كتاب الأطعمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، بهاء الدين
- الكتاب
- العدة شرح العمدة
- المؤلف
- عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي (المتوفى: 624هـ)
- الناشر
- دار الحديث، القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1424هـ 2003 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] عمدة الفقه بأعلى الصفحة، يليه - مفصولا بفاصل - شرح بهاء الدين المقدسي
(وهي نوعان: حيوان وغيره، فأما غير الحيوان فكله مباح) لأن الأصل في الأشياء الإباحة بقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] (إلا ما كان نجسًا) فإنه حرام الأكل بدليل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحمر الأهلية: " «اكفئوها فإنها رجس» (رواه البخاري) وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: 90] والرجس اسم لما استقذر، والنجس مستقذر، وقد أمر في أثناء الآية باجتنابه بقوله ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] فدل على تحريمه (والمضر حرام أيضًا لضرره كالسموم) ونحوها.
مسألة 1: (والأشربة كلها مباحة) لأن الأصل الإباحة (إلا ما أسكر فإنه يحرم) قليله وكثيره من أي شيء كان لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» رواه ابن عمر، وعن جابر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» رواهما أبو
(2) وإن تخللت الخمرة طهرت وحلت، وإن خللت لم تطهر فصل: والحيوان قسمان: بحري وبري، فأما البحري فكله حلال إلا الحية والضفدع والتمساح (3) وأما البري فيحرم منه كل ذي ناب من السباع
[العُدَّة شرح العُمْدة]
داود والأثرم وغيرهما، وقال عمر: نزل تحريم الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، ولأنه مسكر فأشبه عصير العنب.
مسألة 2: (وإن تخللت الخمر طهرت وحلت) وهذا إجماع (وإن خللت لم تطهر) لما «روى أبو طلحة قال: " لما نزل تحريم الخمر كان عندي خمر لأيتام، فقلت: يا رسول الله أخللها؟ قال: لا، أرقها " فأمر بإراقتها» ، ولو كان يحل تخليلها لما أمر بإراقتها، لأنه يكون إتلاف مال، وتضيع على الأيتام، وذلك لا يجوز.
فصل في أقسام الحيوان
(فصل: والحيوان قسمان: بحري وبري، فأما البحري فكله حلال) لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في البحر: " «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (رواه أبو داود) وهذا عام (إلا الحية والضفدع) لأنهما من الخبائث، وقد نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن قتل الضفدع (إلا التمساح) لأنه يأكل الناس وله ناب يجرح.
مسألة 3: (وأما البري فيحرم منه كل ذي ناب من السباع) وهي التي تضرب بأنيابها الشيء وتفرس، وهو مذهب أكثر أهل العلم، لما روى أبو ثعلبة الخشني قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أكل كل ذي ناب من السباع» متفق عليه، وقال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أكل كل ذي ناب من السباع حرام» (رواه مسلم) ، قال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت صحيح مجمع على صحته، وهذا نص صريح.
(4) وكل ذي مخلب من الطير كالنسور والرخم وغراب البين الأبقع (5) والحمر الأهلية (6) والبغال (7) وما يأكل الجيف من الطير (8) وما يستخبث من الحشرات
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة 4: (ويحرم كل ذي مخلب من الطير) وهي التي تعلف بمخالبها الشيء وتصيد بها، لما روى ابن عباس قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» ، وعن خالد بن الوليد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حرام عليكم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» رواهما أبو داود.
مسألة 5: (وتحرم الحمر الأهلية) لما روى جابر " أن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل» متفق عليه.
مسألة 6: (والبغال محرمة) لأنها متولدة منها، والمتولد من شيء له حكمه في التحريم، قال قتادة: ما البغل إلا شيء من الحمار.
وعن جابر قال: «ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن البغال والحمر ولم ينهنا عن الخيل» (رواه أبو داود) .
مسألة 7: (وما يأكل الجيف من الطير كالنسور والرخم وغراب البين الأبقع) قال عروة: ومن يأكل الغراب وقد سماه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الفاسق؟ ولعله يعني قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «خمس فواسق، يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور» (رواه البخاري) فهي محرمة لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سماها فواسق وأمر بقتلها، وما يحل أكله لم يحل قتله بل يذبح.
مسألة 8: (ويحرم كل ما يستخبث من الحشرات) كالديدان والجعلان وبنات وردان والخنافس والفأر والأوزاغ والحرباء والعظاء والجراذين والعقارب والحيات لقوله سبحانه:
كالفأر ونحوها (9) إلا اليربوع (10) والضب لأنه أكل على مائدة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو ينظر وقيل له: أحرام هو؟ قال: " لا " وما عدا هذا مباح (11) ويباح أكل الخيل (12) والضبع لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أذن في لحوم الخيل وسمى الضبع صيدا
[العُدَّة شرح العُمْدة]
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] وهذه من الخبائث، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والفأرة والعقرب والحدأة والكلب العقور» وفي حديث مكان الفأرة الحية، ولو كانت من الصيد المباح لما أبيح قتلها للمحرم؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] ، وقال سبحانه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] وكذلك القنفذ لما روى أبو داود أن أبا هريرة قال: «ذكر القنفذ لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: " هو خبيثة من الخبائث» ".
