كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، بهاء الدين
- الكتاب
- العدة شرح العمدة
- المؤلف
- عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي (المتوفى: 624هـ)
- الناشر
- دار الحديث، القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1424هـ 2003 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] عمدة الفقه بأعلى الصفحة، يليه - مفصولا بفاصل - شرح بهاء الدين المقدسي
المدعى عليه فصالحه على شيء جاز، وإن كان أحدهما يعلم كذب نفسه فالصلح في حقه باطل (113) ومن كان له حق على رجل لا يعلمان قدره فاصطلحا عليه جاز باب الوكالة (114) وهي جائزة في كل ما تجوز النيابة فيه إذا كان الموكل والوكيل ممن يصح
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة 113: (ومن كان له حق على رجل لا يعلمان قدره فاصطلحا عليه جاز) لأن الحق لهما لا يخرج عنهما، فإذا اتفقا عليه جاز كما لو اتفقا على أن يتبارآ.
باب الوكالة
مسألة 114: (وهي جائزة في كل ما تجوز النيابة فيه إذا كان الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه) تجوز الوكالة بإجماع الأمة في الجملة، وتجوز في الشراء والبيع والنكاح، لأن النيابة تدخلها بدليل «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى عروة بن الجعد دينارًا وأمره أن يشتري به شاة» ، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: 19] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60] فجوز العمل عليها، «وقال جابر بن عبد الله للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: ائت وكيلي فخذ منه خمسة عشرة وسقًا، فإذا ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته» (رواه الدارقطني) ، وروي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكّل عمرو بن أمية الضمري في قبول نكاح أم حبيبة، وأبا رافع في قبول نكاح ميمونة» .
وتجوز الوكالة بشرط أن تكون فيما تدخله النيابة كالبيع والشراء والنكاح لما سبق.
وتجوز في الرهن والحوالة والضمان والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة والمساقاة والإجارة والقرض والوصية "والصلح" والهبة والوقف والصدقة والفسخ والإبراء والقسمة لأنها كلها تدخلها النيابة وهي في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيها فيثبت فيها حكمه، ولا نعلم في شيء من ذلك خلافًا.
ويشترط أن يكون الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه بنفسه، لأن من لا يصح تصرفه بنفسه فكيف يصح بنائبه.
ذلك منه (115) وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما وفسخه لها وجنونه والحجر عليه لسفه (116) وكذلك في كل عقد جائز كالشركة والمساقاة والمزارعة والجعالة والمسابقة (117) وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظًا أو عرفًا (118) وليس
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة 115: (وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما وجنونه والحجر عليه لسفه) لأنه يخرج بذلك عن أهلية التصرف، ويبطل بفسخ كل واحد منهما لأنه إذن في التصرف، فملك كل واحد منهما إبطاله كالإذن في أكل الطعام.
مسألة 116: (وكذلك الحكم في كل عقد جائز كالشركة والمساقاة والمزارعة والجعالة والمسابقة) لذلك.
مسألة 117: (وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظًا أو عرفًا) لأن الإنسان ممنوع من التصرف في حق غيره، وإنما أبيح لوكيله التصرف فيه بإذنه فيجب اختصاص تصرفه فيما تناوله إذنه، إما لفظًا كقوله بع ثوبي بعشرة، وإما عرفًا كبيعه الثوب بعشرة وزيادة إما من جنس العشرة كبيعه بأحد عشر وما زاد عليها، أو من غير جنسها كعشرة وثوب؛ لأن الزيادة تنفعه ولا تضره، وكل أحد يريد ذلك ويرضاه بحكم العرف.
مسألة 118: (وليس للوكيل توكيل غيره) وذلك أن الوكيل لا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن ينهاه الموكل عن التوكيل فلا يجوز له ذلك رواية واحدة؛ لأن ما نهاه عنه غير داخل في إذنه فلم يجز له كما لو لم يوكله.
الثاني: أذن له في التوكيل فيجوز له رواية واحدة لأنه عقد إذن له فيه فكان له ذلك كما لو أذن له في البيع ولا نعلم في هذين خلافًا.
الثالث: أطلق الوكالة فلا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون العمل مما يرتفع الوكيل عن مثله كالأعمال الدينية في حق أشراف الناس المرتفعين عن فعلها في العادة، فإنه يجوز له التوكيل فيها لأنها إذا كانت مما لا يفعله الوكيل بنفسه عادة انصرف الإذن إلى ما جرت به العادة من الاستنابة به فيه.
الحال الثاني: أن يكون عملًا لا يرتفع عن مثله إلا أنه عمل كثير لا يقدر الوكيل على فعل جميعه، فإنه يجوز له التوكيل فيه أيضًا لما ذكرنا.
