كتاب الإجارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، بهاء الدين
- الكتاب
- العدة شرح العمدة
- المؤلف
- عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي (المتوفى: 624هـ)
- الناشر
- دار الحديث، القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1424هـ 2003 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] عمدة الفقه بأعلى الصفحة، يليه - مفصولا بفاصل - شرح بهاء الدين المقدسي
باب الإجارات (وهي عقد على المنافع) كسكنى الدار والحمل إلى مكان معين وخدمة الإنسان، قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: 26] ، ولأن الحاجة تدعو إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلما جاز عقد البيع على الأعيان وجب أن يجوز عقد الإجارة على المنافع.
مسألة 1: (وهي عقد لازم من الطرفين لا يملك أحدهما فسخها) لأنها عقد بيع أشبهت بيوع الأعيان.
مسألة 2: (ولا تنفسخ بموته ولا جنونه) كالبيع (وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعها) كما لو تلف المكيل قبل قبضه، وكذلك إذا تعيبت كدار استأجرها فانهدمت أو أرض انقطع ماؤها؛ لأن المنفعة المقصودة منها تعذرت فأشبه تلف العبد، وفيه وجه آخر: لا تنفسخ لأنه يمكن الانتفاع به بالسكنى في خيمة أو يجمع فيها حطبًا أو متاعًا، لكن له الفسخ لأنها تعيبت.
مسألة 3: (ولا تصح الإجارة إلا على نفع معلوم، إما بالعرف كسكنى الدار وإما بالوصف كخياطة ثوب معين وبناء حائط وحمل شيء إلى موضع معين، وضبط ذلك بصفاته) فيشترط أن يكون النفع معلومًا لأنه المعقود عليه فأشبه المبيع، ويحصل العلم
(4) وإن وقعت على عين فلا بد من معرفتها (5) ومن استأجر شيئًا فله أن يقيم مقامه من يستوفيه بإجارته أو غيرها إذا كان مثله أو دونه (6) وإن استأجر أرضا لزرع فله زرع ما هو أقل منه ضررا، فإن زرع ما هو أكثر منه ضررا (7) أو يخالف ضرره ضرره فعليه أجرة المثل (8) وإن اكترى إلى موضع فجاوزه أو لحمل شيء فزاد عليه أجرة المثل
[العُدَّة شرح العُمْدة]
بالعرف كسكنى الدار شهرًا والأرض عامًا وبناء حائط يصف طوله وعرضه وارتفاعه (كما يشترط معرفة الأجرة) ويشترط معرفة الأجرة كما يشترط معرفة الثمن في المبيع.
مسألة 4: (وإن وقعت الإجارة على عين فلا بد من معرفتها) وإجارة العين تنقسم قسمين: أحدهما: أن يكون على مدة كإجارة الدار شهرًا أو العبد للخدمة أو للرعي مدة معلومة، فيشترط معرفتها لأن الأعيان تختلف فتختلف أجرتها، كما أن المبيعات تختلف فتختلف أثمانها.
القسم الثاني: إجارتها لعمل معلوم كإجارة الدابة للركوب إلى موضع معين أو بقر لحرث مكان معين أو دراس زرع، فتشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف كيلا يفضي إلى التنازع والاختلاف كما قلنا في المبيع.
مسألة 5: (ومن استأجر شيئًا فله أن يقيم مقامه من يستوفيه بإجارته أو غيرها إذا كان مثله أو دونه) فإذا اكترى دارًا فله أن يسكنها مثله ومن هو دونه في الضرر لأنه لم يزد على استيفاء حقه، ولا يجوز أن يسكنها من هو أكثر ضررًا منه لأنه يأخذ فوق حقه.
مسألة 6: (وإن استأجر أرضًا لزرع فله زرع ما هو أقل ضررًا منه) فإذا استأجر أرضًا لزرع حنطة فله أن يزرع شعيرًا أو باقلاء، وليس له زرع ما هو أكثر ضررًا منه كالدخن والذرة والقطن لأن ضررها أكثر، ولا يملك الغرس ولا البناء لأنه أضر من الزرع.
