كتاب البيع
لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْعِبَادَاتِ، لأنها أهمُّ؛ شَرَعَ فِي الْمُعَامَلاتِ، لأنها ضَرُورِية، وَأَخَّرَ عَنْها رُبْعَ النِّكَاح لأنَّ شَهْوَتَهُ مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الأكْلِ وَنحوه، وَأَخَّرَ عَنْهُ رُبْعَ الْجِنَايَاتِ وَالْمُخَاصَمَاتِ؛ لأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ غَالِبًا إِنمَا هُوَ بَعدَ الْفَرَاغ مِنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالفَرج.
والْبَيْعُ في اللغة: مُقَابَلَةُ شَيْءٍ بشَيْءٍ، وفي الشرع: مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ وَنحْوِهِ مِنَ الحُدُودِ؛ والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأحَل الله الْبَيْعَ﴾ 1 مع السُنة الشهيرة الآتية والإحماع.
الجزء: 2 - الصفحة: 670
شَرْطُهُ الإِيْجَابُ: كَبِعتُك وَملكتكَ، وَالقَبُولُ: كاشتَرَيتُ وَتَمَلكْتُ وَقَبِلْتُ، لقوله عَلَيْهِ الصلًاة والسلام: [إِنمَا الْبَيْعُ عَن تَرَاضٍ] صححهُ ابنُ حِبَّان 2، والرِّضى أمر خفي لا يطلع عليه، فأنيط الحكم بسبب ظاهر يدل عليه؛ وهو الصيغة فلا تكفي المعاطاة، والأقوى أنها تكفي في كل ما يعده الناس بيعًا، والمراد بالشرط: ما لا بد منه.
وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ فِيْمَا لَيْسَ بِضمنِيٍّ مِنَ الْبُيُوع، أما الضمنيُّ منها كما إذا قال أعتق عبدك عني على كذا، فيكفي فيه الالتماس.
والجواب كما ذكره في كفارة الظهار.
وَيَجُوزُ تَقَدُّمُ لَفْظِ الْمُشْتَرِي، أي في غير قَبِلْتُ، ونَعَم لحصول المقصود تقدَّم أو تأخَّر، أما قبلتُ؛ فلا 3. وبه صرح القفال في فتاويه والإمام أيضًا؛ ومثلها: نَعَم.
وَلَوْ قَالَ: بِعنِي؛ فَقَالَ: بِعتُكَ؛ انعَقَدَ فِي الأظْهرِ، أي وإن لم يقل ثانيًا ابتعتُ؛
الجزء: 2 - الصفحة: 671
لدلالته على الرضى، وَالثانِي: لا، لأنه قد يقول بعني لاستبانة الرغبة.
وينْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، أي مع النية، كَجَعَلتهُ لَكَ بِكَذَا فِي الأصحِّ، قياسًا على الكتابة والخلع، والثانى: لا، لأن المخاطب لا يدري بِمَ خوطب، وأطلق المصنف الخلاف، ومحله في بيع لم يُشترط فيه إشهاد، فإن شرط فيه فلا ينعقد بها قطعًا، لأن الشهود لا يطلعون على النيةِ، اللهُمَّ إلَّا إذا توفرت القرائن، فالظاهر كما قال الغزالي: انعقاده، قال الإمام: ومحل الخلاف السابق إذا عدمت القرائن، فإذا حصلت وأفادت التفاهم فيحب القطع بالصحة.
وُيشترَطُ أَن لا يَطُولَ الْفَصلُ بَيْنَ لَفظَيهِما، أي فإن طال وهو ما أشعر باعراضه عن القبول ضَرَّ، لأن الطول يخرج الثانى عن أن يكون جوابًا عن الأول، ولو عَبَّرَ بقوله بين الايجاب والقبول بدل بين لفطيهما لكان أولى؛ ليدخل الخط والإشارة من الأخرس، والمعاطاة إذا جَوَّزْنَاها، وقد عَبَّرَ بذلك في الروضة، قُلْتُ: ويشترط أيضًا أن لا يتخلل بينهما كلام أجنبى عن العقد، وأن لا يتغير الايجاب قبل القبول، ويشْتَرَطُ فِي الطَّلاقِ أَنْ يَقصدَ لَفْظَهُ أَوْ معنَاهُ؛ ولا بد من ذلك هنا أيضًا.
وَأن يَقْبَلَ عَلَى وَفْقِ الإِيجَابِ، فَلَوْ قَالَ: بعتُكَ بِألْفٍ مُكَسَّرةٍ، فَقَالَ: قَبِلْتُ بِألْفٍ صَحِيحَةٍ لَمْ يَصِحَّ، لأنه قَبِلَ غير ما أوجبه البائع، وكذا لا يصحُّ عكسهُ من طريق أَولى، ولو قال: بعتك هذا العبد بألف، وهذه الجارية بمئة فقبل أحدهما وعيَّنَهُ، ففيه احتمالان في فتاوى القفال، قُلْتُ: ولا يشترط الاتفاق في اللفظ، نعم يشترط أن يقع القبول ممن وقع معه الخطاب؛ وبقاء الأهلية إلى تمام الصيغة.
وِإشَارَةُ الأخْرَسِ بالعَقْدِ كَالنُّطْقِ، أي فيه للضرورة وكذا كتابته في الأصح، والحل لعقد كما ذكرهُ في الطلاق، وَشَرطُ الْعَاقِدِ الرُّشْدُ، أي فلا ينعقد بعبارة الصبي والمجنون وكذا السفيه، لما ستعرفه في بابه، نَعَم: يُرَد عليه ما إذا بذر بعد بلوغه رشيدًا فإنه لا يعود الحجر عليه إلّا بالحاكم، كما صححه في بابه، فهذا قبل الإعادة غير رشيد ويصحُّ بيعه.
قُلْتُ: وَعَدَمُ الإِكرَاهِ بِغَيرِ حَق، للحديث
الجزء: 2 - الصفحة: 672
السالف 4، أما إذا أُكْرِة بحق، كما إذا كان عليه دين، وامتنع من أدائه، فإن الحاكم يجبره على البيع ويصح، فإن امتنع تولاه الحاكم، ويستثنى من كلام المصنف ما إذا أكره المالك رجلًا على بيع مال نفسه فباع، فإنه يصح كما قاله الفاضى.
ولا يَصحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ الْمُصحَفَ وَالْمُسلِمَ فِي الأظْهرِ، لما فيه من العار، والثانى: يصح كالأرث، وأصح الطريقين في المصحف طريقةُ القَطْع بِالمَنع كما رجحه في الروضة تبعًا للرافعي؛ لأن المصحف أكثر حرمة، قُلْتُ: ولا يصح شراؤه للمرتد أيضًا على الأصح لبقاء علقة الإسلام.
فرع: كتب الفقه التي فيها آثار السلف كالمصحف خلافًا للماوردي.
إِلَّا أَن يعتِقَ عَلَيْهِ، أي كأبيه وابنه، فَيَصحُّ، أي الشراء، فِي الأصَح، لانتفاء الإذلال لعدم استقرار الملك، والثانى: لا يصح، لما فيه من ثبوت الملك على المسلم، ولا الْحَربِيُّ سلاحًا، وَالله أَعلَمُ، لأن الحربىَّ مستعد لقتالنا فيكون تسليمه إليه معصيةً وحينئذ فيكون معجوزًا عن تسليمه شرعًا فلا يصح، وخرج بالسلاح الحديدُ؛ لأنه لا يتعين للقتال؛ وبالحربى الذميُّ؛ لأنه في قبضتنا.
فَصلٌ: وَللْمَبِيع شرُوط، أي خمسة كما سيأتي، وقد يستغنى بالملك عن الطهارة فإن النجس لا يثبت فيه ملك بل اختصاص، والقدرة على التسليم والعلم به شرط في العاقد؛ وكذا كون الملك لمن له العقد فيبقى الملك والمنفعة.
أَحَدها: طَهارَةُ عَيْنهِ، أي أو يَطْهرُ بالغسل، لأن النجس محرم الأكل اتفاقًا وَمَا
الجزء: 2 - الصفحة: 673
حُرِّمَ أَكْلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ، فلا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالْخَمرِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم -[نَهى عَنْ ثَمَنِ الأوَّلِ وَحَرَّمَ بَيْعَ الثانِي] متفق على صحته 5، وَالْمُتَنجسِ الذِي لا يُمكِنُ تَطهِيرُهُ كَالْخَلِّ وَاللبَنِ، بالإجماع؛ أما ما يمكن كالثوب فيصح إلّا أن تستره النجاسة، وَكَذَا الدُّهْنِ فِي الأصَحِّ، لما تقدم في آخر النجاسات 6، وهذا معطوف على الْخَل واللبَنِ مما لا يمكن تطهيرُهُ لا على المتنجس، واقتضى كلامه جواز بيع الدهن إذا فرعنا على إمكان تطهيره، وهو وجه.
والأصح المنع، ويشكل عليه القطع بصحة بيع الثوب المتنجس.
فَرْعٌ: باع لحمًا على أنه لحم ميتة فبان لم مذكاة 7، ففيه احتمالات لوالد
الجزء: 2 - الصفحة: 674
الإمام الرويانى وكان مأخذهما أن العبرة بما ظنه أو بما في نفس الأمر، والظاهر: الصحة؛ كبيع مال أبيه على ظن حياته؛ فبان موته.
الثانِي: النفْعُ، لأن بذل المال فيما لا منفعة فيه سفه 8، فلا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ، لعدم النفع، ويستثنى من ذلك العلق لمنفعة امتصاص الدم، وَكُلِّ سَبُعٍ لا يَنْفَعُ، أي لا يؤكل ولا يصطاد ولا يقاتل عليه كالأسد ونحوه، ولا حَبَّتَي الحِنْطَةِ، لسقوط منفعتهما لقلتهما، وَنَحوها.
آلَةَ اللهْوِ، أي المحرم كالطنبور وغيره لسقوط منفعتها شرعًا، وَقِيلَ: يَصِح فِي الآلَةِ إِن عُدَّ رُضَاضُها مَالًا، أي مكسرها مالًا؛ لأن فيها نفعًا متوقعًا فأشبه الجحش الصغير، أما مَا لا يُعَدُّ رضَاضُهُ مالًا كالمزمار الصغير من القصب فلا يصح على وجه شاذ، وَيصِحُّ بَيْعُ المَاءِ عَلَى الشَّطِّ، وَالتُّرَابِ بِالصحرَاءِ فِي الأصَحِّ، لوجود النفعة فيهما، وكثرتهما لا يخرجهما عن كونهما مالًا، والثاني: لا يصح، لأنَّ بَذْلَ المالِ فيهما مع وجود مثلهما بلا تعبٍ سفةٌ، ولا يبعد تخصيص هذا الوجه بما إذا لم يكن في المبيع صفة زائدة كبرد الماء؛ وصفوه؛ وكربلة التراب؛ ونحت الصخرة؛ ونظير هذا الخلاف بيع نصف دار شائع بنصفها الآخر والأصح الصحة أيضًا، ولهذا العقد فوائد: منها عدم رجوع الوالد فيما وهب لولده وعدم رجوع البائع إلى عين ماله.
الثالِثُ: إِمكَان تَسْلِيمِهِ، أي حسًا وشرعًا ليوثق بالمقصود منه ولو عَبَّرَ بالتسلُّم بضم اللام كان أقرب، لأن التسليم فعل البائع، وستعرف في بيع المغصوب أن قدرة البائع ليست شرطًا، فلا يَصِح بَيْعُ الضَّالِّ وَالآبِقِ، أي وإن عرف موضعهما، لأنه غير مقدور على تسليمهما في الحال، وَالْمَغْصُوبِ، لما قلناه، فَإِن بَاعَهُ لِقَادِرٍ عَلَى = بيع الخمر والميتة: الحديث (71/ 1581).
الجزء: 2 - الصفحة: 675
انْتِزَاعِهِ، أي والمالك عاجز؛ صَح عَلَى الصحِيح، لأن المقصود وصوله إليه وهو متيسر، ونقله القفال في فتاويه عن النص، ولو كانت القدرة تحتاج إلى مؤنة فلا يبعد البطلان، قال القفال في فتاويه: ولو قال كنتُ أظن القدرةَ وأنا الآن لا أقدر فيحلفُ، ولا بيع بخلاف ما إذا قال حدث بيني وبينه عداوة ولا أقدر فها هنا يحلف ويفسخ البيع.
والوجه الثانى: لا يصح؛ للعجز عن التسليم.
فإن كان المالك قادرًا على انتزاعه صحَّ قطعًا إلا أن يكون فيه كلفة فينبغى البطلان، ولو باع المغصوب من الغاصب صحَّ قطعًا، ولو باع الآبق ممن يسهل عليه رده ففيه الوجهان في المغصوب.
ولا يَصِحُّ بَيعُ نصفٍ، أي وكذا رُبُع وغيرِهِ، مُعَيَّنٍ مِنَ الإنَاءِ وَالسيف وَنَحوِهِمَا، أي مما ينقص قيمته بقطعه أو كسره كالنصل والثوب النفيس، لأن الشرع منع من إضاعة المال وجواز البيع يفضي إليه.
ويصِحُّ فِي الثوْبِ الذِي لا يَنْقُصُ بِقَطْعِهِ، أي كغليظ الكرباس، فِي الأصَحِّ، لزوال المحذور، والثانى: لا يصح؛ لأن القطع لا يخلو عن تغيير لعين المبيع، ولا الْمَرهُونِ بِغَيْرِ إِذْنِ مرتَهنِهِ، لأنه عاجز عن تسليمه شرعًا لما فيه من تفويت حق المرتهن، ويلحق بالمرهون كل عين استحق حبسها كالقصار ونحو، ولا الْجانِي الْمُتَعَلقِ بِرَقَبَتِهِ مال، أي لكون الجناية خطأ أو شبه عمد أو عمد أو عفى مستحق القصاص على مال، فِي الأظْهرِ، قياسًا على المرهون وأولى؛ لأن حق الجناية يقَدم على حق المرتهن، والثانى: يصح، لأن السيد لم يحجر على نفسه بخلاف الراهن، والثالث: أنه موقوف إن فدى نفد، وإلا فلا.
وهذا كله إذا باعه قبل اختيار الفداء وكان موسرًا، فإن كان معسرًا بطل على المذهب، وإن كان بعد اختيار الفداء صح وفيه نظرٌ، ولا يضُرُّ تَعَلقُهُ بِذِمتِهِ، أي كما إذا اشترى شيئًا بغير إذن سيده وأتلفه؛ لأن البيع إنما يُرَدُّ على الرقبة ولا تعلق لرب الدين بها، قُلْتُ: ولا يضر أيضًا التعلق بكسبه كما إذا زوجه، وَكَذَا تَعَلُّقُ الْقصاصِ، أي برقبته، فِي الأظْهرِ، لأنه يرجى سلامته ويخاف تلفه بالقصاص فيصح بيعه قياسًا على المريض، ومنهم من قطع بهذا
الجزء: 2 - الصفحة: 676
وصححه في الروضة تبعًا للرافعي، والثاني: لا يصح، لأن المستحق يجوز له أن يعفو على مال.
وقد تقدم أن تَعَلُّقَ المالِ مانعٌ.
الرَّابِعُ: الْمِلْكُ لِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لا بَيْعَ إِلَّا فِيْمَا تملُكُ] رواه أبو داود 9، ولا بد من زيادة قيد التمام ليخرج ببيع المبيع قبل قبضه؛ فإنه لا يصح كما سيأتى مع وجود الملك.
ولو عَبَّرَ بقوله: أن يكون للعاقد عليه ولاية لكان أولى لئلا يدخلَ الفضوليُّ ومراده إخراجه، فَبيع الْفُضُولِيِّ بَاطِلٌ، لما سلف، وَفِي الْقَدِيمِ، أي والجديد أيضًا، مُوقُوفٌ، أي المُلك، إِن أجَازَ مَالِكُهُ نَفَذَ، وَإلَّا فلا، لحديث عروة البارقى في ذلك في صحيح البخاري 10، ولو عبَّرَ بقوله: فَعَقْدُ الْفُضُولِيِّ كان أَولى؛ فإن الخلاف جارٍ في كل عقد يقبل الاستنابة كما لو زوَّج أمَةَ غيره أو ابنَتَهُ، وَلَوْ بَاعَ مَالَ مُوَرّثهٍ، يعني ظاهرًا، ظَانًا حَيَاتَهُ وَكَان مَيِّتًا صَحَّ فِي الأظْهرِ، لصدوره من مالكه، والثانى: لا، لأنه كالعابث.
الْخَامِسُ: الْعِلْمُ بِهِ، أي عينًا وقدرًا وصفة للنهي عن بيع الغَرَرِ رواه مسلم 11، ويستثنى بيع الصاع من الصَّبْرَةِ المجهولة فإنه مبهم كما سيأتى؛ واختلاط حمام البرجين كما ذكره في باب الصيد، فَبَيْع أحَدِ الثوبينِ بَاطِل، لما فيه من الغَرَرِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 677
ويصِحُّ بَيْعُ صَاعٍ مِنْ صبْرَةٍ، أي وهى الكومة من الطعام، تُعلَمُ صِيعَانُها، لعدم الغرر والأصح أنه ينزل على الإشاعة، وَكَذَا إن جُهِلَتْ فِي الأصح، لتساوي أجزائها فتغتفر جهالة العين هنا، والثانى: لا يصح كذراع من أرض مجهولة الذِّرعَانِ وهو القياس كما لو فرقها وباع واحدًا منها، قال القفال في فتاويه ومنها نَقَلتُ: نَص الشافعيُّ على الجواز؛ وعندي لا يجوز.
فقيل له: كيف تفتي في هذه المسألة؟ فقال: على مذهب الشافعي، فإن من سألني إنما يسأل عن مذهب الشافعي لا عن مذهبي.
وَلَوْ بَاعَ بِمِلْءِ ذَا الْبَيْتِ حِنْطَةً، أو بِزِنَةِ هذِهِ الحَصَاةِ ذَهبًا، أوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلان فَرَسه، أي ولم يعلم أحدهما قبل العقد المقدار، أَوْ بِألْفٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانيرَ لَمْ يَصِح، البيع للجهل بأصل المقدار، والشرط في الثالثة أن يقول بِمِثْلِ ما باع أو بقصد المثلية، وإلا ففيه الخلاف فيما إذا قال: أوصيت له بنصيب ابنى؛ والأصح فيه الصحة.
وَلَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ، وفِي الْبَلَدِ نَقد غَالِبٌ تعَيَّنَ، لأن الظاهر إرادتهما له، أَوْ نَقْدَانِ، أي وتفاوتت قيمتهما، لَمْ يَغْلِب أَحَدُهُمَا؛ اشتُرِطَ التعِينُ، أي باللفظ، لأنه ليس بعضها أولى من بعض.
ويصِح بَيْعُ الصُّبْرَةِ الْمَجهُولَةِ الصيعانِ كُل صَاع بِدِرهمٍ، لأن الصبرة مشاهدة وهى كافية للصحة ولا يضر الجهل بمبلغ الثمن؛ لأن تفصيلَهُ مَعلُومٌ وَالغَرَرُ يَرتَفِعُ بِهِ، وَلَوْ بَاعَها بِمَائَةِ دِرهمٍ كُل صَاع بِدرهمٍ صَحَّ إِن خَرَجَتْ مَائَةً، لحصول الفرضين وهما بيع الجملة بالجملة ومقابلة كل واحد بواحد، وِإلَّا، أي ولم يخرج مائة، فلا عَلَى الصحِيح، لتعذر الجمع بين الأمرين المذكورين، والثاني: يصح تغليبًا للإشارة إلى الصبرَةِ فإن خرجت ناقصة خُيِّرَ أو زائدة فالزيادة للمشتري على الأصح، وقوله على الصحيح صوابه على الأظهر كما عبر به في الروضة.
وَمَتَى كان الْعِوَضُ مُعَينًا كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ، أي ولا يشترط معرفة قدره بالكيل والوزن اعتمادًا على التخمين، وَالأظْهرُ أَنهُ لا يَصح بَيْع الْغَائِبِ، لأنه غَررٌ وقد نُهى عنه كما تقدم، والثاني: يَصِحُّ، وَيَثبُتُ الخيارُ عِندَ الرُّؤيةِ، لحديث [مَنِ
الجزء: 2 - الصفحة: 678
اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا رَآهُ] لكنه حديث باطل كما قاله الدارقطني 12، نعم هذا القول قال به جمهور أصحابنا كما قال الماوردي، وعلى هذا لا بد من ذكر جنس المبيع ونوعه على الأصح، والأصح طرد الخلاف فيما لم يره المتعاقدان أو أحدهما بلا فرق.
فرعٌ: الخلاف جارٍ في الوقف؛ لكن صحح ابن الصلاح في فتاويه الصحة والمصنف في الروضة من زوائده، وجزم القفال في فتاويه بالمنع، فقال: إذا اشترى عبدًا أو دارًا فعتق العبد ووقف الدار لا يصح لأنه لو صحَّ لأدى إلى انبرام العقد ولا ينبرم قبل الرؤية.
وَتَكْفِي الرُّؤيةُ قَبْلَ الْعَقْدِ فِيمَا لا يَتَغيرُ غَالِبًا إِلَى وَقْتِ الْعَقْدِ، أي كالأرض والأواني ونحوهما، إذا كان حال البيع ذاكرًا للأوصاف، كان منعنا بيع الغائب لحصول العلم الذي هو المقصود والغالب بقاؤه على ما شاهدَهُ عليه، دُون مَا يَتَغيرُ غَالِبًا، أي كالأطعمة؛ لأن الرؤية السابقة لم تفد معرفته حال العقد، ولو مضت مدةٌ يحتمل فيها التغيير وعدمُهُ كالحيوانِ فالأصح الصحة، لأن الظاهر بقاؤهُ بحاله.
