كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
الأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قَبْلَ الإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ... ﴾ الآية 1 فَأمَرَ بِهَا فِي الْخَوْفِ، فَفِي الأَمْنِ أوْلَى؛ وَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الأَخْبَارِ.
هِيَ، أَيِ الْجَمَاعَةُ، فِي الْفَرَائِضِ غَيْرَ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لأنها فضيلة في الصَّلاة لا تبطل بتركها فلم تجب كالتكبيرات، أما الجمعة فلا تَصُحُّ بدونها، وخرج بالفرائض النوافل، وقد تقدم في الباب قبله ما تُسَنُّ فيه الجماعة منه وما لا تُسَنُّ، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما [صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ الْفَذّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ دَرَجَةً] وفيها من حديث أبي هريرة: [بِخَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ دَرَجَةً] 2، وجه الدلالة منه لما نحن فيه، أن تفضيل فعل على آخر يشعر بجوازهما،
الجزء: 1 - الصفحة: 293
وفي الجمع بين هاتين الروايتين وجوه كثيرة وصلتها في شرح العمدة إلى ثلاثة عشرة وجهاً بحمد الله، وأغربها أن الاختلاف بحسب قرب المسجد وبعده، ومنها أن الأولى للصلاة الجهرية؛ والثانية للسرية؛ لأنها تنقص عن الجهرية بسماع قراءة الإمام والتأمين لتأمينه.
وَقِيلَ: فَرْضُ كِفايَةٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ فِي قَرْيَّةٍ وَلاَ بَدْوِ لاَ تُقَامُ فِيْهِمُ
الصَّلاَةُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةِ] رواه أبو داود والنَّسائيُّ وصححه ابن حبان والحاكم 3، لِلرّجَالِ، أي فالنساء ليست في حَقِّهِنَّ فرض كفاية ولا عين، نعم تُسَنُّ لَهُنَّ.
فَتَجِبُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ الشَّعَارُ فِي الْقَرْيَةِ، أيْ أَوِ البلدة، فيكفى في القرية الصغيرة إقامتها في موضع واحد، وفي البلد الكبير إقامتها في محال، ولا يسقط بفعلها في البيوت في الأصح، ولو أظهرها طوائف وتخلف عنها الجمهور حصلت، وأقل جماعة يسقط بها الفرض عن الباقين ثلاثة أو اثنان، فيه وجهان، أظهرهما الثَّاني، فَإِنِ امْتَنَعُواْ كُلْهُم قُوتِلُواْ، لأنَّ هذا شأن فروض الكفايات إذا عطلت، والمقاتلُ لهم الإمامُ = (249 و 250/ 650). * عن أبي سعيد الْخُدرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: [صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْريْنَ دَرَجَةَ] رواه البُخاريّ في الصَّحيح: الحديث (646). * عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم -: [صَلاَةُ الرَّجُل فِي الْجَمَاعَةِ تَضْعُفُ عَلَى صَلاِتهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوْقِهِ خَمْساً وَعِشْرِيْنَ ضِعْفاً] رواه البُخاريّ في الصَّحيح: الحديث (647). ومسلم في الصَّحيح: الحديث (245/ 649) بلفظ: [بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِيْنَ جُزْءاً] و [دَرَجَةً]: الحديث (246).
الجزء: 1 - الصفحة: 294
أو نَائِبُهُ دون آحاد النَّاس، أما إذا قلنا إنَّها سُنَّةٌ فلا على الأصح، ووجه مقابله أن في ذلك إماتتها وهو قوي.
وَلاَ يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ لِلنّسَاءِ تَأَكُّدَهُ لِلرَّجَالِ فِي الأَصَحِّ، لقوله تعالى ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ 4 فلا يُكرهُ لهن ترك الجماعة بخلاف الرجال مع قولنا بأنها سُنَّةٌ في حقهم، والثاني: يتأكد لهن أيضاً لعموم الأخبار، وذكر الروياني الخلاف في قدر الفريضة.
قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ، أي في الأم، أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةِ، لما سلف، وَقِيلَ: فَرْضُ عَيْنِ، وَالله أَعْلَمُ، لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: [لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامَ ثُمَّ أمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقُ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حِزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ فَأْحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ] 5، وأعلم أنَّه يستثنى من كلام المصنف أمور:
- أحدها: المسافُر، فإنَّه سُنَّة في حقه قطعًا؛ قاله الإمام؛ لكن نَصَّ الشَّافعي في الأم يرُدُّهُ.
- ثانيها: الْقَضَاءُ، فإنها سُنَّة فيه قطعًا، بل قال الرافعي: لا تشرع فيه الجماعة؛ وحديث الوادي يَرُدُّهُ 6.
الجزء: 1 - الصفحة: 295
- ثالثها: الْمَنْذُورَةُ، بل لا يشرع فيها الجماعة.
- رابعها: الْعَبْدُ، فإن للسيد منعه من حضورها إلَّا أن لا يكون معه شغل ويقصد تفويت الفضيلة عليه كما قاله القاضي.
- خامسها: العُراةُ، فإن الجديد أن الجماعة أفضل في حقهم، كما حكاه الرافعي وغيره، وقال المصنف في الروضة: المختار ما حكاه المحققون عن الجديد، أن الجماعة والانفراد في حقهم سواء.
فَرْعٌ: آكدُ الجماعةِ بعد الجمعة الصبح ثم العشاء ثم العصر.
وَفِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ أَفْضَلُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [صَلَّواْ أَيَّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاَةِ صَلاَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ] متَّفقٌ عليهْ 7، نعم لو كان إذا صَلَّى في بيته صَلَّى في جماعة، وإذا صَلَّى في المسجد صَلَّى وحده، فصلاته في بيته أفضل، أما المرأة فجماعتها في بيتها أفضل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَبُيُوتُهُن خَيْرْ لَهُنَّ] رواه أبو داود وصححه الحاكم 8، وما كان من بيتها أسترّ فهو أفضل أيضاً، فَإِنْ حَضَرْنَ دَخَلَ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: [أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّىَ مِنْ بَيْتِكَ؟ ] قَالَ: فَأشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَكَبَّرَ فَقُمْنَا وَرَاءَه فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ.
قَالَ: وَحَبَسنَاهُ عَلَى خَزِيْرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ].
رواه البُخاريّ في الصَّحيح: كتاب الصَّلاة: باب المساجد في البيوت: الحديث (425) وفيه تفصيل، وابن حبان في الإحسان: الحديث (2072).
الجزء: 1 - الصفحة: 296
الْمَسْجِدَ كُرِهَ لِمُشْتَهَاةٍ وَلِشَابَّةٍ لا لغيرهما عند أمن الفتنة، وإذا استأذنت زوجاً أو ولياً كُره إذنُهُ حيث يكرهُ لَها، وإلا نُدِبَ؛ وإذا أرادتهُ كُرِهَ الطيبُ وَفَاخِرُ الثَّيَابِ 9. وَمَا كَثُرَ جَمْعُهُ أَفْضَلُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِنَّ صَلاَةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلاَتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلاُتَهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلاَتهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كثرَ فَهُوَ أحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى] رواه أبو داود وصححه ابن حبان 10. إِلَّا لِبِدْعَةِ إِمَامِهِ، أي كالمعتزلي وغيره وكذا لو كان حنفيّاً 11. عمر ولم يخرجا فيه الزيادة: [وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ]، ووافقه الذهبي.
الجزء: 1 - الصفحة: 297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وليس أمر البدع يطلق على كُلِّ فَهْمٍ مخالف أو رَأْيٍ مقابل لا يتفق والقول المعين.
وليس حال المبتدع يطلق على كل سلوك لا يعرفه عامة النَّاس أو تصرَّف كان الأولى غيره.
وإنَّما مرجع معرفة البدع والحكم على المبتدع مقياس الشريعة، وبالنظر والتفكر بميزان أحكامها.
واتخاذ الموقف في النصح للمبتدع أو هجرانه أو معاقبته بما ينسجم ومفاهيم الأمر الجامع، وهو كل أمر من الإسلام لا يعرف فيه مخالف ولا يتأتى إلى حكمه خلاف من الدين.
فَإذَا اخْتَرَعَ الْمَرء فِي الدِّينِ مَا لَيسَ مِنْهُ؛ كأن خالف ما يعرف من الدين بالضروَرة؛ أو قال برأي ممَّا لا يتأتى به إدراك محتمل، وأسَّسَ فكرهُ على غير أسَاسِ الدين في الإيمان، وأقام فهمه على غير أصول الفقه المعتبرة من غير تأويل، فهو قد أتى ببدعة يحاسب عليها أو يحتاج إلى نصح لتحسين أمره في شأنها.
- ومنذ قرون صار حال النَّاس إلى فوضى في الحكم، واضطراب في القياس، وجهل عام بأصول الإسلام، وضعف شديد في فهم الإسلام أصاب أذهان عامة النَّاس؛ بل خاصتهم.
وصار يطلق على كل مخالف لرأي عند البعض، أو مخالف لأمر معهود عند العامة، أنَّه محدث أو نسب إلى تيار فكري معين أو اتجاه سياسي وصار أمره إلى شبهة مبهمة وخطر لا يعرف.
واتخذت منه مواقف العداوة والهجران، أو الإهمال وغلق الآذان عن سماع حقه أو باطله؛ ونسى الكثيرون أن الدين النصيحة.
في كتاب الاعتصام؛ قال الشاطبي: حكى الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ حاله مع أهل زمانه فقال: (عجبت من حالي في سفرى وحضرى مع الأقربين مني والأبعدين؛ والعارفين والمنكرين؛ فإنى وجدت.
بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها مرافقاً أو مخالفاً؛ دعانى إلى متابعة ما يقوله، وتصديق قوله والشهادة له.
فإن صدقته فيما يقول وأجزتُ له ذلك- كما يفعل أهل هذا الزمان- سَمانِى مُوَافقاً؛ وإن وقف في حرف من قوله أو شيء من فعله، سَمَّانِى مُخَالِفاً، وإن ذكرت في واحد منها أن كتاب الله والسُّنة بخلاف ذلك وارد، سَمَّانِي خَارِجِياً، وإن قرأت عليه حديثاً في التوحيد سَمَّانى مُشَبهاً، وإن كان في الرؤية سَمَّانِي سَالِمِيَاً، وإن كان في الإيمان سَمَّانِي مُرْجِئِياً، وإن كان في الأعمال، سَمَّانِي قَدَرِيّاً، وإن كان في المعرفة سَمَّانِي كَرَامِيّاً، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر، سَمَّانِي نَاصِبيّاً، وإن كان في فضائل أهل البيت، سَمَّاني رَافضِيّاً، وإن سكت عن تفسير آيه أوَ حديث فلم أجب فيهما إلَّا بهما =
الجزء: 1 - الصفحة: 298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = سَمَّانِي ظَاهِرِيّاً، وإن أجبت بغيرهما سَمَّانِي بَاطِنِيّاً، وإن أجبت بتأويل سَمَّانِي أَشْعَرِياً، وإن جحدتهما سَمَّاني مُعتزِلياً، وإن كان في السنن مثل القراءة سَمَّانِي شفْعَوياً، وإن كان في القنوت سَمَّانِي حَنَفِياً، وإن كان في القرآن، سَمَّانِي حَنْبلِياً، وإن ذكرت رُجحَان ما ذهب إليه كل واحد إليه من الأخبار- إذ ليس في الحكم والحديث محاباة- قالوا: طَعَنَ في تزكِيَتِهِمْ.
ثم أعجبُ من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرؤون على من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يشتهون من هذه الأسامى، ومهما وافقت بعضهم عادانى غيرهم، وإن داهنت جماعتهم أسخطت الله تبارك وتعالى، ولن يغنوا عني من الله شيئاً، وإنى مستمسك بالكتاب والسَّنَّة، وأستغفر الله الذي لا إله إلَّا هو، الغفور الرحيم).
- وبعد: فإنَّه ليس من الصَّحيح أن نطلق على المتأول في أمر فكرى متعلق بالعقيدة، أو المخالف للبعض فيما يعرفه من الفقه، أنَّه جاء بأمر بدعي أو أنَّه صار مبتدعاً.
ويجب على الفقيه أن يتعامل موضوعياً مع الرأى المقابل أو المخالف، في أمر من أمور المعتقد والدين أو أمر من أمور الفقه في العبادات والأعمال.
سيما أن أحوال النَّاس في سلامة إسلامهم إلى أصناف: ° مرتد عن الإسلام كافر لا محالة.
° جريء على الدين متقول لا يرجع عن خطئه.
° متأول في رأى على سبيل الاجتهاد أو التقليد.
° سالم الإسلام في المعتقد والأمور الجامعة.
ولكل صنف من هذه الأصناف حكمه حين التعامل معه في أمور الحياة؛ ومنها أمر موضوع بحثنا إمامة الصَّلاة.
ولا يشترط في الإمامة للصلاة؛ إلَّا أن يكون الإمام مسلماً مؤهلاً لأداء أركانها وهيئاتها بشروطها وواجباتها؛ كما جاء في الحديث عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه -؛ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ؛ فَإِنْ كَانُواْ فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءٌ فَأَعْلَمُهُمْ بالسُّنَّةِ؛ فَإِنْ كَانُواْ فِي السُّنَّةِ سَوَاءٌ فَأقْدَمُهُمْ هِجْرَةً؛ فَإِنْ كَانُواْ فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءٌ فَأَقْدَمُهُمْ سِنّاً وَلاَ يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ، وَلاَ يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإذْنِهِ] [مسلم: (290/ 673). ولهذا فكل مسلم تتوفر فيه أدنى هذه الصفات أهل للإمامة، والأعلى منها أفضلية له في أن ينال أجر الإمامة وشرفها بما حازوه من صفات شرعية.
=
الجزء: 1 - الصفحة: 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أما إمامة الكافر، فإنَّها لا تصح؛ فلا تصح إمامة الكافر النصراني واليهودي والمجوسي، وكذا إمامة المرتد عن الإسلام؛ فلا تصح إمامة الحلولي والشيوعي والعلماني ومن أنكر الإسلام أو أنكر ما يعرف من الإسلام بالضرورة، لأنَّه ممَّا لا تأويل فيه ولا يصح إسلام المرء والجهل معه فيه.
وما عدا الكافر والمرتد فإمامته صحيحة والصلاة خلفه صحيحة.
- أما المبتدع؛ فإنَّه ينظر فيه؛ فإن كانت بدعته تُكَفرُ، أى يكون بسببها كافراً، كمن يقول: إن الله حلَّ في سيدنا علي كرم الله وجهه؛ أو يزعم أنَّه يأتيه وحيَّ أو يلهم بوحي قلبه، فإن إمامة مثل هذا لمن يعرف به كإمامة الكافر، لا تصح؛ وعليه أحكام ما جاء في الأصل من الإعادة، لأنَّ هؤلاء كفار ولو ادعوا الإسلام.
أما المبتدع الذي لا يكفر ببدعته؛ فهو أحد اثنين؛ جريءٌ على الدين متقول لما لا يملك القول فيه، أو متأول في رأى على سبيل الاجتهاد وله أهليته أو مقلد.
أما الجريء على الدين المتقول لما لا يملك أهليته في القول، فهو على ضربين، الأول: الذي تأثر بالرأي العام الفاسد الشائع في أجواء الأمة، نتيجة تأثير أفكار الحضارة الرأسمالية ومفاهيمها، وغيرها من الأفكار الفاسدة قديماً وحديثاً.
فيأخذ بمفاهيم المادية في الرزق والأجل وتحكيم العقل في الشرع ومقياس النفعية وغيرها على جهل وغباوة، فينصح، فيدرك خطأه فيرجع.
أو أنَّه لا يدرك، فإن رجع فقد كفانا شأنه، وإن لم يرجع ولم يدرك على غباوته وجهله، فإنَّه ما دام مقراً بالإسلام من غير جحود يعرف عنه؛ فإنَّه من المسلمين وحسبه ذلك.
وأمَّا إذا أدرك وانتبه؛ ولكن أصر على ذلك؛ فهو الضرب الثَّاني؛ فيأخذ صفة الجاحد المصر على بدعته، فإنَّه لا يصلع للإمامة، لأنَّ إسلامه غير سالم؛ ومع أنَّه يتمسك بالإسلام اسماً، ولكنه يعامل معاملة المرتد عن الإسلام حكمًا، وإن لم يقم عليه الحد؛ لأنَّ لا حد إلَّا في دار الإسلام؛ والاستتابة من ضرورات الحكم قبل إقامة الحد.
والله أعلم؛ فمثل هذا لا تصح الصَّلاة وراءه اختيارًا.
° أما الدليل على أن إمامة الجرئ على الدين المتقول المصر على خطئه في أمر يخرجه من الإسلام، ويجعله في مناط يستحق الاستتابة وإلا أقيم عليه حد المرتد عن دينه في دار الإسلام؛ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ؛ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة / 217]. وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا =
الجزء: 1 - الصفحة: 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام / 159]. والذي يفرق الدين ويفارقه دون أن يأخذ حكم المرتد، قلنا الظاهر منه وتكره الصلاة وراءه اختيارًا، على أنَّه يعتقد بأمور لم تأت بدليل بل ولا شبهة دليل، فضلًا عن أنَّه متقول بها من غير علم ولا أهلية عالم.
• أما إذا كان هذا الجريء الذي لا يُرضى في دينه ومعتقده من أهل السلطان والقوة ويجبر النَّاس على الصلاة وراءه، فإن في الصلاة وراءه نظر.
• إن الأصل أن لا يصلي وراءه لما جاء عن عليٍّ - رضي الله عنه - مرفوعًا: [لا يَؤُمَّنكُمْ ذُو جُرْأَةٍ فِي دِيْنِهِ] وعن جابر - رضي الله عنه -؛ قال: خطبنا رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: [وَلَا يَؤُمُّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا؛ إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ، فَيَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ].
رواه ابن أبي ماجه في الرقم (1081). والبيهقي في السنن الكبرى (5233)، وقال: هذا حديث إسناده ضعيف ويروى من وجه أخر ضعيف عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من قوله، وهو مذهب الفقهاء السبعة من التابعين فمن بعدهم.
• أما صفة إمارة هؤلاء السلاطين؛ فيما جاء عن جابر - رضي الله عنه -؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عجرة - رضي الله عنه -: [أَعَاذَكَ الله يَا كَعْبَ بْنَ عجرة مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ! ] قالَ: وَمَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ؟ قَالَ: [أُمَرَاءٌ يَكُونُونَ بَعْدِي لاَ يَهْتَدُونَ بِهَدْيِي؛ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنتِي، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَأُوْلَئِكَ لَيْسُواْ مِنِّى، وَلَسْتُ مِنْهُمْ وَلَا يَردُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ عَلَى كَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَأوْلَئِكَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ وَيَرَدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ] رواه التِّرْمِذِيّ في الجامع: الحديث (614). والنَّسائيّ: كتاب البيعة: ج 7 ص 160.
• وبما جاء عن ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [سَتَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءٌ يُؤَخِّرُونَ الصُّلَاةَ عَنْ مَوَاقِيْتِهَا، وَيُحْدِثُونَ الْبِدْعَةَ] فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَكَيْفَ أَصْنَعُ إِنْ أَدْرَكْتُهُمْ؟ قَالَ: [تَسْأَلُنِي ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَيْفَ تَصْنَعُ! لاَ طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى الله].
رواه البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (5415).
• أما الصلاة وراء هؤلاء أمراء الجور؛ فإنَّها سبحة أو نافلة؛ عن أبي ذر -رَضِيَ الله عَنْهُ-؛ قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَهِ: [كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءً يُؤَخِّرُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ ] أَوْ قَالَ: [يُمِيْتُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ ] قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: [صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ] مسلم: (238/ 648). عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -؛ قال؟ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: =
الجزء: 1 - الصفحة: 301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = [كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَتَتْ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءٌ يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ وَقْتِهَا؟ ] قُلْتُ: فَمَا تَأَمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: [صَلِّ الصَّلَاةَ لِمِيْقَاتِهَا، وَاجْعَلْ صَلَاتَكَ مَعَهُمْ سُبْحَةً].
رواه البيهقي في السنن الكبرى: (4517).
• أما إمامة السلطان الكافر في الصلاة، فقطعًا لا تصح، قولًا واحدًا.
ومن فعل وراءه مقهورًا فعليه الإعادة لا محالة لما هو معروف بالضرورة من الدين.
• أما المتأول في رأي يتعلق بأفكار العقيدة وأصول الدين على سبيل الاجتهاد أو التقليد؛ ولا يخرجه تأويله عن الإِسلام، كمن يقول: بخلق القرآن؛ وهم المعتزلة أو من يقول: لا يضر مع الإيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة، ولا يحكم على أحد من المسلمين بشيء بل يرجئون الحكم إلى يوم القيامة؛ وهم المرجئة، والشيعة والخوارج وغيرهم، ممن تأَوَّل النصوص الشرعية على وجه حمله عليه وتكونت لديه فكرة منه.
فإن إمامتهم صحيحة لأنهم مسلمون، ويقتدى بهم كما يقتدى بسائر المسلمين، ولا يكره الاقتداء بهم مطلقًا.
لأن جميع المسلمين يصلحون أن يكونوا أئمة لبعضهم ما داموا يتصفون بالإسلام، فاختلاف المسلمين في بعض الأفكار المتعلقة بالعقيدة كالشيعة والسنة والخوارج وغيرهم.
واختلاف المسلمين لها بعض الأحكام الشرعية التي لها شبهة دليل كالشافعية والحنفية والمالكية لا يطعن في إمامة بعضهم لبعض، ولا يجعل من صلاة المسلم خلف المسلم الذي يخالفه في العقائد التي لا تكفر، أو يخالفه في الأحكام التي لها شبهة دليل، صلاةً غير صحيحة؛ أو صلاة مكروهة.
أما موضوع جواز الصلاة خلف من يخالف المقتدي في العقيدة وعدم كراهتها فظاهر، لأنه اقتداء مسلم بمسلم.
وأما موضوع جواز الصلاة خلف من يخالف المقتدي في أحكام الصلاة وغيرها فلان الأحكام التي يقلدها الإمام أو المأموم استنبطها الإمام والمأموم كلها أحكام شرعية، ولو اختلفت حتَّى لو تناقضت لأن كلًا منها مستند إلى نص يغلب على ظن من استنبطه أنَّه دليل هذا الحكم.
ولذلك
فهو حكم شرعي في حق الإمام وعنده.
وحكم شرعي عند المأموم في حق الإمام.
فمثلًا: أن الشيعة يرون أن الواجب هو مسح الرجلين لا غسلهما، وأهل السنّة يرون أن الواجب هو غسل الرجلين إلى الكعبين ولا يجزئ مسحهما، وأنه لو بقي منهما محل أصبع صغير لم يغسل لم يصح الوضوء.
وعلى هذا فالسنّي إذا مسح رجليه لم يصح وضوؤه وبالتالي لا تصح صلاته بهذا الوضوء، هذا حكم الله في =
الجزء: 1 - الصفحة: 302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حقه.
بخلاف الشيعي فهو يرى أن وضوءه بالمسح يصح، وصلاته بهذا الوضوء تصح، وهذا هو حكم الله في حقه.
وكلا الرأيين حكم شرعى مع تناقضهما؛ لأن كل واحد منهما يستند إلى دليل شرعي.
فإذا رأى رجل سني رجلًا شيعيًا يتوضأ أمامه، ورآه أنَّه مسح رجليه ولم يغسلهما، وتقدم هذا الشيعي للصلاة إمامًا في النَّاس، فإنَّه يجوز للسني أن يقتدى به في هذه الحالة؛ لأن الشيعي يتبع حكمًا شرعيًا عند الشيعة في نظر السني.
فهو يقتدي بمن صحت صلاته عند نفسه، وصحت صلاته عند من يعتبر ما اتبعه الشيعي حكمًا شرعيًا استنبط باجتهاد صحيح، وإن رآه غلطًا.
لأن للشيعى شبهة الدليل عند السنّي، فالشيعة يستندون إلى أن كلمة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ في الآية مجرورة عطفًا على رؤوسكم ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وأن الله جعل الأعضاء قسمين فجعل اثنين مغسولين هما الوجه
واليدان إلى المرفقين، واثنين ممسوحين هما الرأس والرجلان إل الكعبين.
ويستندون إلى ما روي عن رفاعة في حديث المسيء صلاته قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -[إِنَّهَا لا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ الله تَعَالَى فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ] وإلى ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنَّه توضأ فأخذ حفنة من ماء فرش على رجله اليمنى وفيها نعله، ثم فتلها بها، ثم صنع باليسرى كذلك، ولأنه عضو يسقط في التيمم فكان فرضه المسح.
فهذه الشبهة من الدليل فيها أمكانية وجود هذا اللهمَّ لغة وشرعًا من النصوص، ولذلك كان استنباط المسح استنباطًا
شرعيًا وما توصل إليه حكم شرعي في حقِّ مستنبطه عنده وعند كل مسلم قَلَّدَهُ.
وكذلك فإن الحنفية يرون أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء والشافعية يرون أن لمس المرأة ينقض الوضوء وعلى هذا فالشافعي إذا لمس المرأة انتقض وضوؤه فلا يجوز له أن يصلي بهذا الوضوء ولو صلَّى به لم تصح صلاته.
والحنفي إذا لمس المرأة لم ينتقض وضوؤه، ويجوز له أن يصلّي بهذا الوضوء بعد اللمس وتصح منه الصلاة.
فإذا رأى رجل شافعي رجلًا حنفيًا لمس امرأة وبعد لمسها تقدم للصلاة
إمامًا في النَّاس، فإنَّه يجوز للشافعي أن يقتدي في هذه الحالة بهذا الرَّجل الحنفي، لأن الحنفي اتبع حكمًا شرعيًا عند الحنفية من وجهة نظر الشَّافعيّ المذهب، فهو يقتدى بمن صحت صلاته عند نفسه، وصحت صلاته عند من يعتبر ما اتبعه الحنفي حكمًا شرعيًا استنبط باجتهاد صحيح، وإن رأه غلط؛ لأن للحنفي شبهة الدليل عند الشَّافعيّ.
فالحنفية يستندون ال أن المراد من قوله ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ في=
الجزء: 1 - الصفحة: 303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12 = الآية أو جامعتم، بدليل أول الآية، فالله يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء / 43] فنهاهم الله عن قربان الصلاة وهم سكارى ونهاهم عن قربانها وهم جنب، ثم ذكر مثالًا مما يوجب الوضوء وهو ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وذكر كذلك مثالًا مما يوجب الغسل وهو ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وبين أنَّه إذا حصل ذلك ولم يوجد الماء يتيمم فاقد الماء لرفع الحدث الأصغر، ولرفع الحدث الأكبر، أي يسد التيمم مسد الوضوء والغسل، وعلى ذلك يكون المعنى المراد في هذه الآية من ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ الجماع وليس اللمس باليد، ويستندون إلى حديث حبيب بن ثابت عن عروة [أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأ] [1] وإلى حديث عائشة قالت: افتقدت النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفراش فقمت أطلبه فوقعت يدي على أخمص قدميه فلما فرغ من صلاته قال: [أتَاكِ شَيْطَانُكِ] [2] ولو انتقض وضوؤه لقطع الصلاة.
وإلى حديث عائشة في الصحيحين [أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُصَلِّي وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَهَا فَقَبَضَتْهَا] وفي رواية [فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ مَسَّنِي بِرِجْلِهِ] [3]. فهذه الشبهة من الدليل فيها أمكانية وجود هذا الفهم لغة وشرعًا من النصوص.
ولذلك كان استنباط أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء استنباطًا شرعيًا، وما توصل إليه حكم شرعي في حق مستنبطه عندهُ وعندَ كل مسلم قَلَّدَهُ.
وعلى ذلك كان الإقتداء به صحيحًا والصلاة صحيحة ولذلك يحوز للسنّي أن يقتدى بالشيعى مهما خالفه في الأفكار والأحكام، ويجوز للشيعى أن يقتدي بالسنِّي مهما خالفه في الأفكار والأحكام، كما يجوز للشافعي أن يقتدي بالحنفى مهما خالفه في الأحكام، ويجوز للحنفي أن يقتدي بالشافعي مهما خالفه في الأحكام ما دام السبب في البحث والدافع له الإيمان بالعقيدة الإسلامية.
الجزء: 1 - الصفحة: 304
أَوْ تَعَطَّلِ مَسْجِدٍ قَرِيبٍ لِغَيْبَتِهِ، أي لكرنه إمامًا أو يحضر النَّاس بحضوره فقليل الجمع أَوْلَى.
فَرْعٌ: لو كانت جماعة بيته أكثر من جماعة المسجد، قال الماوردي: فالمسجدُ أوْلَى، وقال أبو الطِّيب: بَيْتُهُ أوْلى.
وَإدْرَاكُ تَكْبيِرَةُ الإِحْرَامِ فَضِيلَةٌ، لما ورد في ذلك من الْحَثِّ (590)، وَإنَّمَا تَحْصُلُ131415 = عَلَى الْحَصِيْرِ؛ وَفِي الْقُبْلَةِ، قال يحيى: إِحْكِ عَنِّي، إِنَّهُمَا شِبْهُ لاَ شَيْءَ.
إنتهى من قول البيهقي.
قُلْتُ؛ وكان الأمر عند هؤلاء الرواة مختلطٌ فسدَ ضبطُهُ أو ضعفت الهمَّةُ عنه.
وقال البيهقي أَيضًا: ورويَ عن الثوريِّ أنَّه قالَ: ما حَدَّثَنَا حبيبُ إلَّا عن عُرْوَةَ المُزَنِيِّ، يعني لم يُحَدِّثهُمْ عن عُروة بن الزبيرِ بشيء.
وقال: عروةُ المزنيُّ مجهولٌ.
إنتهى.
نقلت من السنن الكبرى للببهقى: كتاب الطهارة: الحديث (614). وقول أبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب الوضوء من القُبْلَةِ: الحديث (180).
الجزء: 1 - الصفحة: 305
بالإِشْتِغَالِ بِالتَّحَرُّمِ عَقِبَ تَحَرُّمِ إِمَامِهِ، أي من غير وسوسة ظاهرة فَإِنْ أَخَّرَ لَمْ يُدْرِكْهَا، وَقِيلَ: بإِدْرَاكِ بَعْضِ الْقِيَامِ؛ لأنه محل التكبيرة الأولى، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ رُكُوعٍ, لأَنَّهُ مُعْظَمُهَا، وبهِ جَزَمَ القفال في فتاويه واستدل بقوله -صلى الله عليه وسلم-: [مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ] 16، وَالصَّحِيحُ إِدْرَاكُ الْجَمَاعَةِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ، أي وإن لم يجلس معه؛ لأنه قد أدرك معه مَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ، وهو النِيَّةُ، وتكبيرةُ الإِحْرَامِ، والثاني: لا يُدرك إلَّا بركعة إذ دُونَها لا يُحْسَبُ من صلاتهِ، نعم لو اقتدى مَن يُصَلِّي الفرض بِمَنْ يُصَلِّي على الجنازة لا تنعقد صلاتهُ بالجماعة على الصحيح، كما ذكره في آخر الباب، وكذا لو اقتدى به وهو لها سجود التلاوة.
