مقدمة الشارح
-
الأمر الأول: في فضل دراسة العقيدة عموماً ومواد توحيد الألوهية خصوصاً.
-
المقدمة الثانية: في فضل مصنفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وجودة طريقتها.
-
الأمر الثالث: في هذه المقدمة، في الإجابة على بعض الموانع والأمور التي زهدت الناس في قراءة مثل هذه المتون ودراستها.
ففي زمني، قبل عشرين عامًا، كانت هناك عناية كبيرة بمتون المجدد رحمه الله.
وأما في زماننا هذا، فيلاحظ أن هذه العناية بدأت تضعف شيئًا فشيئًا.
ولهذا الضعف عدة أسباب، منها المعلن من بعض هاجري هذه المؤلفات تدريسًا وإقراءً، ومنها ما قد يستفاد من بعض ممارساتهم.
وسأحاول أن أجيب على كل ذلك بما ييسر الله تبارك وتعالى به.
المطلب الأول: فضل دراسة العقيدة عموماً ومواد توحيد الألوهية خصوصاً
أما فيما يتعلق مبدئيًا بأهمية دراسة التوحيد والعقيدة، والسبب في أننا نقول مثل هذا الكلام وأهمية دراسة هذه المتون، أنك تجد الكثير من الناس يقول: ما فائدة هذه القراءة؟ وما نفعها للأمة؟ دماء المسلمين تُسفك.
وبعضهم يقول: علينا أن نعنى بمواضيع لها فائدة في التقدم والتطور وبناء الحضارة، في أمر السياسة والاقتصاد والاجتماع، وأن جلوسنا في قراءة وإقراء مثل هذه المتون هو خروج عما ينبغي، وانشغال عن الفاضل بالمفضول.
وهذا الضرب من الناس سيأتي الحديث عليه في الأمر الرابع في المقدمة.
وهناك من طلبة العلم من يزهد في قراءة هذا الأمر، أو بعض العامة ممن يتساءل ما سر العناية بمثل هذه المتون.
فأولًا يقال، وهناك أمور طال الأمد بكثير من طلبة العلم كانوا يعرفونها ثم طال عليهم الأمد حتى نسوها.
ومن الناس من يعرف فضل التوحيد عمومًا ولكن هذا الفضل يكون راكدًا في قلبه لطول الأمد وطول الزمان عليه فيحتاج إلى تذكرة.
فأولًا في فضل تعلم العلم عمومًا، وفي فضل تعلم الاعتقاد ومسائل توحيد الألوهية خصوصًا، الحديث العظيم حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح، حين سُئل النبي ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله". قيل ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيله". قالوا ثم أي؟ قال: "حج مبرور".
و**"إيمان بالله"** المراد به الإيمان بالغيب وما نسميه بمسائل الاعتقاد، وليس المقصود مطلق الإيمان، لأن النبي ﷺ جعل الإيمان هنا قسيمًا لأعمال هي من الإيمان وهي الجهاد والحج، فعلم أنه أراد معنى خاصًا.
كالوارد في الآية في قول الله عز وجل: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، فقدم الإيمان بالغيب ثم إقامة الصلاة.
وهذا أمر مشاهد في الواقع.
وأيضًا في حديث أبي ذر عطفهما النبي ﷺ، قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله". وهذا العطف يقتضي نوع مغايرة في الحقيقة والواقع مع وجود تقاطع بينهما، فإن الإيمان في نفسه درجات ومراتب وليس مرتبة واحدة.
الإيمان الغيبي ليس مرتبة واحدة، كما يقال عالم وعابد.
وسبحان الله، العابد لا تقبل عبادته إلا إذا كان على علم فيؤديها بشكل صحيح، ولكن علمه ليس كعلم العالم، فالعالم يحسن عبادته وعبادة غيره حين يسأله عنها، ويحسن المعاملات، ويعرف متى فسدت العبادة ومتى لم تفسد، ويعرف الرخص ويعرف اختلاف صفات العبادة.
أما العابد فيحتاج أن يعرف صفة واحدة ثم يداوم عليها.
فكذلك في أمر قوله ﷺ "إيمان بالله"، فإن الحقائق الإيمانية التي ندرسها في باب الاعتقاد واسعة ولا يدركها عموم أهل الإسلام.
فإن كثير من المسلمين يدركون المجملات.
