العدة شرح العمدةكتاب اللعان
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب اللعان

عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، بهاء الدين
الكتاب
العدة شرح العمدة
المؤلف
عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي (المتوفى: 624هـ)
الناشر
دار الحديث، القاهرة
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1424هـ 2003 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] عمدة الفقه بأعلى الصفحة، يليه - مفصولا بفاصل - شرح بهاء الدين المقدسي

1

كتاب اللعان (1) إذا قذف الرجل امرأته البالغة العاقلة الحرة العفيفة المسلمة بالزنا لزمه الحد إن

[العُدَّة شرح العُمْدة]

كتاب اللعان وهو مشتق من اللعن، لأن كل واحد منهما يلعن نفسه في الخامسة، واللعنة الطرد والإبعاد، والأصل فيه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: 6] الآيات، وروى سهل بن سعد «أن عويمر العجلاني أتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل يا رسول الله؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما فرغا قال عويم: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» متفق عليه، وحديث ابن عباس في لعان هلال بن أمية رواه أبو داود.

مسألة 1: إذا قذف الرجل امرأته البالغة العاقلة الحرة المسلمة العفيفة بالزنا لزمه الحد إن لم يلاعن هذه الشروط هي شروط لوجوب الحد بالقذف فإنه لا يجب إلا باجتماعها، فلو قذفها وهي صغيرة أو مجنونة أو كافرة أو فاسقة لم يجب عليه الحد، لأن الحد لا يجب إلا بقذف المحصن.
وشروط الإحصان خمسة: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة، وأن يكون كبيرًا يجامع مثله.
وهذا إجماع وبه يقول جملة العلماء قديمًا وحديثًا، إلا داود فإنه أوجب الحد على قاذف العبد، وابن المسيب وابن أبي ليلى قالا: إذا قذف ذمية لها ولد مسلم يحد، والأول أصح، لأن من لا يحد قاذفه إذا لم يكن له ولد لا يحد وله ولد كالمجنونة.
وفي اشتراط البلوغ عن الإمام أحمد روايتان:

لم يلاعن (2) وإن كانت ذمية أو أمة فعليه التعزير إن لم يلاعن

[العُدَّة شرح العُمْدة]

إحداهما: يشترط لأنه أحد شرطي التكليف فأشبه العقل، ولأن زنا الصبي لا يوجب حدًا فلا يجب الحد بالقذف به كزنا المجنون، والأخرى: لا يشترط لأنه حر عاقل عفيف يتغير بهذا القول الممكن صدقه، أشبه الكبير، فعلى هذه الرواية لا بد أن يكون الكبير، يجامع مثله، وأدناه عشر سنين للغلام، وللجارية تسع.
وللعان شروط لا يصح إلا بها: الأول: أن يكون من زوجين عاقلين بالغين، سواء كانا مسلمين أو كتابيين أو رقيقين أو فاسقين، أو كان أحدهما كذلك في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: لا يصح إلا من زوجين مسلمين حرين عدلين لأن اللعان شهادة بقوله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: 6] وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] وإن كانت المرأة ممن لا يحد بقذفها لم يجب اللعان، لأنه يراد لإسقاط الحد ولا حد هاهنا فينتفي اللعان.
ودليل الأولى عموم قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الآية، ولأن اللعان يمين فلا يفتقر إلى ما شرطوه كسائر الأيمان، ودليل أنه يمين قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» (رواه البخاري) وأنه يفتقر إلى اسم الله تعالى، ويستوي فيه الذكر والأنثى.
وأما تسميته شهادة فلقوله في يمينه أشهد بالله، فسمي شهادة وإن كان يمينًا، كما قال الله سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: 1] ، ولأن الزوج يحتاج إلى نفي الولد فشرع له طريق إلى نفيه كما لو كانت زوجته ممن لا يحد بقذفها.
الشرط الثاني: أن يقذفها بالزنا لقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الآية يعني بالزنا، وهذا رام لزوجته.
الشرط الثالث: أن تكذبه زوجته ويستمر ذلك إلى انقضاء اللعان؛ لأن الملاعنة لا تنتظم إلا من الزوجين، وإن لم تكذبه ولم تلاعنه فلم يصح اللعان.

