كتاب الجنائز
: باب كثرة ذكر الموت: ج 4 ص 4.
الجزء: 1 - الصفحة: 411
الْمُحْتَضِرُ، أي وهو من حضره الموت ولم يمت 1، لِجَنْبِهِ الأَيْمَنَ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، كالموضوع فِي اللحد، لأنه أبلغُ فِي الاستقبال، فَإِنْ تَعَذَّرَ لِضِيقِ مَكَانِ وَنَحْوِهِ، أي كما إذا كانت به علَّة تمنع من ذلك، أُلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهُهُ وَأَخْمُصَاهُ لِلْقِبْلَةِ، والوجه الثاني: أنه يضجع على قفاه وَأَخْمَصَاهُ 2 إلى القبلة كما يوضع البخاري فِي الصحيح: كتاب الرقاق: باب سكرات الموت: الحديث (6512). ومسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (61/ 950). * عن أبي هريرة - رضي الله عنه -؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [اجْتَنِبُواْ السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ] قِيْلَ: يَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: [الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ؛ وَأَكْلُ الرِّبَا؛ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيْمِ؛ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ؛ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ] وفي رواية: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: [هُنَّ تِسْعٌ] فذكر معناه وزاد: [وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَاسْتِحْلاَلُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا].
رواهما أبو داود فِي السنن: كتاب الوصايا: الحديث (2875 و 2876). وإسنادهما حسن.
الجزء: 1 - الصفحة: 412
على المغتسل وعليه العمل، وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ، للأمر به فِي صحيح مسلم 3 والجمهور على الاقتصار على لا إله إلاّ الله، بِلاَ إِلْحَاحٍ، لئلا يضجر 4. وهذا التلقين قبل التوجيه صرَّح به الماوردي.
وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ ﴿يس﴾، للأمر به كما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان 5، وروى الآجريُّ فِي النصيحة من حديث أُمِّ الدرداء مرفوعًا [مَا مِنْ مَيِّتٍ يُقْرَأُ عَلَيْهِ ﴿يس﴾ إِلاّ هُوِّنَ عَلَيْهِ] 6، وَلْيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، للأمر به كما أخرجه مسلم 7، ومعناه أن يظُنَّ أن الله تعالى يرحمه ويرجو ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 413
فَإِذَا مَاتَ غُمِّضَ، للاتباع كما أخرجه مسلم 8، وَشُدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ، أي عريضةٍ تعمهما وتُربط فوق رأسهِ لئلا يقبح منظرهُ ويدخله الهوام، وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ، تسهيلًا للغسل، وَسُتِرَ جَمِيعُ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ، للاتباع 9، وَوُضِعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ، لئلا ينتفخ 10، وقدَّره بعضُهم بعشرينَ درهمًا، وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، أي لا على فراش لئلا يحمى فيتغير 11، وَنُزِعَتْ ثِيَابُهُ، أي التي مات فيها، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: الحديث (7405). • عن أنس؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ عَلَى شَابٍّ، وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ: [كَيْفَ تَجِدُكَ؟ ] قَالَ: وَاللهِ! يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَرْجُو الله وَإِنِّى أَخَافُ ذُنُوبِيِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ، إِلَّا أَعْطَاهُ الله مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَاف].
رواه الترمذي فِي الجامع: كتاب الجنائز: الحديث (983)، وقال: هذا حديث حسن غريب.
الجزء: 1 - الصفحة: 414
لأنها تحمى عليه فيتغير، وقيَّدها فِي الوسيط بالمُدْفِية، وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ كَمُحْتَضَرٍ، لأنها أشرف الجهات، وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ، لوفور شفقته، وَيُبَادِرُ بِغُسْلِهِ إِذَا تُيُقَّنَ مَوْتُهُ، للأمر به كما أخرجه أبو داود 12.
وَغُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ فُرُوضُ كِفَايَةٍ، بالإجماع؛ ومراده إذا كان الميت مُسلمًا، نعم يجب تكفين الذُّمِّي ودفنه فقط وفيه وقفة كما سيأتي، وَأَقَلُّ الْغُسْلِ تَعْمِيمُ بَدَنِهِ بَعْدَ إِزَالَةِ النَّجَسِ، كذا وافق هنا الرافعي على ذلك بخلاف ما صححه فِي غسل الجنابة كما سلف فِي بابه، وَلاَ تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ فِي الأَصَحِّ، لأن الميت ليس من أهلها، والثاني: نعم كغسل الجنابة وفيه قوة لأنه عمل، فَيَكْفِي غَرَقُهُ أَوْ غَسْلُ كاَفِرِ، بناءً على عدمِ وجوبِها.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ وُجُوبُ غُسْلِ الْغَرِيقِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنا مأمورون بغسله ولم يغسل.
وَالأَكْمَلُ وَضْعُهُ بِمَوْضِعٍ خَالٍ مَسْتُورٍ، أيْ لا يدخله إلاّ الغاسل ومن يُعينه، لأنه كان فِي حياته يستتر عنده فكذلك يستتر بعد موته، عَلَى لَوْحٍ، لئلا يصيبه الرشاش، وَيُغَسَّلُ فِي قَمِيصٍ، لأنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - غُسِّلَ فِيْهِ كما صححه الحاكم 13، بِمَاءٍ
الجزء: 1 - الصفحة: 415
بَارِدٍ، لأنه يصلبه، والحار يسرع إليه الفساد؛ اللَّهُمَّ إلاّ أن يحتاج إليه.
وَيُجْلِسُهُ الغَاسِلُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ مَائِلًا إِلَى وَرَائِهِ، لأن اعتداله يحبس الخارج، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ، وَإِبْهَامَهُ فِي نُقْرَةِ قَفَاهُ، لئلا يتمايل رأسه، وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَيَمِرُّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ إِمْرَارًا بَلِيغًا، أى فِي التكرار لا فِي شدة الإجهاد، قال الماوردي: بحيث لا يؤدي إلى هتك الميت؛ لأن احترامَهُ واجبٌ، لِيَخْرُجَ مَا فِيهِ (•)، أي من الفضلات كالحي يتغوط ويبول أوَّلًا، وخشية من خروجه بعد الغسل، ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ وَيَغْسِلُ بِيَسَارِهِ وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ سَوْأَتَيْهِ، كما يستنجي الحيُّ بعد قضاء حاجته، ثُمَّ يَلُفُّ أُخْرَى، وَيْدْخِلُ أُصْبُعَهُ فَمَهُ وَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ، كما يستاك الحي، وَيُزِيلُ مَا فِي مِنْخَرَيْهِ مِنْ أَذًى كَالاِسْتِنْثَارِ وَيُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ، أي حتى يراعي المضمضة والاستنشاق، لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [إِبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا] متفق عليه 14، ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثُمَّ لِحْيَتَهُ بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ،
أى كالخطمى لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [اِغْسِلْنَهَا بَمَاءٍ وَسِدْرٍ] متفق عليه أيضًا 15، وَيُسَرِّحُهُمَا، أي شعر رأسه ولحيته، بِمِشْطٍ وَاسِعِ الأَسْنَانِ بِرِفْقٍ، ليقل الانتتاف، وَيَرُدُّ الْمُنْتَتَفَ إِلَيْهِ، أي ويدفنه معه 16، وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ، أى المقبل (•) فِي الهامش نسخة (3): بَلَغَ مُقَابَلَةً فَصَحَّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 416
من عنقه وصدره وفخذه وساقه، ثُمَّ الأَيْسَرَ، كذلك، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرَ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظَّهْرَ إِلَى الْقَدَمِ ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْمَنَ فَيَغْسِلُ الأَيْسَرَ كَذَلِكَ، للحديث السالف [إِبْدَأْنَّ بِمَيَامِنِهَا] (706)، فَهَذِهِ غَسْلَةٌ، أي منظفة، وَيُسْتَحَبُّ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ، أي كغسل الجنابة فإن لم يُنَقَّ زاد وسُنَّ الإيتار 17، وَاعْلَمْ أنه يغسل بعد زوال السدر ثلاثًا بالقراح، وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الأُوْلَى بِسِدْرٍ أَوْ خِطْمِيِّ، أما السدر فللحديث السالف، لكن ظاهره يقتضى أنه فِي الجميع، وأما
الخطمى فلأنه قائم مقامه والخِطمى بكسر الخاء وحكى فتحها، ثُمَّ يُصَبُّ مَاءَ قَرَاحٍ، أي خالص وهو بفتح القاف، مِنْ فَوْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، أى وهذه أول الثلاث كما سلف، وَأَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ قَلِيلَ كَافُورٍ، لأن الجسم يتصلَّبُ به وتَنْفِرُ الهوامُ من رائحتهِ، وفي الأخرة آكد للحديث الصحيح فيه 18، ويستثنى من ذلك الْمُحْرِمُ كما سيأتي، وخرج بالقليل الكثير إلاّ أن يكون صلبًا، وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَهُ، أي بعد الغسل، نَجِسٌ، أي من الفرج وغيره، وَجَبَ إِزَالَتُهُ فَقَطْ، تطهيرًا له،
وَقِيلَ، يجب إزالته، مَعَ الْغُسْلِ إِنْ خَرَجَ مِنَ الْفَرْجِ، ليختم أمره بالأكمل، وَقِيلَ: الْوُضُوءُ، أى وجب إزالته مع الوضوء إن خرج من الفرج كالحي، أما إذا خرج من غير الفرج فلا يجب غير إزالته قطعًا، وللإمام احتمال فِي إعادة الغسل، والخلاف فِي الخارج قبل التكفين، أما بعده فلا يجب وضوء ولا غسل قطعًا، قال المصنف فِي شرح المهذب: وإطلاق الجمهور يحمل عليه.
ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا وَاجْعَلْنَ لَهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ] ينظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: فصل فِي الغسل: باب ذكر البيان بأن أمَّ عطية إنما مشطت قرونها بأمر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لا من تلقاء نفسها: الحديث (3022).
الجزء: 1 - الصفحة: 417
وَيُغَسِّلُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، إلحاقًا لكل جنس بجنسه، وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ، كالزوجة وأَولى، اللهم إلاّ أن تكون مزوجة أو معتدة أو مستبرأة، وَزَوْجَتَهُ، لحديث صحيح فيه 19 ويستثى الرجعية، وَهِيَ زَوْجَهَا، بالإجماع كما نقله ابن المنذر؛ ويستثنى الرجعية أيضًا 20، وَيَلُفَّانِ خِرْقَةً، وَلاَ مَسَّ، أى عند غُسْلِ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ خوفَ انتقاض طُهْرِ الْمَاسِّ 21.
فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إِلاَّ أَجْنَبِيٌّ، أى والميتُ امرأة أجنبيةٌ، أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ، أي وكان الميت رجُلًا، يُمِّمَ، أي الْمَيِّتُ، فِي الأَصَحِّ، إلحاقًا لفقد الغاسل بفقد آلة الغسل لما فِي الغسل من النظر الْمُحَرَّمِ، والثاني: يغسل فِي ثيابه ويلفُّ الغاسلُ خِرقةً على يدهِ ويغمض طرفَهُ ما أمكنه إلاّ لضرورة، وصححه الماوردى ونقله عن النص وزيف الأول.
وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ أَوْلاَهُمْ بِالصَّلاَةِ، عليه كما سيأتي بيانه، والأصح: أن الزوجة لا تقدم عليهم بل يقدم رجال العصبات، ثم الرجال الأجانب ثم الزوجة ثم النساء المحارم، قال القاضي: لكن الخال أَولى من ابن العم لمحرميته ولا مدخل لتقديم
الجزء: 1 - الصفحة: 418
الوالي هنا وإن قبل به فِي الصلاة، وَبِهَا، أى وأولى النساء بغسلها، قَرَابَاتُهَا، لوفور شفقتهن، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى زَوْجٍ فِي الأَصَحِّ، لأنهن أليق، والثاني: أنه يقدم عليهن، لأنه يطَّلِعُ على ما لا يَطَّلِعْنَ عليه، وَأَوْلاَهُنَّ ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ، لوفور الشفقة، ثُمَّ الأَجْنَبِيَّةُ، قُلْتُ: ويقدم عليها ذوات الولاء كما نص عليه إمامنا، ثُمَّ رِجَالُ الْقَرَابَةِ كَتَرْتِيبِ صَلاَتِهِمْ، لأنهم يطلعون على ما لا يِطلع غيرهم عليه.
