تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآنالزكاة وما في إخراجها من الفوائد وأهلها
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الزكاة وما في إخراجها من الفوائد وأهلها

عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرحمن السعدي
الكتاب
تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن
المؤلف
أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى: 1376هـ)
الناشر
وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1422هـعدد الصفحات: 368
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فصل قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 103] وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: 267] وقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] قد جمع الله في كتابه في آيات كثيرة بين الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لأنهما مشتركتان في أنهما من أهم فروض الدين، ومباني الإسلام العظيمة، والإيمان لا يتم إلا بهما، ومن قام بالصلاة وبالزكاة كان مقيما لدينه، ومن ضيعهما كان لما سواهما من دينه أضيع، فالصلاة فيها الإخلاص التام للمعبود، وهي ميزان الإيمان، والزكاة فيها الإحسان إلى المخلوقين، وهي

برهان الإيمان، ولهذا اتفق الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وقال أبو بكر رضي الله عنه: " لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ". فقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] هذا الأمر موجه للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن قام مقامه أن يأخذ من أموال المسلمين صدقة، وهي الزكاة، وهذا شامل لجميع الأموال المتمولة من أنعام وحروث ونقود وعروض، كما صرح به في الآية الأخرى: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267] من النقود والعروض والماشية المنماة، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] من الحبوب والثمار.
وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم النصب في هذه الأنواع كلها، وبين مقدار الواجب منها، وأنها عشر الخارج من الأرض مما يسقى بلا مؤنة، ونصف عشره فيما سقي بمؤنة، وربع العشر من أموال التجارة، وذلك إذا حال الحول في أموال التجارة، وحصل الحصاد والجذاذ وقت حصول الثمار، كما هو صريح الآية المذكورة.
وأمر تعالى بإخراج الوسط، فلا يظلم رب المال فيؤخذ العالي من ماله - إلا أن يختار هو ذلك - ولا يحل له أن يتيمم الخبيث - وهو الرديء من ماله - فيخرجه، ولا تبرأ بذلك ذمته إن كانت فرضا، ولا يتم له الأجر والثواب إن كانت نفلا؛ وبين تعالى الحكمة في ذلك، وأنها حكمة معقولة: فكما أنكم لا ترضون ممن عليه حق لكم أن يعطيكم الرديء من ماله الذي هو دون حقكم إلا أن تقبلوه على وجه الكراهة والإغماض، فكيف ترضون لربكم ولإخوانكم ما لا ترضونه لأنفسكم؟ فليس هذا من الإنصاف والعدل.
وبين تعالى الحكمة في الزكاة وبيان مصالحها العظيمة، فقال: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] فهذه كلمة جامعة، يدخل فيها من المنافع للمُعْطِي والْمُعْطَى

والمال والأمور العمومية والخصوصية شيء كثير، فقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: 103] أي: من الذنوب ومن الأخلاق الرذيلة، فإن من أعظم الذنوب وأكبرها منع الزكاة، وأيضا إعطاؤها سبب لمغفرة ذنوب أخرى، فإنها من أكبر الحسنات، والحسنات يذهبن السيئات.
ومن أشنع الأخلاق الرذيلة البخل، والزكاة تطهره من هذا الخلق الرذيل، ويتصف صاحبها بالرحمة والإحسان، والشفقة على الخلق، وتطهر المال من الأوساخ والآفات، فإن للأموال آفات مثل آفات الأبدان، وأعظم آفاتها أن تخالطها الأموال المحرمة؛ فهي للأموال مثل الجرب تسحته، وتحل به النكبات والنوائب المزعجة، فإخراج الزكاة تطهير له من هذه الآفة المانعة له من البركة والنماء، فيستعد بذلك للنماء والبركة، وتوجيهه للأمور النافعة، وأما قوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] فالزكاة هي النماء والزيادة، فهي تنمي المؤتي للزكاة، تنمي أخلاقه، وتحل البركة في أعماله، ويزداد بالزكاة ترقيا في مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم؛ وتنمي المال بزوال ما به ضرره وحصول ما فيه خيره، وتحل فيه البركة من الله.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال» ، بل تزيده، وتنمي أيضا المخرج إليه فتسد حاجته، وتقوم المصلحة الدينية التي تصرف فيها الزكاة كالجهاد والعلم والإصلاح بين الناس والتأليف ونحوها، وأيضا تدفع عادية الفقر والفقراء، فإن أرباب الأموال إذا احتكروها واحتجزوها، ولم يؤدوا منها شيئا للفقراء، اضطر الفقراء وهم جمهور الخلق وثاروا بالشر والفساد على أرباب الأموال، وبهذا ونحوه تسلطت البلاشفة على الخلق؛ فالقيام بالدين الإسلامي على وجهه بعقائده وحقائقه وأخلاقه وأداء حقوقه هو السد المانع شرعا وقدرا لهذه الطائفة التي بها فساد الأديان

