عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاجالمقدمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

تأليف سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد المعروف بـ «ابن النحوي» والمشهور بـ «ابن الملقن» (المتوفى 804 هـ)

حققه وضبطه على أصوله وخرج حديثه وعلق عليه عز الدين هشام بن عبد الكريم البدراني

دار الكتاب

عُجَالَة الْمُحْتاجِ إلىَ توجِيهِ المِنْهَاجِ

الجزء: 1 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ دَار الْكتاب للطباعة والنشر والتوزيع والدعاية والإعلان الْأُرْدُن / إربد شَارِع إيدون إِشَارَة الإسكان تليفون: (7261616 - 2 - 00962) فاكس: (7250347 - 2 - 00962) ص. ب: (620347 - 211) E-mail: DarAlketab@Excite.com

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر 1421 هـ - 2001 م

رقم الْإِيدَاع لَدَى دَائِرَة المكتبة الوطنية (1607/ 8 / 2001)

261.1 عجا عجالة الْمُحْتَاج إِلَى تَوْجِيه الْمِنْهَاج / سراج الدّين أَبُو حَفْص عمر بن عَليّ بن أَحْمد ابْن الملقن، تَحْقِيق هِشَام البدراني إربك دَار الْكتاب, 2001 (. . .) ص ر. أ (1607/ 8 / 2001) الواصفات / الْفِقْه الإسلامي / الْفُقَهَاء الْمُسلمين / الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة / تمّ إعداد بيانات الفهرسة والتصنيف الأولية من دَائِرَة المكتبة الوطنية

رقم الْإِجَازَة لدوائر المطبوعات والنشر (1542/ 8 / 2001 م)

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة © 2001 م. لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يمكّن من استرجاع الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ.
وَلَا يُسمح باقتباس أَي جُزْء من الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر.

الجزء: 1 - الصفحة: 4

مُقَدِّمَةُ التَّحْقِيْقِ

الجزء: 1 - الصفحة: 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحِمْدُ للهِ فَهُوَ حَسْبِي وَكَفَى وَصَلّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ

الجزء: 1 - الصفحة: 6

المُقَدِّمَة

أولًا: أهمِّيَّةُ دِرَاسَةِ الْفِقْهِ الإِسْلَامِيِّ

1 -

فِي بَيَانِ فَضْلِ دِرَاسَةِ الْفِقْهِ:

إِنَّ الْفِقْهَ مِنْ أَجَلِّ المعارفِ الإسلاميةِ وَأعْظَمِهَا تأثيراً في حركة المجتمع وبناء الحضارة؛ وهو من أهم فروع الثقافة الإسلامية.
لأن الثقافة الإسلامية هى المعرفة بالكتاب والسُّنَّة وما اسْتُمِدَّ منهما ووُضِعَ من أجْل فَهْمِهِمَا.
وخُصَّ الفقهُ بميزة التأثير في حركة المجتمع، لأنه من أبرزِ ما تظهرُ فيه الأفكار المكونة للرأي العام وأعراف الناس، وهى الأفكار التي تتصل بوجهة النظر في الحياة والتي تعالج مشكلاتها، ويظهر ذلك جليَّاً في فكر المعتقد والدين، وفكر العمل والممارسة (الأحكام الشرعية).
وَالْفِقْهُ: هو العلمُ بالأحكام الشرعية العمليَّة التي تمارسُ في الحياة وتوجه أعمال الإنسان بأنماط سلوكية في سياق حركة المجتمع، ويقوم هذا العلم على سببٍ وحيدٍ ووثيقٍ هو العقيدة الإسلامية.
وفضلاً عن أنَّ الاشتغال بالعلم ضرورةٌ بشريةٌ تقتضيها الطبائع السليمة؛ ويقتضيها نسقُ العيش في الحياة العامة للجماعة البشرية؛ ويحتمها الانتظام بنظام نسيج علاقات المجتمع؛ فإن الإسلام جعل الاشتغال بالعلم قضية يحمل مسؤوليتها الفرد في إطار التوجيه التربوي الجماعي، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: {وَضَرَبَ اللَّه مَثَلاً رَجُلَينِ أحَدُهُمَا أبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أيْنَمَا يُوَجِّهُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ

الجزء: 1 - الصفحة: 7

يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 1، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ 2 وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ 3 وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ 4. والفقهُ أخصُّ من العلم؛ لأنه ضربٌ منه؛ وهو العلمُ بالأحكامِ الشرعيةِ العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية؛ أي هو العلم بقصد مراد الشارع في الكتاب والسُّنة وما اسْتُمِدَّ منهما أو تفرع على أُصولهما.
والعلم بقصد مراد الشارع هو الفهم للمراد الشرعي ووجه الإرادة في تنفيذ العمل بقصده وجوباً أو ندباً أو كراهةً أو حرمةً أو إباحةً.
وهذا الفهمُ في كثير من المسائل يحتاج إلى العالم المستنبط؛ والمجتهد المتفكر؛ أو المقلد النابه؛ لهذا بيَّنت السُّنَّةُ القدرات الفردية في التعامل مع النصوص الشرعية وخَصَّتْهَا في منظومة التربية الجماعية؛ عن أبي موسى الأشعرى - رضي الله عنه -؛ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا؛ فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ.
وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَزَرَعُوْا.
وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى؛ إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِيْنِ اللهِ وَنَفَعَهُ اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ] 5. وفضلُ التَّفَقُّهِ في دِين اللهِ والتَّثَقُّفِ بثقافتهِ؛ منهُ فرضُ عَيْنٍ، وفرضُ كِفَايَةٍ.
فالعلمُ بما يلزم المسلمَ في حياته وتنظيم شؤونه الجماعية ولا يسعُهُ جهله، فرض عينٍ.
فعلى المسلم المكلف أن يتعلم من أمور الدين أسسًا وأصولاً وفروعاً ما يلزمه لسلامة

الجزء: 1 - الصفحة: 8

إسلامه وصحة إيمانه بحيث لا يدخُلها النقصُ أو النقض.
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ 6 وفي الحديث عن عليٍّ - رضي الله عنه -، قال: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمِ أَنْ يَعْرِفَ الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ وَالْحَرَامَ وَالْحُدُودَ وَالأحْكَامَ] 7. والرأيُ العامُّ عند العلماء أنهُ: (يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَعْرِفَ مَا يَحِلُّ لَهُ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلاَبسِ وَالفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالأمْوَالِ فَجَمِيْعُ هَذَا لاَ يَسَعُ أحَدًا جَهْلُهُ وَفَرْضٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يأخُذُوا فِي تَعَلمِ ذَلِكَ حَتىَّ يبلُغُوا الْحُلُمَ وَهُمْ مُسْلِمُونَ أوْ حِيْنَ يُسْلِمُونَ بَعْدَ بُلُوغِ الحُلُمِ، وَيَجْبُرُ الإِمَامُ (الْخَلِيفَةُ) أزْوَاجَ النِّسَاءِ وَسَادَاتِ الاِمَاءِ عَلَى تَعْلِيْمِهِنَّ مَا ذَكَرْنَا، وَفْرْضٌ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ النَّاسَ بِذَلِكَ وَيُرَتِّبَ أَقْوَامًا لِتَعْلِيْمِ الْجُهَّالِ وَيَفْرِضَ لَهُمُ الرِّزْقَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَيَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ تَعْلِيْمُ الْجَاهِلِ لِيَتَمَيَّزَ لَهُ الْحَقُّ مِنَ البَاطِلِ) 8. وعلى هذا فإنَّ الاشتغالَ بطلب العلم من أفضل الطاعات لأن طلبَهُ يقعُ بين الفرض والمندوب، وقد تظاهرت الآياتُ والأخبار والآثار وتطابقت الدلائل الصريحة وتوافقت على فضيلة العلم والحث على تحصيله والاجتهاد في اقتباسه وتعليمه.
قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ 9 وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ 10 وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا

الجزء: 1 - الصفحة: 9

الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} 11 وفي الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيْهَا إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ وَعَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا] 12 وقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيْهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانَ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ] 13. ومن الآثار عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: (تَعَلَّمِ الْعِلْمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لَكَ حَسَنَةٌ وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيْحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ مَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ) 14. ولا يحصلُ العلمُ إلا بالعناية والملازمة والبحث والنصب والصبر على الطلب، وقد قصَّ الله تعالى قصة موسى عليه السلام والرجل الصالح أنه قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ 15 وأنه قال لفتاه: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ 16. والعلمُ معرفةٌ تتركَّزُ في الذهن على وجه التصديق أو التسليم الموجب للعمل، فتتطلب العناية لدقة الفكر وصواب المفاهيم حتى تأتى في بناء العقلية وتكوينها على وجه الإدراك السليم، وطلبه على هذا المقصد يحتاج المعلم والمربي مما

الجزء: 1 - الصفحة: 10

يقتضي ملازمة العلماء والفقهاء، وتقصد ذات المعرفة بالنظر والتأمل وهو البحث عن فَهْمِ الصواب والرأي الراجح.
وبعدَ هذا، فإنَّ من أفضلِ ما يُستعان به على الطلب تقوى الله العظيم فإنه عزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ 17 وتتأتى التقوى ها هنا بتقصد المعرفة التى توصل إلى عبادة الله حق العبادة، فيُرجى من الله ما يتوصل به إلى طاعته باقتفاء أثر النبي وألتماس إتباعه، فيقذف الله البصيرة في الأذهان بالذكرى قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ 18. ويجبُ على طالب العلم أن يُخْلِصَ النِّيَّةَ لله تعالى في طلبه، فإنه لا ينفع عمل لا نيَّة لفاعله.
قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ] 19 ولقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 20. ولقد حَذَّرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من العلماء الذين لا يعملون بعلمهم فقال: [أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ عَالِمٌ لاَ يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ] 21 وقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [مَنْ

الجزء: 1 - الصفحة: 11

تَعَلَّمَ عِلْماً يُنْتَفَعُ بِهِ فِى الآخِرَةِ يُرِيْدُ بِهِ غَرَضاً مِنْ دُنْيَا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ] 22 وقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [شِرَارُ النَّاسِ شِرَارُ العُلَمَاءِ] 23. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يُحَذِّرُونَ من العلماء الذين لا يعملون، فيقول الإمام عليٌّ - رضي الله عنه -: [يَا حَمَلَةَ العِلْمِ اعْمَلُواْ بِهِ فَإنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَوَافَقَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ، وَسَيَكُونُ أقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ وَلاَ يُجَاوِزُونَ تَرَاقِيْهِمْ يُخَالِفُ عِلْمُهُمْ عَمَلَهُمْ وَتُخَالِفُ سَرِيْرَتُهُمْ عَلاَنِيَتَهُمْ يَجْلِسُونَ حِلَقاً يُبَاهِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ عَلَى جَلِيْسِهِ أَنْ يَجْلُسَ إِلَى غَيْرِهِ وَيَدَعَهُ، أُوْلَئِكَ لاَ تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ تِلْكَ إِلَى اللهِ تَعَالَى] 24. فيجبُ أن تقصد حقيقة العلم بوصفها عبادةً لله تعالى، يجرى بها العمل في الدنيا فهي كما وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنها أمَانَةٌ ووصف حاملَها أمِيْنٌ فقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [الْعُلَمَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَمْ يُخَالِطوا السُّلْطَانَ وَيُدَاخِلُواْ الدُّنْيَا، فَإِذَا خَالَطُواْ السُّلْطَانَ وَدَاخَلُواْ الدُّنْيَا فَقَدْ خَانُواْ الرُّسُلَ فَاحْذَرُوهُمْ وَاخْشَوْهُمْ] 25. وَفِي الْحَدِيْثِ [الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ].
فَيُرْجَى في طلب العلم تحصيل صفة الأمانة والأخذ من الوراثة، وهذا أمر يحتاج إلى تقصد العمل على الوجه الشرعي والعزم عليه.
= وحكاه السيوطي في الجامع الصغير: ج 1 ص 42 ونسبه إلى ابن عدي في الكامل.
والبيهقى في الشعب ورمز إلى ضعفه.

