عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاجكِتَابُ الْحَجِّ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

اَلْحَجُّ: هُوَ لُغَةً القَصْدُ، وشرعًا قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِلنُّسِكِ الآتي بيانُهُ، وَالأَصْلُ فيه قَبْلَ الإِجْمَاعِ وَالسُنَّةِ الشَّهِيْرَةِ الصَّحِيْحَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ... ﴾ الآية 1 وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 2 وقال ابن إسحق: ولم يبعث الله نبيًا بعد إبراهيم إلا وقد حجَّ البيت صلوات الله عليهم؛ وحكى بعض من ألَّفَ في المناسك وجهين في أنه هل كان واجبًا على الشرائع قبلنا؟ وادعى أن الصحيح أنه لم يجب إلا على هذه الأمة، وهو غريب.
وفي صحيح ابن حبان من حديث ابن عمر مرفوعًا [أَنَّ الْحَاجَّ حِيْنَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ أَنَّ رَاحِلَتَهُ لاَ تَخْطُو خُطْوَةً إلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيْئَةً، فَإِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ؛ فَإِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أُنْظُرُواْ إِلَى عِبَادِيَ أَتوْنِي شُعْثًا غُبْرًا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ قَطْرِ السَّمَاءِ وَرَمْلِ عَالِجَ، وَإِذَا رَمَى الْجِمَارَ لاَ يَدْرِي أَحَدٌ مَا لَهُ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ فَلَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَقَطَتْ مِنْ رَأْسِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا قَضَى آخِرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ] رواه الأزرقي في تاريخ مكة من حديث أنس بزيادة وقال: [لاَ تَضَعُ نَاقَتُكَ خُفًّا وَلاَ تَرْفَعُهُ إلَّا كَتَبَ اللهُ لَكَ بِهِ حَسَنَةً وَمَحَى عَنْكَ سَيِّئَةً، وَأَمَّا رِكْعَتَاكَ بَعْدَ الطوَافِ فَعِتْقُ رَقَبَةٍ مِنْ وِلْدِ إِسْمَاعِيْلَ، وَأَمَّا طَوَافُكَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فَيَعْدِلُ سَبْعِيْنَ رَقَبَةٌ] وزاد في الوقوف [أَفِيْضُوا عِبَادِيَ مَغْفُورًا لَهُمْ

الجزء: 2 - الصفحة: 568

وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ، وَأَمَّا رَمْيُكَ الْجِمَارَ فَيَغْفِرُ لَكَ بِكُلِّ حَصَاةٍ رَمَيْتَهَا كَبِيْرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوْبِقَاتِ، وَأَمَّا نَحْرُكَ فَمَذْخُورٌ لَكَ عِنْدَ رَبِّكَ] وقال في الطواف [فَيَأْتِي مَلَكٌ فَيَضَعُ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ وَيَقُولُ لَكَ: إِعْمَلْ لِمَا بَقِيَ فَقَدْ غَفَرَ لَكَ مَا مَضَى] وعن ابن مسعود رفعه: [مَنْ جَاءَ حَاجًّا يُرِيْدُ وَجْهَ اللهِ فَقَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشُفِّعَ فِيْمَنْ دَعَا لَهُ] ذكره المنذري في جزئه وفيه أيضًا عن جابر رفعه: [مَنْ قَضَى نُسَكَهُ وَسَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ].
وفيه أيضًا عن عائشة رضي الله عنها رفعته: [إِذَا خَرَجَ الْحَاجُّ مِنْ بَيْتِهِ كَانَ فِى حِرْزِ اللهِ؛ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ نُسَكَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ] وإنفاق الدرهم الواحد في ذلك الوجه يعدل أربعين ألف ألف فيما سواه (•)، قال: هُوَ فَرْضٌ، أي مفروض بالإجماع، وَفُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ فِي الأَظْهَرِ، لما روى عن أصحاب السنن الأربعة عن أبي رَزِيْن العُقَيْلِيِّ أَنَّهُ أتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِي شَيْخْ كَبِيرٌ لاَ يَسْتَطِعُ الْحَجَّ وَلاَ الْعُمْرَةَ وَلاَ الظَّعْنَ.
قَالَ: [حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ] صححه الترمذي وابن حبان والحاكم 3، قال الإِمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود منه ولا أصح 4، (•) في هامش نسخة (3): بلغ مقابلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 569

والثانى: أنها سُنَّةٌ لحديث [وَإِنْ تَعْتَمِرُواْ فَهُوَ أَفْضَلُ] ضعفوه، وأُنْكِرَ على الترمذيِّ تصحيحه 5، وحكى عن بعض الحنفية أنها فرض كفاية وهو غريب.
وَشَرْطُ صِحَّتِهِ، أي صحة ما ذكرت من الحج والعمرة: الإِسَلاَمُ، أي لا غير فلا يصح من كافر كغيره من الفروع ولا يصح له أيضًا لعدم أهليته، فَلِلْوَليِّ أنَ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوحَاءِ فَقَالَ: [مَنِ الْقَوْمُ؟ ] فَقَالُواْ: مُسْلِمُونَ فَقَالُواْ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: [رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -] فَرَفَعَتِ امْرَأَةٌ إِلَيْهِ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: [نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ] 6، وَالَمَجْنُونَ، قياسًا على الصَّبيِّ، والأصح أن الولي الذي يحرم عنهما هو ولي مالهما على الترتيب، ولا يصح من الأُمِّ إلا أن تكون وصية، ولا يشترط كون الولي حلالًا ولا حضور الصبي على الأصح ولا يصير الولي باحرامه عن الصبي محرمًا.
فَرْعٌ: لو أذن الولي لمن يحرم عنه؛ فالأصح من زوائد الروضة الجواز.
فَرْعٌ: إذا أحرم الولي عن الصبي أحضره المواقف وأمره بأن يأتي بما يقدر عليه.
فَرْعٌ: لو أحرم عن الصبي المميز وليُّهُ؛ صحَّ على الأصح أيضًا؛ خلافًا لما وقع في = على وجوب العمرة نظر.
فإنها صيغة أمر للولد؛ بأن يحج عن أبيه ويعتمر، لا أمر له بأن يحج ويعتمر عن نفسه.
وحجته عن أبيه ليس بواجب عليه؛ بالاتفاق.
فلا يكون صيغة الأمر فيها للوجوب.
إنتهى.

الجزء: 2 - الصفحة: 570

شرح مسلم للمصنف من تصحيح المنع 7. فَرْعٌ: المغمى عليه لا يصح الإحرام عنه كما أفهمه تقييدُ المصنف بالصبي والمجنون.
وَإِنَّما تَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِ الْمُمَيِّزِ، كسائر عباداته وينبغى للصبي أن يستأذن وليه 8، فإن لم يَسْتَأْذِنْهُ وَاسْتَقَلَّ (•) بِالإِحْرَامِ لم يصح على الأصح؛ لأنه يفتقر إلى المال وهو محجور عليه فيه.
وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الإِسْلاَمِ، أي وعمرته، بِالْمُبَاشَرَةِ إِذَا بَاشَرَ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ، فَيُجْزِىُء حَجُّ الْفَقِيرِ، كما لو تحمل الغني خطر الطريق وحج، ومراده المكلف من حيث الجملة لا المكلف بالحج، دُونَ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدِ، بالإجماع ومحله إذا حصل البلوغ والعتق بعد الفراغ من الحج فإن حصل قبل الوقوف أجزاهما، نعم لو سعى بعد القدوم أعاده على الأصح، لوقوعه في حال النقصان، وإن حصل بعده وعاد إليه في وقته أجزاهما وإلّا فلا على الأصح.
وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: الإِسْلاَمُ، وَالتَّكْلِيفُ، وَالْحُرِّيَّةُ 9 وَالاِسْتِطَاعَةُ، بالإجماع،

الجزء: 2 - الصفحة: 571

نعم المرتد يجب عليه لالتزامه إياه بإسلامه، وإذا اجتمعت هذه الشروط وجب مرة على التراخى خلافًا للأئمة الثلاثة، وَهِيَ نَوْعَانِ: • أَحَدُهُمَا: اسْتِطَاعَةُ مُبَاشَرَةٍ وَلَهَا شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وُجُودُ الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ، أي حتى السُفْرَةُ كما قاله القاضى، وَمُؤْنَةِ ذِهَابِهِ وَإيَّابِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لما سُئل عن السبيل في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: [الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ] رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين 10، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِبَلَدِهِ أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ لَمْ تُشْتَرَطْ نَفَقَةُ الإِيَابِ، لأن البلاد في حقه سواء، والأصح الاشتراط وهو نصه في الإملاء، لما في الغربة من الوحشة، والخلاف جارٍ في اشتراط الراحلة للرجوع.
والأَهْلُ: هو كُلُّ مَن تلزمه نفقته، والعشيرة: الأقارب، ولو قال المصنف أهل أو عشيرة بـ (أو) كما فعل في الروضة كان أَولى، فَلَوْ كَان يَكْتَسِبُ كُلَّ يَوْمٍ مَا يَفِي بِزَادِهِ، وَسَفَرُهُ طَوِيلٌ، لَمْ يُكَلَّفِ الْحَجَّ، لأنه قد ينقطع عن الكسب لعارض، وبتقديرٍ أن لا ينقطع، فالجمع بين الكسب والسفر تعظم فيه المشقة، وَإِنْ قَصَّرَ وَهُوَ يَكْتَسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامِ كُلِّفَ، لانتفاء المشقة وقدرته على الكسب المذكور في الحضر هل يلحق بالسفر، فيه نظر.
الثَّانِي: وُجُودُ الرَّاحِلَةِ، أي ملكًا أو إجارة، لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، للحديث السالف قريبًا، وسواء قدر على المشي أم لا، والراحلة هنا كل ما يركب = وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
• وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: اِحْفَظُواْ عَنِّي، وَلاَ تَقُولُوا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ! [أَيَّمَا عَبْدٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ ثُمَّ اُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجٌّ].
رواه ابن أبي شيبة في المصنف: كتاب الحج: باب في الصبي والعبد: الحديث (14872) وإسناده صحيح.

الجزء: 2 - الصفحة: 572

من الإبل ذكرًا كان أو أنثي وفي معناها الحمولة من برذون ونحوه، فَإِنْ لَحِقَهُ بِالرَّاحِلَةِ مَشَقّةٌ شَدِيدَةٌ اشْتُرِطَ وُجُودُ مَحْمِلٍ، وَاشْتُرِطَ شَرِيكٌ يَجْلِسُ فِي الشِّقِّ الآخَرِ، دفعًا لمشقة الركوب كما اعتبرت الراحلة دفعًا لمشقة المشي، ويفهم من هذا أنه لو شق عليه ركوب المحمل اعتبر في حقه الكنيسة 11، قُلْتُ: وبه صرح ابن الصباغ، وضابط المشقة أن يكون ضررًا موازيًا للضرر الذي بين الركوب والمشى، وإنما اعتبر وجود شريك لتعذر ركوب شق لا يعادله شيء، والظاهر أنما يحتاج إليه في سفره كالزاد وغيره يقوم مقام الشريك وكذا الأمتعة المستأجر على حملها، وذكر المحاملي وغيره من العراقيين أن في حق المرأة يعتبر المحمل، وأطلقوا القول فيه لأنه أستر لها وأليَق بحالها.
وَمَن بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى الْمَشْيِ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ، لعدم الضرر، فَإِنْ ضَعُفَ فَكَالْبَعِيدِ، أي فيما سلف لوجود الضرر، وخرج بالمشي الحبو فإنه لا يلزمه وإن أمكن على الأصح.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلَيْنِ عَن دَيْنِهِ، أي حالًا ومؤجلًا ولو رضي صاحبه بتأخيره؛ لأن الْمَنِيَّةَ قَدْ تَحْتَرِمَهُ فتبقى ذِمَّتُهُ مشغولة مرهونة، ومقتضى كلامه أنه لا فرق بين دَين الله ودَين الآدمي، وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَفَتُهُمْ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، كيلا يضيعوا، وَالأَصَحُّ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ، وَعَبْدٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِخِدْمَتِهِ، أي لزمانته أو لمنصبه كما يبقيان عليه في الكفارة، وعلى هذا لو كان معه نقد يريد صرف إليهما مكن، وظاهر كلامه اعتبارهما، ولو كانت المرأة مُزَوَّجَةً لاحتمال انقطاع الزوجية، أو كان الشخص يسكن بيتًا في مدرسة ونحوها، والثانى: لا يشترط؛ بل يباعان؛ لأن الاستطاعة مُفَسَّرة في الخبر بالزاد والراحلة وهذا وَاجِدٌ لَهُمَا، والفرق بين الحج والكفارة أن العتق في الكفارة له بدل معدول إليه، والحج بخلافه، وهذا ما حكى عن نصه في الأُمِّ، فإن قلنا بالأَوَّل فذلك فيما إذا كانت الدار

الجزء: 2 - الصفحة: 573

مستغرقة لحاجته، وكانت سكنى مثله والعبد عبد مثله، أما إذا أمكن بيع بعض الدار وَوَفى ثَمَنهُ بِمُؤْنَةِ الْحَجِّ أو كانا نفيسين لا يليقان بمثله، ولو أبدلهما لوفى التفاوت بمؤنة الحج فإنه يلزمه ذلك، وَأنَّهُ يَلْزَمُهُ صَرْفُ مَالِ تجَارَيهِ إِلَيهِمَا، أي إلى الزاد والراحلة، وإن بطلت تجارته؛ كما يُكَلِّفُ صرفه في الدَّين، ويخالف السكن والخادم فإنه يحتاج إليهما في الحال وما نحن فيه يتجدد خيره، والثاني: لا؛ لئلا يلتحق بالمساكين؛ وهو ظاهر فيما إذا لم يكن له كسبٌ.
فرعٌ: تَبْقَى لِلْفَقِيهِ كُتُبُهُ.
الثالِثُ: أَمْنُ الطْرِيق، لأن خَوْفَهُ يَنْفِى اسْتِطَاعَةَ السَّبِيلِ، والأمن في كل مكان على حسب ما يليق به، ولا بد من اشتراط رفقة تخرج معه وقت العادة إن احتيج إليها، فَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ سَبُعًا؛ أَوْ عَدُوًّا؛ أَوْ رَصَدِيًا، أي وهو الذي يرقب الناس مسلمًا كان أو كافرًا، وَلاَ طَرِيقَ سِوَاهُ لَم يَجِبِ الحَجُّ، لحصول الضرر ولو كان الرَّصَدِىُّ يرضى بشيء يسير فلا وجوب أيضًا، وَالأظْهَرُ: وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحرِ إِن غَلَبَتِ السَّلاَمَةُ، أي فإن غلب الهلاك أو استوى الأمران لم يجب قياسًا على البر في الحالين، والثاني: لا يجب مطلقًا للخطر، والثالث: يجب مطلقًا لعموم الأدلة، هذا كله إذا لم يكن في البر طريق آخر؛ فإن كان فيلزمه قطعًا، نَعَمْ؛ لو امتنع سلوك البر لعارض كجدب أو عطش فجزم الجوري بأنه لا يجب ركوب البحر؛ بل ينتظر زوال العارض.
فَرْعٌ: ليست الأنهار العطمة كجيحون 12 في حكم البحر على الأصح، لأنَّ الْمُقَامَ فيها لا يطول والخطر فيها لا يعظم.
فَرْعٌ: لو كان البحر مغرقًا أو كان قد اغتلَمَ وهاجَ حُرِّمَ ركوبهُ لكل سفرٍ.
وَأنَّهُ يَلْزَمُهُ أجْرةُ البَذرَقَةِ، لأنها من أهب الطريق مأخوذة بحق فكانت

الجزء: 2 - الصفحة: 574

كالراحلة، وينبغى أن يتقيد بأجرة المئل، والثاني: لا، لأنه خسران لدفع الظلم فأشبه التسليم إلى الظالم، وهذا هو المنصوص كما نقله ابن الرفعة، قال: وهو ما أورده العراقيون والفاضى، والبذرقة بذال معجمة ومهملة: الْخُفَارَةُ فارسية أُعربت، وقوله (وَالأظْهَرُ) خالف فيه في الروضة فعبر بالأصح وهو أصوب.
ويشتَرَطُ وُجُود الماءِ وَالزادِ في الْمَوَاضع المُعْتَادِ حَمْلُهُ مِنْهَا بِثَمَنِ المِثْلِ وَهُوَ الْقَدر اللائقُ بِهِ فِي ذَلِكَ الزمَانِ وَالمَكَانِ، أي وإلا عظمت المؤنة، وَعَلَفَ الدَّابَّةِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ، لأن المؤنة تعظم أيضًا في حمله لكثرته، وفي ذلك نظر، وينبغى اعتبار العادة فيه كالماء.
وَفِي الْمَرأةِ أَن يَخْرُجَ مَعَهَا زَوْجٌ، أَوْ مَحْرَمٌ، أي إما بنسب أو غيره 13، أَوْ نِسْوَة ثِقَاتٌ، لأن سفرها وحدها حرام، وإن كانت في قافلة لخوف استمالتها وخديعتها، وفي الصحيح اعتبار الزوج أو الْمَحْرَمِ، وأما النسوة الثقات فلأنهن إذا كثرن انقطع الأطماع عنهن بخلاف غير النسوة الثقات وهذا في حج الفرض، أما النفل فليس لها الخروج إلى سائر الأسفار مع النساء الخلص في الأصح المنصوص، بل رأيتُ في الخصال لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أنها لا تحج متطوعة إلّا مع ذي مَحْرَمٍ هذا لفظه، وما جزم به الشيخ من اشتراط النسوة هو شرط للوجوب،

الجزء: 2 - الصفحة: 575

أما الجواز فيجوز لها أن تخرج لأداء حجة الإسلام مع المرأة الثقةِ كما قاله الماوردي وغيره، وينبغي الاكتفاء بالعبد، لأنهم ألحقوهُ في النظر بالْمَحْرَمِ، وظاهر كلام المصنف يقتضى اشتراط ثلاث نسوة غيرها ويظهر الاكتفاء باحتماع ثلاثة بها، ويقتضي اشتراط بلوغهن؛ لأن الصبية ليست بثقة، وهل ذلك شرط في المحرم وغيره ممن يخرج معها أم لا؟ فيه نظر.
وَالأصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَحْرَمٍ لأِحدَاهُن، لما تقدم من انقطاع الأطماع عنهن عند كثرتهن، والثاني: يشترط؛ لأنه قد ينوبهن أمر فيستعنَّ به، والزوج عند هذا القائل كالمحرم بخلاف ما يوهمه كلام المصنف والرافعى، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهَا أُجْرَةُ المَحْرَمِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِهَا، كأجرة المبذرق وأَولى باللزوم، والثاني: المنع؛ وأجرة الزوج يظهر إلحاقها بأجرة المحرم، وهو صريحُ إيراد الحاوي الصغير، وفي أجرة النسوة نظر.
فَرْعٌ: لو امتنع الْمَحْرَمُ من الخروج بالأجرة؛ لا يجبر عليه؛ ذكره الرافعى في حد الزنا.
فَرْعٌ: الخنثى المشكل لا يلزمه الحج إلّا إذا كان له محرم من الرجال أو النساء يخرجون معه ولا أثر لنسوة ثقات؛ فإنه لا يجوز له الخلوة بهن.
الرَّابِعُ: أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أي أو المحمل، بِلاَ مَشَقةٍ شَدِيدَةٍ، أي فإن لم يثبت أصلًا أو كان يثبت ولكن بمشقة شديدة فليس له استطاعة المباشرة سواء فرض ذلك لمرض أو غيره 14، وَعَلَى الأعْمَى الحَجُّ إِنْ وَجَدَ قَائِدًا، أي مع الزاد والراحلة لاستطاعته حينئذ، وَهُوَ، أي القائد، كَالْمَحْرَمِ فِي حَقِّ الْمَرأَةِ، أي فيأتي فيه ما سلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 576

فَرْعٌ: يجب أيضًا على مقطوع اليدين والرجلين إذا وجد مُعينًا وأمكنه الثبوت على الراحلة بلا مشقة.
وَالْمَحْجُورُ عَلَيهِ بِسَفَهٍ كَغَيرِهِ، في وجوب الحج لقيام التكليف به، لَكِنْ لاَ يُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهِ، لئلا يبذره، بَلْ يَخْرُجُ مَعَهُ الْوَليُّ، أي لينفق عليه في الطريق بالمعروف ويكون قوامًا عليه، أَوْ يَنْصِب شَخْصًا لَهُ، لقيامه مقامه، ويظهر أن يلتحق الخارج معه بمحرم المرأة فيما سلف.
تَنْبِيهٌ: أهمل المصنف شرطًا خامسًا وهو سعة الوقت لتمكنه من السير لأدائه، وقد أهمله الغزالي واستدركه الرافعي عليه، وأما ابن الصلاح فأنكر على الرافعي وقال: إنه شرط لاستقرار الوجوب لا للوجوب ورده عليه في الروضة، نعم كلام الماوردي موافق لما قاله ابن الصلاح 15. • النؤعُ الثانِي: اسْتِطَاعَةُ تَحصيلِهِ بِغَيْرِهِ، فَمَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ حَجٍّ، أي حجة الإسلام وغيرها وكذا العمرة، وَجَبَ الإحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ ترِكَتِهِ، لأن امرأة قَالَت: يا رَسُولَ اللهِ إِنَ أمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ قطْ أَفَأحُج عَنْهَا؟ قَالَ: [حُجِي عَنْهَا] رواه مسلم 16 وفي البخارى مثله في النذر، وقوله من تِركَتِهِ فيه إشارة إلى أنه عند عدمها لا يجب على الوارث ولا على بيت المال، ولو مات بعد الوجوب وقبل التمكن من الأداء لم يقض من تِركَتِهِ على الأصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 577

فرعٌ: لو مات المرتد وقد وجب عليه الحج هل يُخرج من تركته أم لا؟ فيه احتمالان للروياني وجزم به ابن الرفعة بالمنع وهو الظاهر لاستحالة وقوعه عنه.
وَالْمَغضُوبُ العَاجِزُ عَنِ الحَجِّ بِنفْسِهِ، أي حالًا ومالًا، إِن وَجَدَ أجْرَةَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأجرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ، لأنه مستطيع حينئذ بغيره؛ لأن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل الأموال وطاعة الرجال، ولهذا يقال لمن لا يحسن البناء: فلان يستطع بناءَ داره إذا كان قادرًا على ما يبذله في ذلك، وأنه إذا صدق أنه مستطيع وجب عليه للآية وأيضًا ففي الصحيحين من حديث ابن عباس أَنَّ امْرأةَ مِن خثعم قَالَت: يَا رَسولَ الله إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَذرَكَتْ أبِي شَيخًا كَبِيْرًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثبتَ عَلَى الراحِلَةِ أفَأحُجُّ عَنْهُ؟ قال: [نَعَمْ] وذلك في حَجَّةِ الوَدَاع، متفق عليه 17. فَرْعٌ: يُستثنى المعضوبُ إذا كان بمكةَ أو بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ لا يجوز له الاستنابة؛ لأن المشقة لا تكثر عليه قاله المتولي.
ويشْتَرَطُ كَونُهَا، يعني الأجرة، فَاضِلَةً عَنِ الحَاجَاتِ المَذْكُورَةِ فِيمَنْ حَجَّ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ لاَ يُشتَرَطُ نَفَقَةُ الْعِيَالِ ذِهَابًا وَإِيَّابًا، لأنه إذا لم يفارق أهله يمكنه تحصيل نفقتهم ونفقته كنفقتهم كما حكاه ابن الرفعة عن البندنيجي، ولا خلاف أنه يشترط أن يكون فاضلًا عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستئجار، ولو عبَّر المصنف بالمؤنة بدل النفقة لكان أشمل، وَلَو بذلَ، أي أعطى، وَلَدُهُ أَؤ أَجنَبِي مَالًا لِلأجْرَةِ لَمْ

الجزء: 2 - الصفحة: 578

يَجِب قبولُهُ فِي الأصَحِّ، للمنة، والثاني: يجب لحصول الاستطاعة، والخلافُ في غير الوَلَدِ مرتبٌ على وجوب الحجِّ بطاعتهِ وَأَوْلَى بأنْ لاَ يجب قاله في البيان.
فَرْعٌ: بذلُ الأبِ المَالَ لِلاِبنِ كَعَكْسِهِ عَلَى الأصَحِّ من احتمال الإمام.
فرعٌ: لو استأجرَ المطيعُ إنسانًا للحج عن المطاع المعضوب وكان للمطيع ولدٌ ألزمَهُ المطاعُ الحجَّ لتمكنه منه كما صححه المتولي وأقرَّهُ عليه في شرح المهذب.
وَلَو بَذَلَ الوَلَدُ الطْاعَةَ وَجَبَ قُبُولُهُ، أي وهو إذنه له في الحج لحصول الاستطاعة، وهذا إذا كان الولدُ راكبًا، فإنْ كانَ ماشيًا فلا يجب على الأصح مِن زوائدِ الروضة، لأن مشيَ ولده يشق عليه، وحكم التعويل على الكسب أو السؤال حكم المشي كما أجاب به صاحب الحاوى الصغير، وَكَذَا الأجنَبِي فِي الأصَحِّ، لحصول الاستطاعة كالولد، والثاني: لا يجب؛ لأن الولد بضعة منه فنفسه كنفسه بخلاف غيره.
فَرْعٌ: الأخ كالأجبى؛ وكذا الأب فِى الأصح.
فرعٌ: يشترطُ في المطيع أنْ لا يكون صَرُورَةً 18 وهو الذي لم يحج ولا معضوبًا، وأن يكون موثوقًا بصدقه، زاد القفال: وبقاء المطيع على الطاعة مدة إمكان الحج؛ فلو رجع قبله فلا وجوب.
فرعٌ: إِذَا تَوَسَّمَ الأبُ أَثَرَ الطاعَةِ لَزِمَهُ الالْتِمَاسُ عَلَى الأصَحِّ إذا وثق بالإجابةِ لحصولِ الاستطاعةِ (•).