مسألة 2: (وإن كانت زوجته ذمية أو أمة فعليه التعزير إن لم يلاعن) لأن الإسلام والحرية من شرائط القذف الموجب للحد ولم يوجدا، وإنما يجب عليه التعزير، وله

(3) ولا يعرض له حتى تطالبه (4) واللعان أن يقول بحضرة الحاكم أو نائبه: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به امرأتي هذه من الزنا، ويشير إليها، فإن لم تكن حاضرة سماها ونسبها، ثم يوقف عند الخامسة فيقال له: اتق الله فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فإن أبى إلا أن يتم فليقل: وإن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميت به امرأتي هذه من الزنا، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، ثم توقف عند الخامسة تُخَوَّف كما يخوف الرجل، فإن أبت إلا أن تتم فلتقل: وإن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به زوجي هذا من الزنا، ثم يقول الحاكم: قد فرقت بينكما، فتحرم عليه تحريما مؤبدا

[العُدَّة شرح العُمْدة]

إسقاطه باللعان كما له إسقاط الحد باللعان، وشرع اللعان هاهنا لإسقاط التعزير ولنفي الولد إن كان ثَمّ ولد.

مسألة 3: (ولا يعرض له حتى تطالبه زوجته) يعني: لا يعرض للزوج بإقامة الحد عليه ولا طلب اللعان منه حتى تطالبه زوجته بذلك، لأن ذلك حق لها فلا يقام من غير طلبها كسائر حقوقها.

مسألة 4: (وصفة اللعان أن يبدأ الزوج فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به امرأتي هذه من الزنا، ويشير إليها، وإن لم تكن حاضرة سماها ونسبها، حتى يكمل ذلك أربع مرات، ثم يوقف عند الخامسة فيقال له: اتق الله فإنها الموجبة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فإن أبى إلا أن يتم فليقل: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميت به امرأتي هذه من الزنا.
ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، ثم توقف عند الخامسة وتخوف كما خُوّف الرجل، فإن أبت إلا أن تتم فلتقل: وإن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به زوجي هذا من الزنا ثم يقول الحاكم: قد فرقت بينكما، فتحرم عليه تحريمًا مؤبدًا) ودليل هذا قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الآيات، ولما روى ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أرسلوا إليها، فجاءت، فقال لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة قال له: اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا

(5) وإن كان بينهما ولد فنفاه انتفى عنه - سواء كان حملًا أو مولودًا - ما لم يكن أقر به (6) أو وجد منه ما يدل على الإقرار، لما روى ابن عمر «أن رجلا لاعن امرأته وانتفى من ولدها ففرق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما وألحق الولد بالأم»

[العُدَّة شرح العُمْدة]

يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم شهدت مثله، وقيل لها مثله، ففرق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما» .