مسألة 9: (إلا اليربوع) يعني أنه مباح؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حكم فيه بجفرة ولأن الأصل الإباحة ما لم يرد تحريم، وعنه أنه حرام لأنه يشبه الفأر.
مسألة 10: (والضب حلال) لما «روى ابن عباس قال: " دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيت ميمونة فأُتي بضب محنوذ فقيل: هو ضب يا رسول الله، فرفع يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه.
قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينظر» متفق عليه.
«وقال عمر: " إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يحرم الضب ولكنه قذره، ولو كان عندي لأكلته» .
مسألة 11: (ويباح أكل الخيل) لحديث جابر، وقد تقدم.
مسألة 12: (ويباح الضبع) لما «روى جابر قال: " أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأكل الضبع.
قلت: صيد هي؟ قال: نعم» واحتج به الإمام أحمد، وفي لفظ قال: " «سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الضبع فقال: هو صيد، ويجعل فيه كبشًا إذا صاده المحرم» رواه أبو داود.
باب الذكاة يباح كل ما في البحر بغير ذكاة، «لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في البحر: " الحل ميتته» (13) إلا ما يعيش في البر فلا يحل حتى يذكى، إلا السرطان ونحوه (14) ولا يباح من البري شيء بغير ذكاة (15) إلا الجراد وشبهه
[العُدَّة شرح العُمْدة]
باب الذكاة
(يباح كل ما في البحر بغير ذكاة، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» .
مسألة 13: (إلا ما يعيش في البر) من دواب البحر (فلا يباح حتى يذكى) كالطيور والسلحفاة وكلب الماء، قال أحمد: كلب الماء نذبحه، ولا أرى بأسًا بالسلحفاة إذا ذبحت.
وقال: السرطان لا بأس به.
فقيل له: يذبح؟ قال: لا، وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كل شيء في البحر مذبوح» وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله ذبح كل شيء في البحر لابن آدم» وروي نحو ذلك عن أبي بكر.
وقد صح أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوا على ساحل البحر دابة يقال لها العنبر ميتة فأكلوا منها شهرًا وادهنوا حتى سمنوا، ولا يذكى السرطان لأنه ليس له نفس سائلة.
مسألة 14: (ولا يباح من البري شيء بغير ذكاة) لقوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] إلى قوله: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] فيدل ذلك على اشتراط الذكاة في الحل، ولأن غير المذكى يسمى ميتة، والميتة حرام، ولما أباح النبي ميتة البحر دل على تحريم غيرها وأن الذكاة شرط فيها.
مسألة 15: (إلا الجراد وشبهه) فإنه يباح أكله بإجماع أهل العلم، وقد قال عبد الله بن أبي أوفى: «غزونا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سبع غزوات نأكل الجراد» (رواه البخاري) وقد
(16) والذكاة تنقسم ثلاثة أقسام: نحر وذبح وعقر، ويستحب نحر الإبل وذبح ما سواها (17) فإن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر فجائز (18) ويشترط للذكاة كلها ثلاثة شروط: أحدها: أهلية المذكي وهو أن يكون عاقلًا قادرًا على الذبح مسلمًا أو كتابيًا، فأما الطفل والمجنون والسكران والكافر الذي ليس بكتابي فلا تحل ذبيحته الثاني: أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح وإرسال الآلة في الصيد إن كان ناطقا، وإن كان أخرس أشار إلى
[العُدَّة شرح العُمْدة]
قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أحلت لنا ميتتان ودمان» (رواه ابن ماجه) فالميتتان السمك والجراد ولا فرق بين أن يموت بسبب أو غيره لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أحلت لنا ميتتان» ولم يفصل، ولأنه لو افتقر إلى سبب لافتقر إلى ذبح وذابح وآلة كبهيمة الأنعام.
مسألة 16: (والذكاة تنقسم ثلاثة أقسام: نحر وذبح وعقر، ويستحب نحر الإبل وذبح ما سواها) فالنحر هو أن يضربها بحربة أو نحوها في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، وثبت " «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر بدنة وضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده» متفق عليه.
وأما الذبح فهو عبارة عن قطع الودجين والحلقوم والمريء وذلك معلوم في الغنم والبقر والطيور، وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «الذكاة في الحلق واللبة» وروي ذلك عن عمر، رواه سعيد والأثرم وسيأتي ذلك.
وأما العقر فهو في الصيد وما لا يقدر على تذكيته فيرميه بنشابة أو يطعنه برمح في أي موضع اتفق فيحل.
مسألة 17: (فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح فجائز) لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعدي: " «أمر الدم بما شئت» (رواه أبو داود) وقالت أسماء: «نحرنا فرسًا على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأكلناه» (رواه البخاري) ، وعن عائشة قالت: «نحر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حجة الوداع بقرة واحدة» (رواه أبو داود) ولأن ما كان ذكاة في حيوان كان ذكاة بحيوان آخر كسائر الحيوانات.
