أهل الأثرالأرشيف العلمي

قربه تعالى واستجابته لدعاء الداعي

عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرحمن السعدي
الكتاب
تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن
المؤلف
أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى: 1376هـ)
الناشر
وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1422هـعدد الصفحات: 368
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186] هذا سؤال وجواب، أي: إذا سألك العباد عن ربهم، وبأي طريق يدركون منه مطالبهم، فأجبهم بهذا الجواب الذي يأخذ بمجامع القلوب، ويوجب أن يعلق العبد بربه بكل مطلوب ديني ودنيوي، فأخبرهم أن الله قريب من الداعين، ليس على بابه حجاب ولا بواب، ولا دونه مانع في أي وقت وأي حال، فإذا أتى العبد بالسبب والوسيلة، وهو الدعاء لله المقرون بالاستجابة له بالإيمان به والانقياد لطاعته، فليبشر بالإجابة في دعاء الطلب والمسألة، وبالثواب والأجر والرشد إذا دعا دعاء العبادة، وكل القربات الظاهرة والباطنة تدخل في دعاء العبادة، لأن المتعبد لله طالب بلسان مقاله ولسان حاله من ربه قبول تلك العبادة والإثابة عليها.
وفي هذه الآية تنبيه على الأسباب الموجبة لإجابة الدعاء التي مدارها

على الإيمان بالله، وتحقيقه بالانقياد لله امتثالا لأمره واجتنابا لنهيه؛ وتنبيه أيضا على أن موانع الإجابة ترك تحقيق الإيمان وترك الانقياد، فأكل الحرام وعمل المعاصي من موانع الإجابة، وهي تنافي الاستجابة لله، وفيه تنبيه على أن الإيمان بالله والاستجابة له سبب إلى حصول العلم، لأن الرشد هو الهدى التام علما وعملا، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29] أي: علما تفرقون به بين الحق والباطل، وبين كل ما يحتاج إلى تفصيله.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187] إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187] كان أول ما فرض الصيام منع المسلمون من الأكل والشرب في الليل إذا ناموا، فحصلت المشقة لكثير منهم، فخفف الله ذلك، وأباح في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع، سواء نام أو لم ينم؛ لكونهم يختانون أنفسهم بترك بعض ما أمروا به لو بقي الأمر على ما كان أولا، فتاب الله عليكم بأن وسع لكم أمرا لولا توسعته لكان داعيا إلى الإثم والإقدام على المعاصي، وعفا عنكم ما سلف من التخون.
﴿فَالْآنَ﴾ [البقرة: 187] بعد هذه الرخصة والسعة من الله ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187] وطئا وقبلة ولمسا، ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187] أي: اقصدوا في مباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله بذلك، واقصدوا أيضا حصول الذرية وإعفاف الفرج وحصول جميع مقاصد النكاح؛ وابتغوا أيضا ليلة القدر، فإياكم أن تشتغلوا بهذه اللذة وتوابعها وتضيعوا ليلة القدر، وهي مما كتبه الله لهذه الأمة، وفيها من الخير العظيم ما يعد تفويته من أعظم الخسران، فاللذة مدركة، وليلة القدر إذا فاتت لم تدرك، ولم يعوض عنها شيء.

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] هذا غاية جواز الأكل والشرب والجماع في ليالي الصيام؛ وفيه أن هذه الثلاثة إذا وقعت وصاحبها شاك في طلوع الفجر فلا حرج عليه، ودليل على استحباب السحور، وأنه يستحب تأخيره أخذا من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد، ودليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل؛ لأن من لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر أن يدركه الفجر وهو جنب، ولازم الحق حق، ثم إذا طلع الفجر أتموا الصيام، أي: أمسكوا عن المفطرات إلى الليل، وهو غروب الشمس.
ولما كانت إباحة الوطء في ليالي الصيام ليست إباحة عامة لكل أحد، استثنى تعالى المعتكف بقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] أي: وأنتم متصفون بذلك؛ ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف؛ وهو لزوم المساجد لطاعة الله، وأن الاعتكاف لا يصح إلا بمسجد؛ ويستفاد من تعريف المساجد بالألف واللام أنها المساجد التي يعرفها المسلمون، وأنها التي تقام فيها الصلوات الخمس.
وفيه أن الوطء من مفسدات الاعتكاف تلك المذكورات، وهي تحريم الأكل والشرب والجماع ونحوها من مفطرات الصيام، وتحريم الوطء على المعتكف، ونحو ذلك من المحرمات التي حدها لعباده، ونهاهم عنها: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187] أي: لا تفعلوها، ولا تحوموا حولها، وتفعلوا وسائلها، والعبد مأمور بترك المحرمات، والبعد عنها بترك كل وسيلة تدعو إليها.
وأما الأوامر فيقول الله فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187] كما ينهى عن مجاوزتها: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229] كذلك البيان السابق والتوضيح التام من الله لعباده: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187] فإن العلم