مسألة 7: (ولا يجوز له أن يخالف ضرره ضرره) مثل القطن والحديد إذا اكترى لأحدهما لم يملك حمل الآخر لأن ضررهما يختلف، فإن الحديد يجتمع في مكان واحد بثقله والقطن يتجافى وتهب فيه الريح فينصب الظهر، فإن فعل شيئًا من ذلك فعليه أجرة المثل لأنه استوفى منفعة غير التي عقد عليها [فلزمه أجرة المثل] كما لو استأجر أرضًا لزرع شعير فزرعها قمحًا، أو كما لو حمل عليها من غير استئجار.
مسألة 8: (وإن اكترى إلى موضع فجاوزه) كمن يكتري دابة إلى حمص فركبها إلى حلب، (أو لحمل شيء فيزيد عليه) كمن اكترى لحمل قنطار فحمل قنطارًا ونصفًا (فعليه
للزائد (9) وضمان العين إن تلفت (10) وإن تلفت من غير تعد فلا ضمان عليه (11) ولا ضمان على الأجير الذي يؤجر نفسه مدة بعينها فيما يتلف في يده من غير تفريط
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الأجرة المذكورة وأجرة المثل للزائد) لأنها غير مأذون فيها فلزمه أجرتها كما لو غصبها في الجميع، وقال أبو بكر: عليه أجرة المثل للجميع لأنه عدل عن المعقود عليه إلى غيره فأشبه ما لو استأجر أرضًا فزرع أخرى، والأول أجود لأنه إنما عدل في الزيادة لا غير، فنقول: فعل المعقود عليه وزاد فلزمته الأجرة المذكورة للمعقود عليه وأجرة المثل للزيادة لأنها غير مأذون فيها، أشبه ما لو استأجر أرضًا فزرعها وزرع أخرى.
مسألة 9: (ويلزمه ضمان العين إن تلفت) بقيمتها سواء كان صاحبها معها أو لم يكن لأنها تلفت بالجناية عليها، وسكوت صاحبها لا يسقط الضمان، كمن جلس إلى جنب إنسان فخرق ثيابه وهو ساكت فإن الضمان يلزمه.
مسألة 10: (وإن تلفت من غير تعد فلا ضمان عليه) لأنه غير متعد.
مسألة 11: (ولا ضمان على الأجير الذي يؤجر نفسه مدة بعينها فيما يتلف في يده من غير تفريط) والإجارة على ضربين: خاص ومشترك.
فهذا هو الأجير الخاص الذي يؤجر نفسه مدة معلومة لخدمة أو خياطة أو رعاية شهرًا أو سنة أو أكثر، سمي خاصًا لاختصاص المستأجر بمنفعته في تلك المدة دون سائر الناس، لا ضمان عليه فيما يتلف في يده مثل أن تهلك الماشية معه أو تنكسر آلة الحرث وما أشبه ذلك إذا لم يتعد؛ لأنه أمين فلم يضمن من غير تعد كالمودع، والتعدي أن ينام عن الماشية أو يغفل عنها حتى تبعد منه بعدًا فاحشًا فيأكلها الذئب أو يضرب الشاة ضربًا كثيرًا فيضمن بعدوانه.
والضرب الثاني: الأجير المشترك، وهو الذي يقع العقد معه على عمل معين كخياطة ثوب أو بناء حائط، سمي مشتركًا لأنه يعمل للمستأجر وغيره يتقبل أعمالًا كثيرة في وقت واحد فيشتركون في منفعته فيضمن ما جنت يده، مثل أن يدفع إلى حائك عملًا فيفسد حياكته، أو القصار يخرق الثوب بدقه أو عصره، والطباخ ضامن لما فسد من طبيخه، والخباز في خبزه، لما روى جلاس بن عمرو أن عليًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان يضمن الأجير، ولأنه قبض العين لمنفعة من غير استحقاق، وكان ضامنًا لها كالمستعير.