قُلْتُ: إِلَّا ابْنَ العَمِّ وَنَحْوَهُ، أي وهو كل قريب ليس بِمَحْرَمٍ، فَكَالأَجْنَبِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمْ، أى لا حَقَّ لهُ فِي الغسل، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ، أى على رجال القرابة، الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ، لأنه يطلع منها على ما لا يطلعون عليه، والثاني: لا؛ بل يقدمون عليه؛ لأن النكاح ينتهي بالموت وسبب المحرمية يدوم ويبقى.
فَرْعٌ: كل مَن قدمناه شرطه الإسلام وأن لا يكون قاتلًا.
وَلاَ يُقْرَبُ الْمُحْرِمُ طِيبًا، وَلاَ يُؤْخَذُ شَعْرُهُ وَظُفْرُهُ، إبقاءًا لأثر إحرامه 22، وَتُطَيَّبُ الْمُعْتَدَّةُ، أى الْمُحِدَّةُ، فِي الأَصَحِّ، لزوال المعنى فيها وهو التفجع ونحوه بالموت، والثاني: لا، كَالْمُحْرِمِ.
واحترزتُ بِالْمُحِدَّةِ عن الرجعية! فإنه لا إحداد عليها.
وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَخْذُ ظُفْرِهِ وَشَعْرِ إِبْطِهِ وَعَانَتِهِ وَشَارِبِهِ، كما يتنظف الحيُّ بها، لأنها من كمال الطهارة.
قُلْتُ: الأَظْهَرُ، أي المنصوص فِي الأُمِّ والمختصر، كَرَاهَتُهُ وَالله أَعْلَمُ، لأنه لم يصح فهو مُحْدَثٌ، وصحَّ النهىُّ عن محدثات الأمور 23، وكما لا يختن، قال فِي الروضة: وصرح الأكثرون
الجزء: 1 - الصفحة: 419
أو الكثيرون بأن الجديد: أنه لا يستحب؛ والقديم: أنه يكره، وهذه الأمور تفعل قبل الغسل.
ورأيتُ فِي كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أن من سنن الغسل أخذ الشعر والتشهد عند غسله هذا لفظه.
فَصْلٌ: يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا، أي فيجوزُ تكفين المرأة بالحرير بخلاف الرجل والخنثى، وفي فتاوى الحناطي: أن بعض الورثة إذا أسرف فِي كفن الميت يَغْرَمُ للباقين قِيْمَةَ ما أسرفَ فيه، وَأَقَلُّهُ ثَوْبٌ، لأن ما دونه لا يسمى كفنًا، نعم يكفي ما يستر العورة على الأصح قاله فِي الروضة وخالف فِي مناسكه الكبرى فصحح: أن أقلَّه ثوب ساتر لجميع البدن 24، وَلاَ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِ، أي بخلاف الثوب الثاني والثالث؛ لأنهما حقه، والأول حقُّ الله تعالى.
وَالأَفْضَلُ لِلرَّجُلِ ثَلاَثَة، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كُفِّنَ فِيها، متفق عليه 25، ولو عبَّر بالذِّكَرِ لكانَ أَولى؛ لأنه ذَكَرَ فِي آخر الباب أن الصبى كالرجل فِي ذلك، نعم يستثنى ما لو كفن من بيت المال حيث يجب، فإن الأصح تكفينه فِي واحد وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلاَلَةٌ؛ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ الْمَهْدِيِّيْنَ].
رواه الترمذي فِي الجامع: كتاب العلم: باب ما جاء فِي الأخذ بالسنة: الحديث (2676)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 420
لتأدي الواجب به لا فِي ثلاثة، قال القاضي والبغوي: وكذا مالُ المسلمين عند فقد بيت المال، قال ابن الصلاح فِي فتاويه: وكذا وقفُ الأكفان، وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ، أى من غير كراهة؛ لأن ابن عمر كَفِّنَ ابنًا له فِي خمسة أثواب قميص وعمامة وثلاث لفائف، رواه البيهقى 26، والزيادة على الخمسة لا يبعد تحريمها ثم رأيته بعده مصرحًا به فِي شرح ابن يونس، وَلَهَا خَمْسَةٌ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كفَّنَ بنته أُمُّ كلثوم فِي الحَقاءِ وهو الإزارُ؛ ثم الدرع؛ ثم الخمار؛ ثم الملحفة؛ ثم أُدرجت بعد فِي الثوب الآخر، رواه أبو داود ولم يضعفه 27.
فَرْعٌ: الخنثى كالمرأة.
وَمَنْ كُفِّنَ مِنْهُمَا بِثَلاَثَةٍ فَهِيَ لَفَائِفُ، أى ليس فيها قميص ولا عمامة فِي حق الرجل تأسيًا به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فلو كانا فيه لم يكره على الأصح، والثَّلاَثُ سوابغ للمراة وكذا للرجل على الأصح، وَإِنْ كُفِّنَ فِي خَمْسَةٍ زِيدَ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ تَحْتَهُنَّ، إقتداءً بفعل ابن عمر كما سلف، وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسَةٍ فَإِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ، اقتداء بفعله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بأم كلثوم كما سلف، وَفِي قَوْلٍ: ثَلاَثُ لَفَائِفَ وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ، أى واللفافة الثالثة بدل القميص، لأن القميص لم يكن فِي كفنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وهذا منصوص الجديد؛ والأوَّل ينسيب إلى القديم.
وَيُسَنُّ الأَبْيَضُ، للأمر به كما صححه الترمذي 28، فلو كانت كلها حِبْرَةً لم
الجزء: 1 - الصفحة: 421
تُكره، وَمَحَلُّهُ أَصْلُ التَّرِكَةِ، بالإجماع، نعم إن تعلق بعين التركة حقٌّ قُدِّمَ عليه كما سيأتي فِي الفرائض إن شاء الله تعالى، وسائر التجهيز من أصل التركة أيضًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أي تركة، فَعَلَى مَن عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، مِنْ قَرِيبٍ وَسَيِّدٍ، اعتبارًا بحال الحياة، وَكَذَا الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ، لأنها فِي نفقته فِي الحياة فيلزمه مؤنتها بعد الموت كالسيد مع العبد، والثاني: لا يجب عليه، ونقله الجويني عن أكثر الأصحاب؛ لزوال التمكن
المقابل للنفقة.
وظاهر كلام المصنف يوهم أنه لا يجب على الزوج ذلك إلاّ إذا لم يكن لها تركة لِعَطْفِهِ إِيَّاهُ على ما قدمه وهو خلاف ما فِي الروضة تبعًا للشرح فإنهما اعتبرا مالها عند عدم ماله.
فَرْعٌ: حكم مؤن التجهيز حكم الكفن ذكره الرافعي فِي الْمُحَرَّرِ.
فَرْعٌ: هل يلزمه كفن خادم الزوجة وتجهيزها؟ فيه الوجهان فِي الروضة قاله الرافعي فِي النفقات.
وَيُبْسَطُ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ، وَأَوْسَعُهَا، وَالثَّانِيَةُ فَوْقَهَا وَكَذَا الثَّالِثَةُ، قياسًا على الحيِّ؛ فإنه يجعل أجمل ثيابه فوق 29، وَيُذَرُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ، لئلا يسرع بلاء الأكفان، قال الماوردي: وهذا من افراد الشافعي - رضي الله عنه - 30، وَيُوضَعُ
الجزء: 1 - الصفحة: 422
الْمَيِّتُ فَوْقَهَا مُسْتَلْقِيًا وَعَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ، لدرء الهوام عنه وتقويته كما مضى فِي غسله، ولو حذف قوله (وَكَافُورٌ) كان أولى؛ لأنه يدخل فِي الحنوط، وَيُشَدَّ أَلْيَاهُ، إحكامًا لمنع الخارج، وَيُجْعَلُ عَلَى مَنَافِذِ بِدَنِهِ، أي كالعين والأذن والمنخر والمخرج، قُطْنٌ، أى مع حنوط لينشف فضلاتها المفسدة للبدن، ويجعل الطيب على مساجده أيضًا، أي بقطن، وَيُلَفُّ عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ وَتُشَدُّ، لئلا ينتشر بحركته، وكيفية اللف أن يثني جنبه الأيسر ثم الأيمن على الأصح كما يلبس الحي القباء، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ
نُزِعَ الشِّدَادُ، لاستتاره بالقبر فلا يضر انتشار كفنه 31، وَلاَ يُلْبَسُ الْمُحْرِمُ الذِّكَرُ مُخِيطًا، وَلاَ يُسْتَرُ رَأْسُهُ وَلاَ وَجْهُ الْمُحْرِمَةِ، إبقاء لأثر الإحرام، ووقع فِي الْمُحَرَّرِ: أنه لا تلبسُ الْمُحْرِمَةُ مَخِيْطًا وَهُوَ وَهْمٌ.
فَرْعٌ: لا يعقد على الرجل المحرم ثوبه كعقد الرداء.
فَرْعٌ: الخنثى المشكل ينبغى أن يُكتفى بكشف وجهه أو رأسه.
فَصْلٌ: وَحَمْلُ الْجَنَازَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ التَّرْبِيعِ فِي الأَصَحِّ، للاتباع 32 والثاني: التربيع وهو واهٍ، والثالث: أنهما سواء، وهذا إذا أراد أن يقتصر على أحدهما، والأفضل أن يجمع بينهما بأن يحمل تارة كذا وتارة كذا، وقال الماوردي:
الجزء: 1 - الصفحة: 423
بأن يحملها خمسة، وَهُوَ، أي الحمل بين العمودين، أَنْ يَضَعَ الْخَشَبَتَيْنِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ وَرَأْسَهُ بَيْنَهُمَا، إي فإن عجز أعانَهُ رجلان خارجها، وَيَحْمِلُ الْمُؤَخِّرَتَيْنِ رَجُلاَنِ، وَالتَّرْبِيعُ أَنْ يَقَدَّمَ رَجُلاَنِ وَيَتَأَخَّرَ آخَرَانِ، وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا بِقُرْبِهَا أَفْضَلُ، للاتباع فيهما 33، وَيُسْرَعُ بِهَا، استحبابًا للأمر به، متفق عليه 34، إِنْ لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرُهُ، أي فيتأنى، فإن خيف عليه تغيرًا أوِ انفجارًا أو انتفاخًا زِيْدَ فِي الإسراع.
فَرْعٌ: يُستحب لمن مَرَّت به الجنازة أن يدعو لها وأن يُثني عليها إن كانت له أهلًا، وأن يقول من رآها: سبحان الله الحىِّ الذي لا يموتُ، أو سبحان الملك القدوس، وفي الدعاء للطبراني من حديث أنس رفعه [مَنْ رَأَى جَنَازَةً فَقَالَ: الله أَكْبَرُ صَدَقَ الله وَرَسُولُهُ هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ زِدْنَا إِيْمَانًا وَتَسْلِيْمًا، كُتِبَ لَهُ عُشْرُونَ حَسَنَةً] 35 وعن نافع قال: [كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى جَنَازَةً قَالَ:
هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ زِدْنَا إِيْمَانًا وَتَسْلِيْمًا].
فَصْلٌ: لِصَلاَتِهِ أَرْكَانُ: أَحَدُهَا: النِّيَّةُ، كغيرها من الصلوات، وَوَقْتُهَا كَغَيرهَا، أي من الصلوات كما سلف فِي بابه، وَتَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ، أي ولا يحتاج إلى التعرض
الجزء: 1 - الصفحة: 424
لكونها فرض كفاية؛ لأن نية الفرض فِي هذا المقام تغنى عنه، وَقِيلَ: تُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِ كِفَايَةٍ، ليتميز عن فرض العين، وَلاَ يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ، أى ولا معرفته، بل لو نوى الصَّلاةَ على مَن يُصَلِّي عليهِ الإمامُ جَازَ، وهذا بخلاف الصلاة على الغائب فإنه لابد من تعيينه بقلبه، كما قاله ابن عجيل اليمني؛ وعُزِيَ إلى البسيط أيضًا، فَإِنْ عَيَّنَ، أي الميت، وَأَخْطَأَ، بأن نوى الصلاة على زيد فَبَانَ عَمْروًا، بَطَلَتْ، لأنه لَمْ يَحْضُرُ مَا نَوَاهُ، نَعَمْ لو أشار إليه صحت على الأصح تغليبًا للإشارة، وَإنْ حَضَرَ مَوْتَى نَوَاهُمْ، أى سواء عرف عددهم أم لا؟ !