والدنيا والآخرة، وأمر تعالى الآخذ منهم الزكاة أن يصلي عليهم فيدعو لهم بالبركة، فإن في ذلك تطمينا لخواطرهم، وتسكينا لقلوبهم، وتنشيطا لهم، وتشجيعا على هذا العمل الفاضل، وكما أن الإمام والساعي مأمور بالدعاء للمزكي عند أخذها فالفقير المحتاج إذا أعطيها من باب أولى أن يشرع له الدعاء للمعطي تسكينا لقلبه، وفي هذا إعانة على الخير.
ودل تعليل الآية الكريمة أن كل ما أعان على فعل الخير، ونشط عليه، وسكن قلب صاحبه أنه مطلوب ومحبوب لله، وأنه ينبغي للعبد مراعاته وملاحظته في كل شأن من شؤونه، فإن من تفطن له فتح له أبوابا نافعة له ولغيره بلا تعب ولا مشقة، وأنه ينبغي إدخال السرور على المؤمنين.
ولما أمر في آية البقرة بالنفقات قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: 267] غني بذاته عن جميع المخلوقين، وهو الغني عن نفقات المنفقين وطاعات الطائعين، وإنما أمرهم بها وحثهم عليها لمحض مصلحتهم ونفعهم، وبمحض فضله وكرمه عليهم، إذ تفضل عليهم بالأمر بهذه الأعمال، والتوفيق لفعلها، التي توصل أصحابها إلى أعلى المقامات، وأفضل الكرامات.
ومع كمال غناه وسعة عطاياه فهو الحميد فيما يشرعه لعباده من الأحكام الموصلة لهم إلى دار السلام، وحميد في أفعاله التي لا تخرج عن الفضل والعدل والحكمة، وحميد الأوصاف؛ لأن أوصافه كلها محاسن وكمالات، لا يدرك العباد كنهها، ولا يقدرونها حق قدرها، فلما حثهم على الإنفاق النافع نهاهم عن الإمساك الضار! وبين لهم أنهم بين داعيين: داعي الرحمن يدعوهم إلى الخير، ويعدهم عليه الفضل، والثواب العاجل والآجل، وخلف ما أنفقوا؛ وداعي الشيطان الذي يحثهم على الإمساك، ويخوفهم إن

أنفقوا افتقروا؛ فمن كان مجيبا لداعي الرحمن وأنفق مما رزقه الله فليبشر بمغفرة الذنوب، وحصول كل مطلوب؛ ومن كان مجيبا لداعي الشيطان فإنه إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير؛ فليختر العبد أي الأمرين أليق به، وختم الآية بالإخبار بأنه " واسع عليم " أي: واسع الصفات، كثير الهبات، عليم بمن يستحق المضاعفة من العاملين المخلصين الصادقين، وعليم بمن هو أهل لذلك، فيوفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات.
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60] المراد بالصدقات هنا الزكاة، فهؤلاء الثمانية هم أهلها، إذا دفعت إلى جهة من هذه الجهات أجزأت ووقعت موقعها، وإن دفعت في غير هذه الجهات لم تجز؛ وهؤلاء المذكورون فيها قسمان: قسم يأخذ لحاجته كالفقراء والمساكين والرقاب وابن السبيل والغارم لنفسه، وقسم يأخذ لنفعه العمومي والحاجة إليه، وهم البقية.
فأما الفقراء والمساكين فهم خلاف الأغنياء، والفقير أشد حاجة من المسكين، لأن الله بدأ به، والأهم مقدم في الذكر غالبا، ولكن الحاجة تجمع الصنفين، ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60] وهم السعاة الذين يجبونها ويكتبونها ويحفظونها، ويقسمونها على أهلها، فهم يعطون ولو كانوا أغنياء لأنها بمنزلة الأجرة في حقهم، ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: 60] وهم سادات العشائر والرؤساء الذين إذا أعطوا حصل في إعطائهم مصلحة للإسلام والمسلمين، إما دفع شرهم عن المسلمين، وإما رجاء إسلامهم وإسلام نظرائهم، أو جبايتها ممن لا يعطيها

