كتاب الجراح
الْجِرَاحُ: بكسر الجيم جَمْعُ جِرَاحَةٍ، والمراد به مَا يَحْصُلُ بِهِ الزُّهوقُ وَالإِبَانَةُ، أو ما لا يحصل واحدًا منهما.
وترجم الباب بهذه الترجمة، وإن كان التبويب بالجنايات أشمل لصدقه على الجناية بالمحدد والمثقل؛ لكون الجراح أغلب طرق القتل، والأصل في ابتداء القتل وتحريمه ما ذكره الله تعالى من قصة ابني آدم هابيل وقابيل 1 وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ 2. ومن السُّنَّة أحاديث كثيرة مشهورة، والقتلُ بغير حقِّ من أكبر الكبائر بعد الكفر وإذا قُتل ظلمًا باب ما جاء في الحرص: الحديث (3232)، وقول ابن حبان كما أثبته ابن الملقن -رحمه الله-.
الجزء: 4 - الصفحة: 1500
واقتص الوارث أو عفى على مال أو مجانًا فظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة في الدار الآخرة كما قاله المصنف.
الْفِعْلُ الْمُزْهِقُ، أي للروح، ثَلَاثَةٌ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، وجه الحصر؛ أن الجاني إن لم يقصد عين المجني عليه فهو الخطأ، وإن قصده، فإن كان بما يقتل غالبًا فهو العمد، وإلا فهو شبه العمد.
وَاعْلَمْ: أنَّ قَيْدَ الإِزْهَاقِ يُخْرِجُ الجنايةَ على الأطرافِ، فلو عبَّر بالجناية لكان أشمل.
وَلَا قِصَاصَ إِلَّا فِي الْعَمْدِ، أما وجوبه فيه عند اجتماع شرائطه فبالإجماع؛ وأما عدم وجوبه في الخطأ؛ فلقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 3 فأوجب الدية ولم يتعرض للقصاص، وأما عدم وجوبه في شبه العمد؛ فلقوله - صلى الله عليه وسلم -[أَلَا أَنَّ دِيَّةَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا فِيْهِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا] صحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ وابنُ القَطَّانِ.
وقال: لا يضرُّهُ الاختلاف 4.
وَهُوَ، أي العمد، قَصْدُ الْفِعْلِ وَالشَّخْصِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا: جَارِحٌ أَوْ مُثَقَّلٌ، وهذا ما اقتصر عليه الجمهور في تفسيره؛ ويشترط في العمدية تعمد قصد عين الشخص، ورجح في الروضة في موضع؛ ما يقتضي عدم اشتراطه، فَإِنْ فُقِدَ قَصْدُ أَحَدِهِمَا، أي الفعل أو الشخص، بِأَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ فَمَاتَ، أوْ رَمَى شَجَرَةً فَأَصَابَهُ؛
الجزء: 4 - الصفحة: 1501
فَخَطَأْ، هذا تفسيرٌ للخطأ؛ وهو مهموز (•) وفي المثال الأول نظر، فإن الواقع لا ينسب إليه فعل فضلًا عن كونه خطأ، نَعَمْ يجعل حكم فعله حكم الخطأ لقربه منه وبُعده عن غيره، وَإِنْ قَصَدَهُمَا، يعني الفعل والشخص، بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالبًا فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَمِنهُ الضَّرْبُ بِسَوْطٍ أوْ عَصًا، هذا هو الصحيح في تفسيره؛ وقد أوضحت ذلك في الأصل.
فَلَوْ غَرَزَ إِبْرَةً بِمَقْتَلٍ، أي كالدماغ والعين وأصل الأذن ونحوها، فَعَمْدٌ؛ لخطر الموضع وشدَّة تأثيره، وَكَذَا بِغَيْرِهِ، كالإلية والفخذ، إِنْ تَوَرَّمَ، أي الموضع للإمعان في الغرز والتوغل في اللحم، وَتَأَلَّمَ حَتى مَاتَ، للعلم بحصول الهلاك به، وفيه وجه في الكفاية: أن مَحِلَّهُ إذا لم يبالغ في إدخال الإبرة.
فإن بالغ وجب الْقَوْدُ قطعًا، كما صرح به جماعة، وعبارة الرافعي صريحة في جريان الخلاف في المبالغة، ولم يذكر الحاوي الصغير الألم بل اقتصر على الورم، قال الرافعي: وَالْوَرَمُ يُغني عنه؛ لأنه لا يخلو عنه، وقال المصنف في كلامه على الوسيط في دوام الألم بلا ورم، الأصح الوجوب، وبه قطع الشيخان أبو حامد وأبو إسحق، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرٌ وَمَاتَ فِي الْحَالِ فَشِبْهُ عَمْدٍ؛ لأنه لم يقتل مثله في العادة.
فأشبه ما لو مات بعد مدة ولم يعقب الغرز ألمًا ولا ورمًا، وَقِيْلَ: عَمْدٌ، كما لو طعنه بمسلة فمات فِي الحال؛ لأن في البدن مقاتل خفية ربما صادفها، وَقِيْلَ: لَا شَيْءَ، أي لا قصاص ولا دية، وفي الرُّقْمِ للعبادي: أن الغرز في بدن الصغر والشيخ الهرم والنَّضْوِ الخلق 5 يوجب القِصَاص بكل حال، وَلَوْ غَرَزَ فِيْمَا لَا يُؤْلِمُ كَجِلْدَةِ عَقِبٍ فَلَا شَيْءَ بحَالٍ، لعلمنا أنه لم يمت به، والموت عَقِبهُ موافقة قدر؛ فهو كما لو ضربه بقلم أو ألقى عليه خرقة فمات في الحال.
فَرْعٌ: قَالَ الإِمَامُ: إِبَانَةُ فَلَقَةٍ (•) خَفِيْفَةٍ مِنَ اللَّحْمِ كَغَرْزِ الإِبْرَةِ.
(•) في النسخة (1): مشهور بدل مهموز.
الجزء: 4 - الصفحة: 1502
وَلَوْ حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالطَّلَبَ حَتَّى مَاتَ، فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يَمُوتُ مِثْلُهُ فِيْهَا غَالِبًا جُوْعًا أَوْ عَطَشًا فَعَمْدٌ؛ لأنه قصد إهلاكه، وتختلف المدة باختلاف حال المحبوس قوةً وضعفًا، والزمان حرًّا وبردًا؛ لأن فقد الماء في الحر ليس كهو في البرد، واحترز بقوله (مَنَعَهُ) عما إذا كان عنده طعام وشراب فلم يتناوله خوفًا أو حزنًا أو أمكنه طلبه بالسؤال فلم يفعل؛ فإنه لا يجب على حابسه قصاص ولا ضمان؛ لأن الحابس لم يقتله، وإنما المحبوس قتل نفسه.
ولو منعه الشراب دون الطعام فلم يأكل المحبوس خوفًا من العطش فمات، فلا قصاص قطعًا ولا ضمان على الأصح؛ لأنه المهلك نفسه، ولو منعه الطعام وحده فيتجه إلحاقه بما لو منعهما، وَإِلَّا، أي وإن لم تمض هذه المدة، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جُوعٌ وَعَطَشٌ سَابِقٌ فَشِبْهُ عَمْدٍ؛ لأن هذا الفعل لا يقتل غالبًا، وَإنْ كَانَ بَعْضُ جُوعٍ وَعَطَشٍ وَعَلِمَ الْحَابِسُ الْحَالَ فَعَمْدٌ؛ لظهور قصد الإهلاك، وَإِلَّا، أي وإن لم يعلم الحابس الحال، فَلَا، فِي الأَظْهَرِ؛ لأنه لم يقصد إهلاكه، والثاني: يلزمه القِصَاص، كما لو ضرب المريض ضربًا يهلكه، ولا يُهلك الصحيح وهو جاهل بمرضه.
فَرْعٌ: لو حبسه وعَرَّاهُ حتى مات بالبرد، فهو كما لو حبسه ومنعه الطعام والشراب، ذكره القاضى.
فَرْعٌ: لو أخذ طعامه، أو شرابه، أو ثيابه في مفازة، فمات جوعًا، أو عطشًا، أو بردًا، فلا ضمان؛ لأنه لم يحدث فيه صنعًا، حزم به المتولي والرافعي، وقال القاضي: إنه الصحيح.
فَرْعٌ: لو قتله بالدخان أو بحلِّ عصابة الفصادة ومنعه من إعادتها وجب القِصَاص.
فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْقِصَاصُ بِالسَّبَبِ، أي قياسًا على المباشرة، فَلَوْ شَهِدَا بِقِصَاصٍ فَقُتِلَ ثُمَّ رَجَعَا وَقالَا تَعَمَّدْنَا، الكذب، لَزِمَهُمَا القِصَاصُ؛ لتوصلهما إلى قتله بسبب يقتل غالبًا، إِلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الْوَليُّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا، أي فإنه لا قصاص والحالة هذه
الجزء: 4 - الصفحة: 1503
عليهما؛ لأنهما لم يلجئاه إلى قتله حسًا ولا شرعًا فصار قولهما شرطًا محضًا كالممسك مع القاتل، فعلى الولي حينئذ القِصَاص رجعوا أو لم يرجعوا، وقد ذكر المصنف في كتاب الشهادات ما إذا رجع الولي وحده ومع الشهود، وسيأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى.
وَلَوْ ضَيَّفَ بِمَسْمُومٍ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَمَاتَ وَجَبَ القِصَاصُ، أي سواء قال لهما هو مسموم أم لا؛ لإلْجائهما إليه، ومثله الأعجمي الذى يعتقد وجوب طاعة الآمر؛ قال الرافعي: ولم يفرقرا بين الصبي المميّز وغيره، ولا نظروا إلى أن عَمَدَ الصبي عمد أم خطأ؟ وللنظرين فيه مجال.
أوْ بَالِغًا عَاقِلًا وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ الطَّعَامِ فَدِيَةٌ، أي فلا قصاص؛ لأنه فعل ما يهلك باختياره من غير إلجاء، وَفِي قَوْلٍ قِصَاصٌ؛ لتغريره فأشبه الإكراه، وَفِي قَوْلٍ لَا شَيْءَ، تغليبًا للمباشرة، أما إذا علم حال الطعام فهو المهلك نفسه.
وَلَوْ دَسَّ سُمًّا فِي طَعَامِ شَخْصٍ، الْغَالِبُ أَكْلُهُ مِنهُ، فَأَكَلَهُ جَاهِلًا، فَعَلَى الأَقْوَالِ، أي المذكورة لما سلف، ولو دسّه في طعامه فدخل شخص داره بغير إذنه فأكله فلا ضمان.
وَلَوْ تَرَكَ الْمَجْرُوحُ عِلَاجَ جُرْحٍ مُهْلِكٍ فَمَاتَ وَجَبَ القِصَاصُ، أي على الجارح؛ لأن الْبُرْءَ غير موثوق به لو عالج، ومجرد الجراحة مهلكة، وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ لَا يُعَدُّ مُغْرِقَا كَمُنْبَسِطٍ فَمَكَثَ فِيْهِ مُضْطَجِعًا حَتَّى هَلَكَ فَهَدَرٌ؛ لأنه المهلك نفسه، نعم: لو كَتَّفَهُ وألقاهُ على هيئة لا تمكنه الخلاص؛ فعليه القِصَاص، وقيَّد في أصل الروضة الماء بكونه راكدًا.
فَرْعٌ: الاستلقاءُ كالاضطجاع.
أوْ مُغْرِقٍ لَا يَخلُصُ مِنْهُ إِلَّا سِبَاحَةً، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا، أوْ كَانَ مَكْتُوفًا؛ أَوْ زَمِنًا فَعَمْدٌ؛ لأن هذا مهلك لمثله، وَإِنْ مَنَعَ مِنْهَا عَارِضٌ كَرِيْحٍ وَمَوْجٍ فَشِبْهُ عَمْدٍ، أي فتجب دية ولا قصاص كما سيأتي، وَإِنْ أَمْكَنَتْهُ، أي السباحة، فترَكَهَا، أي حُزنًا أو لَجَاجًا، فَلَا دِيَةَ فِي الأظْهَرِ؛ لأنه بترك السباحة مُعرض عمَّا ينجيه، والئاني: تجب
الجزء: 4 - الصفحة: 1504
الدية؛ لأنه قد يمنعه من السباحة دهشة أو عارض باطن، أَوْ فِي نَارٍ يُمْكِنُ الخَلَاصُ مِنْهَا فَمَكَثَ فِيْهَا فَفِي الدِّيَّةِ الْقَوْلَانِ، قد عرفتهما بتعليلهما والأظهر وجوبها، وَلَا قِصَاصَ فِي الصُّوْرَتَيْنِ، أي فِي صورة الإلقاء في الماء والنار، وَفِي النَّارِ وَجْهٌ، كما لو جرحه فترك التداوي حتى مات، وفي الماء قول أو وجه أيضًا بالوجوب، واحترز بقوله (يُمْكِنُ الْخَلَاصُ) عما إذا لم يمكن؛ لِعِظَمِها، أو كونها في وهدةٍ، أو كونه مكتوفًا أو زمنًا أو صغيرًا فمات منها، أو خرج منها متأثرًا متألمًا، وبقي متألمًا إلى أن مات؛ فعليه القِصَاص.
فَصْلٌ: وَلَوْ أَمْسَكَهُ فَقَتَلَهُ آخَرٌ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَرَدَّاهُ فِيهَا آخَرٌ، أَوْ أَلْقَاهُ مِنْ شَاهِقٍ، أي من مكان عالٍ، فَتَلَقَّاهُ آخَرُ فَقَدَّهُ، أي قطعه نصفين مثلًا، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْمُرَدِّي وَالْقَادِّ فَقَطْ، دون.
الممسك والحافر والملقي، أما في الأُولى: فلقوله -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: [إِذَا أمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخرُ يُقْتَل الَّذِي قَتَلَ وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ] رواه البيهقي من حديث ابن عمر بإسناد على شرط الصحيح، ثم صوَّبَ إرساله، وأما ابن القطان فصحح رفعه 6. نعم يأثم بالإمساك للقتل ويعزر، وكما لا قصاص لا دية، هذا في الحر، أما لو كان المقتول عبدًا فيطالب الممسك بالضمان باليد والقرار على القاتل، وأما في الثانية: فلأنَّ الحفرَ شرطٌ، وَالْمُرَدِّي سببٌ، وأما في الثالثة: : فلأن فِعْلَهُ قَطَعَ أثرَ السبب الأول.
وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ، أي كلجة بحر، فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الأَظْهَرِ؛ لأنه رماه في مهلكة وقد هلك به بسبب رميه، ولا نظر إلى جهة الهلاك كما لو ألقاه في بئر مهلكة؛ في أسفلها سكاكين لم يعلم بها الملقي فهلك بها، ويؤخذ من هذا التعليل أن محلَّ الخلاف إذا لم يعلم بالحوت الذي في اللجة، فإن علم به، وجب القِصَاص قطعًا، كما لو ألقاه على أسد في زَبِيَّتِهِ، والثاني: لا يجب؛ لأنه
الجزء: 4 - الصفحة: 1505
هلك بغير ما قصد إهلاكه به، فأشبه ما لو رماه من شاهق فَقَدَّهُ إنسان بسيفه، فإنه لا قود على الرامي كما سلف، ولكن تجب دية مغلظة، وهذا القول من تخريج الربيع، والخلاف جارٍ سواء التقمه قبل وصوله إلى الماء أو بعده في نيل مصرَ وغيره، أَوْ غَيْرِ مُغْرِق فَلَا، أي فلا قصاص قطعًا؛ لأنه لم يقصد إهلاكه ولم يشعر بسبب الإهلاك، فأشبه ما لو دفع رجلًا دفعًا خفيفًا فألقاه فجرحه سكين كان هناك ولم يشعر به الدافع فلا قصاص، ولكن يجب في الصورتين دية شبه العمد.
فَصْلٌ: وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلٍ، أي بغير حق، فَعَلَيهِ القِصَاصُ، لأنه كالمباشر، وَكَذَا عَلَى الْمُكْرَهِ فِي الأَظْهَرِ، بفتح الراء لأنه قتله عمدًا عدوانًا لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله المضطر ليأكله، بل أولى، لأن المضطر على يقين من التلف إن لم يأكل بخلاف المُكرَه، والثاني: لا يجب؛ لأنه آلةٌ للمكرِه بكسر الراء فصار كما لو ضربه به، والخلاف جارٍ سواء صدر الإكراه من الإمام أو نائبه أو إمام البغاة أو المتغلب باللصوصية أو غيرهم على الأصح.
تَنْبِيْهٌ: الصحيح في الإكراه هنا، أنه لا يحصل إلّا بالتخويف بالقتل، أو بما يخاف منه التلف كالقطع، وألحَقَ الغزالي الضرب الشديد، وقيل: يحصل بما يحصل به الإكراه على الإطلاق.
فَإِنْ وَجَبَتِ الدِّيَّةُ، أي بأن صار الأمر إليها، وُزِّعَتْ، أي على الشريكين، فَإِنْ كَافَأهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ؛ فالقِصَاصُ عَلَيْهِ، اى دون الآخر كشريك الأب، فإذا أكره عبدٌ حرًا على قتل عبد، أو ذميّ مسلمًا على قتل ذميّ، فالقِصَاص واجب على الآمر دون المأمور، ولو أكرَهَ حرٌّ عبدًا على قتل عبد، أو مسلم ذميًا على قتل مسلم فالحكم بالعكس، وَلَوْ أَكْرَهَ بَالِغٌ مُرَاهِقًا، أي علي قتل إنسان، فَعَلَى الْبَالِغِ القِصَاصُ، إِنْ فُلْنَا: عَمْدُ الصَّبِيِّ عَمْدٌ، وَهُوَ الأَظْهَرُ؛ لوجود مقتضيه وهو القتل مَحْض العدوان، فإن قلنا: إن عمَدَه خطأ فلا قصاص؛ لأنه شريك مخطئ، أما المراهق؛ فلا محالة في عدم وجوب القِصَاص في حقه، ووجه من يقول إن عمده عمدٌ؛ أنه يميز مضاره من
الجزء: 4 - الصفحة: 1506
منافعه، ويؤَدَّبُ على القتل، فأشبه الكامل، ووجه مقابله رفع القلم عنه، ويجاب بأن المراد فيما يتعلق بالبدن؛ ولهذا لا نوجب القِصَاص.