وَتَكْفِي رُؤيةُ بَعضِ الْمَبِيع إِن دَل عَلَى بَاقِيهِ كظَاهِرِ الصُّبْرَةِ، لأن الغالب أجزاؤها لا تختلف وتعرف جملتها برؤية ظاهرها، واحترز بقوله: (إِنْ دَل عَلَى بَاقِيْه) عن صبرة البطيخ والباذنجان ونحوهما مما يختلف؛ فإنه لا بد من رؤية كل واحد منها حتى لا تكفي رؤية أحد جانبي البطيخة، وَأنْمُوذَج الْمُتَمَاثِلِ، أي وهو عين القمح مثلًا كرؤية بعض الصبرة بشرط إدخاله في المبيع بعد إلقائه في الصُّبْرَةِ؛ وإلا فلا يصح، لأن المبيع غير مرئي، والمراد بالمتماثل المتساوي الأجزاء لا المثلى، أَوْ كَان صِوَانًا لِلْبَاقِي خِلْقَة كَقِشْرِ الرُّمانِ وَالْبَيْضِ، وَالْقشرَةِ السُّفْلَى لِلْجَوْزِ وَاللوْزِ، لأن
الجزء: 2 - الصفحة: 679
بقاءَه فيه من صلاحه وكذا بيع الخشكنان، واحترز بالخلقي عن جلد الكتاب فإنه لا تكفى رؤيته بل لا بد من تقليب كل ورقة، واحترز بِالْقِشْرَةِ السُّفْلَى عن العُليا؛ فإنه لا يصح البيع قبل إزالتها.
وَتعتَبَرُ رُؤيةُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، لاختلاف الغرض بذلك وقد أوضحت ذلك في الأصل، وَالأصَح أَنَّ وَصفَهُ بِصِفَةِ السلَمِ لا يَكْفِي، أي عن الرؤية وكذا سماع وصفة بطريق التواتر، لأن الرؤيةَ تُفِيْدُ أُمُورًا تَقْصُرُ عنها العبارة؛ فليس الخبر كالعيان، والثانى: تكفى؛ لأن ثمرة الرؤية المعرفة وهما يفيدانها.
ويصِحُّ سَلَمُ الأعمَى، أي سواء أسلم في شيء أو أُسلم إليه فيه، لأن السلم يعتمد الوصف لا الرؤية ثم يوكّل من يقبض عنه على الوصف المشروط، ولا يصح قبضه بنفسه على الأصح، لأنه لا يميز بين المستحق وغيره، وَقِيلَ: إِن عَمِيَ قَبْلَ تميِيزِهِ أي أو خُلق أعمى، فلا، لأنه لا يعرف الألوان ولا يُمَيِّزُ بينها، والأصح الصحة؛ لأنه يعرف الصفات والألوان بالسماع ويتخيل فرقًا بينها، ومحل هذا الخلاف ما إذا كان رأس المال موصوفًا في الذمة؛ فإن كان معينًا فهو كبيع الغائب.
فَرعٌ: لو كان الأعمى رأى شيئًا مما لا يتغير صحَّ بيعه وشراؤه؛ إذا صححنا ذلك من البصير وهو المذهب ذكره في الروضة.
ورأيتُ في كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف: أنَّ عقودَ الأعمَى غيرُ حائزةٍ إلا عندَ وجودِ سبعَ خِصَالٍ: الْكِتَابَةِ؛ وَالسَّلَمِ، وَإِذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ أوْ بَاعَ مَا شَاهدَهُ قَبْلَ الْعَمَى؛ أو زوَّج ابنتهُ أو أختهُ وكان شاهِدَهما قبلَ العمَى، وكذا إذا أجَّرَهُما وقد شاهدَهُما في صحتهِ.
وهذه درر مستَخرجة من البحر نختم بها الباب.
لو قال: بعتك هذا العبد الكبير، وكان صغيرًا صحَّ، ولو قال الوكيل عند البيع: بعتك عبدي هذا هل يجوز؟ وجهان.
ولو باع ثوبًا على أنه من قطن؛ فإذا هو من كتان؛ فإن لم يعلما لم يجز؛ وإن علما احتمل وجهان.
الجزء: 2 - الصفحة: 680
بَابُ الْرِّبَا
الربا: أصله من رَبَا الشيء إذا زادَ، وفي الشرع زيادة مخصوصَة، والأصل في تحريمه قبل الإجماع قوله تعالى ﴿وَحَرَّمَ الربوْا﴾ 13 ولعن رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - آكِلَهُ وَكَاتِبَهُ ومُؤكِلَهُ وَشَاهِدَهُ 14 وفي صحيح الحاكم من حديث مسروق عن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [الربا ثَلاثة وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُها مِثْلَ أنْ يَنْكِحَ الرجلُ أمَّهُ وَإِنَّ أَربى الربا عَرضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ] وقال: صحيح على شرط الشيخين 15. إِذَا بِيْعَ الطعَامُ بِالطعَامِ إِن كَانَا جِنْسًا اشْتُرِطَ الْحُلُولُ وَالْمُمَاثَلَةُ وَالتقَابُضُ قَبْلَ التفَرُّقِ، أَوْ جنْسَيْنِ كحِنْطَةٍ وَشعيِرٍ جَازَ التفَاضُلُ، وَاشْتُرِطَ الحُلُولُ وَالتقَابُضُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [الذهبُ بِالذهبِ؛ وَالفِضَّةُ بِالْفِضةِ؛ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ؛ وَالشعِيْرُ بِالشَعِيْرِ؛ وَالتمرُ بِالتمرِ؛ وَالْمِلْحُ بِالمِلْح؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاء بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَد؛ فإذَا اختلَفَتْ هذِهِ الأجْنَاسُ فَبِيْعُوأ كَيْفَ شِئتم إِذَا كَانَ يَدًا بِيدٍ]، رواه مسلم 16، وقوله:
الجزء: 2 - الصفحة: 681
يدًا بيد أي مقابضةً، ويلزم من ذلك الحلول، فلو باع الطعام بغيره لم يشترط شئ من الأمور الثلاثة السابقة.
وَالطعَامُ مَا قُصِدَ لِلطُّعمِ، أي طعم الآدميين غالبًا، اقْتِيَاتًا أَوْ تَفَكهًا أَوْ تَدَاوِيًا، لأنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام في الحديث المذكور نص عليه في البُرِّ وَالشَّعِيْرِ، والمقصود منهما القوت، فألحق بهما ما في معناهما كالأرز والذرة.
وعلى التمر والمقصود منه التأدم والتفكه فألحق به ما في معناه كالزبيب والفواكه، وعلى الملح والمقصود منه الإصلاح فألحق به الزعفران والسقمونيا ونحوهما، وخرج بقوله قُصِدَ الجلدُ، ويرد على الضابط المذكور الماء العذب فإنه ربوي وهو مطعوم بنص القرآن وزاد في كتاب الإيمان في الحدِّ الحلواء.
وَأَدِقةُ الأصُولِ الْمُخْتَلِفَةِ الْجِنْسِ، وَخُلُولُها وَأَدهانُها أَجْنَاسٌ، لأنها فروع لأصول مختلفة ربوية، فأجري عليها حكم أصولها، فعلى هذا يباع دقيق الحنطة بدقيق الشعير متفاضلًا، واحترز بالمختلفة عن المتحدة كأدقة أنواع القمح فإنها جنس قطعًا، وَاللُّحُومُ وَالألْبَان، كَذَلِكَ فِي الأَظْهرِ، لأنها فروع؛ لأصول مختلفة فأشبهت الأدقة، والثانى: أنها جنس لاشتراكهما في الإسم الذي لا يقع بعده التمييز إلا بالإضافة فأشبهت أنواع الرطب والعنب، وَالْمُمَاثَلَةُ تُعتَبَرُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا، وَالْمَوْزُونِ وَزْنًا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[لا تَبيْعُوا الذهبَ بِالذهبِ؛ ولا الْوَرِقَ بِالْوَرِق، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ] متفق عليه 17.
فَرعٌ: لو باع صاع صبرةٍ بصاع صبرة مكايلة وتقايضًا جزافًا وتفرقًا من غير كيل، فالأصح الصحة؛ ومثله ما إذا باع دراهم بدراهم موازنةً وتقايضًا جزافًا وتفرقًا من غير وزن.
الحديث (80/ 1587) عن عبادة بن الصامت.
الجزء: 2 - الصفحة: 682
وَالْمُعتَبَر غَالِبُ عَادَةِ أهْلِ الْحِجَازِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله صَلى الله عَلَيْهِ وَسلمَ، أي في كون الشئ مكيلًا أو موزونًا لأن الظاهر أنه عَلَيْهِ الصلاة وَالسَّلاَمُ اطَّلَعَ عَلَيْها وَأَقَرَّها، فَلَوْ أحدَثَ الناسُ خِلافَ ذَلِكَ فلا اعتِبَارَ بِإِحدَاثِهِم، وَمَا جُهِلَ، أي هل كان يكال في عهده أو يوزن وكذا إذا علم أنه كان يكال مرةً ويوزن أخرى ولا غالب، يُرَاعَى فِيهِ عَادَةُ بَلَدِ الْبَيْع، لأن الشئ إذا لم يُحَد في الشرع كان الرجوع فيه إلى عادة الناس كما في القبض والحرز، وَقِيلَ: الْكَيْلُ، لأنه أعم؛ فإن أكثر ما ورد فيه النص مكيل 18، وَقِيلَ: الْوَزْن، لأنه أحصر وأقل تفاوتًا، وَقِيلَ: يَتَخَيرُ، للتساوي، وَقِيلَ: إِن كَان لَهُ أصل، أي معلوم المعيار، اعتُبِرَ، أي به مراعاة لأصله وهذا كله إذا لم يكن أكبر جرمًا من التمر، فإن كان كالجوز فالاعتبار فيه بالوزن، لأنه لم يعهد الكيل بالحجاز فيما هو أكبر من التمر قاله المتولي، وجزم به الرافعي في آخر الباب.
وَالنقْدُ بِالنقْدِ كَطَعَامٍ بِطَعَامٍ، أي في اشتراط الأمور الثلاثة السالفة عند اتحاد الجنس، والآخرين عند عدمه؛ بأن يبيع الذهب بالفضة لحديث عبادة السالف والتبر والسبائك والحلي كالنقد.
وَلَوْ بَاعَ جِزَافًا تَخْمِينًا لَمْ يَصِح وَإِن خَرَجَا سَوَاءً، أي نقدًا كان أو مطعومًا؛ لأن التساوي شرط والجهل به عند العقد مُضِرٌّ، وهذا معنى قول الأصحاب: الْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ كَحَقِيْقَةِ الْمُفَاضَلَةِ، وَتُعتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ وَقْتَ الْجَفَافِ، أي في الثمار والحبوب، وَقَد يُعتَبَرُ الْكمَالُ أَولًا، أي كما في العرايا، فإن اعتبار الجفاف في المماثلة لم يوجد آخرًا؛ بل أولًا.
فلا يُبَاعُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ، للنهي عنه 19، ولا بِتمرٍ، ولا رطب بتمر لتعيُّنِ
الجزء: 2 - الصفحة: 683
التفاوت عند الجفاف ويستثنى العرايا كما سيأتى، ولا عِنَبٌ بِعنبٍ ولا بِزَبِيبٍ، لذلك أيضًا، وَمَالا جَفَافَ لَهُ كَالقثاءِ وَالْعِنَبِ الذِي لا يَتَزَببُ لا يُبَاعُ أَصلًا، أي بعضه ببعض قياسًا على الرطب بالرطب، وَفِي قَوْلٍ: تَكْفِي مُمَاثَلَتُهُ رَطْبًا، لأن معظم منافعه في رطوبته فكان كاللبن.
فَرعٌ: الزيتون يجوز بيعه بمثله كما نقله الإمام وهو وارد على المصنف فإنه لا يَجفف.
ولا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَالْخُبْزِ، لخروجهما عن حالة الكمال وعدم العلم بالمماثلة لو كان العوضان على حالة الكمال، بَلْ تُعتَبَرُ المُمَاثَلَةُ فِي الْحُبُوبِ حَبًا، أيِ بعد تناهي جفافه وتنقيته، وَفِي حُبُوبِ الدُّهْنِ كَالسِّمسِمِ حَبًّا أَوْ دُهْنًا، لأنهما غايتة، وَفِي العِنَبِ زَبِيبًا أَوْ خَلَّ عِنَبٍ، لأنهما غايتهُ أيضًا، وَكَذَا الْعَصيِرُ فِي الأصَحِّ، لأنه متهئ لأكثر الانتفاعات، فيجوز بيع العصير بمثله وعصير الرطب بمثله، والثانى: لا، لأنه ليس على حالة كمال المنفعة، وَفِي اللبَنِ لَبَنًا أَوْ سَمْنًا أَوْ مَخِيضًا صَافِيًا، أي خالصًا عن الماء.
لأن كلًا منهما مقصودٌ، ولا يَكْفِي التمَاثُلُ فِي سَائِرِ، أي باقي، أَحوَالِهِ كَالْجُبنِ وَالأقِطِ، أي وكذا المصل لتأثرها بالنار ولا تخلو عن مخالطة شيء.
ولا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ مَا أثرَتْ فِيهِ النارُ بِالطبْخ أَوِ الْقَلْي أَوِ الشيِّ، لأن تأثير النار لا غاية له فيؤدي إلى الجهل بالمماثلة، ولا يَضر تأثيرُ تَميِيز كَالعَسَلِ، أي وهو عسل النحل، وَالسمنِ، لأن تأثير نار التمييز لطيفة لا تؤثر في العقد، والمقصود منها في عسل النحل تمييز الشمع، وفي السمن تمييز اللبن.
وَاِذَا جَمَعَتِ الصفْقَةُ، أىِ العقد، رِبَوِيًّا، أي جنسًا واحدًا، مِنَ الجانِبَيْنِ، أو من أوِ التمرِ بِالرطَبِ، فَقَالَ: [هلْ يَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ ] قَالُوا: نَعَم؛ فَنَهى عَنْهُ).
رواه الإمام مالك في الموطأ: كتاب البيوع: باب ما يكره من بيع التمر: الحديث (22) من الباب: ج 2 ص 624. وإسناده صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 684
أحدهما، وَاختلَفَ الْجنْسُ؛ أي جنس المبيع، منهمَا، أي من الجانبين سواء كان ربويًا أو لم يكن، كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرهمٍ بِمُدٍّ وَدِرهمٍ، وَكَمُدٍّ وَدِرهمٍ بِمُديْنِ أَوْ دِرهمَيْنِ، أَوِ النوْع، أي أو اختلف النوع، كَصِحَاح وَمُكسَّرَةِ بِهِمَا، أي بالصحاح والمكسرة، أَوْ بَأحَدِهِمَا، أي بالصحاح فقط أو بالمكسرة فقط، فَبَاطِلَةٌ، لأن العقد إذا اشتمل أحد طرفيه على مالين مختلفين وُزِّع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة، كمن باع شقصًا وسيفًا فيؤدي هنا إلى التفاضل أو الجهل بالتماثل، واحترز بقوله (أَجْمَعَتِ) عما إذا تعددت بتفصيل الثمن، فإنه يصح كيفما وزَّع، لأن كلًا من الصفقتين لم يوجد فيها الجمع المشار إليه، بخلاف ما إذا تعددت بتعدد البائع والمشتري، فإن كل صفقة وجد فيها ذلك فيرد عليه، ويستثنى من هذه القاعدة فروع ذكرتها في الأصل فراجعها منه.
ويحرُمُ بَيعُ اللْحمِ بِالْحَيْوَانِ مِنْ جِنْسِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسلامُ: [نَهى عَنْ بَيْع اللحمِ بِالْحَيوَانِ] رواه الشافعى مرسلًا وقد أسند بضعفٍ 20، وَكَدَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ مَأكُولٍ وَغَيْرِهِ فِي الأظْهرِ، لعموم الحديث المذكور، والثانى: لا؛ أمَّا في المأكول فبالقياس على بيع اللحم باللحم، وأما في غيره؛ فلأن سبب المنع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه ولم يوجد ذلك هنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 685
بابُ الْبُيُوع الْمَنْهِيِّ عَنْها
بَاب: أي هذا
باب البيوع المنهي عنها
.
نَهى رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيْهِ وَسلمَ عَنْ عَسْبِ الْفَحلِ، هذا النهي متفق عليه 21، وَهُوَ ضِرَابُهُ، أي طروق الفعل للإنثى، وَيُقَالُ: مَاؤهُ، ويقَالُ: أجرَةُ ضِرَابِهِ، فَيَحرُمُ ثَمَنُ مَائِهِ، لأنه غير متقوم 22، وَكَذَا أُجْرَتُهُ فِي الأصَحِّ، لأن فعل الضراب غير مقدور عليه للمالك بل يتعلق باختيار الفعل، والثاني: يجوز؛ كالاستئجار لتلقيح النخل.
وَعَنْ حَبَلِ الحَبَلَةِ، هذا النهي متفق عليه أيضًا 23؛ وَهُوَ نَتَاجُ النتاج؛ بِأَن يَبِيعَ نَتَاجَ النتَاج؛ أَوْ بِثَمَنٍ إِلَى نَتَاجَ النتَاج، أي والأولُ: تفسير أهل اللغة، والثاني: تفسيرُ راوي الحديث، وعلى التفسيرين وجه البطلان لائح، أما الأول: فلانتفاء
الجزء: 2 - الصفحة: 686
الْمِلك وغيره من شروط البيع، وأما الثانى: فلجهالة الأجل.
وَعَنِ الْمَلاقِيح؛ وَهِيَ مَا فِي الْبُطُونِ، أي بطون الإبل خاصة، وَالْمَضامِينِ؛ وَهِيَ مَا فِي أصلابِ الْفُحُولِ، ووقع في كتاب الخصال لأبى بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أن المضامين ما في بطون الإناث؛ والملاقيح ما في ظهور الإبل الذكران، عكس ما ذكره المصنف، وهذا النهي رواه مالك مرسلًا وأسنده غيره 24 ووجه بطلانهما انتفاء الشروط.
وَالْمُلامَسَةِ، وهذا النهي متفق عليه، بِأَن يَلْمَسَ ثَوْبًا مَطْوِيًا ثُمَّ يَشْتَرِيهِ عَلَى أَن لا خِيَارَ لَهُ إِذَا رَآهُ أَوْ يَقُولَ إِذَا لَمَسْتَهُ فَقَد بِعتُكَهُ، لأنه بيع غائب في الأول وتعليق في الثانى، وَالْمنابَذَةِ، أي بذال معجمة وهذا النهي متفق عليه أيضًا؛ بِأَن يَجْعَلا النبذَ بَيْعًا، أو قائمًا مقام الصيغة 25.
الجزء: 2 - الصفحة: 687
وَبَيْع الْحَصَاةِ، هذا النهي أخرجه مسلم 26؛ بِأَن يَقُولَ لَهُ بِعتُكَ مِنْ هذِهِ الأثْوَابِ مَا تَقَعُ هذِهِ الْحَصَاةُ عَلَيهِ أَوْ يَجْعَلا الرميَ بَيْعًا، أَوْ بِعتُكَ وَلَكَ الخيارُ، أي وكذا، إِلَى رَميِها.
وجه البطلان الأول: جهالة المبيع، وفي الثانى: فقدان الصيغة، وفي الثالث: الجهل بالخيار.
وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ، هذا النهي رواه الترمذي وصححه 27؛ بِأَن يَقُولَ: بعتُكَ بِأَلفٍ نَقْدا أَوْ أَلْفَيْنِ إِلَى سَنَةٍ، أَوْ بعتُكَ ذَا الْعَبْدِ بِألْفٍ عَلَى أَن تَبِيعَنِي دارَكَ بِكَذَا، وجه البطلان في الأول: الجهالة بالعوض، وفي الثاني: وجود الشرط وهو مبطل إلا ما استثنى.
وَعَن بَيْع وَشرطٍ كَبَيع بِشَرطِ بَيْع أَوْ قرضٍ، هذا النهي رواه عبد الله بن عمرو 28، وَلَوِ اشتَرَى زَرعًا بِشَرطِ أَن يَحصُدَهُ الْبَائِعُ، أَوْ ثَوْبًا ويخِيطَهُ فَالأصَح = الصحيح: باب بيع المنابذة: الحديث (2146). ومسلم في الصحيح: باب إبطال بيع الملامسة: الحديث (1/ 1511). • عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -؛ قال: (أن رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهى عَنِ المُنَابَذَةِ: وَهِىَ طَرح الرجُلِ ثَوبهُ بِالبَيع إلَى رَجُل قَبْلَ أن يُقَلبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إِلَيهِ.
وَنهى عَنِ المُلامَسَةِ؛ وَالمُلامَسَةُ: لَمسُ الثوبَ لا يَنظرَ إِلَيهِ).
رواه البخاري في الصحيح: الحديث (2145).
الجزء: 2 - الصفحة: 688
بطلانهُ، لمنافاة الشرط مقتضى العقد، فإن قضيه العقد أن يكونا على المشتري، والثانى: يبطل الشرط جزمًا، وفي البيع قولًا: تفريق الصفقة.
وقوله (عَلَى الأصَحِّ) صَوَابُهُ على المذهب كما عبر به في الروضة.
ويستَثنَى، أي من النهي عن بيع وشرط، صُوَر، كَالبيع بِشرطِ الْخِيَارِ، أوِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ، أوْ بِشَرطِ قَطْع الثمَرِ، لما يأتيك في موضعه، أوِ الأجَلِ، أي المعين لقوله تعالى ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ 29 ولا بد من احتمال البقاء إليه لا كألف سنة قاله الروياني؛ وَالرَّهْنِ؛ وَالْكَفِيلِ، للحاجة إليهما؛ لأنه قد لا يرضى بمعاملته دونهما، ويشترط في الرهن أن يكون غير المبيع فإن كان فإنه يبطل، الْمعَينَاتِ، أي الثلاثة المذكورة، لِثَمَنٍ فِي الذّمة، فإن كان معينًا: كما لو قال اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها في وقت كذا، فهو فاسد لأن الأجل شرع رفقًا للتحصيل، والمعين حاصل، وكذا لو قال على أن ترهن بها كذا أو يضمنك بها زيد فإن الأعيان لا يرهن بها ولا تضمن، وَالإشْهادِ، للحاجة، ولا يُشترَطُ تعيِينُ الشُّهُودِ في الأصَحِّ، لأن المقصود من الشهود العدالة لإثبات الحق عند الحاجة، فلا يتفاوت الغرض فيهم، والثانى: يشترط كما في الرهن والكفيل، وقد أشرنا إلى الفرق، فَإِن لَمْ يرهنْ أَوْ لَمْ يتكفلِ الْمُعَينُ فَلِلْبَائِع الخِيَارُ، لفوات شرطه وكذا إذا لم يشهد.
