لباب العاشر: في البشائر الإلهيّة بالعزّة المحمّديّة في البشائر الإلهية بالعزّة المحمّدية: وتشتمل على قسمين: نذكر في القسم الأوّل: ما نصت عليه الأنبياء من لدن إبراهيم إلى المسيح - عليهم السلام - مما يشهد بنبوة محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحقّق رسالته وأنه عليه السلام أفضل النّبيّين والمرسلين. فلو لم يبعث محمّد صلى الله عليه وسلم لاختلفت أقوال الأنبياء ورُدَّت شهاداتهم وعكَّر ذلك على نبواتهم بالإبطال. وقد بالغوا - عليهم السلام - في التنصيص على اسمه ونعته وحليته وذكر أرضه وبلده وجميل سيرته وصلاح أمته / (2/99/ب) وسعادة ملته وأنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن. وأن دعوته تدوم إلى قيام القيامة. والقسم الثاني: ر فيه ما جاء من الآيات البيّنات والخوارق الباهرات مما تضمّنه الكتاب العزيز واشتملت عليه السنة الطاهرة فأوجب الله به الحجة وأنار المحجة وأقام منار الأبرار ومحى بذلك آثار الكفار. ولتقع البداءة بما في التوراة من ذلك.1
- البشرى الأولى: قالت التوراة في الفصل العاشر من السفر الأوّل منها: "إن الله تعالى قال لإبراهيم: إن في هذا العام يولد لك ولد اسمه إسحاق.
فقال إبراهيم: ليت2
إسماعيل هذا يحيى بين يديك يمجدك.
فقال الله تعالى: قد استجبت لك في إسماعيل وإني أباركه وأُيَمِّنه وأعظمه جدّاً جِدّاً بما قد استجبت فيه وأُصيِّره لأمة كبيرة وأعطيه شعباً جليلاً وسيلد اثني عشر عظيماً"1.
قلت: قد علم الموالف والمخالف والموافق والمفارق أنه لم يكن في ذرية إسماعيل مَنْ ظهرت بركته / (2/100/أ) ونمت أمته وأعطي الشعب الجليل سوى محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلقد ملئوا الأرض برحبها2وطبقوا من شرق الدنيا إلى غربها.
ودوخوا الآفاق وأربوا في العدد على أولاد إسحاق.
وهم - والحمد لله - لا يزدادون على مرّ الأيام إلاّ نماءً وكثرةً.
وهذا بالغ في شرف إسماعيل إذ فخر الولد يكسب الوالد فخراً ويرفعه دنيا وأخرى.
وناهيك بمن يصفه الله بالعظم والبركة واليمن والجلاله وبأقل من هذه الوعود يثبت الفضل على سائر المخلوقات؛ إذ اليسير من الله عظيم والعظيم منه فلا شيء أعظم منه.
- البشرى الثّانية: قالت التوراة في الفصل التّاسع من السفر الأوّل: "إن الملك ظهر لهاجر وقد فارقت ساره.
فقال يا هاجر مِن أين أقبلت؟ وإلى أين تريدين؟ فلما شرحت له الحال قال: ارجعي فإني سأكثر ذريّتك وزرعك حتى لا يحصون وها أنت تحبلين وتلدين ابناً تسمينه إسماعيل، لأن الله قد سمع تذللك1وخضوعك. / (2/100/ب) وولدك يكون وحشي الناس.2
وتكون يده فوق الجميع ويد الكل به.
ويكون مسكنه على تخوم جميع إخوته"3.
فهذه بشارة شافه الله تعالى بها هاجر على لسان ملكه وأخبرها أنه جاعل يد ابنها العليا ويد من سواه السفلى.
ولم تتم هذه البشرى إلاّ بمبعث محمّد صلى الله عليه وسلم.
- البشرى الثّالثة1: قالت التوراة في الفصل الثالث عشر من السفر الأوّل أيضاً: "قال الله لإبراهيم: إني جاعل ابنك إسماعيل لأمة عظيمة لأنه من زرعك"2.
- البشرى الرّابعة: قالت التوراة في الفصل العشرين من السفر الخامس: "قال موسى: أقبل الله من سينا.3وتجلى من ساعير.
وظهر من جبال فاران.
معه ربوات الأطهار عن يمينه"4.
فسيناء1الجبل الذي كلم الله فيه موسى.
وساعير2هو جبل الخليل بالشام.
وكان المسيح يتعبد فيه ويناجي ربّه.
وفاران3جبل بني هاشم الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحنث فيه ويتعبد.4
وقد خصت التوراة محمّد صلى الله عليه وسلم / (2/101/أ) بزيادة على موسى وعيسى، فقالت: "معه ربوات الأطهار عن يمينه".
وذلك كناية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني بالربوات: الجماعات من الأكابر والمعظمين في الدين على مذهب تسمية العظيم القدر "رباً".
فجمعوا الرّبّ ربوات ولم يقولوا (أرباباً) لفساد التعبير وسوء الترجمة.
كما قال فولس مفسرهم: "إن جبل فاران متّصل ببلاد أرابيا"5.
يريد بلاد العرب.
ويحتمل أن يكون أراد بالربوات جماعة الملائكة وهو الأقرب.
لأن الربوات الجماعات واحدها: ربوة.
قال داود في المزمور الثالث: "الرّبّ ناصري لا أخاف من ربوات الشعوب المحيطين بِيَ"1.
فيكون ذلك كناية عن تأييد الله نبيّه محمّد صلى الله عليه وسلم وبالملائكة في حروبه وغزواته وترددهم إليه بالوحي والتَّنْزِيل.
وفي التوراة: "إن إسماعيل سكن برية فاران ونشأ بها وتعلم الرمي"2.
وذلك كلّه بمكة وإذا كان ذلك كذلك، فلم يأت من جبال فاران من دعا إلى الله وأظهر أحكامه ونشر أعلامه وشرع الدين القويم ونهج للأمم الطريق / (2/101/ب) المستقيم ومهد الحاج وعمّر الأندية وعمر رؤس الجبال وبطون الأودية بالتلبية سوى محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- البشرى الخامسة: قالت التوراة في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: "يا موسى إني سأقيم لبني إسرائيل نبيّا من إخوتهم.
مثلك.
أجعل كلامي في فيه.
ويقول لهم ما آمره به.
والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه"3.
