كِتَابُ الطَهَارَةِ
اَلْكِتَابُ: أَصله الجمعُ، وَالطَّهَارَةُ: في اللغة النَّظَافَةُ، وفي الشرع فِعْلُ مَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلاَةُ (77)، وكان ينبغي للمصنف أن يقول بعد ذلك باب المياه والاجتهاد والأوانى، لأن الطهارة عامة وأراد نوعًا منها كما ترجم لغيره من الأنواع.
بَابُ الْمِيَاهِ وَالاِجْتِهَادِ وَالأَوَانِي
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ 2، بدأ بها للتبرك وللمناسبة، وعادة اَلْمُحَرَّر تبعًا للشافعي افتتاح الأبواب بآية أو خبر وحذف ذلك المصنف.
يُشْتَرَطُ لِدَفْعِ الْحَدَثِ، وَالنَّجَسِ مَاءٌ مُطْلَقٌ، للإجماع في الحدث كما نقله ابن1
الجزء: 1 - الصفحة: 63
المنذر، وللنص في النجس وهو الأمر بصب ذنوب من ماءٍ على بول الأعرابى في المسجد 3. قلتُ: ويشترط الماء أيضًا في طهارة دائم الحدث والمسنونات، وَهُوَ، أي الماء المطلق، مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءِ بِلاَ قَيْدِ، أي بخلاف ماء الورد ونحوه، فإنه لا يذكر إلّا مقيدًا 4، فَالْمُتَغَيِّرُ بِمُسْتَغْنَى عَنْهُ كَزَعْفَرَانٍ تَغَيُّرًا يَمْنَعُ إِطْلاَقَ اسْمِ الْمَاءِ غَيْرُ طَهُورِ، قُلْتُ: ويستثنى من المستغنى عنه المتغير باللح المائي، فإنه لا يضر على الأصح، وَلاَ يَضُرُّ تَغَيُّرٌ لاَ يَمْنَعُ الاِسْمَ، وَلاَ مُتَغَيِّرٌ بِمَكْثٍ وَطِينٍ وَطُحْلُبِ، أي متصل به
لعسر الاحتراز، وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ، لتعذره، وَكَذَا مُتَغَيِّرٌ بِمُجَاوِرٍ كَعُودٍ وَدُهْنٍ، أَوْ بِتُرَابٍ طُرِحَ فِيهِ فِي الأَظْهَرِ، لأنه لا يزول به إطلاق اسم الماء، والثاني: يضر، لتغيره بمستغنى عنه.
أما التراب الذي هو مع الماء؛ فلا يضر قطعًا 5.
الجزء: 1 - الصفحة: 64
فَرْعٌ: المتغير بالمني ليس بطهور في الأصح.
وَيُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ، خوف البرص، وقيل: تعبدًا، والمختار أنه لا يكره، وقال العجليُّ: الأَوْلى تركه، وإنما يكره بقطر حار في وقت حار في إناء منطع إلّا الذهب والفضة ومنهم من أجراها فيهما، حكاه ابن الصلاح في مشكله عن الجويني فاستفدْهُ، والأصح: أن القصد لا يشترط فيه، وقد يجب استعماله إذا يجد غيره، والظاهر: أن تأخير الوضوء به عن أَوَّل الوقت ليتيقّن غيره آخر أفضل 6، والمشمّس في الحياض السنن والآثار: ج 1 ص 132 الحديث (2): قال البيهقي- أحمد بن الحسين بن علي البيهقي: وإنما لم يخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، لاختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة.
ولذلك قال الشافعي: في إسناده مَن لا أعرفه.
وقال في السنن: إلا أن الذي أقام إسناده ثقة وأودَعَه مالك بن أنس (الموطأ) وأخرجه أبو داود (في السنن) السنن الكبرى للبيهقي: ج 1 ص 6: الحديث (2). قلتُ: قال أبو عيسى الترمذي: سألت مُحَمَّد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح.
ينظر أيضًا: سنن الترمذي: الحديث (69) وسنن أبي داود: الحديث (83) وموطأ الإمام مالك: الحديث (12): ج 1 ص 22.
الجزء: 1 - الصفحة: 65
والبرك غير مكروه بالاتفاق، وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضِ الطَّهَارَةِ، أي في الحدث، قِيلَ: وَنَفْلِهَا غَيْرُ طَهُورٍ فِي الْجَدِيدِ، لتأَدِّي الفرض به، وقيل: العبادة، والقديم: أنه طهور لاقتضاء لفظة طهور التكرار كالقُتول ونحوه، وقوله (قِيْلَ: وَنَفْلِهَا) أي غير طهور لِتَأَدِّي العبادة به، والأصح: المنع؛ لعدم تأدي الفرض به، ويوخذ من قوله (غَيْرُ طَهُورٍ) أنه لا يستعمل في الخبث وهو الأصح، فَإِنْ جُمِعَ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَطَهُورٌ فِي الأَصَحِّ، كالنجسَ وأَوْلى 7، والثَّانِي: لا، لأن وصف الاستعمال لا يزول 8. سننه باب زكاة العسل: ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما؛ قلت: ينظر السنن الكبرى للبيهقي: كتاب الزكاة، باب ما ورد في العسل: الحديث (م [7548]) وهو صدقة بن عبد الله السمين.
ويعضده النص الأول.
وكلاهما ليس بحجة على الأحكام الشرعية ما لم يأخذا حكم الرفع.
أَمَّا النَّصُّ الثَّالِثُ: فنصه عن عائشة - رضي الله عنه -؛ قالت: أسخنت ماءً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشمس ليغتسل به، فقال لي: الحديث.
قال الزيلعى في نصب الراية: فله خمس طرق أربع منها موضوعة والخامس لا يصح: ينظر منه: ج 1 ص 102. قال ابن الملقن في التحفة: وتركت الحديث السائر لضعفه بل لوضعه أي حديث [لاَ تَفْعَلِي يَا حُمْيَراءُ].
ينظر: ج 1 ص 141 النص (9). فالنص الأول صحيح موقوف على عمر - رضي الله عنه - ويحمل على الكراهة التنزيهية؛ وهي غير الكراهة الشرعية.
وهي كراهة من أجل الصحة والطِب، قال الشافعي - رضي الله عنه -: ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب: الأُم: ج 1 ص 3.
الجزء: 1 - الصفحة: 66
وَلاَ تَنْجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ بِمُلاَقَاتِ نَجِسٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ] صححه الحفاظ 9، فَإنْ غَيَّرَهُ، أي حِسّاً أو تقديرًا، فَنَجِسٌ، بالإجماع، فإن تغير بعضه فظاهر المذهب نجاسة الجميع، والأصح عند المحققين تنجس المتغير فقط، ويصير مع الباقى كنجاسة جامدة فيه، فإن كان دون قلتين فنجس وإلّا فطاهر، فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَاءٍ طَهَرَ، لزوال علة النجاسة 10، وفي الأول فَتَوَضَأَ؛ ثُمَّ نَضَحَ عَلَيَّ مِن وَضُوئِهِ؛ فَأَفَقْتُ! فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّمَا لِي أَخَوَاتٌ، فَنَزَلَتْ آيةُ الفَرَائِضِ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب الفرائض: باب ميراث الأخوات: الحديث (6743) ومسلم في الصحيح: كتاب الفرائض: باب ميراث الكلالة: الحديث (7/ 6161).
الجزء: 1 - الصفحة: 67
وجهٌ، والخلاف راجع إلى أن الزائل العائد؛ كالذي لم يزل؛ أو كالذي ما لم يعد، وفيه صور ذكر المصنف بعضها في الكتاب مفرقًا، أَوْ بِمِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ؛ فَلاَ، لأن الظاهر أنهما ستراهُ، وجزم القفال في فتاويه بعودها فيما إذا زال بالعود ونحوه، وَكَذَا تُرَابٌ وَجِصٌّ فِي الأَظْهَرِ، لأنهما مكدران فيستتر التغيير، والثاني: يطهر لزوال التغيير، ومحلُّ الخلاف في حال الكدورة دون الصفاء، وَدُونَهُمَا يَنْجُسُ بالْمُلاَقَاةِ، لمفهوم الحديث السَّالف، فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلاَ تَغَيُّرَ بِهِ؛ فَطَهُورٌ، لأن الغلبة دافعة للنجاسة، وقوله (بِالْمَاءِ) يخرج المائعات (•)، فَلَوْ كُوثِرَ بِإِيْرَادِ طَهُورٍ فَلَمْ يَبْلَغْهُمَا؛ لَمْ يَطْهُرْ، لأنه ماء قليل وفيه نجاسة، وَقيلَ: طَاهِرٌ لاَ طَهُورٌ، لأنه نجس وردَ عليه الماء فطهَّرَهُ كالثوب النجس.
وَيُسْتَثْنَى مَيْتَةٌ لاَ دَمَ لَهَا سَائِلٌ فَلاَ تُنَجِّسُ مَائِعًا، أي ماء وغيره إذا يكثر ولم تغيره ولم تطرح (•)، عَلَى الْمَشْهُورِ، للمشقة وعسر الاحتراز 11، والثَّانِى: تنجسه قياسًا على سائر الميتات، وَكَذَا في قَوْلٍ: نَجِسٌ لاَ يُدْرِكُهُ طَرْفٌ، لعسر الاحتراز الفقهي على الواقع، بطريقة فهم الواقع وفهم الواجب في الواقع.
(•) في نسخة (3): مُخْرِجٌ للمائعات.
(•) في نسخة (3): إذا لم تكثر وتغيره ولم تطرح.
الجزء: 1 - الصفحة: 68
أيضًا.
قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَالله أَعْلَمُ 12، ووجه مقابله القياسُ على غيرها من النجاسات، قُلْتُ: ويستثنى أيضًا مسائل أخرى مذكورة في الشرح.
وَالْجَارِي كَرَاكِدٍ، أي فالقليل منه ينجس بالملاقاة لضعفه، وَفِي الْقَدِيمِ لاَ يَنْجُسُ بِلاَ تَغَيُّرٍ، إعطاء له حكم الكثير.
وَالْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ بَغْدَادِيِّ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتيْنِ مِنْ قُلاَلِ
هَجْرٍ لَمْ يُنْجِسْهُ شَئٌ] 13 وهما بالأرطال ما ذكره المصنف، وقيل: ستمائة؛ وقيل:
الجزء: 1 - الصفحة: 69
ألف، تَقْرِيبًا فِي الأَصَحِّ، أي فلا يضر نقص رطل أو رطلين ويضر نقص ما زاد، والثاني: أنه تحديد كنصاب السرقة.
وَالتَّغيُّرُ الْمُؤَثَّرُ بِطَاهِرٍ أَوْ نَجِسِ، طَعْمٌ؛ أَوْ لَوْنٌ؛ أَوْ رِيحٌ، أي ولا يشترط اجتماعها وهو في النجس إجماع، وفي الطاهر أصح الأقوال، والثانى: لا بد من تغيير الثلاثة، والثالث: يضر تغير اللون وكذا الطعم والرائحة معًا، وفي الشرح الصغير: أن اللون والطعم يضر على انفراد بخلاف الرائحة 14.
فَصْلٌ: وَلَوِ اشْتبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ اجْتَهَدَ وَتَطَهَّرَ بِمَا ظَنَّ طَهَاَرَتَهُ، كما في القبلة، وقيل: لا يجوز في الحضر، حكاه ابن كج والقفال في فتاويه؛ ويشترط بقاؤهما، فلو تلف أحدهما لم يجتهد في الباقى على ما صححه المصنف خلافًا للرافعي، ولو وقع التعارض له في خبر التنجيس، فالأصح الحكم بطهارة الإناءين.
وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ؛ فَلاَ، كوجود الحاكم النص 15، والأصح: نعم، لأنه يجوز له ترك ما يتيقن طهارته والعدول إلى ما يشك فيه 16، وهذا قول عامة حبان في المجروحين: ج 3 ص 8: (كان ممن يخطئ ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، فغلب على حديثه المناكير والأوهام فاستحقَّ الترك).
ولهذا فالحديث غير صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 70
الأصحاب كما في البيان وغيره، ووقع في تعليق الشيخ أبي حامد: أن قول عامتهم الأول، نعم؛ لو خشي من الطاهر ضررًا كالشمس مثلاً، فيبني على جواز التيمم، أنه إن أبحناه له اجتهد 17، وإلّا فعلى الوجهين؛ قاله صاحب المُعين من متأخرى فقهاء اليمن، وَالأعْمَى كَبَصِيرٍ في الأَظْهَرِ، كما يتحرى في الأوقات، والثاني: لا كالقبلة.
أَوْ مَاءٌ وَبَولٌ لَمْ يَجْتَهِدْ عَلَى الصَّحِيحِ، لأن البولَ لا أصلَ لطهارته، بَلْ يُخْلَطَانِ، أي أو يريقهما، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ، لئلا يتيمم ومعه ماء طاهر بيقين، والثاني: يجتهد، لأن الماء كالبول بعد تنجيسه، أَوْ مَاءُ وَرْدٍ تَوَضَّأَ بِكُلِّ مَرّةً؛ أي ليتيقن استعمال الطهور، ولا يجتهد لأنه لا أصل له في التطهير، ويندفع تردده في النية بأن يأخذ غرفة من كما منهما وَيَستَعْمِلُهُمَا في وجهه دفعة واحدة ناوياً في تلك الحالة.
وَقِيلَ: لَهُ الاِجْتِهَادُ، كالماء الطهور مع المتنجس، وِإذَا اسْتَعْمَلَ مَا ظَنَّهُ أرَاقَ الآخَرَ، أي ندبًا، فَإنْ تَرَكَهُ وَتَغَيَّرَ ظَنَّهُ، أى ظن طهارة الثاني، لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي عَلَى النَّصِّ، لئلا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد، وقال ابن سريح: يعملُ به كالقبلة، وهذا حكم جديد فلا نقض إذاً، ولهذا لا تعاد الصلاة الأُولى، بَلْ يَتَيَمَّمُ؛ لأنه ممنوع من استعماله، بِلاَ إِعَادَةٍ فِي الأَصَحِّ؛ أي للصلاة الثانية؛ لأنه يتيمم لها وليس معه ماء طاهر بيقين، والثاني: يعيد، لأن معه ماء طاهر بحكم الاجتهاد.
ومحل الخلاف إذا لم سيأتى في قول أبي حامد رحمه الله؛ أما حال الصحابة رضوان الله عليهم؛ كان بعضهم يسمع من بعضٍ مع قدرته على الْمُتَيَقِّنِ؛ وهو سماعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فليس هذا بحجة على مثل المسألة، لأن ذلك موضوع آخر ليس فيه علَّة ولا نص، فضلاً عن أصله اليقين؛ لأنَّه لا يعرف الكذب عندهم أو التقول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لا يقول.
الجزء: 1 - الصفحة: 71
يكن بقىَ من الأول بقية، وإلَّا فيعيد على الأصح، ومحل الخلاف في الإعادة للمسافر، أما الحاضر فيعيد قطعاً، نبَّه عليه صاحب المعين.
وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِتَنَجُّسِهِ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ، كالعبد والمرأة والأعمى، لا كافرٍ وصبيّ ومجنون وفاسقٍ، وَبَيَّنَ السَّبَبَ؛ أي سواء كان عامياً، أَوْ كَانَ فَقِيهاً، مخالفاً أو كان فقيهاً، مُوَافِقاً، أى وإن لم يبين السبب، اِعْتَمَدَهُ؛ لأنَّه غلب على ظنه تنجيسه فيجب عليه الاجتناب عند اليقين والاجتهاد عند عدمه، واحترز بالفقيه عن العامي؛ وبالموافق عن المخالف في المذهب، ولو قال مَنْ هو أهل للتعديل: أخبرني بذلك عدل، فيشبه أن يؤخذ به كما قاله الرافعي في شرح المسند.
فَصْلٌ: وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ كُلِّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ، بالإجماع، نعم المتخذ من عظام الميتة وجلودها قبل الدباغ يكره استعماله فقط كما ذكره في الروضة من زوائده، هذا في ما يسع أكثر من قلتين؛ وإلّا فينجس، إِلَّا ذَهَباً وَفِضَّةً فَيَحْرُمُ؛ أي استعماله بالإجماع أيضاً، وسواء الرجل والمرأة والصغير والكبير، فيحرم على الولي سقيُ الصبيِّ بإناء ذهب أو فضة، وَكَذَا اتِّخَاذُهُ فِي الأصَحِّ، حسماً للباب، والثاني: لا؛ لأن النهي إنما ورد في الاستعمال دون الاتخاذ 18.
وَيَحِلُّ الْمُمَوَّهُ، الذي لا يحصل منه شيء بالعرض على النار، فِي الأَصَحِّ، لاستهلاكه، والثاني: لا؛ للخيلاء، وَالنَّفِيسُ، معطوف على المموه أي يحل النفيس، كَيَاقُوتٍ فِي الأَظْهَرِ؛ لأنه لا يعرفه إلّا الخواص فلا خيلاء، والثاني: يحرم؛ لأنه أعظم في السرف من الذهب والفضة، وَمَا ضُبِّبَ بِذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ ضَبَّة كَبيرَةً لِزِينَةٍ
الجزء: 1 - الصفحة: 72
حَرُمَ، لوجود الكبر في العين والخيلاء، أَوْ صَغِيرَةً بِقَدَرِ الْحَاجَةِ فَلاَ، لظهور قصد الحاجة ولا يكره أيضاً، أَوْ صَغِيرَةً لِزِينَةٍ، أَوْ كَبِيرَةً لِحَاجَةٍ جَازَ فِي الأَصَحِّ، للصغر وظهور الحاجة، ومثار الخلاف أن المبيح مجموع الصغر والحاجة أو أحدهما، ولو كانت الضبة بعضها للحاجة 19؛ وبعضها للزينة، حرمت أيضاً، وإن كان مقدار الزينة صغيرًا كما أَفْهَمَ كلام اَلْمُحَرَّر، والضَّبَّةُ: قطعةٌ من الذَّهب والفضة تُسَمَّرُ في الإناء ونحوه، والمراد بالحاجة غرضُ الإصلاح دون التزيين، ويرجع في الصغر والكبر
إلى العرف على الأصح، وَضَبَّةُ مَوْضِعِ الاِسْتِعْمَالِ كَغَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ لأنَّ الاستعمال منسوب إلى الإناء كله لأنَّه يقع به، الثَّاني: أنها إن كانت في موضع الاستعمال، فإنَّه يحرم؛ لأنَّه يقع به الاستعمال؛ وإلّا فلا.
قُلْتُ: اَلْمَذْهَبُ تَحْرِيمُ ضَبَّةِ الذَّهَبِ مُطْلَقاً، وَالله أَعْلَمُ، لأنَّ باب الفضة أوسع بخلافه؛ بدليل اتخاذ الخواتيم.
فَرْعٌ: لو نصب فاهُ لميزابِ الكعبة المفضض مثلاً؛ فهل يحرم؟ أو يفرق بين القرب والبعد؛ كما في نظيره في المبخرةِ! فيه نظرٌ واحتمالٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 73
بَابُ أَسْبَابِ الحَدَثِ
هِيَ أَرْبَعَةٌ، أما النقض بها فلما ستعرفه من الأدلة، وأما عدمه فيما عداها فلأن الأصل: أن لا نقض حتى يثبت ولم يثبت فيه نص، والقياس ممتنع في هذا الباب، لأن علَّة النقض غيرُ معقولةٍ.
والتعبير بالأسباب أحسنُ من التعبير بالنقض، وإن عبَّر به المصنفُ بعدُ، لأنَّ الصَّحيح أن طهارتَهُ انتهت بالحدثِ ولا يُقَالُ بطلت، ونظيره الخلاف الأصولي في أنَّ النسخَ رَفْعٌ أو بيانٌ.
أَحَدُهَا: خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ؛ أي سواء فيه مخرج البول والحيض، أوْ دُبُرِهِ، أي معتاداً كان أو غيره، ورأيت في فتاوى القفال: أن بللَ فرج المرأة إذا وصل إلى موضع يجبُ عليها غَسْلُهُ في الْغُسْلِ، أن وضوءها يُنتقض، قال: وإن خرج إلى محل لا يجب عليها غسله في الجنابة والاستنجاء؛ فلا؛ لأنه في حكم الباطن 20، إِلَّا الْمَنيَّ، لوجوب الأكبر به، كما في الحدِّ مع التعزير.
وادعى الماورديُّ: الاتفاق على وجوب
الجزء: 1 - الصفحة: 74
الوضوء بخروج دم الحيض، وليس كما ذكر، فقد حكم ابن الصلاح عن ابن خَيْرَانَ أنه قال في لطيفةٍ: إن الحيض والنفاس لا يوجبان الوضوء ثم رأيته بعد ذلك فيه، وَلَوِ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ وَانْفَتَحَ؛ أي مخرج بدله، تَحْتَ مَعِدَتِهِ فَخَرَجَ الْمُعْتَادُ نَقَضَ، لتعينه مخرجاً، وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ فِي الأَظْهَرِ، لأنا جعلناه كالأصلي، ولا فرق بين المعتاد والنادر، والثاني: لا تنتقض، لأن الضرورة في جعله مخرجاً إنما هي في المعتاد، أَوْ فَوْقَهَا وَهُوَ مُنْسَدٌّ، أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ فَلاَ فِي الأَظْهَرِ، كالفصد والحجامة كما قاله في اَلْمُحَرَّر، والثاني: ينقض فيهما كالمخرج المعتاد والمعدة فوق السرة كما قاله ابن سينا وأهل اللغة، ثم هذا فِي الانسداد العارض دون الأصلي ويخرج بقوله (انْسَدَّ).
