العدة شرح العمدةصفحات 217-237
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج والعمرة

صفحات 217-237
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، بهاء الدين
الكتاب
العدة شرح العمدة
المؤلف
عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي (المتوفى: 624هـ)
الناشر
دار الحديث، القاهرة
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1424هـ 2003 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] عمدة الفقه بأعلى الصفحة، يليه - مفصولا بفاصل - شرح بهاء الدين المقدسي

باب ما يفعله بعد الحل (103) ثم يرجع إلى منى ولا يبيت لياليها إلا بها

[العُدَّة شرح العُمْدة]

باب ما يفعله الحاج بعد الحل

باب ما يفعله بعد الحل مسألة 103: (ثم يرجع إلى منى ولا يبيت لياليها إلا بها) وذلك أن السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى، قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أفاض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي التشريق» رواه أبو داود، وروى أحمد عن عبد الرزاق عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى» . والمبيت في منى ليالي منى واجب، وهي إحدى الروايتين عن أحمد، لما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته» متفق عليه.
وتخصيص العباس بالرخصة من أجل السقاية دليل على أنه لا رخصة لغيره، وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال: «لم يرخص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأحد يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته» وروى الأثرم عن ابن عمر أن عمر قال: لا يبيتن أحد من الحاج إلا بمنى.
وكان يبعث رجالًا لا يدعون أحدًا يبيت وراء العقبة، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعله نسكًا وقد قال: «خذوا عني مناسككم» والرواية الثانية أن المبيت غير واجب ولا شيء على تاركه، قال ابن عباس: إذا رميت فبت حيث شئت.
فعلى هذا لا شيء على تاركه.
وعلى الرواية الأولى قال: يطعم شيئًا من تمر أو نحوه.
فعلى هذا أي شيء تصدق به أجزأه، وعنه يلزمه في الليلة درهم وفي الليلتين درهمان وفي الثلاث دم، روي عن عطاء.
وروي في ليلة نصف درهم، وروي في ليلة مد

(104) فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها، كل جمرة بسبع حصيات، يبتدئ بالجمرة الأولى فيستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة، ثم يتقدم فيقف فيدعو الله، ثم يأتي الوسطى فيرميها كذلك، ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها

[العُدَّة شرح العُمْدة]

وفي ليلتين مدان وفي الثلاث دم قياسًا على الشعر، ودليل الأولى أنه لا توقيت فيه لأن التوقيت توقيف ولم يرد فيه نص فلا يصار فيه إلى التوقيت.
والله أعلم.

مسألة 104: (فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها، كل جمرة بسبع حصيات، فيبتدئ بالجمرة الأولى فيستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة) لأن جملة ما يرمي به الحاج سبعون حصاة: سبع منها يوم النحر بعد طلوع الشمس وسائرها في أيام التشريق بعد زوال الشمس، كل يوم إحدى وعشرين حصاة لثلاث جمرات، يبتدئ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات من مكة وتلي مسجد الخيف فيجعلها عن يساره ويستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما وصفنا في جمرة العقبة (ثم يتقدم) عنها إلى موضع لا يصيبه الحصا (فيقف) طويلًا (يدعو الله) عز وجل رافعًا يديه، (ثم يتقدم إلى الوسطى) فيجعلها عن يمينه، ويستقبل القبلة (ويرميها) بسبع حصيات، ويفعل من الوقوف والدعاء كما فعل في الأولى، (ثم يرمي جمرة العقبة) بسبع حصيات ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة (ولا يقف عندها) قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أفاض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث فيها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية ويطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها» رواه أبو داود.
وروى البخاري «عن ابن عمر: "أنه كان يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات فيكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم ويسهل ويقوم قيامًا طويلًا ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ بذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبلًا القبلة قيامًا طويلًا، ثم يرفع يديه ويقوم طويلًا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله» . وروى أبو داود أن ابن عمر كان يدعو بدعائه بعرفة ويزيد:

(105) ثم يرمي في اليوم الثاني كذلك (106) فإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل الغروب، فإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت بمنى والرمي من غد

[العُدَّة شرح العُمْدة]

" وأصلح - أو أتم - لنا مناسكنا " وقال ابن المنذر: كان ابن عمر وابن مسعود يقولان عند الرمي: "اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا".
وكان ابن عمر وابن عباس يرفعان أيديهما في الدعاء إذا رميا الجمرة ويطيلان الوقوف.
وروى الأثرم قال: كان ابن عمر يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ الرجل سورة البقرة.
ويكون الرمي بعد الزوال لما سبق.
وقال جابر: «رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس" أخرجه مسلم، وقد قال: "خذوا عني مناسككم» .

مسألة 105: (ثم يرمي في اليوم الثاني كذلك) يعني في وقته وصفته وهيئته، لا نعلم في ذلك خلافًا غير ما روي عن إسحاق.