الحال الثالث: أن يكون مما لا يرتفع عنه الوكيل ويمكنه عمله بنفسه فليس له أن يوكل فيه؛ لأنه لم يأذن له في التوكيل ولا تضمنه إذنه فلم يجز كما لو نهاه عنه، ولأنه استئمان فإذا استأمنه فيما يمكنه النهوض به لم يكن له أن يوليه من لم يأمنه عليه كالوديعة،
له توكيل غيره (119) ولا الشراء من نفسه ولا البيع لها إلا بإذن موكله (120) وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز وإلا لزم من اشتراه (121) والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد والقول قوله في الرد والتلف ونفي التعدي (122) وإذا قضى الدين بغير بينة ضمن (123) إلا أن يقضيه بحضرة الموكل (124) ويجوز التوكيل
[العُدَّة شرح العُمْدة]
وعنه له أن يوكل فيه لأن الوكيل يملك التصرف بنفسه فيملكه بنائبه كالملك وكما لو وكله فيما لا يتولى مثله بنفسه.
مسألة 119: (وليس للوكيل الشراء من نفسه ولا البيع لها إلا بإذن) لأن العرف في العقد أن يعقده مع غيره فحمل التوكيل عليه، ولأنه يلحقه تهمة ويتنافى الغرضان فلم يجز كما لو نهاه عنه، وعنه يجوز لأنه امتثل أمره وحصل غرضه فصح كما لو كان من أجنبي، وإنما يصح بشرط أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء أو يوكل من يبيع ويكون هو أحد المشترين لتنتفي التهمة.
قال القاضي: ويحتمل أن لا يشترط ذلك لأنه قد امتثل أمره، فأما إذا أذن له في ذلك فقد عمل بمقتضى التوكيل.
مسألة 120: (وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز) لأن المشتري في الذمة لا ينصرف في حق المشترى له إنما ينصرف في ذمة نفسه، فتحصيل شيء له موقوف على إجازته ورضاه، فإن أجازه كان له (وإن رده لزم من اشتراه) لأنه ألزم به.
مسألة 121: (والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد) لأنه نائب والمالك أشبه المودع (والقول قوله في الرد والتلف ونفي التعدي) لذلك.
مسألة 122: (وإن قضى الدين بغير بينة) وأنكره الغريم (ضمن) لأن الموكل لا يقبل قوله على الغريم فكذلك وكيله.
مسألة 123: (إلا أن يكون قضاه بحضرة الموكل) فلا ضمان عليه، لأن التفريط من الموكل حيث لم يشهد، وإن قضاه في غيبته ولم يشهد ضمن لأنه أذن له في قضاء مبرم ولم يوجد، وعن أحمد، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، لا يضمن إلا أن يكون أمره بالإشهاد فلم يفعل، فعلى هذه الرواية إن صدقه الموكل لم يضمن الوكيل وإن كذبه فالقول قول الوكيل لأنه أمينه فيقبل قوله عليه في تصرفه كما يقبل قوله في البيع والقبض.
مسألة 124: (ويجوز التوكيل بجعل وبغيره) لأنه تصرف لغيره لا يلزمه فجاز أخذ
بجعل وبغيره، فلو قال: بع هذا بعشرة فما زاد فلك صح باب الشركة (125) وهي على أربعة أضرب: شركة العنان، وهي أن يشتركا بماليهما وبدنيهما وشركة الوجوه، وهي أن يشتركا فيما يشتريان بجاهيهما، والمضاربة: وهي أن يدفع
[العُدَّة شرح العُمْدة]
العوض عنه كرد الآبق.
(فإذا قال: بعه بعشرة فما زاد فهو لك صح) وله الزيادة لأن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان لا يرى بذلك بأسًا.
باب الشركة
مسألة 125: (وهي على أربعة أضرب: شركة العنان، وهي أن يشتركا بماليهما وبدنيهما) وربحه لهما، فينفذ تصرف كل واحد منهما بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه، وهي جائزة بالإجماع، ذكره ابن المنذر، وإنما اختلف في بعض شروطها.
وسميت شركة العنان لأنهما يتساويان في المال والتصرف كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير، فإن عنانيهما يكونان سواء.
ولا تصح إلا بشرطين:
"أحدهما" أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير، ولا خلاف في صحة الشركة بهما لأنهما أثمان البياعات وقيم الأموال.
مسألة 126: ولا يصح بالعروض، وهو ظاهر المذهب، لأن هذه الشركة لا تخلو إما أن تقع على الأعيان، أو قيمتها، أو أثمانها.