الثَّانِي: زَوَالُ الْعَقْلِ، بالإجماع؛ وحد العقل: أنه صِفَةٌ يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيْحِ؛ كما قاله الشيخ أبو إسحاق، وعن الشافعي - رضي الله عنه -: أنه آلة التمييز، وادعت الفلاسفة قِدَمَهَ، ثم قيل: إنه جوهر لطيف في البدن يثبث شعاعه فيه بمنزلة السراج في البيت، وقيل: إنه بسيط، وسيأتي الخلاف في محله في الجنايات إن شاء الله تعالى 21،
الجزء: 1 - الصفحة: 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وهؤلاء الناس ضعاف العقول، أو قد أصابهم آثار مرض الكسل العقلي.
- أما العقل بالتفكير، وهو الإدراك، بأن يقبل العقل العلم جملة، فيدرك الأشياء والأفكار من غير تركز منتج أو أَنَّهُ يتجه إلى التركيز الفكري الثفافي والعلمي فقط، فالعقل بالتفكير إدراك يحصل حين استعمال الإنسان عقله بالحكم على الأشياء أو تصورها في الذهن في أقل تقدير، وهو بوصفه فاعلية ذهنية هو والإدراك والفكر بمعنى واحد.
فالعقل القدرة على مسك الأفكار بالإدراك وإنتاجها في الذهن.
وفي دلالة قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 31 - 32] يُفهم منه واقع العقل وحَدِّه؛ بأنه واقع محسوس وعلم يفسر هذا الواقع بالحكم عليه.
لهذا؛ فإن العقل هو القدرة على ربط الواقع المحسوس بالمعلومات السابقة.
وتجري عملية الربط هذه بالإدراك؛ أي بتمثل الواقع في الذهن والحكم عليه بإثبات أو نفي وهذا هو التركيز الفكري الثقافي والعلمي؛ وإلا فهو تصوُّر. - أما العقل بالفكرة، فهو استعمال العقل لما هو نافع، نافع بذاته أو نافع لغيره؛ فإدراك الأفكار على حقيقتها الموضوعية والتعامل معها بصدق، أو إدراك الأفكار على حقيقتها الخبراتية أو الفنية والتعامل معها بهدف وقصد.
فقد تجد المرء عاقلاً في جانب خبراتي أو علمي مادي أو فني، ولكنه في الجانب الفكري لا عقل له؛ لأنه لم يستعمله بطريقته أو لأنه لم يصدق في إدراك الفكرة الموضوعية، قال القرطبي: قيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل؟ (أي في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ [الطور / 32]) قال: تلك عقول كادها الله؛ أى لم يصحبها بالتوفيق): الجامع لأحكام القرآن: ج 17 ص 73. قلتُ: والتوفيق تهيأة الأسباب للطباعة كما تقدم.
وقال القرطبي: (وإنما يعطى الكافر الذهن فصار حجة عليه، والذهن يقبل العلم جملة.
والعقل- أي الفطري- يميز العلم ويقدر المقادير لحدود الأمر والنهي) [ج 17 ص 73] أى ينشط طبيعياً حين التعامل مع السمع، وييقى القصد في الصدق في الجد.
فإن لم يصدق ولا يجد، فكأنه لم يسمع ولم يعقل، ولهذا خسر النفع، فلم ينفعه عقله، وصار كمن لا عقل له.
روي أن رجلاً نصرانيًا تاجراً من أهل جَرَشْ كان له ثبات ووقار، قدم المدينة؛ فقال رجل: يا رسول الله! ما أعقل هذا النصراني! فقال: [مِهْ! إِنَّ الكَافِرَ لاَ عَقْلَ =
الجزء: 1 - الصفحة: 76
إِلَّا نَوْمَ مُمَكَّنٍ مَقْعَدَهُ، للأمن من الخروج في هذه الحالة، نعم؛ لو نام على قفاهُ ملصقاً مقعدته بالأرض انتقض، وتخرج هذه باعتبار اَلْمُحَرَّر القعود 22.
الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتيِّ الرَّجُلِ وَالْمَرأَةِ، عمدًا كان أم سهوًا أو غيرها من حيّ لَهُ! أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُواْ؛ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيْرِ﴾].
وفي حديث ابن عمر: فَزَجَرَهُ النْبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَالَ: [مِهْ! فَإِنَّ الْعَاقِلَ مَنْ يَعْمَلُ فِي طَاعَةِ اللهِ].
(في المطالب العالية: الرقم (3296): قال ابن حجر: موضوع؛ من كتاب العقل في مسند الحارث.
وقال القرطبي: ذكره الترمذي الحكيم.
أبو عبد الله بإسناده).
* قلتُ: وليس الضربين الثاني والثالث، هما المراد في قوله: (زَوَالُ الْعَقْلِ).
وإنما المراد فقد الذهن خاصة العقل والقدرة على الإدراك، أي ذهاب العقل مع غيبوبة إغماء أو جنون.
أما أنَّ وجود حضور الذهن بكمون خاصة العقل للإدراك، يجعل المرء في موضوع الخطاب وموضع التكليف، فلأنه يميز العلم بالسماع ويميز الأشياء به، ويميز ما يسمع ويبصر من جهته.
* أما قوله (أنه صفة يميز بها بين الحسن والقبيح) فليس بإطلاق، لأن الثواب والعقاب لا يعرفان بالعقل، وإنما يعرفان بالشريعة والنقل؛ وهذا له مبحثه في أصول الفقه.
أما قول الشافعي - رضي الله عنه -: (إنه آلة التمييز) فصحيح؛ ولكنه ليس حدّاً للعقل ولا تعريفاً له؛ وإنما هو وَصَفُ العَقلِ من حيث وظيفته بأنه أداة التفكير وآلة التمييز بين الأشياء وشرط التكليف في عرف الشريعة.
هذا المبحث للضرورة فاقتضى التنويه إليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 77
أو ميت عالماً أو جاهلًا مختاراً أو مكرهًا لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ 23 عطف اللمْسَ على المجئ من الغائط، ورتب عليها الأمر بالتيمم عند تعذر الماء، تدل على أنه حدث كالغائط ولا يختص اللمس بالجماع لقوله - صلى الله عليه وسلم - لماعز: [لَعَلَّكَ لَمَسْتَ] 24 والمراد بالبشرة ظاهر الجلد وفي حكمها، وليس بينهما ستر ولا حجاب لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية.
واللمسُ هو الْجَسُّ باليد، والمعنى فيه أنه مظنة لثوران الشهوة، إِلَّا مَحْرَماً فِي الأَظْهَرِ، لأنها ليست مظنة الشهوة فأشبهت الرجل، والثاني: ينقض لعموم الآية، والخلاف مبنى على أنه هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه أم لا؟ وَالْمَلْمُوسُ كَلاَمِسٍ فِي الأَظْهَرِ، لاستوائهما في اللذة.
والثاني: لا؛ كما في مسِّ ذَكَرِ غيرهِ، وَلاَ تَنْقُضُ صَغِيرَةٌ؛ أي لا تُشتهى، وَشَعْرٌ؛ وَسِنٌّ، وَظُفْرٌ فِي الأصَحِّ، لأنها لا تقصد بالشهوة غالباً، والثاني: ينتقض، أما في الصغيرة فلظاهر الآية، وأمَّا في الباقي فلأن الشعر له حكم البدن في الحل بالنكاح وغيره.
الرَّابِعُ: مَسُّ قُبُلِ الآدَمِي بِبَطْنِ الكَفِّ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى
فَرْجهِ؛ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلاَ حِجَابٌ فَلْيَتَوَضَّأ] رواه ابن حبان 25، والإفضاءُ لا يكوَن إلّا بباطن الكف، كما قاله أهل اللغة، والمراد بباطن الكف الراحة مع بطون الأصابع، والمراد بقُبُلِ المرأة كما قاله الإمام: ملتقى الشفرين على المنفذ، وَكَذَا فِي
الجزء: 1 - الصفحة: 78
الْجَدِيدِ حَلَقَةُ دُبُرِهِ؛ لأنَّه أحد السبيلين فأشبه القبل، والقديم: أنه لا ينقض؛ لأنه لا يلتذ بمسِّه، ولا ينتقض بمس العانة والانثيين والإليتين وما بين القُبل والدبر؛ لأنَّه لا يسمى فرجاً، لاَ فَرْجُ بَهِيمَةٍ؛ لأنه لا حرمة لها ولا تعبد عليها.
وَيَنْقُضُ فَرْجُ الْمَيِّتِ وَالصَّغِيرِ، لشمول الأسم، وَمَحَلُّ الْجَبِّ؛ لأنَّه أصل الذكر، وَالذِّكَرُ الأَشَلُّ، وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ فِي الأَصَحِّ، لوجود الأسم، والثاني: لا ينقض لزوال الحياة في الأولى، وخروجه عن مظنة الشهوة، وفي الصغيرة حديث ضعيف 26 ووجهه في محل الجب أنه مس موضع الذكر لا الذكر 27، ووجهه في الباقى عدم اللذة، وَلاَ يَنْقُضُ رَأْسُ الأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهُمَا؛ لأنَّه خارج عن سمت الكف.
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ بِالْحَدَثِ الصَّلاَةُ، بالإجماع، وفي معناها سجدة التلاوة والشكر، وكذا خطبة الجمعة، وَالطَّوَافُ؛ لأنه صلاة 28، وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ، وَمَسُّ وَرَقِهِ،
الجزء: 1 - الصفحة: 79
أما المس فلقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ 29، وأما الحملُ فلأنه مسٌّ وزيادة، وَكَذَا جِلْدُهُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأنه كالجزء من المصحف، والثاني: لا يَحْرُمُ إلحاقاً بكيسه، وَخَرِيطَةٌ، وَصُنْدُوقٌ فِيهِمَا مُصْحَفٌ، إلحاقاً بجلده، والثاني: لا، لأنهما ليسا من أجزائه، وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ كَلَوْحٍ فِي الأَصَحِّ؛ لأنَّه قصد للدراسة، والثاني: لا، لأنَّه لا يقصد به الدوام بخلاف المصحف، وَالأَصَحُّ حِلُّ حَملِهِ فِي
أَمْتِعَةٍ، لأنَّ المقصود حمل غيره فلا إخلال بالتعظيم، ومن هنا يؤخذ الجواز فيما إذا حُمِلَ من حَمَلَ مصحفاً، والثاني: يحرم تغليباً لحرمته فإن قصد حمله لم يجز قطعاً قاله الماوردي، وَتَفْسِيرٍ؛ لأنَّه ليس بمصحف، والثاني: يحرم لتضمنه قرآناً كبيراً، وهذا إذا كان التفسير أكثر؛ فإن كان القرآن أكثر حرم قطعاً، وَدَنَانِيرَ، أي الأَحَدِيَّة، لأنَّ القصد من ذلك غير القرآن، والثاني: يحرم لأنَّه حامل للقرآن، والخلاف جار في كتب الفقه التي فيها آيات من القرآن أيضاً ذكره الرافعي في اَلْمُحَرَّر وأهمله المصنف
لاَ قَلْبَ وَرَقِهِ بِعُودٍ؛ لأنَّه نقل للورقة فهو كحملها، والثاني: لا يحرم لما سيأتى؛ فإن قلبه بكمه حرم قطعاً، ورأيت في الاستذكار للدارمى حكاية وجه فيه وهو غريب، وَأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُحْدِثَ لاَ يَمْنَعُ؛ أي من مسه وحمله للدراسة للمشقة، والثاني: يمنع كغيره.
قُلْتُ: الأَصَحُّ حِلُّ قَلْبِه، ورقه، بِعُودٍ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقيُّونَ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأنَّه = ص 630: الحديث (1686) وفي لفظ [إِنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاَةِ إِلَّا أَنْكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلاَ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ بِخَيْرٍ]، الحديث (1687) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد أوقفه جماعة؛ وينظر من المستدرك الحديث (3058)؛ ووافقه الذهبي في التلخيص.
وقال ابن حجر في تلخيص الحبير: ج 1 ص 139: صحيح.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الحج: جماع أبواب دخول مكة: باب إقلال الكلام: الحديث (9373) مرفوعاً والحديث (9384) و (9385).
الجزء: 1 - الصفحة: 80
ليس بحامل ولا ماسِّ، كذا علله في الروضة وفيه نظر ظاهر.
فَائِدَةٌ: في فتاوى الحناطي ومنها نقلْتُ: لا يجوز جعل الذهب والفضة في كاغد كتب عليه بسم الله الرحمن الرحيم فإن فعل ذلك مع العلم بالكراهة أثم.
فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ: قال الشيخ عز الدين: القيام للمصحف بدعة لم تعهد في الصدر الأول، وأما الصنف فقال في التبيان: القيام له مستحب لأن القيام مستحب للفضلاء من العلماء والأخيار فالمصحف أَولى.
فَصْلٌ: وَمَنْ تَيَقْنَ طُهْرًا أَوْ حَدَثًا وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ عَمِلَ بِيَقِينِهِ، لأن اليقين لا يزول بالشَّكِّ، فَلَوْ تَيَقْنَهُمَا وَجَهَلَ السَّابِقَ فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا فِي الأُصَحِّ، أي إن عرفه وإلاّ توضأ، ومن لا يعتاد تجديد الطهر لا يأخذ بضده، والثاني: يتوضأ بكل حال، أخذًا بالاحتياط وهو مختار، وصححه النووي في شرحه المهذب والوسيط.
فَصْلٌ: يُقَدِّمُ دَاخِلُ الْخَلاَءِ يَسَارَهُ، وَالْخَارِجُ يَمِينَهُ، لأن اليمين لها شرف 30 والصحراء كالبنيان، وروى الترمذى الحكيم في عِلَلِهِ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: مَنْ
الجزء: 1 - الصفحة: 81
بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى قَبْلَ يَسَارِهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ ابْتُلِىَ بِالْفَقْرِ 31، وَلاَ يَحْمِلُ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، تعظيمًا له والقرآنُ أَولى، وكان خَاتَمُهُ - صلى الله عليه وسلم - نقَشَهُ ثَلاَثَةَ أَسْطُرٍ؛ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ؛ وَرَسُولُ سَطْرٌ؛ وَالله سَطْرٌ 32، فكان إذا دخل الخلاء وضعه، صححه الترمذي وغيره وترجم عليه ابن حبان في صحيحه بقوله: ذكر الخبر الدال على نفي إجازة دخول المرء الخلاء بشئ فيه ذكر الله 33، وَيَعْتَمِدُ جَالِساً يَسَارَهُ، تكريمًا لليمنى عن ذلك، ولأنه أسهل لخروج الفضلة 34، وَلاَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَلاَ يَسْتَدْبِرُهَا،
الجزء: 1 - الصفحة: 82
وَيَحْرُمَانِ بِالصَّحْرَاءِ، أي دون البنيان، جمعًا بين أحاديث الباب 35، اللهم إلاّ أن يكون الريح يهب عن يمين القبلة وشمالها فإنهما لا يحرمان لأجل الضرورة 36، وبه صرح القفال فِي فتاويه، وَيَبْعُدُ، وَيَسْتَتِرُ، للاتباع، قال البغوي: وينبغي أن تكون السترة فوق سترة المصلي حتى يستر أسافل بدنه، وقال الروياني في الحلية: يشترط
الجزء: 1 - الصفحة: 83
أن تكون قدر ذراع 37، وَلاَ يَبُولُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ، وَجُحْرٍ، وَمَهَبِّ رِيحٍ، وَمُتَحَدَّثٍ، وَطَرِيقٍ، وَتَحْتَ مُثْمِرَةٍ، وَلاَ يَتَكَلِّمُ، وقال ابن كج: لا تجوز قراءة القرآن فيه تعظيمًا له، وَلاَ يَسْتَنْجِى بِمَاءٍ فِي مَجْلِسِهِ، أي في غير الاخلية المعتادة، ويَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ، وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ: [بِسْمِ اللهِ، اللِّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخَبَثِ وَالْخَبَائِثِ] 38، وَعِنْدَ خُرُوجِهِ: [غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ للهِ الِّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي] 39 لآداب واردة في ذلك، وفي مصنف عبد الرزاق وابن أبى شيبة: أن نوحًا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان يقول: الحمد لله الذي أذاقنى لذته وأبقى فيَّ منفعته
الجزء: 1 - الصفحة: 84
وأذهب عني أذاه 40، والسر في الاستغفار؛ أنه لما خلص من النَّجْوِ المثقل للبدن، سأل التخليص.
بما يثقل القلب، وهو الذنب لتكمل الراحة.
ومن مهاب الرياح المراحيض المشتركة، فينبغى البول في إناء وإفراغه فيها ليسلم من النجاسة، قال الترمذي الحكيم في علله: وبلغنا عن ابن عباس أن المرأة إذا تطهرت على رأس خلائها بالماء تبتلى بخروج الريح من قُبُلِهَا، وقوله (بِالْمَاءِ) يخرج الحجر، وقوله (فِي
مَجْلِسِهِ) هو في غير الأخلية لما سلف.
وَيَجِبُ الاِسْتِنْجَاءُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاَثَةِ أحْجَارٍ] 41، بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ، للحديث المذكور وغيره، والماء بطريق الأَوْلى لأنه يزيل العين والأثر 42، وَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ، لقصة أهل قباء في ذلك وقد أخرجها البزار 43، وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ كُلُّ
الجزء: 1 - الصفحة: 85
جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ، لأن الذي يحصله الحجر يحصله ذلك، وخرج بالجامد المائع وبالطاهر النجس وبالقالع القصب الأملس ونحوه وبغير المحترم كالعظم وغيره من المطعومات، وَجِلْدٍ دُبِغَ دُونَ غَيْرِهِ فِي الأظْهَرِ، لأنه قبله لزج لا ينشف بخلاف ما بعده، إذْ ينقله إلى طبع الثياب، والثانى: يجوز مطقاً، لأنه مزيل غير محترم، والثالث: لا يجوز مطلقاً، لأنه مأكول، وَشَرْطُ الْحَجَرِ أَنْ لاَ يَجِفَّ النَّجَسُ، لأنه إذا جف لا يزيله الحجر، وفي فتاوى القفال: أنه لو غسل ذكرَهُ بالماء ثم قبل أن يجف بال تنجس الكل بالْمُلاَقَاتِ، وإن لم يستنج حتى جف ذكره، وكان بوله بحيث يجوز الاستنجاء ثُمَّ بال مرة أخرى، فإن كان البول الثاني يبلُّ ما كان يبلُّ الأوَّلُ جاز الاستنجاء وإلاّ فلا، قال: وكذا لو تَغَوَّطَ ولم يستنج حتَّى جَفَّ ثُمَّ تَغَوَّطَ مَرَّةَ أُخرى فحكمه على ما ذكرنا، وَلاَ يَنْتَقِلَ، أي النجس عن الموضع الذي أصابه عند الخروج، وَلاَ يَطْرَأُ أَجْنَبِيٌّ، أي نجس آخر أجنبي كما لو استنجى بشيء نجس، وَلَوْ نَدَرَ أَوِ انْتَشَرَ فَوْقَ العَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ صَفْحَتَهُ، أي إن كان غائطاً، وَحَشَفَتَهُ، أي إن كان بولاً، جَازَ الْحَجَرُ فِي الأَظْهَرِ، أمَّا في النَّادر؛ فبالقياس على المعتاد، وأمَّا في المنتشر فلأنه مما تعم البلوى به، والثانى: لا فيهما، أما في النَّادر فلأنه لا حرج فيه، وأما في المنتشر فلأنه نادر.
رواه البزار في كشف الأستار.
والحديث ضعيف؛ معلول بـ (محمد بن عبد العزيز) قال الدارقطني: ضعيف.
وقال النسائي: متروك.
وقال أبو حاتم: هم ثلاثة أخوة مُحَمَّد وعبد الله وعمران ليس لهم حديث مستقيم.
قال ابن حجر في بلوغ المرام: حديث ضعيف.
والحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة بدون الأحجار.
سنن أبى داود: كتاب الطهارة: باب الاستنجاء بالماء: الحديث (44).
وسنن ابن ماجه: كتاب الطهارة: باب الاستنجاء بالماء: الحديث (357). والجامع الصحيح للترمذي: كتاب التفسير: سورة التوبة: الحديث (3100). قال الترمذي: غريب من هذا الوجه وله ما يعضده من رواية الحاكم في المستدرك: ج 1 ص 55، وأحمد في المسند: ج 3 ص 422. ينظر: تلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني: ج 1 ص 123.
الجزء: 1 - الصفحة: 86
وَيَجِبُ ثَلاَثُ مَسَحَاتٍ، وَلَوْ بِأَطْرَافِ حَجَرٍ، لأن القصد عَدَدُ المسحاتِ، فَإِنْ لَمْ يُنْقَ وَجَبَ الإِنْقَاءُ، أي برابع وأكثر، وسُنَّ الإِيْتَارُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرَ] متفق على صحته 44، وُكُلُّ حَجَرٍ لِكُلِّ مَحَلِّهِ، لتتوارد المسحات على المحل، وَقِيلَ: يُوَزَّعْنَ لِجَانِبَيْهِ وَالْوَسَطِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [أَوَلاَ يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلاَثَةَ أَحْجَارٍ حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ وَحَجَرٌ لِلْمَسْرَبة] 45، ويُسَنُّ الاِسْتِنْجَاءُ بِيَسَارِهِ، تأسيًا بالشارع وتكريماً لليمنى 46، وَلاَ اسْتِنْجَاءَ لِدُودٍ، وَبَعْرٍ بِلاَ لَوْثٍ فِي الأَظْهَرِ، كالريح، والثاني: نعم، لأنه لا يخلو عن رطوبة وإن خَفِيَتْ.