الثَّانِي: أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ، لدوامه - صلى الله عليه وسلم - عليها من حين موت النجاشي إلى أن توفي
كما قاله القاضي عياض 36، فَإِنْ خَمَّسَ، أي عامدًا، لَمْ تَبْطُلْ فِي الأَصَحِّ، لثبوتها فِي مسلم 37، والثاني: نعم، كزيادة ركعة، وأجراه الجيلي فيما لو كبر سبعًا أو تسعًا وصحح الصحة، أما إذا كان ساهيًا فإن صلاته لا تبطل جزمًا، وأبدل فِي الكفاية العامد بالعالم؛ والساهي بالجاهل وعزاه إلى الرافعى وليس يجيد، وَلَوْ خَمَّسَ إِمَامُهُ لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الأَصَحِّ، لأن هذه الزيادة ليست مسنونة للإمام، بَلْ يُسَلِّمُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ، والثاني: يتابعه لتأكد المتابعة على الأصح.
الثَّالِثُ: السَّلاَمُ كَغَيْرِهَا، أى من الصلوات بصفته.
الرَّابِعُ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، لأن ابن عباس قرأ بها وقال [لِتَعْلَمُواْ أَنَّهَا سُنَّةٌ] رواه
الجزء: 1 - الصفحة: 425
البخاري 38، بَعْدَ الأُوْلَى، للاتباع كما رواه الشافعي واستشهد به الحاكم 39. قُلْتُ: تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ غَيْرِ الأُوْلَى، وَالله أَعْلَمُ، صرح به جماعة؛ وأشعر به نصه فِي موضع من الأُمِّ، وظاهر هذا أنه لو أخَّر قراءتها إلى الثانية فصاعدًا أنه يجزئ، والذي فِي الرافعي حكاية عن النص تأخيرها إلى الثانية، قُلْتُ: لكن روى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المروزي عن أبى أُمَامَةَ - رضي الله عنه - قال: [السُّنَّةُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ أَنْ يُكَبِّرَ ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ يُصَلِّى عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ يَخْلُصُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ وَلاَ يَقْرَأُ إِلَّا فِي التَّكْبِيْرَةِ الأُوْلَى ثُمَّ يُسَلِّمُ]، وهو حديث صحيح ملحق بالمسند 40. فَرْعٌ: لا يستحبُّ قراءة السورة على الأصح.
الجزء: 1 - الصفحة: 426
اَلْخَامِسُ: الصَّلاَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه من السُنَّة كما رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين 41، بَعْدَ الثَّانِيَةِ، كذا جزمَ به، وقياس ما سبق فِي الفاتحة عدمُ تعيينها فيها، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى الآلِ لاَ تَجِبُ، كغيرها وأَولى لبنائها على التحقيق، قال فِي شرح المهذب: وبه قطع الجمهور، والثاني: تجبُ.
فَرْعٌ: يندبُ الدُّعاءُ للمؤمنين والمؤمنات عَقِبَ الصلاة على الأصح تقريبًا للإجابةِ، وهل يستحبُّ الحمدُ قبل الصَّلاَةِ؟ فيه وجهان؛ أرجحهما فِي الروضة: نعم، والثاني: لا، هو مقتضى كلام الأكثرين؛ كما قاله الرافعي.
قال فِي الروضة: ولا يشترط ترتيب هذه الثلاثة لكِنَّهُ أَوْلى.
السَّادِسُ: الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، لأنه المقصود الأعظم منها وما قبله مقدمات له، وأقله ما يقع عليه الاسم، ولا بد من تخصيصه بالدعاء، ولا يكفي أرساله للمؤمنين والمؤمنات على الأصح، بَعْدَ الثَّالِثَةِ، يعني أن محله بعد التكبيرة الثالثة، قال فِي شرح المهذب: لا يجزي فِي غيرها بلا خلاف، وليس لتخصيصه بها دليل واضح، وقياس ما تقدم فِي الفاتحة؛ أنه لا يتعين الدعاء فِي الثالثة.
السَّابِعُ: الْقِيَامُ عَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ قَدَرَ، لأنها صلاة مفروضة فوجب فيها القيام مع القدرة كسائر الفرائض، وقيل: وجهان؛ أحدهما: إلحاقها بالنافلة، والثاني: إن تعينت عليه لم تصح إلاّ قائمًا وإلاّ صحَّت قاعدًا.
وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَاتِ، أى حذو منكبيه اقتداءً بابن عمر، كما رواه الشَّافِعِيُّ 42 ويضع يديه بعدَ كُلِّ تكبيرة على صدره كما فِي غيرها، وَإسْرَارُ الْقِرَاءَةِ، لقول أبي أُمَامَة بْنِ سَهْلٍ إنَّهُ السُنَّة، رواه النسائي 43، وَقِيلَ: يَجْهَرُ لَيْلًا،
الجزء: 1 - الصفحة: 427
لأنها صلاة ليل، وصححه جماعة، أما الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - فيُسِرُّ بها اتفاقًا وكذا الدعاء، وَالأَصَحُّ نَدْبُ التَّعَوُّذِ، لأجل القراءة ولقصره، دُونَ الاِفْتِتَاحِ، لطوله، والثاني: يستحبان كالتأمين، والثالث: لا يستحبان لطولهما بخلاف التأمين، ونقله فِي المهذب عن عامة الأصحاب؛ ونقل الاستحباب عن القاضي أبى الطيب وحده.
وَيَقُولُ فِي الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ ... إِلَى آخِرِهِ، وذكره الرافعي فِي المحرر بطوله، وهو آخذٌ بمعاني ما جمع من الدعاء، وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ، أي استحبابًا بـ[اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلاَمِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيْمَانِ] هذا الدعاء صححه ابن حبان والحاكم 44، وَيَقُولُ فِي الطِّفْلِ مَعَ هَذَا الثَّانِي: [اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا لأبَوَيْهِ وَسَلَفًا وَذُخْرًا وعِظَةً وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَفْرِغِ الصَّبْرَ عَلَى قُلوبِهِمَا]، زاد فِي الروضة تبعًا للرافعي [وَلاَ تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ وَلاَ تَحْرِمْهُمَا أَجْرَهُ].
وَيَقُولُ فِي الرَّابِعَةِ: [اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ]، للاتباع إلاّ أنه قال: ولا تُضِلَّنا بدل ولا تَفْتِنَّا، وزاد المحاملي وغيره [وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ]، ويستحبُّ تطويل الدعاء عَقِبَهَا، وقد صح من فعله - صلى الله عليه وسلم - 45. بِأُمِّ الْقُرْآنَ مُخَافَتَةً؛ ثُمَّ يُكَبِّر ثَلاَثًا وَالتَّسْلِيْمُ عِنْدَ الآخِرَةِ).
رواه النسائي فِي السنن: كتاب الجنائز: باب الدُّعاء: ج 4 ص 75.
الجزء: 1 - الصفحة: 428
وَلَوْ تَخَلَّفَ الْمُقْتَدِي بِلاَ عُذْرٍ فَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ إِمَامُهُ أُخْرَى بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، كتخلفه بركعة لأن كل تكبيرة كركعة، وَيُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ فِي غَيْرِهَا، أي كالصلاة والدعاء بناءً على أن ما أدركه المسبوق أول صلاته فيراعي ترتيب صلاة نفسه، وَلَوْ كَبَّرَ الإِمَامُ أُخْرَى قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْفَاتِحَةِ كَبَّرَ مَعَهُ وَسَقَطَتِ الْقِرَاءَةُ، كما لو ركع الإمام فِي سائر الصلوات عقب إحرام المسبوق
فإنه يركع معه، وَإِنْ كَبَّرَهَا وَهُوَ فِي الْفَاتِحَةِ تَرَكَهَا وَتَابَعَهُ فِي الأَصَحِّ، الخلاف كالخلاف فيما إذا ركع الإمام والمسبوق فِي أثناء الفاتحة وقد تقدم بيانه فِي بابه، وَإذَا سَلَّمَ الإِمَامُ تَدَارَكَ الْمَسْبُوقُ بَاقِي التَّكْبِيرَاتِ، كما يركع فِي غيرها ما بقي عليه، بِأَذْكَارِهَا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [صَلِّ مَا سَبَقَكَ وَاقْضِ مَا فَاتَكَ] رواه مسلم 46، وفِي قَوْلِ: لاَ تُشْتَرَطُ الأَذْكَارُ، لأن الجنازة ترفع بعد سلام الإمام فليس الوقت وقت التطويل.
وَيُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلاَةِ، أي كالطهارة وستر العورة وغيرهما؛ لأن الله تعالى ورسوله سَمَّياها صلاة فكانت كسائر الصلوات، لاَ الْجَمَاعَةِ، كسائر الصلوات، وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِوَاحِدٍ، لأنه لا يشترط الجماعة فكذا الجمع كما فِي غيرها 47، وَابْنُ عَبْدِكَ، كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ؛ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ؛ وَإِنْ كَانَ مُسِيْئًا فَاغْفِر لَهُ؛ وَلاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ].
رواه فِي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: فصل فِي الصلاة على الجنازة: الحديث (3062).
الجزء: 1 - الصفحة: 429
وَقِيلَ: يَجِبُ اثْنَانِ، لحصول الاجتماع بهما، وَقِيلَ: ثَلاَثَةٌ، لأنه أقل جمع، وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ، قاله الشيخُ أبو عليٍّ بناءً على ما اعتقده من عددِ حَمَلَةِ الجنازة.
وَلاَ يَسْقُطُ بِالنِّسَاءِ وَهُنَاكَ رِجَالٌ، أي وكذا رجلٌ واحدٌ، فِي الأَصَحِّ، نظرًا للميت، فإن دعاء الرجال أقرب إلى الإجابة، وأهليتهم للعبادات أكمل، والثاني: تسقط لصحة صلاتهن وجماعتهن، واحترز بقوله (وَهُنَاكَ رِجَالٌ) عما إذا لم يكونوا هناك، فإنهن يصلين للضرورة منفردات، ويسقط الفرض قاله صاحب الْعُدَّةِ، وظاهر المذهب: أنه لا يستحب لهن الجماعة فيها.
فَرْعٌ: الْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ.
فَرْعٌ: تسقط بصلاة الصبى المميز على الأصح فِي الروضة وشرح المهذب، ووقع فِي المناسك الكبرى تصحيحُ مقابله وهو سبق قلم.
وَيُصَلِّى عَلَى الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ، للاتباع فِي النجاشي 48، واحترز بالغائب عن البلد بالحاضر فيه الغائب عن موضع الصلاة، فلا يجوز أن يصلى عليه على الأصح حتى يحضر عنده، وإن كان محبوسًا فِي البلد فهل يشرع له؟ فيه نظر! الْعَبِيْدُ فَصَلَّوْا عَلَيْهِ أَرْسَالًا، لَمْ يَؤُمُّهُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحَدٌ).
رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: باب الجماعة يصلون على الجنازة أفذاذًا: الأثر (7006). قال البوصيري فِي الزوائد: إسناده فيه الحسين بن عبيد الله بن عباس الهاشمي، تركه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والنسائي؛ وقال البخاري: إنه كان يتهم بالزندقة؛ ورواه ابن عَدي وباقي رجال الإسناد ثقات.
إهـ. والحديث له شاهد عن أبي عسيب عند الإمام أحمد فِي المسند: ج 5 ص 81، وإسناده صحيح.
وآخر عند ابن ماجه فِي السنن: كتاب الجنائز: باب ذكر وفاته ودفنه - صلى الله عليه وسلم -: الحديث (1628). وعند البيهقي بإسناد عن سالم بن عبيد وفيه ضعف.
قال ابن حجر: قال ابن عبد البر: (وصلاةُ النَّاسِ عليهِ افذاذًا مُجمعْ عليهِ عندَ أهلِ السُّنَنِ، وجماعةِ أَهلِ النَّقْلِ لاَ يختلفونَ فيهِ): تلخيص الحبير: ج 2 ص 132.