لا يجوز وقوعها على الأعيان لأنها تقتضي الرجوع عند المفاضلة برأس المال ولا مثل لها فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح وتنقص قيمته فيؤدي إلى مشاركة الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح، ولا على أثمانها لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها، ولأنها تصير عند من يجوزها شركة معلقة على شرط وهو بيع الأعيان، ولا يجوز أن تكون واقعة على قيمتها لأن القيمة غير متحققة المقدار فيفضي إلى التنازع، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في ثمن العين التي هي ملكه، وعنه يجوز وتجعل قيمتها وقت العقد برأس المال، ودليله أن مقصود الشركة أن يملك كل واحد منهما نصف مال الآخر وينفذ تصرفهما، وهذا موجود في العروض فصحت الشركة فيها كالأثمان.
"الشرط الثاني" أن يشترطا لكل واحد منهما جزءًا من الربح مشاعًا معلومًا، ولا خلاف في
أحدهما إلى الآخر مالا يتجر فيه ويشتركان في ربحه، وشركة الأبدان، وهي أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما من المباح، إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد ونحوه، لما روي «عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر، فجاء سعد بأسيرين ولم آت أنا وعمار بشيء»
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ذلك في المضاربة المحضة، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه أو ما يجمعان عليه بعد أن يكون ذلك "معلومًا" جزءًا من أجزاء، ولأن استحقاق المضارب للربح بعمله فجاز ما يتفقان عليه من قليل وكثير كالأجرة في الإجارة وكالجزء من الثمرة في المساقاة والمزارعة.
الضرب الثاني: (شركة الوجوه، وهو أن يشتركا فيما يشتريان بجاههما) وثقة التجار بهما، فما ربحا فهو بينهما لأن مبناها على الوكالة والكفالة؛ لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه فيما يشتريه ويبيعه كفيل عنه بذلك، والملك بينهما على ما شرطاه نصفين أو أثلاثًا أو أرباعًا، والوضيعة على قدر ملكيهما فيه ويبيعان فما رزق الله تعالى فهو بينهما على ما شرطاه فهو جائز، ويحتمل [أن يكون] على قدر ملكيهما وهما في جميع تصرفاتهما وما يجب لهما وعليهما في إقرارهما وخصومتهما بمنزلة شريكي العنان على ما سبق.
الضرب الثالث: (المضاربة، وهو أن يدفع أحدهما ماله إلى آخر يتجر فيه والربح بينهما) ويسمى مضاربة وقراضًا، وينعقد بلفظهما وكل ما يؤدي معناهما لأن القصد المعنى فجاز بما دل عليه كالوكالة، وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة، ذكره ابن المنذر، ويروى ذلك عن جماعة من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون إجماعًا، ولأن بالناس حاجة إليها فإن الدراهم والدنانير لا تنمو إلا بالتقليب والتجارة، وليس كل من يملكها يحسن التجارة، ولا كل من يحسن له رأس مال، فاحتيج إليها من الجانبين، فشرعها الله سبحانه لدفع الحاجتين.
الضرب الرابع: (شركة الأبدان، وهي أن يشتركا فيما يكسبان بابدانهما من المباح: إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد ونحوه) كالاحتطاب والتلصص على دار الحرب، وفي المعادن وسائر المباحات، فهي صحيحة (لما روي «عن عبد الله بن مسعود أنه قال:
(127) والربح في جميع ذلك على ما شرطاه والوضيعة على قدر المال (128) ولا يجوز أن يجعل لأحدهما دراهم معينة ولا ربح بشيء معين (129) والحكم في المساقاة والمزارعة كذلك (130) وتجبر الوضيعة من الربح (131) وليس لأحدهما البيع بنسيئة (132) ولا أخذ شيء من الربح إلا بإذن الآخر
[العُدَّة شرح العُمْدة]
اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فلم أجئ أنا وعمار بشيء وجاء سعد بأسيرين» رواه أبو داود واحتج به أحمد.
مسألة 127: (والربح في جميع ذلك على ما شرطاه) لأن الحق لا يخرج عنهما (والوضيعة على قدر المال) وهي الخسارة على كل واحد منهما بقدر ماله: إن كان متساويًا تساويا في الخسران، وإن كان أثلاثًا كان أثلاثًا، ولا نعلم فيه خلافًا.
مسألة 128: (ولا يجوز أن يجعل لأحدهما دراهم معينة ولا ربح بشيء معين) لأن ذلك يفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح، ومن شرط المضاربة كون ذلك معلومًا فيفسد بها العقد، لأن الفساد لمعنى في العوض المعقود عليه فأفسد العقد كما لو جعل رأس المال خمرًا أو خنزيرًا، ويخرج في ذلك روايتان: إحداهما: لا يبطل به عقد الشركة لأنه إذا حذف من الشرط بقي الإذن بحاله.
