كتاب الديات
: الحديث (1553): ج 2 ص 449.
الجزء: 4 - الصفحة: 1549
وسواء كان العمد موجبًا للقصاص فعفى على الدية أو لم يوجبه كقتل الوالد ولده، وَمُخَمَّسَة فِي الخَطَإِ: عِشرُون بِنْتَ مَخاضٍ، وَكَذا بَناتُ لَبون وَبَنُو لَبونٍ وَحِقاقٌ وَجِذاعٌ، لإجماع الصحابة كما قاله الماوردي، وأبدل ابن المنذر بني اللبون ببني المخاض موافقةً للحديث كما أخرجه أحمد والأربعة، لكن قال الدارقطني والبيهقيُّ: الصحيحُ وقفُهُ 1. فَإن قَتَلَ خَطَأً في حَرَمِ مَكةَ؛ أَوِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ: ذِي القِعدَةِ؛ وَذِي الحجةِ؛ والمحَرمِ؛ وَرَجَبٍ، أَوْ مَحرَمًا ذا رَحِمٍ فَمُثَلثة، لأن الصحابة رضوان الله عليهم غلظوا في هذه الأحوال الثلاث، وإن اختلفوا في كيفية التغليظ، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة فكان إجماعًا، وخرج بـ (حَرَمِ مَكةَ) حرمُ المدينة، فإنه لا تغليظ بالقتل بالدية: الحديث (2626).
الجزء: 4 - الصفحة: 1550
فيه على الصحيح، لأن صيده غير مضمون على الجديد كما تقدم في بابه، ولا يغلظ بالقتل في الإحرام على الأصح، لأن حرمته عارضة بخلاف المكان، ولم يرد فيه أيضًا من التغليظ ما ورد في القتل في الحرم، وخرج بـ (الأشْهُرِ الحُرُمِ) رمضانُ، فإنه لا يغلظ بالقتل فيه وإن كان عظيمًا، وبقوله (مَحرِمًا) ذا رَحم الذي ليس بمحرم كأولاد الأعمام والأخوال، فإنه لا تغلظ ديته على الأصح، ولا تتغلظ بمحرمية الرضاع والمصاهرة قطعًا، وحدّ حرم مكة قد تقدم بيانه في باب محرمات الإحرام، وما ذكره المصنف في عد الأشهر الحرم؛ هو ما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، وقال الكوفيون: الأقربُ في عدها أن يقالَ المُحَرمُ؛ وَرَجَبَ؛ وذُو القِعدَةِ؛ وَذُو الحِجَّةِ من سنة واحدة، قال ابن دَحية الحافظ: وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا نذر صيامها فعلى الأول تبتدئ بذِي الْقَعدَةِ، وعلى الثاني بِالمُحَرَّمِ.
والخطأ وإن تثلثَ، أي كما في التغليظ بالأسباب المذكورة، فَعَلَى العاقِلَةِ مُؤَجلَةٌ، كما سيأتي في بابها، وَالْعمدُ علَى الجانِي مُعَجلَةٌ، تغليظًا كما في إبدال المتلفات، وَشِبْهُ العَمدِ مُثَلثَة عَلَى العاقِلَةِ مُؤُجَّلَة، أما كونها مثلثة فلقوله -عليه السلام-: [عَقْلُ شِبْهِ العَمدِ مُغَلظٌ مِثْلَ عَقْلِ العَمدِ؛ ولا يقتلُ صاحِبُهُ] رواه أبو داود ولم يضعفه 2، فأما كونها على العاقلة ومؤجلة؛ فلما سيأتي في بابها إن شاء الله تعالى.
فَصل: وَلا يُقْبَلُ مَعِيبٌ وَمَريضٌ، أي وإن كانت إبلُهُ كذلك قياسًا على سائرِ أبدال المتلفات بخلاف الزكاة، والمِرادُ بالعيب هُنا: ما أُثِرَ في المال وأثبتَ الرَّد، بخلاف عيبِ الكفارة؛ فإنه ما أخَلَّ بالعمل، لأن المقصود فيها تخليص الرقبة، إِلا بِرِضاهُ، أي إلَّا برضى المستحق، فإنه يجوز؛ لأن الحقَّ له، فلهُ إسقاطه، وَيثْبُتُ حَملِ الخلْفَةِ بأهلِ خِبْرَةٍ، أي عند إنكار المستحق، فيرجع فيه إلى عدلين منهم، والأصَحُّ:
الجزء: 4 - الصفحة: 1551
إِجْزاؤها قَبْلَ خَمْسِ سِنِيْنَ، لأنه ليس في الأخبار إلا اعتبار الخلفة، والثاني: لا، لأنَّ الحمل قبل خمس سنين مما يندر ولا يوثق به، وقوله (الأصَح) صوابه والأظهر، كما عبر به في الروضة، وَمَن لَزِمَتْهُ، يعني الدية من العاقلة أو الجاني، وَلَهُ إِبِلٌ فَمِنْها، كما تجب الزكاة من نوع النصاب سواء كانت من نوع إبل البلد أم فوقها أم دونها، وَقِيلَ: مِنْ غالِبِ إِبِلِ بَلَدِهِ، لأنها عِوَضُ متلفه.
وَإلا فَغالِبِ، إبل بلده أوْ، قَبِيلَةِ بَذوِي؛ وَإِلا فأَقْرَبُ بِلَادٍ، أي وإن لم يكن له إبل، فغالب إبل بلده أو قبيلته، وإلّا فإبل أقرب البلاد ويلزمه النقل إن قربت المسافة، فإن بعدت وعظمت المؤنة والمشقة لم يلزمه وسقطت المطالبة بالإبل، وَلا يَعدِلُ إِلَى نَوع، أي ولو أعلى كما صرح به الرافعي، وَقِيْمَةِ إِلا بِتَراضٍ، كسائر أبدال المتلفات، لكن نص الشافعي وتبعه القاضي والماوردي وسليم والبندنيجي على الإجبار في الأعلى، كما أفاده عنهم ابن الرفعة، قال صاحب البيان: كذا أطلقوه، ليكن ذلك مبنيًا على جواز الصلح عن إبل الدية، هذا منه إشارة إلى حال الجهل بالصفات مع معرفة القدر والسن إذ هو محلّ الخلاف، أما إذا كانت معلومة القدر والسن والصفات جاز الصلح عنها قطعًا، وجزم بما قاله صاحب البيان قبل هذا بأوراق في الروضة، وفي كتاب الصلح تبعًا للرافعي أن الجناية إذا أوجبت الإبل لا يجوز الصلح عليها عند الجمهور لجهالتها، وإن أوجبت القصاص في النفس أو الطرف، فينبني على أن الواجب؛ هل هو القصاص أو أحد الأمرين؟ وحمل ابن الرفعة هذا الكلام على ما إذا كانت مجهولة الصفة، والأول على ما إذا كانت معلومة، قال: ومثل ذلك لا يمنع الاعتياض، وَلَوْ عُدِمَتْ، أي الإبل في الموضع الذي يجب تحصيلها منه! وكذا إذا وجدت بأكثر من ثمن المثل، فالقَدِيمُ أَلفَ دِينَارِ أَوْ اِثْنا عَشَرَ أَلفَ دِرهَمٍ، لقوله -عَلَيهِ الصلَاة والسَّلَامُ-[وَعَلَى أَهْلِ الذهَبِ ألْفُ دِينارٍ] صححه ابن حبان والحاكم من حديث عمرو بن حزم 3، وفي السنن الأربعة من حديث ابن عباس: أنه عَلَيهِ
الجزء: 4 - الصفحة: 1552
الصَّلَاةُ والسَّلَامُ [جَعَلَ الدِّيةَ اثنا عَشَرَ ألفًا] قال النسائي وغيره: والصواب إرساله 4، وفي وجه مُخَرجٍ على القديم: أن الدراهم مقدرة بعشرة آلاف درهم، وَدِيَةُ أهلِ الكتابِ يَوْمَئِذٍ النصفُ مِنْ دِيَةِ المسُلِمِينَ، قالَ: وَكانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى استُخلِفَ عُمَرُ - رضي الله عنه -؛ فَقامَ خَطِيبًا، فقالَ: (إِن الاِبِلَ قَد غَلَت)، قَالَ: فَفَرَضها عُمَرُ عَلَى أهْلِ الذهَبِ ألفَ دِينارِ، وعَلَى أهلِ الوَرِقِ اثنَي عَشَرَ ألفًا.
رواه أبو داود في السنن: كتاب الديات: باب الدية كم هي: الحديث (4542). والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الديات: جماع أبواب أسنان إبل الخطأ: الحديث (16608). • في الحاوي الكبير للماوردي: كتاب الديات: باب أسنان الخطأ: ج 12 ص 229؛ قال الماوردي: ودليلنا ما روى سفيان بن عُيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس، أن رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - جَعَل الدية اثنَيْ عَشَرَ ألفَ دِرهَمٍ.
ولأنه قول سبعة من الصحابة أنهم حكموا في الدية باثني عشر ألف درهم منهم الأئمة الأربعة -يريد العبادلة كما سيأتي- وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو هريرة رضوان الله عليهم، ولم يظهر مخالف، فكان إجماعًا لا يسوغ خلافه.
قلتُ: حسب ما قاله الإمام الماوردي -رحمه الله-؛ لا ينظر إلى ضعف حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، لشواهده العملية؛ ونقل إجماع الصحابة على أمره - صلى الله عليه وسلم - في الموضوع المناط للمسألة.
والله أعلم.
• عن ابن شهاب الزهري -رحمه الله-؛ عن مكحول وعطاء، قالوا: أدرَكنا الناسَ عَلَى أنَّ دِيَةَ المُسلِمِ الحُر عَلَى عَهْدِ النبي - صلى الله عليه وسلم - مِائَة مِنَ الإبلِ؛ فَقَومَ عُمَرُ بنُ الْخَطْابِ - رضي الله عنه - تِلْكَ الدّيَةَ عَلَى الْقُرى ألفَ دِينارٍ أوِ اثنَيْ عشرَ ألْفُ درهَمٍ.
رواه البيهقي في السنن الكبرى: الأثر (16602). قُلْتُ: إن المعنى قائم بإجماع الصحابة.
والله أعلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 1553
والجَدِيدُ قِيْمَتُها، أي قيمة الإبل بالغة ما بلغت؛ لما روى أبو داود والنسائيُّ وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -[كانَ يُقَوِّمُ الإِبِلَ عَلَى أهْلِ الْقُرَى، فَإذا غَلَتْ رَفَعَ في قِيْمَتِها، وَإِذا هاجَتْ رُخصًا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِها] 5. بنَقْدِ بَلَدِهِ، أي الغالب، وتراعى صفتها في التغليظ إن كانت مغلظة، وإن وُجِدَ بَعْضٌ أُخِذَ وَقِيمَةَ الباقِي، كما لو وجب له على إنسان مثل، ووجد بعض المثل؛ فإنه يأخذُه وقيمة الباقي.
فائِدَة: رأيتُ في فتاوى القفال: أن الدنانير في أرش الجناية، يجب أن تكون ذهبًا خالصًا دون نقد البلد خلافًا للعوض في العَقْلِ؛ لأن تقدير الأرش من الشارع، وقد كان الذهب خالصًا فينصرف إليه أرش كل جناية.
فَصْلٌ: والْمَرأَةُ والْخُنثى كَنِصفِ رَجُلٍ نَفسًا وَجُرحًا، أما دية نفس المرأة؛ فهو قولُ العَبادِلَةِ 6؛ واشتهر؛ ولم يخالَفوا فصار إجماعًا، وأما دية أطرافها وجراحاتها فهو من باب اعتبار الأجزاء بالجملة.
وأما الخنثى المشكل؛ فلأن الزيادة مشكوك فيها والمحقق النصف.
وَيهُودِي وَنصرانِي ثُلُثُ مُسلِمٍ، للإتباع، وَمَجُوسي، أي له أمان، ثُلُثا عُشرِ
الجزء: 4 - الصفحة: 1554
مُسلِمٍ، للإتباع أيضًا، ودية نسائهم على النصف من دية الرجال، ويراعى في دياتهم التغليظ والتخفيف، وَكَذا وَثَنِيٌّ لَهُ أَمَانٌ، أي تجب فيه دية المجوسي؛ لأنه كافر لا يحل للمسلم مناكحة أهل دينه، وكذا عُبَّاد الشمس والقمر إذا دخلوا دارنا (•) أيضًا بأمان كما صرح به في المُحَرَّر وكذا الزنديق، والمَذهَبُ: أَن مَنْ لَمْ يَبلُغهُ الإِسْلَامُ إِن تَمَسكَ بِدِينٍ لَمْ يُبَدل فَدِيَةُ دِينهِ، لأن منصبَ ذلك الدين لا يقتضي الزيادة عليها، وفي وجه: يجب دية مسلم؛ لأنه ولد على الفطرة ولم يظهر منه عنادٌ؛ والنسخ لا يثبت قبل بلوغ الخبر، وَإلا فَكَمَجُوسِي، أي وإن لم يتمسك بدين لم يُبَدّل، بل بدين قد بُدِلَ فتجب فيه أخَسُّ الدِّياتِ وهي دية مجوسي، وفي وجه ثانٍ: تجب دية أهل دينه، وثالث: لا يجب شيء، لأنه ليس على دين حق، ولا عهدَ له ولا ذمة.
وقوله (فالمَذْهَبُ) صوابه: إبداله بالأصح كما قررتُه.
فَرعٌ: السَّامِرَةُ والصابِئِيَّةُ؛ إنْ كفرَهُما أَهْلُ مِلتِهِما فَهُمْ كمنْ لا كتاب لهم، وإلا فَكَهُم.
فَصْلٌ: في مُوَضحَةِ الرأسِ أَوِ الوَجهِ لِحر مُسلِمٍ خَمْسَةُ أَبعِرَةٍ، لحديث عمرو بن حزم [وَفِي المُوَضَّحَةِ خَمْسٌ مِن الإِبِلِ] صححه ابن حبان والحاكم 7، أما (•) في النسخة (2): إِلَينا بدل دارنا، قُلْتُ: وأراد بدارنا أي دار الإِسلام؛ التي تظهر فيها أحكام الإِسلام وشرائعه من غير إذن أحد، ولا تظهر فيه خصال الكفر إلا بإذن أهل الإسلام.
اقتضى التنويه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1555
المرأة فيجب في موضَّحتها بَعِيْرانِ ونصفٌ، واليهودي يجب في موضحته بعيرٌ وثُلُثانِ، والمجوسي يجب في موضحته ثُلُثُ بعير؛ لأن ذلك نصف عشر ديتهم، وَهاشِمَةٍ مَعَ إيْضاحٍ عَشْرَةٌ، إتباعًا لزيد بن ثابت ولم يُخالَف 8، وَدُونَه، أي دون الإيضاح، خَمسَة، لأنه لو أوضح وهشم؛ تجب عشرة؛ وإذا تجرد الإيضاح لم تجب إلا خمسة فتكون الخمس في مقابلة الهشم فتجب عند مجرد الهشم، وَقِيلَ: حُكُومَة، لأنه كسر عظم بلا إيضاح فأشبه كسر سائر العظام، فعلى هذا: هل تبلغ الحكومة خمسًا من الإبل؟ فيه تردد للقاضي، ومُنَقلَةٍ، أي مع إيضاح، خَمْسَةَ عَشَرَ، بالإجماع، أما إذا نقل من غير إيضاح، ففيه الخلاف الذي ذكره قَبلُ؛ فيما إذا هشم ولم يوضح، وفي الرَقم وغيره أن موضع الخلاف ما إذا لم يحوج الهشم إلى ربط وشق لإخراج العظم؛ أو تقويمه؛ فإن أحوج إليه، فالذي أتى به هاشمة يجب فيها عشرٌ من الإبل، وَمأمُومَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، لحديث عمرو بن حزم صححه ابن حبان والحاكم 9.
فَرعٌ: يجب في الدامغة ما يجب في المأمومة على الأصح، وقيل: تُزادُ حكومةٌ، وقيل: تمام الدية.
وَلَو أَوضَحَ فَهَشمَ آخَرُ، وَنَقلَ ثالِثٌ، وَأَم رابِعٌ، فعَلَى كُل مِنَ الثلاثةِ خَمسَةٌ، الحديث (7061/ 4) والحديث (7062/ 5) بألفاظ مختلفة.
والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الديات: جماع أبواب الديات فيما دون النفس: الحديث (16625) والحديث (16628) عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الجزء: 4 - الصفحة: 1556
أي من الإبل، أما الأول: فبسبب الإيضاح، وأما الثاني: فلأنه الزائد عليها من دية الهاشمة، وأما الثالث: فلأنه الزائد عليها من دية المنقلة، والرابعُ تَمامُ الثلُثِ، أي وهو ثمانية عشر بعيرًا وثلث بعير؛ وهو ما بين الْمُنَقلةِ والمأمُومَةِ، والشجَاجُ، أي بكسر الشين، قبلَ الْمُوَضحَةِ، أي وهي الدَّامِغَةُ (•) والخَارِصَةُ والباضِعَةُ والمُتَلَاحِمَةُ والسمحاق، إِن عُرِفَتْ نِسْبَتُها مِنْها، أي بأن كان على رأسه موضحة إذا قيس بها الباضعة مثلًا عرف أن المقطوع ثلث أو نصف في عمق اللحم، وَجَبَ قِسْطٌ مِنْ أَرشها، أي من أرش الموضحة، فإن شككنا في قدرها من الموضحة أوجبنا اليقين، قال الأصحاب: ويعتبر مع ذلك الحكومة؛ فيجب أكثر الأمرين من الحكومة وما يقتضيه التقسيط؛ لأنه وُجد سبب واحد منهما فيعتبر الأكثر، وَإلا، أي وإن لم تعرف نسبتها منها، فَحُكُومَةٌ، أي ولا يبلغ حكومتها أرش موضحة، وهذا التفصيل؛ قال الرافعي: هو قول الأكثرين، قال: ومنهم من أطلق أن الواجب فيها الحكومة؛ أي لأن التقدير يعتمد التوقيف ولا توقيف، وهذا ما نسبه الماوردي إلى ظاهر النص وإلى الجمهور فاختلف النقل إذًا عن الجمهور، كَجَرح سائِرِ البَدَنِ، أي فإن فيه الحكومة فقط، لأنه لا تقدير للشرع فيها، ولم ينته شينها إلى المنصوص عليه، وكذا الحكم في كسر عظامه، وكذا نقلها، والفرق بين الإيضاح والنقل في الرأس، وبينهما في غيره، أنهما في الرأس أخوف؛ وَشَينُهُما أفحشُ، وَفي الجائِفَةِ ثُلُثُ دِيةِ، لحديث عمرو بن حزم، وَهِيَ، يعني الجائفة، جُرحٌ يَنفَذُ إِلَى جَوفٍ، أي قوته مُحيلة للغذاء والدواء، كبَطْنٍ، وَصَدرٍ، وثُغْرَةِ نَحرٍ، وَجَبِيْنٍ، وَخاصِرَةِ، أي وإن لم يلدغ الألم كبده أو طحاله، وألحق به الإمام الوصول إلى المثانة، ولا فرق بين المحدد وغيره، ولا بين الصغيرة والكبيرة، كما سلف في الموضحة، أما لو لدغت كبده أو طحاله لزمه ثلث الدية وحكومة، ولو وصلت الجراحة إلى جوف الذكر فليست جائفة في الأصح، وكذا لو نفذت إلى داخل الفم والأنف، وَلا يَخْتَلِفُ أَرش مُوَضحَةٍ بِكبَرِها، (•) في النسخة (1): الدامية.
الجزء: 4 - الصفحة: 1557
كالأطراف، وَلَو أَوْضَحَ مَوْضِعَينِ بَينَهُما لَحمٌ وَجِلدٌ، قِيلَ: أَو أحَدُهُما؛ فَمُوَضِّحَتانِ، لعموم أخبار المواضح، ووجه الأصح في الثانية: أنه إذا زال أحدهما، فقد أتت الجناية على الموضع كله، فصار كما لو استوعبَ الإيضاحُ الموضعَ كُلَّهُ.
فَرعٌ: لو عاد الجاني فرفع الحاجز بين موضحته (•) قبل الإندمال، فالصحيح: أنه لا يلزمه إلا أرش واحد؛ ولو تآكل الحاجز بينهما فكذلك.
فَرعٌ: لو كثرت الموضحات! تعدد الأرش بحسبها؛ ولا ضبط.
وَلَوِ انقَسَمَت مُوَضِّحَتُهُ عَمْدًا أو خَطَأ أو شَمِلَت رَأسًا وَوَجهًا؛ فَموَضِّحَتان، أما في الأُولى؛ فلإختلاف الحكم، وأما في الثانية؛ فلإختلاف المحل، وَقِيلَ: مُوَضِّحَة، أما في الأولى؛ فلإتحاد الصورة والجاني والمحل، وأما في الثانية؛ فلأن الجهة والرأس محلّ الإيضاح، وَلَو وَسَّعَ مُوَضحَتَهُ! فواحِدَة عَلَى الصحِيح، كما لو أوضح أولًا كذلك، والثاني: ثنتان، لأن التوسع إيضاح ثانٍ، وهذا الخلاف كالخلاف فيما لو رفع الحاجز بين موضحته (•)، أَوْ غَيْرَهُ، أي بفتح الراء وكسرها كما ضبطه بخطه ويجوز ضمها، فَثِنْتانِ، لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره، بدليل ما لو قطع يد رجلٍ؛ وحزَّ آخر رقبته، فإن على كل منهما موجب جنايته، والجائِفَةُ كَمُوَضحَةٍ في التَّعَدُّدِ، أي فيما إذا جرحه جراحة أخرى ونفذتا إلى الجوف وبقي بينهما الجلدة الظاهرة وانخرق منها ما تحتها أو بالعكس، وكذا إذا انقسمت إلى عمد وخطأ، وكذا إذا وُسّعت؛ بأن وسّعها الجاني أو غيره وقد سلف كل ذلك، وفصّل الأصحاب فيما إذا وسع الجائفة غيره، فقالوا: إن أدخل السكين في جائفة غيره ولم يقطع شيئًا فلا ضمان عليه، ويُعزَّرُ، وإن قطع شيئًا من الظاهر دون الباطن، أو بالعكس ففيه حكومة، وإن قطع من جانب بعض الظاهر ومن جانب بعض الباطن، قال المتولي: ينظر في ثخانة اللحم والجلد؛ ويُقَسَّطُ أرشُ الجائفة على المقطوع من الجانبين، وقد يقتضي التقسيط تمام الأرش، بأن قطع نصف الظاهر من جانب ونصف الباطن من (•) في النسخة (1): مُوَضحتَيْهِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1558
جانب، ولو لم يقطع من أطراف الجائفة شيئًا ولكن زاد في غورها، أو كان قد ظهر عضو باطن كالكبد فغرز السكين فيه فعليه حكومة.
وَلَوْ نَفَذَت فِي بَطْنٍ وَخَرَجَتْ مِن ظَفرِ فَجَائِفَتَانِ في الأصَحِّ، لأن ما خرق (•) حجاب الجوف كان جائفة كالداخل، والثاني: جائفة؛ لأن الجائفة ما وصلت إلى الجوف، والنافذة جارحة فكانت دونها.
وَلَوْ أَوْصَلَ جَوْفَهُ سِنَانًا لَهُ طَرفَانِ، أي والحاجزُ بينهما سليمٌ، فَثِنْتَانِ، لأن كل سنان واصل إلى الجوف فاسم الجائفة يصدق عليه، وَلَا يَسْقُطُ أَرْشٌ بِالْتِحَامِ مُوَضِّحَةٍ وَجَائِفَةٍ، لأن الوجوب كان في مقابلة الجزء الذاهب.
والآلام التي لحقت المجني عليه؛ فلا يسقط بذلك.
فَصْلٌ: وَالْمَذهَبُ أَن فِي الأُذُنَيْنِ، أي قطعًا وقلعًا، دِيَّة لَا حُكومَةَ، لحديث عمرو بن حزم [وَفِى الأُذُنِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ] رواه البيهقي 10، وحُكِيَ قَوْلٌ أو وَجْهٌ مُخرّجٌ: أن فيهما الحكومة كالشعور، وَاعْلَمْ: أن عبارة الرافعي: ظاهر المذهب وجوب كمال الدية، وحُكي قول أو وجهٌ مُخَرَّجٌ: أن فيهما الحكومة؛ وكذا عبارة الْمُحَرَّرِ: ظاهر المذهب أنَّ في الأذنين الدية، فَفَهِم المصنف من ذلك حكاية قولين (•) فصرح بهما هنا وفي الروضة، وَبَعْضٌ بِقِسْطِهِ، لأن ما وجبت فيه الدية وجب في بعضه بالقسط كالأصبع ويقدَّر بالمساحة، وَلَوْ أيْبَسَهُمَا، أي بالجناية عليهما، فَدِيَةٌ، كما لو ضرب يده فشُلَّت، وَفِي قَوْلٍ: حُكومَة، لأن المنفعة لا تبطل بذلك، وهي جمع الصوت ومنع دخول الماء بخلاف الشلل.
(•) في النسخة (1): خَرَقَ؛ أيضًا، ولكنه في الهامش رمز إلى تصحيح، بـ (نفذ) وكأنه يشير إلى نسخة أخرى ترجحت عنده، ولكنه لم يمحها.
الجزء: 4 - الصفحة: 1559
وَلَوْ قَطَعَ يَابِسَتَيْنِ فَحُكُومَةٌ، كما لو قطع يدًا شلّاء، وَفِي قَوْلٍ: دِيَةٌ، لأن المنفعة المرعيّة توجب الحكومة كما في العين القائمة واليد الشلّاء، وَفِي كُلِّ عَيْنٍ نِصْفُ دِيَةٍ، لحديث عمرو بن حزم صححه ابن حبان والحاكم 11، وَلَوْ عَيْنُ أَحْوَلَ وَأَعمَشَ وَأَعْوَرَ، لبقاء المنفعة؛ ومقدارها لا ينظر إليه، ألا ترى أنه لا ينظر إلى قوة البطش والمشي وضعفهما، وَكَذَا مَنْ بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ لَا يَنْقُصُ الضَّوْءَ، أي فإنَّ في كُلِّ عين نصف دية، ويكون كَالثَّآليْل (•) في اليد والرجل، فَإن نَقَصَ فَقِسْطٌ؛ فَإِنْ لَمْ يَنْضبِطْ فَحُكُومَةٌ، أي بخلاف عين الأعمش، والفرقُ أن البياض نقص الضوء الذي كان في أصل الخلقة، وعين الأعمش لم ينقص ضوؤها عما كان في الأصل، وَفِي كُلِّ جَفْنٍ رُبُعُ دِيَةٍ، لأن في الكل الدية ففي الواحد رُبْعُهَا، وَلَوْ لأَعْمَى، لأن للضرير منفعة وجمالا وإن كانت منفعة البصير بها أعم، وَمَارِنٍ دِيَةٌ، لحديث عمرو بن حزم [وَفِي الأَنْفِ إِذَا أوْعَى جَدْعًا الدِّيَةُ] صححهُ ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ 12، وروى الشافعي عن ابن طاؤوس قال: عِنْدَنَا فِي كِتَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -[وَفِي الأَنْفِ إِذَا قَطَعَ مَارِنهِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ] قال الشافعي: وهذا أبينُ من حديث آل حزم 13،
الجزء: 4 - الصفحة: 1560
وَالْمَارِنُ: ما لَانَ من الأَنْفِ وخلَا عن العظم؛ قاله الرافعي في الْمُحَرَّرِ.
قال: ويشتمل على ثلاث طبقات؛ الطَّرَفَيْنِ وَالْوِتْرَةُ بَيْنَهُمَا، وقال الماوردي: هُوَ مَا لَانَ مِنَ الحاجزِ بينَ الْمِنْخَرَيْنِ الْمُتَّصِلُ بِقَصَبَةِ الأَنْفِ، وأن الدية إنما تكمل باستيعابه مع المنخرين، وَفِي كُلٍّ مِنْ طَرَفَيهِ وَالحَاجِزِ ثُلُثٌ، توزيعًا للدية على المنخرين والحاجز، وَقِيْلَ: فِي الحَاجِزِ حُكُومَةٌ وَفِيْهِمَا دِيَةٌ، لأن الجمال وكمال المنفعة فيهما دون الحاجز، وهذا ما حُكى عن النص وصححه البغوي.
فَرْعٌ: ولو قطع المارن وبعض القصبة، فديةٌ فقط على الأصح.
وَكُلُّ شَفَةٍ نِصْفُ دِيَةٍ، لحديث عمرو بن حزم وصححه ابن حبان والحاكم وهي في عرض الوجه إلى الشدقين؛ أي وهو فتحة الفم من الجانب إلى الجانب الآخر، وفي طوله إلى ما يستر اللثة في الأصح، وروى عن نصه في الأُم أيضًا، والثاني: أنه الذي يَنْتُؤُ عند انطباق الفم كما أنه يراعى هذا القدر في الشفرين، وهذه المسألة وهي الكلام على عرض الشفة وطولها رأيتُ أصل المصنف وقد ضرب عليها وهي في الْمُحَرَّرِ فَاعْلَمْهُ.
فَائِدَةٌ: اللِّثَّةُ بكسر اللام: مَا حَوْلَ الأَسْنَانِ مِنَ اللَّحْمِ؛ قاله الجرهري، وقال غيره: هِيَ اللَّحْمُ الَّذِي ينبتُ فيه الأسنانُ، فأما اللحمُ الذي يتخلَّلُ الأسنانَ فهو عَمْرٌ بفتح العين.
فَرْعٌ: في الشَّلّاء الحكومة.
فَرْعٌ: لو قطع شفة مشقوقة فعليه نصف دية ناقصة بقدر حكومة الشق، جزم به في الروضة، والرافعي نقله عن التهذيب والتتمة، وفي الحاوي: تجب دية كاملة إن • قال الشافعي - رضي الله عنه -؛ وقد روي عن ابن طاووس عن أبيه قال: عِنْدَ أَبِي كِتَابٌ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيْهِ [وَفي الأَنْفِ إِذَا قَطَعَ الْمَارِنَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِل]، قال الشافعي: حديث ابن طاوس في الأنف أبينُ من حديث آل حزم.
ينظر الأُم: كتاب جراح العمد: ديات الخطأ: باب دية الأنف: ج 6 ص 118.
الجزء: 4 - الصفحة: 1561
لم يذهب الشق شيئًا من منافعها، وبقسطه إن أذهب معلوم القدر وحكومة إن لم يعلم.
وَلِسَانٍ وَلَوْ لألْكَنَ؛ وَأَرَتَّ؛ وَأَلْثَغَ؛ وَطِفْلٍ دِيَةٌ، لإطلاق حديث عمرو بن حزم [وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ] صححه ابن حبان والحاكم 14، قال الماوردي: ولسان الناطق الفاقد الذوق فيه حكومة كالأخرس، وَقِيلَ: شَرْطُ الطِّفْلِ ظُهُورُ أَثرِ نُطْقٍ بِتَحْرِيْكهِ لِبُكَاءٍ وَمَصٍّ، أي فإن لم يوجد نطق وتحريك ولم تبلغ وقتها؛ بأن قطع لسانه عقب الولادة فلا دية، لأن سلامته غير مستيقنة والأصل براءة الذمة عنها، وحكى الإمام قطع الأصحاب به، قال الرافعي: والذي يوجد في كتب عامة الأصحاب وجوب الدية أخذًا بظاهر السلامة كما تجب الدية في يده ورجله وإن لم يكن بطش في الحال، وجزم الرافعي في باب القصاص: بأنه يقطع لسان المتكلم بلسان الرضيع إن ظهر فيه أثر النطق بالتحريك عند البكاء وغيره وإلا لَمْ يُقْطَعْ، قال: وإن بلغ أوَانَ التَّكَلُّمِ ولم يتكلَّمْ لَمْ يُقْطَعْ به لسان المتكلم، وَلأخْرَسَ حُكُومَةٌ، كما في اليد الشلاء، وهذا إذا لم يذهب الذوق بقطع لسان الأخرس، أو كان قد ذهب ذوقه قبله.
أما إذا قطع لسانه فذهب ذوقه ففيه الدية لذهاب الذوق.
