجمة /77/ لو وقع موقع زيد لم يكن إلا نصبا، والطويل لو كان منادي كان كزيد، فجعل هذا أصل هذا، ثم قال في الباب الذي بعده: وهو الذي ذكرناه فوق هذا الفصل: (وتقول: يا زيد الحسن الوجه والحسن، ولا تلتفت فيه إلى الطول، لأنك لا تستطيع أن تناديه فتجعله وصفا مثله منادى)، وهذا نقض لذلك، وقد فسر في غير هذا الدفتر.
قال أحمد: أما قول سيبويه في يا أيها الرجل زيد: إن زيدا منون لأنه في موضع يرتفع فيه المضاف، فليس يخالف محمد ولا غيره فيه، وإنما ألزمه على هذا القول "أن" لا ينون في الموضع الذي ينتصب فيه المضاف، إذ عارضه بقوله في موضع آخر: يا هذا زيد،

وهو يقول: يا هذا ذا الجمة، فينصب على النعت، لأن هذا لا ينعت بالمضاف، وليس يلزمه ذلك، لأنا إذا قلنا: إن الاسم المفرد يكون منونا في هذا الموضع على كل حال، لم يلزمنا بهذا القول أن نترك التنوين إذا كان في غير ذلك الموضع على كل حال، ولكن يحتمل إذا كان في غير ذلك الموضع أن ينصرف في أحوال يكون "في" بعضها منونا وفي بعضها غير منون، وإذا كان هذا كذا فقد اختلف الموضعان، فتنوين المفرد في الموضع الذي يرتفع فيه المضاف واجب مطرد متفق عليه، وليس حذفه في الموضع الذي ينتصب فيه المضاف مطردا، بل قد يحذف التنوين في حال ويثبت في أخرى، ألا ترى أن سيبويه يروي هذا البيت على وجوه: إني وأسطار سطرن سطرا لقائل يا نصر نصر نصرا ونصرا نصرا، وزعم أن بعضهم ينشد: ........ يا نصر نصر نصرا فيرفع الثاني وينونه، ومرة يدع التنوين فيه، وهذا موضع ينتصب فيه المضاف، فلم يكن حذف التنوين لازما في الموضع الذي يرتفع فيه المضاف، وقد قال سيبويه في غير هذا الفصل: وإنما يجوز في موضع ينتصب فيه المضاف، أي: إنما يجوز الحذف في هذا الموضوع وغير الحذف أيضا جائز، وكذلك إذا قال: يا هذا زيد، وهو ينوي الوقوف على هذا، فإن شاء رفع زيدا بتنوين وبغير تنوين، وأن شاء نصبه منونا.
فأما قول محمد: "إن" /78/ يا هذا ذا المال على ندائين، فقد أكد به الحجة لسيبويه وأفسد المعارضة عليه، لأنه إذا كان على نداءين فقد صار على كلامين وليس أحدهما

محمولا على الآخر، ولا موضع زيد في قولك: يا هذا زيد بموضع يقع فيه المضاف، لأنه يقدر فيه المضاف منادى آخر، وليس من الأول ولا محمولا عليه، وإنما كل واحد منهما منادى على حياله، وإذا كان كذا فليس بمشبه لقولنا: يا أيها الرجل زيد، لأن زيدا محمول على الرجل، ويا أيها الرجل ذو الجمة نعت للرجل، وهما جميعا من الكلام الأول، وإذا قلت: يا هذا ذا الجمة وذو الجمة محمول على عطف البيان عند سيبويه، والمعارضة على أن يكون على نداءين متناقضة لا وجه لها لما ذكرنا.
وأما قوله في المسألة الأخرى: إنه زعم في يا زيد ذا الجمة أن المضاف انتصب لأنه لو وقع موقع المفرد لم يكن إلا نصبا فهذا إلى هذا الموضع من كلام سيبويه صحيح متفق عليه، وزاد محمد متأولا والطويل لو كان مثله كان كزيد، فهذا ليس من كلام سيبويه وإنما جاء به على التأويل والظن فاتجه له الكلام وليس ينساغ، أما أن تجعل الطويل في موضع المفرد فتقول: يا ذا الجمة كما تقول: يا زيد، ولا تقول: يا الطويل كما قلنا، وكيف نقدر فيه ذلك ونحن إذا قلنا: يا زيد الطويل جاز لنا فيه وجهان: الرفع والنصب، وكذلك يا زيد الحسن الوجه، يرفع الحسن ولا يلتفت إلى الطويل، لأنك لا تستطيع أن تناديه فتجعل إعرابه في الوصف كإعرابه وهو منادى، فنحن نستطيع إذا قلنا: يا زيد ذا الجمة أن تقول: يا ذا الجمة، فنناديه، ولا نقول: يا الحسن الوجه، ولا يا الطويل، وإنما جاء بالطويل معارضا ليجعله نظير الحسن الوجه: فلم جاز لك أن تحتج في الحسن الوجه بالامتناع من النداء، ولم تفعل ذلك في الطويل وما أشبهه، ومجراهما واحد عند سيبويه ولم يفرق بينهما في هذا المعنى، وإنما ظن محمد ظنا وليس بنص.
مسألة [59] قال: ولم نصب في الثاني عشر شيئا، ومما أصبناه في الثالث عشر ذكره في الثاني عشر أنك إذا أضفت غلاما إلى نفسك ثم ندبته فيمن قال: يا غلامي فأسكن الياء إنك تقول:

واغلامياه، /79/ فتحرك لالتقاء الساكنين، ثم قال في الثالث عشر في باب ترجمته: هذا باب تكون فيه ألف الندبة تابعة لما قبلها إن كان مكسورا فهي ياء وإن كان مضموما فهي واو، وذلك قولك: وأظهرهوه إذا أضفت الظهر إلى مذكر، وإنما جعلته واوا لتفصل بينها وبين المؤنث إذا قلت: واظهرهاه، ثم قاس ذلك في جميع هذا الباب فقال: وتقول واغلامكموه إذا عنيت الجماعة لتفصل بين ذلك وبين التثنية إذا قلت: واغلامكماه، وكذلك ما أشبه ذلك.
مسألة [60] وقال في الباب الذي يلي هذا الباب: وإذا ندبت رجلا يسمى ضربوا قلت: واضربوه لتفصل بينه وبين رجل يسمى ضربا إذا قلت: واضرباه، وإنما تحذف الحرف الأول من هذا ومما قبله لأنه لا ينجزم حرفان.
فيقال: قد علمت أن الياء بمنزلة الواو، وأنك تقول: غزوا للاثنين كما تقول: رميا، وتقول: لن يغزو للواحد كما تقول: لن يرمي، فإن كنت حيث قلت: يا غلامياه حركت الياء كما ذكرت لالتقاء الساكنين علما بأن حركتها لا تكون إلا فتحة، فقل: واظهرهواه، فحرك الواو لالتقاء الساكنين كما فعلت بالياء في يا غلامي، وقل: واضربواه في رجل يسمى ضربوا، فأما ضربا وظهرها فإن ألف هذا وما أشبهه يذهب كما يذهب ألف مثنى، فقد ترك قياسه في ضربوا وظهرهو.

والقول عندي في ذلك أن يقال: واو الجميع في غلامهموه وواو الإضمار في ظهرهو وواو ضربوا أصلها السكون، ولا يجوز أن تحرك إلا لالتقاء الساكنين، فتكون حركتها الضمة إذا انفتح ما قبلها "كما" في ﴿اشتروا الضلالة﴾ والكسر فيها جائز، وكذلك واو الواحد بالجواز فتنقلب ياء، فمن ثم يحركا وكانت الحركة ليس لها في الأصل، وكانت ألف الندبة زائدة، يجوز أن تخلو منها الكلمة فلذلك قلبت قبلها.
وأما ياء غلامي فأصلها الفتحة، وإنما فتحت على أصلها، ألا ترى أنك تقول إن شئت: هذا غلامي قد جاء على الأصل كما قال الله عز وجل: ﴿يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه﴾ وكذلك حركتها بالفتح حيث سكن ما قبلها في قولك: هذا عنزي وهذه عصاي، فهذا فصل قوي بينها وبين واو الجمع [وإضمار الواحد.
قال أحمد: هذا الفصل صحيح لا معدل عنه ولا جواب في هذا أحسن منه، ومع ما ذكر في الفصل بين ياء غلامي وواو الجميع].
/ 80/ والواو التي تكون مع المضمر، أما لو حذفنا "الياء" من غلامي للندبة "لا" لالتقاء الساكنين لفتحت ألف الندبة ما قبلها والتبس المضاف بالمفرد، فكنا قد منعنا الياء حركة تحرك بها وتكون في الكلام لها، وحولنا حركة ما قبلها من الكسر إلى الفتح وأدخلنا في الكلام هذا اللبس.
مسألة [61] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب الحروف التي ينبه بها المدعو، قال: ولا يجوز