والأخرى: يبطل العقد لأنه إنما رضي بالعقد بهذا الشرط فإذا فسد فات الرضا به ففسد كالشروط الفاسدة في البيع.
مسألة 129: (والحكم في المساقاة والمزارعة كذلك) يعني أن ذلك عقد جائز يشترط له من الشروط ما يشترط للمضاربة، ويفسده ما يفسدها.
وسيأتي ذكرها إن شاء الله.
مسألة 130: (وتجبر الوضيعة من الربح) لأن الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح، وهذا لا نعلم فيه خلافًا.
مسألة 131: (وليس لأحدهما البيع نسيئة) لأن فيه تغريرًا بالمال.
وفيه وجه آخر يجوز لأن عادة التجار البيع نسأ والربح فيه أكثر.
مسألة 132: (وليس له أن يأخذ من الربح شيئًا إلا بإذن الآخر) لأنه إذا أخذ من الربح شيئًا يكون قرضًا في ذمته فلا يجوز إلا بإذن كما في الوديعة.
باب المساقاة والمزارعة (133) تجوز المساقاة في كل شجر له ثمر بجزء من ثمره مشاع معلوم (134) والمزارعة في الأرض بجزء من زرعها، سواء كان البذر منهما أو من أحدهما لقول ابن عمر: «عامل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وثمر " وفي لفظ: " على أن يعمروها من أموالهم» وعلى العامل ما جرت العادة بعمله (135) ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها وما حصل بينهما جاز على قياس ذلك
[العُدَّة شرح العُمْدة]
باب المساقاة والمزارعة
مسألة 133: (وتجوز المساقاة في كل شجر له ثمر بجزء من ثمره مشاع معلوم) لما روى عبد الله بن عمر قال: «عامل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» متفق عليه، وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: «عامل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع» .
مسألة 134: (وتجوز المزارعة في الأرض بجزء من زرعها سواء كان البذر منهما أو من أحدهما لحديث ابن عمر، وفي لفظ: على أن يعمروها من أموالهم) ولرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (رواه البخاري) (وعلى العامل ما جرت العادة بعمله) في المساقاة والمزارعة من الحرث والإبار والتلقيح وإصلاح طرق الماء والحصاد والدراس والذرى لأن لفظهما يقتضي ذلك، وموضعها أن العمل من العامل، وأصل المال وما يتعلق ببقائه من رب المال فيلزمه ما فيه حفظ الأصل كسد الحيطان وإنشاء الأنهار وعمل الدولاب وما يديره وشراء ما يلقح به، فإذا أطلق العقد فعلى كل واحد منهما ما ذكرنا، وإن شرطا ذلك كان تأكيدًا.
مسألة 135: (ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها وما حصل بينهما جاز على قياس
باب إحياء الموات (136) وهي الأرض الدائرة التي لا يعرف لها مالك فمن أحياها ملكها، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» (137) وإحياؤها عمارتها بما تتهيأ به لما
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ذلك) لأنه يشبه ما لو دفع ماله إلى من يتجر فيه والربح بينهما، ويشترط أن يكون ما بينهما معلومًا كالمضاربة.
باب إحياء الموات
مسألة 136: (وهي الأرض الدائرة التي لا يعرف لها مالك) وهي نوعان:
أحدهما: أرض لم يجر عليها ملك فهذه تملك بالإحياء، لما روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
النوع الثاني: ما كان فيها من آثار الملك ولا يعلم لها مالك ففيها روايتان: إحداهما: تملك بالإحياء للخبر، ولما روى طاوس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «عادي الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم بعد» رواه أبو عبيد في الأموال، ولأنه في دار الإسلام فيملك كاللقطة، والثانية: لا تملك لأنها إما لمسلم أو ذمي أو بيت المال فلم يجز إحياؤها كما لو تعين مالكها.
مسألة 137: (وإحياؤها عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها) والمرجع في ذلك إلى العرف، فما تعارفه الناس أنه إحياء فهو إحياء لأن الشرع ورد به ولم يثبته فيرجع فيه إلى العرف، كما رجعنا إلى ذلك في القبض والإحراز، فإذا ثبت هذا فإن الأرض تحيا دارًا للسكنى أو حظيرة ومزرعة، فأما الدار فأن يبني حيطانها وسقفها لأنها لا تكون للسكنى إلا كذلك، وإن أرادها حظيرة فإحياؤها بحائط جرت به عادة مثلها، وإن أرادها للزراعة فأن يحوط عليها بتراب أو غيره مما تتميز به عن غيرها ويسوق إليها ماء من نهر وبئر فإنها تصير محياة، وإن لم يزرعها، وإن كانت من الأرض التي لا تحتاج إلى ماء فأن يعمل فيها ما تتهيأ به للزراعة من قلع أحجارها وأشجارها وتمهيدها.