فَائِدَةُ: ذكر أبو عبد الله الترمذي الحكيم في كتاب العلل أداباً حسنةً لقاضي
الجزء: 1 - الصفحة: 87
الحاجة؛ لم أَرَ مِنْ أصحابِنا من تعرض لها فاستفدها، فقال: سُمِّيَ الخلاء لاسم شيطانٍ موكلٍ بذلك الموضع اسمُه خلا وأورد فيه حديثاً مرفوعا من رواية بُريدة قال: [فَإِذَا أَتَيْتَ الْخَلاَ فَاعْلَمْ أَنَّكَ تَقْصِدُ الشَّيْطَانَ فَاحْذَرْكَيْدَهُ وأقِلْ مِنْ إِتْيَانِهِ بِقِلَّةِ الطَّعَامِ وَكُنْ وُجِلاً مُسْتَحِيًا مِنْ خَالِقِكَ مُسْتَحْقِرًا لِنَفْسِكَ] فقد قال فضيل ابن عياض: إنِّي لأَمْقُتُ 47 نفسي من كثرة ترددي إلى الخلاء؛ وعِظ نفسك حياءً من ربك، وامشِ متواضعًا متفكرًا في نعمة الله عليك حين أطعمكَ وسقاكَ؛ وأَخْرَجَهُ عَنْكَ حِيْنَ آذَاكَ، ولا تعدُ إليه عدْوًا من غير عذر، فقد روي أن من عدا إليه فكأنما استقبل الشيطان، وقِفْ على باب الخلاء وقلْ: اللهم اجعل دخولي عبرة، وأمط الأذى عني رحمة ترحمني بها، فعن أنس: أن الشيطان يتباعد عنك إذ ذاك، ولا تبصق في بولك، ولا على ما يخرج منك من العذرة، فقد روي: أنه يبتلى بالوسوسة وصفرة الأسنان، وعن عطاء أنه قال: مَنْ بصق على ما يخرج منه بلي بالدم هو وأولادُه أو
أحد من عَقبه، ولا يستاك على رأس الخلاء، فعن ابن عباس: أنه يورث النسيان، وعنه أنه من فعل ذلك فذهب بصرُه فلا يلومنّ إلاّ نفسه، ولا يمتخط، فعن أنس: أنه يورث الصمم، ولا تقلب خاتمك مرة بعد أخرى فقد روي: أنه يأوي إليه الشيطان، وتقوم موليًا عما يخرج منك، فقد روي: أن فيه شفاء من تسعة وتسعين داء أدناها البرص والجذام، وتجتهد أن تجعل بينك وبين السماء سترة، فعن الضحاك قال: إن من فعل ذلك أمطرت عليه الرحمة من عنان السماء، فماذا قمت اعتمد على يمينك،
فقد روي عن كعب أنه قال: يؤتى الحكمة.
ولا تنظف فرجك بالأرض، فقد روي عن عقبة بن عامر: أن الأرض تخاصمه يوم القيامة، ولا تقتل قملة بل ادفنها؛ فقد روى محمد بن على بن أبي طالب أنه قال: [مَنْ قَتَلَ القَمْلَ وَهُوَ عَلَى رَأْسِ خَلاَئِهِ بَاتَ مَعَهُ فِي شِعَارِهِ شَيْطَانٌ يُنْسِيْهِ ذِكْرَ اللهِ أَرْبَعِيْنَ صَبَاحاً]، ولا تلقى ما تستنجي
الجزء: 1 - الصفحة: 88
به على رأس ما يخرج منك من بول أو عذرة، فعن مكحول: أن من فعل ذلك تدودت أسنانه وغلبت الرياح عليه، ولا تقم حتى تشد سراويلك، فعن قتادة: أن من دام على ذلك تدود بطنه وغلب الدم عليه حتى يكون موته منه، ولا تشتغل بشيء من الأعمال ولا تغمض عينيك فإن ذلك أعني التغميض يورث النفاق فِي القلب كما قاله الحسن، ولا تحمل معك الماء إلى الخلاء بيسارك فعن كعب أن ذلك
فعل الشيطان ويفقد ثواب وضوئك، ولا تضع يديك على صدغيك وتجعل رأسك بينهما، فعن أويس القرني: أن ذلك يورث قساوة القلب والبرص، ويذهب الرحمة والحياء، ولا تستند إلى حائط وغيره كفعل الجبابرة والشياطين فإنه يذهب ماء الوجه وينفخ البطن، بل تقعد على قدميك معتمداً عليهما وتأخذ فرجك بين إصبعيك السبابة والوسطى حتى تفرغ، فأما المرأة فإنها تضع طرف أصابع يدها اليسرى على عانتها فهو أقطع لبولها وأنظف لذلك، بلغنا عن قتادة: أنه أمر النساء والرجال به، والرجل يفرج بين رجليه وفخذَيْهِ ليستوي ظهره ويخرج بوله مستوياً، وأما المرأة فإنها تضم أطراف ركبتيها بعضها إلى بعض فيخرج بولها مستوياً لا يصيبها، وأما البندنيجي من أصحابنا فقال: يضمُّ إحدى فخذيه إلى الأخرى، قال الترمذي: ولا تضع يدك اليسرى على اليمنى، فإن ذلك مقعد الشيطان.
ولا تضع رأسك على ركبتيك، فقد قال الحسن بلغني: أن من فعل ذلك كان موته بداء البطن.
بَابُ الوُضُوءِ
الوُضُوءُ: هُوَ بِضَمِّ الْوَاوِ؛ لأَنَّهُ بِفَتْحِهَا الْمَاءُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الوَضَاءَةِ وهي: النَّظَافَةُ؛ وَالنَّضَارَةُ؛ وَالضِّيَاءُ مِنْ ظُلْمَةِ الذُّنُوبِ، وَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ؛ لأنَّ قِيَاسَ الْمَصْدَرِ التَّوَضُّوءُ عَلَى وَزْنِ التَّعَلُّمِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي خُصُوصِيَّتِهِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ 48.
الجزء: 1 - الصفحة: 89
فَرْضُهُ سِتَّةٌ، أَحَدُهَا: نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ، أىِ رفع حكمه؛ وإلاّ فالحدث إذا وقع لا يرتفعُ، أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَى طُهْرٍ، أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ، قلتُ: وكذا نية أداء الوضوء فقط، أو الطهارة عن الحدث، أو أداء فرض الوضوء، أو الطهارة للصلاة أو لغيرها مما يتوقف على الوضوء، قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [إِنَّمَا الأعْمَالُ بالنّيَّاتِ] 49 وشرط النية العلم بالمنويِّ به، وقوله (مُفْتَقِرٌ إِلَى طُهْرٍ)؛ لو أبدله بقوله: مفتقر إليه؛ كما فعل في الغسل لكان أحسن، لأن المكث في المسجد وقراءة القرآن يتوقفان على طهرِ وهو الغسلُ، ولا يصح الوضوء بِنِيَّةِ استباحتهما.
وَمَنْ دَامَ حَدَثُهُ كَمُسْتَحَاضَةٍ كَفَاهُ نِيَّةُ الاِسْتِبَاحَةِ، قلتُ: وكذا نية أداء الوضوء كما صرَّح به في الحاوي الصغير، وهذا ما نص عليه في البويطي أيضًا، دُونَ الرَّفْعِ، لبقاء الحدث، عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا، أى في الصحة بنِيَّة الاستباحة؛ والمنعُ بنيَّةِ الرفع، جاء نصٌّ يفيد معنى فينظر بحسبه.
والذى يُعنى به الفقيه في هذا المقام، ما جاء بسند صحيح عن أبي مالك الأشعري؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيْمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالله أكبَرُ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ؛ وَالصَّوْمُ جُنْةٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النْاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أوْ مُوبِقُهَا] رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: الحديث (1/ 223). والبيهقى في السنن الكبرى: كتاب الطهارة: جماع أبواب سُنَّة الوضوء: الحديث (186).
الجزء: 1 - الصفحة: 90
والثاني: يجوز الاقتصار على أيهما شاء، لأن نية رفع الحدث تتضمن الاستباحة.
وَمَنْ نَوَى تَبَرُّداً مَعَ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه يحصل، وإن لم ينوِه فأشبه ما لو نوى الفرض وتحية المسجد، والثانى: لا، لأنه اشترك بين الفرض وغيره، ومراده بالنية المعتبرة أن يكون ذاكراً لها سواء كان في أول الوضوء أم في أثنائه، أَوْ مَا يُنْدَبُ لَهُ وُضُوءٌ كَقِرَاءَةٍ فِلاَ الأَصَحَ، لأنه لا يتوقف على نية رفع الحدث، والثاني: نَعَمْ، لتوقف الاستحباب عليه، أمَّا ما لا يُنْدَبُ له الوضوء؛ فلا يصح جزمًا.
وَيَجِبُ قَرْنُهَا بأَوَّلِ الْوَجْهِ، أي بِأوَّل ما يغسل منه لِتَقْتَرِنَ بأَوَّل الفرض كالصلاة، وَقِيلَ: يَكْفِي بِسُنَّةٍ قَبْلَهُ، لاقترانها بجزء من الوضوء، والأصح المنع؛ لأنها لم تقترن بفرض، والسنن توابع.
ثم محل الخلاف: ما إذا غربت النّيَّةُ قبل غسل الوجه، أما لو استمرت حتى شرع في غسل الوجه جاز وهو الأفضل، وَلَهُ تَفْرِيقُهَا عَلَى أَعْضَائِهِ فِي الأصَحِّ، كما في تفريق أفعاله، والثاني: لا؛ كالصلاة.
الثَّانِي: غَسْلُ وَجْهِهِ، أي انغساله بالإجماع، وَهُوَ مَا بَيْنَ مَنَابِتِ رَأسِهِ غَالِبًا وَمُنْتَهَى لَحْيَيْهِ، أي إلى آخرهما، وَمَا بَيْنَ أذُنَيْهِ، لأن الوجه ما تقع به المواجهة، والمواجهة تقع بما ذكره، وخرج بقوله غالبًا الأصلع، وقال الإمام: لا يحتاج إلى هذا القيد، لأنه منبت وإن انحسر عنه الشعر لسبب، قلتُ: ويستحب غسل الْمَاقَيْنِ بالسبابتين لحديث فيه 50.
الجزء: 1 - الصفحة: 91
فَمِنْهُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ، لحصول المواجهة به، وَكَذَا التَّحْذِيفُ فِي الأصَحِّ، لمحاذاته بياض الوجه، ولذلك يعتاد النساء والأشراف تنحية الشعر عنه، لاَ النَّزْعَتَانِ وَهُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ، لأنهما في تدوير الرأس.
قُلْتُ: صَحَّحَ الْجُمْهُورُ أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنَ الرَّأسِ، وَالله أعْلَمُ، لاتصال الشعر به، وَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ هُدْبٍ، وَحَاجِبٍ؛ وَعِذَارٍ؛ وَشَارِبٍ؛ وَخَدٍّ؛ وَعَنْفَقَةٍ؛ شَعْرًا وَبَشَرًا، كَالسِّلْعَةِ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ (•)، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ بَاطِنُ عَنْفَقَةٍ كَثِيفَةٍ، كاللِّحية؛ والأصح الوجوب؛ لأن كثافتها نادرة، وَاللِّحْيَةُ، أي من الرجل، إِن خَفتْ كَهُدْبٍ، وَإِلَّا فَلْيَغْسِلْ ظَاهِرَهَا، أي ولا يجب غسل باطنها للمشقة، والخفيفة ما ترى بشرتها في مجلس التخاطب على الأصح، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجِبُ غَسْلُ خَارِجٍ عَنِ الْوَجْهِ، لخروجه عن محل الفرض كالذوآبة من الرأس، والراجح الوجوب لحصول المواجهة به.
= [الأُذُنَانِ مِنَ الرُّأْس].
سنن أبى داود: كتاب الطهارة: باب صفة وضوء الرسول - صلى الله عليه وسلم -: الحديث (134). والجامع الصحيح للترمذي: كتاب الطهارة: باب ما جاء أنَّ الأذنين من الرأس: الحديث (37). وسنن ابن ماجه: كتاب الطهارة ونيتها: باب الأذنان من الرأس: الحديث (444) بلفظ: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْس]، وَكَانَ يَمْسَحُ رَأسَهُ مَرَّةً، وَكَانَ يَمْسَحُ الْمَأْقَيْنِ.
قال الترمذى: هذا حديث حسن، وليس إسنادُهُ بذاكَ القائِمُ.
ولكن في نصب الراية: ج 1 ص 18: الحديث الثامن من أحاديث الأمر بالمضمضة والاستنشاق: قال الزيلعي: وقال ابن دقيق العيد في الإمام: وهذا حديث معلول بوجهين: أحدهما: الكلام في شهر بن حوشب.
والثانى: الشك في رفعه، ولكن شهر وثقه أحمد ويحيى والعجلي ويعقوب بن شيبة.
وسنان بن ربيعة أخرج له البخاري.
وهر وإن كان قد لُيِّنَ فقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به.
وقال ابن معين: ليس بالقوي، فالحديث عندنا حسن والله أعلم.
إ. هـ. وخلاصة الخلاف في الحديث أن إسناده صحيح؛ لاتصاله وثقة رواته.
(•) السلعة: المتاع؛ وما يتجر به.
وليس هو المراد هنا.
والسلعة أيضًا تطلق على زيادة تحدث في البدن كالغدة تتحرك إذا حركت.
أو خراج في العنق، وتكون بأحجام مختلفة من حمصة إلى بطيخة.
ينظر مختار الصحاح للرازى، والقاموس المحيط للفيروزآبادي: مادة (س ل ع).
الجزء: 1 - الصفحة: 92
الثَّالِثُ: غَسْلُ يَدَيْهِ، بالإجماع، مَعَ مِرْفَقَيْهِ؛ لأن (إلى) في الآية 51. بمعنى (مع)
الجزء: 1 - الصفحة: 93
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قلتُ: الصحيح في دلالة (إلى) في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الإضافة؛ والسُّنَّة بيَّنتْ ذلك؛ كما جاء في حديث جابر، وكما جاء في حديث عثمان - رضي الله عنه - قال: (هَلُمُّواْ أَتَوَضَّأُ لَكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَغَسَلَ وَجْهَهُ؛ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ حَتَّى مَسَّ أطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ ثُمَّ أمَرَّ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ وَلِحْيَتِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) رواه مسلم في الصحيح.
والدَّارُقَطْني في السنن؛ وغيره.
قال ابن حجر: إسناده حسن.
وعلى هذا؛ فإن السُّنَّةَ بَيَّنَتْ المراد الشرعي، فتكون دلالة (إلى) فيه كما أراد الشارع؛ وليس من الضرورة تكلف هذا التفصيل وما ذهب إليه بعض الفقهاء في معنى (إلى) سيما أن السنة بيان لقصد مراد الشارع في الأحكام.
والله أعلم.
- أما قولهم (إلى) بمعنى (مع) فهو مما لا سبيل لوضع حرف موضع حرف في التأويل على الصحيح، وإنما يكون كلُّ حرف بمعناه، وتتصرف معاني الأفعال، ويكون معنى التأويل فيها لا في الحروف؛ لأن الحرف يدل على معنى بغيره لا بنفسه، أي في دلالة سياق النص، ويأخذ الأصولي دلالته في القواعد من تقريرات السياق كما سيأتي إن شاء الله.
- أما قولهم في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال السدي والثوري وغيرهما: المعنى مع الله.
قال الحسن: من أنصاري في السبيل إلى الله.
وهذا القول على بابها، هو الجيد قاله القرطبي وابن عربي المالكي رحمهما الله.
وقيل معناه: مَن أنصاري فيما يُقَرِّبُ إلى الله. - أما تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾.
قال القرطبي: قال ابن فورك عن الحسن: تَأَوَّلَ النَّاسُ في هذه الآية النهي الخلط فاجتنبوه مِن قِبَلِ أنفسهم، فخفف عنهم في آية البقرة -أي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة / 220]- وقالت طائفة من المتأخرين: إنَّ (إلى) بمعنى مع؛ كقَوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ وليس بجيد، وقال الحذاق: (إلى) على بابها وهي تتضمن الإضافة؛ أي لا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم في الأكل.
إهـ. فالمعنى: اغسلوا أيديكم مضافة إلي المرافق؛ وقد روى الدَّارقطني عن جابر: أَنَّ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا تَوَضَّأَ، أدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ، فيتحقق هذا المعنى. - قال القرطبي: ولما كان اليد والرجل تنطلق في اللغة على ما ذكرنا، كان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطه وساقه؛ ويقول سمعت خليلى - صلى الله عليه وسلم - يقول: [يَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ =
الجزء: 1 - الصفحة: 94
كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ 52، فَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهُ وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ، أي غسل ما بقي لأنه من اليد، أَوْ مِنْ مِرْفَقَيْهِ فَرَأْسُ عَظْمُ الْعَضُدِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لأنه من محل الفرض، والثاني: لا يجب؛ لأن غسل المرفق لما فيه من عظم الذراع وقد زال، أَوْ فَوْقَهُ نُدِبَ بَاقِي عَضُدِهِ، أي غسله كما لو كان سليماً لتطويل التحجيل.
الرَّابِعُ: مُسَمَّى مَسْحٍ لِبَشَرَةِ رَأسِهِ، أَوْ شَعْرٍ في حَدِّهِ، أي حد الرأس؛ لأن المسح في الآية مجمل؛ وهو ينطلق على القليل والكثير، وكل من الشعر والبشرة يصدق عليه اسم الرأس عرفًا؛ إذ الرأس اسم لما رأس وعلا؛ بخلاف الوجه؛ فإنَّه لو غسل بشرته وترك الشعر لم يجزه؛ لأن الوجه من المواجهة وذلك إنما يقع على ظاهر الشعر، وَالأَصَحُّ جَوَازُ غَسْلِهِ؛ لأنه مسح وزيادة، والثاني: لا؛ لأنه مأمور بالمسح،
والغسل ليس بمسح، وَوَضْع الْيَدِ بِلَا مَدٍّ؛ لأن المقصود وصول الماء، ولا نظر لكيفية الاتصال، والثاني: لا؛ لأنه لا يسمى مسحًا.
الْخَامِسُ: غَسْلُ رِجْلَيْهِ مَعَ كَعْبَيْهِ، للآية 53. الْمُؤمِنِ حَيْثُ بَلَغَ الْوُضُوءُ] قال القاضي عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وألا يتعدى الوضوء حدوده؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: [فَمَنْ زَادَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَّمَ].
وقال غيره: كان هذا الفعل مذهبًا له، ومما انفرد به؛ ولم يحكه عن النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم-.
وإنما اسْتَنْبَطَهُ من قوله عليه الصلاة والسلام: [أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ] ومن قوله: [تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ] كما ذكر.
* ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج 2 ص 327 وج 4 ص 97 وج 5 ص 10 وج 6 ص 86 - 87 وج 18 ص 90، وأحكام القرآن لابن عربي: ج 2 ص 567. أما حديث جابر فرواه الدارقطني في السنن: ج 1 ص 83 وإسناده حسن.
الجزء: 1 - الصفحة: 95
الجزء: 1 - الصفحة: 96
اللسان 56، فإن الشيخ تقي الدين، قال في شرح العمدة: إنه ورد منصوصًا في بعض الروايات أن الاستياك فيه طولًا 57، بِكُلِّ خَشِنٍ، لحصول المقصود به، نعم: الأفضل الأراك تأسيًا به صلى الله عَلَيْهِ وَسلَّمَ كما أخرجه ابن حبان في صحيحه 58،
الجزء: 1 - الصفحة: 97
ورأيتُ في كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أنَّه يُحَرِّمُ السواك بما فيه سُمٌّ من العيدان، وأنه يكره بعود الريحان الذي يؤذي، إِلَا أُصْبُعَهُ فِي الأَصَحِّ، لأنها لا تسمى سواكًا، ولا هي في معناه وهذا إذا كانت متصلة، أما إذا انفصلت؛ وقلنا بطهارتها وهو الأصح، فلا يبعد الإجزاءُ بها، وإن كان دفنها على الفور واجبًا، والثاني: يحصل؛ لأحاديث فيه واردة وهو المختار 59. وقد اكتفى به المصنف والأصحاب في غسل الميت كما سيأتي في بابه.
واحترز بإصبعه عن اصبع غيره الخشنة، فإنَّها تجزي قطعًا قاله في الدقائق 60.
فَائِدَةٌ: في كيفية إمساك السواك ووضعه وقدره وموضعه، قال الترمذي الحكيم: تجعل الخنصر من يمينك أسفل السواك تحته، والبنصر والوسطى والسبابة فوقه، واجعل الإبهام أسفل رأس السواك تحته كذلك السُنَّة فيه، كما روي عن عبد الله بن مسعود [وَلَا تَقْبِضِ الْقَبْضَةَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يُوْرِثُ الْبَوَاسِيْرَ] قال: وَابْلَعْ رِيّقَكَ أَوَّلَ مَا تَسْتَاكُ، فَإِنَّهُ يَنْفَعُ مِنَ الْجَذَامِ وَالْبَرَصِ وَكُلُّ دَاءِ سِوَى الْمَوْتِ؛ ولا تبلع بعده شيئًا فإنَّه يورث الوسوسة، ولا تمص السواك مصًا فإن ذلك يورث العمى، ولا تضع السواك إذا
وضعته بالأرض عرضًا، ولكن اِنْصِبْهُ نَصْبًا فإنَّه يروي عن سعيد بن جببر أنَّه قال: أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح.