مسألة 18: (ويشترط للذكاة كلها ثلاثة شروط: أحدها: أهلية المذكي) ولها ثلاثة شروط: الأول: (أن يكون عاقلًا) يعرف الذبح ليقصده، فإن كان لا يعقل كالطفل والمجنون والسكران لم يحل ما ذبحه لأنه لا يصح منه القصد فأشبه ما لو ضرب إنسانًا بسيف فقطع عنق شاة، وكذلك لو وقعت الحديدة بنفسها على عنق شاة فذبحتها لم تحل.
والثاني: أن يكون (قادرًا على الذبح) ليتحقق منه، فلو كان صبيًا أو امرأة صح.
قال
السماء فإن ترك التسمية على الذبيحة عامدا لم تحل (19) وإن تركها ساهيا حلت (20) وإن تركها على الصيد لم يحل عمدا كان أو سهوا
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي.
والثالث: الدين، فيشترط أن يكون (مسلمًا أو كتابيًا) لأن الله سبحانه أحل لنا ما ذكيناه بقوله: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] وأحل طعام أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] معناه: ذبائحهم، كذا فسره العلماء، ولأن المذكاة من جملة الأطعمة.
وأما غير الكتابي كالوثني فلا تحل ذبيحته ولا طعامه.
الشرط (الثاني للذكاة أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح وعند إرسال الآلة في الصيد إن كان ناطقًا، وإن أخرس أشار إلى السماء) فتشترط التسمية في حق كل ذابح مع العمد سواء كان مسلمًا أو كتابيًا لقوله سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] فإن لم يعلم أسمَّى الكتابي أم لا فذبيحته حلال، لأن الله سبحانه أباح لنا أكل ما ذبحه الكتابي وقد علم أننا لا نقف على كل ذابح.
مسألة 19: (وإن ترك التسمية على الذبيحة ساهيًا حلت) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقد روي عن ابن عباس أنه قال: من نسي التسمية فلا بأس.
وروى سعيد قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ذبيحة المسلم حلال وإن له يسم إذا لم يتعمد» وقوله سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] محمول على من ترك عمدًا بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] والناسي ليس بفاسق.
مسألة 20: (وإن تركها على الصيد لم يحل، عمدًا كان أو سهوًا) هذا تحقيق المذهب، ونقل حنبل عن أحمد: إن نسي التسمية على الذبيحة والكلب أكل، قال الخلال: سها حنبل في نقله، فإن في أول مسألته إذا نسي وقتل لم يأكل، ودليل الأولى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] وقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 4] وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل.
قلت: وأرسل كلبي فأجد معه كلبًا آخر؟ قال: لا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره» متفق عليه، وفي لفظ " «إذا خالط كلابًا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل» (رواه البخاري) وفي حديث ثعلبة «ما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل» (رواه مسلم)
الثالث: أن يذكي بمحدد، سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره، إلا السن والظفر، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر» (21) ويعتبر في الصيد أن يصيد بمحدد أو يرسل جارحا فيجرح الصيد، فإن قتل الصيد بحجر أو بندق أو شبكة، أو قتل الجارح الصيد بصدمته أو خنقه أو روعته لم يحل (22) وإن صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده دون ما قتل بعرضه (23) وإن نصب المناجيل للصيد وسمى فعقرت الصيد أو قتلته حل
[العُدَّة شرح العُمْدة]
وقوله: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» يقتضي نفي الإثم لأنه جعل الشرط المعدوم كالموجود، بدليل ما لو نسي شروط الصلاة، والفرق بين الصيد والذبيحة أن الذبح وقع في محله فجاز أن يسامح فيه بخلاف الصيد، والأحاديث بخلاف هذا لا نعلم لها أصلًا.
الشرط (الثالث: أن يذكي بمحدد سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره، إلا السن والظفر لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكله ما لم يكن سنًا أو ظفرًا» متفق عليه.
مسألة 21: (ويعتبر في الصيد أن يصيد بمحدد أو يرسل جارحًا يجرح الصيد) لأن الاصطياد قام مقام الذكاة، والجارح آلة كالسكين، وعقره الحيوان بمنزلة إفراء الأوداج.
قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «فإن أخذ الكلب ذكاته» (رواه البخاري) والصائد بمنزلة المذكي.
وكذلك السهم ينبغي أن يكون محددًا، فإن كان غير محدد كالمصطاح لم يحل، أو قتل بالمعراض فإنه يحل ما أصاب بحده ولا يحل ما أصاب بعرضه لأن هذا كله من الموقوذة (وكذا لو قتل الصيد بحجر أو بندق أو شبكة فمات فيها أو قتل الجارح الصيد بصدمته أو بخنقه أو روعته لم يحل) لأنه موقوذ.
مسألة 22: (وإن صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده، ولم يأكل ما قتل بعرضه) لذلك.