الجزء: 1 - الصفحة: 12

وكان العلمُ في الصدر الأَوَّلِ والثاني في صدور الرجال، ثم انتقل إلى القراطيس وصارت مفاتحه في صدور الرجال، فلا بد لطالب العلم من معلم يفتح له ويطرق له.
وقد قال بعض الحكماء: الْعِلْمُ يَفْتقِرُ إِلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءٍ مَتَى نَقَصَ مِنْهَا شَىْءٌ نَقَصَ مِنْ عِلْمِهِ بِقَدَرِ ذَلِكَ، وَهِيَ: ذِهْنٌ ثَاقِبٌ، وَشَهْوَةٌ بَاعِثةٌ، وَعُمُرٌ طَوِيْلٌ، وَجِدَّةٌ، وَأسْتَاذٌ.
وَلَهُ خَمْسَةُ مَرَاتِبَ: أوَّلُهَا أَنْ تُنْصِتَ وَتَسْمَعَ، ثُمَّ أَنْ تَسألَ فتَفْهَمَ، ثُمَّ أَنْ تَحْفَظَ مَا تَفْهَمْ، ثُمَّ أَنْ تَعْمَلَ بِمَا تَعْلَمْ، ثُمَّ أَنْ تُعَلِّمَ مَا تَعْلَمْ.
وكما يجب على المتعلم التَعَلُّم، فكذلك يجب على العالم التعليم، قال الله عَزَّ وَجَل: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (26)، ويُقرأ تُعَلِّمُون وتَعَلّمُون بمعنى تتعلمون فتجمع القراءات الثلاث العلم والتعلم والتعليم.
وقال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (27) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (28). هذا إيجازٌ في أدابٍ جامعة تعينُ فضل الفقه وطلب العلم.

2 -

فِي بَيَانِ أَنَّ دِرَاسَةَ الْفِقْهِ يُحَتِّمُهَا الإِيْمَانُ:

إِنَّ مُهِمُّةَ الرُّسُلِ الْبَلاَغُ عن رب العالمين بقصد معرفة مراد الله عَزَّ وَجَلَّ من عباده على وجه معين هو سبيل الله؛ قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ 29 وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ 30، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ 31 وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ 32.262728

الجزء: 1 - الصفحة: 13

ومُهِمَّةُ النَّاسِ طاعة الرسل قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ 33 وكان سيدنا الرسول مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء والرسل، وأمر الله الناس باتباعه قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ 34 وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ 35 وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ 36. ويحصلُ الاتباعُ بالطاعةِ قال تعالى: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ 37 وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ 38 وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ 39. أما الطريقةُ في الاتباع فذلك بالاستقامة على الأمر قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ 40 وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ 41 وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: [خَطَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَطّاً ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيْلُ اللهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطاً عَنْ يَمِنِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبيْلِ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَرَأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾] 42. ويأتي تنفيذُ هذه الطريقة بالحاكمية لشرع الله عز وجل في كل أمر قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ

الجزء: 1 - الصفحة: 14

حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} 43 وليس هذا فحسب؛ بل لابد من أن يكون التسليم لهذه الحاكمية باستجابة تامَّة قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ 44. ولقد أدركَ المسلمونَ هذه المعاني الإيمانية، واعتقدوا أن حياتهم إنما هي من أجل الإسلام؛ وأن وجودهم إنما هو من أجل تطبيق دين الله في الأرض وإنقاذ العالم البشري من ضيق الجاهلية وظلام الوثنية وشقاء الملل والنحل الشركية، وإخراجه إلى فسحة الإسلام ونور الإيمان وسعادة المفاهيم الإسلامية.
فآمنوا أن الإسلام وحدَهُ سرُّ وجودهم وأساس وحدتهم وسبب نهضتهم، وأنه وحده عزهم ومجدهم ورجاؤهم، فإيمانهم بالإسلام مَلَكَ عليهم نفوسهم وعقولهم، فأخلصوا له وأقبلوا عليه يدرسونه ويفهمونه؛ كيف لا وهُم سلف تَمَثَّلَ سلوك القدوة من الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا، فالصحابة القدوة ضربوا المثال في مسالك هذا الدين، وخلف من بعدهم سلف من التابعين وتابعيهم حتى تجسد في تاريخ أمة الإسلام أعلام شوامخ من العلماء العاملين، والفقهاء المجاهدين، الذين أدركوا أن الإسلام فكر اعتقاد، وشريعة ممارسة وعمل وجهاد.
ولم تكن ثمَّةَ مشكلة في العصر الأوَّل بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عصر الصحابة؛ على مستوى الفكر والمعتقد والفقه، لأن المثال الشاهد على الرسالة ظاهر، وبه يقتدى، ومن خلاله يتوصل إلى معرفة الإسلام تفكراً وتطبيقاً.
قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ

الجزء: 1 - الصفحة: 15

الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (45) وعن أبي موسى - رضي الله عنه -؛ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [النُّجُومُ أَمَنَةُ السَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وَأَنَا أَمَنَةُ أَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةُ أُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَتْ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ] (46).

3 -

فِي بَيَانِ أَنَّ دِرَاسَةِ الْفِقهِ يُحَتِّمُهَا الْعَمَلُ:

قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ 47. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كُونُواْ رَبَّانِيِّيْنَ حُكَمَاءَ فُقَهَاءَ) 48. وعن معاوية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ وَإِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وَلَنْ تَزَالَ أُمَّةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِيْنَ عَلَى النَّاسِ لَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ] 49. وكانَ الصحابةُ رضوان الله عليهم المثال الصادق والقدوة الحسنة لِلرَّبَّانِيِّيْنَ والحواريين والأحبار والمستنبطين والعاملين، وكانوا في غالبهم عرباً؛ وكانت العربية4546

الجزء: 1 - الصفحة: 16

من أحدهم سجيةَ لسانٍ؛ وسليقة إدراك، وتفكر استنباط، وكانوا علماء محيطين إحاطة تامة بلسان العرب ومعهودهم من القول والعمل، يكمِّلُ بعضهم بعضًا.
وكانوا ملازمين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فكان القرآن ينزلُ وهم مع الرسول.
ويُبَيِّنُ الرسولُ لهم حكم الله على مرأى ومسمع منهم.
وبهذا صاروا علماء بالشريعة محيطين بها فضلاً عن علمهم بالعربية.
فحين كانت تَرِدُ المسألة أو تجري أمامَهُم الواقعة التي تحتاج إلى بيان حكم الله فيها، بينوا حكم الله فيها، بما علموه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصاً أو فقهاً، ويظهر ذلك بإعطاء رأيهم الذي يقتضيه ظاهر النص تبليغًا؛ أو يستنبطوه من النص ضرورة أو يأخذوه من معقول النص حسب معهودهم في عصر النزول.
وكان الصحابةُ رضوان الله عليهم يقتصرون في إعطاء الرأي جواباً على المسائل أو بيانًا للأحداث وحلولاً للمشاكل؛ دون بيان الدليل غالباً، ما لم يكن الأمر يرجع إلى النص مباشرة، أو يقتضيه البيان.
وبهذا نقلت فتاوى الصحابة بشكل آراء لهم.
وهذا ما حمل البعض من الناس أن يفسر سلوك الصحابة في الفتوى على أنهم يعطون رأيهم الشخصي في القضايا.
والحقيقة أن الصحابة كانوا مجتهدين يعطون الحكم الشرعى الذي استنبطوه بما علموه من الوحي وفهموه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والسنة، ولكنهم إن لم يُسْأَلُوا عن الدليل اكتفوا بالجواب، ولهذا لم يشفعوا أجوبتهم بالأدلة، أو لم يبيِّنُوا علَّة الحكم أو دليل العلَّة لعامة الناس.
أما لطلاب العلم فإنه نقل عنهم كل المأثور مع الدليل غالباً.
هذه الحالُ أدَّتْ عند العامَّة إلى إبهام أن هذا الرأي للصحابي من عنده، وتصوَّرَ البعضُ أنه يجوز إعطاء الإنسان رأيه في القضية ما دام عقله مشبَّعًا بحبِّ الإسلام أو نصوصه وعارفًا بالعربية.
ولَمَّا طَرَأتِ العجمةُ في لسان الناس وفسد ذوقُهُم في التعامل مع اللسان العربى، صارت العربية تُتعلم قواعد لضبط أقوالهم ومعاملاتهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 17

ولَمَّا تَسَرَّبَ الكذبُ إلى الرواة ورويت أحاديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يقلها، ظهر تقصُّد تسمية الرجال، رِجَالِ السَّنَدِ، والنظر فيهم بحثًا وتقييمًا بالجرح والتعديل؛ وصار الحديث فَنًّا يُتَعَلَّمُ بأصول.
ولذلك صار استنباط الأحكام يحتاج إلى معرفة بالنصوص الشرعية واللغة العربية، فصار لا بد من أن يقرن الحكم الشرعي بدليله أو يصحب معهما بوجه الاستدلال.
فانبرى العلماء المخلصون، والفقهاء الواعون إلى هذا الأمر فصنفوا الكتب لحفظ الدين.
فبدأ الفقهُ يتكوَّنُ تكويناً جديداً في البحث، ويرتَّبُ ترتيباً خاصاً في التبويب.
وعلى اختلاف الأساليب في تبويبه وترتيبه.
فنجد أن الإمام مالك صنف الموطأ على تبويب الأحكام وجعل فيه الأدلة من الأحاديث والآثار وموقوفات الصحابة حين يبدي رأيه في المسألة جوابًا أو بيانًا.
ونجد الشافعي على منهاجه وأضاف وجه الاستدلال ومناقشة الرأي المقابل أو المحتمل كما فعل في الرسالة والأُمِّ.
ونجد بعضهم رتب المسانيد على أسماء الرجال كما فعل الإمام أحمد في المسند وقبله الإمام أبو حنيفة في مسنده، ثم عمرت المكتبة الإسلامية بمئات الألوف من المؤلفات في الفقه والحديث والتفسير بأساليب متنوعة من التبويب والعرض.
وكانت عنايةُ العلماء فائقةٌ في الفقه، إذ جعلوا آراء الأئمة الأعلام في الفقه واستنباطاتهم في مدونات كبرى مرتبة ومبوَّبة ثم عملوا على إيجازها بما يُسَهِّلُ الحفظ، وتفنَّنُواْ في تطويرها بما يخدم طلاب العلم وبما ينتج منهم علماء معلمين، وقادة سياسيين، وجنود محاربين وقضاة عادلين.
فعملوا على شرح الغامض، وإثبات الأدلة لما أبهم دليله، ووضعوا المتون للمذاهب على حسب ضرورة الدارس وأهليته في طلب العلم.
واعتنوا بآراء الخلاف وكيفية التعامل معها، بما يسهل للباحث المعاصر الوصول إلى قواعد أكثر ضبطًا للرأي المكوّن في جميع العصور، سيما عصرنا المتخلف عن تقدم سلف الأمة من الفقهاء والمحدثين والمفسرين.
ويجب أن لا ننسى محاولة الكفار بعد أن نجحوا في غزو المسلمين بعد منتصف القرن الثامن عشر الميلادي في أخذهم بإفشاء الفاحش من الرأى الذى يغالط أذهان العامة من المسلمين في ضرورة دراسة العلوم الشرعية، سيما منها الفقه على وجه