مسألة 106: (وإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل المغرب، وإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت بها والرمي من غد) أجمع أهل العلم أن لمن أراد الخروج من منى شاخصًا عن الحرم غير مقيم بمكة أو ينفر بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام التشريق إذا رمى فيه، فأما إن أحب أن يقيم بمكة فقد قال أحمد: لا يعجبني لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة.
وكان مالك يقول: من كان له عذر من أهل مكة فله أن يتعجل في يومين، وإن أراد التخفيف عن نفسه من أمر الحج فلا، ويحتج من يذهب إلى هذا بقول عمر: من شاء من الناس كلهم أن ينفر في النفر الأول، إلا آل خزيمة فلا ينفروا إلا في النفر الآخر.
قال ابن المنذر: جعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر: "إلا آل خزيمة " أي أنهم أهل حزم.
وظاهر المذهب جواز النفر في النفر الأول لكل أحد، وهو مقتضى كلام الخرقي وعامة العلماء، لعموم قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: 203] . قال عطاء: هي للناس عامة.
وروى أبو داود، وابن ماجه، عن يحيى بن عمران أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى» . قال ابن عيينة: هذا أجود حديث رواه سفيان،

(107) فإن كان متمتعًا أو قارنًا فقد انقضى حجه وعمرته، وإن كان مفردًا خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه، ثم يأتي مكة فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، فإن لم يكن له شعر استحب أن يمر الموسى على رأسه، وقد تم حجه وعمرته (108) وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد،

[العُدَّة شرح العُمْدة]

وقال وكيع: هذا الحديث أم المناسك، ولأن أهل مكة وغيرهم سواء في سائر المناسك فكذلك في هذا.
وإذا أحب التعجيل في النفر الأول خرج قبل غروب الشمس، فإذا غربت قبل خروجه، لم يجز له الخروج لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] واليوم اسم للنهار.
وقال ابن المنذر: ثبت عن عمر أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس.

مسألة 107: (فإن كان متمتعًا أو قارنًا فقد انقضى حجه وعمرته، وإن كان مفردًا خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه، ثم أتى مكة فطاف وسعى وحلق أو قصر، فإن لم يكن له شعر استحب أن يمر الموسى على رأسه، وقد تم حجه وعمرته) لأنه قد فعل أفعال الحج والعمرة.

مسألة 108: (وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، ولكن عليه وعلى المتمتع دم) المشهور عن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن القارن بين الحج والعمرة لا يلزمه من العمل أكثر مما يلزم المفرد، بل فعلهما سواء، ويجزيه طواف واحد [وسعي واحد] لحجه وعمرته، نص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه.
وعنه أن عليه طوافين وسعيين، روي ذلك عن علي ولم يصح عنه، واحتج من قال ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره.
قالوا: وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان» [رواه الدارقطني] ولأنهما نسكان فلزم لهما طوافان كما لو كانا منفردين.
ولنا ما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها قالت: «وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا لهما طوافًا واحدًا» متفق عليه، وفي مسلم: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعائشة لما قرنت بين الحج

(109) لكن عليه وعلى

[العُدَّة شرح العُمْدة]

والعمرة: يسعك طوافك لحجك وعمرتك» وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد حتى يحل منهما جميعًا» ، رواه الترمذي، وعن جابر: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا» رواهما الترمذي وقال في كل واحد منهما: حديث حسن.
وعنه: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يطف هو وأصحابه لعمرتهم وحجهم حين قدموا إلا طوافًا واحدًا» رواه الأثرم وابن ماجه، وروى الأثرم عن سلمة قال: حلف طاوس ما طاف أحد من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحج والعمرة إلا طوافًا واحدًا، ولأنه نسك يكفيه حلاق واحد ورمي واحد، فكفاه طواف واحد وسعي واحد كالمفرد، ولأنهما عبادتان من جنس واحد فإذا اجتمعا دخلت أفعال الصغرى في الكبرى كالطهارتين.
وأما الآية فإن الأفعال إذا وقعت لهما فقد تما، وحديثهم لا نعلم صحته، وكفى به ضعفًا معارضته بما روينا من الأحاديث الصحيحة، وإن صح فيحتمل أنه أراد عليه طواف وسعي فسماهما طوافين، فإن السعي بين الصفا والمروة يسمى طوافًا، ويحتمل أنه أراد أن عليهم طوافين، طواف الزيارة وطواف الوداع.
مسألة 109: (لكن عليه دم) أكثر أهل العلم على القول بوجوب الدم عليه، ولا نعلم فيه اختلافًا إلا ما حكي عن داود أنه قال: لا دم عليه، وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من قرن بين حجه وعمرته فليهرق دمًا» ، ولأنه ترفه بسقوط أحد السفرين فلزمه دم كالمتمتع، فإن عدم الدم فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج يكون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع قياسًا على دم المتعة فإنه مشبه به ومقيس عليه، وقال ابن عبد البر: القران نوع من المتعة لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين، وهو داخل في قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] .