مسألة 23: (وإن نصب المناجل للصيد وسمى فعقرت الصيد أو قتلته حل) لأنه قتل الصيد بحديدة على الوجه المعتاد فأشبه ما لو رماه بها، ولأنه قصد قتل الصيد بما قد
فصل: ويشترط في الذبح والنحر خاصة شرطان: أحدهما أن يكون في الحلق واللبة فيقطع الحلقوم والمريء وما لا تبقى الحياة مع قطعه، الثاني: أن يكون في المذبوح حياة يذهبها الذبح، فإن لم يكن فيه إلا كحياة المذبوح وما أبينت حشوته لم يحل بالذبح ولا النحر، وإن لم يكن كذلك حل لما «روى كعب قال: كانت لنا غنم ترعى بسلع فأبصرت
[العُدَّة شرح العُمْدة]
جرت العادة بالصيد به أشبه ما ذكرناه، ولأن التسبب جرى مجرى المباشرة في الضمان فكذلك في الصيد، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «كلْ ما ردت عليك يدك» (رواه أبو داود) .
فصل فيما يشترط في الذبح والنحر
فصل: ويشترط في الذبح والنحر خاصة شرطان: أحدهما: أن يكون في الحلق واللبة فيقطع الحلقوم والمريء وما لا تبقى الحياة مع قطعه) فيعتبر في الذكاة قطع الحلقوم والمريء، ويكفي ذلك فيهما، وعن الإمام أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى أنه يعتبر مع هذا قطع الودجين، لما روى أبو هريرة قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الأوداج ثم يترك حتى يموت» رواه أبو داود.
ودليل الأولى أنه قطع ما لا تبقى الحياة مع فقده في محل الذبح فأجزأ كما لو قطع الودجين، فأما الحديث فمحمول على من لم يقطع المريء.
فإذا ثبت هذا فالكمال أن يقطع الأربعة: الحلقوم وهو مجرى النفس، والمريء وهو مجرى الطعام والشراب، والودجين وهما عرقان محيطان بالحلقوم لأنه أعجل لخروج روح الحيوان فيخف عليه فيكون أولى.
الشرط (الثاني: أن يكون في المذبوح حياة يذهبها الذبح، فإن لم يكن فيه إلا كحياة المذبوح وما أبينت حشوته لم يحل بالذبح ولا النحر) لأن هذا قد صار في حكم الميت، ولهذا لو أبان رجل حشوة إنسان فضرب الآخر عنقه كان القاتل الأول.
ولو ذبح الشاة بعد ذبح المجوسي لم تحل، (وإن لم يكن كذلك حل) بالذبح، يعني بذلك أن يدركها وفيها حياة بحيث إذا ذبحها يكون الذبح هو الذي قتلها لقوله سبحانه: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] ، وفي
جارية لنا شاة موتى فكسرت حجرا فذبحتها به، فسئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك فأمر بأكلها» (24) وأما العقر فهو القتل بجرح في غير الحلق واللبة، ويشرع في كل حيوان معجوز عنه من الصيد والأنعام، لما «روى أبو رافع أن بعيرا ند فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " وإن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم
[العُدَّة شرح العُمْدة]
حديث «جارية كعب أنها أصيبت شاة من غنمها فأدركتها فذبحتها بحجر، فسئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: " كلوها» (رواه البخاري) سواء كانت قد انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش لعموم الآية والخبر وكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يسأل ولم يستفصل، وقال الإمام أحمد في بهيمة عقرت بهيمة حتى تبين فيها آثار الموت إلا أن فيها الروح، فقال: إذا مصعت بذنبها أو طرفت بعينها وسال الدم فأرجو إن شاء الله أن لا يكون بأكلها بأس، وسئل الإمام أحمد عن شاة مريضة خافوا عليها الموت فذبحوها فلم يعلم منها أكثر من أنها طرفت بعينها أو حركت يدها أو رجلها أو ذنبها بضعف فنهر الدم، قال: فلا بأس، وقال بعض أصحابنا: إذا انتهت إلى حد لا تعيش معه لم تبح بالذكاة، ونص عليه الإمام إذا شق الذئب بطنها فخرج قصبها فذبحها لا تؤكل، وقال: إن كان يعلم أنها تموت من عقر السبع فلا تؤكل وإن ذكاها، وقد يخاف على الشاة الموت من العلة والشيء يصيبها فبادرها فذبحها فيأكلها، وليس هذا مثل هذه، ولا ندري لعلها تعيش، والتي خرجت أمعاؤها قد علم أنها لا تعيش، وقال شيخنا: والأول أصح لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - انتهى به الجرح إلى حد علم أنه لا يعيش فصحت وصاياه ووجبت عليه العبادة، ولأن ما ذكرناه فيما قبل يرد هذا، قال: وما رويناه عن الإمام أحمد فالصحيح أنها إذا كانت تعيش زمانًا يكون الموت بالذبح أسرع منه حلت بالذبح.
والله أعلم.
مسألة 24: (وأما العقر فهو الجرح في غير الحلق واللبة، وشرع في كل حيوان معجوز عنه من الصيد والأنعام، لما «روى رافع بن خديج - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فند بعير، وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا»
منها فاصنعوا به هكذا» (25) ولو تردى بعير في بئر فتعذر نحره فجرح في أي موضع من جسده فمات به حل أكله
[العُدَّة شرح العُمْدة]
متفق عليه.
وحرن ثور في بعض دور الأنصار فضربه رجل بالسيف وذكر اسم الله عليه، فسأل عنه عليا فقال: ذكاة وجبت، فأمرهم بأكله.
