التعليق على القواعد الأربعالقاعدة الرابعة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أَنَّ مُشْرِكِي زَمَانِنَا أَغْلَظُ شِرْكاً مِنَ الأَوَّلِينَ؛ لأَنَّ الأَوَّلِينَ يُشْرِكُونَ فِي الرَّخَاءِ وَيُخْلِصُونَ فِي الشِّدَّةِ، وَمُشْرِكُو زَمَانِنَا شِرْكُهُمْ دَائِمٌ فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ.

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.

وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وهذه القاعدة التي أحفظت كثيرين.
أن مشركي زماننا أغلظ شركًا من الأولين.
كثير من الناس يستغلظ هذه العبارة، وحتى كثير ممن أثنى على جهد الشيخ مثل الفاخوري اللبناني تضايق من هذه العبارة.
كيف تقول إن مشركي زماننا شر من المشركين الأوائل؟

وكان علق عدد منهم على على هذه العبارة واستقبحها، وفي الواقع أن مثل هذه العبارات دارجة في لسان أهل العلم.
كقول ابن المبارك: "إنا نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نحكي كلام الجهمية"، والجهمية يشهدون الشهادتين.
وأيضًا قول ابن خزيمة في منكر الرؤيا: "إن كفره أشد من كفر اليهود والنصارى والمجوس".
وأيضًا قول ابن الحنبلي في "الرسالة الواضحة" إن قول الأشاعرة شر من كفر كفار قريش.
بل أبو عبيدة القاسم بن سلام وصف قول الجهمية في الإيمان بأنه أكفر من إبليس.
وقال أبو حاتم في رجل قال بأن النار والجنة لم يخلقا بعده، قال هذا أكفر من إبليس.
وحتى ابن تيمية تكلم عن بعض كلام الرافضة فقال هذا أكفر من قول اليهود والنصارى.

فمثل هذه العبارات التي أطلقها المجدد لها نظير في كلام كثير من أهل العلم.
ولكن أرجعك إلى الأصل الذي تكلم به هؤلاء، هؤلاء يعتبرون قول الشهادتين مانع.

وفي الحقيقة هم أغلظ من عدة وجوه، وليس من وجه واحد:

  1. الوجه الأول: أن بين أيديهم الوحي.
    ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾.
    فحين يكفر الإنسان وهو قريب من الوحي فهو شر.

  2. الوجه الثاني: أن المشركين الأوائل ما كانوا يعطلون الصفات.
    يقول ابن تيمية إن معطلة الصفات من أعظم الناس شركًا.
    وكثير منهم عطل الصفات ثم صار يدعو غير الله.
    وتجد في السنة لعبد الله يقول: من قال بخلق القرآن فهو كعابد وثن.
    لماذا؟ لأنه يقول بخلق أسماء الله الحسنى، فهو يدعو مخلوق، وعابد الوثن يدعو مخلوق.
    في نونية القحطاني: من قال أن الله خالق قوله … فقد استحل عبادة الأوثان.
    والقحطاني متقدم في ال 300 أظن، وانظر إليهم اليوم، تجد عامة الجهمية قبوريه.

  3. الوجه الثالث: أنهم يزعمون أن شركهم توحيد.
    حتى قال بعضهم قال يا علي هو التوحيد.
    يزعمون أن شركهم توحيد وينسبونه لملة الإسلام، ونسبة الأمر لملة الإسلام أعظم.
    فهذا إلحاد.
    وما ذكره المصنف: قد صوره الصنعاني: "وكم هتفوا عند الشدائد باسمها … كما يهتف المضطر بالواحد الصمد".
    وهذا أمر ظاهر جدًا في أحوالهم أنهم عند الاضطرار يهتفون باسم غير الله ويتركون الله.

فإن قال: الكفار أيضا ورد في التواريخ أنهم عند الشدة هتفوا بأسماء، لو قلنا ورد، فالأغلب من حالهم هذا المذكور في القرآن.
وهذه هذه أمور دعائية، وبعض مخالفي المجدد يقولون في السلفيين كلمات نحوها.
وبعضهم يستثقل الأمر، فيقول: هناك علماء قالوا بالاستغاثة بغير الله، فكيف تقال مثل هذه اللفظة؟ فيقال: وقد قالوا بتعطيل الصفات، الذي قيل فيه ما قيل.
وبعضهم يقول: لا، طيب إن سلمنا لك أنهم مشركون، فيقال: وصف السلف للجهمية بالمشركين لمجرد قولهم بخلق أسماء الله الحسنى، واستدلال أحمد عليهم بآيات دعاء غير الله، هذا يدل على أن السلف يحكمون بشركية المستغيث بغير الله، وكلامهم على حديث أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.
وفي السنة للخلال يقول الإمام أحمد: رجل يقول القرآن مخلوق، ولا يقول بخلق الأسماء ولا أن علم الله مخلوق، هو كافر عندك؟ يقول: هو كافر.
فأحمد كفر من لم يقل بخلق الأسماء الحسنى حتى يدعوها.
فما بالك بهذا الذي قال بخلقها ثم دعاها؟ وأحمد لم يلتفت لكونه يشهد الشهادتين أو لا يشهد الشهادتين أو غير ذلك.

فما قاله المصنف هو الجاري على الأصول، وفي شرح السنة للبربهاري يقول: من ذبح لغير الله وجب عليك تكفيره.
وهذا البربهاري رجل قديم من الحنابلة، وما أحد اعترض على هذه اللفظة.
وهذا ابن فورك الأشعري يقول: أكثر العامة دخل عليهم الشرك.
وحتى تجد في تفسير القرطبي: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} يقول: من استعاذ بغير الله فهو مشرك.

فهذه العبارة للمجدد، سواء كانت صوابًا أو خطأ، ليست هي في أصل البحث.
وهذا استقراء زماني في أهل زمانه.

فصول الكتاب · 8 فصل
جارٍ التحميل