مسألة 5: (وإن كان بينهما ولد فنفاه انتفى عنه) لما روى ابن عمر «أن رجلًا لاعن امرأته فانتفى من ولدها ففرق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما وألحق الولد بالأم» (رواه أبو داود) (وسواء كان حملًا أو مولودًا) وقال أبو بكر: ينتفي عنه الولد بزوال الفراش وإن لم يذكره في لعانه، وكذلك حملها ينتفي وإن لم يذكره، واشترط الخرقي في نفي الولد أن ينفيه في اللعان فإن لم يذكره أفاد اللعان لأنه لم ينتف باللعان الأول، وهو اختيار القاضي، لأن من سقط حقه باللعان كان ذكره فيه شرطًا كالزوجة، واشترط الخرقي أيضًا في الحمل أن لا ينتفي حتى ينفيه وضعها له ويلاعن وينفي الولد في اللعان، لأن الحمل غير مستيقن لجواز أن يكون ريحًا فيصير نفيه مشروطًا بوجوده.
ولا يصح تعليق اللعان بشرط نفي الولد، ودليل الأول «أن هلال بن أمية لاعن زوجته وهي حامل فلم ينقل عنه تعرض للحمل بنفي ولا غيره، فنفاه عنه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . قال ابن عبد البر: الآثار الدالة على هذا كثيرة، وأوردها، ولأن الحمل مظنون بأمارات ظاهرة تدل عليه، ولهذا ثبت للحامل أحكام تخالف فيما للحامل من النفقة والفطر في الصيام وغير ذلك، ويصح استلحاق الحمل فكان كالولد بعد وضعه، وهذا أقرب إلى الصواب لموافقته الأحاديث، فإن هلالًا لاعن امرأته وهي حامل، ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «انظروها فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال، وإن جاءت به كذا وكذا فهو الذي رميت به» (رواه أبو داود) ولم يعد لعانها عند وضعه إذ يبعد أن يكون أعاد لعانها فلم ينقل.

مسألة 6: (فإن أقر بالولد أو وجد منه ما يدل على الإقرار به لم يكن له نفيه بعد ذلك) لأنه أقر لولده بحق فلم يكن له جحده كما لو بانت منه، وإن أقر بتوأمه كان إقرارًا بالآخر إذ لا يمكن أن يعلم الذي له منها، فإذا نفى الآخر كان رجوعًا عن إقراره فلا يقبل،

فصل: ومن ولدت امرأته أو أمته التي أقر بوطئها ولدًا يمكن كونه منه لحقه نسبه، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (7) ولا ينتفي ولد المرأة إلا باللعان ولا ولد الأمة إلا بدعوى عدم استبرائها (8) وإن لم يمكن كونه منه مثل أن تلد أمته لأقل من ستة أشهر منذ وطئها، أو امرأته لأقل من ذلك منذ أمكن اجتماعهما، ولو كان الزوج ممن لا يولد لمثله - كمن له دون عشر سنين، أو الخصي المجبوب - لم يلحقه

[العُدَّة شرح العُمْدة]

وإن هنئ به فسكت كان إقرارًا به، وكذا إن هنئ به فأمن على الدعاء أو قال: رزقك الله مثله لزمه الولد، لأن ذلك جواب الراضي في العادة.

فصل فيما إذا ولدت امرأته أو أمته التي أقر بوطئها

(فصل: ومن ولدت امرأته أو أمته التي أقر بوطئها ولدًا يمكن كونه منه) بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر من حين وطئها (لحقه نسبه، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» متفق عليه.

مسألة 7: (ولا ينتفي ولد المرأة إلا باللعان) لما سبق (ولا ولد الأمة إلا بدعوى عدم استبرائها) فلو أراد نفيه باللعان لم يجز لأن اللعان لا يكون إلا بين زوجين، ولا ينتفي عنه ولدها إلا أن يدعي استبراءها بعد وطئه، فإن ادعى ذلك فالقول قوله وينتفي ولدها عنه؛ لأن الولد لا يلحق إلا بعد الاستبراء كما لا يلحق ولد الزوجة بالزوج بعد قضاء عدتها، ويقوم ذلك مقام اللعان في نفي الولد، وهل يحلف؟ على وجهين: أحدهما: لا يحلف لأنه أمر لا يقضى فيه بالنكول، والثاني: يحلف لاحتمال أن يكون كاذبًا في دعواه فيستحلف كما في غيره من الدعاوى.