وتردى بعير في بئر فذكي من قبل شاكلته فبيع بعشرين درهمًا فأخذ ابن عمر عشرة بدرهمين، رواه سعيد، ولأنه حيوان غير مقدور على تذكيته فأشبه الوحشي.
مسألة 25: (ولو تردى بعير في بئر فتعذر نحره فجرح في أي موضع من جسده فمات حل أكله) لذلك.
كتاب الصيد (1) كل ما أمكن ذبحه من الصيد لم يبح إلا بذبحه (2) وما تعذر ذبحه فمات بعقره حل بشروط ستة، ذكرنا منها ثلاثة في الذكاة) (والرابع: أن يكون الجارح الصائد معلمًا (3) وهو ما يسترسل إذا أرسل ويجيب إذا دعي
[العُدَّة شرح العُمْدة]
كتاب الصيد مسألة 1: (كل ما أمكن ذبحه من الصيد لم يبح إلا بذبحه) وقد سبق ذكر المعجوز عن تذكيته فأما المقدور عليه فلا يباح إلا بالذبح بلا خلاف بين أهل العلم، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث عدي: «فإن أدركته حيًا فاذبحه» .
مسألة 2: (وما تعذر ذبحه فمات بعقره حل بشروط ستة، ذكرنا منها ثلاثة في الذكاة) وقد مضى تعليلها (والرابع: أن يكون الجارح الصائد معلمًا) ولا خلاف في اعتبار هذا الشرط، والأصل فيه قوله سبحانه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] ، «وروى أبو ثعلبة الخشني قال: أتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت: يا رسول الله، أنا بأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم، فأخبرني ما يصلح لي؟ قال: " أما ما ذكرت أنكم بأرض صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل» متفق عليه.
مسألة 3: (ويعتبر في تعليمه ثلاثة شروط: إذا أرسله استرسل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك لم يأكل) إذا كان كلبًا أو فهدًا ويتكرر هذا منه مرة بعد أخرى حتى يصير معلمًا في حكم العرف.
ولا يعتبر ترك الأكل في الطائر، لأن تعليمه بأن يأكل عند أهل العرف بذلك، فإن أكل غير الطائر من الصيد لم يبح في إحدى الروايتين، والثانية يباح، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة لعموم قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] وعن أبي ثعلبة:
ويعتبر في الكلب والفهد خاصة أنه إذا أمسك لم يأكل، ولا يعتبر ذلك في الطائر الثاني: أن يرسل الصائد الآلة، فإن استرسل الكلب بنفسه لم يبح صيده الثالث: أن يقصد الصيد، فإن أرسل سهمه ليصيب به غرضا أو كلبه ولا يرى صيدا فأصاب صيدا لم يبح (4) ومتى شارك في الصيد ما لا يباح قتله مثل أن يشارك كلبه أو سهمه كلب أو سهم لا يعلم مرسله أو لا يعلم أنه سمي عليه
[العُدَّة شرح العُمْدة]
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، وإن أكل» ذكره الإمام أحمد وأخرجه أبو داود، ودليل الرواية الأولى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في حديث عدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك، قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» متفق عليه.
وأما الآية فإنها تتناول ما أمسك علينا، وهذا إنما أمسك على نفسه.
وحديث أبي ثعلبة قال الإمام أحمد: يختلفون فيه عن هشيم، وعلى أن حديث عدي أصح لأنه متفق عليه، وعدي بن حاتم أضبط ولفظه أبين، لأنه ذكر الحكم والعلة، قال أحمد: حديث الشعبي عن عدي من أصح ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الشعبي يقول: كان جاري وربيطي فحدثني، والعمل عليه.
(الثاني: وهو الخامس، أن يرسل الصائد المصيد فإن استرسل بنفسه فقتل لم يبح صيده) لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل» ولأن إرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح، ولهذا اعتبرت التسمية معه.
(الثالث: وهو السادس، أن يقصد الصيد، فإن أرسل سهمه ليصيب به غرضًا ولا يرى صيدًا فأصاب صيدًا لم يبح) لأنه لم يقصد برميه عينًا فأشبه من نصب سكينًا فانذبحت بها شاة.
مسألة 4: (ومتى شارك في الصيد ما لا يباح قتله، مثل أن يشارك كلبه أو سهمه كلب أو سهم لا يعلم مرسله أو لا يعلم أنه سمي عليه لم يبح) لما «روي أن عديًا قال: سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت: إني أرسل كلبي فأجد معه كلبًا آخر، قال: " لا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر» (رواه البخاري) وفي لفظ «فإن وجدت مع كلبك كلبًا آخر فخشيت أن يكون أخذ معه وقد قتله فلا تأكله فإنما ذكرت اسم
(5) أو رماه بسهم مسموم يعين على قتله أو غرق في ماء أو وجد به أثرا غير أثر السهم أو الكلب يحتمل أنه مات لم يحل، لما روى عدي بن حاتم أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فأمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب له ذكاة، فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره، وإذا أرسلت سهمك فاذكر اسم الله عليه، وإن غاب عنك يوما أو يومين ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكله إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو قتله سهمك» باب المضطر (6) ومن اضطر في مخمصة فلم يجد إلا محرما فله أن يأكل منه ما يسد رمقه
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الله على كلبك» ، وفي لفظ " «فإنك لا تدري أيهما قتل» أخرجه البخاري، ولأنه شك في وجود الاصطياد المباح فوجب إبقاء حكم التحريم، وكذلك الحكم في سهمه إذا وجد معه سهمًا آخر وقد قتل لا يباح لأنه إنما ذكر اسم الله على سهمه ولم يذكره على سهم غيره.