أن تقول: هذا، ولا رجل، وأنت تريد يا، وذلك لأن الحرث الذي ينبه به لزم المبهم وصار كأنه بدل من (أي) حين حذفته فلم تقل: يا أيها الرجل ولا يا أيهذا، ولكنك تقول إن شئت: [من لا يزال] محسنا أقبل، لأنه لا يكون وصفا لأي.
قال محمد: وهذا خطأ، لأن هذا اسم على حياله مبهم مثل أي، ورجل قد صار في النداء معرفة كغيره من المعارف، وليس ما تصف به إذا وضعته موضع الموصوف إلا بمنزلته نحو قولك: يا ذا الجمة أقبل كما تقول: عبد الله أقبل، فكيف الأسماء التي لا يجوز أن يوصف بها إلا المبهمة، ولكن القول في هذا لا يخلو من يا في النداء، لأنه اسم أصله أن يشير به الواحد إلى غيره، فلما ناديته ذهبت منه الإشارة فعوض التنبيه لما نقص، وهذا قول أبي عثمان.
وأما رجل فإنه لما منع الألف واللام في النداء وهو معرفة عوض منها لزوم التنبيه كما كانت الهاء في زنادقة عوضا من الياء.
وأما من لا يزال محسنا فإنه في النداء بصلته كما كان في سائر الكلام، فمن ثم لم يلزمه التنبيه لأنه لم ينقص فيعوض.
قال أحمد بن محمد: قوله في هذا الاعتلال: إنه خطأ من أجل أن (من) اسم على حياله مبهم قول غير لازم، وذلك أن هذا أيضا اسم مبهم على حياله وقد وصفت به العرب أيا، وإنما أراد سيبويه أن من هذه الأسماء ما وصفت به العرب أيا وأجرته مجرى أي، ومنه ما لم تنعت به أيا فنعتت أيا بهذا فقالت: أيهذا الرجل ويا أيها الرجل، [فلما قالوا: يا

هذا، ويا رجل فكأنهم قالوا يا أي هذا ويا أي ها الرجل] لأنهما وصفان لأي، فأي كأنها موجودة إذا دعيا، فلما حذفت/ 81/ أي ألزموهما (يا) عوضا عن حذف أي، إلا أن سيبويه يجيز حذف (يا) من النكرة خاصة وإن كان ذلك ضعيفا عنده، ونحن نذكره بعد هذا الفصل.
وإما الاعتلال الذي أتى به محمد بن يزيد عن المازني في أن (يا) إنما ألزمت هذا في النداء، لأنه اسم أصله أن يشير به الواحد إلى غيره، فلما ناديته ذهبت منه الإشارة، فعوض حذف التنبيه فخطأ، لأن باب النداء يحول الأسماء- أسماء الإشارة وغيرها- إلى الخطاب كتحويله أسماء الغيبة إلى المخاطبة إذا قلت: يا زيد، فلو كان التحويل عما عليه الاسم في الأصل إلى غيره يوجب له التعويض هاهنا لوجب ألا يحذف (يا) من اسم منادى البته، لأنها كلها قد تحولت إلى الخطاب وإن كانت في الأصل غير مخاطبة، والتعويض هاهنا من اللفظ "الذي" حذف أولى، أعني لفظ أي، وهو قول سيبويه، وإنما وقع الحذف من بعضها فعوض في الموضع الذي وقع الحذف، وأما التحويل إلى الخطاب فقام في الباب ولم تعوض منه العرب.
وأما قوله في رجل: إنه لما منع الألف واللام في النداء عوض لزوم التنبيه، فمن قوله: "إن" يا رجل معناه يا أيها الرجل، وليست تدخله الألف واللام وهو منادى البتة، إنما تدخله وهو وصف لمنادى، والمنادى محذوف، فالتعويض منه أولى، لأن التعريف في النداء بغير ألف ولام وإنما هو بالإحساس، فكان التعويض مما يلفظ به في النداء ويحذف أعني أيا أولى من التعويض من شيء لا يكون في النداء مستعملا، وقد أدى عن معناه غيره كالألف واللام التي أدى عن معناها الاختصاص واستغنى عنها في النداء، فما الحاجة إلى التعويض من شيء لا يقع البتة وقد ناب عنه غيره وقام مقامه سواه؟

مسألة [62] ومن ذلك قوله في هذا الباب: (وقد يجوز حذف (يا) من النكرة نحو قوله: جاري لا تستنكري عذيري وقال: افتد مخنوق، وأصبح ليل، وأطرق كرا.
قال محمد: قد أخطأ في هذا كله خطأ فاحشا، وذلك أن قولك: جاري لا تستنكري عذيري، جارية/ 82/ هنا معرفة، الدليل على ذلك الترخيم، ولو كانت نكرة لزمها في النداء والتنوين والنصب، فلم يجز ترخيمها في النكرة لأن المضاف لا يرخم في النداء، لأنه جاء على الأصل، وكذلك النكرة، ولو جاز ترخيمها في النكرة لجاز في غير النداء لأنه فيهما على الأصل، وقد وضع باب الترخيم ما فيه هاء التأنيث كله على أنه نكرة، وهذا خطأ، وتخطئته قول أبي عثمان، ويدل على ذلك أنه حذف (يا) من افتد مخنوق، وأصبح ليل، فضمهما، ولو كانا نكرتين نصبا ونونا.
قال محمد: وقوله في باب الترخيم: يا شا ارجني، ويا ثب أقبلي، وما أشبه ذلك، إنما هو يا أيها الشاة، ويا أيتها الثبة، وما وضعه على النكرة خطأ لما ذكرت لك، فأصل الترخيم كله على ما وصفنا، فزعم أنه لا يرخم ما جاء على أصله في النداء، وقد قال:

ولا ترخم مضافا ولا اسما منونا.
قال أحمد: أما تسميته هذا نكرة فصواب وليس بخطأ على ما ذكر، لأنه إنما يصير معرفة في حال ندائها إياه واختصاصه بذلك، وإلا فهو نكرة قبل النداء، فكأنه قال: وقد يجوز أن يحذف (يا) من النكرة إذا ناديتها، وإنما تصير هذه النكرة معرفة إذا اختصها بالنداء، وليست اسما غالبا مختصا قبل النداء كزيد وعمرو، لأن زيدا وما أشبهه معرفة قبل أن تناديه، وفي حال النداء كذلك.
وأما قوله: إن يا شا ارجني على معنى يا أيتها الشاة فسيبويه ذكر ذلك وعنه أخذ هذا التفسير فإن سميناها نكرة فإنما أردنا أنها نكرة قبل أن تنادى، فإذا نوديت حدث لها التعريف بالنداء، فكأنه قال: إذا أردت أن تنادي اسما شائعا يقع على كل واحد من أمته ليس بمختص غالب وأردت اختصاصه بالنداء جاز لك فيه كذا وكذا، ولا أعرف لقوله: إنه أخطأ خطأ فاحشا معنى لأنه بين واضح.
مسألة [63] قال: من ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب من الاختصاص يجري على ما جرى عليه في النداء، فيجيء لفظه على موضع النداء نصبا، (فأما قوله: نحن بنو أم البنين الأربعة

فلا ينشد إلا رفعا، لأنه لم يرد أن يجعلهم إذا افتخروا أن يعرفوا بأن عدتهم أربعة قال محمد: النصب فيه جيد على وجهين أحدهما أن أم البنين امرأة شريفة وبنوها الأربعة كلهم سيد، والخبر المطعمون الجفنة المدعدعه فينصب على الفخر لما ذكرت لك، فيكون بمنزلة ما تقدم وليبلغ منه أيضا، / 83/ والوجه الآخر أنه لو لم يرد معنى الفخر، نصبه على أعني بلا مدح ولا ذم أكثر من التسمية، وأنه قد جاء بخبر غيره كما قال: وما غرني حوز الرزامي محصنا ... عواشيها بالجو وهو خصيب وإنما محصن اسم الرزامي.
قال أحمد: لم يقل سيبويه في هذه المسألة: إن النصب فيها لا يجوز البتة على حال، وإنما ذكر أنه ينشد رفعا، يعني أن الرواة ينشدونه كذلك، واعتل لاختيارهم الرفع بأنهم نعتوا الاسم بالأربعة ولا فخر بأن يكونوا أربعة، وإنما بعد النصب لأنهم أصبحوا الاسم هذا النعت الذي [ليس] فيه فخر ولا مدح، ولو أسقط هذا من الكلام لكان النصب جيدا بالغا ولكان بمنزلة [قول الشاعر]: إنا بني منقر قوم ذوو حسب ........