وَلَوْ بَاعَ عَبدًا بِشَرطِ إِعتَاقهِ، أي عن المشتري ولم يكن ممن يعتق عليه، فَالْمَشْهُورُ صحة الْبيع وَالشرطِ، لقصة بَرِيْرَةَ المتفق عليها 30 فإن فيها اشتراط = شَرطَانِ في بَيْع؛ ولا رِبحُ ما لَم يُضْمَنْ؛ ولا بَيْعُ مَا لَيسَ عِنْدَكَ].
رواه أبو داود في السنن: باب في الرجل يبيع ما ليس عنده: الحديث (3504). والترمذي في الجامع: باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك: الحديث (1234)، وقال: حديث حسن صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 689
العتق والولاء، ولم ينكر عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسَّلام إلا اشتراط الولاء، والثانى: لا يصحان؛ كما لو شرط بيعه أو رهنه، والثالث: يصح العقد ويبطل الشرط، أما إذا قال: بشرط إن تعتقه عني فهو لاغٍ، وكذا إذا اشترى من يعتق عليه بشرط اعتاقه لتعذر الوفاء به فإنه يعتق عليه قبل إعتاقه، وَالأصَحُّ أَنُّ للبائِع مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِالإعتَاقِ، فإنه يثاب على شرطه وله غرض في تحصيله، والثانى: لا، لأنه لا ولاية له على حق الله تعالى، وهذا الحلاف مبني على أن العتق المشروط حق لله تعالى كالملتزم بالنذر وهو الأصح، أما إذا قلنا بالوجه الآخر إنه حق للبائع فيطالب به جزمًا، وَأَنهُ لَوْ شَرَطَ مَعَ الْعِتْقِ الْوَلاءَ لَهُ أَوْ شَرَطَ تدبِيرَهُ أَوْ كِتَابَتَهُ أَوْ إعتَاقَهُ بَعدَ شَهْرٍ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْع، أما الولاء؛ فلأن شرطه يتضمن نقل الملك إلى البائع وارتفاع العقد، وأما الباقى فلأن العتق ليس بناجز، والثاني: الصحة، أما في الولاء فلحديث بَرِيْرَةَ حيث قال: [اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاء] 31، لكن لهم هنا بمعنى عليهم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ 32 أي عليها، ويدل عليه أنه أنكر الشرط، ووجه الصحة في = يَشْتَرِطُوأ وَلًاءَها) فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَها النْبِى - صلى الله عليه وسلم -: [اِشتَرِيها، فَإِنْمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعتَقَ].
رواه البخاري في الصحيح: كتاب الزكاة: باب الصدقة على موالي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -: الحديث (1493). ومسلم في الصحيح: كتاب العتق: الحديث (12/ 1504).
الجزء: 2 - الصفحة: 690
الباقى حصول المقصود، واحترز بقوله (مَعَ الْعِتْقِ) عما إذا شرط الولاء فقط؛ فإن البيع باطل قطعًا، كما في التتمة هنا، وإن كان أشار في الخلع إلى الخلاف؛ لأن الولاء تابع للعتق ولم يشترط الأصل.
وَلَوْ شَرَطَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَالْقَبْضِ وَالردّ بِعَيْبٍ، أَوْ مَا لا غَرَضَ فِيهِ كَشرطِ أَن لا يَأكُلَ إِلَّا كَذَا؛ صَح، أما الأول: فلأن اشتراطه تأكيد وتنبيه على ما أوجبه الشارع عليه، وأما الثانى: فلأن ذكره لا يورث تنازعًا في الغالب، لكن نص الشافعي في الأم على البطلان في الثانية فاستفده.
وَلَوْ شَرَطَ وَصفًا يُقْصَدُ: ككَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا، أَوِ الدابةِ حَامِلًا، أَوْ لَبُونا؛ صَحَّ، لأنه شرط يتعلق بمصلحة العقد وهو العلم بصفات المبيع التي تختلف بها الأغراض، وَلَه الْخِيَارُ إن أَخْلَفَ، لفوات شرطه، واحترز بقوله (يُقْصَدُ) عفا لا يقصد كالزنا والسرقة وغيرهما فإنه لاخيار بفواتهما.
فَرعٌ: لو ماتَ الْعَبْدُ الذِي شُرِطَتْ كِتَابَتُهُ قَبْلَ اخْتيَارِهِ فالقول قول المشتري بخلاف ما إذا اشترَى عبدًا وهلك لا يده ثم ادَّعى عيبه، لأن الأصل السلامة قاله القفال في فتاويه.
وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي الدابةِ، لأنه شرط معها شيئًا مجهولًا، فأشبه ما لو قال: بعتُكها وحملَها، وهو باطل كما سيأتى، وأجاب الأولُ بأن المقصود الوصف به لا إدخاله في العقد، والخلاف مبني على أن الحمل يُعلم أم لا؟ والأظهر الأولُ.
وَلَوْ قَالَ: بعتُكَها وَحَملَها؛ بَطَلَ فِي الأصَحِّ، لأن ما لا يجوز بيعه وحده مقصودًا لا يجوز بيعه مع غيره، والثانى: يجوز؛ لأنه داخل في العقد عند الاطلاق فلا يضر التنصيص عليه، كما لو قال بعتك هذا الجدار وأساسه؛ والفرق ظاهر، ولا يَصِحُّ بَيْعُ الْحملِ وَحدَهُ، لما مَرَّ في النهي عن بيع الملاقيح، ولا الْحَامِلِ دُونَهُ، أي دون الحمل؛ لأن الحمل لا يجوز إفراده بالعقد، فلا يجوز أستثناؤه كأعضاءِ الحيوان، ولا الْحَامِلِ بِحُرٍّ، لأن الحمل لا يدخل والحالة هذه في البيع، فكأنه استثناه، وَلَوْ
الجزء: 2 - الصفحة: 691
بَاعَ حَامِلًا مُطْلَقًا، أي من غير شرط يدل على الدخول أو عدمهِ، دَخَلَ الْحملُ فِي الْبَيْع، تبعًا له، ومحلهُ إذا كان مملوكًا لمالك الأمِّ وإلا فيبطل.
فَصلٌ: وَمِنَ الْمَنْهِيّ عَنْهُ مَا لا يُبْطِلُ (•) لِرُجُوعِهِ إِلَى مَعنَى يَقْتَرِن بِهِ: كَبَيْع حَاضِرٍ لِبَادٍ؛ بأن يَقْدُمَ غَرِيبٌ، أي سواء كان بدويًا أو قرويًا، بِمَتَاع تَعُم الحَاجَةُ إلَيهِ لِيَبِيعَهُ بِسعرِ يَوْمهِ، فَيَقُولُ بَلَدي؛ اُتْرُكْهُ عِنْدِي لأبِيعَهُ عَلَى التدرِيج، أي شيئًا فشيئًا، بِأَغْلَى، هذا النهي متفق عليه 33، ويشترط أن يكون عالمًا بالنهي وهو عام في جميع المناهي، وتقييد القادم بالغريب والترك بكونه عنده لا أَثَرَ لَهً، والبادي: مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ وفي معناه كل جالب من تركي وغيره، واحترز بقوله (تَعُمُّ الْحَاجَة إِلَيْهِ) عما لا يحتاج إليه إلّا نادرًا فإنه لا يحرم؛ وبقوله (لِيَبِيعَهُ بِسعرِ يَوْمِهِ) عما لو قصد بيعَهُ على التدريج.
وَتَلَقِّيَ الركْبَانِ: بِأن يَتَلَقى طَائِفَةً يَحمِلُون مَتَاعًا إِلَى الْبَلَدِ فَيَشْتَرِيهِ قَبْلَ قُدُومِهِم وَمَعرِفَتِهم بِالسِّعرِ، هذا النهي متفق عليه أيضًا 34، قال ابن المنذر: ولا بأس (•) تضبط بضم الياء وكسر الطاء، ويجوز فتح الطاء مع الياء: يُبطَلُ، وعكسه أي يَبطُلُ.
قاله الشربيني في مغني المحتاج: ج 2 ص 35.
الجزء: 2 - الصفحة: 692
بالتلقي في أول السوق ومعرفتهم بالسعر.
فَرْعٌ: خروجه لأمر آخر من اصطياد ونحوه كالتلقى على الأصح.
وَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا عَرَفُوا الْغَبنَ، للنص الصحيح فيه، وقياسه ثبوته إذا أُخبر عن ثمن السلعة، ثم بان كذبه، لكن نصَّ القاضى في تعليقه على أنه لا خيار، لأنه ضيَّع حقه حيث اعتمد قوله فيه 35، وَالسومِ عَلَى سَوْمِ غَيرِهِ، هذا النهي متفق عليه أيضًا 36، وَإِنمَا يَحرُمُ ذَلِكَ بعدَ اسْتِقْرَارِ الثمَنِ، أي وحصول التراضي صريحًا 37، وَالْبَيْع عَلَى بَيْع غَيْرِهِ قَبْلَ لُزُومِهِ، أي وهو زمن خيار المجلس والشرط، بِأن يأمُرَ الْمُشْتَرِيَ بِالْفَسْخِ لَيَبِيعَهُ مِثْلَهُ، هذا النهي متفق عليه أيضًا 38، نعم لو أذن البائع في البيع على بيع أخيه ارتفع التحريم على الصحيح، وَالشرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ، أي قبل لزومه، بِأن يَامُرَ البَائِعَ بِالفَسْخ لِيَشْتَرَيهُ، هذا النهي متفق عليه أيضًا 39، وَالنجَشِ
الجزء: 2 - الصفحة: 693
بِأَن يَزِيدَ فِي الثمَنِ لا لِرَغْبَة بَلْ لِيَخْدَعَ غَيْرَهُ، وهذا النهي متفق عليه أيضًا 40، وقيَّد ابن الرفعة الزيادة في الثمن بالزيادة على ما تساويه العَين وفيه نظر، وَالأصَحُّ أَنهُ لا خِيَارَ، أي للمشتري لتفريطه حيث لم يتأمل ولم يراجع أهل الخبرة، والثانى: له الخيار للتدليس كالتصرية، ومحل الخلاف ما إذا كان ذلك بمواطأة من البائع، فإن لم تكن فلا خيار، وَبَيْعُ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ، أي وكبيع الرطب والعنب، لِعَاصِرِ الْخَمرِ، هذا النهي روي بسند ضعيف 41، نعم: يُسْتَدَلُّ لَهُ بِأَنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام لَعَنَ بَائِعها وَمُبْتَاعَها 42، ووجهه: أنه يدل على النهي عن التسبب إلى الحرام وهذا منه.
فَرعٌ: ولو قصد بيع مال اليتيم وقت النداء يوم الجمعة فدفع من عليه الجمعة فيه دينارًا ودفع من لا عليه جمعة نصف دينار، قال الروياني: فيحتمل أن يباع مِمَّن لا جمعةَ عليهِ لكى لا يقع الآخر في المعصية، ويحتمل أن يباع ممن يجب عليه نظرًا = مسلم في الصحيح: كتاب النكاح: باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه: الحديث (53/ 1413). ولفظ البخاري: [ولا يَزِيدَن عَلَى بَيْع أَخِيْه] في الصحيح: كتاب الشروط: باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح: الحديث (2723).
الجزء: 2 - الصفحة: 694
لليتيم، ولو كانت المسألة في العصير وباذل الزيادة يريد جعله خمرًا ترتب على الأولى، فإن جوزنا فيها جاز هنا، وإلّا احتمل أن يقال هنا يباع بالأكثر، والفرق أن الكراهة في مسألة العصير للتنزيه.
وَيَحرُمُ التفْرِيقُ بَيْنَ الأمِّ وَالْوَلَدِ، لِئَلَّا يَتَوَلَّه 43، نَعَم؛ لو رضيت، فالتحريم باقٍ رعاية لحق الولد، والأبُ كَالأم؛ وَأُم الأمِّ عِنْدَ عَدَمِها كَالأمِّ، ولا يحرم التفريق بينه وبين سائر المحارم كالأخ والعم على الأصح، والجد للأم هل هو كالجد للأب أو كالمحارم فيه تردد، ولو كانت رقيقة والولد حرًا أو عكسه فلا منع من بيع الرقيق؛ قاله المتولي.
فرعٌ: لا يحرم التفريق بالعتق والوصية على الأصحِّ.
فَرعٌ: لو أسلم الأب الملوك وتخلفت الأم وبينهما صغير والمالك كافر، أمر بإزالة الملك في الوالد والولد الصغير وجاز التفريق للضَّرورةِ، قاله في الاستقصاء، فلو مات الأب قبل اتفاق البيع فالظاهر أن الولد يباع أيضًا.
حَتى يُمَيِّزَ، لأنه لا يستغني حينئذ عن التعهد والحضانة، وسواء حصل التمييز قبل سبع سنين أو بعدها، وأحسن ما قيل في سن التمييز أن يصير الطفل بحيث يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجى وحده، وَفِي قَوْل: حَتى يَبْلُغَ، لنقصان تمييزه قبل البلوغ، ونقله الشيخ أبو حامد عن نصه في الأم وفي الإِبَانَةِ هو الجديد، أما بعد البلوغ فجائز قطعًا خلافًا لأحمد.
وَإِذَا فرقَ بِبَيْع أَوْ هبةٍ، أي أو نحوهما كمقاسمة، بَطَلَا فِي الأظْهرِ، لعدم القدرة على التسليم شرعًا، والثاني: لا؛ لأن النهي لما فيه من الاضرار لا لخلل في نفس المبيع، ومحل الخلاف بعد سقي الولد اللبأ، أما قبله فلا يصح جزمًا، زاد
الجزء: 2 - الصفحة: 695
الماوردي على سقى اللبأ وَأَن يَجِدَ مرضِعَة تُتِمُّ رِضَاعَهُ 44. ولا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَربونِ بِأَن يَشْتَرِيَ وَيعطِيَهُ دَرَاهِمَ لِتَكُون مِنَ الثمَنِ إِن رَضِيَ السِّلْعَةَ، وِإلا فَهِبَة، للنهي عنه كما أخرجه مالك وغيره 45. فَصلٌ: بَاعَ خلًّا وَخَمرًا، أوْ عَبْدَهُ وَحُرًّا، أَوْ عَبْدَ غْيِرِهِ، أي أو باع عبده وعبد
الجزء: 2 - الصفحة: 696
غيره، أَوْ مُشْتَرَكًا بِغَيرِ إِذْنِ الآخَرِ، أي وهو الشريك، صَح فِي مِلْكِهِ فِي الأظْهرِ، لأن الصفقة اشتملت على صحيح وفاسد فاعطى كل منهما حكمه، والثانى: البطلان، قال الربيع: وإليه رجع الشافعى آخرًا، ولم يطلع على ذلك الرافعي والمصنف، وعلة البطلان إما لغلبة الحرام أو لجهالة ما يخص كلا منهما عند العقد، ولو عبر بقوله باع حلالًا وحَرَامًا لكان أحصرُ وأخصُّ، واحترز بقوله: بِغَيْرِ إِذْنِه عما إذا أذن، فإنه يصح جزمًا ولا يصح عوده إليه وإلى عبد الغير معًا، لأنه إذا أذن له فباعه مع عبده وفَصَّل الثمن صح جزمًا لتعدد الصفقة، وإلّا فالظاهر هو البطلان، ويستثنى من هذه القاعدة فروع ذكرتها في الأصل فراجعها، فَيَتَخَيرُ الْمشْتَرِي إِن جَهِلَ، لضرر التبعيض وهو على الفور، لأنه خِيَارُ نَقْصٍ، فإن كان عالمًا فلا لتقصيره، فَإن أَجَازَ فَبِحُصتِهِ مِنَ الْمُسَمَّى بِاعتِبَارِ قِيمَتهمَا، لأنه أوقع الثمن في مقابلتهما حميعًا، ولا يلزمه في مقابلة أحدهما إلّا قسط، نَعَم؛ لو كان الحرام غير مقصود كالدم فيظهر أن الاجازة بالكل كما قالوه في النكاح والخلع، وَفِي قَوْلِ: بِجَمِيعِهِ، لأن غير المملوك لاغٍ، فيقع الثمن في مقابلة المملوك، ومحل الخلاف في غير الربويات، أما الربويات فيخير فيها بالقسط قطعًا، لأن الفضل بينهما حرامٌ، ولا خِيَارَ لِلْبَائِع، لأنه المفرِّط حيث باع ما لا يملكه وطمع في ثمنه.
وَلَوْ بَاعَ عَبْدَيْهِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الآخِرِ عَلَى المَذْهبِ، أي وإن لم يقبضه؛ لانتفاء العلتين السالفتين وهما الجمع دين حلال وحرام وجهالة الثمن، وقيل: القولان تسوية بين الفساد المقرون بالعقد والطارئ قبل القبض كما سوينا بينهما في الرد بالعيب، بَلْ يَتَخيرُ، لفوات مقصوده، فإن أَجَازَ فَبِالْحصةِ قَبلَ الْقَبضِ قَطْعًا، لأن الثمن وجب في مقابلتهما في الابتداء فلا ينصرف إلى أحدهما بالدوام، كذا قطع به المصنف تبعًا لِلْمُحَرَّرِ، وعن أبي اسحاق المروزي طرد القولين فيه حكاه الرافعي.
وَلَوْ جَمَعَ فِي صَفْقَةِ مُخْتَلِفَيّ الْحُكْمِ كَإِجَارَةٍ وَبَيْع أَوْ سَلَمٍ صَحَّا فِي الأظهرِ،
الجزء: 2 - الصفحة: 697
وَيُوَزعُ الْمُسَمَّى عَلَى قِيمَتهمَا، قياسًا على ما إذا باع ثوبًا وشقصًا من دار، فإنه يجوز وإن اختلفا في حكم الشفعة، واحتجنا إلى التقويم بسببها، والثاني: البطلان، لأن اختلاف الأحكام يغلب على الظن وقوع الانفساخ في أحدهما وذلك يجر جهلًا إلى العوض، ومحل الخلاف أن يكون العقدان لازمين، فلو جمع بين بيع وجعالة لم يصح قطعًا، ذكره الرافعي في المسابقة، ويرد على تعبير المصنف إذا باع شقصًا وثوبًا من دار فإنه صحيح قطعًا مع اختلافهما في الحكم كما سلف وغيره مما هو موضح في الأصل، أَوْ بَيْعٍ وَنكَاحٍ صَحَّ النِّكَاحُ، لأنه لا يفسد بفساد الصداق، وَفي الْبَيْعِ وَالصدَاقِ القَوْلانِ، تقدما بتعليلهما.
وَتَتَعددُ الصفْقَةُ بِتَفْصِيلِ الثمَنِ كَبِعتُكَ ذَا بِكَذَا وَذَا بِكَذَا، وَبِتَعَدُّدِ الْبَائِع، أي كبعناك هذا بكذا، وَكَذَا بِتَعَدُّدِ الْمُشترَى، أي كبعتكما هذا بكذا، في الأظْهرِ، قياسًا على البايع، والثاني: لا، لأن المشتري يبني على الايجاب السابق، وَلَوْ وَكلَاهُ أَوْ وَكلَهُمَا فَالأصَحُّ اعتِبَارُ الْوَكِيلِ، لأن أحكام العقد تتعلق به، والثاني: اعتبار الموكل؛ لأن الْمِلْكَ لَهُ.
بَابُ الخيَارِ
يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي أَنْوَاع الْبَيْع، كَالصرفِ؛ وَالطعَامِ بِطَعَامٍ؛ وَالسلَمِ؛ وَالتوْلِيَةِ؛ وَالتشريكِ؛ وَصُلْح الْمُعَاوَضَةِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ اختر] متفق عليه 46، وفي رواية البيهقى [حَتى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهِمَا] 47،
الجزء: 2 - الصفحة: 698
واحترَز بالمعاوضة عن صلح الْحَطِيْطَةِ 48 فإنه لا خيار فيه، لأنه إن ورد على دين فإبراء، أو على عين فهبة، والصلح على المنفعة ودم العبد لا خيار فيهما قاله القاضي، ولا خيار في القسمة والحوالة على الأصح وإن جعلناهما بيعًا، ولا في بيع العبد من نفسه على الأصح.
وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعتِقُ عَلَيْهِ، فإن قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِع؛ أَوْ مَوْقُوفٌ، فذَلَهُمَا الْخِيَارُ، لوجود المقتضى له بلا مانع، وَإِن قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي؛ تَخيرَ الْبَائِعُ، لما سبق، دُونَهُ، لأن مقتضى ملكه له أن لا يتمكن من إزالته وأن يترتب عليه العتق فلما تعذر الثاني بقى الأول، ولا خِيَارَ فِي الإبرَاءِ وَالنكَاح وَالْهِبَةِ بِلا ثَوَابٍ، أي وهى التي صرح بنفيه عنها لانتفاء اسم البيع عنها، وَكَذَا ذَاتُ الثوَابِ، أي بعد قبض الموهوب، لأنها لا تسمى بيعًا، والنص ورد في المتبايعين، وَالشفْعَةُ، لأن المأخوذ منه لا خيار له وتخصيص خيار المجلس بأحد الجانبين بعيد، وَالإجَارَةُ، لأنها عقد غرر إذ هو عقد على معدوم، والخيار غرر ولا يضمُّ غررٌ إلى غرر، وَالْمُسَاقَاةُ، كالإجارَةِ، وَالصَّدَاقُ، لأن المال تبع في النكاح لا مقصود، فِي الأصَحِّ، أي في المسائل الخمس، والثانى: أن الخيار ثابت في الجميع، أما في الهبة: فلأن الأصح أنها بيع اعتبارًا بالعنى، وأما في الشفعة: فلأن الأخذ بها ملحق بالمعاوضات بدليل الردِّ بالعيب، وهو ما صححه الرافعي في بابها، وأما الإجارة: فلأنها معاوضة لازمة = مِنْ رَجُلٍ بَيعًا، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ حَتى يَتَفَرقَا مِنْ مَكَانِهِمَا، إِلَّا أنْ يَكُونَ صفَقَة خِيَارٍ، ولا يَحِل لأحَدٍ أنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ مَخَافَةَ أن يُقِيْلَهُ].
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب البيوع: باب المتبايعان بالخيار: الحديث (10586).
الجزء: 2 - الصفحة: 699
فأشبهت البيع، وصحح المصنف في تصحيحه ثبوت الخيار في الإجارة المتعلقة بالزمان، وأما الْمُسَاقَاةُ: فكذلك أيضًا، وأما الصَّدَاقُ: فلأنه عقد مستقل.
