أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الخامس: في أنّ المسيح عليه السلام وإن قُصدَ وطُلبَ فما قُتلَ وما صُلبَ

صفحات 331-370

نورد هذا الفصل على نصّه لتقفوا عليه وتعجبوا من هذه النقائص التي نسبها النصارى إلى المسيح مع قولهم بربوبيته واعتقادهم أنه خالق السماء والأرض وجامع الناس ليوم العرض.1
قال النصارى: بينما بسوع [جالس] 2 مع تلاميذه ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر نيسان إذ جاء يهوذا الإسخريوطي أحد الاثني عشر ومعه جماعة معهم السيوف والعصي من عند رؤساء الكهنة ومشائخ الشعب وقد قال لهم يهوذا: الرجل الذي أُقبله هو هو فأمسكوه، ثم جاء يهوذا وقال / (1/120/أ) : السلام عليك يا معلم، ثم قبله فقال يسوع: ألهذا جئت يا صاحب؟ فوضعوا أيديهم عليه وربطوه3فتركه التلاميذ كلهم هربوا فقال يسوع: مثل ما يفعل بالصوص خرجتم إليَّ بالسيف والعصى وأنا عندكم في الهيكل كل يوم أُعلم

فلم تعرضوا لي1، لكن هذه ساعة سلطان الظلمة2، إلى رئيس الكهنة3حيث يجتمع الشيوخ4- وتبعه بطرس من بعيد ودخل معه الدار ليلاً وجلس ناحيةً منها متنكراً ليرى ما يؤول أمره إليه5- فالتمس المشائخ على يسوع شهادة ليقتلوه بها فجاء جماعة من شهود الزور، ثم تقدم منهم اثنان فشهدا أن يسوع قال: أنا أقدر أنقض هيكل الله وأبنيه في ثلاثة أيام، فقال له الرئيس: أما تجيب عن نفسك بشيء؟ فسكت يسوع فأقسم عليه رئيس الكهنة بالله الحي: أنت المسيح؟ فقال له المسيح: أنت قلت ذلك وأنا أقول لكم إنكم من الآن لا ترون ابن الإنسان حتى ترونه جالساً عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء.
فلما سمع رئيس الكهنة ذلك شقَّ ثيابه وقال: ما

حاجتنا إلى شهادة هوذا / (1/120/ب) قد سمعتم تجديفه، ماذا ترون في أمره؟ فقالوا: هذا مستوجب الموت.
فحينئذٍ بصقوا في وجهه ولطموه وضربوه وهزؤوا به جدّاً وجعلوا يلطمونه ويقولون له: بيِّن لنا أيّها المسيح من لطمك1، ولما كان من الغد أسلموه لفلاطس القائد فتصايح الشعب بأسره وقال: يصلب يصلب.
فتحرج فيلاطس من قتله وقال: أيُّ شيء فعل هذا؟ فقال الشيوخ: دمه عليهم وعلى أولادهمم2، فحينئذٍ ساقه جند القائد إلى الأبروطورون3واجتمع عليه الشعب ونزعوا ثيابه وألبسوه لباساً أحمر [فضفَّروا] 4 إكيلاً من الشوك وتركوه على رأسه وجعلوا في يده قصبه، ثم جثوا على ركبهم يهزءون به ويقولون: السلام عليك يا ملك اليهود، وشرعوا يبصقون عليه ويضربونه في

رأسه1، ثم ذهبوا به وهو يحمل صليبه2إلى موضع يعرف بالجمجمة3فصلبوه4وسمَّروا يديه على الخشبة: وسألهم شربة ماء، فأعطوه خلاً مذاباً بمر فذاقه ولم يسغه، فنادى على الخشبة: إلهي إلهي لم خذلتني؟ 5 وجلس الشرط فاقتسموا ثيابه بينهم بالقرعة وجعلوا عند رأسه لوحاً مكتوباً هذا يسوع ملك/ (1/121/أ) اليهود6استهزاءً به، ثم جاءوابلصين فجعلوهما عن يمينه وشماله تحقيراً له7، وكان اليهود يقولون له: يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خَلص نفسك إن كنت ابن الله كما تقول أنزل عن الصليب.
وقال اليهود: هذا يزعم أنه خلص غيره فكيف لم يقدر على خلاص نفسه؟! أن كان متوكلاً على الله فهو ينجيه مما هو فيه8،