(12) ولا على حجام أو ختان أو طبيب إذا عرف منه حذق في الصنعة ولم تجن أيديهم (14) ولا على الراعي إذا لم يتعد (15) ويضمن القصار والخياط ونحوهما ممن يتقبل العمل ما تلف بعمله دون ما تلف حرزه
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة 12: ولا ضمان على حجام ولا ختان أو طبيب إذا عرف منهم حذق الصنعة ولم تجن أيديهم) إذا فعل هؤلاء ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين:
أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق وبصارة في صنعتهم ومعرفة بها.
والثاني: ألا تجني أيديهم فيتجاوزوا ما أمروا به، لأنهم إذا كانوا كذلك فقد فعلوا فعلًا مأذونًا فيه فلم يضمنوا سرايته كقطع الإمام يد السارق، أو فعلًا مباحًا مأمورًا به أشبه ما ذكرنا.
1 -
مسألة 13: فأما إذا لم يعرف منهم حذق الصنعة فلا يحل لهم مباشرة القطع، فإن قطعوا مع هذا كان فعلًا محرمًا فيضمن سرايته كالقطع ابتداء.
وإن كانوا حذاقًا إلا أن أيديهم جنت، مثل أن يتجاوز قطع الختان إلى الحشفة أو بعضها أو يقطع في غير محل القطع، أو في وقت لا يصلح القطع فيه فإنه يضمن؛ لأن الإتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، ولأن هذا فعل محرم فيضمن سرايته كالقطع ابتداء.
مسألة 14: (ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد) لأنه مؤتمن على حفظها فلم يضمن من غير تعد كالمودع.
والتعدي أن ينام عنها أو يتركها حتى تبعد عنه كثيرًا وشبه ذلك، إذا فعل هذا ضمن لأنه تلف بعدوانه.
مسألة 15: (ويضمن القصار والخياط ونحوهما ممن يتقبل العمل ما تلف بعمله دون ما تلف من حرزه) وذلك أن القصار إذا أتلف الثوب بقوة الدق والعصر، والخياط بخياطته، فإنه يضمن لأنه قبض العين لمنفعته فأشبه المستعير، فأما إن تلفت من حرزه فلا يضمن لأنه أمين فأشبه المودع.
باب الغصب (16) من غصب شيئا فعليه رده وأجرة مثله إن كان له أجرة مدة مقامه في يده (17) وإن نقص فعليه أرش نقصه (18) وإن جنى المغصوب فأرش جنايته عليهسواء جنى على سيده أو أجنبي (19) وإن جنى عليه أجنبي فلسيده تضمين من شاء منهما
[العُدَّة شرح العُمْدة]
باب الغصب
وهي الاستيلاء على مال غيره بغير حق مسألة 16: (ومن غصب شيئًا فعليه رده) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» (رواه أبو داود) (وعليه أجرة مثله مدة مقامه في يده) لأنه فوت عليه منفعته، والمنافع لها قيمة فيضمنها كالأعيان.
مسألة 17: (وإن نقص فعليه أرش نقصه) لأنه يلزمه ضمان جميع المغصوب لو تلف فيلزمه ضمان بعضه بقيمته قياسًا للبعض على الكل.
مسألة 18: (وإن جنى المغصوب فأرش جنايته عليه) يعني على الغاصب (سواء جنى على سيده أو أجنبي) لأنه نقص في حق العبد لكونه يتعلق برقبته فكان مضمونًا على الغاصب كسائر نقصه.