قلت: هذه آثار النقمة على من فارقه لائحة وآثار النعمة على من وافقه واضحة. واعلم أن إخوة بني إسرائيل هم ولد إسماعيل ولا يجوز أن يكون هذا النبيّ المذكور من بني إسرائيل ألبتة لأن الله تعالى يقول لموسى: "نبي مثلك". ولم يبعث من بني إسرائيل نبي مثل موسى جاء بكتاب منَزَّل وشرع مبتدأ.1
فوجب أن يكون من ولد إسماعيل ولم يقم من ولد إسماعيل من يمكن تنْزِيل هذا الوعد الحقّ عليه سوى2رسول الله.
فلو لم يبعث محمّد صلى الله عليه وسلم لأخلفته أقوال التوراة - وخبر الله تعالى محاشا عن الخلف بل قوله الحقّ ووعده الصدق سبحانه وتعالى... / (2/102/أ).
- البشرى السّادسة: قالت التوراة في هذا السفر: "قال موسى لبني إسرائيل: لا تطيعوا العرافين ولا المنجّمين.
فسيقيم لكم الرّبّ نبيّاً من أخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي"3.
فإن قيل: فلعلّ هذا الموعود به بنو إسرائيل هو هارون أخو موسى ووزيره.
أو يوشع خادمه ومشيره.
قلنا: التوراة تأبى ذلك.
إذ قد أخبرت أن هارون توفي في حياة موسى وعاش موسى بعده.
وأما يوشع بن نون فهو من بني إسرائيل والله تعالى يقول: "من إخوتهم".
ولم يقل من أنفسهم.
والتوراة أيضاً قد1سدت هذا الباب فقالت في آخر ورقة فيها من السفر الخامس: "ومات موسى فكان بنو إسرائيل يسمعون من يوشع ويطيعونه ولم يقع من بني إسرائيل بعد موسى مثل موسى الذي عرف الله وجهاً قِبَل وجه وصنع الآيات والعجائب"2. ثم هارون ويوشع قد كانا أقيما للنبوة قبل صدور هذا الخطاب من الله. ولا يصحّ أن يُنَزَّل على المسيح بإجماع الأمم. أما اليهود فهو عندهم كذَّاب أشِر. وأنه ما أحيا ميتاً قط ولا أبرأ أبرص. وأما / (2/102/ب) النصارى فهم يزعمون أنه الرّبّ الذي بعث الأنبياء وأرسل الرسل وأنه الذي خلق الخلق وأتقن العالم. فإن رجعوا القهقري وقالوا: إن المسيح مثل موسى فقد تناقض قولهم وخبطوا عشوى. وأما المسلمون فالمسيح عندهم نبي كريم غير أنه من بني إسرائيل والله تعالى يقول: "من إخوتهم" ولم يقل من أنفسهم. فبطل أن يكون المسيح أو غيره وتعيّن أن يكون محمّد صلى الله عليه وسلم ضرورة الوفاء بقول الله تعالى.3
- البشرى السّابعة: قالت التوراة: "لما حضرت إسرائيل الوفاة وهو بمصر عند يوسف دعا أولاده فحضروا بين يديه فباركهم واحداً واحِداً ودعا لهم ولما انتهت النوبة إلى ابنه
يهوذا قال فيه: لا يعدم سبط يهوذا [مَلِكاً مُسلَّطاً] 1 وأفخاذه [نبيّاً مرسلاً] 2 حتى يأتي الذي لهالكل"3.
وإنما عنى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت ذلك فيما تقدم فهذه.
سبع بشائر من التوراة باقية خالدة قد صانها الله عن التحريف وحماها عن التغيير والتصحيف ولو غسل / (2/203/أ) الخاطر4من وضر الهموم وإنجاب عن القلب غيوم الغموم حتى تطهر النفس ويضيء الحسّ ويصفوا دهن الذهن لتوسعت في استخراج جميع ما في التوراة من أعلام نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم وفي هذا القدر بلاغ وكفاية.
- البشرى الثّامنة: من مزامير داود في مزمور له: "سبحوا الله تسبيحاً جديداً، وليفرح بالخالق من اصطفى الله له أمته وأعطاه5النصر وسدد الصالحين منهم بالكرامة.
يسبحونه على مضاجعهم، ويكبرون الله بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذوات شفرتين لينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه"6.
وقوله: "يكبرون الله بأصوات مرتفعة" إشارة إلى ما يفعله الحجيج من التلبية وهذه كلها صفات النبيّ محمّد وأمته.1
- البشرى التّاسعة: قال داود النبي عليه السلام: "من أجل هذه بارك الله عليك إلى الأبد.
فتقلد أيّها الجبار السيف لأن البهاء لوجهك والحمد الغالب عليك، اركب كلمة الحقّ وسمت التأله.
فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك / (2/103/ب) وسهامك مسنونة والأمم يخرون تحتك"2.
ليس متقلد السيف من الأنبياء بعد داود سوى نبيّنا عليه السلام وهو الذي خَرَّت الأمم تحته وقرنت3شرائعه بالهيبة.
فإما القبول وإما الجزية وإما السيف.
وتصديقه قوله صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالرعب"4.
فإن قالوا: سماه المزمور جباراً.
قلنا: لا يمتنع أن يكون النبيّ جباراً على الكافرين رحيماً بالمؤمنين.
كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةً عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الكَافِرِين﴾.
[سورة المائدة، الآية: 54].
وقد شهد
المزمور له بالنبوة صريحاً إذ أخبر أن له ناموساً وشرائع كنواميس الأنبياء وشرائعهم. وقال: إن دينه يظهر على كلّ دين فلم يُخْرم ما أخبر به. - البشرى العاشرة: قال داود في مزمور له: "إن ربّنا عظيم محمود جدّاً، وفي قرية إلهنا قدوس، ومحمّد قد عَمَّ الأرض كلها فرحاً"1. فقد نصّ داود على اسم محمّد وبلده وسماه قرية الله تعالى. وأخبر أن كلمته تعُم أهل الأرض.2
- البشرى الحادية عشرة: قال داود في مزمور له: "إن الله أظهر من صهيون / (2/104/أ) إكليلاً محموداً"3.
فهذا داود قد أكثر في مزاميره من ذكر سيدنا محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو محمود وأحمد والمحمود.
ووصف داود له بأنه (إكليل) 4 يشير إلى أنه رئيس الأنبياء عليهم السلام.
إذ الإكليل هو الذي يجعل على الرأس.
- البشرى الثّانية عشرة: قال داود في مزمور: "لترتاح البوادي وقراها.
ولتصر أرض قيدار مروجاً.
ولتسبح سكان الكهوف.
ويهتفوا من قلل الجبال بحمد الرّبّ ويذيعوا تسابيحه في الجزائر"1.