(110) المتمتع دم لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]

[العُدَّة شرح العُمْدة]

مسألة 110: (وعلى المتمتع دم لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] الآية) ووقت وجوبه، قال القاضي: إذا وقف بعرفة، ورواه المروذي عن أحمد، وعنه يجب إذا أحرم بالحج لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] وهذا قد فعل ذلك، ولأن ما جعل غاية فوجود أوله كان كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] ، ووجه الأول أن التمتع بالعمرة إلى الحج إنما يحصل بعد وجود الحج منه ولا يحصل ذلك إلا بالوقوف، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الحج عرفة» ولأنه قبل ذلك يعرض للفوات فلا يحصل له التمتع فيعتبر وجود ما يأمن به فواته، ووقت إخراجه يوم النحر لأن ما قبله لا يجوز ذبح الأضحية فلا يجوز فيه هدي التمتع كقبل التحلل من العمرة.
مسألة 111: (فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام يكون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع) لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن المتمتع إذا لم يجد الهدي ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وقد نص الله سبحانه عليه في كتابه بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ [البقرة: 196] الآية.
فأما وقت الصيام فالاختيار في الثلاثة أن يصومها في ثامن الإحرام بالحج ويوم النحر لقول الله سبحانه: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] وكان ابن عمر وعائشة وإمامنا يقولون: يصومهن ما بين إهلاله بالحج ويوم عرفة، فإن لم يحرم إلا يوم التروية صام ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة.
وقال طاوس: يصوم ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة، وصوم عرفة بعرفة غير مستحب وإنما أحببناه هاهنا لموضع الحاجة ولأنه واجب.
وذكر القاضي في المجرد أنه يكون آخرها يوم التروية.
قال شيخنا: والمنصوص عن أحمد فيما وقفنا عليه من نصوصه أن يكون آخرها يوم عرفة، ولا خلاف في جواز ذلك، وإنما الخلاف في استحبابه.
وأما وقت الجواز لصيام الثلاثة فأوله إذا أحرم بالعمرة.
وعن ابن عمر: إنما يجوز صيامهن إذا تحلل من العمرة، اختاره ابن المنذر، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] ولأنه صيام واجب فلا يجوز

(112) وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت

[العُدَّة شرح العُمْدة]

تقديمه على وقت وجوبه كسائر الصيام الواجب.
ولنا أنه أحد إحرامي التمتع فجاز الصوم بعده وإن تخلف الوجوب كتقديم الزكاة بعد النصاب وقبل الحول، والكفارة بعد اليمين قبل الحنث.
فأما قوله سبحانه: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] فقال بعض أهل العلم: معناه في أشهر الحج، وكلام أحمد يدل عليه بدليل من لم يحرم إلا يوم التروية.
وأما تقديمه على وقت الوجوب فيجوز بعد السبب كتقديم التكفير قبل الحنث.
(فصل) وأما السبعة الأيام فلها وقت اختيار واستحباب وجواز.
أما وقت الاختيار فإذا رجع إلى أهله لأنه عمل بالإجماع، وأقرب إلى موافقة لفظ الاختيار.
قال ابن عمر: روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» متفق عليه.
وأما وقت الجواز فظاهر كلام أحمد أنه إذا رجع من مكة، ويكون معنى الآية إذا رجعتم من الحج لأنه ذكر ذلك بعد الحج فيكون متعلقًا به، ويمكن أن يقال: إن الله سبحانه جوز له تأخير الصيام حتى يرجع إلى أهله رخصة فلا يمنع ذلك الإجزاء قبله كما جوز تأخير صوم رمضان في السفر والمرض بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] ثم لو صام في المرض والسفر جاز كذا هاهنا وهو الجواب عن الحديث.
(فصل) الاختيار لعموم الثلاثة - كما ذكرنا - أن يكون بعد الإهلال بالحج.
والاستحباب أن يحرم بالحج يوم التروية، فلا [يتم له] الجمع بين المستحبين، [فماذا] يصنع؟ سئل أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - عن ذلك فقال: إن شاء قدم إهلاله بالحج.
وقال في موضع آخر كلامًا يشير إلى أنه إذا لم يكن بد من ترك أحد المستحبين فأيهما ترك جاز، فإن شاء ترك الإحرام يوم التروية وقدمه عليه، وإن شاء صام قبل الإحرام.

مسألة 112: (وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت) لما روى ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون

(113) فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده (114) ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب فيلتزم البيت ويقول: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن الآن

[العُدَّة شرح العُمْدة]

آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» متفق عليه.
ولمسلم قال: «كان الناس ينصرفون كل وجه، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا ينصرفن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» .

مسألة 113: (فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده) وذلك أن الوداع إنما يكون عند خروجه ليكون آخر عهده بالبيت، فإن طاف الوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة أعاد طواف الوداع للحديث ولأنه إذا أقام خرج عن أن يكون وداعًا في العادة فلم يجز كما لو طاف قبل السفر.