وينْقَطِعُ، أي الخيار، بِالتخَايُرِ بِأَن يَخْتَارَا لُزُومَهُ، أي وكذا لو قال أبطلنا الخيار أو أفسدناه على الأصح في شرح المهذب، فَلَوِ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا، أي لزومه، سَقَطَ حَقُّهُ وَبَقِيَ للآخَرِ، كخيار الشرطِ، وَبِالتفَرُّقِ بِبَدَنِهِمَا، للحديث السالف، وخرج بالبدن التفرق بالسروح، فإنه لا يبطل، نعم؛ لو حمل أحدهما مكرهًا لم يبطل خياره على الأصح، فَلَوْ طَالَ مُكثُهُما أَوْ قَامَا وَتَمَاشَيًا مَنَازِلَ دَامَ خِيَارُهُمَا، لعدم التفرقِ، وَيُعتَبَرُ فِي التفَرُّقِ الْعُرفُ، أي فما عده الناس تفرقًا لُزِمَ به وإلّا فلا، لأن ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف والعادة.
وَلَوْ مَاتَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ جُنَّ فَالأصَحُّ انْتِقَالُهُ إِلَى الْوَارِثِ وَالْوَليِّ، كخيار الشرط والعيب، والثانى: لا؛ بل يسقط، أما في الموت: فلأنه أبلغ من مفارقة البدن، وأما في الجنون: فلأنه في معناه، وقوله: الأصَحُّ صوابه الأظهر في الأُولى كما في الروضة، والصحيح في الثانية كما في شرح المهذب.
فَرعٌ: الإغماء كالجنون.
وَلَوْ تَنَازَعَا فِي التفَرُّقِ، أي بأن جاءا معًا وقال أحدُهما: تفرقنا، وأنكر الآخر، وأرادا الفسخ، أَوِ الفَسخ قَبْلَهُ، أي بأن اتفقا على التفرق وقال أحدُهما: فسخت قبله، وأنكر الآخر، صُدِّق النافِي، أي بيمينه عملًا بالأصل.
فَصْلٌ: لَهما وَلأحَدِهِمَا شَرطُ الْخِيَارِ، بالإجماع، في أَنْوَاع الْبَيْع، كبيع الحيوان والعقار وغيرهما، أما غير البيع كالفسوخ والنكاح والطلاق والعتق والابراء والإجارة فلا.
فَرع؛ يجوز شرطه أيضًا كالاجنبى على الأظهر.
إِلَّا أَن يَشْتَرِطَا الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ كَرَبَوِيٍّ وَسَلَم، أي فإنه لا يجوز شرطه
الجزء: 2 - الصفحة: 700
فيه لأنه إذا امتنع الأجل امتنع الخيار بطريق أَولى، قُلْتُ (•): ولا خيار أيضًا في الحوالة وإن جعلناها بيعًا، ولا فيما إذا اشترى من يعتق عليه أن ينفرد به، ولا خيار في المصراة أيضًا للبائع، لأنه يمنع من الحلب وترك الحلب يَضُرُّ بِالبَهِيْمَةِ، وَإنمَا يَجُوزُ فِي مُدَّةٍ مَغلُومَةٍ، نفيًا للغرر، لا تَزِيدُ عَلَى ثَلاثةِ أيامٍ 49، لاندفاع الحاجة بها غالبًا، فلو زاد عليها بطل العقد، ولا يخرج على تفريق الصفقة لوجود الشرط الفاسد وهو مبطل للعقد، قُلْتُ: ويشترط أيضًا أن تكون المدة متصلة بالعقد، وأن يكون المبيع لا يفسد فيها.
وَتُحسَبُ، أي ابتداء المدة، مِنَ الْعَقْدِ، أي إذا أطلقا، لأنه ثبت بالشرط الموجود في العقد، وَقِيلَ: مِنَ التفَرُّقِ، لأن الجمع بين خيارين متماثلين في وقت واحد لا معنى له، ونسبه الماوردي إلى الجمهور وقال الإمام: ميل النص إليه أكثر، وَالأظْهرُ، أن في خيار المجلس والشرط، أَنهُ إِن كَان الْخِيَارُ لِلْبَائِع، فَمِلْكُ الْمَبِيع لَهُ، وَإن كَان لِلْمُشتَرِي فَلَهُ، لأنه إذا كان الخيار لأحدهما كان هو وحده متصرفًا في المبيع ونفوذ التصرف دليل على الملك، وَإن كَان لَهُمَا فَمَوْقُوفٌ، لأنهما قد تساويا، فَإن تَم الْبَيْعُ بَان أنهُ لِلْمشترِي مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَإلَّا فَلِلْبَائِع، والثاني: أن المِلْكَ للمشتري مطلقًا لتمام البيع بالصيغة، والثالث: أنه للبائع مطلقًا استصحابًا لما كان، وتظهر فائدة الخلاف في الاكساب وما في معناها.
وَيَحصُلُ الْفَسْخُ وَالإجَارَةُ بِلَفظٍ يَدُل عَلَيْهِمَا: كَفَسَخْتُ الْبَيْعَ؛ وَرَفَعتُهُ؛ (•) في نسخة (3): فَرعٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 701
وَاسْترجعتُ الْمَبِيعَ، وَفِي الإجَارَةِ: أَجَزْتُهُ؛ وَأَمضَيْتُهُ، أي وكذا رددت الثمن ونحو ذلك، وَوَطء الْبائِع وَإِعتَاقُهُ فَسْخٌ، لإشعار الأول باختيار الإمساك وتضمن الثاني الفسخ، وهذا إذا كان الخيار له، وخرج بالوطء مقدماته، ويستثنى وطء البائع أو المشتري الخنثى المشكل فإنه ليس فسخًا ولا إجازة فإن اختار الأنوثة بعده تعلق الوطء السابق بالحكم، وفي كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف: أنه إذا اعتق أحدهما في المجلس ارتفع الخيار، وكذا إذا أوقفها فيه، وكذا إذا أتلف السلعة بأيِّ جنايةٍ كانت؛ هذا لفظُهُ ومنهُ نقلتُهُ.
وَكَذَا بَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ وَتَزْوِيجُهُ فِي الأصَح، لدلالتها على ظهور الندم، والثاني: لا، لأن الأصل بقاء العقد فيستصحب إلى أن يوجد الفسخ صريحًا، وَالأصَحُّ: أَن هذِهِ التصَرفَاتِ، أي الوطء وما ذكر بعده، مِنَ المشتَرِي إِجَازَةٌ، لأن وطء البائع اختيار للمبيع فكذا وطئ المشتري، والثاني: لا، لأن الفسخ بالعيب لا يمنعه الوطء فكذا هنا، ومحل الخلاف إذا لم يأذن له البائع فيه، فإن أذن ووطئ كان إجازة منهما قطعًا، وكذلك الإذن في البيع والعتق وغرهما، وَأن العَرضَ عَلَى الْبَيْع وَالتوْكِيلَ فِيهِ لَيْسَ فَسْخًا مِنَ الْبَائِع ولا إِجَازَةً مِنَ الْمُشْتَرِي، لأنها لا تقتضى إزالة ملك وليست بعقود لازمة، والثاني: نعم قياسًا على الرجوع عن الوصية.
فَضلٌ: لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بِظُهُورِ عَيْبٍ قَدِيمٍ، بالإجماع، كَخَصَاءِ رَقِيقٍ، لأن الفعل يصلح لما لا يصلح له الخصي والجب كالخصي، والخصاء في البهيمة عيبٌ، قاله الجرجاني في شافيه وهو وارد على المصنف، وَزِنَاهُ وَسَرِقَتِهِ وَإبَاقِهِ، أي ذكرًا كان أو أنثى أقيم عليه الحد أو لا، تكررت منه أم لا، صغيرًا كان أو كبيرًا، واستثنى الهروي الصغر، وَبَوْلهِ بِالْفِرَاشِ، أي إن كان كبيرًا وهو ابن سبع كما في التهْذيبِ، أو يكون مثله يحترز عنه كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره، ذكرًا كان أو أنثى والأصح اعتبار مصيره عادة، وَبَخَرِهِ، أي الناشئ من تغير العدة دون ما يكون من قلح الأسنان، فإن ذلك يزول بتنظيف الفم، وَصِنَانِهِ، أي المستحكم دون ما يكون لعارض عرق ونحوه، وَجِمَاحِ الدابةِ، أي وهو امتناع ركوبها، وَعَضِّها،
الجزء: 2 - الصفحة: 702
وَكُل مَا يَنْقُصُ الْعَيْنَ أَوِ الْقيمَةَ نَقْصًا يَفُوُتُ بِهِ غَرضٌ فصَحِيحٌ إِذَا غَلَبَ فِي جِنْسِ الْمَبِيع عَدَمُهُ، هذا ضابط يكتفى به عن تفصيل العُيوبِ، فإنه لا مطمع في استيفائها وهو للإمام رحمه الله فيدخل في نقصان العين الخصاءُ وقطعُ الأنملةِ، واحترز بقوله (غَرَضٌ صَحِيْحٌ) عما لو قطع من فخذه أو ساقه قطعة يسيرة لا يفوت بها غرض، وهذا قيد في نقصان العين فقط، وخرج بقوله (إِذَا غَلَبَ في جِنْسِ الْمَبِيع عَدَمُهُ) الثيوبة في الأمَةِ الكبُيرةِ ويمكن أن يرد هذا القيد إلى العين، ويحترز به عن قلع الأسنان في الكبير؛ فإنه لا يُردُّ به بلا شك، قال في المطلب: وكذا لا رَدّ ببياض الشعر في الكببر، قال في الاستقصاء: وكذا بقطع الأنف؛ لأنه لا يخفى ولا يَخْلُو ما ذكره عن احتمال لجواز أن يخفى تَأمُّلُهُ لِدَهْشِهِ، سواءٌ قَارَن الْعَقْدَ، هذا هو المجمع عليه كما سلف، أَم حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، لأن المبيع والحالة هذه من ضمان البائع فكذا جزؤه وصفته؛ [هذا إذا كان التعيب بصفة سماوية] (•).
وَلَوْ حَدَثَ بعدَهُ، أي بعد القبض، فلا خِيَارَ، لأنه بالقبض صار من ضمانه فكذا جزؤه وصفته، إلّا أَن يَسْتَنِدَ إِلَى سَبَبِ متقدِّمٍ، أيْ على القبض أو العقد، كقَطْعِهِ بِجِنَايةٍ سابقَةٍ، أي كسرقة، وكذا زوال بكارة بزواج متقدم واستيفاء الحد بسياط، فَيَثْبُتُ الرَّدُّ في الأصَح، أيْ إذا كان جاهلًا بالسبب ويكون من ضمان البائع إحالة للهلاك على السبب، والثانى: لا يثبت؛ لأنه قد يتسلط على التصرف بالقبض فيدخل المبيع في ضمانه أيضًا، لكن يرجع على البائع بالارش وهو ما بين [قيمته] (•) مستحق القطع وعير مستحقه وهذا ما نصَّ عليه فى الإِملاء، والأولُ هو منصوصُ في الأُمِّ فوجب التعبير بالأظهر، أما إذا كان عالمًا فليس له الرد ولا أرش لدخوله في العقد على بصيرة، بِخِلًافِ مَوْتِهِ بِمَرَضٍ سابق فِي الأصَحِّ، لأن المرض يتزايد فيحصل الموت بالزائد فلا يتحقق إضافته إلى السابق، وقيل: فيه الخلاف في الصورة التي قبلها.
وكان ينبغي له التعبير بالمذهب، والأصح القطع بما قدمته، ثم (•) ما تحته خط موجود في النسخة (1) فقط.
قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: وضعناه في هذه النسخة الإلكترونية بين معكوفتين
الجزء: 2 - الصفحة: 703
كلامه يوهم أن الخلاف في هذه الصورة في الرد، وليس كذلك فإنه قد تعذر بموته، وإنما الخلاف في أن المبيع من ضمان البائع حتى ينفسخ أم لا.
وَلَوْ قُتِلَ بِرِدَّةٍ سَابِقَةٍ ضَمِنَهُ الْبَائِعُ فِي الأَصَحِّ، لأن التلف حصل بسبب كان في يده فأشبه ما لو باع عبدًا مغصوبًا فأخذه المستحق منه، والثاني: يضمنه المشتري؛ لأن القبض سلطه على التصرف، ولا يخفى أن الكلام بعد القبض، فإن كان قبله انفسخ قطعًا، وأن محلَّ الخلاف حالة جهل المشتري بحاله، فإن كان عالمًا فلا يرجع بشيء.
وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ بَرَاءَتِهِ مِنَ الْعُيُوبِ، فَالأظْهَرُ: أَنهُ يَبْرَأُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ بَاطِنٍ بِالْحَيْوَانِ لَمْ يَعْلَمْهُ دُونَ غَيْرِهِ، أي غير الحيوان كالعقار فلا يَبْرَأ في شيء منه، وغير الباطن من الحيوان، فلا يَبْرأ من شيءٍ ظاهرٍ بالحيوان، وغير الذي لم يعلمه من باطن الحيوان فلا يَبْرأ مما علمه وإن كان باطنًا، لأن الحيوان يتغذى بالصحة والسقم فَقَلَّ ما ينفكُّ من عيب خفي فيحتاج البائعُ إلى الشرطِ ليثقَ باستقرار العقد، وبخلاف المعلوم للبائع فإنه بإخفائه مدلس، وَالظَّاهِرُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ في حُكمِ الْمَعْلُومِ لسهولة الاطلاع عليه، والقول الثاني: يبرأُ مطلقًا عملًا بالشرط، والثالث: لا مطلقًا، لأنه خيارٌ ثَابِتْ بِالشَّرْعِ فلا ينتفى بالشرط كسائر مقتضيات العقد، وَلَهُ مَعَ هَذَا الشَّرْطِ الرَّدُّ بِعَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، أي عند إطلاق الشرط، لانصرافه إلى الموجود عند العقد، وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ عَمَّا يَحْدُثُ لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ، لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته فلم يسقط كما لو أبرأهُ عن ثمن ما يبيعه له، . والثاني: يصح بطريق التبع، والثالث: إن أفرد ما لم يحدث لم يصح أو ضم إليه القديم فيصح تبعًا، وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِى، أي بآفة سماوية وغيرها، أَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ رَجَعَ بِالأرْشِ، لِتَعَذُّر الرَّدِّ إذ لا مردودَ، ولا يمكن إسقاطُ حق المشتري، فرجعنا إلى الأرش، وينبغي أن يكون مرادهُ العبد المسلم، أما الكافر فلا، لأنه لم ييأَس من الردِّ، فإنه قَدْ يلتحقُ بدار الحرب فَيُسْتَرَقُّ ثم يعود إلى ملكهِ واليَأْسُ هو العِلَّةُ الصحيحة كما ستعلمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 704
فَرْعٌ: الاستيلادُ والوقفُ كالعِتْقِ.
فَرْعٌ: لو اشترى عبدًا بشرطِ العتقِ ثُمَّ وَجَدَ بهِ عيبًا بَعْدَمَا أعتقَهُ فَلَهُ الارشُ على ما رآه ابن كج، وكذا إذا اشترى من يعتق عليه ثم وجد به عيبًا.
فَرْعٌ: لو كان المبيعُ التالفُ ربويًا قَدْ بِيْعَ بمثله من جنسه ففي إثباتِ الرجوعِ وجهان، ومقتضى إطلاق المصنف ثبوتُهُ.
وَهُوَ، أي الأرش، جُزْءٌ مِنْ ثَمَنِهِ، أي من ثمن المبيع، نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ، أي نِسْبَةُ ذلك الجزء إلى الثمن نسبة، مَا نَقَصَ الْعَيْبُ، أي مثل نسبة الذي نقصَهُ الْعَيْبُ، مِنَ الْقِيمَةِ لَوْ كَان سَلِيمًا، أي المبيع إلى تمام قيمة السليم كما ذكره في الْمُحَرَّرِ، مثاله: كانت القيمة مائة دون العيب وتسعين معه فالتفاوت العشر فيكون الرجوع بِعُشْرِ الثَّمَنِ؛ فإذا كان بمائتين فبِعُشْرَيْنِ أو بخمسين فبخمسه.
وَالأَصَحُّ اعْتِبَارُ أَقَلِّ قِيَمِهِ، أي المبيع، مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ إِلَى الْقَبْضِ، لأن القيمة إن كانت يوم البيع أقل فالزيادة حدثت في ملك المشتري وإن كانت يوم القبض أقل فما نقص من ضمان البائع، وكان ينبغي للمصنف أن يعبر بالمذهب كما عبر به في الروضة.
فإن هذا المذكور هو أصح الطريقين على القطع بهذا، وقيل: في المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدهما: هذا، وثانيها: يوم القبض، وثالثها: يوم البيع، ثم كلامه أيضًا يقتضى اعتبار النقصان الحاصل بين العقد والقبض، وقد صرح به في الدَّقَائِقِ 50 وبأنه غيَّر عبارةَ الْمُحَرَّرِ لأجل ذلك، وفيه نظر: لأن النقصان الحادث قبل القبض إذا زال قبل القبض لا يثبت للمشتري الخيار فكيف يكون مضمونًا على البائع؟ ! وَلَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ دُونَ الْمَبِيعِ، أيْ واطلع على عيب بالمبيع، رَدَّه وَأَخَذَ مِثْلَ الثَّمَنِ، أي إذا كان مثليًا، أَوْ قِيمَتَهُ، أي إن كان متقومًا كغيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 705
فَرْعٌ: خروجه عن مِلْكِهِ بالبيع ونحوه كتلفه.
وَلَوْ عَلِمَ الْعَيْبَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَلاَ أَرْشَ فِي الأَصَحِّ، لأنه لم ييأس من الرد فربما عاد إليه فرده، وقيل: لأنه استدرك الظُّلاَمَةَ وروَّج كما روَّج عليه، وهذه العلَّة نقلها في البيان عند الأكثرين، لكنه مخالف لما في المهذب وغيره من كون الأكثرين على أن العلَّة الأُولى، والثاني: له الأرش كما لو مات، وقوله الأصح صَوَابُهُ المشهور كما عبَّر به في الروضة، فَإِنْ عَادَ الْمِلْكُ فَلَهُ الرَّدُّ، لزوال التعذر وتبين أنه لم يستدرك الظُّلاَمَةَ.
وَقِيلَ: إِنْ عَادَ بِغَيْرِ الرَّدِّ بَعَيْبٍ، أي بأن عاد بإرثٍ أو هبة ونحوهما، فَلاَ رَدَّ، لزوال الاستدراك حينئذ، وَالرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ، لأن الأصل في البيع اللزوم، فإذا أمكنه الرد وقصَّر لزمه حكمه، وهذا في الأعيان، أما الموصوف إذا قبض وظهر به عيبٌ فلا يعتبرُ الفورُ إن قلنا لا يملك إلا بالرضى إذ الملك موقوف عليه، وكذا إذا قلنا يملك بالقبض على الأوجه كما قاله الإمام ونقله الرافعي في الكتابة وأقرَّةُ، لأنه ليس معقودًا عليه وإنما يثبت الفور فيما يؤدي رده إلى دفع العقد ابقاءًا للعقد، ويستثنى من كلام المصنف أيضًا قريبُ العهد بالإسلام إذا ادَّعى الجهل بأن له الردّ، ومن ادعى أنه لا يعرفه على الفور لخفائه على العوام، قال في الروضة: إنما يقبل ممن يخفى على مثله، فَلْيُبَادِرْ عَلَى الْعَادَةِ أي فلا يؤمر بالعَدْوِ والركض لِيَرُدَّهُ، فَلَوْ عَلِمَهُ وَهُوَ يُصَلِّي، أي فرضًا أو نفلًا، أَوْ يَأْكُلُ، أي أو يقضي حاجته، فَلَهُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَفْرُغَ، لأنه لا يُعَدُّ مقصرًا، أَوْ لَيْلًا فَحَتَّى يُصْبِحَ، لما قَرَّرْنَاهُ من عدم التقصير.
فَرْعٌ: لو وجد عيبًا بعد الحول فبادر إلى إخراج الزكاة من غيرها عند ظهور العَيْبِ حتى يتخلص من حق الغير ولم يتطاول الزمان هل له الرد؟ فيه وجهان؛ أحدهما: نعم لقرب الزمان، والثاني: لا، لأن إخراج الزكاة اشتغال بغير الرد قاله الرويانى.
فَإِنْ كان الْبَائِعُ بِالْبَلَدِ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيْلُهُ، أي عليه إذا لم يحصل
الجزء: 2 - الصفحة: 706
بالتوكيل تأخير، أَوْ عَلَى وَكِيلِهِ، لأنه قائم مقامه، وَلَوْ تَرَكَهُ وَرَفَعَ الأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ فِهُوَ آكَدُ، لأن المالك ربما أحوجه في آخر الأمر إلى المرافعة إليه، فيكون الإِتيان إليه أولًا فاصلًا للأمر قطعًا، قال الرافعي: والتخيير المذكور هو الذي فهمته من كلام الأصحاب، وقال الإمام: المذهب إن العدول إلى الحاكم مع وجود المردود عليه تقصير، قال صاحب المطلب: وإذا علم المشتري بحضرة أحدهم كان التأخير للآخر تقصيرًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، أي عن البلد، رَفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ، أي لا يؤخر لقدومه ولا للمسافرة به، وظاهر إطلاق المصنف يشمل الغيبة القريبة أيضًا لما فيه من الحرج.
وَالأصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الاِشْهَادُ عَلَى الْفَسْخِ، أي على طلبه، إِنْ أَمْكَنَهُ حَتَّى يُنْهِيَهُ إِلَى الْبَائِعِ أَوِ الْحَاكِمِ، لأنه المقدور عليه، والثاني: لا، لأنه إذا كان طالبًا للبائع أو الحاكم لا يعد مقصرًا، وصرح الغزالي بإشهاد اثنين وهو احتياط كما في المطلب لأن الواحد مع اليمين كافٍ، وقوله: حتى ينهيه، يقتضى وجوب الذهاب، لكن إذا أشهد على الفسخ نفدَ 51 لأنه لا يتوقف عندنا على خصم ولا على قاضٍ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الاِشْهَادِ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّلَفُّظُ بِالْفَسْخِ فِي الأصَحِّ، لأن الكلام الذي يقصد به إعلام الغير ما في النفس يبعد إيجابه من غير سامع، والثاني: يلزمه، ونقله في التتمة عن عامة الأصحاب ليبادر بحسب الإمكان.
وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ الاِسْتِعْمَالِ فَلَوِ اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ أَوْ تَرَكَ عَلَى الدَّابَّةِ سَرْجَهَا أَوْ إِكَافَهَا، أي البرذعة في سيره للرد أو في المدة حتى التي يُغتفر التأخير إليها، بَطَلَ حَقُّهُ، أي إذا لم يحصل بنزعه ضرر للدابة لإشعاره بالرضى، ولو خدمه وهو ساكت فظاهر كلام المصنف أنه لا يؤثر، لكن ظاهر كلامه أن مجرد الاستخدام يؤثر وإن لم يوجد؛ وفيه نظر.
وَيُعْذَرُ فِي رُكُوبِ جَمُوحٍ يَعْسُرُ سَوْقُهَا وَقَوْدُهَا، للحاجة فلو لم تكن جموحًا فلا يعذر كما لو لبس الثوب للرد.
وَإِذَا سَقَطَ رَدَّهُ بِتَقْصِيرٍ فَلاَ أَرْشَ، لأنه هو
الجزء: 2 - الصفحة: 707
المفوت بتقصيره.
وَلَوْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ، أي بجناية أو آفة، سَقَطَ الرَّدُّ قَهْرًا، لما فيه من الإضرار بالبائع، لأنه أخذه بعيب فلا يرده بعيبين، نعم لو علم العيب القديم بعد زوال الحادث رده عليه على الصحيح، ونسيان القُرْآنِ والحِرْفَةِ بِمَثَابَةِ الْعَيْبِ لنقصان القيمة، ثُمَّ إِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ، أي بلا أرش عن الحادث، رَدَّهُ، على الصحيح، الْمُشْتَرِي أَوْ قَنِعَ بِهِ، أي بلا أرش عن القديم كما لو لم يحدث عيب، وَإِلَّا، أي وإن لم يرضَ البائع به، فَلْيَضُمَّ الْمُشْتَرِي أَرْشَ الْحَادِثِ إِلَى الْمَبِيعِ وَيَرُدَّ أَوْ يَغْرَمْ الْبَائِعُ أَرْشَ الْقَدِيمِ، وَلاَ يَرُدُّ، لأن كلًا من المسلكين فيه جمع بين المصلحتين، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَحَدِهِمَا، أي على أحد هذين المسلكين، فَذَاكَ، لأن الحق لهما، وَإِلَّا أي وإن تنازعا فدعا أحدهما إلى الرد مع أرش الحادث والآخر إلى الإمساك وغرامة الأرش القديم، فَالأصَحُّ إِجَابَةُ مَنْ طَلَبَ الإِمْسَاكَ، أي والرجوع بأرش العيب، سواء كان هو البائع أم المشتري، لما فيه من تقرير العقد، والثاني: يجاب البائع، لأنه إما غارم أو آخذ ما لم يرد العقد عليه، والثالث: يجاب المشتري، لأن البائع قد لبَّسَ عليه.
فَرْعٌ: لو اطلع على عيب الثوب بعد صبغه فأراد البائع إعطاء الأرش وأراد المشتري رد الثوب وأخذ قيمة الصبغ أو عكسه فالمجاب البائع على الأصح.
وَيَجِبُ أَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِيُ الْبَائِعَ عَلَى الْفَوْرِ بِالْحَادِثِ لِيَخْتَارَ، أي هل يقبله بالأرش أم لا، فَإِنْ أَخَّرَ إِعْلاَمَهُ بِلاَ عُذْرٍ فَلاَ رَدَّ وَلاَ أَرْشَ، كما في الرد بالعيب حيث جوزناه.
نعم لو كان الحادث قريب الزوال غالبًا كالرمد والحمى فلا يعتبر الفور على أحد القولين بل له انتظار زواله ليرده سليمًا عن العيب الحادث.
وَلَوْ حَدَثَ عَيْبٌ لاَ يُعْرَفُ الْقَدِيمُ إلَّا بِهِ كَكَسْرِ بَيْضٍ، أو وهو بيض النعام، وَرَانِجٍ، بكسر النون وهو الجوز الهندي، وَتَقْوِيرِ بَطِّيخٍ مُدَوَّدٍ رُدَّ، كالمصرات، وَلاَ أَرْشَ عَلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ، لأن البائع سلطه على كسره إذ لا يعلم عيبه إلا به فهو معذور في تعاطيه.
والثاني: يردُّ ويردُّ معه الأرش رعايةً للجانبين، والثالث: لا يرد
الجزء: 2 - الصفحة: 708
أصلًا كسائر العيوب الحادثة، أما بيضُ الدجاج المذرة والبطيخ المدود كله أو المعفن؛ فإنه يرجع بجميع الثمن ويلزم البائع بتنظيف المكانِ، وتبين فساد البيع لوروده على غير متقوم، فَإِن أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْقَدِيمِ بِأَقَلِّ مِمَّا أَحْدَثَهُ فَكَسَائِرِ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ، لعدم الحاجة إليه، وذلك كما إذا قوّر البطيخ الحامض وقد أمكن الوقوف على حاله بغرز شيء فيه.
فَرْعٌ: اشْتَرَى عَبْدَيْنِ مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً رَدَّهُمَا، كالعين الواحدة، فلو أراد افراد أحدهما بالرد ففيه القولان الآتيان في المسألة أثرها، وَلَوْ ظَهَرَ عَيْبُ أَحَدِهِمَا رَدَّهُمَا، لما فيه من تفريق الصفقة عليه.
لاَ الْمَعِيبُ وَحْدَهُ فِي الأظْهَرِ، لما فيه من تفريق الصفقة على البائع من غير ضرورة، والثاني: له ذلك لاختصاصه بالعيب، والخلاف جارٍ في كل شيئين لا تتصل منفعة أحدهما بالآخر.
فَرْعٌ: لو رضي البائع بالافراد جاز على الأصح.
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَ رَجُلَيْنِ مَعِيبًا، فَلَهُ رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، تعدد البائع يوجب تعدد العقد وفيه وجه في البحر، وَلَوِ اشْتَرَيَاهُ فَلأحَدِهِمَا الرَّدُّ فِي الأَظْهَرِ، لأنه رد جميع ما ملك، والخلاف مبني على تعدد الصفقة بتعدده، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ صُدِّقَ الْبَائِعُ، أي إذا ادعى الحدوث وأمكن، لأن الأصل لزوم العقد، وعدم العيب في يده.
واستثنى في الوسيط ما إذا اختلفا بعد التحالف وانفساخ البيع، وقال: إن القول قول المشتري، ولو ادعى المشتري وجود عيبين في يد البائع فاعترف بأحدهما؛ وادعى حدوث الأخر في يد المشتري فإن القول قول المشتري؛ لأن الرد يثبت بإقرار البائع بأحدهما فلا يبطل بالشك، قاله ابن القطان في مطارحاته، بِيَمِينِهِ، لاحتمال صدق المشتري، عَلَى حَسَبِ جوَابِهِ، أي على مثل جوابه فإن قال في جوابه: ليس له الرد علَيّ بالعيب الذي يذكره أو لا يلزمني قبوله حلف على ذلك، وإن قال: ما بعته إلا سليمًا أو ما أقبضته إلا سليمًا حلف كذلك، وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ كَالسَّمْنِ تَتْبَعُ الأَصْلَ، لعدم أمكان إفرادها، وَالْمُنْفَصِلَةُ كَالْوَلَدِ وَالأُجْرَةِ
الجزء: 2 - الصفحة: 709
لاَ تَمْنَعُ الرَّدَّ، عملًا بمقتضي العيب، وَهِيَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ رَدَّ بَعْدَ الْقَبْضِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ] رواه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح الإسناد 52. ومعناه أن ما يخرج من المبيع من غَلَّةٍ وفَائِدَةٍ فهو للمشتري في مقابله أنه لو تلف لكان من ضمانه، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الأصَحِّ.
الخلاف مبني على أن الفسخ يرفع العقد من حينه أو من أصله؛ والأصح الأول.
وَلَوْ بَاعَهَا حَامِلًا فَانْفَصَلَ رَدَّهُ مَعَهَا في الأَظْهَرِ، بناء على أن الحمل يعلم ويقابل بقسط من الثمن، والثاني: لا؛ بناء على مقابله.
وهذا إذا لم تنقص بالولادة، فإن نقصت امتنع الرد، قاله الرافعي، واحترز بقوله (فَانْفَصَلَ) عما إذا كانت بَعْدُ حاملًا فإنه يردها لذلك جزمًا.
فَرْعٌ: باع دجاجة فيها بيضة فباضت ثم وجد بالدجاجة عيبًا هل يلزمه ردُّ البيضة مع الدجاجة؟ وجهان؛ بناءً على القولين في الحمل ذكره الروياني.
وَلاَ يَمْنَعُ الرَّدُّ اسْتِخْدَامَ، بالإجماع، وَوَطْءَ الثَّيِّبِ، أي في حق المشتري قياسًا على الاستخدام، أما غيره إذا كانت زانية فإنه عيب حادث، ووطئ الأجنبي والبائع بشبهة كوطءِ المشتري.
الجزء: 2 - الصفحة: 710
وَافْتِضَاضُ الْبِكْرِ، وهو إزالة بكارتها، بَعْدَ الْقَبْضِ نَقْصٌ حَدَثَ، أي فيمنع الردّ كسائر العيوب الحادثة، وَقَبْلَهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أي فيفرق بين الأجنبي والبائع والمشتري والآفة السماوية وقد أوضحته في الشرح.
فَصْلٌ: التَّصْرِيَةُ حَرَامٌ، لأنها غش وتدليس 53، تُثْبِتُ الْخِيَارَ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ] رواه مسلم 54، عَلَى الْفَوْرِ، كالرد بالعيب، وَقِيلَ: يَمْتَدُّ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، للحديث الصحيح المذكور وهذا الوجه هو الحق.
وقد نصَّ عليه إمامنا في الإِمْلاَءِ وغيره، ولو عرَفها قبل ثلاثة أيام فخياره على الفور على الأول، وعلى الثاني يمتد إلى آخر الثلاثة، ولو عرَفها في آخر الثلاث أو بعدها فعلى الثاني لا خيار لامتناع مجازوة الثلاث، وعلى الأول يثبت على الفور قطعًا، فَإِنْ رَدَّ بَعْدَ تَلَفٍ اللَّبَنِ رَدَّ مَعَهَا، أيْ مع البهيمة، صَاعَ تَمْرٍ، للحديث الصحيح فيه، وَقِيلَ: يَكْفِي صَاعُ قُوتٍ، لأنه ورد التمر والطعام والقمح كما أخرجه أبو داود 55 فدل على اعتبار القوت مطلقًا كصدقة الفطر.
أما
الجزء: 2 - الصفحة: 711
إذا كانَ اللبنُ باقيًا؛ فإن طلب البائع رده لم يجبر المشتري، لأن ما حدث بعد البيع هو ملك له، وإن طلب المشتري فإن حَمِضَ لم يكلف البائع قبوله، وكذا إن لم يتغير في الأصح لذهاب طراوته، ورأيتُ في كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف: أن المصراة يردها مع صاع تمر إلا في حالتين: أن يكون اللبن موجودًا لم يتغير، وأن يكون اشتراها بأقل من صاع مع اللبن فلا يردَّها مع صاعٍ؛ قال: وفيه نظر.
فَرْعٌ: تَرَاضَيَا عَلى غَيْرِ التَّمْرِ مِنْ قوتٍ وغيرهِ جَازَ قَطْعًا قالهُ البغويُّ.
فَرْعٌ: يتعدد الصاع بتعدد المصراة كما نقله ابن قدامة الحنبلى عن الشافعى، ولم أرهُ في كلام أصحابنا 56.
فَرْعٌ: رَضِيَ بإمساكِ الْمُصَرَّاةِ وَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا قديمًا فالنصُّ والمذهبُ أنه يَرُدُّهَا ويردُّ اللَّبنَ، وقيل: يتعين الأرش.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الصَّاعَ لاَ يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَقِلَّتِهِ لإطلاقِ الخبرِ وقطعًا للنزاع، والثاني: يَتَقَدَّرُ بقدره لِوُرُودِهِ كذلك في رواية أبي داود السالفة؛ فإن فيها رد مثل أو مثلي لبنها قمحًا، وَأَنَّ خِيَارَهَا لاَ يَخْتَصُّ بِالنَّعَمِ، وهى أي الإبل والبقر = بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَد مَعَهَا مِثْلَ أوْ مِثلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا].
رواه أبو داود في السنن: كتاب البيوع: باب من اشترى مُصَرَّاة فكرهها: الحديث (3445) والحديث إسناده ضعيف.
وليس التمر بقيد؛ والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 712
والغنم، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَأْكُولٍ وَالْجَارِيَةَ وَالَأتَانَ، أي وهي الأُنثى من الحمر الأهلية لأن في رواية أبي داود المذكورة من ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً، والثاني: تختص بالنعم، لأن ما عداها لا يقصد لبنه إلّا على نُدُورٍ، وَلاَ يَرُدُّ مَعَهُمَا شَيْئًا، أي مع الجارية والاتان؛ لأن الأول لا يعتاض عنه غالبًا، والثاني: نجس، وَفِي الْجَارِيَةِ وَجْهٌ، أي أنه يرد بدله، لأن لبنها مقصود، قال الإمام: ومحل الخلاف إذا لم يكن للبنها قيمة، أما إذا كان له قيمة فلا بد من بدله، وَحَبْسُ مَاءِ الْقَنَاةِ وَالرَّحَا الْمُرْسَلِ عِنْدَ الْبَيْعِ، أي والاجارة، وَتَحْميِرُ الْوَجْهِ، وَتَسْوِيدُ الشَّعْرِ، وَتَجْعِيدُهُ، أي المحبوب، يُثْبِتُ الْخِيَارَ، قياسًا على التصرية بجامع التدليس، لاَ لَطْخِ ثَوْبِهِ تَخْيِيلًا لِكِتَابَتِهِ فِي الأَصَحِّ، لتقصير المشتري بعدم الامتحان والسؤال عنه فليس فيه كبير تغرير، والثاني: نعم للتلبيس والتدليس.
بَابُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ
بَابٌ: الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ لبقاء سلطنته عيه، واستثنى بعض شيوخ شيوخنا من ذلك ثلاث مسائل، الأُولى: إذا اشترى أمَة فوطأها أبو المشتري قبل القبض وأحبلها ثم ماتت، فإنها تتلف من ضمان المشتري فيما يظهر، لأنها بالعلوق قدر انتقالها إلى ملك الأب، ومن ضرورة ذلك تقدير القبضْ وإن لم توجد صورته؛ الثانية: إذا اشترى السيد من مكاتبه شيئًا ثم عجز المكاتب نفسه.
قَبَلَ قبض السيد العين المبيعة، الثالثة: إذا اشترى الوارث من مورثه عينًا ثم مات المورث قبل القبض.
فَإِنْ تَلَفَ اَنْفَسَخَ الْبَيْعُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ، لأنه قبض مستحق بالبيع؛ فإن (•) تعذر انفسخ البيع كما لو تفرقا في عقد التصرف قبل التقابض، ولو باعه عبدًا وسلمَهُ (•) في النسخة (2) و (3): فإذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 713
للمشتري وديعَةً وقبضهُ ولم يعلم بأنه المبيع فمات في يده فهو في ضمان البائع على أحد الوجهين قاله في البحر.
وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمُشترِيُ عَنِ الضَّمَانِ لَمْ يَبْرَأ فِي الأظْهَرِ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ، لكونه إبراءً عما لم يجب، والثاني: إبراءٌ يبرأُ لوجود السبب، وَإِتْلاَفُ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ إِنْ عَلِمَ، كما لو أُتلفَ المغصوبُ في يد الغاصبِ، ويستثنى من ذلك ما إذا قتله المشتري لصياله عليه، فإنه لا يكون قبضًا على الأصح، من زوائد الروضة، وما لو ارتد وكان المشتري هو الإمام فقتله لردته، فإن قتله غيرُهُ كان قابضًا؛ لأنه لا يجوز له قَتْلَهُ، أفتى به البغوي، وفيما إذا قتله غير الإمام نظر ولو قتله المشتري قصاصًا فيظهر، كما قال صاحب المطلب: أن يكون كالآفة السماويةِ.
وإلَّا، أي وإن جهل، فَقَوْلاَنِ: كَأَكلِ الْمَالِكِ طَعَامَهُ الْمَغْصُوبَ ضَيْفًا، أي جاهلًا بأنه طعامه بتقديم الغاصب، فإن قلنا الغاصب لا يبرأُ لتغريرهِ لم يكن هنا قبضًا، وإن قلنا يبرأُ وهو الصحيح لأجل مباشرة المالك الإتلاف فيكون هنا قبضًا وإن لم يكن بتقديم أحد؛ فلا يبعد أن يكون كالآفة السماوية، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ إِتْلاَفَ البَائِع كَتَلَفِهِ، أي بآفة سماوية فينفسخ؛ لأن المبيع مضمون بالثمن فإذا أتلفه سقط الثمن، والثاني: لا ينفسخ، لأنه جانٍ على ملك غيره؛ فأشبه الأجنبي فيتخيّر المشتري بين الفسخ والإجازة، أي ويرجع على البائع بالبدل.
والطريق الثاني: القطع بالأول وصححها صاحب التنبيه ونقلها في المهذب عن الأكثرين.
فَرْعٌ: بيع البائع مع الإقباض وعجزه عن الاسترداد كجنايتهِ.
وَالأظْهَرُ: أَنَّ إِتْلاَفَ الأجْنَبِيِّ لاَ يَفْسَخُ، لقيام القيمة مقام المبيع، بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْترِي بَيْنَ أَن يُجِيزَ وَيَغْرَمَ الأَجْنَبِيُّ أَوْ يَفْسَخَ فَيَغْرَمَ الْبَائِعُ الأجْنَبِيُّ، لفوات العين المقصودة، والثاني: يكون فسخًا لتعذر التسليم، ثم هذا إذا كان الإتلاف عدوانًا، فإن كان بحقٍّ بأن أتلف عبده فاقتص منه فهو كالآفة السماوية قطعًا.
وَلَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَرَضِيَهُ أَخَذَهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ، كما لو كان مقارنًا للعقد،
الجزء: 2 - الصفحة: 714
وَلَوْ عَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي فَلاَ خِيَارَ، لحصوله بفعله بل يمتنع بسببه الرد بالعيوب القديمة، أَوِ الأَجْنَبِيُّ فَالْخِيَارُ، لكونه مضمونًا على البائع، فَإِنْ أَجَازَ غَرِمَ الأجْنَبِيُّ الأرْدشَ، أي وهو المقدار المذكور في الدِّيَاتِ لأنه الجانى.
وَلَوْ عَيَّبَهُ الْبَائِعُ؛ فَالْمَذْهَبُ: ثُبُوتُ الْخِيَارِ لاَ التغْرِيمِ، إِعْلَمْ: أن ثبوت الخيار لا خلاف فيه وقد جزم به الرافعي وغيره، لأن فعل البائع، إما كالآفة، وإما كفعلِ الأجنبيِّ، وكلاهما مثبت للخيار قطعًا.
وإنما الخلاف في التغريم؛ والمذهب: أنه لا يثبت بناء على أنه كالآفة السماوية، والثاني: يثبت بناء على جعله كالأجنبي، فالصواب في التعبير أن يقول: ثبت الخيار لا النغريم على المذهب؛ وقد أوقعه في ذلك ظاهر عبارة الْمُحَرَّرِ (•).
فَصْلٌ: وَلاَ يَصِح بَيْعُ الْمَبِيع قَبْلَ قَبْضِهِ، لصحة النهى عنه 57، ثم قيل: المنع (•) في هامش النسخة (3): بلغ مقابلةً على نسخة قريت على المصنف وعليها خطه.
الجزء: 2 - الصفحة: 715
معلل بضعف الملك، وقيل بتوالي الضمانين، وَالأصَحُّ أَنَّ بَيْعَهُ لِلْبَائِع كَغَيرِهِ، مراعاة للمعنى الأول، والثانى: يجوز بناءً على الثاني، ومحل الخلاف فيما إذا باعه بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقصان أو تفاوت صفة، وإلا فهو إقالة بلفظ البيع قاله المتولي، وَأَنَّ الإِجَارَةَ وَالرهْنَ وَالْهِبَةَ كَالْبَيْع، بناءً على المعنى الأول، والثاني: يصح بناء على الثاني، وَأَنَّ الإِعْتَاقَ بِخِلاَفِهِ، أى بخلاف البيع فيصح، ولو كان للبايع حق الحبس لفوته؛ وضعف حق الحبس.
والثاني: لا يصح؛ لأنه إزالة ملك كالبيع.
فَرْعٌ: الترويج والاستيلاد والوقف كالعتق لا الكتابة.
وَالثَّمَنُ الْمُعَيَّنِ كاَلْمَبِيع، فَلاَ يَبِيعُهُ الَبائِع قَبْلَ قَبْضِهِ، لعموم النهي، وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَمَانَةٌ، كَوَدِيعَةِ؛ وَمُشْتَرَكٍ؛ وَقِرَاضٍ؛ وَمَرْهُونٍ بَعْدَ انْفِكَاكِهِ؛ وَمَوْرُوثٍ؛ وَبَاقٍ فِي يَدِ وَليِّهِ بَعْدَ رُشدِهِ، وَكَذَا عَارِيَةٌ وَمَأخُوذٌ بِسَوْمٍ، لتمام الملك والقدرة على التسليم؛ ويستثنى من الموروث ما إذا كان الْمُوَرِّثُ لا يملكُ بيعهُ بأنْ اشتراهُ أو ماتَ قَبْلَ أنْ يقبضه، ومن الأمانة ما إذا استأجر صباغًا لِصَبْغِ ثوبٍ، وسلمه إليه.
فليس للمالك بيعه قبل صبغه، لأن له حبسه لعمل ما تُسْتحَقُّ بِهِ الأجرة، وإذا صبغه فله بيعه قبل استرداده إن وفر الأجرة وإلّا فلا.
قاله البغوي والرافعي؛ قالا: والقصارة كالصبغ إلّا إذا قصر.
وقلنا: القصارة أثرٌ.
وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلِمِ فِيهِ وَلاَ الاِغتِيَاضُ عَنْهُ، لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض، وَالْجَدِيدُ جَوَازُ الاسْتِبْدَالِ عَنِ الثمَنِ، أي الذي في الذمة لحديث ابن عمر: كُنْتُ أَبِيْعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيْع - وهو بالباء الموحدة - بِالدَّنانِيرِ وَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّرَاهِمَ؛ وَأَبِيْعُ بالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّنَانِيْرَ، فَأتَيْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَسَألتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: [لاَ بَاَسَ إِذَا تَفَررَّقْتمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ] صححه ابن حبان وغيره 58 والقديم:
الجزء: 2 - الصفحة: 716
المنع؛ لإطلاق النهى عن بيع ما لم يقبض.
فَرْعٌ: الأصح أن الثَّمَنَ النقْدُ؛ وَالْمُثَمَّنُ مَا يُقَابِلُهُ؛ فإن لم يكن نقدًا أو كانا نقدين، فالثمن ما اتصلت به الباء.
فَإنِ اسْتَبْدَلَ مُوَافِقًا فِي عِلَّةِ الرِّبَا كَدَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ اشتُرِطَ قَبضُ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ، حذرًا من الربا، وَالأصَحُّ.
أنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ التعْيِينُ فِي العَقْدِ، لأن الصرف على الذمة جائز، والثانى: يشترط ليخرج عن بيع الدين بالدين، وَكَذَا الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ إِنِ اسْتَبْدَلَ مَا لاَ يُوَافِقُ فِي الْعلَّةِ كَثوْبٍ عَن دَرَاهِمَ، أي لا يشترط أيضًا في الأصح كما لو باع بدراهم في الذمة لا يشترط قبض الثوب، والثانى: يشترط؛ لأن أحد العوضين دين فيشترط قبض الآخر كرأس مال السَلَمِ.
فَرْعٌ: لو لم يعين العوض، بل وصف في الذمة، اشترط التعيين في المجلس وفي اشتراط القبض الوجهان.
وَلَوِ اسْتَبْدَلَ عَنِ الْقَرْضِ، أي عن دين القرض، وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ، أي إن كان متقومًا، جَازَ، لاستقراره؛ فإن وجب فيه المثل فكذلك أيضًا، وَفِي اشْتِرَاطِ قَبْضهِ فِي الْمَجْلِسِ مَا سَبَقَ، أي من كونه مخالفًا في علة الربا وموافقًا، وكذا يأتي في اشتراط تعيينه ما سبق.
وَبَيْعُ الدِّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ بَاطِلٌ فِي الأظهَرِ، بِأَن يَشْتَرِي عَبْدَ زَيْدٍ بِمَائَةٍ لَهُ عَلَى عَمْرو، لأنه لا يقدر على تسليمه، والثاني: يجوز لاستقراره كبيعه ممن عليه = وَأبِيْعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيْرَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: [لاَ بَأْسَ أنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَينَكمَا شَيءٌ].
• رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب البيوع: باب أخذ العوض عن الثمن الموصوف: الحديث (10836)، وأصله في سنن أبي داود: باب في اقتضاء الذهب من الورق: الحديث (3354). والترمذى في الجامع: الحديث (1242).
• رواه ابن حبان في الإحسان: كتاب البيوع: الحديث (4899).
الجزء: 2 - الصفحة: 717
وهو الاستبدال كما تقدم، وصححه في الروضة من زؤائده، وَلَوْ كَان لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو دَبْنَانِ عَلَى شَخْصٍ فَبَاعَ زَيْدٌ عَمْرًا دَيْنَهُ بِدَيْنِهِ بَطَلَ قطعًا، للنهى عن بيع الكَالِئ بِالكَالِئ وهو بيع الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ 59، وقيل: بيع النسيئة بالنسيئة.
وَقَبْضُ الْعَقَارِ تَخْلِيَتُهُ لِلْمُشْتَرِي، أي تركه له، وَتمْكينُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِع، لأن الشرع أطلق القبض وأناط به أحكامًا، ولم يُبَيِّنْهُ وَلاَ له حدّ في اللغة.
فيرجع فيه إلى العرف كالإحياء وغيره، والعرف قاض كما ذكره، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْعَاقِدَانِ الْمَبِيعَ، أي وقلنا بالأصح أنه لا يشترط حضورهما عنده لما فيه من المشقة، اعْتُبِرَ مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ المُضِيَّ إِلَيْهِ فِي الأصَحِّ، أي سواء كان في يد المشتري أم لا؛ لأنا أسقطنا الحضور للمشقة ولا مشقة في الزمان فَاعْتُبِرَ، والثاني: لا يعتبر؛ لأنه لا معنى لاشتراطه عند عدم الحضور.
وَقَبْض الْمَنْقُولِ تَحْوِيلُهُ، لحديث ابن عمر: (كُنَّا نشْتَرِي الطْعاَمَ مِنَ الرُّكْبَانِ جِزَافًا فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَبِيْعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ) 60. قُلْتُ: وإتلاف
الجزء: 2 - الصفحة: 718
المشتري قبض؛ كما تقدم.
وكذا إذا كان المبيع خفيفًا يتناول باليد فقبضه بالتناول واحتواء اليد عليه، فَإِنْ جَرَى الْبَيْعُ بِمُوْضِعٍ لاَ يَخْتَصُّ بِالْبَائِع كَفَى نَقْلُهُ إِلَى حَيِّزٍ، لوجود التحويل، وقوله البيع لو أبدله بالمبيع لكان أصوب، وَإِنْ جَرَى فِي دَارِ الْبَائِع لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ، لأن يد البائع عليها وعلى ما فيها، نَعَمْ: يدخل في ضمانه لوجود الاستيلاءِ، إِلَّا بِإِذْنِ الْبَائِع، أي في القبض والنقل معًا، فَيَكُونُ مُعِيْرًا لِلْبُقْعَةِ، إي التي أذن في النقلَ إليها كما لو استعار من غيره.
فَرْعٌ: لِلْمُشْتَرِي قَبْضُ الْمَبِيع إِن كَان الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا، أي في ابتداء العقد، أَوْ سَلَّمَهُ، إليه كما للمرأة قبض الصداق بغير إذن الزوج إذا سلمت نفسها فإن حَلَّ قبل التسليم فلا حبس (•)، وَإِلَّا فَلاَ يَسْتَقِل بِهِ، أي بل لا بد من إذن البائع، وعليه الردُّ.
لأن البائع يستحق الحبس لاستيفاء الثمن.
وَلَوْ بِيعَ الشيْءُ تَقْدِيرًا كَثَوْبٍ وَاَرْضٍ ذَرَعًا؛ وَحِنْطَةٍ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا؛ اشْتُرِطَ مَعَ النَّقْلِ ذَرْعُهُ، أي إن بيع ذرعًا، أَوْ كَيْلُهُ، أي بأن يبيع كيلًا، أَوْ وَزْنُهُ، إن بيع = باب ما ذكر في الأسواق: الحديث (2123).
• (لَقَدْ رَأَيْتُ الناسَ في عَهْدِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَبْتَاعُونَ جِزَافًا - يعني الطعامَ - يُضَربونَ أنْ يَبِيعُوهُ في مَكَانِهِمْ حَتى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ): باب من رأى إذا اشترى طعامًا: الحديث (2137).
• (فَنَهَاهُمْ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبِيْعُوهُ في مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ): باب منتهى التلقي: الحديث (2167).
(•) في النسخة (3) زيدت عبارة على المتن؛ وهى:
وهو ما قاله الشيخ أبو حامد وعلى ذلك جرى البغوي وصاحب التتمة وأكثر الأئمة، وفيه وجهٌ أنَّ لها الحَبْسُ في الصداقِ قاله الرافعي، وما ترجم هنا في قدر الحبس ذكره في الْمُحَرَّرِ وخالفهما في الشرح الصغير وصحح الجواز وهو الصواب.
إنتهى.
وعلى ما يبدو لي أنها عبارة في الهامش أُدخلت على النسخة.
لأنها توضيحية وبيانية، أو ربما هي من الشرح الكبير لابن الملقن، والله أعلم.
والشرح الكبير مخطوط (عُمْدَةُ المُحْتَاج إِلَى شَرْحِ الْمِنهَاجِ).
الجزء: 2 - الصفحة: 719
وزنًا وكذا عدّه في المعدود بورود النص في المكيل وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَكتالَهُ] رواه مسلم 61. والباقي بالقياس عليه ثم مثل المصنف للمكايلة فقال، مِثَالُهُ: بِعْتُكهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ عَلَى أنَّهَا عَشْرَةُ آصُعٍ، ومثال الباقي لا يخفى، وَلَوْ كَان لَهُ، أي لِبَكْرٍ مثلًا، طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ وَلعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَلْيَكْتَلْ لِنَفْسِهِ ثُم يَكِيلُ لَعَمْرٍو، وليكون قبضه قبل اقباضه، فَلَوْ قَالَ، أي الذي له الطعام وهو بَكْرٌ، إِقْبِضْ، أي يا عمرو، مِنْ زَيْدٍ مَالِي عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ فَفَعَلَ فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ، أي لعمرو قطعًا لاتحاد القابض والمقبض؛ فإنه يصير قابضًا من نفسه لنفسه، والأصح صحته بالنسبة إلى زيدٍ 62.
فَرْعٌ: قَالَ البَائِعُ: لاَ أسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ.
وَقَالَ الْمُشْتَرِي فِي الثمَنِ مِثْلَهُ، أُجْبِرَ الْبَائِعُ، لتعلق حقه بالذمة، وَفِي قوْلٍ: الْمُشتَرِي، لتعلق حقه بالعين، وَفِي قَوْلٍ: لاَ إِجْبَارَ، فمن سلم أجْبِرَ صاحبه، لأنهما سواء، وَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرَانِ، لأن التسليم واجب عليهما فيأمر الحاكم كل واحد منهما بإحضار ما عليه إليه، أو إلى عدل، فإذا سلما سلم الثمن إلى البائع والمبيع إلى المشتري؛ لا يضره بأيهما بدأ، قُلْتُ: فَإنْ كَان الثمَنُ مُعَيَّنًا سَقَطَ الْقَوْلاَنِ الأوَّلاَنِ، وَأجْبِرَا فِي الأظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لاستواء الجانبين، وهذا كله إذا كان الثمن حالًا، فإن كان مؤجلًا أُجْبِرَ البائع
الجزء: 2 - الصفحة: 720
قطعًا، وفي بيع الولي أو الوكيل لا يأتى إلّا اجبارهما أو إجبار المشترى، وَإِذَا سَلَّمَ الْبَائِعُ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي إِن حَضَرَ الثَّمَن، أي نوعه، لأن الكلام فيما إذا كان الثمن في الذمة، لأن التسليم واجب ولا مانع منه، وَإلَّا، أي وإن لم يكن حاضرًا، فَإِنْ كَان مُعْسِرًا فَلِلْبَائِع الْفَسْخُ بِالْفَلَسِ، لما سيأتى في بابه فيحجر الحاكم عليه حينئذ، أَؤ مُوْسِرًا وَمَالُهُ بِالْبَلَدِ، أَوْ بِمَسَافَةٍ قَرِيبَةِ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي أَموَالِهِ حَتى يُسَلّمَ، لئلا يتصرف فيها بما يبطل حق البائع، وهذا حجر غريب رواه الشافعى - رضي الله عنه -، فَإن كَان بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يُكَلَّفِ الْبَائِعُ الصَّبْرَ إِلَى إِحْضَارِهِ, لتضرره به، وَالأصَحُّ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ، لتعذر تحصيل الثمن كإفلاس المشتري به، والثانى: يباع ويؤدي حقه من ثمنه كسائر الديون، فَإِنْ صَبَرَ فالْحَجْرُ كَمَا ذَكَرْنَا، لاحتمال تفويت المال كما قدمناه، وَلِلْبَائِع حَبْسُ مَبِيعِهِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ إِنْ خَافَ فَوْتَهُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَإنَّمَا الأقْوَالُ إِذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ وَتَنَازَعَا فِي مُجَرَّدِ الاِبْتِدَاءِ، لأن الإجبار عند خوف الفوات بالهرب أو تمليك المال أو نحو ذلك فيه ضرر ظاهر، قال الرافعي: وهكذا الحكم في المشتري أيضًا.
بَابُ التوْلِيَةِ وَالإِشْرَاكِ وَالْمُرَابَحَةِ
التَّوْليَةُ: مَصْدَرُ وَلَّى تَرْليَةً؛ وَالإِشْرَاكُ: مَصْدَرُ إِشْرَاكِهِ أَيْ صَيَّرَهُ شَرِيْكًا؛ وَالْمُرَابَحَةُ: مِنَ الرِّبْحِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ، وذكر في الباب الْمُحَاطة أيضًا ولم يترجم لها.
اِشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ قَالَ لِعَالِمٍ بِالثمَنِ: وَلَّيْتُكَ هَذَا الْعَقْدَ، أي سواء قال: بما اشتريته أم سكت، فَقَبِلَ، أي بأن قال: قبلت أو توليت، لَزِمَهُ مِثْلُ الثَّمَنِ، أي جنسًا وقدرًا وصفةً، وَهُوَ، أي هذا العقد، بَيْعٌ فِي شَرْطِهِ، أي فلا يصح قبل القبض، ويشترط فيه جميع شروط البيع، لأن حد البيع صادق عليه، وَتَرَتَّبِ أَحْكَامِهِ، أي حتى يُسَلَّمَ الزوائد لأنه ملك جديد، لَكِنْ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الثمَنِ، لأن لفظ التولية يُشْعِرُ بِهِ، وَلَوْ حُطَّ عَنِ الْمُوَلّي بَعْضُ الثْمَنِ، أي بعد التولية، اِنْحَطَّ عَنِ
الجزء: 2 - الصفحة: 721
الْمُوَلَّى، لأنه وإن كان بيعًا جديدًا فخاصتهُ وفائدتُهُ التنزيلُ على الثمن الأول.
وَالإِشْرَاكُ فِي بَعْضِهِ كَالتَّوْلِيَةِ فِي كُلِّهِ إِن بَيَّنَ الْبَعْضَ، أي فإن أبهم فلا للجهالة، فَلَوْ أَطْلَقَ صَحَّ وَكَانَ مُنَاصَفَةً، كما لو أقر بشئ لزيد وعمرو، وَقِيلَ: لاَ، للجهالة 63.
وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ؛ بِأَن يَشْتَرِيَهُ بِمَائَةِ ثُمَّ يَقُولَ: بِعْتُكَ بمَا اشْتَرَيْتُ، أي بمثله، وَرِبْحِ دِرْهَمِ لِكُلِّ عَشَرَةٍ، أي وكذا ربح درهم في كل عشَرة 64، أَوْ رِبْحِ (دَهْ يَازْدَهْ)، لأنه ثمن معلوم فجاز البيع به كما لو قال: بعثك بمئة وعشرة و (دَهْ) بالفارسية عشرة و (يازدَهْ) أحد عشر والدال مفتوحة فيهما.
وَالْمُحَاطةُ؛ كَبِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَحَطِّ (دَهْ يَازْدَهْ)، لما سبق من كونه ثمنًا معلومًا، ويحَطُّ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ وَاحِدٌ، لأن الربح في المرابحة من أحد عشر جزء فليكن كذلك الحطُّ في المحاطَّةِ أيضًا، وَقِيلَ: مِنْ كُلِّ عَشَرَه، كما ذكرنا في المرابحة على كل عشرةٍ واحد، وَإِذَا قَالَ: بعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ سِوَى الثَّمَنِ، أي وهو الذي استقر عليه العقد؛ لأَن الشراء هو العقد؛ والعقد لم يقع إلّا بذلك.
وَلَوْ قَالَ: بِمَا قَامَ عَلَيَّ دَخَلَ مَعَ ثَمَنِهِ أُجْرَةُ الْكَيَّالِ وَالدَّلَّالِ، أي إذا كان الثمن مكيلًا أو عرضًا ونادى عليه واشترى السلعة به، وَالْحَارِسِ؛ وَالْقصَّارِ؛
الجزء: 2 - الصفحة: 722
وَالرَّفَّاءِ؛ وَالصَّبَّاغِ؛ وَقِيمَةُ الصَّبْغِ؛ وَسَائِرُ الْمُؤَنِ الْمُرَادَةِ لِلاِسْتِرْبَاحِ، أي كتطيين الدار وأُجرة المكان والسكن، أما المؤنُ التي يقصد بها استيفاء المال دون الاسترباح كنفقة العبد وكسوته وعلف الدابة فلا يدخل على الصحيح.
وَلَوْ قَصَّرَ بِنَفْسِهِ؛ أَوْ كَالَ؛ أَوْ حَمَلَ؛ أَوْ تَطَوَّعَ بِهِ شَخْصٌ لَمْ تَدْخُلْ أُجْرَتُهُ، لأن عمله لا أجرة له فلا يتقوم عليه، وَلْيَعْلَمَا ثَمَنَهُ أَوْ مَا قَامَ بِهِ، فَلَوْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا بَطَلَ عَلَى الصَّحِيح، لجهالة الثمن كغير المرابحة، والثانى: يصح، لأن الثمن الثاني مبني على الأول ومعرفته سهلة، والثالث: إن عَلِمَاهُ في المجلس صح؛ وإلا فلا، وَلْيُصَدَّقِ الْبَائِعَ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَالأجَلِ، لأن المشتري يعتمد فيه نظره، وَالشِّرَاءِ بِالْعَرْضِ؛ وَبَيَانِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، قُلْتُ: ويجب أيضًا الإخبار بالأجل وبالغبن والشراء من ابنه الطفل وكذا إذا اشتراه بدَين على البائع وكان مماطلًا، ويجب الإخبار أيضًا بكونها مزوَّجة، فَلَوْ قَالَ بِمَائَةٍ، أي وباعه بربح درهم لكل عشرة مثلًا، فَبَانَ بِتِسْعِينَ، أي بإقراره أو ببينة، فَالأَظْهَرُ: أَنهُ يَحُطُّ الزيادَةَ وَرِبْحَهَا، أي ويأخذ المبيع الباقى وهو تسعة وتسعون، لأنه تمليك باعتبار الثمن الأول؛ فيحط الزيادة عنه كما في الشفعة، والثاني: أنه لا يُحط شيئًا، لأنه يسمى ثمنًا معلومًا وعقد به.
وَأَنَّهُ لاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، لأنه رضي بالأكثر، فأَولى أن يرضى بالأقل، والثاني: يثبت، لأنه قد يكون له غرض في الشراء بذلك المبلغ لإبرار قسم أو إنفاذ وصية، أما إذا اشترى منه بلا مرابحة وَبَانَ بأقل، صحَّ البيعُ بالزائد قطعًا، ولا خيار؛ لأنه ضيع حقه حيث اعتمد قوله، قاله القاضى.
وَلَوْ زَعَمَ أَنهُ مِائَةٌ وَعَشْرَةٌ وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الأصَحِّ، لتعذر امضائه؛ فإنَّ الْعَقْدَ لاَ يحتملُ الزيادةَ، وأما النقصان فهو معهود بدليل الأرش.
قُلْتُ: الأَصَحُّ صِحُّتُهُ، وَالله أَعْلَمُ، كما لو غلط بالزيادة فلا تثبت؛ وللبائع الخيار، وَإنْ كَذَّبَهُ وَلَمْ يُبَيّنْ لِلْغَلَطِ وَجْهًا مُحْتَمَلًا، أي بفتح الميم، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، لأنه رجوع عن إقرار تعلق به حق آدمى، وَلاَ بَيِّنَتُهُ، لأنه مكذب لها بقوله الأول، وَلَهُ تَحْلِيفُ
الجزء: 2 - الصفحة: 723
الْمُشتَرِي أَنهُ لاَ يَعرِفُ ذَلِلث فِي الأصَحِّ، لأنه ربما يقر عند عرض اليمين عليه، والثاني: لا، كما لا تُسمع بيّنتُهُ، وإِن بَيَّنَ، أي بأن قال مثلا: راجعت جريدتي فغلطت من ثمن متاع إلى غيره، فَلَهُ التحلِيفُ، لأن ذلك يحرك ظَنَّ صدقه (65)، ومنهم من طرد الخلاف السابق وهو أشهر كما قاله الإمام وغيره، وَالأصَحُّ سَمَاعُ بَيِّنَتِهِ، قياسًا على التحليف والجامع بينهما العذر، والثاني: لا لتكذيبه لها، قال ابن الرفعة في المطلب: وهذا هو المشهور المنصوص.
بَابُ الأصُولِ وَالثمَارِ
بَابُ الأصُولِ وَالثمارِ: أي بابُ بيع الأصولِ والثِّمَارِ، والمرادُ بالأصولِ الشَجَرُ وَالأرضُ، والثِّمَارُ جمعُ ثَمَرٍ.
قَالَ: بِعتُكَ هذِهِ الأرض أَوِ الساحَةَ أَوِ الْبُقْعَةَ، أي وكذا العرصَةَ، وَفِيها بِنَاءٌ وَشَجَرٌ، أي رطب، فالْمَذهبُ أنهُ يَدخُلُ فِي الْبيع، لفوته، دُون الرَّهْنِ، لضعفه، والثانى: القطع بعدم الدخول فيهما، لخروجهما عن مسمّى الأرض، وهو أوضح في المعنى كما قال الرافعي، والثالث: قولان؛ وجه الدخول أنهما للدوام، هذا كله إذا65
الجزء: 2 - الصفحة: 724
أطلق، فإن قال: دونهما لم يدخلا فيها أو بما فيها دخلا، وكذا إن قال: بحقوقها في الأصح، أما إذا كانت الأشجار يابسةً، فيظهر أنها لا تدخل، لأنها لا تراد للبقاء.
فَرعٌ: الهبةُ كالبيع، والإقرارُ كالرَّهْنِ، والوقفُ كالهبةِ.
وَأصُولِ الْبَقْلِ التِي تَبْقَى سَنَتَيْنِ كَالْقتِّ، أي بالقاف ثم التاء المثناة فوق؛ وهو القِرْطُ (•)، وَالهُنْدُباء كَالشَّجَرِ، لبقائها فتجرى فيها الطرق، وَلاَ يَدخُلُ، أي في مطلق بيع الأرض، مَا يُؤْخَذُ دَفْعَةَ كحِنْطَةٍ؛ وَشعَيِرٍ؛ وَسائِرِ الزُّرُوع، أي كالجزر والفجل سواء أَطلق أو قال بحقوقها، لأنه نماء طاهر لا يراد للبقاء.