وَلْيُخَفِّفِ الإِمَامُ مَعَ فِعْلِ الأَبْعَاضِ وَالْهَيئَاتِ، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: [إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ
فَلْيُخَفِّفْ] متفق عليه 17، إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِتَطْوِيلِهِ مَحْصُورُونَ، أي فإنَّه لا يُكره = التِّرْمِذِيّ في الجامع: أبواب الصلاة: ما جاء في فضل التكبيرة الأولى: الحديث (241) وفيه نظر؛ قال ابن الملقن رحمه الله في تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج: النص (508)؛ قلتُ: هذا من باب الفضائلِ فَيُتَسَامَحُ فيه.
إهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 306
التطويل حينئذ لانتفاء العلَّة، وعبارة الروضة لا بأس به، وحكى الدَّارميّ وجهين في استحباب التطويل والحالة هذه، وحكى أَيضًا وجهين فيمن صلى منفردًا لنفسه هل التطويل أفضل، وَيُكْرَهُ التَّطوِيلُ لِيَلْحَقَ آخَرُونَ، للإضرار بالمأمومين وللتقصير بالتأخير، وَلَوْ أَحَسَّ فِي الرُّكُوعِ أَوِ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ بِدَاخِلٍ لَمْ يُكْرَهِ انْتِظَارُهُ فِي الأَظْهَرِ، ليدرك الأولُ الركعةَ، والثاني فضلَ الجماعةِ، والثالث: يكره لما فيه من الإضرار بالمأمومين، فإن كان خارج المسجد فلا ينتظره قطعًا، وهو يخرج بقوله:
داخل 18، إِنْ لَمْ يُبَالِغْ فِيهِ، أى فإن بالغ كُره قطعًا، وَلَمْ يُفْرِقْ بِيْنَ الدَّاخِلِينَ، أي بل يقصد به التقرب إلى الله تعالى لا التودد إلى الداخل.
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُ انْتِظَارِهِ أَفْضَلُ، وَالله أَعْلَمُ، لما سبق، قال في شرح المهذب: وهو الأصح عند الأكثرين، وَلَا يَنْتَظِرُ فِي غَيْرِهِمَا، أى في غير الركوع والتشهد الآخر لعدم الحاجة إليه، قال في شرح المهذب: بل يُكره، قال: وإذا انتظر وطَوَّلَ لا تبطلُ، قُلْتُ: يستثنى منه الاعتدال لما تقرر في موضعه.
وَيُسَنُّ لِلمُصَلِّي وَحْدَهُ وَكَذَا جَمَاعَةً فِي الأَصَحِّ إِعَادَتُهَا مَعَ جَمَاعَةٍ يُدْرِكُهَا، لعموم قوله-صلى الله عليه وسلم-: [إِذَا صَلَّيْتمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَاهَا مَعَهُمْ فَإنهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ] قاله لرجلين لم يُصليا معه صلاةَ الصُّبح، وإنما صلياها في رحلهما، صححه التِّرْمِذِيّ والحاكم 19، والثاني: لا يُسَنُّ فيما إذا صلى جماعة، ونقله القرطبي = كتاب الصلاة: الحديث (183/ 467) وفيه: [إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ].
الجزء: 1 - الصفحة: 307
في تفسيره عن الشَّافعيّ لحصول فضيلة الجماعة فلا معنى للإعادة بخلاف المنفرد 20، وهذا إذا كان الوقت باقيًا، فأما بعد فواته فلا يُستحب قطعًا، قاله صاحب المعين، ويلزم على هذا عدم استحباب إعادة المغرب تفريعًا على الجديد المشهور في وقتها، وسواء وقت الكراهة وغيره، على الأصح، نعم في الدارقطني عن ابن عمر رفعه، [مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً فَلْيُصَلِّ إِلَّا الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ] أُعِلَّ بالوقف، وقال عبد الحق: الذي وصله ثِقَة 21. وفي التِّرْمِذِيّ عن الشَّافعيّ أنَّه إذا أعاد المغرب شفعها بركعة 22 وهو نَصٌّ غريبٌ، وهو في الجديد كما بَيَّنَهُ في آخر جامعه، وأطلق = برَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ! فَقَالَ: [عَلَيَّ بِهِمَا] فَجِيْءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: [مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ ] فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّينَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: [فَلاَ تَفْعَلَا؛ إِذَا صَلَّيتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أتَيْتُمَا مَسْجِدَ الْجَمَاعَةِ؛ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب فيمن صلى في منزله: الحديث (575). والترمذي في الجامع: أبواب الصلاة: باب ما جاء في الرَّجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة: الحديث (219) واللفظ له.
وقال: حديث يزيد بن الأسود حديث حسن صحيح.
والحاكم في المستدرك: كتاب الصلاة: الحديث (892/ 219) وصحَّحه، ووافقه الذهبي.
الجزء: 1 - الصفحة: 308
المصنف الإعادة، ومراده بها الاداء لا المصطلح عليه في الأصول، ويستثنى مما نحن فيه صلاة الجنازة، فإن من صلاها لا يعيد على الصحيح كما ذكره في بابهِ.
فَرْعٌ: وَيُسَنُّ للمصلي وحده إعادتُها مع مُنْفَرِدٍ أَيضًا.
وَفَرْضُهُ الأُوْلَى فِي الْجَدِيدِ، لسقوط الخَطَّاب بها، والقديم أنَّه إحداهما لا بعينها والله تعالى يحتسب بما شاء منهما، وربما قيل: يحتسب بأكملهما 23، وَالأَصَحُّ، أي على الجديد أن فرضه الأولى 24، أَنّهُ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ؛ لأنه إنما اسْتُحِبَّتِ = أبواب الصلاة: في تعليقه على الحديث (219): ج 1 ص 427.
الجزء: 1 - الصفحة: 309
الإعادةُ جماعةً ليحصُلَ لَهُ ثوابُ الجماعة في فرض وقته حتَّى يكون بمنزلة من صلَّاها جماعة من الأَول فهو للتقدير مصلٍّ أولًا، والثاني: يتخير بينه وبين أن يطلق النية: وَالْوَجْهُ كما قال الإمامُ أن ينوي الظهر أو العصر، ولا يتعرض للفرضية؛ لأن الأمر مع اعتقاد وقوع خلافه محال، وأجاب القاضي عن الأدلة بأن المقدور وقوعه أولًا إنما هو صفة الجماعة فقط وحينئذ فتتعين الثَّانية نفلًا 25.
وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا، يعني الجماعة، وَإِنْ قُلْنَا سُنَّةٌ، لتأكدها، إِلَّا بِعُذْرٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ سَمِعَ النِّدَاء فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ] رواه ابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم 26، عَامٍّ كَمَطَرٍ، لحديث ابن عباس فيه في الصحيحين 27، = بن سعاف يقول- أن الأخير وهم من المطابع.
والله أعلم.
إهـ. من تعليقه على تحفة المحتاج لابن الملقن: ج 1 ص 443 في الهامش (2). فقلت: والراجح قول ابن الملقن رحمه الله، مع أن الحديث غير مشهور، إلَّا أنَّه يوجد ما يعضده من الشواهد.
والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 310
والثلج إن بَلُّ الثوب عذر أيضاً، أوْ رِيحٍ عَاصِفٍ بِاللَّيْلِ، لما فيه من المشقة، وَكَذَا وَحَلٌ شَدِيدٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه أشق من المطر 28، والثاني: أنه ليس بعذر لأنه يمكنه التحرز عنه بالخفاف والأحذية ونحوهما، وأطلق في تحقيقه الوحل ولم يخصه بالشديد، أَوْ خَاصُّ كَمَرَضٍ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما مرض ترك الصلاة بالناس أياماً كثيرةً، والمعتبرُ فيه مشقة الماشي في المطر، وَحَرٍّ وَبَرْدٍ شَدِيدَيْنِ، لأنهما في المشقة كالمطر وعدهما في الروضة من الأعذار العامة، وَجُوعٍ وَعَطَشٍ ظَاهِرَينِ وَمُدَافَعَةِ حَدَثٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ طَعَامِ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ]، رواه مسلم 29، كما تقدم في أخر شروط الصلاة، وَخَوْفِ ظَالِمٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَمُلاَزَمَةِ غَرِيمٍ مُعْسِرٍ، لعظم مشقتها، وقوله (غَرِيْمٍ مُعْسِرٍ) هو بإضافة غريم إلى معسر، قُلْتُ: وهو ظاهر فيما إذا لم يكن بَيِّنَةً على إعساره أو كانت؛ وَعَسُرَ الإِثْبَاتُ، وَعُقُوبَةِ يُرْجَى تَرْكُهَا إِنْ تَغَيَّبَ أيَّاماً، أي كالقصاص؛ لأنه يشرع العفو عنه، أما إذا لم يُرْجَ كالسرقة والزنا؛ فلا، وَعَرِيٍّ، أي وإن وجد ما يستر عورته، لأن عليه مشقة في تبدله بالمشي في غر ثوب يليق به، وَتَأَهُّبٍ لِسَفَرِ مَعَ رُفْقَةِ تَرْحَلُ، للمشقة في التخلف عنهم للجماعة، وَأَكْلِ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثَّوْمَ وَالْكُرَّاثَ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ]، رواه مسلم 30، و(901). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (26/ 699).
الجزء: 1 - الصفحة: 311
وفي رواية للطبراني الفجل أيضاً 31، ويحرم عليه الحضور والحالة هذه كما صرح به ابن المنذر في الاقناع، واحترز بالكريهة عما إذا طبخت، والمعذور يأكل هذه الأشياء للتداوي بعذر، كما صرح به ابن حبان في صحيحه 32، وهو معدودٌ من أصحابنا، ولا يبعد أن يلتحق بما في الحديث من به بَخْرٌ أو جراحة لها رائحة كريهة، وكذا الجذامُ والبرصُ نسأَلُ اللَه العَافِيَةَ 33. تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ] رواه مسلم في الصحيح: كتاب المساجد: الحديث (72/ 564)
الجزء: 1 - الصفحة: 312
خبيثتان أي بمعنى أن الخبيث هو الحرام.
وأمرهما ليس على هذا الوجه أيضاً؛ لأن الملائكة الذين جاء ذكرهم في الحديث هم من يناجي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجبريل خاصة كما جاء في الحديث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وأما الخبيث الذى ورد في صفتهما من حديث رسول الله؛ - صلى الله عليه وسلم - فهو بمعنى المستقبح ذوقاً وهو المراد فى معنى الكراهة التنزيهية، أى المستقبح ذوقاً أكلهما وإتيان المساجد أو المجالس.
ولبيان التفصيل فى المسألة، تعرضنا لبحثهما على وجه يجمع النصوص في الباب ليتضح معناها للمتفقه، وبالله التوفيق:
- أما دلالة الخبيث فى النصوص الواردة فى أكل الثوم والبصل والكراث، فإنهما بما يدخل في الإرشاد إلى مفهوم الكراهة التنزيهية لفعل إتيان المساجد لمن أكل منها.
والكراهة التنزيهية هى من متعلقات الحالة النفسية للذوق أو النفع والضر الماديين.
وفي هذا المفهوم تفصيل يلاحظ: أنه ليس بالضرورة أن معنى الخبيث هو الحرام، لا فى عرف اللغة ولا في عرف الشريعة أيضاً.
يأتى الخبيث في اللغة ليفيد معنى الردئ، ويوصف به الشئ والفعل، ويقابله الجيد؛ ويأتي بمعنى ما تنقبض به النفس، وهو ضد الطيب؛ فلا يستحسن ذوقاً؛ ولهذا تسمى الحنظل بالشجرة الخبيثة لأنها مرة المذاق وتتطير النفس من مرارتها فتنقبض ضد ما تطيب النفس من مذاقه كالتفاح مثلاً.
أما في عرف الشريعة، فإن الخبيث يأتي على معاني ثلاثة، الخبيث بمعنى الردئ الذي يقابله الجيد المستحسن بنفعه، أي يقابله الشئ النافع المفيد، وهذا من حيث واقع الشئ ما هو، ويأتى الخبيث بمعنى المستكره ذوقاً وهو ما لا تستسيغه النفس وتستقبحه بالفطرة، ويقابله الحسن المستعذب، وهذا المعنى يأتى من جهة تقرير طبع الإنسان وميل نفسه للأشياء.
ويأتى الخبيث بمعنى الحرام وهو ما يترتب على فعله الإثم وبتركه يتحقق الثواب بإذن الله؛ وهذا هو المفهوم المتحقق للأشياء المحرمة شرعاً، وقد يرد الخبيث شرعاً بمعنى السم للتحذير منه؛ وهو تقرير للمعنى الأول بالنسبة لما يتحقق منه الضرر غالباً إن لم يحسن استعماله، وهذا المعنى الثالث يقابله الطيب الذي بمعنى الحلال. - وفي المعنى الأول، قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ =
الجزء: 1 - الصفحة: 313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة / 267].
وهنا الخبيث بمعنى الردئ والدون، وهو ما يقابل الجيد والمرغوب فيه والمطلوب منه.
والدليل على هذا المعنى أنه المراد في النص، ما جاء عن أبي امامة بن سهل بن حنيف فى تفسير المعنى قال: هو الجُعْرور ولَوْنُ حُبيق، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يؤخذا في الصدقة؛ هذه رواية النسائي، وعند الدارقطني: عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقه، فجاء رجل من هذا السَّخَلِ بكبائس- قال سفيان: يعى الشَّيْصَ- فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من جاء بهذا؟ وكان لا يجئ أحد بشئ إلا نسب إلى الذى جاء به.
فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
قال: ونهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذا في الصدقة.
قال الزهرى: لونين من تمر المدينة 34.
أما الجُعرور فهو ضرب ردئ من التمر يحمل رطباً صغاراً لا خير فيه.
وحُبَيْق نوع ردئ من التمر منسوب إلى ابن حبيق وهو اسم رجل.
والسُحَّل الرطب الذي لم يتم إدراكه وقوته.
ويعضد هذا المعنى من تفسير النص، بأن دلالة الخبيث هنا بمعنى الردئ أو الأدنى قوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة / 61] وذلك عندما سأل بنو إسرائيل موسى عليه السلام أن يخرج لهم من بقولات الأرض ومنها الثوم والبصل والعدس؛ فسمى الله الأدنى بالخبيث، فيلاحظ والله أعلم.
ويأتي في سياق هذا المعنى للخبيث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء / 2] أى لا تأكلوا من مال اليتيم الشاة السمينة وتعوضوه بالهزيلة، ولا تأخذوا الدرهم الجيد الكامل والدينار وتعطوه الذي قد هلكه الاستعمال أو زيِّف من أثره كما كان أهل الجاهلية يصنعون بأخذ الطيب والجيد من أموال اليتامى ويبدلونه بالردئ من أموالهم.
- أما المعنى الثاني للخبيث؛ وهو ما لا تستسيغه النفس وتستقبحه بالفطرة ويستكره ذوقاً، الذى يقابله الحسن ذوقاً المستعذب، وهو أيضاً ما يتقرر بالطبع الفطري للإنسان وبصفته البشرية وخواصها الشعورية فيها.
قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف / 58]. يشيع سياق النص دلالة الارتياح واستعداد النفس لتقبل حال مستعذب في مناخ البلد الطيب، وهو ما يقابل العسر الممتنع في دلالة =
الجزء: 1 - الصفحة: 314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = معنى (النكد) فالصورتان الحسيتان تعطيان معنى مدركاً في الذهن بالمتقابل في الطيب المستعذب بالنفس، والنكد العسر الممتنع وما تقبض النفس منه، فيكون معنى الخبيث فى سياق النص، بما لا تستسيغه النفس وتكرهه.
- أما المعنى الثالث، فهو ما يأتى بالقرينة التي تجعل الإثم على الشيء أو الفعل أو تجعل في تركه حصول الإثم واستحقاق العقوبة وفي فعله الاستحسان وحصول الأجر، فبالقرينة يصير الشئ في دائرة الطيبات أو في دائرة الخبائث، فكأن إيمان الإنسان وإسلامه لرب العالمين جعله ينصهر في الطاعات ويشمئز من المعصيه، ويستحسن ما حسَّنه الشرع وتطيب نفسه له، ويستقبح ما قبحه الشرع فتخبث نفسه له، فصرف دلالة المعنى اللغوي والمفهوم للكلمة في لسان العرب إلى مفهرم شرعي تحتمه العقيدة ويفرضه الإيمان بها.
قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة / 100]، فالخبيث هنا الحرام والطيب الحلال لقرينة اتقوا الله في النص وحصول الفلاح للمتفكرين المستعملين عقولهم في الانصهار في الفكر والمعتقد والاتباع، فيحدث التسامي النفسي والرقة والإرهاف في حسهم وشعورهم وفكرهم في ضرورات تقصد الطاعة على البديهة من غير تكلف، والسجية من غير تنطع، والفطرة من غير عَسر ممتنع.
ومن هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف / 157] فأوجز ما يحصل في النفس من استساغة الحلال وامتناع الحرام مقروناً بدوافع التقوى ومقاصد طلب الرضوان. - أما الخبيث بمعنى السُّم فقد جاء في السنة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - فال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الدواء الخبيث؛ يعني السم.
والمعنى واضح لأن السُّمَّ لا يصلح للتداوى إذ يحصل به القتل، لهذا جاء في الحديث: [وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ] 35؛ فيكون الدواء الخبيث هو السم لأنه عالج به قتل نفسه.
أما مجرد شرب السم فليس بحرام على الإطلاق، لأنه يجوز استعمال اليسير منه إذا ركَّب معه ما يدفع ضرره إذا كان فيه نفع، فدخوله مع غيره في الخلطة يخرجه عن حال كونه سماً إلى حال كونه دواءً.
وبناءً على ما تقدم تظهر دلالة الخبيث في حديث البصل والثوم، بأن المراد هو المستكره ذوقاً والذى لا تستسيغه النفس، أو تتأذى منه الأنوف عند شمه.
وبخاصة أن هذه المعانى جاءت في نص الأحاديث في الباب؛ إذ ورد تتأذى، أو أكرهه، وحتى =
الجزء: 1 - الصفحة: 315
وَحُضُورِ قَرِيبٍ مُحْتضَرٍ، لأنه يتألم بغيبته عنه أكثر مما يتألم بذهاب المال، وفي معنى القريب الزوجة والمملوك والصهر والصديق، أَوْ مَرِيضٍ بِلاَ مُتَعَهدِ، لأن حفظ الآدمي أفضل من حفظ الجماعة، وسواء خاف عليه الهلاك أم لم يخف، أَوْ يَأْنَسُ بِهِ، أي القريب مع المتعهد بخلاف الأجنبى، قُلْتُ: ومن الأعذار العامة الزلزلة، والخاصة غلبة النعاس والنوم، ومن الأعذار السمن الْمُفْرِطُ الذي يمنع المرء من حضور الجماعة قاله ابن حبان في صحيحه (609)، وذكر أصحابُنا في الْقَسْمِ أَنَّهُ لا بخرج ليلاً من عند الزوجة لصلاة الجماعة، وسائر أفعال البر لأَنَّهَا مَنْدُوبَاتٌ وَحَقُّهَا وَاجِبٌ.36
يذهب ريحه، وبين معالجة الرائحة بالطبخ.
فيبقى الحكم الشرعي في أكل الثوم والبصل على الإباحة الشرعية، أما فعل الذهاب إلى المسجد لمن أكل الثوم والبصل بما يظهر أثره في ريح فمه أو جسمه، فإنه يصرف إلى الكراهة التنزيهية بما لا يخرج الفعل عن حكم الأصل في الإباحة؛ لأن الكراهة التنزيهية كراهة نفسية وذوقية وهى تدخلْ في فعل خلاف الأولى من المباح.
وهذه مسألة في تحقيق مفهوم الكراهة التنزيهية في أصول الفقه.
الجزء: 1 - الصفحة: 316
فَصْلٌ: لاَ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلاَنَ صَلاتهِ، أي كمن علم بحدثه أو كفره، لأنه لا صلاة له فكيف يقتدى به، أَوْ يَعْتَقَدُهُ كَمُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِبْلَةِ أَوْ إِنَائَيْنِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ الطَّاهِرُ، أي بأن كانت الأواني ثلاثة مثلاً، والطاهر منها اثنان واعتقد طهارة إنائه ولم يغلب على ظنه شيء من حال الآخرين، فَالأَصَحُّ الصِّحَّةُ مَا لَمْ يَتَعَّينْ إِناءُ الإِمَامِ لِلنَّجَاسَةِ، أي وهو اقتداؤه بالثالث في هذه الصورة، والثاني:
لا يجوز الاقتداء بواحد من صاحبيه، لأنه متردد فى المستعمل للنجس منهما، والثالث: يصح الاقتداء بالأول إن اقتصر عليه، فإن اقتدى ثانياً لزمه إعادتهما للاشتباه، فَإِنْ ظَنَّ طَهَارَةَ إِنَاءِ غَيْرِهِ اقْتَدَى بِهِ قَطْعاً، لانتفاء المحذرر، فَلَوِ اشْتَبَهَ خَمْسَةُ فِيهَا نَجِسٌ عَلَى خَمْسَةِ فَظَنَّ كُلٌّ طَهَارَةَ إِنَاءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ، أي ولم يظن شيئاً من أحوال الأربعة، وَأَمَّ كُلُّ فِي صَلاَةِ، أي مبتدئين بالصبح مثلاً، فَفِي الأَصَحِّ، أي السابق في المسألة قبلها، يُعِيدُونَ العِشَاءِ، لأن بزعمهم تعينت النجاسة في حق إمامها، إِلاَّ إِمَامَهَا فَيُعِيدُ الْمَغْرِبَ، لأن الصبح صحت له، وكذا الظهر والعصر عند أئمتها وهو متطهر بزعمه، فتعينت هذه النجاسة في حق إمام المغرب، والعبارة الشاملة أن كُلاًّ منهم يعيد ما كان مأموماً فيه أخراً، والثاني: أن كل واحد منهم يعيد الأربع الى كان مأموماً فيها.
وَلَوِ اقْتَدَى شَافِعِيُّ بِحَنَفِيٍّ مَسَّ فَرْجَهُ أَوِ افْتصَدَ فَالأَصَحُّ الصَّحَّةُ فِي الْفَصْدِ دُونَ الْمَسً اعْتِبَاراً بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي، لأنه محدث في اعتقاده في المس دون الفصد، والثاني: عَكْسُهُ؛ لأن صلاته والحالة هذه صحيحة في نفسه وخطؤه عندنا غير مقطوع به، وقال الأودنيُّ والحليميُّ واستحسنه الرافعي: إذا أَمَّ ولي الأمر أو نائبه فترك البسملة والمأموم يرى وجوبها صحت صلاته خلفه عالماً كان أم عامياً وليس
له المفارقة لما فيه من الفتنة 37، وَلاَ تَصِحُّ قُدْوَةٌ بِمُقْتَدٍ، أي في حال قدرته؛ لأنه
الجزء: 1 - الصفحة: 317
متبنى المأموم، كأن يكون الإمام حنفياً والمأموم شافعياً، أو العكس؛ فليس الجامع من أمر الصلاة بينهما ما ينقض بناء الصلاة بالوصف التعبدي وطريقته الشرعية.
ولا اعتبار لنيه المقتدي، لأن الأصل في فعل المكلف التقيد بالحكم الشرعي بقصد العبادة على سبيل القربة.
وكل منهما -أي الإمام والمأموم- ملتزم بالحكم الشرعي الذى غلب على ظنه من أدلته الشرعية أو باعتبار مرجعيته فى التقليد.
لهذا لا يرد اعتبار اختلافهما في المس وعلاقته في نقض الوضوء، ولا الفصل وغيرهما من المسائل الخلافية.
فلا ينظر إلى فعل المقابل باعتبار نية الناظر، وإنما ينظر إلى فعله باعتبار أنه متقيد بحكم الله في حقه على ما وسعه اجتهاده في المسألة أو اجتهاد من قلده فيها، لأن الأصل في اعتباراتنا العملية الأحكام الشرعية وطرائقها، لا المتبنى عندنا من الأمور الخلافية.
*ـ أما أن المأموم لا يفارق الإمام خوف الفتنه، فهذا بعيد، لأنه لا فتنة والإمام يؤدى الصلاة بشروطها وأركانها وفق متبناه الفقهي؛ أما أنه إذا أحدث في الصلاة ما لا يعرف فيها، كأن صلاها من غير ركوع أو سجود، أو أنه صلى الظهر ثلاثاً، أو إنه اتجه إلى غير القبلة، أو أنه لا يركع أو لا يسجد، فإن صلاته ومن معه باطلة لا محالة.
فليس الموضوع موضوع مفارقة أو عدمها، وإنما هو يصلي بطريقته لا بهدي سيدنا الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - فأيُّ فتنة أكبر من ذلك.
- أما إذا كان الإمام متغلباً أو من البغاة على الإمام الذى ترضاه الأمة وهو كان ولي أمرها بالبيعة، فإن المتغلب ينظر هو ومن يوليه على الناس في إمامة الصلاة، فإن أحسن فللرعية، وإن أساء لا يشاركونه في إساءته.
أخرج البخارى عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيّ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنَ عَفْانَ - رضي الله عنه - وَهُوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: إِنَّكَ إمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى، وَيُصَلِّي بِنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ.
فَقَالَ: الصَّلاَةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ؛ وَإِذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ.
رواه البخارى في الصحيح: كتاب الأذان: إمامة المفتون والمبتدع: الحديث (695). - عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ أُمَرَاءٌ يُؤَخَّرُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ أَوْ يُمِيْتُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ ] قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرَنِي؟ قَالَ: [صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ] رواه مسلم في الصحيح: كتاب المساجد: باب كراهيه تأخير الصلاة: الحديث (238/ 648). وأبو داود في السنن: الحديث (431). والترمذي في الجامع: الحديث (176). =
الجزء: 1 - الصفحة: 318
تابع لغيره وهذا إجماع، وَلاَ بِمَنْ تلْزَمُهُ إِعَادَةٌ كَمُقِيمٍ تَيَمَّمَ، أي وكذا من لم يجد ماءً ولا تراباً، وَلاَ قَارئ بِأُمِّيَّ فِي الْجَدِيدِ، لأنه بصدد أن يتحمل عن المأموم القراءة لو أدركه راكعاً، والأُمِّيُّ ليس من أهل التحمُّل، والقديمُ يَصحُّ في السَّريُّةِ دون الجهريَّةِ، بناء على أن المأمومَ يقرأ في السريَّة، والصحيحُ طردُ الخلافِ مطلقاً سواء علم بحاله في الابتداءِ أو جهل، وَهُوَ، يعني الأُميُّ، مَنْ يُخِلُّ بِحَرْفٍ أَوْ تَشْدِيدَةٍ مِنَ الْفَاتِحَةِ، ونبه بذلك على من لا يحسنها بطريق الأولى، وَمِنْهُ، أي من الأمي، أَرَتٌّ، أي بالتاء المثنات فوق المشددة، يُدْغِمُ فِي غَيْرِ مُوضِعِهِ وَأَلْثَغٌ؛ يُبَدِّلُ حَرْفاً أَيْ بِحَرْفٍ، كسين بثاء فيقول المثتقيم أو الراء بالغَين فيقول غيغ المغضوب، قال صاحب البيان أنشدي بعض شيوخي:
وَأَلْثَغٍ سَأَلْتُهُ عَنِ اسْمِهِ ... فَقَالِ لِي إِثْمِي مُردَاثُ
فَعُدْتُ مِنْ لَثْغَتِهِ أَلْثَغاً ... فَقُلْتُ أَيْنَ الْكَاثُ وَالطَّاثُ * وعن عبادة بن الصَّامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [إِنَّهَا سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي أُمَرَاءُ تَشْغُلُهُمْ أَشْيَاءُ عَنِ الصَّلاَةِ لِوَقْتِهَا حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا، فَصَلُّواْ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا]
فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله، أصُلى مَعَهُمْ؟ قَالَ: [نَعَمْ إِنْ شِئْتَ] رواه أبو داود في السنن: الحديث (433). وفي لفظ ابن مسعود - رضي الله عنه -: [صَلِّ الصَّلاَةَ لِمِيْقَاتِهَا، وَاجْعَلْ صَلاَتَكَ مَعَهُمْ سُبْحَةً] رواه أبو داود في السنن: الحديث (432) إسناده حسن.
وفي حديث قبيصة بن وقاص: [فَصَلُّواْ مَعَهُمْ مَا صَلُّوا الْقِبْلَةَ] رواه أبو داود في السنن: الحديث (434).
- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [سَيَأْتِي أَقْوَامٌ أَوْ يَكُونُ أَقْوَامٌ؛ يُصَلُّونَ الصَّلاَةَ، فَإِنْ أَتَمُّواْ فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ نَقَصُواْ فَعَلَيْهِمْ وَلَكُمْ] رواه ابن حبان في الإحسان: ذكَر أخبار عما يجب على المرء من الاقتداء بصلاة إمامه وإن كان مقصراً؛ الحديث (2225). وفي صحيح البخاري: باب إذا لم يتم الإمام: الحديث (694). وفيه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وفيه مقال؛ ولكن حديث ابن حبان يشهد له.
قاله ابن حجر في الفتح.
بناء على ما تقدم، فإن صلاة المأموم تصح وراء الإمام ما دام من أهل القبلة، وإن كان مبتدعاً أو مفتوناً، فالصلاة صحيحة للمأموم وعلى الإمام بدعتهُ وفتنتهُ، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 319
وأراد أن اسمه مرداس، وأراد الكأس والطاس، وَتَصِحُّ بِمِثْلِهِ، أي اقتداء الأمي بمثله لاستوائهما في النقصان وفيه نظر إذ لا ضرورة إليه، وَتُكْرَهُ بِالتَّمْتَامِ وَالفَأْفَاءِ، لزيادتهما على الكلمة ما ليس منها، والتمتامُ مَنْ يُكَرَّرُ التَّاءَ، والفأفاءُ بهمزتين وبالمد مَنْ يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَاللَّاحِنِ، أي الذى لا يغير المعنى لأنه خطأ في الإعراب كرفع هاء اسم الله، فَإِنْ غَيْرَ مَعْنَى كَأَنْعَمْتُ بِضَمٍّ أَوْ كَسْرٍ أَبْطَلَ صَلاَةَ مَنْ أَمْكَنَهُ التِّعَلُّمُ، لأنه ليس بقرآن، فَإِنْ عَجَزَ لِسَانُهُ أَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إِمْكَانِ تَعَلَّمِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْفَاتِحَةِ فَكَأُمِّيٍّ، أي فتصح صلاته في نفسه خاصة، وَإِلاَّ، أي وإن كان في غيرها، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ وَالْقُدْوَةُ بِهِ، لأن ترك السورة لا يبطل الصلاة فلا يمنع الاقتداء.