فَرْعٌ: لو أكره مراهق بالغًا؛ فلا قصاص على المراهق، وفي البالغ القولان: إن قلنا عَمْدُ الصبي، عمد، وإن قلنا خطأ؛ فلا قصاص قطعًا؛ لأنه شريك مخطئ.
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى رَمْيِ شَاخِصٍ عَلِمَ الْمُكرِهُ أَنَّهُ رَجُلٌ وَظَنَّهُ الْمُكرَهُ صَيْدًا، أي أو حجرًا، فَالأَصَحُّ وُجُوبُ القِصَاصِ عَلَى الْمُكْرِهِ، أي بكسر الراء؛ لأن المكرَه جاهل بالحال، فكان كالآلة للمكرِه، فأشبه ما إذا أمر صبيًا لا يعقل أو أعجميًا بقتل إنسان فقتله، فإنه يجب القِصَاص على الآمر، والثاني: لا يجب عليه؛ لأنه شريك مخطئ، أَوْ عَلَى رَمْي صَيْدٍ فَأَصَابَ رَجُلًا فَلَا قِصَاصَ عَلَى أَحَدٍ، أي من المكرِهِ والمكرَهِ لأنهما لم يتعمدا، أَوْ عَلَى صُعُودِ شَجَرَةٍ فَزَلِقَ وَمَاتَ فَشِبْهُ عَمْدٍ؛ لأنه لا يقصد به القتل غالبًا، وَقِيْلَ: عَمْدٌ؛ لأنه تسبب إلى قتله فأشبه ما لو رماه بسهم، وهذا هو قول الغزالي، وحمله بعضهم على ما إذا كان الصعود مما يتفق الهلاك به غالبًا، وحُمل الأول على ما إذا كان يَسْلَمُ فيه غالبًا، أَوْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، فَلَا قِصَاصَ فِي الأَظْهَرِ؛ لأن ما جرى ليس بإكراه حقيقة؛ لأن المكرَه من يتخلص بما يؤمر به عما هو أشد عليه وهو الذى خوّفَهُ المُكْرِه وهاهنا المأمور به القتل المخوَّف به، ولا يتخلص بقتل نفسه عن القتل، فلا معنى لإقدامه عليه، والثاني: يجب؛ لأنه بالإكراه على القتل والحالة هذه؛ والإلجاء إليه قاتل له، نعم: لو هدده بقتل يتضمن تعذيبًا شديدًا لو لم يقتل نفسه، قال الرافعي في الشرح الصغير: يشبه أن يكون إكراهًا ويخرج بالنفس ما لو أكرهه على قطع اليد، وإلّا قتله فإنه إكراه عند العبادي خلافًا للقاضي.
فَرْعٌ: لو قال: أُقْتُلْ فلانًا وإلّا قتلت ولدك؟ قال الروباني: الصحيح أنه إكراه عندي؛ لأن ولده كنفسه.
وَلَوْ قَالَ: اقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ؛ فَقَتَلَهُ! فَالْمَذْهَبُ لَا قِصَاصَ؛ لأن الإذن شبهة
الجزء: 4 - الصفحة: 1507
دَارِئَةٌ للقصاص، وَالأَظْهَرُ: لَا دِيَةَ، إِعْلَمْ: أنه إذا تَجَرَّدَ الإذنُ في القتل، ففي الدية قولان ذكرهما المصنف في أوائل الفصل الأخير من باب كيفية القِصَاص، وهما مَبْنِيَّانِ على أن الدية هل تجب للورثة ابتداء عقب هلاك المقتول؟ أو تجب للمقتول في آخر جزء من حياته ثم تنتقل إليهم؟ إن قلنا بالأول: وجبت، ولم يؤثر إذنه؛ وإلّا فلا، وهذا الئاني أظهر؛ لأنه تنفذ منها ديونه ووصاياه، ولو كانت للورثة ابتداءً لم يكن كذلك، إذا عرفت ذلك، فإذا انضم الإكراه إلى الإذن فسقوط القِصَاص أقوى كما قال الرافعي، قال: وأما الدية، فإنْ لم نوجبها عند تجرد الإذن فمع الإكراه أولى، وإن أوجبناها بُنيَ على أن المكرَه هل عليه نصف الدية؟ إن قلنا: نعم، فعليه نصف الدية، وإلّا فلا.
وَلَوْ قَالَ: اقْتُلْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، أي وإلّا قتلتك، فَلَيسَ بِإِكْرَاهٍ، أي فمن قتله منهما كان مختارًا لقتله، وإنما الْمُكْرَهُ مَنْ حُمِلَ على قتل معين لا يجد عنه محيصًا، وقيل: إنه إكراه، فعلى هذا يجئ في إيجاب القِصَاص على القاتل القولان، وأما المكرِه بالكسر فيظهر تخريجه على الخلاف في إن قَصَدَ عين الشخص! هل يشترط في العمدية؟ فإن شرطناه لم يجب، وإلا وجب.
فَصْل: وُجِدَ مِنْ شَخْصَيْنِ مَعًا فِعْلَانِ مُزْهِقَانِ، مُذَفَّفَانِ كَحَزٍّ، وَقَدٍّ أَوْ لَا، أي غير مذففين، كَقَطْعِ عُضْوَيْنِ، أي ومات منهما، فَقَاتِلَانِ، أي فيجب عليهما القِصَاص أو الدية لوجود سببهما، فإن كان أحدهما مذفَّفًا دون الآخر فقياس ما سيأتي أن يكون المذفَّف هو القاتل، واحترز بقوله (مَعًا).
عما إذا ترتب؛ وسنذكره إثر ذلك، وَإِنْ أَنْهَاهُ رَجُلٌ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ: بِأَنْ لَمْ يَبْقَ إِبْصَارٌ وَنُطْقٌ وَحَرَكَةُ اخْتِيَارٍ.
ثُمَّ جَنَى آخَرُ، فَالأوَّلُ قَاتِلٌ؛ لأنه صيره إلى حالة الموت، وَيُعَزَّرُ الثَّانِي؛ لأنه هتك حرمة الميت فهو كما لو قطع عضوَ ميِّتٍ، وَإِنْ جَنَى الثَّانِي قَبْلَ الإِنْهَاءِ إِلَيْهَا، فَإن ذَفَّفَ كَحَزٍّ بَعْدَ جُرْحٍ، فَالثَّانِي قَاتِلٌ؛ لوجود سببه؛ ولأنه قطع سراية الجرح الأول، وَعَلَى الأَوَّلِ قِصَاصُ الْعُضْوِ أَوْ مَالٌ بِحَسْبِ الْحَالِ، لأن حياته في الحال مستقرة وتصرفاته نافذة.
عهد عمرُ - رضي الله عنه - وأوصى في هذه الحالة فعُمِل بعهده
الجزء: 4 - الصفحة: 1508
ووصاياه 7، وَإِلا فَقَاتِلَانِ، أي وإن لم يذفف الثانى أيضًا ومات بسرايتهما، بأن أجافاه، أو قطع الأول يده من الكوع، والثاني من المرفق، فهما قاتلان؛ لأن القطع الأول قد انتشرت سرايته.
فَرْعٌ: لو شك في الانتهاء إلى أحد المذبوحين، عمل بقول أهل الخبرة.
وَلَوْ قَتَلَ مَرِيْضًا فِي النَّزْع وَعَيْشُهُ عَيْشُ مَذْبُوحٍ، وَجَبَ الْقِصَاصُ؛ لأن انتهاء المريض إلى تلك الحالة غير مقطوع به، وقد يُظن به ذلك ثم يشفى، وهذا ما جزم به الإمام فتبعه المصنف، وأما القاضي حسين فقال: مَنْ قتله لا يكون قاتلًا.
فَصْلٌ: قَتَلَ مُسْلِمًا ظَنَّ كُفْرَهُ بدَارِ الْحَرْبِ، لَا قِصَاصَ، أي بأن كان عليه زِيُّ الكفَّارِ أو رآهُ يعظِّمُ آلِهَتهُمْ (•) لا قصاص وما ذكرناه هو ما مثَّل به الرافعي، وهو في الأول قياس ما قرَّرهُ الرافعي في الرِّدَّةَ أنَّ التَّزَيِّ بزيِّهِم رِدَّةٌ؛ لكن رجح في الروضة خلافه، وَكَذَا لَاَ دِيَةً، فِي الأظْهَرِ؛ للجهل، ووضوح العذر فيما فعل هناك، والثاني: تجب الدية؛ لأنها تثبت مع الشبهة، فعلى هذا، هل هى دية عمدٍ أو شبه عمدٍ أم خطأ؟ فيه أوجه حكاها الرافعي تبعًا للوجيز، وقال في الوسيط: إن الأولين قولان، والثاني: وجهٌ، وقد نص الشافعى على الثاني فاستفده، واحترز بقوله (ظَنَّ كُفْرَهُ)
الجزء: 4 - الصفحة: 1509
عما إذا لم يظنه وفيه تفصيل، فإن عرف مكانه، فكما لو قتله في دار الإسلام، فإن لم يعرف مكانه ورمى سهمًا إلى صف الكفار في دار الحرب، سواء عَلِمَ أن في الدار مسلمًا أم لا، نظرٌ؛ إن لم يعين شخصًا أو عين كافرًا، فأخطأ، وأصاب مسلمًا، فلا قصاص عليه ولا دية، وكذا لو قتله في بَيات أو إغارة ولم يعرفه، وإن عين شخصًا فأصابه فكان مسلمًا فلا قصاص عليه، وفي الدية قولان: قال الرافعي: ويشبه أن يكونا هما القولين فيمن ظنه كافرًا، أَوْ بِدَارِ الإِسْلَامِ وَجَبَا؛ لأن الظاهر من حال مَنْ هو في دار الإسلام العصمة، وَفِي القِصَاصِ قَوْل، أي أنه لا يجب كنا في دار الحرب، أوْ مَنْ عَهِدَهُ مُرْتَدًا، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ عَبْدًا، أَوْ ظَنِّهُ قَاتِلَ أَبِيْهِ، فَبَان خِلَافُهُ، فَالْمَذهَبُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ، اعْلَمْ: أن الشافعي نصَّ على أنه إذا قتل من عهده مرتدًا أو ظن أنه لم يسلم فكان أسلم، أن القِصَاص يجب، ونص فيما لو عهده ذميًا أو عبدًا فقتله ظانًا أنه لم يسلم ولم يعتق فبان خلافه أنه لا قصاص، فقيل في الجميع قولان؛ أحدهما: يحب القِصَاص؛ لأنه كان من حقه التَّثَبُّتُ، والثاني: لا يجب، لِظّنِّهِ عدم الْمُكَافَأَةِ، وقيل بظاهر النص؛ لأن المرتد يحبس ولا يخلى، فقاتله مقصر بخلاف الذمي والعبد، وقيل: يجب القِصَاص في الجميع قطعًا؛ لأن ظنه لا يبيح القتل، والمذهب وجوب القِصَاص في الجميع، وإن أثبتنا الخلاف، كما لو علم تحريم القتل وجهل وجوب القِصَاص، وأما إذا ظنه قاتل أبيه فقتله، فَبَانَ غيره، فإن القِصَاص يجب على أظهر القولين؛ لأنه يلزمه التثبت، ولم يعهده قاتلًا حتى يستصحبه، ولم يذكر في الروضة طريقةً فيه، نَعَمْ؛ ذكرها الرافعي بحثًا فقال: والوجه التسوية بينه وبين ما إذا ظنه مرتدًا أو حربيًا من غير أن يعهده كذلك، ولم يكن كما ظنه، إما في القطع وإما في إثبات القولين، واحترز بقوله (عَهِدَهُ) عما إذا لم يعهد ردته بل ظنها، فإن القِصَاص واجب لا محالة، ولو قتل من ظنه عبدًا أو ذميًا ولم يعهد منه ذلك؛ فحكى الإمام في وجوب القِصَاص قولين أيضًا، وجعل ما إذا عهده كذلك مرتبًا عليهما.
وَلَوْ ضَرَبَ مَرِيْضًا جَهِلَ مَرَضَهُ ضَرْبًا يَقتلُ الْمَرِيْضَ، أي دون الصحيح، وَجَبَ القِصَاصُ؛ لأن جهله لا يبيح الضرب وقد حصل القتل بصورة التعدّي، وَقِيْلَ:
الجزء: 4 - الصفحة: 1510
لَا؛ لأن ما أتى به ليس بمُهلِك عنده (•).
فَصْلٌ: وُيشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتِيْلِ إِسْلَامٌ أَوْ أَمَانٌ، أي بعقد ذمة أو عهدٍ أو ضرب رق على كتابي بعصمة، وكذا وثني ونحوه على المذهب، فَيُهْدَرُ الحَرْبِيُّ، إذ لا إيمان له، ولا أمان، وَالْمُرْتَدُّ، أي في حق المسلم كذلك أيضًا، وأما في حق ذمي ومرتد آخر فسيأتي الخلاف فيه، وَمَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ كَغَيْرِهِ، أي فإذا قتله غير المستحق يلزمه القِصَاص؛ لأنه ليس بِمُبَاحِ الدَّمِ، وإنما عليه حق قد يترك وقد يستوفى، نعم؛ لو قتل قاطع الطريق بغير إذن الإمام لا قصاص عليه بل الدية؛ لأن قتله يتحتم ويجيء فيه وجه، وهذا إذا راعينا في قتله القِصَاص؛ فإن لم نراعه فعليه التعزير فقط، لافتياته على الإمام.
فَرْعٌ: يد السارق معصومة على غير المستحق، كذا جزم به الحاوي الصغير، وتبع في ذلك الماوردي، والذي في الرافعى والروضة في بابه أنها ليست معصومة بالنسبة إليه أيضًا، نَعَمْ؛ يُعَزَّرُ كذا أطلقوه، قالا: ويشبه أن يجعل وجوب القِصَاص على الخلاف في قتل الزاني المحصن.
وَالزَّانِي الْمُحْصَنُ إِن قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ قُتِلَ بهِ؛ لأنه لا تسلط له على المسلم، ولا حق له في الواجب عليه، أَوْ مُسْلِمٌ؛ فَلَا فِي الأَصَحِّ؛ لأنه مباح الدم فأشبه المرتد، وهذا هو المنصوص أيضًا، والثاني: يجب القِصَاص؛ لأن الرجم للإمام، وأيدي الآحاد مصروفة عنه، فأشبه ما لو قتل من عليه القِصَاص غير مستحقه، وربما بني الخلاف على أنه الحق لله تعالى أو للمسلمين، وصحح المصنف في تصحيحه أنه إذا ثبت زناه بالإقرار وجب بقتله القِصَاص.
أو الدية، ولم يذكر ذلك في الروضة، ثم محل (•) في هامش النسخة (2) تعليق؛ قال: والذي أطلقه الرافعي تبعًا لِلْمُحَرَّر مقيَّدٌ بما إذا ضربه غير تأديب، فإنْ ضربه تأديبًا ضَرْبًا يَقْتلُ المريضَ؛ وهو جاهلٌ بمرضه، فإنه لا يجب عليه القود، إذ لا عدوان كما صرح به في الوسيط.
ا. هـ. ورمز إلى شرح الدميري على المنهاج.
الجزء: 4 - الصفحة: 1511
الخلاف المذكور ما إذا قتل قبل أن يأمر الإمام بقتله، فإن قتل بعد أمر الإمام فلا قصاص قطعًا، نقله في الروضة من زوائده عن القاضي أبي الطيب.
فَرْعٌ: لو قتل الزاني المحصن مثله وجب القِصَاص على الأصح.
وفِي الْقاتِلِ بُلُوغٌ وَعَقْلٌ، أي يشترط في القتيل ما مرَّ؛ وفي القاتل بلوغٌ وعَقْلٌ، فلا قصاص على صبي ومجنون، كما لا حدَّ عليهما.
فَرْعٌ: من تقطّع جنونه أُعطي لكل زمن حكمه.
وَالمَذْهَبُ وُجُوبُهُ عَلَى السَّكْرَانِ؛ لتعديه، وقد سبق توجيه الخلاف فيه في كتاب الطلاق، وأُلْحِقَ به المتعدي بتناول الأدوية المزيلة للعقل، وَمَنْ يعذر في زوال عقله كالمكره وكمن شرب دواء فسكر ثم قتل لا قِصاص عليه، وَلَوْ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الْقَتلِ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، صُدِّقَ بِيَمِيْنهِ إِنْ أمْكَنَ الصِّبَا وَعُهِدَ الْجُنُونُ؛ لأن الأصل بقاؤهما، وَلَوْ قَالَ: أَنَا صَبِيٌّ، أي الآن، فَلَا قِصَاصَ، وَلَا يُحَلَّفُ؛ لأن اليمين لإثبات المحلوف عليه، ولو ثبت صباه لبطلت يمينه، وفي الذخائر عن الحاوي: أن المذهب التحليف، وَلَا قِصَاصَ عَلَى حَرْبِيٍّ، كما لا يضمن المال لعدم التزامه، وهل عدم الوجوب عليه مختص بالمسلم أم هو عام فيه؟ وفي حقِّ الحربيِّ كلام الغزالي يقتضي الثاني؛ وتعليله يقتضي الأول، وَيَجِبُ عَلَى الْمَعْصُومِ، أي وهو الممنوع من قتله، وَالْمُرْتَدِّ؛ لالتزامهما الأحكام، وسواء كان معصومًا بذمة أو هدنة أو أمان.
فَصْلٌ: وَمُكَافَأَةٌ، أي ويشترط مساواة المقتول القاتل، فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ، أي فلا يقتل مسلم بكافر لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لَا يُقتلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ] رواه البخاري من حديث علىّ - رضي الله عنه - 8.
الجزء: 4 - الصفحة: 1512
فَرْعٌ؛ قَتَلَ عبدٌ مسلمٌ عبدًا مسلمًا لكافر، فقيل: لا يثبت القِصَاص؛ لئلا يثبت القِصَاص ابتداء للكافر على مسلمٍ، وأصحهما: نَعَمْ؛ لتساوي العبدين؛ ويكون السيد كالوارث، ولو قتل عبدٌ كافرٌ عبدًا كافرًا لمسلم فالأصح في الروضة ثبوته.