ويصح بَيْعُ الأرْضِ الْمَزْرُوعَةِ، أي بزرع يؤخذ دفعةً واحدة، عَلَى الْمَذهبِ، كما لو باع دارًا مشحونة بأمتعة البائع؛ والطريق الئانى تخريجها على القولين في بيع الدار المستأجرة، وفَرَّقَ الأصحاب بأن يد المستأجر (•) حائلة، أما ما يحصد مرة بعد أخرى فيصح جزمًا، قاله المتولي؛ لأن الزرع انتقل إلى المشتري، وَللْمُشتَرِي الْخِيَارُ إِن جَهِلَهُ، أي بأن كانت رؤيته لها متقدمة على البيع لتأخر الانتفاع، فإن تركه له سقط خياره، وكذا لو فرّغ الأرض في زمن يسير، وَلاَ يَمنعُ الزَّزعَ دُخُولُ الأرْضِ في يَدِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانُهُ إِذَا حَصَلَتِ التخْلِيَةُ فِي الأصَحِّ، لوجود التسليم في الرقبة وهى المبيعة، والثانى: لا، لأنها لا تدخل في يدهِ وضمانهِ؛ لأنه لا يقدر على الانتفاع في الحال، وَالْبَذْرُ، أي يمنع، كَالزَّرع، أي فيما تقدم؛ فإن كان زرعه يدوم كنوى النخل فحكمه في الدخول تحت بيع الأرض كالأشجار، وإن كان يؤخذ دفعة واحدة فلا، ويبقى إلى أوَانِ الْحَصَادِ، ويتخيَّر المشتري عند جهله إن لم يترك البائع أو لم يفرغ كما، وَالأصَحُّ: أنَّهُ لاَ أُجْرَةَ لِلْمُشتَرِي مُدَّةَ بَقَاءِ الرَّزع، أي لا قبل القبض، ولا بعده، كما لو باع دارًا مشحونة بالأمتعة لا يستحق المشتري (•) القَتُّ وَالقِرطُ؛ نوع من الكُرَّاثِ يعرف بكراث المائدة؛ وهو نبات الأرض أو اليابس منه، ويستخدم علف للبهائم.
(•) نسخة (3) بدل المستأجر: المكترى.
الجزء: 2 - الصفحة: 725
الاجرة لمدة التفريغ، والثاني: له لأجل المنفعة، ومحل الخلاف ما إذا كان المشتري جاهلًا وأجاز، فإن كان عالمًا فلا أُجرة له جَزْمًا قاله الإمام لعلمه بالاستحقاق، وكلام المصنف يفهم استحقاق البائع لابقاء الزرع، ومحله إذا شرطه؛ أو أطلق؛ فإن شرط القطع ففى وجوب الوفاء تردد.
وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا معَ بَذْرٍ أَوْ زَرع لاَ يُفْرَدُ، أي كل منهما، بِالْبَيْع، بأن كانا مستورين، بَطَلَ فِي الْجَمِيع، بناء على أن الاجازة في تفريق الصفقة بالقسط لتعذره هنا، وَقِيلَ فِي الأرضِ قوْلاَن، بناء على أن الاجازة بجميع الثمن، ثم هذا في بذر لا يدخل في بيع الأرض، فإن كان يدخل وهو بذر دائم النبات كالنخل فيصح البيع فيه وفي الأرض ويكون ذكر البذر توكيدًا قاله المتولي.
ويدخُلُ فِي بَيْع الأرضِ الْحِجاَرَةُ الْمَخْلُوقَةُ فِيها، لأنها من أجزائها.
كالمعادن، وكذا تدخل المَبْنِيَّةُ فيها، دُون الْمَدفُونَةِ، كالكنوز، وَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إِن عَلِمَ، كسائر العيوب، ويلْزَمُ البائِعَ النقْلُ، أي وللمشتري إجباره عليه تفريعًا لملكه بخلاف الزرع فإن له أمدًا ينتظره، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ وَلم يَضُر قَلْعُها، أي ولا تركها، وَإن ضَر فَلَهُ الْخِيَارُ، دفعًا للضرر، فَإِن أَجَازَ، أي أمضى العقد، لَزِمَ الْبَائِعَ النقْلُ، لتفريغ ملكه، وَتَسْوِيَةُ الأرضِ، أي بأن يعيد التراب المزال بالقلع فوق الحجارة (•) مكانه، قاله في المطلب، وَفِي وُجُوبِ أجْرَةِ الْمِثْلِ مُدَّةَ النقْلِ، أَوْجُهٌ: أَصَحُّها: تَجِبُ إِنْ نَقَلَ بَعدَ الْقَبْضِ، لتفويته على المشتري منفعة تلك المدة، لاَ قَبْلَهُ، والثاني: يجب مطلقًا، والثالث: مقابلهُ.
وَيَدخُلُ فِي بَيْع الْبُستانِ الأرضُ؛ وَالشَّجَرُ؛ وَالْحِيطان، لدخولها في مسماه، بل لا يسمى بستانًا بدون حائطه، وَكَذَا الْبِنَاءُ عَلَى الْمَذْهبِ، هو إشارة إلى الطرق السابقة في تبعية البناء للأرض، وَفِي بَيْع الْقَريةِ الأبْنِيَةُ، وَسَاحَاتٌ يُحِيطُ بِها السُّورُ، لدخولها في الاسم، لاَ الْمَزَارِعُ عَلَى الصحِيح، لأنها غير داخلة في مسماها، ألا (•) في نسخة (2): دون الحجارة.
الجزء: 2 - الصفحة: 726
ترى أنه لو حلف لا يدخل قرية؛ لا يحنث بدخول مزارعها، والثاني: تدخل وهو قول الإمام والغزالي، والثالث: إن قال بحقوقها دخلت وإلّا فلا.
وَفِي بَيْع الدَّارِ الأرضُ، بالإجماع، وُكُلُّ بِنَاء، لأن الدار اسم للأرض والبناء، حَتى حَمَّامُها، لأنها معدودة من مرافقها، لاَ الْمَنْقُولُ كَالدَّلْوِ وَالْبَكْرَةِ وَالسرِيرِ، لخروجها عن الاسم, وَتَدخُلُ الأبْوَاب الْمَنْصُوبَةُ وَحِلَقُها وَالإجَانَاتُ، أي وهى الإناء الذي يغسل فيه الثياب، وَالرفُّ وَالسُّلمُ الْمُسَمرَانِ، وَكَذَا الأسْفَلُ مِنْ حَجَرَيّ الرَّحَى عَلَى الصَّحِيح، لأن الجميع معدود من أجزاء البيت لاتصالها بها، واحترز بالمنصوبة عن المقلوعه لانتفاء المعنى المذكور، ووجه عدم دخول الحجر، أنه منقول، وإنما أثبت لسهولة الارتفاق به كيلا يتزعزع ويتحرك عند الاستعمال، وهذا الوجه جارٍ أيضًا في الإجَانَةُ؛ وَالرَّفُّ؛ وَالسُّلمُ؛ وسائر المثبتات كمِعجَنِ الخبَّازين ونحوه؛ كما ذكره الرافعي في الْمُحَرَّرِ وأهمله المصنف في اختصاره، وظاهر عبارته تقييد الإجانة بكونها مثبتة، وَالأعلَى.
وَمفْتَاحُ غَلَقٍ مُثَبَّث فِي الأصَحِّ، لأنهما تابعان لشيء مثبت، والثانى: لا، كسائر المنقولات.
وَفِي بَيْع الدَّابةِ نَعلُها، لاتصاله بها، وَكَذَا ثيابُ الْعَبْدِ، أي ذكرًا كان أو أنثى وهو ما كان عليه حال العقد، فِي بَيْعِهِ فِي الأصَحِّ، للعرف.
قُلْتُ: الأصَحُّ لاَ تَدخُلُ ثِيَابُ الْعَبْدِ، وَالله أَعلَمُ، لأن اللفظ لا دلالةٍ لَهُ عليها وليست جزءًا منه، كما لا يدخل السرج في بيع الدَّابةِ، وهذا ظاهر كلام الرافعى في شرحيه، والثالث: يدخل ساتر العورة فقط، لأن ستر العورة واجبٌ فما يسترها تابع له.
فَرعٌ: بَاعَ شَجَرَةً دَخَلَ عُرُوقُها وَوَرَقُها، أي يابسة وغيرها؛ لأنهما معدودان من أجزائها، وَفِي وَرَقِ التُّوثِ، أي الربيعي الأبيض، وَجْهٌ، لأنه لا يقصد منه غير الورق لتربية الدود، والأصح الدخول كما في سائر الأشجار، أما الخريفى والأحمر فللمشتري قطعًا وفي معناه ورق الذكر من التوث الأبيض، وَأَغْصَانُها، لأن ذلك معدود منها، إلَّا الْيَابِسِ، أي فإنه لا يدخل في بيع الشجرة الرطبة، لأن العادة فيه
الجزء: 2 - الصفحة: 727
القطع كالثمرة، وَيصِحُّ بَيْعُها بِشَرطِ الْقَلْع أوِ الْقَطْع، أي رطبة كانت أو يابسة، وَبِشَرطِ الإبقَاءِ، أي إذا كانت رطبة، وَالإِطْلاَقُ يَقْتَضِي الإِبقَاءَ، تحكيمًا للعادة، وَالأصَحُّ: انهُ لاَ يَدخُلُ الْمَغْرِسُ، أي بكسر الراء، حيث استحق الإبقاء سواء كان بالاشتراط أم بالإطلاق، لأن اسم الشجرة لا يتناوله، كذا عللوه، وهو موجود في بيع الأرض، وقد صححوا الدخول كما تقدم، والثانى: يدخل لأنه يستحق منفعته لا إلى غاية فدل على الملك إذ لو كان إعارة لنافاه اللزوم، أو اجارة لنافاه التأبيد، لَكِنْ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهُ مَا بَقِيَتِ الشَّجَرَةُ، أي فلا يلزمه شيء في مدة الابقاء.
وَلَوْ كَانَتْ يَابِسَةً لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْقَلْعُ، لاقتضاء العرف ذلك، وَثَمَرَةُ النخْلِ الْمَبِيع إِن شُرِطَتْ لِلْبَائِع أوِ لِلْمُشْتَرِي عُمِلَ بِهِ، وفاءً بالشرط، وَإلا، أي وإن لم يقع شرط، كان لَمْ يَتَأبر مِنْها شَيْءٌ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي وَإلا، أي، وإن تأبر منها شئ، فَلِلْبَائِع، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أبرَتْ فَثَمَرَتها لِلْبَائِع إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ] منفق على صحته 66 والتأبير تَشَقُّقُ الطلْع، وَمَا يَخْرُجُ ثَمَرُهُ بِلاَ نَوْرٍ، وهو الزهر على أي لون كان، كَتِينٍ وَعِنبٍ إِن بَرَزَ ثَمَرُهُ أي ظهر، فَلِلْبَائِع وَإِلَّا فَلِلْمُشْتَرِي، لأن الظهور هنا كالتشقيق في النخل، وَمَا خَرَجَ فِي نَوْرِهِ ثُمَّ سَقَطَ كَمِشْمش وتُفاح فَلِلْمُشْتَرِي إِن لَمْ تَنْعَقِدِ الثمَرَةُ، لأنها كالمعدومة، وَكَذَا إِنِ انْعَقَدَتْ وَلَم يَتَنَاثَرِ النوْرُ فِي الأصَحِّ لأن استتارها بالنَّوْرِ بمنزلةِ استتار ثمرة النخل بكمامه، والثانى: أنها للبائع تنزيلًا لاستتارها بالنَّوْرِ منزلة استتار ثمرة النخل بعد التأبير بالقشر الأبيض، وَبعدَ التناثُرِ لِلْبَائِع، لظهورها.
وَلَوْ بَاعَ نَخْلاَتِ بُسْتَان مُطْلِعَة وَبَعضها مُؤبرٌ فَلِلْبَائِع، أي ثمرتها وكذا ما اطلع بعد البيع، فإن أفْرَدَ مَا لَمْ يُؤَبر، أي من البستان الواحد فباعه، فَلِلْمُشْتَرِي
الجزء: 2 - الصفحة: 728
فِي الأصَحّ، لأنه بإفراده بالييع انقطع عن حكم التبعية، والثانى: لا، اكتفاء بوقت التأبير عنه، وَلَوْ كَانَت فِي بَسَاتِينَ، أي وباعها صفقة واحدة واتحد المالك، فَالأصَحُّ: إِفْرَادُ كُلّ بُسْتَانٍ بِحُكمِهِ، لأن لاختلاف البقاع أثرًا في وقت التأبير، والثاني: لا بل يتبع، لأنهما اجتمعا في صفقةٍ واحدةٍ فأشبها نخيل البستان الواحد، وَإِذَا بَقِيَتِ الثمَرَةُ لِلْبَائِع، أي إما بالشرط، وإما بالحكم عند التأبير، فَإِن شَرَطَ الْقَطْعَ لَزِمَهُ، وفاءً بالشرط، وَإِلا، أي كان لم يشترط القطع، بل شرط البقاء أو أطلق، فلَهُ تركُها إِلَى الجَدَادِ، وفاءً بالشرط في الأول؛ والعادة فِى الثاني، وَلكُلّ مِنْهُمَا السقْيُ إِنِ انْتَفَعَ بِهِ الشجَرُ وَالثمَرُ، وَلاَ مَنْعَ للآخَرِ، لأن مَنْعَهُ والحالةُ هذه سَفَهٌ (•)، وَإِن ضَرهُمَا لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِرِضَاهُمَا، لأنه يدخل على صاحبه ضررًا بغير نفع يعود عليه.
وَإِن ضَرّ أَحَدَهُمَا وَتَنَازَعَا فُسِخَ الْعَقْدُ، لأنه ليس أحدهما أَولى من الآخر، إِلَّا أَن يُسَامِحَ الْمُتَضرِّرُ، أي فلا فسخ لزوال النزاع، وفيه نظر لأنها إضاعة مال وهى محرمة، وَقِيلَ: لِطَالِبِ السَّقْي أَن يَسْقِيَ، لدخول الآخر في العقد على ذلك، وَلَوْ كَان الثمَرُ يَمتَصُّ رُطُوبَةَ الشجَرِ لَزِمَ الْبَائِعَ أَن يَقْطَعَ أَوْ يَسْقِيَ، دفعًا لضرر المشتري.
فصل: يَجُوزُ بَيْعُ الثمَرِ بَعدَ بُدُوِّ صَلاَحِهِ، أي ظهوره، مُطْلَقًا، أي بلا شرط قطع ولا تبقيتهِ، وَبِشَرطِ قَطْعِهِ، بالإجماع، وَبِشَرطِ إِبْقَائِهِ، لاطلاق النهي عن بيع الثمرة حتى بيدو صلاحها، وَقَبْلَ الصلاَح إِن بيع مُنْفَرِدًا عَنِ الشجَرِ لاَ يَجُوزُ إلّا بِشَرطِ الْقَطْع، للحديث المذكور فإنه يدل بمنطوقه على المنع مطلقًا، وخرج البيع المشروط فيه القطع بالإجماع فبقينا فيما عداه على الأصل، ويستثنى ما إذا كان على شجرة مقطوعة، لأنها لا تبقى عليها، ولا تمتص من أجزاء الشجرة شيئًا، وَأَن يَكُون الْمَقْطُوعُ مُنتَفِعًا بِهِ لاَ كَكُمثْرَى، جريًا على قاعدة البيع، وهذا الشرط مأخوذ من الشرط الثانى في البيع وهو النفع، وَقِيلَ: إِن كَان الشجَرُ لِلْمُشْتَرِي، أي والثمرة (•) في نسخة (2) بدل (سَفَهٌ): مَشَقةٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 729
للبائع، جَازَ بِلا شَرطٍ، لأنهما يجتمعان في ملك شخص واحد، فأشبه ما لو اشتراهما معًا، وهو وجه قوي متأيد بما سيأتى؛ أنه إذا شرط القطع لا يجب الوفاء به، وصححه في الروضة في باب المساقاة.
قُلْتُ: فَإِن كَان الشجر لِلْمُشْتَرِي وَشَرَطْنَا الْقَطْعَ لاَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بهِ، والله أعلَمُ، لأنه لا معنى لتكليفه قطع ثماره من أشجاره، وَإِن بِيعَ مَعَ الشجر جَازَ بِلاَ شَرطٍ، لأن الثمَرَ هنا يتبع للأصل وهو غير متعرض للعاهة، وهذا إذا لم يفصل الثمن، فإن فَصَلَهُ بِأَنْ قال: بعتك الشجرة بدينار والثمرة بعشرة فلا يصح قطعًا لانتفاء التبعية، وَلاَ يَجُوزُ بِشَرطِ قَطْعِهِ، لأن فيه حجرًا على المشتري في ملكه، والفرق بينه وبين ما إذا باعها من صاحب الأصل ما ذكرناه من التبعية.
فَرع: باع البطِيْخَ ونحوه مع أصله، فلا بد من شرط القطع، لأن الأصل متعرض للعاهة بخلاف الشجر والثمر، فإن باعه مع الأرض استغنى عنه، قاله الامامُ والغزالي وفيه بحث للرافعي.
وَيحرُمُ بَيْعُ الزرع الأخْضَرِ فِي الأرضِ إلّا بِشرطِ قَطْعِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ [نَهى عَنْ بَيْع السُّنْبُلِ حَتى يَبْيَضَّ، وَيأمَنَ الْعَاهةَ، نَهى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ] رواه مسلم 67، فَإن بِيعَ، أي الزرع الأخضر، مَعَها، أي مع الأرض، أَوْ بَعدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ، أي وحده، جَازَ بِلاَ شَرط، أما الأول: فكبيع الثمرة مع الشجرة، وأما الثانى: فكبيع الثمرة بعد بدو الصلاح، وَيُشترَطُ لِبَيْعِهِ وَبَيْع الثمَرِ بَعدَ بُدُوِّ
الجزء: 2 - الصفحة: 730
الصَّلاَح ظُهُورُ الْمَقصُودِ، أي لئلا يكون بيع غائب، كَتِينٍ؛ وَعِنَبٍ؛ وَشَعِيرٍ، أيْ وكذا سُلْت؛ لأن حباته ظاهرةٌ، وَمَا لاَ يُرَى حَبُّهُ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ فِي السُّنْبُلِ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ دُون سنْبُلِهِ، لاستتاره، وَلاَ مَعَهُ فِي الْجَدِيدِ، لأن المقصود مستتر بما ليس من صلاحه، فأشبه الحنطة في تبنها بعد الدياس فإنه لا يصح قطعًا.
والقديم: الجواز، لأن بقاءه فيه من مصلحته.
فَرع: الأرُز كالشعيرِ على المذهب، وقيل: كالحنطة.
وَلاَ بَأسَ بَكمَّامٍ لاَ يُزَالُ إِلَّا عِنْدَ الأكْلِ، أي كالرمان لأن بقاءه فيه من مصلحته والكِمام بكسر الكاف أوعيةُ طلع النخل، وَمَا لهُ كَمَّامَانِ كَالْجَوْز؛ وَاللوْزِ؛ وَالباقلَّاءِ فَلاَ يُبَاعُ فِي قشرهِ الأسْفَلِ، لأن بقاءه فيه من مصلحته، وَلاَ يَصِحُّ فِي الأعلَى، لأنه مستتر بما ليس من مصلحته، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ إِن كَان رطبًا، لأن الشافعى - رضي الله عنه - أمر الربيعَ أن يشتري له باقلاء؛ وصححهُ جماعة بل نقله الرويانى بعد اختياره عن تصحيح الأصحاب، فإن بقي في قشره الأعلى فيبس لم يجز بيعه قطعًا إذا لم نجوز بيع الغائب، وَبُدُوُّ صَلاَح الثمَرِ ظُهُورُ مبادِئِ النضْج وَالْحَلاَوَةِ فِيمَالاَ يَتَلَون، أي بأن يصفو ويلين، وَفِي غَيْرِهِ بِأَن يأخُذَ فِي الحمرَةِ أَوِ السوَادِ، الأصل في ذلك حديث أنس - رضي الله عنه -: أَنَّ النبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عَنْ بَيْع الثمَرَةِ حَتَّى تُزْهِي، قَالُوا: وَمَا تُزْهِى؟ قَالَ: (حَتى تَحمَرَّ) 68. وفي رواية: فَقُلنا لأَنَسَ وَمَا هُوَ زَهْوُها؟ قَالَ: (تَحمَرَّ وَتَصْفَرَّ) رواهما مسلم 69، والحدُّ المذكور ينتقض بالقثاء الصغار وورق
الجزء: 2 - الصفحة: 731
الْفِرصَادِ (•) وَالزَّرع.
والضابط أن ينتهي إلى الحالة التي يقصد منها غالبًا، وَيكْفِي بُدُو صلاَح بَعضهِ وَإن قَل، أي كبسْرَة واحدة (•)، لأن الله تعالى أمتن علينا فجعل الثمار لا تطيب دُفعةً واحدة إطالة لزمن التفكهِ، فلو اشترطنا في المبيع طيب جميعه لأَدَّى أن لا يباع شئ أو تباع الحبة بعد الحبة وفي كل منهما حرج.
فَرعٌ: لا يغني صلاحُ جنس عن جنسٍ آخر وإليه يرشد قوله بعضه.
وَلَوْ بَاعَ ثَمَرةَ بُسْتَان أَوْ بَسَاتينَ بَدَا صَلاَحُ بَعضهِ فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي التأبيرِ، أي فلا يتبعه إذا أفرد ما لم يَبْدُو صَلاَحُهُ، ولا إذا اختلف البُستانان على الأصح، ويتبع إذا اختلف النوع في الأصح.