فليت شعري لمن البوادي من الأمم سوى أمة محمّد؟ ! ومن قيدار2سوى ابن إسماعيل جدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!.
ومَنْ سكن الكهوف وقلل الجبال سوى العرب؟!.
- البشرى الثّالثة عشرة: في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال داود في مزمور له: "ويجوز من البحر إلى البحر ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض.
تخر أهل الجزائر بين يديه.
وتلحس أعداؤه التراب وتسجد له ملوك الفرس.
وتدين له الأمم بالطاعة / (2/104/ب) والانقياد.
ويخلص المضطر البائس ممن هو أقوى منه.
وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له.
ويرأف بالمساكين والضعفاء ويُصلَّى عليه ويبارك في كلّ حين"3.
وهذه صفات محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد جرت الملوك بين يدي أصحابه، وأسروا ملوك الفرس والروم، ودانت له ولأمته الأمم ولحسوا التراب وصُلِّي عليه على توالي الأيام.1
- البشرى الرّابعة عشرة: قال داود في مزمور تنبأ به على نبيّنا عليه السلام: "دامت شكايتي، ونزلت في مساكن قيدان.
وكثيراً ثوت نفسي مع الذين يغضون السلم، وبالسلم كنت أتكلم فيهم وهم كانوا يحاربونني"2.
فهذا تنويه بأن الساكن (ماسكن قيدار) هو رسول الله.
وإلاّ فمتى فارق داود البيت المقدس ونزل بمكة في منازل قيدار ابن إسماعيل؟!.
- البشرى الخامسة عشرة: قال داود في مزموره تنبأ به على كثرة أمة محمّد صلى الله عليه وسلم ودوام شرعه إلى الأبد / (2/205/أ) ووجوب النبوة له قبل خلق العالم: "ثماره مثل الزروع الكثيرة على وجه الأرض
كالذي يطلع من لبنان، ويدوم ذكره إلى الأبد.
وإن اسمه لموجود قبل الشمس، وكلّ الأمم يتبركون به ويحمدونه"1.
وهذه كلّها صفاته وصفات أمته وقد أخبر داود بتأبيد شرعه وتأييده وأنه لا نبيّ بعده وأنه خاتم الأنبياء.
- البشرى السّادسة عشرة: قال داود في مزمور من المزمور الثاني له وتنبأ به على اتّساع خطة الإسلام: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك.
سلني أعطيك.
الشعوب ميراثك.
وسلطانك إلى أقطار الأرض.
ترعاهم بقضيب من حديد.
ومثل آنية الفخار تسحقهم"2.
قال مؤلِّفه: اعلم أنه لا يتصور من عارف صرف هذا المزمور عن سيّدنا محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لأنه عليه السلام هو الذي ورث الشعوب كلّها وبلغ سلطانه إلى أقطار الأرض ورعى الأمم وحاطهم بسيفه.
ولا يمكن صرف هذا المزمور إلى داود؛ لأنه لم يرث سائر الشعوب / (2/105/ب) ولا بلغ سلطانه إلى أقطار الأرض، إذ ما ملك سوى ناحية من الأرض وهي البيت المقدس.
ثم خرجت من بعده إلى أمة هذا النبيّ والأقطار والنواحي.
وقد بلغ سلطان محمّد عليه السلام جوانب الدنيا وأطراف العالم ففتح الله عليهم الحجاز واليمن والحبشة والنوبة والهند والسند إلى الصين.
ودوخت أمته الشام والعراق وفارس إلى الترك.
وافتتحوا أرض مصر والمغرب الأقصى إلى بحر طنجة.
فقد ورث محمّد سائر الشعوب وبلغ سلطانه إلى أقطار الأرض.
فصارهذا المزمور مضاهياً لبشرى يعقوب في التوراة بمحمّدصلى الله عليه وسلم الذي نقلناه.
فأما قوله في أوّل المزمور: "أنت ابني"، فجرى فيه داود على عادتهم في إطلاق لفظة البنوة على النبيّ والمطيع لله فقد قال في التوراة: (إسرائيل ابني بكري"1.
وقال المسيح في الإنجيل: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم".
- البشرى السّابعة عشرة: قال داود في مزمور له مخاطباً لربّه ومتنبئاً على رسوله صلى الله عليه وسلم / (2/206/أ) : "إلهي من الرجل الذي ذكرته، والإنسان الذي أمرته، ألبسته الكرامات والمجد، وملّكته على خلقك؟! "2. - البشرى الثّامنة عشرة: من نبوات نبيّ الله أشعيا قال أشعيا مبشراً برسول الله صلى الله عليه وسلم: "قيل لي: قم نظاراً فانظر ماذا ترى؟ فقلت: أرى راكبين مقبلين، أحدهما على حمار والآخر على جمل.
يقول أحدهمالصاحبه: سقطت بابل وأصنامها للمنحر"3.
فراكب الحمار هو المسيح ابن مريم.1
وراكب الجمل هو محمّد صلى الله عليه وسلم وهو أشهر بركوب الجمل من المسيح بركوب الحمار. وبمحمّد صلى الله عليه وسلم سقطت أصنام بابل.2
البشرى منها أيضاً - قال أشعيا عليه السلام متنبئاً على مكة - شرفها الله تعالى -: "ارفعي ما حولك بصرك فتبتهجين وتفرحين من أجل أن الله يُصيّر إليك ذخائر البحرين.
ويحجّ إليك عساكر الأمم، حتى يعم3بك فطر4
الإبل المؤبلة.1
وتضيق أرضك عن القطرات التي تجمع إليك.
وتساق إليك كباش مدين.
/ (2/106/ب) وتأتيك أهل سبأ.
وتسير إليك أغنام فاران.
وتخدمك رجال [نبايوت] 2 يريد سدنة الكعبة وهم أولاد نبايوت3ابن إسماعيل.
وهذه الصفحات كلها حصلت بمكة فحملت إليها ذخائر البحرين.
وحجّ إليها عساكر الأمم.
وسيقت إليها أغنام فاران للهدايا والأضاحي.
- البشرى التّاسعة عشرة: قال أشعيا النبيّ والمراد مكة: "أيتها المتغلفة في الهموم التي لم تنل حظوة إني جاعل حجرك بَلُّور.
ومُوَنِّق أساسك بالحجر الاسما نجوني، ومزين حياطانك باللازورد.
ومزخرف خدودك بالأحجار النفسية.
وأعم أبناءك بالسلم.
وأزينك بالصلاح والبر.
وأبعد عنك الأذى والمكاره وأجعلك آمنة.
ومن انبعث إليّ فإليك قصده وفيك حلوله.
