دحض شبهات الكفار على الرسول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرحمن السعدي
- الكتاب
- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى: 1376هـ)
- الناشر
- وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1422هـعدد الصفحات: 368
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
11 - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا - وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا - قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 4 - 6] ذكر الله تعالى في هذا قدح المكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم، وإدلاءهم بهذه الشبه التي يعلمون ويعلم الناس بطلانها، فزعموا أنه افترى هذا القرآن، وأنه ساعده على ذلك قوم آخرون، فرد الله عليهم هذه المقالة المنتهية في القبح بأن هذا ظلم عظيم، وجراءة يعجب السامع كيف سولت لهم أنفسهم هذا القول الهراء، وأنه من الزور والظلم؛ فإنهم قد كانوا يعرفون بلا شك صدقه وأمانته التي لا يلحقه فيها أحد، وأنه لم يجتمع بأحد من أهل العلم، ولا رحل في طلبه، وقد
نشأ بين أمة أمية في غاية الجهل والضلال، وقد جاءهم بهذا الكتاب العظيم الذي لم يطرق العالم أعظم منه، ولا أعلى معاني وأغزر علما، ولا أبلغ من ألفاظه ومعانيه، وأتم من حكمه وحكمه ومبانيه.
وقد تحدى أقصاهم وأدناهم، وأفرادهم وجماعتهم، وأولهم وآخرهم أن يأتي بمثله أو بعشر سور من مثله، أو بسورة واحدة من مثله؛ وصرح لهم أنهم إن أتوا بشيء من مثله فهم صادقون، وهم أهل الفصاحة والبلاغة في الكلام، فعجزوا غاية العجز عن معارضته والإتيان بمثله، واتضح لهم ولغيرهم عيهم وعجزهم، وتبين بطلان دعواهم.
وكل من حاول أن يأتي بكلام يعارض به ما جاء به الرسول صار كلامه ضحكة للصبيان فضلا عن أهل النظر والعقول، وكل شبهة يدلون بها في معارضة الرسول من حين يوجه لها النظر الصحيح تضمحل وتزهق، ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]
ومن جراءتهم أنهم قالوا: إن هذا القرآن الذي جاء به محمد أساطير الأولين، اكتتبها من كتب الأولين المسطورة، فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، فيا ويحهم! من الذي عندهم في بطن مكة يمليها؟ وهل يوجد في ذلك الوقت في مكة أو ما حولها كتب تملى؟ ولو فرض وقدر أنه يوجد أحد، لم يختص محمد وحده بالأخذ عنه؟
ولما كانت هذه مقالة زور وافتراء، لا يخفى كذبها على أحد، تشبثوا وقالوا: كان محمد يجلس إلى قين حداد في مكة فارسي فيتعلم منه، فلهذا قال عنهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] بالغ في البيان والبلاغة
نهايتها وغايتها.
فلا يمكن الجمع بين النقيضين: أن يتعلمه من هذا الأبكم أعجمي اللسان، الذي لم يعرف عنه علم يرجع إليه، ولا معرفة يتميز بها، وهذا القرآن الذي جاء به مع كمال بلاغته حوى علوم الأولين والآخرين.
ولما كان هذا القول الذي قالوه، والمكابرة التي تجرءوا عليها قد علم الموافق والمخالف كذبها وافتراءها، وكان جميع أعداء الرسول لهم ورثة، يقومون بالعداوة للرسول والدين، ويعطونها حقها ولو جلبت عليهم ما جلبت من الدخول في الكذب والافتراء والمكابرة، وقد عرف هؤلاء الأعداء المتأخرون مكابرة إخوانهم الذين باشروا تكذيب الرسول، ورأوا أن مقالتهم قد بطلت واضمحلت، وبان زورها لكل أحد، صاغها هؤلاء المكذبون بعبارة موهوها، وظنوا أنها بهذا التمويه تروج، فزعموا - وما أسمجه وأكذبه من زعم - أن محمدا كان يتعلم من نفسه؛ وأنه كان يخلو بالطبيعة: السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم، فيعطيها لبه، ويناجيها بقلبه، فيخيل إليه أصناف التخاييل، فيأتي بها إلى الناس زاعما أنها من وحي الله على يد جبريل، وأن هذه التخيلات من الأمور العالية التي يعتاد الإتيان بها أهل الرأي والحجى.
ولما رأوا آثارها الجليلة في الإسلام وأهله، وتعاليمه وتقويمه للأمم، وبهرهم هذا النور العظيم لجأوا إلى هذا التحذلق الذي منتهاه وغايته أنهم صوروا النبي صلى الله عليه وسلم ورقوه إلى رجل من الطبيعيين، كما قال هذا القول الباطل أحد ملاحدة الإفرنسيين، وتلقاها عنه بعض الملاحدة العصريين، وهو مبني على إنكار وجود رب العالمين، وأنه ما ثم إلا عمل الطبيعة، وقد علم
الناس أن هذا القول المزور أعظم مكابرة ومباهتة من قول الأولين، وأن هذا الافتراء الذي ولدوه بعد مئات السنين أوضح ضلالا وظلما وجراءة ووقاحة من زور الأولين، وأن هؤلاء الأراذل الذين أعجبوا بآرائهم وتاهوا بعقولهم قد بين الله كذبهم فيما قالوه، وأن عقولا ولدت هذه الأقوال المؤتفكة والخيالات الفاسدة والمقالات الفاسدة لعقول سافلة وآراء ساقطة، يعرف فسادها بنتائجها ومكابرتها، وإنكارها أجلى الحقائق، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: 6]
فالرب القادر العظيم، الذي أحاط علمه بجميع الأسرار، وعلم أحوال العباد حاضرها ومستقبلها، فأنزله لهدايتهم، وجعله منارا وعلما يهتدي به المهتدون في كل وقت وحين.