الجزء: 1 - الصفحة: 430
وَيَجِبُ تَقْدِيمُهُا، يعني الصلاة، عَلَى الدَّفْنِ، لأنها فرض كفاية فلا تؤخر، وَتَصِحُّ بَعْدَهُ، للاتباع 49، وَالأَصَحُّ تَخْصِيصُ الصِّحَّةِ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا وَقْتَ الْمَوْتِ، لأن من كان من أهل الفرض حينئذ كان الخطاب متوجهاً عليه، فمتى أدَّى كان مؤدياً لفرضه، وغيره لو صلَّى كان متطوعاً وهذه الصلاة لا يتطوع بها، وعَبَّرَ جماعةٌ عن هذا الوجه بعبارة أخرى، فقالوا: مَن كان مِن أهل الصلاة صلَّى عليه ومن لا فلا، وقد صحح الرافعي هذه فِي الشرح الصغير والأولى فِي الْمُحَرَّرِ، وَلاَ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَالٍ، أي وكذا على قبر غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -عند وفاته: [لَعَنَ الله الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُواْ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ] يُحَذِّرُ مَا صَنَعُواْ، متفق عليه 50. فَرْعٌ: الْجَدِيدُ أَنَّ الْوَلّيَّ أَوْلَى بِإِمَامَتِهَا مِنَ الْوَالِي، لأن الصلاة من قضاء حق الميت؟ فالقريب أَولى بها كولاية النكاح، والقديم الوالي أَولى، ثم إمام المسجد، ثم الولي كسائر الصلاة وبه قال أكثر أهل العلم، والمراد بالولي القريب، ومحل الخلاف إذا لم يخف الفتنة من الوالي، وإلاَّ قُدِّمَ قطعاً كما أفهمه كلام البيان، نبَّه عليه صاحب الْمُعِيْنِ، فيُقَدَّمُ الأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ، أيْ أبو الأب، وَإِنْ عَلاَ، لوفور شفقتهما، ثُمَّ الابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ الأَخُ، لأنهم أشفق كما سيأتي، وَالأَظْهَرُ تَقْدِيمُ
الجزء: 1 - الصفحة: 431
الأَخِ لأَبَوَيْنِ عَلَى الأَخِ لأَبٍ، لزيادة القرب والشفقة كما فِي الميراث، والثاني: أنهما سواء، والأصح القطع بالأول، ثُمَّ ابْنُ الأَخِ لأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لأَبٍ، ثُمَّ الْعَصَبَةُ عَلَى تَرْتِيبِ الإرْثِ، لأن المقصود الدعاء، ودعاء هؤلاء أرجى فِي الإجابة، ثُمَّ ذُوُو الأَرْحَامِ، لأنَّ دعاءَ الرَّحِمِ أقربُ إجابةً، فيقدَّمُ أبُو الأُمِّ، ثم الأخُ لِلأُمِّ، ثم الخالُ، ثم العمُّ للأُمِّ، وَلَوِ اجْتَمَعَا فِي دَرَجَةٍ، أي كَابْنَيْنِ، فَالأَسَنُّ الْعَدْلُ أَوْلَى عَلَى النَّصِّ، أي فِي المختصر؛ لأن دعاء الأسَنِّ أقربُ إجابةً، وفي قول مُخرَّج: أنَّ الأفقه والأقرأ مقدَّمٌ عليه كسائر الصلوات، والفرقُ لائحٌ، والمرادُ بالأسنِّ الأكبرُ سِنَّاً فِي الإسلامِ لا الشيخوخة كما فِي الصلاة، واحترز بالعدل عن الفاسق والمبتدع فإنهما كالعدم، وَيُقَدَّمُ الْحُرُّ الْبَعِيدُ عَلَى الْعَبْدِ الْقَرِيبِ، أى كأخٍ هو عبدٌ وعمِّ حُرٌّ لأنها ولايةٌ، والحُرُّ من أهلها دون العبد.
فَرْغٌ: إذا استويا فِي السن المعتبر قُدِّمَ الأفقهُ والأقرأُ والأورعُ ثم يُقْرَعُ.
وَيَقِفُ، أي الإمامُ والمنفردُ، عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجُزِهَا، للاتباع كما حسنه الترمذي 51، والمعنى فِي الفرق محاولة ستر المرأة، والخنثى كالمرأة، ولا يبعد أن يأتى هذا فِي الصَّلاةِ على القبرِ.
وَتَجُوزُ عَلَى الْجَنَائِزِ صَلاَةٌ، لأن مقصودها الدُّعَاءُ، ويُمْكِنُ الجمعُ فيهِ، وَتَحْرُمُ، أي الصلاة، عَلَى الْكَافِرِ، بالإجماع، وَلاَ يَجِبُ غُسْلُهُ، لأنه كرامة، وليس من أهلها، نعم يجوز، وَالأَصَحُّ وُجُوبُ تَكْفِينِ الذِّمِّيِّ وَدَفْنِهِ، وفاءً بذمته، وينبغي أن يقطع
الجزء: 1 - الصفحة: 432
بوجوب ثوب واحد 52، والثاني: لا، لبطلانها بالموت، وحكاه القاضي عن الأصحاب، وخرجَ بالذميِّ الحربيُّ.
وَلَوْ وُجِدَ عُضْوُ مُسْلِمٍ عُلِمَ مَوْتُهُ صُلَّيَ عَلَيْهِ، لآثار عن الصحابة فيه 53، وخرج بالعضو الشعر والظفر ونحوهما، وبه قال الأكثرون، كما نقله عنهم فِي شرح المهذب، لكن قال فِي الروضة تبعاً للرافعي: أقربُ الوجهينِ إِنَّ حُكْمَهُمَا حُكْمُ غَيْرِهِمَا، قال فِي الْعُدَّةِ: إلاّ شعرة واحدة فِي ظاهر المذهب؛ إذا لا حرمة لها، وقياس ما ذكره أن لايغسل أيضاً ولا يُكَفَّن، وخرجَ بالمسلمِ الكافرُ وبعلم موته عما إذا لم يعلم، نعم الدفن لا يختص بهذا، بل ما ينفصل من الحي كَشَعْرٍ ونحوه يستحب له
دفنه، قال القفال فِي فتاويه: ويغسل المقطوع من الحي ويكفن أيضاً.
وَالسَّقْطُ إِنِ اسْتَهَلَّ أَوْ بَكَى كَكَيِرٍ، لقرله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ وُرِثَ وَصُلِّيَ
الجزء: 1 - الصفحة: 433
عَلَيْهِ] صححه ابن حبان والحاكم 54، وَإِلاَّ، أي وإن لم يستهل أو لم يبك، فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ كاَخْتِلاَجٍ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ، لظهور احتمال الحياة بسبب الامارة الدالة عليها، ورجح فِي شرح المهذب القطع به خلاف ما فِي الروضة، والثاني: لا؛ لعدم تيقن الحياة فيه بخلاف الاستهلال، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ، أي أمارة الحياة، وَلَمْ يَبْلُغْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ بَلَغَهَا فِي الأَظْهَرِ، لمفهوم
الحديث السالف، والثاني: نعم، لأن الرَّوْحَ تُنْفَخُ فيه حينئذٍ، كما ثبت فِي الحديث الصحيح 55.
فَرْعٌ: فِي غسله فِي الحالة الأُولى الخلاف فِي الصَّلاة عليه، وفي الثانية: لاَ يُغْسَلُ، وفي الثالثة: يُغْسَلُ على المذهب فيهما.
فَرْعٌ: ما لم يظهر فيه خِلْقَةُ آدمى، يكفي فيه المواراة كيف كانت، وبعد ظهور خَلْقِهِ حكم التكفين حكم الغسل.
الجزء: 1 - الصفحة: 434
وَلاَ يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، لأنه حَيُّ بِنَصِّ القرآن 56، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يغسل قَتْلَى أُحُدٍ وَلَمْ يُصَلِّ عليهم كما رواه البخاري 57، ثم المراد بترك الصلاة أنها حرام، وقيل: لا تجب بل تجوز، وَهُوَ مَنْ مَاتَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ، أي كما إذا تردي من فرسه، أو عاد إليه سلاحه، أو وجد قتيلاً عند انكشاف الحرب ولم يعلم سبب موته؛ سواء كان عليه أثر أم لم يكن! وخالف القفال فِي فتاويه فقال: إذا لم نَدْرِ أقُتل أم ماتَ حتفَ أنفهِ فليس بشهيد (•)، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَائِهِ، أي وقطع بموته من تلك الجراحة وبقي فيه بعد انقضاء الحرب حياة مستقرة، أَوْ فِي
الجزء: 1 - الصفحة: 435
قِتَالِ الْبُغَاةِ فَغَيْرُ شَهِيدٍ فِي الأَظْهَرِ، أما فِي الأُوْلى: فلأنه عاش بعد انقضاء الحرب، فأشبه ما لو مات بسبب آخر، وأما فِي الثانية: فلأنه قَتِيْلُ مسلمِ فَأَشْبَهَ ما لو قَتَلَهُ فِي غير القتال، والثاني: أنه شهيد فيهما، أما فِي الأُوْلى: فلأنه مات بجرح وُجد فيه، فأشبه ما لو مات قبل انقضائه، وأما فِي الثانية: فكالمقتول فِي معترك الكفار، أما إذا انقضت الحرب وليس فيه إلاّ حركة مذبوح فشهيد قطعاً، وإن انقضت وهو متوقع البقاء فغير شهيد قطعاً، ولو كان المقتول من أهل البغي فغير شهيد قطعاً، وَكَذَا فِي الْقِتَالِ، لاَ بِسَبَبِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، أى بل بمرض أو فجأة، لأن الأصل وجوب الغسل والصلاة عليه؛ خالفناه فيما إذا مات بسبب من أسباب القتال؛ تعظيماً لأمره وحثاً للناس عليه، والثاني: فيه وجهان.
وَلَوِ اسْتَشْهَدَ جُنُبٌ فَالأَصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُغَسَّلُ، أي عن الجنابة؛ لأنها طهارةُ حدث، فلم يجزكغسل الميت، والثاني: يِغسل لأن حنظلة قتل بأُحُد جنباً فغسلته الملائكة كما صححه ابن حبان والحاكم 58، وأجاب الأول: بأنه لو وجب لما سقط إلاّ بفعلنا، وأورد ابن سريح تكفينهم فمنعه الشيخ أبو إسحق وسلمة أبو الطيب، ولا خلاف أَنَّهُ لاَ يُغَسَّلُ بِنِيَّةِ غُسْلِ الْمَوتِ، وَأَنَّهُ تُزَالُ نَجَاسَتُهُ غَيْرَ الدَّمِ، أي الذي هو من أثر الشهادة؛ لأن الذى نبقيهِ أثر الشهادة؛ وهذه ليست من أثرها، والثاني: لا تُزال، لأنّا نُهينا عن غسله مطلقاً، والثالث: إن أدَّى غسلها إلى إزالة أثر الشهادة لم يغسل وإلاّ غسل، وَيُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ الْمُلَطَّخةِ بِالدَّمِ، أي استحباباً 59 ولو أراد الوارث أن
الجزء: 1 - الصفحة: 436
يأخذها ويكفنه من عنده جاز، أما ثيابُ الحربِ فَتُنْزَعُ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَوْبُهُ سَابِغاً تُمَّمَ، أى إلى أن يتم الكفن الواجب كما فعل بِمُصْعَبِ ابْنُ عُمَيْرٍ 60. فَصْلٌ: أَقَلُّ الْقَبْرِ حُفْرَةٌ تَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسَّبُعَ، أي عن نبشه، وخرج بالحفرة عما لو وضع على وجه الأرض ثم وضع عليه ما يمنع ذلك، فينبغي أن لا يكتفى به، إلا إذا تعذر الحفر، فإنه ليس بدفن، كما ذكره فِي الروضة أخر كتاب السرقة، ونقل الرافعي هنا عن البغوي فِي فتاويه ما حاصله الاكتفاء، وَيُنْدَبُ أَنْ يُوَسَّعَ وَيُعَمَّقَ، للأمر به كما صححه الحاكم 61. فَرْعٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَسَّعَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ورجليهِ للاتباع قامةً وبسطةً؛ لأنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَوْصَى أَنْ يُعَمَّقَ قَبْرَهُ لذلك ولم ينكرهُ أحدٌ 62، والمراد، قَدْرَ قَامَةٍ، رجل، وَبَسْطَةٍ، رجل معتدل يقوم ويبسط يديه مرفوعة، قال فِي الروضة: والجمهور على أنها أربعة أذرع ونصف (•).