وَيُقتَلُ ذِمِّيٌّ بِهِ، أي وكذا معاهد لشرفه عليهما، وَبِذِمِّيٍّ، أي ويقتل الذمّي بالذمّي، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَّتَهُمَا؛ لأن الكُفْرَ كله كَالْمِلَّةِ الواحدة، فَلَوْ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ، لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ؛ لأنهما كانا متكافئين حال الجناية، والاعتبار في العقوبات بحال الجناية، ولا نظر إلى ما يحدث بعدها، ألا ترى أن العبدَ إذا زنا أو قذف ثم عتق يقام عليه حدُّ العبيد.
وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، فَأَسْلَمَ الْجَارِحُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ، فَكَذَا فِي الأصَحِّ، أي أن القِصَاص لا يسقط للتكافؤ حال الجرح، والثاني: يسقط نظرًا لحالة الزهوق، وهذا الخلاف في قصاص النفس، أما لو جرح جرحًا يوجب قصاصًا كقطع طرف، ثم أسلم القاطع، ثم سرى؛ وجب القِصَاص في الطرق قطعًا قاله البغوي والرافعي، وَفِي الصُّوْرَتَيْنِ، أي وهما إذا طرأ إسلام القاتل بعد القتل أو بعد الجرح، إِنَّمَا يَقْتَصُّ الإِمَامُ بِطَلَبِ الوَارِثِ، أي ولا يفوضه إليه حذرًا من تسلط الكافر على المسلم، اللَّهُمَّ إلا أن يسلم فيفوّضه إليه، وَالأظْهَرُ: قَتْلُ مُرْتَدٍّ بِذِمِّيٍّ؛ لاستوائهما في الكفر فأشبها الوثنيين، والثاني: لا؛ لبقاء حرمة الإسلام فيه بدليل قضاء الصلاة والصوم، وَبِمُرْتَدٍّ، أي والأظهر قتل مرتد بمرتد كما لو قتل ذمّيٌّ ذميًا، والثاني: لا؛ لأن المرتد مباح الدم، لا ذِمِّيٍّ بِمُرْتَدٍّ؛ لأنه مهدرٌ كالحربى، وَقَتْلُ معصومٍ بمهدرٍ بعيدٌ، والثاني: نعم؛ لأن الذمي يقتله عنادًا لا تدينًا فأشبه ما لو قتل مسلمًا.
فَصْلٌ: وَلَا يُقتَلُ حُرٌّ بِمَنْ فِيْهِ رِقٌّ؛ لأنه لا يقطع طرفه بطرفه باتفاق منا ومن أبي حنيفة، فأولى أن لا يُقتل به، وحديث [مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ] منقطع أو مؤوَّل 9، وَيُقْتَلُ قِنٌّ، وَمُدَبَّرٌ، وَمُكَاتَبٌ، وَأُمُّ وَلَدٍ، بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ؛ لتساويهم في
الجزء: 4 - الصفحة: 1513
الملك، وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا، ثُمَّ عَتَقَ الْقَاتِلُ، أَوْ عَتَقَ بَيْنَ الْجُرْح وَالْمَوْتِ فَكَحُدُوثِ الإِسْلَامِ، أي فيما إذا قتل ذمّيٌّ ذميًا أو جرحه ثم أسلم وقد تقدم عن قريب.
وَمَن بَعْضُهُ حُرٌّ لَوْ قَتَلَ مِثْلَهُ لَا قَصَاصَ، وَقِيْلَ: إِنْ لَمْ تَزِدْ حُرِّيْةُ الْقَاتِل وَجَبَ، اعْلَمْ: أن المبعّض إذا قتل مثله ينظر، إن كان قدر الحرية في القاتل أكثر فلا قصاص قطعًا، وإن استوى القدران أو زادت حرية المقتول، وجهان؛ أشهرهما عند المتقدمين: وجوب القِصَاص؛ لأنه إما مساوٍ أو فاضل، وأصحهما عند المتأخرين: لا؛ لأنه لا يقتل بجزء الحرية جزء الحرية، وبجزءِ الرِّقِّ جزءَ الرِّقِّ، بل جميعه بجميعه؛ ولهذا لو كان القتل خطأً، أو آلَ الأمرُ إلى الدية وأوجبنا نصف الدية، ونصف القيمة مثلًا، لا نقول نصف الدية في مال القاتل ونصف القيمة في رقبته، بل يجب ربُع الدية وربع القيمة في ماله وربُع الدية وربُع القيمة في رقبته، وهذا متفق عليه، فلو وقع الاستيفاء الكبرى: كتاب الجنايات: جماع أبواب تحريم القتل: باب ما روي فيمن قتلَ عبدهُ أو مثَّل به: الحديث (16375)، قال البيهقي: قال الشيخ: يشبه أن يكون الحسن لم ينس الحديث؛ ولكن رغب عنه لضعفه، وأكثر أهل العلم بالحديث رغبوا عن رواية الحسن عن سمرة، وذهب بعضهم إلى أنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة.
انتهى.
• أما التأويل، قال البيهقي -رحمه الله-: وأما علي بن المديني، فكان يثبت سماع الحسن من سمرة.
انتهى.
فذهب البعض إلى تأويل الحديث على وجه: أراد الشارع ممن كان عنده العبد، لئلا يتوهم أن تقدم الملك يمنع من ذلك.
قال الترمذي: قال بعضهم: إِذَا قَتَلَ عَبْدَهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ، وإذا قَتَلَ عبدَ غيره قُتِلَ به، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة.
انتهى من الجامع الصحيح للترمذي: كتاب الديات: الحديث (1414).
• وفي الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [أنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ مُتَعَمِّدًا فَجَلَدَهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَنَفَاهُ سَنَةً؛ وَمَحَى سَهْمَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُقِدْهُ بِهِ، وَأمَرَهُ أن يُعْتِقَ رَقَبَةً].
رواه الدارقطني في السنن: كتاب الحدود والديات: الحديث (187) منه: ج 3 ص 144. وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين؛ فإسناده صحيح.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الجنايات: جماع أبواب تحريم القتل: الحديث (16380) (16381).
الجزء: 4 - الصفحة: 1514
شائعًا، لزم قتل البعض، الحرُّ بالبعضِ، الحرُّ والرقيقُ معًا.
وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ وَحُرٍّ ذِمِّيٍّ، أي بأن قتلَ عبدٌ مسلمٌ حرًّا ذميًّا أو عكسه، وكذا إن قتل كافرٌ ابنهُ المسلمُ أو عكسه؛ لأن الحُرَّ والمسلمَ والأب لا يقتل بِمَفْضُولِهِ.
وَلَا بِقَتْلِ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -[لَا يُقَادُ الأبُ مِنْ ابْنِهِ] صححه الحاكم والبيهقي من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - 10. والأُمُّ كالأب، وكذا الجدُّ والجدَّاتُ وإن عَلَوا من قبل الأب والأُمِّ جميعًا، وَلَا لَهُ، أي ولا يقتل لأجل ولدٍ له وإن سفل أي بقتل غيره، فلو قتل الوالد معتق ولده لم يكن للولد أن يقتص منه؛ لأنه إذا لم يقتص منه لجنايته على الولد كان أولى أن لا يستوفيه الولد، وكذا إذا قتل زوجة ابنه أو زوجته وله منها ولد، ويُقْتَلُ بِوَالِدَيهِ؛ لأن سقوط القِصَاص عن الوالد لِلنَّصِّ، وحرمةُ الولد ليس كذلك، وكذا سائر المحارم يقتل بعضهم ببعض.
وَلَوْ تَدَاعَيَا مَجْهُولًا، فَقَتَلَهُ أحَدُهُمَا، فَإِنْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِالآخَرِ اقْتُصَّ، وَإلا فَلَا؛ لأنا تبيّنا أنه غير ابنه في الأُولى دون الثانية، ولو أَلْحَقَهُ بغيرهما اقتصَّ من القاتل أيضًا وهو وارد على عبارة الشيخ دون عبارة الْمُحَرَّرِ، ثم هذا كله إذا ألحق المولود أحدهما بالدعوة؛ أما إذا أُلْحِقَ بالفِراش، فإن أَلْحَقَهُ بأحدهما اقتص من الآخر إن انفرد بقتله أو شارك فيه، وإن ألحقه بأحدهما، أو انتسب بعد البلوغ فقتله الذي لَحِقَهُ لم يقتص منه، فإن أقام الآخر بيّنة، لَحِقَهُ نسبه واقتص من الأول.
وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ أَخَوَينِ الأَبَ، والآخَرُ الأُمَّ مَعًا، فَلِكُلِّ قِصَاصٌ، أي على الآخر؛
الجزء: 4 - الصفحة: 1515
لأنه قتل مورثه، والاعتبار بالمعيَّة والترتيب أيضًا بزهوق الروح لا بالجرح، فإن عفى أحدهما فللمعفوِّ عنه أن يقتصَّ من العافي، وإن لم يعف قدِّم للقصاص من خرجت قرعته وهذا معنى قول المصنف، وَيُقَدَّمُ بِقُرْعَةٍ، إذ لا مَزِيَّةَ لأحدهما على الآخر، فَإِنِ اقْتُصَّ بِهَا، أَوْ مُبَادِرًا، فَلِوَارِثِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ قَتْلُ الْمُقْتَصِّ، إِن لَمْ نُوَرِّث قَاتِلًا بِحَقٍّ، أو بِلَا حَقٍّ، أي فإن اقتص من خرجت قرعته أو بادر بلا قرعة، فإن قلنا: القاتل بحق لا يحرم الميراث، ولم يكن المقتص محجوبًا، سقط القِصَاص عنه؛ لأنه ورث القِصَاص المستحق على نفسه أو بعضه، وإن قلنا: يحرُمُ، وهو المذهب، أو كان هناك من يحجبه فللوارث المقتص منه أن يقتص من المبادر؛ لثبوته عليه، وَكَذَا إنْ قَتَلَا مُرَتَّبًا، وَلَا زَوْجِيَّةَ، أي وكذا إذا قتلا مرتبًا ولم تكن الزوجية باقية بين الأب والأم؛ فلكل واحد منهما حق القِصَاص، وهل يُقدم بالقرعة أم يقتص من المبتدئ بالقتل؟ وجهان؛ أرجحهما في الروضة الثاني، ونقله الإمام عن الأصحاب، وَإِلا فَعَلَى الثَّانِي فَقَطْ، أي وإن كانت الزوجية باقية بين الأب والأم فلا قصاص على القاتل أولًا، ويجب على القاتل الثاني؛ وذلك لأنه إذا سبق أحدهما إلى قتل الأب لم يرث حق الأب لكونه قاتلًا وكان حق القِصَاص للابن الآخر، وللأم بالزوجية، وإذا قتل الآخر الأمِّ كان الأول هو الذى يرثها فينتقل إليه القِصَاص المستحق عليه ويسقط، ولو تقدم قتل الأم وتأخر قتل الأب سقط القِصَاص عن قاتل الأم وثبت على قاتل الأب فإذا اقتص القاتل الأول من الثاني، وقلنا القاتل بحق يُحرَم الميراث أو كان المقتص محجوبًا فلورثة المقتص منه نصيبه من دية القتيل الأول يطالبون به القاتل الأول.
فَصْلٌ: ويُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ، أي إذا كان فعل كلٍ منهم لو انفردا لقتل، سواء قتلوه بمثقل أو بمحدد أو بغيرهما لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ 11 أي بالقِصَاص، وَلأنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - قَتَلَ نَفَرًا خَمْسةً أوْ سَبْعةً بِرَجُلٍ
الجزء: 4 - الصفحة: 1516
قَتَلُوهُ غِيْلَةً، وَفَالَ: (لَئِنْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيْعًا) رواه مالك 12، وفيه قول: أنهم لا يقتلون به.
وَللْوَليِّ الْعَفْوُ عَنْ بَعْضُهِمْ عَلَى حِصَّتِهِ مِنَ الدِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الرُّؤوسِ، توزيعًا عليهم، أما لو ضربه كل واحد ضربة بسوط أو عصى خفيفة فمات، ففي وحوب القِصَاص عليهم وجوه؛ أصحها كما سيأتي الوجوب بأنْ تَوَاطَؤُا.
وَلَا يُقْتَلُ شَرِيْكُ مُخْطِئ وَشِبْهِ عَمْدٍ؛ لأن الزهوق حصل بفعلين أحدهما يوجبه، والآخر ينفيه، فغلب الْمُسْقِطُ كما إذا قتل المبعَّضُ رقيقا، وقال المزني: يُقْتَصُّ مِنْهُمَا، وَيُقْتَلُ شَرَيكُ الأبِ.
وَعَبْدٌ شَارَكَ حُرًّا فِي عَبْدٍ، وَذِمِّيٌّ شَارَكَ مُسْلِمًا فِي ذِمِّيٍّ؛ لأن كل واحد من الأجنبي، والعبد، والذمي، لو انفرد بالقتل وجب عليه القِصَاص، فإذا شارك من لا يقتص منه لا لمعنىً في فعلهِ وجبَ أيضًا، كما لو كانا عامدين (•) فعفى الوليُّ عن أحدهما، وليس شريك الأب كشريك الخاطئ، فإن الخطأَ شبهةٌ في فعل الخاطئ، والفعلان مصادفان لمحل واحد، فأورث الخطأ في أحدهما شبهة في القِصَاص، كما لو جرح واحد جراحتين جراحة عمدًا والأخرى خطأً، وشبهة الأبوة في نفس الأب لا في الفعل، وذات الأب تتميز عن ذات الأجنبي فلا تؤثر شُبْهَتُهُ في حقِّه، وَكَذَا شَرِيْكُ حَرْبِيٍّ، أي في قتل مسلم، وَقَاطِعٍ قِصَاصًا، أَوْ حَدًّا، وَشَرِيْكُ النَّفْسِ، وَدَافِع الصَّائِل فِي الأَظْهَرِ؛ لحصول الزهوق بفعلين عمدين، وامتناع القِصَاص على الآخر لمعنى يخصه فصار كشريك الأب، والثاني: لا يجب، بل عليه نصف الدية؛ لأن من لا يضمن أخف حالًا من الخاطئ فأولى أَلّاَ يجبَ على الشريك في هذه الصورة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1517
وَلَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً وَمَاتَ بِهِمَا، أَوْ جَرَحَ حَرْبِيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا، ثُمَّ أسْلَمَ، وَجَرَحَهُ ثَانِيَةً، فَمَاتَ لَمْ يُقْتَلْ، أما في الأُولى؛ فلأن الزهوق لم يحصل بالعمد المحض، نَعَمْ: يجب نصف دية مخففة على العاقلة، ونصف دية مغلظة من ماله، وأما في الثانية؛ فلأن الموت حصل بمضمونٍ وغير مضمون، نَعَمْ: يثبت موجب الجراحة الواقعة في حال العصمة من القِصَاص أو الدية المغلظة.
وَلَوْ دَاوَى جُرْحَهُ بِسُمٍّ مُذَفِّفٍ، أي قاتل، بأن شرّبه أو وضعه على الجراحة، فَلَا قِصَاصَ عَلَى جَارِحَهِ، لأنه قطع سراية الجرح فأشبه ما لو جرحه إنسان فذبح المجروح نفسه، نَعَمْ؛ عليه أَرْشُ جراحته أو القِصَاص إن تعلق بها قصاص، كما لو قطع بها طرفًا، قال الماوردي: ولا فرق بين أن يكون المجروح عَلِمَ حال السُّمِّ أم لا، وَإِن لَمْ يَقْتُل غَالِبًا، فَشِبْهُ عَمْدٍ، أي فلا قصاص من النفس، بل عليه نصف الدية المغلظة، أو القِصَاص في الطرف إن اقتضته، وَإِنْ قَتَلَ غَالِبًا وَعَلِمَ، أيْ المجروح، حَالَهُ، فَشَرِيْكُ جَارِحِ نَفسِهِ، أي فيجب القود على الأظهر، كما مر سلوكًا بفعل المجروح سلوك العمد، وَقِيْلَ: شَرِيكُ مُخطِئٍ؛ لأن المجروح إنما قصد المداواة فشريكه شريك خاطئٍ، واحترز بقوله (وَعَلِمَ حَالَهُ) عما إذا لم يعلم حال المجروح بأنه يقتل غالبًا، فإنه لا قصاص كما لو كان مما لا يقتل غالبًا.
وَلَوْ ضَربوهُ بِسِيَاط فَقَتَلُوهُ، وَضَرْبُ كُل وَاحِدٍ غَيْرُ قَاتِلٍ، أي بأن ضربه كل واحد من العدد الكبير ضربة، فَفِي القِصَاصِ عَلَيهِمْ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: يَجِبُ إِنْ تَوَاطَئُواْ، أي على أن يضربوه تلك الضربات، بخلاف ما إذا وقعت اتفاقًا، وهذا بخلاف الجراحات، فإنه لا يشترط فيها التواطؤ؛ لأن الجرح نفسه قَصْدٌ إلى الإهلاك، والضرب بالسوط الخفيف لا يظهر فيه قصد الاهلاك، إلّاَ بالموالاة من واحد، أو المواطأة من جماعة، والثاني: لا قصاص على واحد منهم؛ لأن فعل كل واحد منهم ليس عمدًا مقتضيًا للقصاص، ومن عداه شركاؤه، ولا قصاص على شركاء الخاطئ ولا شركاء صاحب شبه العمد، فعلى هذا تجب الدية قطعًا؛ قاله الإمام.
والثالث: يجب على الجميع القِصَاص لئلا يصير ذلك ذريعة إلى القتل، واحترز بقوله (وَضَرْبُ
الجزء: 4 - الصفحة: 1518
كُل وَاحِدٍ غَيْرُ قَاتِلٍ) عما إذا كان ضرباتُ كل واحدٍ منهم قاتلة لو انفردت، فإن عليهم القِصَاص كما أسلفته، وإذا آل الأمر إلى الدية وزعت على عدد الضربات لا بالسوية على الأظهر؛ لأن الضربات تلاقي ظاهر البدن فلا يعظم فيها التفاوت بخلاف الجراحات.