ولا فرق بينهما إلا المجيء بهذا النعت الذي ليس فيه معنى يحسن معه النصب.
فأما الوجه الآخر الذي ذكره محمد وأنه يحمله على أعني فقد أتى به سيبويه بقول مطلق في جميع هذا الباب في غير المدح والذم، وأنه يحمله كله على أعني، وأنشد البيت الذي ذكره شاهدا: وما غرني حوز الرزامي محصنا ... عواشيها بالجو وهو خصيب فإنما كان يلزمه لو قال: إنه لا يجوز على كل حال غير الرفع، وهو إذا رفع لم يذهب منه معنى الفخر أيضا كما أنه إذا قال: سلام عليك فرفع لم يذهب منه معنى الدعاء.
مسألة [64] ومن ذلك قوله في هذا الباب، زعم عن الخليل أن قوله: أيام جمل خليلا لو يخاف لها ... صرما لخولط منه الروح والجسد قال: هذا بمنزلة قولك: حسبك به رجلا، ولله دره فارسا.
قال محمد: وإنما هذا كقولك: أتيته يوم عبد الله قائما، إذا عرف اليوم به، ولم تضفه إلى الابتداء والخبر.

قال أحمد: قوله يوجب أنه يذهب إلى أن نصبه على الحال، والحال غير جائزة هاهنا، والمسألة التي مثل بها غير جائزة على ما ذهب إليه، وإنما تجوز على وجه آخر، والحجة في فساد الحال هاهنا أنه لا يعمل في الحال إلا ما عمل في صاحب الحال كقولك: جاء زيد راكبا، فهذا الفعل عمل في زيد وفي حاله، ولو قلت: جاء غلام هند راكبة/ 84/ لم يجز لأن الفعل إنما عمل في الغلام ولم يعمل في هند، وكذلك هذا الذي ذكره، لأن الفعل عامل في أيام جمل وليس بعامل في جمل، وكذلك المسألة التي مثل بها، وهو قولك: لقيتك يوم عبد الله قائما، فإنما الفعل في اليوم ولم يعمل في عبد الله، ولو جعلت قائما حالا من الكاف أو التاء في لقيتك جاز، لأن الفعل قد عمل فيهما فحسن أن يعمل في حالهما، ولا يكون قائم حالا، من عبد الله في هذه المسألة، فإن أردت أن تجعله لعبد الله قلت: لقيتك يوم عبد الله قائم.
مسألة [65] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: [هذا باب] ما إذا لحقته لا لم تغيره عن حاله التي كان عليها قبل أن تلحق، "قال": (وذلك قولك: لا مرحبا ولا أهلا ولا هنيئا ولا مريئا ولا سلام عليك، لأن (لا) لحقت ما قد عمل فيه غيرها، فلم تغيرها كما [لم] تغير الأفعال التي هي بدل منها، ولم يلزمك في هذا الباب تثنية (لا) كما لا تثني [لا] في الأفعال التي هي بدل منها)، يعني أن مرحبا بدل من رحبت بلادك، وسقيا بدل من سقاك الله، وكرامة بدل من أكرمك، وأنت تقول: لا سقاك الله، فلم تبن سقاك لمجيء (لا)، ولم يلزمك أن تثني كما تثني لا رجل في الدار ولا امرأة، وكذلك جميع هذا الباب.
قال محمد بن يزيد: ولم يمتنع هذا عندي من حيث ذكر، لو كان هذا يجري في ترك النصب والتثنية مجرى الفعل الذي هو بدل منه لزمك أن تقول: زيد لا قائم كما كانت

تقول: زيد لا يقوم وما أشبه هذا، وكذلك هذا لا منطلق على حد قولك: هذا لا ينطلق، ولكن القول فيه عندي، لما كان دعاء لم تكن فيه قاصدا لنفي شيء عن المذكور، لأن معنى قولك: سقاك الله إنما هو اسأل الله أن يسقيك، فإذا قلت: لا سقيا، فإنما هو منتصب بقولك: سقاك الله، ثم أدخلت (لا) فصار "معناه" لا سقاك الله سقيا، فالناصب لقولك: سقيا إنما هو سقاك في النفي والإيجاب، وكذلك قولك: ولا كرامة ولا مسرة، إنما كان قولك في الإيجاب: أفعل ذلك وكرامة، إنما "كان" معناه وأكرمك كرامة، فدخلت (لا) على [ما] "قد" عمل فيه غيرها.
وقولك: لا سلام عليك، سلام: ابتداء، وعليك خبره، وجاز الابتداء بالنكرة لأن معناه سلام الله عليك، ولم تضع سلام/ 85/ موضع قولك: رجل في دارك، لأنك لست تريد أن تخبر عن السلام بشيء، إنما دعوت له فدخلت (لا) على شيء عمل فيه الابتداء، ولم يلزمك في هذا الموضع تثنية لا، لأنه ليس جوابا لقولك: أذا عندك أم ذا؟ ولو أردت المعنى الذي تدخل عليه (لا) نافية لتخبر بها ولا تدعو لقلت: لا كرامة لزيد عند أحد، ولا سقي لزيد في ماله، فهذا سوى ذلك المعنى.
وأما قول الله جل وعز: ﴿سلام على إبراهيم﴾ و ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ فلا يقال: الله تعالى دعا، ولكن معنى الكلام- والله أعلم- هؤلاء ممن وجب أن يقال لهم: سلام عليكم، ورحمكم الله، لأن هذا إنما يقال بالاستحقاق لأولياء الله، كما أن قوله ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ لا يقال فيه: دعاء عليهم، ولكن معناه هم ممن استوجب أن يقال لهم ذلك، لأن هذا إنما يقال لصاحب الشر والهلكة.
قال أحمد: قوله: إنه قد كان يلزمه أن يقول: زيد لا قائم كما يقول: زيد لا يقوم، وزيد لا منطلق كما يقول: زيد لا ينطلق، فليس منطلق بدلا من ينطلق، ولا قائم بدلا من يقوم

[ولا يقوم بدلا من قائم] ولا أسماء الفاعلين في هذا الموضع بدلا من الأفعال، وإنما هي في معناها.
فأما سقيا لك، فبدل من سقاك الله، ألا ترى أنهما يتعاقبان، ولا تقول: سقاك الله سقيا لك، فتعيد الكلام كله مع الفعل إذا أظهرته، فجرى المصدر هاهنا مجرى فعله، إذ كان بدلا منه، وليس قوله: إن المصدر جاء في مثل فعله بعلة للباب، ألا ترى لو أن سائلا سأل فقال: ولم لم يثن الفعل؟ كان له أن يسأل عن ذلك، ودل هذا على أن سيبويه لم يأت في هذا الموضع بالاعتلال للباب لم لم يثن؟ وإنما قال: ولم تثن المصادر كما لم تثن أفعالها، فمثل ولم يبين هاهنا لم لم تثن أفعالها؟ ولكنه قد بينه في غير هذا الموضع، وهو الذي أتى به محمد بن يزيد، وأن المثنى من ذلك إنما هو جواب لسائل سأل عن أحد أمرين، فنقله أبو العباس إلى هذا الموضع.
مسألة [66] ومن ذلك قوله في هذا الباب: (والرفع لا يكون في هذا الموضع، لأنه ليس بجواب لقوله: أذا عندك أم ذا؟ وليس في هذا الموضع معنى ليس)، يعني (لا) إذا لحقتها ألف الاستفهام لمعنى التمني نحو ألا ماء باردا، / 86/ قال: لا يجوز ألا ماء، ولو عمل لما ذكرنا عنه.
قال محمد: ولو كان هذا لا يجوز من قبل أنه ليس جوابا لقولك: أذا عندك أم ذا؟ كان يلزمك أيضا ألا تجيز ألا ماء باردا، لأن هذا ليس جوابا لقولك: هل من ماء، إذ زعم

أن قولك: لا رجل في الدار جواب لقولك: هل من رجل؟ ولكن القول في هذا: إنه جاز فيه الرفع والنصب كما كان قبل دخول ألف الاستفهام عليه، وإجازة الرفع قول أبي عثمان، وذلك لأن هذا وقع في النفي جوابا كما ذكر سيبويه، ثم دخل عليه الاستفهام على هيأته في النفي، لأن الاستفهام لا يغير ما دخل عليه عن حاله قبل أن يكون استفهاما ودخله معنى التمني وله حظه من الإعراب، كما أن قولك: غفر الله لزيد لا يمتنع من إعراب الفعل والفاعل وإن دخل معنى الدعاء.
قال أحمد: وذكر مسألة في معني هذه التي ردها، وهي في الباب تتلو الأولى ومن تمام الكلام، وجمعناهما لأن الكلام فيهما واحد.
مسألة [67] ومن ذلك قوله في هذا الباب: (ومن قال: لا غلام أفضل منك، لم يقل ألا غلام أفضل منك إلا بالنصب، لأنه دخله معنى التمني وصار مستغنيا كاستغناء اللهم غلاما، ومعناه اللهم هب لي غلاما).
قال محمد: وليس هذا كما قال، [لأنه] وإن كان فيه معنى التمني، فإنما قوله: ألا ماء في موضع اسم مرفوع وخبره مضمر، فإن أظهرته رفعته، وحكمه حكمه قبل أن يدخله ألف الاستفهام وإن يقع فيه معنى التمني، ونظير ذلك رحمة الله عليه، إعرابه إعراب زيد أخوك وإن كان فيه معنى الدعاء، وإجازة رفع الخبر قول أبي عثمان.