وَلاَ تَصِحُّ قُدْوَةُ رَجُلِ وَلاَ خُنْثَى بِامْرَأَةِ وَلاَ خُنْثَى، أما امتناع قدوة الرجل بالمرأةِ فهو مذهبُ الفقهاءِ السَّبْعَةِ فَمَنْ بعدهم، وأما امتناع قدوة الخنثى بالمرأة فلجواز أن يكون رجلاً، وأما امتناع قدوة الرجل بالخنثى فلجواز أن يكون أنثى، وأما امتناع قدوة الخنثى بالخنثى فلجواز أن يكون المأموم رجلاً والإمام امرأةً، ولا يخفى أن المراد بالخنثى المشكل، ولو عُبِّرَ بقوله ذكر بدل رجل لكان أَوْلى، لأن الصبي في هذا كالبالغ نصَّ عليه في الأم، ولفظ الرجل مختص بالبالغ، ويجوز اقتداءُ النِّسْوَةِ بالخنثى اتفاقاً خلافاً لمالك، ونقله القرطبي عن أكثر الفقهاءِ 38.
وَتَصِحُّ، القدوة، لِلْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ، أي الذي لا يجب عليه القضاءُ؛ لأنه أتى عن طهارته ببدل، وَبِمَاسِحِ الْخُفِّ، لأنها مُغْنِيَةٌ عن القضاء، وَلِلْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ، للاتباع متفق عليه 39، وَالْمُضْطَجِعِ، أي يصح اقتداءُ كُلٍّ من القائم والقاعد
الجزء: 1 - الصفحة: 320
بالمضطجع بالقياس على القائم بالقاعد، وَلِلْكَامِلِ، أي الْبَالِغ الْحُرِّ، بِالصَّبِيِّ، أي المميز، لأن عمرو بن سلمة كان يَؤُمُّ قومه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ست أو سبع رواه البخاري 40، وروى البزار بإسناد حسن من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا سَافَرتُمْ فَلْيَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ وَإِنْ كَانَ أصْغَرَكُمْ، وَإِذَا أَمَّكُمْ فَهُوَ أَمِيْرُكُمْ] ثم قال: لا أعلمه وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من رواية أبي هريرة
بهذا الإسناد 41، وفي فضائل الأوقات للبيهقي من حديث الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قالت عائشة: [كُنَّا نَأْخُذُ الصِّبْيَانَ مِنَ الكُتَّابِ لِيَقُومُواْ بِنَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَنَعْمَلُ لَهُمُ الْقَليَّةَ وَالْخُشْكَنَانَجُ] 42، وَالْعَبْدِ، أي يصح اقتداءُ الْكَامِلِ جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّى وَهُوَ يَأَتَمُّ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَاعِدٌ] هذا النص من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
رواه البخاري في الصحيح: كتاب الأذان: الحديث (687) ومن رواية عروة عن عائشة رضى الله عنها قال عروة: [فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اِسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ كَمَا أَنْتَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرِ يُصُلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَالنَّاسُ يَصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ]: الحديث (683). ومسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب استخلاف الإمام: الحديث (90/ 418).
الجزء: 1 - الصفحة: 321
بِالْعَبْدِ، لأن عائشة كان يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا رواه البخاري أيضًا 43، وَالأَعْمَى وَالْبَصِيرُ سَوَاءٌ عَلَى النَّصِّ، أي في الأُمِّ وغيره؛ لأن في الأعمى الخشوع وفي البصير اجتنابُ النجاسة التي هي شرطٌ للصحة، وفي وجه أن الأعمى أوْلى مُراعاةً للمعنى الأَول، وَوَجْهٌ آخَر أَنُّ البصيرَ أَوْلى للثاني وهو قويٌ، وَالأَصَحُّ صِحَّةُ قُدْوَةِ السَّلِيمِ بِالسَّلِسِ؛ وَالطَّاهِرِ بِالْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ، كما يجوز قطعًا بمن استنجى بالأحجار وبمن على ثوبه أو بدنه نجاسة معفو عنها، والثاني: لا يصح لجهلها النجاسة، وصلاتهما صحيحة في نفسهما للضرورة، وأما المتحيرة فلا يصح الاقتداء بها، لأن الأصح وجوب القضاء عليها.
فَرْعٌ: لا تصح صلاة المتحيرة خلف مثلها على الصحيح، في الروضة في كتاب الحيض.
وَلَوْ بَانَ إِمَامُهُ امْرَأَةً، أَوْ كَافِرًا مُعْلِنًا، أي كذمي، قِيلَ: أَوْ مَخْفِيًا، أي كزنديق، وَجَبَتِ الإِعَادَةُ، لأن على الأنوثة والكفر المعلن أمارة، فهو مُقَصِّرٌ بترك البحث عنهما، وأما في الكفر المخفي فَلِتَبّيُّنِ نَقْصِهِ، لَا جُنُبًا، وَذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ، إذ لا أمارة عليهما فلا تقصير، وهذا في غير الجمعة، أما فيها، فسيأتي في بابه، فإن كانت ظاهرةً فيجبُ الإِعادةُ، وخالفَ في التحقيق فصحح عدمَها.
قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ: إِنَّ مُخْفِيَّ الْكُفْرِ هُنَا كَمُعْلِنِهِ، وَاللهٌ أَعْلَمُ، فتجب إعادة صلاة المؤتم به لنقصه بالكفر، لأنه ليس من أهل الصلاة بخلاف المؤمن الأثر (4718). والخشكنانج نوع من الكعك يُتخذ من الدقيق.
الجزء: 1 - الصفحة: 322
المحدث، قال في الروضة: ومع ذلك فالأقوى دليلًا أن القضاء لا يجب.
وَالأُمِّيُّ كَالْمَرْأَةِ فِي الأَصَحِّ، أي فيعيد إذا بَانَ أُميًا، والجامع النقص، والثاني: أنَّه كما لو بَانَ جنبًا، والفرق على الأول: أنَّ الحدثَ ليس نقصًا في حقه بخلاف الأُمِّيَّةِ، وَلَوِ اقْتَدَى بِخُنْثَى، أي في ظنه، فَبَانَ رَجُلًا، أي بعد الفراغ منها أو في أثنائها، لَمْ يَسْقُطِ الْقَضَاءُ فِي الأَظْهَرِ، لأنه كان ممنوعًا من الاقتداء به، وَنِيَّتُهُ غَيْرُ جَازِمَةٍ، والثاني: يسقطُ لأنه ظهر كونه رجلًا.
وَالْعَدْلُ أَوْلَى مِنَ الْفَاسِقِ، أي بالإمامة من الفاسق؛ لأنه يخاف منه أن لا يحافظ على الشروط، وَالأصَحُّ أَنَّ الأَفْقَهَ، أي وهو الَّذي لا يحفظ من القرآن غير الفاتحة، أَوْلَى مِنَ الأَقْرَإِ، أي وهو الَّذي يقرأ القرآن كله وهو قليل الفقه، لأن حاجة الصلاة إلى الفقه أهم، وهذا ما نَصَّ عليه، والثانى: أن الأقرأ أَوْلى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَأَحَقُّهُمْ بِالِإِمَامَةِ أقرَؤُهُمْ] رواه مسلم 44، والجواب أن الصدر الأول كانوا يتفقهون مع القراءة فلا يوجد غالبًا قارئ إلا وهو فقيه، وَالأوْرَعِ، أي والأصح أن الأفقه أَوْلى من الأورع لما قدمناه من أن حاجة الصلاة إلى الفقه أهم، والثاني: أنَّ الأورعَ مُقَدَّمٌ
لأنه أكرم على الله، وحَدُّ الْوَرَعِ اجتنابُ الشبهاتِ والاشتهارُ بِالعبادةِ.
وَيُقَدَّمُ الأَفْقَهُ وَالأَقْرَأُ عَلَى الأَسَنِّ النَّسِيبِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُواْ فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُواْ فِي السُّنَّةِ سَوَاءً
الجزء: 1 - الصفحة: 323
فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُواْ فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سلمًا] وفي لفظ [سِنًّا] و [لَا يَؤُمُّنُّ الرُّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَقْعُدَ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذنِهِ] رواه مسلم 45، وَالْجَدِيدُ: تَقْدِيمُ الأَسَنِّ عَلَى النَّسِيبِ، لحديث مالك بنِ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكبَرُكُمْ] متفق عليه 46، والقديم عكسه للحديث المرسل [قَدِّمُواْ قُرَيْشًا] رواه ابن أبي شيبة بِإسنادٍ صحيح 47، والسِّنُّ المشار إليه هو الحاصل في الإسلام لا الشيخوخة، والمراد بِالنَّسَبِ نسب قريش، وكذا غيره كنسب الكُفَاةِ؛ ولم يذكر المصنف وطائفه الهجرة وهي مقدمة على السن والنسب في الجديد، فَإِنِ اسْتَوَيَا، أي في الصفات المذكورة، فَبِنَظَافَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، أي عن الأوساخ، وَحُسْنِ الصَّوْتِ، وَطِيبِ الصَّنْعَةِ وَنَحْوِهَا، أي مما يشبهها من الفضائل، لأنها تفضي إلى استمالة القلوب، وكثرة الجمع، وَيُقَدَّمُ حسنُ الصورة بعد حسن الصوت؛ فإن استويا في كل ذلك أَقْرِعَ، وَمُسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةِ بِمِلْكٍ، أي ملك العين، أَوْ نَحْوِهِ، أي كالإِجارة، أَوْلَى، أي إذا وجدت فيه شروط الإمامة للحديث السالف [ولا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ]، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا، أي للتقدم، فَلَهُ التَّقْدِيمُ، لأنه تصرف في ملكه، وَيُقَدَّمُ، السيد، عَلَى عَبْدِهِ السَّاكِنِ، لأن العبد والدار له، لَا مُكَاتَبِهِ فِي مِلْكِهِ، أي في ملك المكاتب لأنه المالك، وَالأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْمُكْتَرِي عَلَى الْمُكْرِي، لأنه المستحق للمنافع، والثاني:
الجزء: 1 - الصفحة: 324
المكرى؛ لأنه المستحق للرقبة، وهذا الوجه نسبه الرافعي إلى رواية الروياني، ونوزِعَ فيه، وقيل: إنه لم يوجد في كتبه، وَالْمُعيِرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، لملكه الرقبة واستحقاقه الرجوع في المنفعة، والثاني: المستعير؛ لأن السكنى له في الحال، وَالْوَالِي في مَحَلِّ وِلَايَتِهِ أَوْلَى مِنَ الأَفْقَهِ وَالْمَالِكِ، للحديث السالف، وَنَبَّهَ بالوالي على من فوقه من سلطان وحاكم وخليفة وَيَقَدَّمُ الأَعْلَى فَالأَعْلَى.
فَرْعٌ: باني المسجد لا يكون أَحَقَّ بالإمامة والتأذين فيه، وهو وغيره سواء خلافًا لأبي حنيفة.
فَصْلٌ: لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى إِمَامِهِ فِي الْمَوقِفِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ بَطَلَتْ فِي الْجَدِيدِ، كما لو تقدم في الأفعال، والقديم: لا تبطل مع الكراهة، كما لو وقف خلف الصفِّ وَحْدَهُ، فلأنه ليس في ذلك إلا المخالفة في الموقف فأشبه ما لو وقف على يساره، وَلَا تَضُرُّ مُسَاوَاتُهُ، أي قطعًا، نعم يكره، وينْدَبُ تَخَلُّفُهُ قَلِيلًا، استعمالًا للأدب، وَالإِعْتِبَارُ بِالعَقِبِ، أي في التقديم والمساواة، فإن المأموم قد يكون أطول فيتقدم رأسه عند السجود والقدم والأصابع قد تكون أطول فلذلك وقع الاعتبار بالْعَقِبِ.
فَرْعٌ: لو كان يصلى قاعدًا فالاعتبار بالتقدم لمحل القعود وهو الإلية، أو نائمًا فالاعتبار بِالْجَنْبِ.
وَيَسْتَدِيرُونْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، ليحصل الاستقبال للجميع، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ أَقْرَبَ إِلَى الْكَعْبَةِ فِي غَيْرِ جِهَةِ الإِمَامِ فِي الأَصَحِّ، لأنه لا يظهر به مخالفة منكرة، ولهذا قطع الجمهور، والثاني: يضر، أما لو كان أقرب إليها من جهة الإمام، فإنه على القولين الجديد والقديم وقد سلفا.
فَرْعٌ: لَوْ صَلَّى الإمامُ في نفس الركن الَّذي فيه الحجر الأسود مثلًا، فالظاهر أن جهة الإمام ما حاذاها بدنه من ناحيتي الركن مع الركن وهو ما بين الركن الشامي واليمانى.
وَكَذَا لَوْ وَقَفَا فِي الكَعْبَةِ، وَاخْتَلَفَتْ جِهَتَاهُمَا، أي بأن كان المأمومُ أقربَ إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 325
الجدارِ الَّذي توجه إليه من الإمام إلى ما تَوَجَّهَ إليه، وَفَرَّعْنَا على الجديد، فالأصح أنَّه لا يضر، لأن اختلاف الجهة أعظم من تفاوت المسافة، والثاني: يضر كما لو اتحدت الجهةُ.
وَيَقِفُ الذَّكَرُ عَنْ يَمِينِهِ، أي رجلًا كان أو صبيًا 48، فَإِنْ حَضَرَ آخَرُ أحْرَمَ عَنْ يَسَارِهِ، للاتباع 49، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ الإِمَامُ، أي إن كان خلفهما ضيقًا لتعينه طريقًا لتحصيل السُّنَّةِ، أَوْ يَتَأَخْرَانِ، أي إن كان خلفهما واسعًا، وَهُوَ، أي تَأَخُّرُهُمَا، أَفْضَلُ، لأن الإمامَ متبوعٌ فلا ينتقل من مكانه، وهذا في القيام، أما إذا لحق الثاني في التشهد أو السجود فلا تقدم ولا تأخر حتَّى يقوموا، ونَبَّهَ المصنف بقوله (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ... )
إلى آخره، على أن التقدم والتأخر لا يكونا إلا بعد إحرام المأموم الثاني، وَلَوْ حَضَرَ رَجُلَانِ أوْ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ صَفًّا خَلْفَهُ، للاتباع 50.
فَرْعٌ: لو كانوا عراةً بصراءَ اكتَنَفَاهُ.
وَكَذَا امَرَأَةً أَوْ نِسْوَةٌ، أي فإن الواحدة تقف خلف الإمام، وكذا النسوة
الجزء: 1 - الصفحة: 326
أيضًا 51، فإن اجتمع عدد من الذكور والأناث، فَيَقِفُ خَلْفَهُ الرِّجَالُ، كما ذكره المصنف لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُوْلُواْ الأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ] رواه مسلم 52، وأولو الأحلام والنهى البالغون العقلاء، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، لأنهم دون الرجال في الفضيلة، قال الدارمي في استدراكه: وهذا إذا كان الرجال أفضل أو تساووا، فإن كان الصبيان أفضل قدموا، ثُمَّ النِّسَاءُ، لحديث فيه في البيهقي 53 والخناثى يتقدمن على النساء، وَتَقِفُ إِمَامَتُهُنَّ وَسَطَهُنَّ، لأنه أستر لها 54.
الجزء: 1 - الصفحة: 327
وَيُكْرَهُ وُقُوفُ الْمَأمُومِ فَرْدًا، بَلْ يَدْخُلُ الصَّفَّ إِنْ وَجَدَ سَعَة، أي فرجة، وَإِلَّا فَلْيَجُرَّ شَخْصًا بَعْدَ الإحْرَامِ وَلْيُسَاعِدْهُ الْمَجْرُورُ، لتحصل له فضيلة الصف وليخرج من الخلاف 55، قال في الكفاية: ولا يجوز له الجذب قبله لئلا يخرجه عن الصف فَأَمَّتْهُنَّ بَيْنَهُنَّ وَسَطًا]، وعن عطاء عن عائشة رضى الله عنها: [أنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيْمُ وَتَؤُمُّ النِّسَاءَ؛ وَتَقُومُ وَسَطَهُنَّ].
ثم لحديث عَمَّار الدُّهُنِيِّ عن امرأةٍ مِنْ قومهِ يقالُ لها حُجَيْرَةُ عن أُمِّ سَلَمَةَ [أَنَّهَا أَمَّتْهُنَّ، فَقَامَتْ وَسَطًا]، وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [تَؤُمُّ الْمَرْأَةُ النِّسَاءَ تَقُومُ وَسَطَهُنَّ].
* روى هذه الآثار البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب المرأة تؤم النساء فتقوم وسطهن: الرقم (5456 - 5459) وقال: وقد روينا فيه حديثًا مسندًا في باب الأذان، وفيه ضعف.
إنتهى.
وأسانيد هذه الآثار صحيحة.
* أما الحديث الضعيف، هو ما جاء عن أسماء رضى الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ وَلَا تَقَدَمَهُنَّ امْرَأَةٌ تَقُومُ وَسَطَهُنَّ] رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الأَذان: الحديث (1960) وأعلَّهُ بالحَكَم بن عبد الله الأَيْلِيِّ، وهو ضعيف جدًّا.
الجزء: 1 - الصفحة: 328
لا إلى الصف، والنصُّ في البويطى؛ أنَّه يقفُ منفردًا ولا يجذب إلى نفسه أحدًا.
وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ، أي علم المأموم، بِانْتِقَالَاتِ الِإمَامِ، بالإجماع، ثم بيَّن مَا يَحْصُلُ بِهِ العلم فقال: بِأَنْ يَرَاهُ أوْ بَعْضَ صَفّ أَوْ يَسْمَعَهُ أَوْ مُبَلِّغًا، أي وإن لَمْ يُصَلِّ مع الإمام، وَإذَا جَمَعَهُمَا مَسْجِدٌ صَحَّ الاِقْتَدَاءُ وِإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ وَحَالَتْ أَبْنِيَةٌ، بالإجماع، وحكم المساجد المتلاصقة المتنافذة كمسجد على الأصح، وَلَوْ كَانَا بِفَضَاءٍ شُرِطَ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثِمَائَةِ ذِرَاعٍ، لقرب ذلك وبعد ما وراءه
في العادة، تَقْرِيبًا، لما ذكرناه، وَقِيلَ: تَحْدِيدًا، وهو غلط كما قاله الماوردى وهذا الوجه لأبي إسحق المروزي، وظاهره أنَّه لا يُغْتَفَرُ ما نَقَصَ عن ذلك وإن قل (•)، ولكن في الاستذكار عنه اغتفار ذراعين ونحوهما، فَلَوْ تَلَاحَقَ شَخْصَانِ أَوْ صَفَّانِ اعْتُبِرَتِ الْمَسَافَةُ، أي المذكورة، بَيْنَ الأَخِيرِ وَالأَوَّلِ، أي لا بين الأخير والإمام على الأصح، وَسَوَاءٌ، أي فيما ذكرنا، الْفَضَاءُ الْمَمْلُوكُ، وَالْوَقْفُ، وَالْمُبَعَّضُ، أي
الذي بعضُه ملكًا وبعضُه وقفًا، وَلَا يَضُرُّ الشَّارِعُ الْمَطْرُوقُ وَالنَّهْرُ الْمُحْوِجُ إِلَى سِبَاحَةٍ، أي يحول بينِ الإمام والمأموم وبين الصفين، عَلَى الصَّحِيح، لأن ذلك ليس بحائل، والثاني: يضر، ووجهه في الشارع وقوع الحيلولة عن الإطلاع على أحوال الإمام فتعسر المتابعة، فَإِنْ كَانَا فِي بِنَاءَيْنِ كَصَحْنٍ وَصُفِّةٍ، أَوْ بَيْتٍ فَطَرِيقَانِ، * أما قوله بكراهة صلاة المنفرد خلف الصف، وليس ببطلانها، فلحديث أنس - رضي الله عنه -
قال: [صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَا وَيَتِيْمٌ عِنْدَنَا وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا] وقد تقدم عزوه إلى مظانه.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى؛ الحديث (5322). والله أعلم.
- أما تفسير أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - للرجل أن يعيد صلاته، فأسند البيهقي الأثر فيه عن المغيرة عن إبراهيم: فِي الرَّجُلِ يُصَلِّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَقَالَ: صَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَلَيسَ لَهُ تَضْعِيْفٌ.
قَالَ (الشيخ) يُريْدُ لَا يَكُونُ تَضْعِيْفُ الأَجْر بِالْجَمَاعَةِ، وَكَأَنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَفَى فَضْلَ الْجَمَاعَةِ، وَأمَرَهُ بِالإِعَادَةِ لِتَحْصَلَ لَهُ زِيَادَةٌ، وَلَا يَعُودُ إِلى تَرْكِ السُّنَّةِ.
والله أعلمُ.
إنتهى.
من السنن الكبرى: الأثر (5316). (•) في النسخة (1): أنَّه لا يغتفر غير ذلك وإن قل.
وفي النسخة (2): ما زاد على ذلك وإن قل.
وأثبتنا ما دُوِّنَ في النسخة (3).
الجزء: 1 - الصفحة: 329
أَصَحُّهُمَا إِنْ كَانَ بِنَاءُ الْمَأَمُومِ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا وَجَبَ اتِّصَالُ صَفًّ مِنْ أَحَدِ الْبِنَاءَيْنِ بِالآخَرِ، لأن اختلاف البناء يوجب كونهما متفرقين فلا بد من رابطة يحصل بها الاتصال.
وَلَا تَضُرُّ فُرْجَةٌ لَا تَسَعُ وَاقِفًا فِي الأَصَحِّ، لأنه معدود صفًا واحدًا، والثاني: يضر ولا وجه له، وجعله في الروضة وجهًا ضعيفًا وهو الصواب، وَإِنْ كَانَ خَلْفَ بِنَاءِ الِأمَامِ فَالصَّحِيحُ صِحَّةُ الْقُدْوَةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، أي تقريبًا، لأن بهذا المقدار يحصل به الاتصال العرفي، والثاني: لا يصح الاقتداء، لأن اختلاف البناء يوجب الافتراق، وإنما جوزنا في اليمين واليسار لأن
الاتصال المحسوس بتواصل المناكب فيه ممكن، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ إِلَّا الْقُرْبُ كَالْفَضَاءِ، أي فيصح اقتداء المأموم بإمامه ما لم يزد ما بينه وبين آخر الصف على ثلاثمئة ذراع كما سبق، إِنْ لَمْ يَكُنْ حَائِلٌ أَوْ حَالَ بَابٌ نَافِذٌ، أي فوقف بحذائه صف أو رجل، وقوله أو حال صوابه أو كان، فإن النافذ ليس بحائل، فَإِنْ حَالَ مَا يَمْنَعُ الْمُرُورَ لَا الرُّؤْيَةَ، أي كالشباك، فَوَجْهَانِ، أحدهما الصحة لوجود القرب
والمشاهدة، وأصحهما في أصل الروضة البطلان، لوجود الحائل، وهذا أول موضعين في الكتاب بلا تصحيح، والآخر باقي في النفقات إن شاء الله تعالى، ولا يرد ما ذكره في الدعاوى في تعارض البيتين، فإنه تفريع على ضعيف، أَوْ جِدَارٌ بَطَلَتْ بِاتِّفَاقِ الطَّرِيقَيْنِ، لمنعه الاستطراق والمشاهدة.
قُلْتُ: الطَّرِيقُ الثَّانِي أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ، تبع فيه معظم العراقيين والأُوْلى طريقة المراوزة، قال الرافعي: وهي الأَولى.
وِإذَا صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ فِي بِنَاءٍ آخَرَ، أي إما بشرط الاتصال على الطريقة الأُولى أو دونه على الثانية، صَحَّ اقْتِدَاءُ مَنْ خَلْفَهُ، وَإِنْ حَالَ جِدَارٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِمَامِ، تبعًا له وهم معه كالمأمومين حتَّى يشترط تقدم إحرامه عليهم، وَلَوْ وَقَفَ في عُلُوٍّ وَإمَامُهُ فِي سُفْلٍ؛ أَوْ عَكْسُهُ؛ شُرِطَ مُحَاذَاةُ بَعْضِ بَدَنِهِ بَعْضَ بَدَنِهِ، أي بأن يحاذي رأس الأسفل قدم الأعلى، والاعتبار بمعتدل القامة، وَلَوْ وَقَفَ فِي مَوَاتٍ وَإِمَامُهُ فِي
الجزء: 1 - الصفحة: 330
مَسْجِدٍ، فَإِنْ لَمْ يَحُلْ شَيْءٌ فَالشَّرْطُ التَّقَارُبُ، أي وهو ثلاثمائة ذراع على ما مر، مُعْتَبَراً مِنْ آخِرِ الْمَسْجِدِ، لأن المسجد مبنيٌّ للصلاة؛ فلا يدخل في الحدِّ الفاصل، وَقِيلَ: مِنْ آخِرِ صَفٍّ، لأنهُ المتبوعٌ؛ فإن لم يكن فيه إلاّ الإمام فمن موقفه، وَإِنْ حَالَ جِدَارٌ أَوْ، فيه، بَابٌ مُغْلَقٌ مَنَعَ، لعدم الاتصال، وَكَذَا الْبَابُ الْمَردُودُ وَالشُّبَّاكُ فِي الأَصَحِّ، لحصول الحائل من وجه، وجانب المنع أَوْلى بالتغليب، والثاني:
لا يمنعان لحصول الاتصال من وجه.
قُلْتُ: يُكْرَهُ ارْتِفَاعُ الْمَأْمُومِ عَلَى إِمَامِهِ؛ وَعَكْسُهُ، أما الثاني: فللنهي عنه كما أخرجهُ أبو داود والحاكم 56، وأما الأول: فيوخذ من باب أَوْلى، إِلَّا لِحَاجَةٍ فَيُسْتَحَبُّ؛ ، أي كتعليم المأمومين أفعال الصلاة، فإنه يستحب أن يقف على موضع عال كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث سهل بن سعد فِي الصحيحين 57، وكارتفاع المأموم لأجل تبيلغه تكبيرات انتقالات إمامه ليحصل هذا المقصود.
الجزء: 1 - الصفحة: 331
وَلاَ يَقُومُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الإِقَامَةِ، أي وإن كان شيخاً؛ لأن الإقامة بجملتها إعلام، وإنما يثبت حكمها في الإجابة إلى المدعو بعد التمام؛ لأنه قبل التمام مشغول بالإجابة.
وَلاَ يَبْتَدِئُ نَفْلاً بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، أي تحية كانت أو غيرها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا
أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ] رواه مسلم 58، وفي معنى الشروع قرب إقامتها، فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَتَمَّهُ إِنْ لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لإمكان إحراز الفضيلتين فلا يفوِّتُ إحداهما، أما لو خشي فوتها، أقتصر على ما أمكن منها، ليدرك فضيلة الجماعة، فإنها صفة فرض، أو فرض على رأيٍ، فكانت أَوْلى من النفل، وظاهر كلام المصنف أنه متى أمكنه إدراك تكبيره قبل سلامه أتَمَّ النافلة،
وبه صَرَّحَ الشيخ أبو حامد وآخرون.
فَصْلٌ: شَرْطُ الْقُدْوَةِ: أَنْ يَنْوِيَ الْمَأْمُومُ مَعَ التَّكْبِيرِ الإِقْتِدَاءَ أَوِ الْجَمَاعَةَ، أي أو الإتمام؛ لأن التبعية عمل فافتقرت إلى النية للحديث الصحيح 59، واقترانها بالنية كسائر ما ينويه من صفات الصلاة، وسيأتي فيما إذا أحرم منفرداً ثم نوى القدوة في خلال صلاته، إن الأظهر الجواز، فعلم من هذا، أن نية الاقتداء لا تجب مع التكبير، إلاّ فيما إذا أحرمَ لأدراك جماعة من أول الصلاة.
وَالْجُمُعَةُ كَغَيْرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، أي في وجوب النية المذكورة لتعلق صلاته بصلاة الإمام، والثاني: لا، لأنها لا تصح إلاّ بجماعة فلم يحتج إليها وهو قوي، فَلَوْ تَرَكَ هَذِهِ النِّيَّةَ وَتاَبَعَهُ فِي الأَفْعَالِ بَطَلَتْ صَلاَتَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه ارتبط بمن ليس
الجزء: 1 - الصفحة: 332
بإمام، فأشبه الارتباط بغير المصلي، والثاني: لا، لأنه أتى بالأركان على وجهها، نعم هو منفرد، وهذا كله إذا انتظر أفعاله وطال انتظاره، فإن كان يسيراً فلا يبطل قطعاً، وكذا إذا اتفق انقضاء فعله مع انقضاء فعله، وهذا يخرج بقوله تابع.
وَلاَ يَجِبُ تَعْيِينَ الإِمَامِ، أي بل تكفي نية الاقتداء بالحاضر، لأن مقصود الجماعة لا يختلف بذلك، فَإِنْ عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ، أي بأن نوى الاقتداء بزيد فبان عمرواً، بَطَلَتْ، لأنه ربط، صَلاَتَهُ، بمن لم ينوِ بالائتمام به فإن انضم إلى ذلك الإشارة فالأرجح من زوائد الروضة الصحة.
وَلاَ يُشْتَرَطُ لِلإِمَامِ نِيَّةُ الإِمَامَةِ، لأنه مستقل بنفسه بخلاف المأموم فإنه تابع، بَلْ تُسْتَحَبُّ، خروجاً من خلاف أحمد فإنه يوجبها في رواية ليحصل له ثوابُ الجماعة.
فَرْعٌ: إذا نواها في أثناء الصلاة نال ثواب الإمامة من حين النية، ذكره العجلي.
فَإِنْ أَخْطَأَ، أي الإمام، فِي تعْيِينِ تَابِعِهِ، أي بأن نوى الإمامة بزيد فبان عمرواً، لَمْ يَضُرَّ، لأن خطأه لا يزيد على تركها، وَتَصِحُّ قُدْوَةُ الْمُؤَدَّي بِالْقَاضِي، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَفِي الظُّهْرِ بِالْعَصْرِ وَبِالعُكُوسِ، أي ولا يضر اختلاف النيات، وقد اجتمعت الصحابة على صحة الفرض خلف النفل كما حكاه الماوردي 60، وَكَذَا
الجزء: 1 - الصفحة: 333
الظُّهْرُ بِالصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ وَهُوَ كَالْمَسْبُوقِ، أي فإذا سَلَّمَ الإمام، قام وأتَمَّ صلاته، وَلاَ تَضُرُّ مُتَابَعَةُ الإِمَامِ فِي الْقُنُوتِ وَالْجُلُوسِ الأَخِيرِ فِي الْمَغْرِبِ، كالمسبوق، وَلَهُ فِرَاقُهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِهِمَا، أي وإن كان الاستمرار أفضل.
وَيَجُوزُ الصُّبْحُ خَلْفَ الظُّهْرِ فِي الأَظْهَرِ، كعكسه، والثاني: لا؛ لأنه يدخل في الصلاة بِنَّيةِ مُفارقةِ الإمام، وللأوَّلِ أن يجيب بأنها مفارقة بعذر، وقطع أهل العراق بالأول وصححها في الروضة تبعاً للرافعي وضعف طريقة القولين، فَإِذَا قَامَ لِلثَّالِثَةِ فَإِنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَسَلَّمَ، لأنه مفارق بعذر، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ لِيُسَلَّمَ مَعَهُ.
