أنشدني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قال: أنشدني أبو الحسن النصيبي، مؤدبي لنفسه وترجم به كتابا: (من الوافر)
[البحر الوافر]
كتاب يحتوي جمل السرور ... ويكسو القلب أنواع الحبور
به أنس الوحيد إذا تخلى ... بلوعته وبالدمع الغزير
الإكثار من الكتب
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه، أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا موسى بن عقبة، قال: وضع عندنا كريب حمل بعير من كتب ابن عباس فكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه ابعث إلي بصحيفة كذا وكذا فينسخها ويبعث بها قال بعض أهل العلم ينبغي للمرء أن يذخر أنواع العلوم، وإن لم تكن له بمعلوم، وأن يستكثر منها، ولا يعتقد الغنى عنها فإنه إن استغنى عنها في حال احتاج إليها في حال وإن سئمها في وقت، ارتاح إليها في وقت، وإن شغل عنها في يوم فرغ لها في يوم وأن لا يسرع ويعجل، فيندم ويوجل، فربما عجل المرء على نفسه بإخراج كتاب عن يده ثم رامه فتعذر عليه مرامه وابتغى إليه وصولا، فلم يجد إليه سبيلا، فأتعبه ذلك وأنصبه وأقلقه طويلا وأرقه كالذي حكي عن بعض العلماء، قال: بعت في بعض الأيام كتابا ظننت أني لا أحتاج إليه فلما كان ذات يوم هجس في صدري شيء كان في ذلك الكتاب فطلبته في جميع كتبي فلم أجده فاعتمدت أن أسأل عنه عالما عند الصباح، فما زلت قائما على رجلي إلى الصباح، قيل: فهلا قعدت؟ قال: لطول أرقي وشدة قلقي.
وباع آخر كتابا ظن أنه لا يحتاج إليه ثم إنه احتاج إليه فالتمس نسخة به فلم يجدها بعارية ولا ثمن وكان الذي ابتاعه قد خرج به إلى بلده، فشخص إليه وسأله الإقالة وارتجاع الثمن منه، فأبى عليه فسأله إعارته لنسخ ⦗١٣٧⦘ الكلمة منه، فلم يجبه فانكفأ قافلا، وآلى على نفسه أن لا يبيع كتابا أبدا، وباع آخر كتابا ظن أنه لا يحتاج إليه ثم إنه احتاج إلى كلمة منه فقصد صاحبه، وسأله أن يكتبه تلك الكلمة فقال: والله ما تكتبها إلا بثمن الكتاب كله، فرد عليه ثمن الكتاب وكتب تلك الكلمة، وقيل لآخر: ألا تبيع من كتبك التي لا تحتاج إليها؟ فقال: إن لم أحتج إليها اليوم احتجت إليها بعد اليوم، واشترى رجل كتابا فقيل له: اشتريت ما ليس من علمك، فقال: اشتريت ما ليس من علمي ليصير من علمي، وقيل لآخر: ألا تشتري كتبا تكون عندك؟ فقال: ما يمنعني من ذلك إلا أنني لا أعلم، فقيل: إنما يشتريها من لا يعلم حتى يعلم، وكان آخر يشتري كل كتاب يراه فقيل: له إنك لتشتري ما لا تحتاج إليه، فقال: ربما احتجت إلى ما لا أحتاج إليه، ومما يعزى إلى السري بن أحمد الكندي (من الكامل):
[البحر الكامل]
لا تخدعن عن العلوم فإنها ... سرج يزيد على الزمان ضياؤها
تنسى القرون فلا يشيد بذكرها ... أحد ويذكر دائبا علماؤها
فاحرص على جمع العلوم فإنها ... ري القلوب من الصدى وشفاؤها
وكان بعض القضاة يشتري الكتب بالدين والقرض، فقيل له في ذلك، فقال: أفلا أشتري شيئا بلغ بي هذا المبلغ؟ قيل: فإنك تكثر، فقال: على قدر الصناعة تكون الآلة، واحتاج بعض النجارين إلى بيع فأسه ومنشاره، فباعهما وحزن عليهما، وندم على بيعهما، إلى أن رأى جارا له من أهل العلم في سوق الوراقين وهو يبيع كتبه، فقال: إذا باع العالم آلته فالصانع أعذر منه، وسلا بذلك
