عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاجكِتَابُ الصَّلاَةِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الصَّلَاةُ أَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ 1. الْمَكْتوبَاتُ خَمْسٌ، بالإجماع ولم يصرح المصنف بأعدادها إلاّ أنَّه يؤخذ من مسائل ذكرها متفرقة 2.

الجزء: 1 - الصفحة: 160

الظُّهْرُ، أي صلاة الظهر، وَأَوَّلُ وَقْتِهِ زَوَالُ الشَّمْسِ، بزيادة الظل بعد استوائها؛ أو وجد وقته إن لم يكن عند الاستواء ظل، وذلك يتصور في بعض البلاد كمكة وصنعاء اليمن في أطول أيام السنة بالإجماع، وَآخِرُهُ مَصِيرُ الشَّيْءِ مِثْلَهُ، لحديث جبريل المشهور 3، سِوَى ظِلِّ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، أي الموجود عنده، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَغْرُبَ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبِ الشَّمْسُ] رواه ابن أبي شيبة وإسناده في مسلم 4، وَالاخْتِيَارُ أَنْ لاَّ تُؤَخَّرَ عَنْ مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيْنِ، أي بعد ظل الاستواء لحديث جبريل المشهور، ويسمى مختارًا لما فيه من الرجحان، وقال صاحب الاقليد: لاختيار جبريل إيَّاهُ.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قال: صلاة المغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الصبح ﴿وَعَشِيًّا﴾ قال: صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر، ثم قرأ ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور / 58]. رواه ابن جرير الطبري في التفسير: النصوص (21261).

الجزء: 1 - الصفحة: 161

وَالْمَغْرِبُ بِالْغُرُوبِ، بالإجماع، وَيَبْقَى حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ فِي الْقَدِيمِ، لقوله عليه الصلاة والسلام: [وَقْتُ الْمَغْرِبِ إِلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ].
رواه ابن خزيمة في صحيحه وقال: تَفَرَّدَ بها محمد بن يزيد إن كانت حُفِظَتْ عنه 5، واحترز المصنف بالأحمر عن الأصفر والأبيض، وَفِي الجَدِيدِ يَنْقَضِي بِمُضِيِّ قَدْرِ وُضُوءٍ، أي وكذا تيمم أو غسل أو طهارة خَبَثٍ، وَسَتَرَ عَوْرَةٍ، وكذا تعمم وتقمص وارتداء، وَأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ، وَخَمْسَ رَكْعَاتٍ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ صلاّها في اليومين في حديث جبريل في وقت واحد بخلاف غيرها.
ولو عبر بالطهارة بدل الوضوء لكان أعم لما ذكرته، وجواز جمع المغرب والعشاء تقديمًا إنما ساغ؛ لأن الوقت المذكور يسع ذلك؛ خُصُوصًا إذا كانت الشرائط عند الوقت مجتمعة فيه.
فإن فرض ضيقه عنهما لأجل اشتغاله بالأسباب؛ امتنع الجمعُ لفوات شرطه وهو وقوع الصلاتين في وقت إحداهما، وَلَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ، أي على هذا القول، وَمَدَّ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يَقْرَأُ في المغرب بالأعراف في الركعتين كلتيهما، رواه الحاكم وصححه 6، والثاني: لا يجوز مدها كغيرها، لكن الصحيح جواز مد الصلاة ولو خرج الوقت من غير كراهة، قُلْتُ: القَدِيمُ أَظْهَرُ.
وَالله أَعْلَمُ، للأحاديث الصحيحة، فيه وعلق الشافعي - رضي الله عنه - في الإملاء وهو من الجديد القول به على ثبوت الحديث، وقد ثبت فيه أحاديث ولله الحمد 7.

الجزء: 1 - الصفحة: 162

وَالْعِشَاءُ بِمَغِيبِ الشَّفَقِ، بالإجماع والمراد به الأحمر لرواية ابن خزيمة السالفة، وَيَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ، الصادق قياسًا على العصر، وَالاخْتِيَارُ أَنْ لاَ تُؤَخَّرَ عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ صلاّها في اليوم الثانى كذلك، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمُ السِّوَاكَ مَعَ الْوُضُوءِ وَلأخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ] رواه الحاكم وصححه 8. وكلام المصنف في شرح المهذب يقتضي أن الأكثرين على هذا القول، وبه صرَّح سليم في الفروع، ولهذا قال في شرح مسلم: أنه الأصح 9، وقال البيهقى في خلافياته: إنه الصحيح في المذهب.
وَالصُّبْحُ بِالْفَجْرِ الصَّادِقِ، بالإجماع، وَهُوَ الْمُنْتَشِرُ ضَوْؤُهُ مُعْتَرِضَاً بِالأُفُقِ، أي لا الفجر الأول الكاذب الذى يطلع مستطيلًا كذنب السرحان وهو الذئب ثم يسودّ، وَيَبْقَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَقْتُ صَلاَةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ = الْمُفَصَّلِ، وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ بِطُوْلى الطُّوْلَيَيْنِ] قال ابن مليكة: طُولَى الطُّوْلَيَيْنِ الأعرافُ والمائدةُ.
رواه البخاري في الصحيح: كتاب الأذان: باب القراءة في المغرب: الحديث (764).

الجزء: 1 - الصفحة: 163

تَطْلُع الشَّمْسُ، رواه مسلم 10، وَالاخْتِيَارُ أَنْ لاَ تُؤَخَّرَ عَنِ الإِسْفَارِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلاها في اليوم الثانى كذلك.
فَرْعٌ: إِذَا وَقَعَ يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ فليقدر له قدره، كما أمر به الشارع عند خروج الدجال رواه مسلم 11. قُلْتُ: يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ المَغْرِبِ عِشَاءً، وَالعِشَاءُ عَتَمَةً، لثبوت النهي عن ذلك في حديث مسلم 12، وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان يكرهه متفق

الجزء: 1 - الصفحة: 164

عليه 13، والمعنى فيه مخافة استمراره إلى خروج الوقت، ولهذا قال ابن الصلاح: إن هذه الكراهة تعم سائر الصلوات، ولا تبعد الكراهة أيضًا قبل دخول الوقت للمعنى المذكور، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان يكرهه أيضًا، متفق عليه 14، والمعنى فيه مع ما سلف أن الله تعالى قد جعل الليل سكنًا وهذا يخرجه عن ذلك، إِلاّ فِي خَيْرٍ، وَالله أَعْلَمُ، أى كمذاكرة العلم ونحوه؛ لأنه مصلحة ناجزة 15، واستثنى في الروضة مع ذلك ما إذا كان معذورًا وهو ظاهر.
فَصْلٌ: وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلاَةِ لأَوَّلِ الوَقْتِ، أي إذا تيقنه؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ سئل: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: [الصَّلاَةُ لأَوَّلِ وَقْتِهَا] صححه ابن خزيمة والحاكم، وهو في لفظ الصحيحين لفظ [الصَّلاَةُ لِوَقَتِهَا] 16، وفي صحيح ابن

الجزء: 1 - الصفحة: 165

حبان من حديث أبى مسعود [أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ صَلّى الصُّبْحَ مَرَّةً بِغَلَسٍ ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ كَانَتْ صَلاَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالغَلَسِ حَتَّى مَاتَ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ] وهذا الحديث رواه أبو داود أيضاً وقال الخطابي: صحيح الإسناد 17. وَأعْلَمْ: أنه إنما يجوز التأخير عن أول الوقت بشرط العزم على الفعل في أثنائه على الأصح، ويستثنى من استحباب تعجيل الصلاة لأول الوقت الإبراد بالظهر كما سيأتي، والمقيمُ بِمِنَى للرمي، فإنه يستحب له تأخير الظهر عنه، وكذا المسافر إذا كان سائراً وقت الأُولى، فإن التأخير أفضل كما ذكره في بابه، ومن يدافعه الحدث، أو حضره طعام يتوق إليه وغيره مما يأتي في الجماعة، وغير ذلك مما ذكرته في الأصل، والْمُحْرِمُ إذا خاف فوت الحج يؤخرها عن الوقت كما سيأتي في صلاة الخوف.
وَفِي قَوْلٍ تَأْخِيرُ العِشَاَءِ أَفْضَلُ، أي ما لم يجاوز وقت الاختيار للحديث السالف.
وَيُسَنُّ الإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [أَبْرِدُوا بِالظُّهرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فِيحِ جَهَنَّمَ] رواه البخاري 18. وخرج بالظهر الجمعة فإنه لا يبرد بها في الأصح.
والأذان أيضاً وحديث أنس في البخاري شاهد للإبراد بالجمعة وقد صححه العجلي 19، وَالأصَحُّ اخْتِصَاصُهُ بِبَلَدٍ حَارٍ، لأن الأمر هين في غيرها.
والثاني: لا

الجزء: 1 - الصفحة: 166

يختص؛ لأن التأذي بإشراق الشمس حاصل في البلاد المعتدلة أيضًا، وَجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ يَقْصِدُونَهُ مِنْ بُعْدٍ، أي ويمشون إليه في الشمس؛ لأن من صلى منفردًا أو بيته قريب من المسجد ليس فيه كثير مشقة، والثاني: لا يختص بذلك لظاهر الحديث 20، والمنفرد إذا قصد الصلاة في المسجد يبرد كما أشعر به كلام الرافعي؛ والخلاف فيمن قربت منازلهم.
وفي جمع لا يأتيهم غيرهم قولان! لا وجهان! كما اقتضاه لفظ المصنف، والمراد بالمسجد موضع الإجتماع للصلاة.
وَمَنْ وَقَعَ بَعْضُ صَلاَتَهِ فِي الوَقْتِ، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ رَكْعَةٌ فَالجَمِيعُ أَدَاءٌ وَإِلاَّ فَقَضَاءٌ، لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ] 21، والثاني: الجميع قضاءٌ اعتبارًا بآخر الصلاة؛ والثالث: وقع ما في الوقت أداء وما بعده قضاء، قال الشيخ أبو حامد: وهو قول عامة أصحابنا؛ والرابع: إن أخَّرَ بعذر، وأدرك ركعة فأداءٌ وإلاّ فلا، حكاه الماوردي.
وَمَنْ جَهِلَ الوَقْتَ اجْتَهَدَ، أي وجوباً، بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ، أى كعمل صنعة 22، [كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلاَةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلاَةِ] يعني الجمعة.
إنتهى.
وحكاه معلقًا مبينًا سبب الورود، فقال بسنده عن خالد بن دينار قال: صَلَّى بِنَا أَمِيْرُ الْجُمُعَةِ، ثم قال لأنس - رضي الله عنه -: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلَّي الظُّهْرَ؟ .

الجزء: 1 - الصفحة: 167

فَإِنْ تَيَقَّنَ صَلاَتَهُ قَبْلَ الوَقْتِ، أي بعد أن اجتهد وصلى، قَضَى فِي الأَظْهَرِ، لفوات شرطها وهو الوقت، والثاني: لا قضاء اعتباراً بما ظنه، أما إذا كان الوقت باقياً فتجب الإعادة قطعاً، وَإِلاّ فَلاَ، وإن لم يتيقن أن صلاته وقعت قبل الوقت؛ بأن لم يتبين الحال؛ أو تبين وقوعها في الوقت أو بعده فلا قضاء عليه.
فَائِدَةٌ: تَرْجَمَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ؛ بَابٌ المسافر يصلى وهو يشك في الوقت؛ ثم روى من حديث أنس قال: [كُنّا إِذَا كُنَّا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فِي سَفَرٍ فَقُلْنَا زَالَتِ الشَّمْسُ أَوْ لَمْ تَزُلْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ ارْتَحَلَ] ثم روى حديثاً آخر عنه بنحوه 23. قال الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ في أحكامِهِ: ولا يبعد تخصيص المسافر بذلك لمشقة السفر كما خص بالقصر.
وَيُبَادِرُ بِالفَائِتِ، تعجيلاً لبراءة ذمته؛ فإن فات بعذر فعلى التراخى؛ أو بغيره فعلى الفور على الأصح فيهما، وقيل: إن غير المعذور لا يقضي، حُكِيَ عن ابن بنت الشافعي، وقَوَّاهُ الشيخ عز الدين، وصاحب الاقليد، وأَيَّدَهُ بأَنَّ تارك الأَبْعَاضِ عمدًا لا يسجد على وجه، مع أنه أحوج إلى الْجَبْرِ 24. فَائِدَةٌ: في صحيح ابن حبان من حديث أبي قتادة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابَهُ لَمَّا نَامُواْ عَنِ الصَّلاَةِ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: [صَلُّوهَا الْغَدَ لِوَقْتِهَا] 25 ثم قال: ذكر

الجزء: 1 - الصفحة: 168

الخبر الدال على أن الأمر الذي وصفناه إنما هو أمر فضيلة لمن أحب ذلك لا أن كل من فاتته صلاة يعيدها مرتين إذا ذكرها.
والوقت الثاني من غيرها.
ثم روى من حديث الحسن عن عمران - رضي الله عنه - أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لما صلى بهم قلنا: يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ قال: [يَنْهَاكُمْ رَبُّكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ] 26. قُلْتُ: وهذه مسألة نفيسة غريبة لم أرَ من صرح بها.
وَيُسَنُّ تَرْتِيبُهُ، للاتباع؛ ولا يجب لأنه إنما كان لضرورة الوقت وقد زال؛ وَفِعْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ الْمُجَرَّدُ إِنَّمَا يَدُلُّ عِنْدَنَا عَلَى الإِسْتِحْبَابِ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الحَاضِرَةِ الَّتِي لاَ يَخَافُ فَوْتَهَا، خروجًا من الخلاف؛ فإن خاف فوت الحاضرة لزمه البداءة بها لئلا تصير فائتة أيضًا.
فَصْلٌ: وَتُكْرَهُ الصَّلاَةُ عِنْدَ الاِستِوَاءِ، للنهي عنه في الصحيح 27، ووقت الاستواء لطيف جدًا؛ لا يتسع لصلاة؛ ولا يكاد يشعر به حتى تزول الشمس، نعم التحرم قد يمكن ايقاعه فيه فلا يصح، إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةَ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ

الجزء: 1 - الصفحة: 169

استحب التبكير إليها ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء 28. وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ، أي فيما يراه الناظر، وَالعَصْرَ حَتَّى تَغْرُبَ، للنهي عنهما في الصحيح 29، وأهمل المصنف وقتين ذكرهما الرافعي في الْمُحَرَّر، وهما حالة الطلوع والغروب لتوهم اندراجهما في قوله، وبعد الصبح وبعد العصر، وليس كذلك، فإنه إنما يتناول من صَلاَّهُمَا، والكراهةُ في هذين الوقتين، تَعُمُّ ذلك وغيره، وعدَّ الدَّارِمي الأوقات المكروهة سبعة هذه، ثم قال: وإثنان فيهما وجهان، وهما بعد طلوع الفجر إلى صلاتها وبعد الغروب إلى صلاتها، إِلاَّ لِسَبَبٍ،

الجزء: 1 - الصفحة: 170

أي متقدم أو مقارن، كَفَائِتَةٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ نَسِىَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا] متفق عليه 30. وَكُسُوفٍ، لأنها متعرضة للفوات بالإنجلاء، ولأن الأدلة الطالبة لها عامة في الأوقات؛ خاصة بتلك الصلوات؛ وأحاديث النهي بالعكس، وترجحت الأُوْلى بأنه لم يدخلها التخصيص وأحاديث النهي دخلها بالفائتة للحديث؛ وبصلاة الجنازة فإنه إجماع كما نقله ابن المنذر.

الجزء: 1 - الصفحة: 171

وَتَحِيَّةٍ، أي لا لقصدها بل لأمرٍ أخر من اعتكاف ونحوه، فإن دخل لقصد التحية فقط فيكرهُ على الأصحِّ، وَسَجْدَةِ شُكْرٍ، لفواتها بالتأخير، وفي الصحيح في توبة كعب بن مالك أنه سجد سجدة الشكر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس 31، قال البيهقي: وسجود التلاوة مقيس عليه.
وَإِلاَّ فِي حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! لاَ تَمْنَعُواْ أَحَداً طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، صححه الترمذي وغيره 32، نعم قال المحاملي في المقنع: الأَولى أن لا يفعل خروجاً من الخلاف، والثاني: أنها تكره لعموم الأخبار؛ والصلاة المذكورة في هذا الحديث المراد بها ركعتي الطواف، والحديثان إذا كان كُلٌّ منهما أعم من الآخر من وجه؛ لا يقدم خصوص أحدهما على عموم الآخر إلاّ بمرجح.
قُلْتُ: وحَمْلُ هذا القائل الصلاة المذكورة في هذا الحديث على ركعتي الطواف تردُّهُ رواية ابن حبان في صحيحه: [يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إِن كَانَ إلَيْكُم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ فَلاَ أَعْرِفَنَّ احَداً مِنْكُمْ أنْ يَمْنَعَ مَنْ

الجزء: 1 - الصفحة: 172

يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أوْ نَهَارٍ] 33. والثالث: يباح في نفس البلد دون باقي الحرم؛ والرابع: يباح في المسجد فقط.
فَصْلٌ: إِنْمَا تَجِبُ الصَّلاَةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أى فالكافر لا تجب عليه، أي لا يطالب بها في الدنيا، وإن قلنا إنهم مكلفون بالفروع لتضعيف العذاب عليهم في الدار الآخرة، بَالِغٍ عَاقِلٍ، أي فالمجنون والصبي لا تجب عليهما لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ] صححه ابن حبان والحاكم 34. وفي المعرفة للبيهقي نقلاً أن الأحكام إنما صارت متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة فاستفده، وفي معنى الجنون الإغماء وَالْبِرسْامُ 35، طَاهِرٍ، أي فلا تجب على حَائِضٍ وَنُفَسَاءٍ، وهو إجماع.
وَلاَ قَضَاءَ عَلَى الكَافِرِ، أي من كان كافرًا فأسلم؛ لأنه لم ينقل وقد يؤدى إلى التنفير 36، إِلاَّ المُرْتَدْ، تغليظًا عليه، نعم لا تقضى المرتدة زمن الحيض ونحوه بخلاف الجنون، لأن إسقاط الصلاة عن الحائض عزيمة، والجنون رخصة، والمرتد ليس من أهلها، وَلاَ الصَّبِيَّ، إذا بلغ، وكذا الصبية لانتفاء التكليف في الصبي، وَيُؤْمَرُ بِهَا

الجزء: 1 - الصفحة: 173

لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَيهَا لِعَشْرِ، للأمر بذلك كما صححه الترمذي وغيره 37، ولا يقتصر في الأمر على مُجَرَّدِ صيغته، بل لا بد معه من التهديد، قاله الْمُحِبُّ الطبري، وكما يؤمر بالأداء يؤمر بالقضاء أيضاً، فإذا بلغ لم يؤمر بها، قاله الشيخ عز الدين في مختصر النهايه في باب اللعان وفيه وجه حكاه الجيلي.
وَلاَ ذِى حَيْضٍ، بالإجماع كما تقدم في الحيضِ ومثلُهُ النُفَسَاءُ، أَوْ جُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ، لما سلف، وفي معناهما الْمُبَرْسَمِ وَالْمَعْتُوهِ، وخالف الصوم فيما إذا أغمي عليه جميع اليوم، لأنها قد تكثر ويشق القضاء بخلافه، نعم لو ارتد ثم جُنَّ ثم أفاق فأسلم قضى مدة الجنون وما قبلها.
فَرْعٌ: قال الروياني: يكره للحائض القضاء، ويستحب للمجنون والمغمى عليه، وقال البيضاوي من أصحابنا في الأُولى: لا يجوز.
بِخِلاَفِ السُّكْرِ، لتعديه به، فإن لم يعلم بحاله أو أكره أو شربه لحاجة فلا قضاء عليه، وَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الأسْبَابُ، أي الكفر الأصلى؛ والصبي؛ والجنون وما في معناه والحيض، وَبَقِيَ مِنَ الوَقْتِ تَكْبِيرَة وَجَبَتِ الصَّلاَةُ، لأن ما يتعلق به الايجاب يحصل بِجُزْءٍ كالمسافر إذا اقتدى بمقيم في جُزْءٍ من صلاته يلزمه الإتمام.
وَفِي قَوْلٍ يُشْتَرَطُ رَكعَةٌ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ

الجزء: 1 - الصفحة: 174

الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ] متفق عليه 38، وَالأَظْهَرُ وُجُوبُ الظُهْرِ، بِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةٍ آخِرَ العَصْرِ، وَالمَغْرِبِ آخِرَ العِشَاءِ، لاشتراكهما في الوقت في حال العذر ففي حال الضرورة أَوْلى، والثاني: لا يجب الظهر مع العصر إلاّ بإدراك أربع رَكَعَاتٍ زائدة على ما يجب به العصر، ولا المغرب إلاّ بإدراك ثلاث ركعات زائدة على ما يجب به العشاء، ولابد في ايجاب الصلاتين من زوال المانع مدة تسعهما معًا وكذا الواحدة، وخرج من كلام المصنف الصلاة التي لا تجمع مع ما قبلها وهي الصبح والظهر والمغرب، فإنه إذا زال العذر في أخرها وجبت فقط لانتفاء العلة السابقة وهو الاشتراك في الوقت.
وَلَوْ بَلَغَ فِيهَا، أي بالسن، أَتَمَّهَا، أى وجوبًا لأنه مأمور مضروب على الترك، وَأَجْزَأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه أدى الواجب بشرطه، والثاني: يستحب الإتمام وتجب الإعادة؛ لأنه لم يَنْوِ الفرضَ، أَوْ بَعْدَهَا، أي بلغ بعدها في الوقت، إما بالسن أو بالأحتلام، فَلاَ إِعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ، كالأمَة إذا صَلَّتْ مكشوفة الرأس ثم عتقت، والثاني: تجب الإعادة؛ لأن المؤدى في الصغر واقع حال النقصان فكما لو حجَّ ثم بلغ، وأجاب الأول: بأن الصبي غير مأمور به؛ وغير مضروب عليه بخلاف الصلاة، ولأنه لما كان وجوبه مرة في العمر اشترطنا وقوعه في حال الكمال بخلافها، وَلَوْ حَاضَتْ أوْ جُنَّ أَوَّلَ الوَقتِ وَجَبَتْ تِلْكَ إِنْ أَدْرَكَ قَدْرَ الفَرْضِ، لتمكنه منه، وَإلاَّ، أي وإن لم يدرك قدر الفرض، فَلاَ، لعدم التمكن.
فَصْلٌ: الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ سُنَّةٌ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لم يأمر بهما في حديث الأعرابي مع ذكره الوضوء والاستقبال وأركان الصلاة، كذا ادّعاه المصنف في شرح المهذب، لكن الإقامة ثابتة فيه في رواية أبي داود 39، ولأنهما للإعلام بالصلاة

الجزء: 1 - الصفحة: 175

فلم يَجِبَا لقوله - صلى الله عليه وسلم -[الصَّلاَةُ جَامِعَةٌ] حيث شَرَّعَ ذلك 40. وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، لأنهما من شعائر الإسلام فصارا كَرَدِّ السَّلاَمِ 41، فَأَذَّنَا؛ ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: الحديث (589). • قُلْتُ: الأذان والإقامة للإعلام أو منع الإغارة، وليس هما بحتم على الفرد أو الجماعة أو الإمام؛ أما للإعلام فلحديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: [أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدلِفَةِ، وَلَمْ يُنَادِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلاَّ بِإِقَامَةِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا وَلاَ عَلَى إِثرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا] رواه البخاري في الصحيح: كتاب الحج: باب مَن جمع بينهما ولم يتطوع: الحديث (1673). • أما الأذان لمنع الإغارة فلما جاء عن ابنِ الزُّوبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: أُؤَذِّنُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: لِمَنْ تُوَذِّنُ؟ لِلغَارَةِ! رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب جماع أبواب الأذان: باب قول من اقتصر على الإقامة في السفر: الحديث (1984) ولما جاء عن نافع: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لاَ يَزِيدُ عَلَى الإِقَامَةِ فِي السَّفَرِ فِي الصَّلاَةِ، إِلاَّ فِي الصُّبْحِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ فِيهَا؛ وَيَقُولُ: إِنَّمَا الأَذَانُ لِلإِمَامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النَّاسُ.
رواه البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (1983)، أيَ لَيس لإمام جماعة المصلين، وإنما لإمام جماعة المسلمين، الذي يظهر به سلطان المسلمين وتقوى به شوكتهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 176

والخلاف في المؤدات الواحدة كما نبه عليه صاحب الْمُعِيْنِ.
وَإِنَّمَا يُشْرَعَانِ لِمَكْتُوبَة، لأنه لم يرد في غيرها، وَيُقَالُ فِي الْعِيدِ وَنَحوِهِ، أي من النوافل التي شرعت فيها الجماعة كالكسوف والاستسقاء والتراويح لا الجنازة في الأصح: الصَّلاَةُ جَامِعَةٌ، للفرق بين الفرائض والنوافل 42. وَالْجَدِيدُ: نَدْبُهُ، يعيى الأذان، لِلْمُنْفَرِدِ، لأنه لا يسمع مدى صوته جِنٌّ ولا إِنْسٌ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يومَ القيامةِ كما رواه البخاري 43، والقديم: أنَّهُ لا يُندب له، لأن المقصود من الأذان إلابلاغ والإعلام وهذا لا ينتظم في المنفرد، أما الإقامة فالأصح القطع بندبيتها، وصحح في أصل الروضة أيضاً طريقةً بندبية الأذان.
وَيَرْفَعُ، أى المنفرد، صَوْتَهُ إِلاَّ بِمَسْجِدٍ.
وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ، أي وانصرفوا كما قاله الرافعي، فإن الأَولى أن لا يرفع؛ لئلا يتوهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى لا سيما في يوم الغيم، وكان المراد بالمسجد موضع الصلاة؛ وإلاَّ فالتعليل المذكور شامل له ولغيره 44، نعم: في اشتراط وقوع الجماعة نظر لحصول الإيهام على أهل إذا تركوه) الموافقات في أصول الشريعة: القسم الثاني: المسألة الثانية: فصل: ج 1 ص 133. فالشيء أو الفعل إذا نظرت إليه بنفسه له حكمه، وإذا نظرت إليه بحسب الأمور الخارجه عنه، فيكون الحكم للحال التي هو فيها وليس له بحسبه، فيلاحظ.
لأنها من مسائل الأصول بل من دقائق أصول الفقه.

الجزء: 1 - الصفحة: 177

البلد، نعم هو أخف.
وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ، لأنها لاستفتاح الصلاة وهو موجود، وَلاَ يُؤَذِّنُ فِي الجَدِيدِ، لزوال الوقت، قُلْتُ: القَدِيمُ أَظْهَرُ، وَالله أَعْلَمُ.
لثبوته في الصحيح 45، فَإِنْ كَانَ فَوَائِتُ لَمْ يُؤَذِّنْ لِغَيْرِ الأُوْلَى، أى قطعًا، وفيه وجه في كتاب ابن كج وفي الأُوْلى الخلاف.
فَائِدَةٌ: لنا مؤداة لا يؤذن لها، وهي ما إذا كان عليه فائتة وقدمها؛ ففي الأذان لها الخلاف المذكور، ولايؤذن للحاضرة على المذهب إلاّ أن يؤخرها ويطول الفصل، فإنه يؤذن لها قطعًا.
وَيُنْدَبُ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ الإِقَامَةُ، لأنها لاستفتاح الصلاة، لاَ الأَذَانُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لأنه إعلام، والمرأة لا ترفع صوتها، والثاني: يستحبان اقتداءٌ بعائشة، والثالث: لا يستحبان، وقوله (لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ) المنفردة لذلك، إذا استحببنا الأذان للمنفرد قاله الرافعي، والخنثى كالمرأة 46. وَالأَذَانُ مَثْنَى وَالإِقَامَةُ فُرَادَى، أي معظمها، إِلاَّ لَفْظُ الإِقَامَةِ، لحديث أنس رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب الأذان في السفر: الحديث (1203). والنسائي في السنن: كتاب الأذان: باب الأذان لمن يصلي وحده: ج 2 ص 20. ابن حبان في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: باب الأذان: باب ذكر الإخبار عما يستحب للمرء من المواظبة على التأذين: الحديث (1658).