مسألة 19: (وإن جنى عليه أجنبي فلسيده تضمين من شاء منهما) الجاني لأنه أتلف، والغاصب لأن نقص العبد حصل وهو في يده فلزمه ضمانه كما لو كان هو المتلف؛ لأن الجناية إن كانت غير مقدرة كشجة دون أرش الموضحة لزم فيها ما نقص من قيمته، وإن كانت على شيء مقدر كقطع يده أو قلع عينه فكذلك في إحدى الروايتين؛ لأنه ضمان مال أشبه ضمان البهيمة، وفي الأخرى يجب نصف قيمته، ويخرج أن يجب أكثر
(20) وإن زاد المغصوب رده بزيادته، سواء كانت متصلة أو منفصلة، وإن زاد أو نقص رده بزيادته وضمن نقصه، سواء زاد بفعله أو بغير فعله، فلو نجر الخشبة بابا أو عمل الحديد إبرا ردهما بزيادتهما وضمن نقصهما إن نقصا (21) ولو غصب قطنا فغزله أو غزلًا فنسجه أو ثوبًا فقصره أو فصله وخاطه، أو حبا فصار زرعًا أو نوًى فصار شجرًا أو بيضًا فصار فراخًا فكذلك (22) وإن غصب عبدًا فزاد في بدنه أو بتعليمه ثم ذهبت الزيادة رده وقيمة الزيادة (23) وإن تلف المغصوب أو تعذر رده فعليه مثله إن كان مكيلًا أو موزونًا، وقيمته إن لم يكن كذلك ثم إن قدر على رده رده ويأخذ القيمة
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الأمرين منهما لأن سبب ضمان كل واحد منهما قد وجد فوجب أكثرهما، فإن ضمن الغاصب أكثر الأمرين رجع على الجاني بنصف قيمته لا غير لأن ضمانه ضمان الجناية، وإن ضمن الجاني ضمنه نصف القيمة لأن جنايته لا توجب أكثر من ذلك ويطالب الغاصب بتمام النقص كما لو أتلفه.
مسألة 20: (وإن زاد المغصوب أو نقص رده بزيادته سواد كانت الزيادة متصلة) كالسمن وتعلم صنعة (أو منفصلة) كالولد والكسب لأن ذلك نماء ملكه ويضمن النقص لما سبق (وسواء كانت الزيادة بفعل الغاصب أو بغير فعله كمن نجر الخشبة بابا أو عمل الحديد إبرًا) لأن ذلك غير ماله فيلزمه (رده بزيادته) كما لو زاد بسمن أو تعلم صنعة (ويضمن النقص) لما سبق.
مسألة 21: (ولو غصب قطنًا فنسجه أو ثوبًا فقصره أو فصله وخاطه أو حبًا فصار زرعًا أو نوى فصار شجرًا أو بيضًا فصار فراخًا فكذلك) لذلك.
مسألة 22: (وإن غصب عبدًا فزاد في بدنه أو بتعليمه ثم ذهبت الزيادة رده وقيمة الزيادة) لأنها زادت على ملك المغصوب منه فلزمه ضمانها كما لو كانت موجودة حال الغصب.
مسألة 23: (وإن تلف المغصوب أو تعذر رده فعليه مثله إن كان مكيلًا أو موزونًا، وقيمته إن لم يكن كذلك) أما إذا تلف المغصوب فعليه مثله، قال ابن عبد البر: كل مطعوم من مأكول أو مشروب فمجمع على أنه يجب على مستهلكه مثله لا قيمته، وإن لم يكن كذلك فعليه قيمته، لما روى ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أعتق شركًا له في عبد قوِّم
) (24) وإن خلط المغصوب بما لا يتميز به من جنسه فعليه مثله منه (25) وإن خلطه بغير جنسه فعليه مثله من حيث شاء (26) وإن غصب أرضا فغرسها أخذ بقلع غرسه وردها وأرش نقصها وأجرتها (27) وإن زرعها وأخذ الغاصب الزرع ردها وأجرتها (28) وإن أدرك مالكها الزرع قبل حصاده خير بين ذلك وبين أخذ الزرع بقيمته
[العُدَّة شرح العُمْدة]
عليه قيمة العدل» متفق عليه، فأمر بالتقويم في حصة الشريك لأنها متلفة بالعتق، ولم يأمر بالمثل.
وأما إذا تعذر رده مع وجوده فعليه مثله أو قيمته لذلك، (ثم إن قدر على رده) بعد ذلك (رده) لأنه غير مال فيلزمه رده كما لو لم يتعذر رده (ويأخذ القيمة) لأن المالك أخذها على سبيل العوض عن ملكه، فإذا رجع إليه ملكه ردها كما لو لم يكن أخذ شيئًا.