وتصيرين ملجأ [ووزراً] 4 لقاطنيك وسكانك"5.
وهذه صفات مكة والكعبة والمسجد الحرام.
لأن مهدي1بني العباس والملوك قبله وبعده قد تأنقوا في بناء المسجد الحرام بالأحجار النفيسة والذهب والأصباغ / (2/107/أ) واللازورد.
وحملت تيجان الملوك وذخائرهم فحليت بها الكعبة.
ولقد شاهدت شقوف الحرم وهي تكاد تلمع البصر حسناً.
فمن رام صرف كلام النبيّ أشعيا هذا إلى غير مكة من البلاد أَكّد خاطره وأكدى سعيه ولم يظفر ببيت آخر وحرم آخر ينْزل ذلك عليه.
ولا يمكن تنْزيل ذلك على البيت المقدس؛ لأنه لم يكن متغلغلاً في الهموم ولا سقوط الحطوة2بل هذه صفة الكعبة فاعلم ذلك.
-[البشرى] 3 العشرون: قال أشعيا يخاطب الناس عن محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفهّمي أيّتها الأمم إن الرّبّ أهاب بِيَ من بعيد.
وذكر اسمي وأنا في الرحم.
وجعل لساني كالسيف الصارم وأنا في البطن.
وحاطني بظل يمينه.
وجعلني كالسهم المختار من كنانته.
وخزنني لسره وقال لي: أنت عبدي.
فصر في وعد لي حقاً قدام الرّبّ.
وأعمالي بين يدي إلهي.
وصرت محمّداً عند الرّبّ.
فبإلهي حولي وقوتي"4.
فهذا (2/107/ب)
نبي الله أشعيا قد صرح باسم نبيّنا ولم يجمجم وأعرب عنه ولم يجمجم.
فلا حاجة بنا مع بيان أشعيا عليه السلام إلى مترجم.
وقوله: "إنّ الرّبّ أهاب بِي من بعيد".
يريد أنه لم يكن من بني إسرائيل ولا من بلدهم بل من غيرهم.
فليرونا آخر اسمه محمّد جاء بشريعة جديدة داعية إلى الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب حتى تنصرف هذه البشارات إليه.
- البشرى الحادية والعشرون: قال أشعيا النبي والمراد هاجر أم العرب: "سبحي أيتها النزور1الرقوب2واغتبطي بالحمد لقد زاد ولد الفارغة المَجفُوَّة على ولد المَشْغُولة المَحْظِيّة.
وقال لها الرّبّ: أوسعي مواضع خيامك ومُدِّي مضاربك وطَوِّلي أطنابك واستوثقي من أوتادك.
فإنك ستنبسطين وتنتشرين في الأرض يميناً وشمالاً.
ويرث ذريتك الأمم.
ويسكنون القرى المعطلة البنيان"3.
فهل بقي بعد هذا البيان بيان؟! وهل تليق هذه النبوة بغير هاجر ونسلها أو الكعبة شرفها الله تعالى.
/ (2/108/ب).
- البشرى الثّانية والعشرون: قال أشعيا نبؤة على محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عبدي الذي يرضي نفسي.
أعطيه كلامي.
فيظهر في الأمم عدلي.
ويوصيهم بالوصايا.
لا يضحك ولا يصخب.
يفتح العيون العور.
ويسمع الآذان الصم.
ويحيى القلوب الميتة.
وما أعطيه لا أعطيه غيره.
أحمد يحمد الله حمداً حديثاً.
يأتي من أفضل الأرض، فتفرح به البرية وسكانها، ويوحدون الله على كلّ شرف.
ويعظمونه على كلّ رابية.
لا يضعف ولا يغلب.
ولا يميل إلى الهوى ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصب الضعيف بل يُقوي الصديقين المتواضعين.
وهو نور الله الذي لا يطفئ.
أثر سلطانه على كتفه"1.
فهذا أشعيا نبي الله قد أعلن باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أعلنت به الأنبياء.
وهذا الكلام من أشعيا إبانة واضحة لمن كان مطلبه الحقّ والهدى ولم يمل به التعصب والهوى إلى الاعتداء.
- البشرى الثالثة والعشرون: قال نبيّ الله أشعيا / (2/108/ب) مُنَوِّها باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتفرح البادية العطشاء ولتبتهج البراري والفلوات ولتزهو.
فإنها ستعطي بأحمد1أحسن محاسن لبنان حتى تصير كالدساكر2والرياض، وسيرون جلال الله وبهاء إلهنا"3.
فذكر البراري القفار أنها تصير بأحمد صلى الله عليه وسلم مأهولة معمورة محجوجاً إليها.
أفلا يستحيي من يُحجم عن الإسلام من نبيّ الله أشعيا أن يرد قوله؟!.
وكيف يصح الإيمان بأشعيا مع إبطال أقواله ورد أخباره وتكذيب شهادته والقدح في رواياته؟! وأَيّ شكّ في صدر لبيب بعد سماعه أشعيا ينصّ على اسم نبينا واسم أرضه.
- البشرى الرّابعة والعشرون: قال أشعيا: "هتف هاتف في البدر وقالوا: خلوا طريق الرّبّ.
وسهلوا لإلهنا السبيل في القفر.
فستمتلئ البادية مياهاً ونقيص فيضاً.
وتصيراً الآكام4دكادك.5
والوعر سهلاً. وتظهر كرامة الرّبّ. الرّبّ يقول ذلك.1
وذلك كله إشارة إلى ما مهد الله برسله محمّد عليه السلام والصلاة.
/ (2/109/أ).
- البشرى الخامسة والعشرون: قال أشعيا: "يا آل إبراهيم خليلي الذي قويته ودعوته من أقاصي الأرض.
لا تخف ولا ترهب فأنا معك.
ويدي العزيز مهدت لك.
جعلتك مثل الجرجر2الحديد تدق ما يأتي عليه دقاً.
وتسحقه سحقاً حتى تجعل هشيماً.
تلوي به هوج الريح.
وأنت تبتهج وترتاح وتكون محمداً"3.
ألا ترى هذا النبي الكريم الذكر العظيم القدر لا يكاد يخلي كلامه من التبرك باسم سيد المرسلين حتى كان ذلك عليه ضربة لازب وحتم واجب.4
فهؤلاء الأنبياء الأطهار والأصفياء الأبرار يصرحون باسم محمّد.
فلا حاجة بنا بعدها إلى الاستنباط والاستخراج.
- البشرى السّادسة والعشرون: قال أشعيا النبي عليه السلام معلناً باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني جعلت اسمك محمّداً.