الجزء: 1 - الصفحة: 178

[أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ] متفق عليه 47، والمعنى في تثنية لفظ الإقامة كونها مصرحة بالمقصود، وَيُسَنُّ إِدْرَاجُهَا وَتَرْتِيلُهُ، للأمر بذلك كما أخرجه الحاكم 48، وَالإِدْرَاجُ: هُوَ الإِتْيَانُ بِالْكَلِمَاتِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ؛ وَالتَّرْتِيْلُ: التَّأَنِّي، وَالتَّرْجِيعُ فِيهِ، لثبوته في حديث أبي محذورة 49: وهو ذكر الشهادتين سِرّاً قبل

الجزء: 1 - الصفحة: 179

الجهر قاله الرافعي؛ وكلامه يقتضي أنه أسم للمجموع من السِرِّ والجَهْرِ، وتبعه في الروضة، لكنه صرح في شرح المهذب والتحقيق والدقائق والتحرير أَنَّهُ اسْمِّ للأوَّلِ، وفي شرح مسلم أَنَّهُ اسْمٌ لِلثّانِي 50. فَائِدَةٌ: الحكمة في اختصاص الترجيع بالشهادتين تَذَكُّر إخفائهما في أوَّل الإسلام؛ ثم ظهورهما ففي ذلك نعمة ظاهرة.
وَالتَّثْوِيبُ فِي الصُّبْح، لثبوته في خبر أبي محذورة كما صححه ابن حبان 51 وهو أن يقول في الأذان بعد الحَيْعَلَةَ (الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ) مرتين أي اليقظة للصلاة خير من النوم أو الراحة التي تعتاضونها في الآجل خير من النوم.
فَرْعٌ: يُثَوِّبُ في الأول والثاني كما صححه في التَّحْقِيْقِ.
وَأَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا لِلْقِبْلَةِ، لاستمرار الخلق عليهما، ويُسن الالتفات في الحيعلتين الأُولى بكمالها يميناً والثانية بكمالها شمالاً بعنقه لا بصدره، وَيُشْتَرَطُ تَرْتِيبُهُ وَمُوَالاَتُهُ، لأن تركهما يوهم اللعب ويخل بالاعلام، وَفِي قَوْلٍ لاَ يَضُرُّ كَلاَمٌ وَسُكُوتٌ طَوِيلاَنِ، كسائر الأذكار المطلوبة، والراجح أنه يضر بخلاف الكلام في الخطبة؛ لأن كلماتها غير متعينة وكلماته متعينة، فَيُعَدُّ قَاطعُهُ مُعْرِضاً عنه، وفي اشتراط النية في الاذان وجهان حكاهما الروياني قبل صلاة المسافر من بحره.
وَشَرْطُ الْمُؤَذِّنِ: الإِسْلاَمُ، أي فلا يصح أذان الكافر لأنه عبادة، وَالتَّمْيِيزُ، أي فلا يصح أذان من لا تمييز له لأن كلامه لغو، وَالذُّكُورَةُ، أي فلا يصح أذان المرأة للرجال كإمامتها بهم، وينبغي أن يصح أذانها للمحارم.

الجزء: 1 - الصفحة: 180

وَيُكْرَهُ لِلْمُحْدِثِ، لأنه دعاءٌ وذكرٌ، وَللْجُنُبِ أَشَدُّ، لأنها أَغْلَظُ.
قُلْتُ: والحائض أغلظ من الجنب؛ لأن حدثها أغلظُ من حدثه، وَالإِقَامَةُ أَغْلَظُ، لقربها من الصلاة.
وَيُسَنُّ صَيِّتٌ، أي شديد الصوت ورفيعه لأنه أبلغ في الأعلام، حَسَنُ الصَّوْتِ، لأنه أبعث على الأجابة 52، عَدْلٌ، ليصدق في الوقت؛ ويغض بصره عن عورة من يعلوه.
وَالإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ، أي من الأذان والإقامة، فِي الأَصَحِّ، لأنها أشق، ولمواظبة الشارع والخلفاء الراشدين عليها، ولأن القيام بالشئ أَوْلَى من الدعاء إليه وهو قائم بفرض الكفاية على ما صححه المصنف في بابه فيكون راجحًا على الأذان إذ هو سنة على الصحيح.
قُلْتُ: الأَصَحُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، لدعائه له عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلاَمُ بالمغفرة وللإمام بالإرشاد، وهو قول أكثر الأصحاب، واستنبط ابن حبان في صحيحه من قوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: [مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ] 53 أن المؤذن يكون له مثل أجر من صلّى بأذانه.
قُلْتُ: ونصَّ الشافعىُّ - رضي الله عنه - في الأُمِّ على أنَّه إذا قام بحقوق الإمامة كانت أفضل.
وَشَرْطُهُ الْوَقْتُ، لأنه إنما يراد للإعلام بدخول الوقت؛ فلا يجوز قبله، وذلك إجماع في غير الصبح، إِلاَّ الصُّبْحَ، للاتباع، فَمِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، لأنّ معظمه قد ذهب

الجزء: 1 - الصفحة: 181

وقرب الأذان من الوقت فهو منسوب إلى الصبح، ولهذا يقال فيه عند التحية صباحٌ مباركٌ 54. قُلْتُ: والظاهر من حيث الدليل أنَّه يؤذن قُبَيْلَ طلوع الفجر، وصحح الرافعي في شرحيه وجهًا آخر، وهو أنَّه يؤذن في الشتاء لسُبعٍ يبقى من الليل وفي الصيف لنصف سُبْعٍ يبقى، وَعبَّرَ عنه في الْمُحَرَّر بقوله في أخر الليل فغيرهُ المصنف إلى نصف الليل، وقال: إنها أوضح، وقيل: بعد ثلثي الليل كذا حكاه المصنف في الإذكار وهو غريب، والذي حكاه في غيره أنَّه بعد وقت العشاء المختار وهو ثلث الليل في قول، ونصفه في قول.
وَيُسَنُّ مُؤَذْنَانِ لِلمَسْجِدِ يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَآخَرُ بَعْدَهُ، كما في مسجده - صلى الله عليه وسلم - فإن أُحْتَيجَ إلى أكثر رُتِّبَ قَدْرَ الحاجة، ونقل الترمذي عن الشافعي أنَّه إذا أذن أولًا أجزاه ولا يعيد 55. وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُواْ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ] 56 ويستحب ذلك في الإقامة أيضًا، إِلَّا فِي حَيْعَلَتَيْهِ، فَيَقُولُ: لَاحَوْلَ وَلَا

الجزء: 1 - الصفحة: 182

قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، لثبوته كذلك في صحيح مسلم 57 وهو مبين لإطلاق الحديث الَّذي قبله.
قُلْتُ: وَإِلَّا فِي التَّثْوِيبِ، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، وَالله أَعْلَمُ، لأنه مناسب، وَادَّعَى ابنُ الرِّفْعَةِ وُرُودَ الخبرِ بهِ وهو عجيبٌ غريبٌ؛ ، والظاهر عندى أنَّه يقول كما يقول.
وَلكُلِّ، أي ويُسَنُّ لكل من السامع والمؤذِّن، أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: [ثُمَّ صَلُّواْ عَلَيَّ فَإنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةَ صَلَّى الله عَلَيهِ بِهَا عَشْرًا] رواه مسلم 58. قُلْتُ: ويستحب السلام عليه أيضًا لأنه يكرهُ إفراد الصلاة دونه، ثُمَّ يقول: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ ذَلِكَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ] رواه البخاري 59. = باب استحباب قول مثل قول المؤذن: الحديث (10/ 383) ولفظه: [إِذًا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُواْ مِثْلَ مَا يَقُولُ].
واللفظ الذي أتى به المصنف رحمه الله: عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -: رواه مسلم: الحديث (11/ 384).

الجزء: 1 - الصفحة: 183

فَرْعٌ: يُستحب الدعاء بين الأذان والإِقامة؛ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ؛ كَمَا حَسَّنَهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ 60. فَصْلٌ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ، أي على الاستقبال لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطر الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ 61، أي نحوه، والاستقبال لا يجب في غير الصلاة فتعين أن يكون فيها، وأجمعوا أنَّه لا بد منه، وقيل: إنه ركن، والاستقبال الواجب معتبر بالصدر لا بالوجه 62، واحترز بالقادر عن المريض الذي لا يجد من يوجهه إلى القبلة والمربوط على خشبة والغريق، إِلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، أي فإنه لا يشترط لا في الفرض ولا في النفل لما سيأتي في بابه.
فإن المصنف أعادها هناك، نعم لو أَمِنَ وهو راكب؛ يشترط في البناء أن لا يستدبر القبلة فإن استدبرها بطلت أتفاقًا = عن جابر بن عبد الله.
وفي رواية لابن حبان في الإحسان بلفظ: [وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ] بالتعريف: في باب الأذان: ذكر إيجاب الشفاعة يوم القيامة: الحديث (1687).

الجزء: 1 - الصفحة: 184

كما نقله في الروضة، وَنَفْلِ السَّفَرِ، للاتباع 63، فَلِلْمُسَافِرِ التَّنَفُّلُ رَاكِبًا، بالنص 64، وَمَاشِيًا، بالقياس؛ ولأنه أشق، واحترز بالمسافر عن الحاضر.
ويشترط أن لا يكون السفر معصية؛ وأن يكون له مقصد معلوم 65. وَلَا يُشَتَرَطُ طُولُ سَفَرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لعموم الحاجة، والثاني: يشترط كالقصر، والفرق أن النفل أخف ولهذا جاز فعلها قاعدًا في الحضر مع القدرة على القيام، فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِقْبَالُ الرَّاكِبِ فِي مَرْقَدٍ، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ لَزِمَهُ، لِيُسْرِ ذلك عليه، وَإِلَّا، أي وإن لم يمكِنْهُ ذلك، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ سَهُلَ الإِسْتِقْبَالُ، أي المعهود وهو استقبال الراكب، وَجَبَ، أي بأن تكون واقفةً وأمكنَ انحرافه عليها، وَإِلَّا فَلَا، أي بأن كانت مقطورةً أو صعبةَ الإدارةِ، والثاني: يجب مطلقًا ليكون الابتداء على صفة الكمال، والثالث: لا يجب مطلقًا، كما في دوام الصلاة.
وَيَخْتَصُّ، أي وجوب الاستقبال، بِالتَّحَرُّمِ، لأنه حال العقد 66، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي السَّلَامِ أَيْضًا، لأنه أحد طرفي الصلاة؛ والأصح: المنع كما في سائر الأركان، قال ابن الصباغ: والقياس أنَّه مهما دام واقفًا فلا يصلى إلَّا إلى القبلة، فإذا أراد السير انحرف إلى طريقه، وَيَحْرُمُ انْحِرَافُهُ عَنْ طَرِيقِهِ، لأنهُ بَدَلٌ عَنِ الْقِبْلَةِ، إِلَّا

الجزء: 1 - الصفحة: 185

إِلَى الْقِبْلَةِ، لأنَّهَا الأَصْلُ، وَيُومِئُ بِرُكُوعِهِ، للاتباع 67، وَسُجُودِهِ أَخْفَضُ، تمييزًا بينهما، وَالَأظْهَرُ أَنَّ الْمَاشِيَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، لسهولة ذلك عليه، وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِمَا وَفِي إِحْرَامِهِ، وَلَا يَمْشِي إِلَّا في قِيَامِهِ وَتَشَهُّدِهِ، لطولهما، والثاني: لا يمشى إلَّا في القيام، والثالث: لا يشترط اللبث بالأرض في شيء، ويومئ بالركوع والسجود كالراكب.
فَرْعٌ: يمشي في حالة اعتداله دون جلوسه بين السجدتين، لأن قيامه غيرُ جائزٍ، قاله البغوي وغيره كما نقله عنهم في الكفاية.
وَلَوْ صَلَّى فَرْضًا عَلَى دَابَّةٍ وَاسْتَقْبَلَ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، أي بأن كان هو في هودج ونحوه، وَهِيَ وَاقِفَةٌ جَازَ، كالسفينة، وقيل: لا يصح، ونقله في البيان عن نصه في الأم، ولا يشترط أن تكون معقولة، وإن أوهمه لفظ الْمُحَرَّر والتهذيب، أَوْ سَائِرَةٌ فَلَا، لأنها لا تُعَدُّ قرارًا في هذه الحالة، ولأن سيرها منسوبٌ إليه بدليل جواز الطواف عليها.
وَمَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ، أي فرضًا أو نفلًا، وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا أَوْ بَابَهَا مَرْدُودًا أَوْ مَفْتُوحًا مَعَ ارْتِفَاعِ عَتَبَتِهِ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ أَوْ عَلَى سَطْحِهَا مُسْتَقْبِلًا مِنْ بِنَائِهَا مَا سَبَقَ، أي فيما إذا كان الباب مفتوحًا، جَازَ، لأنه في كل ذلك متوجه إلى جزء من البيت 68.

الجزء: 1 - الصفحة: 186

وَمَنْ أَمْكَنَهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ، أي بمعاينة، حَرُمَ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ وَالإِجْتِهَادُ، كَالْقَادِرِ عَلَى العَمَلِ بِالنَّصِّ، نعم: الحاضرُ بمكة إذا حال بينه وبين الكعبة حائل أصلى أو طارئ فيجتهد للمشقة في تكليف الْمُعَايَنَةِ، وَإِلَّا، أي وإن لم يمكنه علم القبلة، أَخَذَ بِقَوْلِ ثِقَةِ، أي كامرأةٍ وعبدٍ لا فاسق وصبي، يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ، أي ولا يجتهد كما في الوقت 69، فَإِنْ فَقَدَ، أي الثقة المخبر عن علم، وَأَمْكَنَ الاِجْتِهَادُ، أي بأن كان بصيرًا، حَرُمَ التَّقْلِيدُ، لأن المجتهدَ لايقلدُ بل يجتهدُ بالأدلةِ وهيَ كثيرة، وأضْعَفُها الرياح لاختلافها وأقواها القطب، ولابن سراقة العامري من أصحابنا فيها مصنف مفرد وكذا لابن القاص، فَإِنْ تَحَيَّرَ، لغيم أو ظلمة أو تعارض أدلة، لَمْ يُقَلِّدْ فِي الأَظْهَرِ، لأنه مجتهد، والتحير عارض قد يزول عن قرب، وَصَلَّى كَيْفَ كَانَ، لحرمة الوقت 70، وَيَقْضِي، لأنه عذرٌ نادرٌ، والقول الثاني: يقلد كالأعمى بجامع العجز.
= قال: كُنَّا نُصَلِّي وَالدَّوَابُ تَمُرُّ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ فَقَالَ: [مِثْلُ مُؤَخِرَةِ الرَّحْلِ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ] وفي لفظ: [إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُبَالِي مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ] رواهما مسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب سترة المصلي: الحديث (242 و 241/ 499).

الجزء: 1 - الصفحة: 187

وَيَجِبُ تَجْدِيدُ الاِجْتِهَادِ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَحْضُرُ عَلَى الصَّحِيحِ، كالحاكم إذا حكم في واقعة بالاجتهاد ثم وقعت مرة أخرى على الأصح إذا لم يكن ذاكرًا للدليل الأول، فإن كان ذاكرًا كفى قطعا كما قاله في الروضة من زوائده في القضاء، والثاني: لا يجب، إذ الأصل بقاء الظن الأول، وقوله (تَحْضُرُ) احترز به عن النافلة؛ فإنه لا يحتاج إلى تجديد الاجتهاد لها قطعًا.
فَرْعٌ: إعادة التقليد في حق المقلد كالاجتهاد؛ ذكره في الكفاية.
وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الاِجْتِهَادِ وَتَعَلُّمِ الأَدِلَّةِ كَأَعْمَى قَلَّدَ ثِقَةً عَارِفًا، أي بالأدلة كالعامي في الأحكام، لأن أدلة القبلة تتعلق بالبصير، فالواجب التقليد، واحترز بالثقة عن الكافر والصبي، وَإِنْ قَدَرَ، أي على تعلم الأدلة، فَالأَصَحُّ وُجُوبُ التَّعَلُّمِ، لإمكانه لِتَعَلُّمِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، فَيَحْرُمُ التَّقْلِيدُ، والثاني: أن يعلم أن أدلة القبلة فرض كفاية كالعلم بأحكام الشريعة، والثالث: أنَّه فرضُ كفاية للمقيم وفرض عين للمسافر وصححه المصنف في شرح المهذب واختاره في الروضة.
وَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ فَتَيَقَّنَ الْخَطَأَ قَضَى فِي الأَظْهَرِ، كما ينقض الحاكم اجتهاده إذا خالف النص، والثاني: لا؛ لأنها جهة يجوز الصلاة إليها بالاجتهاد فأشبه = * ثُمَّ قَالَ: وَأَشْعَثُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو الرَّبِيعِ السَّمَّانِ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا، وَقَالُواْ: إِذَا صَلَّى فِي الْغَيْمِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ اسْتَبَانَ لَهُ بَعْدَ مَا صَلَّى أَنَّهُ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ.
إنتهى.

  • قال الشَّيْخُ أَحْمَد مُحَمَّد شَاكر رحمهُ اللهُ: وبذلك يظهر أن الحديث معروف من غير حديث أشعث، ولعل الترمذي لم يطلع على رواية: عمرو بن قيس وأشعث السمان إنما تُكلم فيه من قِبَلِ حفظه؛ وهو صَدُوقٌ، والحديث حسنُ الإِسنادِ؛ لأن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ضَعَّفُوهُ مِنْ قِبْلِ حفظهِ، وقد روى عنه مالك وشعبة مع تشددهما في الشيوخ.
    وقد جاء نحو هذا الحديث عن جابر بن عبد الله.
    وإسناده ضعيف ولكنه يصلح شاهدًا، فعلم منه أن له أصلًا معروفًا.
    إنتهى.
    النقل بتصرف.
    ينظر: تعليقات الشيخ أحمد مُحَمَّد شاكر على الحديث في الجامع الصحيح للترمذي: ج 2 ص 176 - 177.

الجزء: 1 - الصفحة: 188

إذا لم يتيقن الخطأ، وبه قال الأئمة الثلاثة ونقله الترمذي عن أكثر أهل العلم (351) واحترز بالتيقن عن الظن فإنه لا قضاء قطعًا، لأنَّ الإجْتِهَادَ لَا يُنفَضُ بِالاِجْتِهَادِ، والمراد باليقين هنا ما يمتنع معه الاجتهاد، فيدخل فيه خبر الثقة عن المعاينة.
وقوله (قَضَى) يُشعر بأن صورة المسألة ما إذا بان بعد الوقت؛ فإن بَانَ فيه وجب قطعًا كما نقله في نظيره من الاجتهاد في وقت الصلاة والصوم، وفي كلام الرافعي في الباب ما يدل عليه، لكن في كتاب ابن القاص في دلائل القبلة ما حاصله جريان القولين مطلقًا، فَلَوْ تَيَقَّنَهُ فِيهَا وَجَبَ اسْتِئنَافُهَا، أي سواء عرف الصواب معه أم لم يعرفه، وِإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي، لأنه الصواب في ظنه الناجز، وَلَا قَضَاءَ، لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالاِجْتِهَادِ فَلاَ قَضَاءَ، لما قلناه.

بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ

الصِّفَةُ هُنَا الْكَيْفِيَّةُ، أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ:

  • الأَوَّلُ: النِّيَّةُ: لأنها واجبةٌ في بعض الصلاة وهو أولها فكانت ركنًا كالتكبير وغيره، فَإِنْ صَلَّى فَرْضًا وَجَبَ قَصْدُ فِعْلِهِ، ليمتاز عن سائر الأفعال، وَتَعْيِينُهُ، من كونه ظهرًا أو عصرًا أو غيرهما ليمتاز على سائر الصلوات، ولو عبر بقوله قصد فعلها بضمير المؤنث وتعيينها كما في الْمُحَرَّر لكان صوابًا ليعودَ الضميرُ على الصلاة، لأن الفرض ذكره بعده، وَالأَصَحُّ وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرَضِيَّةِ، لتمتاز عن صلاة الصبي والصلاة المعادة في جماعة، والثاني: لا؛ لأن الصبي إذا صلى ثم بلغ في الوقت يجزيه71

الجزء: 1 - الصفحة: 189

ما أتى به ولو كانت نيةُ الفرضيةِ مشترطةً لما أجزاهُ ذلك؛ لأنه لم يَنْوِ الفرضية.
قُلْتُ: لكن صحح المصنف في التحقيق أن نية الفرضية لا تشترط في صلاة الصبي، والنذر كالفرض كما حكاه ابن الرفعة عن بعضهِم وأقره، دُونَ الإِضَافَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، لأن العبادة لا تكون إلّا لله، والثاني: تجب لتحقق معنى الإخلاص قال تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ... ﴾ الآية 72. وَأَنَّهُ يَصِحُّ الأَدَاءُ بنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَعَكْسُهُ، لأن القضاء والأداء يستعمل كل منهما بمعنى الآخر.
قال تعالى: ﴿فَإذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ ... ﴾ 73 أيما أدّيتم، والثاني: يشرطان ليتميز كل منهما عن الآخر وهو قوي، قَال المصنفُ: ومرادُ الأصحاب من نوى ذلك وهو جاهل بالوقت لغيم ونحوه دون العالم بالحال، وَالنَّفْلُ ذُو الْوَقْتِ أَوِ السَّبَبِ كَالْفَرْضِ فِيمَا سَبَقَ، أي من قصد الفعل والتعيين.
قُلْتُ: لكن تحية المسجد يكفي فيها نية مطلق الصلاة كما قاله ابن الرفعة، ولعل مراده الاطلاق مع التقييد بعددها.
وَفِي نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ وَجْهَانِ، أي كما في التعرض في الفرض للفرضية ليتميز عنها.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لعدم المعنى الذي علل به الاشتراط في الفرضية، وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ الْمُطلَقِ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ، لأنها أدنى درجات الصلاة، فإذا قصد الصلاة وجب أن تحصل له، وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ، بالإجماع، وَيُنْدَبُ النُّطْقُ قُبَيْلَ التَّكْبِيرِ، لِيُسَاعِدَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ.

  • الثَّانِي: تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ، بالاتفاق كما قاله الرافعي، نَعَمْ قيل: إنها شرط حكاهُ الرويانى 74، وَيَتَعَيَّينُ عَلَى الْقَادِرِ: اللهُ أَكْبَرُ، لأَنَّهُ عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ

الجزء: 1 - الصفحة: 190

إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: [الله أَكْبَرُ] رواه ابن ماجه وإسناده صحيح 75، فلا ينعقد بقوله الله الكبير لفوات مدلول أَفْعَلُ وهو التفضيل، ولا بقوله الرَّحْمَنُ أو الرَّحِيمُ أَكْبَرُ، والحكمة في افتتاح الصلاة به استحضار المصلي عظمة من تهيأ لخدمته والوقوف بين يديه لِيِمْتَلِئَ هَبْيَةً فيحضر قلبه ويخشع ولا يغيب، وَلاَ تَضُرُّ زِيَادَةٌ لاَ تَمْنَعُ الأِسْمَ كَالله الأَكْبَرُ، أى بل هو أبلغ في التعظيم، وَكَذَا لله الْجَلِيلُ أَكْبَرُ فِي الأَصَحِّ، كزيادة أل، والثاني: يضر لِتَغَيُّرِ النَّظْمِ، لاَ أَكْبَرُ الله عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه لا يسمى تكبيراً بخلاف عكس السلام، والثالث: لا يضر، لأن تقديمَ الخبرِ جائزٌ.
فَرْعٌ: لو قال: والله أكبر؛ لم تصح صلاته، بخلاف والسلام عليكم في آخر الصلاة، لأنه زاد حرفاً كذا رأيته في فتاوى القفال.
فَائِدَةٌ: نقل الإمام فخر الدين في تفسيره عن اتفاق المتكلمين: أَنَّهُ مَنْ عَبَدَ وَدَعَا لأَجْلِ الْخَوْفِ مِنَ الْعِقَابِ وَالطَّمَعِ فِي الثَّوَابِ لَمْ تصح عبادته ولا دعاؤه ذكر ذلك عند قوله تعالى 76: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ 77 وجزم في أوائل تفسير الفاتحة: أنه لو قال أُصلي لثواب الله أو الهرب من عقابه فسدت صلاته.
وَمَنْ عَجَزَ، أي عن النطق بالعربية ولم يقدر على التعلم، تَرْجَمَ، أي بمدلول التكبير من أيِّ لغة شاء ولا يعدل إلى ذكر؛ لأنه ركن عجز عنه، فلا بدَّ له من بدلٍ، والترجمة أقرب إليه من غيره فتعينت، وَوَجَبَ التَّعَلْمُ إِنْ قَدَرَ، أي ولو بالسفر كسائر فروض الصلاة.
= جاء في تحريم الصلاة: الحديث (238) وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه في السنن: كتاب الطهارة: الحديث (276). والحاكم في المستدرك: الحديث (457/ 12) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
وحديث علي - رضي الله عنه -، وراه الترمذي في الجامع: كتاب الطهارة: الحديث (3) وإسناده صحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 191

وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيهِ فِي تَكْبِيرِهِ، بالإجماع، والمراد باليدين هنا الكفان، حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، للاتباع كما أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر 78، وَالأَصَحُّ رَفْعُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ، أي مع ابتداء التكبير ولا استحباب في الانتهاء، والثاني: ييتدء به مع ابتدائه وينهيه مع انتهائه أيضاً، وصححه المصنف في شرح المهذب، والثالث: يرفع بلا تكبير ويكبر مع حط يديه.
وَيَجِبُ قَرْنُ النّيَّةِ بِالتَّكْبيِرَةِ، أي بجميعه وذلك بأن يستحضر جميع ما أوجبناه فيها من نية الفعل والتعيين؛ والفرض من أول التكبير إلى أخره بحيث تقارن هذه الثلاث كل حرف منه، لأن التكبير من الصلاة فلا يجوز الاتيان بشئ منه قبل تمام النية، وَقِيلَ: يَكْفِي بِأَوَّلِهِ، لأن ما بعد أول التكبير في حكم الاستدامة.
واستصحاب النية في حميع دوام الصلاة لا يجب ذكراً، وهو ما رأيته في فتاوى القفال، وأجاب الأول: بأن النية شرط في الانعقاد، والانعقاد لا يحصل إلاّ بتمام التكبير، وهذا الوجه صححه الرافعي في الطلاق، وقال ابن العَرَبي المالكي: - سمعت أبا الحسن القَرُّويِّ يقول: سمعت إمامَ الحرمين يقولُ: يحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النية، ويُجَرَّدُ النظر في قِدَمِ الصانع وحدوث العالَم والنَّبُوَّاتِ حتى ينتهي نظره إلى نِيَّةِ الصَّلاَةِ، قال: ولا يحتاج ذلك إلى زمن طويل، بل يكون في أَوْحَى لحظة، لأنَّ تَعليمَ الجُمَلِ يفتقر إلى زمان طويل، وتذكرها يكون في لحظة.
الثَّالِثُ: اَلْقِيَامُ فِي فَرْضِ الْقَادِرِ، بالأجماع، وخرج بالفرض النفل، وبالقادر العاجز، وسيأتي حكمهما، وَشَرْطُهُ نَصْبُ فَقَارِهِ، أي وهو عظام الظهر أي مفاصله، لأن اسم القيام دائر معه، فَإِنْ وَقَفَ مُنْحَنِياً، إلى قدامه، أَوْ مَائِلاً، أي إلى اليمين أو

الجزء: 1 - الصفحة: 192

إلى اليسار، بِحَيْثُ لاَ يُسَمَّى قَائِماً لَمْ يَصِحَّ، لأنه مأمور بالقيام وهذا لا يسمى قياماً، فَإِنْ لَمْ يُطِقْ انْتِصَاباً وَصَارَ كَرَاكِعِ، أي كالمتقوس ظهره ونحوه، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقِفُ كَذَلِكَ، لأنه أقرب إلى القيام، وَيَزِيدُ انْحِنَاءَهُ لِرُكُوعِهِ إِنْ قَدَرَ، تمييزاً بينهما، ومقابله هو قولُ الإمام أنه يلزمه الصلاة قاعداً، فإذا وصل إلى الركوع لزمه الارتفاع إليه، لأن الذي أمكنه هيئة تخالف هيئة القيام، قال: وهذا ما دل عليه كلام الأئمة.
وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ دُونَ الرَّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أي لعلة بظهره تمنع الإنحناء، قَامَ وَفَعَلَهُمَا بقَدَرِ إِمْكَانِهِ، للحديث الصحيح: [وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُواْ مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ]، 79 فيحني صلبه قدر الإمكان، فإذا عجز فرقبته ورأسه، فإن عجز وأمكنه باعتماد شيء وجب وإلا أَوْمَأَ.
وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ قَعَدَ، بالإجماع، كَيْفَ شَاءَ، لإطلاق قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لعمران وكانت به بواسير: [صَلِّ قَائِماً فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ] رواه البخاري 80، زادَ النَّسَائِيُّ [فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فمُسْتَلْقٍ لاَ يُكَلَّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا] 81، وَافْتِرَاشُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرَبُّعِهِ، أي وتوركه وغيرهما، فِي

الجزء: 1 - الصفحة: 193

الأَظْهَرِ، لأنه قعود العبادة فكان أولى من التربع الذي هو قعود العادة، قال الماوردي: هذا مخصوص بالرجل، وأما المرأة فالأولى لها التربع لأنه أستر لها، والثاني: أن تربعه أَوْلى لئلا يلتبس بالتشهد.
وَيُكْرَهُ الأِقْعَاءُ، للنهي عنه كما أخرجه الحاكم وصححه 82، بِأَنْ يَجْلِسَ عَلَى وَرِكَيْهِ، أي والورك أصل الفخذ، نَاصِباً رُكْبَتَيْهِ، لما فيه من التشبيه بالكلاب والقردة، ويكره أن يقعد أيضاً مادّاً رجليه.
ثُمَّ يَنْحَنِي لِرُكُوعِهِ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَتُهُ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ، أي من الأرض، وَالأَكْمَلُ أَنْ تُحَاذِيَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ، أي لأنه سيأتى: أنَّ أقل ركوع القائم أن ينحني قدر بلوغ راحتيه ركبتيه، وأكمله تسوية ظهره وعنقه، ومن فعل الأول حاذت جبهته ما قدام ركبتيه، ومن فعل الثاني حاذت جبهته موضع سجوده، فيكون أيضاً أقل ركوع القاعد، وأكمله بأن ينتهي إلى هذه الحالة.
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ صَلَّى لِجَنْبِهِ، للحديث السالف، الأَيْمَنِ، لفضله، فَاِنْ عَجَزَ فَمُسْتَلْقِياً، للحديث السالف، وَللْقَادِرِ التَّنَفُّلُ قَاعِداً، بالإجماع، وَكَذَا مُضْطَجِعاً فِى الأَصَحِّ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَمَنْ صَلِّى نَائِماً فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ] رواه البخاري 83، والمراد به المضطجع، والثاني: لا يجوز؛ لأنه يُذْهِبُ صُورَتَهَا لغير = الْمَرِيضُ قَائِماً إِنِ اسْتَطَاعَ، فَاِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى قَاعِداً، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَأَ وَجَعَلَ سُجُوَدَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِداً صَلِّى عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّىَ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ صَلَّى مُسْتَلْقِياً رِجْلَيْهِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ]، رواه الدارقطني في السنن: ج 2 ص 42 - 43 وإسناده ضعيف.