ولما كان ست ساعات من نهار الجمعة صرخ يسوع وهو على الصليب بصوت عظيم فقال: " [ألوى ألوى لما شبقتني] 1 تفسيره (إلهي إلهي لم تركتني؟ "2. فأخذ اليهود أسفنجة فيها خل ورفعها أحدهم إلى قصبة وسقاه وقال آخر منهم: دعوه حتى نرى من يخلصه، فصرخ يسوع وأمال رأسه وأسلم الروح3فأنشق جدار الهيكل وتزلزلت الأرض وانشقت الصخور وتفتحت القبور وقام كثير من القديسين من قبورهم فدخلوا المدينة المقدسة وظهوراً للناس4، ولما كان المساء جاء رجل من الرامة يسمى يوسف فسأل القائد جسد يسوع فأمر له به فلفه يوسف بلفائفنقيه وتركه في قبر كان قد نحته في صخرة، ثم جغل على باب القبر حجراً ظيماً5، / (1/121/ب) وجاء مشائخ اليهود من الغد الذي بعد الجمعة إلى فيلاطس القائد فقالوا: يا سيد ذكرنا أن ذاك الضال كان قد قال لتلاميذه: أنا أقوم بعد ثلاثة أيام، فلو أمرت من يغلق القبر ويحرسه حتى تمضي المدّة كيلا يأتي تلاميذه ويسرقونه ثم يشيعون في الشعب أنه قد قام فتكون الضالة الثاني [شرّاً] 6 من الأولى، فقال لهم القائد: اذهبوا وسدوا عليه وحَرِّسُوا كما تريدون، فمضوا وفعلوا ما أرادوا7،

وفي عشية يوم السبت جاءت مريم المجدلانية ومريم رفيقها لينظرن إلى القبر1- وفي إنجيل مرقس - إنما جاءت مريم يوم الأحد بغلس2، وجلس عنده وعليه ثياب بيض كالبرق، فكاد الحراس يموتون من هيبته، ثم قال للنسوة: لا تخافا قد علمت أنكما جئتما [تطلبان] 3 يسوع المصلوب ليس هو هاهنا إنه قد قام تعالين فانظرن إلى المكان الذي كان فيه الرّبّ واذهبا وقولا لتلاميذه: إنه يسبقكم إلى الجليل، فمضتا وأخبرتا التلاميذ4، ودخل / (1/122/أ) الحرس وأخبروا رؤساء الكهنة الخبر، فقالوا: لا تنطقوا بهذا وأرشوهم بفضة على كتمان القضية فقبلوها منهم وأشاعوا أن تلاميذه جاءوا وسرقوه ومهدت المشائخ عذرهم عند القائد5، ومضت الأحد عشر تلميذاً إلى الجليل6، وقد شكّ بعضهم

وجاءهم وكلمهم، وقال لهم: اذهبوا فعمدواكلّ الأمم وعلموهم ما أصيكم به وهوذا أنا معكم إلى انقضاء1الدهر.2
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: أوّل ما نفاتح النصارى أن نقول: ما ادعيتموه من قتل المسيح وصلبه أتنقلونه تواتراً أو آحاداً؟.
فإن زعموا أنهم ينقلونه نقل الآحاد لم تقم بذلك حجة ولم يثبت العلم الضروري، إذ الآحاد لا يؤمن عليهم السهو والغفلة والتواطؤ على الكذب، وإذا كان الآحاد يعرض [لهم] 3 ذلك فلا يحتج بهم في القطعيات.4