يا محمّد يا قدوس الرّبّ اسمك موجود من الأبد"1.
فهل بقي بعد ذلك لزائغ مقال أو لطاعن عن مجال؟ وقول أشعيا أن اسم محمّد موجود من / (2/109/ب) الأبد موافق لقول داود الذي حكيناه: "إن اسمه موجود قبل الشمس"2.
وقوله: "يا قدوس الرّبّ".
يعني: يا مَنْ طَهَّره الرّبّ وخلّصه من شوائب بشريته واصطفاه لنفسه.
- البشرى السّابعة والعشرون: وشهد لهذه الأمة بالصلاح والديانة: "سأرفع علماً لأهل الأرض بعيداً، فيصفر لهم من أقاصي الأرض فيأتون سراعاً"3.
فالنداء هو ما جاء به النبيّ عليه السلام من التلبية في الحجّ.
وهم الذين جعلوا لله الكرامة فوحدوه وعبدوه
وأفردوه بالربوبية وكسروا لأصنام وعطلوا الأوثان. والعلم المرفوع هو النبوة، وصفيره هو دعاؤهم إلى بيته ومشاعره فيأتونه سامعين مطيعين. - البشرى الثّامنة والعشرون: قال أشعيا النبي والمراد مكة شرّفها الله: "سُرِّي واهتزي أيتها العاقر التي لم تلد. وانطقي بالتسبيح. وافرحي إذ لم تحبلي. فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي"1. يعني بأهلي: أهل بيت المقدس. ويعني بالعاقر: مكة شرّفها الله. / (2/110/أ) لأنها لم تلد قبل نبيّنا عليه السلام نبيّاً.2
ولا يجوز أن يريد بالعاقر بيت المقدس؛ لأنه بيت الأنبياء ومعدن الوحي فلم تزل تلك البقعة وَلاَّدة.
- البشرى التّاسعة والعشرون: قال أشعيا النبيّ - ونصّ على خاتم النبوة: "ولد لنا غلام يكون عجباً وبشيراً. والشامة على كتفه. أركون السلام. إله جبار. سلطانه سلطان السلامة. وهو ابن عالمه. يجلس على كرسي داود"1. قال المؤلِّف (الأركون) هو العظيم بلغة الإنجيل، والأراكنة، المعُظَّمون: (لما أبرأ المسيح مجنوناً من جنونه قالت اليهود: إن هذا لا يخرج الشياطين من الآدميين إلاّ بأركون الشياطين"2. يعنون: عظيمهم. وقال المسيح أيضاً في الإنجيل: "إن أركون هذا يدان"3. يريد إما إبليس أو الشرير العظيم الشّرّ من الآدميين. وسماه إلهاً على نحو قول التوراة: "إن الله جعل موسى إلهاً لفرعون"4. أي: حاكماً عليه ومتصرفاً فيه. وعلى نحو قول داود للعظماء من قومه: / (2/110/ب) إنكم آلهة"5. فقد شهد أشعيا بصحّة أمر محمّد رسول الله ووصفه بأخص علاماته وأوضحها وهي: شامته.6
فلعمري لم تكن الشامة لسليمان ولا للمسيح.
وقد
وصفه بالجلوس على كرسي داود.
يعني: أنه سيرث بني إسرائيل نبوتهم وملكهم ويبتزهم رئاستهم.
- البشرى الثّلاثون: قال أشعيا ووصف أمة محمّد عليه السلام: "ستمتلئ البادية والمدن من أولاد قيدار.
يسبحون من رؤوس الجبال ينادون، هم الذين يجعلون لله الكرامة ويسبحونه في البر والبحر"1.
- البشرى الحادية والثّلاثون: وقال أشعيا والمراد هاجر أو مكة: "أنا رسمتك على كفي، وستأتيك أولادك سراعاً.
ويخرج عنك من أراد أو يخيفك ويخزيك، فارفعي بصرك إلى ما حولك فإنهم سيأتونك ويجتمعون إليك.
قسماً باسمي إني أنا الحيّ لتلبسي الحلل وتزيني بالأكاليل مثل العروس، ولتضيقن خراباتك من كثرة سكانك والراغبين فيك.
ولينهزمن كلّ من يناوؤك ولتكثرن أولادك / (2/111/أ) حتى تقولي من رزقني هؤلاء كلهم وأنا وحيدة فريدة نزور رقوب؟: فمن رَبَّى هؤلاء ومن تكفل لي بهم؟! "2.
وذلك إفصاح من أشعيا بشأن الكعبة.
فهي التي ألبسها الله الحلل الديباج الفاخرة ووكّل بخدمتها الخلفاء والملوك.
ومكة هي التي رَبَّى لها الأولاد من حجاجها والقاطنين بها.
فالحمد لله الذي أوضح لنا الدين وقمع الملحدين.
- البشرى الثّانية والثّلاثون: قال أشعيا: "مثل الريح العقيم يأتي من التيمن.
والظالم يظلم.
والمنتهب ينتهب"1.
(التيمن) تهامه.
وشُبِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالريح العقيم في تدميره الكافرين، وأنه عليه السلام يبعث في زمن جاهلية يظلم بعضها بعضاً وينتهبه، فجاء الأمر كما تنبأ به أشعيا عليه السلام.
- البشرى الثّالثة والثّلاثون: قال أشعيا ونَبَّه على انتشار العلم من الحجاز إلى أقطار الأرض: "يا سكان التيمن اسقوا العطاش الماء، وقوتوهم بخبزكم"2.
فالماء هَا هنا كناية عن العلم.
قال المسيح في الإنجيل: / (2/111/ب) "من شرب من هذا الماء يعطش.
ومن شرب من الماء الذي أسقيه لا يعطش أبداً.
بل تنبع مع بطنه عين ماء الحياة"3.
يريد بالماء: العلم والحكمة.
وذلك إخبار من أشعيا عن ظهور كتاب الله وسنة نبيّه.
وكذلك قوله: "قوتوهم بخبزكم" على نحو قول المسيح في الإنجيل: "أنا هو خبز الحياة الذي من أكل منه لم يمت"1.
وهذه كلّها كلمات متروكة الظاهر مؤولة.
-[البشرى] 2 الرّابعة والثّلاثون: قال أشعيا حاكياً عن الله تعالى: "اشكر حبيبي وابني أحمد"3.
فسمّاه الله حبيباً وسمّاه ابناً على اصطلاح اللسان العبراني.
كتسمية إسرائيل ابناً غير أنه خصّه عليهم بمزيه.
فقال: "حبيبي ابني اشكره".