فالنبي ﷺ لما سئل عن الإيمان في حديث جبريل قال: "الإيمان بالله…"، عموم المسلمين يعرفون الإيمان بالله إجمالًا، ويعرفون الإيمان بأسمائه وصفاته إجمالًا، غير أن أهل العلم يعرفون تفاصيل خاصة، أن هذا من أسماء الله الحسنى، وهذا ليس من أسمائه، وهذه صفة له، ويعرفون ابتداع من ابتدع فنقص إيمانه أو انتقض في هذا الباب، والجواب عليه والرد عليه.
كذلك الإيمان بالملائكة، عموم الناس يعرفون الإيمان المجمل، وأما أهل العلم فيعرفون إيمانًا تفصيليًا في الملائكة ووظيفة كل واحد منهم وتفاصيل الأخبار الواردة في السنن وفي الصحاح.
وما زال أهل العلم يلاحظون هذا المعنى.
ومن دقيق علم الإمام البخاري رحمه الله، أن هناك حديثًا في صحيحه ذكره مرتين وبوب عليه تبويبًا قريبًا، وهو حديث أن الرجل إذا وضعت جنازته ورفعه الناس، فإذا كانت غير صالحة قالت: "أين تذهبون بي؟"، وإن كانت صالحة تقول: "قدموني".
هذا الحديث أورده البخاري مرتين في كتاب الجنائز من الصحيح وبوب عليه تبويبات متقاربة، فيظهر هنا أن هناك تكرارًا في كلام الإمام البخاري رحمه الله.
ولكن للبخاري تصرف وذكاء لم يفهمه أكثر الشراح.
في المرة الأولى أورده مع فائدته العملية، ففي المرة الأولى أورده مع باب الإسراع بالجنازة، فأنت تستفيد من معرفتك أن الميت حين يقول "قدموني قدموني" أن تسرع بجنازته، وإن كان شرًا أن تضعه من على عاتقك.
وفي المرة الثانية أورده أين؟ أورده مع أبواب عذاب القبر ونعيم القبر لبيان فائدته العقدية، أنه يقول "إلى أين تذهبون بي؟" إشارة إلى عذاب القبر، وأما الصالحة تقول "قدموني قدموني" إشارة إلى نعيم القبر.
فموضوع الإيمان بالله تبارك وتعالى، هذا أمره عظيم، وأعظم ذلك ما حقق التوحيد وأبعد عن الشرك.
وانظر كيف أنه جعله أجل من الجهاد، وجعل الجهاد في سبيله أجل من الحج.
وهذا باعتبار تكفير الذنوب أو باعتبارات أخرى، أو بأن الجهاد ينشر به الدين، والله أعلم.
والجهاد فيه مغفرة في حق الشهداء، أليس كذلك؟ فيه مغفرة عظيمة في حق الشهداء، فالشهيد يغفر له مع أول دفعة من دمه، ويؤمن فتّان القبر، ويشفع في سبعين من أهله، وله من الفضل العظيم.
فعلم أن من دعا للإيمان الصحيح والعقيدة الصحيحة أجره أعظم، ومن جمع بين الأمرين، فهذا أمره عظيم.
وفي الحج يعود الإنسان كيوم ولدته أمه إذا حج حجًا مبرورًا.
فعلم أن العقيدة والإيمان الصحيح والتوحيد فيه من تكفير الذنوب ما لا يوجد في الجهاد والحج على عظمتهما.
ويدل على ذلك عدة أخبار في السنة.
فمن ذلك قول أبي هريرة للنبي ﷺ: "من أحق الناس بشفاعتك يا رسول الله؟" فقال النبي ﷺ: "من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه". فكل المسلمين يقولون لا إله إلا الله، لا، هو تحدث عن نوع خاص من المسلمين، ممن يكون إيمانه بهذا التوحيد عظيمًا، يدعو له، يخشى من مكدراته، يخشى من قوله "لو كان كذا لكان كذا"، يخشى من قوله "ما شاء الله وشئت"، يخشى من الحلف بغير الله، يتحرى كل ذلك.
يدل عليه أيضًا حديث: "سبقك بها عكاشة"، فذكر السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
وهؤلاء أمرهم عظيم كما تلاحظ، أنهم أعظم الناس إذا المغفرة في حقهم وقعت جليلة.