الجزء: 1 - الصفحة: 194

عذر.
وإذا قلنا بالأول فهل يجزي الاقتصار على الايماء بالركوع والسجود أم يشترط أن يركع ويسجد ويتم كالقاعد؟ فيه وجهان؛ أصحهما الثاني.
قال في شرح مسلم: وَإِذَا اضْطَجَعَ فَعَلَى يَمِيْنِهِ، فَإِنِ اضْطَجَعَ عَلَى يَسَارِهِ جَازَ، وَهُوَ خِلاَفُ الأَفْضَلِ، قَالَ: فَإِنِ اسْتَلْقَى مَعَ إِمْكَانِ الإِضْطِجَاعِ لَمْ يَصِحَّ، وَقِيْلَ: الأَفْضَلُ مُسْتَلْقِياً وَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ صَحَّ، قَالَ: وَالصَّوَابُ الأَوَّلُ 84. فَرْعٌ: أفتى بعض المتأخرين بأن عشرين ركعة من قعود أفضل من عشر من قيام لما في الأول من زيادة الركوع وغيره، ويحتمل خلافه لأنها أكمل 85. الرَّابِعُ: القِرَاءَةُ، لما سيأتي، وَيُسَنُّ بَعْدَ التَّحَرُّمِ دُعَاءُ الاِفْتِتَاحِ، أي وهو: [وَجَّهْتُ وَجْهِي ... إلى آخره] للاتباع.
كما أخرجه مسلم 86. ومن نقل عن = الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ؟ فَقَالَ: [مَنْ صَلَّى قَائِماً فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِداً فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِماً فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِد] رواه البخاري في الصحيح: كتاب تقصير الصلاة: باب صلاة القاعد بالإيماء: الحديث (1116) وقال: نائماً عندى مضطجعاً هنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 195

الشافعي وجوبه فقد غلط، كما نبّه عليه الشيخُ تَقِيُّ الدِّيْنِ في شرح العمدة، ثُمَّ التَّعَوُّذُ، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ... ﴾ (367) أي إذا أردت القراءة، وستعرف في العيد استحباب التكبيرات بعد دعاء الافتتاح وقبل التعوذ، وفي صلاة الجماعة أنه لا يأتي بهما إلاّ إذا علم إدراك الفاتحة، وَيُسِرُّ بِهِمَا، كسائر الأذكار المستحبة، وَيَتَعَوَّذُ فِي كُلِّ رَكْعَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنه قراءة جديدة يبتدي في كل ركعة، وَالأُوْلَى آكَدُ، للاتفاق عليها ولأن افتتاح القراءة في الصلاة إنما هو فيها، والطريق الثاني قولان: أحدهما هذا، والثاني: يتعوذ في الأُولى فقط، لأن القراءة في الصلاة واحدة، وَتَتَعَيَّنُ الْفَاتِحَةُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لما عَلَّمَ المسيء صلاته قال له: [إِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ] رواه ابن حبان في صحيحه 87، إِلَّا رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ، = لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ لَبِّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَاْ بِكَ وَإِلَيْك تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ] رواه مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين وقصرها: الحديث (201/ 771). (389) النحل / 98.

الجزء: 1 - الصفحة: 196

أي لأنه إذا أدرك الإمام راكعاً أدرك الركعة كما سيأتى بشرطه في الجماعة، وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَ، قَرَأْتُمُ الْحَمْدَ فَاقْرَأُواْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعِ الْمَثَانِي، فَبِسْمِ اللهِ الرُّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِحْدَى آيَاتِهِ] رواه الدارقطني بإسناد كُلُّ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ، وذكره ابن السكن في سننه الصحاح المأثورة 88، وَتَشْدِيدَاتُهَا، أي منها أيضاً، لأن المشدد حرفان أوَّلُهما ساكن فإذا خفف أسقط أحدهما، وَلَوْ أَبْدَلَ ضَاداً بِظَاءٍ لَمْ تَصِحَّ فِي الأَصَحِّ، كما لو أبدلَ غيرها، والثاني: يصح لعسر التمييز ومقتضى إطلاقهم الجزم بالبطلان في الأتيان بالدال المهملة عوضاً عن المعجمة في الذين فَافْهَمْهُ! وَيَجِبُ تَرْتِيبُهَا، لأنه مناط البلاغة والإعجاز، وَمُوَالاَتُهَا، لأنها التلاوة المعتادة فإن تركها ناسيًا فلا استئناف، فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ، أي كتسبيح لداخل ونحوه ولو كان قليلاً، قَطَعَ الْمُوَالاَةَ، للإعراض وتغيير النَظْمِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلاَةِ كَتَأْمِينهِ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ، أي ونحوها كسؤاله لقراءة آية رحمة أو عذاب؛ وسجود لتلاوة، فَلاَ فِي الأَصَحِّ، لأنه نُدِبَ إلى هذه في الصلاة لمصلحتها فالاشتغال بها عند عروض أسبابها لا يُجعل قطعاً، والثاني: تبطل كما لو فتح على غير إمامه أو أجاب المؤذن، والفتح هو تلقين الآية عند التَّوَقُّفِ فيها، قال في التَّتِمَّةِ: ولا يرد عليه ما دام يردد الآية وإنما يَرُدُّ إذا سكت، وَيَقْطَعُ، أي المولاة، السُّكُوتُ الطْوِيلُ، لإشعاره بالأعراض، قال القفال في فتاويه ومنها نقلتُ: وجاز أن يقال تبطل صلاته، أيضاً إلاّ أنه مشكل لأن قراءة غير الفاتحة في خلالها يقطعها ولا تبطل به الصلاة، وَكَذَا يَسِيرٌ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ فِي الأَصَحِّ، لاجتماع السكوت والقصد، والثاني؛ لا تبطل؛ لأن القصد وحده لا يؤثر، وكذا السكوت اليسير فكذا إذا اجتمعا.
فَإِنْ جَهِلَ الْفَاتِحَةَ، أي ولم يمكنه التعلم ولا النظر في مصحف ولا التلقين، فَسَبْعُ

الجزء: 1 - الصفحة: 197

آياتٍ، أي ولا يترجم عنها ولا ينتقل إلى الذكر؛ لأن القرآنَ بالقرآنِ أشبهُ، وإنما أوجبناه سبع آيات لأن هذا العدد مرعيّ في الفاتحة فراعيناه في بدلها، مَتَوَالِيَةٌ، فَإِنْ عَجَزَ، عنها، فَمُتَفَرِّقَةٌ، لأن المتوالية أشبه بالفاتحة، واعتبر الإمام أن تكون مفهمة.
قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ، أي في الأُمِّ، جَوَازُ الْمُتَفَرِّقَةِ مَعَ حِفْظِهِ مُتَوَالِيَةً، وَالله أَعْلَمُ، كما في قضاء رمضان، فَإِنْ عَجَزَ، أي عن المتوالية المتفرقة، أَتَى بِذِكْرٍ، للأمر به كما أخرجَهُ الترمذيُّ وَحَسَّنَهُ 89، والأصحُّ: أنه لا يتعين شيء من الذكر.
وَلاَ يَجُوزُ نَقْصُ حُرُوفِ الْبَدَلِ عَنِ الْفَاتِحَةِ فِي الأَصَحِّ، أى سواء كان المبدل قرآناً أو ذكراً كما لا يجوز النقص عن آياتها، وحروف الفاتحة مائة وخمس وخمسون حرفاً بالبسملة إلا لمن أدغم أو قرأ مالك فإنها تنقص حرفاً وتزيد حرفاً، والثاني: يجوز كما يكفي يوم قصير عن يوم طويل، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئاً وَقَفَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ، لأنه كان يلزمه عند القدرة قيام وقراءة، فإذا فات أحدهما بقى الآخر.
وَيُسَنُّ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ آمِينَ، للاتباع 90 واختص التأمين بالفاتحة، لأن بعضها

الجزء: 1 - الصفحة: 198

دعاء فاستحب أن يسأل الله إجابته، قال البيهقي في كتاب فضائل الأوقات: وروينا من حديث عائشة مرفوعاً [حَسَدَتْنَا الْيَهُودُ عَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هُدِينَا لَهَا وَضَلُّواْ عَنْهَا، وَعَلَى الْجُمُعَةِ وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الإِمَامِ آمِينَ] 91، خَفِيفَةِ الْمِيمِ بِالْمَدِّ.
وَيَجُوزُ الْقَصْرُ، قُلْتُ: والإمالة والتشديد أيضاً، وآمين: اسمُ فِعْلٍ، يَعْنِي اسْتَجِبْ؛ وهي مبنية على الفتح؛ كَلَيْتَ فإن وقف عليها سكَّنَ.
وَيَؤَمِّنُ مَعَ تَأْمِينِ إِمَامِهِ، لأنه يؤمِّن لقراءته لا لتأمينه، وَيَجْهَرُ بِهِ، أي المأموم في الجهرية، فِي الأَظْهَرِ، كإمامه، والثاني: يُسِرُّ بِهِ كَسَائِرِ الأَذْكَارِ، أما المنفرد والإمام فيجهران قطعاً، ولا يعتد بخلاف فيه، والسرية يُسِرُّ فيها جميعهم كالقراءة، قال صاحب الخصال من قدماء أصحابنا: أربع خصال يجهر بها المأموم خلف إِمامِهِ: قوله آمين، وكذا القنوت في صلاة الصبح، وكذلك في التراويح وكذلك إذا فتح على إمامه.
وَتُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، للاتباع، واحزز بقوله (بَعْدَ) عَمَّا إذا قدمها عليها فإن السورة لا تحسب على المذهب المنصوص، ولو كرر الفاتحة وقلنا لا تبطل صلاته لم تحسب الثانية عن السورة كما ذكره في شرح المهذب فكان ينبغي تقييد السورة بكونها غير الفاتحة.
إِلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، أي من الرُّبَاعِيَّةِ، وكذا الثَّالِثَةِ من المغرب، فِي الأَظْهَرِ، لحديث أبي قتادة [أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأَوَّلَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُوْرَتَيْنِ وَفِي الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ] متفق عليه 92، والثاني: يُسَنُّ فيهما لحديث تَأْمِيْنُهُ تَأْمِيْنَ الْمَلاَئِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ].
رواه البخاري في الصحيح: كتاب الأذان: باب جهر الإمام بالتأمين: الحديث (780). وبلفظ [إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِيْنَ؛ وَقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِيْنَ.
فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ]، باب فضل التأمين: الحديث (781) والحديث (782).

الجزء: 1 - الصفحة: 199

أبي سعيد في ذلك أخرجه مسلم 93. قُلْتُ: فَإِنْ سُبِقَ بِهِمَا قَرَأَهَا فِيهِمَا عَلَى النْصِّ، وَالله أَعْلَمُ، لئلا تخلو صلاته من سورة، وَلاَ سُورَةَ لِلْمَأْمُومِ، بَلْ يَسْتَمِعُ، للنهي عنه كما أخرجه الترمذي وحسنه 94، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ... ﴾ الآية 95، فَإْن بَعُدَ، بحيث لم يسمع أو سمع صوتاً لا يميزه، أَوْ كَانَتْ سِرِّيَّةً قَرَأَ فِي الأَصَحِّ، لأن السكوت للسامع، والثاني: لا يقرأ لإطلاق النهي السالف، وَالصَّمَمُ كالبعد، والإسرار بالجهرية يُلحقها بالسريَّةِ كما جزم به في شرح المهذب.
وَيُسَنُّ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ، وَلِلْعَصْرِ وَالعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ، وَلِلْمَغْرِبِ قِصَارُهُ، لما روى أحمد والنسائي وصححه ابن حبان عن سُلَيْمَانَ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَشْبَةَ صَلاَةً بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ فُلاَنٍ الإِمَامُ كَانَ فِي الحديث (776) وأطرافه الحديث (759 و 762 و 778 و 779) وفيه: [وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ؛ وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُوْلَى مَا لاَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ].
ومسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب القراءة في الظهر والعصر: الحديث (154/ 451).

الجزء: 1 - الصفحة: 200

الْمَدِينَةِ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ فَكَانَ يُطِيلُ الأَوَّلَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ، وَيَقْرَأ فِي الأَوَّلَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وَيَقْرَأ فِي الأَوَّلَتَيْنِ مِنَ الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْغَدَاةِ بِطُوالِ الْمُفَصَّلِ 96 والمفصل أوله الحجرات؛ وفيه تسعة أقوال أخرى مذكورة في الشرح، وحكى الترمذيُّ عن الشافعيِّ أَنَّهُ قَالَ: لاَ أَكْرَهُ أَنْ يُقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالسُّوَرِ الطِّوَال نَحْوَ: الطُّورِ، وَالْمُرسَلاَتِ، بَلْ أَسْتَحِبُّهُ 97 وحكاه البغوي في شرح السنة أيضًا، وَلِصُبْحِ الْجُمُعَةِ فِي الأُوْلَى: ﴿الم (1) تَنْزِيلُ.
. .﴾ وَفِي الثانِيَةِ: ﴿هَلْ أَتَى.
. .﴾ أيِ بكمالهما لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ يوم الجمعة بهما، متفق عليه 98. • اَلْخَامِسُ: الرُّكُوعُ، بالإجماع، وَأَقَلُّهُ، أي في حق القائم، أَنْ يَنْحَنِي قَدْرَ بُلُوغِ رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ، أى لو أراد وضعهما عليهما، وهذا بالانحناء لا بالإنخناس مع اعتدال خلقته، لأنه بدون ذلك لا يسمى ركوعاً والراحة الكف، بِطَمَأْنِينَةٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته [ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً] متفق عليه 99، بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ

الجزء: 1 - الصفحة: 201

رَفْعُهُ عَنْ هَوْيِهِ، أي ولا يقوم زيادة الهوي مقام الطمأنينة؛ وَلاَ يَقْصُدُ بِهِ غَيرَهُ، فَلَوْ هَوَى لِتِلاَوَةٍ فَجَعَلَهُ رُكُوعاً لَمْ يَكْفِ، لأنّ قصده غير صارف، وَأَكْمَلُهُ تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ، أى كصفيحة للاتباع كما أخرجه مسلم 100، وَنَصْبُ سَاقَيْهِ، أي إلى الحقوِ ولا يثني ركبتيه لأنه أعون، وَأَخْذُ رُكْبَتَيهِ بِيَدَيْهِ وَتَفْرِقَةُ أَصَابِعِهِ، للاتباع ولأنه أعون، لِلْقِبْلَةِ، لأنها أشرف الجهات، وَيُكَبِّرُ فِي ابْتِدَاءِ هَوْيِهِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَإِحْرَامِهِ وَيَقُولُ: سُبْحَان رَبِّيَ الْعَظِيمِ، للاتباع في كل ذلك، قال الماوردي في الإقناع: وأدناه مرة وأكمله سبع مرات فإنه صح عنه 101، ثَلاَثًا، للاتباع كما أخرجه أبو داود 102، وَلاَ يَزِيدُ الإِمَامُ، أي على الثلاثة تخفيفًا على القوم إلاَّ إذا عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَدَّ وَقَالَ: [ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ] فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: [ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ] (ثَلاَثاً) فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي؟ فَقَالَ: [إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا؛ ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا] وفي لفظ: [ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِي قَائِمًا] كتاب الاستئذان: باب من ردَّ فقال: عليك السلام: الحديث (625). ومسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب وجوب قراءة الفاتحة: الحديث (45/ 397).

الجزء: 1 - الصفحة: 202

انحصروا ررضوا، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: [اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي وَمَا اسْتَقَلَّتْ بهِ قَدَمِي] للاتباع، كما أخرجه مسلم إلى قوله وَعَصَبِي، زاد ابن حبان: [وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ] 103. فَائِدَةٌ: إنما وجبت القراءة في القيام، والتشهد في الجلوس، ولم يجب التسبيح في الركوع والسجود، لأن القيام والقعود يلتبس بالعادة فوجب فيهما ليتميزا عنها بخلاف الركوع والسجود.
• اَلسَّادِسُ: اَلاِعْتِدَالُ قَائِمًا، أي على الحالة التي كان عليها قبل الركوع لقصة المسئ صلاته المتفق عليها، وفي النافلة وجه أنه لا يجب الاعتدال فيها، حكاه في التتمة وأجراه القفال في فتاويه في الجلسة بين السجدتين وبناه على جواز الايماء في النافلة مع القدرة، وصحح الجواز، وغيره صحح المنع، كما سلف، مُطْمَئِنًا، لأنه ركن كالقيام، وَلاَ يَقْصِدُ، به، غَيْرَهُ، لأنه صارف، فَلَوْ رَفَعَ فَزِعاً مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَكْفِ.
وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسِهِ قَائِلاً: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِذَا انْتَصَبَ قَالَ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ.
وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لاَ مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ، للاتباع في ذلك كله فإنه صَحَّ 104. وَيُسَنُّ الْقُنُوتُ في اعْتِدَالِ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ، لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَا زَالَ

الجزء: 1 - الصفحة: 203

يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، صححه غير واحد من الحفاظ كما قاله ابن الصلاح، قال البيهقى: ورواة القنوت بعد الركوع أكثر واحفظ 105، وَهُوَ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ.
. . إِلَى آخِرِهِ، كما أخرجه البيهقي من حديث ابن عباس وحسنه الترمذي من حديث الحسن لكنه في قنوت الوتر 106، وظاهر كلام المصنف

الجزء: 1 - الصفحة: 204

أنه يأتي بالقنوت عقب ذكر الاعتدال بكماله، وفي التهذيب عن الشافعي ما يشهد له، لكن ظاهر عبارة المختصر أنه لا يزيد على قوله: ربنا لك الحمد، لئلا يطول الاعتدال، وَالإِمَامُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لأن البيهقي رواه من حديث ابن عباس بلفظ الجمع بإسناد جيد وقال - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ يَؤُمُّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخَصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ.
فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَانَهُمْ] رواه الترمذي وحسنه 107 ومقتضى هذا الحديث عموم ذلك في سائر أدعية الصلاة وعليه نص الشافعي كما نقله ابن المنذر، ثم خالفه في دعاء الاستفتاح، وكذا قاله القفال في فتاويه، ومقتضى الحديث الأول أن يقول بين السجدتين: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، فإن قال: اغْفِرْ لِي فلا بأس لحديث دعاء الاستفتاح.
قُلْتُ: وقد يقال في الفرق بين القنوت وبين غيره أن الكل يأتون بالدعاء بخلاف القنوت.
وَالصَّحِيحُ سَنُّ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِهِ، لثبوتها في النسائي في قنوت الوتر في حديث الحسن 108، وغلط المتولي حيث قال:

الجزء: 1 - الصفحة: 205

إن الصلاة لم ترِدْ بها السُّنَّةُ، والثاني: لا يجوز، فإن فعلها بطلت صلاته، لأنه نقل ركناً إلى غيره، وهذا الوجه واه جداً.
وَرَفْعِ يَدَيْهِ، للاتباع كما أخرجه البيهقي 109، والثاني: لا، قياساً على سائر الأدعية في الصلاة، وَلاَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، قال البيهقي: لست أحفظ فيه عن السلف شيئاً، والثاني: نعم لحديث واه مطلق لا مقيد بالقنوت 110، وَأَنَّ الإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ، للاتباع كما أخرجه البخاري 111 لكن دون جهر القراءة كما صرح به الماوردي، وَرَبّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللهُ أعْلَمُ! قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي] وإسناده صحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 206

والثاني: لا، كسائر الادعية المشروعة في الصلاة، أما المنفرد فيُسِرُ قطعًا، وَأَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ لِلدُّعَاءِ وَيَقُولُ الثَّنَاءَ، أي أو يسكت لكن دون جهر الإمام قاله الماوردي، أما التأمين فللاتباع كما صححه الحاكم 112، وأما الباقى فهو ثناء وذكر لا يليق فيه التأمين فاستحب موافقته، والثاني: أنه يؤمن في الكل، والثالث: أنه يوافقه في الكل كالاستعاذة، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ قَنَتَ، هما الوجهان في قراءة السورة له والحالة هذه.
قُلْتُ: وكذا لو سمع صوتًا مجردًا ولم يَفْهَمْهُ.
وَيَشْرَعُ الْقُنُوتُ فِي سَائِرِ الْمَكْتُوبَاتِ لِلنَّازِلَةِ، لأحاديث بئر معونة فِي الصحيح، لاَ مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ترك القنوت وهذا بخلاف الصبح لشرفها، والثاني: يشرع مطلقًا، والثالث: لا مطلقًا، وهو منابذ للسُنِّة والخلاف في الجواز قاله الرافعي، وقال المصنف في الاستحباب، وخرج بذكر المكتوبات غيرها كالعيد والاستسقاء.
• السَّابِعُ: السُّجُودُ، بالإجماع، وَأَقَلُّهُ مُبَاشَرَةُ بَعْضِ جَبْهَتِهِ مُصَلاَّةُ، لأنه يسمى سجودًا 113، ولا يضر نبات الشعر على جبهته بخلاف نباته على الناصية لأن ما نبت على الجبهة مثل بشرته؛ قاله البغوي في فتاويه، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلِ بِهِ جَازَ إِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، أي كطرف ذيله وكُمه الطويل 114 كما مثله في الْمُحَرَّر الصحيح: كتاب التفسير: سورة 3: الحديث (4560).

الجزء: 1 - الصفحة: 207

لأنه كالمتصل، أما المنفصل فيجوز قطعًا، والمتصل الذي يتحرك بحركته لا يجوز قطعًا، ولو كان بيده عودًا ونحوه فسجد عليه جاز، كما قاله في شرح المهذب في الكلام على تقليب ورق المصحف.
وَلاَ يَجِبُ وَضْعُ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ فِي الأَظْهَرِ، لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز كالجبهة.
قُلْتُ: الأَظْهَرُ وُجُوبُهُ، وَالله أَعْلَمُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[أُمِرْتُ أَنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ] متفق عليه 115 وأشار في الأم إلى ترجيحه.
وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ، لقصة المسيء صلاته المتفق عليها، وَيَنَالَ مَسْجَدَهُ ثِقْلُ رَأْسِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لِلثَّقَفِىِّ السَّائِلِ: [وَإِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ؛ وَلاَ تَنْقُرُ نقراً] رواه ابن حبان 116، وينالُ معناهُ يُصِيبُ ويحصل؛ الْمَسْجَدُ بفتح الجيم وكسرها، يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ] رواه مسلم في الصحيح: الحديث (191/ 620).

الجزء: 1 - الصفحة: 208

والْمَسْجَدُ هنا منصوبٌ والثقلُ فاعلٌ.
وَأَنْ لاَ يَهْوِيَ لِغَيْرِهِ، لما سبق في الركوع والرفع منه، فَلَوْ سَقَطَ لِوَجْهِهِ وَجَبَ الْعَوْدُ إِلَى الإِعْتِدَالِ، أي ليسجد منه لأنه لا بد من نية أو فعل ولم يوجد واحد منهما، وَأَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ عَلَى أَعَالِيهِ فِي الأَصَحِّ، للاتباع؛ كما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان 117، والثاني: يجوز أن تستوي أسافله وأعاليه، وأما إذا كانت أعاليه أعلى فلا يصح قطعًا، لعدم اسم السجود، كما لو أكب على وجهه وَمَدَّ رِجْلَيْهِ، نعم إن كان به علة لا يمكنه السجود إلا ممدود الرجلين أجزأه، ذكره المتولي وأقره في شرح المهذب.
وَأَكْمَلُهُ يُكَبِّرُ لِهَوْيِهِ بِلاَ رَفْعٍ وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ، للاتباع، والمراد باليد هنا الكف، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ، للاتباع 118، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلاثًا، وَيَزِيدُ حَجْمَ الأَرْضِ] رواه الإمام أحمد في المسند: ج 1 ص 287 وإسناده جيد مع أن فيه صاع مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، إلا أن عقبة بن موسى سمع منه قبل أن يختلط.
ولهذا حسنه البخاري (كما نقل ابن حجر في التلخيص: ج 1 ص 105) والترمذي في الجامع؛ أبواب الطهارة: الحديث (39). وفي سنن ابن ماجه: الحديث (447).

الجزء: 1 - الصفحة: 209

الْمُنْفَرِدُ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الْخَالِقِينَ، للاتباع 119 وزاد في الروضة: بحوله وقوته قبل تبارك الله، واحترز بالمنفرد عن الإمام وقد سبق حكمه، وَيَضَعُ يَدَيْهِ، في السجود، حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، أي مقابلهما 120، وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ، وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ وَيَرْفَعُ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، للاتباع 121، وَتَضُمُّ الْمَرْأَةُ، وقال: هذا حديث حسن غريب.
ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم.
• ولحديث أبى هريرة - رضي الله عنه - قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [يَعْمَدُ أَحَدُكُمْ فَيَبْرُكُ فِي صَلاَتِهِ بُرْكَ الْجَمَلِ] رواه الترمذي في الجامع: الحديث (269) وقال: حديث غريب.