إ. هـ. وحديث ابن مسعود في صحيح ابن حبان: عن زر بن حبيش: أن عبد الله بن مسعود؛ كان يجتنى لرسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سواكًا من آراك.
ج 9 ص 120: باب ذكر تمثيل المصطفى - صلى الله عليه وسلم - طاعات ابن مسعود: الحديث (7029).
الجزء: 1 - الصفحة: 98
مَنْ وَضَعَ سِوَاكَهَ بِالأرْضِ عَرضًا فَجُنَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ، قال: ولا تزيد في طول سواكك على شبر ولو قدر اصبع فما زاد عليه يركب عليه الشيطان، واقتصر على شبر ودونه؛ فإن ذلك السنة.
وفي البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: [كَانَ السِّوَاكُ مِنْ أُذُنِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مَوْضِعَ
الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ]، 61 ثم قال رفعه ابن إسحاق: وفعله زيد بن خالد الجهني الصحابي أَيضًا كذلك كما أخرجه التِّرْمِذِي وغيره 62. وروى الخطيب في كتاب من روى عن مالك عن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: [كَانَ أصْحَابُ رَسُولِ اللَهِ - صلى الله عليه وسلم - أَسْوِكَتَهُمْ خَلْفَ أَذَانِهِمْ يَسْتَنُّونَ بِهَا لِكُل صَلَاةٍ] 63.
وَيُسَنُّ لِلصَّلَاةِ، أي وإن لم يكن الفم متغيرًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمَّتِي
لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ] متفق عليه 64، وصحَّ من غير طريق الحاكم [رَكْعَتَانِ بِسِوَاكٍ أفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا سِوَاكٍ] رواه الحميدي بإسناد كل رجاله ثِقَاتٌ 65.
الجزء: 1 - الصفحة: 99
وإذا ضممت إلى ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: [صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ] 66
الحديث- كانت صلاة الجماعة بسواك بألف وثمانمائة وتسعين ويتضاعف ذلك بالفضل في القراءة والخشوع وكمال الطهارة وغير ذلك من الأمور المطلوبة في الصلاة مما لا يحصيه إلاّ الله تعالى وإذا ضم إلى ذلك رواية أبي داود [الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْريْنَ صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةٌ]، 67 وصححها ابن حبان والحاكم؛ زادت المضاعفة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ثم والحديث المذكور قال على أن السواك أفضل من صلاة
الجماعة؛ لأن الفضل الوارد فيه أكثر من فضلها وفيه وقفةٌ.
فَرْعٌ: لا يبعد استحبابه للطواف وسجدة التلاوة والشكر والجنازة أَيضًا.
وَتَغَيُّرِ الْفَمِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[السِّواك مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ] علقه البخاري 68، قلتُ: ويتأكد أَيضًا لقراءة القرآن؛ واصفرار الأسنان؛ ولدخول منزله؛ وعند نومه ابن عباس، ومن حديث جابر.
وإسناد كلُّ منهما جيد، قاله المنذري في الترغيب.
ثم أن الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج 1 ص 98؛ قال: رواه البَزَّار (بسند عن عائشة رضي الله عنها) ورجاله موثوقون.
الجزء: 1 - الصفحة: 100
واستيقاظه، واعْلَم: أن السواك سُنَّة مطلقًا، ويتأكد في المواضع المذكورة، وَلاَ يُكْرَه إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَخلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، متفق عليه؛ إلاّ [يَوْمَ القِيَامَةِ] فلمسلم 69. وإطلاق هذا الحديث مخصوص بحديث جابر بن عبد الله أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: [أُعْطَيِتْ أُمَّتِي فِي رَمَضَانَ خَمْساً ... وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يَمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ] رواه الحسن بن سفيان في مسنده وقال السمعاني في أماليه حديث حسن 70. والمساء بعد الزوال، قلتُ: ونزول الكراهة بالغروب على الأصح، كما يُفهمه كلامه أيضًا.
فَرْعٌ: يسنُّ السواك باليمين لما رواه أبو داود عن عائشة قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُلِهِ وَنَعْلِهِ] زاد أحد رواته [وَسِوَاكِهِ] 71 وهي فائدة جليلة.
قال الترمذي الحكيم: الاستياك باليسار من فعل الشيطان قال: ولا ينظر في السواك ولا يستاك بطرفي السواك ولا بسواك غيرك وإن غسلته، فعن ابن عمران: [مَنِ اسْتَاكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ فَقَدَ الحِفْظَ وَلاَ تَضَعِ السِّوَاكَ حَتَّى تَغْسِلَهُ] فعن الحسن: أن الشيطان يَسْتَاكُ بِهِ إِذَا لَمْ تَغْسِلْهُ؛ وَاكْبِسْ رِيقَكَ بَعْدَ السِّوَاكِ بِالتُّرَابِ أَوْ تُطَهِّرَهُ بِالْمَاءِ تَضَعْهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الأَبْرَارِ وَلِئَلاَّ يَلْعَبَ بِهِ الشَّيْطَانُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 101
وَالتَّسْمِيَةُ أَوَّلُهُ، فَإِنْ تَرَكَ، أي عمدًا أو سهوًا، فَفِي أَثْنَائِهِ، كما في الأكل 72، وَغَسْلُ كَفْيْهِ، أي إلى كوعيه 73، وهذا الاستحباب ليس لأجل الحدث، بل لتوقع الخبث وإن بَعُدَ قاله الإمام 74، فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ طُهْرَهُمَا، كُرِهَ غَمْسُهُمَا فِي الإِنَباءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا، للأمر به في الحديث الصحيح، ولا تزول الكراهة إلاّ بغسلهما ثلاثًا 75، كما نصَّ عليه في البويطي والأصحاب وإنما لم تزل بالأُولَى، وإن كان تيقن طهارة يده بها، لأن الثانية والثالثة مكملة لمعناها، فالتطهير المقصود وإن لم
يتم، فإن تيقن الطهارة فلا كراهة، واحترز بالاناء عن البركة ونحوها، والإناء المراد؛ إناء فيه دون قلتين.
وَالْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، للأتباع 76، وعدم وجوبهما يدل عليه قوله عَلَيْهِ
الجزء: 1 - الصفحة: 102
الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ للمسئ صلاته [أنَّهَا لاَ تَتِمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ] حسنهُ الترمذي وصححه الحاكم 77، وَالأَظْهَرُ أَنَّ فَصْلَهُمَا أَفْضَلُ، لحديث فيه ولم يضعفه أبو داود، ثُمَّ الأَصَحُّ، أي على هذا القول، يَتَمَضْمَضُ بِغَرْفَةٍ ثَلاَثاً، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِأُخْرَى ثَلاَثًا، أي حتى لا ينتقل إلى عضو إلَّا بعد كمال ما قبله 78، والثاني: بسِت غرفات؛ لأنه أقرب إلى النظافة، وَيُبَالِغُ فِيهِمَا غَيْرُ الصَّائِمِ، فَأَكْفَأَ مِنْهُ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاَثًا؛ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثًا".
رواه البخاري في الصحيح: كتاب الوضوء: باب مسح الرأس كله: الحديث (185) وباب غسل الرجلين إلى الكعبين: الحديث (186). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب في وضوء النبي: الحديث (18/ 235).
الجزء: 1 - الصفحة: 103
لقوله - صلى الله عليه وسلم - للقيط ابن صبرة: [أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي
الاِسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا] صححه الترمذي 79 وغيره وفي رواية صحيحة كما قاله ابن القطَّان: [إِذَا تَوَضُّاْتَ فَأَبْلِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا] 80؛ قُلْتُ: الأَظْهَرُ تَفْضِيلُ الْجَمْعِ بِثَلاَثِ غُرَفٍ: يَتَمَضْمَضُ مِنْ كُلِّ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ، وَالله أَعْلَمُ، هو الذي صحَّت به الأحاديث.
قال الشيخ عزُّ الَدِّينِ: وَقُدِّمَتِ المضمضةُ على الاستنشاق لشرف منافع الفم على منافع الأنف، فإنه مدخل الطعام والشراب اللذين بهما قوام الحياة، وهو محل الأذكار الواجبة والمندوبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ، بالإجماع 81، وَالْمَسْحِ؛ لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَسَحَ ثَلاَثًا؛ وَأَفْرَدَ الْمَضْمَضَةَ مِنَ الاِسْتِنْشَاقِ؛ ثم قالا: هكذا توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن حجر في التلخيص: ج 1 ص 90: وأنكره ابن الصلاح في كلامه على الوسيط ... قلتُ: روى أبو علي بن السكن في صحاحه من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة ... فهذا صريح في الفصل؛ فبطل إنكار ابن الصلاح.
ثم حكى روايات كثيرة تعضد رواية طلحة.
الجزء: 1 - الصفحة: 104
رَأْسَهُ ثَلاَثاً، رواه أبو داود، وقال البيهقي في خلافياته: إسنادُه قد احتجا بجميع رواته غير عامر ابن شقيق ابن سلمة، قال الحاكم: لا أعلم في عامر طعناً بوجه من الوجوه 82، وَيَأْخُذُ الشَّاكُّ بِالْيَقِينِ، كما في عدد الركعات.
وَمَسْحُ كُلَّ رَأْسِهِ، خروجاً من الخلاف، ثُمَّ أُذُنَيْهِ، أي بماء جديد للاتباع؛ كما رواه الحاكم وصححهِ، وكذا البيهقي 83، فَإِنْ عَسُرَ رَفْعُ الْعِمَامَةِ، أو لم يرد نزعها؛ أي ونحوها كالقلنسوة والْخِمَارِ، كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا، للاتباع كما أخرجه مسلم 84 = (159). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب صفة الوضوء وكماله: الحديث (3/ 226) والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الطهارة: الحديث (245) وقال: ورَوِّيْنَاهُ في ذلك عن عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعبد الله بن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الجزء: 1 - الصفحة: 105
ونقل المصنف في شرح المهذب عن الأصحاب استحباب ذلك سواء كان ذلك لعذر أو لغيره 85. قُلْتُ: ولا يجزي الاقتصار على العمامة عن الرأس عند أكثر العلماء كما حكاه الخطابي وغيره 86، ولكن في البخاري أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفيْهِ، وفي مسلم أَنُّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ 87، وقال ابن حزم: ستَّة من الصحابة رووا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأسانيد لا معارض لها ولا مطعن فيها، المغيرة وبلال وسلمان وعمر وابن أمية وكعب بنُ عُجَرَةَ وأبو ذر، وبهذا يقول جمهور الصحابة والتابعين، وقد قال الشافعي: إن صح الخبر فيه أقول به؛ قال: وقد صح الخبر فهو قوله، قُلْتُ: أجاب أصحابنا بأن هذه الأحاديث وقع فيها اختصار، والمراد قَالَ: [هَلْ مَعَكَ مَاءٌ؟ ] فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ، فَغَسَلَ كَفِّيْهِ وَوَجْهَهُ ثُمَ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ؛ فَضَاقَ كُمُّ الجُبَّةِ؛ فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الجُبَّةِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِنَاصِيِتَهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى خُفيْهِ ... الحديث: السنن الكبرى (267)، رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب المسح على الناصية والعمامة: الحديث (81/ 274).
الجزء: 1 - الصفحة: 106
مسح الناصية والعمامة بدليل رواية المغيرة مسح بناصيته وعلى العمامة، أخرجها مسلم؛ ورواية بلال أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مسح على الخفين وبناصيته وعلى العمامة؛ قال البيهقي: إسنادها حسن 88. وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ، للاتباع كما صححه الترمذي وغيره 89، وكذا ما في معناها كالعارض، واستثنى المتولي في تتمته في كتاب الحج من تخليل اللحية الكثة الْمُحْرِم، وعلَّلَه بأن التخليل سُنَّة، ونَتْفُ الشعر حرام ويخاف منه المنتف، وَأَصَابِعِهِ، لحديث لقيط السالف، قُلْتُ: وفي الدارقطني بإسناد جيد من حديث عثمان؛ تثليث التخليل، ينبغي استحبابه 90. وَتَقْدِيمُ اَلْيُمْنَى، أي يداً ورجلا للاتباع، والحكمة فيه التيمن إذ اليمين مأخوذة من اليُمن وهو حصول الخير، والشمال تسمى الشوما، أما الكَفَّان والخَدَّان فيطهران
الجزء: 1 - الصفحة: 107
دفعة واحدة وكذا الأذنان على الأصح 91.
وَإِطَالَةُ غُرَّتِهِ، وَتَحْجِيلِهِ، للحث على ذلك؛ وهما غسل ما فوق الواجب من الوجه واليدين والرجلين 92.
وَالْمُوَالاَةُ، خروجاً من الخلاف، وَأَوْجَبَهَا الْقَدِيمُ، أي إذا طال التفريق وكان بغير عذر؛ لأنه عبادةِ يبطلها الحدث فأبطله التفريق الكثير كالصلاة إذا طوّل الركن القصير عامدًا، وفرق الجديد بأن الصلاة يبطلها التفريق اليسير عامداً ولا يبطل الوضوء إجماعًا.
وَتَرْكُ الاِسْتِعَانَةِ, لأَنَّ الأَجْرَ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ 93، وَالنَّفْضِ؛ لأنه كالْمُتَبَرِّئِ
الجزء: 1 - الصفحة: 108
من العبادة 94، وَكَذَا التَّنْشِيفُ فِي الأَصَحِّ؛ لأنه أثر عبادة فكان تركه أَوْلَى، والثانى: أنه مكروه كإزالة الخلوف، والثالث: أنه مباح وهو قوي 95.
وَيقُولُ بَعْدَهُ: [أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهرِينَ، سُبْحَانَكَ وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره ... ) فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج 3 ص 780. وسيأتى الكلام فيه، في كتاب النذور إن شاء الله.
وأما ما جاء من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ قال: إنى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَقِي مَاءً لِوُضُوئِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُعِيْنَهُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: [إِنِّي لاَ أُحَبُّ أَنْ يُعِيْنَنِي عَلَى وُضُوئِي أَحَدٌ].
قال ابن الملقن في التحفة: رواه البزار بإسناد ضعيف، وقال: لا نعلمه يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
قال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزار وفيه أبو الجنوب ضعيف: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج 1 ص 227: باب في الاستعانة على الوضوء.
وقد صحَّت أحاديث في صبِّ الماء على يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رواها البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الطهارة: باب الرجل يوضئ صاحبه: الرقم (390 و 391) عن أسامة بن زيد والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 109
اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" الأحاديث صحيحة في الحث على ذلك، وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الأعْضَاءِ إِذْ لاَ أَصْلَ لَهُ، قلت: لا بل له طرق ضعيفة وفضائل الأعمال يتسامح فيها، وهي موضحة في تخريجي لأحاديث الرافعى والوسيط (172).
بَابُ مَسْحِ الخُفِّ
يَجُوزُ فِي الْوُضُوءِ، أي بدلًا عن الغسل 97، لِلْمُقِيمِ يَوْماَ وَلَيْلَة، وَللْمُسَافِرِ، أي سفر القصر، ثَلاَثَةً بِلَيَالِيهَا، لحديث عليّ في ذلك أخرجه مسلم 98 وهذا في السَّليمِ، أما دائمُ الحدث؛ فإنه يمسح لما يحل لو بقي طهره؛ وهو فرضٌ ونوافلٌ، مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ لُبْسٍ؛ لأنها عبادةْ موقتةْ؛ فكان ابتداءُ وَقْتِهَا من حين جواز فعلها كالصلاة، ولو تَوَضَّأَ بعدَ حدثه؛ وغسل رجليه في الخف، ثم أحدث فابتداءُ المدةِ مِن حين الحدث الأَوَّلِ؛ كما اقتضاه كلامه 99، وبه صرَّح الشيخ أبو علي في شرح96
الجزء: 1 - الصفحة: 110
الفروع، فَإِنْ مَسَحَ حَضرَاً، ثُمَّ سَافَرَ؛ أَوْ عَكَسَ، أي مسح سفراً، ثم أقام، لَمْ يَسْتَوْفِ مُدَّةَ سَفَرٍ، تغليباً للحضر.
وَشَرْطُهُ أَنْ يُلْبَسَ بَعْدَ كَمَالِ طُهْرٍ، لحديث أبي بكرة [أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَرْخَصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلاَثةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيْمِ يَوْماً وَلَيْلَةَ إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا] قال.
البخاري: حسن 100، والمتيمم لا لفقد الماء، يمسح لما يحل لو بقى طهره، سَاتِراً مَحَلَّ فَرْضِهِ، أي من كل الجوانب لا من الأعلى، ويُجْزِئُ الشَّفَّافُ كالزُّجاج بخلاف رؤية المبيع من ورائه، طَاهِراً، لأن الخف بدل عن الرِّجْلِ، يُمْكِنُ تِبَاعُ الْمَشْيِ فِيهِ لِتَرَدُّدٍ؛ مُسَافِرٍ لِحَاجَاتِهِ، لأن غيره لا تدعُ الحاجة إليه؛ فلم تتناوله الرخصة، قِيلَ: وَحَلاَلاً، لأن الرخص لا تناط بالمعاصي، والأصح: أنه لا يشترط، لأن المعصية لا تختص باللبس فلم تمنع الصحة، كالذبح بسكين مغصوبة.
وَلاَ يُجْزِىُ مَنْسُوجٍ لاَ يَمْنَعُ مَاءً، أي لعدم صفاقته، فِي الأَصَحِّ، لأنه لا يعد حائلاً، والثاني: يُجْزِئُ؛ كخف انثقبت ظهارته في موضع وبطانته في موضع آخر، لا نَنْزِعَهُ ثَلاَثَاً؛ إِلاْ مِنْ جَنَابَةٍ؛ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ].
رواه النسائي في السنن: كتاب الطهارة: باب الوضوء من الغائط: ج 1 ص 98. والترمذي في الجامع: كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم: الحديث (96) وقال: حسن صحيح.
قلت: قال الخطابي في المعالم: كلمة (لكن) موضوعة للاستدراك؛ أي في اللغه وضرورة الكلام.
الجزء: 1 - الصفحة: 111
ولا يضر نفوذ الماء من مواضع الخرز؛ قاله القاضي حسين وغيره، وَلاَ جُرْمُوقَان فِي الأَظْهَرِ، لأنه ساتر لممسوح فلم يقم في إسقاط الفرض مقام الممسوح كالعمامة 101، والثاني: يجوز؛ لأن الحاجة تدعو إليه لدفع البرد والوحل، ومحل الخلاف ما إذا كانا قويين، فإن كان الأعلى ضعيفاً فقط جاز المسح عليه إذا وصل البلل إليه لا بقصد الأعلى فقط.
وَيَجُوزُ مَشْقُوقُ قَدَمٍ شُدَّ، أي بالشَّرْجِ وهي العِرا، فِي الأَصَحِّ، لحصول الستر به، وتيسر المشي فيه، والثاني: لا يجوز؛ كما لَوْ لَفَّ على رجله قطعة جلدة وشدها.
ويُسَنُّ مَسْحُ أَعْلاَهُ، أي ظاهر أعلاه، وَأَسْفَلِهِ، للاتباع كما أخرجه أبو داود 102، ويسن مسح العقب أيضًا، خُطُوطاً، للاتباع كما أخرجه الطبراني؛ وقال: تفرَّد به بقية 103.
الجزء: 1 - الصفحة: 112
وَيَكْفِي مُسَمَّى مَسْحٍ، لأن المسح ورد مطلقاً ولم يصح في تقديره شئ؛ فتعين الاكتفاء بما ينطلق عليه الأسم، ولو غسله أجزاه على الأصح، نعم يُكْرَهُ، يُحَاذِي الْفَرْضَ، أي من الظاهر، لأنه بدل عنه، إِلاَّ أَسْفَلَ الرّجْلِ وَعَقِبَهَا فَلاَ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن الباب باب اتباع، ولم يؤثر فيه الاقتصار على الأسفل، وقيل: بالإجزاء فيهما قطعاً، لأنهما محاذيان محل الفرض، فَأَشبها المحاذي لمشط الرجل، ورجح الرافعي في الأُولى طريقة القولين، وحكى في الثانية ثلاثة طرق، وعبارة أصل الروضة: لا يجزئ على المذهب، وقيل: العَقِبُ أَوْلَى بالجواز من الأسفل، وقيل: أولى بالمنع.
قُلْتُ: حَرْفُهُ كَأَسْفَلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لاشتراكهما في عدم الرؤية غالباً؛ قاله البغوي وغيره، لكن مقتضى كلام الرافعى وغيره أنه كأعلاه.
وَلاَ مَسْحَ لِشَاكٍّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ، رجوعاً إلى الأصل، فَإِنْ أَجْنَبَ وَجَبَ تَجْدِيدُ لُبْسٍ، أي بعد الغسل إن أراد المسح لأمر الشارع به كما صححه الترمذي 104،
وَمَنْ نَزَعَ وَهُوَ بِطُهْر الْمَسْحِ غَسَلَ قَدَمَيْهِ، لأن الأصلَ غسلهما؛ والمسحُ بدلٌ، فإذا زال؛ وجب الرجوع إلى الأصل، وَفِي قَوْلٍ: يَتَوَضَّأُ، لأنها عبادة بطل بعضها فبطل كلها كالصلاة، وقيل: لا يستأنف؛ ولا يغسل رجليه، بل يصلي؛ حكاه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني وجهاً في مصنف له في أصول الفقه؛ وهو غريب نقلاً مختاراً دليلاً.