الجزء: 2 - الصفحة: 579

بَابُ المَوَاقِيتِ

اَلْمَوَاقِيتُ: جَمْعُ مِيْقَاتٍ، ومعناهُ لُغَة: الْحَدُّ، وَهُنَا زَمَانُ العِبَادَةِ وَمَكَانُهَا.
وَقْتُ إِحْرَامِ الحَجِّ: شوَّالٌ وَذوُ القَعدَةِ وَعَشرُ لَيَالٍ، أي بأيامها، مِن ذِي الْحِجَّةِ، كذا فسر به ابن عباس قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وجماعة من الصحابة 19، والمرادُ وقت الإحرام به، لأن فعله لا يحتاج إلى أشهر.
فَرْعٌ: إذا مات الحاج عن نفسه في أثنائه، فقولان أظهرهما: وهو الجديد لا يجوز البناء عليه، والقديم: نعم.
فعلى هذا لو مات بعد فوات وقت الإحرام؛ فقيل: يحرم النائب بعمرة، والأصح: يحرِم بحج ويأتى ببقية الأعمال، وإنما يمنع من إنشاء الإحرام بعد أشهر الحج إذا ابتدأه وهذا بينى على سابق.
وَفي لَيلَةِ النحْرِ وَجْهٌ، لأن الليالي تتبع الأيام؛ ويوم النحر لا يصح فيه الإحرام فكذلك ليلته، وفي قول: أن ذا الحجة كله وقت الإحرام وهو شاذ، فَلَو أَحْرَمَ بِلىِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ انعَقَدَ عُمْرَةَ، أي مجزية عن عمرة الإسلام، عَلَى الصحِيح، أي سواءً كان عالمًا أو جاهلًا، لأن الإحرام شديد التعلق، فإذا لم يقبل الوقت ما أحرم به انصرف إلى ما يقبله، والثانى: لا ينعقد عمرة؛ بل يتحلل بعمل عمرة ولا يكون ذلك مجزيًا عن عمرة الإسلام، كما لو فَاتَهُ الحجُّ، لأن كل واحد من الزمنين ليس وقتًا للحج، وقوله (عَلَى الصَّحِيْح) صوابه على الأظهر، فإنه أصحُّ الطرق فيه.
فَرْعٌ: لو أحرم بعمرة ثم يحج في غير أشهره، فلا ينعفد إحرامه حجًا، لأنه في

الجزء: 2 - الصفحة: 580

غير أشهره 20، ولا عمرة، لأن العمرة لا تدخل على العمرة، ذكره القاضى أبو الطب فَصُورَةُ مسألة الكتاب حينئذ في شخص حَلاَلٍ.
وَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لإحرَامِ العُمرَةِ، لوروده في أوقات مختلفة كما هو مشهور في الأحاديث، نعم: المقيمُ بمنى للرمي لا تنعقد عمرته لاشتغاله بالرمى، والمبيت؛ نصَّ عليه، ومنه يؤخذ امتناع حجتين في عام واحد، وهو إجماع كما نقله القاضى أبو الطيب.
فَرْعٌ: يستحب الإكثار منها لا سيما في رمضان [فَإِن عُمْرَةَ فِيهِ تَعدِلُ حُجَّةً مَعَهُ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ] كما صححه الحاكم على شرط الشيخين 21، وسمعتُ بعض مشايخنا يحكي عن قاضى القضاة بمكة نجم الدين الطبري الشافعي ثلاثة أوجه في الطواف والاعتمار أيهما أفضل؟ ثالثها: إن استغرق زمن الاعتمار بالطواف فالطواف أفضل وإلا فالاعتمار أفضل، ولم أرَ حكايتها لغيره، قال: ولو ذكر بعد رمضان عشر ذى الحجة لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [مَا مِنْ أيامٍ العَمَلُ

الجزء: 2 - الصفحة: 581

الصَّالِحُ فِيهِنَّ أحَبَّ إِلَى الله مِنَ الْعَمَلِ فِيهِ] 22 لكان حسنًا.
فرعٌ: إدخال العمرة على الحج لا يجوز في الجديد كما ذكره المصنف في آخر باب دخول مكة كما سيأتي.
وَالْمِيقاتُ المَكانِيُّ لِلْحَجِّ في حَق مَن بِمَكةَ، أي افاقيًا وغيره، نَفْسُ مَكةَ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس [الآتِي حَتى أَهْلُ مَكةَ مِنْ مَكةَ] 23، وَقِيلَ: كُلُّ الحَرَمِ، لأن مكةَ وسائرَ الحرمِ سواءٌ في الحرمةِ، فلو فارق بنيان مكة ثم أحرم في الحرم ولم يرجع إلى مكة إلا بعد الوقوف كان مسيئًا على الوجه الأول دون الثاني، وَأَما غَيرُهُ فَمِيقَاتُ المُتوَجِّهِ مِنَ المَدِينَةِ ذُو الحُلَيْفَةِ، وَمِنَ الشَّامِ؛ وَمِصرَ؛ وَالمَغْرِبَ اَلْجُحفَةُ، وَمِن تِهَامَةِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجدِ اليَمَنِ؛ وَنَجدِ الحِجَازِ قَرْنٌ، وَمِنَ الْمَشرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ، لحديث ابن عباس لذلك في الصحيحين وهذا لفظه [وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأهلِ المَدِينةِ ذَا الحُلَيفَةِ، وَلأهلِ الشَّامِ الجُحفَةَ، وَلأهْلِ نَجْدٍ قَرن المَنَازِلِ وَلأهْلِ الْيَمَنِ يَلَملَمَ] 24 وأما مصر وذات عِرْقٍ ففي النسائي من حديث عائشة 25، وأما المغرب ففي رواية مرسلة أخرجها الشافعى - رضي الله عنه - وقد وصلها مرة

الجزء: 2 - الصفحة: 582

في حديث آخر عن أحمد أن هذه المواقيت وقت عام حجة الوداع؛ لكن مع الشك في الرفع واضطرب نقل الرافعي والمصنف في أن ذات عرق هل هى ميقات بالنص أو باجتهاد عمر - رضي الله عنه - كما أوضحته في الأصل؛ والأفضل لأهل المشرق أن يهلوا من العقيق 26. تَنْبِيهٌ: الأجِيْرُ يُحْرِمُ مِنْ مِيْقَاتِ مُستَأجرِهِ؛ لاَ مَا مَرَّ بِهِ؛ ذَكَرَهُ شارح التعجيز وحكاه في الكفاية عن الفوراني بزيادة: أنه يُحْرِمُ أيضًا مما بإزائه الأبعد وأقرَّه عليه.
وَالأفضل أن يُحرِمَ مِنْ أَوَّلِ المِيقَاتِ، ليقطع الباقى محرمًا، ويجُوزُ مِن آخِرِهِ، لصدق الاسم عليه، وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا، أي في البر أو البحر، لاَ يَنْتَهِي إِلَى مِيقَاتٍ، فإن حَاذَى مِيقَاتًا أحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتهِ، اتباعًا لِعُمَرَ - رضي الله عنه - في ذلك في البخاري من غير إنكار 27 فإن اشتبه عليه موضع المحاذات اجتهد، أَوْ مِيقَاتَيْنِ فَالأصَحُّ، أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحَاذاةِ أبعَدِهِمَا، أي عن مكة وهو الأقرب إليه الذي يحاذيه، وليس له الانتظار إلى الوصول إلى محاذاة الأقرب، كما ليس للآتى من المدينة أن يجاوز ذا الحليفة لِيُحرِمَ مِنَ الجُحفَةِ، والثاني: أن يتخير إن شاء أحرم من الوضع المحاذى لأبعدهما، وإن شاء لأقربهما؛ لأنه لم يمر على ميقات منصوص عليه فتركه وقد أحرم محاذيًا للميقات، وَإِن لَم يُحَاذِ، أي في علمه، أَحرَمَ عَلَى مَرحَلَتَيْنِ مِن مَكْةَ، لأنه لا شئ من المواقيت أقل مسافة من هذا القدر وهذا من تخريج الإمام.
وَمَنْ مَسكنة بَينَ مَكةَ وَالميقاتِ؛ فَمِيقَاتُة مَسكَنُهُ، يعني القرية التي يسكنها

الجزء: 2 - الصفحة: 583

والحلة التى ينزلها البدوىِ لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ في الحديث السالف بعد ذكر المواقيت: [فَمَن كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أنشَأ] 28. وَمَن بَلَغَ مِيقَاتًا غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا ثُمَّ أَرَادَهُ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ، أي ولا يكلف العود؛ فإن جاوزه غير محرم كان كمجاوزة الميقات، وِإن بَلَغَهُ مُرِيدًا لَم تَجُز مُجَاوَزَتهُ بِغَيرِ إِحرَام، بالإجماع، والمراد هنا المجاوزةُ إلى جهة الحَرَمِ، فأمَّا إذا جاوزه إلى جهة يمينه أو يساره وأحرم من مثل ميقات بلده أو أبعد؛ فإنه يجوز؛ ذكره الماوردي، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ العَودُ لِيحرِمَ مِنْهُ، أي وكذا من ميقات آخر مثل مسافته، صرح به الإمام، وإذا عاد فلا دمَ عليه، وكلام المصنف يوهم عدم وجوب العود إذا أحرم؛ وليس كذلك، ووجوب تأخير الإحرام إليه، وليس كذلك أيضًا، لأن الصحيح أن العود بعد الإحرام مسقط للدم كما سيأتى، فله أن يحرم ثم يعود إلى الميقات محرمًا؛ لأن المقصود قطع المسافة محرمًا.
إلَّا إِذَا ضَاقَ الْوَقتُ أَوْ كَان الطرِيقُ مُخَوفًا، أي فإنه لا يلزمه لخوف الضرر ويريق دمًا، وكذا لو خاف الانقطاع عن الرفقة أو كان به مرض شاقٌّ لما قلناه، فَإن لَم يَعُدْ لَزِمَهُ دمٌ، لقول ابن عباس - رضي الله عنه -[مَنْ نَسِىَ مِنْ نُسُكِهِ شَيئًا أَو تَرَكَهُ فَلْيُهرِق دَمًا] رواه مالك 29. فَرْعٌ: لو أحرم بعد المجاوزة بالعمرة لزمه الدم في أيّ وقتٍ أحرمَ؛ لأن العمرة لا يَتأقَتُ وَقْتُهَا، أو بالحج؛ فإن كان في سَنَتِهِ فكذلك، وإن حج من السَّنَةِ الثانية فلا، لأن إحرام هذه السَّنَةِ لا يصلح لحج سَنَةٍ قَابِلَةٍ أخرى؛ قاله القاضى والبغوي.
وإن لم يُحْرمْ أصلًا، لم يلزمه شيء، قاله الماوردي، لأن الدم إنما يجب لنقصان النسك لا بدلًا منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 584

وِإن أَحرَمَ ثُمَّ عَادَ فَالأصَحُّ أنَّهُ إِنْ عَادَ قَبلَ تلَبسِهِ بنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ، لقطع المسافة من الميقات محرمًا وأداء المناسك بعده، وَإلّا فَلاَ، لِتَأدِّيهِ بإحرامٍ ناقص؛ ولا فرق بين أن يكون ذلك النسُكُ ركنًا أو سُنة، وهذا التفصيل هو ظاهر المذهب عند الأكثرين، وقيل: وجهان أو قولان: وجه عدم السقوط تَأكدُ الإساءة بإنشاء الإحرام من غير موضعه.
وكان ينبغى للمصنف التعبير بالمذهب بدل الصحيح كما قررناه وكما فعل في الروضة.
تَنْبِيْهَانِ: الأوَّلُ: ظاهر كلامه يقتضي أن الدم وجب ولكن سقط بالعود، وهو وجه في الحاوي؛ وصحح: أنه لا يجب إلا بفوات العود، والثاني: الجمهور؛ كما قال في شرح المهذب: لم يتعرضوا لزوال الإساءة بالعود، وفي البيان بعد حكاية وجهين: أن الظاهر أنه لا يكون مسيئًا، وبه جزم الروياني، وقيد المحاملى ذلك بأن تكون المجاوزة بنية العود.
وَالأفضَلُ أَن يُحرِمَ مِن دُويرَةِ أَهلِهِ، لأنه أكثر عملًا، وَفِي قَولٍ: مِنَ المِيقَاتِ، لِلتْأسِّي بِهِ -صلى الله عليه وسلم -؛ فَإنهُ أحرَمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاع مِنْهُ بالإجماع 30. قلْتُ: اَلمِيقَاتُ أَطهَرُ، وَهُوَ المُوَافِقُ لِلأحَادِيثِ الصحِيحَةِ، وَالله أعلَمُ، وهو كما قال: بل أطلق جماعة الكراهة على تقديم الإحرام على الميقات.
وَمِيقَاتُ العُمرَةِ لِمَن هُوَ خَارِجَ الحَرَمِ مِيقَاتُ الحَجِّ، لقوله عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - السالف، ممن أراد الحج والعمرة، وَمَن بِالحَرَمِ، أي مكيًّا وغيره، يَلزَمُهُ الْخُرُوجُ إِلَى أدنَى الحِلِّ وَلَو بِخَطْوَةٍ، أي من أي جهة شاء من جهات الحرم، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ [أعْمَرَ عَائِشَةَ مِنَ التنْعِيمِ] 31، فلو

الجزء: 2 - الصفحة: 585

لم يكن الخروج واجبًا لاعتمرت من مكانها، لضيق الوقت.
وقد يوهم قوله (وَلَو بِخَطْوَةٍ) أنها أقل ما يكفي فليس كذلك.
فَرْعٌ: إذا أرادَ مَنْ بِمَكةَ القِرَانَ كفاهُ الإحرامُ مِنْ مَكةَ على الأصح تغليبًا للحج.
فإن لَم يَخْرُجُ؛ وَأَتَى بِأفعَالِ العُمرَةِ؛ أَجْزَأَتْهُ فِي الأظْهَرِ، لأن إِحْرَامَهُ قد انعقد وأتى بعده بالأفعال الواجبة، وَعَلَيهِ دَمٌ، لتركه الإحرام من الميقات، والثاني: لا يجزيه، لأن العمرة أحد النسكين، فيشترط فيه الجمع بين الحل والحرم كما في الحاج، ورأيتُ في الأم بَعْدَ نَصِّهِ على هذين القولين أن هذا أشبههما، ولم يذكر ترجيحًا في المسألة غيره فَتَنَبَّة لَهُ، والقولان متفقان على انعقاد إحرامه؛ وحكاهما الفورانى في انعقاده وهو مُؤَوَّلٌ.
فَلَوْ خَرَجَ إِلَى الحِل بَعدَ إِحْرَامِهِ، أي وقبل الطواف والسعي، سقَطَ الدَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن المسئ هو الذي ينتهي إلى الميقات على قصد النسك ثم يجاوزه، وهذا المعنى لم يوجد هنا، بل هو شبيه بمن أحرم قبل الميقات، والطريق الثاني: تخريجه على الخلاف في عود من جاوز الميقات إليه محرمًا، فعلى الأول الواجب هو خروجه إلى الحل قبل الإعمال، أما في ابتداء الإحرام أو بعده، بل نصَّ المحاملي في مجموعه والجرجاني في تحريره: أنه يستحب فعله قبل الخروج؛ وهو غريب.
وعلى قولنا لا يسقط الدم الواجب؛ هو الخروجِ في ابتداء الإحرام، وقوله (سَقَطَ) يأتى فيه ما سلف في الحج وإن لم أرهُ منقولًا هنا، نعَمْ عبارةُ المهذب: لم يلزمه دمٌ؛ وعبارة البيان: لا شئ عليه.
ثُمَّ اعْلَمْ: أن هذا إذا خرج إليه بقصدِ النسُك، أما إذا خرج لبعض أشغاله، فالحكم كذلك أيضًا كما قاله القفال وبه أجاب البغوي.
وَأَفضَلُ بِقَاع الحِلِّ الجِعرَانَةُ، أي لمن أراد الاعتمار [لإِحْرَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ الحديث (1516)، وفي رواية: قَالَت: يَا رَسُولَ الله اعتمَرتُم وَلَم أعْتَمِرْ؟ فَقَالَ: [يَا عَبْدَ الرحْمَنِ؛ اذهَبْ بِأختِكَ فَأعمِرْهَا مِنَ التنْعِيمِ].
رواه البخاري: الحديث (1518).

الجزء: 2 - الصفحة: 586

وَالسلاَمُ مِنْهَا] متفق عليه (1054). ثُمَّ التْنْعِيمُ، لأنه عَلَيهِ الصلاَةُ وَالسلاَمُ [أَمَرَ أخَا عَائِشَةَ رَضِىَ الله عَنْهَا أنْ يَعْمِرَهَا مِنْهُ] متفق عليه أيضًا (1055). ثُمَّ الحُدَيبِيَةُ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أراد المدخل لعمرته منها فَصُدَّ؛ وكان إحرامه بها من ذي الحليفة، كما رواه البخارى في غزوة الحديبية في صحيحه (1056). فقدَّم الأصحابُ ما فعله؛ ثم ما أمر به ثم؛ ما هَمَّ به أي من سلوك الطريق، لا هَمُّهُ بالإحرام، كما عَلِمت.
وليس النظر فيها إلى المسافة بل إلى السُّنةِ.
خَاتِمَة: يُستحب لمن أحرم من بلده أو من مكة أن يخرج عَقِبَ إحرامِهِ، ولا يمكُثَ بَعْدَهُ.
نصَّ عليهِ كما نقله الشيخ أبو حامد.

بَابُ الإِحْرَامِ

الإحْرَامُ: هُوَ الدخُولُ فِي الحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ فِيْهِمَا أَوْ فِيْمَا يَصْلُحُ لَهُمَا أَوْ لأحَدِهِمَا.
يَنْعَقِدُ مُعَيِّنًا بِأنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَة أَوْ كِلَيْهِمَا، بالإجماع، وَمُطْلَقًا: بِأن لاَ يَزِيدَ عَلَى نَفْسِ الإحْرَامِ، لأنه أحد ما قيل في إحرام سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وَالتعْيِينُ أَفضَلُ، لأنه أقرب إلى الإخلاص وليعرف ما يدخل عليه، وَفِي قَوْلٍ: الإطْلاَقُ،323334

الجزء: 2 - الصفحة: 587

ليتمكن من صرفه إلى ما لا يخاف فوته، فإن أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ صَرَفَهُ بِالنِّيةِ، أي لا باللفظ، إِلَى مَا شَاءَ مِنَ النسُكَيْنِ أوْ إِلَيهِمَا ثُمَّ اشتَغلَ بِالأعْمَالِ، أي ولا يجزى العمل قبل النية ثم هذا إذا كان الوقت صالحًا لهما، وإليه يرشد قوله (ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالأعمَالِ) أما لو ضاق الوقت؛ وخاف فوت الحج أو فات، صرفه إلى العمرة؛ قاله الروياني، وَإِنْ أَطلَقَ فِي غَيْرِ أشْهُرِهِ فَالأصَحُّ انعِقَادُهُ عُمرَةَ فَلًا يَصرُفُهُ إِلَى الْحَج فى أشْهُرِهِ، لأن الوقت لا يقبل غير العمرة، والثانى: ينعقد مُبْهَمًا فله صرفه إلى حج أو قِران، فإن صرفه إلى الحج قبل الأشهر كان كمن أحرم بالحج قبل أشهر فينعقد عمرة 35، وَلَهُ أَن يُحْرِمَ كَإحْرَامِ زَيْدٍ، لأن أبا موسى أهل بإهلال كإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قدم أخبره فلم ينكر عليه، بل قال: [أحْسَنْتَ] وفعله عليٌّ كرَّم الله وجهه أيضًا وكلاهما في الصحيحين 36.

الجزء: 2 - الصفحة: 588

فَرْعٌ: لو عَلَّقَ على إحرام زيد في المستقبل؛ أو على طلوع الشمس ونحوه؛ ففيه وجهان؛ وميلُ الرافعي إلى الجواز.
فَإن لَم يَكنْ زَيْدٌ مُحرِمًا؛ انعَقَدَ إِحرَامُهُ مُطلَقًا، لأنه قَصَدَ الإحرامَ بصفة خاصة، فإذا بطلت الصفة بقي أصل الإحرام، وَقِيلَ: إِن عَلِمَ عَدَمَ إِحرَامِ زَيْدٍ لَم يَنْعَقِدْ، كما لو عَلَّقَ فقال: إن كان زيدٌ محرمًا فقد أحرمتُ، فلم يكن محرمًا لكن الفارق بأنه جازم بالإحرام في مسألتنا بخلاف ما إذا علق، وِإن كان زَيدٌ مُحْرِمًا انعَقَدَ إِحرَامُهُ كَإحْرَامِهِ، أي إن كان حاجًا فحج، وإن كان عمرة فعمرة، وإن كان قِرانًا فَقِرانٌ، وإن كان أحرم بعمرة بنية التمتع، كان عمرُو محرمًا بعمرة ولا يلزمه التمتع، وإن كان مطلقًا انعقد إحرامه مطلقًا، ويتخير كما يتخير زيد ولا يلزمه الصرف إلى ما يصرفه إليه زيد على الأصح؛ وإن كان زيد أحرم مطلقًا ثم عينه قبل إحرام عمرو فالأصح أنه ينعقد إحرامُ عمرو مطلقًا.
فَإن تعَذْرَ مَعرِفَةُ إِحرَامِهِ، بمَوتهِ، أي وكذا بجنونه أو غيبته، جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا، أي بأن ينويه، وَعَمِلَ أَعْمَالَ الَنسُكَينِ، لأنه لا سبيل إلى الإطلاع على نية الغير والتحرى في فعله.
فصلٌ: المُحرِمُ يَنْوِي ويُلَبِّي، للحديث الصحيح المشهور [إِنمَا الأعْمَالُ بالنّيَّاتِ] ومحلها القلبُ، وكيفيتها المستحبة أن يقول بقلبه ولسانه: نَوَيتُ الحَجَّ وأحرَمْتُ بِهِ لله تَعَالَى، لبَّيكَ اللهُم لَبَّيكَ إلى آخر التلبية، ولا يجب هنا نية الفرض جزمًا.
ويستحب استقبال القِبلة عند الإحرام ويلبى أي مقترنًا بنيَّته لنفل الخلف عن السلف، فإن لبَّى بِلا نيَّةٍ لَم يَنْعَقِد إِحرامُهُ، لأن الأعمال بالنيات، وَإن نَوَى وَلَم يُلَبِّ انعَقَدَ عَلَى الصحِيح، كالطهارة والصوم في عدم اشتراط لفظ مع النية، والثاني: لا ينعقد؛ لإطباق الناس على الإعتناء بذلك عند الإحْرَامِ.
وظاهر إيراد الروياني في حكاية هذا الوجه: اشتراط المقارنة.
وُيسن الغُسْلُ لِلإحْرَامِ، للاتباع كما حسَّنه الترمذي مع الغرابة من حديث

الجزء: 2 - الصفحة: 589

عبد الله بن زيد بن ثابت 37 وأخرجه أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها 38، ويُكره تركه، ولا فرق في ذلك بين الحج والعمرة، والرجل والمرأة والحائض والنفساء 39، فَإِن عَجَزَ تيمَّمَ، لأن الغسل يراد للقربة والنظافة؛ فإذا تعذر أحدهما بقى الآخر، ولأنه ينوب عن الغسل الواجب، فالمندوب أَولى.
ولو ذكر المصنف هذا عقب جميع الأغسال لكان أولى لشمول الحكم لكلها.
فَرْعٌ: يستحب أن يتأهَّبَ للإحرام بحلق العانة؛ وتقليم الأظافر؛ وقص الشارب؛ ونتف الإبط، وينبغي تقديم هذه الأمور على الغسل كما في حقِّ المَيِّتِ.
وَلدُخُولِ مَكْةَ، أي حلالًا كان أو محرمًا اقتداء به - صلى الله عليه وسلم -، أما في حق المُحْرِمِ فهو في البخاري 40، وأما في حق الحلال فذكره الشافعي في الأم قال: وكان ذلك

الجزء: 2 - الصفحة: 590

عام الفتح 41، ورأيتُ في الخصال لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أنه يُستحب أيضًا لدخول الحرم.
فَرْعٌ: لو خرج من مكة فأحرم بالعمرة واغتسل لإجرامه ثم أراد دخول مكة، فإن كان أحرم من بُعدٍ كالجعرانة والحديبية استحب الغسل للدخول، وإن أحرم من أدنى الحل كالتنعيم فلا.
وَللْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ، أي على المشعر الحرام، غَدَاةَ النحرِ، وَفِي أيامِ التشرِيقِ لِلرَّمْي، لأن هذه المواضع يجتمع لها الناس فأشبه غسل الجمعة.
ولا يستحب الغسل لرمى جمرة العقبه اتفاقًا اكتفاءً بما قبله.
فَرْعٌ: زاد الشافعي في القديم أربعة أغسَال؛ لطواف القدوم؛ والإفاضة؛ والوداع؛ والحَلقِ.
وَأَن يُطيَّبَ بَدَنهُ لِلإِحرَامِ، اقتداءً به - صلى الله عليه وسلم - متفق عليه 42، وَكَذا ثَوبهُ فِي الأصَح، كالبدن، والثاني: المنع، لأن الثوب يُنْزَعُ ويلْبَسُ وإذا نزعه ثم أعادَهُ كان كما لو استأنَفَ لبس ثوب مُطيَّبٍ، والخلاف في الجواز على المشهور وحكاه المتولي في الاستحباب وهو ظاهر إيراد المصنف تبعًا لِلْمُحَرَّر، واستغربه في شرح المهذب، لكن سبقه إليه القاضي حسين؛ فأين الغَرَابة.؟ وقال المصنف في مناسكه الكبرى: الأوْلَى أن يقتصر على تطيب بدنه دون ثيابه، وأن يكون بالمسك؛ والأفضل أن

الجزء: 2 - الصفحة: 591

يخلطه بماء الورد أو نحوِهِ لِيُذْهِبَ جُرْمَهُ، ثم هذا الخلاف فيمن قصد تطييب الثوب، أما في مَن طيب بدنه فتعطر ثوبه فلا بأس به قطعًا.
ولا بَأسَ بِاستِدَامَتِهِ بَعْدَ الإحْرَامِ، كما في البدن، وَلا بِطِيبٍ لَهُ جِرْمٌ، لحديث عائشة رضي الله عنها [كَأنّى أنظُرُ إِلَى وَبِيْصِ الْمسكِ فِي مِفْرَقِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُحْرِمٌ] متفق عليه 43، وَالوَبِيصُ بالصاد المهملة الْبَرِيقُ.
لَكِن؛ لَو نَزَعَ ثوبهُ المُطَيبَ؛ ثُمَّ لَبِسَهُ لَزِمَهُ الفِديةُ في الأصَح، كما لو أخذ الطيب من بدنه ثم ردَّه إليه على الراجح، والثانى: لا؛ لأن العادة في الثوب أن ينزع ويعاد فجعل عفوًا.
وَأن تُخَضِّبُ المَرأَةُ لِلإحْرَامِ يَدَيْهَا، أي إلى الكوعين بالحناء وكذا وجهها خَلِيَّةً كَانَتْ أَوْ مُزَوجَة؛ شَابةَ أو عَجُوزًا، إذ المعنى فيه ستر لونها، فإنها مأمورة بكشف الوجه واليدين وفيه حديث في الدارقطني ليس بمحفوظ 44، وإنما يُسْتَحَبُّ التعميمُ دون التنقيش والتسويد والتطريف، واحترز بالمرأة عن الرجل؛ فإنه يحرم عليه ذلك إلا لضرورة، وعن الخنثى أيضًا احتياطًا.
وَيتَجَرَّدُ الرَّجُلُ لإحْرَامِهِ عَنْ مَخيطِ الثيابِ، إذ لبس للمحرم لبس المخيط على ما سيأتى؛ والصبيُّ كالرجل في ذلك، وقوله (يَتَجَرَّدُ) هو بضم الدال كما ضبطه

الجزء: 2 - الصفحة: 592

المصنف بخطه وصرح الرافعي بوجوبه؛ وحذفه فى الروضة؛ وفيه نظر، ويلْبَسَ إزَارًا وَرِدَاءً، للإتباع، أبيضَينِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِلبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاض فَإنهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُم] صححه الترمذي 45، وَنَعلينِ، للأمر به 46 وهما التاسومة، ويجوز عند الحنفية لبس الشرموزة والجمجم ووافقنا مالك وأحمد على المنع.
ويصَلّيَ رَكْعَتَينِ، للإتباع ويقرأُ فيهما سورة الإخلاص، وقيل: قُل يَأيهَا الكَافِرُونَ.
وتُغنى عنهما الفريضة والسُّنة الراتبة، ثُمَّ الأفْضَلُ أَن يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثَت بِهِ رَاحِلتهُ أَوْ تَوَجَّهَ لِطَرِيقِهِ مَاشيًا، لأنه - صلى الله عليه وسلم -[كَانَ إِذَا وَضَعَ رِجلَهُ في الغرَزِ وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلتهُ قائِمَةً أَهَلَّ مِنْ ذِي الحُلَيفَةِ] متفق عليه 47، ومعنى انبعثت استوت قائمة.
وفي مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه -[أمَرَنَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أَحلَلنا أنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا، 48، وَفى قَولٍ: يُحْرِمُ عَقِبَ الصَّلاةِ، أي جالسًا لحديث مختلف فيه 49. وبه جزم الخفاف في خصاله حيث قال: يصلي ركعتين ثم يقول: اللَّهُمَّ

الجزء: 2 - الصفحة: 593

إِنِّى أُرِيْدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أوِ القِرَانَ عَلَى مَا يُوحِيْهِ كِتَابُكَ وَسُنَّةُ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. فإن كان له ما يركبه ركب ولبَّى هذا لفظه، وفي قول ثالث: أنهما سواء؛ حكاه البندنيجى وقال الإمام: ويستحبُّ لهُ أن يحرِمَ قَبْلَ الخُطْبَةِ بِمَكَّةَ فَيُسْتَثْنَى.
وَيُسْتَحَبُّ إِكْثَارُ التَّلْبِيَةِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لزم تلبيته [لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبَّيْكَ ... إلى آخرها] رواه مسلم 50، ولأنها من شعار الحج، وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا فِى دَوَامِ إِحْرَامِهِ، للأمر به كما صححه الترمذي وغيره 51، واستثنى الجويني التلبية المقترنة بالإحرام؛ فإنه لا يجهر بها، ويخرج ذلك بقيد الدوام، والمرأة تَخْفِضُ صَوْتَهَا وكذا الخنثى.
فَرْعٌ غَرِيْبٌ: يستحب لِلْمُلَبِّي عند التلبية إدخال إصبعيه في أُذنيه؛ ذكره ابن وفيه (فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِيْنَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ).
والترمذي في الجامع: باب ما جاء متى أحرم النبي - صلى الله عليه وسلم -: الحديث (819)، وقال: هذا حديث حسن غريب.
والنسائي في السنن: كتاب المناسك: باب العمل في الإهلال: ج 5 ص 162. وتفصيل قصة الاختلاف في رواية أبي داود في السنن.
وضعف البيهقي حديث ابن عباس وأنكر على المحتج به، وقال: خَصَيْفٌ الْجُزرِيُّ غيرُ قوى، وقد رواه الواقدى بإسناد له عن ابن عباس، إلا أنَّه لا تنفع مُتَابَعَةُ الواقديِّ، والأحاديث التي وردت في ذلك عن ابن عمر وغيره أسانيدها قوية ثابتة.
والله أعلم.
قاله في السنن الكبرى للبيهقي: كتاب الحج: باب من قال يهل خلف الصلاة: الحديث (9061).