الجزء: 1 - الصفحة: 210

لأنه أستر لها 122، وَالْخُنْثَى، لأنه أحوط وهذه المسألة من زياداته على الْمُحَرَّر وشرحي الرافعي.
• الثَّامِنُ: اَلْجُلُوسُ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ مُطْمَئِنًا، لقصة المسئ صلاته، ونفي الإمام الطمأنينة في قضيته غلط فهي ثابتة في الصحيحين، وَيَجِبُ أَنْ لاَ يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ غَيْرَهُ، لما سبق في الرفع من الركوع وغيره، وَأَنْ لاَ يُطَوِّلَهُ وَلاَ الاِعْتِدَالُ؛ لأنهما ركنان قصيران، كما سيأتي في أثناء باب سجود السهو، فإن المصنف أعادها هناك مبسوطة.
وَأَكْمَلُهُ يُكَبِّرُ وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، للاتباع 123، قال الجويني في التبصرة: ولا يجوز أن يُقعى هنا إقعاء الكلب فيجلس على عقبه وقدماه منتصبتان، وَاضِعًا يَدَيهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ؛ لأنه أسهل، وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ، أي إلى القبلة كما في التشهد، قَائِلاً: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي، للاتباع 124، ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى، أي في الأقل والأكمل، والحكمة في تكرار السجود دون غيره أنه أبلغ في التواضع وشكرًا لإجابة دعائه في الأولى.
رواية أبي داود: الحديث (735) ولحديث ميمونة رضي الله عنها قالت: [إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهِيْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ].
رواه أبو داود في السنن: الحديث (898) ولأحاديث أخرى في الباب.

الجزء: 1 - الصفحة: 211

وَالْمَشْهُورُ سَنُّ جَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَقُومُ عَنْهَا، للاتباع كما أخرجه البخاري 125، والثاني: لا يُسَنُّ وهو بعيد، وشَمِلَ قوله (كُلِّ رَكْعَةٍ) الفرضَ والنفلَ، وقوله (يَقُومُ عَنْهَا) شمل الأُولى والثالثة، وما إذا صلى ركعات بتشهدٍ فإنه يجلس للاستراحة في كل ركعة منها؛ لأنها إذا ثبتت في الأوتار فمحل التشهد أولى، قاله البغوي في فتاويه، وخرج بيقوم عنها المصلي مضطجعًا وقاعدًا.
• التَّاسِعُ وَالعْاشِرُ وَالْحَادِي عَشَرَ: التَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسلمَ، فالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ إِنْ عَقَّبَهُمَا سَلاَمٌ رُكْنَانِ، أما التشهد فلقول ابن مسعود [كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدَ السَّلاَمُ عَلَى اللهِ قَبْلَ عِبَادِهِ] الحديث رواه الدارقطني والبيهقي وقالا: إسناده صحيح 126، وأما القعود فلأنه محل لذكر واجب فكان كالقيام، وكل من أوجب التشهد أوجب القعود له، والمراد بالتشهد هو التحيات ... إلى قوله: وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وسُّمِّيَ تشهدًا؛ لأن فيه الشهادتين من باب تسمية الكل باسم الجزء، وَإِلاَّ، أي وإن لم يعقبهما سلام، فَسُنَّتَانِ؛ لأنه

الجزء: 1 - الصفحة: 212

  • صلى الله عليه وسلم - قام من اثنتين ولم يجلس فلما قضى صلاته سجد سجدتين، متفق عليه 127، فلو كان واجبًا لفعله ولم يقتصر على السجود.
    وَكَيْفَ قَعَدَ، أي في النوعين، جَازَ، بالإجماع، وَيُسَنُّ فِي الأَوَّلِ الاِفْتِرَاشُ فَيَجْلِسُ عَلَى كَعْبٍ يُسْرَاهُ، أي بعد أن يضجعها بحيث يلي ظهرها الأرض، كما صرح به في الْمُحَرَّر، وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ، أي القدم اليمنى، وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ، وَفِي الآخِرِ التَّوَرُّكُ، وَهُوَ كَالاِفْتِرَاشِ لَكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَيُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالأَرْضِ، للاتباع كما أخرجه البخاري 128، وإنما خولف بين التشهدين، لأنه أقرب إلى عدم أشتباه عدد الركعات، ولأن المسبوق إذا رآه علم في أىِّ التشهدين هو، ولأنه في الأول مستوفز للحركة بخلاف الأخير، وَالأَصَحُّ يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ وَالسَّاهِي؛ لأنه ليس آخر صلاتهما، والثاني: يَتَوَرَّكَانِ، أمَّا الأَوَّلُ فلمتابعة الإمام، والثاني: فلأنه قعود لآخر صلاته.
    وَيضَعُ فِيهِمَا، أي في التشهد الأول والأخير، يُسْرَاهُ عَلَى طَرَفِ رُكْبَتَهِ، أي

الجزء: 1 - الصفحة: 213

بحيث تُسامت رؤوسها الركبة للاتباع، مَنْشُورَةَ الأَصَابِعِ بِلاَ ضَمِّ، بل مفرجة تفريجًا مقتصداً.
قُلْتُ: الأَصَحُّ الضَّمُّ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأن نشرها يزيل الإبهام عن القبلة.
وَيَقْبِضُ مِنْ يُمْنَاهُ، أي بعد وضعها على فخذ اليمنى، الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصَرَ، وَكَذَا الْوُسْطَى فِي الأَظْهَرِ، للاتباع كما رواه مسلم 129، والثاني: أنه يُحَلِّقُ بين الإبهام والوسطى للاتباع أيضًا، كما رواه أبو داود 130، وفي كيفية التحليق وجهان أصحهما أنه يحلق بينهما برأسيهما، والثاني: يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ، أي في كل التشهد، للاتباع، وَيَرْفَعُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا الله، للاتباع أيضًا، ويكون قصده بها التوحيد والاثبات والحكمة في ذلك هو إشارة إلى أن المعبود سبحانه وتعالى واحد ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد، وأما الرفع عند الهمزة فلأنه حال إثبات الوحدانية لله تعالى، والحكمة في اختصاص السبابة بذلك، أن لها أتصالاً بنياط القلب فكأنها سبب لحضوره.
وَلاَ يُحَرِّكُهَا، للاتباع كما أخرجه أبو داود 131، نعم روى البيهقي فعله وقال: لعل المراد الإشارة 132، وأما القرطبي فقال: أكثر العلماء من أصحاب مالك،

الجزء: 1 - الصفحة: 214

وغيرهم على التحريك إلَّا أنهم اختلفوا في الموالاة بالتحريك على قولين 133، وَالأَظْهَرُ: ضَمُّ الإِبْهَامِ إِلَيْهَا، أي إلى المسبِّحة، كَعَاقِدٍ ثَلاَثَةً وَخَمْسِينَ، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في مسلم 134 فيجعل الإبهام مقبوضه تحت المسبِّحة، والمشهور عند أهل الحساب تسمية ذلك بتسعة وخمسين، والثاني: يرسلها أيضًا مع طول المسبِّحة، وقيل يضعها على اصبعه الوسطى كأنه عاقد ثلاثة وعشرين لحديث ابن الزبير في ذلك عند مسلم 135. وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، لحديث [أَمَّا السَّلاَمُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ.
فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلاِتنَا؟ قَالَ: قُولُواْ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ... ]، الحديث رواه ابن حبان والحاكم في الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: [ثُمَّ قَعَدَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ وَرُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ حَدَّ مَرْفِقِهِ الأَيْمَنِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَبَضَ ثَلاَثَةً مِنْ أَصَابِعِهِ وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا] انتهى.
ثم قال البيهقي: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بالتَّحْرِيكِ الإِشَارَةُ بِهَا لاَ تَكْرِيرُ تَحْرِيكِهَا فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالله أَعْلَمُ.
ينظر: السنن الكبرى: كتاب الصلاة: جماع أبواب الصلاة: باب من روى أنه أشار بها ولم يحركها: الحديث (2845).

الجزء: 1 - الصفحة: 215

صحيحيهما 136، وَالأَظْهَرُ سَنُّهَا فِي الأَوَّلِ؛ لأنها تجب في الأخير فَسُنَّت في الأول كالتشهد، والثاني: لا؛ لبنائه على التخفيف، وَلاَ تُسَنُّ عَلَى الآلِ فِي الأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، لما ذكرناه، والثاني: نعم كالصلاة، وهو القوي عندي لصحة الأحاديث به، وآله هم بنو هاشم وبنو المطلب على الأصح، وَتُسَنُّ فِي الآخِرِ.
وَقِيلَ: تَجِبُ، لظاهر الأحاديث.
وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ، أي وهو رواية ابن عباس في مسلم التي اختارها إمامنا الشافعي، وَأَقَلهُ: التَّحِيَّاتُ للهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إلاَّ الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ لأنه يؤدي معنى حديث ابن عباس 137. وَقِيلَ: يَحْذِفُ وَبَرَكَاتُهُ وَالصَّالِحِينَ، وَيقُولُ: وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُهُ.
قُلْتُ: الأَصَحُّ وَأَنَ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، يعني بإسقاط أشهد، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَالله أَعْلَمُ، مراده بذلك حديث أبي موسى الأشعري فإن فيه وأن مُحَمَّدًا عبدهُ ورسولهُ 138. فمراده إسقاط لفظة

الجزء: 1 - الصفحة: 216

أشهد فقط، نعم في رواية لأبي داود وبعض نسخ مسلم وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وقوله (وَقِيْلَ يَحْذِفُ ... ) إلى آخره، مراده أن كل كلمة من هذه الكلمات الثلاث أسقطها مُسقط لا أن شخصًا واحدًا أسقط الجميع، وأسقط ابن خيران في لطيفه قوله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
وَأَقَلُّ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، أما في الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - فلأن اسم الصلاة حاصل بذلك، وأما قوله (وَآلِهِ) أي وأقلُّ الصلاة على آله ما ذكر، إذا قلنا بوجوبه على ما سلف، وفي سنن النسائي من حديث زيد ابن خارجه: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: [صَلُّواْ عَلَيَّ وَاجْتَهِدُواْ فِي الدُّعَاءِ وَقُولُواْ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ] 139 وفيه دلالة على الاكتفاء بهذا القدر في الصلاة عليه وعلى آله فإن الظاهر أن قوله قولوا إلى آخره تفسير لما أمرهم به قبل الدعاء ويحتمل أن يكون إشارة إلى ختم الدعاء بذلك.
وَالزِّيَادَةُ إِلَى (حَمِيدٌ مَجِيدٌ) سُنَّةٌ فِي الآخِرِ، للأمر به كما هو مخرج في الصحيح، ودليل عدم وجوبها فيه وعدم استحبابها في الأول الإجماع، لكن فيه قول حكاه الدارمي، وَكَذَا الدُّعَاءُ بَعْدَهُ، أي بعد التشهد الأخير فإنه مسنون أيضًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [ثُمُّ لِيَتَخَّيْر مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ] رواه مسلم 140، وسواء في الدعاء الديني أو الدنيوي، أما الأول فيكره فيه طلباً للتخفيف.
فَائِدَةٌ: روى المستغفري في دعواته عن أبي هريرة مرفوعًا: [مَا مِنْ دُعَاءٍ أَحَبُّ وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ؛ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ] من رواية أبي موسى الأشعرى.
وأبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب التشهد: الحديث (972).

الجزء: 1 - الصفحة: 217

إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْلِ الْعَبْدِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّة مُحَمَّدٍ رَحْمَةً عَامَّةً] 141 وعن أبي برزة [أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَقَالَ: وَيْحَكَ لَوْ عَمَّمْتَ لاسْتُجيبَ لَكَ] وعن عمرو بن شعيب [أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ خَرَجَ مِنَ الصَّلاَةِ وَعُمَرُ يَدْعُو فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، فَضَرَبَ مَنْكِبَهُ ثُمَّ قَالَ: عَمِّمْ فِي دُعَائِكَ فَإِنَّ بَيْنَ دُعَاءِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ].
وَمَأْثُورُهُ، أي منقولة، أَفْضَلُ، لتنصيص الشارع عليه كما في كل دعاء، وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ... إِلَى آخِرِهِ، للاتباع كما أخرجه مسلم 142. وَيُسَنُّ أَنْ لاَ يَزِيدَ، أي الدعاء، عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسلَّمَ؛ لأنه تبع لهما، وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُمَا، أي عن التشهد والدعاء، تَرْجَمَ، لأنه لا إعجاز فيهما كما سبق في تكبيرة الإحرام، وَيُتَرْجِمُ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ العَاجِزُ، ليحوز فضلهما، لاَ الْقَادِرُ فِي الأَصَحِّ، قياسًا على الواجب كالتكبير والتشهد؛ ولأنه لا ضرورة إليه في حقه، والثاني: يجوز مطلقًا، أما العاجز فلما ذكرناه، وأما القادر فقياساً على الدعاء خارج الصلاة، والجامع عدم الوجوب، والثالث: لا مطلقًا لعدم الضرورة إليه، والخلاف المذكور محله في المأثور فليس للمصلي أن يخترع دعوة ويدعو بها بالعجمية.
• الثَّانِي عَشَرَ: السَّلاَمُ، بالاتفاق كما قاله الرافعي؛ نعم حكي مجلّي وجهاً أنه شرط ويجب ايقاعه في حال القعود، وَأَقَلُّهُ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، للاتباع، وَالأَصَحُّ جَوَازُ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، إقامة للتنوين مقام الألف واللام كما في التشهد.
قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ لاَ يُجَزِّئُهُ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأنه لم ينقل بخلاف التشهد والتنوين يضاد

الجزء: 1 - الصفحة: 218

الألف واللام ولذلك لا يجتمعان لأن الألف واللام للتعريف وهو للتنكير، قُلْتُ: الأول منصوص أيضًا حكاه الجرجاني وغيره، وَأَنَّهُ لاَ تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ، كسائر العبادات، والثاني: تجب قياسًا على أولها، وَأَكْمَلُهُ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ مَرَّتَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا مُلْتَفِتًا فِي الأُوْلَى حَتَّي يُرَى خَدُّهُ الأَيْمَنُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الأَيْسَرُ، للاتباع كما أخرجه الدارقطني وصحح إسناده 143، نَاوِيًا السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينهِ وَيَسَارِهِ مِنْ مَلاَئِكَةٍ وِإِنْسٍ وَجِنٍّ، أي على المسلمين من الصنفين، وَيَنْوِي الإِمَامُ السَّلاَمَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ وَهُمُ الرَّدَّ عَلَيْهِ، للاتباع 144. • الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الأَرْكَانِ، كما ذكرنا، بالأجماع، نَعَمْ: النية والتكبير لا ترتيب بينهما، ومن المعلوم أنهما بعد القيام، والترتيب في السنن شرط في الاعتداد بها، ونص الشافعي كما نقله صاحب الشفاء على أنه يجب الترتيب بين التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وجزم به البغوي في فتاويه، وقال الحليميُّ: هو كبعض التشهد حتى يجوز فيه التقديم والتأخير، وارتضاه الرافعي في شرح المسند.
فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا، بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ بَطُلَتْ صَلاَتُهُ، بالأجماع لتلاعبه، نَعَمْ: لو قدَّم الركن القوليّ على فعلىّ كتقديم التشهد على السجود أو على قوليّ كتقدم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - على التشهد لم يضر، إلاّ أنه لا يعتد بالذى قدمه بل الذي يعيده.

الجزء: 1 - الصفحة: 219

وَإْنْ سَهَا فَمَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ، لوقوعه في غير محله، فَإِنْ تَذَكِّرَ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ فَعَلَهُ وإلَّا تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ، لوقوعه في موضعه، وَتَدَارَكَ الْبَاقِيَ؛ لأن كل ما يفعله قبل وقته كالمعدوم، هذا كله إذا عرف عين المتروك وموضعه، فإن لم يعرف أخذ بأدنى الممكن وأتى بالباقي، وفي الأحوال كلها يسجد للسهو، إلاّ إذا وجب الاستئناف بأن ترك ركنًا وأشكل عليه، وجوز أن تكون النية أو تكبيرة الإحرام, وإلاّ إذا كان المتروك هو السلام، فإنه إذا تذكر قبل طول الفصل سَلَّمَ ولا حاجة إلى سجود السهو.
فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنَ الأَخِيرَةِ سَجَدَهَا وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ، لأنه وقع بعد متروك فلم يُعْتَدّ به، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا لَزِمَهُ رَكْعَةً؛ لأن الركعة الناقصة ملفَّقةٌ بالركعة التي بعدها، وَكَذَا إِنْ شَكَّ فِيهِمَا، أي في كونها من الأخيرة أو من غيرها فإنه يجعلها من غير الأخيرة ويلزمه ركعة أخذًا بالأحوط.
وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيَةٍ تَرْكَ سَجْدَةٍ، فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ سَجَدَ، أي من قيام؛ لأن ذلك الجلوس فاصل، وَقِيلَ: إِنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الاِسْتِرَاحَةِ لَمْ يَكْفِهِ، لقصده السُّنْةَ فلا ينوب عن الفرض، والأصح الاكتفاء كما لو جلس في التشهد الأخير وهو يظنه الأول، وَإِلاَّ، أي وإن لم يجلس بعد سجدته، فَلْيَجْلِسُ مُطْمَئِنّاً ثُمَّ يَسْجُدُ؛ لأن الجلوس ركن فلا بد منه، وَقِيلَ: يَسْجُدُ فَقَطْ؛ لأن الفصل حصل بالقيام، وأجاب الأول: بأن الفصل وإن كان هو المقصود، لكن على هيأة الجلوس فلا يقوم القيام مقامه كما لا يقوم مقام الجلوس التشهد.
وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةِ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا وَجَبَ رَكْعَتَانِ، أما في الأولى فلأن الأسوأ تقدير سجدة من الركعة الأولى، وسجدة من الثالثة، فتنجبر الركعة الأُولى بسجدة من الثانية، ويلغى باقيها، وتنجبر الثالثةُ بسجدة من الرابعةِ ويلغى باقيها، وتصير الثالثةُ ثانيةً، وأما في الثانية وهي ترك الثلاث، فلأنك إذا قدرت ما ذكرناه في السجدتين، وقدرت معه ترك سجدة أخرى

الجزء: 1 - الصفحة: 220

من أي ركعة شئت؛ لم يختلف الحكم.
قال الدارمي في استذكاره: وهذا إذا لم يترك من كل ركعة إلا سجدة، فإن كان قد ترك الجلوس بين السجدات، فمنهم من قال: هي كما مضى؛ وهذا على الوجه الذي يقول ليس الجلوس مقصودًا، ومنهم من قال: لا يصح إلا الركعة الأُولى بسجدة؛ لأنه لم يجلس في شيء من الركعات، قال: والأول أصح.
أَوْ أَرْبَعٍ، جهل موضعها، فَسَجْدَةٌ ثُمَّ رَكْعَتَانِ، لاحتمال أن يكون قد ترك سجدتين من ركعة وسجدتين من ركعتين غير متواليتين كسجدتين من الأُولى وسجدة من الثانية وسجدة من الرابعة، أَوْ خَمْسِ أَوْ سِتٍّ فَثَلَاثٌ، لإحتمال ترك واحدة من الأُولى، وسجدتين من الثانية، وكذا من الثالثة، وكذا لو قدرنا ثنتين من الأولى وثنتين من الثَّانية وواحدة من الثالثة، هذا كله في الخمس، وأما في الست؛ فلأنك إذا قدرت ما ذكرناه في الخمس وقدرت معه ترك سجدة أخرى مما شئت من الركعات التي بقيت منها سجدة أو سجدتان لم يختلف الحكم، أَوْ سَبْعٍ فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ؛ لأن الحاصل له ركعة إلا سجدة، وإذا ترك ثماني سجدات فسجدتان ثم ثلاث، ويتصور ذلك بترك طمأنينة وسجود على عمامة ونحوها.
قُلْتُ: يُسَنُّ إِدَامَةُ نَظَرِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، أي في جميع صلاته لأنه أشرف من غيره وأسهل وأقرب إلى الخشوع 145، قُلْتُ: إلا في التشهد؛ فإن السُّنَّة أن لا يجاوز بصره إشارته فيه بالمسِّبحة لحديث صحيح فيه أخرجه أبو داود 146، ويدخل في إطلاق المصنف الأعمى والمصلي في ظلمة وفيهما نظر، ومن صلى في المسجد الحرام استحب له أن يشاهد الكعبة قاله الماوردي والروياني في البحر في كتاب النذر.

الجزء: 1 - الصفحة: 221

وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ؛ لأنه خلاف ما يقتضيه استرسال الطبعة، وفيهما نظر، فيكون تكلفًا مُذْهِبًا للخشوع.
وَعِنْدِي لاَ يُكْرَهُ؛ لأنه لم يصح فيه نهي 147، إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا؛ لأنه سبب لحضور القلب، فإن خاف على نفسه أو غيره من عدو ونحوه فيكره أو يحرم في بعضها.
وَالْخُشُوعُ، بالإجماع، ونقل أبو عبد الله بن خفيف قولًا: إن ذهاب الخشوع يبطل الصلاة وهو غريب جدًا، نعم هو وجه للقاضي حسين وأبي زيد المروزي.
قال المحب الطبري: وإذا قلنا به فمحله في بعض الصلاة لا في جميعها.
فَرْعٌ: العبث في الصلاة مكروه، وقيل: حرام، ولو سقط رداؤه أو طرف عمامته كره له تسويته إلَّا لضرورة قاله في الإحياء.
وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ، أي تأملها، قال تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ 148 وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ 149 ولأن مقصودة موقوف على ذلك، وَالذّكْرِ، قياسًا عليها، وَدُخُولُ الصَّلَاةِ بِنَشَاطٍ؛ لأن الله تعالى قد ذم تارك ذلك فقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ 150، وَفَرَاغِ قَلْبٍ، أَي من شواغل الدنيا لأن ذلك قد يستمر معه في الصلاة، والمحسوب له منها ما عقل عليه.
وَجَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ، لما روى ابن خزيمة عن وائل بن حُجْرِ قال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ 151 وللبزار: عِنْدَ صَدْرِهِ، وَكَأَنَّ المراد آخر الصدر.
وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ،

الجزء: 1 - الصفحة: 222

للأمر به في الصحيح 152، وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنَ السُّجُودِ وُالقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ، لأنه أعون له.
وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الأُوْلَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ، لحديث أبي قتادة في الصحيح 153، والثاني: أنه لا يطولها.
قال في الروضة: وهو الراجح عند الجمهور، قُلْتُ: ويستثنى من محل الخلاف تطويل الأُولى من صلاة الكسوف وصبح الجمعة، والثانية إذا قرأ في العيد والجمعة ﴿يُسَبِّحُ﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ ويخفف في صلاة الخوف ذات الرقاع في الأولى ويستحب للطائفتين التَّخفيف فيما يبدون به، نقله في الروضة هناك عن الأصحاب، وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا، للاتباع كما صح في عدة أحاديث 154، قال الحديث (54/ 401)؛ ونصه؛ [أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، كَبَّرَ حِيَالَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى؛ فَلَمَّا أَرَادَ أَن يَرْكَعَ، أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ الثَّوْبِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا ثُمَّ كَبَّرَ] وليس فيه هذه الزيادة [عَلَى صَدْرِهِ] أو [عِنْدَ صَدْرِهِ] والحديث بهذه الزيادة من رواية مؤمل بن إسماعيل العدوى مولى آل الخَطَّاب وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوق، شديد في السنة، كثر الخطأ.
وقال البُخَارِيّ: منكر الحديث.
وقال مُحمَّد بن نصر المروزي: المؤمل إذا انفرد بحديث وجب التوقف ويثبت فيه؛ لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط.
ينظر ترجمته في تهذيب التهذيب: الرقم (7311).

الجزء: 1 - الصفحة: 223

في الروضة: والسُّنَّةُ أن يُكثر منه، قُلْتُ: ويستحب الدعاء أَيضًا ويُسِرُّ بهما إلاّ أن يكون إمامًا يريد التعليم.
وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ لأن مواضع السجود تشهد له فاستحب تكثيرها قاله البغوي وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ 155 إن المؤمن إذا مات بكت عليه مُصَلَّاهُ من الأرض ومصعد عمله من السماء.
وهذه العلَّة التى سبقت تقتضى أن ينتقل أَيضًا إلى الفرض من موضع نفله المتقدم وأن ينتقل لكل النوافل، وَأَفْضَلُهُ إِلَى بَيْتِهِ، للأمر به في الصحيحين (437)، نعم رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاِتهِ؛ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: [اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ] قَالَ: كَيْفَ الإِسْتِغْفَارُ؟ قَالَ؛ تَقُولُ: أسْتَغْفِرُ الله أسْتَغْفِرُ الله.
رواه مسلم في الصحيح: الحديث (135/ 591). وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها: الحديث (136/ 592) والمغيرة بن شعبة: الحديث (137/ 593) وعبد الله بن الزبير: الحديث (139/ 594) وغيرهم رضي الله عن الصحابة أجمعين.

الجزء: 1 - الصفحة: 224

يستثنى النافلة يوم الجمعة لفضيلة البكور وركعتا الطواف وركعتا الإحرام إذا كان في الميقات مسجد.
وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُمْ نِسَاءٌ مَكَثُواْ حَتَّى يَنْصَرِفْنَ، للاتباع كما أخرجه البخاري (438) والقياس في الخناثى انصرافهم فرادى، إما قبل النساء أو بعدهن وقبل الرجال، وَأَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ، أيَّ جهةٍ كانت، وَإلَّا فَيَمِينِهِ، لأنها أولى (439). وَتَنْقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الإِمَامِ، أي التسليمة الأولى لخروجه عن الصلاة بها، نعم يستحب له أن لا يسلم الأولى إلاّ بعد التسليمتين جميعًا كما صححه في التحقيق، فَلِلْمَأْمُومِ، أي الموافق، أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يُسَلَّمُ، أما غيره فيلزمه القيام عقب التسليمتين، وَلَوِ اقْتَصَرَ إِمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ سَلَّمَ ثِنْتَينِ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأنه خرج عن متابعته بالأولى.

بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ

بَابٌ: هُوَ مُنَوَّنٌ أَيْ هَذَا بَابٌ مَعْقُودٌ لِلشُّرُوطِ، وَالشَّرْطُ: لُغَةً الْعَلَامَةُ وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، وَاصْطِلَاحًا مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ.156157 الحديث (731). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (213/ 781). وأحاديث في الباب.

الجزء: 1 - الصفحة: 225

شُرُوطُ الصَّلَاةِ خَمْسَةٌ، قلت: وسادس وسابع، وهما معرفة فرضيَّة الصلاة وكيفيتها كما حزم به في التحقيق.
• مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ، أي يقينًا أو ظنًا، • وَالاِسْتِقْبَالُ، لما تقدم في بابه، • وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، أي ولو كان خاليًا في ظلمة عند القدرة لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 158 قال ابن عباس: الْمُرَادُ بِهِ الثَّيَابُ فِي الصَّلَاةِ، وقام الإجماع على الوجوب أَيضًا، وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ، أي ولو عبدًا أو صبيًا، مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ، لحديث فيه 159، وَكَذَا الأَمَةُ فِي الأَصَحِّ، لحديث فيه أَيضًا أخرجه البيهقي 160،

الجزء: 1 - الصفحة: 226

والثاني: أن عورتها كعورة الْحُرَّةِ لجامع الأنوثة إلاّ رأسها فإنَّه ليس بعورة إجماعًا.
وَالْحُرَّةُ مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكفَّيْنِ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ 161 قال الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ.
رُكْبَتَيْهِ مِنْ عَوْرَتِهِ].
ورواه العقيلي في (ضعفاءه) ولين سوار بن داود.
قال صاحب التنقيح: وسوار بن داود أبو حمزة البصري وثقه ابن معين، وابن حبان، وقال أحمد شيخ بصري لا بأس به.
إنتهى.
وله طريق أخر عند ابن عدي في (الكامل) أخرجه عن الخليل بن مرة عن ليث بن أبي سليم، ولين الخليل بن مرة.
ونقل عن البخاري أنَّه قال: فيه نظر، قال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه، فإنَّه ليس بمنكر الحديث.
إنتهى؛ من نصب الراية للزيلعي: ج 1 ص 296. واعترض البيهقي على متن الحديث لا على سنده، فقال: فأما حديث عمرو بن شعيب فقد اختلف في مَتْنِهِ، فلا ينبغى أن يعتمد عليه في عورة الأَمَة، وإن كان يصلح الاستدلال به وبسائر ما يأتي عليه مَعَهُ في عورة الرَّجل وبالله التوفيق؛ إنتهى.
من السنن الكبرى: بعد الحديث (3306). قُلْتُ: ولكن الآثار عن الصَّحَابَة تعضده وهي صحيحة، ومنها ما جاء عن أنس بن مالك قال: [كُنَّ إِمَاءُ عُمَرَ - رضي الله عنه - يَخْدِمْنَنَا كَاشِفَاتٍ عَنْ شُعُورِهِنَّ؛ تَضْرِبُ ثُدِيُّهُنَّ] رواه البيهقي في السنن الكبرى: النص [3306] وقال: والآثار عن عمر بن الخَطَّاب في ذلك صحيحة.