مسألة 8: (وإن لم يمكن كونه منه مثل أن تلد أمته لأقل من ستة أشهر منذ وطئها أو امرأته لأقل من ذلك منذ أمكن اجتماعهما) أو لأكثر من أربع سنين منذ أبانها لم يلحق بالزوج لأننا علمنا أنها علقت به قبل النكاح ولا يحتاج إلى نفيه باللعان لأن اللعان يمين واليمين جعلت لتحقيق أحد الجائزين أو نفي أحد المحتملين، وما لا يجوز لا يحتاج إلى نفيه (وكذلك إذا كان الزوج ممن لا يولد لمثله كمن له دون عشر سنين) إذا أتت زوجته بولد لم يلحقه نسبه لأنه لم يوجد ولد لمثله ولا يمكنه الوطء، (وإن ولدت زوجة

فصل: وإذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد بشبهة أو وطئ رجلان شريكان أمتهما في طهر واحد فأتت بولد، أو ادعى نسب مجهول النسب رجلان أري القافة معهما أو مع أقاربهما فألحق بمن ألحقوه منهما، فإن ألحقوه بهما لحق بهما (9) وإن أشكل أمره أو تعارض أمر القافة أو لم يوجد قافة ترك حتى يبلغ فيلحق بمن انتسب إليه منهما (10) ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون عدلًا مجربًا في الإصابة

[العُدَّة شرح العُمْدة]

المجبوب المقطوع الذكر والخصيتين لم يلحق به) ولا يحتاج إلى نفيه باللعان لأنه يستحيل أن ينزل مع قطعهما فلا يكون الولد منه فلا يحتاج إلى نفيه لما سبق.

فصل إذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد بشبهة

(فصل: وإذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد بشبهة أو وطئ الشريكان أمتهما في طهر واحد فأتت بولد، أو ادعى نسب مجهول النسب رجلان أري القافة معهما أو مع أقاربهما بعد موتهما فألحق بمن ألحقوه به منهما، فإن ألحقوه بهما لحق بهما) لأن قول القافة معتبر في نظر الشرع، بدليل ما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل عليها مسرورًا تبرق أسارير وجهه فقال: " ألم تري أن مجززًا المدلجي نظر آنفًا إلى زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» متفق عليه.
فلولا جواز الاعتماد على القافة لما سر به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا اعتمد عليه، ولأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قضى به بحضرة الصحابة فلم ينكره أحد منهم فكان إجماعًا، ولأنه حكم بظن غالب ورأي راجح ممن هو من أهل الخبرة فجاز كقول المقومين.

مسألة 9: (وإن أشكل أمره على القافة أو لم توجد قافة ترك حتى يبلغ فيلحق بمن انتسب إليه منهما) لأن ذلك يروى عن عمر، ولأن الإنسان يميل طبعه إلى قريبه دون غيره، قال القاضي: وقد أومأ أحمد إلى هذا في رجلين وقعا على امرأة في طهرها، خير الابن أيهما اختار، وقال أبو بكر: يضيع نسبه ولا يقبل قوله في الانتساب، لأن الطبع يميل إلى غير القرابة لإحسانه إليه وحسن أخلاقه وكثرة يساره.

مسألة 10: (ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون عدلًا) حرًا ذكرًا (مجربًا في الإصابة) لأن قوله حكم والحكم تعتبر له هذه الشروط.

باب الحضانة أحق الناس بالطفل أمه (11) ثم أمهاتها وإن علون ثم الأب ثم أمهاته ثم الجد ثم أمهاته (12) ثم الأخت من الأبوين، ثم الأخت من الأب، ثم الأخت من الأم

[العُدَّة شرح العُمْدة]

باب الحضانة

(وأحق الناس بحضانة الطفل أمه) إذا افترق الزوجان وبينهما ولد فأمه أحق بحضانته إذا كملت الشرائط فيها، لا نعلم فيه خلافًا، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أنت أحق به ما لم تنكحي» (رواه أبو داود) ، ولأنها أقرب إليه وأشفق عليه، ولا يشاركها في ذلك إلا أبوه، وليس له مثل شفقتها، وإنما يتولى الحضانة النساء دون الرجال، روي أن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حكم على عمر بن الخطاب وقضى بعاصم لأمه أم عاصم وقال: حجرها وريحها ومسها خير له منك حتى يشب فيختار، رواه سعيد وقال: ريحها وشمها ولفظها خير له منك.