الجزء: 2 - الصفحة: 594

حبان من أصحابنا في صحيجه واستدل له بفعل موسى - صلى الله عليه وسلم - 52. وَخَاصَّةً عِنْدَ تَغَايُرِ الأحْوَالِ؛ كَرُكُوبٍ؛ وَنُزُولٍ؛ وَصُعُودٍ؛ وَهُبُوطٍ؛ وَاختِلَاطِ رُفْقَةٍ، أي ونحوها كفراغ صلاةٍ؛ وإقبال ليلٍ أو نهارٍ؛ ووقت السحرِ اقتداءً بالسلف في ذلك.
وَلَا تُسْتَحَبُّ فِي طَوَافِ القُدُومِ، لأن فيه أدعية وأذكار خاصة فصار كطواف الإفاضة والوداع.
وَفِي القَدِيمِ تُسْتَحَبُّ فِيهِ بِلَا جَهْرٍ، لإِطلاق الأدلة؛ والخلاف جارٍ في السعى بعده، وَلَفْظُهَا: [لَبَّيْكَ اللَّهُمْ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكُ، لَا شَرِيكَ لَكَ]، للإتباع وصحَّ [لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ] أيضًا أخرجه النسائي وصححه ابن حبان ونص الشافعي في الأم على استحبابها مع ما سلف أيضًا 53، وفي كتاب أسرار الحج إن تلبية يونس عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [لبَّيْكَ

الجزء: 2 - الصفحة: 595

فَرَّاجَ الْكُرْبِ لَبَّيْكَ] وتلبية عيسى [لبَّيْكَ أَنَا عَبْدُكَ ابْنُ أَمَتِكَ بِنْتُ عَبْدَيْكَ لَبَّيْكَ] وتلبية موسى [لَبَّيْكَ أَنَا عَبْدُكَ لَدَيْكَ لَبَّيْكَ].
وَعَلَّمَ إِبْلِيْسُ النَّاسَ التَّلْبِيَةَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ إِلَّا شَرِيْكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكهُ وَمَا مَلَكَ.
فلم يزالوا عليها حتَّى جاء الإسلام.
ورأيتُ في الخصال لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أن داود عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كان يقول في تلبيته [لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بَيْنَ يَدَيْكَ] وكان من تلبية موسى [لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ لَبَّيْكَ مَرْغُوبٌ وَمَرْهُوبٌ إِلَيْكَ لبَّيْكَ] قال: وكلُّ ذلك حسن، وحكى الروياني عن الأصحاب عن بعض صلحاء السلف أنَّه كان يقول: لَبَّيْكَ أَنْتَ مَلِيْكُ مَنْ مَلَكَ مَا خَابَ عَبْدٌ أَمَّلَكَ، قال الروياني: وهو حسنٌ 54. فَرْعٌ: يستحبُّ أن يكرر التلبية ثلاثًا نسقًا؛ وأن يقف وقفة لطيفة عند قوله [وَالْمُلْكُ] وقوله [إنَّ الْحَمْدَ] الاختيار: كَسْرُ إنَّ فيه على الاستئناف، ويجوز فتحها على معنى لأنَّ والمشهورُ نَصْبُ [النِّعْمَةَ] ويجوز رفعها.
وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ قَالَ: [لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ]، للاتباع 55، وَإِذَا

الجزء: 2 - الصفحة: 596

فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ صَلَّى عَلَى النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلَّمِ، لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أَيْ لَا أُذْكَرُ إِلَّا وَتُذْكَرُ مَعِى (1078)، وَسَأَلَ الله تَعَالَى الْجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنَ النَّارِ، للاتباع (1079). فَرْعٌ: من لا يحسنُ التلبيةَ بالعربية لبَّى بلسانه، قاله في الروضة.
وزاد المتولي أنه يؤمر بالتعلم ويلبِّي بلسانه إلى أن يحسن، قال: وهل مجوز بلغة أخرى مع القدرة على التلبية؟ حكمه حكم التسبيحات في الصلاة؛ لأنه ذِكْرٌ مَسْنُونٌ.

بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ زَادَهَا اللهُ شَرَفًا

مَكةُ: هِيَ أَفْضَلُ الأرْضِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ حَاشَا مَوْضِعَ قَبْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الأَرْضِ.
وَلَهَا اثنانِ وَعُشْرُونَ اسْمًا فَرَاجِعْهَا مِنَ اللُّغَاتِ وَالشَّرْحِ الْكَبِيْرِ، وقالَ الْمُحِبُّ الطبَرِيُّ: إنَّ بَيْتَ خَدِيْجَةَ الَّذِي بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مَوْضِعٍ مِنْهَا بَعْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ 58.5657

الجزء: 2 - الصفحة: 597

الأَفْضَلُ دُخُولُهَا قَبْلَ الْوقُوفِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ دَاخِلُهَا مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ بِذِي طَوَى، وَيْدْخُلُهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، أي بالمد والفتح؛ للاتباع.
أما الداخل من غير طريق المدينة فيغتسل في نحو مسافته 59، ولا فرق بين أن تكون كَدَآءٍ على طريقه أو لَمْ تَكُنْ كما صححه في الروضة وغيرها، وإن كان كلامه في الكتاب تبعًا للرافعى يقتضي اختصاص الاستحباب بالداخل من طريق المدينة (وطوى مثلث الطاء يصرف ولا يصرف).
فَائِدَةٌ: رُوِيَ عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند دخول مكة: [اللَّهُمَّ الْبَلَدُ بَلَدُكَ وَالْبَيْتُ بَيْتُكَ جِئْتُكَ أَطْلُبُ رَحْمَتَكَ وَأَلْزَمُ طَاعَتَكَ مُتبِعًا لأمْرِكَ رَاضِيًا بِقَدَرِكَ مُسْلِمًا لأَمْرِكَ أَسْأَلُكَ مَسْألَةَ المُضْطَر إِلَيْكَ الْمُشْفِقِ مِنْ عَذَابِكَ أَنْ تَسْتَقْبِلَنِى بِعَفْوِكَ وَأَنْ تَتَجَاوَزَ عَنِّى بِرَحْمَتِكَ وَأَنْ تُدْخِلَنِى جَنَّتَكَ].
وَيَقُولُ إِذَا أَبْصَرَ الْبَيْتَ: [اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَطمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا

الجزء: 2 - الصفحة: 598

وَبِرًّا، اللَّهُمً أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ]، للاتباع إلى قوله [وَبِرًّا] وبدل وَعَظَّمَهُ بقوله [وَكَرَّمَهُ] والباقي اقتداءً بعمر - رضي الله عنه -. والظاهر أن مراد المصنف بالإبصار العلم حتَّى يستحب الدعاء المذكور للأعمى والداخل في ظلمة، وما أحسن قولَ الحاوي ودعا للقاء البيت [اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ ... إلى أخره] 60. فَرْعٌ: يستحب رفع اليد عند رؤية البيت دون التكبير، ثُمَّ يَدْخُل الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في عهد قريش دخل منه كما رواه البيهقي 61 ولعل السبب في أنَّه في جهة الكعبة والركن الأسود.
وجهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع كما قاله ابن عبد السلام في قواعده، وَيبْتَدِىُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ، للاتباع 62 ولا يؤخره إلا لِمَكْتُوبَةٍ أقِيْمَتْ حين دخوله أو قَرُبَتْ إقامتها كما نص عليه في الأم أو فريضة أو سنة مؤكدة خاف فوتها.
ولِتُؤَخره المرأة الجميلة والشريفة التى لا تبرز للرجال إلى الليل لأنه أستر لها والخنثى كالمرأة.
فَائِدَةٌ: الطواف تحية البيت لا للمسجد، نعم تسقط بسُنَّة الطواف كما نبَّه عليه الرويانى ويؤخذ منه أنَّه لو أخر سُنة الطواف لوقت آخر ففد فوَّت سُنَّة التحية، وفي الأُمِّ: أنَّه لو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد.
وَيَخْتَصُّ طَوَافُ الْقُدُومِ بِحَاجِّ دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، لأنه تحية البيت فكانت قبل فعل الفرض، فإن وقف أولًا فليس في حقه طراف قدوم لدخول وقت

الجزء: 2 - الصفحة: 599

الطواف المفروض؛ ولا يختص طواف القدوم بالحاج، بل هو مستحب في حق كل من دخل مكة ولو تاجرًا، نَعَمْ: طواف العمرة يُجْزِئُ عنه وكذا المنذور.
وَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ لَا لِنُسُكٍ اسْتَحِبَّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، قياسًا على التحية؛ ولا يجب لحديث المواقيت السالف في بابه لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ؛ فلو وجب لمجرد الدخول لما علقه على الإرادة، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، لإطباق الناس عليه، والسنن يندر فيها الاتفاق على العمل بها وصححه البغوي والمصنف في نكته، إِلَّا أَن يَتَكَرَّرَ دُخُولُهُ كَحَطَّابٍ وَصَيَّادٍ، أي فإنه لا يجب عليهما قطعًا للمشقة وقيل: على القولين، والْبَرِيْدِيُّ منهم من جعله كالحطاب، ومنهم من قال إذا قلنا لا يجب عليهم ففيه وجهان.
تَنْبِيْهَانِ: الأوَّلُ: يستثنى أيضًا من الوجوب العبدُ وَإِنْ أَمَرَهُ مَوْلَاهُ؛ وَالْحَرَمِيُّ؛ وَالْخَائِفُ؛ فإنه لا إحرامَ عليهم، الثَّانِى: يكون حكم دخول الحرم كحكم دخول مكة بالاتفاق.
فَضلٌ: لِلطَّوَافِ بِأَنْوَاعِهِ، من كونه طواف قدوم أو إفاضة أو وداع أو تطوع، وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ: أَمَّا الْوَاجِبَاتُ؛ فَيُشْتَرَط سَتْرُ الْعَوْرَةِ؛ وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ، أي في الثوب والبدن والمكان؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - سَمَّاه صلاة وفي الصحيحين [لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَرْيَانٌ] 63، والمختارُ أنَّهُ يُعْفَى عمَّا يشُقُّ الاحتراز منه في النجاسة الغالبة في موضع الطواف، فَلَوْ أَحْدَثَ فِيهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَأْنِفُ، وجه هذا

الجزء: 2 - الصفحة: 600

القياس على الصلاة.
ووجه الأوَّل أن الطواف يحتمل فيه ما لا يحتمل فيها كالفعل الكثير والكلام، ولو عبر بقوله تطهر لكان أَولى لشموله الأصغر والأكبر.
وَأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمُبْتَدِئًا بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ مُحَاذِيًا لَهُ فِي مُرُورِهِ بِجَمِيع بَدَنِهِ، للاتباع كما أخرجه مسلم 64 وشبهه القاضي أبو الطب بتكبيرة الإِحرام في الصلاة، فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجرِ، أي لو بدأ بالباب مثلًا، لَمْ يُحْسَبْ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَيهِ، أي إلى الحجر، ابْتَدَأَ مِنْهُ، كما لو قدم المتوضئ على غسل الوجه غسل عضو آخر؛ فإنه يجعل غسل الوجه ابتداء وضوئه.
فَرْعٌ: لو نُحِّيَ الحجر والعياذ بالله من مكانه وجب في أدائه محاذاة الرُّكْنِ قاله القاضي أبو الطيب.
وَلَوْ مَشَى عَلَى الشَّاذَرْوَانِ أَوْ مَسَّ الْجِدَارَ في مُوَازَاتِهِ، أي في موازاة الشاذروان، أَوْ دَخَلَ مِنْ إِحْدَى فَتْحَتَي الْحِجْرِ وَخَرَجَ مِنَ الأُخْرَى لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ، لأن الطائف والحالة هذه طائف في البيت لا بالبيت.
وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَطوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 65 واحترز بِقَيْدِ الموازاة عما مسَّ الجدار الَّذي في جهة الباب، وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَسِّ وَجْهٌ، أي أن طوافه يصح؛ لأن معظم بدنه خارج، ويصدق أن يقال: إنه طائف بالبيت ولأن العبرة بالقدمين لا باليد والرأس، ولهذا نفوا التحريم عن الجنب ووجوب الكفارة على الحالف بفعله.
فَائِدَةٌ: للبيت أربعة أركان: رُكنانِ يَمَانِيَّانِ أحدهما فيه الحَجَر بفتح الحاء، واثنان شاميان والحِجر بكسر الحاء عندهما، وسبب إِخراج الشاذروان والحجر عن بناء البيت أنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أعادت بناءها قصرت بهم النفقة عن ذلك فتركوها كذلك،

الجزء: 2 - الصفحة: 601

لكن صحَّ أن ابن الزبير لَمَّا بلغه حديث عائشة - رضي الله عنه - في إعادتها على ما كانت عليه لولا قرب عهدهم بجاهلية قال: أَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ؛ وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ فَهَدَمَهَا وَبَنَاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيْمَ عَلَيْهِ الصُّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَدْخَلَ فِيْهَا الْحَجَرَ وَجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ، ثم هدم الحجَّاجُ الشق الَّذي من ناحية الحجر فقط كما قال الأزرقى وغيره، وأعاده على ما كان عليه في زمن قريش، والشق الآخر بناءُ ابنُ الزبير وهو يظهر للرائى عند رفع الأستار فحينئذ يَنبغى الصحة في الطواف على الشاذروان لا كما قاله الأصحاب.
وَأَنْ يَطُوفَ سَبْعًا دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، للاتباع 66. وَأَمَّا السُّنَنُ؛ فَأَنَّ يَطُوفَ مَاشِيًا، أي إن كان يطيقه حماية للمسجد والناس عن أذى الدابة؛ فإن طاف راكبًا جاز وإن لم يكن عذر ولا كراهة كما نقله الرافعى عن الأصحاب، لكن في الكفاية عن الماوردي وغيره الجزم بها، وَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، أي يلمسه باليد، أَوَّلَ طَوَافِهِ، للاتباع، ولو نُحِّى الحجر استلم الركن الَّذي كان فيه وقبَّلهُ وسجدَ عليهِ قاله الدارمي؛ وَيُقَبِّلُهُ، للاتباع 67، ولا يستحب ذلك أعني الاستلام والتقبيل للنساء إلا عند خُلُوِّ المطاف ذكره في الروضة، وعبارة صاحب الخصال ليس على النساء استلام الحجر.
فَرْعٌ: قال القاضي أبو الطيب: يستلم ويُقبِّل الرُّكْنَ الَّذي فيه الْحَجَرُ أيضًا، وظاهرُ كلام الجمهور كما قاله في شرح المهذب: الاقتصار على فعل ذلك في الْحِجْرِ.

الجزء: 2 - الصفحة: 602

وَيضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ، للاتباع 68. فَرْعٌ: قال الشافعي في الأُمِّ: لا أحب الزحام إلا في بَدْءِ الطَّوافِ وآخره؛ بل صريحهُ أنَّهُ لا تكرهُ المزاحمةُ على تقبيل الحَجَرِ؛ وهو ردٌّ على مَن كَرَّهَهُ، نَعَمْ يحمل على زحام غير مؤذٍ.
فَإن عَجَزَ، أي عِن تقبيل الحجر، اسْتَلَمَ، أي استلمه بيده أو بِعَصًا ثمْ قَبَّلَ ما استلم به للاتباع، فَإِنْ عَجَزَ، عن الاستلام، أَشَارَ، إليه، بيَدِهِ، لأنه قدر استطاعته، وفي البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (طَافَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيْرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ) 69، ولا يشير إلى القُبلة بالفم لأنه لم يُنقل، وعن ذلك احترز بقوله بيده؛ لكن التقييد بذلك قد يوهم أنَّه لا يشير بما في يده مع أنَّه يشير به كما صرح به في شرح المهذب ثم نبَّه على أنَّه يقبِّل ما أشار به، ويرَاعِي ذَلِكَ في كُلِّ طَوْفَةٍ، لحديث ابن عباس المذكور.
تَنْبِيْهٌ: في صحيح مسلم أن [ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنه - اسْتَلَمَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَفْعَلُهُ] قال المصنف في شرحه لمسلم: (هَذَا الْحَدِيْثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَن تَقْبِيْلِ الْحَجَرِ؛ وِإِلَّا فَالْقَادِرُ يُقبلُ الْحَجَرَ وَلَا يَقتصِرُ فِي الْيَدِ عَلَى الاِسْتِلَامِ بها) 70، هذا كلامه ولا حاجة إلى هذا الحمل فظاهر نص الشافعي - رضي الله عنه - في الأُم؛ بل صريحه يدل على طبق ما في الحديث من كونه يستلم اليَدَ

الجزء: 2 - الصفحة: 603

أولًا ثم يقبِّلها، وصرح به ابن الصلاح في مناسكه وأهمل ذلك المصنف في كتبه خلا المناسك تبعًا للرافعي، وكذا ابن الرفعة فَتَنَبَّهْ لهُ.
وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَيْنِ وَلَا يَسْتَلِمُهُمَا، لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم، وَنَقَلَ بَعْضُ مَنْ ألَّفَ عن الشافعي رحمه الله أنَّه قال: تكفيه الإشارة إليهما بيده، وهو نص غريب، نعم في الأُم: وَلَا آمُرُهُ باستلامهما ولو استلمهما أومأ بين الأركان كان البيت لم يكن عليه إعادة ولا فدية إلا أني أحب أن نقتدي بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقال في مرضع آخر منها: إنه إن مسحهما رَجُلٌ كما مسح سائر البيت فحسن وإلا فالقادرُ يُقَبِّلُ الحجر، وَيَسْتَلِمُ الْيَمَانِي، للاتباع، وَلَا يُقَبِّلُهُ، لعدم صحة النقل به وعلى تقدير صحته فيحمل على إرادة الركن الَّذي فيه الحجر.
فَرْعٌ: يُستحب تقبيل اليد بعد استلامه للاتباع أيضًا.
فَرْعٌ: إذا لم يمكنه استلام اليماني فقال ابن أبي الصيف اليمني: لا يشير إليه، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: يشير إليه، قال المحبُّ الطبري: وهُوَ أَوْجَهُ لأنها تدل عنه لِتَرَتُّبِهَا عليه عند العجز في الحجر الأسود فكذا هنا.
وَأَنْ فيَقُولَ أَوَّلَ طَوَافِهِ: [بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكبَرُ، اللَّهُمً إِيْمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسْنَّةِ نَبِيكِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ]، للاتباع 71 كما أورده الرافعي؛ وبعضُهُ مَرْوِيٌّ؛ وهذا الدعاء يستحبُّ أيضًا في كل طوفة.
نعم هو في الأُولى آكد كما صرح به في شرح المهذب، وَلْيَقُلْ قُبَالَةَ الْبَابِ، أي جهته: [اللَّهُمَّ إنَّ إلْبَيتَ بَيْتُكَ، وَالْحَرَمُ حَرَمُكَ، وَالأَمْنُ أَمْنُكَ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ]، وهذا الدعاء ذكره الجويني وزاد هذا بعد (اللَّهُمَّ)، وكذا هو في الْمُحَرَّرِ، قال: ويُشير بلفظه هذا إلى مقام إبراهيم، وقال غيره: يشير إلى نفسه أي

الجزء: 2 - الصفحة: 604

هذا مقام الملتجئ المستعيذ بك من النار، وَبَيْنَ الْيَمَانِيَّينِ: [الَّلهُمَّ آتِنَا في الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وِقِنَا عَذَابَ النَّارِ] للاتباع 72 لكن بلفظ (رَبَّنَا) بدل (الَّلهُمَّ) وكذا هو لفظ الْمُحَرَّر، فلا أدري لِمَ غيَّره، نعم روى أبو داود من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - رفعه [مَا مَرَرْتُ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ إِلَّا وَعِنْدَهُ مَلَكٌ يُنَادِي آمِيْنَ آمِيْن، فَإِذَا مَرَرْتُمْ بِهِ فَقُولُواْ: اللَّهُمَّ آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ... إلى آخره] 73، وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ، رجاء الإجابة، وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ، أي منقوله، أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، للتأسي، وَهِيَ أَفْضَلُ مِن غَيْرِ مَأثُورِهِ، لأن الموضع موضع ذكر والقرآن أفضل الذكر كما نقله الشيخ أبو حامد عن النص، وَأَن يَرْمُلَ فِي الأشْوَاطِ الثَّلَاثةِ الأُوْلَى، أي مستوعبًا لها: بِأَنَّ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ وَيَمْشِي في الْبَاقِي، أي على هيئته كما صرح به في الْمُحَرَّرِ للاتباع 74؛ فإن تركَهُ كُرِهَ؛ نص عليه؛ كما نقله صاحب التقريب.
فَرْعٌ: لا فرق في استحباب الرَّمْلِ بَيْنَ الرَّاكِبِ والمحمولِ وغيرهما على الأظهر، فيرمل به الحامل ويحرك هو الدابة.