مسألة 114: (ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب، فيلتزم البيت) كما روى أبو داود «عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا نتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطًا وقال: هكذا رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله» . وعن عبد الرحمن بن صفوان قال: «لما فتح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكة انطلقت فرأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد خرج من الكعبة هو وأصحابه قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، ووضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسطهم» رواه أبو داود، ورواه حنبل في المناسك، قال بعض أصحابنا: (ويقول في دعائه: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت

، قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك.
اللهم أصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير".
ويدعو بما أحب ثم يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (115) فمن خرج قبل الوداع رجع إليه إن كان قريبًا، وإن بعد بعث بدم (116) إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء باب أركان الحج والعمرة أركان الحج: الوقوف بعرفة

[العُدَّة شرح العُمْدة]

، لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير.
وما زاد على ذلك من الدعاء فحسن.
ثم يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) . والمرأة إذا كانت حائضًا على باب المسجد ودعت بذلك

مسألة 115: (فمن خرج قبل الوداع رجع إن كان قريبًا، وإن أبعد بعث بدم) وذلك لأن طواف الوداع واجب يجب بتركه دم وليس بركن.
فإذا خرج قبل فعله لزمه الرجوع إن كان قريبًا لأنه أمكنه الإتيان بالواجب من غير مشقة فلزمه، كما لو كان بمكة، وإن كان بعيدًا لم يلزمه الرجوع لأن فيه مشقة فلم يلزمه، كما لو رجع إلى بلده، لكن عليه دم.
ولا فرق بين تركه عمدًا أو سهوًا أو خطأ فإن واجبات الحج لا فرق بين خطئها وعمدها.
ودليل وجوبه ما سبق من حديث ابن عباس: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» متفق عليه.

مسألة 116: (إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما) للخبر، والنفساء في معنى الحائض (ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء) بما ذكرناه.

باب أركان الحج والعمرة

(أركان الحج: الوقوف بعرفة) فلا يتم الحج إلا به إجماعًا.
وروى عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: «أتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعرفة، فجاءه نفر من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله

وطواف الزيارة وواجباته: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل، والسعي، والمبيت بمنى، والرمي، والحلق، وطواف الوداع

[العُدَّة شرح العُمْدة]

كيف الحج؟ قال: الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه» أخرجه أبو داود وابن ماجه.
قال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه.
(وطواف الزيارة) ركن لا يتم الحج إلا به، بدليل «قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين ذكر له أن صفية حاضت قال: "أحابستنا هي؟ قيل: إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذًا» [رواه البخاري] فدل على أن هذا الطواف لا بد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به.

فصل في واجبات الحج والعمرة

فصل: (وواجباته: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل، والسعي، والمبيت بمنى، والرمي، والحلق، وطواف الوداع) [فهي ثمانية] أما الإحرام فهو أن ينوي الدخول في العبادة.
قال ابن عباس: «أوجب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الإحرام حين فرغ من صلاته» [رواه أبو داود] وفي حديث جابر: «أمرنا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى» [رواه مسلم] وفي حديث: «أمر النبي أصحابه أن يهلوا بالحج إذا خرجوا إلى منى» وأمرهم بالإحرام والأمر يقتضي الوجوب.
ويستحب النطق بذلك كما في صلاة الفرض.
ويحرم من الميقات كما فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد قال: «خذوا عني مناسككم» . وأما الوقوف بعرفة إلى الليل فواجب، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وقف بعرفة حتى غابت الشمس» كذا في حديث جابر، فإن دفع قبل الغروب فعليه دم وحجه صحيح عند أكثرهم لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث عروة بن مضرس: "من «شهد صلاتنا ووقف معنا حتى ندفع ووقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه» قال الترمذي:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[العُدَّة شرح العُمْدة]

حديث صحيح.
فإذا تركه فعليه دم لقول ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم.
وأما المبيت بمزدلفة فواجب لما في حديث جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى الصبح حين تبين له الصبح» يعني بالمزدلفة.
وفي حديث ابن مسعود: «صلى الفجر حين طلع الفجر» وهذا دليل على أنه بات بها وقد قال: «خذوا عني مناسككم» فإن دفع قبل نصف الليل فعليه دم لأنه لم يبت، وإن دفع بعد نصف الليل فلا شيء عليه لأنه يكون قد بات، ولأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرخص للعباس في ترك المبيت بمزدلفة» لأجل سقايته، وللرعاة من أجل رعايتهم.
وذلك دليل على وجوبه على غيرهم لكونه سقط عن هؤلاء رخصة، وعنه أن المبيت بها غير واجب ولا شيء على تاركه، والمذهب الأول لما سبق.