قُلْتُ: انْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأن في المفارقة قطع القدوة وسيأتي الخلاف في
جوازها، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْقُنُوتُ فِي الثَّانِيَةِ، أي بأن وقف الإمام يسيراً، قَنَتَ وَإِلاَّ تَرَكَهُ، أي ولا شيء عليه لمتابعة الإمام، وَلَهُ فِرَاقُهُ لِيَقْنُتَ، أى وهو كقطع القدوة لعذر فتركه أفضل، فإن لم ينوِ المفارقة وَهَوَى إِمَامُهُ إلى السجود وقنت هو، بطلت صلاته للمخالفة، كما لو ترك التشهد فقعد هو لأجله؛ كذا رأيته في فتاوى القفال.
فَإِنِ اخْتَلَفَ فِعْلُهُمَا كَمَكْتُوبَةٍ وَكُسُوفٍ أَوْ جَنَازَةِ لَمْ يَصِحَّ، أى الاقتداء والحالة هذه، عَلَى الصَّحِيحِ، لتعذر المتابعة مع المخالفة في الأفعال، والثاني: يصح لأمكانها في البعض، ويراعى ترتيب نفسه، وإذا خالف إن شاء انتظر وإن شاء فارق ولا يتابعه.
فَصْلٌ: تَجِبُ مُتَابَعَةُ الإِمَامِ فِي أَفْعَالِ الصَّلاَةِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ تُبَادِرُواْ الإِمَامَ،
إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُواْ وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُواْ]، رواه مسلم 61، بِأَنْ يَتَأَخْرَ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ عَنِ للحافظ عمر بن شاهين: ص 250، طبعة مكتبة المنار.
• وقال ابن حجر: عن جابر في حديث الباب زاد: [هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ فَرِيْضَةٌ] وهو حديث صحيح رجاله رجال الصحيح: ينظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: شرح الحديث: ج 2 ص 249. وفيه فصل في حسم القول في الحديث.
الجزء: 1 - الصفحة: 334
ابْتِدَائِهِ وَيَتَقَدَّمَ عَلَى فَرَاغِهِ مِنْهُ، ظاهر هذا أنه أراد بيان المتابعة الواجبة لكنه ذكر بعد ذلك، فَإِنْ قَارَنَهُ لَمْ يَضُرَّ إِلَّا تَكْبِيرَةَ إِحْرَامٍ، وظاهره أنه أراد المستحبة لا الواجبة، واحترز بالأفعال عن الأقوال، وسيذكرها بعد، وقال في شرح المهذب: إنه يتابعه في الأقوال، فيتأخر ابتداؤه عن أول ابتداء الإمام، إلاّ في التأمين فيستحب المفارفة، فإن قارنه لم يضر، أي لكن يُكره وتفوت به فضيلة الجماعة، لأنه مأمور بالمتابعة لا المفارقة إلاّ تكبيرة الإحرام، أي فإنه يضر مقارنة المأموم الإمام فيها للحديث السالف 62، وفيه وجه حكاه الحناطي في فتاويه ومنها نقلته وعزاه إلى فتاوى القفال، وقوله (قَارَنَهُ) هو الصواب خلاف قول الْمُحَرَّرِ ساوقه، لأن الْمُسَاوَقَةَ في اللغة: مَجِيْءُ وَاحِدٍ بَعْدَ آخَرٍ، وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ، بلا عذر كما قيده في الروضة إِذَا كَبَّرَ فَكَبَّرُواْ؛ وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُواْ: آمِيْن.
وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُواْ.
وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فقُولُواْ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ]، رواه مسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير وغيره: الحديث (87/ 415).
الجزء: 1 - الصفحة: 335
تبعاً للرافعي، بِأَنْ فَرَغَ الإِمَامُ مِنْهُ وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُ لَمْ تَبْطُلْ فِي الأَصَحَّ، لأنه مخالفة يسيرة، والثاني: تبطل، وعلَّلَهُ الرافعي بالمخالفة، أَوْ بِرُكْنَينِ بِأَنْ فَرَغَ، الإمام، مِنْهُمَا وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُمَا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، أي بأن ركع الإمام وهو في قراءة السورة فاشتغل بإتمامها، بَطَلَتْ، لكثرة المخالفة، وَإِنْ كَانَ بِأَنْ أَسْرَعَ، أي الإمام، قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ قَبْلَ إِتْمَامِ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ فَقِيلَ يَتْبَعُهُ وَتَسْقُطُ الْبَقِيَّةُ، أي حتى لو اشتغل بإتمامها كان مشتغلاً بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالصَّحيِحُ يُتِمُّهَا وَيَسْعَى خَلْفَهُ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أرْكَانِ مَقْصُودَةٍ، وَهِيَ الطَّوِيلَةُ، احترز بالطويلة عن القصيرة كالاعتدال والجلوس بين السجدتين على ما قدمته في بابه وما سواهما طويل، والطويل مقصود في نفسهِ، وكذا القصير على الأصح في الشرح الصغير، ونقله في أصل الروضة عن الأكثرين، والثاني: لا، لأن الغرضَ منه الفصل فهو تابع لغيره، وبه جزم المصنف تبعاَ لِلْمُحَرَّرِ إذا علمت ذلك، فإذا ركع الإمام وأدركه المأموم فيه، فليس متخلفاً بركن فلا تبطل صلاته قطعاً، فلو اعتدل الإمام والمأموم بعد في القيام ففى بطلان صلاته وجهان، أصحهما من زوائد الروضة: لا، فإن هوى إلى السجود بطلت على المذهب في التحقيق، فإن سجد بطلت قطعاً كما قاله الرافعي، نعم يجئ فيه وجه، إذا قلنا أن السجدتين ركنٌ واحد، فَإِنْ سُبِقَ بِأَكْثَرَ، أي من ثلاثة أركان مقصودة، فَقِيلَ يُفَارِقُهُ، لعذر المواففة، وَالأَصَحُّ يَتْبَعُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يَتَدَارَكُ، بَعْدَ سَلاَمِ
الإِمَامِ، كالمسبوق.
وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ الْفَاتِحَةَ لِشَغْلِهِ بِدُعَاءِ الإِفْتِتَاحِ فَمَعْذُورٌ، كما في بطئ القراءة، وفي فتاوى القفال إجراء الأوجه الثلاثة الآتية في المسبوق فيه، فقيل له: هنا أدرك محل البناء بخلاف المسبوق، فقال: وإن كان كذلك إلاّ أنه ليس بفرض، قال: وعندي أنه لا فرقَ بين الركعة الأُوْلى والثانية، إذ لا فرق بين مَنْ أحرم مع الإمام وبين مَنْ أحرم بعده، وفيما ذكره نظر، هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُوَافِقِ، فَاَمَّا مَسْبُوقٌ رَكَعَ الإِمَامُ فِي فَاتِحَتِهِ، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالاِفْتِتَاحِ وَالتَّعَوِّذِ تَرَكَ قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ وَهُوَ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، لأنه لم يدرك إلاّ ما يقرأ فيه بعض الفاتحة فلا يلزمه فوق ذلك، كما
الجزء: 1 - الصفحة: 336
أنه إذا لم يدرك شيئاً من القيام لا يلزمه شيء من الفاتحة، وَإِلاَّ، أي وإن اشتغل بالافتتاح والتعوذ، لَزِمَهُ قِرَاءَةٌ بِقَدْرِهِ، لتقصيره بالعدول من فريضة إلى غيرها، والثاني: أنه يُتم الفاتحة لأنه أدركَ القيام الذي هو محلها، والثالث: أنه يسقط عنه ما بقي من الفاتحة ويركع معه، وصححه الفارقي وأفسد ما صححه المصنف، قال: وتتصور المسألة إذا غلب على ظن المأموم أنه يدرك الإمام راكعاً أو رافعاً، فأما إذا
غلب على ظنه أنه لا يدركه إلاّ ساجداً فلا خلف أنه يشتغل بمتابعته ولا يقرأ.
فَرْعٌ: إذا قلنا بالأصح فتخلف ليتم الفاتحة كان تخلفاً بعذر، كما جزم به في الروضة تبعاً للرافعي.
فإن رفعَ الإمامُ رأسهُ من الركوع قبل ركوعه؛ فاتته الركعة!
كما صرح به الغزالي في وسيطه تبعاً للإمام، وكذا تفوته أيضاً إذا قلنا بالوجه الثالث، أما إذا قلنا بالوجه الثانى؛ فلا، وإن لم يلحق الإمام إلاّ بعد ثلاثة أركان كما صرح به ابن الصلاح في مشكله وعلله بعذره وعدم تقصيره، وقال: إنه من المعلوم المسطور.
فَرْعٌ: المنتظر سكتة الإمام ليقرأ فيها ثم ركع الإمام عقب فاتحته، فيه نظر للفطن لا يخفى.
وَلاَ يَشْتَغِلُ الْمَسْبُوقُ بِسُنَّةِ بَعْدَ التَّحَرُّمِ بِلْ بِالْفَاتِحَةِ، أى ويخففها، لأن الاهتمام بشأن الفرض أَوْلى، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ إِدْرَاكَهَا، حِيَازَةً لِفَضِيْلَةِ السُّنَّةِ، وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ فِي رُكُوعِهِ أَنَّهُ ترَكَ الْفَاتِحَةَ أَوْ شَكَّ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا، لفوات محل القراءة، بَلْ يُصَلِّي رَكْعَةَ بَعْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ، فَلَوْ عَلِمَ أَوْ شَكَّ، أي تركها، وَقَدْ رَكَعَ الإِمَامُ وَلَمْ يَرْكَعْ هُوَ قَرَأَهَا، لبقاء محلها، وَهُوَ مُتَخَلِّفٌ بِعُذْوٍ، كما ذكرناه، وَقِيلَ: يَرْكَعُ وَيَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ، لأَجْلِ المتابعة، وَلَوْ سَبَقَ إِمَامَهُ بالتَّحَرُّمِ لَمْ تَنْعَقِدْ، لما سبق فيما إذا قارنه فيه، أَوْ بِالْفَاتِحَةِ أَوِ التَّشَهُّدِ لَمْ يَضُرَّهُ وَيُجْزِئُهُ، لأنه لا تظهر به المخالفة، وَقِيلَ: تَجِبُ إِعَادَتُهُ، أي مع قراءة الإمام أو بعدها.
وَلَوْ تَقَدَّمَ بِفِعْلٍ كَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ إِنْ كَانَ بِرُكْنَيْنِ بَطَلَتْ، أي إذا كان عامداً
الجزء: 1 - الصفحة: 337
عالماً بالتحريم لفحش المخالفة، وَاِلاَّ فَلاَ، أي وإن كان التقدم بركن فلا تبطل، لأنها مخالفة يسيرة مع كونه مرتكب الحرام، فيندبُ العود إن كان عامداً، أو يُخَيَّرُ بينَه وبين الدوام إن كان ساهياً، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِرُكْنٍ، أي عند العمد، سواء أتَمَّ أم لم يُتم، لأن التقدم يناقض الاقتداء بخلاف التخلف.
فَائِدَةٌ: سُئِلَ الحناطيُّ عن رجل أحرم بالقوم ثم أعاد التكبير خفية لنفسه بِنِيَّةِ الْفَائِتَةِ، ولم يشعر القوم بذلك بعد أن كبروا، فقال: تصح صلاة المأمومين في أصح الوجهين 63.
فَصْلٌ: خَرَجَ الإِمَامُ مِنْ صَلاَتِهِ، أي بحدث وغيره، انْقَطَعَتِ الْقُدْوَةُ، لزوال الرابطة، ورأيت في فتاوى القفال، أن كل موضع بطلت صلاة الإمام خرج المأموم من صلاته وإن لم ينوِ مفارقته، وكل موضع خرج من إمامته لم تبطل، كما إذا تغير اجتهادُه في القبلة فلا بد من نية المفارقة، وكما لو اقتدى الإمام بآخر، وجوزناه، هذا لفظه والأول لا يُسَلِّم له، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَقَطَعَهَا الْمأْمُومُ جَازَ، أي مع الكراهة
الجزء: 1 - الصفحة: 338
لأن الجماعة سُنَّةٌ والتطوعات لا تلزم بالشروع، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ إِلَّا بعُذْرٍ يُرَخَّصُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، لأن فيه إبطالاً للجماعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ 64، وأما في العذر فجائز قطعاً، لأن الفرقة الأولى فارقت النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة ذات الرقاع بعدما صلَّى بهم ركعة 65.
وَمِنَ العُذْرِ تَطْوِيلُ الإِمَامِ، أى والمأموم لا يصبر لضعف أو شغل 66، أَوْ تَرْكُهُ سُنَّةً مَقْصُودَةً كَتَشَهُّدٍ، أي وقنوت، ومن الأعذار ما إذا رأى على ثوب إمامه نجاسة كما قاله القفال في فتاويه.
وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِداً ثُمَّ نَوَى الْقُدْوَةَ فِي خِلاَلِ صَلاَتَهِ جَازَ فِي الأَظْهَرِ، أي كما يجوز أن يصلى منفرداً ثم يقتدي به جماعة، نعم يكره، والثاني: لا؛ لأنَّ تحريمه سبق تحريم الإمام فلم يجز كما لو حضر معه من أول صلاته فكبَّر قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى، أى لا يشترط على الجواز الاتفاق في الركعة، بل لو اختلفا وَكَانَ
الجزء: 1 - الصفحة: 339
الإِمام في ركعة والمأموم في أخرى متقدماً أو متأخراً جاز، ثُمَّ يَتْبَعُهُ قَائِماً كَانَ أَوْ قَاعِداً، أي عند الاختلاف فيقوم في موضع قيامه ويقعد في موضع قعوده، فَإِنْ فَرَغَ الإِمَامُ أَوَّلاً فَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، أى فيقوم ويتم صلاته، أَوْ هُوَ، متقدم، فَإِنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ، لأن المفارقة بالعذر، والانتظار به جائزان، نعم؛ لا يتابعه؛ فإن تابعه بطلت صلاته، وأمّا الأفضل من هذين الأمرين لم يذكره الرافعي هنا، والظاهر أنه ما سلف يأتى فيه، نعم في ابن يونس وجه أن يسلّم ولا ينتظر.
وَمَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ فَأَوَّلُ صَلاَتِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّواْ وَمَا فَاتَكُمْ
فَأَتِمُّواْ]، متفق عليه 67، وإتمام الشيء لا يكون إلا بعد أوله، ورواية القضاء المرادُ بها الأَدَاءُ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ 68، فَيُعِيدُ فِي الْبَاقِي الْقُنُوتَ، لأن محل القنوت آخر الصلاة وفي الإعادة إشعار بأنه يستحب أن يقنت معه، وهو كذلك على المشهور، وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْمَغْرِبِ تَشَهَّدَ فِي ثَانِيَتِهِ، لأنه محل التشهُّدِ الأوَّل، وهذا إحماع مناف من المخالف، وهو حجة لنا على أن ما يدركه أول صلاته، وَإِنْ اَدْرَكَهُ رَاكِعاً، أي ركوعاً محسوباً للإمام، أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، لقوله
- صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يُقِيْمَ الإِمَامُ صُلْبَهُ] صححه ابن حبان في غير صحيحه 69.
الجزء: 1 - الصفحة: 340
قُلْتُ: بِشَرْطِ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ، وَالله أَعْلَمُ، للحديث المذكور، فإن لم يكن الركوع محسوبًا فقد ذكره المصنف في الجمعة وسيأتي، ويستثنى الركوع الثاني في صلاة الكسوف كما ذكره في بابه.
وَلَوْ شَكَّ فِي إِدْرَاكِ حَدِّ الإِجْزَاءِ، أي المذكور، لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ فِي الأَظْهَرِ، مثار الخلاف تقابل الأصلين، وهما بقاؤه في الركوع وعدم الإدراك، وأختلف كلام المصنف في ايراد هذا الخلاف، فصحح هنا طريقة القولين، وصحح في الروضة طريقة الوجهين، وصحح في شرح المهذب طريقة جازمه بالإدراك والله أعلم.
وَيُكَبِّرُ، أي المسبوق المدرك في الركوع، لِلإِحْرَامِ، أي قائمًا، ثُمَّ لِلرُّكُوعِ, لأنه محسوب له، فَإِنْ نَوَاهُمَا بِتَكْبِيرَةٍ لَمْ تَنْعَقِدْ، للتشريك، وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ نَفْلًا، كما لو أخرج خمسة دراهم ونوى بها الزكاة والتطوع، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا شَيْئًا لَمْ تَنْعَقِدْ عَلَى الصَّحِيحِ، مثار الخلاف تعارض قريني البداءة والهوى، ولا يخفى أنَّه إذا نوى بهذه التكبيرة التحرم فقط؛ أنها تنعقد؛ أو الهوي فقط فلا.
وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي اعْتِدَالِهِ فَمَا بَعْدَهُ انْتَقَلَ مَعَهُ مُكبِّرًا، أي وإن لم يكن محسوبًا له موافقةً لإِمَامِهِ، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ يُوَافِقُهُ فِي التَّشَهُّدِ وَالتَّسْبِيحَاِت، لذلك أَيضًا، والثاني: لا, لأنه ليس موضعه في حقه، وجزم الماوردي: بأنه يلزمه أن يتشهد معه؛ لأنه بالإحرام لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ، وأَنَّ مَنْ أدْرَكَهُ فِي سَجْدَةٍ، أي أُوْلى أو ثانية، لَمْ يُكَبِّرْ لِلإِنْتِقَالِ، إليها؛ لأنه غير محسوب له، ولا موافقة للإمام في انتقاله إليها بخلاف الركوع، نعم يُكَبِّرُ بعد ذلك إذا انتقل مع الإمام من السجود أو غيره موافقة للإمام، منه: ج 1 ص 346 - 347. وإسناده ضعيف.
قال محمَّد شمس الحق في التعليق المغني: فيه يحيى بن حميد عن قرة بن عبد الرَّحْمَن.
يحيى بن حميد، قال البُخَارِيّ: لا يتابع في حديثه، وضعفه الدارقطني.
قرة بن عبد الرَّحْمَن أخرج له مسلم في الشواهد، وقال الجوزجاني: سمعت أَحْمد يقول: منكر الحديث جدًا، وقال: يحيى ضعيف الحديث.
الجزء: 1 - الصفحة: 341
والثاني: يُكبِّر كما في الركوع وقد تقدم الفرق، وقال القفال في فتاويه: يُكبِّر إذا أدركه في السجدة الأُولى دون الثانيةِ وهو غير ظاهر، وَإِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ قَامَ الْمَسْبُوقُ مُكَبِّرًا إِنْ كَانَ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ، أي بأن أدركه في ثالثةِ الرُّبَاعِيَّةِ أوْ ثَانِيَةِ الْمَغْرِبِ، فإنَّه لو كان وحده لكان هكذا يفعل، وَإِلَّا، أي وإن أدركه في آخر الرباعية أو ثالثة المغرب، فَلَا فِي الأَصَحِّ, لأنه ليس موضع تكبيره وليس فيه موافقة للإمام، والثاني: يقوم مكبرًا؛ لأنه انتقال.
خَاتِمَةٌ لِلْبَابِ: في فتاوى الحناطي: أَنَّ الإِمَامَ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْمَسْجِدِ أَيَّامًا بِغَيْرِ عُذْرٍ وَصَلَّى الْقَوْمُ فُرَادَى يُعَاتَبُ (•) عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ مُسِيْئًا لا مَأْثُوْمًا.
بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يَلْحَقُ الصَّلَاةَ مِنَ التَّخْفِيْفِ بالْقَصْرِ والجمع، وَالْمُهِمُّ مِنْهُمَا الْقَصْرُ، فَلِذَلِكَ بَدَأَ بِهِ.
وَالأَصْلُ فِيْهِ قَبْلَ الإِجْمَاعِ مِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ... ﴾ الآية 70 فَأبَاحَهُ الله فِي السَّفَرِ بِشَرْطِ الْخَوْفِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَثَبَتَ فِي السُّنَّةِ جَوَازُهُ عِنْدَ الأَمْنِ مِنْ حَدِيْثِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ (644). (•) في النسخة (3): يُعَاقَبُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 342
إِنَّمَا تُقْصَرُ رُبَاعِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ الْمُبَاحِ، هذه القيود سنذكر شرحها بعد، ولم يذكر ما احترز عنه بالرباعية وهو احتراز من الثنائية والثلاثية، والإجماع قائم على عدم جواز قصرهما كما نقله الرافعي وغيره، نعم في طبقات العبادي عن محمَّد ابن نصر المروزي أنَّه يجوز قصر الصبح في الخوف إلى ركعة وفيه حديث في صحيح مسلم 71، لاَ فَائِتَةُ الْحَضَرِ، أي إذا قضاها في السفر بالإجماع،
كما حكاه ابن المنذر، نعم وفيه وجه حكاه الماوردي، ولو سافر في آخر الوقت وبقي ركعة قصّرَ بناءً على أن الكل أداء، وَلَوْ قَضَى فَائِتَةَ السَّفَرِ؛ فَالأَظْهَرُ قَصْرُهُ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ، نظرًا إلى قيام الْعُذْرِ المرخص، والثاني: يُتِمُّ فيهما، والثالث: يَقْصُرُ فيهما.
وَمَنْ سَافَرَ مِنْ بَلْدَةٍ؛ فَأَوَّلُ سَفَرِهِ مُجَاوَزَةُ سُورِهَا، أي الخاصُّ بها، لأَنَّ ما في داخل السور معدود من نفس البلدة محسوب من موضع الإقامة، فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ عِمَارَةٌ، أى متلاصقة، اشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا فِي الأَصَحِّ, لأنها من مواضع الإقامة المعدودة من توابع البلد ومضافاتها فلها حكمهُ، قُلْتُ: الأَصَحُّ لاَ يُشْتَرَطُ وَاللهُ أَعْلَمُ؛ لأن تلك الأبنية لا تُعَدُّ من البلد، ألا ترى أنَّه يقالُ مدرسة كذا خارج البلد، = باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء: الحديث (350)، وفي كتاب تقصير الصلاة: باب يقصر إذا خرج من موضعه: الحديث (1090). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (1 و 2 و 3/ 685). وفي لفظ عند البُخَارِيّ في الصحيح: [فَرَضَ اللهُ الصَّلاَةَ حِيْنَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيْدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ]: الحديث (350). والنسائي في السنن: باب كيف فرضت الصلاة: ج 1 ص 225.
الجزء: 1 - الصفحة: 343
لكنه وافق الرافعي في الصوم على اعتبار العمران فيما إذا نوى المقيم ليلًا ثم سافر وفارق العمران قبل الفجر فإنَّه يفطر وإلاّ فلا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُورٌ فَأَوَّلُهُ مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانَ، ليفارق مواضع الإقامة، لاَ الْخَرَابِ؛ لأنه ليس موضع إقامة كذا أطلقه هنا، وصحح في شرح المهذب فيما إذا كان حيطان الخراب قائمة أنَّه لا بد من مجاوزته، لأنه يعد من البلد، ومحل الخلاف ما إذا لم يكن وراء الخراب عمارة معدودة من البلد، فإن كانت فهو من البلد فتجب مجاوزة منتهى العمارة، وَالْبَسَاتِينِ، أي ولو
كانت متصلة بالبلدة محوطة بها؛ لأنها ليست للإقامة والسكنى، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكون فيها قصور ودور تسكن في جميع السَّنة أو بعض فصولها، فلا بد من مجاوزتها حينئذ قاله الرافعي، وقال في شرح المهذب: الظاهر أنَّه لا يشترط, لأنها ليست من البلد فلا تصير منه بإقامة بعض النَّاس فيها بعض الفصول، ولا يشترط مجاوزة بعض المزارع أَيضًا، صرح به في الْمُحَرَّرِ وأهملهُ المصنف، وَالْقَرْيَةُ كَبَلْدَةٍ، أي في جميع ما ذكر.
وَأَوَّلُ سَفَرِ سَاكِنِ الْخَيَامِ مُجَاوَزَةُ الْحِلَّةِ, لأنها كدور البلد فلا بدّ مع ذلك من مجاوزة مرافقها، وَإِذَا رَجَعَ، أي المسافر إلى وطنه، اِنْتَهَى سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ مَا شَرَطَ مُجَاوَزَتَهُ ابْتِدَاءً، أي فينقطع التَّرَخُّصُ بمجرد ذلك، وَلَوْ نَوَى، أي من هو مستقل بنفسه، إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أي بلياليها، بِمَوْضِعٍ انْقَطَعَ سَفَرَهُ بِوُصُولِهِ، أي سواء كان مقصدُه أو في طريقه, لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض؛
والعازم على المقام غير ضارب في الأرض، والسُّنَّةُ بَيَّنَتْ أن إقامة ما دون الأربع غير يومي الدخول والخروج لا يمنع القصر، أما من لا يستقل بنفسه كالعبد ينوي ذلك أو الزوجة أو الجيش ولم ينو السيد ولا الزوج ولا الأمير ففي لزوم الإتمام في حقهم وجهان، الأقوى من زوائد الروضة أن لهم القصر, لأنهم لا يستقلون، فَنِيَّتُهُمْ كالعدم، وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمَا دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأنه فيهما مشغول بتعب الحط والترحال، وهما من أشغال السفر، قال في شرح المهذب: وبهذا قطع
الجمهورُ، وجعله في الروضة وجهًا قويًا وهو خلاف ما في الكتاب، والثاني: يحسبان كما يحسب من مدة المسح يوما الحدث ونزع الخف.
الجزء: 1 - الصفحة: 344
تَنْبِيْهٌ: نية الإقامة مطلقًا أو المدَّة المذكورة، لا فرق فيه بين أن يكون الموضعُ صالحًا للإقامةِ أوْ لا! كالمفازة على الأظهر، ثم مَحِلُّ الخلاف إذا نوى الإقامة وهو ماكث، أما إذا نواها وهو سائر، فلا يصر مقيمًا بلا خلاف، كما ادعاه في شرح المهذب، لكن في التهذيب للبغوي خلافه فاستفده 72. وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ بِنِيَّةِ أَنْ يَرْحَلَ إِذَا حَصَلَتْ حَاجَةٌ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ قَصَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا, لأنه - صلى الله عليه وسلم - أقامها بمكة يقصر الصلاة، رواه أبو داود ولم يضعفه، لكن في البُخَارِيّ تسعة عشر، قال البيهقي: وهي أصح الروايات فينبغي أن يُفتى بها 73،
الجزء: 1 - الصفحة: 345
وَقِيلَ: أَرْبَعَةً، أي لأن نفس الإقامة أبلغ من نيتها، وإذا امتنع القصر بِنِيَّةِ إقامة الأربع فصاعدًا فالامتناع بإقامتها أَوْلى، وحكاه في الروضة تبعًا للرافعي قولًا، وَفِي قَوْلٍ أَبَدًا, لأن الظاهر أنَّه لو زادت الحاجة لدام الرسول - صلى الله عليه وسلم - على القصر، وفي البيهقي بأسانيد جيدة عن عدة من الصَّحَابَة ما يدل له 74.
الجزء: 1 - الصفحة: 346
وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي خَائِفِ الْقِتَالِ لاَ التَّاجِرِ وَنَحْوِهِ، أي فإنَّه لا يقصر لذلك، والفرق بين المحارب وغيره أن للحرب أثرًا في تغيير صفة الصلاة، وهذا ليس وجهًا على اصطلاحه بل طريقة، وَلَوْ عَلِمَ، أي المحارب وغيره، بَقَاءَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَلَا قَصْرَ عَلَى الْمَذْهَبِ, لأنه مطمئنٌ ساكنٌ بعيدٌ عن هيئة المسافرين، وقيل: يجرى فيه الخلاف كغيره (•).
فَصْلٌ: طَوِيلُ السَّفَرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً، قال الليث: هو الذي عليه النَّاس، واستحب الشَّافعيّ - رضي الله عنه - أن لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام للخروج من خلاف أبي حنيفة في ضبطه، ويعتبر القدر المذكور هنا ذهابًا وهو تحديد على الأصح، وقيل: تقريب، واحترز بِالْهَاشِمِيَّةِ عَنِ الأَمَوِيَّةِ فإنَّها أكثر، وبها حدد الشَّافعيّ في القديم فقال أربعون ميلًا يريد أُمَوِيَّةً.
قُلْتُ: وَهُوَ مَرْحَلَتَانِ بِسَيْرِ الأَثْقَالِ، أي ودبيب الأَقْدَامِ، وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ، أي في اعتبار المسافة، فَلَوْ قَطَعَ الأَمْيَالَ فِيهِ فِي سَاعَةٍ، أي لسرعة السير بالهواء، قَصَرَ، وَالله أَعْلَمُ, لأنها مسافةٌ صالحةٌ للقصر فلا يؤثر قطعها في زمنٍ يَسِيْرٍ كما لو قطعها في البر على فرس جوادٍ في بعض يوم.
وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَوَّلًا، فَلَا قَصْرَ لِلْهَائِمِ وَإِنْ طَالَ تَرَدُّدُهُ, لأن كون السفر طويلًا لا بد منه، وهذا لا يدرى أن سفرَهُ طويلٌ أَمْ لاَ؟ ومن هذا تؤخذ مسألة الأسير إذا لم يعلم أين يذهبون به فإنَّه يقصر إذا سار معهم مرحلتين، وقد نقله في الروضة عن النص، وَلَا طَالِبِ غَرِيمٍ وَآبِقٍ يَرْجِعُ مَتَى وَجَدَهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ، أي وإن طال سفره كما ذكرنا في الهائم، وَلَوْ كَانَ لِمَقْصِدِهِ، أى بكسر = مِنْهُمْ): الأثر (5582).
• ثُمَّ قْلْتُ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثُمَّ أَجْمَعَ أَهُلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سِنُونَ.
ينظر: الجامع الصحيح: أبواب الصلاة: باب ما جاء في كَمْ تقصرُ الصلاةُ؛ تعليقان للترمذي على الحديث (548): ج 3 ص 434.
(•) في هامش نسحة (3): بلغ مقابلة على نسخة قُرِيَتْ على المصنِّفِ وعليها خطُّهُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 347
الصاد، طَرِيقَانِ: طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ، فَسَلَكَ الطَّوِيلَ لِغَرَضٍ كَسُهُولَةٍ أَوْ أَمْنٍ، قَصَرَ وَإِلاّ، أي لم يكن له غرض سوى القصر، فَلَا فِي الأَظْهَرِ، لأَنَّهُ طوَّلَ الطريق على نفسه من غير غرض، والثاني: يَقْصُرُ كما في سائر الأَسْفَارِ الطويلة وصححه الماوردي، ونظيرر هذا الخلاف ما إذا سَلَكَ الْجُنُبُ في خروجهِ من المسجد الطريق الأبعد من غير غرض، والأصح في الروضة: أنَّه لا كراهة ولا خلاف في أنَّه إذا سلك الْقَصِيرَ لا يقصر.
وَلَوْ تَبِعَ الْعَبْدُ أَوِ الزَّوْجَةُ أَوِ الْجُنْدِيُّ مَالِكَ أَمِرِهِ فِي السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُ، أي كل واحد منهم، مَقْصِدَهُ، أى بكسر الصاد، فَلَا قَصْرَ، لفقد الشرط وهو تحقق السفر الطَّويل؛ كذا قاله البغوي والرافعي، وهو ظاهر فيما لم يجاوزوا مرحلتين، فإن جاوزوهما قصروا وإن لم يعرفوا المقصِدَ، فَلَوْ نَوَواْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، قَصَرَ الْجُنْدِيُّ دُونَهُمَا, لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره، كذا علله الرافعي وهو ظاهر في المتطوع
دون المثبت في الديوان، واحترز بقوله (وَلَا يَعْرِفُ مَقْصِدَهُ) عما إذا عرف؛ فإنهم يترخصون.