أو يرجى قوة إيمانهم، ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60] أي: في فكها من الرق كإعانة المكاتبين، وكبذلها في شراء الرقاب لعتقها، وفي فك الأسارى من المسلمين عند الأعداء، ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: 60] للإصلاح بين الناس إذا كان الصلح يتوقف على بذل مال، فيعانون على القيام بهذه المهمة والمصلحة العظيمة، وهي الإصلاح بين الناس، ولو أغنياء، ومن الغارمين من ركبتهم ديون للناس وعجزوا عن وفائها، فيعانون من الزكاة لوفائها، ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60] أي: بذلها في إعانة المجاهدين بالزاد والمزاد والمركوب والسلاح ونحوها مما فيه إعانة المجاهدين، ومن الجهاد التخلي لطلب العلم الشرعي والتجرد للاشتغال به، ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60] وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فيعان على سفره من الزكاة.
فالله تعالى فرضها لهؤلاء الأصناف بحسب حكمته وعلمه، ووضعه الأشياء مواضعها، فإن سد الكفايات وقيام المصالح العمومية النافعة من الفروض على المسلمين، وهي على أهل الأموال شكر منهم لله تعالى على نعمته بالمال، وتطهير لهم ولها، ونماء وبركة، واتصاف بصفات الأخيار، وسلامة من نعوت الأشرار.

فصول الكتاب · 60 فصل · 366 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن · 366 صفحة
مقدمة تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير الأحكاممقدمة في ذكر أوصاف القرآن العامة الجامعةبيان ما تشتمل عليه الفاتحةآية الكرسي وبيان الشفاعة ولمن هيالعلم بأنه لا إله إلا اللهآيات كونية تدل على وحدانية اللهمنة الله على الناس ببعثة محمددحض شبهات الكفار على الرسولوجوب الإيمان بالآخرة ووصف ما فيهاوجوب الإيمان بالملائكة والرد على منكريهمتفسير آيات في حقوق الله وحقوق الناسخذ العفو وأمر بالعرفالأمر بالصلاة وتفسير إقامتهاالزكاة وما في إخراجها من الفوائد وأهلهافصل في الطهارة بالماء والتيممفصل في صلاة الجمعة والسفر والأذانبيان صلاة السفر والخوففصل في وجوب الصيام وفوائدهقربه تعالى واستجابته لدعاء الداعيوجوب الحج وتوابعهفصل في الجهاد وتوابعهفصل في البيع وأنواع المعاملاتفساد الربا والميسر والغررآية كتابة الديون وما فيها من الفوائدأحكام المواريثفصول في النكاح وتوابعهطبقات النساء وتأديب المعوجةإرسال الحكمين من الأهل عند النزاعأحكام الطلاقاختلاف عدة المرأة باختلاف الأحوالفصل في آيات في الإيلاء والظهار واللعانفصل في آيات الحدودفصل في الأيمان ونحوهافصل في الأطعمة والصيدفصل في الأحكام الشرعية والبينةقصص الأنبياء وما فيه من العبرتفصيل قصة آدمقصة نوح وما يستفاد منهاقصة هود وما فيها من الفوائدقصة صالح وما يؤخذ منهاقصة إبراهيم الخليلقصة لوط عليه السلامقصة شعيب وما فيهاقصة موسىالرد على منكري الكراماتأسباب حصول المغفرةقصة يونسقصة داود وسليمانقصة أيوب عليه الصلاة السلامقصة ذي القرنينقصة عيسى وأمه وزكرياقصة يوسف ويعقوبقصة أصحاب الكهفسيرة خاتم النبيين ومعاملته للمكذبينغزوات الرسول وتواريخها وتفصيلاتهاكمال القرآن وأسلوبه وتأثيرهتفسير كلمات جاءت في القرآن لعدة معانالأسباب الموصلة إلى المطالب العاليةالدعوة إلى الله وأقسم الناس عندهاتحديد ألفاظ كثر مرورها في القرآن
جارٍ التحميل