فصل في ركن السعي بين الصفا والمروة

1 فصل: وأما السعي فعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه لا يتم الحج إلا به ولا ينوب عنه دم بوجه وهو قول عائشة وعروة، وعنه أنه مستحب ولا يجب بتركه دم، روي ذلك عن ابن عباس وأنس وعبد الله بن الزبير، فإن الله تعالى قال: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] ، وفي مصحف أُبيّ وابن مسعود: "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما" وهذا إن لم يكن قرآنًا فلا ينحط عن درجة الخبر لأنهما يرويانه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. واختار القاضي أن يكون حكمه حكم الرمي يكون واجبًا ينوب عنه الدم، ووجه الأول ما روى مسلم عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «طاف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وطاف المسلمون بين الصفا والمروة فكانت سنة، فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة» . وأما الآية فنزلت لما تحرج المسلمون من السعي بين الصفا والمروة في الإسلام لما كانوا يطوفون فيهما في الجاهلية لأجل صنمين كانا في الصفا والمروة.
كذلك قالت عائشة.
وروي «عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يسعى بين الصفا والمروة وإن مئزره يدور في وسطه من شدة سعيه حتى أقول: إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» قال شيخنا: وقول القاضي أقرب

(117) وأركان العمرة الطواف

[العُدَّة شرح العُمْدة]

إلى الحق إن شاء الله تعالى، فإن ما روت عائشة من فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفعل أصحابه دليل على وجوبه، ولا يلزم كونه ركنًا كالرمي والحلاق وغيرهما.
وقول عائشة يعارضه قول غيرها، فمن مذهبه أنه ليس بواجب، وحديث بنت أبي تجراة قال ابن المنذر: يرويه عبد الله بن المؤمل وقد تكلموا في حديثه، ثم هو يدل على أنه مكتوب وهو الواجب.

فصل في المبيت بمنى

1 فصل: والمبيت بمنى واجب، وعنه أنه غير واجب، قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذا رميت فبت حيث شئت.
ووجه الأولى ما سبق من الترخيص للعباس في المبيت بمزدلفة.

فصل في رمي الجمرات

1 فصل: والرمي واجب، قالت عائشة: «ثم رجع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس» رواه أبو داود.
وقال جابر: «رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يرمي الجمرة ضحى يوم النحر ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس» ، أخرجه مسلم، وقد قال: «خذوا عني مناسككم» .

فصل في الحلق والتقصير

1 فصل: والحلق واجب؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعله، قال أنس: «إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله فدعا بذبح، ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه فجعل يقسم بينه وبين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه ثم قال: هاهنا أبو طلحة فدفعه إلى أبي طلحة " رواه أبو داود، وقد قال: "خذوا عني مناسككم» وأمر بالتقصير.
وروي عن ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من لم يكن له هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحلل» [رواه مسلم] وهو أمر والأمر يقتضي الوجوب.

فصل في طواف الوداع

1 فصل: وطواف الوداع واجب، بدليل ما سبق من حديث ابن عباس: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت" إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» [متفق عليه] .

مسألة 117: (وأركان العمرة الطواف) لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر به، فروى ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة

(118) وواجباتها الإحرام، والسعي، والحلق (119) فمن ترك ركنًا لم يتم نسكه إلا به ومن ترك واجبًا جبره بدم ومن ترك سنة فلا شيء علي (120) ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج، فيتحلل بطواف وسعي وينحر هديًا إن كان معه وعليه القضاء

[العُدَّة شرح العُمْدة]

وليقصر وليحلل» وأمره يقتضي الوجوب، متفق عليه، ولأنه طواف في عبادة كان ركنًا فيها كالحج.

مسألة 118: (وواجباتها الإحرام، والسعي، والحلق) كما في الحج، وفعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك وقد قال: «خذوا عني مناسككم» وقد أمر بالحلق في حديث ابن عمر بقوله: «فليقصر وليحلل» والتقصير مقام الحلق.

مسألة 119: (فمن ترك ركنًا لم يتم نسكه إلا به) لما سبق، (ومن ترك واجبًا جبره بدم) لما سبق، (ومن ترك سنة فلا شيء عليه) لأنه ترك سنة في عبادة فلم يلزمه لها جبران كالصلاة.

مسألة 120: (ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج فيتحلل بطواف وسعي وينحر هديًا إن كان معه وعليه القضاء) . في هذه المسألة أربعة فصول: الأول: أن آخر وقت الوقوف آخر ليلة النحر فمن لم يدرك الوقوف حتى طلع الفجر فاته الحج، لا نعلم في ذلك خلافًا.
«قال جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع.
قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك؟ قال: نعم» رواه الأثرم.
الثاني: أن يتحلل بطواف وسعي وحلاق، هذا الصحيح من المذهب، روي ذلك عن عمر وابن عمر وزيد وابن عباس وابن الزبير ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا.
وروى الأثرم بإسناده أن هبار بن الأسود حج من الشام فقدم يوم النحر، فقال له عمر: ما حبسك؟ قال: حسبت أن اليوم عرفة.
قال: فانطلق إلى البيت فطف به سبعًا وإن كانت معك هدية فانحرها ثم إذا كان عام قابل فاحجج وإن وجدت سعة فاهد فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت.
وروى البخاري عن عطاء أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من فاته الحج فعليه دم وليجعلها عمرة وليحج من قابل» ولأنه يجوز فسخ الحج إلى