والحديث حجة فيهما جميعًا.
وفي بعض ألفاظ حديث عدي: «فإن لم تجد فيه إلا أثر سهمك فكله إن شئت» مفهومه أنه إن وجد فيه أثر غيره لا يأكله.
مسألة 5: (وإن رماه بسهم مسموم يعين على قتله) ويحتمل أنه مات به لم يحل، لأن قتله بالسهم المسموم حرام، وقتله بالسهم مباح، فقد اشتبه المحظور بالمباح فيحرم، كما لو مات بسهم مجوسي ومسلم (وإن رماه فغرق في ماء) يحتمل أنه مات بذلك (حرم) لأن في بعض ألفاظ حديث عدي: «وإن وجدته غريقًا في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» (رواه مسلم) .
باب المضطر (ومن اضطر في مخمصة فلم يجد إلا محرمًا فله أن يأكل منه ما يسد به رمقه) أجمع العلماء على إباحة الأكل من الميتة للمضطر، وكذلك سائر المحرمات التي لا تزيل العقل.
والأصل فيه قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] ويباح له أكل ما يسد به الرمق ويأمن معه
(6) وإن وجد متفقًا على تحريمه ومختلفا فيه أكل من المختلف فيه (7) فإن لم يجد إلا طعامًا لغيره به مثل ضرورته لم يبح له أخذه (8) وإن كان مستغنيًا عنه أخذه منه بثمنه
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الموت بالإجماع، ويحرم عليه ما زاد على الشبع بالإجماع، وفي الشبع روايتان: أحدهما: لا يباح، والثانية: يحل له الشبع، اختارها أبو بكر لما روى جابر بن سمرة «أن رجلًا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة فقال: اسلخها حتى نقدد لحمها وشحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا.
قال: فكلوها» ولم يفرق، رواه أبو داود.
ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح، ودليل الأولى أن الآية الكريمة دلت على تحريم الميتة ثم استثنى منها ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل كحالة الابتداء، ولأنه بعد سد الرمق غير خائف للتلف فلم يجز له الأكل كغير المضطر، يحققه أنه بعد سد الرمق كهو قبل أن يضطر وثَمّ لم يبح له الأكل، هكذا هنا.
إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف منها التلف إن ترك الأكل، قال الإمام أحمد: إذا كان يخشى على نفسه أن يتلف، سواء كان من جوع أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة أو يعجز عن الركوب فيهلك.
مسألة 6: (وإن وجد متفقًا على تحريمه ومختلفًا فيه أكل من المختلف فيه) لأنه أخف تحريمًا، كالخنزير متفق على تحريمه والثعلب مختلف فيه والقنفذ وما شاكل ذلك.
مسألة 7: (فإن لم يجد إلا طعامًا لغيره به مثل ضرورته لم يبح له أخذه) لأن صاحب الطعام ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة.
مسألة 8: (وإن كان مستغنيًا عنه أخذه منه بثمنه) لأنه أمكن الوصول إليه برضا صاحبه، قال القاضي: فإن لم يبعه إلا بأكثر من ثمن مثله فاشتراه بذلك لم يلزمه إلا بثمن مثله لأنه صار مستحقًا له بقيمته، فإن كان العوض معه دفعه إليه وإلا بقي في ذمته، ولا يباح للمضطر من مال غيره إلا ما يباح له من الميتة، «قال أبو هريرة: " قلنا: يا رسول الله ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه؟ قال: يأكل ولا يحمل، ويشرب ولا يحمل» .
(9) فإن منعه منه أخذه قهراً وضمنه له متى قدر، فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه، وإن قتل المانع فلا ضمان فيه (10) ولا يباح التداوي بمحرم (11) ولا شرب الخمر لمن عطش (12) ويباح دفع الغصة بها إذا لم يجد مائعًا غيرها باب النذر من نذر طاعة لزمه فعلها لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة 9: (فإن منعه منه أخذه قهرًا وضمنه له متى قدر) على مثله أو قيمته، وذلك لأن صاحب الطعام إذا كان مستغنيًا عنه لزمه بذله للمضطر، لأنه يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم، فلزمه بذله له كما يلزمه بذل منافعه في تخليصه من الغرق والحرق، فإن لم يبذله له فللمضطر أخذه منه قهرًا لأنه مستحق له دون مالكه فجاز له أخذه كعين ماله، فإن احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه (فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى الآخر ضمانه) بالقصاص أو الدية (وإن آل آخذه إلى قتل مالكه فهو هدر) كما قلنا في الصائل إذا قتله المصول عليه دفعًا عن نفسه ولم يمكنه دفعه إلا بالقتل.