وإن عزوا ذلك إلى التواتر، قلنا لهم: شرط التواتر استواء الطرفين فيه والواسطة، وهو أن ينقل الجم الغفير عن الجم الغفير الذين

به وعلموه ضرورة، فإن / (1/122/ب) اختل شيء من ذلك فلا تواتر، وإن زعم النصارى أن خبرهم في قتل المسيح وصلبه بهذه الصفة أكذبتهم نصوص الإنجيل التي بأيديهم إذ قال نقلته الذين دونوه لكم وعليهم معولكم: "إن المأخوذ للقتل كان في شرذمة من تلاميذه فلما قبض عليه هربوا بأسرهم ولم يتبعه سوى بطرس من بعيد فما دخل الدار حيث اجتمعوا نظرت جارية منهم إلى بطرس فعرفته فقالت: وهذا كان معه، فحلف بطرس أنه لا يعرف يسوع ولا يقول بقوله وخادعهم فذهب ولم يعد، وأن شاباً تبعه وعليه إزار فتعلقوا به فترك إزاره في أيديهم وأفلت عرياناً"1.
فهؤلاء أصحابه وأتباعه لم يحضر منهم ولا رجل واحد بشهادة الأناجيل، وأما أعداؤه من اليهود الذين تزعم النصارى أنهم حضروا الأمر فلم يبلغوا عدد التواتر أصلاً بل كانوا آحاداً وأفراداً، فمن نازع فيما قلناه ونقلناه فهذا الإنجيل

الذي بأيديهم حكماً فيما بيننا وبينه، وإذا ثبت أن أتباع المسيح لم يحضر منهم أحد، واليهود الذين حضروا عصابة / (1/123/أ) قليلة دون عدد التواتر يجوز عليهم السهو الغلط واعتماد الكذب؛ لم يجب قبول أقوالهم.
فلا جرم قُدم تواتر الكتاب العزيز وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم﴾.
[سورة النساء، الآية: 157]. ومما يزيد الأمر وضوحاً قول الإنجيل: "إن مريم لما جاءت لزيارة القبر رأت مَلَكاً قد نزل من السماء برَجة عظيمة، فدحرج الحجر عن فم القبر وجلس عنده فكان الحراس يموتون من هيبته، وبادروا من فورهم إلى مشائخ اليهود وأعلموهم بالقصّة، فأرشاهم المشائخ بشروة وتقدموا إليهم بستر القصة والإشاعة أن تلاميذ المصلوب سرقوه ومهدوا لهم عذرهم عند القائد"1.
وإذا كان الأمر كذلك فما يؤمنكم أن تكون هذه العصابة من اليهود قد صلبوا شخصاً من أصحاب يسوع وأتباعه وأوهموا الناس أنه المسيح ليغضوا منه ويحطوا من قدره، حيث جهدوا جهدهم في طلبه فلم يقدروا عليه وأعوزتهم وجوه الحيل في مغالبته كما فعلوا في ستر الآية التي ذكرتهم؟ ‍! وإذا كان أصحابكم الموقنون العدول / (1/123/ب) عندكم لم يحضر منهم أحد البتة واليهود الكفار المدَلِّسون شرذمة قليلة وأكثرهم لم يعرف المسيح، لم يحصل لكم غلبة ظنٍ بقتل المسيح فضلاً عن حصول العلم الضروري.