قال أحمد: أما قول سيبويه: إن الرفع امتنع في قولك: ألا ماء، لأنه ليس بجواب لما ذكر، فالمعنى عند جميع أصحابه أن الرفع مع (لا) إنما يكون من وجهين: إما أن تحمله على كلام مستفهم مبتدئ، أو على أن تجعل (لا) بمعنى ليس، وما عدا الوجهين فليس للرفع فيه معنى، وذلك أن المستفهم إذا قال: أزيد عندك أم عمرو؟ قلت: لا زيد ولا عمرو، فجعلت الجواب الذي هو خبر على ما حمل المستفهم عليه كلامه، وإن جعلتها بمعنى ليس فلست تحتاج فيها إلى التكرار كما لا تحتاج في ليس إلى ذلك، وإذا أدخلت ألف الاستفهام بمعنى التمني وأنت لا تجيب أحدا فتبنى كلامك على ما بنى/ 87/ كلامه عليه، وإنما أنت مبتد القول، ولا يجوز أن تحمله في الإعراب إلا على معناه، ومعناه الفعل، لأنك لا تتمنى إلا بفعل "كما لا تدعو إلا بفعل" ألا ترى إلى قول سيبويه: ألا غلام، معناه اللهم هب لي غلاما، وقول محمد بن يزيد: إنه في موضع مبتدأ كما كان لا رجل، وإن الخبر مضمر خطأ، لأن موضع التمني ليس بموضع ابتداء، ولا يحتاج فيه إلى خبر، ألا ترى أنك تقول: اللهم "غلاما فيستغني الكلام كما قال سيبويه، فليس هاهنا خبر كما قال: اللهم" ارزقني غلاما.
والذي ألقى محمد بن يزيد في هذا الغلط قول العرب: رحمة الله عليه: إنه دعاء، والدعاء لا يكون إلا بفعل كالتمني، وقد جاز الرفع فيه، والفصل بينهما أن قولهم: رحمة الله عليه، جاء لفظه في كلام العرب على غير معناه، لأن معناه النصب إذ كان دعاء، فأما التمني فجاء لفظه على أصله ومعناه منصوبا، وافق اللفظ المعنى.
فإن قال قائل: فارفع هذا كما رفعت العرب ذلك، قيل له: ليس رد الشيء إلى غير أصله ومعناه إذا جاء على أصله ومعناه بجائز ولا قياس، فكأن هذا القائل قال: قد جاء لفظ التمني على معناه فردوه إلى غير معناه وهو الرفع، وأبدوا فيه معناه وهو النصب، وهذا قياس فاسد ومذهب غير مستقيم.
وأما قول سيبويه: ولا يكون في هذا، يعني في قولك: ألا رجل أفضل منك في التمني،

فإنه أراد أنك لو قلت: (ليس) هاهنا لصار معنى الكلام إلى التقرير، ألا ترى أنك إذا قرنت ألف الاستفهام بليس فقلت: أليس فلان أفضل منك، كان الكلام على معنى التقرير، فأبان بهذا أن الرفع غير منساغ فيه البتة، لأنه إذا لم يكن جوابا لمستفهم حمل كلامه على الابتداء، ولا يدخله معنى ليس، فقد امتنع فيه السببان اللذان يوجبان الرفع.
وأما معارضته إياه في صدر كلامه بأن قال: هذا لا يجوز، من قبل أنه ليس جوابا لقولك: أذا عندك أم ذا؟ فكان يلزمه أيضا ألا يجيز ألا ماء باردا، لأن هذا ليس بجواب لقولك، إذ زعم أن قولك: لا رجل في الدار، إنما هو جواب لقوله: هل من رجل في الدار؟ ولو أمكنني انتزاع هذه/ 88/ المعارضة من جميع النسخ التي سيرها لانتزعتها وأمسكت عن ذكرها لضعفها وقبحها، ولو بلغتني عنه ولم تكن [في] كتابه لأنكرتها.
قال أحمد: وذلك أن سيبويه زعم أنه لا رجل في الدار وهو خبر جواب للاستفهام إذا قلت: هل من رجل في الدار؟ فألزمه على هذا ألا يجيز الاستفهام، لأنه ليس بجواب للاستفهام، وذلك أنه قال: ينبغي ألا تجيز ألا ماء باردا، وهذا استفهام لأنه ليس جوابا لهل من ماء؟ وهذا أيضا استفهام، فألزمه إذا قال ما لا ينكره أحد، وهو أن يكون الاستفهام غير جائز، إذ ليس بجواب للاستفهام.
وقد كان أبو عمر الجرمي يخالف المازني في هذه المسألة، واحتج ببعض ما ذكرنا، وهو معنى قول سيبويه، زعم أبو عمر أنه لم يجز في (ألا) التي للتمني ما جاز في (لا) من رفع الصفة على الموضع نحو: لا رجل أفضل منك، لأن موضع النفي الابتداء، ولما دخله معنى التمني زال الابتداء، لأنه قد تحول إلى معنى آخر، وصار في موضع نصب، كما لا يجوز في ليت ولعل وكأن من الحمل على الموضع ما جاز في إن ولكن، فلذلك زعم أنه لا

يجوز ألا ماء ولبن كما تقول في النفي، وقد أوضح هذا سيبويه فقال: هو بمنزلة اللهم غلاما، أي: هب لي غلاما.
مسألة [68] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب [ما] لا يكون إلا على معنى ولكن، يعني في الابتداء، فأوجب ألا يكون فيه إلا النصب.
قال محمد: وقد ذكر في هذا الباب أشياء كثيرة يجوز فيها الرفع، وهذا نقض لما صدر به الباب، من ذلك قوله.
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب ينبغي "في غير" أن تكون في موضع رفع على "حد" قوله: ما جاءني أحد إلا حمار، أي: أحد الجائين حمار، ويكون عيبهم هذه الفضيلة، أي: هذا مكان ذلك، كما أجاز عتابك السيف، وعلى هذا يجوز أن يكون قول الله جل وعز: ﴿أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾، أي: الذي يقوم مقام ما يجب له الإخراج عند الكافرين أن يقولوا: ربنا الله، وقد ذكر أشياء كثيرة نحو هذا تركنا ذكرها لاستغنائنا ببعض عن بعض.
وذهب إلى أن هذا البيت استثناء ليس من الأول، وليس كما قال، وهو قول الفرزذق: / 89/ وما سجنوني غير أني ابن غالب ... وأني من الأثرين غير الزعانف وإنما أراد، وما سجنوني إلا لكرمي أو حسدا منهم، أي: لأني ابن غالب أوذيت.

قال أحمد: ذكر سيبويه بابا قبل هذا، وزعم أن الاختيار أن يكون الاستثناء "فيه" على معنى ولكن، لأنه ليس من جنس الأول، وأجاز فيه سوى ذلك على غير الاختيار، وذلك نحو قولك: ماله عليه سلطان إلا التكلف، النصب الاختيار لأن التكلف ليس بسلطان على الحقيقة، والرفع جائز على أن تبدل التكلف من السلطان، وتجعل سلطانه التكلف على مجاز الكلام، وكذلك قوله جل ثناؤه: ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾، وكذلك قول الشاعر.
ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلى وضرب الرقاب من أنشد رفعا ذهب إلى أنه جعل عتابه الطعن، لأن العتاب يرده ويثنيه، وكذلك المحاربة وهي أبلغ في رده.
ثم أتبعه هذا الباب الذي ذكر أنه لا يكون إلا على معنى ولكن، فزعم محمد أن منه مسائل تدخل في الباب الأول، وتهيأ أن يحمل على معناها في باب المجاز، وتكون الأسماء المسثناة بدلا من الأول، وأنه قد ناقض إذ قال في ترجمة الباب: إنه لا يكون إلا على معنى ولكن، قال: فمن ذلك قوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب ينبغي أن يجوز في غير أن تكون في موضع رفع ويكون عيبهم هذه الفضيلة كما أجاز "عتابك السيف".
قال أحمد: وليس هذا مثل ذلك، لأن الفضيلة لا تكون [عيبا] ولا العيب فضيلة، ولا يتجه له في هذا من التأويل كما اتجه في قولهم: عتابك السيف، لأن السيف يثنيه ويرده،