مسألة 11: (ثم أمهاتها وإن علون) الأقرب فالأقرب، لأنهن نساء ولادتهن متحققة فهن في معنى الأم، وعنه رواية أخرى أن أم الأب تقدم على أم الأم لأنها تدلي بعصبة، فعلى هذه الرواية يكون الأب أولى بالتقديم لأنهن يدلين به فيكون الأب بعد الأم ثم أمهاته، والأولى هي المشهورة وأن المقدم الأم ثم أمهاتها وإن علون (ثم الأب ثم أمهاته ثم الجد ثم أمهاته) ثم جد الأب ثم أمهاته، وإن لم يكنَّ وارثات لأنهن يدلين بعصبة من أهل الحضانة بخلاف أم أبي الأم فإنها لا حق لها لأنها تدلي بمن ليس له حق منهما.

مسألة 12: (ثم الأخت من الأبوين) لأنها أقرب (ثم الأخت من الأب) لأنها تليها في الميراث (ثم التي من الأم) فلو اجتمعت مع أخيها قدمت على الأخ في الحضانة لأنها امرأة من أهل الحضانة فقدمت على من في درجتها من الرجال كتقدم الأم على الأب، لأنها تلي الحضانة بنفسها، والرجل لا يليها بنفسه.

(13) ثم الخالة، ثم العمة (14) ثم الأقرب فالأقرب من النساء، ثم عصباته الأقرب فالأقرب (15) ولا حضانة لرقيق ولا فاسق (16) ولا امرأة مزوجة لأجنبي من الطفل

[العُدَّة شرح العُمْدة]

مسألة 13: فإذا انقرض الأخوات (فبعدهن الخالات) لأنهن أخوات الأم، فتقدم الخالة من الأبوين ثم الخالة من الأب ثم من الأم كالأخوات، ويقدمن على الأخوال لأنهن نساء من أهل الحضانة كما تقدم الأخت على أخيها، (ثم) بعد الخالات (العمات) لأنهن أخوات الأب فتقدم التي من الأبوين على التي من الأب ثم التي من الأم كما قلنا في الخالات، ويقدمن على الأعمام لأنهن نساء من أهل الحضانة كما قلنا في تقديم الخالات على الأخوال.
وعلى الرواية التي تقول بتقديم أم الأب على أم الأم ينبغي أن تقدم العمات على الخالات لأنهن يدلين بالأب وهو عصبة فهن أولى من الخالات.

مسألة 14: (ثم الأقرب فالأقرب من النساء) إذا انقرض العمات انتقلت الحضانة إلى خالات الأم لأنهن أخوات أمها، وعلى الرواية الأخرى تنتقل إلى خالات الأب لأنهن أخوات أم الأب فيقدمن لأنهن نساء من أهل الحضانة ولأنهن يدلين بعصبة وهو الأب، فإذا انقرض النساء فالحضانة للعصبات من الرجال وأولاهم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا ثم الأخ للأبوين ثم الأخ للأب ثم بنوهم وإن سفلوا ثم العم للأبوين ثم العم للأب على حسب تقديمهم في الميراث.

مسألة 15: (ولا حضانة لرقيق) لعجزه عنها بخدمة سيده، (ولا لفاسق) لأنه لا يوفي الحضانة حقها، ولا حظ للولد في حضانته لأنه ينشأ على طريقته.

مسألة 16: (ولا حضانة لامرأة مزوجة لأجنبي من الطفل) لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص «أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أنت أحق به ما لم تنكحي» رواه أبو داود.
ولأنها تشتغل بالاستمتاع عن الحضانة، فإذا زوجت المرأة بمن هو من أهل الحضانة كالجدة المزوجة بالجد لم تسقط حضانتها لأن كل واحد منهما له الحضانة منفردًا فمع اجتماعهما أولى، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل بنت حمزة عند خالتها لما كانت مزوجة بجعفر ابن عمتها إذ كانت من أهل الحضانة لكونه عصبة.