الجزء: 1 - الصفحة: 227

وفي جواز ظهور قَدَمَي الحرّة (•) الصلاة وجه في الانتصار لإبن أبي عصرون وهو غريب، واقتصار المصنف في المرأة (•) على ما ذكره يؤخذ منه أن صوتها ليس بعورة وهو الأصح، وفيه غائلة ستعرفها في النكاح.
• وعن عائشة رضي الله عنها قالت: الوجه والكفان.
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب عورة المرأة الحرة: الأثر (3301). وظاهر أسانيد أحاديث الباب الصحة والله أعلم.
(•) في النسخه (1) و (2): ثَديِّ الْحُرَّةِ؛ وأثبتُّ ما في النسخة (3) (قَدَمَيِّ الْحُرَّةِ)؛ فهو الذي فيه الغرابة؛ لأن ظهور ظهر قدميها؛ قيل: بجوازه، أو أنَّه وجه في المذهب.
أما الثديين فإنَّه لا يتصور في صلاة صحيحة، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب المرأة تصلى بغير خمار: الحديث (641)، وقال: رواه سعيد بن أبي عُروبة عن قتادة عن الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ورواه الترمذي في الجامع: الحديث (377) وقال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وحديث عائشة حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم، وهو قول الشَّافعيّ: قال: لا تجوز صلاة المرأة وشيء من جسدها مكشوف؛ قال الشافعيُّ: وقد قيل: إن كان ظهر قدميها مكشوفان فصلاتها جائزة.
إنتهى.
ولا يخفى أن قيل تفيد التمريض والضعف، فهو رأي ضعيف عند سيدنا الشَّافعيّ رحمه الله على ما نقل التِّرْمِذِيّ.
أما قول الشافعي في الأُمِّ: في باب جماع لبس المصلي: ج 1 ص 89: (وعلى المرأة أن تغطي في الصلاة كل بدنها ما عدا وجهها وكفيها) وفي باب كيف لبس الثياب في الصلاة: ج 1 ص 89: (وكل المرأة عورة إلَّا كفيها ووجهها؛ وظهر قدميها عورة؛ فهذا انكشف من الرَّجل في صلاته شيء مما بين سرته وركبته ومن المرأة في صلاتها شيء من شعرها قل أو كثر ومن جسدها سوى وجهها وكفيها وما يلى الكف من موضع مِفْصَلِهَا ولا يعدوه عَلِمَا أَمْ لَمْ يَعْلَمَا، أعادا الصلاة معًا، إلَّا أن يكون تنكشف بريح أو سقطة ثم يعاد مكانه لا لبث في ذلك).
قُلْتُ: لهذا ترجح عندنا ما أثبثناه، والله أعلم.
(•) في النسخة (3): الحُرَّة بدل المرأة، مع أني أرجح أن الحرة أولى من المرأة في هذا المقام؛ إلَّا أنى أثبت المرأة لشهادة النسختين بذلك، ولعموم لفظ المرأة.
ولكن المناسبة تقتضي الحرة؛ لأن الأمة لا عورة لصوتها على البداهة، وربما اختلف في الحرة.
فضلًا عن أن لفظ المتن الحرَّة.
والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 228

وَشَرْطُهُ مَا مَنَعَ إِدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ، أي لا حجبها فلا يكفي زجاج وماء صاف، نعم يرد عليه الظلمة فإنَّها مانعة من الإدراك ولا يكفي كما سبق 162، وَلَوْ طِينٌ وَمَاءٌ كَدِرٌ، لحصول مقصود الستر بهما، والصافي إذا غلبت الخضرة كالكدر، وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ التَّطَيُّنِ عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ، أي أو نحوه لقدرته على الستر، والثاني: المنع لما فيه من المشقة والتلويث، وقال الماورديُّ: إن كان ثخينًا وجب وإلاّ فلا 163. وَيَجِبُ سَتْرُ أَعْلَاهُ وَجَوَانِبِهِ لاَ أَسْفَلِهِ؛ لأنه المقصود من الستر، فَلَوْ رُؤِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ، أي وهو المنفذ الذي يدخل فيه الرأس، فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ، لعدم الشرط المذكور، فَلْيُزِرَّهُ أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ، أي أو يضع عليه شيئًا وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لسلمةَ بنِ الأَكْوَعِ وقد قال إنِّي رحل أصيد أفأُصلي في القميص الواحد قال: [نَعَمْ وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ] رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة 164، وَلَهُ سَتْرُ

الجزء: 1 - الصفحة: 229

بَعْضِهَا بِيَدِهِ فِي الأَصَحِّ، لحصول المقصود، والثاني: لا؛ لأن الساتر لا بد وأن يكون غير المستتر، ونظير هذا الخلاف ما لو استنجى بيده والأصح المنع، وما إذا استاك بإصبعه وقد سلف، وما إذا غطى محرم رأسه بِكَفِّ غيره، والمذهب لا فدية كَكَفِّ نفسه، وقيل: وجهان كجواز السجود على كف غيره، وقوله (بِيَدِهِ) احترز به عما إذا وضع الغير يده عليها، فإنَّه يكفي قطعًا، وإن فعل مُحَرمًا كما قال ابن الرفعه لانتفاء عله المنع.
فَإِنْ وَجَدَ كَافِيَ سَوْأَتَيْهِ، أي قبله ودبره، تَعَيَّنَ لَهُمَا، لغلظهما، أَوْ أَحَدَهُمَا فَقُبُلَهُ؛ لأنه إلى القبلة، وَقِيلَ: دُبُرَهُ؛ لأنه أفحش في الركوع والسجود، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ، لتعارض المعنيين، والخلاف لا في الوجوب على الصحيح؛ بل في الشرطية، كما قاله في شرح المهذب: حتَّى لو خالف لم تصح صلاته.
• وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ، بالإجماع، فَإِنْ سَبَقَهُ بَطَلَتْ، أي صلاته؛ لأن طهارته قد بطلت إِجماعًا، فكذا صلاته لانتفاء الشرطية 165، واحترز بالسبق عن التعمد، قال في البيان: والمكره على الحدث 166، وَفِي الْقَدِيمِ لاَ تَبْطُلُ بَلْ يَبْنِي، أي يتطهر ويبني

الجزء: 1 - الصفحة: 230

لعدم تقصيره 167، وَيَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مُنَاقِضٍ، أي منافٍ، عَرَضَ بِلاَ تَقْصِيرٍ، وَتَعَذَّرَ دَفْعُهُ فِي الْحَالِ، أى كما إذا تنجس ثوبه أو بدنه واحتاج إلى غسلهما أو أبعدت الريح ثوبه، فَإِنْ أَمْكَنَ، أي دفعه في الحال، بِأَنْ كَشَفَتْهُ رِيحٌ فَسَتَرَ فِي الْحَالِ لَمْ تَبْطُلْ، لانتفاء المحذور، وَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ فَرَغَتْ مُدَّةُ خُفِّ فِيهَا بَطَلَتْ، أي جزماً من غير تخريج على القولين لأنه يُشْبِهُ من أحدث مختاراً 168. • وَطَهَارَةُ النَّجَسِ، الذي لا يعفى عنه، فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ، لثبوت

الجزء: 1 - الصفحة: 231

الأمر باجتنابها، ولا يجب ذلك في غير الصلاة اتفاقاً فتعين أن يكون فيها، وَالأَمْرُ بِالشَّيْء نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ فَيَلْزَمُ مَا ذَكَرنَاهُ 169.

الجزء: 1 - الصفحة: 232

وَلَوِ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ اجْتَهَدَ، كما في القبلة 170، وَلَوْ نَجَسَ بَعْضُ ثَوْبٍ، أَوْ بَدَنٍ وَجَهِلَ وَجَبَ غَسْلْ كُلِّهِ، لأن الأصل بقاء النجاسة ما بقي منه جزءٌ بغير غسل، ولا يجتهد فيه؛ لأنه إنما يكون بين عينين 171، فَلَوْ ظَنَّ طَرَفاً، كالْكُمِّ وَالْيَدِ، لَمْ يَكْفِ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لما ذكرناه، والثاني: يكفيه؛ لأنهما عينان متميزتان فهما كالثوبين.
فَرْعٌ: لو اشتبه مكان من بيت أو بساط فالأصح منع التحري أيضاً 172. وَلَوْ غَسَلَ نِصْفَ نَجِسٍ لُمَّ بَاقِيهُ، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ غَسَلَ مَعَ بَاقِيهِ مُجَاوِرَهُ، أي الصحيح: كتاب الوضوء: الحديث (219 و 220 و 221).

الجزء: 1 - الصفحة: 233

من النصف الأول، طَهُرَ كُلَّهُ، وَإلاَّ، أي وإن غسل الباقى من غير أن يغسل معه من النصف الأول ما يُجَاوِرُهُ، فَغَيْرُ الْمُنْتَصَفِ، أي طهّر الطرفان وبقي المنتصف نجساً على حاله فيغسله وحده لأنه رطب ملاقٍ للنجس، والثاني: لا يطهر حتى يغسله كله دفعة واحدة؛ لأن الرطوبة تسري، وهذا مبني على أن الثوب الرطب إذا وقعت عليه نجاسة هل يتنجس كله أو موضع الإصابة فقط؟ على وجهين في التتمة، والثالث: أنه يطهر مطلقاً، والرابع: إن علق الثوب وصب الماء على أعلاه إلى النصف ثم صب على النصف الباقي طهر لأن الماء لا يترادّ إلى الأعلى، وإن لم يكن كذلك لم يطهر لأنه يتراد، حكاهما في الكفاية قال في شرح المهذب: والثاني هو الصحيح فيهما إذا غسل نصفه في جفنة، وإن غسل نصفه بصب الماء عليه في غير جفنة طهر، قال: وعليه يحمل ما نقله الرافعي والْمُنْتَصَفُ بفتح الصاد 173. وَلاَ تَصِحُّ صَلاَةُ مُلاَقٍ بَعْضُ لِبَاسِهِ نَجَاسَةً، أي في قيامه أو قعوده أو ركوعه أو سجوده لما سبق، ويؤخذ من اشتراط ذلك في الثوب اشتراطه في البدن من باب

الجزء: 1 - الصفحة: 234

أَولى، وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، أي كذنابة العمامة الطويلة؛ لأن المعتبر أن لا يكون ثوبه المنسوب إليه ملاقياً للنجاسة 174، وَلاَ قَابِضٍ طَرَفَ شَيْءٍ، كحبل، عَلَى نَجِسٍ إِنْ تَحَرَّكَ، ذلك الشيء الكائن على النجس بحركته؛ لأنه حامل للشئ النجس أو لما هو متصل به، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ فِي الأَصَحِّ، كما في الْعَمَامَةِ، والثاني: أنَّها لا تبطل، لأن الطرفَ غير محمول له؛ قاله الرافعي في الشرح الصغير وهو أَوْجَهُ الوجهين، والشدُّ كالقبضِ، فَلَوْ جَعَلَهُ، أى طرف الحبل المذكور، تَحْتَ رِجْلِهِ صَحَّتْ مُطْلَقاً، أي سواءً تحرك بحركته أو لم يتحرك، لأنه ليس حاملاً للنجاسة ولا ما هو متصل بها، وَلاَ يَضُرُّ نَجِسٌ يُحَاذِي صَدْرَهُ، أي ونحوه كبطنه أو شيء من بدنه، فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى الصَّحِيحِ، كما لو صلى على بساط طرفه نجس تصح صلاته؛ وإن نسب إليه أنه مصلاه، والثاني: يضر، لأن القَدَرَ الذي يوازيه منسوب إليه لكونه مكان صلاته فتعتبر طهارته كالذي يلاقيه، أما إذا لاقاه النجس فتبطل جزماً.
وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ بِنَجِسٍ، أي كعظم كلب ونحوه، لِفَقْدِ الطَّاهِرِ، أي وكذا مع وجوده، وقول أهل الخبرة إنه لا ينفع غيره 175، فَمَعْذُورٌ، للضرورة وكذا لو قالوا: إنه ينجبر سريعاً بعظم الكلب دون غيره فيما يظهر، وهو نظير التيمم لبطئ البرء، وَإِلاَّ، أي وإن وصله به مع وجود الطاهر، وَجَبَ نَزْعُهُ، للضرورة، وكذا إن لم يحتج إلى الجبر وجبر فيحب النزع أيضًا، إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَراً ظَاهِراً، أي وهو ما أباح

الجزء: 1 - الصفحة: 235

التيمم، قِيلَ: وَإِنْ خَافَ، أي ما ذكرناه فإنه ينزع أيضًا لتعديه ويؤدي إلى أنه يصلي عمره كله بنجاسة فَرَّطَ بحملها؛ ونحن نقتله بترك صلاة واحدة، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يُنْزَعْ عَلَى الصَّحِيحِ، أي وجوباً؛ لأن فيه مُثْلَةً للميت وهتكاً لحرمتهِ، والثاني: يُنزع لئلا يلقى الله حاملًا للنجاسة.
وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ، لِجواز الاقتصار على الْحَجَرِ لِمَا سبق، وَلَوْ حَمَلَ مُسْتَجْمِراً بَطَلَتْ فِي الأَصَحِّ، لأن العفو عن أثر النَّجْوِ 176 للحاجة ولا حاجة به إلى حمل الغير، والثاني: لا تبطل كما في حق المحمول.
وَطِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ يُعْفَى عَنْهُ عَمَّا يَتَعَذَّرُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا، لأن الناس لا بد لهم من الانتشار في حوائجهم، وكثير منهم لا يملك إلّا ثوباً واحداً فلو أمروا (•) بالغسل كلما أصابهم ذلك لعظمت المشقة 177، وَيَخْتَلِفُ بِالْوَقْتِ

الجزء: 1 - الصفحة: 236

وَمَوْضِعِهِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، أي فقد يتعذر الاحتراز في زمن الشتاء عن مقدار لا يتعذر الاحتراز عنه في زمن الصيف 178، ويعفى في الرِجْل وذيل القميص عَمَّا لا يعفى عنه في الْيَدِ وَالْكُمِّ، قال الرافعي: والمعفو عنه ما لا ينسب صاحِبُهُ إلى سَقْطَةٍ أَوْ قِلَّةِ تَحَفُّظٍ، واحترز المصنف بالمتيقنِ النجاسةِ عَمَّا يغلب على الظَّنِّ اختلاطه بها لغالب الشَّوارع، فإن الأظهر فيه وفي أمثاله الطهارةُ تغليباً للأصلِ على الظاهرِ، أما غيرِ المتيقنِ إذا لم يَظن نجاسَتَهُ فَطاهر قطعاً، وَعَن قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ، وكذا القمل كما ذكره في الْمُحَرَّرِ، لعموم البلوى به وعسر الاحتراز، وَوَنِيمِ الذُّبَابِ، كذلك أيضاً وهو رَوْثُهُ، وَالأَصَحُّ، أنه، لاَ يُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ، لندرته وسهولة الاحتراز عنه 179. = المستدرك بلفظ قريب: الحديث (483 - 486) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

الجزء: 1 - الصفحة: 237

وَلاَ قَلِيلِ انْتَشَرَ بِعَرَقٍ، لمجاوزته محلَّهُ، ولأن البلوى به لا تعم، وبهذا ظهر الفرق بين هذا وبين ما إذا عَرق مَحِلُّ النَّجْوِ فتلوث به غيره حيث صحح الرافعي فيه العفو، وَتُعْرَفُ الْكَثْرَةُ بِالْعَادَةِ، أي فيما إذا يقع التلطخ به غالباً ويَعْسُرُ الاحتراز عنه؛ قَلِيلٌ، وإن زاد: فَكَثِيرٌ، لأن أصل العفو إنما اثبتناه لتعذر الاحتراز؛ فينظر أيضاً في الفرق بين القليل والكثير إليه، وعلى هذا فيختلف بالبلاد والأوقات، قال الإِمام: والذى أقطع به أنه لا بد أيضاً من أعتبار عادة الناس في غسل الثياب ويُرْجَعُ فِي هَذَا كُلِّهِ إِلَى رَأْيِ الْمُصَلِّي.
فَرْعٌ: لو كانت النجاسة متفرقة، ولو جمعت لبلغت قدراً لا يعفى عنه، ففيه احتمالان للإمام؛ وميله إلى العفو.
قُلْتُ: الأَصَحُّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ الْعَفْوُ مُطْلَقاً, وَالله أَعْلَمُ، لأن هذا الجنس يشق الاحتراز منه في الغالب، فأُلْحِقَ نادره بغالبه.
وَدَمُ البَثَرَاتِ كَالْبَرَاغِيثِ، لأن الإِنسان قَلَّ ما يخلو عنها، فلو وجب الغسل لِكُلِّ مَرَّةٍ لَشَقَّ، وَقِيلَ: إِنْ عَصَرَهُ فَلاَ، للاستغناء عنه، وَالدَّمَامِيلُ، وَالْقُرُوحُ، وَمَوْضِعُ الْفَصَدِ، وَالحَجَامَةِ؛ قِيلَ: كَالْبَثَرَاتِ، لعسر الاحتراز عن لطخها 180، = قَالَ: يُعِيدُ الْوُضُوءَ.
رواه البخاري معلقاً في كتاب الوضوء من الصحيح: باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر.
قال ابن حجر: وهذا التلعيق وصله ابن أبي شيبة وغيره بنحوه وإسناده صحيح: ينظر: الفتح: ج 1 ص 371، وينظر: المصنف لابن أبي شيبة: النص (412).

الجزء: 1 - الصفحة: 238

وَالأَصَحُّ إِنْ كاَنَ مِثْلُهُ يَدُومُ غَالِباً فَكَالاِسْتِحَاضَةِ، أى فيحتاط له بقدر الإمكان كما فيها، ويعفى عما يتعذر أو يشق من غير جريان خلاف، وَإلاَّ فَكَدَمِ الأَجْنَبِيِّ، لأنها تندر بخلاف البثرات، فَلاَ يُعْفَى، عنه أي عن دم الأجنبي لانتفاء المشقة فيه، وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ، أي وهو ما عده الناس عفواً؛ لأن جنس الدم يتطرق إليه العفو؛ فيقع القليل منه وفي محل المسامحة.
قُلْتُ: الأَصَحُّ أَنّهَا، أي الدَّمَامِيْلُ إلى أخر ما تقدم، كَالبَثَرَاتِ, لما سلف، وَالأَظْهَرُ الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِ دَمِ الأَجْنَبِيِّ، وَالله أَعْلَمُ، لما سلف أيضاً، قُلْتُ: ويستثنى من الدماء دم الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما فلا يعفى عن شيء منه قطعاً كما أشار إليه صاحب البيان، وَالْقَيْحُ، وَالصَّدِيدُ كَالدَّمِ، أي في جميع ما ذكرناه في نفسه وأجنبي، لأنهما دمان استحالا إلى زيادة فساد، وَكَذَا مَاءُ الْقُرُوحِ وَالْمُتَنَفِّطُ الَّذِي لَهُ رِيحٌ، قياساً على القيح والصَّدِيدِ، وَكَذَا بِلاَ رِيحٍ فِي الأَظْهَرِ، لأنه تحلل بعلَّة فهو كالقيح والصديد الذي لا رائحة له.
• أمَّا الْحَجَامَةُ والبزق وقليل الدم، فإنها ليست بحدث؛ وعلق البخاري في صحيحه قال: قال طاووس ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وعطاءُ وأهلُ الحجاز: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ.
قال ابن حجر: طاووس ابن كيسان التابعي المشهور: وأثره هذا وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، ولفظه: (أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى فِي الدَّمِ وُضُوءاً؛ يَغْسِلُ عَنْهُ الدَّمَ وَحَسْبُهُ) إهـ. وهو كما قال؛ أسنده ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف: النص (1473) وفيه: (الدَّمُ السَّائِلُ وُضُوءاً).
وقال في الفتح: ومحمد بن علي أي ابن الحسين بن على أبو جعفر الباقر: وأثره هذا رويناه موصولاً في فوائد الحافظ أبي بشر المعروف بسمويه من طريق الأعمش، قال: سألت أبا جعفر الباقر عن الرُّعَافِ، فقال: لو سال نهر من دم ما أعدت منه الوضوء.
وعطاء هو ابن أبي رباح، وأثره هذا وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه.
وأما رأي أهل الحجاز فقال: رواه عبد الرزاق من طريق أبي هريرة وسعيد بن جبير، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر وسعيد بن المسيَّب، وأخرجه إسماعيل القاضي من طريق أبي الزناد عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وهو قول مالك والشافعي.
ينظر: الكتاب المصنف: الباب (167) بنصوصه: من كان يرخص فيه ولا يرى فيه وضوءاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 239

قُلْتُ: الْمَذْهَبُ طَهَارَتُهُ، وَالله أَعْلَمُ؛ تشبيهاً له بالعرق، ورجح فِي شرح المهذب القطع به ثم قال: وحيث نَجَّسْنَاهُ فهو كالبثرات 181. وَلَوْ صَلَّى بِنَجِسٍ، أى غير معفو عنه، لَمْ يَعْلَمْهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ، كما لو بَانَ له بعد الفراغ من الصلاة أنه كان محدثاً، والقديم لا يجب، لحديث فيه مُؤَول 182، وِإنْ عَلِمَ ثُمَّ نَسِيَ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لتفريطه بتركها لما

الجزء: 1 - الصفحة: 240

علم بها، وقيل القولان.
فَرْعٌ: لو مات قبل القضاء ففضل الله أن لا يؤاخذه مع وعده بأن الخطأ والنسيان عن الأُمة مرفوع وقد نص على ذلك البغوي في فتاويه.
فَرْعٌ: رأيت في فتاوى أبي عبد الله الحناطي أنه سئل عَمَّنْ رأى في ثوب غيره نجاسة ولم يكن لابسه خبيراً به هل يجب عليه الإعلام؟ فأجاب بأنه إذا رآهُ يصلّي فيه يلزمه الإعلام، وكذا يَلْزَمُهُ تَعْلِيمُ أركان الصلاة من رأه يصلِّى مُخِلاَّ بها ولا يكملها ويتحتم عليه ذلك إذا لَمْ يقم به غيره وَتَعَيَّنَ عليه 183. فَصْل: تَبْطُلُ بِالنُّطْقِ بِحَرْفَيْنِ، أي سواءً أَفْهَمَا أَمْ لَمْ يُفْهِمَا لأنهما من جنس الكلام، لأنه أقل ما بني عليه الكلام، أَوْ حَرْفٍ مُفْهِمٍ، أي كـ (قِ) من الوقاية و (عِ) من الوعاية، لاشتماله على مقصود الكلام وإن أخطأ بحذف هاء السكت بخلاف حرف غير مفهم، فَإِنَّ أقل ما يبنى عليه الكلام حرفان كما سلف، وَكَذَا مُدَّةٌ بَعْدَ حَرْفٍ فِي الأَصَحَّ، لأن الْمَدَّة ألفٌ أو واوٌ أو ياءٌ وهى حروف مخصوصة فَضَمُّهَا إلى الحروفِ كضمِّ حرفٍ أخرٍ إليه، والثاني: لا، لأنها قد تَتَّفِقُ لأشباعِ الحركةِ ولا تُعَدُّ حَرْفاَ 184. فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالأَرْضِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا] قال البيهقي: وليس بالقوى.
السنن الكبرى: كتاب الصلاة: الحديث (4188 و 4189). واحتج الشافعي بهذا الحديث لرأيه في القديم ثم رجع عنه في الجديد، لأنه احتمل عنده أن إخبار جبريل بالأذى على معنى ما يُسْتقْذَرُ منه من الطاهرات، فالحديث عنده مُؤولٌ إلى معنى الأذى المستقذر من الطاهرات وليس إلى النجسات.

الجزء: 1 - الصفحة: 241

فَرْعٌ: التلفظ بالنذر عامداً لا يبطل الصلاة على الأصح في شرح المهذب والصدقة والعتق وسائر القُرب مثلهُ قياسًا إذا لم يكن فيها خطاب.
فَرْعْ ثَانٍ: لو دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - فِي عصره مصليًا فأجابه لم تبطل صلاته على الصحيح، والذى يَظْهَرُ أن إجابته بالفِعلِ الكثير كالقولِ.
فَرْعٌ ثَالِثٌ: في نداء أحد الوالدين ثلاثةُ أَوْجُهٍ: في البحر في باب إمامة المرأة أصحها عنده أن الإجابة لا تجب، وثانيها: تجب وتبطل الصَّلاة، وثالثها: تجب ولا تبطل.
وَالأَصَحُّ أَنَّ التَّنَحْنُحَ، وَالضَّحِكَ، وَالْبُكَاءَ، وَالأَنِينَ، وَالنَّفْخَ إِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ بَطَلَتْ، كما لو أتى بحرفين على وجه أخر 185، وَإِلاَّ فَلاَ، ووجهُ مقابلهِ أنَّهُ • ولحديث معاوية بن الحكم السُّلَميِّ - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَا أَنَاْ أُصَلِّى مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ؛ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ الله! فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثَكْلَ أُمَّيَاهُ؛ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُواْ يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ؛ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكَّنِي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّماَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيماً مِنْهُ، فَوَالله مَا كَهَرَنِي -نَهَرَنِي- وَلاَ ضَرَبَنِي وَلاَ شَتَمَنِي، ثُمَّ قَالَ: [إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ، لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ] أو كما قال رسول الله.
* أما حديث زيد بن أرقم، رواه البخاري في الصحيح: كتاب التفسير: الحديث (4534)، ورواه مسلم في الصحيح: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: الحديث (35/ 539). وأما حديث معاوية بن الحكم السلمي، تفرد به مسلم في الصحيح: كتاب المساجد: الحديث (33/ 537).

الجزء: 1 - الصفحة: 242

ليس من جنس الكلام، ولا يكادُ يُبَيَّنُ مِنْهُ حَرْفٌ مُحَقِّقٌ فَأَشْبَهَ الصَّوْتَ الغُفْلَ، ولا فرق في النفخ الحاصل بين الفم والأنف، وخصص في شرح المهذب والتحقيق • أما الضحك؛ فلحديث جابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الْكَشْرُ، وَلَكِنْ يَقْطَعُهَا الْقَرْقَرَةُ] رواه البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (3450)، ولفظ الطبراني في الصغير: [وَلَكِنْ يَقْطَعُهَا الْقَهْقَهَةُ]: الحديث (999) و (1000)، وقال الهيثمي: رجاله موثوقون: فى الزوائد: ج 1 ص 82. • أما البكاء؛ فلحديث مُطرف عن أبيه؛ قال: [رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَا مِنَ الْبُكَاءِ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب البكاء في الصلاة: الحديث (904). والبيهقي في السنن الكبرى: الحديث (3446). • أما الأَنِينُ والنفخ؛ فلحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله فَصَلَّى قَالَ: ثُمَّ فِي آخِرِ سُجُودِهِ فَقَالَ: [أُفٍّ أفٍّ] ثُمَّ قَالَ: [رَبَّ أَلَمْ تَعِدْنِي ألا تُعَذبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ، أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لاَ تُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ] فَفَرَغَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ صَلاَتِهِ وَقَدْ أَمْحَصَتِ الشُّمْسُ.
إهـ. قال البيهقي في رواية عطاء قال: وَجَعَلَ يَنْفُخُ فِي آخِرِ سُجُودِهِ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيةِ وَيَبْكِي، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّأْفِيفَ.
وكذلك في رواية السائب بن مالك عن عبد الله لم يذكر التأفيف.
رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب من قال يركع ركعتين: الحديث (1194)، والبيهقي في السنن الكبرى: الحديث (3452) قال البيهقي أيضاً: وَالَّذِي يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا.
نَفْخاً يُشْبِهُ الْغَطِيطَ، وذلك لما عرض عليه من تعذيب بعضِ مَن وجب عليه العذاب، فليس غيره في التأفيف.
إهـ. قلت: أي هو أنين التألم والشفقة، وهى من مظاهر الرحمة والرأفة لنبوته - صلى الله عليه وسلم -. • أما النفخ؛ فلحديث أم سلمة رضى الله عنها، قَالَتْ رَأَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - غُلاَماً لَنَا يُقَالُ لَهُ أَفْلَحَ؛ إِذَا سَجَدَ نَفَخَ؛ فَقَالَ: [يَا أفْلَحَ! تَرِّبْ وَجْهَكَ] رواه الترمذي في الجامع: أبواب الصلاة: باب ما جاء في كراهية النفخ: الحديث (381) وقال الترمذي: وحديث أُمِّ سلمة إسناده ليس بذاك.
وميمون أبو حمزة قد ضَعَّفَهُ بعض أهل العلم.
قُلْتُ: له ترجمة في تهذيب التهذيب لابن حجر: الرقم (7339). ثم لحديث أيمن بن نابل؛ قال: قلت؛ لقدامة صاحبِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّا نَتَأَذّى بِرِيْشِ الْحَمَامِ فِي مَسْجِدِ الْحَرَامِ إِذَا سَجَدْنَا؛ فَقَالَ: انْفُخُواْ.
رواه الببهقى في السنن الكبرى: الأثر (3455).