(121) وإن أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك) (وإن فعل ذلك نفر منهم فقد فاتهم الحج

[العُدَّة شرح العُمْدة]

العمرة من غير فوات فمع الفوات أولى.
إذا ثبت هذا فإنه يجعلها عمرة لحديث عطاء وهو قول من ذكرناه من الصحابة.
الثالث: أنه يلزمه القضاء من قابل سواء كان الفائت واجبًا أو تطوعًا، روي ذلك عن جماعة من الصحابة، وعن أحمد أنه لا قضاء عليه بل إن كانت فرضًا فعلها بالوجوب السابق وإن كانت نفلًا سقطت لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما سئل عن الحج أكثر من مرة قال: بل مرة واحدة» [رواه ابن ماجه] . ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من مرة، ولأنها عبادة تطوع بها فإذا فاتت لم يلزمه قضاؤها كسائر التطوعات، وعلى هذا يحمل قول الصحابة عن من كان حجه مفروضًا، والرواية الأولى أولى لما ذكرنا من الحديث وإجماع الصحابة، لأن الحج يلزم بالشروع فيصير كالمنذور بخلاف سائر التطوعات.
وأما الحديث فإنه أراد الواجب بأصل الشرع حجة واحدة، وهذا إنما تجب بإيجابه لها بالشروع فيها فتصير كالمنذورة [وإذا قضى أجزأه القضاء عن الحجة الواجبة لا نعلم فيه خلافًا] . الرابع: أن الهدي يلزم من فاته الحج في أصح الروايتين، وهو قول من سمينا من الصحابة في الفصل الثاني، والرواية الأخرى: لا هدي عليه لأنه لو كان الفوات سببًا لوجوب الهدي للزم المحصر هديان للفوات والإحصار.
ولنا قول الصحابة وحديث عطاء، ولأنه تحلل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه الهدي كالمحصر، والمحصر لم يف حجه ويخرج الهدي في سنة القضاء نص عليه، والحجة فيه حديث عمر المذكور في الفصل الثاني.

مسألة 121: (وإن أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك) لأنه لا يؤمر مثل ذلك في القضاء فيشق (وإن فعل ذلك نفر منهم فقد فاتهم الحج) لتفريطهم، وقد روي أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال لهبار: ما حبسك؟ قال: كنت أحسب أن اليوم عرفة، فلم يعذره بذلك.

(122) ويستحب لمن حج زيارة قبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقبري صاحبيه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - باب الهدي والأضحية والهدي والأضحية سنة (123) لا تجب إلا بالنذر (124) والتضحية أفضل من الصدقة بثمنها (125) والأفضل فيهما الإبل ثم البقر ثم الغنم

[العُدَّة شرح العُمْدة]

مسألة 122: (ويستحب لمن حج زيارة قبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقبري صاحبيه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) قال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» .

باب الهدي والأضحية

(والهدي والأضحية سنة) لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهدى في حجته مائة بدنة، وضحى بكبشين أملحين موجوءين ذبحهما بيده وقال: "اللهم هذا منك ولك" [رواه أبو داود] [واضعًا قدمه على صفاحهما» ] .

مسألة 123: (ولا يجب الهدي والأضحية إلا بالنذر) فيقول: لله علي أن أذبح هذا الهدي أو هذه الأضحية، وإن قال: هذا نذر لله وجب، لأن لفظه يقتضي الإيجاب فأشبه لفظ الوقوف، ولا يجب بسوقه مع نيته، كما لا تجب الصدقة بالمال بخروجه به.

مسألة 124: (والتضحية أفضل من الصدقة بثمنها) لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر بدنة» [رواه البخاري] ، ولا يفعل إلا الأفضل.

مسألة 125: (والأفضل فيهما الإبل ثم البقر ثم الغنم) لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح [في الساعة الأولى] فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا، ومن

(126) ويستحب استحسانها واستسمانها (127) ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني مما سواه، وثني المعز ما له سنة، وثني الإبل ما كمل له خمس سنين، ومن البقر ما له سنتان (128) وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة

[العُدَّة شرح العُمْدة]

راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» متفق عليه.

مسألة 126: (ويستحب استحسانها واستسمانها) لقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32] قال ابن عباس: هو الاستسمان والاستحسان.