وَكُلُّ سِنٍّ لِذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ خَمْسَةُ أَبْعِرَةِ، لحديث عمرو بن حزم [وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ] صحَّحه ابنُ حبان والحاكم 15، ولا يخفى ما احترز بالقيود
الجزء: 4 - الصفحة: 1562
المذكورة، ولو انتهى صغر السن إلى أن لا تصلح للمضغ، فليس فيها إلا حكومة، سَوَاءٌ أكَسَرَ الظَّاهِرَ مِنْهَا دُون السِّنْخِ أوْ قَلَعَهَا بِهِ، لأن السِنْخ بكسر السين ثم نون ساكنة ثم خاء معجمة وهو أصل السن المستتر باللحم تابع فأشبه الكف مع الأصابع، وَفِي سِنٍّ زَائِدَةٍ حُكُومَةٌ، كالأصبع الزائدة، وَحَرَكَةُ السِّنِّ إِن قَلَّتْ فَكَصَحِيْحَةٍ، أي في وجوب القصاص والأرش، وإن بَطَلَتِ الْمَنْفَعَةُ فَحُكومَةٌ، لِلشَّيْنِ الحاصل، أَوْ نَقَصَتْ فَالأصَحُّ كَصَحِيْحَةٍ، أي فيجب الأرش لتعلق الجمال وأصل النفع بها في المضغ وحفظ الطعام ورد الريق، ولا أثر لضعفها كضعف البطش والمشي، والثاني: لا، بل الواجب حكومة لنقصان المنفعة كما في اليد الشلاء، وقوله (فَالأصَحُّ) صوابهُ: فالأظهر؛ كما في الرافعي والروضة.
وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيْر لَمْ يُثْغَرْ فَلَمْ تَعُد، وبَانَ فَسَادُ الْمَنْبَتِ وَجَبَ الأرْشُ، كسن المثغور، وَالأظْهَرُ: أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ فَلَا شَيْءَ، لأن الأصل براءة الذمة، والظاهر أنه لو عاش لعادت، والثاني: يجب الأرش، لأن الجناية قد تحققت، والأصل عدم العود، وعلى الأول تجب الحكومة، قال في التتمة: وذلك على طريقة من يعتبر حال الجناية وتواصل الألم.
وَأَنَّهُ لَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ، أي وأخذ الأرش، فَعَادَتْ لَا يَسْقُطُ الأرْشُ، لأن العائد نعمة جديدة، ووجه مقابله أن العائد قائم مقام الأول فكأنه لا فوات.
وَلَوْ قُلِعَتِ الأَسْنَانُ فَبحِسَابِهِ، أي فيجب لكل سن خمس من الإبل للحديث السابق، وهي تزيد غالبًا على قدر الدية، فيجب مائة وستون بعيرًا إذا كان كامل الأسنان وهي اثنان وثلاثون سنًّا، وَفي قَوْلٍ: لَا يَزِيْدُ عَلَى دِيَةٍ، لأن الأسنان جنس متعدد من الأجزاء والأطراف فأشبهت الأصابع وسائر الأعضاء ثم هنا الخلاف، إِذا اتَّحَدَ الجاني والجناية، كما صرح به المصنف في قوله: إِنِ اتَّحَدَ جَانٍ وَجِنَايَةٌ، فإن تعدد الجاني؛ بأن قلع عشرين سنًّا وقلع غيره الباقي، فعلى الأول مائة بعير، وعلى الثاني ستون بعيرًا قطعًا، وإن اتحد الجاني وتعددت الجناية نظر؛ إن تخلل الاندمال
الجزء: 4 - الصفحة: 1563
بأن قلع سنًّا وتركه حتى برئت اللثة وزال الألم ثم قلع أخرى وهكذا إلى استيعاب الأسنان لزمه لكل سنٍّ خمس من الإبل قطعًا، فإن لم يتخلل الاندمال فعلى القولين.
وَكُلُّ لِحْيٍ نِصْفُ دِيَةٍ، أما وجوب الدية فيهما فلما فيهما من الجمال والمنفعة، وأما وجوب النصف في كل لِحيٍّ فكما في إحدى اليدين، وَلَا يَدْخُلُ أَرْشُ الأَسْنَانِ فِي دِيَةِ اللِّحْيَيْنِ فِي الأَصَحِّ، أي بل تجب دية اللحيين وأرش الأسنان لأنهما أصليان في الجمال والمنفعة، في كل منهما دية مقدرة فأشبها الأسنان واللسان، والثاني: يدخل كما تدخل حكومة الكف في دية الأصابع، والأول فرق بأن الكف يطلق على الكف والأصابع بخلاف اللحيين، وأيضًا اللحيان بتكامل خلقهما بدون الأسنان بدليل الطفل قبل نباتها بخلاف الكف.
فَرْعٌ: الأسنان العليا منبتها عظم الرأس، فلو قلع سنًّا منها مع العظم فعليه الحكومة مع الأرش.
وَكُلُّ يَدٍ نِصْفُ دَيَةٍ إِن قُطِعَ مِنْ كَفٍّ، لحديث عمرو بن حزم [وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ] رواه أبو داود 16، وإنما حملنا اليد في الخبر على الكف لقوله تعالى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 17 وَقَطَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ فدل على أنها اليد لغة وشرعًا، فَإِنْ قُطِعَ مِنْ فَوْقِهِ فحُكُومَةٌ أيضًا، أي للزائد؛ لأنه ليس بتابع؛ وليس فيه أرش مقدر؛ بخلاف الكف مع الأصابع، لأنهما كالعضو الواحد.
فَرْعٌ: لو قطع واحدٌ الأصابع وآخر الكفِّ أو قطع واحد الأصابع ثم الكف
الجزء: 4 - الصفحة: 1564
قبل الاندمال أو بعده فعلى ما ذكرنا في الأسنان.
وَفِي كُلِّ أُصْبُع عَشْرَةُ أَبْعِرَةٍ، لحديث عمرو بن حزم صححه ابن حبان والحاكم، وَأُنْمُلَةٍ ثُلُثُ الْعَشْرَةٍ، وَأُنْمُلَةُ الإِبْهَامِ نِصْفُهَا، عملًا بالتقسيط.
وَالرِّجْلَانِ كَالْيَدَيْنِ، أي ففيهما كمال الدية، وفي إحداهما نصفها، لحديث عمرو بن حزم صححه ابن حبان والحاكم 18. وتكمل دية الرجلين بالتقاط أصابعهما، والقدم كالكف، والساق كالساعد، والفخذ كالعضد، وأنامل أصابع الرجلين كأنامل أصابع اليد، وقد تقدم كل ذلك.
وَفِي حَلَمَتَيهَا دِيَتُهَا، وهما رأسُ ثَدْيَيْهَا؛ لأن فيهما جمالًا ومنفعة، والثدي لا يستوفى إلا بهما 19.
وَحَلَمَتَيهِ حُكُومَة، لأنه إتلاف جمال فقط، وَفِي قَوْلٍ: دِيَتُهُ، لأن كُلَّ ما وجب فيه الدية من المرأة وجبت فيه من الرجل كاليدين، قال الروياني: وليس للرجل ثدي؛ وإنما هذه قطعة لحم من صدره.
فَرْعٌ: لو قطع من حلمة الرجل الثَّنْدُوَةَ وهي لحمة تحت الحَلَمة؛ إذا لم يكن الرجل مهزولًا؛ أفردت الثَّنْدُوَةَ بحكومة على المذهب.
وَفِي أُنْثَيَيْنِ دِيَةٌ، وَكَذَا ذَكَرِ، لحديث عمرو بن حزم صححه ابن حبان والحاكم 20، وَلَوْ لِصَغِيرٍ؛ وَشَيْخٍ؛ وَعِنِّينٍ، أي وخصيّ لإطلاق الخبر المذكور،
الجزء: 4 - الصفحة: 1565
وَحَشَفَةٍ كَذَكَرٍ، أي فيجب فيها دية، لأن ما عداها من الذكر كالتابع لها، كالكف مع الأصابع، فمعظم منافع الذكر وهو لذة المباشرة يتعلق بها، وأحكام الوطء تدور عليها، وَبَعْضُهَا بِقِسْطِهِ مِنهَا، لأن الدية تكمل بقطعها فقسطت على أبعاضها 21.
وَقِيلَ: مِنْ، كل، الذكَرِ، لأنه الأصل المقصود بكمال الدية، وَكَذَا حُكْمُ بَعْضِ مَارِنٍ وحَلَمَةٍ، أي فالأصح التوزيع على المارن والحَلَمَة فقط.
وَفِي الأَلْيَيْنِ الدِّيَةُ، لأن فيهما جمالًا ومنفعة، فإن فيهما رباط المفاصل؛ واستقرار الجلوس، وسواء في ذلك الرجل والمرأة، وَحَدُّهُما ما أشرف على الظهر والفخذين وفي إحداهما نصفها.
وَكَذَا شُفْرَاهَا، لأن فيهما جمالًا ومنفعة، فإن بهما يقع الإلتذاذ بالجماع، وفي إحداهما نصفها، وَالشُّفْرَانِ: بِضَمِّ الشِّينِ؛ اللَّحْمَانِ الْمُشْرِفَانِ عَلَى الْمَنْفَذِ، وهما الاسكتان عند الشافعي -رحمه الله-، وعند أهل اللغة حَرْفَا شَقِّ الْفَرْجِ.
وَكَذَا سَلْخُ جِلْدٍ، أي تجب فيه الدية، لأنه كالجنس الواحد من الأعضاء، إِنْ بَقِيَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وَحَزَّ غَيْرَ السَّالِخ رَقَبَتَهُ، أي لأن سَلْخَ جميعه قاتلٌ.
فَصْلٌ (•): هذا الفصل (•) عقده لإزالة المنافع، كما أن الفصل الذي قبله عقده للجروح وللأعضاء، وذكر فيه ستة عشر عضوًا كما سلف، وقد ذكر هنا ثلاثة عشر شيئًا كما نقف عليه.
إِلَى أهْلِ اليَمَنِ بِكِتَابٍ فِيْهِ: [وَفِي البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ؛ وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ]).
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الديات: باب دية الذكر والأنثيين: الحديث (16773).
الجزء: 4 - الصفحة: 1566
فَرْعٌ: فِي العَقلِ دِيَةٌ، لأنه أشرف الحواس ولا يجب القصاص فيه على المذهب، لاختلاف الناس في محلِّه هل هو القلبُ أو الدماغِ أو مشتركٌ بينهما، والأكثرون على الأول، وقيل: مسكنهُ الدماغ وتدبيره في القلب، والمراد بالعقل الموجب للدية العقل الغريزيّ (•)، فأما المكتسب ففيه حكومة فقط؛ قاله الماوردي.
قال المتولي: وإنما تجب الدية إذا قال أهل الخبرة إنه لا يعود، أما إذا توقعوا عوده فإنه يوقف، فإن مات قبل العود ففي الدية وجهان كما إذا قلع سن مثغور فمات قبل أن يعود.
فَرْعٌ: لو لم يُزل عقله؛ بل نقص ولم تستقم أحواله، فإن أمكن الضبط بالزمان وغيره وجب قسط الزائل وإلا فالحكومة.
فَإِنْ زَالَ، أي العقل؛ بِجُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ، مقدر أي كالموضحة واليد والرجل، أَوْ حُكُومَةٌ وَجَبَا، أي دية العقل وأرش الجناية، أو حكومتها، لأن الشرع أوجب فيهما أروشًا مقدرة فلا يجوز إسقاطه؛ وهذا هو الجديد الصحيح، وَفِي قَوْل: يَدْخُلُ الأَقَلُّ فِي الأكْثَرِ، أي فإن كانت دية العقل أكثر، بأن أوضحه فزال عقله، دخل فيها أرش الموضحة، وإن كان أرش الجناية أكثر، بأن قطع يديه ورجليه فزال عقله، دخل فيه دية العقل، لأن ذهابه يعطل منافع سائر الأعضاء فأشبه ذهاب الروح.
وضُعِّفَ هذا بأن مقتضاه أعني تشبيهه بالروح دخول الأروش في دية العقل وإن كثرت، وإنه لا يجب بقطع يديه شيء كالميت، واحترز المصنف بقوله (لَهُ أرْشٌ) عما إذا لم يكن له أرش ولا حكومة؛ بأن ضَرَبَ رأسهُ أو لَطَمَهُ فزالَ عقلهُ، فإنه يُدخل أرش الجناية في دية العقل، نَعَمْ: يُعَزَّرُ على الأصح، وَلَوِ ادَّعَى، وليَّ المجني عليه، زَوَالَهُ، أي فأنكر الجاني ونسبه إلى التجانُن، فَإِنْ لَمْ يَنْتَظِمْ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ فِي (•) في النسخة (1): نقل الناسخ في الهامش فقال: أي الذي هو حُسن التقدير، وإصابة التدبير؛ فلا دية فيه؛ مع بقاء العقل الغريزي؛ بل فيه حكومة لما أحدث من الدهش بعد اليقظة؛ الغفلة بعد الفطنة؛ ولا تبلغ نهاية الغريزي.
وقد تقدم في الجزء الأول: كتاب الطهارة: باب أسباب الحدث: السبب الثاني لزوال العقل: في التعليق (97) مفهوم زوال العقل والمراد به فراجعهُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1567
خَلَوَاتِهِ؛ فَلَهُ دِيَةٌ بِلَا يَمِيْنِ، لأنه لا يتجانن في الخلوات، ولأن بيمينه يثبت جنونه، والمجنون لا يُحَلَّف، نَعَمْ: لو كان الاختلاف فيمن يجنُّ وقتًا؛ ويفيق وقتًا؛ وحلّفناه في زمن إفاقته كما ذكره في الكفاية، وإن وجدناها منظومة؛ صُدِّقَ الجاني بيمينه، وإنما حَلَّفْنَاهُ لاحتمال صدورها منه.
اتفاقًا وجريًا على العادة، وَفِي السَّمْع دِيَةٌ، لأنه من أشرف الحواس فأشبه البصر، بل قيل: إنه أفضل منه، لأن به يدرك الْفَهْمُ، وقيل: عكسه؛ لأنه به تدرك الأعمال، ونُقل عن أكثر المتكلمين.
فَرْعٌ: لو لم يذهب السمع، ولكن ارتتق بالجناية داخل الأذن ارتتاقًا لا وصول إلى زواله؛ فالأصح وجوب حكومة لا دية.
ومن أذنٍ نِصْفٌ، أي لا لتعدد السمع، ولكن ضبط النقصان بالمنفذ أولى وأقربَ من ضبطه بغيره، وَقِيلَ: قِسْطُ النَّقْصِ، أي من الدية، قال الرافعي: وقد يقال تجب فيه حكومة، وَلَوْ أَزَالَ أُذُنَيْهِ وَسَمْعَهُ فَدِيَتَانِ، لقطعه عضوًا وإذهابه منفعةً حالّةً في غيره فلم يتداخلا كما لو أوضحه فعمي.
وَلَوِ ادَّعَى زَوَالَهُ وَانْزَعَجَ لِلصِّيَاحِ فِي نَوْمٍ وَغَفلَةٍ فَكَاذِبٌ، لظهوره، ويجب مع ذلك تحليف الجاني أن سمعه لباقٍ! لاحتمال أن يكون انزعاجه اتفاقًا ولا يكفيه أن يحلف أن سَمْعَهُ لم يذهب بجنايته، وخص المصنف الانزعاج بالصياح؛ ولا يختص به، بل الرعد وطرح شيء له صوت من علوٍّ كذلك، وقيَّدَ الماوردي الصياح بصوت مزعج مهولٍ يتضمن إنذارًا وتحذيرًا، قال: ويكرر ذلك من جهات وفي أوقات الخلوات حتى يتحقق زوال السمع بها، وَإِلا، أي وإن لم يظهر عليه أثر، حُلِّفَ وَأَخَذَ دِيَةً، للعلم بصدقه؛ والتحليف لاحتمال التجلد، ثم إذا ثبت زواله، قال الماوردي: ويراجع عدول الأطباء، فإن نفوا عودَهُ، وجبت الدية في الحال، وإن جوّزوا عوده إلى مدة معينة انتظرت، فإن عاد فيها سقطت، وإلا ثبتت.