فما الذي ذكر من حالهم؟ هل ذكر كثرة صلاة؟ هل ذكر كثرة زكاة؟ هل ذكر جهاد؟ لا، ذكر قوة توحيد وقوة تحرٍ وخوف مما يكدر التوحيد، فذكر أنهم لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون. فذكر أن توكلهم كان عظيمًا.
وهذا يبين لك أن الحديث المروي: "يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة". "لا تشرك بي شيئًا" هذا حال عموم أهل الإسلام، لكن لو كان الإنسان أيضًا يُحذر الناس من الشرك، ويحذر الناس من الشرك صغيره وكبيره، ويكثر من الدعوة للتوحيد، ويؤذى في ذلك، ألن يكون ذلك أدعى في زيادة مغفرته؟ أليس كذلك؟ وهذه بشرى وفضيلة لكل من عني بالتوحيد، وعني بتدريسه، وعني بالانتصار له ولأهله، ووالى وعادى عليه، أنه ينتظره من المغفرة.
وأيضًا في حديث النبي ﷺ في الجنائز قال: "من صلى عليه أربعون لا يشركون بالله شيئًا". فهذا معناه أن كل ما كان الإنسان أبعد - "لا يشركون بالله شيئًا" يعني الشرك الأكبر - ولكن كلما كان الواحد منهم أكثر خوفًا وتحريًا من الشرك الأصغر، فإن شفاعته في الناس ستكون أقوى، أليس كذلك؟ لأن مراتب تحقيق التوحيد متفاوتة والناس متفاوتون في تحقيقه.
فهذا بعض ما يدل على أهمية دراسة مثل هذه الأبواب، لأن بها يتحقق الأمر.
فأنت لو قرأت الخبر المروي عن النبي ﷺ أنه "ويل للأعقاب من النار" أو خبر التنزه من البول هذا تكون فيه فضيلة دراسة الطهارة ومعرفة النجاسات إلخ، فكذلك في باب التوحيد، ولهذا قال مجاهد أفضل العبادة الرأي الحسن.
أي الاعتقاد الصحيح، ولو لم يكن في فضل التوحيد إلا أنه يعفيك أنك تعرف الشرك الذي يحبط أعمالك.
حذيفة رضي الله عنه وأرضاه ماذا كان يقول؟ كان يقول: "كان الناس يسألون عن الخير، وأنا أسأل عن الشر مخافة أن يدركني".
هذه متون العقيدة مبنية على هذا الأساس، أن يأتيك بالشر المنتشر بين الناس ويحذرك منه ويركز عليه.
وإلا فكل علم موجود في القرآن وموجود في السنة، لكن ما وظيفة أهل العلم؟ أنهم يأخذون من القرآن والسنة ما يعالج إشكاليات ويضعونه في مصنفات مفردة.
بعض الناس يقول: "والله أنتم تركتم القرآن والسنة وتقرؤون هذا الكلام للمشايخ".
طيب ما هو هذا لو تأملته هو مادته في القرآن والسنة.
هذا كالمريض يأتي الطبيب فيرى في بدنه شيئًا من النقص، فيركزه له في دواء، أو يعطيه جرعة من الدواء تعالج شيئًا في بدنه.
كثير من المنفعة الموجودة في هذا الدواء المركب هو موجود في طعام وشراب يأكله، لكن المطلوب أن يعطى جرعة مركزة حتى يشفى بشكل سريع.
هذا كل ما في الموضوع.
المطلب الثاني: خصائص مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
مؤلفات المجدد من يراها من بعض طلبة العلم قد يراها فيستصغرها حجمًا، وصغر الحجم لا يدل على قلة علم، بل ربما يدل على سعة العلم والمعرفة.
فمؤلفات علماء أهل السنة في العقيدة كانوا يحرصون على أن تكون مختصرة.
فالرازي لما كتب عقيدة، كتب عقيدة في ورقة.
الحميدي لما كتب عقيدة، كتب عقيدة في ورقة موجودة في آخر مسنده.
ابن المديني، أحمد بن حنبل، فالعلماء من حذقهم وفطنتهم أن المطالب المهمة جدًا يأخذونها ويضعونها في متون مختصرة حتى ينتفع بها عموم الناس.
ولعلهم استرشدوا في ذلك بطريقة القرآن، فإن أجل القرآن ما هو أخصره؛ سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، أعظم آية في القرآن آية الكرسي، سورة الفاتحة عظمتها معروفة.
ولهذا المفصل على أهميته وعظمته، سوره قصيرة وسمي المفصل لكثرة الفواصل فيه.