الجزء: 1 - الصفحة: 437
فَائِدَةٌ: قيل: إن أصل الدفن أن قابيل لما قتل أخاه هابيل لم يدرِ ما يصنع به، فأرسل الله غراباً يبحث فِي الأرض تنبيهاً له فدفنه؛ وقال السديُّ فِي قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ يعني القبر 63. وَاللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ إِنْ صَلُبَتِ الأَرْضُ، لأنه كذا صُنِعَ بِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأوصى بذلك سعد بن أبى وقاص 64، فإن كانت رخوة فالشق أَولى لتعذر اللحد، وَيُوضَعُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ وَيُسَلُّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ، للاتباع 65، وَيُدْخِلُهُ الْقَبْرَ الرِّجَالُ، أي ولو كان الميت امرأة، لأنه يحتاج إلى قوة، وهُم أحرى بذلك،
الجزء: 1 - الصفحة: 438
وَأْوَلاَهُمُ الأَحَقُّ بِالصَّلاَةِ، أي عليه كما سلف، وذلك من حيث الدرجة والقرب لا من حيث الصفات، لأن الأسن مقدم على الأفقه فِي الصلاة، والأفقه مقدم على الأسن فِي الدفن، وكَذَا عَلَى الأَقْرَبِ كما نص عليه فِي الأُم، والمراد بالأفقه هنا الأعلم بإدخال الميت القبر لا أعلمهم بأحكام الشرع.
قُلْتُ: إِلاَّ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً مُزَوَّجَةً، فَأَوْلاَهُمُ الزَّوْجُ، وَالله أَعْلَمُ، لأنه أحق بمباشرتها.
وَيَكُونُونَ وِتْراً، يعني عدد الدافنين؛ لأنهُ - صلى الله عليه وسلم - دَفَنَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ كما
صححه ابن حبان 66، وَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ عَلَى يَمِينِهِ لِلْقِبْلَةِ، للاتباع، فلو وضع على اليسار كره، أما وضعه للقبلة فواجب على الأصح، وَيُسْنَدُ وَجْهُهُ إِلَى جِدَارِهِ، وكذا رجلاه ويجعل فِي باقي بدنه بعض التجافي، وَظَهْرُهُ بِلَبِنَةِ وَنَحْوِهَا، أى وهذا يمنعه من الاستلقاء وذاك من الانكباب، وَيُسَدُّ فَتْحُ اللَّحْدِ بِلَبِنِ، لأنه به يتم الدفن، وَيَحْثُو مَنْ دَنا ثَلاَثَ حَثَيَاتِ تُرَابٍ، أي بيديه جميعاً، لأنه - صلى الله عليه وسلم - حَثَى من قبل رأس الميت ثلاثاً 67. وقوله (مَنْ دَنَا) فيه إشارة لأخراج من بَعُدَ لكن عبارة ابن الرفعة: يستحبُّ ذلك لكل من حضر الدفن، ثُمَّ يُهَالُ، أي يصب، بِالْمَسَاحِي، لأنه أسرع إلى تكميل القبر، وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ شِبْراً فَقَطْ، ليعرف فيزار ويحترم، واستثنى الشيخان تبعاً للمتولي قبر المسلم بدار الكفار فيُخفى صيانه عنهم، وَالصَّحِيحُ أَنَ تَسْطِيحَهُ أَوْلَى مِنْ تَسْنِيمِهِ، تأسياً بقبره - صلى الله عليه وسلم - وقبري صاحبيه كما صححه الحاكم 68
الجزء: 1 - الصفحة: 439
والثاني: أن تسنيمه أَولى، وعلل بمخالفة شعار الروافض وهو غَلَطٌ! فكيف نترك سُنَّة لموافقة مبتدع، وَلاَ يُدْفَنُ اثْنَان فِي قَبْرٍ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدفنُ كلَّ ميتٍ فِي قبر ويأمر به، إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، أي بأن كثر القتلى أو الموتى فِي وباء أو هدم أو غيرهما، وعسر إفراد كل ميت بقبر، فيدفن الاثنان والثلاثة فِي قبر كقتلي أُحد، فَيُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا، إلى القبلة للاتباع 69، فيقدم الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة، ويقدم الأب على الابن والأم على البنت دون الابن.
وقوله (وَلاَ يُدْفَنُ) أي لا يستحب، صرح به الرافعي وغيره، وصرح السرخسي: بأنه لا يجوز.
فَرْعٌ: لا يجمع بين الرجال والنساء إلاَّ عند تأكد الضرورة، إلاّ إذا كان بينهما زوجية أو محرمية، فلا منع، قاله ابن الصباغ وغيره، ويجعل بين الميتين حاجز من التراب.
فَرْعٌ: لا يجوز أن يدفن ميت فِي موضع ميت حتى ييلى الأول بحيث لا يبقى منه شيء لا لحم ولا عظم؛ نقله فِي شرح المهذب عن الأصحاب قال: وقول الرافعي المستحبُّ فِي حال الاختيار أن يدفن كل إنسان فِي قبر فَمُأَوَّلٌ عن موافقتهم، قُلْتُ: وسُئل الحناطى عن ذلك ومن فتاويه نقلتُ.
وصورته هل يجوز أن يدفن ميت فِي قبر ميت آخر بعد ما بلى الأول وصار تراباً ومضى دهر طويل؟ فأجاب: بأن الأظهر جوازه إذا لم يوجد موضع آخر لدفن الثاني فيه.
وَلاَ يُجْلَسُ عَلَى الْقَبْرِ، وَلاَ يُوْطَأُ، لأنه صحَّ النهى عنهما 70، ويُستثنى ما إذا مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ).
رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الجنائز: باب فِي تسوية القبور: الحديث (3220). والحاكم فِي المستدرك: كتاب الجنائز: الحديث (1368/ 104)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
الجزء: 1 - الصفحة: 440
دعت الضرورة إلى الوطء كما إذا كان لا يصل إلى قبرِ ميِّتهِ إلاّ به، وفي الكافي: أنَّهُ يجوزُ وَطْؤُهُ لضرورةِ الدَّفنِ، وهَلْ يجوزُ لضرورةِ الزيارةِ؟ يحتملُ وجهين.
فَرْعٌ: قُلْتُ: يُكره الاستناد إليه ايضاً.
وَيَقْرُبُ زَائِرُهُ كَقُرْبِهِ مِنْهُ حَيّاً، احتراماً له 71.
فَضْلٌ: وَالتَّعْزِيَةُ سُنَّةٌ، للحث عليها 72، قَبْلَ دَفْنِهِ، لأنه وقت شدة الجزع، وَبَعْدَهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، لأن الحزن فيها موجود، وبعدها الغالب سُكُون قلب المصاب، فيُكره حينئذ، لأنه تجديدٌ للحزن، وابتداؤها من الدفن، وقيل: من الموت، وصححه الخوارزمي فِي كافيه قال: وقيل: بعد الدفن إلى تمام ذلك اليوم، ويستثنى ما لو كان الْمُعَزِّي أوِ الْمُعَزَّى غائباً، فإنها تستحب وإن كانت بعد الثلاث.
وَيُعَزِّى الْمُسْلِمُ بالْمُسْلِمُ: أَعْظَمَ الله أَجْرَكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وغفر، لِمَيَّتِكَ.
وَبِالْكَافِرِ: أَعْظَمَ الله أَجْرَكَ وَصَبَّرَكَ، أي ويعزي المسلم بالكافر الذمي لأنهما لائقتان بالحال، وَالْكاَفِرُ، أى الذمي، بِالْمُسْلِمِ: غَفَرَ الله لِمَيِّتِكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (96/ 971).
الجزء: 1 - الصفحة: 441
لما ذكرناه، وأهمل المصنف الكافر بالكافر لأنه اختار فِي شرح المهذب تركها، وفيه نظر إذا رُجِيَ إسلامُ المعزى فيقول له: أخلف الله عليك ولا نقص عددك.
وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، بالإجماع، وَبَعْدَهُ، للاتباع لكن قبله أولى 73، وقال ابن الصباغ: بعده مكروه، وقال الشيخ أبو حامد: وبعده ممنوع.
وَيَحْرُمُ النَّدْبُ بِتَعْدِيدِ شَمَائِلِهِ، أي كقولهم واكهفاه واحبلاه، وَالنَّوْحُ، أي وهو رفع الصَّوت بهذه الأشياء، وَالْجَزَعُ بِضَرْبِ صَدْرِهِ وَنَحْوِهِ، أي كشف الثوب وضرب الخد للنهي عنه 74.
الجزء: 1 - الصفحة: 442
قُلْتُ: هَذِهِ مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ: يُبَادَرُ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيَّتِ وَوَصِيَّتِهِ، مسارعة إلى فكاك نفسه، وقد صحح ابن حبان والحاكم حديث [نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ- أي محبوسة- بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ] 75، وتنفيذ وصيته تعجيلاً للخيرات، وَيُكْرَهُ تَمَنِّي الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، للنهي عنه، إِلاَّ لِفِتْنَةِ دِيْنٍ، للنص فيهِ؛ وتمني الشهادة من المحبوبات 76، قال ابن عباس: [لَمْ يَتَمَنَّ نَبِيٌّ الْمَوْتَ غَيْرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ] 77 وقال غيره: إنما تمنى الوفاة على الإسلام لا الموت 78.
وَيُسَنُّ التَّدَاوِيَ، للأمر به فإن تركه توكلاً فهو فضيلة، ونقل القاضي عياض الإجماع على عدم وجوبه وفيه نظر فِي الخائف من الهلاك إذا قدر على التداوي 79، وَالإِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ؛ وَالنَّيَاحَةُ] وَقَالَ: [النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ].
رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب التشديد فِي النياحة: الحديث (29/ 934).
الجزء: 1 - الصفحة: 443
﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: 7] فالأصل فِي الانسان أن يكون على طبيعة خلقه فِي الاستواء والاعتدال، وهى الحال الناشطة به للقيام بمسؤولياته فِي الحياة، بالقيام بالطاعات وتقصد القربات، أى القيام بالتكاليف الشرعية من تحمل الواجبات وترك المحرمات والزيادة فِي طلب القربات والمندوبات والحذر من المكروهات، واختيار من العمل ما يُطمع فيه برضوان الله والقبول عنده سبحانه وتعالي.
وإذا طرأ على الانسان ما يضحره او يعوقه عن مهامه أو أدائها بالتي هي أحسن وعلى الوجه الأتم الأكمل؛ أو يحول بينه وبين حاله السوية المعتدلة فِي حسن التقويم، فإنه يقتضي المعالجة على الفور أو التراخى بحسب الحال الطارئة عليه فِي حينها.
لأن الطارئ قد يكون مما لا يحتاج الانسان فيه إلى فكر ونظر ليعالجه، لما فطر الله على معرفته الإنسان والحيوان بالغريزة، مثل ما يدفع الجوع والعطش وهكذا.
ومنه ما يحتاج إلى الفكر والنظر كدفع ما يحدث فِي البدن من عوارض قد تخرجه من الاعتدال، أو يحدث فِي النفس ما يخرجها عن المعهود والاستقرار، أى يخرجها عن حال الاطمئنان وزوال الخوف.
وكلا النوعين مرض يحتاج المعالجة.
والمرض هو الفتور والسَّقَمُ؛ والفتور سكون بعد حِدَّةٍ، ولين بعد شدَّةِ وضعف بعد قوَّةٍ، والمراد هنا؛ بالسكون عن النشاط الطبيعي لفطرة الإنسان فِي إشباع جوعاته من المأكل أو المشرب، أو فِي إشباع شعور العجز فيه والتدين بالعبادة والاتباع؛ فيضعف الإنسان عن القيام بمهامه على الحال السوية لحياته وضروراتها المطلوبة منه.
ويطلق الفتور غالباً على العامل النفسي الذى يُسَكَّنُ بنشاط الإنسان بعد حدة، ويلين به بعد شدة، وهو ما يظهر بالخمول والتكاسل، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء / 19 - 20] أي لا يسكنون عن نشاطهم فِي العبادة.
فالفتور أحوال للنفس وتقلباتها فِي الدافع إلى الاتباع والميل إلى فعله بسكون أو حدة، لين أو شدة، ضعف أو قوة [ينظر مادة (مرض) ومادة (فتور) ومادة (سقم) فِي: معجم مقاييس اللغة، ترتيب القاموس المحيط: مختار الصحاح: المفردات فى غريب القرآن].
وَالسَّقَمُ المرضُ المختصُّ بالبدن.