فَرْعٌ: لو ادعى ذهاب سمع إحدى الأذنين؛ حشيت السليمة وامتحن في الأخرى كما ذكرناه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1568
وإن نَقَصَ فَقِسْطُهُ إِن عُرِفَ، أي بأن كان يسمع من موضع فصار يسمع من دونه، وَإلا، أي وإن لم يعرف قدَره بالنسبةِ، فَحُكُومَة بِاجْتِهَادِ قَاضٍ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ سَمْعُ قَرنه، أي بفتح القاف وسكون الراء، أي مَنْ لَهُ مِثْلُ سِنِّهِ، في صِحَّتِهِ، ويضبطُ التفَاوُتُ، وَإن نَقَصَ مِن أذُنٍ سُدَّت وَضُبِطَ مُنتهَى سمَاعِ الأُخْرَى ثُمَّ عُكِسَ وَوَجَبَ قِسطُ التفَاوُتِ، أي فإن لم يضبط فالحكومة.
فَائِدَةٌ: لطيفة السمع ليست متعلقة بخرق الأذن، وإنما هي في مقرها من الرأس وليس من الثاني على الأصح بخلاف البصر.
وَفِي ضَوْءِ كُل عَيْنٍ نِصْفُ دِيَةٍ؛ لأن منفعة العين النظر، فذهابه كالشلل، فَلَوْ فَقَأَهَا لَم يَزِدْ، كقطع يديه بخلاف ما لو قطع أذنيه وذهب سمعه لما سلف أنه ليس السمع في الأذن، وَإنِ ادَّعَى زَوَالَهُ، أي زوال بصره وأنكر الجاني، سُئِلَ أَهْلُ الْخِبرَةِ، أي فإنهم إذا أوقفوا الشخص في مقابلة عين الشمس ونظروا في عينه عرفوا أن الضوء ذاهب أم موجود بخلاف السمع لا يراجعون فيه إذ لا طريق لهم إليه، أوْ يُمتَحَنُ بِتقرِيبِ عَقرَبٍ أو حَدِيدَةٍ، محمّاة، مِن عَينهِ بَغتةً؛ وَنُظِرَ هَل يَنْزَعِجُ؟ أي فإن انزعج؛ فالقول قول الجاني بيمينه، وإن لم ينزعج فالقول قول المجني عليه بيمينه، والأول: هو المنقول عن الأم، والثاني: وهو الامتحان بما سلف؛ قاله آخرون وعليه جرى الغزالي، وقال المتولي: الأمر إلى خيرة الحاكم وهو في الكتاب تبعًا لِلْمُحَرر، وَإن نَقَصَ فَكَالسمع، أي فإن عرف قدره فالقسط وإلا فحكومة، وإن نقص من عين فيمتحن ويجب القسط.
وَفِي الشَّمِّ دِيَةٌ عَلَى الصحِيحِ, لأنه من الحواس النافعة فأشبه غيره، والثاني: لا، بل حكومة دون الدية، لأنه ضعيف النفع، فإن منفعته إدراك الروائح، والأنتانُ أكثر من الطيبات فيكون التأذي أكثر من التلذذ.
فَرْعٌ: لو أذهب شم أحد المنخرين فنصف دية.
فَرْعٌ: لو نقص وجب بقسطه إن أمكنت معرفته وإلا فالحكومة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1569
فَرْعٌ: لو أنكر الجاني زواله امتحن المجني عليه بتقريب ما له رائحة حادة من طيبة أو خبيثة، فإن هشَّ للطيبِ وعبس للمنتنِّ، صُدِّقَ الجاني بيمينه، وإن لم يظهر عليه أثر صدق المجني عليه.
فَرْعٌ: لوْ قطع أنفه فذهب شمه وجبت ديتان كما في السمع، لأن الشم لا يحل الأنف.
وَفي الكَلَامِ الدِّيةُ، أي فيما إذا جنى على لسانه فأبطل كلامه، لأنه سلب أعظم منافعه، فأشبه إذهاب البصر، وإنما تؤخذ الدية إذا قال أهل الخبرة: لا يعود نطقه، فإن أخذت فعاد استردت.
فَرْعٌ: لو ادعى ذهاب النطق امتحن، ويحلف كما قاله المتولي.
وَفِي بَعْضِ الحُرُوفِ قِسطُهُ، فإن الكلام يتركب منها، وسواء ما خف منها على اللسان وما ثقل، والمُوَزعُ عَليْهَا ثَمَانِيَة وَعُشْرون حَرفًا في لُغَةِ العَرَبِ، وزاد الماوردي عليها (لا) فيها، والرافعي وغيره أسقطها لدخولها في الألف واللام، وجماعة من النحاة عدّوا الهمزة حرفًا ولم يعدوا المركب من الألف واللام، واحترز بقوله (في لُغَةِ الْعَرَبِ) عن غيرها فإنها تزيد وتنقص، وَقِيلَ: لَا يُوَزَّعُ عَلَى الشَّفَهِيَّةِ، أي وهي الباء والفاء والميم والواو، وَالحَلقيةِ، أي وهي الهمزة والهاء والعين والغين والحاء والخاء، وإنما التوزيع على الحروف الخارجية من اللسان وهي ما عداها، فتكون ثمانية عشر على هذا، وقد يوجّه: بأن منفعة اللسان هي النطق بها، فيكون التوزيع عليها وتكمل الدية فيها، ومن نصر الأول قال: الحروف وإن كانت مختلفة المخارج إلا أن الاعتماد في جميعها على اللسان وبه يستقيم النطق، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ بَعضِهَا، أي عن بعض الحروف كالأرَتِّ والألثَغ الذي لا يتكلم إلا بعشرين حرفًا مثلًا، خِلْقَةً أَوْ بِآفَةِ سَمَاوِيةِ فدِيةٌ، أي وأذهب بعض كلامه فدية، لأن هذا الشخص ناطق، وله كلام مفهوم إلا أن في منطقه ضعفًا، وضعف منفعة العضو لا يقدح في كمال الدية كضعف البطش والبصر، وَقِيلَ: قِسْطٌ، أي من جميع الحروف، لأن
الجزء: 4 - الصفحة: 1570
النطق يتقرر بالحروف بخلاف البطش، أَوْ بِجِنَايَةِ، أي ولو عجز عن بعضها بجناية، فَالمَذهَبُ لَا تُكَمَّلُ دِيَة، لئلا يتضاعف الغرم في القدر الذي أبطله الجاني الأول؛ والخلاف المذكور مرتب على الخلاف في المسألة قبلها.
وَلَوْ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ رُبْعُ كَلَامِهِ أَوْ عَكَسَ فَنِصفُ ديَةٍ، لأن منفعة العضو إذا ضمنت بديته اعتبر فيه الأكثر من العضو والمنفعة كما لو قطع الخنصر فشلت اليد وجبت دية يدٍ، وإن لم تشل وجب خمسٌ من الإبل وهي خُمْسُ ديتها، وإن كان الذاهب دون خُمس المنفعة، كذلك فيما ذهب من اللسان والكلام.
وَفِي الصَّوْتِ دِيَةٌ، لأن السنّة مضت بذلك كما رواه البيهقي عن زيد بن أسلم 22، فَإن أَبْطَلَ مَعَهُ، أي مع الصوت، حَرَكَةَ لِسَانٍ، فَعَجَزَ عَنِ التقطِيع وَالتَّردِيدِ فَدِيَتَان، لأنهما منفعتان مختلفتان في كل واحدة منهما إذا أفردت بالتفويت كمال الدية، فإذا فوّتتا وجبت ديتان، وَقِيلَ: ديةٌ, لأن المقصود الكلام، لكنه يفوت بطريقين؛ بانقطاع الصوت؛ وعجز اللسان عن الحركة، وقد يجتمع الطريقان وقد يوجد أحدهما خاصة.
وَفِي الذَّوْقِ دِيَةٌ، لأنه أحد الحواس الخمس، فأشبه الشم، وصور الجمهور المسألة بأن يجني على لسانه فيفقد لذة الطعام والتمييز بين الصوم الخمسة الآتية، وفيه إشكال لابن الصباغ، لأن النصَّ على أن في اللسان الأخرس الحكومة مع أن الذوق يذهب بذهابه فدل على أن في الذوق الحكومة وهو حسن وهو ماشٍ على المشهور: أن محل الذوق في اللسان، أما إذا قلنا: إنه في طرف الحلق فلا إشكال، ويُدْرَكُ بِهِ، أي بالذوقِ، حَلَاوَةٌ؛ وَحُمُوضَة؛ وَمَرَارَة؛ وَمُلُوحَة؛ وَعُذُوبَة، وَتوَزعُ، يعني الدية، عَلَيهِن، أي فإذا أبطل إدراك واحد وجب خُمس الدية وهكذا، فإن نَقَصَ فَحُكُومَةٌ،
الجزء: 4 - الصفحة: 1571
أي فإن نقص الإحساس فلم يدرك الطعوم على كمالها فالواجب الحكومة.
فَرْعٌ: لو اختلفا في ذهاب الذوق جرب بالأشياء المرة والحامضة الحادة، فإن ظهر منه تعبس وكراهة صدقنا الجاني بيمينه وإلا فالمجني عليه.
وَتَجِبُ الدية في المضغِ، لأن المنفعة العظمى للأسنان المضغُ، والأسنان مضمونة بالدية؛ فكذا منافعها كالبصر مع العين؛ والبطش مع اليد.
وَقُوةِ إِمنَاءِ بِكسرِ صُلْبٍ، أي تجب فيه الدية أيضًا لفوات المقصود وهو النسل؛ ولو قطع أنثييه فذهب ماؤه لزمه ديتان، وَقوَّةِ حَبَلٍ، أي تجب فيه الدية فيما إذا أبطله من المرأة لانقطاع النسل أيضًا، وَذَهَابِ جِمَاعٍ، أي بأن جنى على صلبه، لأنه من المنافع المقصودة، وصوّر الإمام ذلك ببطلان الالتذاذ به والرغبة فيه واستبعد ذهاب الشهوة مع بقاء المني، قال: فإن أمكن وجب أي كما تجب الدية بإذهاب شهوة الطعام إن تُصوّر، وصوره الماوردي بذهاب المني وعدم انتشار الذكر لا لشلل فيه.
وَفِي إِفْضَائِهَا مِنَ الزَّوْج وَغَيْرِهِ دِيَةٌ، لأن فيه جمال ومنفعة مقصودة، وَهُوَ، يعني الإفضاء، رَفْعُ مَا بَينَ مَدْخَلِ ذَكَرٍ وَدُبرٍ، إذ فيه تفويت المنفعة بالكلية، وأصله الفضاء وهو البرية الواسعة، وَقِيلَ: ذَكَرٍ وَبَوْلٍ، لأن الأصحاب فرضوه بالذكر، وما بين القبل والدبر قوي لا يرفعه الذكر وإن كان الإفضاء بغيره كالإفضاء به، وهذا الوجه الذي ضعفه هنا؛ جزم به في أصل الروضة في باب مثبتات الخيار من كتاب النكاح تبعًا للرافعي، وصحح المتولي: أن كلا منهما إفضاء موجب للدية، لأن الاستمتاع يخل بكل منهما، فَإِن لَمْ يُمكِنِ الوطء إِلَّا بإفضاءِ فَلَيسَ لِلزوج، أي ولا يلزمها التمكين والحالة هذه.
وَمَنْ لَا يَستَحِق افتضَاضها، يعني البكر، فَأزَالَ البَكَارَةَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ، أي كالأصبع وخشبة، فَأرشهَا، أي أرش البكارة، والمراد الحكومة المأخوذة من تقدير الرق كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، أوْ بِذَكَرِ لِشُبهَةٍ أو مُكرَهَةً فَمَهرُ مِثْلٍ ثيبًا وَأَرش البَكارَةِ، أي ولا يندرج أرشها في المهر، لأن المهر يجب لاستيفاء منفعة
الجزء: 4 - الصفحة: 1572
عضو البُضع، والأرش يجب لإزالة تلك الجلدة، وهما جهتان مختلفتان، وَقِيلَ: مَهْرُ بِكْرٍ، لأن القصد من هذا الفعل الاستمتاع، وإزالة تلك الجلدة تحصل في ضمن الاستمتاع، واحترز بـ (المُكْرَهَةِ) عن المطاوعة؛ فإنه لا أرش لها كما لا مهر، وَمُسْتَحِقْهُ، أي الافتضاض وهو الزوج، لَا شيءَ عَلَيْهِ، أي في إزالة البكارة بذكر أو غيره، وَقِيلَ: إِنْ أَزَالَ، البكارة, بِغَيْرِ ذَكرٍ؛ فَأَرْشٌ، لعدوله عن الطريق المستحق له، والأصح: لا، لأنه حقه.
فَرْعٌ: لو أزالت بِكر بكارَةَ أخرى اقتصَّتْ منها جزم به الرافعي، وفي الشامل: أن المجني عليها إن كانت حرة وجب لها حكومة ولم يتعرض للقصاص.
وَفِي الْبَطشِ دِيَةٌ وَكَذا المَشيُ، لأنهما من المنافع الخطيرة، وَنَقْصِهِمَا حُكُومَةٌ، لأجل ما فات، وَلَوْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ مَشيهُ وَجِمَاعُهُ أو وَمَنيهُ فدِيَتَانِ؛ لأن كل واحد منهما مضمون بالدية عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع، وَقِيْلَ: ديَة، لأن الصلب محل المني، ومنه يبتدئ المشي، واتحاد المحل يقتضي اتحاد الدية.
فَرْعٌ: أَزَالَ أَطرَافًا، أي كاليد مثلًا، وَلَطَائِفَ، أي كالسمع مثلًا، تقتضِي دِيَاتٍ فَمَاتَ سِرَايَةَ فَدِيَةٌ، لأنها صارت نفسًا؛ وقد تجب في شخص سبعةٌ وعشرون دية وهو حي إذا كان رجلًا، وستة وعشرون إذا كان امرأة ويظهر ذلك بالتأمل، وَكَذَا لَوْ حَزَّهُ الجاني قَبْلَ انْدِمَالِهِ في الأصَح، لأنها وجبت قبل استقرار بدل الأطراف، فيدخل فيها بدل الأطراف كما لو سَرَتْ، والثاني: تجب ديات الأطراف مع دية النفس ولا تداخل كما لو حزّ بعد الاندمال، وكما لو كان الحازّ غيره، واحترز بقوله (قَبْلَ الاِندِمَالِ) عما بعده فإنه تجب دية الأطراف ودية النفس قطعًا؛ لاستقرار دية الأطراف بالاندمال، فَإنْ حَزَّ عمدًا وَالجنايَاتُ خَطأ أَوْ عَكْسُهُ فَلَا تَدَاخُلَ فِي الأصَحِّ، لاختلافهما واختلاف من تجب عليه، والثاني: نَعَمْ، وَلَوْ حَزَّ غَيْرُهُ تَعَدَّدَتْ، أي ولا تداخل، لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره.
فَصْلٌ: تَجِبُ الحُكُومَةُ فِيمَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ، وَهِيَ جُزْءٌ نسبتهُ إِلَى دِيَةِ النفسِ،
الجزء: 4 - الصفحة: 1573
وَقِيلَ: إِلَى عُضْوِ الجِنَايَةِ نِسْبَةُ نَقْصِهَا مِنْ قِيمَتِهِ لَوْ كَان رَقِيْقًا بِصِفَاتِهِ، لما فرغ من الكلام على الدية شرع يتكلم في الحكومة؛ لتأخرها عنها، لأنها إنما تجب فيما لا مقدر فيه، وهي جزء من الدية نسبته إليها نسبة ما نقصته (•) الجناية من قيمة المجني عليه على تقدير تقويمه رقيقًا، فيُقَوَّم المجني عليه بصفاته التي هو عليها لو كان عبدًا، وينظر كم نقصت الجناية من قيمته، فإن قوم بعشرة دون الجناية وبتسعة بعدها فالتفاوت العشر فيجب عشر دية النفس، وما تقدم من نسبة ذلك الجزء إلى دية النفس هو ما صححه المصنف وغيره، والوجه الآخر الذي حكاه أنه ينسب إلى عضو الجناية لا إلى دية النفس، حكاه الرافعي عن حكاية صاحب المهذب، حتى لو نقص عشر القيمة بالجناية على اليد، فالواجب عُشر دية اليد، ولو نقص بالجناية على الرأس فالواجب عشر دية الموضحة، وعلى هذا القياس وهو ضعيف.