مسألة 10: (ولا يباح التداوي بمحرم) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لا شفاء لأمتي فيما حرم عليها» رواه الإمام أحمد في كتاب الأشربة ولفظه: «إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء» .
مسألة 11: (ولا يجوز شرب الخمر من عطش) لأنه لا يروي.
مسألة 12: (ويباح دفع الغصة بها إذا لم يجد مائعًا غيرها) لأنه حالة ضرورة، إذ لو لم يفعل ذلك لخاف الموت لأنها تقتل صاحبها.
باب النذر
1 والأصل في النذر الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] ، وأما السنة فما روت عائشة قالت: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» أخرجه البخاري، وأجمع المسلمون على
« (13) من نذر أن يطيع الله فليطعه» فإن كان لا يطيقها - كشيخ نذر صياما لا يطيقه - فعليه كفارة يمين لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نذر نذرا لا يطيقه فكفارته يمين» (14) ومن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لم يجزه المشي إلا في حج أو عمرة، فإن عجز عن المشي
[العُدَّة شرح العُمْدة]
صحة النذر في الجملة، وهو غير مستحب لأن ابن عمر روى «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه نهى عن النذر وقال: " إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» متفق عليه.
مسألة 13: (ومن نذر أن يطيع الله فليطعه) لحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، (فإن كان لا يطيق - كشيخ كبير نذر صيامًا لا يطيقه - فعليه كفارة يمين) لما «روى عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فاستفتيته فقال: " لتمش ولتركب» متفق عليه، ولأبي داود: " ولتكفر يمينها " وللترمذي: " ولتصم ثلاثة أيام ". قال ابن عباس: من نذر نذرًا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا يطيقه فليف لله بما نذر، فإذا كفَّر فهل يلزمه مع الكفارة إطعام؟ على روايتين: إحداهما: لا يلزمه، لأن الكفارة إنما وجبت لترك الفعل، فلو أوجبنا فدية عن الصيام لجمعنا بين كفارتين، ولأنه لو نذر ما لا يطيقه غير الصوم لم يلزمه أكثر من كفارة كذا هاهنا.
والثانية: يلزمه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا كما قلنا في رمضان إذا عجز عن صيامه.
والأول أصح وأقيس، لأن موجب النذر اليمين واليمين إنما لها كفارة واحدة.
مسألة 14: (ومن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لم يجزه المشي إلا في حج أو عمرة) لأن المشي المعهود في الشرع إلى البيت هو المشي في حج أو عمرة، فإذا أطلق الناذر حمل على المعهود الشرعي، ويلزمه المشي لأن المشي إلى العبادة أفضل، ولهذا روي «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أنه لم يركب في عيد ولا جنازة قط» فإذا ثبت هذا فإنه إن أتى البيت ماشيًا فقد وفى بنذره (وإن عجز عن المشي ركب) وكفر كفارة يمين، لحديث عقبة بن عامر وقد سبق، وروى عقبة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كفارة النذر كفارة يمين» رواه
ركب (15) وإن نذر صوما متتابعا فعجز عن التتابع صام متفرقا وكفر (16) وإن ترك التتابع لعذر في أثنائه خير بين استئنافه وبين البناء والتكفير (17) وإن تركه لغير عذر وجب استئنافه (18) وإن نذر معينا فأفطر في بعضه أتمه وقضى وكفر بكل حال
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسلم وعنه رواية أخرى يلزمه دم لأن «ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - روى أن أخت عقبة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام فأمرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تركب وتهدي هديًا» ، وفيه ضعف، والصحيح الأول لما سبق، ولأن المشي مما لا يوجبه الإحرام فلم يجب الدم بتركه كما لو نذر صلاة ركعتين فلم يصلهما.
فإن قيل: خبر عقبة ليس فيه ذكر عجز أخته، قلنا: يجوز أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علم عجزها لمعرفته بحالها، أو من حيث إن الظاهر من حال المرأة أنها لا تطيق المشي في الحج كله، أو ذكر له ذلك فلم ينقل.
ودليل هذا التأويل أن المشي قربة والقربة تلزم بالنذر فلا يجوز أن يأمرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتركه من غير عذر.
مسألة 15: (وإن نذر شهرًا متتابعًا فعجز عن التتابع صام متفرقًا وكفّر) لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أخت عقبة بن عامر بالكفارة لعجزها عن المشي، لأن النذر كاليمين، ولو حلف ليصومن متتابعًا فأخل به لزمته الكفارة.
مسألة 16: (وإن ترك التتابع في أثنائه لعذر) من مرض أو حيض (خير بين استئنافه) ولا شيء عليه لأنه أتى بما نذره على وجهه (وبين أن يبني على صيامه ويكفر) لأن الكفارة تلزم لتركه المنذور، وإنما جوزنا له البناء هاهنا لأن الفطر لعذر لا يقطع التتابع حكمًا بدليل أنه لو أفطر في صيام الشهرين المتتابعين من غير عذر كان له البناء، وإن كان العذر يبيح الفطر كالسفر فهل يقطع التتابع؟ فيه وجهان: أحدهما: يقطعه لأنه يفطر باختياره، والثاني: لا يقطعه لأنه عذر في الفطر في رمضان فأشبه المرض.