الجزء: 1 - الصفحة: 18

الخصوص، وهم يحاولون تكريه المسلم بكتب الفقه الإسلامي كما يكرِّهُ السفسطائي الناس بالعسل حين يقول لهم عنه أنه خرء الذباب.
فقد اتهم الكفار الفقه الإسلامي بأنه متأثر بالفقه الروماني العتيق، وأن الفقه الإسلامي يعانى من مشكلات العصر وضعفه أمام التحديات؛ فالكافر ما زال في محاولاته أن يضع الفقه الإسلامي في إطار أسود حتى يُعرض عنه المسلمون.
واعلم أخى، أنه إذا أعْرَضَ المسلمون عن الفقه، فقد أعرضوا عن معرفة أحكام الإسلام، ووقعوا في الجهل في دين الله لا محالة.
وهذا ما حصل بالفعل.
ولم يكتف الكافر بهذا النجاح الثاني، بل يحاول أن يضع صياغات منهحية عقلانية أو آرائية ومصلحية لاستنباطات الفقهاء وتأصيل القواعد عند علماء الأُصول، وهذه هى المحاولة الثالثة بعد الغزو لبلاد المسلمين، ومحاولة التعريض بالفقه الإسلامي.
لهذا كان لا بُدَّ من التَّصَدِّي لهذا الهجوم الفكري والثقافي، بِحَثِّ المسلمين على الإقبال على دراسة الفقه من منابعه الصافية، بطريقة الدرس المركز في حلقاته وبين أيدي علماء مخلصين واعين وتحتَ أفواههم.
وذلك بأن تكون الدراسة في أمهات كتب الفقه المعتبرة.
ومنها الكتاب الذي هو موضوع دراستنا إن شاء الله، وغيرهُ كثيرٌ، على أن تُخَرَّجَ بطريقة علمية رصينة تحافظ على المضمون الفكري والرأي المذهبي المعين بوصفه أمانة علمية قابلة لإنماء العقلية الإسلامية المعاصرة بطريقة صحيحة لا بطريقة أهل الجرأة على دين الله من المارقين الجاهلين وغير الواعين.
وكذلك لا بطريقة الجامدين على الرأي المذهبي مع توفر الدليل الأقوى والاستدلال الأرجح في المسألة؛ وإنما المقصودُ أن يتوصل إلى الرأي الصواب بطريقة الاجتهاد الصحيح عند من هو أهلٌ له.

الجزء: 1 - الصفحة: 19

ثَانِيًا: أَهَمِّيَّةُ كِتَابُ (عُجَالَةُ المُحْتَاجِ إِلَى تَوْجِيهِ المِنْهَاجِ)

1 -

فِي بَيَانِ أَهَمِّيَّةِ الكِتَابِ:

حرصَ سلفُنا الصالحُ على امتثال ما أمروا به من طاعة الله ورسوله؛ وعقلوا ما وعظوا به عن الله عَزَّ وَجَلَّ؛ فنظَّموا أوقاتهم واستفرغوا جهدَهم، وأنفقُوا أموالهم في حفظ هذا الدين وخدمته؛ وناضلوا عن كلام الله عَزَّ وَجَلَّ وسُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصدق المناضلة والكفاح.
وفي الحديث عن أَبِي عُتْبَةَ الْخُولاَنِيِّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: [إِنَّ -وَفِي لَفْظٍ- لاَ يَزَالُ الله يَغْرِسُ فِى هَذَا الدِّيْنِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ] 50. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [إِنَّ الله يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِيْنَهَا] 51. وقال الإمام أحمد: (إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً، قلت فيها بقول الشافعيِّ، لأنه ذكر في الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: [إِنَّ الله يُقَيِّضُ فِى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ السُّنَنَ وَيَنْفِي عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الْكَذِبَ] فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المئين الشَّافِعيُّ) 52.

الجزء: 1 - الصفحة: 20

قال السخاوي: (قالَ العمادُ بن كثير: وقد ادَّعَى كلُّ قوم في إمامهم، أنه المراد في الحديث، والظاهر والله أعلم: أنه يعم حملة العلم من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء ونحاة ولغويين، إلى غير ذلك من الأصناف.
والله اعلم) 53. وكان من هؤلاء إن شاء الله الإمام ابن النحوي المشهور بِابْنِ المُلَقِّنِ المتوفى سنة (804) من الهجرة.
الذى كان علماً من أعلام الفقه والحديث والتاريخ في القرن الثامن من الهجرة (وَكَانَ أُمَّةً فِى كَثْرَةِ التَّصَانِيْفِ، شَهِدَ لَهُ المُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ) 54. وكتابه (عُجَالَةُ الْمُحْتَاجِ إِلَى تَوْجِيْهِ الْمِنْهَاجِ) الذى نقدم له، واحدٌ من أهم كتبه بل من أهم كتب شروح المنهاج.
أما أهمية الكتاب فإنها تأتي من أمور عديدة نذكر منها بإيجاز: أوَّلاً: موضوع الكتاب: وهو شرح لألفاظ المنهاج (مِنْهَاجِ الطَّالِبِيْنَ) للإمام النووي رحمه الله؛ مدلل بتوحيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسُّنَّةِ، ومعضَّدٌ بأقوال العلماء من المذهب ومقارناً في بعضها بآراء المذاهب الأخرى كما أشار في المقدمة.
بما يخدم وضوح الرأي في المسألة؛ محاولاً به الشارح أن يعين المبتدئ في مرحلة الاقتصاد العلمى إلى ما يوصلهُ إلى دقة الفكر ووضوح الفهم معززاً بالأدلة ووجوه الاستدلال غالباً.
ثَانياً: وتأتي أهمية الكتاب من جهة متن الشرح فهو شرحٌ لمنهاج الطالبين للإمام النووي وهو مَن الشهرة.
بمكان، أن صار عَلَماً في المذهب من ناحيته بوصفه متناً سهلاً ميسوراً لطلاب العلم، ومن ناحية الثقة.
بمصنفه الإمام النووى.
والخطب من طريق أبي بكر المروزي.
وفي المقاصد الحسنة: الحديث (238)؛ قال السخاوى: روينا في المدخل للبيهقي بإسناده إلى الإمام أحمد.

الجزء: 1 - الصفحة: 21

وليس هذا فحسب بل يعدُّ شرح ابن النحوي- عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج- من أوائل الشروح بل ربما لم يسبق إليه شرح غير دقائق المصنف على المنهاج وهي ليست بالشرح كما سيأتي.
وكذلك أنه معتمدٌ في ذلك نسخة المؤلف نفسه كما أشار بذلك في عدة مواطن أنه رأه بخطه.
ثالثاً: وتأتى أهمية الكتاب أيضاً من جهة مصنف الشرح ابن النحوي رحمه الله، فقد عَظَّمَهُ أهل زمانه؛ وشهدوا له بالتقدم والرسوخ، ونعتوه بالحافظ والأمام والعلامة، وشيخ الاسلام، وغالباً نجد الحفَّاظ ينسبون أنفسهم إليه في العلم، فنجد الحافظ ابن حجر غالباً ما يكرر عبارة: قاله شيخنا ابن الملقن رحمه الله.
بل نجد الشروح على المنهاج لمن جاء بعده أنه ينقل عنه كما فعل ذلك كثيراً الشربينى في مغني المحتاج، بل ينقل غالباً عبارة ابن الملقن وربما لا يشير إلى ذلك.
رابعاً: وكذلك تأتى أهمية الكتاب من الناحية العملية، أنه تقصد الأدلة وبيان وجه الاستدلال على ما وسعه المقام من حال البيان.
فتقصد الأدلة الشرعية بنصوصها من الكتاب والسُّنَّة؛ وتقصد بيان اللغة ومعهود الخطاب فِى فهم دلالة النص على الأحكام الشرعية.
وكما سيظهر للقارئ إن شاء الله.
خامساً: وتأتى أهمية الكتاب أيضاً من الناحية البنائية في تكوين العقلية الإسلامية الفاعلة في حركة نهضة المجتمع وقيادة الأمة إلى النجاة إن شاء الله، بأن يربى الذوق الفقهي حين التعامل مع أفكار المتن.
بما يؤدي إلى إدراكها وتحويلها إلى قناعة؛ وبالتالي يوصل إلى أنماط فكرية وحسية وشعورية في النفس والسلوك.
سادساً: لا يخلو الكتاب من آراء فقهية هى أفكار عصر ابن الملقن أو العصور السابقة له التي ظهرت بتأثير الواقع السلطوي في صراعات الفكر والسياسة، وهي سوف يلتفت إليها القارئ النابه والدارس الواعي بإذن الله، ولم أتقصد التعليق عليها محافظه على علمية الرأي وأحقية التعبر عن نفسه، وتركت أمره إلى عمق تفكير الدارس واستنارته.

الجزء: 1 - الصفحة: 22

2 -

نَبْذَةٌ عَنْ كِتَابِ (مِنْهَاجُ الطَّالِبِيْنَ):

تأسِّياً بالرسول الكريم مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وامتثالاً لأمر الله في اتباعه وطاعته جهد أبناء الأمة الإسلامية من العلماء النابهين والفقهاء الواعين إلى الأكثار من التصنيف في العلوم الشرعية، سيما علم الفقه، فبسطوا أو اختصروا، ترغيباً للدارس وتسهيلاً لطالب العلم، وتقنيناً للمسائل، لما يخدم في تربية الشخصية الإسلامية وإعداد أبنائها لمركز القيادة في الحكم والقضاء والإدارة؛ وهى كثيرة مشهورة تغنى الفكر وتشبع الرغبة في طلب العلم وتقصد العمل طاعة لله واحتساباً لليوم الآخر.
وكان من هذه المختصرات كتاب (الْمُحَرَّر) في الفقه الشافعى للإمام أبي القاسم الرافعى المتوفى سنة (623) قال النووي عنه: (ذِى التَّحْقِيْقَاتِ، وَهُوَ كَثِيْرُ الْفَوَائِدِ؛ عُمْدَةٌ فِي تَحْقِيْقِ الْمَذْهَبِ؛ مُعْتَمَدٌ لِلْمُفْتِي وَغَيْرِهِ مِنْ أُوْلِى الرَّغَبَاتِ؛ وَقَدِ الْتَزَمَ مُصَنِّفُهُ رَحِمَهُ الله عَلَى مَا صَحَّحَهُ مُعْظَمُ الأَصْحَابِ وَوَفِّى بِمَا الْتَزَمَهُ، وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ أَوْ أَهَمُّ الْمَطْلُوبَاتِ).
أما عن سبب تصنيف الإمام النووى رحمه الله للمنهاج، فقد قال: إنَّ (فِي حَجْمِهِ كِبَرٌ يَعْجَزُ عَنْ حِفْظِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعَصْرِ إِلاَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ، فَرَأَيْتُ اخْتِصَارَهُ فِي نَحْوِ نِصْفِ حَجْمِهِ، لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ مَعَ مَا أضُمُّهُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى مِنَ النَّفَائِسِ الْمُسْتَجِدَّاتِ).
وقال: (وَقَدْ شَرَعْتُ فِي جَمْعِ جُزْءٍ لَطِيْفٍ عَلَى صُورَةِ الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ) وكما سيأتي في مقدمة بيانه إن شاء الله تعالى.
قُلْتُ: والحمد لله أن طبع هذا الجزء (دقائق المنهاج) بتحقيق وتعليق الأستاذ إياد أحمد الغَوج وطبعته دار ابن حزم والمكتبة العلمية.
أما الإمام النووى مصنف المنهاج، فهر أشهر من أن يُعَرَّفَ؛ ولكن هكذا جرت العادة في التقديم للدارسة وتحقيق المخطوط.
فهو الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووى.
ولد في المحرَّم سنة (631) من الهجرة (1233) ميلادية