فَرعٌ: الحكومة الواجبة تكون من جنس الإبل.
فَإن كَانَت بِطَرَفٍ لَهُ مُقَدَّرٌ اشتُرِطَ أَن لَا تبلُغَ مُقَدَّرَهُ فَإن بَلَغتهُ نَقَصَ القَاضِي شَيْئًا بِاجْتهَادِهِ؛ لأن العضو مضمون بالأرش لو فات فلا يجوز أن تكون الجناية عليه مضمونة بما يضمن به العضو نفسه مع بقائه، قال الماوردي: وأقلّه ما يجوز أن يكون ثمنًا أو صداقًا، وقال الإمام: لا يكفي حظ أقل متمول.
فَائِدَةٌ: نظير اعتبار نقص الحكومة عن المقدر نقص التعزير عن الحد، والرضح عن السهم، والمتعة عن نصف المهر.
أَوْ، كانت لطرف، لَا تَقدِيْرَ فِيهِ كَفَخِذٍ، فَأن لَا تَبلُغَ دِيَةَ النَّفْسِ، أي بل يجوز أن تبلغ حكومتها دية عضو مقدر كاليد والرجل وأن تزاد عليه، ويقَوَّمُ، أي لمعرفة الحكومة، بَعْدَ انْدِمَالِهِ، أي لا قبله، فَإن لَمْ يَبقَ نَقصٌ اعتُبِرَ أَقرَبُ نَقْصٍ إِلَى الاِندِمَالِ، أي من الأحوال التي تؤثر في نقص القيمة، فإن لم يظهر نقص إلا في حالة سيلان الدم ترقبنا واعتبرنا القيمة والجراحة سائلة، فإن فرضت الجراحة خفيفة (•) في النسخة (2): ما نقتضيه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1574
لا تؤثر في تلك الحالة أيضًا ففي الوسيط أنا نلحقها باللطم والضرب للضرورة، وفي التتمة أن الحاكم يوجب شيئًا بالاجتهاد، وَقِيلَ: يُقَدِّرُهُ قَاضي بِاجْتِهَادِهِ، أي بأن ينظر إلى خفة الجناية وفحشها في المنظر سعة أو عرضًا وقدر الآلام المتولدة، وَقِيلَ: لَا غُرْمَ، كما لو لطمه أو ضربه بمثقل فزال الألم ولم يبق نقص ولا جمال، نعم يعزر قال في المحرر، ومن نظائر المسألة قطع الإصبع الزائدة وقلع السن الثاغية أي الزائدة يعني فإن لم ينقص القيمة بذلك، وربما زادت لزوال الشين فهل يجب فيه شيء؟ فيه الوجهان في أصل المسألة، فإن أوجبناها وهو الأصح فقيل يجتهد الحاكم فيه، والأصح أنه يعتبر في قطع الإِصبع الزائدة أقرب أحوال النقص من الاندمال كما سبق، وفي السن يقوم وله سن زائدة نابتة فوق الأسنان ولا أصلية خلفها، ثم يقوَّم مقلوع تلك الزائدة، ويظهر التفاوت لأن الزائدة تسد الفرجة ويحصل بها نوع من جمال، ولم يصرح المصنف بهذه المسألة لدخولها فيما ذكره.
فَصْلٌ: وَالجُرْحُ المُقَدَّرُ كَمُوَضحَةٍ يَتبَعُهُ الشينُ حَوَالَيهِ، أي ولا يفرد بحكومة لأنه لو استوعب بالإيضاح جميع موضع الشين لم يكن فيه إلا أرش موضحة، وَمَا لَا يَتقدَّرُ، أي أرشه، يُفْرَدُ بِحُكُومَةٍ في الأصَح، أي ولا يتبعه شين.
فَصْلٌ: وَفِي نَفْسِ الرَّقِيْقِ قِيْمَتُهُ، أي بالغة ما بلغت؛ لأنه مال كسائر الأموال، وَفِي غَيْرِهَا، أي في غير نفسه، مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ إِن لَم يَتَقَدَّرْ في الحُرِّ، لأنا نشبه الحر في الحكومة بالعبد ليعرف التفاوت فيرجع به ففي المشبه به أولى، وَإلا، أي وإن لم يتقدر في الحر، كالموضحة وقطع الأطراف، فَنِسْبَتُهُ مِن قيْمَتِهِ، أي فيجب جزء من قيمته نسبته إلى القيمة كنسبة الواجب في الحر إلى الدية، وَفِي قَوْلٍ: مَا نَقَصَ، أي من قيمته لأنّه مملوك كالبهيمة، وقد سلفت المسألة في الغصب أيضًا.
ثم شرع في فائدة الخلاف فقال: وَلَو قُطعَ ذَكَرُهُ وَأُنثَيَاهُ فَفِي الأَظْهَرِ قِيْمَتَانِ، كما يجب فيهما من الحر ديتان، وَالثانِي: مَا نَقَصَ؛ فَإن لَم يَنْقص، أي القيمة بقطع الذكر والأنثين، فَلَا شَيءَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1575
بَابُ مُوجِبَاتِ الدِّيةِ وَالْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةِ
تقدَّمَ الكلامُ على لفظ الدية في الباب قبله، وَالعَاقلَةُ: سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لأنَّهُمْ يَعقِلُونَ الإبِلَ بِفَنَاءِ دَارِ القَتِيْلِ، وَقِيْلَ: لأنَّهُمْ يَمنَعُونَ عَنْهُ، والعَقْلُ: المَنعُ، وَقِيلَ: لإعْطَائِهَا العَقلَ الذِي هُوَ الدِّيَةُ، والكَفارَةُ: مَأخُوذَة مِنَ الكُفْرِ: وَهُوَ السترُ كما تقدّم في بابها.
صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ لَا يُمَيزُ، أي وكذا ضعيف التمييز كما قاله الإمام، عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ، أي أو بئر أو نهر، فوَقَعَ بِذَلِكَ فَمَاتَ، فَدِيَة مُغَلظَة عَلَى العاقِلَةِ، لأنه يتأثر بالصيحة الشديدة كثيرًا؛ فأُحيل الهلاك عليها.
ولم يتعرض الجمهور للارتعاد؛ وتعرض له الإمام؛ والغزالي والرافعي وكأنه ملازم لهذه الحالة، وَفِي قَولٍ: قِصَاصٌ، لأن التأثير بها غالب، وقياس القائل بهذا أن يوجب دية مغلظة على الجاني، وَلَوْ كان، الصبي المصيح عليه، بِأرضٍ، فمات، أو صَاحَ عَلَى بَالِغ بِطَرَفِ سَطْحٍ، فسقط ومات، فَلَا دِيَةَ في الأصَح، لندرة الموت بذلك والحالة هذه، والثاني: تجب؛ أما في الصبي؛ فكما لو سقط من سطح.
وأما في البالغ؛ فلأنه مع الغفلة كالصبي، وَشَهْرُ سِلَاحٍ كَصِيَاحٍ، أي وكذا التهديد الشديد، وَمُرَاهِقٌ مُتَيَقظٌ كَبَالِغٍ، أي فلا دية فيه على الأصح كما مضى.
فَرْعٌ: المجنونُ؛ والمعتوهُ؛ والذي يعتريه الوسواسُ؛ والنائمُ؛ والمرأة الضعيفة؛ كالصبي الذي لا يُمَيِّزُ.
وَلَوْ صَاحَ عَلَى صَيدٍ فَاضطَرَبَ صَبِيُّ وَسقَطَ فَدِيَةٌ مُخَففَة عَلَى العاقَلَةِ، لأنه لا يتأثر بها غالبًا كما سلف، وَلَوْ طَلَبَ سُلْطَان مَن ذُكِرَتْ بِسُوءٍ فَأجهَضَتْ، أي ألقَتِ الجنينَ قبلَ تمامه، ضُمِنَ الجَنينُ، لأن عَلِيًا أشَارَ عَلَى عُمَرَ -رَضِي الله عَنْهُمَا- بِذَلِكَ في هَذِهِ الحَالَةِ وَرَجَعُوا إِلَيهِ فَكَانَ إِجْمَاعًا 23، وهذا بخلاف ما لو ماتت،
الجزء: 4 - الصفحة: 1576
فإنه لا ضمان على الأصح لندوره.
فَرْعٌ: لو هدد غير الإمام حاملا وأجهضت فزعًا، فَلْيَكُنْ كالإمامِ؛ لأن إِكْرَاهَهُ كَإِكرَاهِهِ.
وَلَوْ وَضَعَ صَبِيًّا في مَسبعَةٍ فَأكَلَهُ سَبُعٌ فَلَا ضَمَان، لأن الوضع ليس بإهلاك، ولم يوجد منه ما يلجئُ السبعَ إليه، بل الغالب أن السبعَ ينفر من الإنسان، وَقِيلَ: إِن لَم يُمكنهُ انْتِقَالٌ ضَمِنَ، لأنه إهلاك عرفًا، فأما إذا أمكنه الانتقال فلم يفعل فلا ضمان قطعًا، وخرج بالصبي البالغ، قال الرافعي: ويشبه أن يقال الحكم منوط بالقوة والضعف لا بالصغر والكبر.
قُلْتُ: كلام صاحب المهذب يدل عليه.
وَلَو تبِعَ بِسَيْفٍ هَاربًا مِنْهُ فَرَمَى نَفْسَهُ بِمَاء أو نَارٍ أَوْ مِن سَطحٍ فَلَا ضَمَان، لأنه باشر إهلاك نفسهُ قصدًا، والمباشرة مُقدمَة على السبب، فصار كما لو حفر بئرًا فجاء آخر وردَّى نفسه فيها، فَلَوْ وَقَعَ، أي في المهلك المذكور ونحوه، جَاهِلا لِعَمىً أَوْ ظُلْمَةٍ ضَمِنَ، أي المُتبَع، لأنه لم يقصد إهلاك نفسهُ وقد ألجأهُ المُتبَعُ إلى الهرب المفضي إلى المهلك، وَكَذَا لَوِ انْخَسَفَ به سقف في هَرَبه في الأصَح، لأنه حَمَله على الهرب وألجأه إليه؛ وأنه أفضى إلى المعنى المهلك من غير شعور للمطلوب به؛ فأشبه ما لو وقع في بئر مغطاة، وهذا ما حكى عن نصه في الأم أيضًا، والثاني: لا ضمان، لأن المعنى المهلك لم يشعر به الطالب ولا المطلوب، فأشبه ما إذا عرض سبع فافترسه.
فَرْعٌ: لو ألقى نفسه على السقف من علو فانخسف لثقله، فهو كما لو ألقى نفسه في ماء أو نار.
عُمَرُ - رضي الله عنه - غُرة).
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الديات: جماع أبواب الديات دون النفس: الأثر (16893). وقال: إسناده منقطع.
والأثر (16841).
• أما أثرُ مشورةِ علي لعمر - رضي الله عنه -؛ رواه ابن حزم في المحلى بالآثار: حكم من أفزعه السلطان فتلف: ج 11 ص 24.
الجزء: 4 - الصفحة: 1577
تَنْبِيْهٌ: ما ذكرناه من سقوط الضمان على المتبِع إذا ألقى المطلوب نفسه في ماء أو نار أو من سطح قصدًا، أردنا به العاقل البالغ، أما إذا كان المطلوب صبيًا أو مجنونًا فينبني على أن عَمْدَهما عمدٌ أم خطأٌ؟ إن قلنا: خطأ! ضَمِنَ؛ وإلا فلا.
وَلَوْ سُلِّمَ صَبِي إِلَى سباحٍ لِيُعَلمَهُ فغَرِقَ وَجَبَتْ دِيَتُهُ، لأنه غرق بإهماله؛ ويكون دية شبه العمد؛ كما لو ضرب المعلم الصبي للتأديب فهلك، واحترز بـ (الصبي) عن البالغ؛ فإنه إذا سلم نفسه لتعلم السباحة ففي الوسيط أنه إذا خاض معه اعتمادا على يده فأهمله احتمل أن يجب الضمان، والذي ذكره العراقيون والبغوي: أنه لا ضمان؛ لأنه مستقلُّ.
فَصْلٌ: وَيَضمَنُ بِحَفْرِ بِئْر عُدوَان، لتعديه بذلك، لَا في مِلْكهِ وَمَوَاتٍ، أي للتمليك أو للارتفاق لعدم التعدي، وعلى الموات حُمِلَ الحديث الصحيح [البِئْرُ جُبَارٌ] 24، وَلَوْ حَفَرَ بِدِهلِيزِهِ بِئْرًا وَدَعَى رَجُلًا فَسَقَطَ فَالأظْهَرُ: ضَمَانُهُ، لأنه غَرَّهُ، والثاني: لا، لأنه غير مُلجِئٍ فهو المباشر لإهلاك نفسه باختياره، أو بِملْكِ غَيْرِهِ؛ أَوْ مُشْتَرَكٍ بِلَا إِذنِ فَمَضمُون، لتعديه، فإن كان بالإذن فهو كحفره في ملكه، أَوْ بِطَرِيْقٍ ضَيقٍ يَضُرُّ المَارةَ فَكَذَا، للتعدي أيضًا، أَوْ لَا يَضرُّ وَأَذِن الإِمَامُ فَلَا ضَمَان، وَإِلا، أي وإن لم يأذن، فَإن حَفَرَ لِمَصلَحَتِهِ فَالضمَان، لافتياته على الإمام، أَوْ لِمَصلَحَةٍ عَامة, أي كالحفر للاستقاء، فَلَا في الأَظْهَرِ، لما فيه من المصلحة العامة، وقد تعتبر مراجعة الإمام في مثله، والثاني: نَعَمْ، والجواز مشروط بسلامة العاقبة، وَمَسْجِدٌ كَطَرِيقِ، أي فيأتي في بيانه (•) ما سلف في الحفر في الطريق وقد عرفتَ تفصيلهُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1578
وَمَا تَوَلَّد مِن جَنَاحٍ، أي وهو الخارج من الخشب، إِلَى شارِع فَمَضمُون؛ أي وإن لم يكن مضرًّا لأنَّ الارتفاقَ بالشارع إنَّما يجوزُ بشرطِ سلامة العاقبة، ولم يفرقوا بين إذن الإمام وعدمه كما في الحفر، واحترز بـ (الشارع) عما إذا كان إلى سكة مُنْسَدَّةٍ؛ فإنَّه إن كان بغير إذن أهلها فمضمون، وإلا فلا.
وَيَحِلُّ إِخرَاجُ الميازيبِ إِلَى شارِع، لما فيه من الحاجة الظاهرة وليكن عاليًا كالجناح، والتالف بهَا مَضْمُون في الجَدِيدِ، كالجناح، والقديم: لا ضمان؛ لأنَّه ضروري كتصريف المياه؛ بخلافه فإنَّه لاتساع المنفعة.
والجديد: منع كونه ضروريًّا؛ لأنَّه يمكنه أن يتخذ للسطح بئرًا في داره، فَإن كَان بَعْضُهُ في الجِدَارِ فسَقَطَ الخَارِجُ فَكُلُّ الضَّمَانِ، لأنَّه هلك بما هو مضمون عليه خاصة، وإن سقطَ كُلُّهُ فنصفه فِي الأصَحِّ، لأنَّه هلك بالداخل في ملكه وهو غير مضمون، وبالخارج وهو مضمون فَوُزِّعَ عليهما، والثاني: يجب بقسط الخارج، ويكون التقسيط بالوزن أو بالمساحة فيه تردد، وحكى الماوردي قولًا آخر: أنَّه يضمن جميع الدية، لأنَّ الداخل جذبه الخارج، فإذا سُئِلْتَ عن ضمان كل الدية بالقتل ببعض خشبة، وضمان البعض بالقتل بكلها، فَقُلْ هذه الصورة.