وَمَنْ قَتلَ جَمعًا مُرَتبًا قُتِلَ بأوَّلهِم؛ لاستحقاقه القِصَاص أولا وللباقين الديات، وكذا لو قطع الواحد أطراف جماعة، أَوْ مَعًا، أي بأن هدم عليهم جدارًا أو جرحهم وماتوا، فَبِالْقُرعَةِ، أي وجوبًا لتساويهم؛ وقيل: استحبابًا، وصححه الروياني، وَللْبَاقِيْنَ الدياتُ.
فَرعٌ: لو أشكلَ الحال فلم يدرِ أَقتْلُهُم كان معًا، أو مرتبًا، جعل كما لو قتلهم معًا؛ فيقرع.
قُلْتُ: فَلَوْ قَتَلَهُ غَيْرُ الأوَّلِ، عَصَى، أي بأن بادر وأقدم على ذلك، ولم يعفُ الأول، ولم يقتص عصى أي ويعزر لإبطال حق غيره، وَوَقَعَ قِصَاصًا؛ لأن حقه متعلق به، بدليل ما لو عفى ولي الأول، فإنه ينتقل إلى من بعده.
وَللأولِ دية.
وَالله أعلَمُ؛ لتعذر القِصَاص بغير اختياره.
فَصْلٌ: جَرَحَ حَربيًا أَوْ مُرتَدًّا أوْ عَبدَ نَفْسِهِ فَأسلَمَ، أي الحربي والمرتد، وَعَتَقَ، أي العبد، ثُم مَاتَ بِالجرح، فَلَا ضمَان؛ لأن الجراحة والحالة هذه غير مضمونة بالقِصَاص، فالسراية كذلك كقطع يد السارق إذا سرى إلى النفس، وَقِيلَ: تَجِبُ دِيةٌ، اعتبارًا بحالة استقرار الجناية.
ولَوْ رَمَاهُمَا فَأَسْلَمَ وَعَتَقَ، فَلَا قِصَاصَ؛ لعدم المكافأة في أول أجزاء الجناية، وَالْمَذهبُ وُجُوبِ دِيةِ مُسْلِمٍ، اعتبارًا بحالة الإصابة؛ لأنها حالة اتصال الجناية، والرمي كالمقدمة التي يتسَببُ بها إلى الجناية، وعبارة الرافعي في إيراد الخلاف: إن قلنا يجب الضمان في مسألة الحربي، والمرتد إذا أسلم بعد الجرح ثم مات فهنا أولى،
الجزء: 4 - الصفحة: 1519
وإن قلنا لا يجب هناك فهنا ثلاثة أوجه أصحها، وهو المنصوص: أنه تجب اعتبارًا بحالة الإصابة، والثاني: لا تجب، اعتبارًا بحالة الرمي، والثالث: تجب فِي المرتد دون الحربي؛ لأن المرتد لا يجوز لغير الإمام قتله بخلافه، ويجري الخلاف فيما إذا رمى إلى عبد نفسه ثم أعتقه قبل الإصابة، وأولى بالضمان؛ لأن العبد معصوم مضمون بالكفارة فعبر المصنف عن ذلك بالمذهب.
مُخَفْفَةَ عَلَى العَاقِلَةِ، كما لو رمى إلى صيد فأصاب آدميًا، وهذا مما جزم به في الْمُحَرر، وحكى في الشرح فِي الديات فيه ثلاثة أوجه: دية عمد، دية شبهة عمد، دية خطأ، فلك أن تُعِيْدَ قولهُ، والمذهب إلى كونها مُخَفَّفَةً أم لا؟ وهو ظاهر كلامه، ويكون أطلق الطرق على الأوجه مجازًا.
وَلَوِ ارتَدَّ المَجْرُوحُ وَمَاتَ بِالسِّرَايَة، فالنَّفْسُ هدر، أي فلا يجب قصاصها؛ ولا ديتها؛ ولا الكفارة؛ لأن نفسه تلفت وهي مهدرة.
وَيَجِبُ قِصَاصُ الْجُرح، أي كالموضحة وقطع اليد، فِي الأظْهرِ؛ لأن القِصَاص في الطرف منفرد عن القِصَاص في النفس، ويستقر فلا يتغير بما يحدث بعده، ألا ترى أنه لو قطع طرفه وجاء آخر وحزَّ رقبته يجب على الأول قصاص الطرف، وإن لم يجب عليهما قصاص النفس، والثاني: لا يجب؛ لأن الطرف تبع للنفس إذا صارت الجناية قتلا، فإذا لم يجب قصاص النفس لا يجب قصاص الطرف، وكذلك لو قطع طرف إنسان فمات منه، فعفى وليه عن القِصَاص، لم يكن له أن يقتص في الطرف، يَسْتَوْفِيْهِ قَرِيبهُ المُسْلِمُ، أي الذي كان يرثه لولا الردة؛ لأن القِصَاص للتشفي، وذلك يتعلق بالقريب دون الإمام، فإن كان ناقصًا انتظر كمالَه ليستوفي، وَقِيلَ: الإمَامُ؛ لأنه لا وارث لِلْمُرتَدِّ فيستوفيه الإمام كغيره، وادعى ابن كج أن الأكثرين عليه، وأن الاصطخري انفرد بالأول، فَإنِ اقتَضَى الجُرحُ مَالًا، إي لا قصاصًا كالجائفة والهاشمة، وَجَبَ أَقَل الأمرَينِ: مِنْ أرشِهِ وَدِيَّة، أي من الأرش الذي تقتضيه الجراحة ودية النفس، فإن كان الأرش أقل كالجائفة، وقطع اليد الواحدة لم يزد بالسراية في الردة شيء، وإن كانت دية النفس أقل كما إذا قطع يديه ورجليه فارتد ومات؟ فلو مات بالسراية مسلمًا لم يجب أكثر منها، فإذا مات
الجزء: 4 - الصفحة: 1520
مرتدًا (•) فأولى أن لا تجب أكثر منها، وَقِيلَ: أرشُهُ، أي وقيل: الواجب أرش الجرح بالغًا ما بلغ، فيجب فيما إذا قطع يديه ورجليه ديتان؛ لأن الأرش إنما يندرج في الدية إذا وجب ضمان النفس بتلك الجراحة، والنفس هنا تلفت مهدرة، فلو أدرجنا لأهدرنا فجعلت الردة قاطعة للإدراج قائمة مقام الاندمال، وعلى كل حال فالواجب فَيءٌ لا يأخذ القريب منه شيئًا، وَقِيلَ: هدر، أي لا يوجب مالًا؛ لأن الجراحة إذا سرت صارت قتلا؛ وصارت الأطراف تابعة للنفس، والنفس مهدرة فلذلك ما يتبعها، والأصح وجوب المال؛ لأنه وجب بالجناية أرش، والردة تمنعُ وجوب شيء بعدها، ولا يسقط ما وجب قبلها، وهذا كما لو قطع أطراف رجل وقتل الرجلُ نفسه؛ فإنه لا يسقط ضمان الطرف، وهذا كله إذا طرأت الردة بعد الجرح، فلو طرأت بعد الرمي وقبل الإصابة، فلا ضمان باتفاقهم، فإنه مرتد حين تأثير الجناية، قال الرافعى: ويجيء فيه وجه من نظيره فيما إذا رمى إلى مرتد فأسلم قبل الإصابة أنه يعتبر وقت الرمي وإن لم يذكروه.
وَلَوِ ارْتَدَّ؛ ثُمَّ أَسلَمَ؛ فَمَاتَ بِالسرَايَةِ، فَلَا قِصَاصَ، لتخلل حالة الإهدار، وَقِيلَ: إِن قَصُرَتِ الردَّةُ وَجَبَ؛ لأنها إذا قصرت لم يظهر فيها أثر للسراية، وَتَجِبُ الديةُ، أي إذا فرعنا على الأظهر أنه لا يجب القِصَاص كما مر فتجب الدية لوقوع الجرح والموت في حالة العصمة، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفُها، توزيعًا على العصمة والإهدار، وفي قول ثالث: أنه يجب ثلثاها توزيعًا على الأحوال الثلاث حالتي العصمة وحالة الإهدار، ثم قال الأكثرون: موضع الخلاف ما إذا طالت مدة الإهدار، فإن قصرت وجب كل الدية قطعًا، وقيل بالطرد في الحالين.
فَرع: رمى إلى مسلم؛ فارتدَّ وعاد إلى الإسلام ثم أصابه السهم؛ فلا قصاص على المشهور.
وَلَو جَرَحَ مُسْلِم ذِميًا فَأسْلَمَ، أو حُرُّ عَبدًا فَعُتِقَ، وَمَاتَ بِالسرَايَةِ، فَلَا قِصَاصَ؛ (•) في النسخة (2): شريك بدل مرتدًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 1521
لأنه لم يقصد بالجناية من يكافئه، وَتَجِبُ دِيَّة مسلم؛ لأنه كان مضمونًا أولًا، وهو في الانتهاء حر مسلم، وَهِيَ لِسَيِّدِ العَبْدِ، أي سواء كانت الدية مثل القيمة، أو أقل؛ لأنه يستحق هذا القدر بالجناية الواقعة في ملكه، فَإن زَادَتْ، أي الدية، عَلَى قِيْمَتِهِ، فَالزيادَةُ لِوَرَثَتِهِ؛ لأنها وجبت بسبب الحرية.
وَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ، أي أو فَقَأَ إحدى عينيه، فَعَتَقَ ثم مَاتَ بِسِرَايَةٍ، أي وأوجبنا كمال الدية، فَلِلسيدِ الأقَل مِنَ الديةِ الوَاجبَةِ، وَنصف قِيمَتِهِ، أي وهو أرش الطرف المقطوع في ملكه لو اندملت الجراحة؛ لأن السرايةَ لم تحصل في الرِق حتى تعتبر في حق السيد، فإن كان كَلُّ الدية أقلَّ فلا واجب غيره، وإن كان نصف القيمة أقل فهو أرش الجناية الواقعة في ملكه، وَفِي قَوْلٍ: الأقَل مِنَ الديةِ وَقِيْمَتِهِ، أي من كل الدية ومن كل القيمة؛ لأن السراية حصلت بجناية مضمونة للسيد، وقد اعتبرنا السراية حيث أوجبنا دية النفس، فلابد من النظر إليها في حق السيد، فيقدر موته رقيقا، وموته حرًا، ونوجب للسيد أقل العوضين، فإن كانت الدية أقل فليس على الجاني غيرها، ومن إعتاق السيد جاء النقصان، وإن كانت القيمة أقل فالزيادة وجبت بسبب الحرية، فليس للسيد.
إلّا قدر القيمة الذي كان يأخذه لو مات رقيقًا.
وَلَو قطعَ يَدَهُ (•) فَعَتَقَ فَجَرَحَهُ آخَرَانِ وَمَاتَ بِسِرَايَتهِم فلا قِصَاصَ عَلَى الأولِ وَإِن كَان حُرًا؛ لعدم المكافأة، وَيَجبُ عَلَى الآخَرِينَ؛ لوجودها وصار الشريك الأبُّ، وأما الدية فتجب على الثلاثَة أثلاثًا، ولا حق للسيد فيما يجب على الآخرين وإنما يتعلق حقه.
مما على الأول، وفيما يستحقه القولان، فعلى القول الأول: أقل الأمرين من ثلث الدية وثلث القيمة، وعلى الثاني: الأقل من ثُلثِ الدية وأرش الجناية في ملكه، وهو نصف القيمة.
فَصل: يُشْتَرَطُ لقِصَاصِ الطرَفِ، وَالجُرح، مَا شُرِطَ لِلنفْسِ، أي من كون القتل محضًا عدوانًا، ومن كون القاتل مكلفًا ملتزمًا، ومن كون المقتول معصومًا؛ (•) في هامش النسخة (2)؛ كتب يقول: وَلَو قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1522
فلا يجب القِصَاص فيما إذا وقعت الجراحة خطأ، أو شبه عمدٍ، ومن لا يُقتل به؛ لا يقطع بطرفه، ولا يشترط في قصاص الطرف التساوي في البدن، فيقطع العبد بالعبد؛ والمرأة بالرجل؛ وبالعكس، والذمي بالمسلم؛ والعبد بالحر؛ ولا عكس فيهما.
وَلَوْ وَضَعُوا سَيفًا عَلَى يَده وَتَحَامَلُوا عَلَيْهِ دَفْعَة، فَأَبَانُوها قُطِعُوا، كما في النفس، ويخالف ما لو سرق رجلان نصابًا واحدًا؛ لا يجب القطع؛ لأنه حق الله بخلافه، أما إذا تميز فعل الشركاء، بأن قطع هذا من جانب؛ وهذا من جانب؛ حتى التقت الحديدتان، أو قطع أحدهما بعض اليد؛ وجاء الآخر؛ فقطع الباقي؛ فلا قصاص على واحد منهما، وتجب الحكومة على كل واحد منهما على ما يليق بجنايته، وينبغي أن يبلغ مجموع الحكومتين دية اليد.
فَصْلٌ: وَشِجَاجُ الرأسِ، وَالْوَجْهِ: عَشْرٌ، أي كما يأتي؛ والشِجاج بكسر الشين جمع شَجةٍ وبفتحها كما ضبطه بخطه في الأصل:
1 - حَارِصَةٌ، أي بمهملات، وَهِيَ مَما شَق الجِلْدَ قَلِيلًا، أي نحو الخدش، وفسَّرها صاحب المهذب وغيره: بما يكشطُ الجلدَ؛ وهي مأخوذةٌ من قولهم حَرَصَ القَصَّارُ الثوبَ، إذا خَدَشَهُ قليلا بالدَّقِّ، أو كَشَطَ عنهُ الوسخَ.
2 - وَدَامِيَة تدمِيْهِ، أي تدمي موضعها من الشق والخدش، ولا يقطر منها دم، خلافًا للإمام والغزالي فإن قطر فهي الدابِعَةُ.
3 - وَبَاضِعَةٌ تَقْطَعُ اللحمَ؛ لأن البَضعُ هو الشق.
4 - وَمُتَلَاحِمَة تَغُوصُ فِيْهِ، أي في اللحم، ولا تبلغُ الجلدة بين اللحم والعظم.
5 - وَسِمحَاق، بكسر السين، تَبلُغُ الْجِلدَةَ الْتِي بَيْنَ اللحمِ وَالعَظْمِ، سميت بذلك؛ لأن تلك الجلدة تسمى سمحاق الرأس.
6 - وَمُوضحَة تُوَضِّحُ الْعَظمَ، أي تكشفه بحيث يقرع بِالمِروَدِ، وإن كان العظمُ غير مشاهد للدم الذي ستره، ولو غرز إبرة في رأسه ووصلت إلى العظم؛ فالأصح: أنه إيضاحٌ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1523
7 - وَهاشمَةٌ تَهْشِمُهُ، أي تُكَسِّرُهُ.
8 - وَمُنَقِّلَة تَنْقُلُهُ، أي تنقل العظم من موضع إلى موضع.
9 - وَمَأمُومَة تَبْلُغُ خَرِيْطَةَ الدمَاغ، أي المحيطة به وهي أُمُّ الرأسِ.
10 - وَدَامِغَة تخْرِقُها، أي تَخرُقُ خريطة الدماغ وتصل الدماغ وهي مذففة.
هذه العشرة؛ هي المشهورة؛ ووراءها أخر على اختلاف ذكرته في الأصل.
وجيع هذه الشجاج تفرض في الجبهة؛ كما تفرض في الرأس؛ كما صرح به المصنف، وكذلك يتصور ما سوى المأمومة والدامغة في الخد وقصبة الأنف واللحى الأسفل.
وَيَجِبُ القِصَاصُ فِي الْمُوضحَةِ فَقَطْ؛ لتيسر ضبطها واستيفاء مثلها، وأما غيرها فلا تؤمن الزيادة والنقصان في طول الجراحة وعرضها، ولا توثق باستيفاء المثل، ولذلك لا توجب القِصَاص في كسر العظام، وَقِيلَ: وَفِيْمَا قَبلَها سِوى الحَارِصَةِ، وهي الدَّامِيَةُ؛ وَالبَاضِعَةُ؛ وَالْمُتَلَاحِمَةُ؛ وَالسمحَاقُ؛ لإمكان الوقوف على نسبة المقطوع إلى الجملة، أما الحارصة، فلا قصاص فيها قطعًا كما حكاه الإمام؛ لأنه لا وقع لها ولا يفوت بها شيء، واستثناء المصنف الحارصة مما زاده على المُحَرر، قال في الدقائق: ولابد منه (•)؛ لأن عبارتهم توهم إجراء الخلاف فيها.
قُلْتُ: لكن قال في الكفاية: كلامُ جماعةٍ يُفْهِمُ خلافًا فيها.
ولو أَوْضَحَ فِي بَاقِي الْبَدَن؛ أَوْ قَطَعَ بَعضَ مَارِنٍ؛ أَوْ أُذُنٍ وَلَم يُبِنْهُ، وَجَبَ القِصاصُ فِي الأصَح، أما في الأولى: وهي فيما إذا أوضح في بقية بدنه سوى الرأس والوجه، كما إذا أوضح عظم الصدر، أو العنق؛ أو الساعد؛ أو الأصابع؛ فوجه عدم الوجوب القياس على الأرش؛ فإنه لا أرش فيه مقدر، ووجه الوجوب وهو الأصح: (•) دقائق المنهاج: كتاب الجراح: ص 73: وهو كما قال: زيادة لهُ لابُدَّ منها، فإن الحارصة لا قصاص فيها قطعًا، وإنما الخلاف في غيرها.
إ. هـ. منه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1524
تيسر استيفاء المثل، ولا يعتبر القِصَاص بالأرش.
ألا ترى أن الأصبع الزائدة يقتص بمثلها وليس لها أرش مقدر، وكذلك الساعد بالكف، وعلى عكسه الجائفة لها أرش مقدر ولا قصاص فيها.