فَتَعَبُّد مثل أشعيا بشرك محمّد صلى الله عليه وسلم ووضف عليه وعلى قومه شكره وإجلاله ليتبيّن قدره ومنْزلته عنده.
وتلك منقبة لم يؤتها غيره من المرسلين.
-[البشرى] 4 الخامسة والثّلاثون: قال أشعيا: "إن الأمة التي كانت في الظلمات رأت نوراً باهراً.
والذين كانوا في الدجى وتحت ظلال الموت سطع عليهم الضوء.
فلقد أكثرت من الأتباع / (2/112/أ) والأحزاب لم يستكثر للاغتباط بهم.
فأما هم فإنهم فرحوا بين يديك كمن يفرح يوم الحصاد وعند اقتسام الغنائم.
لأنك فككت النير أيضاً الذي كان أذلهم والعصا التي كانت على أعناقهم.
وكسرت القضيب الذي كان يستعبدهم مثل كسرك من كسرت في يوم مدين"5.
وذلك موافق لقول الله تعالى في نعت نبيّه محمّد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُم إِصْرَهُم وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَت عَلَيهُم﴾.
[سورة الأعراف، الآية: 157]. وبرسول الله صلى الله عليه وسلم زالت1ظلمة الشرك وحصل ضوء الإيمان.
فكسر الأصنام وأباد الأوثان.
وأعلن بالقرآن وعبد الرحمن.
-[البشرى] 2 السّادسة والثّلاثون: قال أشعيا: "إنا سمعنا من أطراف الأرض صوت محمّد"3.
وهذا إفصاح وليس بجمجمة وإعراب من أشعيا باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليُرنا أهل الكتاب نبيّاً نصّت الأنبياء على اسمه صريحاً سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-[البشرى] 4 السّابعة والثّلاثون: قال أشعيا - وسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم / (2/112/ب) ربّاً وإلهاً كتسمية موسى في التوراة -: "إنّ الرّبّ الإله سيظهر بالعزّ والحول والقوّة.
أجره معه وعمله أمامه.
فهو كالراعي الذي يحوط غنمه ويذودهم عن مراتع الهلاك"5.
والدليل على ما قلناه أنه جعل (الرّبّ الإله) المذكور هو إنساناً له أجر وعمل.
وقوله: (أجره معه).
يشير إلى الغنائم التي أحلت له وصفاياها، وقد وصفه أشعيا بالجهاد في سبيل الله واستيلائه على أعدائه بالحول والقوّة والعزّ.
وكذلك كان عليه السلام.
وهو1وأمته الذين قهروا الجبابرة وكسروا الأكاسرة وأبادوا الفراعنة والقياصرة واستولوا على ممالك العالم2وهابتهم طبقات بني آدم.
ومن شَدَّ طَرَفاً من مغازيهم عرف صحّة ما قلناه.
-[البشرى] 3 الثّامنة والثّلاثون: قال أشعيا وذكر ما امتن الله به على أهل الحجاز واليمن من أهل ملة محمّد صلى الله عليه وسلم: "إن المساكين والضعفاء والذين جفت ألسنتهم من الظمأ سأسقيهم ماء حيث لا ماء لهم.
/ (2/113/أ) أنا الرّبّ أجيب دعوتهم ولن أهملهم بل أفجر لهم في الجبال الأنهار.
وأجري بين القفار العيون.
وأجعل في البدو آجاماً.
وأجري في الأرض العطشى معيناً.
وأنبت في القفار غروساً.
ليعلم الناس أن يد الرّبّ فعلت ذلك.
وقدوس إسرائيل ابتدعه"4.
فقد نصّ على أرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفها بصفاتها وما فجر بها من الأنهار وأجرى من العيون وأنبت من الخيرات لأهلها.
وذكر أن يده هي التي فعلت ذلك.
وقد أكثر أشعيا عليه السلام من ذكر محمّد وأحمد ووصفه أرضه وبلاده وبيته ومنازل أبيه إسماعيل.
فلم يبق لجاحد علة ولا لمنكر ريبة.
-[البشرى] 1 التّاسعة والثّلاثون: قال أشعيا أيضاً: "لتسبحني وتحمدني حيوانات البر من بنات آوى حتى الأنعام. لأني أجريت الماء في البدو لتشرب منها أمتي المصطفاة التي اصطفيتها"2. هذا يصدّقه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وَلَّى على أهل مكّة عتاب بن أسيد فقال له: "يا عتاب / (2/113/ب) أتدري على ما ولّيتك؟. ولّيتك على أهل الله". قالها مرّتين أو ثلاثاً.3
وكنَّى عن أهل الحجاز والبراري ببنات آوى والأنعام لسكنى الفيافي والقفار.
وأخبر أشعيا أن الله تعالى اصطفى هذه الأمة من بين سائر الأمم.
-[البشرى] الأربعون: قال أشعيا: "أنا الرّبّ ولا إله غيري.
أنا الذي لا يخفى عليه خافية.
بل يخبر العباد بما لم يكن قبل أن يكون، وأكشف لهم الحوادث والغيوب.
وأُتِم مشيئتي كلها إني سأدعو طائراً من البدو البعيد الشاسع"4.
والطائر المدعو من البدو البعيد الشاسع هو محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم.5
-[البشرى] 1 الحادية والأربعون: قال أشعيا متنبئاً على ما شرحه الكتاب العزيز من نعيم أهل الجنة: "يا معشر العطاش توجهوا إلى الماء والورود.
ومن ليس معه فضة فليذهب و [يمتر] 2 ويأكل ويشرب من الخمر واللبن مجاناً بلا ثمن"3.
ذلك تصديق لقوله تعالى: / (2/114/أ) ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّر طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّن خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٍ مِّن عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُم فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾.
[سورة محمّد صلى الله عليه وسلم، الآية: 15].
وفي ذلك تكذيب للنصارى واليهود وكطائفة من أهل الأهواء إذ قالوا: ليس في الجنة شيء من هذه الملاذ.
[البشرى] 4 الثّانية والأربعون: قال أشعيا وتنبأ على دعاء محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكافة وأخبر أن رسالته عامة إلى الناس أجمعين: "إني أقمتك شاهداً للشعوب، ومدبّراً وسلطاناً للأمم.
لتدعو الأمم الذين لم تعرفهم.
ويأتيك الأمم الذين لم يعرفوك هرولة وشدّاً من أجل الرّبّ إلهك.
قدوس إسرائيل هو الذي أحمدك، فاطلبوا ما عند الرّبّ واستجيبوا له.
وليرجع الخاطئ عن خطيئته والفاجر عن فجوره وليتب5إلي لأرحمه"6.