أى إسحاق بن راهويه في المسند: ج 1 ص 30: الحديث (98) من باب المسح على الحفين.
أما بَقِيَّة فهو بن الوليد بن صائد الكلاعي، قال ابن المبارك: كان صدوقاً، ولكن كان يكتب عمن أقبل وأدبر، وسُئل يحيى بن معين عنه فقال: إذا حدَّث عن ثقات مثل صفوان بن عمرو وغيره فاقبلوه، أما إذا حدَّث عن أولئك المجهولين فلا, ثم قال ابن حجر: وروى له مسلم حديثاً واحداً شاهداً متنه: [مَن دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ وَنَحْوه فَلْيُجِبْ].
ينظر: ترجمته في تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانى: ج 1 ص 495 - 497: الرقم (779).
الجزء: 1 - الصفحة: 113
بَابُ الغُسْلِ
اَلْغَسْلُ: وهو بفتح الغين ويجوز ضمها، مُوجبُهُ مَوْتٌ، أي إلاّ في حق الشهيد كما سيأتي في بابه، وَحَيْضٌ، وَنِفَاسٌ، بالإجماع، وَكَذَا وِلاَدَةٌ بِلاَ بَلَلٍ فِي الأَصَحِّ، لأن الولد مَنِيٌّ منعقدٌ، والثاني: لا يجب، لأنه لا يسمى منيّاً، وَجَنَابَةٌ، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ 105 وأورد الرافعي على الحصر في هذه الأمور ما لو تنجس البدن جميعه؛ أو بعضه واشتبه عليه، فإن عدهم للموت موجباً يقتضي إرادة ما تجب فيه النيّة وما لا تجب، بِدُخُولِ حَشَفَةٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ] صححه ابن حبان 106، قال الجويني في التبصرة: وليس في تغييب بعضها غسل إلّا من جهة الاستحباب.
وما ذكره ظاهر؛ فإن لنا وجهاً في الوجوب والحالة هذه وإن كان شاذاً، أَوْ قَدْرِهَا أي من مقطوعها، فَرْجاً، أي من آدمىّ حيّ أو غيره، وَبِخُرُوجٍ مَنِيٍّ، أي من الشخص نفسه، ولو نزل المني إلى فرج ثيب وجب أو بكر فلا جزم به في التحقيق، مِن طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ، بالإجماع، وَغَيْرِهِ، أي كما لو أنكسر الصلب فخرج منه المني مستحكماً، وُيعْرَفُ بِتَدَفُّقِهِ، أي وهو خروجه بدفعات، قال الله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ 107، أَوْ لَذَّةٍ بِخُرُوجِهِ، أي مع الفتور عقبه؛ والتلذذ يستلزمه، أَوْ رِيحِ عَجِينٍ، أي أو طلع، رَطْباً، أَوْ بَيَاضِ بَيضٍ جَافّاً، لأنه لا يوجد صفة من هذه الثلاثة في خارج غيره، فَإِنْ فُقِدَتِ الصِّفَاتُ فَلاَ غُسْلَ، لأنه ليس بمني، ويحتمل أن يكون ودياً، وَالْمَرْأَةُ كَرَجُلٍ، أي في الصفات المذكورة وأنكرهُ ابن الصلاح.
الجزء: 1 - الصفحة: 114
وَيَحْرُمُ بِهَا، أي بالجنابة، مَا حَرُمَ بِالْحَدَثِ، أي مما تقدم في بابه؛ بل أَوْلَى لأنها أغلظ، وَالمَكْثُ بِالْمَسْجِدِ، لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ ... ﴾ الآية 108 أي مواضعها، وخرج بالمسجد مصلى العيد ونحوه.
فَرْعٌ: في فتاوى البغوى؛ إذا كان في المسجد بئر، لا يجوز للجنب المكث فيه إلاّ إذا تيمم ودخل، وفيها أنه لو دلى نفسه بحبل ومكث في هواء المسجد، لأن لهواء المسجد حرمة المسجد، بدليل صحة الاقتداء للمتطهر إذا كان على لوح في هواء المسجد وصحة صلاة مَنْ بجبل أبي قبيس.
لاَ عُبُورُهُ، للآية المذكورة 109، وَالْقُرْآنُ، أي باللفظ والإشارة من الأخرس لا بالقلب تعظيماٌ له، وفاقد الطهورين يقرأ الفاتحة في صلاته عند المصنف خلافاً للرافعي فإنه قال: ينتقل إلى الأذكار، وَتَحِلُّ أذْكَارُهُ لاَ بِقصْدِ قُرْآنٍ 110، لعدم الإخلال
الجزء: 1 - الصفحة: 115
والحالة هذه بالتعظيم، فإن قصده وحده أي دون الذكر أو ومعه الذكر حرم وإن أطلق فلا.
قُلْتُ: ومواعظ القرآن وأحكامه وأخباره وغيرها كالأذكار 111.
وَأَقَلُّهُ، أي أقل الغسل، نِيَّةُ رَفْع جَنَابَةٍ، أي إن كان جنباً، فَأَمَّا الحائض فتنوي رفع حدث الحيض، فإن نوى أحدهما غير ما عليه، فإن تعمد، لا يصح، وإن غلط صح، كما قاله المصنف في شرح المهذب في آخر نية الوضوء 112، أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَيْهِ أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْلِ، أي وكذا أداء الغسل بحذف الفرض كما تقدم في الوضوء، وكذا الغسل المفروض والطهارة للصلاة أو رفع الحدث عن جميع البدن، وكذا إن أطلق في الأصح، مَقْرُونَةٌ بِأَوَّلِ فَرْضٍ، كما في الوضوء، وَتَعْمِيمُ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ، لأن الحدث عمَّ جميع البدن فيجب تعميمه بالغسل، والمراد بالبشرة ما يشمل الأظفار، ويستثنى من ذلك الشعر النابت في العين؛ فإنه لا يجب غسله 113. = صَرَّحَ به إمام الحرمين وغيره.
ينظر: دقائق المنهاج للنووى: ص 35. ومثاله؛ قول الراكب: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كُنَّا له مقرنين.
وقول المرء عند المصيبة: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
الجزء: 1 - الصفحة: 116
وَلاَ تَجِبُ مَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ، كما في غسل الميت والوضوء، وَأَكْمَلُهُ إِزَالَةُ القَذَرِ، ثُمَّ الْوُضُوءُ، للتأسى 114، وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ، لرواية البخاري عن ميمونة 115، وأغرب الداوودي من أصحابنا حيث قال: قول الشافعي ثم يتوضاً وضوءه للصلاة، أي يقدم غسل أعضاء وضوئه على غيرها من الأعضاء على ترتيب = جاء عن عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ] قال عليٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ثَلاَثًا وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ.
رواه أبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب الغسل من الجنابة: الحديث (249). وقال ابن الملقن في التحفة: وصححه القرطبي في شرحه.
لمسلم؛ قلت: قال ابن حجر: وإسناده صحيح.
ينظر: تلخيص الحبير: ج 1 ص 150.
الجزء: 1 - الصفحة: 117
الوضوء، لكن بِنِيَّةِ غُسْلِ الجنابة، لا أنَّ ذلك وضوءٌ هذا لفظه وهو مطّرح، ثُمَّ تَعَهُّدُ مَعَاطِفِهِ، أي كَالْعُكْنَةِ 116 والإبط استظهاراً فيأخُذُ الماءَ بكفيه فيجعله عليها، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُخَلِّلُهُ، أي قبل الإفاضة، فيخلل أصابعه وهي مبلولة، وفي المهذب والنهاية: أنه يغترف بكفيه غرفة، ويخلل بها، ويخلل شعر اللحية أيضاً، وقال في التتمة في كتاب الحج: إن اغتسل لتبرُّدٍ أو سُنة لا يحرك الشعر بيده، وإن اغتسل لجنابة فإن قدر على ايصال الماء إلى باطن الشعر من غير تحريك الشعر لا يحرك؛ وإلاّ فيحكُّ الرأس ببطون الأصابع أو برؤوس الأنامل دون الأظفار 117، ثُمَّ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِى طَهُورِهِ إِذَا تَطهَّرَ 118، ولم يذكروا كيفية التيامن، ولا يبعد أن يأتي فيه ما ستعرفه في كيفية غسل الميت 119، وَيَدْلُكُ، لإنقاء البشرة، وَيُثَلِّثُ، كالوضوء وأَوْلَى، وثبت في الرأس نصاً 120.
الجزء: 1 - الصفحة: 118
فَائِدَةٌ: في الإحياء للغزالي: لا ينبغي أن يحلق، أو يقلم، أو يستحد، أو يخرج دماً، أو يبين من نفسه جزءاً وهو جنب إذ تُرَدُّ إليه سائر أجزائه في الآخرة فيعود جنباً، ويقال: إن كل شعرة تطالب بجنابتها.
وَتَتَّبِعَ لِحَيضٍ أَثَرَهُ مِسْكاً، للأمر به في الصحيح 121، وترجم عليه أبو نعيم في كتاب الطب ما يضيق به القُبُلُ وينشف رطوبته، وَإِلاَّ فَنَحْوَهُ، أي كالطب ثم الطين تطييباً للمحل، وفي كتاب الطب لأبى نعيم عن عائشة رضى الله عنها: [أَمَا تَسْتَطِيْعُ إِحْدَاكُنَّ إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنْ حَيْضِهَا؛ أَنْ تُدْخِلَ شَيْئاً مِنْ قِسْطٍ؛ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَشَيْئاً مِنْ رَيْحَانٍ (يعني الآس) فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَشَيْئاً مِنْ نَوَى، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَشَيْئاً مِنْ مِلْح] ثم روى عن أم الحجاج أنها كانت تستفرش عجم الزبيب.
وَلاَ يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ، لأنه لم ينقل كالتيمم، بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ، أي فإنه يُسَنُّ إذا = رواه الإِمام أحمد في المسند: ج 4 ص 81 وإسناده صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 119
صلى لأول صلاة ما للترغيب فيه 122، ويدخل في هذا الإطلاق ماسح الخف والوضوء المكمل بالتيمم لجراحة ونحوها.
وَيُسَنُّ أَنْ لاَ يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ، وَالْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ، للاتباع كما أخرجه مسلم 123، لكن صحَّ أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ تَوَضَّأَ بِثُلُثَي مُدٍّ 124، واغتسل بالفَرَقِ مرة هو وعائشة 125، ولو كان المتوضئ ضئيلًا؛ أو متفاحش الطول؛
الجزء: 1 - الصفحة: 120
أو العرض؛ يُستحب له أن يستعمل من الماء ما يكون نسبته إلى جسده كنسبة المد إلى جسده - صلى الله عليه وسلم -، وكذا الغسل قاله في القواعد، وَلاَ حَدَّ لَهُ، بالإجماع، كذا نقله ابن جرور والمصنف في شرح مسلم 126. لكن في مذهب مالك؛ قول: إنه لا يجوز الاقتصار على أقل مما ورد به الحديث السالف وحكاه القاضي عبد الوهاب عن بعضهم ولا شك في بعده 127.
وَمَنْ بِهِ نَجَسٌ يَغْسِلُهُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَلاَ تَكْفِي لَهُمَا غَسْلَةٌ، وَكَذَا فِي الْوُضُوءِ، لأن الماءَ الَأوْلَ صارَ مستعملاً في النجاسة؛ وما استعمل فيها؛ لا يستعمل في الحدث.
قُلْتُ: الأَصَحُّ تَكْفِيهِ، وَالله أَعْلَمُ، لأن مقتضى الطهارتين واحد؛ فكفاهما غسلةٌ واحدة كما لو كان عليها غسل جنابة وحيض، وَمَنِ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ وَجُمُعَةٍ حَصَلاَ، كما لو نوى عند دخول المسجد الفرض والتحية، أَوْ لأَحَدِهِمَا حَصَلَ فَقَطْ، عملاً بما نواه 128، وصحح في الشرح الكبير حصول الجمعة إذا نوى الجنابة.
قُلْتُ: وَلَوْ = وفي حديث سفيان قالت: [مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ] قال قتيبة: قال سفيان: [والفَرَقُ ثلاثة آصُعْ].
الجزء: 1 - الصفحة: 121
أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ عَكْسُهُ كَفَى الغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَب، وَالله أَعْلَمُ، لأنهما طهارتان فتداخلتا كغسل الجنابة والحيض، وقيل: لا يكفي؛ بل لا بد من الوضوء لاختلاف موجبهما.
بَابُ النَّجَاسَةِ
النَّجِسُ في اللغة: القَذَرُ، وفي الشرع: مَا فَضَّلَهُ المصنف بزيادة ذكرتها في الشرح 129، وعدَّها المصنفُ ليعلم منه بقاء ما عداها على الأصل وهو الطهارة؛ فقال: هِيَ كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ، أما الْخَمْرُ فهو إجماع، وغيره من الْمُسْكِرِ كهو بجامع التنفير عن السُّكْرِ، وخرج بالمائع الْبَنْجُ وغيره من الْحَشِيْشِ الْمُسْكِرِ؛ فإنه حرامٌ ليس بنجسٍ 130؛ لكن يرد عليه الخمرة إذا انعقدت وهي مسكرة؛ فإن حكم التنجيس باقٍ، ونقل عن بعض العلماء المتأخرين: أن في نجاسة الحشيشة ثلاُثة أَوْجُهٍ في مذهب أحمد وغيره، أصحها: نجاستها، ثالثها: ينجس مائعها دون يابسها ولم أرَ ذلك عندنا.
وَكَلْبٍ، للأمر به بإراقة ما ولغ فيه 131، وَخِنْزِيرٍ، لقوله تعالى: {أَوْ لَحْمَ
الجزء: 1 - الصفحة: 122
خِنْزِيْرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} 132، وَفَرْعِهِمَا، أي وهو ما تَوَلَّدَ من كلب وخنزير؛ وكذا ما تَوَلَّدَ من أحدهما مع حيوان طاهر؛ لأنه مخلوق من نجس فكان مثله.
وَمَيْتَةِ غَيْر الآدَمِيِّ، وَالسَّمَكِ، وَالْجَرَادِ، بالاجماع، وطهارة ميتة الآدمى دليلها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ 133 وصح من حديث ابن عباس: [لاَ تُنَجِّسُواْ مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُسلِمَ لاَ يَنْجِسُ حَيِّاً وَلاَ مَيِّتاً] 134 وطهارة ميتة السمك والجراد إجماع.
وَدَمٍ، أى المسفوح ليخرج الكَبِدُ والطّحَالِ والباقي على اللحم وعظامه 135، = فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ] رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب: الحديث (89/ 279).
الجزء: 1 - الصفحة: 123
وَقَيْحٍ، لأنه دم استحال إلى نتن، وَقَيْءٍ، كالغائط 136، وَرَوْثِ، لأنها رجس كما صَحَّ في البخاري 137 والأنفحة في حكمه؛ فإنها لبن يستحيل في جوف السَّخْلة، لكنها طاهرة إن أخذت من مذبوحة لم تطعم غير اللبن، وَبَوْلٍ، لأنّا أُمِرْنا بالتنزه منه 138، وَمَذِيٍّ، وَوَدِيٍّ، بالإجماع 139، وَكَذَا مَنِيِّ غَيْرِ الآدَمِيِّ فِي الأَصَحِّ، كسائر المستحيلات.
الجزء: 1 - الصفحة: 124
قُلْتُ: الأَصَحُّ طَهَارَةُ مَنِيِّ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنه طاهر كالآدمي 140، واستثنى صاحب الخصال من مني الآدمي منى الخادم وفيه نظر.
وَلَبَنُ مَا لاَ يُؤْكَلُ، لأنه عُصَارَتُهُ، غَيْرَ الآدَمِيِّ، تكريماً له إذ نشوءه منه، نعم لبن الصغيرة التى لم تستكمل سن الحيض نجس وكذا لبن الرَّجُلِ.
وَالْجُزْءُ الْمُنْفَصِلُ، أي بنفسه أو بالأبانة، مِنَ الْحَيِّ، كإلية الشاة ونحوها، كمَيْتَتِهِ، أي طهارةً ونجاسةً بالإجماع 141، إِلَّا شَعْرَ الْمَأْكُولِ فَطَاهِرٌ، بالإجماع أيضاً 142، وخرج بالمأكول = بالسؤال: الحديث (132) وفي كتاب الوضوء: الحديث (178) وفي كتاب الغسل: الحديث (269).
الجزء: 1 - الصفحة: 125
غيره فإنه نجس، فلو رأى شعراً وشك هل هو من مأكول أو من غيره فالأصح من زوائد الروضة الطهارة، ومثار الخلاف أن الأصل في الأشياء الإباحة أو التحريم 143.
ونَبَّهَ بالشعر على الصوف والوبر والريش لما فيها من المنافع الظاهرة، قُلْتُ؛ ويستثنى أيضاً المسك فإنه طاهر بالإجماع، وكذا فأرته على الصحيح إِنِ انفصلت في حياة الظَّبْيَةِ.
وَلَيْسَتِ الْعَلَقَةُ، وَالْمُضْغَةُ، وَرُطُوبَةِ الْفَرْجِ بِنَجِسِ فِي الأَصَحِّ، أما العلقة والمضغة فلأنهما أصل الآدمي فأشبها المني، وأما رطوبة الفرج فقياساً على العرق، والثاني: أنها نجسة؛ ووجهه في العلقة أنه دم خارج من الرحم فأشبه الحيض، وفي المضغة ذلك أيضاً، وفي رطوبة الفرج تولدها من محل نجس، وشمل إطلاقه الفرج فرج المرأة وغيرها من الحيوان الطاهر.
فَصْلٌ: وَلاَ يَطْهُرُ نَجِسُ الْعَيْنِ، إي إلاَّ بالغسل؛ لأنه شُرِعَ لأزالة ما طرأ على العين، ولا بالإستحالة؛ لأن العين باقية وإنما تغيرت صفتها، إِلاَّ خَمْرٌ تخَلَّلَتْ، أي بنفسها ولم يقع عين فيها بالإجماع، وَكَذَا إِن نُقِلَتْ مِنْ شمْسِ إِلَى ظِلٍّ وَعَكْسِهِ فِي الأَصَحِّ، لخلوها عن النجس، والثاني: لا يطهر، لأنه معالجة كالإلقَاءِ، فَإِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْح شَيْءٍ، أي كملح ونحوه 144، فَلاَ، لتحريم التخليل، وخرج بذكر الخمر
الجزء: 1 - الصفحة: 126
النبيذ، فإنه لا يطهر وإن تخلل بنفسه؛ قاله القاضي أبو الطيب؛ وفيه نظر 145.
وَجِلْدٌ نَجُسَ بِالْمَوْتِ فَيَطْهُرُ بِدَبْغِهِ ظَاهِرُهُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ
طَهُرَ] رواه مسلم 146. أما النجس في حالة الحياة فلا يطهر ظاهره بالدباغ، وَكَذَا بَاطِنُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لعموم الخبر المذكور وغيره 147، والثاني: أنه يطهر ظاهره دون باطنه، لأن الدواء لا يصيبه، وهو ضعيف؛ لأن خاصيته تصل بواسطة الماء وهو رطوبة الجلد.
قُلْتُ: ويستثنى مع الخمر والجلد دَمُ الظَّبْيَة إذا استحال مسكاً، والبيضة المدرة التي صارت دماً إذا استحالت فرخاً وقد استثناهما الرافعي.
= مسلم في الصحيح: كتاب الأشربة: ياب تحريم تخليل الخمر: الحديث (11/ 1983). والترمذي في الجامع الصحيح: كتاب البيوع: باب النهي عن أن تتخذ الخمر خلاً: الحديث (1294) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
* ولحديث أنس أيضاً: أن أبا طلحه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام ورثوا خمراً؛ قال: [أَهْرِقْهَا].
قال: أفلا أجعلها خلًا؟ قال: [لاَ].
رواه أبو داود في السنن: كتاب الأشربه: باب ما جاء في الخمر تخلل: الحديث (3675). والترمذي في الجامع الصحيح: الحديث (1293)، وأخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال: باب ما يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا في الأرض العنوة: الحديث (283) ص 135.
الجزء: 1 - الصفحة: 127
وَالدَّبْغُ نَزْعُ فُضُولِهِ بِحِرِيفٍ، أي بكسر الحاء كشب ونحوه، والفضول هي المعفنة للجلد، وضابط نزعها منه أن تطيب رائحته بحيث لو نقع في الماء لم يعد إليه الفساد والنَّتَنُ، لاَ شَمْسٍ وَتُرَابٍ، أي وإن جف الجلد وطابت رائحته لبقاء الفضلات وإنما جمدت، وَلاَ يَجِبُ الْمَاءُ فِي أَثْنَائِهِ فِي الأَصَحِّ، تغليباً لمعنى الإحالة، والثاني: يجب تغليباً لمعنى الإزالة.