وأما في الثانية: وهي ما إذا قطع بعض الأذن؛ أو بعض المارن، وهي: ما لَانَ من الأنف، ولم يُبْنِه فقال الرافعي: فيه اختلاف قول مرتب على الخلاف في الباضعة والمتلاحمة، والظاهر الوجوب لإحاطة الهواء بهما؛ وإمكان الإطلاع عليهما من الجانبين، ويقدر المقطوع بالجزئية كالثلث والنصف ويستوفى من الجاني مثله، فلا نظر إلى مساحة المقطوع؛ وقد تختلف الآذان كبرًا وصغرًا.
فَصل: ويجِبُ، أي القِصَاص، فِي القَطْع مِنْ مَفصِلٍ؛ لإنضباطه، حَتى فِي أَصلِ فَخْذٍ وَمَنكب إِن أَمكَن بِلَا إِجَافَةٍ، وَإلا، أي وإن لم يمكن إلّا بإجافة، فَلَا عَلَى الصحِيْح؛ لأن الجوائف لا تنضبطْ ضيقًا؛ وسعة؛ وتأثيرًا؛ ونكاية؛ ولذلك لم يجز القِصَاص فيها، والثاني: أنه يقتضي إذا كان الجاني أجاف، وقال أهل النظر: يمكن أن تقطع ويجاف مثل الجائفة، ووجهه أن الجائفة هاهنا تابعة غير مقصودة، وهذا هو المقابل للوجه الصحيح لا أنه يقتص مطلقًا.
ويجِبُ، أي القِصَاص، فِي فَقْءِ عَيْن، وَقَطْع أذن، وَجَفْن، وَمَارن، وَشَفَةٍ، وَلسان، وَذَكَر، وَأنثَيَينِ؛ لأن لها نهايات مضبوطة وإن لم يكن مفصل، وَكَذَا إِليَانِ، وَشُفْرَانِ فِي الأصَحِّ؛ لأن لها نهاية تنتهي إليها، والثاني: لا؛ لأنه لا يمكن الاستيفاء إلّا بقطع غيره.
وَلَا قِصَاصَ فِي كَسرِ العِظَامِ، وَنَحوِها؛ لعدم الوثوق بالمماثلة، وَلَهُ قَطْعُ أقْرَبِ مَفْصَلٍ إِلَى مَوْضِع الكَسرِ، وَحُكُومَةُ البَاقِي؛ لتعذر القِصَاص لما أسلفناه، فإذا قطع يده من الذراع مثلا فيقتص من الكوع ويأخذ أرش ما زاد ولا يخفى أن له العفو والعدول إلى المال.
فَصل: وَلَوْ أَوضَحَهُ وَهشَمَ، أَوْضَحَ؛ لإمكان القِصَاص في الموضحة، وأشبه
الجزء: 4 - الصفحة: 1525
قطع اليد من وسط الساعد؛ فإن له أن يقتص في الكف، وَأَخَذَ خمسَةَ أبعِرَةٍ؛ لتعذر القِصَاص في الهشم، وهذا المأخوذ هو أرش ما بين الهاشمة والموضحة.
وَلَوْ أَوْضَحَ وَنَقَلَ، أَوْضَحَ وَلَهُ عَشْرَةُ أَبعِرَةِ؛ لما قلناه في التي قبلها، وهذا المأخوذ هُوَ أَرشُ ما بين الموضحة والمنقّلة.
وَلَوْ قَطَعَهُ مِنَ الكُوع فَلَيْسَ لَهُ التِقَاطُ أَصَابِعِهِ؛ لأنه قدر على وضع الحديدة على محل الجناية، ومهما أمكن رعاية المماثلة لا يعدل عنها، فَإن فَعَلَهُ عُزِّرَ؛ لعدوله عن المستحق، وَلَا غُرمَ، له؛ لأنه لا يستحق إتلاف الجملة؛ فلا يلزمه بإتلاف البعض غُرم؛ كما أن مستحق قتل النفس لو قطع طرف الجاني لا غُرمَ عليه، وَالأصَحُّ: أن لَهُ قَطْعُ الْكف بعدَهُ، كما أن مستحق النفس لو قطع يد الجاني له أن يعود ويحز رقبته، والثاني: لا، وهو نظير ما جزم به الإمام فيما إذا قطع يده من مفصل فاستوفى من الجاني دونه؛ وأراد أن يقتص من المفصل، كما أنه إذا طلب حكومة لم يجب إليها.
وَلَوْ كَسَرَ عَضدَهُ؛ وَأبَانَهُ، قُطِعَ مِنَ الْمِرفَقِ؛ لأنه أقرب مفصل إلى محل الجناية، والعضد من مفصل المرفق إلى الكف، وَلَهُ حُكُومَةُ الْبَاقِي؛ لعدم إمكان القِصَاص منه.
فَلَو طَلَبَ الْكُوعَ؛ مُكّنَ فِي الأصَحّ؛ لأنه عاجز عن القطع في محل الجناية، وهو بالعدول عن الكوع تارك لبعض حقه فلا يُمنَعُ منه، والثاني: لا يمكن؛ لأنه عدول عما هو أقرب إلى محل الجناية، والبغوي رجح الأول، وإيراد الروياني وغيره يُشْعِرُ بترجيح الثاني، وقال في الشرح الصغير: إنه الأولى؛ ولم يذكر ترجيحًا.
وَلَوْ أَوْضَحَهُ فَذَهبَ ضَوؤُهُ، أي عينيه، أَوضَحَهُ، طلبًا للمماثلة، فَإن ذَهبَ الضَّوءُ، وإلا أَذهبَهُ بِأَخَف مُمكِنٍ؛ كَتَقرِيبِ حَدِيدَةٍ مُحمَاةٍ مِن حَدَقَتِهِ، أي أو طرح كافور فيها ونحوهما، واستشكل بعضهم كيفية إمكان إذهاب الضوء بذلك على وجه تقع به المماثلة.
وَلَو لَطَمَهُ لَطْمَةً تُذْهِبُ ضَوْءَهُ غَالِبًا فذهبَ، لَطَمَهُ مِثْلَها، طلبًا للمماثلة، فَإِن
الجزء: 4 - الصفحة: 1526
لَم تُذهِب أذْهِبَ، أي بالمعالجة كما سلف لإمكان الاستيفاء من غير حَيْفٍ، وفي وجه صححه البغوي واستحسنه الرافعي: أنه لا يقتص في اللطمة كما لا يقتص في الهاشمة إذا هشمه فذهب ضوؤه؛ لأنه لا قصاص في اللطمة إذا انفردت، وكذا الهاشمة أيضًا.
فَرع: لو ذهب ضوء إحدى العينين فقط، لم يلطم؛ لاحتمال ذهاب ضوئهما، بل يذهب بالمعالجة إن أمكن؛ فإن لم يمكن؛ أخذت الدية لتعذر القِصَاص.
وَالسمعُ كَالبَصَرِ يَجبُ القِصَاصُ فِيهِ بِالسرَايَةِ؛ لأن له محلًا مضبوطًا، وَكَذَا البَطشُ؛ وَالذوْقُ؛ وَالشمَ، فِي الأصَح، لأن لها محالًا مضبوطة، ولأهل الخبرة طرق في إبطالها، والثاني: المنع؛ لأن هذه المعاني لا يمكن القِصَاص فيها.
فَرع: في العقل أيضًا تردد، والأقرب منع القِصَاص فيه؛ لأنه لا يوثق بالمعالجة بما يزيله، وَلَوْ قَطَعَ أُصبُعَا فَتَآكلَ غَيْرها، فَلَا قِصَاصَ فِي المُتَأكُّلِ؛ لعدم تحقق العَمديَّة.
بَابُ كَيفِيةِ القِصَاصِ وَمُسْتَوْفِيهِ وَالاختِلافِ فِيهِ
أي والعفوُ عنهُ، فإنه قد ذكره في آخر الباب، وذكر الاختلاف فيه قبل مستوفى القِصَاص؛ ويجاب أن الواو لا تقتضي ترتيبًا.
لَا تُقطَعُ يَسَارٌ بِيَمِيْنٍ؛ لأن المقصود من القِصَاص المساواة ولا مساواة بين اليمين واليسار، وَلَا شَفَةٌ سُفْلَى بِعُلْيَا؛ لاختلاف المنافع واختلاف تأثير المحال بالجراحات، وَ، لا، عَكْسُهُ، أي لا تقطع يمين بيسار، ولا شفة عليا بسفلى، لما ذكرناه أيضًا من اختلاف المحال والمنافع، كما لا يؤخذ أنف بعين، وَلا أُنْمُلَةٌ بِأخْرَى، وَلَا زائِدٌ بِزَائد فِي مَحَلٍّ آخَرَ، أي لا تُقْطَعُ أُنْمُلَةُ أصبع بأنملة أخرى من تلك الأصابع لما ذكرناه، ولا إصبع زائدة بزائدة أخرى إذا اختلف محلهما؛ بأن كانت زائدة المجني عليه بجنب الخنصر وزائدة الجاني بجنب الإبهام بل تؤخذ الحكومة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1527
فرع: لا تقطع أصبع بأصبع كالسبابة والوسطى، ذكره الرافعى في المُحَرَّر.
وَلَا يضرٌّ تَفَاوُتُ كِبَر وَطُول، وَقِصَر، وَقُوَّةُ بَطْش فِي أَصلِي، كما لا تعتبر مماثلة النفوس في هذه الأمور، والسبب فيه أن مماثلة النفوس والأطراف لا تكاد تتفق، وَكَذَا زَائِد، أي كالأصبع والسِّنِّ الزائدتين، فِي الأصَحِّ، كما في الأصلية، والثاني: يضر؛ لأنه ليس لها اسم مخصوص حتى يُكتفى بالاتفاق في الاسم، كما يكتفى في اليمين واليسار، فينظر القدر وتراعى الصورة، فعلى هذا إن كانت زائدة الجاني أكبر لم يقتص منه، وإن كانت زائدة المجني عليه أكبر اقتص، وأخذ حكومة قدر النقصان، ويعتَبَرُ قدرُ الْمُوَضحَةِ طولا وَعَرضًا، أي في قصاصها فلا تقابل ضيقة بواسعة، ولا يقنع بضيقة عن واسعة، وَلَا يَضُر تَفَاوُتُ غِلَظِ لَحم وَجلد؛ لأن اسم الموضحة يتعلق بإنهاء الجراحة إلى العظم والتساوي في قدر الغَوصِ (•) قليلًا ما يتفق فيقطع النظر عنه، كما يقطع النظر عن الصغر والكبر في الأطراف.
ولو أَوْضَحَ كُل رَأسِهِ، وَرَأسُ الشاج أصغَرُ استَوعَبْنَاهُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 13، وَلَا نُتَمِّمُهُ مِنَ الوَجْهِ وَالقَفا؛ لأنهما غير محل الجناية، بَل يُؤْخَذُ قِسْطُ الباقِي مِنْ أَرشِ المُوَضحَةِ لَوْ وُزِّعَ عَلَى جَمِيْعها؛ لتعيينه طريقًا فلو كان المستوفي بإيضاح جميع رأسه قدر الثلثين أخذ ثلث الأرش، وَإن كَان رَأس الشاج أَكبَرَ أُخِذَ قَدرُ رأسِ الْمَشجُوج فَقَط؛ لحصول المساواة، وَالصحِيحُ أَن الإختِيَارَ فِي مَوْضعِهِ إِلَى الجاني؛ لأن جميع رأسه محل الجناية، والثاني: إلى المجني عليه، وعزى الماوردي تصحيحه، ونقله عن جمهور الأصحاب، والثالث: أنه يبتدئ من حيث ابتدأ الجاني؛ ويذهب في الجهة التي ذهب إليها إلى أن يتم القدر.
وَلَوْ أوْضَحَ نَاصِيَة، وَنَاصِيَتُهُ، يعني الجاني، أصغَرُ تُمِّمَ مِنَ بَاقِي الرأسِ؛ لأن الرأس كله عضو واحد، ولا فرق بين مقدمة ومؤخرة، وَلَوْ زَادَ المُقْتَصُّ فِي (•) في النسخة (1) العِوَضِ بدل الغَوْصِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1528
مُوَضِّحَةٍ عَلَى حَقِّهِ، لَزِمَهُ قِصَاصُ الزِّيَادَةِ، أي ويكون بعد اندمال الموضحة التي في رأسه، وأطلق المصنف ذلك، ومحله كما قال في الروضة تبعًا للرافعي: ما إذا لم يضطرب الجاني، فإن زاد باضطرابه فلا غُرْمَ، فَإنْ كَانَ خَطأً، أي بأن اضطربت يده، أَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ؛ وَجَبَ أرْشٌ كَامِلٌ؛ لأن حكم الزيادة يخالف حكم الأصل، فالأصل عمد مستحق، والزيادة خطأ وغير مستحقة، وتغاير الحكم كتعدد الجاني، وَقِيْلَ: قِسْطُهُ، أي قسط الزيادة بعد توزيع الأرش عليهما لاتحاد الجارح والجارحة (•)، وهذا كما ذكرنا أنه يحب القسط فيما إذا كان رأس الشاج أصغر؛ وينسب هذا الوجه إلى القفال كما قال الرافعي، وفي تعليق القاضي أنه اختيار الشيخ يعني القفال؛ لكن في النهاية: أنَّه رجع عنه فقال الَّذي استقر عليه جوابه الأول.
وَلَوْ أَوْضَحَهُ جَمْعٌ، أي بأن تحاملوا على آلة وجرُّوها معًا، أَوْضَحَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلَهَا، أي مثل تلك الموضحة كالشركاء في القطع، وَقِيْلَ: قِسْطُهُ، أي يوزع عليهم، ويوضح من كل واحد قدر حصته، لإمكان التجزئة بخلاف القتل.
وهذا احتمال للإمام، فأقامه المصنف تبعًا لِلْمُحَرَّرِ وجهًا.
فَصْلٌ: وَلَا تُقْطَعُ صَحِيْحَةٌ بِشَلَّاءَ وَإنْ رَضِيَ الْجَانِي؛ لأن الشلاء مسلوبة المنفعة، فلا يؤخذ بها كاملة، كما لا تؤخذ العين البصيرة بالعمياء بخلاف الأذن الشلَّاء حيث أُخذت بها الأذن الصحيحة في الأصح؛ لأن منفعتها في جمع الصوت أو دفع الهوام باقية، ثم هذا إذا وقف القطع، فإن سرى إلى النفس؛ ففي الطرف الثالث من الروضة تبعًا للرافعي في الكلام على ما إذا مات بجائفة أو كسر عضد، وإن الأكثر على أنَّه يفعل به كفعله، وإن الخلاف يجري فيما إذا قطع يدًا شلاء ويد القاطع صحيحة أو ساعدًا ممن (•) لا كفَّ له، والقاطع سليم؛ هل يستوفي القِصَاص بقطع اليد والساعد؟ ومقتضاه: أن الأكثر على الاستيفاء.
(•) رمز في النسخة (1): والجراحة بدل الجارحة.
نقلًا عن نسخة عنده.
(•) في النسخة (2): مِمَّا بدل مِمَّنْ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1529
فَائِدَةٌ: الشَّلَّاءُ بالمد هي التي بَطَلَ بَطْشُهَا.
فلَوْ فَعَلَ، أي خالف وقطع الصحيحة، لَمْ يَقَعْ قِصَاصًا بَلْ عَلَيْهِ دِيَّتُهَا، فَلَوْ سَرَى فَعَلَيْهِ قِصَاصُ النَّفْسِ، هذا إذا قطع بغير رضى الجاني عوضًا، فإن قطع برضاه؟ فلا قصاص عند السراية! لأنه قطع بالإذن، ثم ننظر: فإن قال الجاني (•): اقطع يدي وأطلَقَ، جعل المجني عليه مستوفيًا لِحَقِّهِ ولم يلزمه شيء، وإن قال: اقطعها عوضًا عن يدك أو قصاصًا، فوجهان؛ أحدهما: وبه أجاب البغوي؛ أن على المجني عليه نصف الدية وعلى الجاني حكومة؛ لأنه لم يبذلها مجانًا، والثاني: لا شيء على المجني عليه، وكأنَّ الجاني أدَّى الجيِّدَ عن الرَّدي وقبضَ المستحقَّ.
وَتُقْطَعُ الشَّلَّاءُ بِالصَّحِيْحَةِ؛ لأنها دون حقِّه، إِلَّا أَن يَقُولَ أهْلُ الْخِبْرَةِ: لَا يَنْقَطِعُ الدَّمُ، أي بل تَنْفَتِحُ أفواه العروق، ولا تنسد بالجسم، لما فيه من استيفاء النفس بالطرف.
وللمجني عليه دية يده؛ فإن قال أهل الخبرة: تنقطع، فله قطعها قصاصًا؛ كقتل الذمي بالمسلم والعبد بالحر، وَيَقْنَعُ بِهَا مُسْتَوْفِيْهَا، أي ولا يطلب مع ذلك أرش الشلل، ووجه ذلك بأن الصحيحة والشَّلَّاءَ متساويتان في الجرم، والإختلاف بينهما في الصفة، والصفة المجردة لا تقابل بالمال، ولذلك إذا قُتِلَ الذمِّيُّ بالمسلمِ والعَبْدُ بِالْحُرِّ، لم يجب لفضيلة الإسلام والحرية شيءٌ.
فَرْعٌ: تقطع الشلاء بالشلاء في الأصح إن استويا في الشلل، أو كان شلل يد القاطع أكثر، والشرط أن لا يخاف نزف الدم كما سلف.
وَيُقْطَعُ سَلِيْمٌ بِأَعْسَمَ وَأَعْرَجَ؛ لأنه لا خلل في اليد والرجل، والأعسم بالعين والسين المهملتين وهو من يبس مفصل الرسغ حتَّى يعوَّج الكف أو القدم قاله الجوهري، وَلَا أثَرَ لِخُضْرَةٍ أظْفَارٍ وَسَوَادِهَا، أي وزوال نضارتها فإن هذه الأحوال علة ومرض في الظفر، وَالصَّحِيْحُ قَطْعُ ذَاهِبَةِ الأظْفَارِ بِسَلِيمَتِهَا دُونَ عَكْسِهِ، اعْلَمْ: (•) في النسخة (1) العبارة كما يأتي: فإن أذن في قطعها فسرى إلى النفس، فلا قصاص في النفس؛ لأنه قطع بالإذن، فالإثم ينظر؛ فإن قال الجاني.