وتنظر حال الانسان فِي الفتور، هل السكون واللين والضعف من سَقَمٍ أم من اضطرابِ خلجات النفس وقلق تدفقاتها العاطفية بدافع الشعور الفطري فِي داخله وتأثير العامل الفكري فِي معالجته، فتأتي فِي النفس شجون الحيرة والقلق أو متطلبات الأمان وحوافز الخوف، فصراع الأهواء، هوى الفطرة وهوى الفكرة، مما يحتاج =
الجزء: 1 - الصفحة: 444
الإنسان فيه إلى توازن الميل، وهذا كله من أمراض القلوب.
وتأتى معالجة أمراض القلوب بالرجوع إلى بارئها وفق ما جاء به النبي مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم -، فيقلب الإنسان فكره ومعتقده، بما يوصله إلى إرادة العمل بدافع التقوى على أساس الإيمان بالله وباليوم الآخر، ويجعله متبعاً إيماناً واحتساباً، وتسليماً يرفع الحرج من الصدر.
فمعالجة العامل النفسي المرضي تأتي بطريقة تحويل الأفكار إلى قناعات، أى تقوية الإيمان بها بإدراك الصلة بالله عز وجل عن طريق البحث والنظر، والتعلم والدراسة، والتفكر والتدبر.
وتدخل المعالجة فِي عموم إقراره عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ للصحاية بقولهم: [إِجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً].
أما أمراض الأبدان (السقم) وهو موضوع البحث، أى ما يطرأ فِي الجسم من عوارض أو على البدن، فإنه فِي غالبه يرجع فِي إدراكه إلى علم الأطباء وما توصل الباحثون إلى معرفته بالتجربة وإدراك سبل معالجته بالممارسة والخبرة.
وهو مما يحتاج إلى فكر أهل الاختصاص والدراية من الأطباء ونظرهم؛ والعلم به يدفع ما يحدث فِي البدن مما أخرجه عن الاعتدال، وذلك بإذن الله.
وما يحدث فِي البدن مما يخرجه عن الاعتدال هو إما إلى حرارة أو برودة، وكل منهما إما إلى رطوبة أو يبوسة أو إلى ما يتركب منهما.
وغالب ما يقاوم الواحد منهما بضده، والدفع قد يقع من خارج البدن وقد يقع من داخله وهو أعسرهما.
ويهدف الإنسان فِي التداوي إلى حفظ الصحة بما يعينه على القيام بالتبعات الشرعية وتحمل مسؤولياتها بكفاءة عاليه ونشاط، وإلى حفظ الصحة أَشَارَ القرآنُ الكريمُ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] وذلك أن السفر مظنة النصب وهو من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد، فأرخص الله للمسافر الفطر إبقاءً على الجسد وحفظاً للصحة والله أعلم.
وكذلك الاحتماء عن المؤذي جاء فِي قوله تعالي: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: 29] ومنه استنبط العلماء جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد، وهذا ما يخالف الإسلام به دين الترهب والتقشف فِي معتقدات الأديان الأخرى، بأن يضعفوا قواهم الجسمية حتي تقوى فيهم الناحية الروحية، فنجد الإسلام يحث على الشدة والقوة.
ثم كذلك يحصل التداوى كالجراحة أو العقاقير أو ما إلى ذلك؛ وجاء فِي هذا المعنى فِي أن الأصل إزالة الأذى؛ وقوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 196] =
الجزء: 1 - الصفحة: 445
فدلالة الخطاب تشير إلى جواز حلق الرأس الذى منع منه الْمُحْرِمُ، لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن فِي الرأس.
والأصل فِي الطب أنه خير للإنسان بما يحفظ الصحة له ويحميه من الأذى، أو يعالجه من الفتور والسقم، لأن فِي التداوى شفاء بإذن الله يرجع حال الإنسان الجسمية إلى حال الاعتدال.
- حَثُّ النَّاسِ عَلَى التَّدَاوِي وَطَلَبِ الدَّوَاءِ:
قال تعالى عن لسان إبراهيم -عليه السلام -: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 78/ 80] فبعد الخلق احتاج الناس إلى معرفة ربهم وسبل عبادته وطرائق طاعته، فبعث لهم الأنبياء والرسل، وأنبت لهم من خشاش الأرض ما يعيشون به فيأكلون، وأجرى لهم الأنهار وفجر لهم العيون ليشربون.
وإذا حصلت الحاجة بشكلها الطبيعي فسلوك الإنسان مطلوب ليتناول ما سخره الله له من الطيبات ويتجنب ما حرم عليه من الخبائث.
والمرض عارض طارئ على الإنسان من جراء اضطراب عملية اهتدائه، فشفاؤه بالاتباع أي اقتفاء أثر الرسول؛ وإذا كان مرضه من سقم وهو علل الجسم وطوارئه، فقد جعل الله فِي التداوي سبيلاً للشفاء بإذن الله.
فجعل الله إطعامه للإنسان بما أحل له من الطيبات وحرم عليه الخبائث؛ وجعل شفاءه للإنسان المريض بما أحل له من الدواء وحرم الخبيث (أي السم) وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن فِي الطب خيراً فقال: [ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً].
ولقد حث الشارع الناس على التداوي، فقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [تَدَاوَوْا] عن أسامة ابن شريك؛ قال: شَهِدْتُ الأَعْرَابَ يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -: أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: [عِبَادَ اللهِ! وَضَعَ الله الْحَرَجَ إِلاَّ مَنِ اقْتَرَضَ مِنْ عِرْضِ أَخِيْهِ شَيْئاً.
فَذَاكَ الَّذِي حَرَجٌ]، فَقَالُواْ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ عَلَيْنَا جُنَاحٌ أَنْ لاَ نتَدَاوَى؟ قَالَ: [تَدَاوَوْا، عِبَادَ اللهِ! فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً إِلاَّ الْهَرَمُ].
ولما كان طلب الدواء لازماً للإنسان، أرشد الشارع إليه، وهو مما يحتاج فيه إلى البحث والنظر وطلب العلم.
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [مَا أَنْزَلَ للهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً (أَوْ شِفَاءً) عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ] وفي دلالة الخطاب إشارة إلى أن من الأدوية ما لا يعلمه كل أحد؛ بل فى عصرنا الراهن صار علم الدواء واسعاً ومتشعباً وفيه متخصصون.
ونَبَّهَ الشارعُ على أن التداوى لا يتنافى مع التوكل على الله، ولا يناقض مفهوم =
الجزء: 1 - الصفحة: 446
القدر، يل ليس موضوعه القدر، ذلك أنه سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا، وَرُقي نَسْتَرْقِي بِهَا، وَتُقىً نَتَّقِيْهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا؟ قال: [هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ]، لأن قدر الله لا يسبقه شئ، فكيف يرد؟ عن أسماء بنت عميس قالت؛ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرَ تُسْرُعُ إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ فَقَالَ: [نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ].
والتداوي بقصد الشفاء من الأفعال التي كلف الله بها الإنسان، فهي من الأعمال التي يجب أن يتقيد بها المسلم بالأحكام الشرعية.
كدفع الجوع كالأكل، ودفع العطش بالشرب والارتواء، مع الفارق فِي النتيحة، لأن المرض يقع على الإنسان بقضاء الله، وجعل الله له الدواء، والشفاء من عند الله سبحانه وتعالى، فإذا أصاب دواء الداء برئ المريض بإذن الله، وإذا لم يصبه أجره على الله فِي الصبر والاحتساب.
باستثناء الهرم، أي الموت، لأنه لا دواء له، والهرم نقص الصحة طبيعياً، فحال الأنسان فيه يقترب من الموت.
ولقد نهى الشارع عن التداوي بحرام، فعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [إِنَّ الله أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلاَ تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ].
وعن أم سلمة مرفوعاً: [إِنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيْمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ].
وعن ابن مسعود موقوفاً: [إِنَّ الله لَمْ يَكُنْ لِيَجْعَلَ شِفَاءَكُمْ فِيْمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ].
وعن أبي مسعود قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيْثِ).
ومن دلالة النصوص المتقدمة يتضح للمكلف أن الأصل فِي الدواء ما كان حلالاً، ويحرم التداوي بالخبيث أو الحرام.
ولقد رخص الشارع التداوى بالحرام أو المحرم لعذر؛ عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام فِي لبس الحرير لحكة كانت بهما ورخص للأعراب المرضى أن يشربوا من أبوال الإبل بقصد التداوي بعد حصول الشكوى، ذلك: [أَنَّ رَهْطاً مِنْ عُرَيْنَةَ أَتَوا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالوْا: إِنَّا قَدِ اجْتَوَيْنَا الْمَدِيْنَةَ وَعَظُمَتْ بُطُونَنَا، وَارْتهَشَتْ أَعْضَاؤُنَا؛ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَلْحَقُواْ بِرَاعِي الإبِلِ، فَيَشْرَبُواْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَلَحِقُواْ بِرَاعِي الإِبِلِ فَشَرِبُواْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا ... الحديث].
والرخصة ما شرع من الأحكام لعذر، فيحصل بها إذن للمكلف من الشارع أن يفعل خلاف العزيمة فِي القيام بالفعل الممنوع أو ترك الفعل الواجب، وهى مقترنة بالحال التى استوجبها العذر فِي حينه، وليست على الدوام أو الإطلاق.
وفي بحث =
الجزء: 1 - الصفحة: 447
وَيُكْرَهُ إِكْرَاهُهُ عَلَيْهِ، أي على تناول الدواء للنهي عنه 80.
وَيَجُوزُ لأَهْلِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِمْ، أي كأصدقائه، تَقْبِيلُ وَجْهِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قَبَّلَ عُثمانَ بن مَظْعُونٍ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبَّلَ الصِّدِّيقُ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أيضاً 81، بل قال الروياني: يستحبُّ، وقال المصنف فِي الروضة فِي أوائل النكاح من زوائده: لا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح كما قيده بذلك.
التداوي بالمحرم من الخبائث والنجاسات ما يتحقق فيه مفهوم الرخصة، إذ خصَّ الشارع للمكلف بالتداوى بالبول وهو نجاسة، والتداوى بالحرير والذهب وهما ممنوعان على الرجال.
ويلاحظ أن ما يُرخص الشارع للمكلف به ليس بالضرورة فِي حال تحقق الهلاك، لأن الرخصة متعلقه بالعذر المضطر وهو خوف الهلاك لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة / 173 والأنعام / 145] أما تحقق الهلاك قطعاً، فهو حال أخرى غير الاضطرار، وتنظر من زاوية ما يؤدي إلى الحرام ويوصل إليه، وهذا ليس خاصاً بالرخصة، بل يشمل غيرها من المباحات، أي يقوم إدراك حكم الشارع فيه على أصل قاعدة (ما يوصل إلى الحرام حرام شرعاً) مما يوجب على المكلف نوع الفعل؛ وهذا من موضوعات أصول الفقه ولا مجال لبحثه هنا.
قُلْتُ: يندب التداوى، بقصد تقوية الجسم والبدن للعبادة والزيادة فِي الطاعة.
والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 448
وَلاَ بَأْسَ بِالإِعْلاَمِ بِمَوْتِهِ لِلصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ نَعَى النَّجَاشِيُّ فِي اليوم الذي مات فيه 82، بِخِلاَفِ نَعْيِ الْجَاهِلِيَّةِ، أي فإنه مكروهٌ وهو النداء بذكر مفاخره ومآثره.
وَلاَ يَنْظُرُ الْغَاسِلُ مِنْ بَدَنِهِ إِلاَّ قَدْرَ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ الْعَوْرَةِ، لأنه عورة كذا علله شارح التعجير، وحُكم المسِّ حُكم النظر، ويُكره نظرُ الْمُعِيْنِ أيضاً إلاّ لضرورة، وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ يُمِّمَ، أي لكونه محروقاً ولو غسِّل تهرّأ، أو فُقِدَ الماء يُمِّم، لأنه غسلٌ؛ لا لإزالة العين فناب التيمم عنه كغسل الجنابة.
وَيُغَسَّلُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ الْمَيِّتَ بِلاَ كَرَاهَةٍ، لأنهما طاهران كغيرهما، وَإِذَا مَاتَا غُسِّلاَ غُسْلاً وَاحِداً فَقَطْ، لأن الغسل الذى كانَ عليهما قد انقطع بالموت، وَلْيَكُنْ الْغَاسِلُ أَمِيناً، للأمر به كما رواه ابن ماجه 83، فَإِنْ رَأَى خَيْراً ذَكَرَهُ، ليُترحم عليه، أَوْ غَيْرَهُ حَرُمَ ذِكْرُهُ، لأنه ثبت الأمر بالكف عن مساوئ الموتى 84،
الجزء: 1 - الصفحة: 449
إِلاَّ لِمَصْلَحَةٍ، أي بأن كان مبتدعاً مظهراً لها فيذكره للزحر عن بدعته، فلا ينبغي أن يذكر شيئاً من العلامات التي تكره، فقد يَسْوَدُّ الوجه لثوران الدم ويميل لالتواء عصبٍ.