وَالْمَدْبُوغُ كَثَوْبٍ نَجُسٍ، أى فلا بد من غسله لإزالة بقايا الأدوية المتنجسة أو النجسة، وَمَا نَجُسَ بِمُلاَقَاةِ شَيْءٍ مِنْ كَلْبٍ غُسِلَ سَبْعاً إِحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ] رواه مسلم 148، وفي رواية للدَّارقطني [إِحْدَاهُنَّ بِالبَطْحَاءِ] 149، وعرقه وسائر أجزائه وفضلائه كلعابه وأَوْلى؛ لأن فمه أطيب من غيره، ونص الشافعي في البويطي أنه يتعين التراب في الأُوْلَى والأخرى وهو غريب قوي، وقوله (بِتُرَابِ) أي مع التراب فلا بد من مزجه بماء، ولو جرى الماء عليه سبع مرات كفى، قلت: ولو ولغ كلب في الإناء أو كلاب مرات فثلاثة أوجه، الصحيح: يكفيه للجميع سبعٌ، والثاني: يجب لكل
واحدة سبع، والثالث: لكل كلب سبع وكذا لو حركه في الراكد الكثير، وَالأَظْهَرُ: تَعَيِينُ التُّرَابِ، للخبر، والثاني: لا كالدباغ.
وَأَنَّ الْخِنْزِيرَ كَكَلْبٍ، لنجاسة عينه بل أَوْلَى مِنْهُ لحرمة اقتنائه، والثاني: يكفي غسله مرة واحدة بلا تراب كسائر النجاسات، وَلاَ يَكْفِي تُرَابٌ نَجِسٌ، وَلاَ مَمْزُوجٌ بِمَائِعٍ فِي الأَصَحِّ، مثار الخلاف أن الأمر بالتراب تعبداً؛ ومُعَلَّلٌ بالاستظهار والجمع بين نوعي طهورٍ، وتستثنى الارض الترابية، فإنه يجب غسلها سبعاً ولا يجب تعفيرها على الأصح؛ لأنه لا معنى للتعفير بالتراب.
الجزء: 1 - الصفحة: 128
وَمَا تنَجَّسَ بِبَوْلِ صَبِيِّ لَمْ يَطْعَمْ غَيْرَ لَبَنٍ نُضِحَ، لأنَّهُ عَلَيْهِ الصُّلاَةُ وَالسُّلاَمُ نَضَحَهُ فِي حِجْرِهِ وَلَم يَغْسِلهُ، متفق عليه 150، وَأمَرَ بِالغَسْلِ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ كما حسنه البخاري 151، والسر في ذلك أن الله تعالى لما خلق أدم خلقت حواء من ضلعه فصار بول الغلام من الماء والطين وصار بول الجارية من اللحم والدم، قاله إمامنا كما أفاده ابن ماجه فِي سننه وهو غريب 152، وعنه أيضاً أن الرضاع بعد الحولين بمنزلة الطعام والشراب وهو ظاهر، وقوله (لَمْ يَطْعَمْ) أي لم يستقل بجعل الطعام في فيه أو لم يأكل غيره، فيه ثلاثة أراء أوضحتها فِي الأصل، والنُّضْحُ: إصابة
الجزء: 1 - الصفحة: 129
الماء جميع موضع البول وكذا غلبته على الأصح، ولا يشترط أن ينزل عنه، والغسل يشترط أن يغمره وينزل عنه.
وَمَا تَنَجَّسَ بِغَيْرِهِمَا، أي بغير نجاسة الكلب والخنزير وبول الصبى، إِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنٌ، أي بأن كانت حكمية وهي التي لا تشاهد لها عين ولا يحس لها طعم ولا لون ولا رائحة، والعينية نقيض ذلك، كَفَى جَرْيُ الْمَاءِ، أي بنفسه وغيره إذ ليس ثَمَّ ما يزال 153، وَإِنْ كَانَتْ، أي عينِيُّة، وَجَبَ، أي بعد زوال عينها، إِزَالَةُ الطَّعْمِ، لأن بقاءه يدل على بقائها، وَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِ أَوْ رِيحٍ عَسُرَ زَوَالُهُ للضرورة، فإن سهل ضر البقاء، لأنهما يدلان على بقاء العين، وَفِي الرِّيحِ قَوْلٌ، لأن بقاءه يدل على بقاء العين فصار كالطعم، وهذا في رائحة تدرك عند شم الثوب دون ما يدرك بالهواء قاله في البسيط، قُلْتُ: وفي اللون وجه أشار إليه في اَلْمُحَرَّر وحذفه المصنف، قُلْتُ: فَإِنْ بَقِيَا مَعاً ضَرَّا عَلَى الصَّحِيحِ، وَالله؛ أَعْلَمُ، لقوة دلالتهما على بقاء العين، والثاني: لا، لاِعْتبارِهما منفردين فكذا مجتمعين وهو ضعيف كما صرح به المصنف، لأن الأصل أن الأثر يضر مطلقاً؛ خولف في الواحد للمشقة.
وَيُشْتَرَطُ وُرُودُ الْمَاءِ، أي على المتنجس لقوة الوارد فإنه عامل والقوة للعامل، فإن عكس والماء قليل بلا تغير؛ فلا يطهر لضعفه، لاَ الْعَصْرُ فِي الأَصَحِّ، الخلاف مبني على طهارة الغسالة، وَالأَظْهَرُ طَهَارَةُ غُسَالَةٍ، أي قليلة في واجب، تَنْفَصِلُ بِلاَ تَغَيُّرٍ وَقَدْ طَهَرَ الْمَحَلُّ، لأن البلل الباقى على الْمَحل هو بعض المنفصل؛ فلو كان المنفصل نجساً لكان المحل كذلك؛ فيكون المنفصل طاهراً غير طهور؛ لأنه مستعمل في
الجزء: 1 - الصفحة: 130
الخبث؛ فإن لم يَطهر المحل فهي نجسة؛ لأنها بعض المنفصل وهو نجس، والثاني: أنها نجسة لانتقال المانع إليها، والثالث: أنها طاهرة كما قَبْلَ وروده، ثم هذا كله إذا لم يَزِدِ الوزن فإن زاد أي بعد اعتبار القدر الذي يأخذه المحل من الماء فالأصح القطع بالنجاسة.
وَلَوْ نَجُسَ مَائِعٌ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُهُ، إذ لا يمكن انفصال النجاسة عنه (230)، وَقِيلَ: يَطْهُرُ الدُّهْنُ بِغَسْلِهِ، قياسًا على الثوب النجس.
بَابُ التَّيَمُّمِ
التَّيَمُّمِ: هو في اللغة الْقَصْدُ؛ وفي الشَّرْعِ: إِيْصَالُ التُّرَابِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْن بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، قَالَ ابْنُ حَبِيْبٍ: نَزَلَ فَرْضُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ سِتٍّ، وَهُوَ رُخْصَةٌ؛ وقيل: عَزِيْمَةٌ، وقيل: إِنْ تَيَمَّمَ لِعِدَمِ المَاءِ فَعَزِيْمَةٌ أَوْ لِعُذْرٍ فَرُخْصَةٌ 155.154
الجزء: 1 - الصفحة: 131
يَتَيَمَّمُ الْمُحْدِثُ، بالإِجماع، وَالْجُنُبُ، لقصة عَمَّارِ التي في الصحيح 156، والحائض والنفساء في معناه، وكذا المأمور بغسل مسنون وكذا المَيِّتُ يُوَمَّمُ، والمأمور بوضوء مستحب يظهر استحباب التيمم له، ولا يقاس على تجديد الوضوء.
لأَسْبَابٍ أَحَدُهَا: فَقْدُ الْمَاءِ، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ 157 قال الرافعي: والمبيح هو العجز 158 فقط، نعم له أسباب، قال: ويكفي في ذلك الظَّنُّ، فَإِنْ تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ فَقْدَهُ؛ تَيَمَّمَ بِلَا طَلَبٍ، لأن طلب ما عُلم عدمُهُ عبثٌ، وَإِنْ تَوَهَّمَهُ؛ طَلَبَهُ، أي وجوبًا، والمقيم في الطلب كالمسافر وإن اختلفا في كيفيته، والنَّفيد إنما أتى به للغالب، مِنْ رَحْلِهِ، أي وهو منزله، وَرُفْقَتِهِ، وَنَظَرَ حَوَالَيْهِ إِنْ كَانَ بِمُسْتَوٍ، من الأرض فينظر الجهات الأربع، فَإنِ احْتَاجَ إِلَى تَرَدُّدٍ، أي بأن كان هناك وهدة أو حبل ونحوهما، تَرَدَّدَ قَدْرَ نَظَرِهِ، أي القدر الَّذي يصل إليه نظره = الشرعى؛ إذا كان المقصود به القُربة.
ويممت المريض، فتيمم للصلاة.
ينظر: الجامع لأحكام القرأن: ج 5 ص 231 - 232. وفتح الباري شرح صحيح البخاري: ج 1 ص 569. أما فرضه فمختلف فيه، وربما كان بعد سنة ست، وفيه تفصيل يطول الوقوف عنده وليس بمراد هنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 132
لو لم يتردد، وقد ضبطه الإمام بحد الغوث؛ لأن إلزامه التردد فوق ذلك إضرار به، وضابط المصنف يخالفه؛ فإنه أزيد منه في المسافة بكثير، وقال المصنف في شرح المهذب: أطلق الشافعي وغيره إنه لا يجب التردد، فَاِنْ لَمْ يَجِدْ تَيَمَّمَ، لحصول العجز وهذا إجماع، فَلَوْ مَكَثَ مَوْضِعَهُ، أي ولم يحدث ما يوهم ماء، فَالأَصَحُّ وُجُوبُ الطَّلَبِ لِمَا يَطْرَأُ، أي مما يوجب التيمم من حدث وفريضة أخرى ونحوهما كما في إعادة الاجتهاد في القِبلة، والثاني؛ لا؛ لأنه لو كان ثَم ماء لظفر به بالطلب الأول؛ فإِن فارق موضعه أعاد الطلب قطعًا، فَلَوْ عَلِمَ مَاءً يَصِلُهُ الْمُسَافِرُ لِحَاجَتِهِ، أي كالاحتطاب ونحوه، وَجَبَ قَصْدُهُ، لانتفاء المشقة وهذا حَدُّ القرب، وهو فوق حد الغوث الذي يقصد عند التوهم، وقال مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: ولعله يقرب من نصف فرسخ، إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، أي من نفسه أو غيره، اللهم إلّا أن يكون قدرًا يجب احتماله في تحصيل الماء ثمنًا أو أجرة، نقله في شرح المهذب عن الأصحاب، وكذا إذا خاف فوت وقت أو رفقة وغير المال مما هو منتفع به كالكلب، وفي إلحاقه به نظر، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ تَيَمَّمَ، أي بأن يكون بعيداً لا يناله في الوقت؛ لأنه فاقد في الحال، فلو ألزمناه انتظاره لما ساغ التيمم أصلًا، قال الرافعي: والأشبه بكلامهم أن الاعتبار في هذه المسافة من أول وقت الصلاة الحاضرة لو كان نازلًا في ذلك الموضع وهو مقتضى كلام المصنف أيضًا، وقال المصنف في الروضة: الظاهر من عباراتهم؛ أن الاعتبار بوقت الطب وهو ظاهر النص، وَلَوْ تَيَقَّنَهُ آخِرَ الْوَقْتِ، فَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، ليأتى بالصلاة بالوضوء؛ لأنه الأصل والأكمل، أَوْ ظَنَّهُ، أي تَرَجَّحَ عنده وجوده آخره، فَتَعْجِيلُ التَّيَمُّمِ أفْضَلُ في الأَظهَرِ، أي إذا أراد الاقتصار على صلاة واحدة ترجيحًا للفضيلة المتيقنة؛ وهي التعجيل على الوضوء المظنون 159،
الجزء: 1 - الصفحة: 133
والثاني: التأخر أَوْلى لما سلف، أما لو صلّى أَوَّل الوقت بالتيمم ثم آخره بالوضوء، قال الإمام: فهو النهاية في إحراز الفضيلة، ولو ترجح العدم على الوجود فالتقديم أفضل قطعًا، وكذا إذا استوى الطرفان.
وَلَوْ وَجَدَ مَاءَ لَا يَكْفِيهِ؛ فَالأَظْهَرُ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ، لقدرته على البعض كما يغسل الجريح من بدنه ما صح 160، والثاني: لا يجب؛ كما لا يعتق المكفِّر بعض رقبةٍ، وَيَكُونُ، أي استعماله، قَبْلَ التَّيَمُّمِ، لئلا يتيمم مع وجود الماء 161، ثم هذا إذا صلح للغسل؛ فإن لم يجد المحدث إلّا ثلجًا أو بردًا لا يقدر على إذابته، لم يجب استعماله في الرأس على المذهب، ولو لم يجد ترابًا يكفيه استعمل الناقص، وقيل: القولان.
= ولم يخرجاه، وله شواهد؛ ووافقه الذهبي في التلخيص: على شرطهما.
ورواه الحاكم بسند آخر، في الحديث (676/ 3) وقال: قد روى هذا الحديث جماعة عن شعبة ولم يذكر هذه اللفظة غير حجاج بن الشاعر عن علي بن حفص وحجاج حافظ ثقة، وقد احتج مسلم بعلي بن حفص المدايني.
ووافقه الذهبي على كل قوله.
وفي الباب أحاديث عن ابن عمر وأم فروة وفيه انظر.
وأخرج حديث ابن مسعود الدارقطني في السنن: ج 1 ص 246، وإسناده صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 134
وَيَجِبُ شِرَاؤُهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أي وهو قيمته في موضعه وزمانه 162، وكذا إذا فقد التراب ووجده يباع بثمن مثله؛ كما رأيته في فتاوى الحناطي، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ، أي إلى ثمن الماء، لِدَيْنِ مُسْتَغْرِقِ، أَوْ مُؤْنَةِ سَفَرِهِ، أي المذكور في الحج ذهابًا وإيابًا، أَوْ نَفَقَةِ حَيْوَانٍ مُحْتَرَمٍ، أي من مسلم أو ذمي وبهيمة وسائر ما لا يباح قتله؛ لأن هذه الأمور لا بد لها بخلاف الماء، وهل يعتبر هنا المسكن والخادم؟ فيه نظر.
وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ أَوْ أُعِيرَ دَلْوًا وَجَبَ القُبُولُ فِي الأَصَحِّ، لخفة الْمِنَّة فيه لجري العادة به، والثاني: لا يجب قبول الماء كالثمن ولا قبول العارية إذا زادت قيمة المستعار على ثمن الماء؛ لأنه قد يتلف فيضمنها.
وَلَوْ وُهِبَ ثَمَنَهُ فَلَا، بالإجماع لما فيه من عظم الْمِنَّةِ 163، وَلَوْ نَسِيَهُ فِي رَحْلِهِ أَوْ أَضَلَّهُ فِيهِ، أي طلبه فيه، فَلَمْ يَجِدْهُ بَعْدَ الطَّلَبِ، أي فيهما، فَتَيَمَّمَ قَضَى فِي الأَظْهَرِ، أما في الأَولِ: فكما لو نسي الرقبة فصام، وأما في الثانية: فلندوره، والثاني: لا قضاء لعدم التقصير، وَلَوْ أَضَلَّ رَحْلَهُ فِي رِحَالِ فَلَا يَقْضِي، لأن خفاء الماء فيها أغلب.
الجزء: 1 - الصفحة: 135
الثَّانِي: أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِعَطَشِ مُحْتَرَمٍ وَلَوْ مَآلاً، أي ولو في المستقبل؛ لأن الروح لا بدل لها، بخلاف الوضوء 164. الثَّالِثُ: مَرَضٌ يَخَافُ مَعَهُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى مَنْفَعَةِ عُضْوٍ، لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى ... ﴾ 165 الآية، ولو خاف ولم يجد طبيبًا ثقة مسلمًا تَيَمَّمَ وأعادَ إذا وجد المخبر، قاله البغوي في فتاويه، وخالف أبو علي السبخي وأقرَّةُ في الروضة، وَكَذَا بَطْءُ الْبُرْءِ، أي طول المدة 166، أَوْ الشَّيْنُ الْفَاحِشُ في عُضْوٍ ظَاهِرٍ فِي الأَظْهَرِ، لأن ضَرَرَهُ فوق زيادة ثمن المثل، والثاني: لا، لانتفاء زيادة التلف، واحترز بالفاحش عن اليسير؛ وبالظاهر عن الفاحش الباطن؛ واستشكل ذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال: لا سيما إذا كان في جارية أو مملوك؛ فإن الخسران فيه أكثر من الخسران الحاصل من شراء الماء بزيادة على ثمن المثل حقيرة، وَالشَّيْنُ: هو الأثرُ المنكرُ من تغير لونٍ أو نحولِ وَاسْتِحْشَافٍ (•) وثغرة تبقى ولحمة تزيد، قاله الرافعي في آخر الديات، والمراد بالظاهر: هو ما يبدو عند المهنة غالبًا كالوجه واليدين، وَشِدَّةُ الْبَرْدِ
الجزء: 1 - الصفحة: 136
كَمَرَضٍ، أي حتَّى يتيمم إذا خاف بسبب ذلك على منفعة العضو ونحوه مما سلف دون الشين الباطن أو اليسر أو خوف التألم، وشرطه أن يعجز عن ماء يسخنه ولو بأجرة 167.
وَإذَا امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُهُ فِي عُضْوٍ، أي لجرح أو كسر، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَاتِرٌ وَجَبَ التَّيَمُّمُ، بدلًا عن غسل العليل، وعَرَّفَ التيمم بالألف واللام ليرد على من قال من العلماء أنَّه يُمِرُّ الترابَ على المحل المعجوز عنه 168، وَكَذَا غَسْلُ الصَّحِيحِ عَلَى الْمَذْهَبِ، أي بحسب الإمكان ولو بخرقة مبلولة، والطريق الثاني؛ قولان لمن وجد بعض ما يكفيه من الماء.
وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا، أي بين الغسل والتيمم، لِلْجُنُبِ، إذ لا ترتيب في طهارته، فإن شاء تيمم قبل غسل الصحيح، وإن شاء عكس؛ والأول أَولَى لِيُذْهِبَ الماء أثَرَ
الجزء: 1 - الصفحة: 137
التراب، نصَّ عليه 169، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَالأصَحُّ اشْتِرَاطُ التَّيَمُّمِ وَقْتَ غَسْلِ العَلِيلِ، رعاية للترتيب فلا ينتقل عن عضو حتَّى يكمله غسلًا وتيمُّمًا مقدمًا ما شاء، والثاني: يجب تقديم غسل الصحيح، والثالث: يتخير كالجنب، فَإِنْ جُرِحَ عُضْوَاهُ فَتَيَمُّمَانِ، لأن التيمم عن الثاني لا بد أن يكون بعد التيمم عن الأول، وإن كانَ أَي على العضو الَّذي امتنع استعمال الماء فيه ساترٌ، فَإِنْ كَانَ كَجَبِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ نَزْعُهَا غَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ كمَا سَبَقَ، أي من مراعاة الترتيب في المحدث، فإن أمكن كلف الغسل خلافًا للأئمة الثلاثة، ويشترط في الساتر أن يضعه على طهر وأن لا يأخذ من الصحيح تحته إلّا القدر الذي لا بد منه للاستمساك، وَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ مَسْحُ كُلِّ جَبِرَتِهِ بِمَاءٍ، لأنه أبيح للعجز كالمسح في التيمم، وَقِيلَ: بَعْضَهَا، كما في مسح الخف والجبيرة إذا كانت على أعضاء التيمم لا يجب مسحها بالتراب على الأصح وإليه أشار بقوله بماء، فَإِذَا تَيَمَّمَ، أي الذي غسل الصحيح وتيمم عن الباقي 170، لِفَرْضٍ ثَانٍ وَلَمْ يحْدِثْ لَمْ يُعِدِ الْجُنُبُ غَسْلًا، أي لأن التيمم طهارة مستقلة فلا يلزم ارتفاع حكمها اِنتقاضُ طهارة أخرى، ويُعِيدُ الْمُحْدِثُ مَا بَعْدَ
الجزء: 1 - الصفحة: 138
عَلِيلِهِ، مراعاة للترتيب، وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفَانِ، أي الجنب الغسل؛ والمحدث الوضوء؛ لأنها طهارة مركبة من أصل وبدل، فإذا بطل البدل! بطل الأصل؛ كنزع الخف، وَقِيلَ: الْمُحْدِثُ كَجُنُبٍ، أي فلا يعيد غسلًا، ومراده على الأصح؛ لأنه قد حكى الخلاف فيه كما علمته.
قُلْتُ: هَذَا الثَّالِثُ أصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ، واحترز بقوله (وَلَمْ يُحْدِثْ) عما إذا أحدث فإنه يعيد جميع ما سبق، قال أصحابنا كما نقله عنهم في شرح المهذب: وإذا أجنب صاحب الجبيرة ونحوها، لا يلزمه النزع بخلاف الخف، والفرق
عدم المشقة هناك.