حدثت عن أبي الحسين أحمد بن عبيد الله الكلوزاني قال: حدثني محمد بن سليمان الجوهري قال: كنا نصحب الجاحظ على سائر أحواله من جد وهزل، قال: فخرجنا يوما لنزهة، فبينا نحن على باب جامع البصرة ننتظر ⦗١٣٨⦘ شيئا أردناه، إذ عارضتنا امرأة معها أوراق مقطعة فعرضت ذلك علينا، فلم نجد فيها طائلا فتركناها وانصرفنا، وتخلف معها الجاحظ ونحن ننتظره، فأطال ثم رأيناه قد وزن لها شيئا وأخذ الأوراق وقال: انتظروني، ومضى بها إلى منزله، فلما عاد أخذنا نهزأ به ونقول: فزت بقطعة من العلم وافرة، وضحكنا، فقال: أنتم حمقى، والله إن فيها ما لا يوجد إلا فيها، ولكنكم جهال، لا تعرفون النفيس من الخسيس
ذكر من وظف على نفسه الشغل بمطالعة الكتاب ودرسه
أخبرنا أبو القاسم الأزهري، وأبو محمد الجوهري قالا: أخبرنا محمد بن العباس الخزاز، أخبرنا ابن المرزبان، حدثنا أبو محمد البلخي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الخزامي، وأخبرني أحمد بن علي بن الحسين المحتسب، أخبرنا ابن المنذر الخزامي، وأخبرني أحمد بن علي بن الحسين المحتسب، أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل، أخبرنا أبو علي الكوكبي، حدثنا ابن أبي سعد، قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثني أيوب بن عباية، قال: قيل لابن دأب: يا أبا الوليد إنك ربما حملت الكتاب وأنت رجل تجد في نفسك، قال: «إن حمل الدفاتر من المروءة»
أجاز لي أبو عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع، وحدثنا محمد بن علي بن محمد بن عبد الله البيع، عنه قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الفضل المعروف بسندانة قال: أملى علي عبد الله بن المعتز قال: رأى المأمون بعض ولده وبيده دفتر، فقال: ما هذا يا بني؟ قال: بعض ما يشحذ الفطنة، ويؤنس في الوحدة، فقال المأمون: الحمد لله الذي رزقني ذرية يرى بعين عقله أكثر مما يرى بعين جسمه
حدثت عن أبي عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني، حدثني أحمد بن محمد قلت: إما هو الجوهري أو المعروف بالمكي عن أبي العباس المبرد قال: ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة: الجاحظ والفتح بن خاقان وإسماعيل بن إسحاق القاضي، فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع في يده كتاب قرأه من أوله إلى آخره، أي كتاب كان، وأما الفتح فكان يحمل الكتاب في ⦗١٤٠⦘ خفه، فإذا قام من بين يدي المتوكل ليبول أو ليصلي أخرج الكتاب، فنظر فيه وهو يمشي، حتى يبلغ الموضع الذي يريد ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه إلى أن يأخذ مجلسه، وأما إسماعيل بن إسحاق فإني ما دخلت عليه قط إلا وفي يده كتاب ينظر فيه، أو يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه
حدثني عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي، حدثنا أبو الفضل الزهري، قال: قرأت في كتاب جدي محمد بن عبيد الله بن سعد الزهري، حدثنا الفضل بن سهل الأعرج، قال: سمعت أبا أحمد الزبيري، يقول: قال ابن المبارك: «من أحب أن يستفيد فلينظر في كتبه»
حدثت عن أبي عبيد الله محمد بن العباس العصمي قال: سمعت أبا العباس الدغولي، يقول: لا يفارقني أربع مجلدات، في البلد وفي الخروج إلى ضياعي، كتاب المزني، وكتاب العين، وكتاب التاريخ للبخاري، وكتاب كليلة ودمنة
أخبرنا الحسن بن محمد الخلال، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني عمر بن أبي بكر الموملي، وكان، قاضيا بالأردن قال: أخبرني زكريا بن عيسى، عن ابن شهاب، قال: خرجنا مع الحجاج بن يوسف إلى الحج، فلما كنا بالشجرة قال: تبصروا الهلال فإن في بصري عهدة، فقال: له نوفل بن مساحق: أتدري مم ذاك؟ ذاك من كثرة نظرك في الدفاتر، قلت: وينبغي لمتحفظ ما يقرأه أن يصرف عنايته إلى إتقان ما يسأل عنه، إن كان ممن ينتصب للسؤال
فقد أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عبد الواحد بن علي البزاز، أخبرنا أبو سعيد السيرافي، أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، أخبرنا أبو عثمان يعني الأشنانداني، عن الأخفش، وأخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله العسكري، حدثنا إسماعيل ⦗١٤١⦘ بن محمد الصفار، حدثنا المبرد، قالا: قال الخليل: «اجعل ما في كتبك رأس مالك»
وقال الأخفش: بيت مالك وما في قلبك للتفقه، ويعمد إلى عيون الأخبار ومستحسن الأشعار وغرائب الأمثال ونكت الحكايات، فيجعل مذاكرته بها وما يورده منها، فإن ذلك يكسبه جميل الذكر وطيب الثناء والنشر "
أخبرنا الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا محمد بن عمران بن موسى، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عيسى المكي، حدثنا أبو العيناء محمد بن القاسم بن خلاد قال: قال ابن عباس: العلم كثير ولن تعيه قلوبكم ولكن ابتغوا أحسنه، ألم تسمع قوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب﴾
أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن نعيم النيسابوري، حدثني أحمد بن القاسم الكاتب، قال: سمعت أبا عمرو بن أبي معاذ، يقول: كان المأمون يوصي بعض بنيه فيقول: اكتب أحسن ما تسمع، واحفظ أحسن ما تكتب، وحدث بأحسن ما تحفظ
أخبرنا القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري، حدثنا المعافى بن زكريا الجريري، حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقرئ، أخبرنا أبوخليفة الفضل بن الحباب، أن أبا زيد الأنصاري، رأى رجلا حسن العلم كثير الرواية جيد الحفظ لملح الأخبار لا يتمثل إلا بحسن، ولا يستشهد إلا بجيد، فقال: «كأن والله علمه من ظهور الدفاتر» قال المعافى: يريد به أن ظهور الدفاتر لا يكتب عليها إلا الأحسن
من استوحش من الخليط والمعاشر فجعل أنسه النظر في الدفاتر