الجزء: 1 - الصفحة: 23

بنوى بلدة جنوب دمشق.
وما زال - رضي الله عنه - مشتغلاً بالعلم والتصنيف ومعلماً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، حتى دنا أجله، فردَّ الأمانات التي في حوزته إلى أهلها؛ ثم سافر إلى القدس، وزار الخليل عليه السلام؛ ثم رجع إلى نوى فتمرَّض أياماً، وتوفي بها رحمه الله في رجب سنة 676 من الهجرة.
عن خمسة وأربعين عاماً.
أما الشروح والتعليقات والدقائق على كتاب المنهاج المختصر من كتاب الْمُحَرَّرِ متن شرح العجالة موضوع دراستنا؛ فهي كثيرة؛ فقد اعتنى به العلماء عناية فائقة؛ ولقي منهم اهتماماً بالغاً، وكان من أول التعليقات عليه هو (دقائق المنهاج) للإمام النووي رحمه الله.
ثم تتابع عليه غيره من العلماء منهم الإمام شيخ الاسلام تقي الدين السبكي (المتوفى 756 من الهحرة) شيخ ابن الملقن ولم يكمله، وأكمله ابنه بهاء الدين أحمد (المتوفى سنة 773 من الهجرة) وهي السَّنَةُ التى أنهى فيها ابنُ النَّحَوِيِّ (ابنُ الْمُلَقِّنِ) عُجالته على المنهاج بعد أن أكمل شرحه له الموسوم بـ (عُمْدَةُ الْمُحْتَاجِ إِلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ) وهو شرحٌ مبسوط رأيته مخطوطاً في أكثر من أربعة مجلدات كبيرة في مكتبة أوقاف نينوى من العراق، ولكنه غير كامل ويوجد منه ثلاث أجزاء بنسخ ناسخ وجزء مكرر بخط ناسخ آخر.
وشرحهُ أيضاً الكمال ابن الزنكلوني؛ والبرهان ابن الفركاح، والمجد أبو بكر بن إسماعيل الزنكلوني؛ ونور الدين فرج الأردبيلى، وجال الدين الأسنوي ولم يكمل، والبدر الزركشي، وتقي الدين الحصنى، والسراج البلقينى, والكمال الدميري، والجلال المحلي، والنجم بن القاضي عجلون، ولفت نظري مخطوط للماردينى يقع في أكثر من سبعة مجلدات حوالي في أكثر من خمسة ألاف ورقة بخط يده، عثرت على سبعة مجلدات منها ناقصة الربع الأول من الفقه- العبادات كلها- وبعض الأجزاء الأخرى، وعلى ما يبدو لي من عناية المارديني رحمه الله وهو يكتبه في مدينة حلب ويؤرخ فيها، أنه شرح واسع، هو كما سمَّاه (الْبَحْرُ الْعُجَاجُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ) وأهيب بمن يعثر على الأجزاء الأخرى أن يتصل بنا إن كان لنا في الحياة بقية، نعطيه ما عندنا مطبوعاً محققاً إن شاء الله، أو يعطينا ما عنده خدمةً للعلم في طاعة

الجزء: 1 - الصفحة: 24

الله عَزَّ وَجَلَّ.
لأنى لم أعثر على أية دلالة تشير إلى نسخة أخرى غير نسخة المصنف المارديني رحمه الله.
أو يأخذ من أمين مكتبتي من بعدى الجهد المطبوع من (الْبَحْرُ الْعُجَاجُ) إن لم نستطع نشره والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

3 -

فِي بَيَانِ عَمَلِي فِي الْكِتَابِ:

أرشدنى شيخي الفاضل الأستاذ المعلم صادق بن محمد بن سليم المروزي إلى مخطوطة ابن الملقن (عُجَالَةُ الْمُحْتَاجِ إِلَى تَوْجِيْهِ الْمِنْهَاجِ) وأنا أقرأ بين يديه كتاب المجموع شرح المهذب للإمام النووي، ووجهني إلى دراسة العجالة وتحقيقه وإخراجه إلي طلاب العلم؛ فاستجبت لنصحه إياى وحرصه على تعليمى العلم وإفادتى منه.
مَنَّ اللهُ عليَّ أن سهَّلَ لي العثور على ثلاثة نسخ للعجالة في مكتبة أوقاف نينوى- العراق.
فقمت بنسخها بآلة التصوير سنة (1992 - 1993) ميلادية.
وقد قابلت الكتاب على النسخ الثلاثة، سيما النصف الثانى من الكتاب، قابلته على نسختين، لأن الثالثة ناقصة غير كاملة، وهي النسخة التي نقلت من نسخة قرئت على المصنف وعليها خطه وقد أثبتنا هذه الملحوظة حيثما وردت من النسخة الثالثة في الكتاب.
وحاولت جاهداً أن أتقن العمل وأجتهد في ذلك وأرجوا الله أنى وفقت للعمل في التحقيق وضبطه على أصوله الخطية، وكذلك في تخريج الأحاديث والتعليق على الشرح في محله، سيما أنه أول عمل لي من هذا النوع.
وقد جعلت متن المنهاج مرسوماً بالخط الغامق تمييزاً له عن شرح العجالة بما يفيد تنبه الطالب حين الدراسة.
وبعد قدَّمتُ للكتاب بما أظنه لازم من غير إطالة أو إسهاب في غير محله.
وذكرتُ من أحوال ابن الملقن بما ظننته يعرف به بوصفه فقيهاً على الرغم من شهرته في عصرنا بأنه محدِّث فحسب.
أخى القارئ أو الدارس؛ إني بذلت جهدى أن أخرج الكتاب في أحسن صورة

الجزء: 1 - الصفحة: 25

علمية، وأحسن صورة فنية أيضاً، وأن أجعل له فهارس تخدم في المراجعة، فإذا وُفقت فيه إلى ذلك فهو فضل من الله ونعمة، وما كان من تقصر فهو من خطأ نفسي، فإني أتوب إلى الله وأستغفره، واستغفر لي أخي وقلني عثرتي وظنَّ بي خيراً، ورحم الله امرءاً وقف على خطأ فأصلحه أو عوج فأقامه، والمؤمن للمؤمن كاليدين تغسل أحدهما الأخرى، والمسلم مرآة المسلم، وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حَتىَّ يُحِبَّ لأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ] 55. وبعد، فإني أحمدُ الله الذي أنعم علينا بالآدمية ورفعنا عن الحيوانية، وتفضل علينا بنعمة الإسلام وأكرمنا عن الجاهلية، فالحمد لله على ما أنعم علينا من العقل بالفطرة، وتفضل علينا من العقل بالعلم، ورزقنا العون على أن نكون طلاب علم باحثين عن الحقائق بإذنه تعالى، وأسأله أن يَمُنَّ علىَّ إتمام هذا العمل، والرجاء أن يتقبله خالصاً عنده فهو أعلم بالنية التي ابتدأتُ بها بتحقيق الكتاب وضبطه على أصوله وتخريج أحاديثه والتعليق عليه؛ فأسأله أن يقبله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يغفر لى غلطِ اللسان وزلَّة الأقلام وغفلة النِّيَّةِ إنه هو الغفور الرحيم.

الجزء: 1 - الصفحة: 26

ثَالِثاً: فِي بَيَانِ أحْوَالِ ابْنِ الْمُلَقَّنِ الْفَقِيْهِ

1 -

فِي بَيَانِ الاِسْمِ وَالنَّسَبِ:

هو عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَبُو حَفْصٍ؛ الأَنْصَارِيِّ؛ الوادياشىِّ، الأندلسىِّ، الشافعيِّ سِرَاجُ الدِّيْنِ لقبهُ العلمي؛ ويعرفُ بِابْنِ النَّحَوِيِّ؛ اشتهر بذلك في اليمن خاصة، والمشهور بِابْنِ الْمُلَقِّنِ في مصر وغيرها، وكان لا يحب هذه الشهرة فهي تنسبه إلى زوج أمه العالم القارئ؛ ويحبُّ الأُولى فهي تنسبه إلى أبيه.
ولدَ بالقاهرة من مصر يوم الخميس في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة من الهجرة، كتبه بخطه.
واختلفوا في ميلاده، وهو أعرف بنفسه من غيره وعليه المعتمد.
توفي عنهُ والده بعد عام من ولادته؛ فنشأ في كفالة صديق أبيه الشيخ عيسى المغربى، وكان رجلاً صالحاً يلقن الناس القرآن بجامع ابن طولون، فتزوج أمه وعاش سراج الدين في رعايته حتى صار كابنه وعرف به فدعاه الناس بابن الملقن، وكان السراج لا يأنف من ذلك مع أنه يحب أن يدعى بابن النحوي، فكان يدعو الشيخ المغربى بالوالد، فهو قد أنعم عليه فأحسن تربيته والأشراف على تعليمه وتأديبه، حتى بلغ أشده في ميدان الحياة المعيشية وفي ميدان العلم والمعرفة.
والسيرة العلمية لابن الملقن تدل على مدى إخلاص الشيخ عيسى وصدق النية عنده، فقد هيأ لسراج الدين الرعاية الكريمة والحفاوة البالغة في حفظ الأمانة التي تركها له صديقه والدُ سراج الدين.
حفظ سراج الدين القرآن من الشيخ الملقن، وحفظه عمدة الأحكام، وأراد أن

الجزء: 1 - الصفحة: 27

يقرئه المذهب المالكي، فأشار عليه ابن جماعة صديق والده أن يقرءه المذهب الشافعي، فدرس المنهاج وحفظه.
وأحسنَ الشيخُ عيسى المغربي في كفالة سراج الدين، فعمل على استثمار ماله الذى خلفه له والده، وكأنه يعدُّهُ لحمل رسالة العلم والتفرغ لها، فأنشأ له رَبْعاً، أنفق على عمارته ستين ألف درهم يدرُّ عليه كل يوم مثقال ذهب، فكان يكتفي بأجرته، ويوفِّرُ له بقيُّة ماله.

2 -

فِي بَيَانِ خَلْقِهِ وَخُلُقِهِ:

وصفَهُ الحافظ ابن حجر، تلميذهُ، بأنه كان طويل القامة، حسن الصورة؛ يحب المزاح والمداعبة مع ملازمة الاشتغال بالعلم والكتابة؛ حسن المحاضرة؛ جميل الأخلاق كثير الإنصاف، شديد القيام مع أصحابه، موسعاً عليه في الدنيا.
ووَصَفَهُ تلميذُه الآخر سبط بن العجمي قال: (وشكالته حَسَنَةٌ، وكذا خُلُقه مع التواضع والإحسان، لازمته مدة طويلة فلم أَرَهُ منحرفاً قط) وقال عنه أيضاً: (وكان منقطعاً عن الناس، لا يركب إلا إلى درس أو نزهة، وكان يعتكف كل سنة بجامع الحاكم، ويحب أهل الخير والفقر ويعظمهم).
ووَصَفَهُ تلميذه الثالث المقريزيُّ قال: (كان أعذبَ الناس ألفاظاً، وأحسنهم خلقاً، وأعظمهم محاضرة، صحبته سنين وأخذتُ عنه كثيراً من مروياته ومصنفاته).
وكان ابنُ الملقن صوفياً، من الذين لبسوا الخرقة، خرقة التصوف وألبسوها؛ وذكر في أخر كتابه (طبقات الأولياء) سلاسل خرقة ابن الملقن؛ بأسانيد عديدة إلى عُمَرَ وعَلِيٍّ وعَائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ، ثم الجنيد وأحمد الرفاعى وغيرهم كثير، وتنتهي في كثر منها إلى الصحابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال السخاوىُّ: (حديث لبس الخرقة الصوفية وكون الحسن لبسها من عليٍّ، قال ابن دحية وابن الصلاح: إنه باطل؛ وكذا قال شيخنا- أي ابن حجر-: إنه ليس

الجزء: 1 - الصفحة: 28

في شئ من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح ولاحسن ولا ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد، ولا أمر أحداً من أصحابه بفعل ذلك، وكل ما روى في ذلك صريحاً فباطل) ثم ذكر السخاوي ابن الملقن فيمن لبس الخرقة وألبسها (56).