فَصْلٌ: يُتَيَمَّمُ بِكُلِّ تُرَابٍ، بجميع أنواعه لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
قال ابن عباس: هو التراب 171 طَاهِرٍ, أي فلا يجوز بتراب نجس كالماء, حَتَّى مَا يُدَاوَى بِهِ، أي كالطين الإِرمنَي لوقوع اسم التراب عليه، وَبِرَمْلٍ فِيهِ غُبَارٌ، أي منه حتَّى لو سحق الرمل وتيمم به جاز كما قال المصنف في فتاويه؛ لأنه من طبقات الأرض والتراب جنس له، لاَ بِمَعْدِنٍ وَسَحَاقَةِ خَزَفٍ، لأنه لا يسمى ترابًا ما اتُّخذ من الطين وشُوِيَ كالكيزان، وَمُخْتَلِطٍ بِدَقِيقٍ وَنَحْوِهِ، لأن الخليط يمنع وصول التراب إلى العضو، وَقِيلَ: إِنْ قَلَّ الْخَلِيطُ جَازَ، كالماءِ؛ والفرق كثافته ولطافة الماء، وَلَا بِمُسْتَعْمَلٍ عَلَى الصَّحِيح، كالماء، والثاني: يجوز؛ لأنه لا يرفع الحديث بخلافه كذا علَّله الرافعي؛ ومقتضاه إلحاق الماء الذي استعمله دائم الحديث بالتراب؛ لأن
الجزء: 1 - الصفحة: 139
حدثه باقٍ، وَهُوَ، أي التراب المستعمل، مَا بَقِيَ بِعُضْوِهِ، أي حالة التيمم وإن تناثر بعد ذلك، وَكَذَا مَا تَنَاثَرَ، أي حالة التيمم بعد إصابته العضو، فِي الأَصَحِّ، كالمتقاطر من الماء، والثاني: لا يكون مستعملًا؛ لأن التراب يدفع بعضه بعضًا بخلاف الماء، وعُلم من كلام المصنف: أنَّه يجوز أن يتيمم جماعة من موضع واحد، وكذا الواحد من تراب يسير في خرقة ونحوها؛ كما يجوز الوضوء مرات من إناء واحد.
وَيُشْتَرَطُ قَصْدُهُ، أي قصد التراب لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي اقصدوا، فَلَوْ سَفَتْهُ رِيحٌ عَلَيْهِ فَرَدَّدَهُ، على أعضائه، وَنَوَى لَمْ يُجْزِئْ، لأن التراب أتاه ولم يقصده، وَلَوْ يُمِّمَ، بِإِذْنِهِ جَازَ، كالوضوء؛ بل يجب عند العذر، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ عُذْرٌ، لأنه لم يات بالتراب، وأجاب الأول بإقامة نائبه مقامه، ولا بد من نية الإذن كما قاله في شرح المهذب.
أما إذا يمم بغير إذنه فكتعرضه للريح.
وَأَرْكَانُهُ:
1 - نَقْلُ التُّرَابِ، أي فلو كان على العضر تراب فردده عليه من جانب إلى جانب لم يكف، واحتجُّوا له؛ بأن القصد شرط كما تقدم؛ وإنما يكون قاصدًا إذا نقل التراب؛ قال الرافعي: وغير هذا الاستدلال أوضح منه.
ومجموع ما ذكر في الكتاب من الأركان خمسة: النقل، والنية، ومسح الوجه، ومسح اليدين، والترتيب، وزاد المصنف في الروضة التراب والقصد، وقال الرافعي: إسقاطهما أوْلى، فَلَوْ نَقَلَ مِنْ وَجْهٍ إِلَى يَدٍ، أي بأن يزيل التراب الذي مسح به وجهه بخرقة ويحدث عليه ترابًا آخر 172، أَوْ عَكَسَ كَفَى فِي الأَصَحِّ، لحصول مسمى النقل، فعلى هذا لو نقل من إحدى اليدين إلى الأخرى؛ ففيه وجهان؛ في الكفاية بلا ترجيح وجه المنع، أن اليدين
الجزء: 1 - الصفحة: 140
كعضو واحدٍ، والثاني: لا يكفي؛ لأن أعضاء الوضوء كالعضو الواحد.
وفي فتاوى القفال: أنه إن أخذ التراب ليمسح به وجهه فتذكر أنه مسحه؛ فلا يجوز أن يمسح بذلك التراب يديه؛ لأن القصد إلى التراب لعضو يمسح به شرط؛ بخلاف نظيره من الوضوء، وكذا لو أخذه ليديه ظاناً أنه مسح الوجه؛ ثم تذكر أنه لم يمسحه لا يجوز أن يمسح به وجهه.
2. وَنِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلاَةِ، أى وكذا نية مفتقر إليها، لاَ رَفْعَ حَدَثٍ، لأنه لو رفعه لما بطل بغيره وهو الماء وَلَوْ نَوَى فَرْضَ التيَمُّمِ لَمْ يَكْفِ فِي الأَصَحِّ، لأنه طهارة ضرورة، فلا يصلح أن يكون مقصوداً، ولهذا لا يستحب تجديده، والثاني: يكفي كالوضوء، وَيَجِبُ قَرْنُهَا، أى قرن النية، بِالنَّقْلِ، أي إلى الوجه؛ لأنه أوَّل أركانه حتى لو أخذ التراب فأحدث؛ لا يستعمله؛ بخلاف الماء إذ لا نقل فيه 173.
3. وَكَذَا اسْتِدَامَتُهَا إِلَى مَسْحِ شَىْءٍ مِنَ الْوَجْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه المقصود، وما قبله وإن كان ركناً فليس مقصوداً في نفسه، والثاني: لا يجب ذلك؛ كما لو قارنت أول غسل الوجه في الوضوء وغربت بعده، ولو غربت فيما بينهما، فظاهر كلام المصنف عدم الاكتفاء، وهو خلاف ما ذكره أبو خلف الطبري في شرح المفتاح.
فَإِنْ نَوَى فَرْضاً وَنَفْلاً أُبِيحَا، عملاً بما نواه، ولا يشترط تعيين الفريضة على الأصح.
ولهذا عبَّر بقوله فرضاً ولم يقل الفرض كما في اَلْمُحَرَّرِ، أَوْ فَرْضاً فَلَهُ
الجزء: 1 - الصفحة: 141
النَّفْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنه تبع له، ووجه المنع؛ أنه لم ينوه؛ وقيل: له ذلك بعد الفرض لا قبله، لأن التابع لا يقدم، وعبَّر بالمذهب؛ لأن النوافل المتقدمة فيها قولان، والمتأخرة تجوز قطعا؛ وقيل: على القولين، ويتلخص من مجموع ذلك ثلاثة أقوال كما ذكرته.
فَرْعٌ: لو تيمم لجنازة فَكَنِيَّةِ نفل؛ لأنها تسقط بفعل غيره، وقيل: كفرض، وهذا وارد على المصنف.
إلاّ أن يراد بالفرض الفرض على الأعيان لا على الكفاية.
أَوْ نَفْلاً أَوِالصَّلاَةَ؛ تنَفَّلَ لاَ الْفَرْضَ عَلَى الْمَذْهَبِ، أما في الأُولى: فلأن الفرض هو الأصلُ؛ والنَّفل تبعٌ فلا يجعل المتبوع تابعاً، وأما في الثانية: فكما لو نوى الصلاة مطلقاً، ووحه مقابله في الأول: القياس على الوضوء.
وفي الثانية: أن الصلاة أسم جنس يتناول الفرض والنفل جميعاً وهو قوي لأنَّ الْمُفْرَدَ الْمُحَلَّى بِأَلْ لِلْعُمُومِ.
قال الماوردي: ولا يستبيح الطواف في الثانية.
وفيه نظر للمصنف والصحيح في الأولى طريقة القولين.
وأما في الثانية فعبارته في أصل الروضة: أن له حكم التيمم للنفل على الأصح.
4. وَمَسْحُ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ، للآية 174 ولا بد فيهما من التعميم وليتفطَّن إلى القدر الذي أقبل من أنفه على شفته فإنه من الوجه؛ قُلْتُ: والذي يظهر من حيث السنة عدم وجوب الترتيب، فإن في صحيح البخاري من حديث عمار التصريح بمسح الكف قبل الوجه 175، وأشار بقوله: (ثُمَّ)؛ إلى الترتيب بينهما وهو ركن
الجزء: 1 - الصفحة: 142
كما في الوضوء، مَعَ مِرْفَقَيْهِ، لأنه بدل الوضوء.
قُلْتُ: والذي يظهر من حيث السنة الصحيحة الاقتصار على الكوعين 176.
وَلاَ يَجِبُ إيْصَالُهُ مَنْبَتَ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ، أى بخلاف الوضوء لعسره، وَلاَ تَرْتِيبَ فِي نَقْلِهِ فِي الأَصَحِّ، فَلَوْ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ، أي دفعة واحدة، وَمَسَحَ بِيَمِينِهِ وَجْهَهُ وَبِيَسَارِهِ يَمِينَهُ جَازَ، أي وكذا لو ضرب اليمين قبل اليسار ثم مسح بيساره وجهه وبيمينه يساره، لأن الفرض الأصلي المسحُ، والأخذُ وسيلة، والثاني: يشترط كالمسح.
وَتُنْدَبُ التَّسْمِيَةُ، كالوضوء، وَمَسْحُ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ بِضَرَبتَيْنِ، لتكررهما في الأخبار 177. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ وُجُوبُ ضَرْبَتَيْنِ، وَإِنْ أَمْكَنَ بِضَرْبَةٍ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا، وَالله أَعْلَمُ، قُلْتُ: لكن يرده حديث عمار الثابث في الصحيح، والضرب ليس بِمُتَعَيِّن، ولهذا يكفي التَّمَعُّكُ.
وَيُقَدِّمُ يَمِينَهُ وَأَعْلَى وَجْهِهِ، كما في الوضوء، وَيُخَفْفُ الْغُبَارُ، أي ينفخه إن كان كثيراً بحيث لا يبقى إلاّ قدر الحاجة للاتباع 178؛ قال في الأُم: والأحب أن لا الباري شرح صحيح البخاري: ج 1 ص 600 وما بعدها.
الجزء: 1 - الصفحة: 143
يمسح التراب من الأعضاء حتى يفرغ من الصلاة.
وَمُوَالاَةُ التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ، أي فالقديم اشتراطها، والجديد منعه، لأن كلاً منهما طهارة عن حدث.
قُلْتُ: وَكَذَا الْغُسْلُ، أي فيأتي الخلاف فيها لما ذكرناه من كونه طهارة.
وَيُنْدَبُ تَفْرِيقُ أَصَابِعِهِ أَوَّلاً، أَي في أول الضرب؛ لأنه أبلغ في إثارة الغبار وهو مستحب في الضربتين، وَيَجِبُ نَزْعُ خَاتَمِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، ليبلغ التراب محله أما في الاولى فمندوب ليكون مسح جميع الوجه باليد اتباعاً للسنة.
فَصْلٌ: وَمَنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ مَاءٍ فَوَجَدَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلاَةِ بَطَلَ، بالإجماع وتوهم الماء كوجدانه، واحترز بقوله: (لِفَقْدِ مَاءٍ) عما إذا تيمم لمرض ونحوه فإنه لا أثر لوجوده، إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَانِعٍ كَعَطَشٍ، لأن وجوده والحالةُ هذه كالعدم، ومن ذلك ما إذا سمع شخصاً يقول: عندي ماء أَوْدَعنيه فلان! بخلاف ما إذا قال أودعنى فلان ماءً، أَوْ فِي صَلاَةِ لاَ تَسْقُطُ بِهِ بَطَلَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ، أي في الحال؛ لأنه لا بد من الإعادة فلا وجه للبقاء فيها.
والثاني: أنها لا تبطل محافظة على حرمتها، ويعيدها وهو وجهٌ لا قولٌ، فيجب أن يقول: على الصحيح بَدَلَ المشهور، وَإِنْ أَسْقَطَهَا فَلاَ، أي إلى أن يسلم لتلبسه بالمقصود، وَقِيلَ: يَبْطُلُ النَّفْلُ، لأن حرمته قاصرة عن الفرض؛ لأنه لا يلزم بالشروع، والأصح المنع كالفرض.
فَرْعٌ: يَمَّمَ الْمَيِّتَ وَصَلَّى عَلَيْهِ؛ ثم وجد الماء! وجب غسله والصلاة عليه؛ سواء كان في أثناء الصلاة أو بعدها، أفتى به البغوي وفيه احتمال له.
يَكْفِيكَ هَكَذَا] فَضَرَبَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بكَفَّيْهِ الأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
رواه البخاري في الصحيح: كتاب التيمم: باب المتيمم هل ينفخ فيهما؟ : الحديث (338) وفي لفظ: ثُمَّ أَذْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ بهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ: الحديث (339) كناية عن النفخ التخفيف.
وجاء الحديث عند مسلم أن التعليم وقع بالقول عن شعبة ولفظهم: [ثُمَّ تَنْفُخُ ثُمَّ تَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ].
رواه مسلم في الصحيح: كتاب الحيض والتيمم: الحديث (112/ 368).
الجزء: 1 - الصفحة: 144
وَالأَصَحُّ أَنَّ قَطْعَهَا، أي قطع الفريضة، لِيَتَوَضَّأَ أَفْضَلُ، ليخرج من خلاف من أوجبه، ولأنه انتقال إلى الأفضل؛ وهذا إن وسع الوقت؛ فإن ضاق حرم الخروج، والثاني: يحرم الخروج لأنه إبطال للعمل، وَأَنَّ الْمُتَنَفِّلَ لاَ يُجَاوِزُ رَكْعَتَينِ، لأنه عرف الشرع فيها فالزايد كنافلة مستأنفه، إِلاَّ مَنْ نَوَى عَدَداً فَيُتِمُّهُ، لأن إحرامه انعقد كذلك فأشبه المكتوبة، والثاني: له أن يزيد ما شاء.
فَرْعٌ: لو نوى ركعة لم يزد عليها قاله الرافعي أيضاً.
فَرْعٌ: لو رآه بعد قيامه لثالثة أتمها قاله القاضي أبو الطيب والروياني.
فَرْعٌ: لو تيممت الحائض ثم رأت الماء ففى وطئها وجهان عن الدارمي.
فَصْلٌ: وَلاَ يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ غَيْرَ فَرْضٍ، لأنه طهارة ضرورة 179؛ والطواف كالصلاة وكذا لا يجمع بين الجمعة وخطبتها، فلو قال المصنف: ولا يؤدي لكان أعم، ويتَنَفَّلُ مَا شَاءَ، لأنه غير محصور فخف أمره، ويؤخذ من ذلك أن من صلى فرضا بالتيمم له إعادته به، لأن الأُولى هي الفرض، كما سيأتي في موضعه، وبه صرَّح الخفاف من أصحابنا في كتابه الخصال، وَفَرَضَهُ في المتيمم المسافر، وَالنَّذْر كَفَرْضٍ فِي الأَظْهَرِ، للزومه، والثاني: لا إذ وجوبه لعارض فلا يلحق بالفرض الأصلي، وَالأَصَحُّ صِحَّةُ جَنَائِزَ مَعَ فَرْضٍ، لأنها ليست من جنس فرائض الأعيان،
الجزء: 1 - الصفحة: 145
والثاني: لا، كما لا يصليها قاعداً على الصحيح، والثالث: إن تعينت فكالفرائض وإلا فكالنوافل، وَأَنَّ مَنْ نَسِيَ إِحْدَى الْخَمْسِ كَفَاهُ تَيَمُّمٌ لَهُنَّ، لأن الفرض واحد وما عداه وسيلة، والثاني: يجب لكل واحدة تيمم، لأن فعل الجميع واجب فيطلب لكل واحدة واحد، وِإِنْ نَسِيَ مُخْتَلِفَتَيْنِ، أي كظهر وعصر، صَلَّى كُلَّ صَلاَةٍ بِتَيَمُّمٍ، أي فيصلي الخمس بخمس تيممات، وَإِنْ شَاءَ تَيَمَّمَ مَرَّتَيْنِ وَصَلَّى بِالأَوَّلِ أَرْبَعاً وَلاءً، أي كالصبح والظهر والعصر والمغرب، وَبِالثَّانِي أَرْبَعاً لَيْسَ مِنْهَا الَّتِي بَدَأَ بِهَا،
أي كالظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيخرج عما عليه بيقين؛ لأنه أدَّى الصبح بتيمم والعشاء بتيمم، وكلٌّ من الظهر والعصر والمغرب بتيممين، والوجه الثاني: أن يصلى مرتين بكلٍّ يتيمم الخمس، ووصفه في الروضة بالشذوذ خلاف ما اقتضاه إيراده هنا، وقوله ولاءً لم أَرَ لاشتراطه معنى، أَوْ مُتَّفِقَتَيْنِ، أي كظهرين ونحوها، صَلَّى الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ بِتَيَمُّمَيْنِ، هذا هو الأصح، وقيل: يلزمه عشر تيممات.
فَصْلٌ: وَلاَ يَتَيَمَّمُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِ لِعْلِهِ، لأنه طهارةُ ضرورة، ولا ضرورةَ قبل دخول الوقت، والمنذور المتعلق بوقت معين كالفرض قاله في التتمة، قال في الكفاية: ويظهر تخريجه على القاعدة المعروفة، وَكَذَا النَّفْلُ الْمُؤَقَّتُ فِي الأَصَحِّ، كالفرض، والثاني: يجوز قبل وقته؛ لأن أمر النوافل أوسع، واحترز بالوقت عن المطلق فإنه يتيمم له كل وقت إلاّ وقت الكراهة في الأصح.
فَرْعٌ: الجنازة كالنفل قاله الرافعي وكلام المصنف يوهم الحاقها بالفرض.
فَصْلٌ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلاَ تُرَاباً لَزِمَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ، لأنه مأمور بها بالطهارة؛ فإذا عجز عنها أتى بما يقدر عليه كما لو عجز عن ستر العورة، وَيُعِيدَ، أي يقضي؛ لأنه عذر نادر غير متصل 180، وفي القديم ثلاثة أقوال؛ أحدها:
الجزء: 1 - الصفحة: 146
أن الصلاة تندب وتجب الإعادة، والثاني: أنها تحرم وتجب الإعادة، والثالث: أنها تجب ولا إعادة وهو قوى 181، واحترز بالفرض عن النفل، وكذا مس المصحف وحمله، وكذا الصلاة إذا تركها في تلك الحالة بغير عذر لا يجوز له أن يصليها ثم يقضيها على الصواب لعدم الفائدة، وقوله: ويعيد أي إذا قدر على ماء أو تراب في موضع يسقط القضاء ولإ فلا فائدة في الإعادة، ومراده بالإعادة القضاء كما عبّر به في اَلْمُحَرَّر لا الإصطلاح الأصولي، قال القفال في فتاويه: وإذا صلى فاقد الطهورين على جنازة عليه أن يعيدها.
وَيَقْضِيَ الْمُقِيمُ الْمُتَيمِّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ، لأنه عذرٌ نادر، قُلْتُ: إلاّ إذا أقام في مفازة أو موضع يعدم فيه الماء غالباً فلا إعادة، لاَ الْمُسَافِرُ، لأن ففد الماء يعم فيه 182، إِلاَّ الْعاصِيَ بِسَفَرِهِ فِي الأَصَحِّ، لأنه رخصة وليس هو من أهلها، والثاني: لا يقضى لأنه عزيمة، قلت: ويستثنى أيضاً ما إذا دخل في طريقه قرية وعُدم الماء وتيمم فإنه المساجد: الحديث (314 و 315 و 316/ 684)، والبخاري في الصحيح: كتاب مواقيت الصلاة: باب مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا: الحديث (598).
الجزء: 1 - الصفحة: 147
يعيد في الأصح لندوره؛ قال الأصحاب: وضابط الإعادة لفقد الماء إن كان في موضع يندر فيه العدم أعاد، وإلا فلا، وقولهم يقضي الحاضر لا المسافر مرادهم الغالب من حالهما.
فَرْعٌ: الجمعة لا قضاء لها فلا يبعد فعلها وقضاء الظهر، ولا يدخل ذلك في عبارة المصنف؛ لأنه لا قضاء لها.
وَمَنْ تَيَمَّمَ لِبَرْدٍ قَضَى فِي الأَظْهَرِ، لِنُدْرَةِ فَقْدِ مَاءٍ يُسَخّنُهُ بهِ وما يدفؤه بَعُدَ، والثاني: لا يقضي، والثالث: يقضي الحاضر لا المسافر؛ قال الرافعي: المشهور القطع بالوجوب في حق الحاضر، وقال في شرح المهذب: إن الجمهور قد قطعوا به في كل الطرق، أَوْ لِمَرَضٍ يَمْنَعُ الْمَاءَ مُطْلَقاً، أَوْ فِي عُضْوٍ وَلاَ سَاتِرَ فَلاَ، لأنه عذر عام؛ وسواء كان ذلك في الحضر أو في السفر، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِجُرْحِهِ دَمٌ كَثِيرٌ، أي فإنه يقضى؛ لأن العجز عن إزالته بماء مسخن ونحوه نادر؛ قال في الدقائق: ولفظةُ كثير مما زِدْتُها على اَلْمُحَرَّر ولا بد منها 183، قُلْتُ: لا، لما ستعرفه في شروط الصلاة من أن الراجح أنه كَالْبَثَرَاتِ؛ ومقتضاه العفو عن الكثير أيضاً، وَإِنْ كَانَ سَاتِرٌ لَمْ يَقْضِ فِي الأَظْهَرِ إِنْ وُضِعَ عَلَى طُهْرٍ، أي إذا كان على غير محل التيمم، لأن المسح على الخف يغنى عن القضاء فلا ضرورة إليه، فالمسح على الجبيرة أَوْلَى، والثاني: يجب القضاء؛ لأنه عذر نادر غير دائم، فإن كانت الجبيرة على محله فيقضى قطعاً لنقصان البدل والمبدل له جميعاً، فَإِنْ وُضِعَ عَلَى حَدَثٍ وَجَبَ نَزْعُهُ، أي ولا يجوز المسح إن أمكن؛ لأنه مسح على ساتر فاشترط فيه الوضع على طهر كالخف، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ، لفوات شرط الوضع على الطهارة، والثاني: لا؛ لمكان العذر.