الجزء: 2 - الصفحة: 605

فَائِدَةٌ: المختارُ عند المصنف في شرح المهذب: أنَّه لا يُكره تسمية الطواف شوطًا؛ كما نطق به هنا تبعًا لِلمُحَرَّرِ، وكذا نطق به ابن عباس - رضي الله عنه - في الصحيح؛ وإن نقل عن الشافعي رحمه الله والأصحاب الكراهة؛ لأن الشوطَ هو الهلاكُ.
وَيَخْتَصَّ الرَّمْلُ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ، لانتهائه إلى تواصل الحركات بين الجبلين، وَفِي قَوْلٍ بِطَوَافِ الْقُدُومِ، لأنه أول العهد بالبيت؛ فيليق به النشاط والاهتزاز؛ ولا رَمْلَ في طواف الوداع لانتفاء المعنيين، ويرمل من قدم مكة معتمرًا لوجودهما، وأما الحاج فإن كان مكيًا فيرمل على الأول دون الثانى، وإن كان أفاقيا فيرمل إن دخل مكة بعد الوقوف، وإن دخلها قبله فينظر إن أراد السعى بعده رمل قطعًا، وإن أراد تأخيره رمل على الثانى دون الأول بل يؤخره إلى طواف الإفاضة، وإذا طاف للقدوم وسعى بعده ولم يرمل فلا يقتضيه في طواف الإفاضة على الأصح، وَليَقُلْ فِيهِ، أي في رمله: [الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا] للاتباع كما ادعاه الرافعي ولم يذكره البيهقي في سننه مع كثرة اطلاعه إلا من كلام الشافعي رحمه الله وهذا في الحاج، وذكرَ الخفافُ في خصاله هذا الدعاء في السعى بين الصفا والمروة؛ وزاد [وَعَمَلًا مَقْبُوْلًا]، أما المعتمر فالذي يناسبه أن يقول: [الَّلهُمَّ اجْعَلْهَا حَجَّةً مَبْرُورَةً]، ويغتفر التعبير بالحج إرادة لأصله وهو القصد، وسكت المصنف عما يقول في الأربعة الأخيرة تبعًا للرافعى؛ وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله والأصحابُ على أنَّه يستحب أن يقول فيها: [رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعَزُّ الأَكْرَمْ اللَّهُمَّ رَبنَا آتِنَا بِالدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ].
وَأَنْ يَضْطَبِعَ فِي جَمِيع كُلِّ طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ، للاتباع 75 وقوله جميع أشار

الجزء: 2 - الصفحة: 606

به إلى أن الرمل والاضطباع وإن كانا متلازمين لكن الرمل يختص بالطوفات الثلاثة الأُول والاضطباع مستحب في السبعة 76، وَكَذَا فِي السَّعْي عَلَى الصَّحِيح، لأنه أحد الطوافين فأشبه الطواف بالبيت، والثانى: لا، لعدم وُروده.
فَرْعٌ: لا يُسَنُّ 77 في ركعتي الطواف على الأصح لكراهة الاضطباع في الصلاة، وَهُوَ، أي الاضطباع، جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنكِبِهِ الأيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى الأَيْسَرِ، ويبقى منكبه الأيمن مكشوفًا كدأب أهل الشطارة، وسمِّى بذلك؛ لأنه افتعال من الضّبع بإسكان الموحدة وهو العضد.
وَلَا تَرْمُلُ المَرْأَةُ وَلَا تَضطَبِعُ، لأنهما يقدحان في الستر وليست المرأة من أهل الجَلَد؛ والخنثى كالمرأة، وَأَنَّ يَقْرُبَ مِنَ الْبَيتِ، لشرفه، ونقل بعض من ألَّف في المناسك عن أصحابنا أنَّه يجعل بينه وبين البيت قَدْرَ ثلاث خطوات ليكون خارجًا عن الشاذروان وهو نقل غريب عنهم، نعم إن تأذى بالزحمة أو آذى غيره فالبُعْدُ أَولى، ونقل البندنيجي عن نصه في الأُم: أنَّه يستحب الاستلام في أول الطواف وآخره وإن تأذى في الزحام أو أوذي، وهذا كله خاص بالرجل، أما المرأة فالبُعْدُ لها أنضل إلا في خلوة المطاف، فَلَوْ فَاتَ الرَّمَلُ بِالْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ فَالرَّمَلُ مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى، لأن القربَ فضيلةٌ متعلقةٌ بمكانِ العبادةِ، والرَّمْلُ فضيلةٌ متعلقة بنفس العبادة والمتعلق بنفس العبادة أَولى بالمحافظة، ألا ترى أن الصلاة بالجماعة في البيت أفضل من الانفراد في المسجد وهذا كله إذا كان لا يرجو فرجة، فإن رجاها وقف ليرمل فيها؛ كذا قيده في الروضة تبعًا للرافعي، إِلَّا أنْ يَخَافَ صَدْمَ النِّسَاءِ، أي بأن كُنَّ في حاشية المطاف، فَالْقُرْبُ بِلَا رَمَلٍ أَوْلَى، تحرزًا من مصادمتهنَّ وملامستهنَّ، وَأَنْ يِوَالِيَ

الجزء: 2 - الصفحة: 607

طَوَافَهُ، خروجًا من الخلاف الآتى في وجوبه، وَأَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَة رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ، للاتباع 78 فإن لم يفعلهما خلفه ففي الحجر تحت الميزاب وإلا ففي المسجد وإلا فحيث شاء من الحرم وغيره، ولو صلى فريضة أجزأته عنهما كتحية المسجد الحرام، وكلام المصنف يشعر بأن فعلهما خلف المقام أفضل من فعلهما في الكعبة وفيه وقفة لكن يساعده الاتباع.
فَائِدَة: قال الشيخ عز الدين: الصلاة عند البيت إلى وجهه أفضل من سائر الجهات.
يَقْرَأُ في الأُوْلَى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّانِيَةِ الإِخلَاصَ، للاتباع 79 , وَيَجْهَرُ لَيلًا، كغيرها وهذا إذا خلا بنفسه وإلا فالتوسط بين الجهر والإسرار أَولى فيما يظهر لئلا يشوِّش على غيره، ومن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس نهارًا لا ليلًا ويجهر فيهما أيضًا في الجهريات كما نبه عليه في الروضة في بابه، وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ الْمُوَالَاةُ وَالصَّلَاةُ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامْ أتى بهما وقال: [خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ] 80 والأصح استحبابهما وقد قال عَلَيْهِ أَفضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ لذلك

الجزء: 2 - الصفحة: 608

السائل: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: [لَا؛ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ] 81 والخلاف هنا في الموالاة كالخلاف في الموالاة في الوضوء؛ لأن كل واحد منهما عبادة يجوز أن يتخللها ما ليس منها بخلاف الصلاة والتفريق اليسير بعذر لا يضر.
فَرْعٌ: الخلاف في وجوب ركعتي الطواف محله إذا كان فرضًا؛ فإن كان سُنَّة فطريقان أحدهما: طرد القولين وصححه صاحب البيان، والثاني: القطع بأن الصلاةَ سُنَّةٌ؛ وصححه الإمام وغيره.
وَلَوْ حَمَلَ الْحَلَالُ مُحْرِمًا وَطَافَ بِهِ حُسِبَ لِلْمَحْمُولِ، أي بشرطه كما لو ركب دابة، وقولي بشرطه ليتناول دخول وقته واجتماع شرائطه.
وما ذكره ظاهر فيما إذا لم ينو الحامل شيئًا، أو نوى الطواف عن المحمول له، أما إذا نواه لنفسه فينبغي أن يقع عن الحامل، وَكَذا لَوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قَد طَافَ عَنْ نَفْسِهِ، أي بشرطه لأنه لا طواف عليه إذًا (•)، وَإِلَّا، أي وإن لم يطف، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ إِن قَصَدَهُ لِلْمَحْمُولِ فَلَهُ، أي خاصة تنزيلًا للحامل منزلة الدابة، والثاني: أنَّه للحامل خاصة؛ كما إذا أحرم عن غيره وعليه فرضه، والثالث: أنَّه يحسب لهما جميعًا، لأن أحدهما قد دار والآخر قد دِيْرَ به، وَإنْ قَصَدَهُ لِنَفْسِهِ أَوْلَهُمَا فَلِلْحَامِلِ فَقَطْ، لأن الفعل صدر منه ولم يصرفه عن نفسه؛ وقيل: للمحمول؛ لأنه دار به.
فَرْعٌ: لو لم يقصد واحدًا من الأقسام الثلاثة فهو كما لو قصد نفسه أو كليهما.
فَرْعٌ: لو نَوَى كُلُّ واحدٍ الطَّوَافَ لِنَفْسِهِ فَالأَصَحُّ وُقُوعُهُ لِلْحَامِلِ، وثانيها: للمحمول، وثالثها: لهما، ذكره في شرح المهذب وأهمله الرافعى وهو في التنبيه.
خَاتِمَةٌ: رُوي أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: [مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعَتْقِ رَقَبَةٍ] السنن: باب في رمى الجمار: الحديث (1970). والنسائي في السنن: كتاب المناسك: باب الركوب إلى الجمار: ج 5 ص 270.

الجزء: 2 - الصفحة: 609

وعنه أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: [إِنَّ الطَّائِف لَا يَرْفَعُ قَدَمًا وَلَا يَضَعُ قَدَمًا إِلَّا حَطَّ الله تَعَالَى عَنْهُ بِهَا خَطِيْئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً] 82 وعنه - صلى الله عليه وسلم -: [أَنَّهُ جُعِلَ فِي رَكْعَتَي الطَّوَافِ ثَوَابَ عَتْقِ رَقَبَةٍ].
فَصْلٌ: يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَصَلَاتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا لِلسَّعْي، وَشَرْطُهُ أَنْ يَبْدَأَ بالصَّفَا، وَأَنْ يَسْعَى سَبْعًا: ذِهَابُهُ مِنَ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَةِ مَرَّةٌ، وَعَوْدُهُ مِنْهَا إِلَيْهِ أُخْرَى، للاتباع.
فَائِدَةٌ: كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يخرج من المسجد الحرام حتَّى يستلمَ الرُّكْنَ في طواف كان أو غير طواف؛ ونقل مثل ذلك عن جماعة من علماء التابعين.
وَأَن يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ رُكْنٍ أَو قُدُومٍ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا، أي بين السعي وطواف القدوم، الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، بالإجماع، ونقل صاحب البيان عن الشيخ أبي نصر: أنَّه يجوز لمن أحرم بالحج من مكة إذا طاف للوداع لخروحه إلى منى أن يقدم السعي بعد هذا الطواف، قال الصنف في شرح المهذب: ولم أرَ لغيره ما يوافقه.
قُلْتُ: ظاهر إطلاق صاحب الخصال من قدماء أصحابنا يوافقه؛ فإنه قال: إذَا وَقعَ السَّعْىُ بَعْدَ طَوافٍ بإحرامٍ أجزأَهُ سواء كان الطواف فرضًا أو نفلًا قبل عرفة أو بعدها، هذا لفظهُ ومنه نقلتهُ، ثم رأيت في المجاملي في آخر المناسك من تحريره نقل عن نص الشافعي - رضي الله عنه - في البويطي أنَّه قال: وإذا أراد الخروج من مكة إلى الحج فأُحب أن يودع البيت فيطوف ويسعى ويصلي ركعتين.
وهذا شاهد لما حكاه صاحب البيان لكن راجعت البويطي فلم أرَ فيه ذلك وهذا لفظه؛ ومن نسختين منه نَقَلْتُ.
فإذا أراد التوجه إلى عرفة توجه يوم التروية قبل الظهر وطاف بالبيت سبعًا للوداع ثم أهلَّ بالحجِّ متوجهًا من المسجد.

الجزء: 2 - الصفحة: 610

وَمَنْ سَعَى بَعْدَ قُدُومٍ لَمْ يُعِدْهُ، أي بعد طواف الإفاضة لأن السعى ليس قربة في نفسه كالوقوف بخلاف الطواف فإنه عبادة يتقرب بها وحدها، فإن أعاده فخلاف الأَولى، وقيل: مكروه، ورأيتُ في فتاوى القفال: أنَّه يستحب إعادته ثم ذكر بعده أن الشرع لم يرد بفعله ثانيًا وهذا تناقض.
وُيُسْتَحَبُّ، أي للرجل، أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْرَ قَامَةٍ، للاتباع 83 أما المرأة فلا ترقى طلبًا للستر؛ قاله صاحب التنبيه؛ وهو من زوائده على الرافعي والروضة، والظاهرُ أن الخنثى مِثْلُهَا، فَإِذَا رَقِيَ قَالَ: {الله أَكبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ وَللَّهِ الْحَمْدُ، الله أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَوْلانَا، لَا إلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحِيِي وُيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]، للاتباع 84 بنحوه ولم أرَ فيه قوله بيده الخير، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ دِيْنًا ودُنْيَا.
قُلْتُ: وَيُعِيدُ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، للاتباع، وَاللهُ أَعْلَمُ، وقيل: لا يعيدُ الدعاءَ في المرة الثالثَّة وبه جزم الرافعي، وَأنْ يَمْشِيَ أَوَّلَ السَّعْىِ وَآخِرَهُ، أي على هيئته، وَيَعْدُوْ في الْوَسَطِ، أي يسعى سعيًا شديدًا فوق الرمل كما ذكره في شرح المهذب للاتباع، وَمَوْضِعُ النَّوْعَيْنِ مَعْرُوفٌ، أي موضع المشي

الجزء: 2 - الصفحة: 611

والعَدْوِ؛ فإن العَدْوَ يكون قبل وصوله إلى الميل الأخضر وهو العمود المبني في ركن السجد بقدر ستة أذرع إلى أَنَّ يتوسط بين العمودين المعروفين وما عدا ذلك فهو محل السعى.
فَرْعٌ: المرأة تمشى ولا تسعى وكذا الخنثى.
فَرْعٌ: لَم يتعرض المصنف هنا لاشتراط الستر والطهارة كما تعرض له في الطواف؛ والأمر كذلك فإنهما مستحبان لا واجبان.
فَرْعٌ: تستحب الموالاة فيه وكذا بينه وبين الطواف.
فَرْعٌ: يستحب أن يكون ماشيًا، فإن ركب كره إلَّا لعذر؛ نصَّ عليه كما نقله الترمذي؛ ووقع في شرح المهذب نقل الاتفاق على عدم الكراهة.
فَائِدَةٌ: روى سعيد بن منصور عن أنس أنَّه قال: (إِنَّ الطَّوَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ يَعْدِلُ عِتْقَ سَبْعِيْنَ رَقَبَةً).
فَصْلٌ: يَسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ أَوْ مَنْصُوبِهِ أَن يَخْطُبَ بِمَكَّةَ في سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً فَرْدَةً، يَأْمُرُهُمْ فِيهَا بِالْغُدُوِّ إِلَى مِنًى، وَيُعَلِّمُهُمْ مَا أَمَامَهُمْ مِنَ الْمَنَاسِكِ، للاتباع 85، ويأمر المتمتعين أن يطوفوا للوداع قبل الخروج، قال في الروضة تبعًا للرافعي؛ قال في شرح المهذب: وهذا الطواف مستحب لهم ليس بواجب، قُلْتُ: والمكيُّ؛ كالمتمتع كما نقله بعد ذلك في شرح المهذب عن الشافعي رحمه الله والأصحاب.
فَرْعٌ: لو توجهوا إلى الموقف قبل دخول مكة استحب لإمامهم أن يفعل كما

الجزء: 2 - الصفحة: 612

يفعل بمكة لو دخلها قالهُ الْمُحِبُّ الطبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.
وَيَخْرُجُ بِهِمْ مِنَ الْغَدِ إِلَى مِنًى، أي بعد صلاة الصبح وقبل الظهر، وَيَبِيتُونَ بِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أي على ثبير (•)، قَصَدُوا عَرَفَاتٍ.
قُلْتُ: وَلَا يَدْخُلُونَهَا بَلْ يُقِيمُون بِنَمِرَةَ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَالله أَعْلَمْ، للاتباع، ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمَامْ، أي بمسجد إبراهيم وصدره من عُرَنَةَ (•) وآخره من عرفات، بَعْدَ الزَّوَالِ خُطْبَتَيْنِ، للاتباع، ثُمَّ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا، للاتباع وهذا الجمع بسبب السفر لا بسبب النسك فلا يجوز للمقيم، وَيَقِفُواْ، أي الإمام والناس، بِعَرَفَةَ إِلَى الْغُرُوبِ، للاتباع، وَيَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى ويدْعُوهُ، وَيُكْثِرُواْ التَّهْلِيلِ، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: [خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيِونَ مِنْ قَبْلِى: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرُ] رواه الترمذي وحسنه مع الغرابة 86، وفي كتاب الدعوات للمستغفري من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - مرفوعًا: [مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ أَلْفَ مَرَّةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ أُعْطِىَ مَا سَأَلَ]، وفي كتاب فضائل الأوقات للبيهقي من حديث حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: [رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدْعُو بعَرَفَةَ يَدَاهُ إِلَى صَدْرِهِ كَاسْتِطْعَامِ الْمِسْكِينِ] 87. فَرْعٌ: يستحب العتق والصدقة بعرفة؛ كما رأيته في الخصال لأبي بكر الخفاف.
فَائِدَةٌ: ليحسن الواقفُ الظنَّ بالله سبحانه وتعالى؛ فقد نظر الفضيل بن عياض (•) ثبيرٌ: جبل بمكة.
(•) عَرَنَةَ: وهو وادٍ بقرب عرفات.

الجزء: 2 - الصفحة: 613

إلى بكاء الناس بعرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل واحد فسألوه دانقًا أكان يردهم؟ فقالوا: لا والله فقال: واللهِ للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل بدانق.
وينبغى ألا يشتغل في ذلك اليوم بغير الله تعالى، ورأى سالم بن عمر - رضي الله عنه - سائلًا يسأل الناس فقال: يَا عَاجِزُ أَيُسْأَلُ فِي هَذَا الْيَوْمِ غَيْرُ اللهِ تَعَالَى.
وصحَّ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَعْتِقَ الله فِيْهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِن يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلًائِكَةَ] 88. فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَصَدُوأ مُزْدَلِفَةَ؛ وَأَخرُوا الْمَغْرِبَ لِيُصَلُّوهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ جَمْعًا، للاتباع 89 ويكون قبلَ حَطِّ الرِّحَالِ بها إنْ تَيَسَّرَ، ونصَّ الشافعى رَحِمَهُ اللهُ في الأُم والإملاءِ على أنه لو خاف فوت وقت الاختيار جمع في الطريق وتابعه جماعات، قال في شرح المهذب: ولعل إطلاق الأكثرين يحمل عليه، وهذا الجمع بسبب السفر لا النسك كما تقدم في عرفة.
فَائِدَةٌ: قال صاحب الخصال: يقول عند منصرفه من عرفة: [اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَقْبَلْتُ وَمِنْ عَذَابِكَ أَشْفَقْتُ، اللَّهُمَّ اقْبَلْ نُسُكِي وَأَعْظِمْ أَجْرِي] وقال الإمام أحمد - رضي الله عنه -: إذا أفضت من عرفة فهلِّلْ وَكَبِّرْ وَلَبِّ وَقُلْ: [اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفَضْتُ وَإِلَيْكَ رَغِبْتُ وَمِنْكَ

الجزء: 2 - الصفحة: 614

رَهِبْتُ فَاقْبَلْ نُسُكِي وَأَعْظِمْ أَجرِي وَتَقَبَّلْ تَوْبْتِى وَارْحَمْ تَضَرُّعِى وَاسْتَجِبْ دُعَائِى وَأَعْطِنِى سُؤْلِي].
وَوَاجبُ الْوُقُوفِ حُضُورُهُ بِجُزءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَقَفْتُ هَا هُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ] رواه مسلم 90، وأما الدليل على وجوب الوقوف فسيأتى، وَإِن كَان مَارًا فِي طَلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ، أي ولا يشترط المكث وكذا لو حضرها وهو لا يعلم أنَّهَا عرفة، وأشار بقوله (فِي طلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ) إلى أن صرفَهُ إلى جهةٍ أخرى لا يقدح، قال الإمام: ولم يذكروا فيه الخلاف في صرف الطواف إلى جهة أخرى، قال: ولعل الفرق أن الطواف قربة مستقلة بخلاف الوقوف، قال: ولا يمنع طرد الخلاف فيه إذا صُرِفَ قصدًا عن جهةِ النُّسُكِ، قال: ولكن الظاهر أنه لا يجزي.
يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لا مُغْمَى عَلَيْهِ، لعدم أهليته لها؛ ولهذا لا يجزيه الصوم إذا كان مغمى عليه طول نهاره، وقيل: يجزيه اكتفاءً بالحضور، ووقع في الروضة وشرح المهذب أن الرافعي صحح هذا؛ ثم اعترض عليه؛ وتبعه ابن الرفعة والقمولي وهو سهوٌ؛ فالذي في الرافعي: أنه جزم أولًا بعدم الإجزاء؛ ثم حكى الوجه الآخر بأنه يجزيه؛ وكذا هو في الشرح الصغير أيضًا.
فَرْعٌ: المجنون أَولى بعدم الإجزاء من المغمى عليه؛ ولذلك حذفه المصنف وإن صرح به في الْمُحَرَّرِ قال في التتمة: لكن يقع نفلًا كحجِّ الصبيِّ الذي لا يميز.
فرْعٌ: السكران كالمغمى عليه.
ولا بَأْسَ بِالنْوْمِ، أي المستغرق لحضوره، وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنَ الزَّوَالِ يَوْمُ عَرَفَةَ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وقف بعده وقال: [خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ] 91 لكن لم

الجزء: 2 - الصفحة: 615

يقف إلّا بعد أن خطب خطبتين وصلى الظهر والعصر، فينبغى اعتبار قَدْرَ مُضِيِّهِمَا كما قال الأصحاب بمثله في دخول وقت الأضحية، وَالصَّحِيحُ بَقَاؤُهُ إِلَى الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: [مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهَ الصَّلاةَ وَأَتَى عَرَفَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ] وصحَّحَهُ الأئمةُ الترمذي وابن حبان والحاكم 92 وهو من قواعد الإسلام، وقوله عَلَيْهِ الصلاة والسلام: [الْحَجُّ عَرَفَةٌ؛ مَنْ جَاءَ لَيْلَة جَمْعٍ قَبْلَ صلاة الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ حَجَّهُ] صححه ابن حبان والحاكم 93، وهو أُمُّ المناسك، والثاني: يخرج بالغروب لعمله عَلَيْهِ الصلاة والسلام، والثالث: إن أحرم نهارًا جاز الوقوف ليلًا وإلّا فلا، وَلَوْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَعُدْ أَرَاقَ دَمًا اسْتِحْبَابًا، للحديث السالف فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَفِي قَوْلٍ: يَجبُ، لأنه نُسُكٌ؛ وقد صحَّ عن ابن عباس: [مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ] 94. وأصَل هذا الخلاف أنه هل يجب الجمع بين الليل والنهار على من

الجزء: 2 - الصفحة: 616

تمكن منه أم لا، فيه خلاف؛ وصحح ابن الصلاح الوجوب وتبعه النووي في مناسكه، وعند المالكية: أنَّ من خرج من عرفة قبل الغروب ولم يعد إليها حتى طلع الفجر من ليلة النحر فاته الحجُّ، وَإِنْ عَادَ فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ فَلا دَمَ، لأنه جمع بين الليل والنهار، وَكَذَا إِنْ عَادَ لَيْلًا فِي الأَصَحِّ، لما قلناه وصحح في شرح المهذب القطع به، والثانى: يجب؛ لأن الوارد هو الجمع بين آخر النهار وأول الليل، وَلَوْ وَقَفُواْ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ غَلَطًا، أي بأن غُمُّ هلالُ ذي الحجة فأكملوا عدة ذي القعدة ثم قامت بيّنة على رؤيته ليلة الثلاثين، أَجْزَأَهُمْ، بالاتفاق، ولأَنه لا يُؤْمَنُ وقوع مثله في القضاء، إِلَّا أَن يَقِلُّواْ عَلى خِلَافِ الْعَادَةِ فَيَقْضُون فِي الأَصَحِّ، لانتفاء المشقة العامة، والثاني: لا قضاء؛ لأنهم لم يأمنوا مثله في القضاء، وَإِنْ وَقَفُواْ فِي الثَّامِنِ وَعَلِمُواْ قَبْلَ الْوُقُوفِ، فوت الوقت، وَجَبَ الوُقُوفُ فِي الْوَقْتِ، تداركًا له، وَإِنْ عَلِمُواْ بَعْدَهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الأَصَحِّ، أي بخلاف الغلط في التأخير، لأن تأخير العبادة عن الوقت أقرب إلى الاحتساب من تقديمها عليه.
فَصْلٌ: وَيَبِيتُونَ بِمُزْدَلِفَةَ، للاتباع 95 والمرادُ المكث بها وإن لم ينم، ويستحب الإكثار في هذه الليلة من التلاوة والذكر والدعاء والصلاة، وَمَنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أي بعذر وغيره، أَوْ قَبْلَهُ وَعَادَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أما في الأُولى: فلأَنَّ سودة وأُم سلمة أفاضتا في النصف الأخير بإذنه - صلى الله عليه وسلم - ولم يأمرهما بالدم؛ = ص 419. وقال: مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ هَدْيًا؛ فَلَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ.
وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ نُسُكًا، فَهُوَ يَكُونُ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُ النُّسُكِ.
والبيهقى في السنن الكبرى: باب من ترك شيئًا من الرمى: الحديث (9786).

الجزء: 2 - الصفحة: 617

ولا النَّفَر الَّذِينَ كانوا معهما 96، وأما في الثانية: فكما لو دُفع من عرفة قبل الغروب ثم عاد إليها قبل الفجر، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي، أي ساعة منه سواء كان بها فِي النصف الأول أو لم يكن، أَرَاقَ دَمًا، وَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلانِ، أي المتقدمان في الفصل الذي قبله فيما إذا فارق عرفة قبل الغروب ولم يعد، ومقتضى هذا ترجيح استحبابه كالمبيت بمنى ليلة عرفة، لكن الصحيح عند المصنف في الروضة وغيرها وجوبه بل القوِيُّ رُكْنِيَّتُهُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيْلِ، وعبارة الخفاف من أصحابنا في خصاله المبيت بمزدلفة سُنَّة ليس من الأركان والدَّمُ ينوب عنه قال: وكذا المبيت بمنى هذا لفظه، وشرط وجوب الدَّمِ أن يكون الترك لغير عذر، وأما أصحاب الأعذار فلا دَمَ عليهم، ومنهم من انتهى إلى عرفة ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن مزدلفة، وكذا من أفاض من عرفة إلى مكة وطاف للافاضة بعد نصف الليل ففات المبيت لذلك على ما قاله القفال وصاحب التقريب وفيه احتمال للإمام لعدم الضرورة إلى ذلك، وفي معناهم المرأة تخاف أن تحيض.
ويُسَنُّ تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى مِنًى، وَيَبْقَى غَيْرُهُمْ حَتَّى يُصَلُّواْ الصُّبْحَ مُغَلِّسِينَ ثُمَّ يُدْفَعُون إِلَى مِنًى، للاتباع 97، وَيَأخُذُون مِنْ مُزْدَلِفَةَ

الجزء: 2 - الصفحة: 618

حَصَى الرَّمْيِ، لأن بها جبلًا في أحجاره رخاوة، قلت: والمنقول أنه - صلى الله عليه وسلم - لما دخل مُحَسِّرًا وهو من مِنى قال: [عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْحَذْفِ الَّذِي تُرْمَي بِهِ الْجَمْرَةُ] أخرجه مسلم 98 وهو يدل على الأخذ من وادي مُحَسَّرٍ وهو أول منى، وفي سنن النسائي وابن ماجه وصحيحي ابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس أنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام قال له غداة العقبة وهو على راحلته: [هَاتِ القُطْ لِى حَصًى] فلقطت له حصيات هن حصيات الحذف، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين فلا ينبغى أن يعدل عن ذلك 99. فَرْعٌ: يأخذ سبعًا ليوم النحر، وقيل: الكل؛ وهو ظاهر إيراد المصنف.
فَرْعٌ: يأخذها ليلًا قبل صلاة الصبح، وقيل: بعد الصلاة؛ وهو المنصوص، وصريح الحديث السالف قال صاحب الخصال من أصحابنا: ويشدها في ردائه.
فَإِذَا بَلَغُواْ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، وَقَفُواْ وَدَعَوْا إِلَى الإِسْفَارِ، للاتباع، ويجتهد في الدعاء ويكثر من الدعاء والعتق والتقرب إلى الله تعالى؛ ذكره صاحب الخصال قال ويقول: [هَذَا جَمْعٌ وَاسْأَلُكَ أَنْ تَرْزُقَنِي جَوَامِعَ الْخَيْرِ كُلِّهِ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ وَأَسْأَلُكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ عَاجِلَهُ وَآجِلَهُ اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَاعْتِقْنِي وَأَوْسِعْ عَلَيَّ مِنْ رِزْقِكَ الْحَلَالِ].