وَمَنْ بَاعَ مَا بَدَا صَلاَحُهُ لَزِمَهُ سَقْيُهُ، أي إذا لم يشترط القطع، قَبْلَ التخلِيَةِ وَبَعدَها، أي قدر ما ينمو به الثمار ويسلم من التلف والفساد، لأنه من تتمة التسليم الواجب، حتى لو شرطه على المشتري بطل، لأنه مخالفٌ لمقتضاه، ويتَصَرفُ مُشْتَريه بَعدَها، أي بعد التخلية ولا يشترط القطع والنقل، وَلَوْ عَرَضَ مُهْلِكٌ، أي سماوي، بَعدها كَبَردٍ، أي بفتح الراء وإسكانها كما رأيته بخط مؤلفه في الأصل، فَالْجَدِيدُ أنهُ مِنْ ضَمَانِ المُشْتَرِي، لحديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدريِّ قال: أصِيْبَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي ثِمَار ابْتَاعَها فَكثُرَ دَيْنُهُ؛ فَقَالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: [تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ] فَتَصَدَّقَ الناسُ عَلَيْهِ، فَلَم يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دينهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: [خُذُوا مَا وَجَدتم وَلَيْسَ لَكُم إلّا ذَلِكَ] رواه مسلم 70، والقديم وينسب إلى الصرف من الجديد، أنه من ضمان البائع بشرط ألا يبيعه من مالك الأشجار وأن يحصل التلف قبل إمكان (•) الفِرصَدُ وَالفِرصَادُ: عَجمُ الزَّبيبِ، عَجمُ العِنَبِ أيِ النوَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ التُّوتُ أوْ حملَهُ؛ أو أحمَرَهُ.
(•) البَسرُ: المَاءُ البَارِدُ.
وَابتِدَاءُ الشيء، وَهُوَ الغضُّ مِنْ كُلِّ شيءٍ، وَأولُ البسرِ طلعٌ، لِيَمُرَّ بِمَرَاحِلِ نُمُوِّهِ وَنُضوجِهِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 732
الجداد لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضع الجوائح كما رواه مسلم 71، والأول حمله على الاستحباب جمعًا بينهما، واحترز بقوله بعدها عما إذا حصل قبلها فإنه من ضمان البائع.
فَلَوْ تَعَيبَ بِتَرك الْبَائِع السقْيَ فَلَهُ الْخِيَارُ، أي للمشتري، لأن السقى لما كان لازمًا للبائع كان التعيب الحادث كالمتقدم على القبض حتى لو تلف بذلك انفسخ العقد أيضًا، وَلَوْ بِيعَ قَبْلَ صَلاحِهِ بِشرطِ قَطْعِهِ وَلَم يُقْطَع حَتى هلَكَ فَأَوْلَى بِكوْنِهِ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، لتفريطه، وَلَو بِيعَ ثَمَر يَغْلِبُ تَلاَحُقُهُ وَاخْتِلاَطُ حَادِثِهِ بِالْمَوْجُودِ كَتِينٍ وَقِثاء لَم يَصِح، لأنه غير مقدور على تسليمه، إِلَّا أَن يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَطْعَ ثَمَرِهِ، أي عند خوف الاختلاط فيصح لإنتفاءِ المحذور، وَلَوْ حَصَلَ الاِخْتِلاَطُ فِيمَا يَنْدُرُ فِيهِ فالأظْهرُ أَنهُ لاَ يَنفَسِخُ البَيْعُ، لبقاء عين المبيع، وتسليمه ممكن بالطريق الآتى، والثاني: ينفسخ لتعذر التسليم المستحق، وهو تسليم المبيع وحده، وهذا ما صححه الأكثرون، والأول نقل الرافعي ترجيحه عن الوجيز خاصة وتبعه في الْمُحَرَّر فالأصح الثاني، بَلْ يَتَخَيَّرُ المُشْتَرِي، لأن الاختلاط أعظم من اباق العبد المبيع، فإن سمَحَ لَهُ الْبائِعُ بِمَا حَدَثَ سَقَطَ خِيَارُهُ فِي الأصَحِّ، لزوال المحذور، والثاني: لا يسقط، لما في قبوله من المنة وهو الأقيس، واعلم أن ما ذكره المصنف ذكره الغزالي تبعًا لإمامه وهو يقتضى أنّ الخيار ثبت أولًا للمشتري، حتى يجوز له المبادرة بالفسخ، فإن بادر البائع بالفسخ سقط خياره، قال صاحب المطلب: وهو مخالف لنص الشافعي والأصحاب فإنهم عكسوا فخيروا البائع أولًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 733
فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِصَافِيَةٍ وَهُوَ الْمُحَاقَلَةُ، وَلَا أالرُّطَبُ عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ وَهُوَ الْمُزَابَنَةُ، للنهي عنهما متفق عليه 72، والمحاقلة مأخوذةٌ من الحقل وهى السَّاحَاتِ الَّتي تُزرع، فسميت محاقلة لتعلقها بزرع في حقل، وقال الماوردي: الحقلُ هو السنبل وهو في لسان العرب الموضع الذى يكون فيه الشيء كالمعدن.
والمزابنة من الزبن وهو الدفع؛ لأن الغبن يكثر فيها لبنائها على التخمين، فيريد الْمَغْبُونُ دفعَهُ والغابنُ إمضاءَهُ فيتدافعان، ووجه البطلان فيهما عدم العلم بالمماثلة.
ويرَخَّصُ فِي الْعَرَايَا، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ [نَهَى عَنْ بَيْع التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَرَخَّصَ في بَيْع الْعَرَايَا: أَن يُبَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُهَا أهْلُهَا رُطَبًا] متفق عليه 73، ومحل ذلك إذا لم يتعلق بها الزكاة لأجل الخرص أو غيره، وَهُوَ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ فِي الأَرْضِ، للحديث المذكور، أَوِ الْعِنَبِ فِي الشَّجَرِ بِزَبِيبٍ، قياسًا، وقيل: نصًّا.
فَرْعٌ: لو باع رطبًا بمثله فالأصح المنع.
فَرْعٌ: حكم البُسْر حكم الرطب في الجواز، قاله الماوردي، وعلى هذا ينبغي إلحاق الحصرم بالعنب.
الجزء: 2 - الصفحة: 734
فِيمَا دُون خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أي بتقدير الجفاف، وإن كان الرطب الان أكثر للشك في الخمسة في الحديث (74) والأصل التحريم، وَلَوْ زَادَ، أي ما دون الخمسة أوسق، فِي صَفْقَتَيْنِ، أي كل منهما دون خمسة أوسق، جَازَ، قياسًا على الصفقة الأُولى، أما إذا زاد في صفقة فإنه يبطل في الجميع.
وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ بتَسْلِيمِ الثَّمَرِ كَيْلًا، وَالتَّخْلِيَةِ فِي النَّخْلِ، أي والمماثلة لأنه مطعوم بمطعوم، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ، أي كالخوخ وغيره مما يدخر يابسه، لأنها متفرقة ومستورة بالأوراق، فلا يتأتى الخرص فيهما، والثانى: يجوز قياسًا على الرطب كما جوزناه في العنب بالقياس عليه، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ، لاطلاق الأحاديث، والثانى: يختص لأنهم سبب الرخصة كما ذكره الشافعي - رضي الله عنه - في الأُم لكن بغير إسناد، وعبارة الدارمي في استذكاره: وسواء كان مشتريها معه نقد أم لا، وقال الْمُزَنِيُّ: لا يجوز إلا للمعسر، ومثار الخلاف أن اللفظَ العامَّ إذا وردَ على سببٍ خاصٍّ هل يُخصصهُ أم لا؟ .
بَابُ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ
أَصَحُّ حديث في الباب قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ] رواه أبو داود والنسائى وقال الحاكم: صحيح الإسناد 75.74
الجزء: 2 - الصفحة: 735
إِذَا اتفَقَا عَلَى صِحَّةِ الْبَيْع، أي وكذا على غيره من عقود المعاوضات إلّا قبل عمل القراض والجعالة كما قاله الامام وخص المصنف البيع بالذكر لغلبته ولذلك ترجه بالمتبائعين دون المتعاقدين، ثُمَّ اختلَفَا فِي كَيْفِيَّتهِ كَقَدْرِ الثمَنِ أَوْ صِفَتِهِ، أي وكذا جنسه، أَوِ الأَجَلِ أَوْ قَدْرِهِ أَوْ قَدْرِ الْمَبِيع، أي وكذا جنسه وصفته، وَلَا بَيِّنَةَ؛ تَحَالَفَا، لقوله عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [اَلْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِى وَالْيَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ] رواه البيهقى بإسناد حسن أو صحيح 76، وكل منهما منكرٌ ومُدَّعِى، لأن البائع يدعى زيادة الثمن مثلًا وينكر النقص، والمشتري يعكسُ، واحترز بقوله (وَلاَ بَيِّنَةَ) عما إذا كانت له بيِّنة؛ فإنه يُقْضَى له بها، فإن أقاما بيِّنتين قضي بأسبقهما تاريخًا وإلّا تحالفا تفريعًا على قول التساقط (•).
فَرْعٌ: لو اختلفا في عين المبيع فقط، فإن كان الثمن معينًا تحالفا، وكذا إن كان في الذمة على الأصح في الشرح الصغير.
فَيَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْي قَوْلِ صَاحِبهِ وَإِثْبَاتِ قَوْلِهِ، لأنه يدعى عقدًا وينكر عقدًا فينفي ما ينكره ويثبت ما يدعيه، وُيبْدَأُ بِالْبَائِع، أي ندبًا على الأصح، لأن المبيع يعود إليه بعد التحالف، وَفِي قَوْلٍ: بِالْمُشتَرِي، لأن المبيع في ملكه فيقوى جانبه، وَفِي قَوْلٍ: يَتَسَاوَيَانِ، لأن كل واحدٍ مُدَّعِى وَمُدَّعَى عَلَيْهِ فلا ترجيح، فَيَتَخَيَّرُ الْحَاكِمُ، = والنسائي في السنن: كتاب البيوع: باب اختلاف المتبايعان: ج 7 ص 303. والحاكم في المستدرك: الحديث (2293/ 164)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي قال: صحيح.
عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
الجزء: 2 - الصفحة: 736
أي تفريعًا على هذا كما لو تداعيا عينًا في أيديهما، فَإن الحاكم يبدأ بيمين من شاء منهما قطعًا، وَقِيلَ: يُقْرَعُ، كما يقرع بينهما في الدعوى إذا جاءا معًا إلى مجلسه، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدِ يَمِينٌ تَجْمَعُ نَفْيًا وَإثْبَاتًا، لأنه أقرب إلى فصل القضاء، والثانى: أنه يفرد النفى بيمين؛ والإثبات بأخرى، لأنه مدعي ومدعى عليه، ويقَدَّمُ النَّفْيُ، أي استحبابًا على الأصح لأنه الأصل في اليمين، وإنما ينقل إلى الإثبات لنكولٍ أو شاهدٍ أو لَوثٍ، فَيَقُولُ: مَا بِعْتُ بِكَذَا وَلَقَدْ بِعْتُ بِكَذَا، أي وكذلك المشتري أيضًا يقول ما اشتريت بكذا أو لقد اشتريت بكذا، وَإِذَا تَحَالَفَا فَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ، أي بنفس التحالف لحديث ابن مسعود؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ [أَمَرَ بِالبَائِعِ أَنْ يُسْتَحْلَفَ ثمَّ يَتَخَيَّرُ الْمُبْتَاعُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ] رواه النسائى وصححه الحاكم وفيه انقطاع 77، والثانى: ينفسخ، لأن التحالف يحقق ما قالاه، بَلْ إِن تَرَاضَيَا وِإلَّا فَيَفْسَخَانِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لأنه فسخ لاستدراك الظلامة فأشبه الرد بالعيب، أَوْ الْحَاكِمُ، لقطع النزاع، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ، لأنه فسخٌ مجتهدٌ فيه، فأشبه العنَّةَ وهذا الوجه رجحه جماعة، ثُمَّ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيع، ليصل إلى مالكه، فَإِنْ كَان وَقَفَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ مَاتَ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، لقيامها مقامه، قال في المطلب: والمشهور وجوب المثلِ في المثلى، قُلْتُ: وبه جزم صاحب الْمَعِيْنِ وقال: إنه محل وفاق، وَهِيَ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ فِي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ، لأن مورد الفسخ العين والقيمة بدل عنها، فإذا فات الأصل تعين النظر في القيمة إلى ذلك الوقت، والثانى: قيمة يوم القبض؛ لأنه يوم دخوله في ضمانه، والثالث: أقصى قيمة من يوم البيع إلى التلف كالبيع الفاسد، والرابع: أقل قيمة من يوم العقد إلى القبض، وَإن تَعَيَّبَ رَدَّهُ مَعَ أَرْشِهِ، أي وهو ما نقص من القيمة، لأن الكل مضمون على المشتري بالقيمة، فكان بعضه مضمونًا ببعضها، وَاخْتِلاَفُ
الجزء: 2 - الصفحة: 737
وَرَثَتِهِمَا كَهُمَا، أي كاختلافهما؛ لأنها يمين في المال، فقام الوارث مقام المورث، كاليمين في دعوى المال، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِكَذَا، فَقَالَ: وَهَبْتَنِيهِ فَلاَ تَحَالُفَ، أي إذا لم يتفقا على عقد، بَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الآخَرِ، فَإِذَا حَلَفَ رَدَّهُ مُدَّعِي الْهِبَةَ بِزَوَائِدِهِ، أي المتصلة والمنفصلة إذ لا ملك له ولا يحتاج إلى فسخ.
وَلَوِ ادَّعَى صِحَّةَ الْبَيْع وَالآخَرُ فَسَادَهُ فَالأَصَحُّ تَصْدِيقُ مُدَّعِيَ الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ، لأن الظاهر في العقود الجارية بين المسلمين هو الصحةُ، والثاني: يصدق مدعى الفساد، لأن الأصل عدم العقد الصحيح، وقول المصنف (الْبَيْعِ) لو أبدله بالعقدِ كان أصوب، لأن الخلاف جارٍ أيضًا في عقود المعاوضات؛ كالإجارة والنكاح ونحوهما، نعم يستثنى من ذلك مسائل موضحة في الأصل فراجعها.
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَجَاءَ بعَبْدٍ مَعِيبٍ لِيَرُدَّهُ، فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَ هَذَا الْمَبيعَ صُدِّقَ الْبَائِعُ بيَمِينِهِ، لأن الأَصل السلامة وبقاء العقد، وَفِي مِثْلِهِ فِي السَّلَمِ يُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ فِي الأَصَحِّ، لأنه لم يعترف بقبض ما ورد عليه العقد، والأصل اشتغال ذمة الْمُسَلَّم إليه، وفي البيع اتفقا على قبضِ ما اشْتَرَاهُ، وتنازعا في سببِ الفسخِ، والأصلُ عدمه، والثانى: يصدق الْمُسَلَّمُ إليه كالبيع.
بَابُ مُعَامَلَاتِ الْعَبِيدِ
بَابٌ: هُوَ بَابُ مُعَامَلاَتِ الْعَبِيدِ وهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمُدَايَنَةِ.
اَلْعَبْدُ إِن لَمْ يُؤْذَن لَهُ فِي التّجَارَةِ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ سيِّدِهِ فِي الأَصَحِّ، لأنه محجورٌ عليه لنقص فَأَشْبَهَ السَّفِيْهَ، والثانى: يصح؛ لأنه يعتمد في الذمة ولا حجر عليه في ذمته، ونَسَبَهُ الماوردي وأبو الطيب إلى الجمهور، والخلاف جارٍ أيضًا في عقود المعاوضات خلا النكاح، وَيَسْتَرِدُّهُ الْبَائِعُ، أي إذا قلنا بعدم الصحة، سَوَاءٌ كَان فِي يدِ الْعَبْدِ أَوْ سَيِّدِهِ، لأنه ملكهُ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، أو في يد العبد، تَعَلَّقَ الضَّمَان بِذِمَّتِهِ، أي سواء رآه مع العبد فتركه أم لا! لأنه ثبت برضى من له الحقّ، ولم يأذن السَّيِّدُ فيه
الجزء: 2 - الصفحة: 738
فيتبع به إذا عتق، أَوْ فِي يَدِ السَّيِّدِ فَلِلْبَائِع تَضْمِينُهُ، أي تضمين السيد باليد، وَلَهُ، أي للبائع، مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ، لتعلقه بذمته لا قبل العتق لأنه مُعْسِرٌ، وَاقْتِرَاضُهُ كَشِرَائِهِ، أي في جميع ما سبق؛ لأنه عقد معاوضة مالية فكان كالشراء، وِإِنْ أَذِن لَهُ فِي التِّجَارَةِ تَصَرَّفَ، بالإِجماع؛ وشرط الماورديُّ: أنْ يصح تصرفه لنفسه لو كان حُرًا، بِحَسَبِ الإِذْن، لأن تصرفه بالاذن، فيقتصر على محل الاذن كالمضارب، فَإِنْ أَذِنَ، له، فِي نَوْعٍ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ، أي وكذا في وقت لما ذكرناه، وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحٌ، كما ليس للمأذون في النكاح أن يَتَّجِرَ لأن اسمَ كُلٍّ منهما غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لِلآخَرِ، وَلَا يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ، لأنه لا يملك التصرف في رقبتهِ، فكذا في منفعتهِ، وله إجارةُ أموالِ التجارةِ في الأصحِّ، كما أشار إليه بقوله (نَفْسُهُ) لأنَّ التُّجَّارَ يعتادونَهُ.
وَلاَ يَأْذَنُ لِعَبْدِهِ فِي تِجَارَةٍ، أي للعبد الذي اشتراه لها؛ لأن السيد لم يأذن فيه، وَلاَ يَتَصَدَّقُ، لعدم الأذن، وَلاَ يُعَامِلُ سَيِّدَهُ، لأن تصرفه له بخلاف المكاتب، وَلَا يَنْعَزِلُ، بَإِبَاقِهِ، أى بل له التصرف في البلد الذي خرج إليه، إلّا إذا خَصَّ السَّيِّدُ الإذنَ ببلدٍ، لأنَّ الاباقَ معصيةٌ، فلا يوجب الحجر، كما لو عَصَى السَّيِّدَ من وجهٍ آخرٍ، وَلاَ يَصِيرُ مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ سَيِّدِهِ عَلَى تَصَرُّفِهِ، كما لو رآه ينكح لا يكون سكوته اذنًا فيه.
وَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِدُيُون الْمُعَامَلَةِ، لقدرته على الإنشاء وقد أعادها في الإقرار وسيأتي، وَمَنْ عَرَفَ رِقَّ عَبْدٍ لَمْ يُعَامِلْهُ حَتَّى يَعْلَمَ الإِذْن بِسَمَاعِ سَيِّدِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ شُيُوعٍ بَيْنَ النَّاسِ، لأن الأصل عدم الأذن؛ والمراد بالعلم الظن، وَفِي الشُّيُوع وَجْهٌ، لأن الحجر محقق وزواله مشكوك فيه، وأجاب الأول بأن السماع من السَّيِّدِ أو الثبوت بالبَيِّنَةِ في حَقِّ كُلِّ مَنْ أرادَ المعاملةَ فيهِ عُسْرٌ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْعَبْدِ، أي في الإذن؛ لأن الأصل عَدَمُهُ؛ فأشبه زعم الراهن إذن المرتهن في بيع العَينِ المرهُونَةِ، أما قوله في الحجر فمقبول وإن أنكره السَّيدُ في الأصحِّ؛ لأنهُ العاقدُ والعقدُ بَاطِلٌ بزعمهِ.
فَزعٌ: لو عزل العبدُ نفسَهُ لم ينعزل، لأنَّ التصرفَ حَقُّ السيدِ فلم يقدر على إبطاله قاله المتولي.
الجزء: 2 - الصفحة: 739
فَإِنْ بَاعَ مَأْذُونٌ لَهُ وَفَبَضَ الثَّمَنَ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَخَرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّة رَجَعَ الْمُشْتَرِى بِبَدَلِهِ، أي الثمن، عَلَى العَبْدِ، لأنه المباشر للعقد، وَوَقعَ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ (بِبَدَلِهَا) أَيْ بَدَلِ الْعَيْنِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ أَيْضًا، لأن العقد له؛ فكأنه البائع والقابض، وَقِيلَ: لَا، لأن السَّيِّدَ بالاذنِ لَهُ أعطاهُ استقلالًا وقصر الطمع على ما في يده وذمته، وَقِيلَ: إن كان فِي يَدِ الْعَبْدِ وَفَاءٌ! فَلَا، لحصول الغرض مما في يده.
وَلَوِ اشْتَرَى سِلْعَةً فَفِي مُطَالَبَةِ السَّيِّدِ بِثَمَنِهَا هَذَا الْخِلاَفُ، لما ذكرناه من التعليل، وَلاَ يَتَعَلَّقُ دَيْنُ التِّجَارَةِ بِرَقَبَتِهِ، لأنه ثبت برضى مستحقه، وَلَا بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ، لأنه لزم بمعاوضة مقصودة بإذنه فيكون متعلقًا بالكسب كنفقة النكاح، بَل يُؤَدِّي مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، لاقتضاء العرف وإلاذن ذلك، وَكَذَا مِنْ كَسْبِهِ بِاصْطِيَادٍ وَنَحْوِهِ فِي الأصَحِّ، كما يتعلق به المهر ومؤن النكاح، والثاني: لا كسائر أموال السيد، وَاعْلَمْ: أنَّ ما ذكره المصنف هنا من كونه لا يتعلق بالسيد مخالف لقوله قبله أنه يطالب السيد ببدل الثمن التالف في يد العبد وبثمن السلعة التي اشتراها أيضًا، وأشار صاحب الطلب إلى تضعيف الكلام الأول بقوله: زعمَ الإمامُ أنه الأصح.
وَلاَ يَمْلِكُ العَبْدُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ فِي الأَظْهَرِ، كما لا يملك بالارث، والثاني: يملك لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ ... ] الحديث 78. أضاف المال إليه لكنه ملك ضعيف يملك المولى انتزاعه منه، واحترز بالسيد عن الأجنبي فإنه لا يملك بلا خلاف كما قاله الرافعي في الوقف وغيره، لكن الماوردي والقاضي أجريا الخلاف فيه أيضًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 740
فَرْعٌ: مِنَ الْبَحْرِ نَخْتُمُ بهِ الْبَابَ: لو أن رجلين أذِنا لعبديهما في التجارة فاشترى كل منهما عبد الآخر ولم يعلم السابق لم يصح واحد منهما؛ لأن عبدَ أَحَدِهِمَا إذا اشترى عبدَ الآخرِ صَارَ الْمُشْتَرَى لمالكِ المشترِى فلا يصح شراء الثاني بَعْدَهُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 741