أخبرني محمد بن محمد بن علي الشروطي، حدثنا أحمد بن محمد موسى، حدثنا عمر بن الحسن بن علي القاضي، حدثنا محمد بن يزيد المبرد، حدثنا عمرو بن عبد الله البصري، قال: كان عبد الله بن عبد العزيز العمري يلزم الجبان كثيرا، فكان لا يخلو من كتاب يكون معه ينظر فيه فقيل له في ذلك، فقال: إنه ليس شيء أوعظ من قبر، ولا أسلم من وحدة، ولا آنس من كتاب
حدثنا أبو طاهر محمد بن علي السماك، أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى بن القاسم القرشي، حدثنا علي بن محمد المصري، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الله بن خبيق، قال: تعبد العمري، وسكن المقابر، وكان لا يرى إلا وفي يده كتاب يقرأه، وترك مجالسة الناس، فسئل عن فعاله ونزوله المقابر، فقال: لم أر أوعظ من قبر، ولا آنس من كتاب، ولا أسلم من وحدة قيل له: فقد جاء في الوحدة ما جاء، فقال: ما أفسدها للجاهل
أخبرنا أبو بكر عبد الله بن علي بن حمويه الهمذاني، أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، قال: سمعت أحمد بن سعيد الفقيه، يقول: سمعت أبا بكر أحمد بن محمد الجيرنجي، يقول: سمعت الحارث بن أبي أسامة، يقول: سمعت موسى بن هارون البرزي، يقول: " عوتب بعض الأدباء على لزومه منزله ⦗١٤٣⦘ وتركه محادثة الرجال، فأجاب بجواب مدح فيه كتبه فقال: من الطويل
[البحر الطويل]
لنا جلساء ما نمل حديثهم ... ألباء مأمونون غيبا ومشهدا
يفيدوننا من رأيهم علم من مضى ... وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
بلا مؤنة تخشى ولا سوء عشرة ... ولا تتقي منهم لسانا ولا يدا
فإن قلت هم موتى فلست بكاذب ... وإن قلت أحياء فلست مفندا
يفكر قلبي دائبا في حديثهم ... كأن فؤادي ضافه سم أسودا
أنشدنا أبو الحسن بشرى بن عبد الله الفاتني قال: أنشدني لؤلؤ بن عبد الله القيصري قال: أنشدني أستاذي أبو محمد العسكري، لابن المعتز من المجتث:
[البحر المجتث]
جعلت كتبي أنيسي ... من دون كل أنيس
لأنني لست أرضى ... إلا بكل نفيس
أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، حدثنا علي بن محمد العسكري، قال: أنشدني أبو بكر الشيطان صاحب أبي بكر بن دريد من البسيط:
[البحر البسيط]
إذا اعتللت فكتب العلم تشفيني ... فيها نزاهة ألحاظي وتزييني
إذا اشتكيت إليها الهم من حزن ... مالت إلي تعزيني وتسليني
حسبي الدفاتر من دنيا قنعت بها ... لا أبتغي بدلا منها ومن ديني
أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين الحلاج قال: أنشدني أبو الحسن الفارسي الفقيه لبعضهم من الوافر:
[البحر الوافر]
أنست إلى التفرد طول عمري ... فمالي في البرية من أنيس
جعلت محادثي ونديم نفسي ... وأنسي دفتري بدل الجليس
قد استغنيت عن فرس برجلي ... إذا سافرت أو بغل كبوس
ولي عرس جديد كل يوم ... بطرح الهم في أمر العروس
فبطني سفرتي والخرج جسمي ... وهمياني فمي أبدا وكيسي
وبيتي حيث يدركني مسائي ... وأهلي كل ذي عقل نفيس
ولأبي القاسم عبد الصمد بن علي الطبري من الكامل:
[البحر الكامل]
ولقد ألفت فناء بيتي لابسا ... حلل الغنى إلف القطا الأفحوصا
لم أدرع طمعا ولم أمدد يدا ... نحو النوال ولا زجرت قلوصا
أجتاب إن خصرت أنامل راحتي ... من نسج دني جبة وقميصا
