منة الله على الناس ببعثة محمد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرحمن السعدي
- الكتاب
- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى: 1376هـ)
- الناشر
- وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1422هـعدد الصفحات: 368
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فصل 10 - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164] هذه المنة التي امتن الله بها على عباده المؤمنين أكبر المنن، بل هي أصلها؛ وهي الامتنان عليهم بهذا الرسول الكريم، الذي جمع الله به جميع المحاسن الموجودة في الرسل؛ ومن كماله العظيم هذه الآثار التي جعلها الله نتيجة
رسالته، التي بها كمال المؤمنين علما وعملا، وأخلاقا وآدابا، وبها زال عنهم كل شر وضرر، فبعثه الله من أنفسهم وأنفسهم وقبيلتهم، يعرفون نسبه أشرف الأنساب، وصدقه وأمانته وكماله الذي فاق به الأولين والآخرين، ناصحا لهم مشفقا، حريصا على هدايتهم.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: 164] فيعلمهم ألفاظها، ويشرح لهم معانيها، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: 164] أي: يطهرهم من الشرك والمعاصي والرذائل وسائر الخصال الذميمة، ويزكيهم أيضا أي: ينميهم، فيحثهم على الأخلاق الجميلة، فإن التزكية تتضمن هذين الأمرين: التطهير من المساوئ، والتنمية بالمحاسن؛ ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 164] وهو القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164] وهي السنة.
فالكتاب والسنة بهما أكمل الله للرسول وأمته الدين، وبهما حصل العلم بأصول الدين وفروعه، وبهما حصلت جميع العلوم النافعة، وما يترتب عليها من الخيرات، وزوال الشرور، وبهما حصل العلم اليقيني بجميع الحقائق النافعة، وبهما الهداية والصلاح للبشر.
فمحمد صلى الله عليه وسلم هو الإمام الأعظم المعلم لهذين الأمرين، اللذين ينابيع العلوم كلها تتفجر من معينهما، فعلم صلى الله عليه وسلم أمته الكتاب والحكمة، وأوقفهم على حكم الأحكام وأسرارها، فكانت حياته كلها - أقواله وأفعاله وتقريراته وهديه، وأخلاقه الظاهرة والباطنة، وسيرته الكاملة المتنوعة في كل فن من الفنون - تعليما منه للمؤمنين، وشرحا للكتاب والحكمة، فجمع لهم بين تعليم الأحكام الأصولية والفروعية، وما به تدرك وتنال، والطرق التي تفضي إليها عقلا ونقلا وتفكيرا وتدبرا، واستخراجا للعلوم الكونية من
مظانها وينابيعها، وبين لهم فوائد ذلك كله وثمراته، وشرح لهم الصراط المستقيم، اعتقاداته وأخلاقه وأعماله، وما لسالكه عند الله من الخير العاجل والآجل، وما على المنحرف عنه من العقاب والضرر العاجل والآجل.
فكان خيار المؤمنين بهذا التعليم الصادر من النبي الكريم مباشرة، وتبليغا من العلماء الربانيين الراسخين في العلم، ومن الهداة المهديين، ومن أكابر الصديقين، وحصل لسائر المؤمنين من هذا التعليم نصيب وافر من الخير العظيم على حسب طبقاتهم ومنازلهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فخرجوا بهذا التعليم من جميع الضلالات، وانجالت عنهم الشرور المتنوعة والجهالات، وتم لهم النور الكامل، وانقشعت عنهم الظلمات.
فيا لها من نعمة لا يقدر قدرها، ولا يحصي المؤمنون كنه شكرها.