الجزء: 4 - الصفحة: 1530
أن مقتضى كلام المصنف هذا على أنَّه وجهٌ لا تقطع ذاهبة الأظفار بسليمتها، وليس ذلك في الرافعي، ولا في الروضة، وليس في عكسه أيضًا وجه منقول، بل فيه احتمال للإمام: أنَّه تقطع السليمة بذاهبة الأظفار؛ وهذا لفظ الرافعي، وأما التي لا أَظْفَارَ لها؟ فالذي ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم: أنَّه لا يقطع بها سليمة الأظفار، وأنها تقطع بالسليمة، وكذا حكاه الإمام عنهم ونسبه إلى النصِّ، لكن عن الشيخ أبي حامد وغيره: أنه يكمل فيها الدية، فقال الإمام: على سبيل الاحتمال؛ القياس جريان القِصَاص وإن عدمت الأظفار لأنها زوائد، ولو لم يجز القِصَاص لما تمت دية اليد، ولا الأصبع الساقطة الظُّفر، ووفَّى البغوي بقياس المنقول؛ فقال: ينقص عن الدية شيء، وجرى الغزالي على ما أبداه الإمام احتمالًا وترك المنقول الظاهر، انتهى.
وتبعه على ذلك في الروضة، وعبر في الْمُحَرَّرِ بالظاهر ومراده من الخلاف كيف كان، وَالذِّكَرُ صِحَّةَ وَشَلَلًا كَالْيَدِ، أي الصحيحة مع الشلاء؛ فحكم قطع الذكر الصحيح بالأشل وبالعكس، والأشل بالأشل ما تقدم واضحًا في اليد، وَالأَشَلُّ، أي الذكر الأشل: مُنقَبِضٌ لَا يَنْبَسِطُ أَوْ عَكْسُهُ، أيْ هذه عبارة الجمهور، وقيل: هو الَّذي لا يتقلص في البرد ولا يسترسل في الحر وهو بمعنى الأول، وَلَا أَثرَ لِلإنْتِشارِ وَعَدَمِهِ؛ فَيُقْطَعُ فَحلٌ بِخِصِيٍّ وَعِنِّيْنٍ؛ لأنه لا خلل في نفس العضو، وتعذر الانتشار لضعفٍ في القَلْبِ والدِماغ، لذا قال الرافعي في القلب ولعله في الصلب كما قاله أبو الطيب.
فَائِدَةٌ: الخصيِّ من قطعت أنثياه مع جلدلتهما، وقيل: من سُلَّتْ أُنْثَيَاهُ.
وَأَنْفٌ صَحِيْحٌ بِأخْشَمَ؛ لأن الشم ليس في جرم الأنف، وَالأَخْشَمُ: هو الَّذي لا يشم، وَأُذُنُ سَمِيْعٍ بِأصَمِّ، أي وكذا بالعكس؛ لأن السمع ليس في جرم الأذن، وإنما هي آلة السمع، لَا عَيْنٌ صَحِيْحَةٌ بَحَدَقَةٍ عَمْيَاءَ؛ لأنها أكثر من حقه، وفي العكس تؤخذ إن رضي المجني عليه؛ لأنه دون حقه، وَلَا لِسَانُ نَاطِقٍ بِأَخْرَسَ؛ لأن النطق في جرم اللسان؛ ويجوز العكس برضى المجني عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1531
فَصْلٌ: وَفِي قَلْعِ السِّنِّ قِصَاصٌ؛ للآية 14، لَا فِي كَسْرِهَا؛ لأن كسر العظام لا يمكن المماثلة فيها، وفي المهذب والحاوي: أن يقتص إن أمكن أن يكسر من الجاني مثله، وهو المنقول عن نصه فِي الأُم، وصور ابن يونس الإمكان بأن يكسر نصفه طولًا.
وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيْرٍ لَم يُثْغَرْ فَلَا ضَمَانَ فِي الْحَالِ، أي ولا دية؛ لأنها تعود غالبًا فلم يتحقق إتلافها، وقوله (يُثْغَرْ) هو بضَمُّ أوَّلِهِ وإسكان ثانيه ثم غين معجمة وثاؤه مثلثه ويقال مثناة ومعناه لم تسقط أسنانه التي هي رواضعه، فَإِنْ جَاءَ وَقْتُ نَبَاتِهَا بِأنْ سَقَطَتِ الْبَوَاقِي وَعُدْنَ دُوْنَهَا، وَقَالَ أهلُ الْبَصَرِ: فَسَدَ الْمُنْبَتُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ؛ لأنه قد قلع السن الحاصلة فِي الحال وأفسد المنبت فيقابل بمثله، أما إذا قال أهل البصر: يتوقع نباتها إلى وقت كذا توقعناه، فإن مضت؛ ولم ينبت؛ وجب القِصَاص، وَلَا يُسْتَوْفَى لَهُ فِي صِغَرِهِ، أي بل يؤخر إلى البلوغ فيستوفى، فإن مات الصبي قبل البلوغ اقتص وارثه فِي الحال أو أخذ الأرش، وإن مات قبل حصول اليأس وقبل تبين الحال فلا قصاص، وفي الإرث وجهان.
وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ فَنَبَتَتْ؛ لَمْ يَسْقُطِ القِصَاصُ فِي الأَظْهَرِ؛ لأن العادة عدم العود فهذه نعمة جديدة، والثاني: يسقط؛ كالصغير إذا عاد سنه، وَلَوْ نَقَصَتْ يَدُهُ أُصْبُعًا فَقَطَعَ كَامِلَةً، قُطِعَ؛ وَعَلَيْهِ أَرْشُ أُصْبُعٍ؛ لأنه قد قطع منه أصبعًا لم يستوف قصاصها، وله أن يأخذ دية اليد ولا يقطع.
وَلَوْ قَطَعَ كَامِلٌ نَاقِصَةً؛ فَإِنْ شَاءَ الْمَقْطُوعُ أَخَذَ دِيَّةَ أصَابِعِهِ الأرْبَعِ؛ وَإِنْ شَاءَ لَقَطَهَا، وليس للمجني عليه قطع اليد الكاملة لما فيه من استيفاء الزيادة، وَالأَصَحُّ: أَنَّ حُكُومَةَ مَنَابِتِهِنَّ تَجِبُ إِنْ لَقَطَ؛ لأن الحكومة من جنس الدية فلا يبعد دخولها
الجزء: 4 - الصفحة: 1532
فيها، والقِصَاص ليس من جنسها، والثاني: أنها لا تجب والحالة هذه، ويدخل تحت قصاص الأصابع كما يدخل تحت ديتها، فإنه أحد موجبي الجناية وقد قدمت الفارق آنفًا، لَا إِنْ أَخَذَ دِيَتَهُنَّ، أي فإن حكومة منابتهن تدخل فِي الدية، كما أن حكومة جميع الكف تندرج تحت دية الأصابع، والثاني: لا تدخل، وتختص قوة الاستتباع بالكل، وَأَنَّهُ يَجِبُ فِي الْحَالَيْنِ حُكُومَةُ خُمُسِ الْكَفِّ، أي خمس الباقي من الكف، والثاني: أن كل الأصابع تستتبع الكف كما تستتبعها كل الأصابع.
وَلَوْ قَطَعَ كَفًّا بِلَا أَصَابِعَ فَلَا قِصَاصَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ كَفُّهُ مِثْلَهَا؛ لفقد المساواة فِي الأُولى ووجوده فِي الثانية.
وَلَوْ قَطَعَ فَاقِدُ الأَصَابِعِ كَامِلَهَا، قَطَعَ كَفَّهُ وَأَخَذَ دِيَّةَ الأَصَابِعِ، ليصل إلى حقه.
وَلَوْ شَلَّتْ أُصْبُعَاهُ فَقَطَعَ يَدًا كَامِلَةً؛ فَإِنْ شَاءَ لَقَطَ الثَّلَاثَ السَّلِيمَةَ وَأَخَذَ دِيَّةَ أُصْبُعَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَقَنِعَ بِهَا؛ لأنا ذكرنا فيما إذا عم الشلل اليد أنَّه إذا قطعها يقنع بها، فإذا كان الشلل فِي بعضها فالقناعة أَولى، وفي الحالة الأولى فِي استتباع الثلاث حكومة منابتها؛ وفي استتباع دِيَةِ الأصبعين حكومة منبتهما الخلافان السابقان.
فَصْلٌ: قَدَّ مَلْفُوفًا، أي فِي ثوب نصفين، وَزَعَمَ مَوْتَهُ؛ صُدِّقَ الْوَلِيُّ بِيَمِيْنهِ فِي الأَظْهَرِ؛ لأن الأصل استمرار الحياة، ووجه مقابله أن الأصل براءة الذمة، ونظير المسألة ما إذا هدم عليه بيتًا وادعى موته والوليَّ حياته.
وَلَوْ قَطَعَ طَرَفًا وَزَعَمَ نَقْصَهُ، أي كشلل فِي اليد والرجل وخرس فِي اللسان وأنكره المجني عليه، فَالْمَذهَبُ: تَصْدِيقُهُ إِنْ أَنْكَرَ أَصْلَ السَّلَامَةِ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، أي كاليد والرجل واللسان والعين؛ لأن الأصل أنَّه لا قصاص، وأنه لم يفوت ما يدعيه المجني عليه؛ والمجني عليه متمكن من إقامة البينة على السلامة التي يدعيها لظهور العضو، وَإِلَّا فَلَا، أي وإن لم ينكر أصل السلامة؛ بل اتفقا على أنَّه كان سليمًا؛ وادعى الجاني حدوث النقص والشلل؛ فأظهر القولين: إن المصدق المجني عليه؛ لأن
الجزء: 4 - الصفحة: 1533
الأصل استمرار السلامة التي كانت، ووجه مقابله: أن الأصل البراءة عن القِصَاص.
وإن كان العضو باطنًا كالذكر والأنثيين فقولان؛ سواء أنكر الجاني أصل السلامة أو سلمه وادعى زوالها، أصحُّهُما: تصديق المجني عليه؛ لأن الأعضاء الباطنة لا يطلع عليها، فتعسر إقامة البينة على سلامتها، هذا أظهر الطرق فِي المسألة ووراءه طرق موضحة فِي الأصل، والمراد بالعضو الباطن: ما يعتاد ستره مروءة، وقيل: ما يجب؛ وهو العورة، والظاهر ما سواه.
فَرْعٌ: إذا صدقنا الجاني، احتاج المجني عليه إلى بينة بالسلامة، ثم الأصح: أنَّه يكفي قول الشهود: كان صحيحًا، ولا يشترط تعرضهم لوقت الجناية.
أَوْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ وَزَعَمَ، أي الجاني أنَّه مات، سِرَايَةً، أي فالواجب الدية، وَالْوَلِيُّ انْدِمَالًا مُمْكِنًا أَوْ سَبَبًا، أي فالواجب ديتان، فَالأَصَحُّ تَصْدِيقُ الْوَلِيِّ، أي بيمينه، وهذا ما قطع به الأكثرون، وعبارة الوجيز: هو خارج على تقابل الأصلين؛ إذ الأصل براءة الذمة من جانب، وعدم التداخل من جانب، والثاني: إن مضت مدة طويلة لا يمكن أن تبقى الجراحة فيها غير مندملة صُدِّقَ الوليُّ بلا يمين، وإلا فيمين، والثالث: إن كان احتمال الاندمال مع إمكانه بعيدًا صدق الجاني بيمينه، وإلا فالولي.
وادعى الإمام: اتفاق الأصحاب عليه وليس كما ادعى.
واحترز بقوله (انْدِمَالًا مُمْكِنًا) عما إذا لم يمكن الاندمال فِي تلك المدة؛ لقصرها كيوم ويومين، فإن القول قول الجاني بلا يمين، وقيل: بيمين وهو ضعيف، وقوله (أوْ سَبَبًا) أي قال الجاني: مات بالسراية، وقال الولي: بل مات بسبب آخر؛ بأن قال: قتله آخر، ووجه تصديق الجاني احتمال ما يقوله، وأن الأصل براءة الذمة، والوجه الأصح: أن الأصل بقاء الديتين الواجبتين بالجنايتين، والأصل عدم السبب الآخر، وهذه الحالة فيها وجهان فقط، والأُولى: ثلاثة أوجه كما ذكرتها أولًا، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ وَزَعَمَ سَبَبًا وَالْوَلِيُّ سِرَايَةً، أي مات به من قَتْلٍ أَو شُرْبِ سَمٍّ مُوْجٍ فلا يلزمه إلا نصف الدية، وقال الوليُّ: بل مات بالسراية، فإن الأصح أن المُصدِّق الولي؛ لأن الأصل أنَّه لم يوجد سبب آخر، ووجه مقابله: أن الأصل براءة الذمة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1534
وَلَوْ أَوْضَحَ مُوَضِّحَتَيْنِ وَرَفَعَ الْحَاجِزَ، أي بينهما، وَزَعَمَهُ قَبْلَ انْدِمَالِهِ، أي فليس عليه إلا أرش واحدٌ، وقال المجني عليه: بل بعده فعليك أرش ثلاث موضحات، صُدِّقَ، أي الجاني، إِنْ أَمْكَنَ، بأن قصر الزمان، وَإِلَّا حُلِّفَ الْجَرِيْحُ وَثَبَتَ أرْشَانِ، قِيْلَ: وَثَالِثٌ، أي وإن لم يمكن بأن طال الزمان صُدِّق المجني عليه، فإذا حلف؛ ثبت أرشان، وقيل: هل يثبت ثالث؟ فيه وجهان؛ أحدهما: نعم، لأنه ثبت رفع الحاجز باعترافه، وثبت الاندمال بيمين المجني عليه فقد حصلت موضحة ثالثة؛ وأصحهما: لا، ويصدق فيه الجاني؛ لأنه يقول: رفعت الحاجز حتَّى لا يلزمني أرش؛ بل يعود الأوليان إلى واحد، فإن لم يُقبل قوله في الاتحاد؛ فوجب أن لا يقبل فِي الثالث الذي لم يثبت موجبه.
فَصْلٌ: الصَّحِيْحُ ثُبُوتُهُ، يعني القِصَاص، لِكُلِّ وَارِثٍ، أي على فرائض الله تعالى كالدية، والثاني: تستحقه العصبة خاصة؛ لأن القِصَاص لدفع العار، فاختص بهم كولاية النِّكَاح.
والثالث: يستحقه الوارثون بالنسب دون السبب لانقطاعه بالموت فلا حاجة إلى التَّشفي، وَيُنْتَظَرُ غَائِبُهُمْ، إلى أن يحضر أو يراجع، وَكَمَالُ صَبِيِّهِمْ وَمَجْنُونِهِمْ؛ لأن القِصَاص للتشفي، فحقه التفويض إلى خيرة المستحق، ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي، وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ، أي فِي الحال المذكور، وَلَا يُخَّلَّى بِكَفِيْلٍ؛ لأنه قد يهرب فيفوت الحق، ويحبسه الحاكم دون الولي، ولا يتوقف على طلب الولي، قاله الماوردي، وَلْيَتَّفِقُواْ عَلَى مُسْتَوْفٍ، أي إذا كان القِصَاص بحضور كاملين؛ لأن فِي اجتماعهم على قتله تعذيبًا له، وَإِلَّا فَقُرْعَةٌ، أي فإن لم يتفقوا على مستوفٍ، فَيُقْرَعُ بينهم؛ لعدم المزية؛ فَمَن خرجت قرعته تولاه بإذن الباقين، يَدْخُلُهَا الْعاجِزُ، أي كالشيخ والمرأة؛ لأنه صاحب حق، وَيَسْتَنِيْبُ، أي من يصلح للاستيفاء، وَقِيْلَ: لَا يَدْخُلُ؛ لأنه ليس أهلًا للاستيفاء.
والقرعة إنما تجيء بين المستويين فِي الأهلية، وهذا هو الأصح عند الأكثرين؛ كما ذكره فِي أصل الروضة، وهو وافٍ بما فِي الرافعي؛ فإنه نقله عن تصحيح جماعة، ونقل الأول عن تصحيح البغوي وحده وهو غريب من تصحيح الرافعي له فِي الْمُحَرَّرِ.
وقد صحح فِي الشرح الصغير الثاني كما
الجزء: 4 - الصفحة: 1535
اقتضاه كلامه فِي الكبير أيضًا، ونص عليه فِي الأم حيث قال فِي باب تشاحِّ الأولياء على القِصَاص: ولا يقرع لامْرَأةٍ ولا ندعها تقتله (•)، لأن الأغلب أنها لا تقدر على قتله إلَّا بتعذيبه، وكذا لو كان فيهم أشل اليمين أو ضعيف أو مريض لا يقدر على قتله إلَّا بتعذيبه أُقرع بين من يقدر على قتله ولا يعذبه بالقتل.
وَلَوْ بَدَرَ أحَدُهُمْ، أي أحد الورثة، فَقَتَلَهُ، أي من غير إذن الباقين، فَالأظْهَرُ لَا قِصَاص؛ لأن له حقًّا فِي قتله فصار شبهة، ولأن من علماء المدينة أو أكثرهم مَنْ ذهب إلى أنَّه يجوز لكل واحد من الورثة الانفراد وإن عفى الباقون، ويقال: إنه رواية عن مالك، والثاني: نعم؛ لأنه استوفى أكثر من حقه كما لو استحق طرفًا فاستوفى نفسًا، وهذا الخلاف فيما إذا قتله عالمًا بالتحريم، فإن جهل فلا قصاص قطعًا، وفيما إذا كان قبل حكم الحاكم بالمنع منه، فإن كان بعده فالصحيح أن عليه القِصَاص لِدَفعِ الشبهة به قاله الماوردي، وَللْبَاقِيْنَ قِسْطُ الدِّيَةِ؛ لفوات القِصَاص بغير اختيارهم، مِنْ تَرِكَتِهِ، أي من تركة الجاني؛ لأن القاتل فيما وراء حقه، لأجنبي ولو قتله أجنبي فأخذ الورثة الدية من تركة الجاني لا من الأجنبي فكذا هنا، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ الْمُبَادِرِ، أي وهو الأخ المبادر مثلًا؛ لأنه أتلف ما يستحقه هو وأخوه فلزمه ضمان حق أخيه، كما لو كانت لهما وديعة فأتلفها أحدهما.