مسألة 24: (وإن خلط المغصوب بما لا يتميز به من جنسه فعليه مثله منه) في أحد الوجهين، وهو قول ابن حامد؛ لأنه قدر على دفع ماله إليه فلم ينتقل إلى البدل في الجميع كما لو غصب شيئًا فتلف بعضه، وهو ظاهر كلام أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وفي الوجه الآخر يلزمه مثله من حيث شاء، وهو قول القاضي، لأنه تعذر رد عينه، أشبه ما لو أتلفه كله.
مسألة 25: (وإن خلطه بغير جنسه فعليه مثله حيث شاء) لذلك.
مسألة 26: (وإن غصب أرضًا فغرسها أخذ بقلع غرسه) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس لعرق ظالم حق» (رواه أبو داود) (ويلزمه ردها) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» . (ويلزمه أرش نقصها) لأنها لو تلفت جميعًا لزمه قيمتها فإذا نقصت لزمه البعض كما يلزمه ضمان الجملة، (ويلزمه الأجرة) لأنه شغل ملك الغير بغير إذنه أشبه غصب الدابة.
مسألة 27: (وإن زرعها وأخذ الغاصب الزرع ردها وأجرتها) لذلك.
مسألة 28: (وإن أدرك الزرع قبل حصاده خير بين ذلك) يعني بين تركه بالأجرة لما
(29) وإن غصب جارية فوطئها وأولدها لزمه الحد وردها ورد ولدها ومهر مثلها (30) وأرش نقصها (31) وأجرة مثلها (32) وإن باعها فوطئها المشتري وهو لا يعلم فعليه مهرها وقيمة ولدها إن أولدها
[العُدَّة شرح العُمْدة]
سبق (وبين أخذ الزرع بقيمته) لما روى رافع بن خديج قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وعليه نفقته» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
مسألة 29: (وإن غصب جارية فوطئها وأولدها لزمه الحد) لأنه زان لكونها ليست زوجته ولا ملك يمين (ويلزمه ردها) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «على كل يد ما أخذت حتى تؤدي» (ورد ولدها) لأنه نماء ملكه (ويلزمه مهر مثلها) سواء كانت مكرهة أو مطاوعة، لأن هذا حق للسيد فلا يسقط بمطاوعتها كما لو أذنت في قطع يدها.
مسألة 30: (ويجب أرش نقصها) إن نقصت بالولادة، كما يلزمه أرش نقص الأرض إذا زرعها.
مسألة 31: (ويجب عليه أجرة مثلها) لكونه شغل ملك الغير بغير إذنه، وإن كانت بكرًا لزمه أرش بكارتها مع المهر لأنه بدل آخر منها، وإنما اجتمعا لأن كل واحد منهما يضمن منفردًا، بدليل أنه لو وطئها ثيبًا وجب مهرها، ولو افتضها بإصبعه وجب أرش بكارتها، وعنه لا يلزمه مهر الثيب لأنه لم ينقصها ولم يؤلمها، أشبه ما لو قبلها.
مسألة 32: (وإن باعها فوطئها المشتري وهو لا يعلم فعليه مهرها) لأنه وطئ جارية غيره بغير نكاح، وإن ولدت فهو حر لأن اعتقاده أنه يطأ مملوكته منع انخلاق الولد رقيقًا أو يلحقه نسبه، (وعليه فداؤه) لأنه فوت رقه على سيده باعتقاده حل الوطء ويفديه ببدله يوم الوضع، قال الخرقي: يفديه بمثله يعني في السن والجنس والصفات، وقد نص عليه أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقال أبو الخطاب: يفديه بقيمته لأن الحيوان ليس بمثله، ووجه قول الخرقي أنهم أحرار، والحر لا يضمن بقيمته.