وإن بَنَى جِدَارَهُ مَائِلًا إِلَى شارع فَكَجناح؛ أي فيضمن ما يتولد من سقوطه، وإن بناه مائلًا إلى ملكه، أو مال إليه بعد البناء في ضمان، وكذا إذ بناه مستويًا فسقط من غير تَمَيِّلٍ، ولا استهدام، وتولَّد منه هلاك، أو مُستَوِيًا فمَالَ وسَقطَ، إلى الشارع، فَلَا ضَمَان، لأنَّه ينافي ملكه، والميل لم يحصل بفعله، فأشبهَ ما إذا سقط بلا ميل، وقِيلَ: إِن أمكنَ هَدْمُهُ وَإِصْلَاحُهُ ضَمِنَ، لتقصيره بترك النقص والإصلاح؛ ورجحه الروياني، وَلَوْ سَقَطَ بِالطَّرِيقِ فَعَثَرَ به شخصٌ أَوْ تلِفَ، بِهِ، مَالٌ فَلَا ضَمَان في الأصحِّ، لأن الهلاك حصل بغير فعله، والثاني: نعم، لتقصيره.
فَرعٌ: لا فرق بين أن يطالبه الوالي أو غيره بالنقص، وبين أن لا يطالب.
وَلَوْ طَرَحَ قُمَامَاتٍ؛ أي بضم القاف وهي الكناسة، وَقُشُورَ بَطِّيخ بطريقٍ
الجزء: 4 - الصفحة: 1579
فَمَضْمُون عَلَى الصَّحِيْح؛ لأنَّ الارتفاق بالطريق مشروط بسلامة العاقبة كما قدمناه.
والثاني: لا، لإطراد العادة بالمسامحة به مع الحاجة، والثالث: إن ألقاهُما في مَتْنِ الطَّريق ضمن، وإلا فلا.
واحترز (بِالطَّرِيقِ) عما إذا ألقاها في ملكه أو مواتٍ فزلق بها إنسان فهلك أو تلف بها مال فإنَّه لا ضمان.
فَصْلٌ: ولَوْ تَعَاقَبَ سَبَبَا هَلَاكٍ؛ فعَلَى الأوَّل؛ لأنَّه المهلك؛ إما بنفسه وإما بواسطة الثَّاني فأشبه الترديةُ مع الحفر ثم مَثلَ ذلك بقوله: بِأن حَفَرَ وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا عُدوَانًا فعُثِرَ بِهِ وَوَقَعَ العاثِرُ بِهَا، فَعَلَى الوَاضع، لأنَّ العاثر بها، هو الذي ألجأهُ إلى الوقوع؛ فكانه أخذه فَرَدَّاهُ، فَعَلَى الوَاضع الضَّمَان، فإن لَم يَتَعَدَّ الوَاضِعُ، أي بأن وضع حجرًا في ملكه، وحفر متعد هناك بئرًا فعثر به رجل ووقع فيها، فَالمَنْقُولُ تضمِيْنُ الْحافِر، لأنَّه المتعدي بخلاف الواضع، قال الرافعي: وينبغي أن يقال: لا يجب الضمان على الحافر، ثم استشهد له بما لو حفر بئرًا عدوانًا، وَوَضَعَ السَّيل أو السَّبعَ أو أجَّرَ حَرْبِيٌّ حجرًا فعثر به إنسان وسقط في البئر فهو هدر على الصَّحيح، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا وَآخَرَانِ حَجَرًا فَعُثِرَ بِهِمَا فَالضَّمان أثلَاث، أي وإن تفاوت فعلهم، كما لو مات بجراحة ثلاثة واختلفت الجراحات، وَقِيلَ: نِصْفَانِ، نظرًا إلى أن الهلاك حصل بالحجرين، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فعَثَرَ بِهِ رَجُل فَدَحْرَجَهُ فَعَثَرَ بِهِ آخَرُ ضَمِنَهُ المُدَحرِجُ، لأنَّ الحجر إنَّما حصل هناك بفعله، وَلَوْ عَثَرَ بِقَاعِدٍ أَوْ نَائم أوْ وَاقِفِ بِالطرِيْقِ وَمَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فلَا ضَمَان إنِ اتسَعَ الطَّرِيقُ، لأنَّه غير متعدٍّ، والعاثر كان يمكنه التحرز، وإلَّا، أي وإن ضاق الطَّريق فعثر به الماشي ومات، فَالمَذْهَبُ: إِهْدَارُ قَاعِدٍ وَنَائِمٍ؛ لأن الطَّريق للطروق وهما بالنوم والقعود مقصران، لَا عَاثر بِهِمَا، أي بل على عاقلتهما دية، وَضَمَان وَاقِفٍ، لأنَّ الشخص قد يحتاج إلى الوقوف لكلال أو انتظار رفيق أو سماع كلام فالوقوف من مرافق الطَّريق كالمشي، لَا عَاثِر بِهِ، لأنَّه لا حركة منه، فالهلاك حصل بحركة الماشي، والطريق الثَّاني: وجوب دية كل واحد منهما على عاقلة الآخر مطلقًا، هذا كله إذا لم يوجد من الواقف فعل، فإن وجد؛ بأن انحرف إلى الماشي لما قرب منه فأصابه في انحرافه
الجزء: 4 - الصفحة: 1580
وماتا فهما كماشيين اصطدما وسيأتي.
فصل: اصْطَدَمَا بِلَا قَصْدٍ، فَعَلَى عَاقِلَةٍ كُلِّ نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةِ، لأنَّ كُلِّ واحدٍ هَلَكَ بفعلهِ وفِعْلِ صاحبهِ، فيهدرُ النصفُ؛ ويجب النصفَ كما لو جرحه آخر مع جراحةِ نفسه، وَإِن قَصَدَا، أي الاصطدام، فَنِصْفُهَا مُغَلَّظَة، أي ويكون شبه عمد، لأنَّ الغالبَ أنَّ الاصطدامَ لا يُفضي إلى الموت، فلا يتحقق فيه العمد المحض، وكذلك لا يتعلق بالقصاص إذا مات أحدُهما دون الآخر، أَوْ أحَدُهُمَا، أي قَصَدَ أحدُهما الاصطدام دون الآخر، فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، أي فيجب على قاصد الاصطدام نصفُ ديةٍ مغلظة، وعلى الذي لم يقصد نصفَ دية مخففة، وَالصَّحِيحُ: أنَّ عَلَى كُل كَفَّارتين، كفارة لقتل نفسه، وأخرى لقتل صاحبه، والخلاف مبنيّ على أن الكَفارَةَ هَلْ تَتَجزَّءُ؟ وأنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ هل عليه كفارة؟ وَإن مَاتَا مَعَ مَركُوبَيهِمَا فكَذَلِكَ، أي كما ذكرنا من حكم الدية والكفارة، وَفِي تَرِكَه كُل نِصفُ قِيمَةِ دَابَّةِ الآخَرِ، لاشتراكهما في إتلاف الدابتين، وَصَبيَّانِ أَوْ مَجْنونَانِ ككَامِلَينِ، أي فيما إذا كانا ماشيين أو راكبين كما قررناه، وَقِيلَ: إِن أرْكَبَهُمَا الوَليُّ تَعَلقَ بِهِ الضَّمان، لأنَّ في الاركاب خطرًا، والأصح الأول كما لو ركبا بأنفسهما إذ لا تقصير، قال الإمام: ولو أركبهما إلى حاجة مهمة فلا ضمان قطعًا، وَلَوْ أَركَبَهُمَا أَجنَبِي ضَمِنَهُمَا وَدَابَّتيهِمَا، لتعديه بأركابهما، أَوْ حَامِلَانِ، أي وإن اصطدم حاملان، وَأَسقَطتا فالدِّية كما سبَقَ، أي فيجب نصفها ويهدر نصفها؛ لأنَّ الهلاك منسوب إلى فعلهما، وَعَلَى كُلٍّ أَربعُ كَفَّارَاتِ عَلَى الصَّحيح، كفارة لنفسها؛ وكفارة لجنينها، وثالثةٌ لصاحبتها، ورابعة لجنينها؛ لأنهما اشتركا في إهلاك أربعة أشخاص، هذا إذا أوجبنا الكفارة على قاتل نفسه، وقلنا: الكفارة لا تتجزأ، فإن لم نوجبها على قاتل نفسه؛ وجب ثلاث كفارات، وإن قلنا بالتجزئة، وجب ثلاثة أنصاف كفارة، وهذا هو الوجه الثَّاني المقابل لكلام المصنف.
وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ نِصفُ غُرَّتَي جَنِينَيهِمَا، أي نصف غرة لجنينها، ونصف غرة لجنين الأخرى، لأنَّ المرأة إذا جَنَت على نفسها فألقت جنينها وجبت الغرة على
الجزء: 4 - الصفحة: 1581
عاقلتها كما لو جنت على حامل أخرى؛ فإذن لا يهدر من الغرة شيءٌ.
وأمَّا الدية فيجب نصفها، ويهدر نصفها كما ذكره قبل، أو عبدان فَهَدَرٌ، أي وإن اصطدم عبدان وماتا فهدر، لأنَّ ضمان جناية العبد تتعلق برقبته سواء أتفقت قيمتهما أو اختلفت، فإن مات أحدُهما وجبَ نصفُ قيمته متعلقًا برقبة الحي.
فَرعٌ: لو اصطدم عبدٌ وحرٌ وماتا، فنصف قيمة العبد في تركة الحر، ويتعلق بذلك النصف نصف دية الحُرِّ، لأنَّ محل تعلقه بالرقبة فإذا فاتت تعلق ببدلها.
أو سَفِينَتَانِ فَكَدَابَّتَينِ، أي وإن اصطدم سفينتان وغرقتا بما فيهما فهما كالدابتين، فإما أن يحصل الاصطدام بفعلهما وإما لا، والملَّاحان كرَاكِبينِ، أي يموتان بالاصطدام، وقد سلف كل ذلك، إِن كَانَتَا لَهُما، فَإن كَان فِيهِمَا مال أجنَبِيّ؛ لزِمَ كلًّا نِصفُ ضَمَانِهِ، وَإِن كَانَتَا لأجنبيّ، لَزمَ كُلَّا نصف قيمتهما، توزيعًا عليهما.
فَائِدَة: سُئل القفال؛ عن رجل ذهب ليقوم، فأخذ غيره بثوبه ليقعد، فتمزق؛ فأجاب: أنَّه لم يَجُرَّه فلا ضمان، وإن جرَّهُ فالنصف عليه والباقي هدر، لأنَّه كان بفعلين.
فَصْلٌ: وَلَوْ أَشرَفَتْ سفِيْنَةٌ على غرقٍ جَازَ طَرحُ مَتَاعِهَا، حفظًا للروح، وَيجِبُ لِرَجَاءِ نَجَاة الرَّاكِبِ، أي إذا خيف الهلاك إبقاءً للنفس، فَإن طَرَحَ مَالَ غيْرِهِ بِلَا إِذْن ضَمِنَهُ، لأنَّه أتلف مال غيره بلا إذن، فأشبه ما لو أكل المضطر طعام الغير، وإلا فَلَا، لوجود الإذن، واحترز بـ (مال الغير) عن ماله وهو واضح، وَلَو قالَ: أَلْقِ مَتَاعَكَ وَعَليَّ ضَمَانُهُ، أَوْ عَلَى أَنّي ضَامِن ضمِنَ، لأنَّه استدعى لإتلاف مال الغير لغرض صحيح فلزمه، كما لو استدعى عتق عبده على ألف؛ وليس هذا على حقيقة الضمان وإن سمي ضمانًا؛ ولكنه بدل مالٍ للتخليص عن الهلاك، فهو كما لو قال: أطلق هذا الأسير ولك علي كذا، فظاهر المذهب كما قال الماوردي: أنَّه يملك المستدعي المُسْتَلقَي قبل الإلقاء، وقيل: يجري عليه حكم الملك، وَلَو اقتصَرَ عَلَى ألقِ، أي لم يقل وعليَّ ضمانه أو على أني ضامن، فَلَا عَلَى المَذْهَب، أي بخلاف
الجزء: 4 - الصفحة: 1582
قوله: اقضِ دَيني، فقضاه، فإنَّه يرجع على الأصح، لأنَّه بالقضاء يبرأ قطعًا، والإلقاء قد لا ينفعه، وهذا ما قطع به الأكثرون، والطريق الثَّاني: أنَّه على الخلاف فيما إذا قال: أدِّ دَيني، فأدَّاهُ! هل يرجع عليه؟
فَرعٌ: تعتبر قيمة الملقى قبل هيجان الأمواج؛ فإنَّه لا قيمة للمال في تلك الحال؛ قاله البغوي.
وَإنَّمَا يَضمَنُ مُلْتَمِسٌ لِخَوفِ غَرَقٍ، أي ففي غير الخوف لا ضمان، كما لو قال: اهْدِمْ دَارَكَ، ففعَلَ، وَلَم يَخْتَصَّ نَفعُ الإلْقاءِ بِالمُلقِي، يعني الملقي متاعَ نَفْسِهِ، فَإِنِ اختصَّ! فلا ضمان.
فَصْلٌ: وَلَوْ عَادَ حَجَرُ مَنْجَنِيقِ فَقتلَ أَحَدَ رُمَاتِهِ هُدِرَ قِسْطُهُ وَعَلَى عَاقِلَةِ البَاقِيْنَ البَاقِي، لأنّه مات بفعله وفعلهم فسقط ما قابل فعله وهو غير مضمون عليه، أَوْ غَيْرَهُمْ، أي أو قتل غير رماته، ولَم يَقْصدُوهُ فَخَطأٌ، أي يوجب الدية المخففة على العاقلة، أو قَصَدُوهُ فَعَمدٌ في الأصحِّ إِن غَلَبت الإصَابَةُ، لانطباقه على حد العمد، والثاني: شبه عمد، لأنَّه لا يتحقق قصدٌ معين بالمنجنيق.
فَرْعٌ: لو قصدوا مُبهمًا، فشبه عمد؛ وإلّا فخطأ.
فَائِدَة: المِنْجَنِيقُ بفتح الميم وكسرها يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ، وحكَى مَنْجنُوقٌ بالواو ومَنْجَلِيقٌ باللام.
فَصل: دِيَةُ الْخَطَأ وَشِبهِ العَمدِ تَلْزَمُ الْعاقِلَةَ، بالإجماع كما ادعاه الإمامُ، وقيل: إن شبه العمد لا يلزمها وليس بشيء، وخرج بالخطأ وشبه العمدِ العمدُ، وقد مضت السُنَّةُ بذلك كما قال الزُّهريّ، وَهُمْ عَصَبَتُهُ، أي قرابة وولاءً؛ قال الشَّافعي: لا مخالف أعرفه إن العاقلة العصبة وهم القرابة من قبل الأب، ووجهه في عصبات الولاءِ قوله - صلى الله عليه وسلم -: [الْوَلَاءُ لُحمَة كَلُحمَةِ النَّسَبِ] 25 قال المصنف في نكته على
الجزء: 4 - الصفحة: 1583
التنبيه: والمولاة المعتقة من العصبات، ولا تعقل؛ قال: فينبغي أن يقال وهم عصبته الذكور، إِلَّا الأصْلَ، أي كالأب والجد، وَالفَرعَ، أي كالابن وابن الابن لأنهم أبعاضه، فكما لا يتحمل الجاني لا تتحمل أبعاضه وقد بَرأ - صلى الله عليه وسلم - زَوجَ القَاتِلَةِ وَوَلَدَهَا كما رواه أبو داود وابن ماجه 26، وَقِيلَ: يَعقلُ ابْن هُوَ ابنُ ابن عَمِّهَا، كما يلي أمر نكاحها، والأصح: المنع، لأنَّ البعضية موجودة، ويخالف النكاح؛ لأنَّ المنع كان لعدم الولاية وقد وجدت، ويقَدَّمُ الأقْرَبُ، لأنَّه حق ثبت بالتعصيب فأشبه الإرث، فَإن بَقِيَ شَيْءٌ فَمَنْ يَلِيهِ وَمُدلٍ بِأبَوَينِ، كالإرث، وَالقَدِيمُ: التسوِيَةُ، لأنَّ أخوة الأم لا مدخل لهما في العقل، ولم يبق إلَّا إخوة الأب وهم فيها سواء، ثُمَّ مُعْتِق؛ ثم عَصبَتُهُ؛ ثُمَّ مُعْتِقُهُ؛ ثُمَّ عَصَبَتُهُ، أي إلّا الأصل والفرع، فإن الأصح عدم دخولهما، وَإلا، أي وإن لم يوجد من له نعمة الولاء على الجاني ولا أحد من عصباته، فَمُعتِقُ أَبِي الجَانِي؛ ثُمَّ عَصَبَتُهُ؛ ثُمَّ مُعْتِقُ مُعْتِقِ الأبِ وَعَصَبَتُهُ، وَكَذَا أَبَدا، أي فإن لم يوجد من له نعمة الولاء على الأب تحمل معتق الجد ثم عصباته كذلك إلى حيث ينتهي، وَعَتِيْقُهَا يَعْقِلُهُ عَاقِلَتُهَا، أي إذا أعتقت المرأة مملوكًا، لم تتحمل دية جنايته؛ لأنَّ الذكورةَ شرط في التحمل كما سيأتي، وإنَّما يتحمله من يتحمل دية جنايتها، = (22047) عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.