الجزء: 1 - الصفحة: 148
بَابُ الْحَيْضِ
اَلْحَيْضُ: أصلهُ من حَاضَ الْوَادِى إذا سَالَ، وقال ثعلب: من الْحَوْضِ لاِجْتِماعه 184. وذكر في أثنائه الاستحاضة 185؛ وفي أخره النفاس أيضاً.
أَقَلُّ سِنِّهِ تِسْعُ سِنِينَ، أي قمرية عملاً بالوجود المتعارف بطريق الاستقراء 186،
الجزء: 1 - الصفحة: 149
وَأَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، أي مُتَّصلة، والمراد مقدار ذلك وهو أربعة وعشرون ساعة، كما قاله الإمام لأنه أقل مما علم كما قاله الشافعي 187، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ بلَيَالِيها، للاستقراء أيضاً.
وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ، لأنه إذا كان أكثر الحيض خمسة عشر؛ لزم في الطهر المذكور ذلك، واحترز بقوله (بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ) عن الطهر الذي بين الحيض والنفاس، إذا قلنا بالأصح أن الحامل تحيض فإنه يجوز أن يكون دون خمسة عشر يوماً على الصحيح، بل لو خرج الدم متصلاً بالولادة من غير تخلُّل؛ طهر بالكلية كان حيضاً أيضاً قاله الرافعي، ولو رأت النفساء أكثره؛ ثم انقطع؛ ثم عاد قبل خمسة عشر، ففي جعله حيضاً؛ هذان الوجهان كما نقله فِي شرح المهذب في الكلام على النفاس عن المتولي وأقرَّة، واحترز به أيضاً عن أيام النقاء المتخللة بين أيام الحيض إذا قلنا بقول اللفظ، وَلاَ حَدَّ لأَكْثَرِهِ، بالإجماع، ولو وُجِدَتْ من تحيض دون الأقل أو فوق الأكثر أو تطهر دون الأقل وتكرر، فأشهر الأوجه اعتماد ما تقرر وهو مقتضى كلام المصنف، قال الدارمي: والخلاف جار فِي سن الحيض أيضاً.
وَيَحْرُمُ بِهِ مَا حَرُمَ بِالْجَنَابَةِ، أي من الصلاة وغيرها لأنه أغلظ 188، وَعُبُورُ الْمَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ، صيانة له عن النجاسة، والمستحاضة ومن به حدث دائم الدم بعد التسع سنين فهو حيض إلا أن تراه من شيء أصابها في فرجها من جرح أو قرحة أو داء فلا يكون حيضاً وتعتد بالشهور.
كتاب الأُم للشافعي: عدة التي يئست من الحيض والتي لم تحتض: ج 5 ص 214.
الجزء: 1 - الصفحة: 150
أو جراحة تسيل كالحائض في التحريم عند خوف التلويث 189، وفُهم من ذلك تحريم دخول المتنعل نعلاً ذا نجاسة رطبة؛ فليدلكه ثم ليدخل، وَالصَّوْمُ، للإجماع، وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ، بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ، للإجماع فيهما أيضًا 190، وقد أعاد المصنف مسألة الصلاة في أوائل الصلاة، وَمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا، أى تحرم مباشرته، لأن ذلك حريم الفرج ومن رتع حول الحمى يوشك أن يُخَالطه، ومباشرتها له في ذلك كمس الفرج ونحوه لا يبعد تحريمه أيضًا 191. وَقِيلَ: لا يَحْرُمُ غَيْرُ الْوَطْءِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [اصْنَعُواْ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ] رواه مسلم 192 وهو قوي؛ لكن أكثر أصحابنا والعلماء على المنع كما حكاه المصنف في شرح مسلم 193. أما الوطء فإجماع؛ ويورث علَّة مؤلمة جداً للمجامع والجذام في
الجزء: 1 - الصفحة: 151
الولد أَيضًا، قلت: ويحرم عليها أيضًا التطهر بقصد رفع الحدث لتلاعبها، فَإِذَا انْقَطَعَ لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الْغُسْلِ غَيْرُ الصَّوْمِ؛ لأن تحريمه بالحيض لا بالحدث بدليل صحته من الجنب والحيض قد زال ووجهه في المباشرة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ ... ﴾ الآية 194 وقيل: إنه يورث الجذام في الولد أَيضًا حكاه الغزالي في الاحياء؛ ووجهه فيما عدا المباشرة أن المنع منه لأجل الحدث وهو باق؛ ولو أبدل لفظ الغُسل بالتطهر لكان أعم، وَالطَّلَاقِ، لزوال المعنى المقتضي للتحريم وهو تطويل العدة بسبب الحيض، وهذا الاستثناء مما زاده على الْمُحَرَّرِ 195؛ واستثنى الرافعي أَيضًا سقوط قضاء الصلاة والمنع من الطهارة، قال في الروضة: وكذا تحريم العبور في المسجد على الأصح إذا قلنا بالوجه الضعيف أنه يحرم وإن أمنت التلويث، ولا يستثنى نكاح المستبرأة فإنه يرتفع أَيضًا بالانقطاع لأن الكلام فيما حرم بالحيض 196. فَصْلٌ: وَالاِسْتِحَاضَةُ حَدَثٌ دَائِمٌ كَسَلَسٍ، فَلَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - حَمْنَةَ بهما وكانت مستحاضة رواه الترمذي وصححه 197، فَتَغْسِلُ
الجزء: 1 - الصفحة: 152
الْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا، أي قبل الوضوء أو التيمم إن كانت تتيمم للطهارة عن النجاسة، وَتَعْصِبُهُ، أي وجوبًا إذا كثر الدم، اللَّهُمَّ إلاّ أن تتأذى به، وَتتَوَضَّأُ وَقْتَ الصَّلَاةِ، كالْمُتَيَمِّمِ، وَتُبَادِرُ بِهَا، تقليلًا للحديث، فَلَوْ أَخَّرَتْ لِمَصْلَحَةِ الصَّلاَةِ كَسَتْرٍ، وَانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ لَمْ يَضرَّ, لأن تأخير الصلاة لهذه الأسباب مندوب إليه.
وفيه نظر؛ لأن اجتناب النجاسة شرط؛ ومراعاته أحق من مراعات المندوبات، وَإِلَّا فَيَضُرُّ عَلَى الصَّحِيحِ، أي لأن ما جرى من الحدث كان يمكنها الاحتراز منه، الثاني: لا يضر كالمتيمم.
= مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: [فَتَلَجَّمِي] قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: [فَاتَّخِذِي ثَوْبًا! ] قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؟ إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجّاً؟ فَقَالَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: [سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ: أَيُّهُمَا صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ؛ فَإنْ قَويتِ عَلَيْهمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ] فقال: [إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فِي عِلْمِ الله، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً؛ وَأيَّامَهَا؛ وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ؛ وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي، كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ؛ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرهِنَّ؛ فَإنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ
تَغْتَسِلِينَ، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ؛ فَافْعَلِي، وَتَغتسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ؛ وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي وَصُومِي إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ أعْجَبُ الأمْرَيْنِ إِلَيَّ] رواه الترمذي في الجامع الصحيح: كتاب أبواب الطهارة: الحديث (128) وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وتفسير ألفاظه الغريبة كما يأتي: الكُرْسُف: هو القطن؛ كأنه ينعته لها لتحتشي به فيمنع نزول الدم ثم يقطعه.
تَلَجَّمِي: للدلالة على فعل مخصوص بما يؤدي إلى منع سيلان الدم واسترساله؛ كما يمنع اللجام استرسال الدابة: قال ابن الأثير في
النهاية: أي اجعلي موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم، تشبيهًا بوضع اللجام في فم الدابة.
وقوله [فَاتَّخِذِي ثَوْبًا] أَي أن تجعل ثوبًا تحت اللجام، مبالغة في الاحتياط من خروج الدمِ.
والثَّجُّ: صبُّ الدَّمِ وسيلانه بشدَّة، فهو كثير في الكمية شديد في الكيفية.
أما قوله [فتَحَيَّضِي] قال في النهاية: تحيضت المرأة: إذا قعدت أيام حيضها تنتظر انقطاعه، أراد: عُدِّي نفسك حائضًا وافعلى ما تفعل الحائض.
وقوله: [اسْتَنْقَأْتِ] الاستنقاءُ: المبالغة في تنقية البدن، وله ضرورة لشدة ما تعاني.
والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 153
وَيَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ فَرْضٍ، أي للأمر به كما رواه الترمذي وصححه 198، واحترز بالفرض عن النفل، وَكَذَا تَجْدِيدُ العِصَابَةِ فِي الأَصَحِّ، أي مع ما يتعلق بها من غسل الفرج وحشوه؛ كما يجب تجديد الوضوء.
والثاني: لا؛ لأن النجاسة عفو ولم تتعَدَّ محلها، ومحل الخلاف إذا لم تزل العصابة عن موضعها زوالًا له وَقْعٌ؛ ولا ظهر دم على جوانب العصابة؛ وإلاَّ فيجب قطعًا.
وَلَوِ انْقَطَعَ دَمُهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَلَمْ تَعْتَدِ انْقِطَاعَهُ وَعَوْدَهُ أَوِ اعْتَادَتْ وَوَسَعَ زَمَنُ الاِنْقِطَاعِ وُضُوءًا وَالصَّلَاةَ، أي أقل ما يمكن، وَجَبَ الْوُضُوءُ، أما في الأُولى: فلاحتمال الشفاء؛ والأصل عدم عوده، وأما في الثانية: فلإمكانها أداءُ العبادةِ في ذلك الوقت على الكمال، فلو لم يسمع زمن الانقطاع الوضوءَ والصَّلَاةَ فلا عبرة به، ولو أخبرها من يُعْتَمَدُ من أهل المعرفة بالعود فكما لو اعتادت، ولو عبر المصنف بالطهارة بدلًا عن الوضوء لكان أحسن ليدخل طهارة الجنب أَيضًا.
فَصْلٌ: رَأَتْ لِسِنِّ الْحَيْضِ أقَلْهُ، وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَهُ فَكُلُّهُ حَيْضٌ، لاجتماع الشروط وإمكان تغيير العادة، ويشترط أَيضًا أن لا يكون بقي عليها بقية طهر، فلو أبدل السنن بالزمن لما ورد هذا، وَالصَّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ حَيْضٌ فِي الأَصَحِّ؛ لأنهما أذىً وقد قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ... ﴾ الآية، والثاني: لا؛ إلاّ في أيام عادتها لقول أم عطية: [كُنَّا لاَ نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا] رواه أبو داود وصححه الحاكم 199، فَإِنْ عَبَرَهُ، أي عبَر الأكثر وهذا ضابط المستحاضة، وهي
الجزء: 1 - الصفحة: 154
تنقسم إلى أربعة أقسام: مبتدئة؛ مميزة وغير مميزة، ومعتادة؛ مميزة وغير مميزة، وهكذا كله في الذاكرة لعادتها، أما الناسية فقد تكون ناسية لقدرها ووقتها ولأحدهما فقط، وسيأتي كل ذلك في كلامه، فَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً مُمَيِّزَةً بأَنْ تَرَى قَوِيّاً وَضَعِيفًا، فَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَةٌ وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ إِنْ لَمْ يَنْقُصْ، أي القوي، عَنْ أقَلّهِ، أي عن أقل الحيض، وَلَا عَبَرَ أَكْثَرَهُ، وَلَا نَقَصَ الضَّعِيفُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ، أي وهو خمسة عشر متصلة، أما لو رأت يومًا أسود ويومين أحمر وهكذا أبدًا فجملة الضعيف في الشهر لم ينقص عن خمسة عشر يومًا، لكن لما لم تكن متصلة لم يكن ذلك تمييزًا.
وبماذا تعرف القوة والضعيف؟ فيه وجهان: أحدهما باللَّونِ فقط؛ والأصح اعتبار لونٍ ورائحةٍ كريهةٍ وثخانةِ قذرٍ، وصفةٍ أقوى من فاقدهن؛ وصفتين أقوى من صفة؛ وثلاث أقوى من ثنتين.
أَوْ مُبْتَدَأةً لاَ مُمَيِّزَةً بِأَنْ رَأَتهُ بِصِفَةٍ، أَوْ فَقَدَتْ شَرْطَ تَمْيِيزٍ، أي على ما سبق، فَالأظْهَرُ أَنَّ حَيْضَهَا يَوْمٌ وَلَيلَةٌ، أي من أوله؛ لأن سقوط الصلاة فيما عداه مشكوك فيه، وَطُهْرَهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ؛ لأنها تتمة الدور، والقول الثاني: أنها تحيض غالب الحيض، أَوْ مُعْتَادَةً، أي غير مميزة، بِأَنْ سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ فَتُرَدُّ إِلَيْهِمَا قَدْرًا وَوَقتًا، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: [لِتَنْظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامَ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَها فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ
فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ] رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح 200، وحكى المرعشي قولًا: أنَّه لا أثر للعادة؛ وهو غريب.
فَرْعٌ: لو كانت العادةُ مختلفةً غير متسقة أو نسيت اتساقها تغتسل آخر كل نوبة.
وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا].
الجزء: 1 - الصفحة: 155
وَتَثْبُتُ بِمَرَّةٍ فِي الأَصَحِّ، أي في حق من اتفقت عادتها فإن اختلفت فبمرتين، والثاني: لا تثبت إلاّ.
بمرتين؛ لأنها من العود، وَيُحْكَمُ لِلْمُعْتَادَةِ الْمُمَيِّزَةِ بِالتَّمْيِيزِ لاَ الْعَادَةِ فِي الأَصَحِّ، أي بأن كانت تحيض خمسة من أول كل شهر سوادًا وتطهر الباقي فرأت عشرة سوادًا ثم باقى الشهر حمرة؛ لأن التمييز علامة ظاهرة فتحيض عشرة، والثاني: ترد إلى العادة؛ لأن اعتبارها مجمع عليه فتحيض خمسًا، أَوْ مُتَحَيِّرَةً بِأَنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا قَدْرًا وَوَقْتًا، أي وابتداءً ولا تمييز؛ فإن وجد ردت إليه على المذهب، فَفِي قَوْلٍ: كَمُبْتَدَأَةٍ، بجامع فقد العادة والتمييز، وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الأِحْتِيَاطِ، إذ ما من زمن يمر عليها إلاّ وتحتمل الحيض والطهر فيجب الأخذ بالاحتياط للضرورة لا لقصد التشديد عليها، نعم: إن طُلِّقَتْ تعتدُّ بثلاثة أشهر إن لم تعرف مقدار دورها في الحال، لا بعد اليأس، كما صححه في بابه اعتبارًا بالغالب ودفعًا للضرر 201.
فَيَحْرُمُ الوَطْءُ، لاحتمال الحيض، وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَالْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ، لاحتماله أَيضًا، أما الفاتحة في الصلاة فتقرأها قطعًا وكذا السورة على الأصح، وَتُصَلِّي الْفَرَائِضَ أَبَدًا، لاحتمال الطهر، وَكَذَا النَّفْلُ فِي الأَصَحِّ، اهتمامًا بها، وثانيهما: لا لعدم الضرورة إليها بخلاف الفرض، وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ فَرْضٍ، أي إن لم تعلم انقطاع الدم في وقت معين لاحتمال انقطاعه، فإن علمته وجب الغسل كل يوم فيه.
قاله في التحقيق.
قُلْتُ: وذات التقطع في النقاء لاغسل عليها أَيضًا، وسكت المصنف عن قضاء الصلاة بعد فعلها في الوقت، وهو مشعر بعدم وجوبه، وهذا ما
الجزء: 1 - الصفحة: 156
ذهب إليه الجمهور كما حكاه الماوردي وغيره عنهم؛ وحكاه في البحر عن النص، لكن صحح الرافعي والمصنف الوجوب وقد ذكرت طريقَتهُ في الشرح.
وَتَصُومُ رَمَضَانْ، لاحتمال الطهر فيه، ثُمَّ شَهْرًا كَامِلًا، فَيَحْصُلُ مِنْ كُلِّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، لاحتمال طروئه في أثناء يوم؛ وانقطاعه في أثناء آخر؛ فَيَفْسَد من كل شهر ستة عشر يومًا فإن نقصًا فثلاثة عشر يومًا من كل شهر، ثُمَّ تَصُومُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ: ثَلَاثَةً أَوَّلَهَا، وَثَلاثةً آخِرَهَا، فَيَحْصُلُ الْيَوْمَانِ الْبَاقِيَانِ، قُلْتُ: ولا تتعين هذه الكيفية، بل لو صامت أربعة من هذه الستة في أول الثمانية عشر؛ وإثنان في آخرها
أو بالعكس، أو إثنان في أولها وإثنان في أخرها وإثنان في الوسط كيف شاءت حصل اليومان الواجبان، والضابط في قضاء اليومين وغيرهما؛ أن يَضْعُف ما عليها، وتزيد عليه يومين، فتصوم ما عليها على الولاء متى شاءت، ثم تأتى بضعفه من أول السابع عشر من صومها، ثم تأتي باليومين بينهما سواء كانا متصلين باليومين الأولين أم بالأخرين أم مفردين عنهما متفرقين أم مجتمعين فتأمل ذلك؛ ويحصلان
أَيضًا بخمسة أيام بأن تصوم يومًا وثالثهُ وخامسهُ وسابعُ عشرة وتاسعُ عشرة.
وَيُمْكِنُ قَضَاءُ يَوْمٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ، ثُمَّ الثَّالِثَ وَالسَّابِعَ عَشَرَ، أي من صومها الأوَّل؛ لأنه إن طرأ الحيض في اليوم الأول سلم السابع عشر، أو في الثالث سلم الأول وإن كان في الأول أخر الحيض حصل الثالث؛ وإن كان الثالث آخره حصل السابع عشر، ولا يتعين الثالث للصوم الثاني؛ ولا السابع عشر للصوم الثالث، كما أوضحته في الشرح الأصل.
وَإِنْ حَفِظَتْ؛ شَيْئًا، أي من عادتها ونسيت شيئًا كالوقت دون القدر أو عكسه، فلِلْيَقِينِ حُكْمُهُ، أي من حيض وطهر، وَهِيَ فِي الْمُحْتَمَلِ كَحَائِضٍ فِي الْوَطءِ، ولاحتمال كونه حيضًا، وَطَاهِرٍ فِي العِبَادَاتِ، لاحتمال انقطاع الدم والمراد بالمحتمل هو محتمل الحيض والطهر، وَإِنِ احْتَمَلَ انْقِطَاعًا وَجَبَ الْغُسْلُ لِكُلِّ فَرْضٍ، احتياطًا ويسمى هذا أي محتمل الانقطاع طُهرًا مَشْكُوكًا فيه، والذي لا يحتمله حيضًا مشكوكًا فيه، قال الأصحابُ: والحافظة للقدر؛ إنما تخرج عن التحيُّر المطلق إذا
الجزء: 1 - الصفحة: 157
حفظت مع ذلك قدر الدور وابتدائه، نعم لو صامت رمضان وكان حيضها خمسة من ثلاثين يصح لها خمسة وعشرون إن كان تاماً وتقضى الخمسة في أحد عشر، نقله عنهم المصنف في شرح المهذب.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّ دَمَ الْحَامِلِ وَالنَّقَاءَ بَيْنَ أَقَلِّ الْحَيْضِ حَيْضٌ، أما في الأُوْلى: فلأنه عارضٌ لا يَمْنَعُ دمَ الاستحاضة فلا يَمْنَعُ دم الحيض كالرضاع، ووجه مقابله أن العمل يسد مخرجه، وأما في الثَّانية: فلو قلنا بأنه طهر لانقضت العدة بثلاثة أيام ولا قائل به، ووجه مقابله أنَّه لما كان الدم دالًا على الحيض وجب أن يكونَ النقاءُ دالًا على الطهر، وَاعْلَمْ: أنَّه يستثنى من كونه حيضًا أنَّه لا يحرم فيه الطلاق ولا تنقضي به عدة صاحبة العمل وتنقضي به عدة غيرها في الأصح، والدم الخارج عند الطلق أو مع الولد ليسا بحيض على الأصح، وقوله: (بَيْنَ أَقَلِّ الْحَيْضِ) هو الصواب وكذا وجدته في نسخة المصنف مصلحًا؛ وفيه تنبيه على أنَّه يشترط أن يكون مجموع الدماء لا تنقص عن يوم وليلة؛ ولا يضر نقص كل دم عن يوم وليلة؛ ولا بد من احتواش النقاء بدمين في الخمسة عشر وإلاّ فهو طهر قطعًا 202.
فَصْلٌ: وَأقَلُّ النَّفَاسِ لَحْظَةٌ، وَأَكثَرُهُ سِتُّونَ، يومًا، وَغَالِبُهُ أَرْبَعُون، اعتبارًا بالوجود، ولو ولدت ولم ترَ دمًا أصلًا حتَّى مضى خمسة عشر يومًا فصاعدًا فلا نفاس لها على الأصح في شرح المهذب 203. وَيَحْرُمُ بِهِ مَا حَرُمَ بِالحَيْضِ، بالإجماع،
الجزء: 1 - الصفحة: 158
وَعُبُورُهُ سِتِّينَ كَعُبُورِهِ أَكْثَرَهُ، أي أكثر الحيض فَيُنْظَرُ أمبتدئةٌ هي أم معتادة؛ أم مميزة؛ أم غير مميزة، ويُقاس بما ذكرناه في الحيض، وكذا في الرد عند الإشكال 204. النفساء: الحديث (139) وإسناده حسن.
الجزء: 1 - الصفحة: 159