الجزء: 2 - الصفحة: 619

فَرْعٌ: هذا الوقوف سُنَّة ويكتفى فيه بالمرور كما فِى عرفة قاله القاضي؛ ويتأدى بكل موضع من المزدلفة؛ وقيل: يختص بالمشعر الحرام.
ثُمَّ يَسِيرُونَ، أي بسكينةٍ ووقارٍ، فإذا وجدوا فرجة أسرعوا فإذا بلغوا محسرًا وهو مسيلُ ماءٍ فاصلٌ بين مزدلفةَ ومِنَى أسرعوا قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ مخالفة للنصارى فإنه كان موقفهم ويسمى وادي النار أيضًا؛ لأنه يقال: إن رجلًا صاد فيه صيدًا فنزلت عليه نار فأحرقته 100، فَيَصِلُونَ مِنًى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَيَرْمِي كُلُّ شَخْصٍ حِينَئِذٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، للاتباع 101، وَيُحْسَنُ إذا وصل إلى منى أن يقول ما روي عن بعض السلف: [اللَّهُمَ هَذِهِ مِنَى قَدْ أَتَيْتُهَا وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ أَسْأَلُكَ أَنْ تَمُنَّ عَليَّ بِمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلَى أَوْلِيَائِكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْحِرْمَانِ وَالْمُصِيْبَةِ فِي دِيْنِي يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ].
فَائِدَةٌ: روى عن ابن مسعود وابن عمر رضى الله عنهما أنهما لَمَّا رَمَيَا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قالا: [اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُوْرًا وَذَنْبًا مَغْفُوْرًا].
فَرْعٌ: الأصحُّ عند المصنف في كيفية الرميِّ أن يجعل مكة عنْ يسارهِ ومِنَى عن يمينهِ ويستقبل الجمرة، وجزم الرافعي بأنه يستقبل الجمرة ويستدبر الكعبة.
وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْي، لأنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام [لَمْ يَزَلْ يُلَبِّى حَتَّى رَمَاهَا] متفق عليه 102 من حديث الفضل بن عباس والمعنى: أنها شعارُ الإحرامِ، والرَّمْىُ أَخْذٌ في التحلُّلِ والانصراف، ثم لا يختص قطع التلبية بابتداء الرمى،

الجزء: 2 - الصفحة: 620

بل متى شرع في باقى أسباب التحلل، وهو الحلق والطواف قطعها إذا قدمه على الرمي لما قلناه، وكذا يقطعها المعتمر إذا افتتح الطواف؛ لأنه من أسباب تحللها.
وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ؛ ثُمَّ يَذْبَحُ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ؛ ثُمَّ يَحْلِقُ، للاتباع 103 والمراد فعل الحلق بنفسه وبغيره، أَوْ يُقَصِّرُ، لقيامه مقامه كما سيأتى، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ، بالإجماع 104، قال الخفاف من قدماء أصحابنا في كتاب الخصال: وسُنَنُهُ ثمانِ خِصَالٍ: حلقُ الجميع في حق الرجال دون النساء؛ وأن يكون بعد كمال الرمي؛ وأن لا يشارط عليه؛ وأن يجلس مستقبل القبلة؛ وأن يبدأ بشقه الأيمن؛ وأن يبلغ إلى العظمين مِن الأصداغ؛ وأن يُكبِّرَ بعد فراغه من ذلك؛ وأن يأخذ شيئًا من ظفره بعد فراغه؛ وأن يقول عند فراغه [اللَّهُمَّ آتِنِي بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً وَارْفَعْ لِي بِهَا دَرَجَةً وَاغْفِرْ لِي وَلِلْمُحَلِّقِيْنَ وَالْمُقَصِّرِيْنَ وِلِجَمِيْعِ الْمُسْلِمِيْنَ] قال: ويستحب أن يتناول شيئًا من الطيب.
وَتُقَصِّرُ الْمَرْأَةُ، لأنَّ حَلْقَ رَأْسِهَا مُثْلَةً 105 واستثنى اللَّخمى من المالكية من

الجزء: 2 - الصفحة: 621

ذلك الصغيرة وهو ظاهر.
فَرْعٌ: الخنثى كالمرأة.
وَالْحَلْقُ، أي والتقصير، نُسُكٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، أي فيثاب عليه؛ لأنه أفضل من التقصير ولا تفضيل في المباحات وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: [إِنَّ لِمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَقَطَتْ مِنْ رَأْسِهِ نُوْرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ] رواه ابن حبان في صحيحه 106، كما سلف أول الباب وعلى هذا هو ركن، وقيل: واجب، والثانى: أنه استباحة محظور لا يثاب عليه كالطيب واللباس، وَأَقَلُّهُ ثَلاثُ شَعْرَاتٍ، لأنها أقل مسمّى الجمع؛ وقد قام الإجماع على عدم وجوب الاستيعاب وسواء المسترسل وغيره على الأصح ولو كان له شعرة أو ثنتان وجب إزالتهما ذكره في البيان ولا يرد على المصنف لندرته.
فَرْعٌ: لَوْ حَلَقَ ثَلاثَ شَعَرَاتٍ في دفعات فمتقضى ما في أصل الروضة عَدَمُ الإِجْزَاءِ وخالف في شرح المهذب فقال: المذهب الإجزاء مع فوات الفضيلة وهو مقتضى إطلاقه هنا.
حَلْقًا أَوْ تَقْصِيرًا أَوْ نَتْفًا أَوْ إِحْرَاقًا أَوْ قَصًّا، لأن المقصود الإزالة، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا نَذَرَ الْحَلْقَ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ ولا يجزيه غيره، وَمَنْ لا شَعْرَ بِرَأسِهِ، أي بأن حلق ولا شَعْرَ عليهِ أو كان قد حلق واعتمر من ساعته، يُسْتَحَبُّ إِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ، لما روى الدارقطني والحاكم وصححه على شرط الشيخين من حديث ابن عمر رضى الله عنهما [أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَلَقَ رَأْسَهُ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: فَكَانَ النَّاسُ يَحْلُقُونَ = أبو داود؛ والدارقطني؛ والطبرانى من حديث ابن عباس وإسناده حسن؛ وقواه أبو حاتم في العلل والبخاري في التاريخ وأعله ابن القطان؛ ورد عليه ابن المواق فأصاب.
إنتهى من تلخيص الحبير: ج 2 ص 280: الحديث (53) من باب دخول مكة وبقية أعمال الحج.
والحديث رواه الدارمى في السنن: باب من قال: ليس على النساء حلق: الحديث (1905).

الجزء: 2 - الصفحة: 622

فِى الْحَجِّ ثُمَّ يَعْتَمِرُونَ عِنْدَ النَّفْرِ فَيَقُولُ أَمْرِرْ الْمُوسى عَلَى رَأْسِكَ] 107 وبالإجماع أيضًا وتشبيهًا بالحالقين كعرض العود على الإناء، وخالف المسح حيث يجب مسح الرأس والحالة هذه لأن الوجوب ثَمَّ تعلق بها وهنا بالشعر، والظاهر أنه إذا كان على بعض رأسه شعر يستحب إمرار الموسى على الباقى وفاءً بالتشبيه، فَإِذَا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ طَوَافَ الرُّكْنِ، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ 108 أي وهو الرمى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (1054) أي ذبح الهدايا ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (1054) والإجماع قائم على أن المراد بهذا الطواف هو طواف الإفاضة، واستحب بعضهم أن يشرب بعد ذلك من سقاية العبَّاس؛ لأنه صح أنه - صلى الله عليه وسلم -[جَاءَ بَعْدَ الإِفَاضَةِ وَهُمْ يَسْتَقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ] 109. فَرْعٌ: إذا كان عليه طواف الإفاضة فنوى غيره عن غيره أو عن نفسه تطوعًا أو

الجزء: 2 - الصفحة: 623

قدومًا أو وداعًا وقع عن طواف الإفاضة كما في واجب الحج والعمرة، جزم به المصنف في الروضة من زوائده وهو أحد المواضع الذي يتأدى فيه الفرض بنية النفل، ومنها إذا جلس فِي التشهد الأخير يظنه الأول ثم تَذَكَّرَ أَجْزَأَهُ عن الأخير ومنها ما ذكره المصنف في بابه فيما إذا ترك سجدة وكان جلس بنية الاستراحة.
وَسَعَى إِن لَمْ يَكُنْ سَعَى، لأنه أحد أركانه كما سيأتي، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مِنى، للاتباع، وَهَذَا الرَّمْيُ؛ وَالذَّبْحُ؛ وَالْحَلْق؛ وَالطَّوَافُ يُسَنُّ تَرْتِيبُهَا كَمَا ذَكَرْنَا، اقتداءً به - صلى الله عليه وسلم - فإن غيَّر هذا الترتيب جاز للنص الصحيح فيه، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا، أي وقت الأعمال الأربعة المذكورة، بِنِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، أما الرمى فلحديث عائشَة [أَرْسَلَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ؛ وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - (تعني) عِنْدَهَا] رواه أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم 110، وحكى الترمذي عن الشافعي - رضي الله عنه -: أنه لا يدخل وقته إلا بطلوع الشمس.
وهو غريب وفيه حديث صحيح 111. وأما الطواف والحلق إذا جعلناه نسكًا فبالقياس على الرمي لاشتراك الثلاثة في كونها من أسباب التحلل، نعم جواز هذه الأشياء في هذا الوقت مشروط بتقدم الوقوف عليها، أما الذبح

الجزء: 2 - الصفحة: 624

فسيأتي في بابه.
وعبارة الخفاف في خصاله في وقت الرمى أن وقته بعد نصف ليلة النحر بقدر ما يأتي من مزدلفة إلى منى، وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْي إِلَى آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ، لما روى البخاري عن ابن عباس [أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ: لا حَرَجَ] 112 والمساء يُطلقُ على ما بعد الزوال.
وهل يمتد الرمي تلك الليلة؟ فيه وجهان؛ أصحهما في الرافعي والروضة: لا؛ لعدم وروده، والثاني: نعم تشبيهًا بالوقوف، وصححه المصنف في مناسكه الكبرى في الكلام على رمي أيام التشريق، ووقع في موضع من الرافعى: أن وقته من انتصاف ليلة النحر إلى الزوال، وينبغي أن يحمل على وقت الفضيلة وبه صرح الماوردي.
ولا يَخْتَصُّ الذَّبْحُ، أي ذبح الهدايا، بِزَمَنٍ، ولكن يختص بالحرم؛ بخلاف الضحايا فإنها تختص بالعيد وأيام التشريق دون الحرم.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِوَقْتِ الأُضْحِيَةِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ عَلَى الصَّوَابِ، وَالله أَعْلَمُ، كذا ذكر المصنفُ مثلَ هذا الاعتراض على الرافعى في الروضة وشرح المهذب وهو وارد عليه من جهة أنه أطلق ذكر الهدي هنا ولم يخصه بواجب ولا غيره.
ولا شك أن الهدي يطلق على دماء الجبرانات والمحظُورات؛ وهذا لا يختص بزمان قياسًا على الديون وغيرها، ويطلق على ما يسوقه المحرم تقربًا إلى فقراء الحرم وهذا محل الخلاف، والصحيح الاختصاص قياسًا على الأضحية، والثانى: لا قياس على دماء الجبرانات، والقسم الأول هو مُراد الْمُحَرَّرِ هنا، والثاني: هو مراده في آخر باب محرمات الإحرام، فَلَيْسَتَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً ولا تَنَاقُضَ فِى كَلامِهِ وَللهِ الْحَمْدُ، وقد أوضح ذلك الرافعى نَفْسَهُ في كلامهِ على لفظ الوجيز وقد ذكرته بلفظه في الأصل فاستفده.

الجزء: 2 - الصفحة: 625

والْحَلْقُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لا آخِرَ لِوَقْتِهَا، لأن الأصل عدم التأقيت لكن ينبغي أن لا يخرج من مكة حتى يطوف، فإن طاف للوداع وخرج وقع عن الزيارة، وإن خرج ولم يطف أصلًا لم تحل له النساء، وإن طال الزمان، قال الرافعى: وقضية قولهم لا يَتَأَقَّتُ آخِرُ الطَّوافِ أنه لا يصيرُ قضاءً، لكن في التتمة: أنه إذا تأخر عن آخر أيام التشريق صار قضاءً.
وَإِذَا قُلْنَا: الْحَلْقَ نُسُكٌ، أي وهو الصحيح كما سلف، فَفَعَلَ اثْنَيْنِ مِنَ الرَّمْي وَالْحَلْقِ وَالطَّوَاف حَصَلَ التَّحَلُّلُ الأوَّلُ، أي وليس للنحر أثر في التحلل؛ لأنه سُنّة، فإن جعلناه استباحة محظور فللتحلل سببان الرمي والطواف، فإذا أتى بأحدهما حصل التحلل الأول، وإن أتى بالثانى حصل الثانى، قال الرافعى: لا بد من السعي بعد الطواف إن لَمْ يَسْعَ قبل، لكنهم لم يفردوه وعدّوه مع الطواف سببًا واحدًا، وَحَلَّ بِهِ، أي بالتحلل الأول، اللُّبْسُ وَالْحَلْقُ وَالْقَلْمُ، أي وكذا سترُ الرَّأْسِ كما ذكره في الْمُحَرَّر يَعْنِى لِلرَّجُلِ؛ وَالْوَجْهُ لِلْمَرْأَةِ وَالطِّيبُ.
أما الطِّيْبُ فلأن عائشة [كَانَتْ تُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَمَحَلُّهُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ] أخرجه الشيخان عنها 113 والباقي قياسًا بجامع ما اشتركا فيه من الاستمتاع، وَكَذَا الصَّيْدُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ، أي وكذا المباشرة فيما دون الفرج بشهوة كالقبلة والملامسة، فِي الأَظْهَرِ، لأنها من المحرمات التى لا توجب تعاطيها إفسادًا فاشبهت الحلق، والثانى: التحريم أما في المباشرة وعقد النكاح فلتعلقهما بالنساء.
قُلْتُ: الأَظْهَرُ لا يَحِلُّ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَالله أَعْلَمُ، هو كما قال.
فَرْعٌ: في التطييب طريقان أشهرهما كما قال الرافعي أنه على القولين، والمذهب الحل؛ بل يستحب بين التحللين لحديث عائشة السالف، والثانية: القطع بالحل ورجحها في شرح المهذب فقال: هى الصحيحة وبها قطع الجمهور وإن كانت الأُولَى باطلةً مُنَابِذَةً لِلسُّنَّة.

الجزء: 2 - الصفحة: 626

وَإِذَا فَعَلَ الثَّالِثَ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَحَلَّ بِهِ بَاقِي الْمُحَرَّمَاتِ، بالإجماع؛ ويجب عليه الإتيان بما بقى من أعمال الحج وهو الرمى والمبيت مع أنه غير محرم، كما يسلم التسليمة الثانية وإن كان قد خرج من الصلاة بالأُولى.
فَائِدَةٌ: ليس للعمرة إلا تحلل واحد وخالفت الحج، لأن زمنه يطول وأعماله تكثر، فأُبيح بعض محرماته في وقت، وبعضها في آخر بخلافها.
فَصْلٌ: إِذَا عَادَ إِلَى مِنَى بَاتَ بِهَا لَيْلَتَيِ التَّشْرِيقِ، وَرَمَى كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْجَمَرَاتِ الثَّلاثِ كُلَّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، للاتباع؛ ومال الرافعي إلى ترجيح سُنِّية هذا المبيت ويرد عليه للاتباع، ويُسَنُّ استقبال القبلة في رمي هذه الأيام 114. فَرْعٌ: لا يحصل المبيت إلا بمعظم اللَّيل؛ وفِى قول: إن الاعتبار بوقت طلوع الفجر.
فَائِدَتَانِ: الأُوْلَى: أيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر، سميت بذلك لإشراق نهارها بالشمس، ولياليها بالقمر، وقيل: غير ذلك.
الثَّانِيَةُ: الجَمرات الثلاث بفتح الجيم وهى معروفة؛ الأُولى: تلي مسجد الخيف وهى أولهن من جهة عرفات؛ وثانيها:

الجزء: 2 - الصفحة: 627

الوسطى وهى معروفة بمنى؛ وثالثها: جمرة العقبة وليست من منى، كذا قال أصحابنا وهو غريب في الثالثة، ووقع في المحكم لابن سِيَدَه: أن الجمرات والجمار الحصيات التي يرمى بها في مكة.
ويُحمل كلامه على أن مراده بمكة الحرم كما نقله في موضع آخر عن يعقوب.
فَائِدَةٌ ثَالِثَةٌ: روى من حديث أنس أنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام قال: [يَغْفِرُ اللهُ بِكُلِّ حَصَاةٍ رَمَاهَا كَبِيْرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوْبِقَاتِ الْمُوْجِبَاتِ] ومن حديث ابن عمر أَنَّ رجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ رَمْيِ الْجِمَارِ مَا لَنَا فِيْهِ؟ فَقَالَ: [تَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَ رَبِّكَ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ] 115. فَائِدَةٌ رَابِعَةٌ: يستحب التبرك بالصلاة في مسجد الخيف بمنى فقد روى أنه صلى في مكانه سبعون نبيًا منهم موسى وأن فيه قبر سبعين نبيًا صلوات الله عليهم، ويقال: إِنَّ مُصَلَّى نبينا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصلاة وَالسَّلامِ عند الأحجار أَمَامَ الْمَنَارَةِ.
فَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِيَ وَأَرَادَ النَّفْرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ جَازَ، وَسَقَطَ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمْىُ يَوْمِهَا، أي ولا دم عليه لقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ 116، نعم: الأفضلُ عدم النفر للاتباع إلا لعذر كغلا ونحوه.
فَرْعٌ: قال الروياني: من لا عذر له؛ إذا لم يَبِت ليلتي اليومين الأولين من التشريق ورمى في اليوم الثانى؛ وأراد النفر مع الناس، قال أصحابنا: ليس له ذلك؛ لأنه لا عذر له وإنما جوز ذلك للدعاء، وأهل السقاية للعذر، وجوز لعامة الناس أن ينفروا؛ لأنهم أتوا بمعظم الرمي والمبيت، ومن لا عذر له لم يأت بالمعظم فلم يجز له النفر.
فَإِنْ لَمْ يَنْفُرْ حَتَّى غَرَبَتْ وَجَبَ مَبِيتُهَا وَرَمْيُ الْغَدِ، لما روى مالك فِى الموطأ

الجزء: 2 - الصفحة: 628

عن نافع أن ابن عمر كان يقول: [مَنْ غَرَبَتْ بِهِ الشَّمْسُ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ بِمِنى، فلا يَنْفِرَ، حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنَ الْغَدِ] 117 ولا يصح رفعه.
فَرْعٌ: لو ارتحل فغربت قبل انفصاله من منى جاز له النفر، وكذا لو غربت وهو في شغل الارتحال أو نفر قبل الغروب ثم عاد لشغل في الأصح، فلو تبرع فِي هذه الحالة بالمبيت لم يلزمه الرمى في الغد نص عليه.
فَرْعٌ: إذا أوجبنا المبيت فتركه فإن كان مبيت مزدلفة وحدها أراق دمًا، وإن كان مبيت الليالي الثلاث فكذلك على الأظهر، فإن ترك ليلة فالأظهر وجوب مُدٍّ، وقيل: درهم، وقيل: ثُلُثُ دم وإن ترك ليلتين فعلى هذا القياس، وإن ترك الليالي الأربع؛ فالأظهر: وجوب دمين؛ دمٌ للمزدلفة ودمٌ لليالي منى.
فَرْعٌ: التَّارِكُ نَاسِيًا كالعامدِ في وجوبِ الدَّمِ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ.
تَنْبِيْهٌ: هذا كله فيمن لا عذر له أما من ترك مبيت مزدلفة أو منى لِعُذْرٍ، فلا دم عليه، كما إذا كان له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يحتاج إلى أن يتعهده، وكالمشتغل بعرفة أو الطواف عن مزدلفة كما تقدم وكرعاء الإبل، وأهل سقاية العبّاس فلهم إذا رموا جمرة العقبة يوم النحر أن ينفروا ويَدَعُوا المبيت بمنى ليالي التشريق، وللصنفين جميعًا أن يَدَعُوا رمى يوم ويقضوه في اليوم الذي يليه قبل رمى ذلك اليوم وليس لهم أن يَدَعُوا رمي يومين متواليين.
فَائِدَةٌ: ينبغى لمن نفر من منى أن ينزل بِالْمُحَصَّبِ (•) ويصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويرقد رقدة ثم يذهب إلى البيت لطواف الوداع للاتباع 118.

الجزء: 2 - الصفحة: 629

وَيَدْخُلُ رَمْيُ التَّشْرِيقِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، للاتباع 119، ويستحبُّ فعله قبل فعل الظهر كما قدمته في كتاب الصلاة، وجوَّزَ أبو حنيفة وحده الرمى في اليوم الثالث من طلوع الفجر مع الكراهة وخالفاه صاحباه.
وَيَخْرُجُ، أي رمي اليومين الأولين، بِغُرُوبِهَا، لعدم وروده في الليل، وَقِيلَ: يَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ، قياسًا على الوقوف بعرفة، أما رمى اليوم الثالث فينقضي بانقضاء يومه قطعًا؛ لانقضاء أيام المناسك، كذا قاله الرافعى، واعلم أنه ذكر أيضًا في كلامه على الرمى أن الأظهر بقاء الوقت إلى آخر أيام التشريق، وظاهره مخالفة ما قاله هنا، وجمع ابن الرفعة بينهما بأن يحمل ذلك على وقت الجواز وهذا على وقت الاختيار، قال: وحينئذ يكون للرمي ثلاثة أوقات فضيلةٌ واختيارٌ وجوازٌ.
وَيُشْتَرَطُ رَمْيُ السَّبْعِ، وَاحِدَةً وَاحِدَةً، للاتباع 120، نعم لو رمى بحصاة ثم أخذها ورمى بها وهكذا سبعًا فالأصح الجواز، والثانى: لا؛ وهو ظاهر كلام المصنف، قال الإمام: وهو الأظهر، وقال ابن الصلاح: إنه أقوى.
ولو رمى بحصاتين دفعة واحدة أحدهما باليمين والأخرى باليسرى لم تحسب إلا واحدة قطعًا قاله = كتاب الحج: باب مَنْ صَلَّى العصرَ يوم النَّفْرِ: الحديث (1764).

الجزء: 2 - الصفحة: 630

الدارمى، وَتَرْتِيبُ الْجَمَرَاتِ، أي فيرمى الجمرة الأُولى التى تلى مسجد الخيف ثم الوسطى ثم جمرة العقبة للاتباع، فلو عكس اعْتُدَّ له بالأُولى، أعني التي تلى مسجد الخيف، وَكَوْنُ الْمَرْمِيِّ حَجَرًا، للاتباع؛ أيضًا فلا يجزي اللؤلؤ وما ليس بحجر من طبقات الأرض كالنورة والجواهر المنطبعة كالنقدين، وَأَنْ يُسَمَّى رَمْيًا فلا يَكْفِي الْوَضْعُ، لأن المأمور به هو الرمى فلا بد من صدق الاسم، واشتراط الرمى قد علم من قوله قبله، ويشترط رمى السبع فهو تكرار.
فَرْعٌ: يشترط أيضًا قصد الرمى فلو رمى في الهوى فوقع في المرميَّ لا يعتد به.
فَرْعٌ: لا يجزئ الرمى عن القوس ولا الدَّفْعُ بِالرِّجْلِ، لأنَّهُ لا يطلق عليه اسم الرمي.
وَالسُّنَّة أَن يَرْمِيَ بِقَدْرِ حَصَى الْخَذَفِ، اقتداء به عَلَيْهِ الصلاة والسلام قولًا وفعلًا وهو دون الأنملة طولًا وعرضًا في قدر الباقلاء.
فَرْعٌ: جزم الرافعي أنه يرمى على هيئة الحذف والأصح لا.
ولا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْحَجَرِ فِي الْمَرْمَى، أي حتى لو تدحرج وخرج بعد الوقوع لم يضر، لأن اسم الرمى قد حصل، لكن لا بد أن يقع فيه، فإن شك في وقوعه فالجديد عدم الإجزاء، ولا كَوْنُ الرَّامِي خَارِجًا عَنِ الْجَمْرَةِ، أي حتى لو وقف في طرفها ورمى إلى الطرف الآخر جاز لحصول اسم الرمى، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الرَّمْيِ، أي لمرض أو حبس، اسْتَنَابَ، خشية فواته لضيق وقته ويشترط كون النائب رمى عَنْ نَفْسِهِ وإلّا فيرميه عنه دون المنيب كأصل الحج وأن لا يرجى زوال السبب إلى آخر الوقت فإن رُجِيَ وَوَقْتُ الرَّمْي باقٍ لم يَجُزْ، وَإِذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ، أي عمدًا أو سهوًا، تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الأَيَّامِ فِي الأَظْهَرِ، كالرعاء أهل السقاية، والثاني: لا، كما لا يتداركه بعد أيام التشريق، والخلاف جار في تدارك رمى جمرة العقبة فيها أيضًا، ولا دَمَ، أي عند التدارك لحصول الجبر بالمأتيِّ به، وإلَّا، أي وإن لم يتداركه، فَعَلَيْهِ دَمٌ، لأنه ترك نسكًا، وقد قال ابن عباس: [مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ

الجزء: 2 - الصفحة: 631

دَمٌ] 121، وَالْمَذْهَبُ تَكْمِيلُ الدَّمِ فِي ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ، لوقوع اسم الجمع على ذلك، ولا يلزمه زيادة عليه، لو زاد في الترك على الثلاث حتى لو ترك رمى النحر وأيام التشريق يلزمه دم واحد على أصح الأقوال، لاتحاد جنس الرمى فأشبه حلق الرأس، والطريق الثانى: أن الجمرات الثلاث كالشعرات الثلاث فلا تكمل الفدية في بعضها.
بل إن ترك جمرة ففيها الأقوال الثلاثة في الشعرة، وإن ترك جمرتين فعلى هذا القياس، وإن ترك حصاة من جمرة فعن صاحب التقريب إن قلنا: في الجمرة ثلث دم، ففي الحصاة جزء من إحدى وعشرين جزءًا من دَمٍ رعايةً للتبعيضِ، وإن قلنا: في الجمرة مُدًّا ودرهم فيحتمل أن يوجب سُبْعَ مُدّ أو سُبْعَ درهم، ويحتمل أن لا يبعضها، والطريق الثالث: أن الدم يكمل بجمرة واحدة، كما يكمل بجمرة العقبة في يوم النحر ولا يكمل بأقل منها، وَاعْلَمْ أنَّ الطريقة الأُوْلى ليست في الشرح الكبير وأسقطها نسيانًا؛ ، لأنه قال: إن الإمام جمع في المسألة طرقًا فذكر ثنتين منها، ولما لم يجد المصنف فِى الروضة إلّا طريقين قال: فيه طريقان.
فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ، أي بعد قضاء النسك وجميع أشغاله، طَافَ لِلْوَدَاعِ، أي طوافًا كاملًا بركعتيه للاتباع قولًا وفعلًا 122، والأقرب في الرافعي أنه ليس من المناسك، وإنما يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر كما اقتصر عليها الرافعي والمصنف في الروضة، والمناسك وكذا دونها على الأصح في شرح المهذب، مكيًا كان أو أفاقيًا تعظيمًا للحرم، ونصَّ الشافعى رحمه الله في الأُمِّ على أنه من المناسك وبه قطع المحاملي والقاضي، ونصَّ في الإملاء على أنه من الحج والعمرة، قُلْتُ: ويستثنى من ذلك الفرع الآتى عن صاحب البيان، والفرع الآتي بعده أيضًا، فإن الطواف في حقهما مستحب؛ فَتَنَبَّهْ لَهُ.
أو يحمل الوجوب هنا على من

الجزء: 2 - الصفحة: 632

أراد المفارقة إلى وطنه.
فَرْعٌ: إذا أراد الانصراف إلى بلده من منى لزمه دخول مكة لطواف الوداع أيضًا، إن قلنا بوجوبه؛ ولا يكفيه طواف الوداع يوم النحر بعد طوافه للافاضة على الصحيح في شرح المهذب؛ ومقابله ليس ببعيد لمن اضطر إليه؛ كمن نفر من منى مع الغروب؛ فإنه يشق عليه الوداع بعد ذلك.
فَرْعٌ: قال صاحب البيان: قال الشيخ أبو نصر في المعتمد: ليس على المعتمر الخارج إلى التنعيم وداع ولا دَمَ في تركهِ عندنا، وقال سفيان الثوري: يلزمه، دليلنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عبد الرحمن أن يعتمر بعائشة من التنعيم ولم يأمرهما عند ذهابهما إلى التنعيم بوداع.
فَرْعٌ: سبق في فضل الخروج إلى منى أن الإمام يأمر المتمتعين أن يطوفوا للوداع، وإن ذلك على وجه الاستحباب، ونقل المصنف في شرح المهذب عن نصه في البويطي واتفاق الأصحاب على أنه: يستحب لمن أحرم وأراد الخروج إلى عرفات أن يطوف بالبيت ويصلى ركعتين ثم يخرج، قال الشيخ أبو حامد: وهذا يتصور في صورتين وهما المتمتع والمكّي إدا أحرما بالحج من مكة.
ولا يَمْكُثُ بَعْدَهُ، أي لقضاء شغل أو زيارة صديق ونحوهما فإن أقام لنحو ما ذكرناه لم يعتد بطوافه عن الوداع، لأنه حينئذ غير مودع، فلو تشاغل بأسباب الخروج كشراء زاد ونحوه لم يحتج إلى إعادته في الأصح؛ قال في الروضة من زوائده: ولو أُقيمت الصلاة فصلّاها لم يعده، وَهُوَ وَاجِبٌ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ] رواه مسلم من حديث ابن عباس 123 وفي رواية له وللبخاري أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت؛ إلّا أنه خفف عن المرأة الحائض 124.