وفيه من الفضل الشيء العظيم.
بل عامة قراءة النبي ﷺ في الصلوات من المفصل حين يصلي بالناس، وهذا يدلك أيضا على أهمية تكرار هذه المواد لأنها الأسس التي يبنى عليها كل شيء.
فالمجدد رحمه الله كانت مؤلفاته أنفع من مؤلفات كثير ممن عاصره وكثير ممن قبله، لماذا؟ لأنه كان يصنف لأقوام من العوام ومن الأعراب ومن صغار الطلبة، ويقرب لهم المادة العلمية تقريبًا عظيمًا مع الدليل الشرعي وبضرب المثل وغير ذلك، وهذا من عظيم الحذق.
فإن كثيرا من أعلام السلف الكبار له بين أيدينا آثار تكون مختصرة لكن فيها علم عظيم.
وهذا الذي جعل أثر دعوته عظيمًا رحمه الله تعالى.
ويكفيك في الشهادة لفضل دعوته ما قاله أحمد زيني دحلان، وهو عدو للدعوة، أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب غر الناس بأنه نهاهم عن الشرك ونهاهم عن اللواط والزنا وقطع الطريق… فذكر آثارًا عظيمة طيبة جيدة، فهذا يدلك على هذا الفهم وهذه الفطنة.
فطريقة الإمام المجدد في الاختصار والتصنيف المختصر الدقيق الجليل حقيقة طريقة نافعة، وأن ينشأ عليها طالب العلم في بداياته هذا أمر حسن.
فإن طالب العلم في بداياته يحتاج إلى أمور تؤسسه وتكون نقية صافية وتكون أيضًا تشعره بالإنجاز.
فإن الكثير من طلبة العلم إذا بدأت معه بمتون طويلة جدًا، فإن ذلك يجعله ضجرًا ولا يكاد يصبر، وربما استطال طريق العلم.
ولكنك إن مشيت بطريقين متوازيين، طريق تفصل فيه لطلبة العلم مادتهم العلمية.
وطريق آخر تمر به مرورا فإن ذلك حسن.
وحقيقة من أعظم ما جعل الدعوة مؤثرة نشأة الناس على مؤلفات الرجل، فإن الرجل طريقته تقريب العلوم، مما يشرح صدور العامة بأن يفهموا ما يريد، فكل من تأثر بطريقته صار مؤثرا، بخلاف الذي يشتغل بكتب الادب أو كتب الكلام أو الفلسفة أو ببعض كتب علوم الالة التي تخرج إنسانا إن سمعه الناس شعروا بتشدقه إلى حد ما فلا يرتاحون، بعضهم يسمع ويقول والله هذه أظنه شيخا جليلا ما شاء الله ولكن في النهاية لا يخرج منه بفائدة.
المطلب الثالث: الإجابة على الموانع التي تزهد الناس في قراءة هذه المتون
أما ما يتعلق بالمطلب الثالث، وهو ما جعل كثيرًا من الناس ينفر من كتب المجدد رحمه الله، فهي عدة أسباب جمعتها مما سمعته في السنوات الماضية:
-
بعضهم يقول إن هذه المصنفات لم تصنف لتشرح. وفي الواقع أن هذا تعليل عجيب، فلا "اللمعة" شُرحت قديمًا، ولا "الواسطية" شُرحت قديمًا، ولا "الحموية" شُرحت قديمًا، ولا "التدمرية" شُرحت قديمًا.
ومصنفات المجدد قد شُرحت في زمن قريب من زمنه، فمثلًا "فتح المجيد" و"تيسير العزيز الحميد" كتبهما أحفاده.
أيضًا هناك الشيخ عبد الهادي العجيلي له شرح على "ثلاثة الأصول"، والرجل عهده قريب جدًا من عهد المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
فكثير جدًا من المتون التي تشرح اليوم ما لها شروح قديمة. -
زهد بعض طلبة العلم بهذه المؤلفات لأنها مختصرة، ويرون أن العلم في الكتب المطولة. وبعضهم يرى أن العلم إنما يكون في القضايا الشائكة الدقيقة، كالحديث عن طفرة النظام وكسب الأشعري والجوهر الفرد الذي لا يدوم زمانين وتسلسل الحوادث والحقيقة والمجاز وغير ذلك.