وإذا أردت منادما لم تلفني ... إلا على غر العلوم حريصا
فترى الكتاب مجالسا لي مودعا ... سمعي فصولا تنتقى وفصوصا
لا مفشيا سري ولا متنمرا ... جهم اللقاء ولا علي خروصا
أنشدني محمد بن علي الصوري قال: أنشدني أبو الحسن محمد بن معقل بن محمد الأزدي بحمص، لنفسه: من الخفيف
[البحر الخفيف]
ليس شيء ألذ عندي ولا آ ... نس لي من تأمل في كتاب
هو أشهى من ارتشاف رضاب ... من حبيب من بعد طول اجتناب
فأنا مع حضوره حاضر الأن ... س وإن غاب آمن الاغتياب
أجتني من ثماره بارع العل ... م مشوبا بلذة الآداب
ذاك أنسي من دون كل أنيس ... وحبيبي من سائر الأحباب
فإذا ما مللت من نظر في ... ه طواه عني ظريف احتجاب
سلة تحتوي ضروبا كثيرا ... هي قصر لهم بلا بواب
لا يعيد الحديث إن خيف من لف ... ظ جليس يبديه للأصحاب
فإذا ما فارقته كنت منه ... آمنا أن يعيبني بمعاب
ولنا ثالث به يكمل الأن ... س لها ريقة ألذ شراب
يغتدي درهما أصم سميع ... أخرس ناطق بغير خطاب
فإذا ما جرى بميدان أطرا ... س على رأسه أتى بالعجاب
فهم مألفي وأنسي لا أب ... غي بديلا بهم وهم أترابي
أنشدنا القاضي أبو الطيب الطبري قال: أنشدنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري قال: أنشدني ابن لنكك لبعض الكتاب: من الخفيف
[البحر الخفيف]
إن صحبنا الملوك تاهوا وعقوا ... واستبدوا بالرأي دون الجليس
أو صحبنا التجار عدنا إلى الفقر ... وصرنا إلى حساب الفلوس
فلزمنا الرحال نتخذ الحبر ... ونملأ به وجوه الطروس
وقال آخر: من المتقارب
[البحر المتقارب]
تميز بعلمك عن عصبة ... إذا ذكر الناس لم يذكروا
وحي الطروس ورو النفوس ... بلفظ ينظم أو ينثر
فعلمك ذا جوهر نافق ... ويا ربما كسد الجوهر
وذكرك باق به ما بدا ... لمبصره كوكب أزهر
من سلك في إعارة الكتاب طريق البخل وضن به عمن ليس له بأهل قال بعض الأدباء: البخل بالعلم على غير أهله قضاء لحقه ومعرفة بفضله، وكان بعض أهل العلم إذا أتاه رجل يستفيد منه علما، أو يستعير منه كتابا امتحنه فإن وجده أهلا له أعاره وإلا منعه، وكان إذا أراد أن
يعيره وعده وردده، فإن عاد إليه ولم يضجر أعاره، وإن لم يعد إليه كفي أمره وعلم أنها خطرة بقلبه خطرت، وشهوة كاذبة عرضت، وكان يقول: لا تعر كتاب علم من ليس من أهله واعتبارك ذلك بأن تستقريه الكتاب الذي طلبه، فإن قرأه قراءة صحيحة فهو من أهله، وإن لم يحسن قراءته فليس من أهله، فلا تعره، وكان يقول: من حق العلم إعزازه، وقال غيره: لا تعر كتابا إلا بعد يقين بأن المستعير ذو علم ودين، وفي معنى ما ذكرناه من أن العلم تجب صيانته عن غير أهله
ما أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحيم البصري، بمكة وببغداد، أخبرنا أبو عبد الله عثمان بن أحمد بن جعفر بن سهل العجلي، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن محمد بن جحادة، عن أنس بن مالك، قال: قال النبي، صلى الله ⦗١٤٧⦘ عليه وسلم: «لا تطرحوا الدر في أفواه الكلاب» قال ابن بكار: أظنه يعني العلم