الصحيح سبب للتقوى؛ لأنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه، وإذا بان لهم الباطل اجتنبوه، ومن علم الحق فتركه والباطل فاتبعه كان أعظم لجرمه وأشد لإثمه.

فصول الكتاب · 60 فصل · 366 صفحة
الانتقال إلى صفحة
تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن
تأليف عبد الرحمن السعدي
تقدّمك في الكتاب: قربه تعالى واستجابته لدعاء الداعي — 19 من 60
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرحمن السعدي
الكتاب
تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن
المؤلف
أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى: 1376هـ)
الناشر
وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1422هـعدد الصفحات: 368
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فصول تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن · 366 صفحة
مقدمة تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير الأحكاممقدمة في ذكر أوصاف القرآن العامة الجامعةبيان ما تشتمل عليه الفاتحةآية الكرسي وبيان الشفاعة ولمن هيالعلم بأنه لا إله إلا اللهآيات كونية تدل على وحدانية اللهمنة الله على الناس ببعثة محمددحض شبهات الكفار على الرسولوجوب الإيمان بالآخرة ووصف ما فيهاوجوب الإيمان بالملائكة والرد على منكريهمتفسير آيات في حقوق الله وحقوق الناسخذ العفو وأمر بالعرفالأمر بالصلاة وتفسير إقامتهاالزكاة وما في إخراجها من الفوائد وأهلهافصل في الطهارة بالماء والتيممفصل في صلاة الجمعة والسفر والأذانبيان صلاة السفر والخوففصل في وجوب الصيام وفوائدهقربه تعالى واستجابته لدعاء الداعيوجوب الحج وتوابعهفصل في الجهاد وتوابعهفصل في البيع وأنواع المعاملاتفساد الربا والميسر والغررآية كتابة الديون وما فيها من الفوائدأحكام المواريثفصول في النكاح وتوابعهطبقات النساء وتأديب المعوجةإرسال الحكمين من الأهل عند النزاعأحكام الطلاقاختلاف عدة المرأة باختلاف الأحوالفصل في آيات في الإيلاء والظهار واللعانفصل في آيات الحدودفصل في الأيمان ونحوهافصل في الأطعمة والصيدفصل في الأحكام الشرعية والبينةقصص الأنبياء وما فيه من العبرتفصيل قصة آدمقصة نوح وما يستفاد منهاقصة هود وما فيها من الفوائدقصة صالح وما يؤخذ منهاقصة إبراهيم الخليلقصة لوط عليه السلامقصة شعيب وما فيهاقصة موسىالرد على منكري الكراماتأسباب حصول المغفرةقصة يونسقصة داود وسليمانقصة أيوب عليه الصلاة السلامقصة ذي القرنينقصة عيسى وأمه وزكرياقصة يوسف ويعقوبقصة أصحاب الكهفسيرة خاتم النبيين ومعاملته للمكذبينغزوات الرسول وتواريخها وتفصيلاتهاكمال القرآن وأسلوبه وتأثيرهتفسير كلمات جاءت في القرآن لعدة معانالأسباب الموصلة إلى المطالب العاليةالدعوة إلى الله وأقسم الناس عندهاتحديد ألفاظ كثر مرورها في القرآن
جارٍ التحميل