وَمَنْ قَصَدَ سَفَرًا طَوِيلًا فَسَارَ ثُمَّ نَوَى رُجُوعًا انْقَطَعَ، أي فلا يترخص بشيء قطعًا، فَإِنْ سَارَ فَسَفَرٌ جَدِيدٌ، أي فلا يجوز القصر إلاّ أن يقصد مرحلتين، وَلَا يَتَرَخَّصُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَآبِقٍ وَنَاشِزَةٍ؛ لأن الْقَصْرَ رُخْصَة شُرعت إعانةَ للمسافر على مقصدهِ، والعاصي لا يُعان، فلم يكن مرادًا بعموم الآية.
فَلَوْ أَنْشَأَ مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةً فَلَا تَرَخُّصَ فِي الأَصَحِّ، كما لو أنشأ السفر بهذه النية، والثاني: يرخص له مراعاة للابتداء، ومحل الخلاف ما إذا استمر القصد، فإن تاب ترخص قطعًا، ذكره الرافعي في اللُّقَطَةِ، وَلَوْ أَنْشَأَهُ عَاصِيًا ثُمَّ تَابَ فَمُنْشِئٌ السَّفَرِ مِنْ حِينِ التَّوْبةِ، أي فإن كان منه إلى مقصده مسافة القصر 75؛
الجزء: 1 - الصفحة: 348
قصر وإلاّ فلا، وَلَوِ اقْتَدَى بِمُتِمٍّ لَحْظَةً لَزِمَهُ الإِتْمَامُ, لأن ذلك سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ كما أخرجه مسلم وأَحمد 76، وقوله (بِمُتِمِّ) شمل المقيم والمسافر إذا نوى الإتمام.
وَلَوْ رَعَفَ الإِمَامُ الْمُسَافِرُ؛ وَاسْتَخْلَفَ مُتِمًّا أَتَمَّ الْمُقْتَدُونَ, لأنهم مقتدون بمُتِم، وَكَذَا لَوْ عَادَ الإِمَامُ وَاقْتَدَى بِهِ، أي يلزمه الإتمام لأنه اقتدى بمتم في جزء من صلاته، فإن لم يقتد به فلا، وَلَوْ لَزِمَ الإِتْمَامُ مُقْتَدِيًا فَفَسَدَتْ صَلاَتُهُ أَوْ صَلَاةُ إِمَامِهِ، أَوْ بَانَ إِمَامُهُ مُحْدِثًا أَتَمَّ, لأنها صلاة تعين عليه إتمامها فلم يجز له قصرها كما لو فاتته في الحضر.
وَلَوِ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا فَبَانَ مُقِيمًا، أَوْ بِمَنْ جَهِلَ سَفَرَهُ أَتَمَّ, لأنه = المسافرين: الحديث (4/ 686). وفي رواية ابن حبان: [هُوَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُواْ رُخْصَتَهُ] الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: فصل: في صلاة المسافر: الحديث (2729). • ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما, أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: [إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ] رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب كراهية ترك التقيصر: الحديث (5516). • لحديث ابن عُمَرَ وابن عباس -رضي الله عنهما- يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ.
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب السفر الذي تقصر في مثله الصلاة: الأثر (5498) وهو صحيح عنهما.
وعلقه البُخَارِيّ بصيغة الجزم كما أثبتناه أعلاه.
في الصحيح: كتاب تقصير الصلاة: باب في كم يَقْصُرُ الصلاة؟ .
الجزء: 1 - الصفحة: 349
الأصلُ مع ظهور شعار الإقامة والسفر، وَلَوْ عَلِمَهُ مُسَافِرًا وَشَكَّ فِي نِيَّتِهِ قَصَرَ، لأن الظاهر من حال المسافر القصر، وليس للنية شعار يعرف به، فهو غير مقصر في الاقتداء، والظن في هذا كالعلم، وَلَوْ شَكَّ فِيهَا فَقَالَ: إِنْ قَصَرَ قَصَرْتُ وَإِلَّا أَتْمَمْتُ قَصَرَ فِي الأَصَحِّ؛ لأن الظاهر من حال المسافر القصر، ومقتضى الإطلاق ما نواه، والثاني: لا يجوز القصر للشك.
وَيُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ نِيَّتُهُ؛ لأن الأصل الإتمام، فإذا لم ينوِ القصر انعقدت على الإتمام فلم يجز القصر كالمقيم، فِي الإِحْرَامِ، كسائر النيات، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ مُنَافِيهَا دَوَامًا، أى بأن لا يقطعها ولا يتردد فيها.
وَلَوْ أَحْرَمَ قَاصِرًا ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَقْصُرُ أَوْ يُتِمُّ أَوْ أَنَّه نَوَى الْقَصْرَ، أى أولًا أم لا، أَوْ قَامَ إِمَامُهُ لِثَالِثَةٍ فَشَكَّ هَلْ هُوَ مُتِمٌّ أَمْ سَاهٍ، أَتَمَّ، أما الأُولى: فلفوات جزم النية، وأما الثَّانية: فلان أصل النية حاصل، والواقع من الصلاة في حال الشك محسوب من الصلاة فيتأدى ذلك الجزء على التمام ويلزمه به الإتمام، وأما الثالثة: فلأن القيام مشعر بالإتمام.
وَلَوْ قَامَ الْقَاصِرُ لِثَالِثَةٍ عَمْدًا بِلَا مُوجِبٍ لِلإِتْمَامِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، كما لو قام المتنفل إلى ركعة زائدة قبل تغير النية، واحتزز بقوله (بِلَا مُوْجِبٍ) عما إذا أحدث ما يوحب الإتمام، وقام لذلك فإنَّه فعل واجبًا، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا عَادَ وَسَجَدَ لَهُ وَسَلَّمَ، فَإِنْ أَرَادَ، أي وهو قائم، أَنْ يُتِمَّ عَادَ ثُمَّ نَهَضَ مُتِمًّا, لأن نهوضَهُ إلى الركعه الثالثة واجبٌ ونهوضه كان لاغيًا لسهوه.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسَافِرًا فِي جَمِيعِ صَلاَتِهِ، فَلَوْ نَوَى الإِقَامَةَ فِيهَا أَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إِقَامَتِهِ أَتَمَّ، لزوال سبب الرخصة كما لو كان يصلي قائمًا فمرض فزال المرض يجب عليه أن يقوم.
فَرْعٌ: يشترط لصحة القصر أَيضًا العلم بجوازه، فلو جهل جوازه فقصر لم تصح صلاته قطعًا؛ لأنه متلاعب، وفيه احتمال واهٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 350
وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنَ الإِتْمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ إِذَا بَلَغَ ثَلاَثَ مَرَاحِلَ، للخروج من خلاف من يوجب القصر؛ وكان - صلى الله عليه وسلم - يداوم عليه 77، والثاني: الإتمام أفضل لأنه أكثر عملاً، وقيل: هُما سواء، وإذا لم يبلغ ثلاث مراحل كان الإتمام أفضل، خروجاً من خلاف أبي حنيفة، قُلْتُ: ويستثنى من إطلاق المصنف الْمَلاَّحُ الذي يسافرُ في البحر، ومعه أهله وأولاده في سفينة، ومن يديم السفر في الْبَرِّ لغرض صحيح، فإن الأفضل لهما الإتمام، وكذا مسائل أُخر ذكرتها في الشرح فراجعها.
وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ، لما فيه من تبرئَةِ الذّمَّةِ، والمحافظة على فضيلة الوقت، وما ذكره المصنف يجمع به بين الأخبار الواردة في الباب، أما من تضرر به فإنه حرام عليه 78، وهل يصح صومه؟ فيه احتمالان عن الغزالي في المستصفى.
فَصْلٌ: يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيماً وَتَأْخِيراً وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَذَلِكَ، أما جع التأخير فثابت في الصحيح 79، وأما جع التقديم فَحَسَّنَهُ الترمذي
الجزء: 1 - الصفحة: 351
وصححه ابن حبان والبيهقي 80، نعم فعل كل صلاة في وقتها أفضل إلّا الحاج، وقد ذكره في بابه، وخرج بما ذكره المصنف الصبح؛ فإنها لا تجمع مع غيرها، وكذا لا يجمع بين المغرب والعصر وهو إجماع.
فَرْعٌ: الْمُتَحَيِّرَةُ ليس لها أن تجمع، فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ.
وَكَذَا الْقَصِيرِ فِي قَوْلٍ، كالتنفل على الراحلة، ولا يعتبر دوام السفر إلى فراغ الثانية بل إلى عقدها كما سيأتي، فَإِنْ كَانَ سَائِراً وَقْتَ الأُوْلَى فَتَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ وَإِلاَّ فَعَكْسُهُ، اقتداء به عليه الصلاة والسلام كما هو في الحديث السالف.
وَشُرُوطُ التَّقْدِيمِ ثَلاَثَةٌ:
• الْبُدَاءَةُ بِالأُوْلَى، لأن وقت الثانية لم يدخل وإنما يفعل تبعاً للأولى، والتابع لا = أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب تقصير الصلاة: باب إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس: الحديث (1112). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: باب جواز الجمع بين الصلاتين: الحديث (46/ 704). وفي رواية مسلم: الحديث (47) قال: [كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ فِي السَّفَرِ أَخْرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا] وفي رواية: الحديث (48): [عَنِ النِّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا عَجَّلَ عَلَيْهِ السَّفَرَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخّرُ الْمَغْرِبَ حَتّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِيْنَ يَغِيْبُ الشَّفَقُ].
الجزء: 1 - الصفحة: 352
يتقدم على المتبوع، فَلَوْ صَلَّاهُمَا فَبَانَ فَسَادُهَا فَسَدَتِ الثَّانِيَةُ، لفوات الشرط، والمراد فساد كونها عصراً أو عشاء لا أصل الصلاة، بل تنعقد نافلة على الأصح في البحر.
• وَنِيَّةُ الْجَمْعِ، لتتميز عن تقديمها سهواً، وَمَحَلُّهَا أَوَّلُ الأُوْلَى، قياساً على نية القصر بجامع أنهما رخصتا سفر، وَتَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا فِي الأَظْهَرِ، لأن الجمع ضم الثانية إلى الأُوْلى فيحصل الغرض بتقديم النية على حالة الضم، والثاني: يشترط عند التحرم كالقصر، والأول فَرَّقَ بأن نِيَّةَ القصر تُراد لتنعقد الصلاة ركعتين فلذلك اشترطت عند التحرم، ولو نوى مع سلام الأُولى جاز على الأصح، وقيل: يجوز بعد التحلل من الأُوْلى وقبل الإحرام بالثانية، قال في شرح المهذب: وهو قوى.
• وَالْمُوَالاَةُ بِأَنْ لاَ يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، لأنها إنما تُفعل تبعاً، وإذا فرق بينهما لم يكن تبعاً، وقد ترك الشارع - صلى الله عليه وسلم - الرواتب بينهما لذلك، فَإِنْ طَالَ وَلَوْ بِعُذْرٍ، أي كالسهو والإغماء، وَجَبَ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا، لما ذكرناه، وَلاَ يَضُرُّ فَصْلٌ يَسِيرٌ, لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالإقامة بينهما 81، وَيُعْرَفُ طُولُهُ بِالْعُرْفِ، أي فما عدُّوْهُ طويلًا ضَرَّ، وما لا؛ فلا.
وَلِلْمُتَيَمِّمِ الْجَمْعُ عَلَى الصَّحِيحِ، كالمتوضئ، وَلاَ يَضُرُّ تَخَلُّلُ طَلَبٍ خَفِيفٍ، لأنه من مصلحة الصلاة فأشبه الإقامة، بل أَوْلى لأنه شرط دونها، والثاني: لا، لأنه يحتاج إلى الطلب، وَلَوْ جَمَعَ ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ رُكْنٍ مِنَ الأُوْلَى بَطَلَتَاَ وَيُعِيدُهُمَا جَامِعاً، أما البطلان في الأُولى فلترك بعض أركانها وتعذر التدارك بطول الفصل، وأما في
الجزء: 1 - الصفحة: 353
الثانية: فلأن شرط صحتها تقديم الأُولى، أَوْ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ تَدَارَكَ، أي ومَضَتِ الصلاتان على الصحة، وِإلَّا فَبَاطِلَةٌ وَلاَ جَمْعَ، لوقوع الفصل الطويل بالصلاة الثانية فيعيدها في وقتها، وَلَوْ جَهِلَ، أي كون الركن المتروك من أيهما، أَعَادَهُمَا لِوَقْتَيْهِمَا، لاحتمال الترك من الأُولى، ولا يجوز الجمع لاحتمال تركه من الثانية.
وَإِذَا أَخَّرَ الأُوْلَى لَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالاَةُ وَنِيَّةُ الْجَمْعِ، أي عند الشروع في الصلاة، عَلَى الصَّحِيحِ، لَأن الوقت لها، والأُولى تبع وهي بخروج وقتها تشبه الفائتة، والثاني: يجب جميع ذلك كما لو سمع بالتقديم، ووقع في الْمُحَرَّرِ الجزم بوجوب نية الجمع، وهو غلط وتبعه فيه الحاوي الصغير، وَيَجِبُ كَوْنُ التَّأْخِيرِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ وَإلَّا فَيَعْصِي وَتَكُونُ قَضَاءَ، لأن التأخير قد يكون معصية كالتأخير لغير الجمع وقد يكون مباحاً كالتأخير له فلابد من نية تميز بينهما، والأصح أنه إن نوى؛ وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة؛ كفى، أو دونها فلا، كما اقتضاه كلامه في الروضة تبعاً للرافعي، وخالف في شرح المهذب، فاعتبر قدر الصلاة.
وَلَوْ جَمَعَ تَقْدِيماً فَصَارَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ مُقِيماً بَطَلَ الْجَمْعُ، أي فتعين تأخير الثانية إلى وقتها لزوال العذر، وَفِي الثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا لاَ يَبْطُلُ فِي الأَصَحِّ، صيانة لها عن البطلان بعد الانعقاد، والثاني: تبطل كما يمتنع القصر بالإقامة في أثنائها، والأول فرق بأن القصر ينافي الإقامة بخلاف الجمع، أَوْ تَأْخِيراً فَأَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا لَمْ يُؤَثَّرْ، وَقَبْلَهُ يَجْعَلُ الأُوْلَى قَضَاءً، قال الرافعي: وكأَنَّ المعنى فيه أن الصلاة الأُولى تبع للثانية عند التأخير فاعتبر وجود سبب الجمع في جميعها، وهذا إذا كانت الإقامة في أثناء الأُولى، فإن كانت في أثناء الثانية، قال في شرح المهذب: ينبغي أن تكون الأُولى أداء قطعاً.
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بِالْمَطَرِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلّى بالمدينة سبعاً جميعاً، وثمانياً جميعاً
الظهر والعصر، والمغرب والعشاء متفق عليه 82 في رواية لمسلم: [مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ
الجزء: 1 - الصفحة: 354
وَلاَ سَفَرٍ] 83 قال مالك: أرى ذلك بعذر المطر، تَقْدِيماً، أي قطعاً ومن حكى الخلاف فيه فَقَدْ وَهِمَ، وَالْجَدِيدُ مَنْعُهُ تَأخِيراً، لأن المطر قد ينقطع فيؤدى إلى الجمع من غير وجود عُذرٍ، والقديم الجواز قياساً على الجمع بعذر السفر.
وَشَرْطُ التَّقْدِيمِ وُجُودُهُ، يعي المطر، أَوَّلَهُمَا، أى أول الصلاتين ليتحقق الجمع مع العذر، وَالأَصَحُّ اشْتِرَاطُهُ عِنْدَ سَلاَمِ الأُوْلَى، ليتحقق اتصالُ آخِرُ الأُولى بأَوَّلِ الثانية مقروناً بالعذر، والثاني: لا يشترط، ونقله الإِمام عن الْمُعْظَمِ، وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ كَمَطَرٍ إِنْ ذَابَا، أي وَبَلَّا الثوب، وَالأَظهَرُ: تَخْصِيصُ الرُّخْصَةِ بِالْمُصَلِّي جَمَاعَةً بِمَسْجِدٍ بَعِيدٍ يَتَأَذَّى بِالْمَطَرِ فِي طَرِيقِهِ، لأن الجمع جُوِّزَ للمشقة وتحصيل الجماعة،
وهذا المعنى مفقود في ضِدِّهَا، والثاني: لا يختص، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع في المسجد
وبيوت أزواجه بقربهِ.
= وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب مواقيت الصلاة: باب تأخير الظُّهر إلى العصر: الحديث (543) والحديث (562) وفي لفظ له: [صَلَّى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَبْعاً جَمِيْعاً، وَثَمَانِياً جَمِيْعاً، والأول عند مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (56/ 705). وفي رواية لمسلم: عن ابن عباس قال: [جَمَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِيْنَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ] قال سعيد بن جبير: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: [كَيْ لاَ يُحْرِجَ أُمَّتَهُ]: الحديث (54/ 705).
الجزء: 1 - الصفحة: 355
بَابُ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ
اَلْجُمُعَةُ: هِىَ بِضَمِّ الْمِيْمِ وَفَتْحِهَا وَإِسْكَانِهَا، وَحُكِيَ كَسْرُهَا أَيْضاً، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لاِجْتِمَاعِ النَّاسِ لَهَا، وَفِي فَضَائِلِ الأَوْقَاتِ لِلْبَيْهَقِىِّ مِنْ حَدِيْثِ أَبِى لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ مَرْفُوعاً: [إِنُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الأَيُّامِ وَأَعْظَمُهَا عِنْدَهُ، وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ منْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الأَضْحَى] 84. إِنَّمَا تَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ بِلاَ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، أي من الأعذار المرخصة لترك الجماعة، فلا جمعة على صبي ومجنون كغيرها من الصلوات وأَوْلى؛ ولا رقيق؛ لأنه ينقطع عن خدمة مولاه، ولا امرأة بالإجماع، ولا مسافر لاشتغاله به، ولا مريض ونحوه للمشقة 85.
الجزء: 1 - الصفحة: 356
وَلاَ جُمُعَةَ عَلَى مَغْدُورٍ بِمُرَخَّصِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، للحديث السالف في تركِ الجماعة، وَالْمُكَاتَبِ، لأنه عبدٌ (•) ما بقي عليه درهم، وَكَذَا مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لأَنَّ رِقَّ الْبَعْضِ يَمْنَعُ من الكمالِ والاستقلال كرق الكل، والثاني: إن كان بينه وبين سَيِّدِهِ مُهايأَةٌ وصادف يوم الجمعة نوبته لزمته لفراغه حينئذٍ.
وَمَنْ صَحَّتْ ظُهْرُهُ صَحَّتْ جُمْعَتُهُ، بالإجماع، وَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنَ الْجَامِعِ إلّا الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ، أي مَنْ بِهِ عُذْرٌ أُلْحِقَ بِهِ؛ فَيَحْرُمُ انْصِرَافُهُ إِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ، لأَنَّ التَّرَخُّصَ فِي حَقِّهِمْ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ؛ فإذا حَضَرُوا وتَحَمَّلُوهَا فلاَ وجهَ لِلاِنْصِرَافِ، إِلاَّ أَنْ يَزِيدَ ضَرَرُهُ بانْتِظَارِهِ، قُلْتُ: وإذا أقيمت لزمتهم كما قاله الإمام أيضًا، قُلْتُ: ويستثنى أيضًا الأَعمى الذي لا يجد قائداً إذا حضر، فإنها تلزمه بلا خوف لانتفاء • أمَّا قولُه: حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيْمٍ بِلاَ مَرَضٍ؛ لحديث طارق بن شهاب قال: [الْجُمُعَةُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ؛ أَوِ امْرَأَةٌ؛ أَوْ صَبِيٌّ؛ أَوْ مَرِيْضٌ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب الجمعة على المملوك والمرأة: الحديث (1067).
وقال: طارق بن شهاب قد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسمع منه شيئاً.
قلت: قال ابن حجر رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه مرسلاً.
ينظر: تهذيب التهذيب: الترجمة (3080) فالحديث صحيح.
ورواه الحاكم موصولاً عن طارق بن شهاب عن أبي موسى الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: الحديث: في المستدرك: كتاب الجمعة: الحديث (1062/ 37)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
• أمَّا المسافرُ، فإن له رخصة في ترك الجمعة، فلحديث تميم الداري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ أَوْ مُسَافِرٍ] رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الجمعه: الحديث (5731)، وعن جابر - رضي الله عنه -؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ عَلَى مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِلَهْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ اسْتَغْنَى اللهُ عَنْهُ، وَالله غَنِيٌّ حَمِيْدٌ] رواه البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (5732)، وقال: ورواه سعيد بن أبي مريم عن ابن لَهِيْعَةَ فزاد فيهم: [أَوِ امْرَأَةً].
وفي الأثر عن عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -؛ رَأَى رَجُلاً قَدْ عَقَلَ رَاحِلَتَهُ؛ قَالَ: مَا يَحْبِسُكَ؟ قَالَ: الْجُمُعَةُ! قَالَ: إِنَّ الْجُمُعَةَ لاَ تَحْبِسُ مُسَافِراً، فَاذْهَبْ.
رواه البيهقي: الأثر (5736).
(•) في هامش نسخة (3): في نسخة - أى ينقل منها - قِن بدل عَبْد.
الجزء: 1 - الصفحة: 357
المشقة كما ذكره في شرح المهذب والتصحيح، وأهل السواد إذا صلَّوا العيد لهم الانصراف على الأصح.
وَتَلْزَمُ الشَّيْخَ الْهَرِمَ وَالزَّمِنَ إِنْ وَجَدَا مَرْكَباً وَلَمْ يَشُقَّ الرُّكُوبُ، لانتفاء الضرر، وَأَعْمَى يَجِدُ قَائِداً، لانتفائه أيضاً والحالة هذه، وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ إِنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ أَوْ بَلَغَهُمْ صَوْتٌ عَالٍ فِي هُدُوٍّ مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ لِبَلَدِ الْجُمُعَةِ لَزِمَتْهُمْ، وَإِلَّا فَلاَ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [اَلْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ] رواه أبو داود وذكر له البيهقي شاهداً 86، والمعتبرُ سماع من أصغى إليه ولم يكن أصم ولا جاوز سمعه حد العادة، فإذا سمع ذلك بعض أهل القرية وجب على جميع أهلها، وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ، خوف تفويته، روى البيهقي في كتاب فضائل الأوقات عن الأوزاعي قال: كان عندنا رجلٌ صيَّادٌ يسافرُ يوم الجمعة يصطاد ولا ينتظر الجمعة فخرج يوماً فخسف ببغلته فلم يبق منها إلاّ أُذنها، وروينا عن مجاهد: أن قوماً سافروا يوم الجمعة حين زوال الشمس فاضطرم عليهم خباؤهم من غير أن يروا ناراً 87.
الجزء: 1 - الصفحة: 358
إِلَّا أَنْ تُمْكِنَهُ الْجُمُعَةُ فِي طَرِيقِهِ أَوْ يَتَضَرَّرَ بِتَخَلُّفِهِ عَنِ الرُّفْقَةِ، لانتفائه في الأُولى، والتضرر في الثانية، وَقَبْلَ الزَّوَالِ كَبَعْدِهِ فِي الْجَدِيدِ، لأن الجمعة مضافة إلى اليوم، ولهذا يجب السعي على بعيد الدَّار قبل الوقت، والقديم ونصَّ عليه في حرملةَ أيضاً: أنه لا يَحْرم إذا لم يدخل وقت الوجوب، وهو الزوال؛ كما إذا باع النصاب قبل تمام الحول، إِنْ كَان سَفَراً مُبَاحاً، أي على الجديد ومقابله في السفر المباح،
وَإِنْ كَانَ طَاعَةً، أي واجبة أو مستحبة، جَازَ، أى قطعاً.
قُلْتُ: الأًصَحُّ أَنَّ الطَّاعَةَ كَالْمُبَاحِ، وَالله أَعْلَمُ، أي فيجري الخلاف فيه، أما بعد الزوال فيمنع منهما، وإن كان وقع في الْمُحَرَّرِ ما يوهم إجراء الخلاف فيه أيضاً.
وَمَنْ لاَ جُمُعَةَ عَلَيهِمْ؛ تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِي ظُهْرِهِمْ فِي الأَصَحِّ، لعموم الترغيبات الواردة في الجماعة، والثاني: لا، لأن الجماعة في هذا اليوم شعار الجمعة والخلاف في المعذورين في البلد، أما لو كانوا في غيرها فالجماعة تستحب في ظهرهم إِجماعاً، وَيُخْفُونَهَا إِنْ خَفِيَ عُذْرُهُمْ، لئلا يتهموا في الدِّيْنِ وينسبوا إلى ترك الجماعة بها، فإن كان العذر ظاهراً فلا يستحب الإخفاء لانتفاء التهمة حينئذ.
وَيُنْدَبُ لِمَنْ أَمْكَنَ زَوَالُ عُذْرِهِ، أي كالعيد يرجو العتق، والمريض يتوقع الخفة، تَأْخِيرُ ظُهْرِهِ إِلَى الْيَأْسِ مِنَ الْجُمُعَةِ، لاحتمال تمكنه منها، ويحصل اليأس برفع الإمام رأسَهُ من الركوع الثاني على الصحيح، وَلِغَيْرِهِ كَالْمَرْأَةِ وَالزَّمِنِ تَعْجِيلُهَا، محافظة على فضيلة أوَّل الوقت.
وَلِصِحَّتِهَا مَعَ شَرْطِ غَيْرِهَا شُرُوطٌ: • أَحَدُهَا: وَقْتُ الظُّهْرِ، لأنهما فَرْضَا وقتٍ واحدٍ فلم يختلف وقتهما كصلاة الحضر وصلاة السفر، وادعى ابن التلمساني في كلامه على مطالبة الإِمام بالكفارة والنذر: أنه لا خلاف أن للإمام تعيين وقت إقامة الجمعة، وإن كان موسَّعاً وهو غريباً 88، فَلاَ تُقْضَى جُمُعَةً، أى بل ظهراً
الجزء: 1 - الصفحة: 359
بالإجماع، فَلَوْ ضَاقَ عَنْهَا، أي بأن لم يبق من الوقت مما يسع خطبتين يقتصر فيهما على ما لا بد منه، صَلَّوْا ظُهْراً، كما إذا فات شرط القصر يرجع إلى الإتمام، وَلَوْ خَرَجَ، أي الوقت، وَهُمْ فِيهَا وَجَبَ الظُّهْرُ بِنَاءً، إلحاقاً للدوام بالابتداء، وَفِي قَوْلٍ اسْتِئنَافاً، بناءً على أنها صلاةٌ مستقلةٌ وهذا البناء يقتضي تصحيح هذا فتأمله،
وَالْمَسْبُوقُ كَغَيرِهِ، أي إذا خرج الوقت بعد أن قام إلى تدارك الثانية، وَقِيلَ يُتِمُّهَا جُمُعَةً، لأنها تابعة لجمعة صحيحة وهى جمعة الإِمام، والناس بخلاف ما إذا خرج الوقت قبل سلام الإمام.
• الثَّانِي: أَنْ تُقَامَ فِي خِطَّةِ أَبِنِيَةِ أَوْطَانِ الْمُجَمِّعِينَ، للاتباع، ولو انهدمت قرية فأقاموا على بنائها جَمَّعُواْ نصَّ عليه وتابعوه 89، وَلَوْ لاَزَمَ أَهْلُ الْخِيَامِ الصَّحْرَاءَ أَبَداً، أي فلزموا موضعاً صيفاً وشتاءً، فَلاَ جُمُعَةَ فِي الأَظْهَرِ، لأن قبائل العرب كانوا مقيمين حول المدينة وما كانوا يصلونها، ولا أمرهم الشارع بها، وهذا لأنهم على هيئة المستوفزين وليست لهم أبنية المستوطنين 90. = الباب عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، وسلمة بن الأكوع أخرجهما مسلم في كتاب الجمعة: باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس: الحديث (28/ 858) و (3/ 860).
الجزء: 1 - الصفحة: 360
• الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يَسْبِقَهَا وَلاَ يُقَارِنَهَا جُمُعَةً فِي بَلْدَتِهَا، لأنه لو جاز تعددها لجاز في مسجد العشائر، وذلك لا يجوز بالإجماع فكذا هنا، إِلَّا إِذَا كَبُرَتْ وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَانِ، وَقِيلَ: لاَ تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ، وَقِيلَ: إِنْ حَالَ نَهْرٌ عَظِيمٌ بَيْنَ شَقَّيْهَا كَانَا كَبَلَدَينِ، وَقِيلَ: إِنْ كَاَنَتْ قُرًى فَاتَّصَلَتْ تَعَدَّدَتِ الْجُمُعَةُ بِعَدَدِهَا، أى في الابتداء، وأعلم أن سبب هذا الاختلاف؛ أن الشافعي - رضي الله عنه - دخل بغداد وهُم يقيمون الجمعة في موضعين، وقيل: ثلاثة؛ فلم ينكر، فاختلف أصحابنا في سببه على
أوجه أصحها أن سببه الأول من هذه الأوجه، وقيل: إن المسألة اجتهادية وليس للمجتهد أن ينكر على المجتهدين، أو لم يقدر على الإنكار، وقيل: سببه الثالث، وقيل: الرابع.
فَلَوْ سَبَقَهَا جُمُعَةٌ، أي من حيث لا يجوز التعدد، فَالصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ، لاجتماع الشرائط فيها، واللاحقة باطلة، لا تقدم من أنه لا مزيد على جمعة واحدة، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الثَّانِيَةِ فَهِيَ الصَّحِيحَةُ، لأنَّ في تصحيح الأُولى افتياتاً عليه أي فَوْتاً، يقال أفتأت عليه بكذا أي فاتَّه به، والمراد به الإمام الأعظم أو خليفته في الإمامة أو الراتب من جهته كما ذكره الجيلي، وَالْمُعْتَبَرُ سَبْقُ التَّحَرُّمِ، لأن به الانعقاد فَأَيَّتُهَا أَحْرَمَ بِهَا أوَّلاً فهي الصحيحة، والأصح أن الاعتبار بآخر التكبير لا بأوله، وَقِيلَ: التَّحَلُّلِ، لأن الصحيحة إذا وقع التحلل عنها أمن عروض الفساد لها، = يَرَى أَهْلَ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِيْنَةِ يُجَمِّعُونَ فَلاَ يَعِيْبُ عَلَيْهِمْ) قال ابن حجر: أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح.
وهو عند ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف عن مالك: النص (5071) بلفظ: (كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِيْنَةِ يُجَمِّعُونَ).