وأخبرنا القاضي أبو العلا محمد بن علي الواسطي، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد المفيد، حدثنا أبو يعلى هو الموصلي، حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حميد بن عبد الرحمن،: قال: سمعت أبي يقول،: قال الأعمش: لا تنثروا اللؤلؤ تحت أظلاف الخنازير، يعني الحديث
كتب إلي أبو الطيب أحمد بن علي الجعفري من الكوفة، يذكر أن أبا عبد الله الحسين بن معبد المقرئ أخبره قال: حدثنا أبو عبد الله الحسن بن عبد الله بن أحمد النحوي البريدي، قال: قال المبرد: أتى الأصمعي رجل فسأله أن يكتب له شيئا من العلم، فكتبه له فلما كان بعد أيام عاد إليه، فقال: يا أبا سعيد إن ذلك القرطاس الذي كتبته لي سقط مني فأكلته الشاة، فأحب أن تكتب لي غيره ثانيا، فكتب له: وكتب من المنسرح
[البحر المنسرح]
قل لبغاة الآداب ما وصلت ... منها إليكم فلا تضيعوها
ضمنوا علمها الدفاتر والحبر ... بحسن الكتاب أو عوها
إن اشتريتم يوما لأهلكم ... شاة لبونا فلا تجيعوها
فإن عجزتم ولم يكن علف ... يشبعها عندكم فبيعوها
رأى بعض الحكماء رجلا يبتذل كتابا فقال له: بينت عن نقصك، وبرهنت عن جهلك، فما أهان أحد كتاب علم إلا لجهله بما فيه، وسوء معرفته بما يحويه، ورأى آخر رجلا قد جلس على كتاب، فقال: سبحان الله يصون ثيابه ولا يصون كتابه، لصون الكتاب أولى من صون الثياب.
وكان بعضهم إذا سأله إنسان أن يعيره كتابا قال: أرني كتبك فإن وجدها مصونة مكنونة، أعاره، وإن رآها مغبرة متغيرة منعه،
وقيل: من أعار كتاب علم غير أهل العلم، فقد جهل حق العلم وأضاعه، وكان بعض أهل العلم يكتب على ظهور كتبه التي يعيرها: يا رب من حفظ كتابي فاحفظه ومن أضاعه فلا تحفظه، وكتب آخر: ليس من أهل العلم من أضاع كتاب علم، وكتب آخر: الكتاب أمانة وهو حقيق بالصيانة، وكتب آخر: أكرم الله من أكرمك وردك كما تسلمك، وكتب آخر: كتابي أعز شيء علي وإحسانك إليه إحسانك إلي
أخبرنا الحسن بن علي الجوهري، حدثنا محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، قال: أنشدنا محمد بن خلف بن المرزبان، قال: أنشدت من الخفيف:
[البحر الخفيف]
أيها المستعير مني كتابا ... إن رددت الكتاب كان صوابا
أنت والله إن رددت كتابا ... كنت أعطيته أخذت كتابا
قرأت في كتاب القاضي أبي الحسين أحمد بن علي التوزي الذي سمعه من أبي محمد عبد الحميد بن عبد الرحيم التوزي، قال: جاء رجل إلى رجل يستعير منه كتابا، فأعاره وقال له: لا تكن في حبسك له كصاحب القربة، قال: لا، ولا تكن أنت في ارتجاعك له كصاحب المصباح، قال: لا وكان من حديث هذين أن رجلا استعار من رجل قربة على أن يستقي فيها مرة واحدة ثم يردها، فاستسقى فيها سنة ثم ردها إليه متخرقة، وأما الآخر فإن رجلا ضافه ضيف من النهار، فاستعار من جار له مصباحا ليسرجه لضيفه في الليل، فلما كان بعد ساعة أتاه وطالبه برده، فقال له: أعرتني مصباحا لليل أو للنهار؟ قال: لليل، قال: فما دخل الليل، قال عبد الرحيم: وأعار رجل رجلا كتابا وقال له: لا تكن كصاحب السلم، قال: وما معنى ذلك؟ قال: جاء رجل إلى رجل يستعير منه سلما، فقال له: ما أطيق حمله، قال:، سبحان الله، وهل أكلفك حمله؟ أنا أحمله، قال: صدقت أنت تحمله ولا ترده، فأحتاج إلى أن أجيء وأحمله، قال: وسأل رجل رجلا أن يعيره كتابا، فأبى عليه، فقال: خذ مني رهنا، فقال: من وجب أن يسترهن على علم فواجب أن لا يعار،