وفرَّق الأول بأن الوديعة غير مضمونة لو تلفت بآفة سماوية بخلاف نفس الجاني، وَإِنْ بَادَرَ بَعْدَ عَفوِ غَيْرِهِ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ؛ لارتفاع الشبهة، وَقِيْلَ: لَا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَيَحْكُمُ قَاضٍ بِهِ؛ لشبهة اختلاف العلماء فيه، أما إذا حكم القاضي به؛ وعلمه؛ فيلزمه القِصَاص قطعًا فإن جهله؛ فإن قلنا: لا قصاص مع العلم، فهنا أولى، وإلا فوجهان، وَلَا يُسْتَوْفَى قِصَاصٌ إِلَّا بإِذْنِ الِإمَامِ، أي أو نائبه لخطره، وذكر صاحب التَنْبِيْه: أنَّه لا يجوز إلَّا بحضرته، قال الشيخ عزُّ الدِّينِ: فإن تعذر إثباته كان له الاستبداد (•) به حيث لا يراه أحد.
(•) فِي النسخة (2): وَقَتْلَهُ بدل تَقْتُلُهُ.
(•) فِي النسخة (1): الاستقلال بدل الاستبداد.
الجزء: 4 - الصفحة: 1536
فَرْعٌ: يستثنى السيد فإنه يقيم القِصَاص على عبده على ما اقتضاه تصحيح المصنف تبعًا للرافعي من إقامته عليه حد السرقة والمحاربة.
فَرْعٌ: ذكر الماوردي فِي الأحكام السلطانية أن نظر القاضي يشتمل على عشرة أحكام منها إقامة حدود الله تعالى على مستحقيها وإن لم تطلب إقامة حدود الآدميين إذا طلبها المستحق.
فَإنِ اسْتَقَلَّ، أي باستيفائه، عُزِّرَ، لافتياته، وَيَأْذَنُ لأَهْل فِي نَفْسٍ، ليكمل التشفي، وخرج بالأهل الشيخُ والزَّمِنُ والمرأةُ، فإن الإمام يأمره أن يستنيب، وخالف ما نحن فيه الجلد فِي القذف؛ فإنه لا يفوض إلى المقذوف؛ لأن تفويت النفس مضبوط؛ والجلدات يختلف موقعها والتعزير كحدِّ القذف، لَا فِي طَرَفٍ فِي الأَصَحِّ؛ لأنه لا يُؤْمَنُ أن يردد الحديدة ويزيد فِي الإيلام، والثاني: يأذن له كالنفس لأن إتلاف (•) الطرف مضبوط.
فَرْعٌ: لو قتل ذميُّ ذميًا ثم أسلمَ القاتلُ فيستوفيه الإمامُ فقط بطلب المستحق، لئلا يتسلط الكافرُ على المسلم، وكذا إذا جرح ذميُّ ذميًا معاهدًا ثم أسْلَمَ الجارحُ ثم ماتَ المجروحُ بالسراية، وهذه الصور تخرج بقول المصنف (لأهْلٍ).
فَإِنْ أَذِنَ فِي ضَرْبِ رَقَبَةٍ فَأَصَابَ غيْرَهَا عَمْدًا عُزِّرَ؛ لتعديه (•)، وكذا لو ادّعى الخطأ مما لا يقع الخطأ بمثله بأن ضرب رجله ووسطه، وَلَمْ يَعْزِلْهُ؛ لوجود الأهلية وإن تعدى بفعله كما لو جرحه قبل الارتفاع إلى الحاكم لا يمنع من الاستيفاء، وَلَوْ قَالَ: أَخْطَأْتُ، وَأَمْكَنَ، بأن ضرب كتفه أو رأسه مما يلي الرقبة، عَزَلَهُ؛ لأن حاله تشعر (•) بعجزه وخَوْفِهِ، قال الإمام: وينبغي تخصيص هذا بمن لم تعرف مهارته فِي ضرب الرقاب، وأما الماهر، فينبغي ألا يعزل لخطأ اتفق له، وَلَمْ (•) فِي النسخة (1) إبانة الطرف بدل إتلاف الطرف.
(•) فِي النسخة (2): لتعذيبه بدل لتعديه.
(•) فِي النسخة (1): لأن خطأه يُشْعِرُ بدل لأن حاله تُشْعِرُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1537
يُعَزَّرْ، أي والحالة هذه، وذلك إذا حلف؛ كما قيده فِي الروضة تبعًا للرافعي، وَأُجْرَةُ الْجَلَّادِ، أي المقتص، عَلَى الْجَانِي عَلَى الصَّحِيحِ، أي إذا لم ينصِّب (•) الإمام جلادًا؛ لأن الحق عليه، ويلزمه أجرة الاستيفاء كما يلزم البائع أجرة الكيَّال، والمشتري أجرة الوزن، والثاني: أنها على المقتصِّ؛ والواجب عليه التمكين لا التسليم، كما أن أجرة نقل الطعام المشترى على المشتري والمستوفي؛ وهما كالخلاف فِي أنَّ مؤنة الجداد هل تلزم البائع أم المشتري؟
فَرْعٌ: لو قال الجاني: أنا أقتص من نفسي ولا أؤدي الأجرة! فهل يقبل منه؟ فيه وجهان؛ أصحُّهما: لا؛ لفقد التشفِّي، والثاني: نعم؛ كما فِي قطع السارق، والفرق أن الغرض التنكيل ويحصل بذلك، بخلاف القِصَاص كما سلف.
فَصْلٌ: ويقْتَصُّ عَلَى الْفَوْرِ؛ لأن القِصَاص مُوجب الإتلاف فيتعجل كقيم المتلفات، وَفِي الْحَرَمِ، أي قتلًا وقطعًا؛ لأنه قتل، لو وقع فِي الحرم، لم يوجب ضمانًا، فلم يمنع منه كقتل الحيّة والعقرب.
فَرْعٌ: لو التجأ إلى المسجد أُخرِجَ منه؛ قال الإمام: وكذا غيره من المساجد، قال فِي الروضة: وكذا إلى الكعبة أو مِلْكِ إنسان.
وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْمَرَضِ، أي فإن كان مُخطِرًا، وكذا لا يؤخر الجلد فِي القذف بخلاف القطع والجلد فِي حدود الله تعالى لبنائها على المساهلة بخلاف حق الآدمي، وَتُحْبَسُ الْحَامِلُ، أي، فِي قِصَاصِ النَّفْسِ، أوِ الطَّرْفِ حَتْى تُرْضِعَهُ اللَّبَأ وَيَسْتَغْنِي بِغَيرِهَا، أوْ فِطَامِ حَوْلَيْنِ، أما تأخيرها إلى الوضع؛ فهو إجماع فِي النفس، وأما فِي الطرف؛ فلأن فيه إجهاضُ الجنين وهو متلفٌ له، وأما التأخير لإرضاع اللبأ؛ فلأن الولد لا يعيش إلَّا به غالبًا أو محقَّقًا، وَاللَّبَأُ مقصورُ اللبنُ أول النتاج كما سلف فِي النفقات، وأما التأخير للإستغناء بغيرها؛ فلأجل صيانة الولد أيضًا، فإن لم يوجد ذلك الغير ولو بهيمة يحل له تناول شربها فحتى ترضعه حولين كما قال المصنف.
(•) فِي النسخة (1): يرصد.
الجزء: 4 - الصفحة: 1538
فَرْعٌ: الجلد في القذف كالقِصَاص، وأما الرجم وسائر حدود الله تعالى فلا يُستوفى، وإن وجدتْ مرضعةً! بل ترضعه إلى أن يوحد كافل بعد انقضاء الإرضاع، والفرق بين الحدود والقِصَاص أنها على المساهلة كما سلف، ووافق القفال في فتاويه في الجلد، وخالف في القطع، وفرق بان الجلد يحتمل التأخير، وبأنه عقوبة في جميع البدن.
فَرْعٌ: لو كان على الحامل رجم، أو غيره من حدود الله تعالى لم تحبس على الصحيح؛ لأنه على التخفيف.
وَالصَّحِيحُ تَصْدِيْقهَا فِي حَمْلِهَا بِغَيرِ مَخِيلَةٍ، لأنها مُؤْتَمَنَةْ على ما في رَحِمِهَا فينتظر ظهور مَخِيْلَةٍ، والثاني: لا تصدَّقُ للتهمة.
فَصلْ: وَمَن قَتَلَ بِمُحَدَّدٍ أَوْ خَنْق أَؤ تجوِيع وَنَحوِهِ، أي كأن رماه من شاهق، اقتصَّ بِهِ، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ.
. .﴾ الآية 15؛ لأن المقصود من القِصَاص التشفّي، وإنما يكمل إذا قُتِلَ القَاتِلُ بِمِثْلِ ما قَتَل، أَوْ بِسِحْر فَبِسَيفٍ؛ لقوله -عليه السلام-: [حَدُّ السَّاحِرِ ضَربة بِالسَّيف] صحَّحَهُ الحاكمُ مع الغرابة 16، وَكَذَا خَمْرٌ، أي بأن أوْجَرَهُ به حتى مات، وَلوَاطٌ فِي الأصَح، أي يقتل منه غالبًا، بأن لاط بصغير في الأصح؛ لأن ما قَتَلَ به محرَّمُ الفعلِ فيتعين السيفُ، والثاني: أنه في الأولى يُوْجَرُ مائعًا كَخَلٍّ أو ماء أو شيء مُرٍّ، وفي الثانية: يعمل مثل الذكر من الخشب أو
الجزء: 4 - الصفحة: 1539
من الجلد فيقتل به لقربه من فعله، وتكون الخشبة قريبة من آلته كما صرح به الرافعي وغيره، وظاهر كلام الجمهور: أنها لا تتقدر بذلك، بل يعمل خشبة تقتل مثل القاتل، قال المتولي في الثانية: هذا إذا توقع موته بالخشبة، وإلا فبالسيف، نقله الرافعي عن المتولي.
واقتصر عليه، وهو في النهاية أيضًا مع إشارة إلى احتمال فيه.
فَرع: لو سقاه بولًا فكالخمر على الأصح في أصل الروضة.
فَرع: لو أَوْجَرَهُ ماءً نجسًا أُوْجِرَ طاهرًا.
وَلَو جُوعَ كَتَجوِيْعِه فَلَمْ يَمُتْ زِيدَ؛ ليكون قتله بالطريق الذي قتل به ولا يبالي بزيادة الإيلام، وَفي قَوْلٍ: السَّيْفُ؛ لأن المماثلة قد حصلت، ولم يبق إلّا تفويت الروح فيجب تفويتها بالأسهل فالأسهل، وَمَنْ عَدَلَ إِلَى سيْفٍ، عن غيره مما ذكر كخنق وتجويع، فَلَهُ؛ لأنه أوحى وأسهل، وَلَو قَطَعَ فَسَرَى، أي إلى النفس، فَلِلْوَليِّ حَز رَقبتِهِ؛ لأنه أسهل على الجاني من القطع ثم الحَزِّ، وَلَهُ القَطْعُ ثُمَّ الحَز، طلبًا للمماثلة، وَإن شاءَ انْتَظَرَ السِّرَايَةَ، أي بعد القطع، وليس للجاني أن يقول: أمهلوني مدة بقاء المجني عليه بعد جنايتي لثبوت حق القِصَاص ناجزًا.
وَلَو مَاتَ بِجَائِفَةٍ أَؤ كَسْرِ عَضُدٍ فَالحَزُّ؛ لأن المماثلة لا تتحقق في هذه الحالة بدليل عدم إيجاب القِصَاص في ذلك عند الاندمال فتعين السيف، وَفِي قَولٍ: كَفِعلِهِ، تحقيقًا للمماثلة، وهذا ما عليه الأكثرون كما في الرافعي؛ فإنه لم ينقل تصحيح الأول إلّا عن البغوي وحده، ونقل تصحيح الثاني عن الجويني وغيره من العراقيين والروياني أيضًا، ووقع في الْمُحَرَّر نسبة الأول إلى ترجيح كثيرين فتبعه المصنف، وكأنه سبق قلم، فإنه قال: فيستوفي القِصَاص بمثل ذلك أو يعدل إلى السيف، فيه قولان رجح كثيرون منهما الثاني يعني: السيف، فسبق القلم من الأول إلى الثاني، ولما رأى المصنف في الروضة ما قدمناه عن الرافعي، قال الأكثرون على الثاني؛ وهو وافٍ بما فيه، وأفهم كلام الرافعي (•) أن محل الخلاف عند الإطلاق، أما إذا قال: (•) في النسخة (2): الفارقي.
الجزء: 4 - الصفحة: 1540
أجيْفُهُ ثم أقتلهُ إن لم يَمُتْ فله ذلك قطعًا؛ قال البغوي: ولو أجافه ثم عفى عنه عُزِّرَ على ما فعل ولم يجبر على قتله، فإن مات بَانَ بطلان العفو.
وينتظم من هذا لغز؛ فيقال: رجل مُطْلَقُ التصرف وارث القِصَاص في غير المُحَارَبَةِ ومتى عفى عنه عُزِّرَ؟ فإن لَم يَمُتْ، أي بعد أن فعل به كفعله، لَم تُزَدِ الجَوَائِفُ فِي الأَظْهَرِ؛ لاختلاف تأثير الجوائف باختلاف محالها فهي كقطع الأطراف المختلفة، والثاني: نعم؛ فيكون إزهاق الروح قصاصًا بطريق إزهاقه عدوانًا وهو مخرج من مسألة التجويع والإلقاء في النار ونحوهما.
وَلَوِ اقْتَص مَقْطُوعٌ، أي من قاطعه، ثُم مَاتَ، أي المقطوع الأول، سِرَايَةَ فَلِوَليِّهِ حَزُّ، أي في مقابلة نفس مورثه، وَلَهُ عَفْوٌ بِنِصْفِ دِيَّةٍ، أي واليد المستوفاة مقابلة بالنصف.
وَلَو قُطِعت يَدَاهُ فَاقتَص ثُمَّ مَاتَ، أي المجني عليه بالسراية، فلِوَلِيهِ الحَزُّ، أي من القاطع، فَإن عَفَى فَلَا شَيء لَهُ؛ لأنه استوفى ما يقابل الدية، وهذه صورة يستحق فيها القِصَاص ولا تستحق فيها الدية لو عفى عليها.
وَلَو مَاتَ جَانٍ مِن قَطع قِصَاصِ فَهَدَرٌ، كالقطع في السرقة، وإن مَاتا سِرَايَةَ، أي بعد الاقتصاص في اليدين، مَعَا أوْ سبقَ المَجنِي عَلَيهِ فَقد اقْتَص، أي حصل قصاص اليد باليد وَالسِّرَايَةُ بِالسِّرَايَةِ ولا شيء على الجاني؛ لأن السراية لما كانت كالمباشرة في الجناية فكذلك في الاستيفاء، قال الرافعي: وهذا هو المشهور؛ ونسبه ابن كج إلى أبي علي الطبري، وحكى عن عامة الأصحاب: أن لولي المجني عليه نصف الدية في تركة الجاني؛ لأن سراية الجاني مهدرة وسراية المجني عليه مضمونة، وإِن تَأَخرَ، أي بأن مات الجاني أولا، فَلَهُ نِصفُ الديةِ، أي في تركة الجاني، فِي الأصَح، أي إذا استوفى قدر ديَّة الجاني والمجني عليه، ولا يحصل القِصَاص بما جرى؛ لأن القِصَاص إنما يجب في النفس بالزهوق، فتصير كالتلف في القِصَاص، وهو ممتنع كما لو قال: اقطع يدك حتى إذا قَطَعتَ يدي لا يكون لي عليك شيء، والثاني: لا
الجزء: 4 - الصفحة: 1541
شيء له، ويحصل القِصَاص بما جرى؛ لأن الجاني مات بسراية فعل المجني عليه وحصلت المقابلة، وادعى الروياني أن هذا هو الصحيح!
فَصلٌ: وَلَو قَالَ مُستَحِقُّ يَمِينِ: أَخرِجهَا، فَأَخرَجَ يَسَارَهُ وَقَصَدَ إِبَاحَتَهَا فَمُهدَرَة، أي لا قصاص ولا دية، وإن علم القاطع بالحال على الأصح؛ لأن صاحبها بدلها مجانًا، وأما قصاص اليمين فيبقى كما كان، وَإن قَالَ: جَعَلْتُهَا عَنِ اليَمِينِ، وَظَنَنتُ إِجْزَاءَهَا، فَكَذَّبهُ، أي القاطع وقال: عرفت أنها اليسارُ وأنها لا تجزئ عن اليمين، فَالأصَحُّ: لَا قِصَاصَ فِي اليَسَارِ؛ لأنا أقمنا ذلك مقام الإذن في القطع، وهو لو قال لغيره اقطع يدي فقطعها لا قصاص عليه، والثاني: نعم؛ لأنه قطع بلا استحقاق عن علم بالحال، بخلاف مسألة الإذن في القطع؛ لأنه عَلِمَ (•)، وإذنه هنا، إنما هو ليكون عوضًا عن اليمين، فإذا لم يقنع بها فهو كالإذن، وجزم الماوردي: بأنه إذا أخذها القاطع بدلًا عن حقه لا قصاص، وإن أخذها لا بدلًا عنه وجب.
وَتَجِبُ دِيَّةٌ؛ لأنه لم يبدلها مجانًا، وَيَبْقَى قِصَاصُ اليَمِينِ، أي على الوجهين، وَكَذَا لَوْ قَالَ: دُهِشْتُ، فَظَنَنْتُهَا اليَمِينَ، وَقَالَ القَاطِعُ: ظَنَنتهَا اليَمِينَ، أي فلا قصاص في اليسار على الأصح لأن هذا الاشتباه قريب، والثاني: نعم؛ كما لو قتل رجلٌ رجلًا؛ وقال: ظننتهُ قَاتِلَ أبي؛ لكن الفرق تقصير المخرِج هاهنا عنها (•).