والمشاهد أن بعض طلبة العلم فيما نراه اليوم أنه يدخل في أبحاث دقيقة، ثم إن خاطبته بالأبحاث الواضحة الجليلة ما أحسنها.
وهذا ليس طريق الربانيين: "ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون"، قالوا: يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره.
فطالب العلم يطلب العلم للأجر، لا يطلبه للمفاخرة.
فمن طلبه للمفاخرة حفظ المعضلات وحفظ الأغلوطات - وقد نهى النبي ﷺ عن الأغلوطات - وحفظ مواطن الإشكال، وأكثر بها وتمطق بها وتشدق بها في كل محل.
فطالب العلم لا يغرق في النخبوية حتى يترك مبادئ العلوم ومهماتها، وأيضًا في الوقت نفسه لا يغرق في مخاطبة العوام أو في رد الشبهات أو في القضايا الفكرية حتى يترك أسس العلم، أو حتى يترك دقيق العلم ومشكله. -
الحديث عن كون هذه المؤلفات لا تهم القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فكثير منهم خاض في القضايا الفكرية، ومنهم من اشتغل في رد الإلحاد أو في رد التنصير أو في رد كذا.
فيقال: كل من رد على مبطل خارج عن ملة الإسلام أو سعى بخير المسلمين فجزاه الله خيرًا على ما أراده.
ولكن من الغلط أن تحصر المشكلات في المشكلات التي أنت تحسن معالجتها.
فيقول لك اليوم يوجد تنصير، فنقول حقًا يوجد تنصير، أنت على ثغرك.
ويوجد دعوة للإلحاد، يوجد دعوة للإلحاد، تفضل أنت على ثغرك.
ولكن أيضًا يوجد كثير جدًا من المنتسبين لملة الإسلام ممن يقعون في القبوريات والشركيات التي بينها الشيخ، ويوجد مؤسسات كبرى تدعم هذا.
ولا مزاحمة، وفي النهاية هذه الأمور دنيا وفائدة هذه الدنيا أن تكون مسخرة للدعوة بالتوحيد. -
الخوف مما في مصنفات المجدد من إطلاقات التكفير وأنها زعموا بلا ضوابط.
وصاروا يحاققونها محاققة لو حاققوها لعموم أهل العلم في عموم المذاهب لوجدوا لأسقطوهم جميعًا، وما بقي أحد في مذهب إلا واتهم بالغلو في التكفير.
وهؤلاء أنواع وليسوا واحدًا، ولكن غالبهم يعود أمره إلى عدة أصول:-
الأصل الأول: اعتبار التلفظ بالشهادتين مانعًا من التكفير. فتراه يدور ويدور ويدور ليقول لك: لا تكفر متلفظًا بالشهادتين.
والنقض عليه بأن يقال إن كتب الردة في المذاهب الأربعة كلها بنيت على التنبيه على مكفرات المتلفظين بالشهادتين.
فلو قيل لك من قذف عائشة كفر، هم لا يقصدون اليهودي أو النصراني، فإن هؤلاء لا يحتاجون إلى أن نتحدث عن تكفيرهم.
فكل ألفاظ التكفير الموجودة في الكتب المذهبية، ومن أوسع الناس في هذا الأمر الحنفية باتفاق الجميع، إنما هي في حق من كان متلفظًا بالشهادتين.
وفي عدد من الكتب المذهبية المتأخرة تكفير لأهل السنة والجماعة.
كما تجد في عدد من مؤلفات الشافعية، نقلًا عن القاضي حسين، تكفير من يقول بالجلوس.
وهذه أقولها للسلفيين من دعاة المذهبية: تكفير من يقول بالجلوس، والجلوس فيه أحاديث وأخبار، والجلوس من معاني الاستواء في القرآن "لتستووا على ظهورها".
وسواء صححتها أم لم تصححها كيف تكفر القائل بها؟ والجلوس كما يليق بجلاله من معاني الاستواء عند عموم أهل العلم.
فانظر إلى هذا الغلو الذي ما بلغ أئمة الدعوة النجدية مده ولا نصيفه.
أيضًا ما وجد في بعض كتب الحنفية عند بعض فقهائهم - ولكنهم فقهاء معتبرون - من التكفير أو التبديع بقولك "أنا مؤمن إن شاء الله".
والاستثناء في الإيمان وقول "إن شاء الله" هو مذهب أحمد والشافعي ومالك.