والحاكم في المستدرك: كتاب الفرائض: الحديث (7990/ 43)، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ الإسناد ولم يخرجاه.
• في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: كتاب الفرائض: باب ما جاء في الولاء: ج 4 ص 231؛ قال الهيثمي: رواه الطّبرانيّ عن عبد الله بن أبي أوفى؛ وفيه عبيد بن القاسم وهو كذاب.
ا. هـ قُلْتُ: وهذه الطَّريق غير الأولى.
الجزء: 4 - الصفحة: 1584
كما يزوج عتيقتها من يزوجها، وَمُعْتِقُون كَمُعتِق، أي في تحمل الدية عن العتيق، فإن الولاء يثبت لجميعهم لا لكل منهم فيتحمل كل واحد ما يخصه من نصف دينار وإن كانوا أغنياء وإلّا فربعه، وَكُل شَخْصِ مِن عَصَبَةِ كُل معتق يَحْمِل مَا كَان يَحمِلُهُ ذَلِكَ الْمعتِقُ، أي فإذا كان المعتق واحدًا ومات عن أخوة مثلًا؛ ضرب على كل واحد حصته تامة من نصف دينار أو ربعه، ولا يقال: يوزع عليهم ما كان الميت يحمله، لأنَّ الولاء لا يتوزع عليهم توزعه على الشركاء ولا يرثون الولاء من الميت، بل يرثون به.
ولو مات واحد من الشركاء المعتقين أو جميعهم؛ حمل كل واحد من عصباته مثل ما كان يحمله الميت؛ وهي حصته من نصف أو ربع، لأنَّ غايته نزوله منزلة ذلك الشريك المعتق، وَلَا يَعقِلُ عتيقٌ فِي الأَظْهَرِ، إذ لا إرث، والثاني: يعقل، لأنَّ العقل للنصرة، والعتيق أولى بنصرة معتقه، وخالف الإرث، فإنَّه في مقابله أنعام المعتق، فَإن فُقِدَ العاقِلُ أوْ لَم يف، عَقَلَ بَيتُ المَالِ عَنِ المسلِمِ، لأنَّه للمسلمين وهم يرثونه، كالعصبات؛ بخلاف الذّمِّيِّ، فإن ماله ينقل إليهم فيئًا لا إرثًا، فَإن فُقِدَ، أي بيت المال، فَكلهُ عَلَى الجَانِي في الأَظْهَرِ، بناء على أنها تلزم الجاني ابتداء ثم تتحملها العاقلة، والثاني: لا، بناء على أنها تجب عليهم ابتداء، وقوله (الأَظْهَرِ) خالف في الروضة تبعًا للرافعي فَعبَّرَ بالأصح.
فَصْلٌ: وَتُؤَجل عَلَى العاقِلَةِ دِيَةُ نَفْس كَامِلَة، أي وهي دية الرجلِ المسلمِ الحُرِّ، ثلاثَ سِنِيْنَ في كُلِّ سَنَة ثُلُثٌ، أما كونها مؤجلة، فلأن العاقلة تحملها على وجه المواساة، فوجب أن يكون وجوبها مؤجلًا قياسًا على الزكاة، وأمَّا كون الأجل ثلاث سنين فهو إجماع كما حكاه الشَّافعي والترمذي 27، واختلف الأصحاب في
الجزء: 4 - الصفحة: 1585
المعنى الذي لأجله كانت في ثلاث سنين، فقيل: لأنها بدل نفس محترمة، وقيل: لأنها دية كاملة وهو الأصح، وتظهر فائدةُ الخلاف في صور ستأتي على الأثر، وَذِمِّي سَنَةً، لأنها قدر الثُّلث، وَقِيلَ: ثَلَاثًا، لأنها بدل نفس، وَامرَأَةٍ سَنَتَين في الأولَى ثُلُث، أي والباقي في السنة الثَّانية، وَقِيلَ: ثلاثًا، لأنها بدل نفس، وَتحمِلُ العَاقِلَةُ العَبدَ في الأَظْهَرِ، لأنَّه بدل آدمي فأشبه بدل الحر، والثاني: لا، بل هي حالّة على الجاني، لأنَّه مضمون بالقيمة فكان بدله كبدل البهيمة، ففِي كُلِّ سنةِ قَدْرُ ثلُثِ دِيَة، نظرًا إلى القدر فتضرب في ست سنين، وقيلَ: في ثَلَاثٍ، لكونها بدل نفس، ومحل الخلاف ما إذا كانت قيمة العبد قدر ديتين، أما إذا كانت قدر دية حر ضربت في ثلاث سنين قطعًا، وَلَوْ قَتَلَ رَجُلَينِ فَفِي ثلَاثِ، لأنَّ الواحب ديتان مختلفتان، والمستحق مختلف فلا يؤخر حق بعضهم باستحقاق غيره، وهذا كالديون المختلفة إذا اتفق انقضاء آجالها، وَقِيل: سِت، لأنَّ بدل النَّفس الواحدة تضرب في ثلاث سنين فتزاد الأخرى مثلها.
يعبر عن الإجماع، لأن إجماع الصّحابة عند الشَّافعي يكشف عن دليل عرفوه من النَّبيُّ الهادي - صلى الله عليه وسلم -، فحكى المضمون الذي أجمعوا عليه.
ولهذا قال: (لَّا اختلاف بين أحد علمته).
ينظر: الأم للشافعي: كتاب جراح العمد: حلول الدِّية: ج 6، ص 112.
• قال الماوردي: فأمَّا تأجيلها في ثلاث سنين فهو روي عن الصّحابة، روي عن عمر وعلي -رضي الله عنهما- أنهما جعلا دية الخطأ على العاقلة ثلاث سنين، ولأن العاقلة تتحمل دية الخطأ مواساة، وما كان طريق المواساة كان الأجل فيه معتبرًا.
• عن الرَّبيع بن سليمان أنبأ الشَّافعي أنبأ مسلم عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: تَغْلِيظُ الإبِلِ؛ قَالَ: مِائَة مِنَ الأصْنَافِ كُلِّهَا، ويؤخَذُ في مُضي كل سنة ثَلاثة عَشرَةَ خَلِفَة وَثُلُثُ خَلِفَة، وَعَشرُ جذَاعٍ.
وَعَشرُ حِقَاق.
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الديات: باب تنجيم الدية: الأثر (16568). وعن يَحْيَى بن سعيد: (أن السنةَ أن تُنَجَّمَ الديةُ في ثلَاثِ سِنِيْنَ).
رواه البيهقي في السنن الكبرى: الأثر (16567).
• أمر أثر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الديات: باب تنجيم الدية على العاقلة: الأثر (16854). وأثر علي - رضي الله عنه - الرقم (16855).
الجزء: 4 - الصفحة: 1586
فَرْعٌ: لو قتل ثلاثة واحدًا فعلى عاقلة كل واحد ثلث دية مؤجلة عليه في ثلاث سنين؛ وقيل: في سَنَةٍ.
وَالأطْرَافُ، أي وكذا أرش الجرح والحكومة كما صرح به في المُحَرر، في كُلِّ سَنَةٍ قَدْرُ ثلُثِ دِيَةٍ، كدية النفس، وَقِيلَ: كُلها في سنةٍ، أي قَلت أم كثرت، بناءً على أن المرعي في التأجيل ثلاث سنين، كون الواجب بدل النَّفس قاله الرافعي، وَأجَلُ النفْسِ مِنَ الزهُوقِ، أي ابتداء المدة منه، لأنَّه حق مؤجل وجبَ بسبب فكان ابتداؤه من حين وجود السبب كالثمن المؤجل، وَغَيرِهَا مِنَ الجنايَةِ، أي وأجل ما دون النَّفس من وقت الجناية، وظاهر كلامه؛ أنَّه لا فرقَ بين وجود السراية وعدمها، وهو ما صححه في الروضة تبعًا للرافعي فيما إذا لم يَسْرِ؛ واندملت، لأنَّ الوجوب متعلق به.
وحكى فيما إذا سرت من عضو إلى عضوٍ، بأن قطع إصبعه؛ فَسَرَتْ إلى كفه ثلاثة أوجه؛ أحدها: ابتداء المدة من سقوط الكف؛ وهو ما أورده البغوي، وثانيها: ابتداؤها من الاندمال، وهو ما أوردهُ الشَّيخ أبو حامد وأصحابه، وثالثها: ابتداء أرش الإِصبع من يوم القطع وأرش الكف من يوم سقوطها، وهو ما اختاره القفال والرويانى والإمام والغزالي، وَمَنْ مَاتَ في بَعْضِ سَنَة سقطَ، أي الذي عليه، ولا يؤخذ من تركته؛ كالزكاة.
بخلاف ما إذا مات الذمي في أثناء الحول؛ فإنَّه هل يسقط قسط ما مضى؟ فيه خلاف؛ والفرق أن الجزية كأجرة دار الإِسلام.
فَصْلٌ: وَلَا يَعقِلُ فَقِيْرٌ، أي ولو كان مُعْتملًا، لأنها مواساة، والفقير ليس من أهلها؛ كنفقة القريب؛ وخالف الجزية فإنَّها تلزمه على الأصح، لأنها عوضُ حَقْنِ الدم وسكنى الدار؛ وزكاة الفطر؛ فإنَّها طهرة وليس مواساة، قال ابن الرفعة: ومن هذا يظهر لك أن المراد بالفقير هنا من لا يملك ما يفضل عن كفايته على الدوام؛ لا من لا يملك شيئًا أصلًا، وَرَقِيق، أما غير المكاتب؛ فلأنه لا ملك له، وأمَّا المكاتب؛ فلأنه ليس من أهل المواساة، وصَبِي وَمَجْنُون، لأنَّ مبناهُ على النُّصرةِ؛ ولا نصرة فيهما؛ لا بالعقل؛ ولا بالرأي، بخلاف الزمنِ والشيخ الهرِمِ والمريضِ والبالغ حد الزمانة والأعمى، فإنهم يتحملون على الصَّحيح؛ لأنهم ينصرون بالقول والرأي، وَمُسلِمٌ عَنْ
الجزء: 4 - الصفحة: 1587
كافِرِ وَعَكْسُهُ، لأنَّه لا موالاة بينهما فلا توارث ولا مناصرة، وَيعقِلُ يَهُودِي عَن نَصْرَانِي وَعَكسُهُ في الأظْهَرِ، كالإرث، والثاني: لا، لانقطاع الموالاة بينهما.
فَرْع: المرأةُ لا تتحمَّلُ العاقلةَ بالاتفاق لنقصان رأيِها، وكذا الخنثى لاحتمال الأنوثة.
وَعَلَى الغَنِي نِصفُ دِيْنَارِ، لأنَّه أقل ما يواسى به الغني في زكاته فالزيادة عليه إجحاف ولا ضابط لها، وَالمُتَوَسط رُبُع، كما أن نفقة المعسر نصف نفقة الموسر، كُل سَنَةٍ مِنَ الثلَاثِ، لأنها مواساة تتعلق بالحول فتكررت بتكرره، كالزكاة.
فجميع ما يلزم الغني في السنين الثلاث دينار ونصف، والمتوسط نصف وربع دينار، وَقِيلَ: هُوَ، يعني المذكور، وَاجِبُ الثْلَاثِ، لأنَّ الأصل عدم الضرب، فلا يخالفه إلَّا في هذا القدر، قال الماوردي: فعلى هذا على المكثر كل سَنَةٍ سُدس دينار، وعلى المقل نصف سدسه، ويعتَبَرَانِ، أي اليسار والتوسط، آخِرَ الحولِ، لأنَّه حق ماليّ يتعلق بالحول مواساة؛ فأشبه الزكاة، فإن كان معسرًا في آخر الحول لم يلزمه شيء من الواجب ذلك الحول، وإن كان موسرًا من قبل أو أيسر بعده لخروجه عن أهلية المواساة وهذا معنى قوله، وَمَن أَعْسَرَ فِيهِ سقَطَ، ولو كان موسرًا آخر الحول لزمه، ولو أعسر بعده فهو دين عليه.
فَائِدَتَانِ: الأُوْلَى؛ قال البغوي: ضابط اليسار والتوسط يرجع فيه إلى العادة فإنَّه يختلف بالبلدان والأزمان، ورأَى الإمام أن الأقرب اعتباره بالزكاة كما اعتبر القدر بها.
الثانِيَةُ: قال الرافعي: يشبه أن يكون المرعي في وجوب النصف والربع قدرهما، لا أنَّه يلزم العاقلة بدل الدنانير بأعيانها، لأنَّ الإبل هي الواجبة في الدية، وما يؤخذ يصرف إلى الإبل.
وللمستحق أن لا يقبل غيرها؛ يوضحه أن المتولي قال: عليه نصف دينار أو ستة دراهم.
فَصل: مَالُ جِنَايَةِ العَبْدِ، أي بأن كانت خطأ أو عمدًا وعفى على مالٍ، يَتَعَلْقُ بِرَقَبتهِ، لأنَّه لا يمكن إلزام جنايته السيد، لأنَّه لم يَجْنِ، ففيه إضرار به، ولا أن تكون
الجزء: 4 - الصفحة: 1588
في ذمة العبد إلى العتق، لأنه إضرار بولي القتيل، فجعل التعلق بالرقبة طريقًا وسطًا، وَلسَيِّدِهِ بَيْعُهُ لَها وَفِدَاؤُهُ، كالمرهون، بِالأقَل مِنْ قِيْمَتِهِ وَأرشها، أي إذا أراد السيد فداءه فداه بذلك، لأنه إن كانت قيمته أقل؟ فليس عليه إلا تسليمه، فإذا لم يسلمه؟ طولب بقيمته، وإن كان الأرش أقل؟ فليس للمجني عليه إلا ذلك، وَفِي القَدِيمِ: بأرشها، بالغًا ما بلغ، لأنه لو سَلَّمَه! ربما بيع بأكثر من قيمته.
فرع: تعتبر القيمة يوم الجناية، وقيل: يوم الفداء.
وَلَا يَتَعلَّقُ، يعني الأرش، بِذِمتِهِ مَعَ رَقبتِهِ فِي الأَظْهرِ، لأنه لو تعلق بالذمة لما تعلق بالرقبة كديون المعاملات التي تثبت في ذمته، والثاني: نعم، كالمال فتكون الرقبة مرهونة، ومحل الخلاف كما قال الإمام: إذا اعترف السيد بالجناية وإلا فينقطع: أن الأرش يتعلق بذمة العبد، وَلَوْ فَدَاهُ ثم جَنَى سلمَهُ لِلبَيع أوْ فَدَاهُ، لما قلناه فيما إذا جنى أول مرة، وَلَو جَنَى ثَانِيًا قَبْلَ الفِدَاء بَاعَهُ فيهِمَا، أي في الجنايتين وَوَزَّعَ الثمن على أرش الجنايتين، أَوْ فَدَاهُ بِالأقَل مِنْ قِيْمَتِهِ وَالأرشَيْنِ، أي على الجديد لما سلف، وَفِي القَدِيمِ: بِالأرشَينِ، لما سلف أيضًا، وَلَوْ أعتَقَهُ أو بَاعَهُ وَصححنَاهُمَا أو قَتَلَهُ فَدَاهُ بِالأقَل، أي وجوبًا وفي قدره طريقان أحدهما طرد القولين المذكورين، وأصحهما القطع بأقل الأمرين لتعذر البيع وبطلان زيادة راغب.