وأخرج البيهقى عن الوليد بن مسلمة قال: سألتُ اللِّيْثَ بْنَ سَعْدٍ فقال: (كُلُّ مَدِيْنَةِ أَوْ قَرْيَةٍ فِيْهَا جَمَاعَةٌ وَعَلَيْهِمْ أَمِيْرٌ أُمِرُواْ بِالْجُمُعَةِ فَلْيُجَمِّعْ بِهِمْ، فَإِنَّ أَهْلَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ وَمَدَائِنَ مِصْرَ وَسَوَاحِلَهَا كَانُواْ يُجَمِّعُونَ الْجُمُعَةَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّان رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَفِيْهَا رِجَالٌ مِنَ الصَّحَابَةِ) في السنن الكبرى: كتاب الجمعة: النص (5710). والأصل في الجمعة في القرى حديث ابن عباس في فعل أهل جواثى.
والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 361
بخلاف ما قبل التحلل فكان الاعتبار به أَولى، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ الْخُطْبَةِ، نظراً إلى أن الخطبتين بمثابة ركعتين.
فَلَوْ وَقَعَتَا مَعاً أَوْ شَكَّ، اَسْتُؤْنِفَتِ الْجُمُعَةُ، أي إن اتسع الوقت لأن الأصل عدم جمعة مجزية، وَإِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ تَتَعَيَّنْ أَوْ تَعَيَّنَتْ وَنُسِيَتْ صَلَّوْا ظُهْراً، لأن الجمعة صحَّتْ فلا يجوز عقد جمعة أخرى بعدها، وَفِي قَوْلٍ جُمُعَةً، لأن الأُولى لم تحصل بها البراءة فهى كجمعة فاسدة لفواتِ بعض شروطها وأركانها.
• الرَّابِعُ: الْجَمَاعَةُ، لاجتماع من يعتد به في الإجماع، وَشَرْطُهَا كَغَيْرِهَا، أي من الصلوات، وَحُضُورُ السُّلْطَانِ وَإِذْنُهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهَا على الجديد، وَأَنْ تُقَامَ بِأَرْبَعِينَ، لأنه أقل عدد ثبت فيه التوقيف 91، مُكَلْفاً؛ حُرّاً؛ ذَكَراً، لأن أضدادهم لا تجب عليهم لنقصهم فلا تنعقد بهم، ولا ينتقض هذا بالمريض لأنها لم تجب عليه رفقاً به، مُسْتَوْطِناً لاَ يَظْعَنُ شِتَاءً وَلاَ صَيْفاً إِلاً لِحَاجَةٍ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لم يجمع بحجة الوداع لعدم الاستيطان 92، وَالصَّحِيحُ انْعِقَادُهَا بِالْمَرْضَى،
الجزء: 1 - الصفحة: 362
لكمالهم، وإنما لم تجب عليهم تخفيفاً، ووجه المنع القياس على العبد؛ وهو قولٌ لا وجه كما حكاه في الروضة تبعاً للرافعي، وَأَنَّ الإِمَامَ لاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ، لإطلاق الأخبار، والثاني: يشترط لما روى أنه - صلى الله عليه وسلم - جَمَعَ بالمدينة ولم يُجْمِع بأقل من أربعين، قال الرافعي: وهذا يُشعر بزيادته على الأربعين، وَلَوِ انْفَضَّ الأَرْبَعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ فِي الْخُطْبَةِ لَمْ يُحْسَبِ الْمَفْعُولُ فِي غَيْبَتِهِمْ، لأن مقصود الخطبة الاستماع والمراد بالأربعين العدد المعتبر وقد تقدم أن الإمام لا يشترط زيادته على الأربعين، وَيَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى إِنْ عَادُواْ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، كما يجوز البناء إذا سلّم ثم تذكر قبل طول الفصل، وَكَذَا بِنَاءُ الصَّلاَةِ عَلَى الْخُطْبَةِ إِنِ انْفَضُّواْ بَيْنَهُمَا، أي وعادوا قبل طول الفصل، فَإِنْ عَادُواْ، أي في المسألتين، بَعْدَ طُولِهِ وَجَبَ الاِسْتِئْنَافُ فِي الأَظْهَرِ، والخلاف مبنيٌّ على وجوب الموالاة في الخطبة، وَجْهُ الوجوبِ إتِّباع الأَوَّلِيْنَ، ووجهُ مقابلهِ أنَّ غرضَ الوعظِ والتذكيرِ يَحصلُ مع تفريق الكلمات.
فَرْعٌ: الاعتبار في طول الفصل وقصره بالعرف.
وَإِنِ انْفَضُّواْ فِي الصَّلاَةِ بَطَلَتْ، أي الجمعة ويتمها ظهراً؛ لأن العدد شرط في الابتداء فيكون شرطاً في سائر الأجزاء كالوقت، وَفِي قَوْلٍ لاَ، إِنْ بَقِيَ اثْنَانِ، لأن الثلاثة جمع كالأربعين، ولأنه يفتقر في الدوام ما لا يفتقر في الابتداء 93. السنن: كتاب المناسك: باب صفة حجه النبي - صلى الله عليه وسلم -: الحديث (1905). والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الجمعه: باب الإمام يمر بموضع لا تقام فيه الجمعة مسافراً: الحديث (5721)، وقال قبله: وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّاهَا يوْمَئِذٍ ظُهْراً لاَ جُمُعَةً.
الجزء: 1 - الصفحة: 363
وَتَصِحُّ، أي الجمعة، خَلْفَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُسَافِرِ فِي الأَظْهَرِ، إِذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ، أما في العبد والمسافر؛ فلأن العدد قد تم بصفة الكمال وجمعتهما صحيحة، وإن لم تلزمهما، وأما في الصبي فالقياس على سائر الفرائض، والثاني: لا تصح، لأن الإمام ليس على صفة الكمال وهو أَولى باعتبارها من غيره، فإن لم يتم العدد بهم فلا تصحِ جزماً، وَلَوْ بَانَ الإِمَامُ جُنُباً أَوْ مُحْدِثاً صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ فِي الأَظْهَرِ إِنْ تَمَّ العَدَدُ بِغَيْرِهِ، كما في سائر الصلوات، والثاني: لا يصح، لأن الجماعه شرط في الجمعه، والجماعة تقوم بالإمام والمأموم، فإذا بان الإمام محدثاً بانَ أن لا جمعه له فلا جماعة بخلاف غيرها، وَإِلاَّ فَلاَ، أي وإن لم يتم العدد بغيره لم تصح جمعتهم قطعاً، وَمَنْ لَحِقَ الإِمَامَ الْمُحْدِثَ رَاكِعاً لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بإدراك الركوع على خلاف الحقيقة، وإنما يصار إليه إذا كان الركوع محسوباً من صلاة الإِمام ليتحمل به عن الغير، والثاني: يحسب كما لو أدرك معه ركعة، والأول فرق بأنه لا يمكن التصحيح هنا بخلاف ثمَّ فَرْعٌ: أربعون أميّون في درجة واحدة جازت جمعتهم بخلاف ما إذا كان بعضهم غير أمّي، وهذا عكس الخطبة فإنهم إن جهلوها لم تجز بخلاف ما إذا كان بعضهم يجهلها لأن الخطبة شرط لصحتها ذكره البغوي فِى فتاويه (•).
• اَلْخَامِسُ: خُطْبَتَانِ قَبْلَ الصَّلاَةِ، للاتباع 94، وَأَرْكَانُهُمَا خَمْسَةٌ:
• حَمْدُ الله تَعَالَى، للاتباع أيضاً 95. (•) في الحاشية للنسخة (3): بلغ مقابلةً على نسخة قُرأت على المصنف وعليها خطه.
الجزء: 1 - الصفحة: 364
• وَالصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالأذان والصلاة، وفي دلائل النبوة للبيهقي من حديث عيسى بن ماهان عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا حكاية عن الله تعالى: [وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ عَلَيْهِمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُواْ أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي] 96 وفي السيرة في أول خطبة خطبها لَمّا قدم من الهجرة [وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ] 97، وَلَفْظُهُمَا مُتَعَيِّنٌ، اتباعاً لما درجوا عليه في الأمصار فلا يجزي الْحَمْدُ، لِلرَّحْمَنِ.
• وَالْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى، أى والطاعة للاتباع 98، وَلاَ يَتَعَيَّنُ لَفْظّهَا عَلَى الصَّحِيحِ، لأن الغرض الوعظ والحمل على طاعة الله فيقوم مقامه أيَّ وعظٍ كان، = يَقُولُ صبحكم ومساكم، وَيَقُولُ: [بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ]).
رواه مسلم في الصحيح: كتاب الجمعة: الحديث (43 و 44/ 867).
الجزء: 1 - الصفحة: 365
والثاني: يتعين كالحمد والصلاة، قلت: ولا بد من الحث على الطاعة والمنع من المعصية.
وَهَذِهِ الثَّلَاَثُةُ أَرْكَانٌ فِي الْخُطْبَتَيْنِ، أمَّا الْحَمْدُ ففي صحيح مسلم: [كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَحَمَدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ] الحديث 99. وأمَّا الصَّلاَةُ فلقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ومعناها إِذَا ذُكِرَ اللهُ ذُكِرَ مَعَهُ، كما ورد في الحديث صححه ابن حبان 100، وأما الوصية بالتقوى فلأنها مقصود كل خطبة.
• وَالرَّابِعُ: قِرَاءَةُ آيَةٍ، لحديث جابر بن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قال: [كَانَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ]، رواه مسلم 101، فِي أِحْدَاهُمَا، لإطلاق ما ذكرناه، وَقِيلَ: فِي الأُوْلَى، لأنها أحق بالتطويل، وَقِيلَ: فِيهِمَا، لأنها ركن فأشبهت الثلاثه الأول، وَقِيلَ: لاَ تَجِبُ، لأن مقصود الخطبة بعد ذكر الله ورسوله الوعظ.
الجزء: 1 - الصفحة: 366
• وَالْخَامِسُ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دُعَاءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، للاتباع وكذا للمؤمنات، كما صرح به الغزالي في وسيطه والقاضي وغيرهما، فِي الثَّانِيَةِ، لأن الدعاء يليق بحالة الاختتام، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ، كما في غير الخطبة وهو قول على الصواب.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا عَرَبِيَّةً، اتباعاً لما جرى عليه رسم الناس، فإن لم يكن فيهم من يحسنها خطب بلسانه مُدَّةَ التَّعَلُّمِ، مُرَتَّبَةِ الأَرْكَانِ الثَّلاَثَةِ الأُوْلَى، أى فيبدأ بالحمد ثم بالصلاة ثم بالوصية، وَبَعْدَ الزَّوَالِ، وَالْقِيَامُ فِيهِمَا إِنْ قَدَرَ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا، للاتباع، وَإِسْمَاعُ أَرْبَعِينَ، أي بالإمام، كَامِلِينَ، لأن مقصود الوعظ لا يحصل إلاّ بالإبلاغ، ولا يكفي أن يخطب سرّاً ورفع الصوت بقدر ما يبلِّغ، لكن لو كانوا أو
بعضهم صمّاً فالأصح عدم الاجزاء كما لو بعدوا لفوات المقصود، قُلْتُ: فعلى هذا يعتبر السماع والاستماع.
وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْكَلاَمُ، وَيُسَنُّ الإِنْصَاتُ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يُنكر على السائل عن الساعة وهو يَخْطُبُ 102، والقديم وهو منصوص الاملاء: أنه يحرم الكلام ويجب الإنصات لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ذكر في التفسير أنها وردت في الخطبة 103.
الجزء: 1 - الصفحة: 367
قُلْتُ: الأَصَحُّ أَنَّ تَرْتِيبَ الأَرْكَانِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالله أَعْلَمُ، لأن المقصود الوعظ وهو حاصل ولم يرد نص في اشتراط الترتيب، وَالأَظْهَرُ اشْتِرَاطُ الْمُوَالاَةِ، للاتباع، ولها أثر ظاهر في استمالة القلوب، والثاني: لا، لأن غرض الوعظ والتذكير يحصل مع تفريق الكلمات وقد سبق هذا قريباً أيضاً، وَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَالسَّتْرُ، للاتباع 104، والثاني: لا، كاستقبال القبلة.
= بالاستماع لقارئ القرآن إذا قرأ، والإنصات له، فقال بعضهم: ذلك حال كون المصلي في الصلاة خلف إمامٍ يَأْتَمُّ بِهِ، وهو يسمع قراءة الإِمام عليه أن يسمع لقراءته.
وقالوا: في ذلك أنزلت هذه الآية)، ثم ذكره قال ذلك في آثاره من (12099 - 12119). ثم قال: (وقال آخرون: بل عُني بهذه الآية الأمر بالإنصات للإمام في الخطبة إذا قرئ القرآن في الخطبة) ثم ذكر الأثر عن مجاهد قال: (الإنصات للإمام يوم الجمعة): الأثر (12120)، ثم قال: (وقال آخرون: عُني بذلك: الإنصات في الصلاة وفي الخطبة) عن عطاء قال: (وجب الصموت في اثنتين: عند الرجل يقرأ القرآن وهو يصلي، وعند الإِمام وهو يخطب): الأثر (12122)، وعن الحسن قال: (في الصلاة المكتوبة وعند الذكر): الأثر (12123)، ثم قال أبو جعفر الطبرى رحمه الله: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: أُمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإِمام، وكان مَن خلفه ممن يَأْتَمُّ به يسمعه, وفي الخطبة) وقال: (وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لصحة الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: [إِذَا قَرَأَ الإِمَامُ فَأَنْصِتُواْ] وإجماع الجميع على أن مَن سَمِعَ خطبة الإِمام ممن عليه جمعة, الاستماع والإنصات لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّهُ لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات لسامعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين على اختلاف في أحدهما، وهى حالة أن يكون خلف الإِمام مُؤْتَمُّ به).
ينظر: جامع البيان في تفسير القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري: ج 6 ص 215 - 221. أما الحديث [إِذَا قَرَأَ الإِمَامُ فَأَنْصِتُواْ] رواه مسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: الحديث (63/ 404).
الجزء: 1 - الصفحة: 368
وَتُسَنُّ عَلَى مِنْبَرٍ، للاتباع، أَوْ مُرْتَفَعٍ، لقيامه مقامه في تحصيل الإبلاغ 105، وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَيهِمْ إِذَا صَعَدَ، وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَيَجْلِسَ ثُمَّ يُؤَذَّنُ، للاتباع 106، وَأَنْ تَكُونَ بَلِيغَةً، أى فصيحة لأنها أوقع في القلوب من = باب فضل الجمعة الحديث (1050). ولحديث سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيْبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخرُجُ فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى] رواه البخاري في الصحيح: كتاب الجمعة: الحديث (883).
الجزء: 1 - الصفحة: 369
الكلام المبتذل 107، مَفْهُومَةً قَصِيرَةً، لأن الغريب الذي لا يفهم لا يؤثر؛ قصيره لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [فَأَطِيْلُواْ الصَّلاَةَ وَاقْصُرُواْ الْخُطْبَةَ] رواه مسلم 108، وَلاَ يَلْتَفِتُ يَمِيناً وَشِمَالاً في شَيْءٍ مِنْهَا، أي بل يُقبل عليهم فِى جميعها، وَيعْتَمِدُ عَلَى سَيْفٍ أَوْ عَصاً وَنَحْوِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ خطَبَ على قوس أو عصا، رواه أبو داود، وروى أنه اعتمد على سيف، ويكون ذلك بيده اليسرى 109، وَيَكُونُ جُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا، أي = مجمع الزوائد: باب سلام الخطيب: ج 2 ص 184. • أَمَّا أَنْ يَجْلِسَ ثُمَّ يُؤَذَّنُ، فلحديث السائب بن يزيد؛ (أَنَّ الأَذَانَ الأَوَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلَ حِيْنَ يَجْلِسُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -) رواه البخاري في الصحيح: كتاب الجمعة: باب التأذين عند الخطبة: الحديث (916).
الجزء: 1 - الصفحة: 370
بين الخطبتين، نَحْوَ سُورَةِ الإِخْلاَصِ، وَإذَا فَرَغَ فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ فِي الِإقَامَةِ وَبَادَرَ الإِمَامُ لِيَبْلُغَ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِهِ، والمعنى فيه المبالغة في تحقيق الموالاة، وَيقْرَأُ فِي الأُوْلَى الْجُمُعَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ الْمُنَافِقِينَ، للاتباع 110، وصح في الأُولى بـ ﴿سَبِّحِ﴾ وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وفي سنن النسائي: (أنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيْرٍ؛ مَاذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أثَرِ سُوْرَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ 111، جَهْراً، بالإجماع.
فَائِدَةٌ: روى المنذري في جزء جَمَعَهُ في ما جاء في غفران ما تقدم من الذنوب وما تأخر من حديث أنس رفعه: [مَنْ قَرَأَ إِذَا سَلَّمَ الاِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أنْ يَثْنِي رِجْلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَقُلْ هُوَ اللُّه أَحَدٌ وَالْمُعَوَذَتَيْنِ سَبْعاً سَبْعاً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولهِ] 112، وروى ابن السني عن حديث عائشة رفعته: [مَنْ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قُلْ هُوَ اللُّه أَحَدٌ وَالْمُعَوَّذَتَيْنِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعَاذَهُ اللُّه بِهَا مِنَ السُّوْءِ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى].
فَصْلٌ: يُسَنُّ الْغُسْلُ لِحَاضِرِهَا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلْيَغتسِلْ] رواه ابن حبان والحاكم 113، وإنما لم نُوْجِبْهُ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ عن شهاب بن خراش.
وإسناده حسن.
الجزء: 1 - الصفحة: 371
تَوَضَّأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ] صححهما أبو حاتم 114، وَقِيلَ: لِكُلِّ أَحَدٍ، أي وإن لم يحضر كيوم العيد، وَوَقْتُهُ مِنَ الْفَجْرِ، لأن الأخبار علقته باليوم لقوله عليه السلام: [مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَهً] الحديث 115، وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذِهَابِهِ أَفْضَلُ، لأنه أبلغ في المقصود، فَإنْ عَجَزَ، أي عن الماء بأن توضأ ثم عدمه أو كان جريحاً في غير أعضاء وضوئه، تَيَمَّمَ فِي الأصَحِّ، لأن الشرع أقامه عند العجز مقامه، والثاني: لا، لأن المقصود التنظيف وقطع
الروائح الكريهة، والتيمم لا يفيده وهو احتمال للإمام وفيه ضعف، لأن الوضوء أيضاً شرع للوضاءة وبالنظافة على ما اشعر به اسمه ويقوم التيمم مقامه، كذلك هنا، وَمِنَ الْمَسْنُونِ غُسْلُ الْعِيِدِ، وستأتي الدلالة عليه في بابه، وَالْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ، لأن كلاً منهما صلاة يشرع لها الاجتماع فسُنَّ الغسل كغسل الجمعة.
وَلِغَاسِلِ الْمَيِّتِ، لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [مَنْ غَسَّلَ مَيِّتاً فَلْيَغْتَسِلْ] رواه الترمذي وحَسَّنَهُ 116 وخالف المزنى، وقوَّاه المصنف في شرح المهذب، وَالْمَجْنُونِ،
الجزء: 1 - الصفحة: 372
وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا، لثبوته في الإغماء 117، والجنون من باب أَوْلى لأن قلَّ مَنْ جُنَّ إلاَّ وَأَنْزَلَ، وَالْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، أي بعده تعظيماً للإسلام، وقد أمر به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قيس بن عاصم وغيره 118، وإنما لم يجب لأن جماعة أسلموا فلم يأمرهم به - صلى الله عليه وسلم - 119، ثم هذا إذا لم يجنب في حال كفره، وإلاّ فالأصح أن يلزمه، ولو اغتسل في كفره، وَأَغْسَالُ الْحَجِّ، لما سيأتي في بابه إن شاء الله.
فَرْعٌ: ينوي بهذه الأغسال أسبابها إلاّ الإغتسال من الجنون فإنه ينوي الجنابة والمغمى عليه، كذا نقل عن صاحب الفروع وفيه نظر.
وَآكَدُهَا غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ ثُمَّ الْجُمُعَةُ، لأن غسل الميت عنده واجب على المشهور، والغسل من غسل الميت اشْتَهَرَ الْخِلاَفُ فيه، وَعَكْسُهُ الْقَدِيمُ، أى فقال: واللفظ لابن حبان كما جاء في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: باب نواقض الوضوء: ذكر الأمر بالوضوء من حمل الميت: الحديث (1185).
الجزء: 1 - الصفحة: 373
إن غسل الجمعة آكد منه، لأن الأخبار فيه أصح وأثبت.
قُلْتُ: اَلْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ وَرَجَّحَهُ الأَكْثَرُونَ، وَأحَادِيثُهُ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَاللُّه أَعْلَمُ، قُلْتُ: في هذه الدعوة أعني أنه ليس للجديد حديث وقفة عظيمة تتضح لك بمراجعة الشرح وتصحيح الترمذي وابن حبان وابن السكن، لحديث أبي هريرة فيه 120. وابن خزيمة والحاكم والبيهقي، لحديث عائشة فيه 121.
وَيُسَنُّ التَّبْكِيرُ إِلَيْهَا، للحديث السالف، ويستثنى الإمام من ذلك، مَاشِياً بِسَكِينَةٍ، أي إن لم يضق الوقت للحث عليها، وخالف الماوردي فقال في إقناعه: يمشي إليها بسكينة وإن خاف الفوات 122، وَأَنْ يَشْتَغِلَ فِي طَرِيقِهِ وَحُضُورِهِ بِقِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ، لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمَدُ
إِلَى الصَّلاَةِ فَهُوَ فِي صَلاَةٍ] رواه مسلم 123 وفي الصحيحين [وَأَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا
الجزء: 1 - الصفحة: 374
دَامَتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ] 124 وفي التنزيل ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... ﴾ 125، وَلاَ يَتَخَطَّى، للنهي عنه، نعم إن كان إماماً أو بين يديه فرجة فإنه لا كراهة، ويستثنى من الثانية ما إذا زاد التخطي على صفين كما نص عليه في الأم 126، وَأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَطِيبٍ وَإِزَالَةِ الظُّفْرِ، أي إن طال لأحاديث في ذلك 127، وَالرِّيحِ، أي الكريهة لئلا يؤذي الناس.
قُلْتُ: وَأَنْ يَقْرَأَ الْكَهْفَ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، للحث عليه 128، وَيُكْثِرُ الدُّعَاءَ، رجاء أن يصادف ساعة الإجابة،
الجزء: 1 - الصفحة: 375
وَالصَّلاَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، للأمر بالاكثار منها كما صححه الحاكم وغيره 129، وفي مقدم فضائل الأوقات للبيهقي من حديث أبي عميس عن عون بن عبدالله عن أسماء بنت أبي بكر رضى الله عنها قالت: [مَنْ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقُلْ هُوَ اللُّه أَحَدٌ وَالْمُعَوَّذَتَيْنِ سَبْعَ مَرَّاتٍ حُفِظَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى]، وفي رواية: [مَنْ قَرَأَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ] 130. وَيَحْرُمُ عَلَى ذِي الْجُمُعَةِ، أي من تلزمه، التَّشَاغُلُ بالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، أي كالصنائع وكل ما يشغل عن السعي إليها، بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الأَذَانِ بَينَ يَدَيِّ الْخَطِيبِ، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 131 ولو تبايع رجلان أحدهما تلزمه، والآخر لا تلزمه، حرم عليهما على الأصح، وخرج بقوله (بَيْنَ يَدَيِّ الْخَطِيْبِ) النداء الأول، فَإِنْ بَاعَ صَحَّ، لأن النهى لمعنى خارج عن العقد فلم يمنع الصحة كما في الصلاة في الدار المغصوبة، الإسناد ولم يخرجاه.
الجزء: 1 - الصفحة: 376
وَيُكْرَهُ قَبْلَ الأَذَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنه دخل وقت وجوب الجمعة، أما قبل الزوال فلا يكره بحال.
فَائِدَةٌ: في فضائل الأوقات للبيهقي من حديث عمر رفعه: [إِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاَةِ عِنْدَ اللهِ صَلاَةُ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي جَمَاعَةٍ] وفيه عن سهل بن سعد رفعه: [إِنَّ لَكُمْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، فَالْحَجَّةُ الْهَجِيْرُ لِلْجُمُعَةِ وَالْعُمْرَةُ انْتِظَارُ الْعَصْرِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ] 132 ثم قال: هذا حديثان غريبان، فنسأل الله استعمالهما، وفي الدعوات للمستغفري عن عراك بن مالك؛ أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف في باب المسجد فقال: اللَّهُمَّ أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ وَصَلَّيْتَ فَرِيْضَتَكَ وَانْتَشَرْتُ لِمَا أَمَرْتَنِي فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِيْنَ.
فَصْلٌ: مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ، أي المحسوب للإمام لا كالمحدث كما سلف، أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ فَيُصَلَّيَ بَعْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ رَكْعَةً، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى] رواه الحاكم، وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين 133، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ فَاتَتْهُ، لمفهوم الحديث المذكور، فَيُتِمُّ بَعْدَ سَلاَمِهِ ظُهْراً أَرْبَعاً، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ، أي هذا المدرك بعد ركوع الثانية، يَنْوِي فِي اقْتِدَائِهِ الْجُمُعَةَ، موافقة للإمام، والثاني: الظهر، لأنها التي تحصل له، وَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ مِنَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا، أي من الصلوات، بِحَدَثٍ، أي تعمده أو سبقه، أوْ غَيْرِهِ، أي كرُعاف وبلا سبب أيضاً، جَازَ الاِسْتِخْلاَفُ فِي الأَظْهَرِ، لأن عمر - رضي الله عنه - استخلف في صلاته كما رواه البيهقي 134، والثاني: المنع، لأنها صلاة واحدة فلا تجوز
الجزء: 1 - الصفحة: 377
بإمامين، كما لا يجوز الاقتداء بهما معاً.
فَرْعٌ: لو لم يستخلف في الجمعة وجب على القوم في الأُولى دون الثانية.
وَلاَ يَسْتَخْلِفُ لِلْجُمُعَةِ إِلاَّ مُقْتَدِياً بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ، لأنه لا يجوز افتتاح جمعة بعد جمعة، وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ حَضَرَ الْخُطْبَةَ وَلاَ الرَّكْعَةَ الأُوْلَى فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا، أما الاولى فوجه الاشتراط فيها القياس على ما إذا استخلف بعد الخطبة من لم يحضرها ليصلي بهم فإنه لا يجوز، ووجه عدمه أنه بالإقتداء صار في حكم من سمع الخطبة، وأما الثانية: فوجه الاشتراط بناء على أنه غير مدرك الجمعة، ووجه عدمه أن الخليفة
الذي كان مقتدياً بالإمام بمثابة الإمام، وقوله: على الأصح صحيح في الأُوْلى دون الثانية فَصَوَابُهُ: التعبير فيها بالأظهر كما ذكره في أصل الروضة وغيرها، ثُمَّ إِنْ كاَنَ أَدْرَكَ الأُوْلَى تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ وَإلَّا فَتَتِمْ لَهُمْ دُونَهُ فِي الأَصَحِّ، لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة فيتمها ظهراً، والثاني: تتم له جمعة أيضاً، ونقله العمراني والمتولي عن أكثر الأصحاب لأنه صلّى ركعة من الجمعة في جماعة فتتم الجمعة كما لو صلّى ركعة منها مأموماً، وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ نَظْمَ الْمُسْتَخْلَفِ، فَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً تَشَهَّدَ وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ لِيُفَارِقُوهُ أَوْ يَنْتَظِرُواْ، لأنه قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَلاَ يَلْزَمُهُمْ اسْتِئْنَافُ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ فِي الأَصَحِّ، لأن الغرض من الإستخلاف إِدَامَةُ الْجَمَاعَةِ التي كانت وتنزيل الخليفة منزلة الأول، والثاني: يلزمهم استئنافها لأنهم بعد خروج الإمام من الصلاة قد انفردوا، ألا ترى أنهم يسجدون لسهوهم في تلك الحالة.
فَصْلٌ: وَمَنْ زُوحِمَ عَنِ السُّجُودِ فَأَمْكَنَهُ عَلَى إِنْسَانٍ فَعَلَ، لقول ابن عمر - رضي الله عنه -: (إِذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ أَحَدُكُمْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيْهِ) 135 ولا نعرف له مخالفاً، ولا بُدَّ من رعاية هَيْئَةِ السَّاجِدِيْنَ وإلّا فلا يفعله، وحكم ظهر البهيمةِ كَالإِنْسَانِ قاله الشيخُ وكذلك عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -؛ الأثر (5359).
الجزء: 1 - الصفحة: 378
نصر، وَإِلَّا، أي إذا لم يمكنه السجود، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ، وَلاَ يُومِئُ بِهِ، لقدرته عليه ونُدور هذا القدر وعدم دوامه، والثاني: أنه يومئُ بالسجودِ أقصى ما يمكنه لمكان العذر، والثالث: يتخير بينهما، ثُمَّ إِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ، أي في الثانية، سَجَدَ، تداركاً له عند زوال العذر، فَإِنْ رَفَعَ وَالإِمَامُ قَائِمٌ قَرَأَ، جرياً على متابعتهِ وتخلفه بعذر، فإن رفع الإمام قَبْلَ أن يُتِمَّ الفاتحةَ؛ فالأصح أنه يتابعه ويترك القراءة، أَوْ وَالإِمَامُ رَاكِعٌ فَالأَصَحُّ يَرْكَعُ وَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، لأنه لم يدرك محلها فسقطت عنه، والثاني: يلزمه قراءتها ويسعى وراء الإمام وهو متخلف بعذر؛ لأنه مُؤْتَمُّ بالإمام في حال قراءته فلزمته بخلاف المسبوق، فَإِنْ كَانَ إِمَامُهُ فَرَغَ مِنَ الرُّكُوعِ وَلَمْ يُسَلِّمْ وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَةً بَعْدَهُ، لأَنَّهُ فاتتهُ ركعة كالمسبوق، وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ فَاتَتِ الْجُمُعَةُ، لأنه لم يدرك معه ركعة، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ، أي في الثانية، فَفِي قَوْلٍ يُرَاعِي نَظْمَ نَفْسِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُواْ] 136 وقد سجد الإمام في الأُوْلى فيسجد هو امتثالاً للأمر، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ، لأن متابعةَ الإمامِ آكدُ، ولهذا يتبعه المسبوق إذا أدركه راكعاً ويترك القراءة والقيام، وُيحْسَبُ رُكُوعُهُ الأَوَّلُ فِي الأَصَحِّ، لأنه أتى به وقت الاعتداد بالركوع، وركوعه الثاني إنما كان للمتابعة، والثاني: بحسب الثاني لتعقبه السجود، فَرَكْعَتُهُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رُكُوعِ الأُوْلَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ، وَيُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ فِي الأَصَحِّ، لإطلاق الحديث السالف: [مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى] 137، والثاني: لا، لنقصانها، فَلَوْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ عَالِماً بِأَنَّ وَاجِبَهُ الْمُتَابَعَةُ، أى تفريعاً على الأظهر، بَطَلَتْ صَلاَتَهُ، لأنه سجد في موضع الركوع عالماً بتحريمه، وَإِنْ نَسِيَ أَوْ جَهِلَ لَمْ يُحْسَبْ سُجُودُهُ الأَوَّلُ، لأنه أتى به في غير موضعه، ولا تبطل به صلاته، لقيام العذر به، فَإِذَا سَجَدَ ثَانِياً حُسِبَ، قاله جماعةٌ، واستشكله الرافعي وأشار إليه في (•) في النسحة (2) و (3): يَرْعَى.