الجزء: 2 - الصفحة: 633

يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، طردًا للقاعدة في أن الواجب يُجبر بدم، وَفِي قَوْلٍ: سُنةٌ لا يُجْبَرُ، أي وجوبًا كطواف القدوم، والأوَّل فَرَّق بأن طواف القدوم تحية البقعة وليس مقصودًا في نفسه بخلافه، فَإن أَوْجَبْنَاهُ فَخَرَجَ بِلا وَدَاع وَعَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَقَطَ الدَّمُ، كما لو جاوز الميقات غير محرم ثم عاد إليه، أَوْ بَعْدَهَا فلا عَلَى الصَّحِيحِ، قَال في شرح المهذب: وبه قطع الجمهور لاستقراره بالسفر الطويل، ووقوع الطواف بعد العودة حقًا للخروج الثاني كذا علّله الرافعيُّ وهو ماشٍ على ما في الرافعي والروضة من اختصاص الأمر بالوداع بالمسافر سفرًا طويلًا، أما على ما قَدَّمْنَاهُ عن تصحيح شرح المهذب من عدم اختصاصه بذلك فلا، والثاني: يسقط كما لو عاد قبل الانتهاء إليها فلا بد من طوافين على الصحيح؛ ولا يجب العود في الحالة الثانية للمشقة، ويجب من الأُولى على المنصوص، ثم إن أوجبنا العود فعاد سقط الدم، وإن لم يعد؛ لم يسقط، وإن لم نوجبه فلم يعد فعليه دم، وَللْحَائِضِ النَّفْرُ بِلا وَدَاعٍ، للحديث السالف.
فَرْعٌ: لو طَهُرَتْ قبل مفارقة خطة مكة؛ لزمها العودُ والطوافُ، وإن طهرت بعد بلوغها مسافة القصر فلا، وإن لم تبلغ مسافة القصر فالنص أنه لا يلزمها العود، والنص أن المقصر بالترك يلزمه العود والمذهب الفرق كما نص عليه، لأنها مأذونة في الانصراف بخلافه، وقيل: فيهما قولان، فإن قلنا: لا يلزم العود؛ فالنظر إلى نفس مكة أو إلى الحرم وجهان؛ أصحهما مكة.
= إِلَّا أنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ).
رواه البخاري في الصحيح؛ باب طواف الوداع: الحديث (1755). ومسلم في الصحيح: باب وجوب طواف الوداع: الحديث (380/ 1328). • ولحديث عائشة رضى الله عنها؛ قالت: (أنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حَيِيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاضَتْ؛ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ: [أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ] قَالُوا: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ! قَالَ: [فلا إِذًا].
رواه البخارى في الصحيح: الحديث (1757). وفي رواية مسلم: [فَلْتَنْفِرْ]: الحديث (382/ 1211). ورواه البخارى في كتاب المغازي: باب حجة الوداع: الحديث (4401).

الجزء: 2 - الصفحة: 634

فَرْعٌ: النُّفَسَاءُ في هذا كالحائض، والظاهر أن المعذور كالخائف من ظالم أو خوف لفوت رفقة أو معسر ونحو ذلك كهما.
ويسَنُّ شُرْبُ مِاءِ زَمْزَمَ، لأنها مباركةٌ؛ ولأنها طعام طعم كما أخرجه مسلم وشفاء سقم كما أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده 125، وصحَّ [مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ] كما أوضحته في الأصل، ويروى أن مياه الأرض ترفع قبل يوم القيامة غير زمزم 126، وَزِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ فرَاغ الْحَجِّ، أي يتأكد تأكدًا شديدًا وإلا فزيارته - صلى الله عليه وسلم - مستحبة في كل وقت قال - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي] رواه ابن خزيمة 127.

الجزء: 2 - الصفحة: 635

فَائِدَةٌ: رُوِيَ عَنْ إِبراهِيْمَ النَّخْعِيِّ أَنهُ قَالَ: كَانُواْ إِذَا قَضَواْ حَجَّهُم تَصَدَّقُواْ بِشَىْءٍ؛ وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ هَذَا عَمَّا لا نَعْلَمُ (•).
فَصْلٌ: أَرْكَانُ الحَجِّ خَمْسَةٌ: الإِحْرَامُ، بالإجماع؛ كما نقله ابن الرفعة لكن قيل: إنه شرط حكاه ابن يونس في التَّنبِيْهِ، وَالْوُقُوفُ، بالإجماع، وَالطَّوَافُ، أي طواف الإفاضة بالإجماع أيضًا، وَالسَّعْيُ، لقوله عَلَيْهِ الصُّلاةُ والسلام: [اسْعَوا فَإِنَّ الله كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ] أورده الحاكم في مستدركه وابن السكن في سننه الصحاح المأثورة وأجاب ابن عبد البر عمن طعنَ فيه 128، وَالحَلْقُ، أي أو التقصير، إِذَا • رواه الطبراني في المعجم الكبير: الحديث (13497 و 13496) ولفظه [كَمَنْ زَارَنِى فِى حَيَاتِي].
قال الهيثمى في مجمع الزوائد: باب زيارة قبر سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ج 4 ص 2: عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ جَاءَنى زَائِرًا لا يَعْلَمُ حَاجَة إِلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَىَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ] وقال: رواه الطبرانى في الأوسط والكبير وفيه مسلمة بن سالم وهو ضعيف.
• رواه الدارقطني في السنن: باب المواقيت: الحديث (194) من الباب: وفيه موسى بن هلال العبدي؛ هو شيخ بصري، قال أبو حاتم: مجهول.
وقال العقيلى: لا يتابع على حديثه.
قال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به.
قال الذهبي: هو صالح الحديث وأنكر ما عنده حديثه عن ابن عمر مرفوعًا: [مَن زَارَ قَبْرِي رُجِيَتْ لَهُ شَفَاعَتِي].
والحديث على الغالب ضعيف.
(•) في هامش نسخة (3): بلغ مقابلة حسب الطاقة على نسخة قريت على المصنف وعليها خطه.

الجزء: 2 - الصفحة: 636

جَعَلْنَاهُ نُسُكًا، لما سبق في الباب، فإن جعلناهُ استباحةَ محظورٍ فلا شك في كونه ليس ركنًا، قَال الرافعي: وينبغى أن يعد الترتيب الواجب هنا ركنًا كما عدوه في الوضوء والصلاة، ولا تُجْبَرُ، أي هذه الخمسة، بِدَمٍ، لأن الماهية لا تحصل إلَّا بجميع أركانها، وَمَا سوَى الْوُقُوفِ أَرْكَانٌ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا، لأنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام أتى بها، ولم يرد ما يقتضي الاعتداد بدونها.
فكانت أركانًا ويأتى في الحلق ما سلف فِي الحج.
وَيُؤَدَّى النُّسُكَانِ عَلَى أَوْجُهٍ، أي ثلاثة آتية وهو إجماع، ووجه الحصر أنه إنْ قَدَّمَ الْحَجَّ فهو الإِفْرَادُ، أو العُمرةَ فالتمتعُ، أو أتى بهما فهو القِرَانُ على تفصيل، وشروطٍ لبعضها ستأتي، وَيُؤَدَّى النُّسُكُ مِنْ حَيْثُ هُوَ بِالْحَجِّ وحده أو بالعُمرة وحدها على أوجهٍ: أَحَدُهَا: الإِفْرَادُ، بِأَن يَحُجَّ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ؛ كَإِحْرَامِ الْمَكِّيِّ وَيَأْتِي بِعَمَلِهَا، أي وكذا إذا أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ثم حج من الميقات، وكذا من لم يحرم إلا بالحج من الميقات في سنته كما صرح بهما القاضي والإمام.
وقطعًا يبقى الخلاف = رواه أحمد والطبرانى في الكبير من رواية عبد الله بن المؤمل؛ وثقه ابن حبان؛ وقال: يخطئ وضعفه جماعة.
وقال عن رواية عند أحمد، فيها موسى بن عبيدة وهو ضعيف.
وقال عن رواية في المعجم الكبير للطبرانى فيها المثنى بن الصباح قال وثقه ابن معين في رواية وضعفه جماعة.
• رواه الدارقطني في السنن: ج 2 ص 255 - 256: الحديث (84 - 87) وينظر: نصب الراية للزيلعي: ج 3 ص 56 - 57. • عن جابر - رضي الله عنه - في حديثه الطويل السالف في الباب: أنه عَلَيهِ الصلاة والسلام سعى بين الصفا والمروة.
• أما جواب ابن عبد البر؛ فهو في التمهيد لما في الموطأ من المعانى والمسانيد: ج 1 ص 416 - 418: (حديث رابع لجعفر بن محمد): الرقم (35/ 4). وقال: فإن قال قائل: إن عبد الله بن المؤمل ليس ممن يحتج بحديثه لضعفه، وقد انفرد بهذا الحديث، قيل له: هو سيء الحفظ، فلذلك اضطربت روايته عنه؛ وما علمنا له خربة تسقط عدالته ... ثم رفع من شأنه وذكر له شواهد.

الجزء: 2 - الصفحة: 637

فيه، وظاهر كلام المصنف بخلاف ذلك، والمراد بإحرام المكي وهو: أن يخرج إلى أدنى الحل كما سلف 129. الثانِي: القِرَانُ؛ بِأَن يُحْرِمَ بِهِمَا مِنَ الْمِيقَاتِ وَيَعْمَلَ عَمَلَ الْحَجِّ، لأن أعماله أكثر، فَيَحْصُلانِ، أي يدخل عمل العمرة في الحج ويكفيه طواف واحد، وسعى واحد، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[مَنْ أحْرَمَ بِالحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَاهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عَنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيْعًا] صححه الترمذي 130، والظاهر أن هذا الطواف للحج فقط والعمرة مُنْغَمِرَةٌ، وقوله (مِنَ الْمِيْقَاتِ) ليس احترازًا من شيء، لأنه لو أحرم بهما من دونه كان قارنًا، بل المراد أنه يحرم بهما معًا.
فيتحد ميقاتهما، وقد قدمنا في باب المواقيت أن الأصح أن المكى يحرم بهما من مكة تغليبًا للحج.
وَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَحُجُّ قَبْلَ الطَّوَافِ كَان قَارِنًا، بالإجماع، ولو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ففى صحة إدخاله عليها وجهان أحدهما: لا،

الجزء: 2 - الصفحة: 638

وهو اختيار الشيخ أبى علي وحكاه عن عامة الأصحاب وهو ظاهر كلام المصنف؛ لأنه يؤدي إلى صحة الإحرام بالحج قبل أشهره، لأن القارن في حكم الملابس لإحرام واحد، وأصحهما من زوائد الروضة: نعم؛ لأنه إنما يصير محرمًا بالحج وقت إدخاله، وهو وقت صالح للحج، واحترز بقوله (ثُمَّ يَحُجُّ قَبْلَ الطوَافِ) عما إذا طاف ثم أحرم بالحج؛ فإنه لا يصح؛ لأنه أخذ في أسباب التحلل على أصح المعانى فيه وحكم الشروع في الطواف حكم إكماله.
فَرْعٌ: لو كانت عمرته فاسدة ثم أدخل عليها الحج، فالأصح إنه يصير محرمًا به كما هو ظاهر إطلاق المصنف، وقيل: ينعقد صحيحًا مُجْزِيًا؛ والأصح: لا، بل ينعقد فاسدًا؛ وقيل: صحيحًا ثم يفسد.
ولا يَجُوزُ عَكْسُهُ، أي وهو إدخال العمرة على الحج، فِي الجَدِيدِ، لأنه لا يستفيد به شيئًا آخر، بخلاف إدخال العمرة عليه، فإنه يستفيد به أشياء أُخر كالوقوف؛ والرمي؛ والمبيت، والقديم جوازه، وصححه الإمام كعكسه فيجوز ما لم يشرع في أسباب تحلله.
الثَّالِثُ: التَّمَتعُ؛ بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يُنْشِئُ حَجًّا مِنْ مَكةِ، لقيام الإجماع على أن الأفاقى إذا فعل ذلك سمّي متمتعًا، وقوله (مِنْ مِيْقَاتِ بَلَدِهِ) أراد به التصور دون الاحتراز، فإن الإحرام من الميقات ليس شرطًا في كونه متمتعًا؛ ولا في وجوب الدم عند الأكثرين.
وقوله (يُنْشِئُ حَجًّا مِنْ مَكةِ) ذكره للتصور أيضًا لا للاحتراز، فإنه لو أحرم بالحج من الميقات، فالمشهور أنه متمتع؛ غير أنه لا يلزمه الدم.
وَأَفْضَلُهَا الإِفْرَادُ، أي إذا أحرم بالعمرة في عام الحج؛ لأنَّ رواته أكثر ومجمع على عدم كراهته بخلاف التمتع والقِران، ولعدم وجوب الدم فيه بخلافهما، فإن أخَّر العمرة عن عام الحج؛ فالتمتع والقران أفضل منه، لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه، وَبَعْدَهُ التمَتَّعُ ثُمَّ الْقِرَان، لأن المتمتع يأتي بعملين كاملين، غير أنه لا

الجزء: 2 - الصفحة: 639

ينشئ للحج ميقاتًا، بل يحرم به من مكة، ولهذا أفضله الإفراد، فإنه ينشئ لهما ميقاتين.
وأما القارنُ فإنه يأتى بعمل واحد من ميقات واحد.
وَفِي قَوْلٍ: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنَ الإفْرَادِ، لأنه أَحَدُ مَا قيل في إحرامه عَلَيْهِ الصلاة والسلام.
ولأن فيه مبادرة إلى العمرة؛ فإن فيه تأخيرًا لفعلها فربما مات قبل الفعل، وفي قول ثالث: أن القِران أفضل واختاره المزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي.
وَعَلَى التمتَّعِ دَمٌ، بالإجماع وهو شاة بصفة الأضحية، ويقوم مقامها سُبْعُ بَدَنَةٍ أو سُبْعُ بَقَرَةٍ، بِشَرْطِ أَن لا يَكُون مِنْ حَاضِري الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ 131، وَحَاضِرُوهُ مِنْ دُونِ مَرْحَلَتَيْنِ، لأن من قرب من الشيء ودنا منه كان حاضرًا إياه، مِنْ مَكةَ، لأن المسجد الحرام المذكور في الآية الكريمة ليس المراد به حقيقته بالاتفاق، بل الحرم عند بعضهم ومكة عند آخرين، فلا بد من حمله على المجاز، وحمله على مكة أقل تجوزًا من حمله على جميع الحرم.
قُلْتُ: الأَصَحُّ مِنَ الْحَرَمِ، وَالله أَعْلَمُ، لأن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم؛ إلا قوله تعالى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ 132 فإن المراد به الكعبة.
وخالف طواف الوداع؛ حيث اعتبرت المسافة فيه من مكة على الصحيح، لأن الوداعَ لِلْبَيْتِ فَنَاسَبَ اعتبار مكة، وهنا الآية نَاصَّةٌ على المسجد الحرام والمراد منه الحرم كما سلف فكان الابتداء منه.
وَأَن تَقَعَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، لأن العرب كانوا لا يزاحمون الحج بالعمرة في مظنته، ووقت إمكانه؛ ويستنكرون ذلك ويقولون: هو من أفجر الفجور.
فورد التمتع رخصة وتخفيفًا، إذ الغريب قد يردُ قبل عرفة بأيام ويشق عليه استدامة الإحرام ولا سبيل إلى مجاوزته بغير إحرام، فجوز له أن يعتمر ويتحلل مع الدم، ولو أحرم

الجزء: 2 - الصفحة: 640

بها قبل أشهره.
وأتى بجميع أعمالها في أشهره فالأظهر لا دَم؛ لأن العمرةَ لم تقع في أشهرِ الحجِّ، وإنما وقع بعضها، إذ النية من جملتها.
ولو سبق الإحرام بها وبعض أعمالها أشهره فالخلاف مرتب، والظاهر أنه لا يجب أيضًا، ولو أحرم بها وفرغ منها قبل أشهره لم يلزمه دم لانتفاء ما ذكرناه من المزاحمة، وإن كان متمتعًا على المشهور كما قاله الرافعي في آخر الشروط، مِنْ سَنَتِهِ، أي من سَنَةِ الحجِّ، فلو اعتمر ثم حج في السَّنَةِ القابلة فلا دم عليه، سواء أقام بمكة إلى أن حج أو رجع وعاد لعدم المزاحمة، وَأَنْ لا يَعُودَ لإِحْرَامِ الْحَجِّ إِلَى الْمِيقَاتِ، أي بأن أحرم من نفس مكة واستمر، فلو عاد إلى الميقات الذي أحرم بالعمرة منه، وأحرم بالحج فلا دم؛ لأنه لم يربح ميقاتًا، ولو رجع إلى مثل مسافة ذلك الميقات وأحرم منه فكذلك لا دم عليه، لأن المقصود قطع تلك المسافة محرمًا كما نقله الرافعى عن الجويني وغيره وهو وارد على إطلاق المصنف، ولو عاد إلى ميقات أقرب إلى مكة من ذلك الميقات وأحرم منه، بأن كان ميقات عمرته الجحفة فعاد إلى ذات عرق، فهل هو كالعود إلى ميقات عمرته؟ وجهان أصحهما: نعم.
لأنه أحرم من موضع ليس ساكنه من حاضري المسجد الحرام.
وَاعْلَمْ: أن هذه الشروط المذكورة معتبرة لوجوب الدم، وهل تعتبر في تسميته تمتعًا؟ وجهان أحدهما: نعم.
فلو فات شرط كان مُفْرِدًا، وأشهرهما: لا.
ولهذا قال الأصحاب: يصح التمتع والقِران من المكيِّ خلافًا لأبى حنيفة.
وَوَقْتُ وُجُوبِ الدَّمِ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ، لأنه حينئذ يصير متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وَالأَفضَلُ ذبحُهُ يَوْمَ النحْرِ، خروجًا من خلاف الأئمة الثلاثة، فإنهم قالوا: لا يجوز في غيره.
فَرْعٌ: لم يذكر المصنف وقت الجواز، ولا شك أنه لا يجوز قبل الشروع في العمرة قطعًا، ويجوز بعد التحلل منها وقبل الإحرام بالحج على الأظهر، وقيل: يجوز قبل التحلل من العمرة أيضًا.
فإِن عَجَزَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ، أي سواء قدر عليه في بلده أم لا، بخلاف كفارة اليمين، لأن الهَديَ يختص ذبحه بالحرم والكفارة لا تختص، والعجز الشرعى كما إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 641

وجده بزيادة على ثمن المثل أو كان محتاجًا إليه أو إلى ثمنه أو نحو ذلك كالحسّى، صَامَ عَشْرَةَ أيَّامٍ؛ ثَلاثةً فِي الْحَجِّ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ 133 أي بعد الإحرام بالحج، فلا يجوز تقديمها على الإحرام، بخلاف الدم، فإنه يجوز تقديمه كما سبق.
لأن الصوم عبادة بدنية فلا يجوز تقديمها على وقتها كالصلاة بخلاف الدم فإنه عبادة مالية فجاز تقديمه كالزكاة، ووقع في شرح مسلم للمصنف: أن الأفضل أن لا يصوم حتى يُحرمَ بالحج 134 وهو غريب مخالف لما ذكره في باقي كتبه.
تُسْتَحَب قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، لأن يوم عرفة الأحب للحاج فطره كما سلف في بابه.
ويستحب أن يحرم بالحج قبل السادس من ذي الحجة، ولا يجوز صومها في يوم النحر وكذا أيام التشريق في الجديد، كما ذكره المصنف في بابه أيضًا، ولا يجب عليه تقديم الإحرام بزمن يمكنه صوم الثلاثة فيه قبل يوم العيد على الأصح، وإذا فات صوم الثلاثة في الحج لزمه قضاؤها ولا دم عليه، ولو تأخر التحلل عن أيام التشريق فصامها بعد ذلك قبل أن يتحلل أثم فصارت قضاءً، وإن صدق عليه أنه في الحج؛ لأن تأخيره نادر فلا يكون مرادًا من الآية، قال الإمام: وإنما يلزمه صوم الثلاثة في الحج إذا لم يكن مسافرًا.
فإن كان فلا؛ كصوم رمضان، قال الرافعى: وهذا غير متضح؛ لأن النص دال على الوجوب عليه.
وقال المصنف في شرح المهذب: إنه ضعيف.

الجزء: 2 - الصفحة: 642

وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، للآية السالفة، إِلَى أَهْلِهِ فِي الأَظْهَرِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَصِيَامُ ثَلَاثةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أهْلِهِ] متفق عليه من حديث ابن عمر 135؛ وللبخارى تعليقًا بصيغة الجزم من حديث ابن عباس [وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَمْصَارِكُمْ] 136، فلو أراد الإقامة بمكة صامها، قاله في البحر، والثانى: أن المراد بالرجوع الفراغ من الحج، لأنه بالفراغ عنه رجع عما كان مقبلًا عليه، وهو قول الأئمة الثلاثة.
وينْدَبُ تتَابُعُ الثَّلاثةِ وَكَذَا السَّبْعَةِ، مبادرة إلى أداء الواجب، وَلَوْ فَاتَتْهُ الثَّلَاثَةُ فِي الْحَجِّ فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أن يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَينَهَا وَبَينَ السَّبْعَةِ، كما في الأداء، ويفارق تفريق الصلوات.
فإن ذلك التفريق يتعلق بالوقت، وهذا بالفعل؛ وهو الحج والرجوع، والثاني: لا يلزمه؛ لأن التفريق في الأداء يتعلق بالوقت فلا يبقى حكمه في القضاء كالتفريق في الصلوات المؤداة وقد سلف الفرق.
فَرْعٌ: هل يكفي مطلق التفريق أم لا بد من التفريق، كما في الأداء؟ وهو التفريق بأربعة أيام ومدة إمكان السير إلى الموطن فيه قولان أصحهما الثانى.
فَرْعٌ: حيث صارت الثلاثة قضاء ففى السبعة قولان في التحرير للجرجانى.
وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ، كالمتمتع، وأَولى؛ لأن أفعال المتمتع أكثر من أفعال القارن، كَدَمِ التمَتُّع، أي في أحكامه السالفة جنسًا وسببًا وبدلًا عند العجز.
قُلْتُ: بِشَرْطِ أَنْ لا يَكُون مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالله أَعْلَمُ، قياسًا على المتمتع.
فَرْعٌ: لو دخل القارن الغريب مكة قبل يوم عرفة، ثم عاد إلى الميقات للحج،

الجزء: 2 - الصفحة: 643

فالنص في الإملاء أنه لا دم عليه قياسًا على التمتع، وقيل: يجب؛ لأن اسم القِران لا يزول بالعود إلى الميقات بخلاف التمتع.