فَصْلٌ: مُوجبُ العَمدِ القَوْدُ، وَالديةُ بَدَلٌ عِندَ سُقُوطِهِ؛ لأنه بدل متلف فتعين جنسه كسائر المتلفات، وَفِي قَوْل: أَحَدُهمَا مُبْهَمًا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْل؛ فَهُو بخَيْرِ النظريْنِ، إِمَّا أَنْ يُؤدي وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ] متفق عليه من حديث أبي هريرة 17، وَعَلَى القَولَينِ لِلوَليِّ عَفْو عَلَى الديةِ بِغَيْرِ رِضَى الجَانِي؛ للحديث (•) في النسخة (1): عام بدل علم.
(•) في النسخة (1) أضاف: أي عن اليمين.
وكأنها زيادة من الناسخ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1542
المذكور، وَعَلَى الأول، أي وهو أن الواجب القود عينًا، لَوْ أطْلَقَ الْعَفْوَ، أي فلم يتعرض للدية بنفي ولا إثبات، فَالمَذهَبُ لَا دِيَّةَ؛ لأن القتل لم يوجب الدية على هذا القول، والعفو إسقاط ثابت لا إثبات معدوم، والثاني: يجب، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 18 أي اتباع المال وذلك يشعر بوجوب المال بالعفو فعدل إلى بدله كما لو مات الجاني، وأجاب الأول: بحمل الآية على ما إذا عفى على الدية، قال الرافعي: وهذه الطريقة هي أظهرهما، وهي حاكية لقولين أو وجهين ولم يذكر الطريقة الأخرى هنا، وقال في آخر كلامه: وقوله -يعني الوجيز- وإن عفى مطلقًا فقولان، مُعْلَم بالواو لأجل الطريقة القاطعة لم يبيّن هل هي قاطعة بالصحيح أم بمقابله؟ وَلَو عَفَى عَنِ الدِّيَّةِ لَغَا، بناءً على أن الواجب القود المَحضُ، وَلَهُ الْعَفْو بَعْدَهُ عَلَيهَا، لما قلناه، وَلَو عَفَى عَلَى غَيرِ جِنسِ الدِّيَّةِ ثَبَتَ، أي المال وسقط القود، إِن قَبلَ الجاني، وَإلا فَلَا، أي وإن لم يقبل الجاني لم يثبت المال، وَيسقُطُ القَوْدُ فِي الأصَح، لأنه رضي به على العوض ولم يحصل، والثاني: يسقط؛ لأنه رضي به حيث أقدم على الصلح وطلب العوض، فإن قلنا بهذا فهل تثبت الدية؟ قال البغوي: هو كما لو عفى مطلقًا.
فَرْعٌ: لو عفى عن القود على نصف الدية، قال القاضي: هذه معضلة أسهرت الجلة، وقال غيره: هو كعفوه عن القود ونصف الدية فيسقط القود ونصف الدية، وَاعلَم: أن المصنف فرَّعَ هذه الفروع على القول الصحيح: أن الواجب القود عينًا والدية بدل عند سقوطه، وتركَ التفريع على القول المرجوح لطوله، وقد ذكره في الروضة تبعًا للرافعي.
الحديث (112). ولفظ [إِمَّا أنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أنْ يُقِيْدَ]: الحديث (2434)، ولفظ المتن في كتاب الديات: باب من قُتِلَ لَهُ قتِيل: الحديث (6880). ومسلم في الصحيح: كتاب الحج: باب تحريم مكة وصيدها: الحديث (447/ 1355).
الجزء: 4 - الصفحة: 1543
فَائِدَةٌ: قيل: إنه كان في شرع موسى -عليه السلام- تحتم القِصَاص جَزْمًا، وفي شرع عيسى -عليه السلام- أخذ الدية فقط، فخفف الله عن هذه الأمة وخيَّرَها بين الأمرين لما في الإلزام بأحدهما من المشقة.
وَلَيسَ لِمَحْجُورِ فَلَس عَفْوٌ عَن مَالٍ إِن أَوجَبنَا أَحَدَهُمَا، أي أحد الأمرين للتفويت على الغرماء، وَإلا، أي وإن قلنا: الواجب القود عينًا، فإن عَفَى عَلَى الدِّيَّةِ ثَبَتَت، وَإن أَطْلَق فَكَمَا سَبَقَ، أي فيما إذا عفى مطلقًا، فإن قلنا: إنه يوجب الدية ثبتت وإلا فلا، والمذهب عدم الوجوب كما سلف، فَإن عَفَى عَلَى أن لا مَالَ، فالمَذْهَبُ: أَنهُ لا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لأن العفو مع نفي المال لا يقتضي مالًا، فلو كلفنا المفلس أن يُطلق ليثبت المال كان ذلك تكليفًا بأن يكتسب، وليس على المفلس أن يكتسب، وأشار بقوله (فَالمَذْهَبُ) إلى ذكر طريقين، وبيان ذلك أنا إذا قلنا: إن مطلق العفو لا يوجب المال فالمقيد بالنفي أولى، وإلّا فوجهان أصحهما هذا، والثاني: الوجوب؛ لأنه لو أطلق العفو لوجب المال، فالنفي كالاسقاط لما له حكم الوجوب وقد اقتضى كلام المصنف في باب التفليس الجزم بالصحة أيضًا فإنه قال: يصح اقتصاصه وإسقاطه، ومقتضاه: أنه لا فرق في الإسقاط بين أن يكون مجانًا أو على مال.
وَالْمُبَذِّرُ فِي الديةِ كمُفْلِسٍ، أي في حكمه الذي قررناه آنفًا، وَقِيلَ: كَصَبِي، أي فلا يصح عفوه عن المال مجانًا.
لأنا؛ وإن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال، فإذا تصدى له مال لم يَجُز له تركه كما لو وهب له شيء أو أوصي له بشيء فلم يقبل؛ فوليه يقبل عنه.
بخلاف المفلس، لا يقبل الغرماء عنه، ولا الحاكم.
وَلَوْ تَصَالَحَا عَلَى القَودِ عَلَى مِائَتَي بَعِيْرٍ لَغَا، إِن أوْجَبنَا أحَدَهُمَا، يعني القِصَاص أو الدية؛ لأنه زيادة على الواجب نازل منزلة الصلح من ألف على ألفين، وَإلا، أي وإن قلنا بالأصح وهو أن الواجب القود عينًا والدية بدل عند سقوطه، فَالأصَحُّ: الصِّحةُ؛ لأنه مال يتعلق باختيار المستحق والتزام الجاني، فلا معنى لتقديره كبدل
الجزء: 4 - الصفحة: 1544
الخلع، والثاني: لا؛ لأن الدية هي التي تخلف القِصَاص عند سقوطه فلا يزاد عليها.
فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ رَشِيْدٌ: اقْطَعنِي، فَفَعَلَ، فَهَدَرٌ، أي لا قصاص ولا دية، كما لو أذن في إتلاف ماله، فإنه لا ضمان بإتلافه، فَإن سَرَى، أي القطع، أوْ قَالَ: اقتُلْنِي، فَهَدَر.
وَفِي قَولٍ: تجِبُ دِيَّة، هذا الخلاف مبني على أن الدية هل تجب للورثة ابتداء عقب هلاك المقتول أم تجب للمقتول في آخر جزء من حياته؛ ثم تنتقل إليهم؟ إن قلنا بالأول وجبت، ولم يؤثر إذنه وإلّا فلا، وهذا الثاني: أظهر، أعني الانتقال إليهم؛ لأنه تنفذ منها ديونه ووصاياه، ولو كانت للورثة لم يكن لذلك، وهذا كله فِي الدية، أما القِصَاص ففيه طريقان أشهرهما القطع بنفيه، كما جزم به المصنف، وجعل الإذن شبهة دارئة، والثاني: طرد الخلاف فيه، ووجه الوجوب بأن القِصَاص ثبت للورثة ابتداءً.
فَرْعٌ: إذا قلنا: لا دية فالكفارة واجبة على الأصح، ولا تؤثر فيها الإباحة.
وَلَو قُطعَ، عضو إنسان كأصبعه أو يده، فَعَفَى عَن قَوَدِهِ، وَأرشِهِ، فَإن لَم يَسْرِ فَلَا شَيْءَ، أي من قصاص أو ديَّة؛ لأن المستحق أسقط الحق بعد ثبوته فيسقط، وإن سَرَى، أي إلى النفس، فَلَا قِصَاصَ، أي كما لا قصاص في الطرف؛ لأن السراية تولدت من معفوٍ عنه، فصارت شبهة دارئة (•)، وَأما أرْشُ العُضوِ فَإن جَرى لَفْظُ وَصِيًةِ كـ (أَوْصَيْتُ لَهُ بِأرش هَذِهِ الْجِنايَةِ) فَوَصِية لِقاتِل، أي وقد سبق الخلاف فيها في كتاب الوصية، فإن أبطلناها لزمه أرش اليد، وإن صححناها سقط الأرش إن خرج من الثلث وإلّا سقط منه قدر الثلث، أَو لَفظُ إِبرَاءٍ، أي وإن جرى لفظ إبراء أوْ إِسقَاط، أَوْ عَفْوٌ، أي بأن قال: أبرَأتُهُ عن أرش هذه الجناية، أو أسقطته، أو عفوت عنه، سَقَطَ، أي قطعًا؛ لأنه إسقاط حق ناجز، والوصية هي التي تتعلق بحال الموت، وَقِيلَ: وَصِيَّة، بدليل الاعتبار من الثلث فيعود الخلاف في الوصية للقاتل، والطريقة الأولى هي الصحيحة، وهي القطع بعدم مجيء الخلاف، وَتجِبُ (•) في النسخة (1): دامغة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1545
الزيادَةُ عَلَيهِ، أي على أرش العضو، إِلَى تمَامِ الدَّيةِ، وَفِي قَوْلٍ: إِن تَعَرَّضَ فِي عَفْوِهِ لِمَا يَحدُثُ مِنْهَا سقَطَت، اعلَم: أن ما تقدم في أرش العضو، وأما الزيادة عليه إلى تمام الدية فهي واجبة إن اقتصر على العفو عن موجب المال، ولم يقل وما يحدث منها، فإن قال وما يحدث! نُظِرَ، إن قاله بلفظ الوصية ففيه الخلاف في الوصية للقاتل، ويجيء في جميع الدية ما ذكرناه في أرش العضو، وإن قال عفوت عنه أو أبرأته عن ضمان ما يحدث أو أسقطته ففي تأثيره فيما يحدث قولان أظهرهما: لا، فيلزمه الضمان، وهما القولان في الإبراء عما لم يجب، وجرى سبب وجوبه، وهذا كله إذا كان الأرش دون الدية، فأما إذا قطع يديه فعفى عن أرش الجناية وما يحدث منها، فإن لم تصحح الوصية وجبت الدية بكمالها، وإن صححناها سقطت بكمالها إن وفّى بها الثلث، سواء صححنا الإبراء عما لم يجب، أو لم نصححه؛ لأن أرش اليدين ديةٌ كاملةٌ فلا يزيد بالسراية شيء، فَلَو سَرَى إِلَى عُضْوِ آخَرَ فاندَمَلَ، أي بأن قطع أصبعه فتآكل باقي الكف منها ثم اندمل، ضَمِنَ دِيةَ السرَايَةِ فِي الأصَحِّ؛ لأنه عفى عن موجب الجناية الحاصلة في الحال فتقتصر عليه، والثاني: المنع؛ لأنه إذا سقطت الجناية بالعفو صارت الجناية غير مضمونة، وإذا كانت الجناية غير مضمونة كانت السراية أيضًا غير مضمونة، كما إذا قال لغيره: اقطع يدي فقطعها وسرى القطع إلى عضو آخر، أما سقوط دية العضو المقطوع بالعفو فلا يختفي، ولا قصاص أيضًا والحالة هذه، ومحل الخلاف الذي ذكره المصنف ما إذا اقتصر العفو عن موجب الجناية، فأما إذا قال: عفوتُ عن هذه الجناية، وما يحدث منها، فيسري قطع الأصبع إلى قطع الكف، فإن لم نوجب ضمان السراية إذا أطلق فهنا أولى، وإن أوجبناه فيخرج هاهنا على الإبراء عما لم يجب، وجرى سبب وجوبه وقد تلخص من كلام المصنف من عند قوله ولو قطع فعفى إلى هنا أن للمسألة ثلاث حالات، أحدها: أن يندمل ولا يسري، وثانيها: أن يسري القطع إلى النفس، وثالثها: أن يسري إلى عضو آخر، وقد أوضحنا ذلك.
فَصلٌ: وَمَنْ لَهُ قِصَاصُ نَفْسٍ بِسِرَايَة طَرَفٍ، أي بأن كان الجاني قد قطع يد
الجزء: 4 - الصفحة: 1546
المجني عليه، ومات بالسراية، لَو عَفَى عَنِ النفسِ فَلَا قَطْعَ لَهُ؛ لأن المستحق هو القتل والقطع طريقه وقد عفى عن المستحق له، أَوْ عَنِ الطرَفِ فَلَهُ حَز الرَّقبة فِي الأصَح، لأنه متمكن من العدول إلى حزِّ الرقبة فلعله قصد ذلك، والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه استحق القتل بالقطع الساري وقد تركه.
وَلَو قَطَعَهُ، أي الولي بسبب القطع السارى، ثُمَّ عَفَا عَنِ النَّفْسِ مَجَانًا، فَإن سَرَى القَطْعُ بَان بُطْلَان العَفْوِ، وَإِلا، أي وإن وقف، فَيَصحُّ، العفو ولم يلزمه بقطع اليد شيء، وكذا لو كان قتله بغير القطع وقطع الولي يده متعديًا ثم عفى عنه لا ضمان عليه لأنه قطع يد من يباح له دمه فلا يلزمه قصاص ولا ضمان، كما لو قطع يد مرتد.
والعفو إنما يؤثر فيما تبقى لا فيما استوفى، فلا يخفى أن قول المصنف (وَلَوْ قَطَعَهُ ثُمَّ عَفَا.
. .) إلى آخره من تمام حكم قوله (وَمَنْ لَهُ قِصَاصُ نَفْسٍ بِسِرَايَةِ طَرَفٍ) فإنه تارة يعفو، وتارة يقطع، فذكر الأول ثم الثاني، وَلَو وَكلَ، أي باستيفاء القِصَاص، ثم عَفَى فاقتص الوَكيلُ جَاهِلًا فَلَا قِصاص عَلَيهِ، لقيام العذر به، أما إذا كان عالمًا به فالقِصَاص واجب قطعًا، وَالأظْهَرُ: وُجُوبُ دِيَّة؛ لأنه تبين أنه قتله بغير حق فتجب دية مغلظة، وقيل: مخففة، والثاني: لا؛ لأنه عفى بعد خروج الأمر من يده فوقع لغوا، وأنها عليه لا على عاقلته؛ لأنه متعد، وإنما سقط القصاص للشبهة فتجب حالةً لا مؤجلة على الأصح من زوائد الروضة، والثاني: أنها على العاقلة لأنه فعلَ (•) جاهلًا بالحال فكان كالمخطئ، وقوله (وأنه تجب عليه) عطف على الأظهر، وصوابه في هذا إبدال الأظهر بالأصح كما فعله في الروضة تبعًا للرافعي، وَالأصحُّ أنَّهُ لَا يَرْجِعُ، أي الوكيل الغارم، بِهَا، أي بالدية، عَلَى العَافِي؛ لأن العافي محسن بالعفو غير مغرّرٍ بخلاف الغاصب إذا قدم الطعام المغصوب إلى الضيف، والثاني: يرجع، والثالث: يرجع الوكيلِ دون العاقلة، وَلَو وجَب قصَاصٌ عَلَيهَا، أي بأن جنت على شخص، فَنَكحَهَا عَلَيْهِ، أي هو أو وارثه، جَازَ؛ لأنه عوض مقصود، (•) في النسخة (1): قتل.
الجزء: 4 - الصفحة: 1547
وَسَقَطَ، أي القِصَاص لملكها قصاص نفسها، فإن فارَقَ قَبلَ الوَطء رَجَعَ بِنِصف الأَرْشِ؛ لأنه المسمى فِي العقد وقد فات، وَفي قَوْل: بِنِصْفِ مَهْرِ مِثلٍ، والخلاف شبيه بما إذا أصدقها عبدًا فظهر حرًا هل ترجع عليه بالمهر أو بقيمة العبد؟
الجزء: 4 - الصفحة: 1548
كِتَابُ الدِّيَّاتِ
الدِّيَّاتُ: هِيَ جَمْعُ دِيَّةٍ، وَهِيَ الْمَالُ الواجِبُ بِالجِنايَةِ عَلَى الحُر في نَفْسٍ أوْ طَرَفٍ، وَهِيَ مَصْدَرٌ، وَوَزْنُها فِعْلَة عَلَى وَزْنِ فِدية مُشْتَقة مِنَ الْوَدِي: وَهُوَ دَفْعُ الدِيَّةِ كالْعِدَّةِ مِنَ الوَعْدِ، والشِّيَةِ مِنَ الوَشِي وَنَظائِرِهِ، والأَصْلُ في البابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 19 وَكِتابُ عَمرِو بنِ حَزْم وَقَد ذَكَرتُهُ مُطَولًا في التحفَةِ دَلَائِلُ هَذَا الكِتابِ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيح (168)؛ وَسَيأتِي مِنْهُ في البابِ ما يَحتاجُ إِلَيهِ.
في قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسلِمِ مِائَةُ بَعِيْرٍ، بالإجماع، ولحديث عمرو بن حزم المذكور، وهو بيان المُجمَلِ في قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ وروى ابنُ قتيبةَ: أن أوَّلَ مَنْ قَضَى بأنها مِائَة مِنَ الإِبلِ أبو سيَّارَةَ، وقيل: عبد المطلب، فجاءت الشريعةُ مُقَرِّرَةً لها، مُثَلَّثَة في الْعَمدِ: ثَلاثون حِقة، وَثَلاثون جَذَعَةً.
وَأَربعُون خَلِفَةً: أَيْ حامِلًا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَن قَتَلَ مُتَعَمدا دُفَعَ إِلَى أوْلياءِ المَقتُولِ، فَإِنْ شاؤُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شاؤُوا أَخَذُوا الْدِيَّةَ وَهِيَ ثَلاُثونَ حِقَّةً؛ وَثلاثونَ جَذَعَةً؛ وَأَربَعُونَ خَلِفَةً] رواه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: حسنٌ غريب 20،21