الجزء: 1 - الصفحة: 379
الْمُحَرَّرِ بقوله المنقول: إنه يحتسب به، وَالأَصَحُّ إِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ إِذَا كَمُلَتِ السَّجْدَتَانِ قَبْلَ سَلاَمِ الإِمَامِ، لما سلف في الركعة الملفقة، وَلَوْ تَخَلْفَ بِالسُّجُودِ نَاسِياً حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ لِلثَّانِيَةِ رَكَعَ مَعَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأَنَّهُ مُفَرطٌ بالنسيانِ فلا يجوز له ترك المتابعة، والطريق الثاني فيه القولان في المزحوم هل يتبع الإمام أم يشتغل بما عليه، وصححها الرافعي في الْمُحَرَّرِ، والأُوْلى صححها الروياني والشيخ أبو حامد.
بِابُ صَلاَةِ الْخَوْفِ
الأَصْلُ فِيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيْهِمْ ... ﴾ الآية 138، وَفَعَلَتْهَا الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ، هِيَ أَنْوَاعٌ، أي تزيد على العشرة، اختار الشافعي منها ما ذكره المصنف: الأَوَّلُ: يَكُونُ الْعَدُوُّ فِي، جهة، الْقِبْلَةِ، فَيُرَتِّبُ الإِمَامُ الْقَوْمَ صَفَّيْنِ، وَيُصَلّيَ بِهِمْ، فَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ سَجْدَتَيْهِ وَحَرَسَ صَفٌّ، فَإِذَا قَامُواْ سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَلَحِقُوهُ وَسَجَدَ مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ حَرَسَ أَوَّلاً، وَحَرَسَ الآخَرُونَ، فَإِذَا جَلَسَ سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَتَشَّهَدَ بِالصَّفَّيْنِ وَسَلَّمَ، وَهَذِهِ صَلاَةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِعُسْفَانَ، هذه الكيفية رواها مسلم من حديث جابر، لكن فيه أن الصف الأول سجد معه في الركعة الأُولى، والثاني: في الثانية، وذكر الشافعي في المختصر عكس ذلك وكلاهما جائز، والأفضل ما ثبت في السُّنَّة 139، وَلَوْ حَرَسَ فِيهِمَا،
الجزء: 1 - الصفحة: 380
أي في الركعتين، فِرْقَتَا صَفِّ، أي على التناوب، جَازَ، أى قطعاً كالصفين، وَكَذَا فِرْقَةٌ، أي تحرس فيهما، فِي الأَصَحِّ، لأنه قد لا يَتَأَهَّلُ للحراسةِ إلاّ مُعَيَّنُونَ، والثاني: لا يجوز، لأن التخلف يتضاعف حينئذ ويزيد على ما ورد به الخبرُ.
• الثَّانِي: يَكُونُ فِي غَيْرِهَا فَيُصَلِّيَ مَرَّتَيْنِ، كُلَّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ، وَهَذِهِ صَلاَةُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِبَطْنِ نَخْلٍ، هذه الكيفية متفق عليها في الصحيحين 140.
• أوْ تَقِفُ فِرْقَةٌ فِي وَجْهِهِ، وَيُصَلِّيَ بِفِرْقَةٍ رَكْعَةً، فَإذَا قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَارَقَتْهُ وَأَتَمَّتْ وَذَهَبَتْ إِلَى وَجْهِهِ، وَجَاءَ الْوَاقِفُونَ فَاقْتَدَوْا بِهِ فَصَلَّى بِهِمُ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُواْ فَأَتَمُّواْ ثَانِيَتَهُمْ وَلَحِقُوهُ وَسَلَّمَ بِهِمْ، وَهَذِهِ صَلاَةُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذَاتِ الرِّقَاعِ، هذه الكيفية متفق عليها أيضاً فيهما 141، وَالأَصَحُّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ، صلاة، بَطْنِ نَخْلٍ، لأنها أعدل بين الطائفتين، والثاني: عكسه ليحصل لِكُلِّ واحدٍ فضيلة جماعة بالتمام، وَيَقْرَأُ الإِمَامُ فِي انْتِظَارِهِ الثَّانِيَةَ، أى الفرقة الثانية، وَيتَشَهَّدُ، لأن السكوت مخالف لهيئة الصلاة، وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ لِتَلْحَقَهُ، ليدركهما معه الفرقة الثانية، ولا فرق بين الفاتحة وغيرها قاله الفارقي، فَإِنْ صَلَّى مَغْرِباً فَبِفِرْقَةٍ رَكعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ فِي الأَظْهَرِ، لأن عكسه يكلف الثانية تشهداً غير محسوب لها لوقوعهِ في أَوَّلِهَا، والثاني: الأفضل والنسائي في السنن: كتاب صلاة الخوف: ج 3 ص 175 - 176. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة الخوف: الحديث (6119). • حديث أبي عياش الزُّرَقِيِّ.
رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب صلاة الخوف: الحديث (1236). والنسائي في السنن: كتاب صلاة الخوف: ج 3 ص 77 - 178. والبيهقي في السنن الكبرى: الحديث (6118).
الجزء: 1 - الصفحة: 381
عكسه تأَسِّياً بعليٍّ - رضي الله عنه - ليلة الْهَرِيْرِ (•)، وَيَنْتَظِرُ، أي تفريعاً على الأظهر الفرقة الثانية،
فِي تَشَهُّدِهِ، أى الأول، أَوْ قِيَامِ الثَّالِثَةِ، وَهُوَ، أى انتظاره في قيام الثالثة، أَفْضَلُ فِي الأَصَحِّ، لأن القيام مبني على التطويل، والجلسة الأُولى على التخفيف، والثاني: أن انتظاره في التشهد أفضل ليدركوا معه الركعة من أولها.
وقوله (فِي الأَصَحِّ) صوابه في الأظهر كما فِي الروضة تبعاً للشرح، أَوْ رُبَاعِيَّةً، أي بأن كانوا في الحضر أو أرادوا الإتمام في السفر، فَبِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَلَوْ صَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً، أي وفارقته كل فرقة من الثلاثة الأُولى، وصلَّت ثلاثاً وسلمت وهو منتظر فراغها ومجئ أخرى، وانتظر الرابعة في التشهد حتى أتموا وسلم بهم، صَحَّتْ صَلاَةُ الْجَمِيعِ فِي الأَظْهَرِ، لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك، والثاني: تبطل صلاة الجميع، وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقَةٍ، أي إذا فرقهم فرقتين، مَحْمُولٌ فِي أُوْلاَهُمْ، لأنَّهُ حالُ القدوة، وَكَذَا ثَانِيَةُ الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ، لأنه في حكم القدوة وهو منتظر لهم، فهو كَسَهْوِهِمْ في سجدة رَفع الإمام منها، والثاني: لا، لأنهم منفردون بها حقيقة، ويعبر عن الخلاف؛ بأنهم يفارقونه
حكماً أم لا؟ لاَ ثَانِيَةُ الأُوْلَى، لانقطاعهم عن الإمام حقيقة وحكماً، وَسَهْوُهُ فِي الأُوْلَى يَلْحَقُ الْجَمِيعَ، وَفِي الثَّانِيَةِ لاَ يَلْحَقُ الأَوَّلَيْنِ، لمفارقتهم له قبل السهو، وَيُسَنُّ حَمْلُ السِّلاَحِ فِي هَذِهِ الأَنْوَاعِ، احتياطاً، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، لظاهر الآية، ووجه الاستحباب أن وضعه لا يفسد الصلاة قطعاً، والخلاف مخصوص بطهارة السلاح وعدم منعه صحة الصلاة وأن لا يؤذي غيره، وأن لا يظهر الخطر بتركه،
والوضع بين يديه كالحمل.
• الرَّابِعُ: أَنْ يَلْتَحِمَ قِتَالٌ أَوْ يَشْتَدَّ الْخَوْفُ، أى وإن لم يلتحم القتال فلم يَأْمَنُواْ أن يركبوهم إذا انقسموا فرقتين، فَيُصَلِّيَ كَيْفَ أَمْكَنَ رَاكِباً وَمَاشِياً، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 142 أي مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، (•) الْهَرِيْرُ: يقالُ هرِيْرُ الْكَلْبِ: صَوْتُهُ دُوْنَ نُبَاحِهِ مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَلَى الْبَرْدِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 382
وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْقِبْلَةِ، أي بسبب العدو للضرورة، وَكَذَا الأَعْمَالِ الْكَثِيرَةِ، أي كالضربات المتوالية، لِحَاجَةٍ فِي الأَصَحِّ، كما لو اضطروا إلى المشي فمشوا، والثاني: لا لندوره، وهو ضعيف؛ لأنه إنكار للمشاهدة، والثالث: تبطل إن كُرِّر في شخص لا أشخاص، أما إذا لم يحتج إليها فإنها تبطل قطعاً، لاَ صيَاحٍ، أي فإنه لا يعذر فيه مطلقاً لعدم الحاجة إليه بل الكمىُّ الْمُقَنَّعُ السَّاكِتُ أَهْيَبُ (•)، ويلْقِي السِّلاَحَ إِذَا دُمِيَ، لأنه يبطل الصلاة، قال الإمام: أو يرده سريعاً إلى قرابه الذي تحت ركابه، وخالف الروياني، فَإِنْ عَجَزَ أَمْسَكَهُ، وَلاَ قَضَاءَ فِي الأَظْهَرِ، لأن التلطخ به غالب، والثاني: يجب لندوره، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْمَأَ، لقول ابن عمر - رضي الله عنه -: (وَإِذَا كَانَ خَوْفٌ أَكَثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَصَلِّ رَاكِباً أَوْ قَائِماً تُوْمِئُ إِيْمَاءً) رواه مسلم 143، وَالسُّجُودَ أَخْفَضَ، أي جعله أخفض من الركوع تمييزاً بينهما، وَلَهُ ذَا النَّوْعِ، أي وهو صلاة شدة الخوف 144، فِي كُلِّ قِتَالٍ وَهَزِيمَةٍ مُبَاحَيْنِ، أي فلا يجوز في القتال المحرم بالإجماع، والمراد بالمباح هنا مالا إثم فيه ولو كان واجباً كقتال البغاة، وَهَرَبٍ مِنْ حَرِيقٍ وَسَيْلٍ، أي إذا لم يجد معدلاً عنهما لوجود الخوف، وَسَبُعٍ، أي لَمْ تكُونُواْ تَعْلَمُونَ}.
(•) الكميُّ: الشُّجَاعُ الَّذِي كَمَى نَفْسَهُ أَيْ سَتَرَهَا بِاللُّبْسِ يُقَالُ: أَكْمَى الشَّيْءَ إِذَا سَتَرَهُ.
وَالْمُقَنَّعُ لاَبِسُ الْبَيْضَةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 383
وكذا حَيَّةٍ لما قلناه، وَغَرِيمٍ عِنْدَ الإِعْسَارِ وَخَوْفِ حَبْسِهِ، أي ولا يَجِدُ بَيِّنَةً دفعاً لضرر الحبس.
فَرْعٌ: إذا جوزنا صلاة شدة الخوف لغير القتال فالأظهر لا إعادة.
وَالأَصَحُّ مَنْعُهُ لِمُحْرِمٍ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ، أي صلى متمكناً العشاء؛ لأنه مُحَصِّلٌ لا خائف فأشبه متبعُ أقفيةِ الكفَّارِ؛ فعلى هذا الأشبه عند الرافعي أنه يصلي مستقراً ويفوت الْحَجَّ، وصحح المصنف خلافه، والوجه الثاني: يصلي صلاة شدة الخوف ليجمع بين الحج والصلاة وليس يبعد، وقال في شرح المهذب: إنه ضعيف وجعله هنا وجهاً قوياً، وَلَوْ صَلَّوْا لِسَوَادٍ، أي إبلاً أو شجراً، ظَنُّوهُ عَدُوّاً فَبَانَ
غَيْرُهُ، أي الحال، قَضَوْا فِي الأَظْهَرِ، لعدم الخوف في نفس الأمر، والثاني: لا؛ لقيام الخوف حينئذٍ، وهذا إذا صلّوا صلاة شدة الخوف، فإن صلّوا صلاة الخوف فلا إعادة قطعاً كما قاله الماوردي، ووافقه البغوى في صلاة بطن نخل وأجرى الخلاف في غيرها، ولو رأوا عدواً فخافوهم فصلّوها ثم بَانَ أنه كان بينهم خندق فالقولان، وقيل: الإعادة قطعاً، ومحل الخلاف في المسألتين إذا كان العدو زائداً على الضِّعْفِ حتى يجوزَ لهم الهرب وإلاّ فيجب الإعادةُ قطعاً، قاله الأَصْبَحِيُّ في الْمُعِيْنِ.
فَصْلٌ: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ بِفَرْشٍ وَغَيْرِهِ، أي كاللبس والتدثر، أما اللبس فَمُجْمَعٌ عليه وأما سواه فلقول حذيفة: [نَهَانَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ لُبْسِ الْحَرِيْرِ وَالدِّيْبَاجِ وَأنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ] رواة البخاري 145، والقز كالحرير على الأصح، والخنثى كالرجل وفيه احتمال.
وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ، بالإجماع 146، وَالأَصَحُّ تَحْرِيمُ افْتِرَاشِهَا، لأنه أُبيح لهن
الجزء: 1 - الصفحة: 384
لبسه للتزين للزوج وهو مُنْتَفٍ هنا، والثاني: لا، لما سيأتى، وَأَنَّ لِلْوَلِيِّ إِلْبَاسُهُ الصَّبِيَّ، لأنه ليس مكلفاً ولا في معنى الرجل، قال في البيان: وهو المشهور، قال في الروضة هنا: وصححه المحققون، وقال في الزكاة: إنه الأصح المنصوص ما لم يبلغوا، والثاني: لا، كما يمنعه من شرب الخمر ونحوه، ورَجَّحَهُ ابنُ الصلاح، والثالث: يجوز قبل سبع سنين لا بعده كيلا يعتاده ورجحه الرافعي في شرحيهِ، ومحل الخلاف في غير يوم العيد، أما يوم العيد فيجوز تزينهم به وبالذهب قطعاً لأنه يوم زينة، وليس على
الصبيان تَعَبُّدٌ، نقله المصنف في شرح المهذب في باب صلاة العيدين عن الشافعي والأصحاب.
قُلْتُ: الأَصَحُّ حِلُّ افْتِرَاشِهَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيرُهُمْ، وَاللُّه أَعْلَمُ، كاللبس ولا نسلم أن إباحته لمجرد التزيين للزوج كما علل به القائل بالتحريم ثم إذ لو كان كذلك، لاختص بذات الزوج وأجمعوا على أنه لا يختص.
وَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ أَوْ فُجْأَةِ حَرْبٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَلِلْحَاجَةِ كَجَرَبٍ وَحَكَّةٍ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - أَرْخَصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ لِبْسَهُ لِحِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا، متفق عليه 147، وَالْحِكَّةُ بكسر الحاء قال الجوهري: هي الْجَرَبُ فينكر على المصنف جمعه بينهما 148، وَدَفْعِ قَمْلٍ، لأنه لا [أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيْرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا] رواه الإمام أحمد في المسند: ج 4 ص 394 و 407. والنسائي في السنن: كتاب الزينة: باب تحريم الذهب على الرجال: ج 8 ص 161 وإسناده صحيح وله شواهد.
• وقوله بالإجماع؛ لا يريد به دليل إجماع الصحابة، بل أراد به اتفاق علماء المذهب على هذه الفتوى بلا خلاف ولا قول ولا وجه؛ بل قولاً واحداً.
الجزء: 1 - الصفحة: 385
يقمل، وفي الصحيحين أيضاً أَنَّ ابن عوفٍ والزبير شَكَيَا القمل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -
فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيْصِ الْحَرِيْرِ في غزاة لهما 149، ولا يختص ذلك بالسفر على الأصح خلافاً لابن الصلاح، وَلِلْقِتَالِ كَدِيبَاجٍ لاَ يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، أي في دفع السلاح لأنه يحصنه؛ فإن وجد غيره مما يقوم مقامه؛ فالأصح التحريم لعدم الضرورة.
وَيَحْرُمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ ابْرِيسَمٍ وَغَيْرِهِ إِنْ زَادَ وَزْنُ الاِبْرِيسَمِ، تغليباً للحرام، وَيَحِلُّ عَكْسُهُ، أي كالخزِّ، وَكَذَا إِنِ اسْتَوَيَا فِي الأَصَحِّ، لأنه لا يسمى ثوبَ حريرٍ والأصل الحلُّ، والثاني: يحرم تغليباً للتحريم، وَيَحِلُّ مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ قَدْرَ الْعَادَةِ، أما الأول: فلأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ إنما نهى عن الثوب المصمت من الحرير، أما العَلَمُ وَسَدَى الثَّوْبِ فلا بأس به، رواه أبو داود عن ابن عباس 150،
ويشترط أن لا يجاوز الطراز قدر أربع أصابع فإن جاوزها حرم، وأما المطرف وهو المسجّف فلأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كانت له جبة مكفوفة الجيب والفرجين وَهُوَ إِمْرَارُ جِرْمٍ عَلَى جِرْمٍ صَكّاً، وَالإِسْمُ الْحِكَّةُ بِالْكَسْرِ.
وَتَحَاكَّا: اِصْطَكَّ جِرْمَاهُمَا فَحَكَّ كُلُّ الآخَرَ.
قُلْتُ: ولعل المراد في الحِكَّةِ عنده عموم وخصوص، والعموم هو اسم الفعل (الْحَكِّ) والمراد به إمرار الجرم على آخر، كما سيأتى في تأثير القمل عليهما، وبهذا يكون للجمع بينهما مناسبة، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 386
بالديباج، رواه أبو داود أيضاً 151 والشرط فيه الاقتصار على العادة، كما ذكره المصنف، وخرج بالحرير الذهب فإنه يحرم التطريز والتطريف به مطلقاً ومن أَلْحَقَهُ بِهِ فَقَدْ وَهِمَ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ، أى المتنجس، فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، أي كسجود الشكر لأنه ظاهر العين، نعم يُكرَهُ، لاَ جلْدِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ، لأن الخنزير لا ينتفع به في حال حياته مطلقاً، وكذا الكلب إلا في أغراض مخصوصة، فلأنْ لا ينتفع بهما بعد الموت أَوْلى، وجلد فرع أحدهما ملحق بهما، إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَفَجْأَةِ قِتَالٍ، أي ولم يجد سواه، وكذا إذا خاف على نفسه من حَرٍّ أو بَرْدٍ كما له أكل الميتة عند الاضطرار، وَكَذَا جِلْدُ الْمَيْتَةِ، أي في حال الاختيار، فِي الأَصَحِّ، مثار الخلاف أنَّ تحريم جلد الكلب والخنزير لنجاسة العين أو لِمَا خُصَّا به من التغليظ فيحرم على الأول ويحل على الثاني.
وَيَحِلُّ الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أى مع الكراهة سواء نجس بعارض أو كان نجس العين كَوَدَكِ الميتة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ: [إِنْ كَانَ ذَائِباً أَوْ مَائِعاً فَاسْتَصْبِحُواْ بِهِ أَوْ فَانْتَفِعُواْ بِهِ] رواه الطحاوي، فقال: إنَّ رجالَهُ ثِقات 152، والثاني: لا يجوز؛ لأجل دُخَانِ النجاسة، وصحح المصنف في شرح المهذب في باب البيع: القطع بالأول؛ وهو مخالفٌ لجزمهِ هنا بطريقة القولين.
الجزء: 1 - الصفحة: 387
بَابُ صَلاَةِ الْعِيْدَيْنِ
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 153، قِيْلَ: الْمُرَادُ بِالصَّلاَةِ صَلاَةُ عِيْدِ النَّحْرِ؛ وَبِالنَّحْرِ الأُضْحِيَّةُ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَوْدِ.
هِيَ سُنَّةٌ، لمواظبته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عليها، غير واجبة لحديث الأعرابي الصحيح: [هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لاَ؛ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ] 154، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، لأنها من شعائر الإسلام كرَدِّ السَّلامِ، ويُستثنى من ذلك الحاج بِمِنَى فإنه لا يخاطب بالعيد، نص عليه كما نقله الماوردي في كتاب الحج.
وَتُشْرَعُ جَمَاعَةً، بالإجماع، وَلِلْمُنْفَرِدِ؛ وَالْعَبْدِ؛ وَالْمَرْأَةِ؛ وَالْمُسَافِرِ، كسائر النوافل، وَوَقْتُهَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ، لخروج وقت الكراهة، وإن كان لها سبباً، ويقتضي كلام المصنف الفوات إذا شهدوا بالرؤية بعد الزوال يوم الثلاثين وعدلوا بعد الغروب، وقلنا الْعِبْرَةُ بالتعديل وهو الأصح، وليس كذلك بل يصلي من الغد أداءً
الجزء: 1 - الصفحة: 388
وَهِيَ رَكْعَتَانِ، بالإجماع 155، يُحْرِمُ بِهِمَا، أي بِيِنَّةِ صلاةِ العيدِ، ثُمَّ يَأْتِي بِدُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ، كسائر الصلوات، ثُمَّ سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَبَّرَ في العيدين الأضحى والفطر ثنتى عشرة تكبيرة في الأُوْلى سَبْعاً وفي الاخرة خَمْساً سوى تكبيرة الإحرام، رواه الدارقطني وصححه البخاري 156.
فَرْعٌ: لو صلى خلف من يكبّر ثلاثاً أو ستاً تابعه على الأظهر لئلا يخالفه.
يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ كَآيَةِ مُعْتَدِلَةٍ، يُهَلِّلُ؛ وَيُكَبِّرُ؛ وَيُمَجِّدُ، لأثر فيه في البيهقي عن ابن مسعود بنحوه بسند جيد 157، قال المصنف في شرح مسلم: وجمهور العلماء على أن هذه التكبيرات ولاءً، خلافاً لعطاء والشافعي وأحمد 158.
الجزء: 1 - الصفحة: 389
وَيَحْسُنُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، هذا ما ذكره الجمهور، وهى الباقيات الصالحات على قول ابن عباس وجماعة 159، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ لأنه استفتاح للقراءة فلتكن عَقِبَهَا، وَيَقْرَأُ، أي الفاتحة كما في سائر الصلوات، وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْساً، أي سوى تكبيرة القيام، قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، للحديث السالف 160، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْجَمِيعِ، لحديث مرسل وأثر عن عمر - رضي الله عنه - منقطع ضعيف 161.
فَرْعٌ: يُسَنُّ أَنْ يَضَعَ يُمْنَاهُ عَلَى يُسْرَاهُ بين كُلِّ تكبيرتين على الأصح.
(وجمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متواليةً متصلةً، وقال عطاءُ والشافعيُّ وأحمدُ يُستحبُّ بين كُلِّ تكبيرتين ذكر الله تعالى وروى هذا أيضاً عن ابن مسعود - رضي الله عنه -).
إهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 390
وَلَسْنَ، أي هذه التكبيرات الزائدة، فَرْضًا وَلاَ بَعْضًا، أى فلا سجود بتركهن عمدًا أو سهوًا، نعم يُكْرَهُ تركهُنَّ أو ترك واحدة منهن والزيادة فيهن نصَّ عليه، وَلَوْ نَسِيَهَا، أى التكبيرات، وَشَرَعَ فِي القِرَاءَةِ فَاتَتْ، لأن محلها قبل القراءه، فلو عاد لم تبطل صلاته والظاهر أن العمد كالنسيان، وَفِي الْقَدِيمِ يُكَبَّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ، لبقاء القيام، وهو محله فإن ركع مضى في صلاته ولم يكبِّر، فإن عاد بطلت صلاته
جزمًا، قاله الرافعي ولعله مع العلم، أما الجاهل فيعذر.
وَيَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الأُوْلَى ﴿ق﴾ وَفِي الثَّانيةِ ﴿اقْتَرَبَتْ﴾ بِكَمَالِهِمَا، اقتداء به - صلى الله عليه وسلم - كما رواه مسلم 162، وثبت فيه أيضًا أنه قرأ فيهما ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ 163 قال في الروضة: وهو سُنَّة أيضًا، جَهْرًا، بالإجماع 164.
الجزء: 1 - الصفحة: 391
وَيُسَنُّ بَعْدَهُمَا خُطْبَتَانِ، اقتداءً به - صلى الله عليه وسلم - وبالخلفاء الراشدين فإنهم خطبوا بعدها،
والمعتمد في التكرار القياس على الجمعة 165.
أَرْكَانُهُمَا كَهِيَ فِي الْجُمْعَةِ، أي كما بيناها في بابها، ولا يجب القيام هنا على الأصح، وَيُعَلِّمُهُمْ فِي الْفِطْرِ الْفِطْرَةَ وَفِي الأَضْحَى الأُضْحِيَةَ، أى يذكر من أحكامهما ما تعم الحاجة إليه لأنه لائق بالحال، يَفْتَتِحُ الأُوْلَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ، تكبيرات، وَلاَءً، لقول بعض التابعين أنه من السُّنَّة وهو موقوف على الأصح 166، قال الإمام: وتُشبه الخطبتين بصلاة العيد، فإن الركعة الأُولى تشمل على سبع تكبيراتٍ مع تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع، وفي الثانية خمس تكبيرات مع تكبيرة القيام
والركوع، وهذه التكبيرات ليست من نفس الخطبة، وإنما هي مقدماتها نص عليه.
وَيُنْدَبُ الغُسْلُ، كالجمعة، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ، كما في الأذان للصبح، وَفِي قَوْلِ بِالْفَجْرِ، كالجمعة والفرق ظاهر، وَالتَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ كَالْجُمُعَةِ، وَفِعْلُهَا بِالْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، أي عند اتساعه؛ لأنه أفضل، وإنما خرج - صلى الله عليه وسلم - إلى الصحراء لضيق مسجده، وَقِيلَ بِالصَّحْرَاءِ، تأسيًا به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ 167، إِلاَّ لِعُذْرٍ، أي
الجزء: 1 - الصفحة: 392
كمطر وغيره؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ صلَّى بِهِمْ فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ عِيْدٍ لأَجْلِ الْمَطَرِ، رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد 168، واعلم أنه استثنى من ذلك مسجد مكة شَرَّفَهَا الله تعالى لسعته وفضله، وأَلْحَقَ الصيدلاني وجماعة به الصلاة في المسجد الأقصى وسكت عنه الجمهور.
وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ، يعني عند خروج الإمام إلى الصحراء اقتداءً بعلي كرَّم الله وجهه 169، وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى، اقتداءً به عَلَيْهِ الْمَدِينَةِ مَطَرًا شَدِيْدًا لَيْلَةَ الْفِطْرِ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلِّى فِيْهِ الْفِطْرَ وَالأَضْحَى، ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ الله بن عَامِرٍ بن رَبِيعَةَ: قُمْ فَأَخْبِرِ النَّاسَ مَا أَخْبَرْتَنِي، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بن عَامِر: (إِنَّ النَّاسَ مُطِرُواْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -، فَامْتنَعَ النَّاسُ مِنَ الْمُصَلَّى، فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا أَيَّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَخْرُجُ بِالنَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّي يُصَلَّي بِهِمْ لأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِمْ وَأَوْسَعُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ لاَ يَسَعُهُمْ، قَالَ: فَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَطَرُ فَالْمَسْجِدُ أَرْفَقُ).
رواه البيهقى في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: باب صلاة العيد في المسجد: الحديث (6350). • أما أنه في الصحراء تأسيًا به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ؛ لخبر بكر بن مبشر الأنصاري؛ قال: (كُنْتُ أَغْدُو مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى، فَنَسْلُكُ بَطْنَ بَطْحَان حَتَّى نَأْتِيَ الْمُصَلِّي فَنُصَلِّي مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ نَرْجِعُ مِنْ بَطْنِ بَطْحَان إِلى بُيُوتِنَا).
رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب إذا لم يخرج الإمام للعيدين من يومه: الحديث (1158).
الجزء: 1 - الصفحة: 393
الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، كما رواه البخاري وغيره 170، والأصح في سببه: أنه كان يذهب في أطول الطريقين، ويَرجع في أقصرهما، لأَنَّ الذهاب أفضل من الرجوع، ويقال: إنه ما مَرَّ من طريق إلّا وتفوح منها رائحة المسك، وقيل: فعل ذلك لتشهد له البقاع، فقد روي: [منْ مَشَى فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ شَهِدَتْ لَهُ الْبِقَاعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] 171، قال الماوردي: في معنى شهادة البقاع تأويلان، الأول: أن الله تعالى ينطقها بذلك، والثاني: أن الشاهد أهلها لقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ 172.
وقال ابن أبي حمزة في اقليد التقليد: هذا الحديث هو معنى قول يعقوب لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ 173.
فَرْعٌ: سائر العبادات كالجمعة، والصلاة وغيرها يُستحب الذهاب إليها في طريق والرجوع في أخرى، نبّه عليه المصنف في رياضه.
وَيُبَكِّرُ النَّاسُ، ليحصل القرب من الإمام، وَيَحْضُرُ الإِمَامُ وَقْتَ صَلاَتِهِ، لظاهر حديث أبي سعيد في الصحيحين 174، وَيُعَجِّلُ، إلى الخروج، فِي الأَضْحَى، للأمر لِلْخُرُوجِ) ووجه الاستدلال عنده - رضي الله عنه -، مِن جهة التنفيذ، عن الحارث الأعور - رضي الله عنه - قالَ: (مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ إلَى الْمُصَلَّى، قال: وَالْخُرُوجُ يَوْمَ الْعِيْدَيْنِ مِنَ السُّنَّةِ، وَلاَ يَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلاَّ ضَعِيْفٌ أَوْ مَرِيْضٌ).
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: باب الإمام يأمر من يصلي بضعفة الناس: الأثر (6351 - 6353).
الجزء: 1 - الصفحة: 394
به، قال الماوردي في الإقناع: والاختيار أن يصلِّي الأضحى إذا مضى من النهار سُدُسُهُ وفي الفطر رُبُعُهُ 175. قُلْتُ: وَيَأْكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاَةِ، ويُمْسِكُ فِي الأَضْحَى، للاتباع؛ والفرق لائح، وفي الصحيح [أَنَّهُ عليه السلام كَانَ لاَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمْرَاتٍ وِتْرًا] 176 قال الداودي: إنما استحب الفطر على التمر، لأن النخلة ممثلة بالمسلم، ولأنه قيل: إنها الشجرة الطيبة.
وَيَذْهَبُ مَاشِيًا بِسَكِينَةٍ، كالجمعة، وَلاَ يُكْرَهُ النَّفْلُ قَبْلَهَا لِغَيْرِ الإِمَامِ، وَالله أَعْلَمُ، لأن أنَسًا وغيره كانوا يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام كما رواه البيهقي 177، أما الإمام فيكره له التنفل مطلقًا لأنه متبوع.
فَرْعٌ: دخل المسجد والإمام يخطب صلى العيد لا التحية في الأصح، وصحح صاحب البيان مقابله، وهذا إذا فرعنا على الأصح، بأن المنفرد يصلي العيد كما جزم به المصنف، وموضع الخلاف إذا اتسع وقت العيد وإلا فلا صلاَة قطعًا قاله صاحبُ الْمُعِيْنِ.