بَابُ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ

أَحَدُهَا: سَتْرُ بَعْض رَأسِ الرَّجُلِ بمَا يُعَدُّ سَاترًا، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في المُحْرِمِ الذِي خَرَّ عَنْ بَعِيْرِهِ (•): [لا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا] متفق عليه 137، وذكر الوجه في هذا الحديث في مسلم غريب؛ وهو وهمٌ من بعض الرواة قاله البيهقى 138، واحترز بالرجل عن المرأة والخنثى وسيأتى حكمهما؛ وبما يعد ساترًا عن الماء ونحوه، إِلَّا لِحَاجَةٍ، كَمُدَاوَاةٍ أو حَرٍّ أو بَردٍ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 139 لكن مع لزوم الفدية قياسًا على الحلق بسبب الأذى، وَلُبْسُ المَخِيطِ أَوِ الْمَنْسُوجِ أوِ الْمَعْقُودِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الخِفَافَ إِلَّا أَحدٌ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ] متفق عليه 140، والمعتبر (•) في نسخة (3): خَرَّ عَنْ بَعِيرِهِ مَيْتًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 644

في اللبس العادة في كل ملبوس فلو ارتدى بالقميص أو اِتَّزَرَ بالسراويل فلا فدية كما لو اتَّزَرَ بِإِزَارٍ لَفَّقَهُ مِنْ رقاعٍ، إِلَّا إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، أي غير المخيط؛ فإنه يجوز له لبسه من غير فدية وكذا يجوز له لبسه للحاجة كالحر والبرد والمداواة (•)، وَوَجْهُ المَرْأَةِ كَرَأسِهِ، أي كرأس الرجل في الأحكام السالفة لرواية البخارى، ولا تَنتقِبُ الْمَرأَةُ، نعم لها أن تستر من وجهها ما لا يَتَأتَّى سترُ الرأس إلَّا بهِ، وَلَها لُبْسُ الْمَخِيطِ، للنص فيه كما أخرجه أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم 141، إِلَّا الْقُفَّازَ فِي الأظْهَرِ، لرواية البخارى [ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ] 142، والثانى: يجوز لأثر فيه، ففي الأم: لا فدية 143. وفي الإملاء: عليها الفدية أي على وجه الاستحباب، وفي شرح السُّنَّة للبغوي: أن أكثر أهل العلم على الثانى، وأنه لا فدية.
وزاد: أنه أظهر قولَي الشافعي، وأنهم جعلوا ذكر القُفازَيْنِ في الحديث من قول ابن = من كتاب الحج: عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما؛ أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله؛ مَا تَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: [لَا تَلْبَسُ الْقُمصَ ولا العَمَائِمَ ولا السَّرَاوِيلَ ولا البَرَانِسَ ولا الخِفَافَ؛ إِلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ.
ولا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ].
(•) حاشية نسخة (2): أي مع الفدية.

الجزء: 2 - الصفحة: 645

عمر، والْقُفَّازُ: شَىْءٌ يُعْمَلُ لِلْيدَيْنِ لِيَقِيَهُمَا مِنَ الْبَرْدِ، يُحْشَى بِفُطْنٍ وَيَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ عَلَى السَّاعِدَيْنِ.
فَرْعٌ: الخنثى إذا ستر وجهه ورأسَهُ؛ وجبت الفديةُ؛ أو أحدهما؛ فلا؛ للاحتمال.
فَائِدَةٌ: قال بعض العلماء: الحكمة في تحريم لبس المخيط وغيره مما منع منه المحرم أن يخرج الإنسان عن عادته فيكون ذلك مذكرًا له ما هو فيه من عبادة ربه فيشتغل بها.
الثَّانِي: استِعْمَالُ الطّيبِ فِي ثَوْبِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَان أَوْ وَرَسٌ] متفق عليه 144، أَوْ بَدَنِهِ، قياسًا عليه من باب أَولى وهو إجماع أيضًا كما نقله ابن المنذر.
وسواء في ذلك الأخشم وغيره، وبعض البدن كَكُلّهِ، وَالطّيْبُ: هو ما ظهرَ فيه غرضُ التَّطَيُّبِ كالورد ونحوه، والاستعمال: هو أن يلصق الطيب ببدنه أو ثيابه على الوجه المعتاد في ذلك كالاحتواء على المبخرة ونحو ذلك، ولا بد فيه من القصد، وَدَهْنُ شَعْرِ الرَّأسِ أوِ اللِّحْيَةِ، لما فيه من التزيين المنافي لحال المحرم؛ فإن الحاجَّ أشعثُ أغبر كما ورد في الحديث 145، وقوله دَهْنٌ: هُوَ بفتح الدال لأنه مصدر، واحترز بقوله (شَعْرِ الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ) عن الأصلع والأقرع والأمرد؛ فإن الأدهان لا تحرم عليهم لفقد المعنى السالف، نعم: لو كان محلوق الرأس

الجزء: 2 - الصفحة: 646

فالأصح بقاء التحريم، لأنه يحسِّن الشعر إذا نبت، واحترز أيضًا بالرأس واللحية عن دهن باقى البدن؛ فإنه يجوز شعرًا كان أو بشرًا لأنه لا يقصد تحسينه، وفي الإقناع للماوردي: الجزمُ بالتحريم في شعر الجسد أيضًا 146 ولا شك أن المحرم له فعل ذلك بالحلال كما ذكر الرافعي مِثلَهُ في الحلق، إنما الممتنع أن يفعل ذلك بنفسه أو بمحرم آخر، ولا يُكْرَهُ غَسْلُ بَدَنِهِ وَرَاسِهِ بِخِطْمِيّ، أي وكذا ما في معناه كالسدر، لأن ذلك لإزالة الأوساخ بخلاف الدهن فإنه للتنمية، نعم الأوْلى أنْ لا يفعل ذلك بل حكى كراهته عن القديم، وإذا غسل رأسه فينبغي أن يرفق بالدلك حتى لا ينتتف شعره.
وَاعْلَمْ: أن المصنف في الروضة تبعًا للرافعى جعل استعمال الطيب نوعًا والدهن نوعًا وجعلهما في الكتاب نوعًا واحدًا تبعًا لِلْمُحَرَّرِ، وكان سبب ذلك تقاربهما في المعنى، وأن كلًا منهما تَرَفةٌ وليس فيه إزالة عين.
الثَّالِثُ: إِزَالَةُ الشَّعْرِ أَوِ الظُّفْرِ، أما الأول فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ 147 أي شعر رؤوسكم وشعر سائر الجسد ملحق به بجامع الترفُّهِ، وأما الثاني: فبالقياس المذكور، وقوله (إِزَالَةُ) يتناول الحَلْقَ والقَلْمَ وغيرهما، ومراده إزالةُ ذلك من نفسهِ أو من مُحْرِمٍ، أما من حَلالٍ فلا، كما تقدمت الإشارة إليه، وإزالة الشعرة الواحدة حرام أيضًا لما ستعلمه بعد.

الجزء: 2 - الصفحة: 647

فَرْعٌ مُسْتَثْنَى: لَوْ نَبَتَتْ شَعْرَةْ أَوْ شَعَرَاتٍ داخلَ جَفْنِهِ وَتَأذَّى بِهَا، قَلَعَهَا ولا فدية على الراجح.
وَتُكَمَّلُ الْفِدْيَةُ فِي ثَلَاثِ شَعْرَاتٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ، أما في الأُولى: فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ التقدير: فَحَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ فَفِديةٌ، والشعرُ جمعٌ وأقله ثلاث، والاستيعاب قام الإجماع على عدم اعتباره، وأما في الثانية: فقياسًا؛ وهذا إذا أزالها دفعة من مكان، فإن فرق زمانًا أو مكانًا فيجب مُدٌّ على الراجح.
فَرْعٌ: لو حلق جميع الرأس دفعةً مِن مكانٍ واحدٍ ففديةٌ واحدةٌ؛ ولو حلق شعر رأسه وبدنه متواصلًا ففدية؛ وقيل: فديتان؛ وكذا لو قَلَّمَ أظفار يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ.
وَالأْظْهَرُ: أَنَّ فِي الشَّعْرَةِ مُدَّ طَعامٍ، وَفِي الشَّعْرَتَينِ مُدَّيْنِ، لأن الشرع قد عَدَّلَ الحيوان (•) بالإطعام في جَزَاءِ الصيد وغيره، والشعرة الواحدة هى النهاية في القلة، والْمُدُّ أقلُّ ما وجب في الكفارات فقوبلت به، والثاني: أنه يجب في الشعرة الواحدة ثلث دم؛ وفي شعرتين ثلثا دم عملًا بالتقسيط، والثالث: يجب في شعرة درهم؛ وفي شعرتين درهمان، والرابع: دم كامل، ومحل الخلاف إذا اختار الدم، أما إذا اختار الصيام؛ فإنه يصوم يومًا واحدًا قطعًا، أو الطعام أطعم صاعًا واحدًا قطعًا، وقد نبَّه على ذلك صاحب البيان في مشكلاته على المهذب ولا بد منه.
فَرْعٌ: الظفر كالشعرة والظفران كالشعرتين.
فَرْعٌ: لو قَصَّرَ الشعرة أو قَلّمَ من الظفر دون القدر المعتاد كان الحكم على ما تقدم، وقيل: يوزع المد على الشعرة ويجب بالقسط، حكاه الماوردي وصححهُ وطرده في شرح المهذب في الظفر.
(•) في نسخة (1): لأن الشرع قد عدله الجبران بالإطعام في جزاء الصيد.
قلت: ويبدو أن المعنى لا يستقيم.
وأثبتنا ما في النسختين (2) و (3).

الجزء: 2 - الصفحة: 648

فَرعٌ: لو أخذ من بعض جوانب الظفر ولم يستوعب جوانبه، فإن قلنا: في الظفر الواحد ثلث دم أو درهم وجب بقسطه، وإن قلنا: مُدٌّ لم يُبَعَّضْ.
وَللْمَعْذُورِ، أي بمرض وكثرة قمل في رأسه أو تأذٍّ بِحَرٍّ لكثرة شعره، قال في شرح المهذب: وكذا وسخ رأسه، أَن يَحْلِقَ وَيَفْدِيَ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية، وفي الصحيحين عن كعب بن عُجْرَةَ قال: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيةُ الْمَذْكُورَةُ؛ فَأتيتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: [اُذنُهْ] فَدَنَوْتُ؛ فَقَالَ: [اُدْنُهْ] فَدَنَوْتُ؛ فَقَالَ: [أيؤْذِيْكَ هَوَامُّكَ] قال ابن عوف: أَظُنهُ قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: فَأمَرَنِي بفِديةٍ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ مَا تَيَسَّرَ 148. وفي لفظ [فَاحْلُقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتةَ مَسَاكِينَ أَو انْسُكْ نُسَيْكَة] 149 في رواية لمسلم: [احْلُقْ ثُمَّ اذبَحْ شَاةً نُسُكًا أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتةِ مَسَاكِيْنَ] 150. الرَّابِعُ: الْجِمَاعُ، بالإجماع يحرم على المرأة الحلال تمكينه على الأصح، لأن فيه إعانة على المعصية، وكذا يحرم على الحلال المباشرة أيضًا في حال إحرام المرأة، وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ، قياسًا على الحج، وَكَذَا الحَجُّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، أما إفساده قبل الوقوف فإجماع، وبعده فبالقياس عليه.
أما إذا وقع الجماع فيه بعد التحلل الأول، فإن الحج لا يفسد به على الأصح، نعم يجب شاة على الأظهر، وكما لا يفسد الحج لا تفسد العمرة أيضًا، إذا كان قارنًا وإن لم يأت بشئ من أعمالها، لأنها تبع

الجزء: 2 - الصفحة: 649

له.
وقيل: تفسد وكلام المصنف يوهمه، وَيَجِبُ بِهِ، أي بالجماع الْمُفْسِد، بَدَنَةٌ، المفسد لقضاء الصحابة بذلك 151. فَرْعٌ: لو أفسد حجَّهُ بالجماع؛ ثم جامع ثانيًا، فالأظهر يجب بالثاني شاة، لأن الإفساد حَصَلَ بالأول.
فَائِدَةٌ: البَدَنَةُ تطلق في اللغة على الذَّكَرِ وَالأنْثَى، وعلى الإِبِلِ وَالْبَقَرِ لا عَلَى الْغَنَمِ، وإن وهم المصنف فيه في تحريره وتهذيبه على الأزهري فَاجْتَنِبْهُ.
وَالمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 152 ولأن جماعة من الصحابة أفتوا بذلك ولا يعرف لهم مخالف، والمراد بالمضي فيه أن يأتي بما كان يأتي به قبل الجماع، ويجتنب ما كان يتجنبه قبله، فإن ارتكب محظورًا لَزِمَهُ الفديةُ في الأصح، وَالْقَضَاءُ، لفتوى الصحابة به، وَإِنْ كَان نُسُكَهُ تَطَوُّعًا، لأنه بالشروع فيه صار فرضًا أيضًا بخلاف باقي العبادات، وَالأصَح أنَّهُ، يعني القضاء، عَلَى الْفَوْرِ، لفتوى الصحابة به، والثاني: لا، لأن الأداء على التراخى فالقضاء أَولى 153. تَنْبِيْهٌ: جميع ما ذكره المصنف في جماع العامد العالم بالتحريم، فأما إذا جامع

الجزء: 2 - الصفحة: 650

ناسيًا أو جاهلًا بالتحريم فالجديد أنه لا يفسد، وكذا المكره على الأصح؛ لأن الأصح تصور الكراهة.
فَرْعٌ: يحرم على الْمُحْرِمِ أيضًا الاستمناءُ ويلزمه به الفدية على الأصح، والمباشرة بشهوة كالمفاخذة وإن كان لا يَفْسَدُ بها النُّسُكُ.
الْخَامِسُ: اصْطِيَادُ كُل مَأكولٍ بَرِّيٍّ، أي طيرًا كان أو وحشيًا بالإجماع، واحترز بالمأكول عن غيره، وبالبري عن البحري للآية 154، قال الققال: والحكمة في الفرق بينهما أن البري إنما يفعل عادة للتنزه والتفرج، والإحرام ينافي ذلك بخلاف البحري؛ فإنه يصاد غالبًا للاضطرار والمسكنة فأُحِلَّ مطلقًا، ولو كان البحر في الحرم؛ كما نصَّ عليه الشافعى في الأم، واشترط الغزالي في وسيطه مع ذلك أن يكون متوحشًا؛ واستغنى المصنف عنه بلفظ الاصطياد؛ وكما يحرم الاصطياد تحرم الإعانة عليه أيضًا، ووضع اليد عليه؛ وعلى جزئه؛ وبيضهِ؛ ولَبَنِهِ؛ وَرِيْشِهِ، قُلْتُ: وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ، أي ما ذكرناه، وَمِنْ غَيْرِهِ، وَالله أَعْلَمُ، تغليبًا للتحريم، وخالف الزكاة حيث لم تجب فيه؛ لأنها باب مواساة.
وقد دخل في كلام المصنف ستة أقسام: أحدها: ما تولد بين وحشين أحدهما مأكول كالسَّبُع التولد بين الذئب والضبع.
ثانيها: التولد بين المأكولين أحدهما وحشي كالتولد بين الظبي والشاة.
ثالثها: المتولد بين وحشيٍّ مأكول وأهليٍّ غير مأكول كحمار الوحشي وحمار الأهلي؛ وكُلُّ هذه حرامٌ.
رابعها: أن يكون متولدًا بين وحشي غير مأكول وأنسي مأكول كالمتولد بين الذئب والشاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 651

خامسها: المتولد بين حيوانين لا يؤكلان أحدهما وحشي كالمتولد بين الحمار والزرافة.
سادسها: المتولد بين أهليين أحدهما غير مأكول كالبغل.
وهذه الثلاثة مباحة، لأن كلَّ واحدٍ منها لا يحرم التعرض لأصله، ووقع في الرافعي والحاوي ما يوهم تحريم القسم الرابع وليس كذلك.
وَيحْرُمُ ذَلِكَ، أي اصطاد المأكول البري، فِي الْحَرَمِ عَلَى الْحَلالِ، بالإجماع؛ ويروى أن في زمن الطوفان لم تأكل كبار الحيتان صغارها في الحرم تعظيمًا له 155. وقوله (في الحَرَمِ) هو حال من الاصطياد لكن يرد عليه ما لو كان المصطاد في الحل؛ والصائد في الحرم فإنه يحرم؛ فإن أُعرب أنه حال من الصائد؛ وَرَد عليه عكسه، فَاِن أَتْلَفَ، أي من ذكرناه، صَيْدًا ضَمِنَهُ، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ الآية 156، وجهات ضمان الصيد إما بالمباشرة أو بالتسبب أو باليد، فَفِي النَّعَّامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي بَقَرِ الوَحْشِ وَحِمَارِهِ بَقَرَةٌ، وَالغَزَالِ عَنْزٌ، وَالأرْنَبِ عَنَاقٌ، وَاليَربُوعِ جَفْرَةٌ، لأن جماعة من الصحابة حكموا بذلك كله وفي الضبع أيضًا كبش لحديث صحيح فيه 157، وقوله (وَفِي الغَزَالِ عَنْزٌ) هو وهمٌ كما قال في

الجزء: 2 - الصفحة: 652

الروضة؛ لأن الغزال ولدُ الظَّبي ذكرًا كان أو أنثى فإن كان ذكرًا فواجبه ذكر من صغار المعز كالجدى أو أُنثى كَالعَنَاقِ أو الجَفْرَةِ، فالعنز في الحقيقة واجب الظبية والتيس واجب الظبي.
فَائِدَةٌ: العنز الأنثى من المعز التي تَمتْ لَهَا سَنَة، والعَنَاقُ الأُنثى من ولد المعز إذا قَوِيَتْ مَا لَمْ تَبْلُغ سَنَةً، قاله المصنف في دقائقه وتحريره وتهذيبه 158، وقبله الأزهري، وفي الرافعي عن أهل اللغة إنها الأُنثى من أولاد المعز من حين تولد إلى حين تفطم وترعى وذلك بأربعة أشهر، وتبعه في الروضة، والجَفْرَةُ بفتح الجيم وإسكان الفاء هى التي بلغت أربعةَ أشهرٍ من أولاد المعز وَفُصلَتْ عَنْ أمِّهَا، والذكر جَفرٌ؛ لأنه جَفَرَ جَنْبَاهُ التي عَظُمَا، قال الرافعي: هذا معنى الجَفْرَةِ في اللغة؛ لكن يجب أن يكون المراد بالجَفْرَةِ هنا ما دون العَنَاقِ؛ فإن الأرْنَبَ خَيْرٌ مِنَ اليَربوعِ (•).
وَمَا لا نَقلَ فِيهِ يَحْكُمُ بِمِثلِهِ عَدْلانِ، لقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ = الأكثرِ مِمَّنْ لَقِيتُ، فبقولهم: إِنَّ في النَّعَامَةِ بَدَنَة، وبالقياسِ، قُلنا: في النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، لا بِهَذَا.
ينظر: الأثر (9977) من السنن الكبرى للبيهقي.
• أمَّا بَقَرُ الوَحْشِ وَحِمارِهِ بقرة؛ فلأثر ابن عباس، قال: (وَفِي الْبَقَرَةِ بَقَرَة؛ وَفِي الْحِمَارِ بَقَرَةٌ) وروى الشافعي بسنده عنه قال: (فى بَقَرَةِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ؛ وَفى الأيَّلِ بَقَرَةٌ): الأثر (9975) من السنن الكبرى للبيهقى.
• أمَّا الغزال والأرنب واليربوع؛ فلأثر جابر (أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَضَى في الضَّبْعِ بِكَشٍ، وَفِى الْغَزَالِ بِعَنْزٍ، وَفى الأرْنَبِ بِعَنَاقٍ، وَفِي اليَربُوع بِحَفْرَةٍ): الأثر (9987) من السنن الكبرى للبيهقي.
• أمَّا الحديث الصحيح؛ فهو حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: [الضَّبْعُ حَدِيدٌ فَكلْهَا؛ وَفِيهَا كَبْشٌ سَمينٌ إِذَا أصَابَهَا المُحْرِمُ].
رواه البيهقي في السنن الكبرى: باب فدية الضبع: الحديث (9983).

الجزء: 2 - الصفحة: 653

مِنْكُمْ} الآية (1055)، وليكن العدلانِ فقيهين كَيِّسَيْنِ أي فَطِنَيْنِ، والعبرة في المماثلة بالخلقة والصورة تقريبًا لا تحقيقًا، فأين النعامة من البدنة؟ ! وليست المماثلة معتبرة في القيمة بل في الصورة، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلهِ (وَمَا لا نَقْلَ فِيْهِ) عن حيوان فيه نقل عن الشارع بالمماثلة أو التقويم أو حَكَمَ بهِ عدلان من الصحابة والتابعين أو غيرهم فإنه يتعين الرجوع إليه في كل عصر، وجزم ابن الرفعة: بأنه إذا حكم به واحد من الصحابة وسكت الباقون يكفى أيضًا.
وَفِي مَالا مِثْلَ لَهُ الْقِيمَةُ، أي لأن الجراد لا مثل له، وقد حكمت الصحابة فيه بالقيمة، والعبرة في هذه القيمة بموضع الإتلاف، لا بمكة على المذهب، لكن بسعر مكة على أظهر احتمالي الإمام، وهو ما جزم به الفورانى في العُمَدِ؛ ويستثنى مما لا مثل له الحمام؛ فإنه يجب فيه شاة لقضاء الصحابة بذلك 159. فَرْعٌ: يرجع في معرفة القيمة إلى عدلين.
وَيَحْرُمُ قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ الَّذِي لا يُسْتَنبَتُ، بالإجماع ويؤخذ من القطع القلع؛ فإنه أَولى بالتحريم، وأطلق النبات ليعم الشجر وغيره، وأخرجَ به اليابس؛ فإنه يجوزُ قطعه، وأما قلعهُ فإن كان شجرًا جَازَ أو حشيشًا فلا، ونباتُ الحرم هو ما نَبَتَ فيه،

الجزء: 2 - الصفحة: 654

وكذا لو كان بعض أصل الشجر فيه، وكذا لو نقل شجرة من الحرم إلى الحل لا العكس.
وَالأظْهَرُ تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهِ، أي بالنبات، وَبِقَطْع أَشْجَارِهِ، لأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم، فيجب به الضمان كالصيد، والثاني: لا، لأن الإحرام لا يوجب ضمان الشجر فكذا الحرم وقوله؛ وَبِقَطْع أَشْجَارِهِ، لا حاجة إليه بعد ذكره النبات، لأنه داخل فيه كما أسلفناه لكنه تبع الْمُحَرَّرَ، فَفِي الشَّجَرَةِ الكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ، وَالصَّغِيرَةِ شَاةٌ، للاتباع 160، قال الإمام: وأقرب قول في ضبط الشجرة المضمونة بشاة أن تقع قريبة من سُبْع الكبيرة، فإنَّ الشاةَ سُبْعُ البقرةِ؛ فإن صغرت جدًا فالواجب القيمة.
فَائِدَةٌ: لا يشترط أن تكون البقرة مجزية في الأضحية، بل يكفي أن يكون لها سنة بخلاف الشاة قاله صاحب الاستقصاء.
قُلْتُ: وَالْمُسْتَنْبَتُ، أي من الشجرة، كَغَيْرِهِ عَلَى المَذْهَبِ، لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: [لا يُعْضَدُ شَوكُهُ] متفق عليه 161، والقول الثاني: لا؛ تشبيهًا له بالحيوانات الأنسية وبالزرع.
والطريق الثانى: القطع بالأول، أما غير الشجر كالحنطة والشعير والقطنية والخضروات فلمالكه قطعه ولا جزاء عليه، وإن قطعه غيره فعليه قيمته لمالكه، ولا شيء عليه للمساكين، وعبارة الخفاف في خصاله: لا يجوز قطع شجر الحرم إلّا عند خصلتين: أن يكون ما غرسه الناس؛ أو ما قطع منه مساويك، قال: والورق منه يجري مجرى الثمرة؛ والغصن يجري مجرى الأصل.
وَيحِلُّ الإِذْخِرُ، أي بكسر الهمزة والدال المعجمة: نباتٌ معروفٌ لاستثناء الشارع له، وَكذَا الشَّوْكُ كَالعَوْسَجِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُؤْذِيَاتِ،

الجزء: 2 - الصفحة: 655

فإنه ذو شوك فأشبه ما يؤذي من الصيود، وقيل: يحرم لعموم الحديث السالف [لا يُعْضَدُ شَوكُهُ] ولأن غالب شجر الحرم كذلك، والفرق بينه وبين الصيود المؤذية أنها تقصد الأذى بخلاف الشجر.
وَالأصَحُّ حِلٌّ أَخْذِ نَبَاتِهِ لِعَلْفِ البَهَائِمِ، كما يجوز تسريحها فيه، والثانى: المنع لقوله عَلَيْهِ الصلاة والسلام: [ولا يُختلَى خَلاهَا] متفق عليه 162، قال الإمام: والقائل الأول، يقول: إنما يحرم الاختلاءَ والاحتشاشَ للبيع وغيرهِ من الأغراض، قُلْتُ: اللَّهُمَّ إلَّا أن يقطع الفروع لسواك أو دواء فيحوز بيعها حينئذ؛ قاله القفال في شرحه للتلخيص، وتعقبه في الروضة قبل باب الربا فقال: فيه نظر، وينبغي ألّا يجوز كالطعام الذى أبيح له أكله، لا يجوز له بيعه.
قال صاحب التلخيص: وحكم شَجَرِ النَّقِيْع بالنون الذي هو الحمى حكم أشجار الحرم فلا يجوز بيعه.
فَائِدَة: العلْف هنا بسكون اللام كما رأيته بخط مؤلفه مضبوطًا؛ لأن المراد به المصدر وهو الإطعام وهو بفتح اللام ما تعتلفه البهائم.
وَللدَّوَاءِ، وَالله أَعْلَمُ، لأن هذه الحاجة أعم من الحاجة إلى الإِذخِرِ، والثاني: المنع؛ لأنه ليس في الخبر إلّا استثناء الإِذْخرِ ومنهم من قَطعَ بالأول.
فَرْعٌ: في معنى الدواء ما يُتَغَذَّى به كَالبَقلةِ وَالرِّجْلَةِ ونحوهما وهما في معنى الزرع.