3 -

فِي بَيَانِ شُيُوخِ ابْنِ الْمُلَقِّنِ:

هَيَّأَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ للإمام سراج الدين ابن الملقن الرعاية في كفالته يتيماً، وهيأ له علماء أفذاذ من كبار علماء عصره، فتتلمذ عليهم وأخذ عنهم وكان لهم أكبر الأثر في تفوقه واجتهاده، فقد كان أكثر مشايخه رأساً في علمٍ من العلوم أو أكثر.
أخذ الفقه من أعلام عصره من الشافعية؛ فتفقه على تقي الدين السبكي 57 وعز الدين ابن جماعة 58 وكمال الدين النشائى 59. وأخذ العربية عن أبي حيان الغرناطي 60 وجال الدين بن هشام 61. وأخذ الحديث من أبي الفتح بن سيد الناس 62. وأخذه عن الحافظ علاء الدين56

الجزء: 1 - الصفحة: 29

مغلطاي (63) لازمه وقرأ عليه صحيح البخارى وتخرج به.
وباختصار فإن شيوخ ابن الملقن كثيرون.
أما تلامذتهُ فعدهم محقق كتاب التحفة بخمس وتسعين ومائة وربما أكثر.
منهم الأعلام مثل ابن حجر والمقريزي وغيرهم، وفيهم نساء أكثر من عشرة أجاز لهن.

4 -

فِي بَيَانِ أَحْوَالِ ابْنِ الْمُلَقِّنِ مَعَ الْحَيَاةِ:

حال ابن الملقن مع كتب العلم؛ وكان جَمَّاعَةً لها؛ فاجتمع عنده من الكتب ما لا يدخل تحت الحصر، حتى قيل: إنه كان أكثر كتباً من العراقي، وقد كان العراقي كثير الكتب والأجزاء، قال عنه الحافظ ابن حجر: لم أرَ عند أحد بالقاهرة أكثر من كتبه.
وكان للشيخ عيسى المغربي دور كبير في تشييد هذه المكتبة، فقد أحسن في كفالته له وكان أميناً على تنمية ماله، وهذا كله عون من الله عَزَّ وَجَلَّ في صناعة هذه الشخصية العلمية الفقهية الحديثية، فيسر له الحال وكثرة المال وبركة العيال على إنشاء هذه المكتبة.
وكان سخياً في بذل المال لتأسيس هذه المكتبة؛ يقول الحافظ ابن حجر عن شيخه: (أنه حضر في الطاعون بيع كتب بعض المحدثين، فكان الوصيُّ لا يبيع إلا بالنقد الحاضر، فتوجه ابن الملقن إلى منزله، وأحضر كيساً من الدراهم، ودخل الحلقه فَصَبَّهُ، فصار لا يزيد في كتاب إلا قال الوصيُّ: بِعْ لَهُ، وكان مما اشتراه مسند الإمام أحمد بثلاثين درهماً).
وامتحن ابن الملقن باحتراق المكتبة آخر عمره، واحترقت معها كثير من مصنفاته؛ ومن ذلك كتابه المبسوط (جمع الجوامع) وحزن عليها أشد الحزن، فعزاه ابنه عليٌّ فقال:63

الجزء: 1 - الصفحة: 30

لَا يُزْعِجَنَّكَ يَا سِرَاجُ الدِّيْنِ ... أَنْ لَعِبَتْ بِكُتُبِكَ أَلْسُنُ النِّيْرَانِ للهِ قَدْ قَرَّبْتَهَا فَتُقُبِّلَتْ ... وَالنَّارُ مُسْرِعَةٌ إِلَى الْقُرْبَانِ وقد حَبَّبَ الله لابن الملقن التدريس والتصنيف، فَكَبَّ على تعليم الناس خير الإسلام، وتدريس العلوم الشرعية لطالبيها؛ وأُلِيْنَ له التأليف وتصنيف الكتب، فَخَطَّ بيمينه مئات الكتب في مختلف صنوف العلم، وترك هذا الانشغال أثره الواضح في حياة ابن الملقن، فانصرف عن مناصب الدنيا أو مهام القضاء؛ فكانت المناصب التي أنيطت به قليلة.
قال السخاوي: أنه ولي قضاء الشرقية، ثم تخلى لولده علي.
وأنه تولى أمر دار الحديث الكاملية خلفًا للزين العراقي.
وقد رشح لقضاء الشافعية فما تم له ذلك.
توفي ابن الملقن ليلة الجمعة السادس عشر ربيع الأول سنة أربع وثمانمائة، ودفن على أبيه بحوش (سعيد السعداء) وتأسَّف الناس على فقده.
ونقول بدعاء الأستاذ عبد الله سقاف: رحم الله ابن الملقن فقد قضى عمره الذي جاوز الثمانين معلمًا ومربيًا، ومصنفًا محققًا، وناصحًا لله ورسوله والمؤمنين، نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي أحدًا على الله.

5 -

فِي بَيَانِ آرَاءِ الْعُلَمَاءِ فِي ابْنِ المُلَقِّنِ:

  • وصفه الحافظ العراقى بـ (الشيخ الإمام الحافظ) وقال عنه الحافظ العلائى: (الشيخ؛ الفقيه؛ الإمام؛ العالم؛ المحدث؛ الحافظ؛ المتقن؛ سراج الدين شرف العلماء والمحدثين وفخر الفضلاء).
    نقله السخاوى في الضوء اللامع.
  • وصفه الحافظ العلامة ابن فهد بـ (الإمام العلامة الحافظ، شيخ الإسلام، وعلم الأئمة الأعلام، عمدة المحدثين وقدوة المصنفين ... ) وقال عن تآليفه: (قد سار بجملة منها رواة الأخبار واشتهر ذكرْها في الأقطار، وكان رحمه الله تعالى له فوائد جمة ويستحضر الغرائب، وهو من أعذب الناس لفظًا وأحسنهم خلقًا، وأجملهم

الجزء: 1 - الصفحة: 31

صورة، وأفكههم محاضرة، كثير المروءة والإحسان والتواضع والكلام الحسن لكل إنسان، كثير المحبة للفقراء والتبرك بهم مع التعظيم الزائد لهم).
إنتهى.

  • وقال عنه ابن تغرى بردي: (الشيخ الإمام ... صاحب التصانيف الجليلة ... وقال: أثنى عليه الأئمة بالعمل والفضل، ووصف بالحافظ، ونوه بذكره القاضي تاج الدين السبكي وكتب له تقريضًا على شرحه المنهاج).
  • وقال عنه الصلاح الأفقهسى: (تفقه وبرع، وصنف وجمع، وأفتى؛ ودرس؛ وحدَّث؛ وسارت مصنفاته في الأقطار، ولقد لقينا خلقًا ممن أخذ عنه دراية ورواية، وخاتمة أصحابه تأخر إلى أبعد السبعين) أي من القرن التاسع.
    قُلْتُ: ولا غرابة في هذا الكلام، فتجد على نسخ المخطوطات الثلاث التي ضبطتُ عليها الكتاب الأثر الواضح في قراءة العلماء ومتابعاتهم لكتاب العجالة، وهو مثال يشهد باهتمام أهل الاختصاص بكتابات ابن الملقن وعلمه في هذا الفن.
    أما وقد قيل بالقدح بعلمية ابن الملقن، فنكتفي بما قاله السخاوي: بأنه (كَلَامٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْ قَائِلِهِ) وقال الشوكاني: "في هذا الكلام من التحامل ما لا يخفى على منصف، فكتبه شاهدة بخلاف ذلك، منادية بأنه من الأئمة في جميع العلوم، وقد اشتهر صيته، وطار ذكره، وسارت مؤلفاته في الدنيا) (64).

6 -

فِي بَيَانِ مَنْهَجِ ابْنِ الْمُلَقَّنِ فِي الْبَحْثِ وَالنَّظَرِ:

للإسلام طريقة واحدة في معالجة المستحدثات من أمور الناس ومشكلاتهم فيها؛ فيدعو الإسلام المجتهد لأن يدرس واقع المشكلة ومناط الحادثة حتى يفهمهما؛64

الجزء: 1 - الصفحة: 32

ثم ينظر في النصوص الشرعية المتعلقة بهذه المشكلة، ثم يستنبط الحل لهذه المشكلة من نصوص الكتاب والسُّنَّة أو ما دلَّا عليه من الإجماع والقياس.
قال الإمام الشافعي: (فمن بعدَهُ - أي بعدَ رسول الله سيدنا مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - من الْحُكَّامِ أَوْلى أن لا يُحدث في شيء لله فيه حكمٌ ولا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - غير ما حَكَمَا به أو ما كان في معناه.
وَوَاجِبٌ عَلَى الْحُكَّامِ وَالْمُفْتِيْنَ أَنْ لَا يَقُولُواْ إِلاَّ مِنْ وَجْهٍ لَزِمَ مِنْ كِتَابِ اللهِ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ اجْتَهَدُواْ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُوْلُواْ مِثْلَ مَعْنَاهُ.
ولا يكون لهم والله أعلمُ أن يُحدثوا حكمًا ليس في واحدٍ من هذه ولا في مثل معناه) 65. هذه هي الطريقة في الاجتهاد؛ وهي كيفية دائمة له وهي طريقة تفكير المجتهد حين استنباط الرأى، وهي الطريقة الإسلامية في التفكير، وليست هي كيفية الاستدلال في المسألة المعينة، لأن كيفية الاستدلال في المسألة المعينة تتأثر بحال المستدل، أي تتأثر بقدرة المجتهد على قدح الفكرة بربط الواقع بمقتضاه من دلالة النص حتَّى تلمع الفكرة بالحكم الشرعي تجاه واقع المسألة.
والطريقة في الاجتهاد لا تتأثر بهذا كله.
فهي الكيفية الدائمة التي يستدل بها المجتهدون حين استنباط الحكم الشرعي من أدلته التفصيلية تجاه الواقع الذي يستدعي الحكم، ويسلك المجتهد نهج طريقها في طلب الظن بالأحكام الشرعية من أدلتها، ويظهر هذا في ملاحظة الفرق بين طريقة الاجتهاد وكيفية الاستدلال في تعامل المجتهدين مع دلالة النص، فتعامل المجتهد مع دلالة النص يتحكم فيه أمران فضلًا عن طريقة الاجتهاد: الأَمْرُ الأَوَّلُ: إِلْمَامُ الْمُجْتَهِدِ بِالنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْبَابِ.
وَالأَمْرُ الثَّانِي: مَقْدِرَتُهُ عَلَى الْفَهْمِ؛ أَيْ مَلَكَةُ الْفِقْهِ.
ولهذا تجد الفقهاء في الأمور الخلافية تكثر مفارقاتهم في إعطاء الرأي، مثل مسألة اللمس في نقض الوضوء وغيرها.
أما الطريقة فلم نجد فقيهًا أو أصوليًا يختلف في تعريف طريقة الاجتهاد، وكما سيأتى، إلا في العصر الراهن اختلف بعض من