فَصْلٌ: يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَتَي الْعِيدِ فِي الْمَنَازِلِ وَالطُّرُقِ فَيَعِظُهُمْ؛ وَيُوصِيْهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ.
فَإِنْ كَانَ يُرِيْدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ].
رواه البخاري في الصحيح: كتاب العيدين: باب الخروج إلى المصلي بغير منبر: الحديث (956). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة العيدين: الحديث (9/ 889).
الجزء: 1 - الصفحة: 395
وَالْمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، أما في عيد الفطر فلقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي عدة صوم رمضان ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ 178 عند إكمالها، وأما في عيد الأضحى فالقياس على الفطر، وقال الماوردي: إنه إجماع.
فَرْعٌ: المرأةُ لا ترفع الصوت وكذا الخنثى فيما يظهر.
وَالأَظْهَرُ إِدَامَتُهُ حَتَّى يُحْرِمَ الإِمَامُ بِصَلاَةِ الْعِيدِ، لأن الكلام يباح إلى تلك الغاية، والتكبير أَولى ما يشتغل بهِ، فإنه ذِكْرُ اللهِ تعالى وشعارُ اليوم، والثاني: إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة لاشتغالهم بالتَّأَهُّبِ حينئذ، وَلاَ يُكَبِّرُ الْحَاجُّ لَيْلَةَ الأَضْحَى بَلْ يُلَبِّي، لأنها شعاره، وَلاَ يُسَنُّ، أي التكبير المقيد، لَيْلَةَ الْفِطْر عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي الأَصَحِّ، لأنه لم ينقل، ولو شرع لَفُعِل ونُقِلَ، والثاني: يُسن كالأضحى؛ فيكبر
خلف المغرب والعشاء والصبح، ونقله البيهقي في كتابه فضائل الأوقات عن نص الشافعي، وأنه استدل بالآية السالفة، وجزم به المصنف في الأذكار 179.
وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ مِنْ ظُهْرِ النَّحْرِ، لأن شعارهم التلبية، وإنما يتركونها بالتكبير مع أول حصاة يرمونها يوم النحر، والظهر أول الصلاة ينتهون إليها من وقت قطع التلبية، وَيَخْتِمُ بِصُبْحِ آخِرِ، أيام، التَّشْرِيقِ، لأنه آخر صلاة يصلونها بمنى، وَغَيْرُهُ كَهُوَ، أى غيرُ الحاجِّ كالحاجِّ، فِي الأَظْهَرِ، تبعًا لهم، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ مَغْرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، كما أن في عيد الفطر يبتدي بالتكبير عقيب الغروب، وَفِي قَوْلِ: مِنْ صُبْحِ
عَرَفَةَ، ويَخْتِمُ بِعَصْرِ آخِرِ التَّشْرِيقِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا، اقتداء به - صلى الله عليه وسلم - كما رواه
الجزء: 1 - الصفحة: 396
الحاكم وصحح إسناده وفيه نظر 180، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ لِلْفَائِتَةِ وَالرَّاتِبَةِ وَالنَّافِلَةِ، أي المطلقة لأنه شعار الوقت 181، والثاني: لا، ويجعل ذلك من شعار الأداء والفرائض، والخلاف في الفوائت إذا قلنا: لا يُكبر للنوافل، أما إذا قلنا: يُكبرُ لها فيكبر هنا قطعًا، قاله في الحلية، والمراد هنا بالراتبة التابعة للفرائض وغيرها، وإن كان الأصح في غير هذا الباب الأول، وَصِيغَتُهُ الْمَحْبُوبَةُ: (اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَالله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ كَبِيرًا، أي بعد التكبيرة الثالثة، وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وفي فضائل الأوقات للبيهقي بإسناده إلى أبي عثمان النَّهْدِيِّ قال: كان سلمانُ - رضي الله عنه - يعلمنا التكبير يَقُولُ: [كَبِّرُواْ الله بِقَوْلِ الله أَكْبَرُ، الله أَكْبَرُ كَبِيْرًا، أَوْ قَالَ: تَكْبِيْرًا، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ صَاحِبَةٌ أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلَدٌ أَوْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيْرًا اللَّهُمَّ أغْفِرْ لَنَا اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا] 182. فَائِدَةٌ: في هذا الكتاب أيضًا من حديث أنس رفعه، [إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيْلُ عليه السلام فِي كَبْكَبَةٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ يُصَلُّونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ الله
الجزء: 1 - الصفحة: 397
تَعَالَى، فَإذَا كَانَ يَوْمُ عِيْدِهِمْ يعني يَوْمَ فِطْرِهِمْ بَاهَى بِهِمْ مَلاَئِكَتَهُ فَقَالَ: يَا مَلاَئِكَتِي مَا جَزَاءُ أَجِيْرٍ وَفَّي عَمَلَهُ، قَالُوا: رَبَّنَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى أَجْرَهُ، قَالَ: مَلاَئِكَتِي عَبِيْدِي وَإِمَائِى قَضَوْا فَرِيْضَتِي عَلَيْهِمْ ثُمَّ خَرَجُواْ يَعُجُّونَ إِلَيَّ بِالدُّعَاءِ، وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي وَكَرَمِي وَعُلُوِّي لأُجِيْبَنَّهُمْ، فَيَقُولُ: ارْجِعُواْ قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَبَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ.
قال: فَيَرْجِعُونَ مَغْفُورًا لَهُمْ]، قال البيهقي: انفرد به أصرم بن حوشب الهمذاني بهذا الإسناد 183.
فَصْلٌ: وَلَوْ شَهِدُواْ يَوْمَ الثْلاَثِينَ قَبْلَ الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الهِلاَلِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ أَفْطَرْنَا وَصَلَّيْنَا الْعِيدَ، لبقاء الوقت، وقَيَّدَ الرافعي ذلك بما إذا بقي من الوقت ما يمكن جمع الناس فيه وإقامة الصلاة 184، وَإِنْ شَهِدُواْ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ تُقْبَلِ الشَّهَادَةُ، أي في صلاة العيد خاصة، أَوْ بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ أَفْطَرْنَا، وَفَاتَتِ الصَّلاَةُ، لخروج وقتها بالزوال، وَيُشْرَعُ قَضَاؤُهَا مَتَى شَاءَ فِي الأَظْهَرِ، أي في باقي اليوم وضحوة الْغَدِ وبعده متى اتفق كالفرائض إذا فاتت لا يتعين وقت قضائها، والثاني: لا يجوز تأخيرها عن الحادي والثلاثين؛ لجواز كونه عيدًا بأن يخرج الشهر كاملًا، بخلاف ما بعده من الأيام، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: تُصَلِّى مِنَ الْغَدِ أَدَاءً، لأن الغلط في الهلال كثير فلا يفوت به هذا الشعار العظيم، يؤيده الوقوف في العاشر غلطًا، والأصح: أن العبرة
الجزء: 1 - الصفحة: 398
في الشهادة بالتعديل كما سلف لا بوقتها، لأنه وقت جواز الحكم بها، وَاعْلَمْ: أن القضاء واجب إذا قلنا: إنها فرضُ كفايةٍ ولم يُصَلِّ في ذلك الموضع، كما نبَّهَ عليه ابن عَجِيْلٍ وصاحبُ الْمُعِيْنِ.
بَابُ صَلاَةِ الكُسُوفَيْنِ
اَلكُسُوفُ: مَا انْكَسَفَتْ حَالُهُ أَيْ تَغَيَّرَتْ (•)، وَالأَشْهَرُ فِي أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ تَخْصِيْصُ الْكُسُوفِ بالشَّمْسِ، والْخُسُوفِ بِالْقَمَرِ، وَادَّعَى الْجَوْهَرِىُّ أَنَّهُ أَفْصَحُ 185.
هِيَ سُنَّةٌ، بالإجماع؛ وقول من قال: إنها فرضُ كفايةٍ شاذ، فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلاَةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ، ثُمَّ يَسْجُدُ، فَهَذِهِ رَكْعَةٌ.
ثُمَّ يُصَلِّي ثَانِيَةً كَذَلِكَ، أي ففي كل ركعة قيامان وركوعان صحت الأخبار بذلك ولم أر فيها قراءة الفاتحة فى كل قيام وإنما فيها أنه قرأ فيهما، وكأنَّ الشافعي أَلحق القيام الثاني بالركعة الكاملة 186، وَلاَ يَجُوزُ زَيِادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ، أي وكذا رابع وخامس وأكثر، لِتَمَادِي الْكُسُوفِ، وَلاَ نَقْصُهُ، إلى (•) في نسخة (1): الْكُسُوفُ: مِنْ كُسِفَتْ حَالُهُ أَيْ تَغَيَّرَتْ.
الجزء: 1 - الصفحة: 399
الركوع الثاني، لِلإِنْجِلاَءِ فِي الأَصَحِّ، كسائر الصلوات لا يزاد على أركانها ولا ينقص منها، والثاني: تجوز الزيادة حتى ينجلي، لأنه ثَبَتَتِ الزيادةُ على ذلك، ولا محمل لذلك إلاّ الحمل على تمادي الكسوف، ووجه النقص أن سببها الكسوف فيزيد بزيادته وينقص بنقصانه 187.
فَرْعٌ: لو صلى الكسوفَ كهيئة سُنَّةِ الظُّهْرِ ونحوها صَحَّتْ صلاته للكسوف، وكان تاركًا للأفضل، نقله في شرح المهذب عن مقتضى كلام الأصحاب، ولا يجتمع مع تصحيح منع النقص عند الانجلاء فَتَأَمَّلْهُ.
وَالأَكْمَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، أي وسوابقها من دعاء الافتتاح والتعوذ، الْبَقَرَةَ، أي إن أحسنها أو قَدْرَها إن لم يحسنها، وَفِي الثَّاني كَمَائَتَيْ آيِةٍ مِنْهَا، وَفِي الثَّالِثِ مَائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالرَّابِعُ مَائَةٍ تَقْرِيبًا، هذا نصُّهُ في الأُمِّ والمختصر، وله نصٌّ آخر في البويطي لا يخالفه، وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الأَوَّلِ قَدْرَ مَائَةٍ، آية، مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ، والثَّالِثِ سَبْعِينَ، أي بتقديم السِّيْن على الباء، وَالرَّابِعِ خَمْسِينَ تقْرِيبًا، هذا نصهُ في الأُمِّ والمختصر والبويطى، وفي موضع آخر منه أنه يسبح في كل ركوع بقدر قراءته، والظاهر: أن المراد بالآيات المذكورة المتوسطة لا الطوال ولا القصار، وَلاَ يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الأَصَحِّ، كما لا يزيد في التشهد، ولو عبَّرَ بالأظهر كما عبر به في الروضة كان أحسن.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ تَطْوِيلُهَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، أي من حديث ابن عمرو وغيره 188، وَنَصَّ فِي الْبُوَيْطِيّ أَنَّهُ يُطَوِّلُها نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَالله أَعْلَمُ، هو كما قاله وقد رأيته في موضعين منه،
واختار في الروضة أن السجود الأول كالركوع الأول والثاني كالثاني، قال:
الجزء: 1 - الصفحة: 400
وحديث عبد الله بن عمرو يقتضي استحباب إطالة الجلوس بين السجدتين، قُلْتُ: وحديث جابر في مسلم أنه يطول الاعتدال الثانى أيضًا 189. وَتُسَنُّ جَمَاعَةً، اقتداء به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، ويَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ، لأنها صلاة ليل وهو إجماع، لاَ الشَّمْسِ، اقتداء به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كمَا صححه الترمذي وغيره 190، ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ، للأتباع، خُطْبَتَيْنِ، كما في الجمعة وتجزي واحدة نص عليه، بِأَرْكَانِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ، أي وشرائطهما، قال الرافعي: وكتب الأصحاب ساكنة عن التكبير في أولهما، وَيَحُثُّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْخَيْرِ، أي من فعل الأعتاق والصدقة، وقد ثبتا في الصحيح 191. فَصْلٌ: وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلَ، أي من الركعة الأولى أو من الثانية، أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، كما في سائر الصلوات، أَوْ فِي ثَانٍ، أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ فَلاَ فِي الأَظْهَرِ، لأن الأصل هو الركوع الأول والثاني تابع، والثاني: يدركها به، لأنه ركوع صحيح
الجزء: 1 - الصفحة: 401
وقيام صحيح، وَتَفُوتُ صَلاَةُ الشَّمْسِ بِالإِنْجِلاَءِ، لأنَّا نصلي طلبًا له وقد حصل، وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً، لزوال سلطانها وهو النهار، وَالْقَمَرِ بِالإِنْجِلاَءِ، لِما مَرَّ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، لزوال سلطانه وهو الليل، لاَ الْفَجْرِ فِي الْجَدِيدِ، لبقاء ظلمة الليل والانتفاع بضوئه، والقديم: أنها تفوت به لذهاب الليل وهو سلطانه، وفي موضع القولين طريقان، أحدهما، قاله ابنُ كج وأقرّه الرافعي: أنهما فيما إذا غاب خاسفًا
بين طلوع الفجر والشمس، فأما إذا لم يغب وبقي خاسفًا فيجوز الشروع في الصلاة قطعًا، والثاني: جريانُ القولين في الحالين وهو ظاهر إيراد المصنف تبعًا للجمهور كما نقله عنهم المصنف في شرح المهذب، وَلاَ بِغُرُوبِهِ خَاسفًا، لأن سلطان القمر الليل وهو باقٍ، فغروبه كغيبوبته تحت السحاب خاسفًا.
فَرْعٌ: لا تفوتُ الخطبة بكل حال؛ صَرَّحَ بِهِ الجرجانيُّ في تحريره والمصنفُ في شرح مسلم.
وَلَوِ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آخَرُ، قُدِّمَ الْفَرْضُ إِنْ خِيفَ فَوْتُهُ، اهتمامًا به لوجوبه، وَإِلاَّ، أي وإن لم يخف فوت الفرض، فَالأَظْهَرُ تقْدِيمُ الْكُسُوفِ، لخوف فوته بالإنجلاء، والثاني: تقديم الفرض لوجوبه، وصحح في شرح المهذب القطع بالأول، ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ، كما أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ استسقى في خطبة الجمعة 192، ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، أي ولا يحتاج إلى أربع خطب، ويقصد بالخطبتين الجمعة خاصة، ولا يجوز أن يقصد الكسوف معها للتشريك.
وَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجَنَازَةٌ قُدِّمَتِ الْجَنَازَةُ، لما يخشى من حدوث التغيّر في الميت، ولو اجتمعت الجمعة مع الجنازة فكذلك إن لم يضِق الوقت، فإن ضاق قُدِّمَت الجمعة لافتراضها.
الجزء: 1 - الصفحة: 402
بَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِ
الاسْتِسْقَاءُ: هُوَ طَلَبُ السُّقْيَا وَهُوَ أَنْوَاعٌ، أَدْنَاهُ الدُّعَاءُ بِلاَ صَلاَةٍ وَلاَ خَلْفَ صَلاَةِ، وَأَوْسَطُهُ الدُّعَاءُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَأفْضَلُهُ الاسْتِسْقَاءُ بِرَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي.
هِيَ سُنَّةٌ، أى للاتباع غير واجبة لقصة الأعرابي 193، عِنْدَ الْحَاجَةِ، أي فلو انقطعت المياه ولم تمس إليها حاجة فلا تشرع، وتُسنُّ أيضًا للإستزادة على الأصح، وَتُعَادُ ثَانِيًا وَثَالِثًا، أي وأكثر كما صرح به الماوردي، إِنْ لَمْ يُسْقَوْا، لأن الله تعالى يُحِبُّ الْمُلِحِّين فِي الدُّعاء، قال أُصبغُ: استسقى للنيل بمصر خمسة وعشرون يومًا متوالية، وحضره ابن القاسم وابن وهب وغيرهما، فَإِنْ تَأَهَّبُواْ لِلصَّلاَةِ فَسُقُواْ قَبْلَهَا اجْتَمَعُواْ لِلشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ 194، وَيُصَلُّونَ، أي شكرًا، عَلَى الصَّحِيحِ، كما يجتمعون ويدعون، والثاني: لا، لأنها لم تُفعل إلّا عند الحاجة وصحَّحهُ ابن الصلاح وقطع الأكثرون بالأول.
الجزء: 1 - الصفحة: 403
فَرْعٌ: مَن نذرَ أن يستسقي فَسُقِيَ، قال الشافعيُّ فِي الأُمِّ: عليه أن يستسقي لنفسه؛ فإن لم يفعل؛ فعليه القضاءُ وليس عليه الخروج بالناس لأنه لا يملكهم، ويستحب أن يخرج بمن أطاعه منهم 195.
وَيَأْمُرُهُمُ الإِمَامُ بِصِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَوَّلًا، لأنه مَعُونَةٌ على رياضة النفس وخشوع القلب، ويجب عليهم الصوم والحالة هذه، كما صرح به المصنف فِي فتاويه، وحكى ابن التلمساني خلافًا فِي أن فرض الكفاية هل يتعين على من يعيِّنه الإمام أم لا؟ ويبني عليه مطالبته بالكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ، وَالتَّوْبَةِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِوُجُوهِ الْبِرِّ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، لأنه أرجى للإجابة وقد يكون منع الغيث بسبب هذه الأمور؛ والخروج من المظالم من جملة التوبة، ونصَّ عليها لِعِظَمِ شأنها، وَيَخْرُجُونَ إِلى الصَّحْرَاءِ، تأسيًا به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، قال الخفاف من قدماء أصحابنا فِي خصاله: إلّا بمكة وهو حسن، ولم أرَ من تعرض له سواهُ.
فَرْعٌ: عند المالكية حكاية خلاف فِي التكبير عند الخروج إلى الصحراء كالعيد، ولم أرهُ عندنا والظاهر منعه لعدم وروده هنا.
فِي الرَّابِعِ صِيَامًا، لأن دعاؤُه لا يُرد كما صححه ابن حبان 196، فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ، وَتَخَشُّعٍ، لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ خَرَجَ إِلَى الاِسْتِسْقَاءِ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا، صححه الترمذي 197، والبِذْلَةُ: بكسر الباء وإسكان الذال المعجمة ثِيَابُ
الجزء: 1 - الصفحة: 404
الْمِهْنَةِ، وَالتَّخَشُّعُ: التَّذَلُّلُ، وفي آداب الاستسقاء التي أفردها المصنف بالتأليف أنه يحترز الخارج عن الأمور المهوشة، فيقضى أشغاله قبل خروجه، ويقرب طهارته من خروجه لئلا يعرض له مدافعة الحدث، وينبغي أن يخفف غذاءَة وشرابه تلك الليلة، ويخرج من طريق ويرجع فِي أخرى وذكر أدابًا آخر، وَيُخْرِجُونَ الصِّبْيَانَ وَالشُّيُوخَ، لأن دعاءَهُمْ أسرعُ للإجابة، وَكَذَا الْبَهَائِمَ فِي الأَصَحِّ، لأنها تستسقي كما ورد، والثاني: يكره إخراجها، لأنه لم ينقل، وحكاه الماوردي عن الجمهور، والثالث: لا
يستحب ولا يكره وهو ظاهر نصه فِي الأُمِّ، وَلاَ يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْحُضُورَ، لأنهم مسترزقةٌ وقد يعجل دعاء الكافر استدراجًا له لكن، وَلاَ يَخْتَلِطُونَ بِنَا، لأنهم ملعونون وربما كانوا سبب القحط واحتباسِ المطر.
وَهِيَ رَكْعَتَانِ كَالْعِيدِ، أي فِي التكبيرات والجهر والقراءة وغير ذلك، لَكِنْ قِيلَ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾، لمناسبتها وفي الأولى ﴿ق﴾، والمنصوص أنه يقرأ فيها ما يقرأ فِي العيد، وَلاَ تَخْتَصُّ، أى صلاة الاستسقاء، بِوَقْتِ الْعِيدِ فِي الأَصَحِّ، لأنها لا تختص بيوم فكذا وقتها، والثاني: نعم للاتباع، وقطع الأكثرون بالأول، وَيَخْطُبُ، للأتباع، كَالْعِيدِ، قياسًا، قال البندنيجي: وتكفي واحدة، لَكِنْ
يَسْتَغْفِرُ الله تَعَالَى بَدَلَ التَّكْبِيرِ، لأنه أليق بالحال منه؛ لأن الله تعالى وعد بإرسال المطر عنده، وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الأُوْلَى: [اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا مُجَلِّلًا سَحًّا طَبَقًا دَائِمًا، أي إلى انقضاء الحاجة فإن دوامَهُ عذابٌ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا فَأَرْسِلِ السَّماَءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا]، للأتباع 198، وأهمل زيادة أخرى ذكرها الرافعي فِي مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلِّى، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيْرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يصَلِّى فِي الْعِيِدِ) رواه الترمذي فِي الجامع: أبواب الصلاة: الحديث (558)، وقال: هذا حديث حسنٌ صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 405
الْمُحَرَّرِ وهي واردة فِي الحديث المذكور، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بَعْدَ صَدْرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، أي وهو نحو ثلثها، فإذا فرغ من الدعاء استقبل الناس وأتى بباقي الخطبة وقال: أستغفر الله لي ولكم، وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ سِرًّا وَجَهْرًا، لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ 199، ويجعل ظهر كفه إلى السماء للتأسي.
وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ فَيَجْعَلُ يَمِينَهُ يَسَارَهُ وَعَكْسُهُ، للاتباع، كما رواه أبو داود 200 ويُكره تركه كما قاله العجلي، وَيُنَكِّسُهُ عَلَى الْجَدِيدِ فَيَجْعَلُ أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ وَعَكْسَهُ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ هَمَّ به فثقلت عليه الخميصة فقلبها على عاتقه كما صححه ابن حبان والحاكم 201، والقديم أنه لا يستحب، ومحل الخلاف فِي المربع، أما المدور فلا يستحب التنكيس بل يقتصر على التحويل قطعًا، والحكمةُ فِي كل ذلك التفاؤل بتغير الحال إلى الخصبِ والسَّعةِ.
وَيُحَوِّلُ النَّاسُ مِثْلَهُ، للاتباع كما رواه أحمد 202 وَيُنَكِّسُواْ أيضًا.
قُلْتُ: وَيُتْرَكُ ص 251: عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استسقى قال: [الحديث].
الجزء: 1 - الصفحة: 406
مُحَوَّلًا حَتَّى يَنْزَعَ الثَّيَابَ، لأنه لم ينقل أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ غيَّر رداءه بعد التحويل، وَلَوْ تَرَكَ الإِمَامُ الاِسْتِسْقَاءَ فَعَلَهُ النَّاسُ، إقامة لشعارها لكن قيَّده فِي الأُم بخلو الأمصار من الولاة، وَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلاَةِ جَازَ، للأتباع كما رواه أبو داود 203. وَيُسَنُّ أَنْ يَبْرُزَ، أي يظهر، لأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ وَيَكْشِفَ غَيْرَ عَوْرَتِهِ لِيُصِيبَهُ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ فِي السَّيْلِ، للاتباع 204، وَيُسَبِّحَ عِنْدَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ، وَلاَ يُتْبِعَ بَصَرَهُ الْبَرْقَ، لأثر فِي ذلك خلا البرق فلم أرَ له مستندًا 205، وَيَقُولُ عِنْدَ الْمَطَرِ: اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا، للاتباع 206، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ، لأنه يستجاب الدعاء إذ ذاك، وَبَعْدَهُ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، وَيُكْرَهُ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، للتوعد عليه فِي الصحيح 207، ولا يكره فِي نَوِّ كذا، وَسَبُّ الرِّيحِ،
الجزء: 1 - الصفحة: 407
لِلنَّهْيِ عَنْهُ صححه ابن حبان 208.
وَلَوْ تَضَرَّرُواْ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْأَلُواْ الله تَعَالَى رَفْعَهُ: [اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا]، وَلاَ يُصَلِّي لِذَلِكَ، وَالله أَعْلَمُ، لحديث أنس فِي ذلك فِي الصحيحين 209 قال فِي شرح مسلم: ولا يشرع لذلك اجتماع فِي الصحراء 210.
وفي معنى ذلك مكثُ نِيْلِ بَلَدِنَا مِصْرَ حَمَاهَا الله تعالى، وقد اتفق ذلك فيها فِي خامس ذى الحجة من سنة ستين وسبعمائة أُمِرَ النَّاسُ بالخروج إلى الصحراء لاستهباطه، ولا أعلم وقوع مثل ذلك فِي بلدنا، وكان جاوز فِي هذه السنة تسعة عشر ذراعًا بأصابع بلغني أنها ستة، ثم اتفق ثباته إلى أول يوم من هَتْوَرِ وهو خامس ذي الحجة، ثم حصل هبوط من حينئذ ولله الحمد، ثم فِي سنة إحدى وستين حصل
نحو ذلك وعقبه وباءٌ شديدٌ، ولله الحمد على زواله، وفي سنة ثلاث وسبعين فِي خامس عشر ربيع الآخر أمر الناس بالاجتماع فِي جامع مصر وبعده بيوم بجامع الأزهر فكان بلغ ستة عشر من عشرين.
فَرْعٌ: لو نذرَ صلاة الاستسقاء لأهل ناحية بُلُوا بالجدْبِ؛ والناذر من أهل الخصب؛ فهل يلزمه الوفاء بالنذر؟ فيه تردد فِي كلام الأئمة ذكره العجليُّ.
تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربُّكُمْ؟ ] قَالُواْ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: [أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنُّ بِاَلْكَوَاكِبِ].
رواه البخاري فِي الصحيح: الحديث (1038).
الجزء: 1 - الصفحة: 408
بَابُ تَارِكِ الصّلاَةِ
إِنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ جَاحِدًا وُجُوبَهَا كَفَرَ، بالإجماع 211، والجاحد مَنْ أنكر شيئًا سبق اعترافه به، أَوْ كَسَلًا قُتِلَ حَدًّا، أي لا كفرًا لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ فَلَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ] رواه أبو داود وصححه ابن حبان 212، قال الخفاف فِي خصاله: وكلُّ مَن ترك ركنًا من العبادات لم يَجُزْ قتله إلّا تاركَ الصَّلاةِ، قال: وقد زعم بعض أصحابنا أن مَن ترك شيئًا من الصلاة أو الزكاة وجب قتله، قال: وليس بشيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 409
فَرْعٌ: فاقد الطهورين إذا ترك الصلاة متعمدًا لا يقتل، لأنه مُخْتَلَفٌ فِيْهِ، وكذا لو مس الذكرَ أو لمس امرأةً وهو معتقد مذهبنا وصلَّى متعمدًا، وكذا لو توضَّأَ ولم ينوِ، قاله القفال فِي فتاويه، قال: والخلافُ هناك فِي جواز ترك الصلاة لا فِي جوازها وبطلانها فهو كشرب النبيذ، فإن كان مختلفًا فيه فإنِّي أُحِدُّهُ، وَالصَّحِيحُ قَتْلُهُ بِصَلاَةٍ فَقَطْ؛ بِشَرْطِ إِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، أيْ ولا يقتل بتركِ الظُّهْرِ حتَّى تغرب الشمسُ ولا بالمغربِ حتَّى يطلع الفجرُ، لأن الوقت مشترك بين أرباب الأعذار فصار شبهة فِي تأخير القتل إليه، والثاني: لا يعتبر وقت الضرورة، وزعم الروياني: أنه المذهب، والثالث: يقتل، إذا ضاق وقت الثانية، والرابع: إذا ضاق وقت الرابعة؛ والخامس: إذا ترك أربع صلوات، والسادس: إذا صار التركُ له عادة.
وَيُسْتَتَابُ، أي استحبابًا؛ لأنه ليس بأسوأ من المرتد، والأظهر أنَّها فِي الحال، ثُمَّ تُضْرَبُ عُنُقُهُ (•)، أي إن لم يَتُبْ لتحقق المفسدة الموجبة لقتله، وَقِيلَ: يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ، حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ، كما يفعل بمن قصد النفس أو المال، وَيُغْسَلُ وَيُصَلِّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَلاَ يُطْمَسُ قَبْرُهُ، كسائر أصحاب الكبائر لأنه مسلم، وقال ابنُ أَبِي الدَّم فِي شرح الوسيط: غالب ظني إني وجدتُ الأصحاب أنه يدفنُ فِي مقبرة مفردة تُعرف بهم؛ لا فِي مقابر المسلمين؛ ولا فِي مقابر أهل الذمة ليتأكد انزجارهم، قال: وهو متجه.
(•) فِي الهامش نسخة (3): بَلَغَ مُقَابَلَةً عَلَى نُسْخَةٍ قُرِأَتْ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَعَلَيْهَا خَطُّهُ.
• وَقَعَ الْفَرَاغُ مِنْ ضَبْطِ نَصِّ أحكام الصَّلاَةِ مِنَ الْعُجَالَةِ عَلَى أصُولِهِ الْخَطيَّة, وَتَخْرِيْجِ أَحَادِيْثِهِ وَالتَّعْلِيْقِ عَلَيْهِ, صَبَاحَ يَوْمِ السَّبْتِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ رَمَضْانَ الْمُبَارَكِ 1420 مِنَ الْهِجْرَةِ, الْمُوَافِقُ الرَّابِعَ وَالْعِشْرِيْنَ مِنْ شَهْرِ كَانُونَ الأَوَّلِ 1999 مِيْلاَدِيَّةً.
وَالْحَمْدُ لله عَلَى مَا أَنْعَمَ, وَنَسْألُهُ التَّوْفِيْقَ لإِنْجَازِ الْعُجَالَةِ وَغَيْرِهَا بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ, وَصَلِّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الرَّسُولِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
آمِيْن.
الجزء: 1 - الصفحة: 410
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
اَلْجَنَائِزُ: بِالْفَتْحِ لاَ غَيْرَ، جَمْعُ جَنَازَةٍ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ لُغَتَانِ، قِيْلَ: بِالْفَتْحِ لِلْمَيِّتِ؛ وَبِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ وَعَلَيْهِ الْمَيِّتُ، وَقِيْلَ: عَكْسُهُ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ جَنَزَ إِذَا سَتَرَ، وَذَكَرَ هَذَا الْبَابَ هُنَا وَإِنْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ الْوَصَايَا وَالْفَرَائِضِ، لأَنَّ الأَهَمَّ مِنْ هَذِهِ الثَّلاَثَةِ مَا يُفْعَلُ بِهِ، وَمِمَّا يُفْعَلُ بِهِ الصَّلاَةُ؛ فَلِهَذَا ذُكِرَ فِي رُبُعِ الْعِبَادَاتِ.
لِيَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ، أي استحبابًا؛ لأنه أزجر له عن المعاصي وأحضُّ له على فعل الطاعات 213، وَيَسْتَعِدَّ بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، أي استحبابًا أيضًا كما صرح به فِي البيان، لأنه ربما فاجأَهُ الموتُ وقد سلف فِي أول الاستسقاء حكمة رَدِّ المظالم بعد التوبة 214، وَالْمَرِيضُ آكَدُ، لأنه أقرب لرجوعه عن المعاصي، وَيُضْجَعُ