وها نحن نورد من الحجج المقبولة عندكم ما يقضي بغلطكم في قتل المسيح وصلبه ويحقّق لكم أن المفعول به ذلك سواه هو الشبه الذي نقول به إن شاء الله تعالى.
- الحجّة الأولى: لا شكّ ولا خفاء أن كتابكم ينطق في غير موضع: "أن المسيح نشأ بين أظهر اليهود وتردد معهم في مواسمهم وأعيادهم وزاحهم في مجامع قراراتهم يعرفونه ويعرفون أمه وسبطه، وأنه حين بهر في علم التوراة والنبوات كان يعلم عندهم في الهيكل بأورشليم ويناظر أحبارهم فيبهتهم بحسن التعليم فيقولون: أليس هذا ابن يوسف؟! أليس أمه مريم؟! أليس أخواته عندنا؟! فمن أين له هذه الحكمة؟! "1. وإذا كان اليهود عارفين بعينه واسمه، ونسبه، فما حاجتهم إلى أن أكتروا رجلاً من تلاميذه بالأجرة حتى عرَّفهم / (1/124/أ) بشخصه لولا وقوع الشبه الذي نقول به.
- الحجّة الثانية: على أن المفعول به ذلك غير المسيح وأنه كان قد شبه لهم قوله نقلة الإنجيل: "إن رئيس الكهنة أقسم على المأخوذ بالله الحيّ: أأنت المسيح ابن الله الحيّ؟! فقال له: أنت قلت"2.
ولم يجبه بأنه هو المسيح فلو كان المقسم عليه هو المسيح لقال له: نعم ولم يستجز أن يُوري في الجواب وهو يحلف بالله الحيّ، وهذا دليل على أنه غير المسيح، ثم المسيح إنما جاء لبثّ الحقّ ونشر الصّدق فكيف تجشَّم لشيء ثم يكتمه؟!

فإن قال النصارى: هذا أيضاً لنا إذ لو كان غيره لم يخف ذلك ولبينه وقال: لست المسيح بل أنا رجل سواه.
قلنا: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الشبه قد أدركته دهشة منعته من البيان والإفصاح عن حاله كما يجري للبشر، وهذا لا بُعد فيه أن يأخذ الله على لسانه ويسد عنه مادة الكلام صوناً لنبيّه المسيح أن يفصح الرجل عن أمره.
والوجه الثاني: أن يكون الشبه لِصديقيّته آثر المسيح بنفسه وفعل ذلك بعهد عهده إليه المسيح رغبة منه في / (1/124/ب) الشهادة فلهذا ورى في الجواب وجمجم في القول، ويؤيد هذا الوجه قول التلاميذ للمسيح أيام الخوف من إيقاع اليهود به: "بأنه لو دفعنا إلى الموت معك لمتنا"1.
والشبه كان من جملة التلاميذ فلهذا وفَّى بما وعد من نفسه وهذا شيء لم تزل تفعله أصحاب الأنبياء في الحروب وغيرها [أن] 2 يقوا بأنفسهم أنبيائهم فينالون بذلك الثناء في الدنيا والثواب في العقبى.
فقد وضح أن المجيب لرئيس الكهنة غير المسيح إذ لو كان المسيح لم ينكر ولم يُورِّ.
- الحجّة الثالث: على حماية الله المسيح عليه السلام وأن المصلوب غيره.
قال لوقا: "صعد يسوع إلى جبل الجلي ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا فبينا هو يصلي إذ تغير منظر وجهه عما كان عليه، وابيضت ثيابه فصارت تلمع كالبرق، وإذا