والعتاب يثنيه، فجعل عتابا من هذا الوجه على المجاز، فأما الرذيلة فلا تكون فضيلة ولا الفضيلة رذيلة.
وأما قوله في الآية: ﴿اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾، فإن الذي يقوم مقام ما يجب به الإخراج عند الكافرين هذا القول، وهذا التأويل خطأ في الإعراب والمعنى، لأن هذا استثناء بعد كلام موجب، والبدل لا يكون في/ 90/ الإيجاب، ألا ترى أنه لو قال: أخرج إلا زيد لم يجز.
وأما قوله: الذي يقوم مقام ما يجب به الإخراج عند الكافرين هذا القول، فهو غلط في التأويل، لأن معنى الكلام ليس على هذا، وإنما أعلمنا الله جل وعز بحقيقة الإخراج عنده كيف كانت لا عند الكافرين، فأخبر أنهم- يعني المؤمنين- أخرجوا بغير حق، ثم أخبر خبرا ثانيا ذكر فيه السبب نفسه، وهو أنهم أخرجوا بقولهم: ربنا الله، فجاء سبب الإخراج في الخبر الأول عاما مبهما، وجاء في الثاني معينا.
فأما قوله في بيت الفرزدق: وما سجنوني غير أني ابن غالب ... وأني من الأثرين غير الزعانف أي: ما سجنوني إلا لكرمي، وحمله على لام العلة، أي: ما سجنوني إلا لهذه العلة، فهو أيضا يمتنع من أجل أن (غير) إذا أضيف إلى (أن) بطل عمل لام العلة ومعناها، ألا ترى أنك تقول: ما جئت إلا لأنك تكرمني، وإن شئت حذفت اللام مع (إلا) وأنت تريدها فقلت: إلا أنك تكرمني، وإذا أضيف (غير) إلى (أن) زال ذلك المعنى، ولا يجوز إضافتها مع اللام،

لأنك تضيف إلى العامل والمعمول فيه، فتكون كإضافتك إلى جملة، وهذا لا يجوز، ألا ترى أنك إذا قلت: ما جاءني أحد إلا زيد خير منه، لم يحسن أن تأتي بغير هاهنا في موضع (إلا)، لأنك لا تضيفها إلى جملة، ولو قلت: ما جاءني أحد غير زيد خير منه لم يجز، وكذلك إذا قلت: والله لا أفعل إلا أن تفعل، لم يحسن أن تقول: والله لا أفعل غير أن تفعل وأنت تريد ذلك المعنى، لأن حرف الجر مقدر هاهنا كأنك قلت: إلا أن تفعل، ألا ترى أن سيبويه ضم هذه المسألة إلى باب ما يبتدأ بعد إلا.
فإن قال: فإذا تأولت البيت على هذا وجب أنه لم يحسن، لأنه إذا قال: ما سجنوني لكن من حالتي كذا وكذا فلم يسجن، وإذا قال: ما سجنوني إلا لعلة كذا وكذا، فالعلة قد أوجبت السجن.
قيل له: الأمر هكذا، وقد كان الفرزدق لعمري أفلت في بعض الأوقات فلم يظفر به، حكى ذلك أبو عبيدة في النقائض، أن لما هاجى جريرا وتوافقا بالمربد طلبهما الحارث بن أبي ربيعة المخزومي والي البصرة فهرب الفرزدق وأفلت وأخذ جرير والنوار امرأة الفرزدق فحبسا، وفي ذلك يقول جرير: فباتت نوار اليقين رخوا حقابها ... تنازع ساقي ساقها حلق الحجل / 91/ إلا أن القصيدة التي فيها "البيت" المتنازع فيه إنما خاطب بها خالد بن عبد الله

القسري وقد كان سجنه، فيكون تأويل قوله: وما سجنوني على هذا، وما أخملوا ذكري، ولا صغروا بحسبي وفضائلي بسجنهم إياي، ولكني ابن غالب المعروف على كل حال.
وأما قوله: وقد ذكر أشياء كثيرة تركنا ذكرها لاستغنائها ببعض عن بعض، فما علمت "أن" في الباب مسألة إلا وسيبويه موافق عليها.
لا تحتمل شيئا مما ذكره محمد غير أنه تأول فيها المعنى تأولا ضعيفا بعد أن اختار قول سيبويه وبنى التفسير عليه، وهو قوله جل وعز: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ فلا يجوز في قول أحد: إن من رحم يكون بدلا من عاصم، لأنه إن أبدل منه صار من رحم يعتصم [به] من الله، وهذا محال.
وقد اتفق أهل اللغة جميعا أن تأويل (إلا) هاهنا الانقطاع، وأنه لا يجوز أن يكون مبدلا من الأول، "وكذلك" قال الفراء في كتاب المعاني، إلا أنه زعم في آخر كلامه بعد أن مضى صدره على ما ذكرنا، أنه تأول متأول أن عاصما في معنى معصوم جاز البدل كما كان في ﴿عيشة راضية﴾ بمعنى مرضية، و ﴿ماء دافق﴾ بمعنى مدفوق، وهذا تأويل فاسد، لأن مثل ذا إنما يجوز فيما لا يلبس، فأما ما ألبس فلا يجوز فيه ذلك، ألا ترى أنك لو قلت: لا ضارب في الدار، وأنت تريد مضروبا، لم يعلم المخاطب حقيقة ما أردت، وكذلك لو قلت: رأيت زيدا ضاربا، وأنت تريد مضروبا، لم يعلم ما نويت، وفي هذا اختلاط الكلام والتباسه وفساده.

فأما احتجاجه بـ ﴿عيشة راضية﴾ فإن العيشة لا تكون فاعلة من رضيت البتة، ولا تكون إلا مفعولة، فلما لم يحتمل غير وجه واحد لم يجز فيها لبس، وكذلك ﴿ماء دافق﴾، لما كان الماء لا يفعل ذلك كان بمنزلة ﴿عيشة راضية﴾، فأما عاصم وضارب وما أشبههما فلا يجوز فيه ذلك، ولا أن تضع مفعولا في موضع فاعل، ولا فاعلا في موضع مفعول، لأن الرجل قد يكون عاصما ومعصوما وضاربا ومضروبا بحقيقة المعنيين المختلفين، فلم يجز أن تضع أحدهما في موضع الآخر فيلتبس هذا بهذا، والعيشة راضية ومرضية بحقيقة المعنيين المختلفين وإنما اللفظان/ 92/ فيهما لمعنى واحد.
قال أحمد: ووجدت بخط أبي- رحمه الله- قال: وجدت هذا الباب مضروبا عليه في كتابه، يعني كتاب محمد، وكان قد رجع عنه، إلا أنه لم تثبت الحجة التي أوجبت رجوعه فنضرب عما ذكرنا ونطويه.
مسألة [69] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: (هذا باب ما يكون فيه إلا وما بعده وصفا بمنزلة مثل وغير، وذلك قوله: لو كان معنا رجل إلا زيد لهلكنا، والدليل على أنه وصف أنك لو قلت: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا وأنت تريد الاستثناء كنت قد أحلت.
قال محمد: قولك في الاستثناء: لو كان إلا زيد، وما جاءني إلا زيد، أنك إذا قلت: لو كان معنا "أحد" إلا زيد لهلكنا، فزيد معك كما قال: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾، والله جل وعز فيهما، وتقول: لو كان إلا زيدا أحد لهلكنا، كما تقول:

ما جاءني إلا زيد أحد، والدليل على جودة الاستثناء "أيضا" أنه لا يجوز أن تكون (إلا) وما بعدها وصفا إلا في موضع لو كانت فيه استثناء لجاز، ألا ترى أنك تقول: ما جاءني أحد إلا زيد على الوصف إن شئت، وكذلك جاءني القوم إلا زيد على ذلك، ولو قلت: جاءني رجل إلا زيد، تريد غير زيد على الوصف لم يجز، لأن الاستثناء هاهنا محال.
قال أحمد: أما استدلاله على جواز ذلك وجودته بأنك إذا قلت: لو كان معنا أحد إلا زيد لهلكنا، فزيد معك، فليست هذه دلالة توجب جواز حذف المنعوت وإنما سبيل (إلا) في الاستثناء أن يكون ما بعدها داخلا فيما خرج منه الأول وخارجا مما دخل فيه الأول، فلما كان غير زيد- وهو الذي وقع عليه لفظ التمني- خارجا من الوصف غير كائن معهم وجب أن يكون زيد معهم، وليس الكلام بمنفي في اللفظ، وإنما يستدل على أن المتمني ليس بموجود فيمثل له، وإلا يلزم فيه بسبب ذلك ما يلزم في المنفي، ولو كان ذلك لجاز هذا الذي ذكره في كلام غير موجب، ولجاز أن يقال: إن يأتك إلا زيد آتك، على معنى إن يأتك أحد إلا زيد آتك.
فإن أجاز هذا كما أجازه في المسألة الأولى، قيل له: فأجز ذلك في قول القائل: هل في