وذكر القاضي رواية أخرى في
يراد منها كالتحويط عليها، وسوق الماء إليها إن أرادها للزرع، وقلع أشجارها وأحجارها المانعة من غرسها وزرعها، (138) وإن حفر فيها بئرا فوصل إلى الماء ملك حريمه، وهو خمسون ذراعا من كل جانب إن كانت عادية وحريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعا باب الجعالة وهي أن يقول: من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فمن فعل ذلك استحق الجعل، لما روى أبو سعيد «أن قوما لُدغ رجل منهم فأتوا أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: هل فيكم من راقٍ؟ فقالوا: لا، حتى تجعلوا لنا شيئًا، فجعلوا لهم قطعيًا من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ بفاتحة الكتاب ويرقي ويتفل حتى برأ، فأخذوا الغنم وسألوا عن ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم بسهم»
[العُدَّة شرح العُمْدة]
صفة الإحياء وهو أن يحوزها بحائط أو يجري لها ماء، لما روى ابن عبد البر في كتابه عن سعيد وغيره من أصحاب قتادة عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أحاط حائطًا على أرض فهي له» رواه أبو داود وأحمد في المسند، ومثله عن جابر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولأن الحائط حاجز منيع فكان إحياء أشبه ما لو جعلها للغنم حظيرة.
مسألة 138: (وإن حفر بئرًا فوصل إلى الماء ملك حريمه، وهو خمسون ذراعًا من كل جانب إن كانت عادية وحريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعًا) لما روى الدارقطني بإسناده عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «حريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعًا وحريم العادي خمسون ذراعًا» .
باب الجعالة
(وهي أن يقول: من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فمن فعل ذلك استحق الجعل) لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72] وروى أبو مسعود «أن ناسًا من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتوا حيًّا من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لُدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لم تقرونا فلا نفعل أو
(139) ولو التقط اللقطة قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقه باب اللقطة وهي على ثلاثة أضرب: أحدها: ما تقل قيمته فيجوز أخذه والانتفاع به من غير تعريف لقول جابر: «رخص لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العصا والسوط وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به» ، الثاني: الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع كالإبل والخيل ونحوها فلا يجوز أخذها، «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن ضالة الإبل فقال: " ما لك ولها؟ دعها، معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها» (140) ومن أخذ هذا لم يملكه ولزمه
[العُدَّة شرح العُمْدة]
تجعلوا لنا جعلًا، فجعلوا لهم قطيع شياه، فجعل رجل منهم يقرأ بأم القرآن ويجمع ريقه ويتفل، فبرأ الرجل، فأتوهم بالشاء فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل عنها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، [فسألوا عنها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] فقال: " وما يدريك أنها رقية، خذوها واضربوا لي فيها بسهم» متفق عليه، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها فجاز كالأجرة.
مسألة 139: (ولو التقط اللقطة قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقه) لأنه يجب عليه ردها إذا وجدها فلا يجوز له الأخذ على الواجب.
باب اللقطة
(وهي على ثلاثة أضرب: أحدها: ما تقل قيمته فيجوز أخذه والانتفاع به) كالسوط والشسع والرغيف فيملك (بلا تعريف، لما روى جابر قال: «رخص لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به» رواه أبو داود.
(الثاني) الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع كالإبل والخيل والبقر والبغال، فلا يجوز التقاطها لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لما سئل عن ضالة الإبل في حديث زيد بن مالك: "ما لك ولها؟ دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها» متفق عليه.
مسألة 140: (ومن أخذ هذا لم يملكه ولزمه ضمانه) لأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه ولا إذن الشارع له، فهو كالغاصب.
ضمانه ولم يبرأ إلا بدفعه إلى نائب الإمام) (الثالث: ما تكثر قيمته من الأثمان والمتاع والحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع فيجوز أخذه، ويجب تعريفه حولا في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد، فمتى جاء طالبه فوصفه دفعه إليه بغير بينة)
(141) وإن لم يعرف فهو كسائر ماله، ولا يتصرف فيه حتى يعرف وعاءه ووكاءه وصفته، فمتى جاء طالبه فوصفه دفع إليه أو مثله إن كان قد هلك
(142) وإن كان حيوانا يحتاج إلى مؤنة أو شيئا يخشى تلفه فله أكله قبل التعريف أو بيعه ثم يعرفه لما روى زيد بن خالد قال: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن لقطة الذهب والورق فقال: " اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فادفعها إليه " وسأله عن الشاة فقال: " خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» (143) وإن هلكت اللقطة في حول التعريف من غير تعد فلا ضمان فيها
[العُدَّة شرح العُمْدة]
(الثالث: ما تكثر قيمته كالأثمان والمتاع والحيوان الذي لا يمتنع بنفسه من صغار السباع فيجوز أخذه ويجب تعريفه حولا في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد، فمتى جاء طالبه فوصفه دفع إليه بغير بينة) لما روى زيد بن خالد الجهني قال: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن لقطة الذهب والورق فقال: اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه» الحديث متفق عليه.