مسألة 17: (وإن تركه لغير عذر وجب استئنافه) ولا كفارة عليه لأنه ترك التتابع المنذر لغير عذر مع إمكان الإتيان به فلزمه كما لو نذر صومًا معينًا فصام قبله.
مسألة 18: (وإن نذر صيامًا معينًا فأفطر في بعضه أتمه وقضى وكفر بكل حال) سواء أفطر لعذر أو لغير عذر ولا يلزمه الاستئناف، نص عليه الإمام أحمد، ولكنه يقضي ما تركه لأنه واجب بالنذر فلزمه قضاؤه كالواجب بالشرع، ويكفر لأنه فات عليه ما نذره
(19) وإن نذر رقبة فهي التي تجزئ عن الواجب إلا أن ينوي رقبة بعينها (20) ولا نذر في معصية ولا مباح
[العُدَّة شرح العُمْدة]
فلزمته الكفارة لأنه كاليمين، والمذهب أنه إن تركه لغير عذر لزمه الاستئناف والكفارة لأنه صوم يجب متتابعًا بالنذر فأبطله الفطر لغير عذر كما لو شرط التتابع.
وذكر أبو الخطاب رواية أنه لا كفارة عليه إذا تركه لعذر لأن المنذور محمول على المشروع.
ولو أفطر في رمضان لعذر لم يلزمه شيء.
ولنا أنه فات عليه ما نذره فلزمته الكفارة بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأخت عقبة: «لتركب وتكفر يمينها» وفارق رمضان فإنه لو أفطر لغير عذر لم يكن عليه كفارة إلا في الجماع.
مسألة 19: (ومن نذر رقبة فهي التي تجزئ عن الواجب إلا أن ينوي رقبة بعينها) يعني لا يجزيه إلا رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل، وهي التي تجزئ في الكفارة؛ لأن النذر المطلق يحمل على المعهود في الشرع والواجب بأصل الشرع كذلك، وفي وجه لأصحاب الشافعي يجزيه أي رقبة كانت، لأنه نوى بلفظه ما يحتمله (فأما إن نوى رقبة بعينها تعينت) بنذره كما لو نذر صوم يوم بعينه.
مسألة 20: (ولا نذر في معصية) ولا يحل الوفاء به إجماعًا لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ويجب عليه كفارة يمين، روي ذلك عن جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وعنه ما يدل على أنه لا كفارة عليه، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لا نذر في معصية الله ولا في ما لا يملك العبد» رواه مسلم، وقال: " «ليس على الرجل نذر فيما لا يملك» متفق عليه، وقال: " «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى» رواه أبو داود، ولم يأمر بكفارة، ولأن النذر التزام الطاعة وهذا التزام معصية.
ولأنه نذر غير منعقد فلم يوجب شيئًا كاليمين غير المنعقدة.
ووجه الأولى ما روت
(21) ولا فيما يملك ابن آدم (22) ولا فيما قصد به اليمين لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» وقال: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله سبحانه» (23) وإن جمع في النذر بين الطاعة وغيرها فعليه الوفاء بالطاعة وحدها لما روى ابن عباس قال: «أبصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلاً قائما فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال: " مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه»
[العُدَّة شرح العُمْدة]
عائشة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين» رواه الإمام أحمد وأبو داود، وقال الترمذي: هو حديث غريب.
وفي حديث عمران «وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه وتكفيره ما يكفر اليمين» (رواه أبو داود) . وأما ما سبق من الأحاديث فمعناها لا يوفي بالنذر في معصية الله، وإن لم يبين الكفارة فيها فقد بينها هاهنا (ولا نذر في مباح) كمن نذر أن يلبس ثوبه أو يركب دابته فالناذر مخير بين فعله فيبر، وبين تركه ويكفر كاليمين على ذلك، ويتخرج في المذهب أن لا ينعقد هذا النذر ولا كفارة عليه بتركه، وهو مذهب الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى» ولم يذكر كفارة.
مسألة 21: (ولا نذر فيما لا يملك ابن آدم) لما سبق.
مسألة 22: (ولا نذر فيما قصد به اليمين) وهو نذر اللجاج، وسيأتي في باب الأيمان إن شاء الله تعالى.
مسألة 23: (وإن جمع في النذر بين الطاعة وغيرها فعليه الوفاء بالطاعة وحدها لما روى ابن عباس، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «بينا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس " ولا يقعد " ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه» رواه البخاري.
(24) وإن قال: لله علي نذر، لم يسمه فعليه كفارة يمين
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة 24: (وإن قال: لله علي نذر ولم يسمه فعليه كفارة يمين) ويسمى النذر المبهم، فيه كفارة يمين في قول أكثرهم، وقد روي عن جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولا نعلم فيها مخالفًا إلا الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لا ينعقد نذره ولا كفارة عليه.
ولنا ما روى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وهذا نص، وهو قول جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -، ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفًا فكان إجماعًا.
كتاب الأيمان ومن حلف أن لا يفعل شيئًا ففعله أو ليفعلنه في وقت فلم يفعله فيه فعليه كفارة يمين (1) إلا أن يقول: إن شاء الله متصلاً بيمينه
[العُدَّة شرح العُمْدة]