الدار رجل غير زيد؟ وإن/ 93/ تحذف رجلا فتقول: هل في الدار إلا زيد؟ على معنى الاستفهام، وأنت إذا قلت: هل في الدار أحد، فقد مضى ذلك المعنى وصار كلاما آخر، وخرج من معنى الاستفهام إلى معنى الخبر وإن كان لفظه استفهاما.
وقد زعم سيبويه أن (إلا) إذا كانت وصفا لم يجز أن تكون إلا مع الموصوف، وهذا مما سلمه محمد بن يزيد، و (إلا) التي للتحقيق فلا تكون إلا مع النفي، وهي تدخل على ركني الكلام، إما على الخبر وإما على المخبر عنه نحو قولك: كان زيد إلا قائما، وما كان قائما إلا زيد، فقد دخلت مرة على خبر كان ومرة على اسمها، وكذلك ما زيد إلا أخوك.
وسبيل (إلا) التي للاستثناء فقط أن تأتي بعد تمام الكلام، وليست تدخل على خبر ولا مخبر عنه، وهي نحو قولك: جاءني القوم إلا زيدا، ولا يجوز حذف المستثنى منه مع هذه كما جاز مع تلك، وهذا أصل متفق عليه، "به" يعتبر صحة ما قال من فساده، وإنما حذفوا في النفي لأنك إنما تنفي نفيا عاما، فليس يقع فيه لبس فتقول: ما أتاني إلا زيد، وما رأيت إلا زيدا، فالحذف لا يكون إلا مع هذه التي للتحقيق في النفي، ولو كان الحذف جائزا مع (لو) كما قال محمد بن يزيد وكان الكلام يجري مجرى النفي لجاز أن تجعلها في خبر كان بعد (لو) كما جعلناها في خبر كان بعد (ما) فتقول: لو كان زيد إلا قائما لقمنا، ولو كان عمرو إلا عندنا لذهبنا كما تقول: ما كان زيد إلا ذاهبا، وما كان هل في الدار إلا زيد على معنى استفهام، وأنت إذا قلت: هل في الدار إلا زيد، وهل عمرو إلا عندنا، فيستوي هذا والنفي كما زعم، وإنما جئنا بـ (لقمنا) و (لذهبنا) جوابا للو، و (ما) ليس يحتاج فيها إلى ذلك، وليس يجوز أن تدخل (إلا) هذه إلا مع حرف النفي أو في كلام فيه معنى حرف

النفي كقولك: هل زيد إلا قائم بمعنى ما زيد إلا قائم، ولو كان هذا استفهاما في المعنى لما جاز دخول (إلا)، ولكن لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الإخبار، ومن الدليل على أنها إنما تكون في النفي، أنا إذا أدخلناها في غير الخبر المنفي أحالته إلى معنى الخبر المنفي، ألا ترى أنك تقول: هل زيد قائم؟ فيكون استفهاما صحيحا، وإذا قلت: هل زيد إلا قائم/ 94/ بطل معنى الاستفهام وصار معنى الكلام إلى النفي، فكأنك قلت: ما زيد إلا قائم.
وأما قوله: إنه لا يكون الوصف إلا في موضع لو كان فيه استثناء لجاز، فليس الأمر على ما ذكر، لأنا نقول: جاءني رجل غير زيد، فهذا وصف وليس باستثناء، لأنه [لا] تقول: جاءني رجل إلا زيد، فقد يجوز الوصف في موضع لا يجوز فيه الاستثناء كما جاز الاستثناء في موضع لا يجوز فيه الوصف.
مسألة [70] [قال: ] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب لا يكون وليس وما أشبههما، زعم أن حاشا حرف جاء لمعنى فجر ما بعده وفيه معنى الاستثناء، وفصله من خلا إذا كانت "خلا" بمنزلة (في) إذا كانت حرف جر، ومخالفة (خلا) له إذا أردت بها الفعل.
قال محمد: أما حاشا فبمنزلة خلا إذا أردت بها الفعل، إنما معناها جاوز، من قولك: خلا يخلو، كذلك حاشى يحاشي، وكذل قوله: أنت أحب الناس إلي ولا أحاشي أحدا، أي: ولا أستثني أحدا، وتصييرها فعلا بمنزلة خلا في الاستثناء قول أبي عمر الجرمي، وأنشد: ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد

وتقول: أتاني القوم حاشا زيدا، حق حاشا أن تكون في معنى المصدر كقولك: حاش لله وحاش الله كما تقول: براءة لله وبراءة الله، يدلك على ذلك دخولها على اللام في قولك: حاشى لله، ولو كانت حرفا لم تدخل على حرف.
وحاشى يحاشي محاشاة المصدر، نقص كما تنقص الأسماء، حاش لله وحشي لله، مثل غد وغدو، ومه ومهلا، وعل وعلا، ولا يكون ذلك في الحرف، وكل قول سوى هذا باطل.
قال أحمد بن محمد: لم ينكر سيبويه أن يكون حاشا فعلا في موضع من الكلام البتة، وإنما ذكرها في الاستثناء خاصة، فزعم أن العرب تجر بها في هذا الباب والفعل لا يجر، وقد يجيء مثل هذا في كلام العرب، فتجعل في موضع الكلمة اسما وفي موضع حرفا، كما فعلوا ذلك بـ (منذ) وبـ (ما) ونظيرهما، فأما أن يجروا بالفعل فلا يوجد ذلك ولا له وجه، ولم ينصبوا بها في الاستثناء، فيجرونها مجرى خلا في أنها/ 95/ تكون مرة فعلا ومرة حرفا، ولو وجدنا شاهدا في الاستثناء لكان ردا.

فأما قول النابغة . ولا أحاشي من الأقوام من أحد فلا يجري هذا مجرى الاستثناء، وليس يجوز أن ينصب بحاشا في الاستثناء قياسا على خلا، وقد لزمت العرب فيها أحد الوجهين في هذا الباب، فإن جعل ولا أحاشي من الأقوام استثناء فليجعل قول القائل: ولا يخلو من كيت وكيت فلان استثناء، وليس يجعل أحد من النحويين هذه الكلمة على تصرفها استثناء، وكذلك حاشا إذا صرفتها كانت في الكلام فعلا، أو غير فعل، وإذا جعلتها في الاستثناء لزمت وجها واحدا وطريقة واحدة.
وأما احتجاجه بدخول حرف الجر معها في قولهم: حاش لله، فلم يدخلوا حرف الجر معها في الاستثناء، ألا ترى أنهم يقولون مستأنفين الكلام: حاش لله من كذا وكذا، فليس هذا باستثناء من شيء تقدم، وهذا يدل على صحة ما قاله سيبويه، وأما في غير الاستثناء فقد تكون فعلا كما قال الجرمي، ولا خلاف في ذلك بين أهل العربية.
وأما رجوع محمد عن أن يكون فعلا إلى أن زعم أنها مصدر، فهذا ظن لم يأت معه بحجة، وهل وجد في الكلام مصدر من فاعل يفاعل على وزن فعله ولفظه؟ وليس في الكلام فاعل فاعلا، وإنما المصدر من فاعل مفاعلة وفعال مثل قاتل مقاتلة، وقتالا.
وأما قوله: إن الحرف لا يدخل على الحرف، فليس حاشا بحرف إذا دخلت على الحرف، وليس يكون ذلك في الاستثناء، ولكنها إذا دخلت على الحرف في موضع من الكلام فعل، والفعل يدخل على الحرف وذلك في قولهم: حاش لزيد، ويكون أيضا اسما غير فعل ولا

مصدر، فيدخل على الحرف كقولك: غلام لزيد.
مسألة [71] ومن ذلك قوله في باب أي: وتقول: أيها تشاء لك، على معنى قولك: الذي تشاء لك، قال: وإن شئت قلت: أيها تشأ لك، فتضمر الفاء.
قال محمد: وهذا خطأ، وإنما يجوز في الشعر على ضعف كما ذكر في باب الجزاء [وهو] قوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان / 96/ على أن الأصمعي ذكر أن البيت: من يفعل الخير فالرحمن يشكره ... وهذا في الشعر كما وصفت لك أيضا من الضعف.
قال أحمد: أراد سيبويه بذلك أن يبين حال (يشاء) إذا كانت صلة للاسم، وأنه إذا جعلها جزاء ولم تكن صلة وأضمر الفاء، وهو وإن أجازه فهو ضعيف في الكلام، وهو أقوى من قولك، إن تأتني أنا كريم، لأن هذا ابتداء وخبر، وهو كلام تام، فلم يحسن أن تضعه في موضع الجواب: فيظن أنك استأنفت خبرا، وكان دخول الفاء لتربطه بالأول أولى وأحسن، وأيها تشأ لك ليست كذلك، لأن (لك) ليس بكلام تام، فهذا أقوى من الابتداء والخبر وإن كانا جميعا ضعيفين، وليس يمنعه ضعفه في الكلام من أن يذكر، وليس قوله في أن هذا