(17) فإن زالت الموانع منهم عاد حقهم من الحضانة (18) وإذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه فكان عند من اختار منهما (19) وإذا بلغت الجارية سبعًا فأبوها أحق بها (20) وعلى الأب أن يسترضع لولده إلا أن تشاء الأم أن ترضعه بأجر مثلها فتكون أحق به

[العُدَّة شرح العُمْدة]

مسألة 17: (فإذا زالت الموانع منهم) مثل إن طلقت المزوجة أو عتق الرقيق أو أسلم الكافر أو عدل الفاسق (عاد حقهم من الحضانة) لأنه زال المانع فثبت الحكم بالسبب الخالي من المانع.

مسألة 18: (وإذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه فكان عند من اختار منهما) لما روى أبو هريرة «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خير غلامًا بين أبيه وأمه» رواه سعيد، وروى أبو داود عن أبي هريرة قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عتبة وقد نفعني، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به» "، ولأنه إجماع الصحابة، وروي عن عمر أنه خير غلامًا بين أبيه وأمه، رواه سعيد، وعن عمارة الحرمي قال: خيرني عليّ بين أمي وأبي وكنت ابن سبع سنين أو ثمان، وروي نحو ذلك عن أبي هريرة، وهذه قصص في مظنة الشهرة ولم تنكر فكانت إجماعًا.

مسألة 19: (وإذا بلغت الجارية سبعًا فأبوها أحق بها) لأن الغرض بالحضانة الحفظ للجارية في الكون عند أبيها، لأنها تحتاج إلى الحفظ والأب أولى بذلك فإن الأم تحتاج إلى من يحفظها ويصونها، ولأن الجارية إذا بلغت السبع فقد قاربت الصلاح للتزويج، وقد تزوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عائشة وهي بنت سبع (متفق عليه) ، وإنما تخطب الجارية من أبيها لأنه المالك لتزويجها وهو أعلم بالكفاءة وأقدر على البحث فيقدم على غيره كما يقدم في العقد.

مسألة 20: (وعلى الأب أن يسترضع لولده) لأن نفقته عليه واجبة فكذلك إرضاعه (إلا أن تشاء الأم أن ترضعه بأجر مثلها فتكون أحق به من غيرها سواء كانت في حبال

من غيرها سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة (21) فإن لم يكن له أب ولا مال فعلى ورثته أجر رضاعه على قدر ميراثهم منه

[العُدَّة شرح العُمْدة]

الزوج أو مطلقة) لأنها أقرب إليه وأشفق عليه ولا نعلم في ذلك خلافًا، وقد قال سبحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] فقدمهن على غيرهن، وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] .

مسألة 21: (فإن لم يكن للصبي أب ولا مال فعلى ورثته أجرة رضاعه على قدر ميراثهم منه) لأن الله سبحانه قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: 233] إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] فأوجب على الوارث أجرة الرضاع.
وتكون واجبة عليهم على قدر ميراثهم منه لأن الله سبحانه رتب النفقة على الإرث بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] فيجب أن تترتب في المقدار عليه.
فإذا كان للصبي أم وجد فعلى الأم الثلث والباقي على الجد، وإن كان له جد وأخ فعلى الجد السدس والباقي على الأخ، كالنفقة سواء، ولو كان له أب كان الجميع عليه لقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فجعل أجرة الرضاع عليه دونها، وقال لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» .