مسألة 141: (وإن لم يعرف فهو كسائر ماله، ولا يتصرف فيه حتى يعرف وعاءه ووكاءه وصفته، فمتى جاء طالبه فوصفه دفعه إليه أو مثله إن كان قد هلك) لحديث زيد.
مسألة 142: (وإن كان حيوانًا يحتاج إلى مؤنة أو يخشى تلفه فله أكله قبل التعريف أو بيعه ثم يعرفه) لأن في حديث زيد: وسأله عن الشاة فقال: «خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» . 1 - مسألة 143: وإن هلكت اللقطة في حول التعريف من غير تعد فلا ضمان فيها لأنها عنده أمانة فهي كالمودع.
فصل: في اللقيط: هو الطفل المنبوذ (144) وهو محكوم بحريته وإسلامه (145) وما وجد عنده من المال فهو له (146) وولايته لملتقطه إذا كان مسلمًا عدلًا ونفقته في بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه (147) وما خلفه فهو فيء (148) ومن ادعى نسبه ألحق به إلا إن كان كافرا ألحق به نسبا لا دينا (149) ولم يسلم إليه
[العُدَّة شرح العُمْدة]
فصل في اللقيط
(فصل في اللقيط، وهو الطفل المنبوذ وهو محكوم بحريته) لما روى سعيد عن سفيان عن الزهري أنه سمع شبيبًا أبا جميلة قال: وجدت ملقوطًا فأتيت به عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال عريفي: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر: أكذلك هو؟ قال: نعم.
فقال: اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته، أو قال: رضاعه.
وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر، ولأن الأصل في الآدميين الحرية فيكون حرًا.
مسألة 144: (ويحكم بإسلامه) في دار الإسلام إذا كان فيها مسلم لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيها.
مسألة 145: (وما يوجد عنده من المال فهو له) وكذلك ما يوجد عليه من الثياب والحلي أو تحته من فراش أو سرير أو غيره لأنه آدمي حر فأشبه البالغ.
مسألة 146: (وولايته لملتقطه إذا كان مسلمًا عدلًا) لحديث أبي جميلة، يعني ولاية حفظه والإنفاق عليه (ونفقته في بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه) لذلك.
مسألة 147: (وما خلفه فهو فيء) وذلك أن ميراث اللقيط وديته إن قتل لبيت المال إن لم يخلف وارثًا معروفًا [كغيره من المسلمين] وأما حديث أبي جميلة وقول عمر: "ولاؤه لك" فقال ابن المنذر: هو رجل مجهول وما يقوم بحديثه حجة، يعني أبا جميلة.
ويحتمل أن عمر عني لك ولاية حفظه والقيام به، وحديث واثلة «تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه» لا يثبت أيضًا، فيكون حكمه في الميراث حكم من ثبت نسبه وانقرض أهله يدفع ميراثه إلى بيت المال.
مسألة 148: (ومن ادعى نسبه ألحق به) مسلمًا كان أو كافرًا؛ لأنه أقر له بحق لا ضرر فيه على أحد فقبل كما لو أقر له بمال، ويتبع الكافر نسبًا لا دينًا، لأنه محكوم بإسلامه بالدار فلا يزول ذلك بدعوى كافر.
مسألة 149: (ولم يدفع إليه) يعني إلى الكافر، لأنه لا ولاية لكافر على مسلم.
باب السبق وتجوز المسابقة بغير جعل في الأشياء كلها (150) ولا تجوز بجعل إلا في الخيل والإبل والسهام لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» (151) فإن كان الجعل من غير المستبقين جاز، وهو للسابق منهما
[العُدَّة شرح العُمْدة]
باب السبق
(تجوز المسابقة بغير جعل في الأشياء كلها) الدواب والأقدام والسفن والمزاريق وغيرها، لما روى ابن عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "سابق بين الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق» متفق عليه.
وسابق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عائشة على قدميه، وسابق سلمةُ بن الأكوع رجلًا من الأنصار بين يدي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «ومر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على قوم يربعون حجرًا أي يرفعونه ليعلم الشديد منهم فلم ينكر عليهم» .
مسألة 150: (ولا تجوز بعوض إلا في الخيل والإبل والسهام لما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» رواه أبو داود، فتعين حمله على المسابقة بعوض جمعًا بينه وبين ما سبق من الأحاديث.