الجزء: 1 - الصفحة: 33

ينسب إلى أهل العلم في ذلك.
وقطعًا حالُ شيخنا ابنُ النَّحَوِيِّ رحمه الله لا يختلف في المنهج عن سائر العلماء والفقهاء، إلا أنه يدرس مذهبًا من مذاهب المسلمين في الفقه، ويتعين عليه الالتزام بأصوله الفقهية وتوجهات الرأي فيه حسب توفر الأدلة أو رجحان وجه جديد للاستدلال؛ اعتمادًا على مناهج البحث المعتبرة في أصول الفقه وقواعد ضبط التفكر حسبها.
فضلًا عن ذلك فإنه يشرح متنًا باعتبارات تقرير المسائل فيه بطريقة علمية رَسَتْ عليها أذهان العلماء ومصافِ الفكر عندهم إلى آراء حكمية تأخذ مشروعيتها من الأدلة وكيفيات الاستدلال المعتبرة عند المسلمين فضلًا أن الْمَلَكَةَ الذهنية لهؤلاء العلماء قد تعينت توجهاتها بذوق معين من الفكر والنظر والبحث على أصول مذهب الإمام الشافعي، وكما هو حال المذاهب الأخري في الفقه الإسلامي.
وأما عن سبب أو دافع ابن الملقن في تصنيف هذا الشرح فهو أنه لما احتاج الدارس المشرف على مصاف الرأي المعين في المسائل وفق مذهب الإمام الشافعي، ومن خلال متن (مِنْهَاجُ الطَّالِبِيْنَ) احتاج إلى المراجعة فيه في أُمهات الكتب ليتأتى له إدراك المراد والمعنى في ألفاظه وأدلته، لذلك نهجَ الإِمامُ ابن الملقن سبيلًا يُيَسِّرُ فيه على المشتغل بالدرس أمور العلم بمسائل المنهاج، قال في الشرح المبسوط له: (فكتاب المنهاج ... من أنفع الكتب وأشرف المطالب وأولى ما اشتغل به اليوم في زماننا الطالب لقرب فوائده وإسراع عائديته.
ولكن يحتاج المشتغل به إلى المطالعة عليه ليتصور مسائله وتتقرر عنده قواعده ويتضح لديه مشكله وينفتح عليه معضله، وليس عليه كتابًا شافٍ في ذلك ولا منهلاً يورد فيما هنالك) 66. قلتُ: وابن الملقن أهلٌ لذلك، سيما أنه يوثق على نفسه فيقول: (وكنتُ ممن لازمه حفظًا ثم بحثًا ثم اشتغالًا فاستخرتُ الله سبحانه وتعالى وله الخيرة في ذلك في تعليق شرح عليه نافع إن شاء الله تعالى ملخص من كلام الإمام الرافعي في شرحه

الجزء: 1 - الصفحة: 34

الكبير ثم الصغر ومن كلام المصنف في شرح المهذب والروضة وغير ذلك من كتبهما مما ستراه معزوًا إليهما ومما زاده ابن الرفعة عليهما في كفايته ومطلبه مع زيادة فوائد أخرى من مفرقات كلام الأصحاب مضافة إلى قائلها وناقلها، وأحرص على الاختصار مهما قدرتُ) 67. أما منهج ابن الملقن في التعامل مع أراء المذهب وأحكامه الفقهية من خلال المنهاج، فإنه يرسم خطة بحث ونظر في دائرة الشرح الكبير المشرف على أن يكون مرجعًا في شرح المنهاج؛ فحصر مقصود الكلام في ثلاثة أقسام: الأَوَّلُ: في بيان دليل المسألة.
الثَّاني: في بيان ما يتعلق بألفاظ الكتاب.
الثَّالِثُ: في بيان ما على كلام المنهاج من الإيراد.
ولابن الملقن جهد محمود ومتميز في مجال بيان أدلة الفقه بوجه عام وأدلة كتاب المنهاج بشكل خاص.
وهذا ظاهر للباحث، وهو صدق قوله في العمدة، قال: (في دليل المسألة، إن كانت متفقًا عليها أو مختلفًا فيها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس المتفق عليها بين الأئمة مقتصرًا على دليل واحد في المسألة غالبًا، سالم من النزاع أو آئِلٌ إليه مبينًا مع ذلك الحديث المستدل به على الحكم صحة وضعفًا، فإن ذلك من الأمور المهمة التي قلَّ من صنَّف بها، وإحرص على أن لا أذكر في المسألة إلا حديثًا صحيحًا، فإن لم أجد ذكرت الحديث الضعيف مبينًا حاله بأخصر العبارات عاضدًا له إما بقياس جلي أو بغيره هذا إن لم يتضح الضعف، فإن اتضح اكتفيت بالقياس الجلي، وربما قلتُ مع ذلك وفيه حديث ضعيف.
وهذا غالبه موضح فيما جمعته من تخريجي أحاديث الشرح الكبير للإمام أبي القاسم الرافعي وهو المسمى بالبدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير الذي جمعته من زهاء مائة مصنف وهو في نحو مائة كراس بالقطع الكبير، وهو الكتاب الذي لا يُستغنى عنه، ثم اختصرته في نحو عشره وسميته بالخلاصة، ثم اختصرت هذا في نحو ربعه ووسمته

الجزء: 1 - الصفحة: 35

بالمنتقى ولا يفوت الفقيه بعد معرفة هذا الكتاب معرفة أحاديث الوسيط للإمام أبي حامد الغزالي وأحاديث المهذب للشيخ أبي إسحاق الشيرازي إلا القليل فإني أفردت أحاديث كل واحد منهما في تصنيف مفرد، فإذا أوردت الحديث أثر المسألة أعزيه بأخصر العبارات، مقتصرًا على أرجح المقالات فيه وربما نبهت على من خالف في ضعفه إن كانت صحته أو حسنه راجحًا، وحيث قلتُ متفق عليه فهو لما في صحيحي البخاري ومسلم، أو رواه الأربعة فهو لما في السنن الأربعة، سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، أو رواه الثلاثة فهو لما في هذه السنن خلا ابن ماجة، وما عدا ذلك أفصح بمن خرَّجه.
وقد أفردت لأحاديث هذا الكتاب؛ أعني المنهاج، حزءًا جيدًا اقتصرت فيه على الأحاديث الصحيحة دون الضعيفة والآثار وسميته تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج فعليك به فإنه غاية في ذلك) 68. أما منهج ابن الملقن في شرح العجالة - عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج - فإنه كما ذكر في المقدمة، بعد أن يسَّرَ الله لهُ الفراغ من شرح المنهاج بكتابه الموسوم (عُمْدَةُ الْمُحْتَاج إِلَى كِتَابِ الْمِنْهَاجِ) فإنه أراد أن ينتخب منه مع زيادة يحتاج المبتدئ في الطلب إليها فقال: (أردت أن أنتخب منه مع زيادة قد تنسخ جزءً لطيفًا كالتوضيح لتسهل مراجعته لقارئه، ويقرب تناوله لمدرسه ومقرئهِ ويكون بدايةً للفقيه، وترقيًا للتوغل فيه، ولا أخرج غالبًا عن مسائل الكتاب، ولا أنبه على ما وقع فيه إلا إذا خالف الصواب).
وقد تقدم بيانُ ما في هذه العجالة من ميِّزات أعطته أهمية في مجال الدراسات الفقهية عامة والمذهب الشافعي خاصة، ولسوف يتضح للدراس الجهد الذي قدمه ابن الملقن في هذا المجال بأشياء كثيرة ومفردات لطيفة إن شاء الله قصرنا عن ذكرها كما أنى أغفلت التراجم للأعلام في هذه التقدمة أو في محل ذكرها خشية التطويل والملل.
وأكتفي بهذا القدر من المقدمة وأستغفر الله العظيم وأحمده على ما أنعم.

الجزء: 1 - الصفحة: 36

صُوَرُ الْمَخْطُوطَةٍ

الجزء: 1 - الصفحة: 37

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ يَا كَرِيْمُ

الجزء: 1 - الصفحة: 38

الصفحة الأولى من النسخة (1) - الجزء الأول رقم المخطوطة 64/ 8 مدرسة الحاج زكر - الموصل

الجزء: 1 - الصفحة: 39

الصفحة الأخيرة من النسخة (1) - الجزء الأول رقم المخطوطة 62/ 8 مدرسة الحاج زكر - الموصل

الجزء: 1 - الصفحة: 40

الصفحة الأولى من النسخة (1) - الجزء الثاني رقم المخطوطة 64/ 8 مدرسة الحاج زكر- الموصل

الجزء: 1 - الصفحة: 41

ضبط الناسخ نقص بعض النسخة (1) من الجزء الثاني المرقمة 63/ 8 مدرسة الحاج زكر- الموصل

الجزء: 1 - الصفحة: 42

الصفحة الأخيرة من النسخة (1) - الجزء الثاني رقم المخطوطة 62/ 8 مدرسة الحاج زكر- الموصل

الجزء: 1 - الصفحة: 43

الصفحة الأولى من النسخة (2) - الجزء الأول رقم المخطوطة 62/ 8 مدرسة الحاج زكر- الموصل

الجزء: 1 - الصفحة: 44

الصفحة الأخيرة من النسخة (2) - الجزء الأول رقم المخطوطة 62/ 8 مدرسة الحاج زكر- الموصل

الجزء: 1 - الصفحة: 45

الصفحة الأولى من النسخة (2) -الجزء الثاني رقم المخطوطة 65/ 8 مدرسة الحاج زكر - الموصل

الجزء: 1 - الصفحة: 46

الصفحة الأخيرة من النسخة (2) - الجزء الثاني رقم المخطوطة 65/ 8 مدرسة الحاج زكر- الموصل

الجزء: 1 - الصفحة: 47

الصفحة الأولى من النسخة (3) - الجزء الأول رقم المخطوطة 28/ 9 مدرسة الحجيات- الموصل

الجزء: 1 - الصفحة: 48

الصفحة الأخيرة من النسخة (3) - الجزء الأول رقم المخطوطة 28/ 9 مدرسة الحجيات- الموصل

الجزء: 1 - الصفحة: 49

صورة وقفية المخطوطة، النسخة (1)

الجزء: 1 - الصفحة: 50

صورة وقفية المخطوطة, النسخة (2)

الجزء: 1 - الصفحة: 51

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

تأليف سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد المعروف بـ «ابن النحوي» والمشهور بـ «ابن الملقن» (المتوفى 804 هـ)

حققه وضبطه على أصوله وخرج حديثه وعلق عليه عز الدين هشام بن عبد الكريم البدراني

[الجزء الأول]

الجزء: 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الله حَسْبِي وَكَفَى

الجزء: 1 - الصفحة: 54

خُطْبَةُ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ

اَلْخُطْبَةُ: اَلْحَمْدُ لله الْبَرِّ الْجَوَادِ، الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ عَنِ الإِحْصَاءِ بِالأَعْدَادِ، اَلْمَانِّ بِاللُّطْفِ وَالإِرْشَادِ، الْهَادِي إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، الْمُوَفِّقِ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّيَنِ مَنْ لَطَفَ بِهِ وَاخْتَارَهُ مِنَ الْعِبَادِ.
أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَكْمَلَهُ، وَأَزْكَاهُ وَأَشْمَلَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الغَفَّارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ.
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَزَادَهُ فَضْلًا وَشَرَفًا لَدَيْهِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الاِشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ، وَأَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الأَوْقَاتِ، وَقَدْ أَكْثَرَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ الله مِنَ التَّصْنِيفِ مِنَ الْمَبْسُوطَاتِ وَالْمُخْتَصَرَاتِ وَأَتْقَنُ مُخْتَصَرٍ (الْمُحَرَّرُ) لِلإِمَامِ أَبِى الْقَاسِمِ الرَّافِعِيِّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى ذِي التَّحْقِيقَاتِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْفَوَائِدِ، عُمْدَةٌ فِي تَحْقِيق الْمَذْهَبِ، مُعْتَمَدٌ لِلْمُفْتِي وَغَيْرِهِ مِنْ أُوْلِي الرَّغَبَاتِ، وَقَدِ الْتَزَمَ مُصَنِّفُهُ رَحِمَهُ اللهَ أَنْ يَنُصَّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ مُعْظَمُ الأَصْحَابِ وَوَفَّى بِمَا الْتَزَمَهُ وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ أَوْ أَهَمُّ الْمَطْلُوبَاتِ لَكِنْ فِي حَجْمِهِ كِبَرٌ يَعْجِزُ عَنْ حِفْظِهِ أكْثَرُ أَهْلِ الْعَصْرِ إِلاَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ، فَرَأيْتُ اخْتِصَارَهُ فِي نَحْوِ نِصْفِ حَجْمِهِ، لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ مَعَ مَا أَضُمُّهُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنَ النَّفَائِسِ الْمُسْتَجَادَاتِ: مِنْهَا التَّنْبِيهُ عَلَى قُيُودٍ فِى بَعْضِ الْمَسَائلِ، هِيَ مِنَ الأَصْلِ مَحْذُوفَاتٌ، وَمِنْهَا مَوَاضِعُ يَسِيرَةٌ ذَكَرَهَا فِي الْمُحَرَّرِ عَلَى خِلاَفِ الْمُخْتَارِ فِي الْمَذهَبِ، كَمَا سَتَرَاهَا إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى وَاضِحَاتٍ، وَمِنْهَا إِبْدَالُ مَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِهِ غَرِيبًا، أوْ مُوهِمًا خِلاَفَ الصَّوَابِ، بِأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ مِنْهُ بِعِبَارَاتٍ جَلِيَّاتٍ، وَمِنْهَا بَيَانُ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ

الجزء: 1 - الصفحة: 55

وَالطَّرِيْقَيْنِ وَالنَّصِّ، وَمَرَاتِبِ الْخِلاَفِ فِي جَمِيعِ الْحَالاَتِ.
فَحَيْثُ أَقُولُ: فِي الأَظْهَرِ أَوِ الْمَشْهُورِ فَمِنَ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الأَقْوَالِ، فَإِنْ قَوِيَ الْخِلاَفُ قُلْتُ: الأظْهَرُ وَإِلاَّ فَالْمَشْهُورُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: الأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ فَمِنَ الْوَجْهَيْنِ أَوِ الأَوْجُهِ، فَإِنْ قَوِيَ الْخِلاَفُ قُلْتُ: الأَصَحُّ وَإِلاْ فَالصَّحِيحُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: الْمَذْهَبُ فَمِنَ الطَّرِيقَيْنِ أَوِ الطُّرُقِ، وَحَيْثُ أَقُولُ النَّصُّ: فَهُوَ نَصُّ الشُّافِعِيِّ رَحِمَهُ الله، وَيَكُونُ هُنَاكَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ.
وَحَيْثُ أَقُولُ: الْجَدِيدُ فَالْقَدِيمُ خِلاَفُهُ، أَوِ الْقَدِيمُ، أَوْ فِى قَوْلٍ قَدِيمٍ فَالْجَدِيدُ خِلاَفُهُ.
وَحَيْثُ أَقُولُ: وَقِيلَ كَذَا فَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيِحُ أَوِ الأَصَحُّ خِلاَفُهُ.
وَحَيْثُ أَقُولُ وَفِي قَوْلٍ كَذَا فَالرَّاجِحُ خِلاَفُهُ.
وَمِنْهَا مَسَائِلُ نَفِيسَةُ أَضُمُّهَا إِلَيْهِ، يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُخْلَى الْكِتَابُ مِنْهَا وَأَقُولُ فِي أَوَّلهَا قُلْتُ، وَفِي آخِرِهَا، وَالله أعْلَمُ.
وَمَا وَجَدْتَهُ مِنَ زِيَادَةِ لَفْظَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا فِي الْمُحَرَّرِ فَاعْتَمِدْهَا فَلاَبُدُّ مِنْهَا، وَكَذَا مَا وَجَدْتَهُ مِنَ الأَذْكَارِ مُخَالِفًا لِمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ فَاعْتَمِدْهُ فَإِنِّي حَقَّقْتُهُ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ.
وَقَدْ أُقَدِّمُ بَعْضَ مَسَائِلِ الْفَصْلِ لِمُنَاسَبَةٍ أَوِ اخْتِصَارٍ، وَرُبَّمَا قَدَّمْتُ فَصْلًا لِلْمُنَاسَبَةِ، وَأَرْجُو إِنْ تَمَّ هَذَا الْمُخْتَصَرُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِلْمُحَرَّرِ، فَإِنِّى لاَ أَحْذِفُ مِنْهُ شَيْئًا مِنَ الأَحْكَامِ أَصْلًا، وَلاَ مِنَ الْخِلاَفِ، وَلَوْ كَانَ وَاهِيًا مَعَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنَ النفَائِسِ، وَقدْ شَرَعْتُ فِي جَمْعِ جُزْءٍ لَطِيفٍ عَلَى صُورَةِ الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ 69، وَمَقْصُودِي بِهِ التَّنْبِيهُ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي الْعُدُولِ عَنْ عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ، وَفِي إِلْحَاقِ قَيْدٍ أَوْ حَرْفٍ أَوْ شَرْطٍ لِلْمَسْأَلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا.
وَعَلَى اللهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي، وَإِلَيْهِ تَفْوِيضِي وَاسْتِنَادِي، وَأَسْألهُ النَّفْعَ بِهِ لِي وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَرِضْوَانَهُ عَنِّي، وَعَنْ أَحِبَّائِي وَجَمِيع الْمُؤْمِنِينَ (•).

الجزء: 1 - الصفحة: 56

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلّامَةُ سِرَاجُ الدِّينِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْمُلَقِّنِ رَحِمَهُ الله: أحمد الله على ما أنعم وأشكره على ما ألهَم.
وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الأعظم.
وأن محمدًا عبده ورسوله المبجل المكرم.
صلى الله عليه وشرف وكرم.
وَبَعْدُ: فلما يسَّرَ الله الكريم الفراغ من شرحى لمنهاج العلامة محيي الدين أبى زكريا النووي قدس الله روحه ونور ضريحه، وجمعني وإياه مع سائر أحبابنا فِي دار كرامته، بمنه وكرمه، وتيسر لي فيه بفضل الله وقوته من خلاصة كتب أصحابنا المتقدمين والمتأخرين، ما لا تيسر في غيره في حجمه من تقرير مسائله، وحلِّ مشكله ومعضله، وبيان مجمله، وتحرير منقوله، وتصحيح مرسله، وتقييد مطلقه، وفتح مقفله، وبيان لغاته وغريبه، ومهماتٍ نفائسَ من تفسير آيات الكتاب العزيز، وبيان الحديث الصحيح، والتنبيه على الموضوع والضعيف، وقواعد من أصول الفقه والدين، وفوائد مهمة من غرائب المتقدمين وفتاوى المتأخرين نفع الله بها إلى يوم الدين.
أردت أن أنتخب منه مع زيادة قد تنسخ جزءً لطيفًا كالتوضيح لتسهل مراجعته لقارئه، ويقرب تناوله لمدرسه ومقرئهِ ويكون بدايةً للفقيه، وترقيًا للتوغل فيه، ولا أخرج غالبًا عن مسائل الكتاب، ولا أنبه على ما وقع فيه إلا إذا خالف الصواب.
وفصَلْتُ بين الأصل والشرح بدائرة طلبًا للتمييز، ثم ذهبته للتنبيه على ما وافق باقى المذاهب الأربعة بالرقوم، فعلامة أبى حنيفة (ح) ومالك (م) وأحمد (أ) ألف، ولا بأس بتلقيبه بـ - عُجَالَةِ الْمُحْتَاجِ إِلَى تَوجِيْهِ الْمِنْهَاجِ - جعله الله تعالى خالصًا

الجزء: 1 - الصفحة: 57

لوجهه مرجيًا للفوز لديه، ونفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه ومَن نظر فيه من المسلمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

شَرْحُ غرِيبِ الْخُطْبَةِ

عَلَى وَجْهِ الاِخْتِصَارِ وَهُوَ فِي الأَصْلِ فِي أَكثَرِ مِنْ كُرَّاسَةٍ اَلْحَمْدُ للهِ، هو الثناء على المحمود بجميل صفاته والشكر بإنعامه، وفرق السهيلي بينه وبين المدح، بأن الْحَمْدَ يُشترط فيه أن يكون صادرًا عن علم لا ظَنَّ فيهِ، وأن تكون تلك الصفات المحمودة صفات كمال بخلاف المدح، وَالْمَدْحُ قد يكون عن ظَنِّ وبصفةٍ مُسْتَحْسَنَةٍ وإن كان فيها نقص ما.
وبدأ به اقتداء بالقرآن فإنه مبتدأٌ به ولقوله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ﴿قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلاَمٌ﴾ 70. والألف واللام في الْحَمْدِ للعموم، وقَرَنَ الحمدَ بالله دون سائر أسمائه، لأنه اسم للذات فيستحق جميع صفاته الحسنى، قال البندنيجى: وأكثرُ أهْلِ الْعِلْمِ على أنَّ الاسمَ الأعظم هو الله، الْبَرّ، هو المحسنُ أو اللطيف أو خالق البَرِّ أو الصادق فيما وعد أولياءه.
أقول، الْجَوَادِ، بالتخفيف الكثير الجود.
جَلَّتْ، عَظُمَتْ، نِعَمُهُ، إحسانه، عَنِ الإحْصَاءِ، أي الضبط، بِالأعْدَادِ، جمع عدد، اَلْمَانّ، المنعم منّاً منه لا وجوبًا عليه، بِاللُّطْفِ, اللُّطْفُ الرأفة، والرفقُ؛ هو خلق قدرة الطاعة في العبد، وَالإِرْشَادِ، مصدر أرشده بمعنى وَفّقَهُ وهداه، اَلْهَادِي، الموفق، السَّبِيلِ، الطريق يذكران ويؤنثان، الرّشَادِ، الرشد نقيض الغي، الْمُوَفِّقِ، التوفيق: تسهيل سبيل الخير وعكسه الخذلان 71، لِلتَّفَقُّهِ، أخذ الفقه

الجزء: 1 - الصفحة: 58

شيئًا فشيئًا، فِي الدِّينِ، ما شرعه الله لنا من الأحكام، اَلْعِبَادِ، جمع عبد، أَبْلَغَ حَمْدٍ، أي أنهاه، والمراد نسبة عموم المحامد إليه على جهة الإجمال، لأن بعض المحمود عليه وهو النعم لا يُتصوّر حصرها، وَأَكْمَلَهُ، أتمه، وَأَزْكَاهُ، أنماه، وَأَشْمَلَهُ، أعمّه، وَأَشْهَدُ، أعلم وأبين، وَالإلَهُ، في اللغة هو المعبود، وقوله (وَحْدَهُ) والإله هو مصدر في موضع نصب على الحال أي منفردًا، اَلْوَاحِدُ، المتوحد العالي عن الانقسام؛ وقيل: الذي لا مثل له، اَلْغَفَّارُ، الستار، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، سمي نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لكثرة خصاله المحمودة.
الرسول هو الذي يبلغ أخبار من بعثه، وقيل: لتتابع الوحي إليه، وهو أخصّ من النبي، فإنه الذي أُوحي إليه للعمل والتبليغ بخلاف النبي فإنه الذي أُوحي إليه للعمل فقط، اَلْمُصْطَفَى، من الصفوة وهو الخلوص، اَلمُخْتَارُ، أصله مُخْتِيْرُ فهو عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أفضلُ المخلوقات، ومذهب أهل السنة: أن النوع الإنساني أفضل من نوع الملائكة خلافًا للمعتزلة، الصلاة من الله رحمة مقرونة بتعظيم، ومن الملائكة استغفار، ومن الآدمي تضرع ودعاء، لَدَيْهِ، أي عنده.
أَمّا بَعْدُ، أي أمَّا بعدُ ما سبقَ وهو الحمد والصلاة، وبدأ بها للأحاديث الصحيحة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقولها في خطبه وشبهها، رواه عنه إثنان وثلاثون المجموع شرح المهذب: ج 1 ص 74 ودقائق المنهاج: ص 26. وعلى ما يبدو لي أن تصويب ابن الملقن رحمه الله واضح في البيان، إذ عدَّ الرفق: هو خلق قدرة الطاعة في العبد؛ كما تقدم.
ثم عرَّف التوفيق: تسهيل سبيل الخير وعكسه الخذلان، فالرفق متعلق بالخلق، فيصح فيه ما تقدم، والتوفيق متعلق العمل، وأعمال الإنسان في غير دائرة القضاء والقدر مختارة من نفسه، وتوفيق الله عز وجل له بها، أن تُهَيَّأَ الأسباب له، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت / 69] فتسهيل سبيل الخير للعبد، بأن تتيسر له الأسباب من الله عزَّ وجل هو التوفيق وهو غير الرفق الذي يقابله الشدَّة، لا الخذلان الذي يقابل التوفيق، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ﴾ [آل عمران / 160]. فالتوفيق غير الرفق، فالرفق هو خلق القدرة على الطاعة في العبد، والتوفيق هو تهيئة الأسباب للعبد في الخير أو كما قال ابن الملقن هو تسهيل سبيل الخير والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 59