الجزء: 2 - الصفحة: 656

فَرْعٌ: لو قطع للحاجة التي يقطع لها الإذخر كتسقيف البيوت ونحوه ففيه الخلاف، وفي قطعه للدواء لا جرم جوَّز الحاوي الصغير للحاجة مطلقًا ولم يخصه بالدواء.
وَصَيْدُ الْمَدِينَةِ حَرَامٌ، أي وكذا حرمها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيْمُ مَكةَ] متفق عليه 163، وفي قول بعيد: لا يحرم بل يكره.
فَرْعٌ: حُكْمُ نَبَاتِهِ حُكْمُ صَيْدِهِ.
ولا يُضْمَنُ فِي الجَدِيدِ، لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فلم يضمن كصيد وَجْ بفتح الواو وإسكان الجيم واد بصحراء الطائف، والقديم أنه يسلب القاتل لصيدها والقاطع لشجرها لثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخرجه مسلم في الشجر وأبو داود في الصيد 164 وهو المختار، والأكثرون على أنه يسلب منه ما

الجزء: 2 - الصفحة: 657

يسلبه القاتل من قتيل الكفار, والأصوب في الروضة: أنه يُترَكُ له ما يستر عورته، وقال في شرح المهذب: إنه الأصح، وخالف في المناسك فصحح الأول والأصح أن السلب للسالب.
فَائِدَةٌ: نظم بعضُ الشعراء حرم مكة في بيتين فقال: وَللْحَرَمِ التحْدِيْدُ مِنْ أرْضِ طَيْبَة ... ثَلَالَةُ أَميالٍ إِذَا رُمْتَ إِتقَانَهْ وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٌ وَطَائِفٌ ... وَجِدَّةُ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرانَهْ (•) وأما حرمُ المدينة شرفها الله تعالى، ففي الصحيح [أَنَّهُ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ] وفي رواية الطبراني في أكبر معاجمه [مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى أُحُدٍ] واستشكلت الرواية الأُولى ولا إشكال، فثور موجود فيها وهو وراء أُحد 165. (•) في هامش نسخة (3): قال: وزاد بعضهم: وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ بِتَقْدِيْمِ سِيْنِهِ ... وَقَدْ كمَلْتَ فَاشْكُر لِرَبِّكَ إِحْسَانَهْ

الجزء: 2 - الصفحة: 658

فَصْلٌ: وَيتَخَيَّرُ فَي الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ بَيْنَ ذَبْحِ مِثْلِهِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَبَينَ أَن يُقَوَّمَ الْمِثْلُ دَرَاهِمَ وَيشْتَرِى بِهِ طَعَامًا لَهُمْ، أي لأجلهم، أوْ يَصُومَ عنْ كُلِّ مُدٌّ يَوْمًا، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله ﴿صِيَامًا﴾ 166 وهذه الكفارة تسمى مخيرة معدلة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ ولا يجوز إخراج المثل حيا كما أخرجه بقوله (ذبْحِ مِثْلِهِ) ولا أكل شئ منه ولا يقوّم الصيد كما قاله مالك، ولا إخراج الدراهم كما قاله أبو حنيفة، وقوله (دَرَاهِمَ) ذكره على الغالب وإلّا فالمعتبر النقد الغالب والشراء ليس مُتَعَيِّنًا وإنما المراد التصدق بما يساوي النقد من الطعام كما أشار إليه الإمام وغيره، والمجزي في الطعام هو ما يجزي في الفطرة قاله الإمام، وَغَيْرُ الْمِثْلِيِّ يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا أَوْ يَصُومُ، أي ولا يخرج الدراهم، لأنه لا مدخل لها في الكفارات أصلًا، وقد تقدم أن العبرة في هذه القيمة بموضع الإتلاف لا بمكة على المذهب، وَيَتَخَيَّرُ فِي فِديَةِ الْحَلْقِ بَيْنَ ذَبْحِ شَاةٍ، وَالتَّصَدُّقِ بِثَلَاثةِ آصُع لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 167 التقدير فحلق شعر رأَسه ففدية كما سلف، ثم أن هذه الآية مجملة بيَّنها حديث كعب بن عجرة السالف في الباب قبل النوع الرابع؛ فدلَّت الآية على تخيير المعذور بين هذه الأمور التي بَيَّنَتْهَا السُّنةُ فكذلك غير المعذور، لأن كل كفارة ثبت فيها التخيير إذا كان سببها مباحًا ثبت فيها التخيير، وإن كان سببها محرمًا ككفارة اليمين وقتل الصيد وغيرهما، وأغرب الخطابي فحكى عن الشافعى أن غير المعذور عليه الدم فقط وهذا مشهور عن أبى حنيفة.
ثم شرطَ الشاة أن تجزي في

الجزء: 2 - الصفحة: 659

الأضحية؛ قال الرافعي: وكذا حيث لزمت هي أو البدنة إلا في جزاء الصيد فيجب المثل، وكل من لزمه شاة جاز أن يذبح بدنة أو بقرة مكانها؛ إلّا في جزاء الصيد.
واقتصر المصنف على الصرف للمساكين؛ لأن الفقر يؤخذ منه من باب أَولى.
فَرْعٌ: الْقَلْمُ كَالحَلْقِ فيما قلناهُ؛ وكذا الدم الواجب في الاستمتاعات كالطيب ونحوه على الأصح، وهذا النوع يسمى دم تخيير وتقدير.
وَالأصَحُّ أَن الدَّمَ فِي تَرْكِ الْمَأْمُورِ كالإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، أي والرمي والمبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي التشريق والدفع من عرفة قبل الغروب وطواف الوداع، دَمُ تَرْتِيبٍ، إلحاقًا له بدم التمتع لما في التمتع من ترك الإحرام من الميقات؛ ويسمى أيضًا دم تعديل جريًا على القياس، فَإِذَا عَجَزَ اشْتَرَى بِقِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإن عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، والوجه الثانى: أنه كدم التمتع في التقدير والترتيب، فإن عجز عن الدم صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهذا ما صححه الرافعي في شرحيه وتذنيبه، والمصنف في شرح المهذب والمناسك.
وَدَمُ الْفَوَاتِ كَدَمِ التمَتُّعِ، أي في الترتيب والتقدير وسائر الأحكام، لأن دم التمتع إنما وجب لترك الإحرام من الميقات، والنسك المتروك في صورة الفوات أعظم، وفيه أثر صحيح عن عمر - رضي الله عنه - أيضًا في الموطأ 168، وَيذْبَحُهُ فِي حَجَّةِ القَضَاءِ فِي الأَصَحِّ، لفتوى عمر رضي الله عنه بذلك (1211)، والثانى: يجوز ذبحه في سنة

الجزء: 2 - الصفحة: 660

الفوات قياسًا على دم الإفساد.
وقوله (الأصَحِّ) صوابه الأظهر كما جزم به في الروضة تبعًا للرافعي ورجحه في شرح المهذب.
فَرْعٌ: إذا قلنا بذبحه في حجة القضاء ففي وقت وجوبه وجهان؛ أصحُّهما: وقته إذا أحرم بالقضاء.
كما يَجِبُ دَمَ التمتع بالإِحْرَامِ بِالحَجِّ، فعلى هذا إذا كفَّر بالصومِ، لا يقدم صوم الثلاثة على القضاء، لأَن العبادات البدنية لا تقدم على وقتها ويصوم السبعة إذا رجع.
تَنْبِيْهٌ: تفاصيلُ الدماءِ سبعةُ أنواعٍ؛ ذكر المصنف هنا منها أربعة: جزاءُ الصيد؛ ودمُ الحلق؛ وَالمَنُوط بتركِ المأمورِ؛ ودمُ الفواتِ؛ وبقي عليه دمُ الاستمتاع؛ وقد ذكرتهُ؛ ودمُ الجماع؛ وقد ذكرَهُ في الكلام على تحريمه كما سلف؛ وَدَمُ الإِحْصَارِ، وسيأتى في الباب الآتى.
وَالدَّمُ الوَاجِبُ بِفِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ لا يَختَصُّ بِزَمَانٍ، أي بل يفعل في يوم النحر وغيره؛ لأن الأصل عدم التخصيص، ولم يرد ما يخالفه، وكذا أطلق الرافعي وغيره عدم الاختصاص، وهو في الإجزاء ظاهر، وأما الجواز فينبغي لمن يقول الكفارات التي سببها معصية على الفور أن يقول هنا بذلك.
وَيَختَصُّ ذَبْحُهُ بِالحَرَمِ فِي الأظْهَرِ، لأن الذبح حق متعلق بالهدى فيختص بالحرم كالتصدق، والثانى: لا يختص؛ لأن المقصود هو اللحم، فإذا وقعت تفرقته في الحرم على مساكينه حصل الفرض، والخلاف جار في دم التمتع والقِران أيضًا.
وَيَجِبُ صَرْفُ لَحْمِهِ إِلَى مَسَاكِينِهِ، أي إلى مساكين الحرم؛ لأن المقصود من الذبح هو إعطاء اللحم؛ وإلَّا فنفس الذبح مجردُ تلويثٍ للحرم وهو مكروهٌ، كما قاله ابن الرفعة، ويؤخذ من كلام المصنف: أنه لا يجوز أن يأكل شيئًا منه، وهو كذلك.
والجلد كاللحم في وجوب صرفه وهو بالخيار إن شاء فرق المذبوح عليهم وإن شاء دفعه بجملته لهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 661

فَرْعٌ: سواء في المساكين الغرباء والقاطنين، لكن الصرف إلى القاطن أولى، والصرف إلى الفقير يؤخذ من كلام المصنف من باب أَولى.
فَرْعٌ: يجب النية عند تفرقته كسائر العبادات؛ قاله الروياني وغيره.
فَرْعٌ: أقل ما يجزئ أن يدفع الواجب إلى ثلاثة قاله الروياني.
وَأفْضَلُ بُقْعَةٍ، أي من الحرم، لِذَبْحِ المُعْتَمِرِ المَرْوَةَ، وَلِلْحَاجِّ مِنَى، لأنهما محل تحللهما كذا علله الرافعي؛ وهو يفهم أن المراد بالمعتمر هنا معتمر ليس بقارن، وَكَذَا حُكْمُ مَا سَاقَا مِنَ هَدْيٍ مَكَانًا، لأنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام أهدى في عمرة الجعرانة هديًا نُحر عند المروة، كما ذكره صاحب أعلام المناسك، وأهدى عام حجته مالة بدنة نحرت بمنى كما ثبت في الصحيح (1191)، وَسَوْقُ الهدي سُنة عظيمة أهملها الناس، وَوَقْتُهُ وَقْتُ الأُضْحِيَةِ عَلَى الصَّحِيح، وَالله أَعْلَمُ، قياسًا على الأضحية، والثاني: لا يختص بوقت كدماء الجبرانات؛ وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في أثناء الباب قبله قبيل قوله (فَصْلٌ: إِذَا عَادَ إِلَى مِنَى) فراجعه منه.
وإن محل الخلاف المذكور في الهدى الذي يسوقه المحرم تقربًا إلى فقراء الحرم، ثُم اعْلَمْ هُنَا: أن الهدي ثلاثة أقسام؛ أحدها: هذا، ثانيها: ما يسرقها مَنْ قَصَدَ الحرم غير مُحْرِمٍ، والظاهر أنه لا يختص بزمانه، ثالثها: ما يسوقه المعتمر تطوعًا أو نذرًا، والظاهر أنه لا يتقيد بوقت الأضحية أيضًا، بل وقته وقت التحلل منها، ولا يكلف من اعتمر أول العام وساق الهدي تأخير ذبحه إلى أيام منى.

بَابُ الإحِصَارِ وَالفَوَاتِ

المراد من الإِحْصَارِ الْمَنْعُ مِنْ فِعْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ أوْ مِنْ بَعْضِهِ؛ والمشهور أَحْصَرَهُ المرضُ بالهمز وَحَصَرَهُ الْعَدُو بدونِهِ.
ولو مُنِعَ من الرمي والمبيت؛ فلا يجوز له169

الجزء: 2 - الصفحة: 662

التحلل؛ لتمكنه من التحلل بالطواف والحلق وجبر الأولين بالدم، وَالْفَوَاتُ مصدر فَاتَ فَوْتًا وَفَوَاتًا: إذا سبق فلم يدرك، والمراد هنا فواتُ الحجِّ، فإن العمرة لا تفوتُ لإتساع وقتها، نَعَمْ: القارنُ قد تفوته العمرة تبعًا لفوات الحج.
مَنْ أُحْصِرَ، أي منعه من إتمام نُسُكِهِ عَدُوٌّ، تَحَلّلَ، لقوله تعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي﴾ 170 أي فإن أحصرتم وأردتم التحلل، لأن مجرد الإحصار لا يوجب الهدي، فإن الآية نزلت بالحديبية حين صَدَّ المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البيت، وكان قد أحرم بعمرة؛ فنحر ثم حلق ثم رجع وهو حلال 171، قال الماوردي: ولا يتحلل إذا علم أن العدو ينكشف في زمان يتسع للحج أو في زمن قريب إذا كان معتمرًا وهو ثلاثة أيام، وَقِيلَ: لا تَتَحَلَّلُ الشِرذِمَةُ، لأنه لم يَعُمَّ الكُلَّ فأشبه المرض وخطأ الطريق، وهذا قول كما بيّنه في الروضة تبعًا للرافعي لا وجه، ولا تَحَلُّلَ بِالمَرَضِ، أي بل يصبر حتى يبرأ، فإن كان محرمًا بعمرة أتمها أو بحج وفاته تحلل بعمل عمرة وذلك إجماع الصحابة كما قال الماوردى، ومال الشيخ عز الدين في قواعده إلى جواز التحلل به من غير اشتراط لما في البقاء على الإحرام من مشقة والعسر الدائم، فَإنْ شرَّطَهُ، أي مقارنًا لإحرامه، تَحَلَّلَ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لحديث ضُباعة في الصحيحين 172، والثاني: لا يجوز؛ لأنها عبادة لا يجوز الخروج

الجزء: 2 - الصفحة: 663

منها بغير عذر؛ فلا يجوز بالشرط كالصلاة المفروضة، ومن قال بهذا أجاب عن الحديث بأن المراد بالحبس الموت أو هو خاص بضباعة وكلاهما باطل، والصواب الجزم بالصحة لصحة الحديث ولا عبرة بمن طعن فيه.
فَرعٌ: غير المرض من الأعذار كضلال الطريق ونفاذ النفقة والخطأ في العدد ونحو ذلك كالمرض وعن الجويني أنه لغو.
فرعٌ: حيث صححنا الشرطَ، فإنْ كان الشرطُ التحَلُّلَ بالهدى لزمه؛ أو بلا هديٍ فلا؛ وكذا إن أطلق على الأصح.
فَرعٌ: لو شرط أن يقلب حَجهُ عمرَة عند المرض فهو أولى بالصحة من شرط التحلل ونصَّ عليه.
فَرعٌ: لو قال إذا مرضت فأنا حلال صار حلالًا بنفس المرض على الصحيح المنصوص، وقيل: لا بد من التحلل.
وَمَنْ تحللَ، أي أراد التحلل، ذَبَحَ شَاةً، للآية السالفة ويقوم مقامها بدنةٌ أو بقرة أو سُبْعُ أحَدِهِمَا، حَيْثُ أخصِرَ، أي سواء كان الحصر في الحل أو الحرم؛ لأنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام ذبح هو وأصحابه بالحديبية وهي من الحل.
فَرعٌ: ما لزمه من الدماء وساقه من الهدايا حُكْمُهُ حكمُ دم الإحصار.
قلت: إِنمَا يحصُل التحَللُ بِالذبح، لفوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (1195)، وَنيَّة التَّحَلُّلِ، لأن الذبح قد بكون للتحلل وقد يكون لغيره فلا بد من قصد صارف، وَكَذَا الْحَلْقُ إِن جَعَلناهُ نُسُكًا، لأنه ركن من أركان الحج قدر على الإتيان به فلا يسقط عنه.
= ومسلم في الصحيح: باب جواز اشتراط المحرم التحلل: الحديث (104/ 1207). (1195) البقرة / 196.

الجزء: 2 - الصفحة: 664

فَرعٌ: لا بد من مقارنة النية للذبح وكذا الحلق إن أوجبناه نقله في الكفاية عن الأصحاب.
فَرعٌ: لابد من تقديم الذبح على الحلق للآية، فَإن فقِدَ الدم، أي حسًا أو شرعًا، فَالأظْهرُ أن لَهُ بَدلًا، كغيره من الدماء الواجبة على المحرم، والثاني: لا، لعدم النص فيبقى في ذمته إلى أن يجده، وَأنهُ، أي البدل، طَعامٌ، لأنه أقرب إلى الجبران من الصيام لاشتراكهما في المالية، فكان الرجوع إليه عند الفقد أولى، بِقِيمَةِ الشاةِ، لأنا رَاعَيْنَا القرب كما تقدم، ولا شك أن الإطعام بقدر قيمة الهدي أقرب إليه من اعتبار ثلاثة آصع كما هو؛ وجه لنا، فاِن عَجَزَ صَامَ عَنْ كُل مُدٍّ يُوْمًا، قياسًا على الدم الواجب بترك المأمور، هذا كله تفريع على الأظهر: أن لدم الإحصار بدلًا، والقول الثاني: أن بدله الصوم كدم التمتع.
لأن التحلل والتمتع شُرِّعَا للتخفيف، وعلى هذا أقوال لا ترجيح فيها للرافعي ولا للمصنف، نعم صحيح الفارقي: أنه صوم التعديل عن كل مُدٍّ يومًا؛ لأنه أقرب إلى الهدي، وَلَهُ التْحَللُ فِي الحَالِ، أي قبل أن يصوم عند فقد الهدي بالنية، والحلق، فى الأظْهرِ، وَالله أَعلَمُ، لأن التحلل إنما شرع لدفع المشقة؛ فلو وقفناه على ذلك لحقته المشقة، والثاني: لا؛ بل يتوقف تحلله على فراغه منه؛ لأنه قام مقام الاطعام، ولو قدر على الإطعام لتوقف التحلل عليه فكذلك ما قام مقامه، وَإِذَا أَحرَمَ العَبد بِلا إِذْن؛ فَلِسَيِّدِهِ تَحلِيلُهُ، صيانة لحقه؛ فإن إحرامه انعقد كصلاته، أما إذا أحرم بإذنه فلا، وحكم المدبر والمعلق عتقه بصفةٍ وأُم الولدِ ومن بعضُه حرٌّ كالقن.
والمراد بتحليل السيد أن يأمره به، لا أنه يتعاطى الأسباب بنفسه، فإن امتَنَعَ ارتفعَ المانعُ بالنسبة إلى السيد حتى يجوز الوطئ والاستخدام، وقال الروياني: إذا قال: حللتك عن الإحرام تحلل، فإن أَلبَسَهُ مخيطًا أو ضَمَّخَهُ بطيبٍ فليس ذلك بتحليل؛ خلافًا لأبي حنيفة.
فَرعٌ: يتحلل بالحلق مع النية فقط.
وَللزوْج تحلِيلها مِنْ حَجِّ تَطَوُّعٍ لَمْ يَأذَن فِيهِ، لاستيفاء حقه كما له أن يخرجها

الجزء: 2 - الصفحة: 665

من صوم النفل أما إذا أحرمت بإذنه فلا، والعمرة في ذلك كالحج بلا شك، وَكَذَا مِنَ الْفرضِ فِي الأظْهرِ، بناء على أن له منعها من إنشائه؛ لأن حق الزوج على الفور، والحج على التراخى، والثانى: لا؛ قياسًا على فرض الصلاة والصوم.
فَرعٌ: معنى تحليلها أمرها به كما قلنا في العبد، وتحللها كتحلل المحصر بلا فرق، فلو لم تتحلل فللزوج أن يستمتع بها على الصواب والإثم عليها.
ولا قَضَاءَ عَلَى المُحصَرِ المُتَطَوِّع، لأنه لو وجبَ لَبُيِّنَ في القُرآنِ أو السُّنة، وسواء كان الحصر عامًا أو خاصًا، نعم: لو أفسد النُّسُكَ ثم أحصر فتحلل لزمه القضاء كما استثناه ابن الرفعة من كلام الشيخ ولا يحتاج إليه، فإن كان نُسُكُهُ فَرضًا مُسْتَقِرًّا، أي كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى من سني الإمكان، وكالنذر والقضاء، بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ، كما لو شرع في صلاة فلم يتمها تبقى في ذمته، وإذا أتى به بعد زوال الاحصار وقع أداء لا قضاء، صرح به ابن يونس في التنْويهِ على التنْبِيْهِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، أي كَحَجَّةِ الإسلامِ في السَّنَةِ الأولى من سِنيِّ الإمكانِ، اعْتُبِرَتِ الاِستطاعَةُ، أي، بَعدُ، أيْ بعد زوال الإحصار.
وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ تَحللَ بِطَوَافٍ وَسَعي، أي إن لم يكن سَعَى بعد طوافِ القُدُومِ، وَحَلْقٍ، لأن ذلك مروى عن جاعة من الصحابة ولا نعرف لهم مخالف، ولا يجب عليه المبيت بمنى ولا الرمى على الأصح، ولو أراد صاحب الفوات استدامة الإحرام إلى السَّنَةِ القَابِلَةِ، فليس له ذلك، كما قاله الماوردي وغيره، لئلا يصير محرمًا بالحج وغيره في غير أشهره، وعبارة الرافعى هنا تشعر يحواز ذلك حيث قال: وإذا حصل الفوات فله التحلل كما في الإحصار فإن سعى لم يفده كما نقله في شرح المهذب عن الأصحاب، وأما ابن الرفعة فجزم في الكفاية بإعادته، وَفِيهِمَا قَولٌ، يعني في السعى والحلق لأنه يحتاج إليهما، أما السعى فلأنه ليس من أسباب التحلل ولهذا يصح تقديمه على الوقوف ولو كان من أسبابه لما جاز تقديمه عليه، وأما الحلق فبناء على أنه استباحة محظور، وَعَلَيْهِ دَمٌ، لأمر عمر - رضي الله عنه - بذلك كما رواه مالك في

الجزء: 2 - الصفحة: 666

الموطأ 173، وَالْقَضَاءُ، لأمره به أيضًا، ولأنه لا يخلو عن تقصير بخلاف الإحصار، فإنه لا قضاء فيه كما سلف لعدم التقصير، وأطلق المصنف القضاء فَشَمَلَ الْفَرضَ وَالتطَوعَ، وليس في عبارة الرافعي في شرحه ومحرره ما يدل على أن الفرض يكون قضاء بل صرح ابن يونس في التنْوِيهِ على التنْبِيْهِ بأنه يكونُ أداءً.
فَرعٌ: إذا تحلَّلَ بأعمال العمرة لا ينقلب حَجُّهُ عُمرَةً على الصحيح ولا يجزيه عن عمرة الاسلام.
فَرعٌ: لا فرق في الفوات بين المعذور وغيره فيما ذكرناه، لكن يفترقان في الإثم وقد نجز شرح كتاب الحج ومتعلقاته وختمه بفروع منثورة.
فَرعٌ: لا يجزي الحج بمال حرام عند الإمام أحمد خلافًا للثلاثة.
فرعٌ: إذا فعل المحرم محظورَيْنِ أو أكثر هل يَتَدَاخَلُ؟ ولا شك أن المحظور قسمان: استهلاك كالحلق؛ واستمتاع كالطيب، فإن اختلف النوع كالحلق واللبس تعددت الفدية، وكذا إتلاف الصيود، وكذا إتلاف الصيد مع الحلق أو اللبس، لكن لو لبس ثوبًا مطيَّبًا لم تتعدد الفدية على الأصح، ولو حلق رأسه في مكانين أو في مكان في زمانين ففديتان، ولو حلق شعر بدنه ورأسه متواصلًا ففدية على الأصح كما تقدم في موضعه، ولو تطيب بأنواع من الطيب أو لبس أنواعًا كالقميص والعمامة والسراويل وألخُفَّ أو نوعًا واحدًا مرة بعد أخرى فإن كان ذلك في مكان واحد على التوالي فعليه فدية واحدة، فإن كان في مكانين أو مكان وَتَخللَ زَمَان فعليهِ فديتان، سواء تخلل بينهما تكفير عن الأول أم لا، وفي قول: إذا لم يَتَخللْ تكفير تَكْفِيْهِ فِديةٌ.
فرعٌ: يستحب لمن دخل مكة حاجًا أو معتمرًا أن يختم القرآن فيها قبل رُجُوعِهِ.
فرعٌ: المختار استحباب المجاورة بمكة إلّا أن يغلب على ظنه الوقوع في محذور

الجزء: 2 - الصفحة: 667

كخوف ملابسة ذنب؛ فإن الذنب فيها أقبح من الذنب في غيرها؛ أو خوف ملل أو قلة حرمة للأُنْسِ.
فرعٌ: المختار في سترة الكعبة أن الأمر فيها إلى رأي الإمام يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعًا أو عطاءً.
فرعٌ: ثَبَتَ عن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا فرغ (•) من الحج أو العمرةِ كبَّر على كل مكان مرتفع ثلاثًا ثم قال: [لا إِله إِلَّا الله وحدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيْر، آيِبُونَ تَائِبونَ عَابِدُونَ سَاجدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ الله وَعدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وهزَمَ الأحزَابَ وَحدَهُ] 174. ويكره الطروق على الأهل ليلًا، ولا يقدم بغتة 175 وإذا أشرف على بلده فالسُنة أن يقول: [آيِبونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ] 176 ويكررها حتى يدخل بلده؛ فإذا دخل بدأ بالمسحد فصلّى ركعتين فيه وكذا يصليهما إذا دخل بيته أيضًا إن لم يكن وقت كراهة 177، ويدعو عقبهما، ويستحب الطعام عند القدوم، فروى عن جابر أنه (•) في نسخة (2): (قفل)، وفي نسخة (3): (فضل).

الجزء: 2 - الصفحة: 668

عَلَيْهِ الصلاة وَالسَلامُ لما قدم المدينة [نَحَرَ جَزُورًا أوْ بَقَرَةً] 178، ويستحب إعتناق القادم وَمُصَافَحَتُهُ، وكَرِة مالك المعانقة وإذا سلم على القادم قال: قَبِلَ الله حَجَّكَ وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَأخْلَفَ نَفَقَتَكَ.
وفروع كتاب الحج كثيرة لا يسعنا إيراد المهم منها هنا؛ وفِى النفس إفراده بتصنيفٍ مُهِمٍّ جَامِع لأحكامهِ مُشتَمِلٍ عَلَى نَفَائِسَ لا توجدُ إلّا بعد الفحص الشديد يَسَّرَ الله ذلك وسَهَّلَهُ إنه بيده والقادر عليه.
(آخر الربع الأول) (•).
= الجهاد: الحديث (3087).

الجزء: 2 - الصفحة: 669

فصول الكتاب · 77 فصل
فصول عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج
المقدمةكِتَابُ الطَهَارَةِكِتَابُ الصَّلاَةِكِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكِتَابُ الاِعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكتاب البيعكِتَابُ السَّلَمِكِتَابُ الرَّهنِكتاب التفليسكِتَابُ الْصُّلْحِكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكِتَابُ الْوَكَالةِكتاب الإقراركِتَابُ الْعَارِيَّةِكِتَابُ الْغَصْبِكتاب الشفعةكِتَابُ الْقراضِكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الوقفكتاب الهبةكِتَابُ الْلُّقَطَةِكِتَابُ الْلَّقِيطِكتاب الجُعَالةِكتاب الفرائضكتاب الوصاياكِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قَسْم الفَيْءِ وَالغَنِيمَةِكِتَابُ قَسْمُ الْصَّدقَاتِكِتَابُ الْنِّكَاحِكتاب الصَّدَاقكِتَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزَكِتَابُ الْخُلْعِكتاب الطلاقكتاب الطلاقكتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الإِيْلاءِكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعانكِتابُ الْعَدَدِكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدم والقسامةكِتَابُ البُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ الزِّنَاكِتَابُ حَدَّ الْقَذْفِكِتَابُ قَطْعِ الْسَّرِقَةِكِتَابُ قَاطِعِ الْطَّرِيقِكتاب الأشربةكِتَابُ الصِّيَالِ وضَمَانِ الوُلاَةِكِتَابُ السِّيَّرِكِتَابُ الْجِزْيَةِكِتَابُ الْهُدْنَةِكِتَابُ الصَّيْدِ والذَّبَائِحِكِتَابُ الأضْحِيَّةِكِتَابُ الأَطْعِمَةِكِتَابُ الْمُسَابَقَةِ والْمُنَاضَلَةِكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب النذركِتَابُ الْقَضَاءِكِتَابُ الشَّهَادَاتِكتاب الدعوى والبيناتكتاب العتقكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الْكِتَابَةِكِتَابُ أمَّهَاتِ الأوْلاَدِ
جارٍ التحميل