مسألة 127: (ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن) وهو الذي به ستة أشهر (والثني من غيره ومن المعز ما له سنة، وثني الإبل ما كمل له خمس سنين ومن البقر ما له سنتان) لما روى ابن ماجه عن أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يجوز الجذع من الضأن أضحية» «وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال: كنا مع رجل من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال له مجاشع من بني سليم: فغرت الغنم، فأمر مناديًا فنادى أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: "الجذع يوفي بما توفي منه الثنية» رواه ابن ماجه، وأحكام الهدي والأضاحي سواء.
قال أبو عبيد الهروي: قال إبراهيم الحربي: إنما يجزئ الجذع من الضأن في الأضاحي، لأنه ينزو فيلقح، فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يصير ثنيًا.

مسألة 128: (وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة) وروى جابر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من

(129) ولا تجزئ العوراء البين عورها، ولا العجفاء التي لا تنقى، ولا العرجاء البين ظلعها، ولا المريضة البين مرضها (130) ولا العضباء التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها (131) وتجزئ الجماء والبتراء والخصي وما شقت أذنها أو خرقت أو قطع أقل من

[العُدَّة شرح العُمْدة]

الضأن» رواه ابن ماجه، «وعن جابر قال: كنا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل له: والبقر؟ فقال: وهل هي إلا من البدن» [رواه مسلم] . وأحكام الهدي والأضاحي سواء.

مسألة 129: (ولا تجزئ العوراء البين عورها، ولا العجفاء التي لا تنقى، ولا العرجاء البين ظلعها، ولا المريضة البين مرضها) قال البراء بن عازب: قام فينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها والكسيرة التي لا تنقى» [رواه ابن ماجه] .

مسألة 130: (ولا تجزئ العضباء التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها) لما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يضحي بأعضب الأذن والقرن» [رواه ابن ماجه] قال قتادة: فسألت سعيد بن المسيب فقال: نعم العضب النصف فأكثر من ذلك.
رواه النسائي.

مسألة 131: (وتجزئ الجماء والبتراء والخصي وما شقت أذنها أو خرقت أو قطع أقل من نصفها) والأبتر المقطوع الذنب؛ لأن ذلك ليس بمقصود، والجماء التي لم يخلق لها قرن فتجزئ لأن القرن غير مقصود، ويجزئ الخصي لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضحى بكبشين أملحين أقرنين موجوءين» والموجوء الذي رضت خصيتاه أو قطعتا، ولا فرق بينهما لأن المرضوض كالمقطوع ولأن ذلك العضو غير مستطاب وذهابه يؤثر في سمنه وكثرة اللحم، وطيبه لا نعلم فيه خلافًا.
1 -

نصفها (133) والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى (134) وذبح البقر والغنم على صفاحها (135) ويقول عند ذلك: " باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك " (136) ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم وإن ذبحها صاحبها فهو أفضل (137) ووقت الذبح يوم العيد بعد صلاة العيد إلى آخر يومين من أيام التشريق

[العُدَّة شرح العُمْدة]

مسألة 132: وتجزئ ما شقت أذنها بالكي أو خرقت أو قطع أقل من نصفها لأنه يسير ولا يمكن التحرز منه لا نعلم فيه خلافًا.

مسألة 133: (والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى) لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36] وقال زياد بن جبير: «رأيت ابن عمر أتى على رجل أناخ بدنته ينحرها فقال: ابعثها قيامًا مقيدة، سنة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . متفق عليه.

مسألة 134: (وذبح البقر والغنم) لأن «عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: "دخل علينا بلحم بقر، فقلت ما هذا؟ فقيل: ذبح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أزواجه» [رواه البخاري] ، وقال أنس: «ضحى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكبشين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما» متفق عليه، «ونحر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده ثلاثًا وستين بدنة وأعطى عليًا فنحر ما غبر منها» .

مسألة 135: (ويستحب أن يقول عند الذبح: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك) لما روى أنس قال: «ضحى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكبشين ذبحهما بيده وسمى وكبر» متفق عليه، وروى جابر «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال عند أضحيته: "اللهم هذا منك ولك وعن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر" ثم ذبح» .

مسألة 136: (ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم) لأنها قربة (وإن ذبحها صاحبها فهو أفضل) لحديث أنس.

مسألة 137: (ووقت الذبح يوم العيد بعد صلاة العيد) أو قدرها (إلى آخر يومين

(138) وتتعين الأضحية بقوله: هذه أضحية، والهدي بقوله: هذا هدي وإشعاره وتقليده مع النية (139) ولا يعطى الجزار بأجرته شيئًا منها (140) والسنة أن يأكل ثلث أضحيته، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثه، وإن أكل أكثر جاز

[العُدَّة شرح العُمْدة]

من أيام التشريق) لما روى البراء بن عازب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك.
ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى» متفق عليه.
هذا في حق أهل المصر، فأما غيرهم فبقدر الصلاة والخطبة، لأنه تعذر في حقهم اعتبار حقيقة الصلاة فاعتبر قدرها، وآخر وقتها آخر اليومين الأولين من أيام التشريق، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث» متفق عليه، فوجه الحجة أنه منع من الزيادة على ثلاث ولا ينبغي أن ينهى عن الادخار في زمن التضحية، فلو جازت التضحية في اليوم الرابع كان ناهيًا عن إمساك اللحم في يوم يحل إمساك اللحم وأكله فيه.