صحابيًا 72، وفي المبتدي بها خمسة أقوال: داود، أو قُس بن ساعدة، أو كعبُ بن لؤي، أو يعرُبُ بن قحطان، أو سحبان 73. وفي ضبطها أربعة أوجه ضمُّ الدال وفتحُها أو رفعها منوَّنةًّ وكذا نصبها، اَلعِلْمُ، الألف واللام فيه للجنس، أو قيل: للعهد، ولهذا حَسُنَ إدخال مِنْ الدالة على التبعيض إذ لو أراد العموم حتى يدخل فيه معرفة الله تعالى وغيره مما لابد من تقديمه لم يحسن دخولها، لأنه حينئذ يكون أفضل الطاعات، اَلإِنْفَاقُ، الإخراجُ، نَفَائِسُ الأوْقَاتِ، أي الأوقات النفائس، التَّصْنِيفُ،

الجزء: 1 - الصفحة: 60

التمييز، واختلف العلماء في أوَّلِ من صَنَّفَ الكتب على ثلاثة أقوال؛ أحدها: عبد الملك بن جريج، ثانيها: الربيع بن صبيح، ثالثها: سعد بن أبي عُرُوبَةَ، اَلْمَبْسُوطُ، ما كثر لفظه وكثر معناه، اَلْمُخْتَصَرُ، ما قل لفظه وكثر معناه، مشتق من الاختصار وهو الإيجاز، والضمُّ إتقان الشيء، إحكامُهُ، اَلْمُحَرَّرُ، المهُذَّبُ الْمُنَقَّى 74، الرافعي قد ذكرنا ترجمته مختصرة في الأصل، وإنه مات سنة ثلاثٍ وعشرين أو أربع وعشرين وستمائة عن نيف وستين سنة 75، اَلتَّحْقِيقَاتُ، جمع تحقيقة وهي المرّة منه، اَلْعُمْدَةُ، ما يعتمد عليه، اَلْمَذْهَبُ، في اللغة الطريق، ثم استُعمل في الأحكام مجازًا، أَوْلَى، أي الأصحاب، الرَّغَبَاتُ، بفتح الغين جمع رغْبة بسكونها، يَنُص، بفتح أوله وضم ثانيه، وَوَفَّى، بتشديد الفاء وتخفيفها وفي هذه الدعوى منهما نظر والتزام ترجيح ما عليه الأكثر لا عَتَب فيه فإن كثرة الرواة من مدارك الترجيح.
فِي نَحْوِ نِصْفِ حَجْمِهِ، لعله أراد ذلك حالة الاختصار، ثم احتاج إلى الزيادة.
والنصف نونه مثلثة، وفيه لغة رابعة نَصِيْف؛ بزيادة ياء وفتح أوله.
وقوله: بِأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ مِنْهُ؛ كذا أدخل الباء على المأخوذِ وهي إنما تدخل على المتروك.
الأَقْوَالُ، للإمام الشافعيِّ مُحَمَّدٍ بْنِ إِدْرِيْسٍ - رضي الله عنه -، وَالأَوْجُهُ، لأصحابه وقد جمعتهم إلى زماننا هذا في مصنف منفرد 76، وطرق اختلافهم في حكاية مذهبه، وقد أوضحت ذلك ببيان فائدة أصطلاحه فراجعه منه، وعبر بـ (الْمَذْهَب) عنها، لأنه اسم للمكان الذي يُذهب فيه، واستعير للطريق الذي حصل فيه الذهاب المعنوي، مَرَاتِبُ الْخِلاَفِ، أي هل هو

الجزء: 1 - الصفحة: 61

متماسك أوْ واهٍ، حَيْثُ، بضم الثاءِ وحكى كسرها وفتحها، وحكى وحوثُ كذلك، النَّصِّ، أي النصوص من نصَّ الشيء إذا رفعه لأنه إلى الإمام.
اَلقَوْلُ الْمُخَرَّجُ، أوضحته في الأصل، اَلْجَدِيدُ، ما صنفه الشافعي بمصر، فَالْقَدِيمُ، ما صنفه ببغداد، قال الماوردي في أثناء كتاب الصداق: غَيَّرَ الشافعيُّ جميع كتبه القديمة في الجديد إلّا الصداق فإنه ضرب على مواضعَ منه وزاد مواضعَ، وقد أوضحت في الأصل رواتهما وما يفتى فيه على القديم فراجعه فإنه مهم قد أفرد بالتصنيف، وإفتاء الأصحاب به محمول على أن اجتهادهم أدى إليه لظهور دليله فقط، كما قاله المصنف في شرح المهذّب، قوله: وَرُبَّمَا قدَّمْتُ فَضْلًا لِلْمُنَاسَبَةِ، أي كما فعل في باب الإحصار والفوائت فإنه أَخَّرَهُ وَالْمُحَرَّرُ قَدَّمَهُ على الجزاء، قوله: فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِلْمُحَرَّرِ، أي لدقائقهِ؛ وخفيِّ ألفاظه؛ ومهمل بيان صحته؛ ومراتب خلافه؛ ومحل خلافه؛ وغير ذلك، اَلحَذْفُ، بالذال المعجمة الإِسقاطُ، اَلْوَاهِي، الساقط، مَعَ، ما يجوز فيها فتح العين وسكونها، اَلْحَرْفُ، المراد به الكلمة من باب إطلاق اسم الجزء على الكل، لاَ بُدَّ مِنْهَا، أي لا غنى أو مندوحة عنها، الكريم هو المتفضل، أو العفو، أو العلي، أقوال التفويض ردُّ الأمر إلى الله تعالى والبراءة من الحول والقوة إلّا به، النَّفْعُ، ضد الضر، سَائِرُ، المسلمين أي باقيهم أو جميعهم، ولم ينفرد الجوهرى بالثانى فقد وافقه الجواليقي وابن بَريّ.
وإذا فرغنا من شرح الخطبة على وجه الاختصار؛ فاعلم أن مولِدَ المصنف رحمه الله بنوى قرية من قرى دمشق سنة إحدى وثلاثين وستمائة ومات بها سنة ست وسبعين، وقد ذكرت جملة من أحواله في الأصل فراجعها منه، وذكر طالبه العلامة علاءُ الدين ابن العطار أن بعض الصالحين رأى في نومه أنه قطب وأن الشيخ كاشفه في ذلك واستكتمه.

الجزء: 1 - الصفحة: 62

فصول الكتاب · 77 فصل
فصول عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج
المقدمة
أولًا: أهمِّيَّةُ دِرَاسَةِ الْفِقْهِ الإِسْلَامِيِّفِي بَيَانِ فَضْلِ دِرَاسَةِ الْفِقْهِ:فِي بَيَانِ أَنَّ دِرَاسَةَ الْفِقْهِ يُحَتِّمُهَا الإِيْمَانُ:فِي بَيَانِ أَنَّ دِرَاسَةِ الْفِقهِ يُحَتِّمُهَا الْعَمَلُ:ثَانِيًا: أَهَمِّيَّةُ كِتَابُ (عُجَالَةُ المُحْتَاجِ إِلَى تَوْجِيهِ المِنْهَاجِ)فِي بَيَانِ أَهَمِّيَّةِ الكِتَابِ:نَبْذَةٌ عَنْ كِتَابِ (مِنْهَاجُ الطَّالِبِيْنَ):فِي بَيَانِ عَمَلِي فِي الْكِتَابِ:ثَالِثاً: فِي بَيَانِ أحْوَالِ ابْنِ الْمُلَقَّنِ الْفَقِيْهِفِي بَيَانِ الاِسْمِ وَالنَّسَبِ:فِي بَيَانِ خَلْقِهِ وَخُلُقِهِ:فِي بَيَانِ شُيُوخِ ابْنِ الْمُلَقِّنِ:فِي بَيَانِ أَحْوَالِ ابْنِ الْمُلَقِّنِ مَعَ الْحَيَاةِ:فِي بَيَانِ آرَاءِ الْعُلَمَاءِ فِي ابْنِ المُلَقِّنِ:فِي بَيَانِ مَنْهَجِ ابْنِ الْمُلَقَّنِ فِي الْبَحْثِ وَالنَّظَرِ:خُطْبَةُ الإِمَامِ النَّوَوِيِّشَرْحُ غرِيبِ الْخُطْبَةِ
كِتَابُ الطَهَارَةِكِتَابُ الصَّلاَةِكِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكِتَابُ الاِعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكتاب البيعكِتَابُ السَّلَمِكِتَابُ الرَّهنِكتاب التفليسكِتَابُ الْصُّلْحِكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكِتَابُ الْوَكَالةِكتاب الإقراركِتَابُ الْعَارِيَّةِكِتَابُ الْغَصْبِكتاب الشفعةكِتَابُ الْقراضِكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الوقفكتاب الهبةكِتَابُ الْلُّقَطَةِكِتَابُ الْلَّقِيطِكتاب الجُعَالةِكتاب الفرائضكتاب الوصاياكِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قَسْم الفَيْءِ وَالغَنِيمَةِكِتَابُ قَسْمُ الْصَّدقَاتِكِتَابُ الْنِّكَاحِكتاب الصَّدَاقكِتَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزَكِتَابُ الْخُلْعِكتاب الطلاقكتاب الطلاقكتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الإِيْلاءِكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعانكِتابُ الْعَدَدِكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدم والقسامةكِتَابُ البُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ الزِّنَاكِتَابُ حَدَّ الْقَذْفِكِتَابُ قَطْعِ الْسَّرِقَةِكِتَابُ قَاطِعِ الْطَّرِيقِكتاب الأشربةكِتَابُ الصِّيَالِ وضَمَانِ الوُلاَةِكِتَابُ السِّيَّرِكِتَابُ الْجِزْيَةِكِتَابُ الْهُدْنَةِكِتَابُ الصَّيْدِ والذَّبَائِحِكِتَابُ الأضْحِيَّةِكِتَابُ الأَطْعِمَةِكِتَابُ الْمُسَابَقَةِ والْمُنَاضَلَةِكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب النذركِتَابُ الْقَضَاءِكِتَابُ الشَّهَادَاتِكتاب الدعوى والبيناتكتاب العتقكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الْكِتَابَةِكِتَابُ أمَّهَاتِ الأوْلاَدِ
جارٍ التحميل