الجزء: 1 - الصفحة: 243

والروضة الخلاف بالتنحنح، وحزم فيما عداه بالتفصيل، ومقتضى كلام الرافعي في شرحيه لا سيما الصَّغير ما في الكتاب، وبه صرح في التتمة نقلًا عن الأصحاب، إلاّ أنه حكاه قولين.
نعم تعبير المصنف يُوْهِمُ جريانَ الخلافِ فِيه؛ وإن لم يَبِنْ حَرْفَانِ وليس كذلك.
وَيُعْذَرُ فِي يَسِيرِ الْكَلاَمِ إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ أَوْ نَسِيَ الصَّلاَةَ أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ إِنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإِسْلاَمِ، لقصة ذي اليدين الثابتة فِي الصحيحين فإنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان غير ذاكر أنَّهُ في الصلاة وذو اليدين كان جَاهِلًا بتحريم الكلام، ومن سبق إلى الكلام لسانُهُ أوْلَى مِنَ النَّاسِى لِعَدَمِ قَصْدِهِ، أمَّا لو كان بعيد العهد بالإسلام فلا 186 يعذر به لتقصيره بترك التعلم، والناشئ بقرية بعيدة عن العلماء كقريب العهد كما فِي نظائره، لاَ كَثِيرُهُ فِي الأَصَحِّ، أي لا يعذر فِي كثير الكلام إن سبق لسانه إلى أخر ما تقدم؛ لأنه يمكن الاحتراز عنه، والثاني: لا تبطل؛ لأنه لو أبطل كثيره لأبطل قليله كالعمد.
فَرْعٌ: يرجع في القليل والكثير إلى العرف، وَفِي التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ، أي مما تقدم معه، لِلْغَلَبَةِ وَتَعَذْرِ الْقِرَاءَةِ، أي قراءة الفاتحة، وإن بَانَ منه حرفان لمكان العذر، لاَ الْجَهْرِ، أي بالقراءة، وكذا بالقنوت، في الأَصَحِّ، لأنه أدب وسُنَّةٌ ولا ضرورة إلى احتمال التنحنح له، والثاني: يعذر به إقامة لشعار الجهر، كذا علله الرافعي ومقتضاه أنه إذا قرأ من السورة ما يتأدى به أصل السنة ثم عرض بعد ذلك لم يعذر به قطعاً، أما الجهر بأذكار الانتقالات عند الحاجة إلى إسماع المأمومين فلا يبعد أن يكون عذراً.

الجزء: 1 - الصفحة: 244

وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلاَمِ بَطَلَتْ فِي الأَظْهَرِ، لندرته، والثاني: لا كالنسيان، وَلَوْ نَطَقَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ كَ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾، أي لمن استاذن على أخذه ونحوه ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ إِنْ قَصَدَ مَعَهُ قِرَاءَةَ لَمْ تَبْطُلْ، لأنه قرآن فصار كما لو قصد القرآن وحده 187، وَإِلَّا، أي وإن لم تقصد معه قراءة، بَطَلَتْ، كما لو أفهمه بعبارة أخرى، فإن قصد القراءة فقط فظاهر أي صحيحه، أو أطلق فتبطل.
ومسألة الإطلاق من زيادات المصنف على الرافعي وقال في شرح المهذب: إنَّ البطلان ظاهر كلام المصنف وغيره، ونازعه في ذلك أبن الرفعة، وقال: كلام المهذب منصرف إلى الإعلام لا إلى الإطلاق، ونظير هذه المسألة تقدمت في الغسل وأنه لا يحرم إذا أطلق، قال ابن الرفعة: وهو صحيح لكن الفرق بينه وبينه المصلى أن كونه في الصلاة قرينة تصرف ذلك إلى القرآن.
وَعَبَّرَ المُصَنِّفُ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ لِيُدْخِلَ فِيهِ ما إذا قصد غير القراءة 188 ويحترز به عَمَّا لو أتى بكلماتٍ منه من مواضع مُفَرقَةٍ ليست في القرآن على النظم الذى أتى به كقوله: يا إبراهيم سَلاَمٌ كُنْ فَإِنَّهَا تبطل فلو أتى بها مُفَرَّقَةَ لم تبطل أى إذا قَصَدَ بِهَا القرآنَ كما قاله في شرح المهذب.
فَرْعٌ: قراءةُ آيةِ منسوخةٍ تبطل صلاته، وقيل: لا تبطل بقراءة آية الرَّجْمِ 189

الجزء: 1 - الصفحة: 245

حكاهُ الرافعيُّ في حَدِّ الزنا، وَلاَ تَبْطُلُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، لِمَطْلُوبِيَّتِهِمَا، الَّلُهُمَّ إلاّ أن يترجم لها عند القدرة كما سبق في بابه، ويشترط ألاّ يقصد به شيئاً أخر، فإن قصد كسُّبْحَان الله بقصد التنبيه وتكبرات الانتقالات من المبلَّغ بقصد التبليغ ونحوها؛ كان على التفصيل السابق في القراءة كما صرح به في الْمُحَرَّرِ، نعم؛ قال الماورديُّ: إن ما لا يصلح لكلام الآدميين من القرآن والأذكار لا يُؤَثُرُ وإن قصد به الإفهام فقط.
فَرْعٌ: عَطَسَ في الصلاة حَمِدَ الله تَعَالَى فِي نَفْسِهِ ولا يحرك لِسَانَهُ قاله في الأحياء.
وفي زوائد الروضة في كتاب السير: أنه يسمِعُ نفسه، إِلاَّ أَنْ يُخَاطِبَ، كَقَوْلِهِ لِعَاطِسٍ: يَرْحَمُكَ الله، لأنه كلام وضع لمخاطبة الآدمى فهو كردِّ السَّلاَمِ فإن قال: رَحِمَكَ الله، لم تبطل، وقيد الرافعي والمصنف في الروضة المسألة بغير خطاب الله ونبيه - صلى الله عليه وسلم - وأهمله المصنف؛ لأنه يؤخذ من التشهد، ومن تمثيله أيضاً هنا، ويؤخذ من كلام الرافعي أنها تبطل بما عدا النبي - صلى الله عليه وسلم - من الملائكة والأنبياء (•).
وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلًا بِلاَ غَرَضٍ، أي عمداً في ركن طويل، لَمْ تَبْطُلْ فِي الأَصَحِّ، لأنَّهُ لاَ يُخْرِمُ هَيْئَةَ الصَّلاَةِ وما يليق بها من الخضوع والاستكانة، والثاني: تبطل؛ لاشعاره بالإعراض عن الصلاة ووظائفها، فإن سكت يسيراً أو كثيراً لِغَرَضِ التذكر! . فلا.
وَيُسَنُّ لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ كَتَنْبِيهِ إِمَامِهِ، أي إذا سهى، وَإذْنِهِ لِدَاخِلٍ وَإنْذَارِهِ أَعْمَى، أن يقع في محذور ونحو ذلك كغافل وصبي لا يميز، ومن قصده ظالمٌ أو سَبُعٌ ونحوهم، وكذا من أراد إعلام غيره أمراً كما قاله الرافعي، أَنْ يُسَبِّحَ، وَتُصَفّقُ الْمَرْأَةُ، للأمر به فِي الصحيح 190، ولو عكسا فخلاف السُّنْةِ، ولا تبطل صلاتهما، (•) في هامش النسخة (1): فَرْعٌ: قال الشيخ في التنبيه: وإن سُلَّمَ عليه رَدَّ بِالإِشَارَةِ؛ قاله في التوشيح؛ وهذا مندوب، وفي وجه يَحِلُّ، وفي كتاب السير: أنه واجب؛ وفي التتمه خلاف الأَوْلى، وفي الذخائر عن الشافعي: مكروه وإن جاز.

الجزء: 1 - الصفحة: 246

والخنثى كالمرأة، بِضَرْبِ الْيَمِينِ، أى بطنها، عَلَى ظَهْرِ الْيَسَارِ، وهذا هو الأشهر في كيفيته، وفي معناها أن تعكس فتضرب بطن الشمال على ظهر اليمين.
تَنْبِيْهٌ: إذا لم يحصل الأنذار بالتسبيح ونحوه فله أحوال؛ أحَدُهَا: أن لا يحصل إلَّا بالكلام فيجب، نعم؛ تبطل صلاته عند الأكثرين كما قاله الرافعي، وتبعه عليه في الروضة، لكنه صحح في التحقيق عكسه.
ثَانِيْهَا: أن لا يحصل إلَّا بالفعل الكثير كثلاث خطوات فصاعداً، فالظاهر كما قاله المحب الطبري أنه يتخرج على الخلاف في القول، وحينئذ إذا لم يحكم ببطلان الصَّلاةِ فَيُتِمُّ صَلاُتهُ في الموضع الذي انتهى إليه ولا يعود إلى الأول إلاّ حيث جوزناه في سبق الحدث.
الثَّالِثُ: أن يمكن حصوله بهما، فإن قلنا بالأبطال تخير بينهما، وإلاّ فيتعين القول أو الفعل لقوته أو يتخير فيه نظر.
وَلَوْ فَعَلَ فِي صَلاَتِهِ غَيْرَهَا، أي غير أفعال الصلاة، إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا، أي كزيادة ركوع أو سجود لا على وجه المتابعة، بَطَلَتْ، لتلاعبه ولو كان قائماً فانتهى إلى حد الركوع لقتل حَيَّةٍ أو عَقْرَبٍ لم يضر؛ قاله صاحب الكافي، ولو نقل ركناً قولياً كفاتحة لم تبطل بعمده في الأصح، كما ذكره في الباب الآتي وَيَخْرُجُ أَيضاً هُنا بقوله ولو فعل ولم يقل ولو أتى، إِلاَّ أَنْ يَنْسَى، لأنه معذور 191، وَإِلَّا، أي وإن لم يكن من حنس أفعال الصلاة، فَتَبْطُلُ بِكَثِيرِهِ، لأن الحاجة لا تدعو إليه وهذا في صلاة الأمن دون صلاة الخوف كما سياتي في بابه، لاَ قَلِيلِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فَعَلَهُ وَرَخْصَ فِيهِ 192، وَالكَثْرَةُ بِالْعُرْفِ، أي فلا يضر ما يعدونه قليلاً، صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ.
وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب الأذان: الحديث (684).

الجزء: 1 - الصفحة: 247

فَالْخُطْوَتَانِ أَوِ الضَّرْبَتَانِ قَلِيلٌ، وَالثَّلاَثُ كَثِيرٌ إِنْ تَوَالَتْ، أي فإن تفرقت؛ فلا، والتفرق بالعرف، ولو تردد في فعل هل انتهى إلى حد الكثرهَ أم لا؟ قال الإمام: فينقدح فيه ثلاثة أوجه؛ أظهرها: أنه لا يؤثر، وثالثها: يتبع ظنه فإن استوى الظنان استمر في الصلاة.
فَرْعٌ غَرِيبٌ: لو نوى فعلات وفَعَلَ واحدةَ بطلت صلاته؛ قاله في البيان في آخر صلاة الخوف، وَتَبْطُلُ بِالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ، أي ونحوها كالضربة المفرطة لمنافاتها، لاَ الْحَرَكَاتِ الْخَفِيفَةِ الْمُتَوَالِيَةِ كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ فِي سُبْحَةٍ أَوْ حَكٍّ فِي الأَصَحِّ، لأنها لا تخل بهيئة الخشوع، والثاني: أنها إذا كثرت أبطلت كالخطوتان، وأشار المصنف بالأصابع إلى أن صورةَ المسألة أن يضع يده في محل واحد ويجر أصابعه ذَاهِبًا وَآيِبًا حتى لو جَرَّ جميع كفه ثلاثاً بطلت صلاته، إلا أن يكون به جَرَبٌ ولا يقدر معه على عدم الحك، قاله صاحب الكافي، وَسَهْوُ الْفِعْلِ، أي المبطل إما لفحشه أو لكثرته، كَعَمْدِهِ فِي الأَصَحِّ، أي فكثيره يبطل وإن كان ساهياً لندوره، ولأنه يقطع نَظْم الصَّلاة، والثاني: لا، لقصة ذي اليدين الثابتة فِي الصحيحين وهو المختار 193، وَتَبْطُلُ بقَلِيلِ الأكْلِ، لشدة منافاته، وقيل: لا إلحاقاً له بسائر الأفعال، ومثار الخلاف أن الإبطال؛ هل هو لما فيه من العمل أم لوصول المفطر جوفه؟ وينبنى على ذلك مسألة ذوب السكرة الآتية، وتعبر المصنف بالأكل يقتضي أن النظر إلى الفعل لا إلى المأكول، وهو كذلك لأن مجرد المضغ يبطل إذا كثر.
قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِياً، أَوْ جَاهِلاً تَحْرِيمَهُ، وَالله أَعْلَمُ، كالصوم، ويرجع في القليل إلى العرف، فَلَوْ كَانَ بِفَمِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيْعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا] رواه البخاري في كتاب الصلاة: باب إذا حمل جارية صغيرة: الحديث (516). رمسلم في الصحيح: كتاب المساجد: باب جواز حمل الصبيان: الحديث (41/ 543).

الجزء: 1 - الصفحة: 248

سُكْرَةٌ فَبَلَعَ ذَوْبَهَا، أي بمصٍّ ونحوه لا مضغ، بَطَلَتْ فِي الأَصَحِّ، لأنه منافٍ للصَّلاة، وإن كان الأصح في الأيْمان أنه ليس أكلاً، والثاني: لا، لأنه يوجد منه فعل.
فَصْلٌ: وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي إِلَى جِدَارٍ أَوْ سَارِيَةٍ أَوْ عَصاً مَغْرُوزَةٍ أَوْ بَسَطَ مُصَلَّى أَوْ خَطَّ قُبَالَتَهُ دَفْعُ الْمَارِّ، للأمر به فإنه شيطان 194، وبسط المصلى مستنده القياس،

الجزء: 1 - الصفحة: 249

والخط يكون طولاً، وعبارة المصنف تقتضي التخيير فيما ذكره وليس كذلك، فقد قال في التحقيق: فإن عجز عن سترة بسط مصلىً، فإن عجز خطَّ خطّاً، ويندب دفع المار بالأسهل فالأسهل كالصائل، وقَدْرُ الْمُصلَّى، والخط يظهر أن يكون كالشاخص وهو قدر مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ 195، وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُ الْمُرُورِ حِينَئِذٍ، أي حين وجود السترة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلَّى مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْراً لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ] متفق عليه 196، والثاني: لا، بل يكره ولا وجه له، فإن الإثم إنما يلحق بالحرام، نعم في ابن ماجه أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسُّلاَمُ [أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسُّلاَمُ كَانَ يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ فَمَرَّتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا (أَيْ مُشِيْراً لِلرُّجُوعِ) فَمَضَتْ، فَلَمَّا صَلَّى النْبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: هُنَّ أغْلَبُ] وجه الدلالة أن المرور لو كان حراماً لَبَيُّنَهُ لكنه حديث ضعيف 197، ولو لم شرط مسلم.
وقول الحاكم (على شرط مسلم) هذا في بعض النسخ على ما يبدو.
* وقوله: أَوْ خَطٌ قُبَالَتَهُ؛ فلحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْههِ شَيْئاً؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصاً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصاً فَلْيَخْطُطْ خَطّاً لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ مِنْ أَمَامِهِ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب الخط إذا لم يجد عصاً: الحديث (689). وابن ماجه في السنن: كتاب إقامة الصلاة: باب ما يستر المصلى: الحديث (943).

الجزء: 1 - الصفحة: 250

يكن سترةٌ أو كانت وتباعد عنها؛ فالأصح أنه ليس له الدفع لتقصيره، ولا يحرم المرور حينئذ بين يديه لكن الأَوْلَى تركه كما قاله في الروضة، وقال فِي شرح المهذب والتحقيق يُكْرَهُ، قال ابن المنذر: وكان مالك - رضي الله عنه - يُصلى متباعدًا عن السترة فمر به رجل لا يعرفه فقال: أيها المصلي أدنُ من سترتك، قال فجعل يتقدم ويقول ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ 198، نعم قال في الكافي: إن حريمه إذا لم يكن ستره قدر إمكان سجوده فلو مرَّ وراءَهُ جَازَ.
فَرْعٌ: لم يفصل أصحابنا في تحريم المرور بين يدي المصلي إلى الكعبة وبين الطائف وغيرهما، واغتفر غيرنا ذلك للحاجة إليه بل ألحق بعض الحنابلة الحرم بمكة في عدم كراهة المرور.
قُلْتُ: يُكْرَهُ الاِلْتِفَاتُ، أي بوجهه للنهي عنه 199، لاَ لِحَاجَةٍ، للاتباع، ولا عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ.
فَقَالَ بِيَدِهِ.
فَرَجَعَ.
فَمَرَّتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ.
فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا.
فَمَضَتْ.
فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [هُنَّ أَغْلَبُ].
رواه الإمام أحمد في المسند: ج 6 ص 294. وابن ماجه في السنن: كتاب إقامة الصلاة: الحديث (948). والحديث ضعيف لأن محمد بن قيس أو أُمُّهُ مجهولان.
ولِمُحَمَّدِ بن قيسٍ ترجمةٌ في تهذيب التهذيب: الرقم (6498).

الجزء: 1 - الصفحة: 251

بأس بلمح العين بدون الالتفات، ففى صحيح ابن حبان من حديث ابن شيبان الحنفي قال: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَصَلَّيْنَا مَعَهُ فَلَمَحَ بِمُؤَخَّرِ عَيْنِهِ رَجُلًا لاَ يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَقَالَ: [لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ يُقِيمُ صُلْبَهُ] 200، وَرَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَفُّ شَعْرِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، للنهي عنه فمن ذلك أن يعقص شعره أو يرده تحت عمامته أو يشمر ثوبه أو كُمَّهُ ونحو ذلك كَشَدِّ الوسط وغرز العذبة، والحكمة في النهي عنه أن ذلك يسجد معه 201، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ بِلاَ حَاجَةٍ، للنهي عنه 202، = الأمثال: الحديث (2863).

الجزء: 1 - الصفحة: 252

والحاجة كوضع اليد على الفم إذا تَثَاءَبَ 203، والظاهر أنه يضع اليسرى لأنها لتنحية الأذى، وَالْقِيَامُ عَلَى رِجْلٍ، لأنه تكلف ينافي الخشوع، نعم إذا كان لحاجة فلا، وَالصَّلاَةُ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا، أي الأول للبول؛ والثاني للغائط، أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَتُوقُ إِلَيهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأخْبَثَانِ]، رواه مسلم 204، ويُكره أيضًا مدافعة الريح كما قاله الرافعي، وَأَنْ يَبْصُقَ قِبْلَ وَجْهِهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، للنهي عنه في الصحيحين بل عن يساره 205، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ، للنهي عن أن يصلي الرجل مختَصِرًا، متفق عليه 206، وذكرتُ في الأصل أن فيه أربعة أقوال، أصحها أن يضع يده على خاصرته وأهملتُ خامسًا: أن يقتصر على الآيات التي فيها السجدة ويسجد فيها، وسادسًا: أن يختصر السجدة إذا انتهى في قراءته إليها ولا يسجدها، حكاهما المحب الطبري في أحكامه، وَالْمُبَالَغَةُ فِي خَفْضِ الرَّأْسِ = عن أبي هريرة [أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلاَةِ].
وإسناده صحيح وربما أعلَّهُ البعض بفعل عطاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 253

فِي رُكُوعِهِ، وسجوده لأنه خلاف المنقول فإنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بَيْنَ ذلك 207، وَالصَّلاَةُ فِي الْحَمَّامِ، أي بمسلخه 208، وَالطَّرِيقِ، أي في البنيان للنهي عنهما، وَالْمَزْبَلَةِ، أي موضع الزبل لكثرة النجاسة فيها، وَالْكَنِيسَةِ، أي وكذا البيعة ونحوهما من أماكن الكفر؛ لأنها مأوى الشياطين، فإن لم يأذنوا لنا حرمت الصلاة وغيرها؛ لأن لهم منعنا من الدخول كما نمنعهم دخول مساجدنا، ولم يتعرض في الروضة لما ذكرنا هنا، وَعَطَنِ الإِبِلِ، للنهي عنه وعطن الغنم كمأواها ومأوى الإبل لَيْلًا كعطنها، إلا أنها أخف من العطن، وعطن البقر كالغنم قاله ابن المنذر، وَالْمَقْبَرَةِ الطَّاهِرَةِ 209، وَالله أَعْلَمُ،

الجزء: 1 - الصفحة: 254

للنهي أيضًا، والمعنى فيه ما تحت مصلاه من النجاسة أو لحرمة الموتى كما دل عليه كلام القاضي، قال ابن الرفعة: ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه (492)، قال: ومنه يوخذ كراهة الصلاة بجانب النجاسة وخلفها؛ وفيما ذكره نظر، واحترز بالطاهرة عن المنبوشة فلا تصح عليها بدون حائل، فإن شك فالأظهر الصحة تغليبًا للأصل.

بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ

بَابٌ: أي هذا باب، سُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ، أما طلب فعله فللأحاديث الآتية، وأما عدم وجوبه فلأنه لا ينوب عن الفرض، عِنْدَ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ، أَوْ فِعْلَ مَنْهِيِّ عَنْهُ، أي في الصلاة بالشرط الآتي لا لغير الصلاة من العبادات، ولا لكل مأمور به ومنهى عنه فيها على الإطلاق، وبقي سبب ثالث وهو إيقاع بعض الفرض مع التردد في وجوبه.
ولا فرق في مشروعية السجود بين صلاة الفرض والنفل على الأظهر.
فَالأَوَّلُ: إِنْ كاَنَ رُكْنًا وَجَبَ تَدَارُكُهُ، أي ولا يكفى السجود عنه؛ لأن حقيقة الصلاة لا توجد إلا به، وَقَدْ يُشْرَعُ السُّجُودُ كَزِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِتَدَارُكِ رُكْنٍ كَمَا سَبَقَ فِي التَّرْتِيبِ، أي فيما إذا ترك ركنًا ساهيًا، أَوْ بَعْضًا وَهُوَ الْقُنُوتُ، أي جميعه، وكذا بعضه؛ ويستثنى قنوت النازلة، وَقِيامُهُ، وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ، أي ولو في النفل كما سبق، أَوْ قُعُودُهُ، وَكَذَا الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ فِي الأَظْهَرِ،210

الجزء: 1 - الصفحة: 255

أي وهو أنه مستحب فيه، سَجَدَ، أما التشهد الأول فنصًا 211 والباقى قياسًا، ولأن هذه الأمور من الشعائر الظاهرة المخصوصة بالصلاة، واحترز بالمخصوصة عن تكبيرات العيد، فإنه لا يسجد لها، لأنها تُشرعُ في غير الصلاة، ويتصور السجود للقيام خاصة والقعود خاصة بما إذا كان لا يحسن التشهد ولا القنوت فإنه يستحب له أن يقف ويقعد بقدرهما، وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا فَلاَ، يسجد لتقصيره، والأصح: نَعَمْ؛ لأن الْجَبْرَ حينئذ أهم.
قُلْتُ: وَكَذا الصَّلاَةُ عَلَى الآلِ حَيْثُ سَنَنَّاهَا، وَالله أَعْلَمُ، أي حيث قلنا: إنها سُنَّةٌ وذلك في التشهد الأخير على الأصح؛ وفي الأول على وجه، قُلْتُ: ويضم إلى ذلك أيضًا الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في القنوت، ويتصور السجود لترك الصلاة على الآل بما إذا كان مأمومًا وتحقق ترك إمامه لذلك، وَلاَ تُجْبْرُ سَائِرُ السُّنَنِ، أي باقيها لعدم النفل وهو باب توقيف، ولم يرد إلا فِي بعض الأبعاض؛ فقسنا باقيها عليه لتأكده وبقى ما عداها على الأصل.
وَالثَّانِي: أي وهو فعل المنهي عنه، إِنْ لَمْ يَبْطُلْ عَمْدُهُ كَالإِلْتِفَاتِ وَالْخُطْوَتَيْنِ لَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ، لعدم النقل، وَإِلاَّ، أي إن أبطل عمده الصلاة كالكلام والركوع الزائد، سَجَدَ إِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِسَهْوِهِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم -[صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ]، متفق عليه 212، واحترز بقوله (إِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِسَهْوِهِ) عن كثير الفعل والأكل والكلام

الجزء: 1 - الصفحة: 256

فإن الصلاة تبطل بعمدها، وكذا بسهوها على الأصح، فلا سجود وهذا معنى قوله بعد ذلك: كَكَلاَمٍ كَثِيرٍ فِي الأَصَحِّ، والخلاف عائد إلى التمثيل لما يبطل سهوه وهو الكلام الكثير لا إلى قوله سجد، قُلْتُ: وإذا تنفل على الدابة وَحَوَّلَهَا عن صوب مقصده سهوًا، وعاد على الفور لا تبطل صلاته فلا يسجد له على ما صححه المصنف في شرح المهذب، فتستثنى هذه الصورة من كلامه.
وَتَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيِر يُبْطِلُ عَمْدُهُ فِي الأَصَحِّ، لأنه يخلُّ بالموالاة وسواء طوَّله بسكوت أو قنوت في غير موضعه أو ذكر آخر، والثاني: أنه لا يبطل عمده وبه صح الحديث في مسلم 213، فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، لإخلاله بصورة الصلاة، فَالاِعْتِدالُ قَصِيرٌ، أي بالنسبة إلى غير القنوت وصلاة التسبيح، وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي الأَصَحِّ، لأن المقصود الفصل، والثاني: أنه رُكْنٌ طَوِيْلٌ وصححه المصنف فِي شرح المهذب، وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًا كَفَاتِحَةٍ فِي رُكُوعٍ أَوْ تَشَهُّدٍ لَمْ تَبْطُلْ بِعَمْدِهِ فِي الأَصَحِّ، لأنه لا يخل بصورتها، والثاني: تبطل كما لو كرر ركنًا فعليًا، والفرق لائح؛ ويستثنى من القولي نقل السَّلام فإنه مبطل، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فِي الأَصَحِّ، لإخلاله بصورتها، والثاني: لا؛ كسائر ما لا يبطل عمده، والعمد كَالسَّهْوِ، كما صرح به في شرح المهذب خلاف لما اقتضاه ايراده هنا، وَعَلَى هَذَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّوْرَةُ مِنْ قَوْلِنَا: المتقدم: مَا لاَ يَبْطُلُ عَمْدُهُ، لاَ سُجُودَ لِسَهْوِهِ، قُلْتُ: ويستثنى أيضًا ما إذا قنت قبل الركوع فإن عمده لا يبطل مع أن سهوه يقتضي السجود كما ذكره في الروضة، وكذا إذا فرقهم أربع فرق في صلاة الخوف فإنه جائز كما ذكره في بابه، ويسجد للسهو للمخالفة بالانتظار في غير موضعه كما ذكره في الروضة