باب نفقة الأقارب والمماليك وعلى الإنسان نفقة والديه وإن علوا (22) وأولاده وإن سفلوا (23) ومن يرثه بفرض أو تعصيب (24) وإذا كانوا فقراء وله مال ينفق عليهم

[العُدَّة شرح العُمْدة]

باب نفقة الأقارب والمماليك

(وعلى الإنسان نفقة والديه وإن علوا) لقوله سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83] ومن الإحسان الإنفاق عليهما.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» رواه أبو داود.

مسألة 22: (وتجب نفقة الأولاد) بقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» وتجب نفقة الأجداد وأولاد الأولاد لأنهم آباء وأولاد، وقال سبحانه: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78] وقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: 26] .

مسألة 23: (وتجب نفقة من يرثه بفرض أو تعصيب) سواء ورثه الآخر أو لا كعمته وعتيقه سوى الزوج، لقول الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: 233] إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] فأوجب على الوارث أجرة رضاع الصبي فيجب أن تلزمه نفقته، وروى أبو داود «أن رجلًا سأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذلك حقًا واجبًا ورحمًا موصولًا» " وقضى عمر على بني عم منفوس بنفقته، ولأنها قرابة تقتضي التوريث فتوجب الإنفاق كقرابة الولد.

مسألة 24: ويشترط لوجوب الإنفاق على القريب ثلاثة شروط: أحدها: (فقر من تجب نفقته) فإن كان غنيًا بمال أو كسب لم تجب لأنها وجبت على سبيل المواساة فلا

(25) وإن كان للفقير وارثان فأكثر فنفقته عليهم على قدر ميراثهم منه، إلا الابن فإن نفقته على أبيه خاصة (26) وعلى ملاك المملوكين الإنفاق عليهم وما يحتاجون إليه من مؤنة وكسوة (27) فإن لم يفعلوا أجبروا على بيعهم إذا طلبوا ذلك

[العُدَّة شرح العُمْدة]

تستحق مع الغنى كالزكاة.
والثاني: أن يكون (للمنفق مال ينفق عليهم) فاضلًا عن نفقة نفسه وزوجته، لما روى جابر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» قال الترمذي: حديث صحيح، ولأنها مواساة فيجب أن تكون في الفاضل عن الحاجة الأصلية.
الثالث: أن يكون المنفق عليه وارثًا، فأما من لا يرث كذوي الأرحام فقال القاضي: لا تجب نفقتهم، رواية واحدة، إذا كانوا من غير عمودي النسب، وأما إن كانوا من عمودي النسب فلهم النفقة لوجود الإيلاد والمحرمية.
وقال أبو الخطاب: يخرج في وجوبها عليهم روايتان: إحداهما تجب لأنهم أقارب أشبهوا الوارث، والثانية: لا نفقة لهم لأنهم لا يرثون أشبهوا الأجانب.

مسألة 25: (فإن كان للفقير وارثان فأكثر فنفقته عليهم على قدر ميراثهم منه، إلا من له أب فإن نفقته على أبيه خاصة) كما قلنا في أجرة الرضاع وقد سبق.

مسألة 26: (وعلى ملاك المملوكين الإنفاق عليهم وما يحتاجون إليه من مؤنة وكسوة) بالمعروف، لما روى أبو ذر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان له أخوة تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه» متفق عليه.
وروى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق» رواه الشافعي، وأجمع العلماء على وجوب نفقة المملوك على سيده.

مسألة 27: (فإن لم يفعلوا أجبروا على بيعهم إذا طلبوا ذلك) لأن بقاء ملكه عليه مع الإخلال بالواجب عليه من نفقة وكسوة بالمعروف إضرار به.
وإزالة الضرر واجبة، ولذلك أبحنا للمرأة فسخ النكاح عند عجز زوجها عن الإنفاق عليها.