فهذه نبوة مفصحة وبشرى مصرحة باسم أحمد صلى الله عليه وسلم.
وكأن كلماتها قد جمعها أشعيا من الكتاب العزيز والسنة الطاهرة.
-[البشرى] 1 الثّالثة والأربعون: وقال أشعيا: "إن الله سبحانه نظر في الناس فلم ير من يعين على الحقّ فأنكر ذلك.
/ (2/114/ب) وبعث وليه فأنفذه بذراعه ومهد له بفضله.
فاستلأم العفاف والبر كالدرع ووضع على رأسه إكليل الإغاثة والفلح.
ولبس الخلاص لينتقم من المبغضين له المعاديين.
ويجزي أهل الجزاء2جزاءهم أجمعين ليدوم اسم الله في مغارب الأرض وليخشع في مشارقها لجلاله سبحانه"3.
فقد استلأم عليه السلام بالبر والتقى ولبسه والتحفه وارتدى، وخلّص أولياءه وانتقم من أعدائه.
وأعلن باسم الله في مشارق الأرض ومغاربها.
فهذه نبوات ظاهرة وبشارات متضافرة يؤمن بها من قضى الله له بالتوفيق ويجحدها من عدل به عن نهج الطريق.
-[البشرى] 4 الرّابعة والأربعون: قال أشعيا وتنبأ بها على مكّة: "قومي وأزهري مصباحك فقد دنا وقتك وكرامة الله طالعة عليك، فقد تخلل5الأرض الظلام وغطى على الأمم كلّها
الضباب، يشرق عليك إشراقاً.
يظهر عليك كرامته.
فتسير الأمم إلى نورك.
والملوك إلى ضوء طلوعك.1/ (2/115/أ) إنهم سيأتونك ويحجون إليك من البلد البعيد.
ويتربى بنوك وبناتك على السرر والأرائك"2.
وهذه نبوءة على تخصيص مكّة بشدّ الرحال إليها وتمليك أهلها وظهور الإيمان بالله منها.
وإزالة ظلم الجهل بمصباح العلم المأخوذ عن أولادها.
فمن أبى من المخالفين تنْزيل هذا الكلام على مكّة والكعبة [فليرنا] 3 كعبة أخرى في الأرض شرقاً وغرباً وشريعةً هاديةً من الضلال.
وملة ثابتة خالدة على مرّ الأحوال.
-[البشرى] 4 الخامسة والأربعون: وقال أشعيا باسم الكعبة وحجها وتعظيمها: "إنه سيرد عليك أبناؤك من بلد بعيد.
ومعهم فضتهم وذهبهم من أجل اسم الرّبّ إلهك قدوس إسرائيل الذي أحمدك.
وتبنى أبناء الغرباء سورك.
وتخدمك ملكوهم.
وتفتح أبوابك آناء5الليل والنهار فلا تغلق.
وتدخل إليك أرسال الأمم.
وتقاد إليك ملوكهم أذلة.
وكلّ أمة لا تخضع لك تتبدد تبديداً.
والشعوب التي لا تخدمك/ (2/115/ب) تصطلم اصطلاماً.
وتأتيك الكرامة من صنوبر لبنان البهي.
ومن الأبهل لتبخر به بيتي وموضع قدمي ومستقر كرامتي.
والقوم الذين كانوا يذلونك يأتون لتقبيل آثار أقدامك.
وأجعلك كرامة إلى الأبد وغبطة وفرحاً إلى دهر الداهرين
و [سترضعين] 1 ألبان الشعوب.
وتصيبين من ذخائر الملوك.
و [تعلمين] 2 أني أنا الرّبّ مخلصك.
والذي يجعل مصابحك تزهر إلى الأبد"3.
فهذا أشعيا قد نصّ فصرح وحقق أمر بيت الله العتيق وأفصح [فليوجد لنا] 4 المخالف بيتاً لله تعالى موصوفاً بهذه الصفات مخصوصاً بهذه الكرامات مشتملاً على قدم إبراهيم مقبلاً مقبولاً في الغداة والأًصيل.
-[البشرى] 5 السّادسة والأربعون: قال أشعيا مخاطباً للنبيّ محمّد صلى الله عليه وسلم: "هكذا يقول الرّبّ قدوس إسرائيل ستقوم لك الملوك إذا رأوك وتسجد لك السلاطين.
لأن وعد الله حقّ وأنا الذي انتخبتك واخترتك وفي / (2/116/أ) شدائدك أعنتك.
لنفسي اجتبيتك وجعلتك ميثاقاً للشعوب ونوراً للأمم.
لترث الأرض وتطلق الأسرى المسجونين وتؤمنهم.
وتجعل الجبال طرقاً مذللة.
وتوافيك الأقوام من بلاد شاسعة.
فسبحي أيتها السماء6واهتزي أيتها الأرض فرحاً وابتهجي أيتها الجبال بالحمد.
فقد تلاقى الرّبّ شعبه ورحم المساكين من خلقه"7.
اعلم أن هذه النبوة لا تليق بغير رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مختار الله ومجتباه ومنتخبه من خلقه.
الذي أعانه على شدائده.
وهو رجل واحد بغير أعوان ولا معتضد بأنصار حتى قهر الملوك فدانوا بدينه.
والتزموا شرعه وتقيدوا بأحكامه وأخذوا بسنته طوعاً وكرهاً واختياراً وجبراً.
وورث الأرض وفتحها هو وأمته شرقاً وغرباً
وجنوباً وشمالاً.
وقيد الملوك والطغاة.
وفكّ الأسرى والمسجونين.
وأمن الجبال الوعرة ودكّها فصارت شرائع وطرقاً1مسلوكة.
وقد كانت العرب قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم / (2/116/ب) محبوسة بأرضها [لا يتجاوزونها] 2 من خوف فارس وكسرى وقيصر وغيرهما من الملوك.
وأطلقها الله برسوله من سجنها.
وأورثهم أرض فارس وقيصر وغيرهما وملكهم أموالهم فاستخرجوا ذخائرهم وحازوا معاقلهم وتملكوا عقائلهم.
فإن قيل: ما معنى قول أشعيا في أوّل هذه البشارات: "يا قدوس إسرائيل".
قلنا: هو إنما يخاطب في أيامه بني إسرائيل.
وبنو إسرائيل إذا دعوا الله قالوا: يا قدوس إسرائيل افعل بناكذا وكذا.
فاحتاج أن يخاطبهم بما يفهمون.