الجزء: 1 - الصفحة: 257

أيضًا، وكذا إذا ترك التشهد الأول ناسيًا وتذكره بعدما صار إلى القيام أقرب فإنه يعود إليه ويسجد كما سيأتى.
وَلَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ، أى إما مع نسيان القعود أو مع الإتيان به، فَذَكَرَهُ بَعْدَ انْتِصَابِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ، لأنه تلبس بفرض فلا يقطعه بِسُنَّةٍ، فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ، أي عامدًا، بَطَلَتْ، لأنه زاد قعودًا عمدًا، أَوْ نَاسِيًا فَلاَ، لرفع القلم عنه، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، لأنه زاد جلوسًا في غير موضعه، أَوْ جَاهِلًا فَكَذَا فِي الأَصَحِّ، لأنه مما يخفى على العوام، والثاني: أنها تبطل، لتقصيرهم بترك التعلم 214، وَلِلْمَأْمُومِ الْعَوْدُ لِمُتَابَعَةِ إِمَامِهِ فِي الأَصَحِّ، أي فيما إذا قعد الإمام للتشهد، وقام المأموم ناسيًا أو نهضا، ثم تذكر الإمام فعاد قبل الانتصاب وانتصب المأموم؛ لأن المتابعة فرض، فرجوعه رجوع إلى فرضٍ لا إلى سُنَّةٍ، والثاني: يحرم العود كما يحرم على المنفرد.
قُلْتُ: الأَصَحُّ وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأن متابعة الإمام آكد 215، وَلَوْ تَذَكَّرَ، أي التشهد الأول، قَبْلَ انْتِصَابِهِ عَادَ لِلتَّشَهُّدِ، لأنه لم يتلبس بفرض، والمراد بالانتصاب الاعتدال والاستواء، وَيَسْجُدُ إِنْ كاَنَ صَارَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ، أي منه إلى القعود لأنه أتى بفعل غَيَّرَ نَظْمَ الصَّلاَةِ، ولو أتى به عمدًا في غير موضعه بطلت صلاته، فإن كان إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 258

القعود أقرب أو كانت نسبته إليهما على السواء لم يسجد؛ لأنه لا يُبطل.
قُلْتُ: والأصح عند الجمهور أنه يسجد كما ذكره في شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا فَعَادَ بَطَلَتْ إِنْ كاَنَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ، أي وإن عاد قبله فلا.
وَلَوْ نَسِيَ قُنُوتًا فَذَكَرَهُ فِي سُجُودِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ، لتلبسه بفرض، أَوْ قَبْلَهُ عَادَ، لأنه لم يتلبس به، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إِنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ، لأنه زاد ركوعًا والعمد به مبطل، وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ، أيّ مُعَيَّنٍ، سَجَدَ، لأن الأصل أنه لم يفعله، أَوِ ارْتِكَابِ مَنْهِيِّ فَلاَ، لذلك أيضًا، وَلَوْ سَهَا؛ وَشَكَّ هَلْ يَسَجُدْ؟ فَلْيَسْجُدْ، لأن الأصل عدم السجود، وَلَوْ شَكَّ أَصَلِّى ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ أَتَى بِرَكْعَةٍ، بناء على الأصل 216، وَسَجَدَ، للأمر به وسببه التردد، وقيل: الْجَبْرُ ولا يظهر معناه، فلو زال تردده قبل السلام وعرف أن الذي أتى بها رابعة سجد على الأول؛ لا الثاني؛ وهذا معنى قوله، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلاَمِهِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يُصَلِّيهِ مُتَرَدِّدًا وَاحْتَمَلَ كَوْنُهُ زَائِدًا، وَلاَ يَسْجُدُ لِمَا يَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ إِذَا زَالَ شَكُّهُ، مِثَالُهُ: شَكَّ في الثَّالِثَةِ؛ أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ؟ فَتَذَكَّرَ، أى كونها ثالثة أو رابعة، فِيهَا، أي في الثالثة قبل أن يقوم إلى الرابعة، لَمْ يَسْجُدْ، لأن ما فعله على الشك لا بد منه على التقديرين إذ المسألة مفروضة، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ سَجَدَ، لأن احتمال الزيادة وكونها خامسة كان موجودًا حين قام، ولو تذكر في قيامه أى إلى الرابعة، فيظهر أن يقال: إن صار إلى القيام أقرب سجد، وإلاّ فلا، ويحتمل أن يقال يسجد مطلقًا.
وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلاَمِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ، لأن الظاهر أداؤها على التمام، والثاني: يؤثر كما لو شك في الصلاة؛ وعزا القفال في فتاويه

الجزء: 1 - الصفحة: 259

هذا إلى الجديد؛ والأول إلى الإملاء، وقال: إنه يشبه القول القديم في نسيان الفاتحة، قال: وعلى الأول لو فرغ من الصلاة ثم شك في نجاسة كانت على ثوبه هل كانت معه وقت الصلاة أم لا؟ فلا قضاء، ثم محل الخلاف في الكتاب ما إذا لم يطل الفصل فإن طال فطريقان أظهرهما القطع؛ بأنه لا يؤثر لكثرة التردد والشكوك بعد طول المدة، والثاني: طرد القولين وهو مقتضى إطلاق المصنف.
وَسَهْوُهُ حَالَ قُدْوَتِهِ يَحْمِلُهُ إِمَامُهُ، كما يتحمل السورة وغيرها، ولا فرق بين القدوة الحسية والحكمية كما ستعرفه في المزحوم وصلاة الخوف، واحترز بحال القدوة عن سهوه قبل القدوة وبعدها فإنه لا يحمله، واقتضى كلامه في الروضة تبعًا للرافعي أنه يحمل الأول.
فَلَوْ ظَنَّ سَلاَمَهُ فَسَلَّمَ فَبَان خِلاَفُهُ سَلَّمَ مَعَهُ، لأنه لا يجوز تقديمه على سلام إمامه كما ستعرفه في بابه، وَلاَ سُجُودَ، لسهوه حال القدوة، وَلَوْ ذَكَرَ فِي تَشَهُّدِهِ تَرْكَ رُكْنٍ غَيْرَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرَةِ قَامَ بَعْدَ سَلاَمِ إِمَامِهِ إِلَى رَكْعَتِهِ، أي ولا يجوز أن يعود إلى تداركه لما فيه من ترك المتابعة الواجبة، وَلاَ يَسْجُدُ، لوجود سهوه حال القدوة أيضًا، وإنما استثنى النية وتكبيرة الإحرام لأَنَّهُ حينئذٍ ليس في صلاةٍ، وَسَهْوُهُ بَعْدَ سَلاَمِهِ لاَ يَحْمِلُهُ، لانتهاء القدوة، فَلَوْ سَلَّمَ الْمَسْبُوقُ بِسَلاَمِ إِمَامِهِ بَنَى، أي إذا لم يطل الزمان، وَسَجَدَ، لأن سهوه بعد انتهائها، وَيَلْحَقُهُ سَهْوُ إِمَامِهِ، لأن الخلل بذلك يتطرق إلى صلاته، قُلْتُ: ويستثنى من ذلك ما إذا تبين حدث الإمام؛ فإنه لا يسجد لسهوه ولا يتحمل هو عن المأموم سهوه، وما إذا علم المأموم سبب سهوه وغلطه في ظنه فلا يوافقه إذا سجد، فَإِنْ سَجَدَ، أي في غير ما تقدم استثناؤه، لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، لأن الإمام إنما جعل ليُؤتمَّ به، وهذا السجود لسهو الإمام، وقيل: لِمُجَرَّدِ المتابعة وينبني عليهما ما إذا لم يسجد الإمام وسيأتي، وَإِلاَّ، أي وإن لم يسجد الإمام، فَيَسْجُدُ، أي المأموم، عَلَى النَّصِّ، جْبرًا للخلل، وفي قول مخرّج: لا يسجد؛ لأنه لم يسْهَ وقد عرفت مدرك الخلاف.
وَلَوِ اقْتَدَى مَسْبُوقٌ بِمَنْ سَهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ، فَالصَّحِيحُ

الجزء: 1 - الصفحة: 260

أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَهُ، للمتابعة، ثُمَّ، يسجد، في آخِرِ صَلاِتِهِ؛ لأنه محل الجبر بالسجود، والثاني: لا يسجد معه؛ لأن محل السجود آخر الصلاة، وفي قول: إنه إذا سجد معه لا يسجد في آخر صلاته لأنه لم يَسْهَ، وقوله (وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ) أَي إذا سهى قبل اقتدائه؛ فالصحيح أنَّه يسجد معه للمتابعة، وقيل: لا؛ لأنه لم يحضر السهو، والأظهر أنَّه يعيدُه في آخر صلاته؛ لأنه دخل في صلاة ناقصة، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الإِمَامُ؛ سَجَدَ آخِرَ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى النْصِّ، أي في الصورتين بعد الاقتداء وقبله لما تقدم في المأموم الموافق، وفيه القول المخرج السالف، والخلاف يبنى على ما سبق وهو أن سجود المأموم مع الإمام هل هو لسهوه أو لمجرد المتابعة؟ وَسُجُودُ السَّهْوِ وَإنْ كَثَرَ، يعني السَّهو، سَجْدَتَانِ, لأنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سلم من اثنتين وكلَّم ذا اليدين ومشى واقتصر على سجدتين 217، وقيل: إذا سها بالزيادة والنقصان سجد أربعًا حكاه ابن عبدان في شرائط الأحكام، وقيل: يتعدد إذا تعدد سببه حكاه صاحب الوسائل وهو ابن جماعة المقدسيّ، نعم قد تتعدد صوره لا حكمًا كما سيأتي.
فَرْعٌ: لو سجد ناويًا البعض فلصاحب البحر فيه ثلاثة احتمالات، الجواز والبطلان؛ لأنه زاد سجودًا على غير المشروع، والفرق بين أن ينوي الأول فيجزي وإلا فلا.
كَسُجُودِ الصَّلَاةِ، أي في الأركان والشرائط والمستحبات، وَالجَدِيدُ أَنَّ مَحَلَّهُ

الجزء: 1 - الصفحة: 261

بَيْنَ تَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ, لأنه آخر الأمرين من فعله - صلى الله عليه وسلم -، والقديمُ: أنهُ إنْ سهَا بزيادةٍ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ أو نقصَ فقبلَهُ، وفي ثالث: يتخيرُ بينهما، ونقل البيهقي في المعرفة أنَّه الأشبه، قال: ثم احتاط بعض أصحابنا ففعل ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - أو قاله في كل واقعة رويت عنه 218، وحكاه الحازمي في ناسخه ومنسوخه عن سليمان بن داود الهاشمي من أصحاب الشافعي 219 وحكى المصنف في تحقيقه طريقة قاطعة بالأول وزاد على ذلك فصححها وحكى فيه قولًا رابعًا أنَّه بعد السلام مطلقًا وهو غريب، والخلاف في الإجزاء، وقيل: في الأفضل، وقوله: (بَيْنَ تَشَهُّدِهِ) أي مع الركن الذي بعده وهو الصلاة على النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- وكذا المستحبات كالصلاة على الآل والأدعية.
فَرْعٌ: لو اقتدى بمن يَرَى سُجُودَ السُّهْوِ بعد السلام، قال الدارميُّ: فإِنْ سَبَقَهُ ببعضها أخرج نفسه وتمم لنفسه وسجد، وإلّا فأوجه أحدها: يخرج نفسه ويسجد، وثانيها: يتبعه في السجود بعد السلام، وثالثها: لا يسلم إذا سلم الإمام، بل يصبر فإذا سجدَ سَجَدَ معهُ ثم يسلِّمُ.
فَإِنْ سَلْمَ عَمْدًا فَاتَ فِي الأَصَحِّ، أي تفريِعًا على الجديد لقطعهِ الصَّلاَةَ بِالسَّلَامِ، والثاني: لا، إن قربَ الفصل، أَوْ سَهْوًا وَطَالَ الْفَصْلُ فَاتَ فِي الْجَدِيدِ، لفوات محله وتعذر البناء، والقديم: لا؛ لأنه جُبْرانٌ فلم يسقط بالتطاول كجبران الحج، وَإِلَّا، أي

الجزء: 1 - الصفحة: 262

وإن قصر، فَلَا عَلَى النَّصِّ, لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ] , متفق عليه (502)، وقيل: نعم؛ لأن السلام وجد في وقته وهو فرض فلا يعود إلى سُنَّةٌ، وِإذَا سَجَدَ، أي هنا أو في طول الفصل على القديم، صَارَ عَائِدًا إِلَى الصَّلاةِ فِي الأَصَحِّ؛ لأن محل السجود قبل السلام، والثاني: لا؛ لأن التحلل حصل بالسلام بدليل أنَّه لا تجب اعادته.
وَلَوْ سَهَا إِمَامُ الْجُمُعَةِ وَسَجَدُواْ فَبَانَ فَوْتُهَا أَتَمُّواْ ظُهْرًا، لما سيأتي في بابه، وَسَجَدُوا؛ لأن محله آخر الصلاة، وقد تبيَّن أنَّ الْمَأْتِيَّ به ليس في آخرها، وَلَوْ ظَنَّ سَهْوًا فَسَجَدَ فَبَانَ عَدَمُهُ سَجَدَ فِي الأَصَحِّ, لأنه زاد سجدتين سهوًا، والثاني: لا، لأن سجود السهو يجبر كل خلل في الصلاة فيجبر نفسه كما يجبر غيره، وصار كالشاة من أربعين تزكي نفسها وغيرها.

بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ

بَابٌ: أي

باب سجود التلاوة والشكر

، تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ: أما مطلوبيتها فإجماع، وأما عدم الوجوب فلقول عمر: (إِنَّ الله لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ) 221، ولا يقوم الركوع مقام هذه السجدة عندنا خلافًا للخطابي، وَهُنَّ فِي الْجَدِيدِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ: مِنْهَا سَجْدَتَا (اَلْحَجَّ)، لحديث عمرو بن العاص أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-[أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ220

الجزء: 1 - الصفحة: 263

سَجْدَتَانِ]، رواه أبو داود والحاكم 222 وعدها في الحديث خمس عشر لأجل ﴿ص﴾ فإن السجود مشروع لها بالشرط الآتي، ومواضع السجدات معروف 223؛ واختلف في ثلاثة منها كما ذكرته في الشَّرْحِ، وأهملتُ رابعًا وهو ما ذكره ابن التين في شرح البخاري أن سجدة في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ 224 هي عند قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ

الجزء: 1 - الصفحة: 264

الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} 225 أواخر السورة، وحكاه ابن الحاجب في مختصره أَيضًا فقال: والانشقاق آخرها، وقيل: ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ وزاد موضعًا خامسًا فقال ﴿ص﴾ و ﴿أناب﴾ 226، وقيل: ﴿مئاب﴾ 227، وعن النقاش أن عند أبي حنيفة ويَمان بن رِئاب سجدة عند قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ 228 وهذا غريب وقد حكاه القرطبي أَيضًا 229، والقديم أنها إحدى عشرة بإسقاط سجدات المفصل لحديث فيه ضعيف 230، لاَ ﴿ص﴾، بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ، أي لله تعالى على قبول توبة داود عليه السلام، لحديث ابن عباس [سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا] رواه النسائي 231، ويقوي إرساله بقول رَاوِيْهِ في البخاري 232. تُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ؛ لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَجَدَهَا مَرَّةً عَلَى الْمِنْبَرِ

الجزء: 1 - الصفحة: 265

كما رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم 233، ويدخل في إطلاق المصنف مشروعية السجود لها في الطواف وهو الظاهر وإن لم أرَ من صرح به، وَتَحْرُمُ فِيهَا عَلَى الأَصَحِّ، كغيرها من سجود الشكر، فعلى هذا إن فعله عامدًا عالمًا بالتحريم بطلت، أو ناسيًا أو جاهلًا فلا يسجد للسهو، والثاني: لا يحرم؛ لأن سببها التلاوة بخلاف غيرها من سجود الشكر 234. وَتُسَنُّ لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ، للاتباع، نعم: لا سجود لقراءة الجنب والسكران كما قاله القاضي في فتاويه، وإذا سجد المستمع مع القارئ فلا يرتبط به ولا ينوي الاقتداء وله الرفع من السجود قبله، قاله في الروضة، وحاصل كلام القاضي: أنَّه لا يجب، ولكن يجوز، وَتَتَأكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارئِ، أي وإن كان أصل الاستحباب لا يتوقف على سجوده على الأصح.
قُلْتُ: وَتُسَنُّ لِلسَّامِعِ، وَالله أَعلَمُ، أي وهو الذي لم يستمع بل سمع من غير قصد إلَّا أنَّه لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع، أما أصل الاستحباب فلقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ 235 دخل

الجزء: 1 - الصفحة: 266

فيه السامع والمستمع ومن لم يَسْمَع أَيضًا وإن تناوله الإطلاق أَيضًا فهو خارج بالاتفاق، وإن عَلِمَ ذلك برؤية الساجدين ونحوه، وأما عدم التأكيد فلقول ابن عباس [اَلسَّجْدَةُ لِمَنِ اسْتَمَعَ لَهَا] رواه البيهقي وعَلَّقَهُ البخاري عن عثمان وعمران 236. وَإِنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، أي في محل القراءة، سَجَدَ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِقِرَاءَتِهِ فَقَطْ، أي سجد كل منهما لقراءة نفسه كما سبق؛ ولا يسجدان لقراءة غيرهما؛ لأنه يكره لهما الاصغاء لها، أما إذا قرأها في الركوع أو السجود فلا يسجد بخلاف ما إذا قرأها قبل الفاتحة، ويستثنى صلاة الجنازة؛ فلا يسجد فيها قطعًا إذا قرأ آية سجدة فيها ولا بعدها على الأصح، وَالْمَأْمُومُ لِسَجْدَةِ إِمَامِهِ، أي فقط فلو سجد لقراءة نفسه أو غيره أو لقراءة إمامه كغيره لكن عند سجوده بطلت صلاته للمخالفة، فَإِنْ سَجَدَ إِمَامُهُ فَتَخَلَّفَ أَوِ انْعَكَسَ، أي بأن سجد هو دُون إمامه، بَطَلَتْ؛ صَلاتُهُ، لما فيه من المخالفة، وقيل: لا تبطل في الثَّانية حكاه مجلي وقد فهم من كلام المصنف: أنَّه لا يكره للإمام قراءة آية سجدة وهو كذلك، وقد صح ذلك من فعله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ في السِّرية 237.

الجزء: 1 - الصفحة: 267

وَمَنْ سَجَدَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، أي أراد السجود، نَوَى، للحديث المشهور، وَكَبَّرَ لِلإِحْرَامِ، للاتباع كما أخرجه أبو داود بإسناد حسن 238، رَافِعًا يَدَيهِ، أي كما في تكبيرة الإحرام، ولا يستحب أن يقوم ثم يكبر على الأصوب في الروضة، ثُمَّ لِلْهَوِيِّ بِلَا رَفْع وَسَجَدَ كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ، وَرَفَعَ مُكبِّرًا وَسَلَّمَ، أي بعد القعود، وكل ذلك كما في الصلاة، وقوله (كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ) أي في جميع ما سبق هناك، ويؤخذ منه الاقتصار على سجدة واحدة لأن التقدير سجدة كسجدة الصلاة، وَتَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ شَرْطٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لما سبق، والمراد بالشرط هنا ما لا بد منه، والثاني: أنها سُنَّة وهو المنصوص، وصححه الغزالي؛ لأن سجود التلاوة ليس صلاة بانفراده حتَّى يكون له تحرّم، ولهذا قال أبو جعفر الترمذي: لا تشرع فيه هذه التكبيرة أصلًا، وَكَذَا السَّلَامُ فِي الأَظْهَرِ، قياسًا على التحرّم، والثاني: أنَّه لا يشترط كما لا يشترط ذلك إذا سجد في الصلاة، والأصح من زوائد الروضة: أنَّه لا يستحب التشهد، وسكتَ المصنفُ عن النية؛ والمعروف وجوبها، ونقل الرافعي عن الوسيط: أنها لا تجب؛ ثم قال: وهو متأيدٌ بقول الشَّافعيّ، وأقله سجدة بلا شروع ولا سلام، وحكاه في النهاية وجهًا، وقال: كَانَ شَيْخِي لا يَذكُرُ غَيْرَهُ وَنَصُّ الشَّافِعِي يُوَافِقُهُ.
وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ، أي كالطهارة وغيرها؛ لأنها صلاة في الحقيقة، كذا علله صاحب المهذب والبحر، ويشترط أَيضًا دخول وقت السجود بأن يكون قد قرأ الشيخين ولم يخرجاه أو هو سُنْةٌ صحيحة غريية أن الإمام يسجد فيما يُسِرُّ بالقراءة مثل سجوده فيما يعلن.
ووافقه الذهبي.

الجزء: 1 - الصفحة: 268

الآية أو سمعها، فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر آية السجدة، ولو بحرف واحد، لم يجز؛ صَرَّحَ به في شرح المهذب، ومقتضاه أن سماع الآية بكاملها شرط في القراءة حتَّى لا يكفي سماع كلمة السجدة فتنبه له.
قُلْتُ: ويشترط أيضًا الكف عن المفسدات كالكلام والأكل والفعل فإن المصنف لم يعدّها هناك من الشروط.
وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا، أي في الصلاة، كَبَّرَ لِلْهَوّي وَللرَّفْعِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، أي فيهما معًا كما في صلب الصلاة.
قُلْتُ: وَلَا يَجْلِسُ لِلاِسْتِرَاحَةِ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأنه زيادة في الصلاة لم يرد فعلها، وَيقُولُ: سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، للاتباع إلاّ أنى لم أرَ في روايته لفظة و (صوَّره) ولهذا حذفها المصنف في تحقيقه، قال الغزالي رحمه الله تعالى: يدعو في سجوده بما يليق بالآية التي قرأها وهو حسن، ونحى نحوه صاحب البحر، وقال المصنف في تحقيقه يسبّح ويدعو كغيرها ويزيد: [سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ اللَّهُمَّ أُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أجْرًا وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقبَّلْهَا مِنّي كَمَا تَقبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدْ] وهذا الدعاء رواه التِّرْمِذِيّ وحسنه الحاكم وصححه 239. وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً فِي مَجْلِسَيْنِ سَجَدَ لِكُلِّ، لتجدد السبب بعد توفية الأول ما يقتضيه، وَكَذَا الْمَجْلِسُ فِي الَأصَحِّ، لما ذكرناه، والثاني: يكفيه الأولى كما لو كررها قبل أن يسجد للأولى، والثالث: إن طال الفصل سجد لكل مرة وإلا فلا، وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ، أي وإن طالت، وَرَكعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ، أي وإن قصرتا نظرًا إلى الاسم،

الجزء: 1 - الصفحة: 269

فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ وَطَالَ الْفَضْلُ لَمْ يَسْجُدْ، أي لا أداء؛ لأنه من توابع القراءة، ولا قضاء على الأظهر؛ لأنه ذو سبب عارض فلم يُقْضَ كالخسوف، وسواء كان التأخير لعذر أو غيره كما اقتضاه إطلاق المصنف.
فَصْلٌ: وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لاَ تَدْخُلُ الصَّلَاةَ، أي حتَّى لو فعلها فيها بطلت صلاته؛ لأن سببها ليس له تعلق بالصلاة بخلاف سجدة التلاوة، وَتُسَنُّ لِهُجُومِ نِعْمَةٍ، أي لحدوث ولدٍ أو مالٍ وجاهٍ ونصرٍ على الأعداء، كما مثله في البحر، ومثل ذلك قدوم الغائب وشفاء المريض 240، أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، أي لنجاته مما ظن وقوعه به كالهدم والغرق وغيرهما 241، وكذا حدوث مطر عند قحط وزواله عند خوف التأذي به لعدة أحاديث في ذلك، ذكرتها في الأصل، واحترز بهجوم النعمة عن استمرارها فإنَّها لا تُسَنُّ، أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلَى، أي في بدنه أو غيره شكرًا لله على سلامته، أَوْ عَاصٍ،

الجزء: 1 - الصفحة: 270

يتظاهر بها؛ لأن مصيبة الدين أشدُّ من مصيبة الدنيا، والسجود لرؤية الكافر من باب أَوْلى فأيُّ معصية أشد من معصيته، وبه صَرَّحَ الروياني في البحر، ولو لم يرهما بل علم بوجودهما كما لو حضرا في ظلمة أو عند أعمى أو سمع صوتهما من وراء جدار، فالذي يظهر استحباب السجود أيضاً، وَيُظْهِرُهَا لِلْعَاصِي، أي تعييراً له فلعله يتوب؛ اللَّهُمَّ إلاّ أن يخاف مفسدة أو ضرراً فيخفيها كما قاله في شرح المهذب، لاَ لِلْمُبْتَلَى، لئلا يتأذى به، نعم: إذا كان غير معذور كالمقطوع في السرقة أظهرها، كما قاله ابن يونس في شرحه للتعجيز، وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلاَوَةِ، أي المفعولة خارج الصلاة في كيفيتها وشرائطها لما سبق في تلك، وَالأَصَحُّ جَوَازُهُمَا عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ، أي بالإيماء بخلاف الجنازة لأنها تندر، فلا يشق النزول لها؛ ولأن حرمة الميت تقتضى النزول، واحترزت بالإيماء عما لوكان في مرقد وأتم السجود فإنه يجوز قطعاً، والأصح أن الماشي يسجد على الأرض كسجدات الصلاة، فَإِنْ سَجَدَ لِتِلاَوَةِ صَلاَةٍ جَازَ عَلَيْهَا قَطْعاً، أي بالإيماء تبعاً لها كما في سجود الصلاة، والخلاف السابق محله إذا أتى بالسجدة وحدها وهذا التفصيل لا يأتي في سجدة الشكر؛ لأنها لا تُفعل في الصلاة.

بَابُ صَلاَةِ النَّفْلِ

صَلاَةُ النَّفْلِ قِسْمَانِ: النَّفْلُ لغة الزَّيَادَةُ؛ واصطلاحاً مَا عَدَا الْفَرْض، سُمِّي بذلك لزيادته عليه، قِسْمٌ لاَ يُسَن جَمَاعَةً، أي لمواظبته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ على فعله فرادى وإن كانت الجماعة فيه جائزة من غير كراهة لحديث ابن عباس في الصحيح [أَنَّهُ تَهَجَّدَ فِي بَيْتِ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ مُقْتَدِياً بِالنبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 242، . وَجَمَاعَةً منصوبٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 271

على التمييزِ لا الحال، فَمِنْهُ الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ، أي وهي التابعة للفرائض لا المؤقتة بوقت، والحكمة في مشروعيتها تكميل ما نقص من الفرائض 243، وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُهْرِ وَكَذَا بَعْدَهَا، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، لحديث ابن عمر، متفق عليه 244. قُلْتُ: إلاّ في حق الجامع بمزدلفة؛ فإن السُّنَّةَ ترك التنفل بعد المغرب والعشاء كما نص عليه وصح في الحديث 245، وَقِيلَ: لاَ رَاتِبَ لِلْعِشَاءِ، وكتاب الأذان: باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام: الحديث (698) والحديث (699)، وفي كتاب الوتر: الحديث (992).

الجزء: 1 - الصفحة: 272

لأن الركعتين بعدها يجوز أن يكونا من صلاة الليل، وروى ابن مَنْدَةَ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ حَبِيبِي - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَهَا ثُمَّ قَالَ: [مَنْ صَلَّي بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكْعَاتٍ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ] قال ابن مندة: غريب تَفَرَّدَ به صالح ابن قطن، قُلْتُ: ولا أعلم حاله، وأما ابن الجوزي فذكره في علله من الطريق المذكورة ثم قال: وفيه مجاهيل 246. وَقِيلَ: أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، لأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَانَ لاَ يَدَعُهَا، رواه البخاري من حديث عائشة 247. وَقِيلَ: وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّارِ]، رواه الترمذي والحاكم وصححاه 248، وَقِيلَ: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ يُصَلَّى فيه الصبح بمزدلفة: ج 5 ص 262. وفي سنن أبي داود: الحديث (1934). وأخرج البيهقي في المعرفة والآثار: الحديث (1645) بلفظ: [مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى صَلاَةَ قَطُّ إِلاَّ لِوَقْتِهَا إِلاَّ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ صَلاَتَيْنِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ وَقْتِهَا].

الجزء: 1 - الصفحة: 273

الْعَصْرِ، للاتباع كما رواه الترمذي وحسنه 249، وَالْجَمِيعُ سُنَّةً، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي الرَّاتِبِ الْمُؤَكَّدِ، يعني أن الجميع سُنَّةٌ راتبة؛ وإنما الخلاف في أنها مؤكدة أم لا؟ كذلك ذكره في الروضة وشرح المهذب، فمنهم من يقول: إن الجميع مؤكد لظاهر الأدلة السالفة، ومنهم من يقول: المؤكد هو العشرة المذكورة أولاً فقط للمواظبة عليها وما ذكره المصنف، قال الرافعي: هو معنى قول المهذب وجماعة: أدنى الكمال عشرة وأتمه ثمان عشرة، وقيل: وَرَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، للاتباع كما أخرجه ابن حبان في صحيحه 250 فاستفده، ووجه مقابله قول ابن عمر: (مَا رَأَيْتُ أَحَداً يُصَلِّيهِمَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -) رواه أبو داود بإسناد حسن 251. قُلْتُ: هُمَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: [مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّارِ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: الحديث (1269). والترمذي في الجامع: أبواب الصلاة: الحديث (428) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
والنسائي في السنن: في قيام الليل: ج 3 ص 265 - 266. والحاكم في المستدرك: كتاب صلاة التطوع: الحديث (1175/ 25) وقال: كلا الإسنادين صحيحان على شرط مسلم ولم يخرجاه.