(33) وأجرة مثلها، ويرجع بذلك كله على الغاصب باب الشفعة وهو استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها، (34) ولا تجب إلا بشروط سبعة: أحدها: البيع، فلا تجب في موهوب ولا موقوف ولا عوض خلع ولا صداق، الثاني: أن يكون عقارًا أو ما يتصل به من البناء والغراس
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة 33: (ويلزمه أجرة مثلها) كما لو غصب بهيمة (ويرجع بذلك على الغاصب) لأن المشتري دخل على أن يتمكن من الوطء بغير عوض وأن يسلم له الأولاد، فإذا لم يسلم له ذلك فقد غره فيرجع إليه كالمغرور بتزويج الأمة على أنها حرة.
باب الشفعة
وهي استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها
مسألة 34: (ولا تجب إلا بشروط سبعة: أحدها: البيع فلا تجب في موهوب ولا موقوف ولا عوض خلع ولا صداق) بشرط أن تكون الشفعة في مبيع لما روى جابر قال: «قضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باع ولم يستأذنه فهو أحق به» أخرجه مسلم، فجعله أحق به إذا باع.
وأما إذا انتقل بغير عوض كالموهوب والموصى به والموقوف فلا شفعة فيه لأنه انتقل بغير بدل أشبه الموروث، ولا شفعة فيما عوضه عن المال كالخلع والصداق والصلح عن دم العمد لأنه انتقل بغير مال أشبه الموهوب، ولأنه لا يمكن الأخذ بمثل العوض أشبه الموروث.
وقال ابن حامد: فيه الشفعة لأنه عقد معاوضة أشبه البيع ويأخذ الشقص بقيمته.
الشرط (الثاني: أن يكون عقارًا أو ما يتصل به من البناء والغراس) لحديث جابر أول الباب، ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» وفي حديث: «إذا قسمت الأرض وحددت فلا شفعة فيها» رواه أبو داود وهذا يختص العقار فتختص الشفعة به.
الثالث: أن يكون شقصًا مشاعا، فأما المقسوم المحدود فلا شفعة فيه لقول جابر: «قضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» ، الرابع: أن يكون مما ينقسم، فأما ما لا ينقسم فلا شفعة فيه، الخامس: أن يأخذ الشقص كله، فإن طلب بعضه سقطت شفعته (35) ولو كان له شفيعان فالشفعة بينهما على قدر سهامهما
[العُدَّة شرح العُمْدة]
(الثالث: أن يكون شقصًا مشاعًا، فأما المقسوم المحدود فلا شفعة فيه) للأحاديث المذكورة مع حديث جابر.
الشرط (الرابع: أن يكون مما ينقسم، فأما ما لا ينقسم فلا شفعة فيه) كالحمام الصغير والبئر والطرق والعراص الضيقة، فعن أحمد فيها روايتان: إحداهما: لا شفعة فيها، والأخرى: فيها الشفعة لعموم الحديث في ذلك.
ولأنه عقار مشترك فتجب فيه الشفعة كالذي يمكن قسمته، ولأن الشفعة تثبت لأجل الضرر بالمشاركة، والضرر في هذا النوع أكثر لأنه يتأبد ضرره، والرواية الأولى ظاهر المذهب، لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة» وهو الطريق الضيق، رواه أبو الخطاب في رءوس المسائل، وروي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لا شفعة في بئر ولا فحل.
ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع لأنه لا يمكنه التخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع فيضر بالبائع، وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى انتفائها، وأيضًا فإن الشفعة تثبت لدفع الضرر الذي يلحقه بالمقاسمة لما يحتاج من إحداث المرافق الخاصة، وهذا لا يوجد فيما لا يقسم.
(الخامس: أن يأخذ الشقص كله، فإن طلب بعضه بطلت شفعته) لأن أخذه لبعضها ترك للبعض الآخر فتسقط الشفعة فيه، فإذا سقط بعضها سقط جميعها لأنها لا تتبعض فتسقط كلها كالقصاص.
