مقدمة المصنف
بسم الله الرحمن الرحيم
أَسْأَلُ اللهَ الْكَرِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ: أَنْ يَتَوَلاَّكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَكَ مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتَ.
وَأَنْ يَجْعَلَكَ مِمَّنْ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ؛ فَإِنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَ عُنْوَانُ السَّعَادَةِ.
اعْلَمْ - أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ -: أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ، وَخَلَقَهُمْ لَهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾.
فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ لِعِبَادَتِهِ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تُسَمَّى عِبَادَةً إِلَّا مَعَ التَّوْحِيدِ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُسَمَّى صَلَاةً إِلَّا مَعَ الطَّهَارَةِ.
فَإِذَا دَخَلَ الشِّرْكُ فِي الْعِبَادَةِ فَسَدَتْ، كَالْحَدَثِ إِذَا دَخَلَ فِي الطَّهَارَةِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.
فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الشِّرْكَ إِذَا خَالَطَ الْعِبَادَةَ أَفْسَدَهَا، وَأَحْبَطَ الْعَمَلَ، وَصَارَ صَاحِبُهُ مِنَ الْخَالِدِينَ فِي النَّارِ؛ عَرَفْتَ أَنَّ أَهَمَّ مَا عَلَيْكَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ؛ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ هَذِهِ الشَّبَكَةِ، وَهِيَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، الَّذِي قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
هذه المقدمة للمصنف فيها عدة أمور:
الأول: أنه ابتدأ الخطاب بالدعاء لمتلقي الرسالة، وعبر بالإفراد.
هذه طريقة المصنفين أن الرسالة تكون عامة ثم يعبر بالإفراد كأنه يخاطب شخصًا، كما قال البربهاري في شرح السنة: "اعلم رحمك الله"، العبارة التي قالها المجدد في "ثلاثة الأصول" ولم يتنبه كثير من الشراح إلى أنه قد سبقه إليها شيخ الحنابلة الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى.
فهي دعوات المراد منها التحبب.
والشيخ طريقته في رسائله ما أكثرها، كان يتحبب للمتحدث، وكان في كثير من الأحيان ما يوصيه بالصلاة والدعاء والابتهال لله عز وجل أن يبين له الحق مما اختلف فيه الناس.
قوله "وأن يجعلك مباركًا أينما كنت"، المبارك هو معلم الناس الخير، ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ﴾، قال سفيان: "معلم الناس الخير".
والبركة هي النفع، وأصلها النفع المعنوي.
قوله: "أن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر". هذا مأخوذ من الحديث النبوي: "عجبًا لأمر المؤمن، فإن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له". فإذا أعطي شكر، فهذا أجر له، كان عبدًا شكورًا.
وإذا ابتلي صبر، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وهذا أيضًا أجر له، والابتلاء كفارة للذنب، فإذا صبر واحتسب زاد ذلك أجرًا.
نبه على هذا المعنى ابن القيم في مدارج السالكين.
فالمطلوب الصبر وهذا واجب.
لأن كثيرا من الناس يبتلى فيجزع فإذا جزع ذهب أجره.
وعدم الصبر عند الابتلاء يتناسب مع الكفر باليوم الاخر وعدم اعتقاد الجزاء، وأما الصبر فهذا من أوصاف أهل الإيمان.
قال وإذا أذنب استغفر، والمطلوب التوبة والاستغفار حسن.
ثم قال: "اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين". الحنيفية هي الاستقامة على التوحيد.
قد يشكل إنسان ويقول: المشركون إذا دعوا الله مخلصين له الدين، وورد في مسلم أن المشرك يطعم بحسناته في الدنيا، والمصنف ذكر في "كشف الشبهات" أنهم كانوا يتعبدون لله.
هو يقصد العبادة النافعة، يريد نفي العبادة النافعة المتحققة الأثر في الآخرة.
يقول: "كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة". وهذا دليل قوله، فالصلاة قد يصلي إنسان صلاة بغير طهور، كما في حديث عذاب القبر لمن كان لا يستبرئ من بوله، فسموها صلاة ولكنها ليست صلاة مترتبة الأثر.
"فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار، عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك". في العادة يعترضون على مثل هذا يقولون: الشرك معروف، الشرك عبادة الأصنام والشرك كذا… فيقال: هذه مصادرة على المطلوب، فإن للشرك أبوابًا كثيرة.
كما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "الربا بضع وسبعون بابًا، والشرك مثل ذلك".
وفي عموم المذاهب ذكروا أموراً سمّوها شركاً وكفراً، وهي في الواقع ليست كذلك.
فأهل الكلام، على سبيل المثال، يسمّون توحيد الأسماء والصفات شركاً، كما سمَّى الرازي كتاب ابن خزيمة “الشرك”.
فكثير من هؤلاء تراه يقول: “هؤلاء يكفرون المسلمين، هؤلاء كذلك”، وهم في عقيدتهم يرون أن ما يعتقده عموم المسلمين شرك—كما نصَّ عليه السنوسي، ونصَّ عليه العز بن عبد السلام والتفتتاني وغيرهم كثيرون—على أن العوام على عقيدة ليست توحيدية، بل على عقيدة شركية.
أما باب المجدِّد فهو شأن آخر، ولكننا نذكر كلام هؤلاء من باب أن نُلزمهم: إنهم إذا شوشوا على المجدِّد بما يوصفونه شركاً، فينبغي أن يشوشوا كذلك على أئمتهم.
وإن قالوا: “أئمتنا عذّروا العوام”، نقول لهم: “رموهم هم أيضاً بالشرك”، وليتهم اكتفوا بالعذر، بل قالوا كلاماً قبيحاً.
هذا الكلام يعني أن الوحي لا فيه علاج للشرك، والناس—بسبب مخالطة الروافض وغير ذلك—صدرت منهم شركيات كثيرة وبلایا جمة.
فالشرك يدخل على الناس ما لم يحذرواْ منه.
ورُوي عن الإمام أحمد—رحمه الله—بل صح أنه قال: “المَرء إذا نفى علمَ الله بالأشياء فهو مشرك”، وسمّى أحمد الجهمية مشركين.
وهذا معناه—وانظر—هؤلاء يتلفظون بالشهادتين، ومع ذلك حكم عليهم بالشرك.