قال: وسأل رجل رجلا أن يعيره كتابا فقال: علي يمين أن لا أعير كتابا إلا برهن، قال: فهذا كتاب استعرته من فلان فأتركه رهنا عندك، فقال أخاف أن ترهن كتابي، كما رهنت كتاب غيري
أخبرنا الحسن بن علي الجوهري، حدثنا محمد بن العباس الخزاز، قال: أنشدنا محمد بن خلف بن المرزبان قال: أنشدت:
[البحر الرجز]
أعر الدفتر للصاحب ... بالرهن الوثيق
إنه ليس قبيحا ... أخذ رهن من صديق
استعار رجل من أبي حامد أحمد بن أبي طاهر الأسفرائيني الفقيه كتابا، فرآه أبو حامد يوما وقد أخذ عليه عنبا، ثم إن الرجل سأله بعد ذلك أن يعيره كتابا، فقال تأتيني إلى المنزل، فأتاه فأخرج الكتاب إليه في طبق وناوله إياه، فاستنكر الرجل ذلك، وقال: ما هذا؟ فقال له أبو حامد: هذا الكتاب الذي طلبته، وهذا طبق تضع عليه ما تأكله فعلم بذلك ما كان من ذنبه
قرأت في كتاب أبي الحسين بن التوزي، سماعه من عبد الحميد بن عبد الرحيم، قال: " استعار رجل من بعض أهل العلم كتابا، ثم رده إليه بعد حين متكسرا متغيرا، عليه آثار البزور وغيره، فسأله أن يعيره غيره، فقال له: ما أحسنت ضيافة الأول فنضيفك الثاني قال: واستعار رجل من رجل كتابا بنفسه ثم رده مع غلام له، فكتب إليه: ليس من حق العلم أن يمكن منه غير أهل العلم، وقد كان ينبغي أن تكون الكرامة في رده كالكرامة في أخذه، وإنك لما أخذته بنفسك وجب أن ترده بنفسك، فكتب إليه: إن الغلام الذي أنفذته معه مؤتمن على المال، فكتب إليه: العلم أفضل من المال وليس كل مؤتمن على المال يؤتمن على العلم، والمال يعرف قدره كل أحد؛ فهو يصونه ويعظمه، وليس العلم كذلك، ولم يعره شيئا بعد ذلك لمسافر بن الحسن أحد أدباء خراسان من الوافر:
[البحر الوافر]
أجود بجل مالي لا أبالي ... وأبخل عند مسألة الكتاب
وذاك لأنني أنفقت حرصا ... على تحصيله شرخ الشباب
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن القاسم العلوي، أخبرنا أبو أحمد عبد السلام بن الحسين البصري، حدثنا علي بن هارون القرميسيني، حدثنا علي بن سليمان النحوي، حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن مابنداذ، حدثني أبو ضياء بشر بن يحيى القتبي، حدثني بعض البصريين، قال: أعارني رجل من وجوه بني هاشم بالبصرة دفترا، فضاع، فتفجع لذلك، فاعتذرت إليه وقلت من المنسرح:
[البحر المنسرح]
يا مالكا ما تزال راحته ... تعطي المعالي وتبسط النعما
هب لمقر بالذنب معترف ... بواسع العفو منك ما اجترما
أعرته دفترا تضن به ... فخانه الدهر فيه فاصطلما
إعظامك العلم إذ فجعت به ... يزيد عندي خطيئتي عظما
ذكر أبوالحسين بن التوزي أن عبد الحميد بن عبد الرحيم أنشده من الوافر:
[البحر الوافر]
أجل مصائب الرجل العليم ... مصائبه بأسفار العلوم
إذا فقد الكتاب فذاك خطب ... عظيم قد يجل عن العظيم
وكم قد مات من أسف عليها ... أناس في الحديث وفي القديم