باب الوليمة وهي دعوة العرس، وهي مستحبة «لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعبد الرحمن بن عوف حين أخبره أنه تزوج: " بارك الله لك، أولم ولو بشاة» (28) والإجابة إليها واجبة لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» (29) ومن لم يحب أن يطعم دعا

[العُدَّة شرح العُمْدة]

باب الوليمة

(وهي اسم لدعوة العرس) حكاه ثعلب وغيره من أهل اللغة، والعذيرة دعوة الختان، والخرسة دعوة الولادة، والوكيرة دعوة البناء، والنقيعة لقدوم الغائب، والعقيقة للمولود، والحذاق الطعام عند حذق الصبي، والمأدبة اسم لكل دعوة.
(ودعوة العرس مستحبة لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: «أولم ولو بشاة» ولأنها طعام سرور أشبه سائر الأطعمة.
ولا خلاف بين أهل العلم أنها سنة مشروعة والأصل فيها أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعلها وأمر بها عبد الرحمن، «وقال أنس: ما أولم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، جعل يبعثني فأدعو له الناس وأطعمهم خبزًا ولحمًا حتى شبعوا، وأولم على صفية بنت حيي حيسًا في نطع صغير» ، متفق عليه.

مسألة 28: (والإجابة إليها واجبة) إذا عينه الداعي المسلم في اليوم الأول، قال ابن عبد البر: لا خلاف في وجوب إتيان الوليمة لمن دعي إليها إذا لم يكن فيها لهو، وروى ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا دعي أحدكم في وليمة فليأتها» وقال أبو هريرة: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» رواهما البخاري.

مسألة 29: (ومن لم يحب أن يطعم دعا وانصرف) لما روى أبو هريرة قال: قال

وانصرف (30) والنثار والتقاطه مباح مع الكراهة (31) وإن قسم على الحاضرين كان أولى

[العُدَّة شرح العُمْدة]

رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليدع وإن كان مفطرًا فليطعم» رواه أبو داود.

مسألة 30: (والنثار والتقاطه مباح) في إحدى الروايتين لما روى عبد الله بن قرط «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر خمس بدنات وقال: من شاء اقتطع» رواه الإمام أحمد وأبو داود، وهذا جار مجرى النثار، ولأنه نوع إباحة فأشبه إباحة الطعام للضيفان، (وهو مكروه) لما روي " «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن النهبى والمثلة» رواه البخاري والإمام أحمد في المسند، ولأن فيه تزاحمًا وقتالًا وربما أخذه من يكره صاحبه لقوته وشدة نفسه، وحرمه من يحب صاحب النثار صيانة لنفسه ومروءته عن مزاحمة السفلة، فكره لما فيه من الدناءة.
فأما خبر البدنات فيحتمل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علم أنه لا نهبة في ذلك لكثرة اللحم وقلة الآخذين، أو فعله لاشتغاله بالمناسك، وهو مباح في الجملة غير محرم، ومن أخذ منه شيئًا ملكه لأنه نوع إباحة أشبه ما يأكله الضيفان، وإنما الكلام في الكراهية.

مسألة 31: (وإن قسم على الحاضرين كان أولى) ولا خلاف في أن ذلك حسن غير مكروه، وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: «قسم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يومًا بين أصحابه تمرًا فأعطى كل إنسان سبع تمرات فأعطاني سبع تمرات إحداهن حشفة، فلم يكن فيهن تمرة أعجب إلي منها، شدت في مضاغي» ". قال المروذي: وسألت أبا عبد الله عن الجوز نفير فكرهه وقال: يعطون من يقسم عليهم.
وفرق أبو عبد الله على الصبيان الجوز لكل واحد خمسًا خمسًا لما حذق ابنه حسن.
والله أعلم.

كتاب الأطعمة وهي نوعان: حيوان وغيره، فأما غير الحيوان فكله مباح، إلا ما كان نجسا أو مضرا كالسموم (1) والأشربة كلها مباحة إلا ما أسكر فإنه يحرم قليله وكثيره من أي شيء كان لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام»

[العُدَّة شرح العُمْدة]

فصول الكتاب · 26 فصل · 704 صفحة
جارٍ التحميل