مسألة 138: (وتتعين الأضحية بقوله: هذه أضحية) أو هذا لله، ونحوه من القول، ولا يحصل ذلك بالشراء مع النية لأنه إزالة ملك على وجه القربة فلم تؤثر فيها النية المقارنة للشراء كالوقف والعتق (وكذلك الهدي، ويتعين بإشعاره أو تقليده مع النية) كما لو أذن على باب بيته وأذن بالصلاة فيه.

مسألة 139: (ولا يعطى الجزار بأجرته شيئًا منها) لما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «أمرني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أقوم على بدنه، وأن أقسم جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئًا، وقال: "نحن نعطيه من عندنا» متفق عليه.

مسألة 140: (والسنة أن يأكل من أضحيته ثلثها ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها) لما روى عمر «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأضحية قال: "ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث» قال الحافظ أبو موسى: هذا حديث حسن.
وقال ابن عمر: الضحايا والهدايا ثلث لك وثلث لأهلك وثلث للمساكين (وإن أكل أكثر جاز) لأنها سنة غير واجبة.

(141) وله أن ينتفع بجلدها (142) ولا يبيعه ولا شيئا منها (143) فأما الهدي إن كان تطوعا استحب له الأكل منه، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر من كل جزور ببضعة فطبخت فأكل من لحمها، وحسا من مرقها (144) ولا يأكل من واجب إلا من هدي المتعة والقران

[العُدَّة شرح العُمْدة]

مسألة 141: (وله أن ينتفع بجلدها) ويصنع منه النعال والخفاف والفراء والأسقية ويدخر منها، لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوها ما بدا لكم» رواه مسلم، ولأن الجلد جزء من الأضحية فجاز الانتفاع به كاللحم، (ولا يبيع جلدها) لأنه لا يجوز بيع شيء منها والجلد جزء منها.

مسألة 142: (ولا يجوز أن يبيع شيئًا منها) لأنه لا يجوز أن يعطى الجازر بأجرته شيئًا منها للخبر فكذلك لا يجوز أن يبيع شيئًا منها.

مسألة 143: (فأما الهدي إن كان تطوعًا استحب له الأكل منه، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر من كل جزور ببضعة فطبخت وأكل من لحمها وحسا من مرقها) في حديث جابر.

مسألة 144: (ولا يأكل من واجب إلا من هدي التمتع والقران) لأن أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كن متمتعات إلا «عائشة فإنها كانت قارنة لإدخالها الحج على العمرة وقالت: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة، قالت: فدخل علينا لحم بقر فقلت ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أزواجه» ولأنه دم نسك فجاز الأكل منه كالأضحية، ولا يجوز الأكل من واجب سواها لأنه كفارة فلم يجز الأكل منه ككفارة اليمين، وعنه: له الأكل من الجميع إلا المنذور وجزاء الصيد، وروت أم سلمة عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» رواه مسلم.

باب العقيقة (145) وهي سنة، عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة، تذبح يوم سابعه، ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه ورقا، فإن فات يوم سابعه ففي أربعة عشر، فإن فات ففي أحد وعشرين (146) وينزعها أعضاء ولا يكسر لها عظمًا وحكمها حكم الأضحية فيما سوى ذلك

[العُدَّة شرح العُمْدة]

باب العقيقة

مسألة 145: هي الذبيحة عن المولود، (وهي سُنّة) لما روى سمرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كل غلام رهينة بعقيقة تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه» رواه أبو داود (عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة) لما روت أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة» رواه أبو داود.
وقالت عائشة: السنة شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة تطبخ جدولًا ولا يكسر عظمها ويأكل ويطعم ويتصدق (وذلك في اليوم السابع، ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه ورقًا) [لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عق عن الحسن والحسين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بكبش كبش وأنه تصدق بوزن شعرهما ورقًا» . رواه سعيد] (فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي أحد وعشرين) لما روى بريدة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قال في العقيقة: "تذبح لسبع، ولأربع عشرة، ولإحدى وعشرين» أخرجه الحسين بن يحيى بن عباس القطان.

مسألة 146: (وينزعها أعضاء ولا يكسر لها عظمًا) لحديث عائشة تفاؤلًا بسلامة أعضائه (وحكمها حكم الأضحية فيما سوى ذلك) قياسًا عليها.

كتاب البيوع قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] والبيع معاوضة المال بالمال (1) ويجوز بيع كل مملوك فيه نفع مباح (2) إلا الكلب فإنه لا يجوز بيعه ولا غرم على، متلفه لأن النبي

[العُدَّة شرح العُمْدة]

فصول الكتاب · 26 فصل · 704 صفحة
جارٍ التحميل