يجوز في الشعر في هذا الباب وغيره بمانع لجوازه في الكلام على ضعفه، ولكن لو قال: لا يجوز ذلك إلا في الشعر للزمه ما ذكر.
فأما قول القائل: هذا يجوز في الشعر، فقد يعني به أنه منساغ في الشعر سهل، مستكره في الكلام ضعيف، لا أنه لا يجوز البتة في الكلام، والدليل على أنه أراد ما ذكرنا قوله في باب المجازاة بعد هذا البيت الذي رواه الأصمعي كما ذكر، (زعم أنه لا يحسن [في الكلام إن تأتني لأفعلن، من قبل أن لأفعلن يجيء مبتدأ فقوله: لا يحسن] يدل على إجازته إياه غير مستحسن، وهذا أبعد من حذف الفاء من قولهم: أيها تشأ لك.
وأما قوله: إن الأصمعي روى البيت: من يفعل الخير فالرحمن يشكره .... فهذا أكثر من أن يحصى في الشعر، إذ مجيء الروايات في البيت الواحد، وكل رواية حجة إذا رواها فصيح، لأنه يغير البيت إلى ما في لغته، فيجعل ذلك أهل العربية حجة، وقد مضى نظائر لهذا.
مسألة [72] قال: ومما أصبناه في الإحدى والعشرين "من ذلك" قوله في باب من أبواب حتى ترجمته: هذا باب الرفع فيما اتصل بالأول كاتصاله بالفاء، قال: (وتقول: أسرت حتى تدخلها؟ تنصب لأنك لم تثبت سيرا كان معه دخول) وأنه لا معنى له.
قال محمد: وقولك: كان منه سير فدخول جيد بالغ، أو أكان منك سير فإنك تدخلها

الساعة، ممتنع، وهذا قول الأخفش.
قال أحمد: قد اعتل سيبويه لامتناع هذه المسألة من الجواز، ولم يأت محمد بقول يدفع علته، ولا بكلام يكسر حجته أكثر من الوصف أن الكلام/ 97/ جيد بالغ، وليس هكذا قول العلماء، وأعاد المسألة بعينها، فذكر أن ما امتنع من إجازته جيد بالغ، وأنه قول الأخفش، ولم يزدنا على هذا شيئا، ولا أتى بشبهة توضحنا، ولا بحجة تتبعها، ونحن نزيد ما قاله سيبويه إيضاحا وتبيانا، وإن لم يأت الراد عليه بشبهة ولا بحجة، ولكن دعوى مثله قد يقبلها بعض الناس لمحله من هذه الصناعة.
قال أحمد: لو جاز ما ذكره محمد في هذه المسألة لجاز أن يقال: أمرض حتى ما يرجونه وهذا فاسد، لأن المرض "هو" السبب الذي أداه إلى أن لا يرجى، وإذا كان السبب الذي يؤديه إلى هذه الحال لم يثبت عند السائل بطل المعلول، لأن علته لم تثبت ولم تصح، وقد بنى رفع الفعل في أول الباب على هذا، وأجريت عليه المسائل، وإجازة هذه المسألة نقض لما يبنى عليه الباب، وإبطال جميع المسائل التي ذكرها في هذا المعنى، وقد سلم له جميع ذلك، ولم يرد غير هذه المسألة.
وأما النصب فليس بممتنع، لأنه لا يجعل الأول مؤديا للثاني ولا علة توجبه، وإنما أجري بمنزلة قولك: سرت حتى تطلع الشمس، أي: إلى هذا الوقت، فليس سيرك علة توجب الطلوع، وإنما هو غاية لانتهاء الفعل إليها، وكذلك إذا قلت على الوجه الآخر في النصب: جئت حتى تأمر لي بشيء "وإنما أخبر بغرضه في مجيئه، وليس المجيء علة توجب أن يأمر له بشيء" والاستفهام في هذين الوجهين جائز، فأما في الرفع فلا يجوز.

فإن قال قائل: أليس الفعلان مستفهما عنهما إذا لحقت علامة الاستفهام؟ قيل له: المستفهم عنه منهما إذا رفعت خاصة الأول، والثاني مبتدأ منفصل منه واجب.
وجملة القول في هذا الباب أنك إذا رفعت بحتى فالفعل الثاني أيضا يقع بوقوع الأول، فإذا لم يقع الأول ولم يكن واجبا بطل الرفع، ألا ترى أنك إذا قلت: ما سرت حتى أدخلها لم يجز الرفع لأن السير لم يقع، وكذلك لا يجوز ما مرض حتى ما يرجونه لأنه لو قال: ما مرض حتى أنه في حال لا يرجى كان فاسدا، لأنه إنما يكون في هذه الحال بوقوع المرض، فإذا انتفى المرض انتفت هذه الحال.
وقد منع سيبويه فيما هو أقرب من هذا، وسلمه الراد ولم يرفعه، وذلك أنه زعم/ 98/ أنك إذا قلت: إنما سرت حتى أدخلها وأنت محتقر لسيرك، لم يجز الرفع لأنك تجعله سيرا يوجب الدخول وأنت تستصغره، فهذا قد منع الرفع فيه، وقد كان سير يكون معه دخول إلا أنه محتقر فامتنع لذلك، فكيف ما انتفى وما استفهم عنه ولم يثبت، والرفع في هذا باتفاقهم إنما يكون الثاني فيه واقعا بوقوع الأول، وليسا الغايات كذلك، لأنك تقول: سرت حتى تطلع الشمس، فليس سيرك يؤدي "في" طلوع الشمس، وإنما هو غاية انتهاء السير إليها.
مسألة [73] ومن ذلك قوله في باب (أو)، قال [الشاعر]: وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما

قال: (معناه إلا أن تستقيم، وإن شئت رفعت على الابتداء، لأنه لا سبيل إلى الإشراك) قال محمد: الإشراك ها هنا جيد بالغ على الوضع، وذلك في (إذا) حسن، لأن الماضي معناه الاستقبال، ألا ترى أنك تقول: إن تأتني أتيتك وأكرمك، جرى على موضع أتيتك كما قال عز وجل: ﴿تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك﴾ ثم قال: ﴿ويجعل لك قصورا﴾ كذلك: ..... إذا غمزت قناة قوم ... كسرتك كعوبها أو تستقيم قال أحمد بن محمد: كلامه في هذه المسألة يجري مجرى السهو، لأن سيبويه لم يرد بقوله: لأنه لا سبيل إلى الإشراك، أو تستقيم الذي في البيت، وذلك بين في نص كلامه، وذلك أنه ذكر قبل البيت مسألتين في الأمر فقال: (الزمه أو يتقيك بحقك، واضربه أو يستقيم)، ثم جاء بالبيت في إثر هذا الكلام وليس فيه معنى أمر، ثم قال بعده: وإن شئت رفعت في الأمر على الابتداء، ولا سبيل إلى الاشتراك يعني في الأمر، لذكره المسألتين قبل البيت، وقد خبر بقوله: وإن شئت رفعت في الأمر، لأنه لا سبيل إلى الإشراك، فظن محمد أنه عني البيت، وليس في البيت معنى أمر، ولو أراد (أن تستقيم) الذي في البيت لم يقل: وإن شئت رفعت في الأمر، ولا يجوز في الأمر عنده ولا عند غيره أن يشرك بين الفعل المضارع وفعل الأمر في المواجهة، لأن هذا مبني وهذا معرب، وهذه بينة ليس فيها نظر ولا احتجاج غير ما ذكرنا من السهو الواقع فيها.

مسألة [74] ومن ذلك قوله في باب الجزاء: (وسألته عن قوله: إن تأتني أنا كريم، فقال: /99/ لا يكون هذا إلا أن يضطر شاعر، من قبل أن أنا كريم يكون كلاما مبتدأ، والفاء وإذا)، يعني التي للمفاجأة نحو ﴿إذا هم يقنطون﴾ (لا يكونان منقطعتين مما قبلهما).
قال محمد: وهذا نقض إجازته أيها تشأ لك، على نية الفاء، لأن، (لك) لا تكون مبتدأة.
قال أحمد: قد مضى من الجواب في هذه المسألة في باب (أي) ما أغنى عن الإعادة إذ كان كلامه مكررا.
مسألة [75] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب يذهب فيه الجزاء من الأسماء كما ذهب في إن وكان، قال: (فمن ذلك قوله: أتذكر "إذ" من يأتينا نأتين ولم تجز المجازاة، ورغم أن هذين الحرفين في امتناع الجزاء بمنزلة إن وكان.
قال محمد: وليس هذا كما ذكر، وذلك أن (إن) و (كان) يعملان في الابتداء، ولا سبيل أن يعملا في جواب الجزاء، إذ كان الجزاء عاملا فيه، فلا بد من أن يكون لها اسم حتى تكون هذه الجملة في موضع أخبارها، فتقول: كان زيد من يأته يكرمه ونظيره كان زيد أبوه منطلق، وكذلك إن، وليس، وما الحجازية وجميع العوامل، فأما التميمية فجائز أن تدخل على الجزاء ولا تغيرها عن حالها كما لم تغير الابتداء والخبر نحو قولك: ما زيد أخوك، وكذلك (إذ) تقول: أتذكر "إذ" من يأتنا نأته كما تقول: أتذكر إذ عبد الله صاحبك، فلا تغير، وكذلك أتذكر إذ يتكلم زيد في حاجتك.