فجميع الحقائق التي دعا إليها هذا الرسول وهذا القرآن حقائق ثابتة نافعة للعباد، لا يأتي من الحقائق ما يغيرها، ومحال أن يأتي شيء أصلح منها أو مثلها أو يقاربها: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]
ومن كمال علمه وقدرته أنه لو تقول عليه أحد بمثل هذه المقالة لعاجله بالعقوبة، فلما أيد من جاء بها بنصره وحججه، ورأى العباد آياته في الآفاق وفي أنفسهم، التي يتبين بها أنه الحق، وما سواه ضلال، علم بذلك أن هذا الرسول أصدق الخلق وأنصحهم وأبرهم وأعلمهم وأخشاهم وأتقاهم لربه، وأن أعداءه المكذبين له أكذب الخلق وأغشهم، وأعظمهم جهلا وضلالا وغيا وفسادا في كل زمان ومكان.
ومن مكابرة أعداء الرسول أنهم جعلوا يتناقضون في مقالاتهم، ويتفننون في إفكهم المكشوف كذبه، فمنهم من قال: إنه مجنون، ومنهم من قال: ساحر
وكاهن، ومنهم من قال: مسحور، ومنهم من قال: لو كان صادقا لجاءت الملائكة تؤيده، ولو كان صادقا لأغناه الله عن المشي في الأسواق، وجعل له جنات وأنهارا وأموالا كثيرة.
. وكل يعلم أن هذه الأقوال - مع تناقضها - ليست من الشبه فضلا عن كونها من الحجج، ولهذا قال تعالى معجبا: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 48]
ومثل هذه الأقوال التي يذكرها الله عن المكذبين للرسول هي بنفسها تدل على كذبهم ومكابرتهم قبل أن يعرف بطلانها من الأدلة الأخرى، وإذا وزنت هذه الأقوال الجارية من الأولين رأيت نظيرها وأقبح منها جارية من الملاحدة المتأخرين؛ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]
فما جاء به الرسول من الهدى في جميع أبواب العلوم النافعة، والدين الحق الذي هو الصلاح المطلق، أكبر الأدلة على أنه رسول الله حقا، وأكبر الأدلة على إبطال كل ما ناقضه من أقوال المؤتفكين؛ والحمد لله رب العالمين.
12 - ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ - مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ - وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ - وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ - فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ - بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ - إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: 1 - 7]
يقسم تعالى بالقلم، وهو اسم جنس شامل للأقلام التي تكتب بها أنواع العلوم، ويسطر بها المنثور والمنظوم، وذلك أن القلم، وما يسطر به من أنواع الكلام من آياته العظيمة التي تستحق أن يقسم بها على براءة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مما نسبه إليه أعداؤه من الجنون، فنفى عنه ذلك بنعمة ربه عليه وإحسانه، إذ
من عليه بالعقل الكامل والرأي السديد، والكلام الفصل الذي هو من أحسن ما جرت به الأقلام وسطره الأنام، وهذا هو السعادة في الدنيا.
ثم ذكر سعادته في الآخرة فقال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: 3] أي: لأجرا عظيما - كما يفيده التنكير - غير مقطوع، بل هو دائم متتابع مستمر، وذلك لما أسلفه صلى الله عليه وسلم من المقامات العالية في الدين والأخلاق الرفيعة؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4] فعلا صلى الله عليه وسلم بخلقه العظيم على جميع الخلق، وفاق الأولين والآخرين، وكان خلقه العظيم - كما فسرته به عائشة رضي الله عنها - هذا القرآن الكريم، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159] ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]
وما أشبهها من الآيات الدالات على اتصافه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، والآيات التي فيها الحث على كل خلق جميل، فكان أول الخلق امتثالا لها وسبقا إليها وإلى تكميلها، فكان له منها أكملها وأجلها وأعلاها، وهو في كل خصلة منها في الذروة العليا، فكان سهلا لينا قريبا من الناس، مجيبا لدعوة من دعاه، قاضيا لحاجة من استقضاه، جابرا لقلب من سأله، لا يحرمه ولا يرده خائبا، وإذا أراد أصحابه أمرا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن في ذلك محذور، وإن عزم على أمر لم يستبد به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسا إلا أتم عشرة وأحسنها، فكان لا يعبس في وجهه، ولا يغلظ له في كلامه، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من
جفوة، بل يحسن إليه غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال صلى الله عليه وسلم.
فلما أنزله الله بأعلى المنازل، وكان أعداؤه يقولون: إنه مجنون مفتون قال: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ - بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: 5 - 6] وقد تبين أنه كان أهدى الناس وأكملهم وأنفعهم لنفسه ولغيره، وأن أعداءه أضل الناس للناس، وأنهم هم الذين فتنوا عباد الله، وأضلوهم عن سبيله، وكفى بعلم الله بذلك، فإنه المحاسب المجازي و ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: 7]
وفيه تهديد للضالين، ووعد للمهتدين، وبيان لحكمة الله في هدايته من يصلح للهداية دون غيره.