مسألة 35: (فإن كان له شفيعان فالشفعة بينهما على قدر سهامهما) في ظاهر المذهب؛ لأنه حق يستحق بسبب الملك فيسقط على قدره كالأجرة، وعنه على عدد
(36) فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر إلا أخذ الكل أو الترك، السادس: إمكان أداء الثمن، فإن عجز عنه أو عن بعضه سقطت شفعته (37) وإذا كان الثمن مثليا فعليه مثله، وإن لم يكن مثليا فعليه قيمته (38) وإن اختلفا في قدره ولا بينة لهما فالقول قول المشتري مع يمينهالسابع: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، فإن أخرها بطلت شفعته
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الرءوس اختارها ابن عقيل؛ لأن كل واحد منهما يأخذ الكل لو انفرد فإذا اجتمعوا تساووا كسراية العتق.
مسألة 36: (فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر أن يأخذ إلا الكل أو الترك) لأن في أخذ البعض تفريق صفقة المشتري فيتضرر بذلك، قال ابن المنذر: أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم على ذلك.
(السادس: إمكان أداء الثمن) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث جابر: «فهو أحق به بالثمن» رواه الجوزجاني.
(فإن عجز عنه أو عن بعضه سقطت شفعته) لأن أخذه المبيع من غير دفع الثمن أو بعضه إضرار بالمشتري، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا ضرار» (رواه ابن ماجه) ، ولأن ثبوت الشفعة لدفع الضرر عن الشفيع، والضرر لا يدفع بالضرر، فإن عجز عنه أو عن بعضه بطلت الشفعة، لأن من شروط ثبوت الشفعة القدرة على الثمن لما ذكرنا.
مسألة 37: (وإن كان الثمن مثليًا) كالأثمان والحبوب والأدهان (أعطاه مثله، وإن لم يكن مثليًا أعطاه قيمته) لما ذكرنا في الغصب.
مسألة 38: (وإن اختلفا في قدره ولا بينة لهما فالقول قول المشتري مع يمينه) لأنه علم بالثمن ولأن المبيع ملكه فلا ينزع منه بدعوى مختلف فيها إلا ببينة، وعلى المشتري اليمين لأن دعوى البائع محتملة.
(السابع: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، فإن أخرها بطلت شفعته) في الصحيح من المذهب، لقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "الشفعة كحل العقال" رواه ابن ماجه " ولأن إثباتها على التراخي يضر بالمشتري كالرد بالعيب، لكونه يستقر ملكه على المبيع فلا يتصرف فيه خوفا
(39) إلا أن يكون عاجزًا عنها لغيبة أو حبس أو مرض أو صغر فيكون على شفعته متى قدر عليها إلا أنه إن أمكنه الإشهاد على الطلب بها فلم يشهد بطلت شفعته (40) فإن لم يعلم حتى تبايع ثلاثة فأكثر فله مطالبة من شاء منهم، فإن أخذ من الأول رجع عليه الثاني بما أخذ منه، والثالث على الثاني
[العُدَّة شرح العُمْدة]
من أخذه بالشفعة، وقال القاضي: يتقيد بالمجلس لأنه كله كحالة العقد، وعنه أنها على التراخي، والمذهب الأول ".
مسألة 39: (إلا أن يكون عاجزًا عنها لغيبة أو حبس أو مرض أو صغر فيكون على شفعته متى قدر عليها) " لأن من لا يقدر على الشيء عاجز عنه فلا يكلف فوق وسعه ولا نعلم فيه خلافا " (إلا أنه إن أمكنه الإشهاد على الطلب بها فلم يشهد بطلت شفعته) كما لو ترك الطلب مع حضوره.
مسألة 40: (فإن لم يعلم حتى تبايع ذلك ثلاثة أو أكثر فله مطالبة من شاء منهم، فإن أخذ من الأول رجع عليه الثاني بما أخذ منه والثالث على الثاني) فمتى تصرف المشتري في المبيع قبل أخذ الشفيع فتصرفه صحيح لأنه ملكه، إلا أن الشفيع ملك عليه أن يتملكه وذلك لا يمنع من تصرفه، كما لو كان الثمن معينًا فتصرف المشتري في المبيع فإن تصرفه صحيح وإن ملك عليه الرجوع فيه.