الجزء: 1 - الصفحة: 274

سُنَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الأَمْرُ بِهِمَا، هوكما قال؛ فإنه أخرج من حديث عبد الله ابن مغفل - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [صَلُّواْ قَبْلَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ]، قال في الثالثة: [لِمَنْ شَاءَ] كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً 252، والمراد بالسُّنَّةِ الطريقة اللازمة لا المعنى الاصطلاحي، والجواب عن قول ابن عمر السالف أنه نفى؛ وغيرهُ اثبت؛ خصوصاً أن من أثبت أكبر عدداً ممن نفى.
ومحلُّ استحبابهما بعد دخول الوقت وقبل الشروع في الإقامةِ، وإذا قلنا باستحبابهما فَلَيْسَتَا مِن المؤكدةِ، قاله الرافعي؛ وابنُ الصلاحِ خلاف ما يَقْتَضِيهِ إِيْرَادُ الْمُصَنِّفِ؛ وَفِيِهِ نَظَر؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بهما وفعلهما كما تقدم، وصح أنه كان إذا عمل عملاً أثبته، وقد حكاه الأستاذ وجهاً وإن كان غريباً، وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعٌ، للأمر بذلك كما أخرجه مسلم 253، وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَالله أَعْلَمُ، أي فإذا أراد الأكمل صلَّى أربعاً أو أدناه صلَّى ركعتين، وقد أفردت ذلك في تصنيف مفرد فراجعه.
وَمِنْهُ، أي من السنن، الْوِتْرُ، قال ابنُ المنذرِ: لا أعلم أحداً وافق أبا حنيفة على وجوبه حتى صاحبيه؛ وهو من الرواتب أيضاً كما يفهمه كلامه، وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [اَلْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ]، رواه مسلم 254، وقال أبو الطيب: يُكره الإيتار رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلَّيهِمَا، وَرَخَّصَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: الحديث (1284).

الجزء: 1 - الصفحة: 275

بها 255، وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشَرَةَ، وَقِيلَ: ثَلاَثَ عَشْرَةَ، لاختلاف الرواية عن عائشة في ذلك 256، وَلَمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةِ الْفَصْلُ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان يفصل بين الشفع والوتر بالتسليم، رواه ابن حبان 257، وَهُوَ أَفْضَلُ، من الوصل الآتي ذكره؛ بل يكره الوصل كما جزم به صاحب اللطيف، لأن أحاديث الفصل أكثر، ابن عمر رضي الله عنهما قال: [اَلْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ] رواهما مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: باب صلاة الليل: الحديث (155/ 753) والحديث (153/ 752).

الجزء: 1 - الصفحة: 276

كما قاله في شرح المهذب، ولأنه أكثر عملاً إذ يزيد بالسلام ثم بالتكبير والنية وغيرها، وفي صحيح ابن حبان من حديث أبى هريرة مرفوعاً [لاَ تُوْتِرُواْ بِثَلاَثٍ أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَلاَ تُشَبِّهُواْ بِصَلاَةِ الْمَغْرِبِ] 258 وهو صريح في كراهية وصلِ الثلاث، وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرها، متفق عليه 259 وغيره من الأحايث، أي ولمن زاد الوصل أيضاً، أَوْ تشَهُّدَيْنِ فِي الآخِرَتَيْنِ، للاتباع فيهما، كما أخرجه مسلم 260، ولا يجوز أكثر من تشهدين على الأصح لأنه خلاف المنقول، ولا يجوز الاتيان بهما في غير الأخيرتين لأنه خلاف المنقول أيضاً.
فَرْعٌ: يستحب لمن أوتر بثلاث أن يقرأ في الأولي ﴿سبِّح﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة (﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ والمعوذتين لحديث حسن فيه 261.

الجزء: 1 - الصفحة: 277

وَوَقْتُهُ بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءَ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، بالإجماع، قال المحاملي في المقنع: ووقته المختار إلى نصف الليل والباقي وقت جواز، وَقِيلَ: شَرْطُ الإيْتَارِ بِرَكْعَةِ سَبْقُ نَفْلِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، ليوتر ما قبله من السنن، والأصح المنع بل يوتر ما قبله فرضاً كان أو سُنَّةً، وَيُسَنُّ جَعْلُهُ آخِرَ صَلاَةِ اللَّيْلِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [اِجْعَلُواْ آخِرَ صَلاَتِكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وِتْراً] متفق عليه 262، وحينئذ فإن كان له تهجد أخر الوتر إلى أن يتهجد؛ وإن لم يكن له تهجد أوتر بعد فريضة العشاء، وراتبتها كذا أطلقهُ في الروضة تبعاً للرافعي عن العراقيين، وقال فِي شرح المهذب: إن لم يكن له تهجدٌ ولكن وثق باستيقاظ آخر الليل، يستحب تأخيرهُ لأحاديث صحيحة فيه 263، فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ لَمْ يُعِدْهُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ] رواه أبو داود وصححه ابن حبان 264. يَقْرَأُ ... الحديث، وفيه: و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾]: الحديث (2439).

الجزء: 1 - الصفحة: 278

وَقِيلَ: يُشْفِعُهُ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يُعِيدُهُ، أي يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعاً ثم يتهجد ما شاء ثم يوتر ثانياً اقتداء بابن عمر وغيره ويسمى هذا نقض الوتر وذكر الغزالي فِي الأحياء أنه صح النهي عن نقضه 265. فَائِدَةٌ: قال ابن حبان في صحيحه: ذكر الأمر بركعتين بعد الوتر لمن خاف أن لا يستيقظ للتهجد وهو مسافر، ثم روى من حديث ثوبان: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - سَفَرِهَ فَقَالَ: [إنَّ هَذَا السَّفَرَ جُهْدٌ وَثقلٌ فَإذَا أَوْتَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ، وَإلاَّ كَانَتَا لَهُ] 266. وَيُنْدَبُ القُنُوتُ آخِرَ وِترِهِ فِي النَّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ، اقتداءاً بأبي بكر - رضي الله عنه - 267 وَقِيلَ: كُلِّ السَّنَةِ، لإطلاق حديث الحسن: عَلَّمَنِي جَدِّي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في السنن: كتاب الصلاة: باب في نقض الوتر: الحديث (1439). والترمذي في الجامع: أبواب الصلاة: باب ما جاء لا وتران: الحديث (470). والنسائي في السنن: في قيام الليل: باب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوترين: ج 3 ص 229 - 230.

الجزء: 1 - الصفحة: 279

كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ- أي في قنوت الوتر-: [اللَّهُمَّ اهْدِني فِيْمَنْ هَدَيْتَ ... إلى آخره] كما تقدم في قنوت الصبح، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين 268، وهذا الوجه قوي مختار، وَهُوَ كَقُنُوتِ الصُّبْحِ، في لفظه ومحله والجهر به واقتضاء السجود بتركه ورفع اليد وغيره، وَيَقُولُ قَبْلَهُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ ... إِلَى آخِرِهِ، أي وَنَسْتَهْدِيكَ وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، نَشْكُرُكَ وَلاَ نَكْفُرُكَ وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ إِنَّ عَذَابَكَ الْجَدَّ بِالْكُفّارِ مُلْحَقٌ، هذا ما ذكره في الْمُحَرَّرِ ورواه البيهقي بنحوه 269 وزاد في أصل الروضة، والرافعي أن أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ أَمَّهُمْ يعني في رمضان وكان يقنت في النصف الأخير من رمضان، وفي الباب عن علي وابن عمر وأبى حليمة معاذ القارئ - رضي الله عنهم - جميعاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 280

نقله عن أصحاب القاضي أبي الطيب وغيره: اللَّهُمَّ رَبِّ عَذِّبِ الْكَفَرَةَ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيِلِكَ وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيْمَانَ وَالْحِكْمَةَ وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِكَ وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُواْ بِعَهْدِكَ الَّذِي عَاهَدْتَّهُمْ عَلَيْهِ وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ إِلَهَ الْحَقِّ وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ، قال في الروضة: ينبغي أن نقول: اَللَّهُمَّ عَذِّبِ الْكَفَرَةَ للحاجة إلى التعميم في أزماننا، وأشار بذلك إلى إدخال التتار فإنهم كانوا قد استولوا في زمانه على كثير من أقاليم المسلمين وكانوا إذ ذاك كفاراً لا كتاب لهم، وقال ابن القاضي: يزيدُ في القنوت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ... إلى آخر السورة 270، واستحسنه الروياني واستغربه المصنف في شرح المهذب وضعفه بأن المشهور كراهة القراءة في غير القيام.
قُلْتُ: الأَصَحُّ بَعْدَهُ، لثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان تقديمه أولى، وما ذكره المصنف من استحباب الجمع بين القنوتين شرطه أن يكون منفرداً أو أمام قوم محصورين وإلا فيقتصر على قنوت الحسن، قاله الأصحاب.
فَائِدَةٌ: في ابن ماجة عن أبي الحسن الطنافسي: قُلْتُ لوكيع: اَقْنُتُ في الوتر بحديث ابن عباس: [رَبِّ أَعِنِّي وَلاَ تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلاَ تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلاَ تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، ربِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّاراً، لَكَ ذَكَّاراً، لَكَ رَهَّاباً، لَكَ مِطْوَاعاً، لَكَ مُخْبِتاً، إِلَيْكَ أَوَّاهاً مُنِيْباً، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاهْدِ

الجزء: 1 - الصفحة: 281

قَلْبِي وَاسْلُلْ سَحِيْمَةَ صَدْرِي] قال: نَعَمْ، هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة واللفظ للترمذي وقال: حسن صحيح 271. وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تُنْدَبُ فِي الْوِتْرِ عَقِبَ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ، لنقل الخلف ذلك عن السلف، وأشار بقوله (عَقِبَ) إلى أنه لو كان له تهجد، أنه لا يوتر معهم وبه صرح في شرح المهذب، وأما وتر غير رمضان فلا يُستحب فيه الجماعة على الأصح كغيره من السنن، واقتضى كلام المصنف أنه إذا صلى التراويح فرادى لا يستحب له الجماعة في الوتر، وليس كذلك بل استحبابها فيه دائر مع استحبابها في التراويح كما ذكره في الروضة تبعاً للرافعي لا مع فعلها فيها، وَمِنْهُ، أى ومن القسم الذي لا يُسَنُّ جماعة، الضُّحَى وَأَقَلْهَا رَكْعَتَانِ، لحديث أبي هريرة: [أوْصَانِي خَلِيْلِي بِثَلاَثٍ: صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوْتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ] متفق عليه 272، وفي كتاب العقيلي بإسناد ضعيف عن ابن مسعود [مَا أُحْصِي مَا سَمِعْتُ [مِنْ] رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ فِيْهَا، بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾] 273 وروى الحاكم؛ أبو عبد الله في مصنفه في الضحى حديثاً أنه

الجزء: 1 - الصفحة: 282

[يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُوْلَى مِنْهُمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ سُورَةَ وَالضُّحَى] وفيه مناسبة وإن كان الحديث ضعيفاً 274. وَأَكْثَرُهَا ثْنَتَا عَشْرَةَ، ركعة لحديث [مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكعَةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْراً فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَهَبٍ] رواه الترمذي واستغربه، وأما ابن السكن فصححه 275، أبواب الصلاة: باب ما جاء في الركعتين بعد المغرب: الحديث (431) وقال: وفي الباب عن ابن عُمَرَ- قلت: وقد رواه في الحديث (417) وإسناده حسن- وقال: حديث ابن مسعود حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الملك بن معدان عن عاصم.
قلت: عبد الملك بن الوليد بن معدان: نسب هنا إلى جده، ضعفه أبو حاتم، وقال البخاري: (فيه نظر)، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عَدي: روى أحاديث لا يتابع عليها؛ له ترجمه في تهذيب التهذيب: الرقم (4350).

الجزء: 1 - الصفحة: 283

ونقل في شرح المهذب عن الأكثرين أن أكثرها ثمان وما جزم به هنا هو قول الروياني 276. وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ، أي للداخل فيه القاصد للجلوس لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ] متفق عليه 277، ويستثنى من ذلك الخطب عند صعوده المنبر على الأصح، ويُكره إذا دخل والإمام في مكتوبة أو والصلاة تقام أو قربت إقامتها، وكذا إذا دخل المسجد الحرام أو خاف فوات سُنَّة راتبة كما في نظرهِ من الطواف، ولو صلى أكثر من ركعتين بتسليمة واحدة جاز، وكانت كلها تحية، نقله في شرح المهذب عن الأصحاب، والظاهر أنه لو أحرم بهما قائماً ثم أراد القعود لإتمامهما جاز، وإن الداخل زحفًا يؤمر ذَهَبٍ] كما هو في كتب ابن الملقن.
قال الترمذي: حديث أنس حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
والغريب نوع من أنواع الضعيف.
• عن أُمِّ حَبِيْبَةَ رضى الله عنها؛ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: [مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي للهِ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا مِنْ غَيْرِ فَرِيْضَةٍ، إِلاَّ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أو إلاَّ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ] رواه مسلم في الصحيح؛ كتاب صلاة المسافرين: باب فضل السنن: الحديث (101 و 102 و 103/ 728).

الجزء: 1 - الصفحة: 284

بالتحية 278، وأنه لو دخل وسمع آية سجدة أو انتهى إليها وسجدها فاتت التحية.
فَائِدَةٌ: التحيات أربع: تحية المسجد بالصلاة، والبيت بالطواف، والحرم بالإحرام، ومنى بالرمي، قُلْتُ: وتحيَّةُ اللقاء بالسلام.
وَتَحْصُلُ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ آخَرَ، أي وإن لم ينوها معه لأن المقصود بالتحية أن لا تُنْتَهَكَ حرمة المسجد بالجلوس بغير صلاة وقد حصل ذلك، لاَ بِرَكْعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، للحديث السالف، والثاني: تحصل بها لحصول الإكرام.
قُلْتُ: وَكَذَا الْجَنَازَةُ، وَسَجْدَةُ التِّلاَوَةِ وَالشُّكْرِ، أي لا تحصل التحية بها على الصحيح لما ذكرناه في الركعة، وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّوِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ فِي الأَصَحِّ، وَالله أَعْلَمُ، لتجدد السبب، والثاني: لا؛ للمشقة، فإن طال الفصل تكرر الأمر بهما قطعًا لزوال المشقة، وهذا بخلاف نظير إحرام الْحَطَّابِيْنَ وغيرهم كما سيأتى، وما سبق في سجدة التلاوة، وَيَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ قَبْلَ الْفَرْضِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ بِفِعْلِهِ، وَيَخْرُجُ النَّوْعَانِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ، لأنهما تابعان له، نعم؛ الاختيار تقديم المقدمة، وَلَوْ فَاتَ النَّفْلُ الْمُؤَقَّتُ نُدِبَ قَضَاؤُهُ فِي الأَظْهَرِ، للاتباع في قضاء سُنَّةِ الظهر والفجر فيقضى أبدًا 279، وقيل: مؤقتاً، والثاني: لا يقضى كغير المؤقت، والثالث:

الجزء: 1 - الصفحة: 285

يقضى ما استقل كالعيد والضحى، دون الرواتب، واحترز بالمؤقتة عما يفعل لسبب عارض كالكسوف وتحية المسجد فلا مدخل للقضاء فيه، ووقع في الروضة تبعًا للرافعي: عَدُّ الاستسقاء من ذلك وليس يجيد، لأنها لا تفوت بالسقيا، كما ستعرفه في بابه.
وَقِسْمٌ يُسَنُّ جَمَاعَةً كَالْعِيدِ؛ وَالْكُسُوفِ؛ وَالاِسْتِسْقَاءِ، لما ستعلمه في أبوابها، وَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا لاَ يُسَنُّ جَمَاعَةً، لتأكدها بمشروعية الجماعة فيها، لَكِنِ الأَصَحُّ تَفْضِيلُ الرَّاتِبَةِ عَلَى التَّرَاوِيحِ، لمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها دون التراويح، كما قاله الرافعي، والثاني: أن التراويح أفضل منها إذا قلنا الجماعة تُسَنُّ فيها، كما سيأتي لشبهها بالعيد حينئذ، أما إذا قلنا الانفراد أفضل، فالراتبة أفضل منها قطعًا، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تُسَنُّ فِي التَّرَاوِيحِ، بإجماع الصحابة كما نقله صاحب الشامل، وإنما صلاّها - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك فرادى لخشية الافتراض، أى لخشية تَوَهُّمِهِ، وقد زال ذلك المعني، ونقله البيهقي في كتاب فضائل الأوقات عن أكثر الصحابة أيضًا، قال: وفي حديث أبى ذر مرفوعًا: [إِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَتْ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ] 280 وكان عليٌّ - رضي الله عنه - يجعل للرجال إمامًا، وللنساء إمامًا، وجعل عرفجة الثقفي إمام النساء 281، لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّيْهِمَا بَعْدَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ] رواه الترمذي في الجامع: أبواب الصلاة: الحديث (423) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روى عن ابن عمر أنه فعله، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم.
وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال: ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث عن هَمَّام بهذا الإسناد نحو هذا إلا عَمْرو بن عاصم الكِلاَبِيَّ.
إهـ. قُلْتُ: هو ثقة حافظ، فانفراده بالرواية لا يضر.
له ترجمة في تهذيب التهذيب: الرقم (5223) وليس عليه مَطْعَنٌ.
ورواه الحاكم في المستدرك: كتاب الصلاة: الحديث (1015/ 342) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وواففه الذهبي.

الجزء: 1 - الصفحة: 286

والثاني: أن الانفراد فيها أفضل كسائر النوافل، والثالث: إن كان حافظاً للقرآن، آمناً من الكسل، ولم تختلْ الجماعة بتخلفه، فالانفراد أفضل وإلا فالجماعة، وعَبَّرَ في البحر عن الشرط الثاني بقوله: وأن يصلي في بيته أطول من صلاة الإمام، ونقل ابن عبد البر عن الشافعي: أن الانفراد في البيت أفضل، وعن المزني وغيره: أن الجماعة فيها في المسجد أفضل، ونقل الترمذي عن الشافعي أخباراً: أن يصلي وحده إذا كان قارئاً، وتبعه البغوي، وهذه المسألة أصل الأُولى، كما عرفته فلو قدمها كان أحسن، واعلم: أن المصنف رحمه الله لم يتعرض لأصل استحباب التراويح، ولا لكيفيتها، ولا لوقتها وكل ذلك موضح في الأصل، فراجعه.
ومما لم أذكره فيه ما حكاه الروياني عن القديم: أنه لا حصر للتراويح، وهو غريب، وقال في الحلية: أقلها عشرون ركعة، وقال أبو الحسن الجوزي: عدد الركعات في شهر رمضان لا حد له عند الشافعي، وقال البيهقي في كتابه فضائل الأوقات: ذكر ما روى في عدد ركعات القيام في شهر رمضان: في عهد عمر - رضي الله عنه - وبعده، ثم روى من طريق مالك عن السَّائِبِ بْنِ يَزِيْدٍ: [أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أُبَيّاً وَتَمِيْماً الدَّارِيَّ بِأَنْ يَقُوْمَا بِإحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِيْنَ حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُوْلِ الْقِيَامِ وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلاَّ فِي بُزُوْغ الْفَجْرِ] قال البيهقي: كذا في هذه الرواية 282، وهي موافقة لرواية عائشة رضي الله عنها في عدد قيامه في شهر رمضان وفي غيره [وَكَأَنَّ عُمَرَ أمَرَ بِهَذَا الْعَدَدِ زَمَاناً ثُمَّ كَانُواْ يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِهِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً وَكَانُواْ يَقْرَءُونَ بِالْمِئِيْنِ، وَكَانُواْ يَتَوَكَّوُنَ عَلَى عِصِيِّهِمْ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ مِنْ شِدَّةِ الْقِيَامِ] رواه السائب ابن يزيد أيضاً 283، ورواه يزيد بن رَوْمَانَ عن عمر مرسلاً، وروينا عن شُتَيْرِ بنِ شَكَل وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - أَنَّهُ [كَانَ يَؤُمُّهُمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَيُصَلِّيَ وَيَجْعَلُ لِلرِّجَالِ إِمَامًا، وَللنِّسَاءِ إِمَامًا، قال عرفجة: فَكُنْتُ أَنَا إِمَامَ النِّسَاءِ.
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب قيام شهر رمضان: الأثر (4710).

الجزء: 1 - الصفحة: 287

خَمْسَ تَرْوِيْحَاتِ عِشْرِيْنَ رَكْعَةً] 284، وروينا عن أبي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: [دَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ - رضي الله عنه - بِثَلاَثِ قُرَّاءٍ، فَاسْتَقْرَأَهُمْ فَأَمَرَ أَسْرَعَهُمْ قِرَاءَةً أَنْ يَقْرَأَ لِلنَّاسِ فِي رَمَضَانَ ثَلاَثِيْنَ آيَةً، وَأَمَرَ أَوْسَطَهُمْ أَنْ يَقْرَأَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَأَمَرَ أَبْطَأَهُمْ أَنْ يَقْرَأَ عِشْرِيْنَ آيةً] 285، وروى مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج أَنَّهُ [كَانَ الْقَارِئُ يَقُومُ بِسُوْرَةِ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي اثْنَتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ] 286. وَلاَ حَصْرَ لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ، أى لا لأعداده، ولا لعدد ركعات الواحدة منه فالصلاة خير موضوع، فمن شاء استقل ومن شاء استكثر، فإن نوى ركعة أو أكثر جاز، وإن لم ينوِ شيئًا صح، وصلى ما شاء على الأصح، فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، كما في الفرائض الرباعية، وكذا في كل ثلاث وكل أربع، قاله في التحقيق، ولوكان العدد وتراً فلا بد من التشهد أخراً، وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لأن له أن يصلي ركعه ويتحلل منها، وإذا جاز له ذلك جاز له القيام إلى أخرى.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ مَنعُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنا لا نجد في الفرائض صلاة على هذه الصورة.
فَرْعٌ: إذا صلى بتشهد واحد قرأ السورة في الركعات كلها، وإن صلى بتشهدين ففى القراءة فيما بعد التشهد الأول القولان في الفرائض.
وِإذَا نَوَى عَدَدًا فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ بِشَرْطِ تَغَيِرَ النَّيِّةِ قَبْلَهُمَا، أي قبل الزيادة والنقصان لأنه لا حصر للنفل المطلق كما سلف، وكذا لو نوى ركعة فله أن يزيد بهذا الشرط ولا يدخل في كلامه، لأَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ مِنَ الْعَدَدِ وَإِنَّمَا هُوَ مَبْدَؤُهُ، وَإِلاَّ، أي وإن لم يغير النية قبلهما، فَتَبْطُلُ، لأن الذي أحدثه لم تشمله نيته، فَلَوْ

الجزء: 1 - الصفحة: 288

نَوَى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ إِلَى ثَالِثَةِ سَهْوًا فَالأَصَحُّ أَنَّهُ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ لِلزِّيَادَةِ إِنْ شَاءَ، أي إن يشأ الزيادة لأن القيام إليها لم يكن معتدًا به فأشبه القاصر إذا قام سهوًا، ثم نوى الإتمام فإنه يلزمه القعود على الصحيح، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته، والثاني: لا يحتاج إلى القعود؛ لأن القيام في النافلة ليس بشرط.
قُلْتُ: نَفْلُ اللَّيْلِ، أي المطلق، أَفْضَلُ، من نفل النهار المطلق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [أفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيْضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ] رواه مسلم 287 وفيه أيضًا [أَنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهُ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ] 288 ولأن الليل محل الغفلة، وَأَوْسَطُهُ أفْضَلُ، إذا قسمه أثلاثًا؛ لأن الغفلة فيه أكثر وأفضل منه السدس الرابع والخامس، ثبت في الصحيحين في حق داود 289 ولأن النوم فيه على التهجد أكثر مما سبق فيكون أنشط له، ثُمَّ آخِرُهُ، أى أفضل من الثلث الأول ومن النصف الأول أيضًا؛ لأن الله تعالى حَثَّ على الاستغفار بالأسحار

الجزء: 1 - الصفحة: 289

فهو محل الرحمة والمغفرة ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ 290 وسببه أن أهل المعاصي تنتهى معصيتهم غالباً قبل السحر، وَأَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، أي ليلاً كان أو نهارًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [صَلاَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَّى مَثْنَّى] صححه البخاري وابن حبان وغيرهما 291. وَيُسَنُّ التَّهَجُّدُ، بالإجماع واستنبط أبو الوليد النيسابوري من قوله تعالى: {وَمِنْ

الجزء: 1 - الصفحة: 290

اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} 292 أن المتهجدَ يشفعُ في أهل بيته، والْهُجُودُ لُغَةً: النَّوْمُ؛ واصطلاحاً: صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ، وقال الماوردى: هو من الأضداد؛ يقال: تَهَجَّدَ؛ إِذَا سَهِرَ؛ وَتَهَجَّدَ؛ إِذَا نَامَ.
وَيُكْرَهُ قِيَامُ كُلِّ اللَّيْلِ دَائِماً؛ لأنَّه مضر للعين ولسائر البدن كما قال - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله ابن عمر: [وَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقَّاً] الحديث في الصحيحين 293 وهو ظاهر ممن يجد به مشقة يخشى بسببها محذوراً وإلا فهو مستحب لاسيما التلذذ بمناجاة ربه، ومن يشق عليه ولا يخاف به محذوراً لم يكره له ورفقه بنفسه أولى 294، واحترز بقوله (دَائِماً) عن إحياء بعض الليالي كالعشر الأخير وليلتي العيد، وَتَخْصِيصُ لَيْلَةِ

الجزء: 1 - الصفحة: 291

الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ، للنهي عنه كما أخرجه مسلم 295، وَتَرْكُ تَهَجُّدِ اِعْتَادَهُ، وَالله أَعْلَمُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعبدالله بن عمرو رضي الله عنهما [لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْل ثُمَّ تَرَكَهُ] متفق عليه 296.

الجزء: 1 - الصفحة: 292

فصول الكتاب · 77 فصل
فصول عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج
المقدمةكِتَابُ الطَهَارَةِكِتَابُ الصَّلاَةِكِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكِتَابُ الاِعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكتاب البيعكِتَابُ السَّلَمِكِتَابُ الرَّهنِكتاب التفليسكِتَابُ الْصُّلْحِكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكِتَابُ الْوَكَالةِكتاب الإقراركِتَابُ الْعَارِيَّةِكِتَابُ الْغَصْبِكتاب الشفعةكِتَابُ الْقراضِكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الوقفكتاب الهبةكِتَابُ الْلُّقَطَةِكِتَابُ الْلَّقِيطِكتاب الجُعَالةِكتاب الفرائضكتاب الوصاياكِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قَسْم الفَيْءِ وَالغَنِيمَةِكِتَابُ قَسْمُ الْصَّدقَاتِكِتَابُ الْنِّكَاحِكتاب الصَّدَاقكِتَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزَكِتَابُ الْخُلْعِكتاب الطلاقكتاب الطلاقكتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الإِيْلاءِكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعانكِتابُ الْعَدَدِكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدم والقسامةكِتَابُ البُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ الزِّنَاكِتَابُ حَدَّ الْقَذْفِكِتَابُ قَطْعِ الْسَّرِقَةِكِتَابُ قَاطِعِ الْطَّرِيقِكتاب الأشربةكِتَابُ الصِّيَالِ وضَمَانِ الوُلاَةِكِتَابُ السِّيَّرِكِتَابُ الْجِزْيَةِكِتَابُ الْهُدْنَةِكِتَابُ الصَّيْدِ والذَّبَائِحِكِتَابُ الأضْحِيَّةِكِتَابُ الأَطْعِمَةِكِتَابُ الْمُسَابَقَةِ والْمُنَاضَلَةِكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب النذركِتَابُ الْقَضَاءِكِتَابُ الشَّهَادَاتِكتاب الدعوى والبيناتكتاب العتقكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الْكِتَابَةِكِتَابُ أمَّهَاتِ الأوْلاَدِ
جارٍ التحميل