والمراد بالحافر الخيل خاصة، وبالخف الإبل، وبالنصل السهام، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس من اللهو ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبة أهله، ورميه بقوسه ونبله» (رواه أبو داود) ولأن غير الخيل والإبل لا تصلح للكر ولا للفر في القتال، وغير السهام لا يعتاد الرمي بها فلم تجز المسابقة بها كالبقر.
مسألة 151: (فإن كان الجعل من غير المستبقين جاز، وهو للسابق منهما) لأنه
(152) وإن كان من أحدهما فسبق المخرج أو جاءا معا أحرز سبقه ولا شيء له سواه (153) وإن سبق الآخر أخذه (154) وأن أخرجا جميعا لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللا يكافئ فرسه فرسيهما، أو بعيره بعيريهما، أو رميه رميهما، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار» (155) فإن سبقهما أحرز سبقيهما، وإن سبق أحدهما أحرز سبق نفسه وأخذ سبق صاحبه (156) ولا بد من تحديد المسافة وبيان الغاية
[العُدَّة شرح العُمْدة]
إخراج مال لمصلحة فجاز أن يكون من غيرهما كارتباط الخيل في سبيل الله عز وجل ويكون للسابق منهما لأنه ليس بقمار.
مسألة 152: (وإن كان العوض من أحدهما فسبق المخرج أو جاءا معًا أحرز سبقه ولا شيء له سواه) أما إذا جاءا معًا فلا شيء لهما لأنه لم يسبق واحد منهما، وإن سبق المخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من الآخر شيئًا لأنه لو أخذ شيئًا كان قمارًا.
مسألة 153: (وإن سبق الآخر أحرز سبق صاحبه) لأنه ليس بقمار.
مسألة 154: (وإن أخرجا جميعًا لم يجز) لأنه يكون قمارًا (إلا أن يدخلا بينهما محللًا) وهو ثالث لم يخرج (يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما أو رميه رميهما، لما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار» رواه أبو داود، فجعله قمارًا إذا أمن أن يسبق لأنه لا يخلو كل واحد منهما أن يغنم أو يغرم، وإذا لم يأمن أن يسبق لم يكن قمارًا لأن كل واحد لا يخلو من ذلك.
مسألة 155: (فإن سبقهما أحرز سبقيهما) بالاتفاق (وإن سبق أحد المستبقين وحده أحرز سبق نفسه وأخذ سبق صاحبه) ولم يأخذ من المحلل شيئًا، وإن سبق أحد المستبقين والمحلل الثالث أحرز السابق مال نفسه ويكون سبق المسبوق بين السابق والمحلل نصفين.
مسألة 156: (ولا بد من تحديد المسافة والغاية) بما جرت به العادة، لأن الغرض
(157) وقدر الإصابة وصفتها وعدد الرشق (159) وإنما تكون المسابقة في الرمي على الإصابة لا على البعد باب الوديعة وهي أمانة عند المودع لا ضمان عليه فيها إإلا أن يتعدى وإن لم يحفظها في حرز
[العُدَّة شرح العُمْدة]
معرفة أسبقهما وأرماهما، ولا يعلم ذلك إلا بتساويهما في الغاية، ولأن أحدهما قد يكون مقصرًا في أول عدوه سريعًا في انتهائه، وقد يكون بالضد فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه.
مسألة 157: (ويشترط معرفة عدد الإصابة وصفتها وعدد الرشق) الرشق بكسر الراء عبارة عن عدد الرمي الذي يتفقان عليه، والرشق بفتح الراء الرمي نفسه مصدر رشقت رشقًا أي رميت رميًا.
اشترط معرفة عدده لأن الحذق في الرمي لا يعلم إلا بذلك، وعدد الإصابة ينبغي أن يكون معلومًا فيكون الرشق مثلًا عشرين والإصابة خمسة فيقولان: أيُّنا سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية فهو السابق، اشترط ذلك ليبين أحذقهما.
1 -
مسألة 158: وأما صفة الإصابة فإن أطلقاها تناولها على أي صفة كانت لأنها إصابة، فإن قالا: "خواصل" كانت تأكيدًا لأنه اسم لها كيفما كانت، وتسمى الإصابة أيضًا "القرع" ويقال "قرطس" إذا أصاب، ومن أسماء الإصابة الموارق وهو ما نفذ الغرض ووقع من الجانب الآخر ويسمى "الصادر" أيضًا، ومن أسمائها "خواسق" وهو ما خرق الغرض وثبت فيه، و "خوارق" وهو ما خرق الغرض ولم يثبت فيه، و "خواصر" وهو ما وقع في أحد جانبي الغرض، ومنه الخاصرة لأنها في جانب الإنسان، فإن عيَّنا شيئًا من ذلك تقيدت المناضلة به لأن المرجع في ذلك إلى شرطها.