وإنما المجازاة جملة منزلة الفعل والفاعل، وبمنزلة الابتداء والخبر، ألا تراها تقع صلة للذي كما يكون ما ذكرت لك نحو قولك: الذي إن تأته يأتك زيد، فلا فصل بين هذه الأخبار.
وقال في هذا الباب: (وتقول: ما أنا ببخيل ولكن إن تأتني أعطك، جاز هذا وحسن لأنك قد تضمر ها هنا كما تضمر في إذا، ألا ترى أنك تقول: ما رأيتك عاقلا ولكن أحمق).
قال محمد: وهذا في المجازاة لا يحتاج إلى أن تضمر بعده، أعني لكن، وكذلك إذا، وما كان لا يغير الابتداء، والخبر عن حالهما، والعلة في جميع هذا العلة في إذ، وما التميمية، وكذلك هل.
قال أحمد: أما قوله: إن (إن) و (كان) يعملان في الابتداء والخبر، وإنما امتنعا من دخولهما على الأسماء التي يجازى بها، من أجل أنها قد عملت في الجواب، فلم يكن سبيل إلى أن تعمل إن وكان فيه وقد عمل الجزاء، فهذا كلام مضطرب /100/ فاسد، وذلك أن جواب المجازاة لا يكون خبرا عن الأسماء التي يجازى بها إذا ابتدئت فتكون خبرا لـ (إن) و (كان)، ألا ترى أنك لو قلت: من يقم أقم إليه، كانت (من) مبتدأة، وكان الخبر يقم عنها، لأنه ليس بصلة لها كما يكون في الاستفهام، وأقم جواب وليس خبرا عن (من)، وسبيل هذا سبيل قولك: لولا زيد قائم لفعلت، فزيد مبتدأ، وقائم خبره، ولفعلت جواب لولا، وكذلك الاستفهام إن جئت له بجواب- لأن من الجوابات ما يلزم ومنها ما لا يلزم- لقلت: من يقوم أعطه درهما، فكان يقوم خبرا، وأعطه جوابا، فلا معنى لذكر جواب المجازاة وإن كان (إن) و (كان) لا يعملان فيه من أجل أن المجازاة قد عملت فيه، ولو جاز دخول إن وكان على الأسماء التي يجازى بها لكان التقدير أن يكون الفعل الأول هو الخبر.

وأما قوله: إنها استغنت من أجل أن الجزاء قد عمل فيها، فليس هذا بعلة، ولو كان كما ذكر لم يجز أن يكون الفعل في موضع أخبارها وقد عمل فيه غيرها، ألا ترى أنك تقول: كان زيد يقوم، وإن زيدا لم يقم، فيقوم مرفوع، وخبر كان منصوب، فهو مرفوع في [موضع] منصوب، ولم يقم مجزوم في موضع مرفوع، لأن خبر إن مرفوع، فلم يبطل دخول إن على الجملة من أجل أنه قد عمل في الخبر غيرها، وجواز ذلك يبطل علته في امتناع دخول إن على الأسماء التي يجازى بها.
والعلة في امتناع ذلك من غير الوجه الذي ذكره "وذلك" أن امتناع دخول "إن" وكان على الأسماء التي يجازى بها كامتناع دخولهما على الأسماء المستفهم عنها، من قبل أن من وما أشبهها من الأسماء لا يكون اسما لـ (إن) ولا لـ (كان) إلا موصولة، لأنك مخبر عما تخبر به، فتصير إذا وصلتها بمعنى الذي.
وأنت إذا استفهمت فإنما تبهم وتطلب الإبانة من غيرك، فلست تحتاج [مع الإبهام] إلى صلة لها لأن الصلة تبين، ألا ترى أنك إذا سألت فقلت: من قام؟ قيل لك: الذي من أمره كذا وكذا من فعل كذا وكذا، فكانت في الجواب موصولة، لأن المسؤول مبين والسائل ليس كذلك، إنما هو مستخبر، وفي المجازاة من الإبهام ضرب مما في الاستفهام، لأنك إذا قلت: من يأتنا نأته، فلست تقصد إلى شيء بعينه فتبينه بالصلة، فلما كانت الأسماء في الاستفهام والجزاء بلا صلة لم يجز أن تكون في موضع /101/ اسم إن ولا كان، لأنك حينئذ تخبر وتبين، فإن جعلت الفعل وصلا بطل الإبهام وذهب معنى الجزاء والاستفهام، وإن لم تجعله وصلا وجعلته خبرا صارت الأسماء المبهمة مع إن وكان بلا صلة، فكأنك قلت: إن من قام، فجعلت من

وحدها اسما بغير صلة، وجعلت قام خبرا، وهذا فاسد لا فائدة فيه.
ومع هذا فإن الاستفهام والجزاء بحروف المعاني وهي الأصل، ألا ترى أن الألف هي أم الاستفهام و (إن) هي أم الجزاء، وزعم سيبويه أنه كان الأصل أن تكون ألف الاستفهام مع الأسماء المستفهم بها، ولكنهم استغنوا، فلو جاز أن تدخل كان وإن على هذه الأسماء لكنا كأنا أدخلناها على هذه الحروف، لأن الموضع لها والأسماء مستعارة مكانها، وإذا لم يجز أن توقع عاملا على ألف الاستفهام ولا على إن الجزاء، فكذلك لا يجوز أن توقعها على ما جاء منها في مواضعها وأدى عن معناها، وإلى هذه العلة أومأ سيبويه بقوله: (ألا ترى أنك لو جئت بإن ومتى فقلت: إن إن، وإن متى كان محالا).
وأما الكلام في إذ وإذا وقبح دخولهما على حروف المجازاة، فان هذه وإن كانت أسماء "فهي" تجري مجرى حروف المعاني، فإذ لما مضى، وإذا للمستقبل، وفيه توقيت ليس في حروف المجازاة، وكل حرف من هذه الحروف فله معنى، فإذا أوقعته على كلام قد دخله معنى حرف آخر فربما أفسد الكلام دخوله وربما احتملها جميعا، وإنما قبح مع إذ وإذا لأن المجازاة قبل دخولهما أشد إبهاما منها، مع دخولهما، ألا ترى أنهم يقولون: آتيك إذا احمر البسر، ولا يحسن أن تقول: إن احمر البسر، فتجعل إن ها هنا مكان إذا، لأن إذا فيها توقيت، ووقت احمرار البسر معلوم، وإن مبهمة، فقبح دخولها ها هنا، فكذلك إذا أوقعت إذا وإذ على إن التي للجزاء أو على اسم يقوم مقام "إن"، فإنما يزيلها عن معناها في الإبهام ويقربها من التوقيت، فلذلك قبح دخولها عليها، وقد أجازه على استكراه، لأن في إذا ضربا من الجزاء.
وأما احتجاج محمد بأنها تدخل على الجمل، فتقول: أتذكر إذا عبد الله صاحبك، فهذه

جملة لم يكن فيها حرف معنى، فدخلت إذ فصار المعنى لها، ولم تدخل على جملة فيها حرف غيرت /102/ معناه، لأن هذه جملة معراة من جميع حروف المعاني، ولم يحسن دخولها على جملة المجازاة لأنها جملة فيها حرف معنى يتغير بدخول غيره.
وأما قوله: إن المجازاة جملة بمنزلة الفعل والفاعل والابتداء والخبر فقد صدق في هذا، لكن بقي عليه في وصف المجازاة نوع آخر من الصدق، ولو أتى به استغنى عن هذا الرد، وهو ما قلنا من أن المجازاة إنما كانت جملة بمنزلة الفعل والفاعل والابتداء والخبر كما ذكر، فهي جملة يصحبها حرف من حروف المعاني، فلا ينساغ أن يدخل عليها جميع ما يدخل على الجمل المعراة من الحروف، ولو كنا إنما نراعي أن تكون جملة فقط فيجوز لنا بذلك أن ندخل عليها جميع العوامل والحروف التي تدخل على الجمل لقلنا: أتذكر إذ هل زيد قائم، فإن قال: الاستفهام له صدر الكلام، قيل له: إذا كان في [غير] موضع تكون فيه الجملة صدر "الكلام"، لأنك قد تقول: زيد هل قام، فيجوز لأنه في موضع جملة هي خبر عن زيد.
قال أحمد: وجملة القول في هذا كله أن الجملة المستفهم عنها والمجازي بها إذا جاءتا بعد حرف عامل أو غير عامل لم تقعا إلا جملة في موضع واحد كأنهما تكونان في موضع خبر [ولا تقعان بعد ما ذكر في موضع] لا يكون فيه إلا جملة، وبيان ذلك أن كان وإن لا تقع بعدها إلا جملة، وكذلك إذ، وإذا، وما، ولكن، فلم يجز وقوع الجزاء والاستفهام بعدها، فإن جعلتها في موضع الخبر جاز، لأن الخبر قد يكون واحدا فتقول: إن زيدا من يأته يعطه، لأنك تقول: إن زيدا أخوك، فقد وقع الجملة- أعني جملة المجازاة- في موضع الأخ وهو واحد، وكذلك ما، تقول: إن زيدا أخوك، ما زيد من يأته يعطه، فإن قلت: ما من يأته يعطه لم يجز، لأنك جعلتها في موضع لا يكون فيه إلا جملة وعرضتها لأن يدخل عليها ما يفسد معناها.

جارٍ التحميل