-[البشرى] 3 السّابعة والأربعون: قال أشعيا وتنبأ على الكعبة والركن الأسود: "هكذا يقول الرّبّ: هأنذا ناصب للأمم علماً وآية.
وهي أنهم يأتونك بأبنائهم وبناتهم على أيديهم وأكتافهم وتكون الملوك ظؤورتك4وعاقل نسائهم مرضعاتك ويخرون على وجوههم سجداً لك ويلحسون تراب أقدامك.
فتعلمين حينئذٍ أني أنا الرّبّ الذي لا يخزى الراجون لدى"5.
الظوؤورة: جمع ظئر.
وهي: الداية والمزيِّنة / (2/117/أ) والمرضعة يشير إلى ما قام الملوك ونساء الملوك من خدمة المسجد الحرام وتحلية الكعبة وتزيينها بالديباج والذهب والفضة وتغليفها بالمسك وغسلها بالماورد المفتوق فيه الطيب6الفاخر.
وتذللهم
حولها وخضوعهم لأهلها وتطوافهم حولها.
وتقبيلهم حجرها.
حفاة الأقدام حسر الرؤوس مبتذلين متواضعين.
فأي بيان أبين من هذا البيان لمن نوّر الله قلبه وجوهر لبه وأراد به الخير وحماه من الهوى؟!!.
-[البشرى] 1 الثّامنة والأربعون: قال هوشاع2النبيّ وتنبأ على محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الرّبّ أنا الرّبّ الإله الذي رعيتك في البدو.
وفي أرض قفر خراب غير مأهول.
وفي أرض لا أنيس بها"3.
وما يعرف من هذا حاله سوى محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أبوه إسماعيل عليه السلام.
-[البشرى] 4 التّاسعة والأربعون: قال هوشع متنبأ على أمة محمّد عليه السلام: "قال الله: إنها أمة جليلة عزيزة لم يكن مثلها قط / (2/172/ب) ولا تكون.
النار تحرق من أمامها ومن خلفها"5.
وتلك أمة النبيّ محمّد صلى الله عليه وسلم وهي التي لا تقوم لها شيء من الأمم كأنها النار في إحراقها، وقد وصفها الله بالجلالة والعزّة6وأنه لم يكن في العالم مثلها ولا يكون
أبداً.
وتلك تزكية ومدحة جليلة وثناء فخم من الله لهذه الأمة.
وهو دليل محبته لها لأنه تعالى إذا أحب شيئاً فخّمه وعظمه.
فلله ربنا الحمد السرمد والمدح المؤبد.
-[البشرى] 1 الخمسون: قال هوشع النبيّ على محمّد صلى الله عليه وسلم: "وقد بلغ وقت النعمة ودنا ميقات الجزاء، فليعرف بنو إسرائيل الجهلة النبي السفير وليتبينوا2شأنه.
فإنه لا خفاء بالرجل الذي عليه روح السفارة.
وإن كثرة إثمهم وخطاياهم هي التي حملتهم على الخبث"3.
قوله: "قد بلغ وقت النعمة".
يعني بذلك وقت محمّد صلى الله عليه وسلم، فشهد هوشاع أنه نعمة على العالمين نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
[سورة الأنبياء، الآية: 107]. -[البشرى] 4 الحادية الخمسون: قال هوشاع وهو أحد الاثني / (2/118/أ) عشر وتنبأ على أمة محمّد عليه السلام: "إن
إفرام قد اكتفى بالكذب والفرية، وبنو إسرائيل ويهوذا قد عنوا بالكذب والخيانة حتى نزلت أمة الله الأمة المقدسة المؤمنة"1.
وهذه صفة أمة محمّد صلى الله عليه وسلم.
-[البشرى] 2 [الثّانية] 3 والخمسون: قال ميخا النبيّ وتنبأ على بيت الله الحرام وما يحجه من الناس: "إنه يكون في- آخر الأيام بيت الرّبّ مبنياً على قلل الجبال وفي أربع رؤوس العوالي.
يأتيه جميع الأمم يقولون: تعالوا نطلع إلى جبل الرّبّ"4.
وذلك كله صفة البيت العتيق وجبل عرفة.
فإن زعم أهل الكتاب أن ذلك بيت المقدس لم يصحّ قوله: "إن ذلك إنما يكون في آخر الأيام".
وبيت المقدس قد كان موجوداً معظماً في زمن ميخاً قائل هذه النبوءة.
والنبيّ إنما يتنبأ على شيء لم يأت ولا يتنبأ على ما هو حاضر عنده.
-[البشرى] 5 الثّالثة والخمسون: قال حبقوق وسمى محمّد رسول الله مرّتين في نبوته: "إن الله جاء من التيمان.
والقدوس / (2/118/ب) من جبل فاران.
لقد أضاءت السماء من بهاء محمّد.
وامتلأت الأرض من حمده.
شعاع منظره مثل النور.
يحوط بلاده بعزّة.
تسير المنايا أمامه.
وتصحب سباع الطير أجناده.
قام فمسح الأرض فتضعضعت له الجبال
القديمة.
وانخفضت الروابي.
وتزعزعت ستور أهل مدين.
ولقد حاز المساعي القديمة - ثم قال: زجرك في الأنهار واحتدام أصواتك في البحار.
وركبت الخيول.
وعلوت مراكب الإنقاذ.
وستترع في قسيك إغراقاً وترعاً.
وترتوي السهام بأمرك يا محمّد ارتواء.
ولقد رأتك الجبال فارتاعت.
وانحرف عنك شؤبوب1السيل.
ونعرت2المهاري نعيراً ورعباً. ورفعت أيديها وجَلا وخوفاً. وسارت العساكر في بريق سهامك ولمعان نيازكك.3
تدوخ الأرض غضباً وتدوس الأمم زجراً.
لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراث آبائك"4.
اعلم أنه من رام صرف نبوة حبقوق هذه عن محمّد صلى الله عليه وسلم فقد رام ستر النهار وحبس الأنهار.
وأنّى يقدر/ (2/119/أ) على ذلك وقد سماه باسمه مرّتين وأخبره بقوة أمته وسير المنايا أمامهم واتباع جوارح الطير آثارهم.
وهذه النبوة لا تليق إلاّ بمحمّد ولا تصلح إلاّ له ولا تنَزَّل إلاّ عليه فمن حاول صرفها عنه فقد حاول ممتنعاً.
-[البشرى] 5 الرّابعة والخمسون: قال صفنيا النبي عليه السلام وتنبأ على كلمة التوحيد هي شهادة أن لا إله إلاّ الله: "أيّها الإنس تَرجوا اليوم الذي أقوم فيه للشهادة.
فقد حان أن أُظهر