مسألة 159: (وإنما تكون المسابقة في الرمي على الإصابة لا على البعد) لأن المقصود منها الإصابة، وليس البعد مقصودًا.
باب الوديعة
(وهي أمانة عند المودع لا ضمان عليه فيها إلا أن يتعدى) سواء ذهب معها شيء من مال المودع أو لم يذهب، وعنه إن ذهبت من بين ماله غرمها، لما روي عن عمر بن الخطاب أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله، ودليل الأولى أن الله
مثلها أو مثل الحرز الذي أمر بإحرازها فيه (162) أو تصرف فيها لنفسه (163) أو خلطها بما لا تتميز منه (164) أو أخرجها لينفقها ثم ردها (165) أو كسر ختم كيسها (166) أو جحدها ثم أقر بها (167) أو امتنع من ردها عند طلبها مع إمكانه ضمنها
[العُدَّة شرح العُمْدة]
سبحانه سماها أمانة، والضمان ينافي الأمانة، ويروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس على المودع ضمان» (رواه ابن ماجه) ، ويروى ذلك عن جماعة من الصحابة، ولأن المستودع يحفظها لصاحبها متبرعًا فلو ضمن لامتنع الناس من قبول الودائع فيضر بهم لحاجتهم إليها، وما روي عن عمر محمول على التفريط من أنس في حفظها فلا ينافي ما ذكرناه، فأما إن تعدى فيها أو فرط في حفظها فتلفت ضمنها بغير خلاف نعلمه.
مسألة 160: (ويلزمه حفظها في حرز مثلها، فإن تركها في دون حرز مثلها ضمن) لأن الإيداع يقتضي الحفظ، فإن أطلق حمل على المتعارف وهو حرز المثل، وهو ما جرت العادة بحفظ مثلها فيه، والدراهم والدنانير في الصناديق من وراء الأقفال، والثياب في البيوت والمخازن من وراء السكاكر والأغلاق، والخشب في الحضائر والغنم في الصبر.
مسألة 161: (فإن أمره صاحبها بإحرازها في حرز فجعلها في دونه ضمن) لأن صاحبها لم يرضه، وإن أحرزها في مثله أو فوقه لم يضمن؛ لأن من رضي شيئًا رضي مثله وفوقه، وقيل: يضمن لأنه خالف أمره لغير حاجة [أشبه ما لو نهاه] .
مسألة 162: (وإن تصرف فيها لنفسه) فركب الدابة لغير نفعها أو لبس الثوب فتلف، (ضمن) لأنه تعدى فيها فبطل استئمانه.
مسألة 163: (وإن خلطها بما لا تتميز منه) فقد فوت على نفسه إمكان ردها بعينها فوجب أن (يضمنها) كما لو ألقاها في مهلكة.
مسألة 164: (وإن أخرجها لينفقها ثم ردها ضمن) لأنه هتك الحرز بغير عذر.
مسألة 165: (وإن كسر ختم كيسها ضمن) لذلك.
مسألة 166: (وإن جحدها ثم أقر بها ضمنها) لأنه بجحده بطل استئمانه عليها.
مسألة 167: (وإن امتنع من ردها عند طلبها مع إمكانه ضمنها) لأنه تعدى بالامتناع من ردها فصار كالغاصب.
(168) وإن قال: ما أودعتني، ثم ادعى تلفها أو ردها لم يقبل منه (169) وإن قال: ما لك عندي شيء، ثم ادعى ردها أو تلفها قبل (170) والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة 168: (وإن قال: ما أودعتني، ثم ادعى تلفها أو ردها لم يقبل منه) لأنه مكذب لإنكاره الأول معترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة.
مسألة 169: (وإن قال: ما لك عندي شيء، ثم ادعى ردها أو تلفها قبل) لأن من تلفت الوديعة عنده من غير تفريط من حرزه فلا شيء لمالكها عنده.
مسألة 170: (والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير) لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال في خطبته عام حجة الوداع: «العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم» وروى صفوان بن أمية «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعار منه يوم حنين أدراعًا، فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة» رواه أبو داود.
كتاب الإجارة (1) وهي عقد على المنافع لازم من الطرفين لا يملك أحدهما فسخها (2) ولا تنفسخ بموته ولا جنونه وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعها وللمستأجر فسخها بالعيب قديما كان أو حادثا (3) ولا تصح إلا على نفع معلوم، إما بالعرف كسكنى دار، أو بالوصف كخياطة ثوب معين، أو بناء حائط، أو حمل شيء إلى موضع معين، وضبط ذلك بصفاته أو معرفة أجرته
[العُدَّة شرح العُمْدة]