بل يقول يحيى القطان: "أدركت أهل العلم كلهم على الاستثناء في الإيمان".
وهذا يبين لك أن القطان لم يكن حنفيًا.
والذي نقل هذا عن ابن القطان هو أحمد بن حنبل في مسائل عبدالله.
فهذا تكفير لعموم أهل الحديث وعموم أهل العلم، وهذا موجود في كتب مذهبية.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إلى غير ذلك، سبحان الله، بل بعضهم يكفر بالقول برؤية الله عز وجل في المنام.
فتجد النووي، مثلًا، وقبله وبعده ابن تيمية، وقبله ينقلون الإجماع على أن الله يرى في المنام.
وهكذا عموم معبري الرؤى، وتجد ابن نجيم الحنفي في "بحره الرائق" يقول: "من قال إن الله يرى في المنام فهو كافر".
فيا إخواني الكرام، لو أردنا أن نقيم دعوى في التنفير من التكفير على عموم هذه لوجدنا شيئًا عظيمًا حقيقة، ولوجدنا في كل الكتب المذهبية، حتى كتب الحنابلة، فيها تكفير من يقول بخلق القرآن اللفظي، وهذا هو قول الماتريدية والأشاعرة، هذا قبل المجدد وبعد المجدد.
وغير ذلك، ولا يمكنك إلا أن تعترف بوجود تكفير أنت لا ترتضيه في مصنفات عموم أهل العلم وعموم المذاهب.
فإن أردت أن تنفر من كتاب معين أن يُدرس أو يتدارس بحجة أن فيه تكفيرًا لا ترتضيه ولا يعجبك، فاهجر العلم من أساسه، واتركه كله، واحرق عامة تراث الأمة، واترك شيئًا قليلاً. -
الأصل الثاني: هو أصل عاطفي. بمعنى أنه يخاف أن يكفر فلانًا أو فلانًا، وأننا إن كفرنا فإنه سيكفر أناسًا وكذا.
وهذه دعوة المجدد بسببها دخل كثير من الناس في التوحيد، ولم يكن قبله يوجد هذا العدد من الموحدين في أمة محمد ﷺ باتفاقنا وبالعكس.
وهذه الحجج عاطفية ليست علمية.
بمعنى، نحن لو حكمنا على إنسان بأنه فاعل كفر أو شرك، واليوم ما أكثر الذين لا يصلون وما أكثر الذين يسبون الله ويسبون الدين وكذا وكذا، فيا إخواننا، هذا الخطاب يقتضي الحرقة في دعوة الناس، واليوم ظهر في بلداننا ملاحدة صرحاء، وما نستطيع أن نقيم عليهم حد الرد.
وهؤلاء الرافضة، لو نظرنا في كتب المذاهب، لوجدنا عموم كتب المذاهب تكفرهم.
ولهذا يجب قتالهم، وهذا يشمل الإسماعيلية والنصيرية والدروز وكذا وكذا.
فإذا كنت تخاف من التكفير نتيجة نزاع أو صراع، فليس لك أن تترك تكفيرًا اتفقت عليه المذاهب عن بكرة أبيها.
وهذا المجدد في وقته أقام دعوة وحصل ما حصل.
ومن قبله، حتى ابن تيمية دعا إلى نحو ما دعا إليه.
ودعا وملأوا الدنيا، وسبحان الله، دول كثيرة قامت على هذه الاعتبارات.
وهؤلاء الأباضية يعتقدون كفر كل خصومهم، ومثلهم الزيدية يعتقدون اعتقادات عظيمة في المخالفين، وقامت لهم دول وأقاموا وصنعوا وفعلوا، فلا تتملقوا لهم.
فدع عنك هذا الكلام.
التعاون السياسي شيء، والمبحث العقائدي شيء آخر.
فهؤلاء أمرهم عائد إلى هذين الأصلين الكبيرين.
وكثير منهم عندهم مشكلة نفسية مع الدعوة، أو مشكلة نفسية مع السلفيين، أو مشكلة نفسية مع أهل نجد على سبيل المثال، أو مع أهل الخليج أو غير ذلك.
فهؤلاء مشكلتهم مشكلة، وتأتيهم بنصوص عن بقية العلماء وتخبرهم أن محمد بن عبد الوهاب ليس منفردًا وأن عليك أن تقبل الحجة سواء قالها محمد بن عبد الوهاب أو لم يقلها.
-
والآن نبدأ بقراءة الكتاب.