وَلَوْ تَنَازَعَ أَخَوَانِ، أي فِي درجة، أَوْ زَوْجَتَانِ، أي فِي الغسل، أُقْرِعَ، قطعاً للنزاع، وَالْكَافِرُ أَحَقُّ بِقَرِيبِهِ الْكَافِرِ، أي فِي تجهيزه لأنه وارثه.
وَيُكْرَهُ الْكَفَنُ الْمُعَصْفَرُ، أي للمرأة، أما للرجل فحرام كحياته، وَالْمُغَالاَةُ فِيهِ، للنهي عنه، وَالْمَغْسُولُ أَوْلَى مِنَ الْجَدِيدِ، لأن مآلَهُ إلى البلى.
وَالصَّبِيُّ كَبَالِغٍ فِي تَكْفِينِهِ بِأَثْوَابٍ، لأنه ذَكَرٌ فأشبه البالغ، وَالْحَنُوطُ مُسْتَحَبُّ، أي وليس بواجب، كما لا يجب الطيب للمفلس وإن وجبت كسوته، وَقِيلَ: وَاجِبٌ، لجريان العادة كالكفن ومنهم من حكاه قولاً، وَلاَ يَحْمِلُ الْجَنَازَةَ إِلاَّ الرِّجَالُ وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى، لأن النساء يضعفن عن الحمل.
وَيَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَّةٍ، أي كحملها فِي قُفَّةٍ أو غِرَارَةٍ 85 ونحوهما، وَهَيْئَةٍ يَخَافُ مِنْهَا سُقُوطُهَا، أي بل تحمل على لَوْحٍ وَنَحْوِهِ.
غريب.
إهـ. لأن فِي إسناده عَمْران بنُ أنسٍ المكِّيُّ منكر الحديث.
* أو لحديث عائشة رضي الله عنها؛ قالت: قَالَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: [خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي.
وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ].
رواه الترمذي فِي الجامع: الحديث (3895)، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
ورواه أبو داود فِي السنن: كتاب الأدب: باب فِي النهي عن سب الموتى: الحديث (4899) مرسلاً بلفظ: [إِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ لاَ تَقَعُواْ فِيْهِ].
* أو لحديث أُم منَصور بن عبد الرحمن؛ عن عائشة رضى الله عنها، قالت: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - هَالِكٌ بِسُوءٍ! فَقَالَ: [لاَ تَذْكُرُواْ هَلْكَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ].
رواه النسائي فِي السنن: باب النهي عن ذكر الهلكى إلا بخير: ج 4 ص 52.
الجزء: 1 - الصفحة: 450
وَيُنْدَبُ لِلْمَرأَةِ مَا يَسْتُرُهَا كَتَابُوتٍ، أي وهو النَّعْشُ كالقبة على السرير لما فيه من الصيانة، وَلاَ يُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا، للتأسي 86، أما الذهاب فالمشي أفضل كما سلف، ويكره الركوب إلاّ لعذر كبعد المكان، وَلاَ بَأْسَ بِاتِّبَاعِ الْمُسْلِمِ جَنَازَةَ قَرِيبهِ الْكَافِرِ؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أمر علياً أن يواري أبا طالب كما رواه أبوَ داود 87، ولا يُكره أيضًا خلافًا للروياني.
فَرْعٌ: لا تَحْرُمُ زيارةُ قبرهِ على الأصح.
وَيُكْرَهُ اللَّغَطُ فِي الْجَنَازَةِ؛ لأن الصحابة كرهوا رفع الصوت عندها كما رواه البيهقي 88، وَاِتْبَاعُهَا بِنَارٍ، أي يُبَخَّرُ بين يديها فِي مجمرة إلى القبر بالإجماع 89، والمعنى فِي ذلك التفاؤل.
فَرْعٌ: ويُكرهُ أنْ يكونَ عند القبرِ مجمرةٌ حالَ الدفن أيضًا.
وَلَوِ اخْتَلَطَ مُسْلِمُونَ، أي وكذا مسلم، بِكُفَّارٍ وَجَبَ غَسْلُ الْجَمِيعِ، وَالصَّلاَةُ، توصلاً إلى الواجب، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ، أي صلاة واحدة، بِقَصْدِ الْمُسلِمِينَ وَهُوَ الأَفْضَلُ وَالْمَنْصُوصُ، عليه؛ لأنه ليس فيه صلاة على كافر حقيقة،
الجزء: 1 - الصفحة: 451
أَوْ عَلَى وَاحِدٍ فَوَاحِدٍ نَاوِياً الصَّلاَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَاَن مُسْلِمًا.
وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، أي ويعذر فِي تردده فِي النية للضرورة.
فَرْعٌ: الحكم كذلك إذا اختلط الشهيد بغيره.
فَرْعٌ: يدفنون بين مقابر المسلمين والكفار.
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ تَقَدُّمُ غُسْلِهِ، وَتُكْرَهُ قَبْلَ تَكْفِينِهِ، فلَوْ مَاتَ بِهَدْمٍ وَنَحْوِهِ، أي كأن وقع فِي بئر، وَتَعَذَّرَ إِخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، لفقد الشرط، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْجَنَازَةِ الْحَاضِرَةِ وَلاَ الْقَبْرِ، عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا، تنزيلاً لها منزلة الإمام، وقد تقدم لك ما فِي تقدم المأموم عليه فِي بابه، قال الإمام: ولا يبعد أن يقال التجويز هنا أَولى؛ لأنها ليست إمامًا متبوعًا حتى يتيقن (•) تقدمه، واحترز بالحاضرة عن الغائبة؛ فإن ذلك يُحْتَمَلُ فيها للحاجة، وَتَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، أي من غير كراهة، بل صرَّح الشيخ أبو حامد وغيره بالاستحباب للاتباع، فِي سهيل بن بيضاء وأخيه كما أخرجه مسلم، قال ابن حبان: وما يعارضه باطل 90.
وَيُسَنُّ جَعْلُ صُفُوفِهِمْ ثَلاَثَةً فَأَكْثَرَ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلاًثةُ صُفُوفٍ
فَقَدْ أَوْجَبَ] , صححه الحاكم وفي لفظ [فَقَدْ غُفِرَ لَهُ] 91، وَإِذَا صُلَّيَ عَلَيْهِ (•) فِي النسخة (3): يَتَعَيَّنُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 452
فَحَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَّى؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى على قبور جماعة، ومعلوم أن هؤلاء ما دفنوا إلاّ بعد الصلاة عليهم، وَمَنْ صَلَّى لاَ يُعِيدُ عَلَى الصَّحِيحِ، أي لا تستحب الإعادة، وإن صلّى منفردًا, لأن الجنازة لا يُتَنَفَّلُ فيها بخلاف غيرها، فلو صلَّى صحَّت، وفيه احتمال قوي للإمام، والثاني: يستحبُّ كغيرها، والثالث: تَحْرُمُ، حكاه الرويانى.
فَرْعٌ: تقع الثانية نفلاً، وقيل: فرضاً.
وَلاَ تُؤَخَّرُ لِزِيَادَةِ مُصَلِّينَ، أي ولا لانتظار أحد غير الولي، ولا بأس بانتظار وليها إن لم يخف تغيرها، فإذا صُلِّيَ عليه بودر إلى دفنه فتلك كرامته، ولو قيل بالتأخير لأجل كثرتهم لم يبعد.
وَقَاتِلُ نَفْسِهِ كَغَيْرِهِ فِي الْغُسْلِ وَالصَّلاَةِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ
مُسْلِمٍ بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ] قال البيهقي: هو أصح ما فِي الباب إلاّ أن فيه إرسالًا 92، وَلَوْ نَوَى الإِمَامُ صَلاَةَ غَائِبٍ، وَالْمَأْمُومُ صَلاَةَ حَاضِرٍ، أَوْ فِي الجامع: كتاب الجنائز: باب ما جاء فِي الصلاة على الجنازة وَالشَّفَاعَةُ للميت: الحديث (1028). والحاكم فِي المستدرك: كتاب الجنائز: الحديث (1341/ 77)، ولفظه: [مَا صُفَّ صُفُوفٌ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ عَلَى جَنَازَةٍ إِلَّا أَوْجَبَتْهُ] , وقال: هذا اللفظ حديث ابن عليه فِي لفظ المحبوبي: [إِلَّا غُفِرَ لَهُ] , ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي بقوله: على شرط مسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 453
عَكَسَ؛ جَازَ؛ لأن اختلاف نيتهما لا يضر كما لو اقتدى فِي الظهر بالعصر.
وَالدَّفْنُ فِي الْمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ، للاتباع، قُلْتُ: إلَّا فِي حق الشهيد، فإنه يستحب أن يدفن حيث قتل للحديث فيه 93 وإن لم أره منقولاً عندنا، قال الحناطي فِي فتاويه؛ ومنها نقلت: ولو دفن لا يجوز نبشه، ثم نقل عن القفال أنه قال فِي فتاويه: إنه يجوز، والدفن فِي البيت ابتداء مكروه، واحتج بما روى أنه - صلى الله عليه وسلم - أذن لامرأة فِي نقل ميتها من بدر إلى مدافن قومها 94، وَيُكْرَهُ الْمَبِيتُ بِهَا، لما فيها من الوحشة.
• قُلْتُ: بل هو منقطعٌ لا يحتج به.
أمَّا أنْه يُصَلَّى عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لِهَذَا الْحَدِيْثِ، بَلْ لأنَّهُ لَمْ يُنْقلْ نَهْيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَه سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الصَّلاَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ.
وَإِنَّمَا تَرَكَ هُوَ الصَّلاَةَ عَلَيْهِ، وَسَكَتَ عَنْ فِعْلِ النَّاسِ فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِ وهو ما جاء فِي الحديث (6933) فِي السنن الكبرى للبيهقي، ورواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب ترك الصلاة على القاتل نفسه: الحديث (107/ 978) عن جابر بن سمرة قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ).
• عن البيهقي رحمه الله: وَرُوِيْنَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيْمَ الْحَنْظَلِيِّ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِيُحَذِّرَ النَّاسَ بِتَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ، فَلاَ يَرْتكِبُواْ كَمَا ارْتَكَبَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 454
وَيُنْدَبُ سَتْرُ الْقَبْرِ بِثَوْبٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلاً؛ لأنه أستر فربما ظهر ما يستحب إخفاؤه، وَأَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله صَلى الله عَلَيْهِ وَسلَّمَ، للاتباع 95، وَلاَ يُفْرَشُ تَحْتَهُ شَيْءٌ؛ وَلاَ مَخَدَّةٌ، أي بل يكره؛ لأنها إضاعة مال.
وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ فِي تَابُوتٍ، بالإجماع، إِلَّا فِي أَرْضٍ نَدِيَّةِ أَوْ رِخْوَةٍ، أي فلا يكره، ولا تنفذ وصيته به، إلاّ فِي مثل هذه الحالة ثم يكون التابوت من رأس المال كذا جزم به فِي الروضة تبعًا للرافعي، ورأيت فِي فتاوى القفال: أنه إذا أوصى بأن يجعل على رأسه عِمَامَةً؛ ويجعل فِي تابوت؛ ويوضع تحت رأسه فراش ووسادة؛ إن كل ذلك يعتبر من الثلث، وَيَجُوزُ، من غير كراهة، الدَّفْنُ لَيْلاً؛ لأن الخلفاء ما عدا علياً
وعائشة وفاطمة دُفِنُواْ ليلاً، وقد فعلهُ - صلى الله عليه وسلم - كما صححه الحاكم 96، وَوَقْتَ كَرَاهَةِ أبي وقاص - رضي الله عنه - بالعقيق (تبعد نحو عشرة أميال عن المدينة).
قالت: (فَرَأَيْتُهُ حُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ حَتَّى أُتِيَ بِهِ، فَأُدْخِلَ بِهِ الْمَسْجِدَ مِنْ نَحْوِ دَارَ مَرْوَانَ، فَوُضِعَ عِنْدَ بُيُوتِ النبِي - صلى الله عليه وسلم - بِفَنَاءِ الْحُجَرِ، فَصَلَّى الاِمَامُ عَلَيْهِ وَصَلَّيْنَ عَلَيْهِ بِصَلاَةِ الإِمَامِ).
رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: الأثر (7172). • أما أسامة بن زيد رضي الله عنهما؛ عن الزهري قال: (قَدْ حُمِلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقْاصِ - رضي الله عنه - مِنَ الْعَقِيْقِ إِلَى الْمَدِيْنَةِ، وَحُمِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا مِنَ الْجُرْفِ) رواه ابن قدامة فِي المغني والشرح الكبير: ج 2 ص 390، ولكنه قال: سعيد بن زيد.
وفي السنن الكبرى للبيهقي كما أثبتناه: الأثر (7173). والْجُرْفِ: مكان قريب من المدينة، وأهله ما تجرفه السيول من الأودية.
• أما أثر ابن عمر، فرواه ابن قدامة المقدسي رحمه الله فِي المغني: ج 2 ص 390.
الجزء: 1 - الصفحة: 455
الصَّلاَةِ مَا لَمْ يَتَحَرَّهُ، أي يجوز فيها قطعًا؛ لأنها ذات سبب، وحديث عقبة بن عامر فِي النَّهْي عن ذلك محمول على التحري 97، وَغَيْرُهُمَا أَفْضَلُ، أي والدفن نهارًا أفضل منه ليلاً؛ لأنه أيسر للاجتماع، وكذا الدفن فِي غير أوقات الكراهة أفضل.
فَرعٌ: يؤخذ على أهل الذمة أن لا يظهروا جنائزهم.
وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقَبْرِ؛ وَالْبِنَاءُ؛ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، للنهي عنه؛ ولا بأس بالتطين نص عليه 98، وَلَوْ بُنِيَ فِي مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ هُدِمَ، لما فيه من التضييق على الناس؛ ومن فَرَأَى رَجُلٌ نَارًا فِي قَبْرِهِ؛ فَأَتَاهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: [هَلُمُّواْ إِلَيَّ صَاحِبَكُمْ] فَإذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ).
رواه الحاكم فِي المستدرك: الحديث (1361/ 97) والحديث (1362/ 98)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولمِ يخرجاه، وله شاهد بإسناد معضل، وهي رواية له عن أبي ذر، وفيه قال أبو ذر: (فَخَرَجْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَإِذَا النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمَقَابِرِ يَدْفِنُ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَمَعَهُ الْمِصْبَاحُ).
ووافقه الذهبي وقال: هو كما قاله الحاكم.
الجزء: 1 - الصفحة: 456
ذلك الْقِرَّافَةُ، فإِنَّ ابنَ عَبْدِ الْحَكَمِ ذَكَرَ فِي تَارِيْخِ مِصْرَ أَنُّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَعْطَاهُ الْمُقَوقِسُ فِيْهَا مَالاً جَزِيْلًا وَذَكَرَ أَنَّا نَجِدُ فِي الْكُتُبِ الأُوَلِ أَنَّهَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؛ فَكَاتَبَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِّي لاَ أَعْرِفُ تُرْبَةَ الْجَنَّةِ إِلَّا لأَجْسَادِ الْمُؤْمِنِيْنَ؛ فَاجْعَلْهَا لِمَوْتَاهُمْ أو كما قال، وقد نقل الإفتاء بهدم ما بُنى فيها عن ابن الجميزي والظهير التِزْمَنتي وغيرهما؛ قال الشافعي: فإن كان البناءُ فِي مُلْكِه؛ فإن لم يكن محظورًا لم يكن مختارًا.
وَيُنْدَبُ أَنْ يُرَشَّ الْقَبْرُ بِمَاءٍ، للإتباع 99، وخرج بالماء الماورد فإنه إضاعة مال، ويكره أيضًا أن يُطلى بالخلوق، وَيُوضَعُ عَلَيْهِ حَصَّى وَعِنْدَ رَأْسِهِ حَجَرٌ أَوْ خَشَبَةٌ.
وَجَمْعُ الأَقَارِبِ فِي مَوْضِعٍ، للإتباع 100، وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ، بالاجماع 101، ويستحب الوضوء لزيارتها؛ قاله القاضي حسين فِي شرح الفروع.
وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِىٍّ لَهَا فَقَالَ لَهَا: [اتَّقِي الله
الجزء: 1 - الصفحة: 457
وَاصْبِرِي] 102، الحديث متفق عليه، وجه الدلالة أنه لم ينهها عن الزيارة، وكذا
الجزء: 1 - الصفحة: 458
استدل لها بهذا الحديث، وَقِيلَ: تَحْرُمُ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لَعَنَهُنَّ كما صححه الترمذي 103، وَقِيلَ: تُبَاحُ، أي إذا أمِنَت الفتنة وصححه الروياني، وقيل: إن كانت لتجديد حزن ونحوه حُرِّم، أو للاعتبار فلا، أو إلا أن تكون عجوزًا لا تشتهى كحضور الجماعة فِي المساجد وهو حسن، وزيارتهن لقبر سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستحبة قطعًا ولقبر الأولياء والصالحين والشهداء جائزة قطعًا 104، وَيُسَلَّمُ الزَّائِرُ، للاتباع 105، وَيَقْرَأُ وَيَدْعُوُ، أي عقبها رجاء الأجابة، ويكون الميت كالحاضر يُرْجَى لَهُ الرحمة والبركة.
وَيَحْرُمُ نَقْلُ الْمَيِّتِ، أي قبل دفنه، إِلَى بَلَدٍ آخَرَ؛ لأن فِي نقله تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته من وجوه، ولو أوصى بنقله لم تنفذ وصيته، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، حُكِىَ عن عائشةَ رضي الله عنها 106، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ أَوْ
الجزء: 1 - الصفحة: 459
بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَصَّ عَلَيْهِ، أي فإنه ينقل إليها لفضلها، وهذا ظاهر إن لم يوجب النقل تَغَيّرًا، ولو كان بقربه قرية أهلها صالحون فلا يبعد إلحاقه بها, ولو أوصى بنقله من بلد موته إلى أَحدِ الأماكن المذكورة أيضًا لزم تنفيذ وصيته، وإلا فلا، وإنما تنفذ قبل الدفن، أما بعده فلا، وفيه نظر واحتمال.
وَنَبْشُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لِلنقْلِ وَغَيْرِهِ حَرَامٌ، لما فيه من هتك حرمة الميت، إِلَّا لِضَرُورَةٍ: بِأَنْ دُفِنَ بلاَ غُسْلٍ؛ لأنه واجب فاستدرك وجوباً عند فوته فينبش ما لم يتغير الميت بِالنَّتَنِ (•) أو بالتقطع، أَوْ فِي أَرْضٍ، أَوْ ثَوْبٍ مَغْصُوبَيْنِ؛ لأن حرمةَ الحيِّ أَوْلى بالمراعاة؛ وكذا ثوب الحرير، وفيه نظر للمصنف.
فَرْعٌ: لو تنازع الورثة فِي دفنه فِي المقبرة أو فِي بيته، وبادر بعضهم إلى الثاني، فللباقين نقله، أَوْ وَقَعَ فِيهِ مَالٌ، يعني فِي القبر فإنه يُنْبَشُ، ولو قَلَّ الْمَالُ؛ لأن فِي تركه إضاعةٌ له، وقد نهينا عنها، وقيَّد صاحب المهذب المسألة بما إذا طلب المال صاحبه، وتبعه ابن أبي عُصْرُون.
فَرْعٌ: لَوْ بَلَعَ الْمَيِّتُ مَالَ غَيْرِهِ شُقَّ جَوْفُهُ وَأُخْرِجَ عَلَى الأَصَحِّ، قال أبو المكارم فِي العُدَّةِ: إلَّا أن يضمن الورثة مثله أو قيمته فلا يشق على الأصح، قال فِي شرح المهذب: وهذه المقال غريبة، والمشهور: إطلاق الشَّقِّ من غير تفصيل، ولو بلع مال نفسه ومات؛ فالأصح أنه لا يُخْرَجُ.
أَوْ دُفِنَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ؛ لأنه واجب كما سلف فاستدرك وجوباً عند فوته هذا إذا لم يتغر الميت، فإن تغير فلا ينبش، لاَ لِلتَّكْفِينِ فِي الأَصَحِّ؛ لأن غرض الكفن الستر وقد حصل بالتراب، والثاني: يُنْبَشُ لَهُ، كما إذا دفن بلا غسل بجامع الوجوب، قُلْتُ: وينبش أيضًا إذا لحق الأرض المدفون فيها سيل أو نداوة؛ وفيما إذا علق الطلاق على صفة كما لو قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى أَنِّي وَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ دُفِنَ فِي مَكَانِهِ]: فِي السنن الكبرى: الأثر (7171).
(•) فِي النسخة (1): بالنبش.
الجزء: 1 - الصفحة: 460
فأنت طالق طلقتين، فولدت ميتًا لا يعرف حاله وَدُفِنَ قبل العلم بحاله كما رجحه فِي الروضة فِي بابه.
وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ جَمَاعَةٌ بَعْدَ دَفْنِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ سَاعَةً يَسْأَلُونَ لَهُ التَّثْبِيتَ، للاتباع 107، ويستحب تلقينه عند دفنه أيضًا، ولا يلقن الصبي، وَحَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ وَجْهَيْنِ؛ قَبْلَ إِهَالَةِ التُّرابِ أَوْ بَعْدَهُ، وقال: المختارُ الأَوَّلُ.
وسُئل الحناطي عن الأنبياء والأولياء هل يحاسبون يوم القيامة؟ فأجاب؛ ومن فتاويه نقلتُ: إنهم يحاسبون بأعمالهم، وقال: كذلك الكُفَّارُ يُعَرَّفُونَ ما عملوا ثم يُؤْمَرُ بهم إلى النار، قال: والصحيح أن الكافر وُكِّلَ به مَنْ يكتب عمله من المَلَكَين كما على المسلم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ 108 فهؤلاء هم الكفار عند أكثر العلماء وهو الصحيح، وأما من أوتي كتابه بيمينه كان مؤمنًا مصلحًا، وأما من أوتي كتابه بشماله كان فاسقًا فاجرًا.
وَلِجِيرَانِ أَهْلِهِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ يُشْبِعَهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، أي وكذا أقرباؤه الأباعد للنص فيه، ولو كان الْمَيِّتُ فِي بلد آخر خوطب بذلك جيران أهله، وَيُلَحُّ عَلَيْهِمْ فِي الأَكْلِ، أي استحبابًا 109، وَيَحْرُمُ تَهْيِئَتُهُ لِلنَّائِحَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنه إعانة على المعصية، وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء، وهو بدعة غير مستحبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 461
كِتَابُ الزَّكَاةِ الزَّكَاةُ: هِيَ لُغَةً النَّمَاءُ، وَقِيْلَ: الطَّهَارَةُ، وَفِي الشَّرْعِ اسمٌ لِمَا يُخْرَجُ مِنَ الْمَالِ طُهْرَةً لَهُ، وَالأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَبْلَ الإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وَغَيْرَهَا (898)، وَالسُنَّةُ الشَّهِيْرَةُ الْمُستَفِيْضَةُ.
بَابُ زَكَاةِ الْحَيْوَانِ
بَدَأَ بها اقتداء بكتاب أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - الَّذي كتبه لأنس؛ وقد أخرجه البخاري بطوله مفرَّقًا.
إِنَّمَا تَجِبُ مِنْهُ فِي النَّعَمِ: وَهِيَ الإِبِلُ وَالْبَقَرُ، أي الأهلية، وَالْغَنَمُ.
أما دليل وجوب الزكاة فيها فالإجماع شاهدٌ له، وأما انتفاء الوجوب عمَّا عداها فدليلُه الإجماعُ فِي البغال والحمير وذكور الخيل المفردة، لَا الْخَيْلُ وَالرَّقِيقُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ]، متفق عليه 111 ولا يرد ما إذا كانت الخيل والبغال والحمير للتجارة؛ لأن الكلام فيما يجب فِي العين لا فِي القيمة، وَالْمُتَوَلَّدُ مِنْ غَنَمٍ وَظِبَاءٍ، لأنها لم تتمخض نعمًا، وَلَا شَيْءَ فِي الإِبِلِ حَتَّى تَبْلُغَ110