وهذا معنى قوله (بِالأقَل)، وَقِيلَ: القَولَانِ، وَلَوْ هَرَبَ، أي العبدُ الجاني، أَو مَاتَ بَرِئ سَيِّدُهُ، إِلَّا إِذَا طلِبَ فَمَنَعَهُ، لتعديه ويصير بذلك مختارًا للفداء، وَلَوْ اخْتَارَ الفِدَاءَ فَالأصَح: أَن لَهُ الرجُوعَ وَتسلِيْمَهُ، لأنه وعدٌ، واليأس لم يحصل من بيعه، والثاني: يلزمه الفداء بذلك، ولا يقبل رجوعه لالتزامه، وأجرى الإمامُ الخلافَ فيما إذا قال: أنا أفديه، وهو أبعد لاحتماله الوعد، وموضع الخلاف ما إذا كان العبد حيًا، فإن مات؟ فلا رجوع له بحال، وَيَفْدِي أمَّ ولَدِهِ بِالأقَلِّ، أي من قيمتها، والأرش لأنها غير قابلة للبيع، والأصح: اعتبار قيمة يوم الجناية، وقيل: يوم الاستيلاد.
وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ، أي السابقان في القِن، لكن الفرق لائح، وهو أن القِنَّ قابل للبيع، وقد يوجد راغب
الجزء: 4 - الصفحة: 1589
بالزيادة؛ والمستولدة غير قابلة للبيع، وَجِنَايَاتها كَوَاحِدة فِي الأَظْهرِ، لأن استيلاده إتلاف، ولم يوجد إلا مرة واحدة، فلم يلزمه إلا فدية واحدة، كما لو جنى العبد جنايات ثم قتله سيده، والثاني: يلزمه لكل جناية فداء، لأنه منع من بيعها عند الجناية الثانية كما في الأولى، والثالث: إن فدى الأولى قَبْلَ جنايتها الثانية، لزمه فداء آخر، وإلا فواحدة، وإذا ألزمناه فداءً واحدًا اشترك فيه المجني عليهما أو عليهم على قدر جناياتهم لتعيينه طريقًا، ثم محل الخلاف فيما إذا كانت الجناية الأولى كالقيمة أو أكثر أو أقل، والباقي من القيمة لا يفي بالجناية الثانية، وأما إذا كان أرش جناية الأولى دون القيمة وفداها به وكان الباقي من قيمتها يفي بالجناية الثانية فداها بأرشها قطعًا، إذا قلنا: الواجب أقَلُّ الأمرين، أما إذا قلنا: إنه يفديها بالأرش لزم السيد الأرش بالغًا ما بلغ.
فَصْلٌ: فِي الجَنِيْنِ غُرة إِنِ انْفصَلَ مَيتًا بِجِنَايَة فِي حَيَاتِها أَوْ مَوتها، لحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين [اقتتَلَت امرَأَتَانِ مِنْ هُذيل، فَرَمَتْ إحدَاهُمَا الأُخْرَى بحَجَرٍ فَقَتَلَتها وَمَا فِي بَطنها فَاختصَمُوا إِلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَضَى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَن دِيَةَ جَنِينها غرة عَبْدٍ أو وَليدة وَقَضَى بِدِيَةِ المَرأَةِ عَلَى عَاقِلَتها وَوَرثها وَلَدها وَمَنْ مَعَهم.
. . الحديث بطوله] 28 هذا إذا مات في حياتها، وأما إذا انفصل بعد موتها من الضرب، فلأنه شخص مستقل فلا يدخل في ضمانها، والمقصود بالجناية ما يؤثر في الجنين من ضرب وإيجار دواء ونحوهما، ولو ماتت الأم ولم ينفصل جنين؟ لم يجب على الضارب شيء، وَكَذَا إِن ظَهرَ، ميتًا، بِلَا انفِصَال فِي الأصَح، لتحقق وجوده، والثاني: لا يجب، بل لابد من الانفصال التام ليستقل، وما لم ينفصل يكون كالعضو من الأم، وقياسًا على انقضاء العدة وسائر الأحكام، وَإِلا فَلَا، أي وإن ماتت الأم
الجزء: 4 - الصفحة: 1590
ولم ينفصل الولد، ولم يظهر؟ فلا غرة، لأنا لم نتيقن وجود الجنين فلا نوجب شيئًا بالشك، أوْ حيًا، أي وإن انفصل حيًا، وَبَقِيَ زمَانًا بِلَا أَلَمِ ثم مَاتَ فلَا ضَمَان، لأن الظاهر أن موته بسبب آخر، وَإِن مَات حِينَ خَرَجَ أوْ دَامَ ألَمُهُ وَمَاتَ فدِيَةُ نَفسِ، لأنا تيقنا حياته فأشبه سائر الأحياء، وَلَو ألقت جَنِينَيْنِ فَغُرَّتَانِ، لأن الغرة متعلقة باسم الجنين فيتعدد بتعدده، أوْ يَدًا فَغُرة، لأن العلم حصل بوجود الجنين.
والغالب على الظن أن يده بانت بالجناية، وَكَذَا لَحم، قَالَ القَوَابِلُ: فِيْهِ صُوْرَة خَفية، أي لا يعرفها إلا أهل الخبرة لوجوده، قِيلَ: أَو لَا، قُلْنَ: لَوْ بَقيَ لَتَصورَ، كما تنقضي به العدة، والمذهب: لا غرة كما لا تصير به أم ولد، وقد سلف إيضاح ذلك في باب العدد، وَهِيَ عَبد أو أَمَةٌ، للحديث السالف أول الفصل، مُميز، أي فلا يقبل من لا تمييز له؛ لأن الغرة الخيار؛ ومن لا تمييز له لا خيار له، لأنه يحتاج إلى مَنْ يكفله، سلِيم مِنْ عَيْبِ مَبِيْع، لأن المعيب ليس من الخيار، نَعَم: لو رضي بقبوله جاز، وَالأصح: قُبولُ كبيرِ لَمْ يَعْجِزْ بِهرَمِ، لأنه إذا لم ينته إلى الهرم، هو من الخيار، وهذا هو المنصوص، والثاني: لا يقبل بعد عشرين، لنقص الثمن حينئذ، ويشتَرَطُ بُلُوغها نصفَ عُشرِ دِيَةٍ، أي وهي خمس من الإبل، رُوي عن عمر وزيد بن ثابت ولا مخالف لهما 29، فإن فُقِدَت، يعني الغرة، فَخمسَةُ أبعِرَة، لأنها مقدرة بالخمس عند وجودها فعند عدمها يأخذ ما كانت مقدرة به، وَقيلَ: لَا يُشْتَرَطُ، أي أن تبلغ الغرة نصف عشر الدية لإطلاق لفظ العبد والأمة في الخبر، فَلِلْفَقْدِ قِيْمَتُها، أي على هذا الوجه كما لو غصب عبدًا فمات، وَهيَ، يعني الغرة، لِورثةِ الجَنِينِ، أي لو انفصل حيًا ثم مات لأنها دية نفسٍ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الجَانِي، لحديث أبي هريرة السالف أول
الجزء: 4 - الصفحة: 1591
الفصل، وَقِيلَ: إِن تَعمدَ فَعَلَيْهِ، أي على الجاني بناء على أنه يتصور في ذلك العمد المحض، والأصح: أن ذلك لا يتصور، لأنه لا يتحقق وجوده وحياته حتى يقصد.
فرع: إذا فقدت الغرة وقلنا: ينتقل إلى خمس من الإبل غلظنا إن كانت الجناية شبه عمد بأن تؤخذ حُقَّةٌ ونصف، وجذعة ونصف وخَلِفَتان، ولم يتكلموا في التغليظ عند وجود الغرة لكن قال الروياني: ينبغي أن يقال تجب غرة قيمتها نصف عشر الدية المغلظة، قال الرافعي: وهذا حسن.
فَصْلٌ: وَالْجَنينُ الْيَهُودِيُّ أوِ النصرَاني، قِيْلَ: كَمُسلِم، لأنه لا سبيل إلى الإهدار ولا إلى تجزئة الغرة، وَقِيلَ: هدَرٌ، لأنه لا يمكن التسوية بينه وبين الجنين المسلم كما لا يسوى بين المسلم والكافر في الدية، والتجزئة ممتنعة، وَالأَصَح: غُرة كثلُثِ غرةِ مُسْلِم، كما أن دية اليهودي أو النصراني كثلث دية المسلم، وَالرقيقُ عُشْرُ قِيمَةِ أمه، لأن الغرة معتبرة بعِشر ما يضمن به الأم فيما إذا كان الجنين حرًا، فكذا إذا كان رقيقًا يعتبر بأمه فيجب عُشر قيمتها، يَوْمَ الجِنَايَةِ، لأنه وقت الوجوب، وَقِيلَ: الإِجهاضُ، لأن الجناية إذا صارت نفسًا اعتبر بدلها وقت استقرارها كالجناية على العبد إذا أعتق والكافر إذا أسلم، قال الرافعي: وحقيقة الوجه الأول النظر إلى أقصى القيم، لا جرم، قال في الروضة: الأصح المنصوص يعتبر أكثر ما كانت من الجناية إلى الإجهاض، لِسَيدها، أي تكون الغرة لسيد الأمة لأنه المالك، وعبارة المُحَرَّرِ للسيد وهي أحسن، لأن الجنين قد يكون لموصى به والأم لغيره، فَإِن كَانَتْ، يعني الأم، مَقْطُوْعَة، يعني الأطراف، وَالْجَنينُ سَلِيم قُوِّمَتْ سَلِيمَة في الأصَح، كما لو كانت كافرة والجنين مسلمًا يقدر فيها الإسلام وتقوّم مسلمة، والثاني: لا تقدر فيها السلامة، لأن نقصان الأعضاء أمر خَلْقي وفي تقدير خلافهِ بُعد بخلاف صفة الإسلام وغيره.
فرع: لو كان الأمر بالعكس كما إذا كان الجنين مقطوع الأطراف والأم سليمة؛ فهل تُقَدَّرُ هي مقطوعة الأطراف؟ فيه وجهان؛ أصحهما: لا؛ لأن نقصان الجنين قد يكون من أثر الجناية واللائق الاحتياط والتغليظ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1592
وَتَحْمِلُهُ، أي بدل الجنين، العَاقِلَةُ في الأظهرِ، هذا الخلاف مبني على أن الرقيق هل تحمِلُهُ العاقلة؟ وفيه خلاف سلف في موضعه.
فَصْلٌ: يَجِبُ بِالقَتلِ كَفارَةٌ، لقوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 30 وخرج بالقتل الأطراف والجراحات فلا كفارة فيها لعدم الورود فيها، وَإِن كان القَاتِلُ صَبيًا أَوْ مَجْنُونًا، أي بخلاف وقاعهما في رمضان؛ فإنه لا كفارة عليهما به، لعدم التعدي منهما، فالتعدي شرط في وجوب بدل الكفارة فيعتق الولي من مالهما كما يخرج الزكاة والفطرة منه، كذا قاله الرافعي هنا تبعًا للقاضي والبغوي وخالف في كتاب الصداق، وعلَّلَهُ بأنه لو صح لتضمن دخوله في ملكه ثم يعتق عنه، وذلك لا يجوز بخلاف الزكاة والفطرة فإنهما على الفور بخلافها، ولا يصوم الولي عنهما بحال، وَعَبْدًا وَذميًا، كما يتعلق بقتلهما القصاص والضمان، أَوْ ذِميًّا وَعَامِدًا، كالمخطئ وأولى خلافًا لابن المنذر، وَمُخْطِئًا، بالإجماع، وَمُتَسَبِّبًا، لأنه كالمباشرة في الضمان فكذا في الكفارة، بِقَتْلِ مسلِمٍ، أي تجب الكفارة بقتل مسلم، وَلَوْ بِدَارِ حربٍ، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (199) المعنى على ما نقل عن الشافعي وإن كان من قوم عدوٍّ لكم، وَذِميِّ، لأنه آدمي مضمون، وَجَنِيْنٍ، لما قلنا، قال ابن المنذر: ولا أعلمُ فيه خلافًا بين أهل العلم، وَعَبْدِ نَفْسِهِ، أي وتجب الكفارة على من قتل عبدَ نفسِهِ لحق الله تعالى بخلاف الضمان فإنه إذا وجب وجب للسيد، وَنَفْسِهِ، أي وتجب الكفارة أيضًا على من قتلَ نفسهُ وتُخرج من تركته، لأنه معصوم كغيره ويُحرَّمُ عليه قتل نفسه كما يُحرم على غيره، وَفِي نَفْسِهِ وجهٌ، أي أنها لا تجب عليه إذا فعل ذلك كما أنه لا يجب عليه الضمان، لَا امرَأَةٍ وَصَبِي حربيَّيْنِ، أي وإن كان يحرم قتلهما؛ لأن المنع من قتلهما ليس لحرمتهما ورعاية مصلحتهما، وذلك لا يتعلق به ضمان، وإنما هو لمصلحة المسلمين حتى لا يفوتهم الارتفاق بهم، وَبَاغٍ، لأنه غير مضمون فأشبه الحربي،
الجزء: 4 - الصفحة: 1593
وَصَائِلٍ، لما قلناه، وَمُقْتص مِنْهُ، أي وجب القصاص على شخص فقتله المستحق، لم تجب على المستحق كفارة ولا تجب أيضًا في قتل المرتد وقاطع الطريق والزاني المحصن.
فرع: الجلادُ إذا جرى على يده قتل غير مستحق، لا كفارة عليه؛ لأنه سيف الإمام وآلة سياسته 31.
فرع: إذا أصاب غيره بالعين واعترف أنه قتله بالعين، فلا قصاص، وإن كانت العين حقًا، لأنه لا يفضي إلى القتل غالبًا، ولا يعد مهلكًا، والفاعل لذلك التأثير هو الله تعالى، ثم قيل: تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية فَتتخَللُ المَسَامَ فيخلق الله
الجزء: 4 - الصفحة: 1594
الهلاك عندها ولا دية فيه أيضًا ولا كفارة [وأمَر - صلى الله عليه وسلم - العَائِنَ أنْ يَتَوَضأ] 32 وفسَّرَه مالك: بأن يغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره أي ما يلي جسده من الإزار، وقيل: وِركَهُ، وقيل: مذاكيره، قيل: ويصب على رأس الذي أصيب بالعين، والذي رجحه الماوردي إيجاب ذلك، وبه قال بعض أهل العلم، قيل: وينبغي للسلطان منع من عرف بذلك من مخالطة الناس ويأمره بلزوم بيته ويرزقه ما يكفيه إن كان فقيرًا، فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي منعه عمر من مخالطة الناس 33.
الجزء: 4 - الصفحة: 1595
وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الشُّرَكاءِ كَفارَةٌ فِي الأصَحِّ، كالقصاص، والثاني: على الجميع واحدة ككفارة قتل الصيد، وَهِيَ كَظهارِ، أي فيجب عليه أولًا عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين للآية، لَكِن لَا إِطعامَ، أي عند العجز عن الصوم، فِي الأَظْهرِ، وجه القائل بالإطعام القياس على كفارة الظهار، ووجه الأظهر أن الأبدال في الكفارات موقوفة على النص دون القياس ولا يحمل المطلق على المقيد إلا في الأوصاف دون الأصل، كما حمل مطلق اليد في التيمم على تقييدها بالمرافق في الوضوء، ولم يحمل ترك الرأس والرجلين فيه على ذكرهما في الوضوء، فعلى هذا لو مات قبل الصوم أخرج من تركته لكل يوم مُدُّ طعامٍ كفوات صوم رمضان، والقول في صفة الرقبة والصيام والإطعام إن أوجبناه على ما سبق في الكفارات.
فُرُوعٌ نَخْتِمُ بِها الفَصل: مَن أقر بقتل آدمي عمدًا ثم رجع قُبِلَ رجوعُهُ بالنسبة إلى الصوم دون الإعتاق والإطعام؛ لأنهما حقان لآدمي، بخلاف الصوم، قاله والد الروياني احتمالًا لنفسه.
ومن مات وعليه كفارة قتل ولم يقدر على العتق، قال الروياني: الظاهر أنه يُطْعَمُ عنهُ، وإن كان الصوم لا بدل له، قال: فإن كان هذا المكفِّر شيخًا هرمًا لم يجز له الإطعام لجواز أن يتمكن من العتق، قال: وقد قيل بخلاف ذلك؛ والأصح الأول، فإن اعتبرنا حال الوجوب أُطْعِمَ لا محالة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1596