إذا ثبت هذا فإن المشتري إذا باع الشقص المشفوع وباعه المشتري الثاني للثالث فللشفيع أن يفسخ العقدين الآخرين ويأخذ بالأول، وله أن يفسخ الثالث وحده ويأخذ بالثاني، وله أن يقر الجميع ويأخذ بالثالث، فإذا أخذ من الثالث دفع إليه الثمن الذي اشترى به ولم يرجع على أحد، وإن فسخ العقد الثالث، وأخذ من الثاني دفع إليه الثمن الذي اشترى به ورجع الثالث على الثاني بالثمن الذي أخذ منه، وإن فسخ العقدين الآخرين وأخذ من الأول دفع إليه ما اشترى به ورجع الثاني على الأول بما أخذ منه والثالث على الثاني، فإذا كان ثمن العقد الأول عشرة والثاني عشرين والثالث ثلاثين فإنه يأخذ من الأول بعشرة ويدفعها إليه ثم يعود الثاني على الأول بعشرين، ويرجع الثالث على الثاني بثلاثين، لا نعلم في هذا خلافًا.
(41) ومتى أخذه وفيه غرس أو بناء للمشتري أعطاه الشفيع قيمته (42) إلا أن يختار المشتري قلعه من غير ضرر فيه (43) وإن كان فيه زرع أو ثمر باد فهو للمشتري يبقى إلى الحصاد أو الجذاذ (44) وإن اشترى شقصًا وسيفًا في عقد واحد فللشفيع أخذ الشقص بحصته)
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة 41: (ومتى أخذه وفيه غرس أو بناء أعطاه الشفيع قيمته) ويملكه، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا ضرار» رواه أحمد وابن ماجه، ولا يزول عنهما الضرر إلا بذلك.
مسألة 42: (إلا أن يشاء المشتري قلعه) فله ذلك لأنه ملكه فملك نقله ولا يلزمه ضمان نقص الأرض لأنه غير متعد، وقال الخرقي: له ذلك (إذا لم يكن في أخذه ضرر) فيحتمل كلامه أن يلزمه ضمان النقص لأنه قلعه من ملك غيره لتخليص ملكه، أشبه ما لو كسر محبرة إنسان لتخليص ديناره منها.
مسألة 43: (وإن كان فيه زرع أو ثمر باد فهو للمشتري يبقى إلى الحصاد والجذاذ) لأنه زرعه بحق فوجب إبقاؤه، كما لو باع الأرض المزروعة والشجر الذي عليه ثمر باد.
مسألة 44: (وإن اشترى شقصًا وسيفًا في عقد واحد فللشفيع أخذ الشقص بحصته) من الثمن، ويحتمل أن لا يجوز لما فيه من تبعيض الصفقة على المشتري.
وعن مالك: تثبت الشفعة فيهما لئلا تتبعض الصفقة على المشتري.
ولنا أن السيف لا شفعة فيه ولا هو تابع لما فيه الشفعة فلم يؤخذ بالشفعة كما لو أفرده، وما يلحق المشتري من الضرر فهو ألحقه بنفسه بجمعه بين ما ثبتت فيه الشفعة وما لا تثبت فيه ولأن في أخذ الكل ضررًا به لأنه ربما كان غرضه في السيف فيكون أخذه منه إضرارًا به من غير سبب يقتضيه.
كتاب الوقف وهو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، (1) ويجوز في كل عين يجوز بيعها وينتفع بها دائما مع بقاء عينها، ولا يصح في غير ذلك مثل الأثمان والمطعومات والرياحين (2) ولا يصح إلا على بر أو معروف، مثل ما روي «عن عمر أنه قال: يا رسول الله، إني أصبت مالا بخيبر لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه؟ قال: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث " قال: فتصدق بها
[العُدَّة شرح العُمْدة]