موسى بن عمران وإلياء قد ظهرا له، وجاءت سحابة فأظلتهم، فأما الذين كانوا مع يسوع فوقع عليهم النوم فناموا"1 قلت: هذا من أوضح الدلالة على رفع المسيح وحصول الشبه الذي نقول به؛ لأن تغيُّر صورة المسيح وتبدل لون ثيابه عما كانت عليه / (1/125/أ) وظهور موسى النبيّ عليه السلام وإلياء عليه السلام ومجيء السحاب يظللهم ووقوع النوم على التلاميذ من أقوى ما يتمسك به في حماية المسيح ووقوع شبهه على آخر سواه، فلا معنى لظهور هذين النّبيّين له ووقوع النوم على أصحابه إلاّ رفعه عليه السلام.
مما يؤيّده قول الإنجيل: "إن اليهود حين رفعوا المصلوب على الخشبة قالوا: دعه حتى نرى إن كان إلياء يأتي فيخلصه"2.
وهم يظنون أن المصلوب هو المسيح، وقد كان المسيح يقول لأصحابه: إن إلياء سيأتي.
والدليل على غلط النصارى: قول فولس الرسول في صدر رسائله زاريا عليهم: "أنهم لم يعرفوا الله تعالى، لكن أظلمت قلوبهم التي لا تفقه، فجهلوا واستدلوا بالله الذي لا يناله فساد شبه صورة الإنسان الفاسد؛ فلذلك أهملهم الله وتركهم وشهوات قلوبهم النجسة، فبدلوا حقّ الله بالكذب، وعبدوا الخلائق وآثروها على خالقها الذي له التسابيح والبركات، فلذلك وكلّهم الله إلى أولاد الفاضحة"3.
فهذا فولس كأنما ألهم ما سيفتريه متأخرو النصارى/ (1/125/ب) إلهاماً، فنطق بذلك ردّاً عليهم وإزراء بعقولهم وتصريحاً بكفرهم وضلالهم.

  • الحجّة الرّابعة: على حماية المسيح مما نسب إليه، قول الأناجيل: "إن المأخوذ كان قد [غُيِّرَتْ] 1 صورته وشوهت هيئته، وسيق ذليلاً وتوج من الشوك إكليلاً، وألبس أرجواناً وأبلس هوناً، وجذب وسحب وشقي وسجن ولدم وضرب، وحمل خشبته التي عليها صلب وأعنف به في سحبه، فكُرّب وما ركب".
    قال يوحنا: "أُخذ في ليلة باردة من بستان بوادي الأرز، كان يخلو فيه مع تلاميذه"2.
    فاجتمع في القصة ما يصحح الغلط ويرجع في النقل اللغلط، وهو أن المصلوب أخذ في حندس3ليل مظلم على حين فترة، فلم يصل به الشرط حتى طمست صور محاسنه لَدْماً وضرباً ونسخت سور حلاه جذباً وسحباً، فكان جميع ما جرى إنما هو على الشبه، ومع احتواش القصة بهذه الشبه لا يجزم بأنه المسيح.
    فالذي نقله لوقا فيه أعظم الدلالة على إلقاء الشبه، ثم ظهور موسى وإلياء ووقوع النوم / (1/126/أ) على القوم دليل واضح على رفع المسيح إلى السماء وصونه عن أيدي الأعداء.
    - الحجّة الخامسة على ما قلناه: قال يوحنا التلميذ: "كان يسوع مع تلاميذه بالبستان، فجاء اليهود في طلبه، فخرج إليهم يسوع وقال لهم: من تريدون؟ قالوا: يسوع، وقد خفي شخصه

عنهم، فقال: أنا يسوع، وفعل ذلك مرتين، وهم قد أنكروا صورته"1.
وذلك دليل على الشبه ورفع المسيح؛ إذ أنكروا صورته وهو الناشئ بينهم والمربي في جماعتهم.
- الحجّة السادسة: قول لوقا في إنجيله: "إن المسيح بعد قيامه صحب رجلين من أورشليم، وهما يطلبان قرية يقال لها: عمواس، فتبعهما وماشاهما، وكانت عيونهما ممسوكة عن معرفته فلما كلمهما عرفاه بعد ذلك"2.
وقد حكى بعض النصارى أن المسيح قد أعطي قوة التحول من صورة إلى صورة، وذلك كلّه يشهد بصحة ما قلناه، وإذ التبس أمره على خواص أصحابه وتلاميذه حتى أنكروا هيئته وصورته وثيابه فما ظنك بغيرهم؟! وقال لوقا أيضاً: "بينا التلاميذ / (1/126/ب) في غرفة لهم إذ وقف المسيح في وسطهم بعد قيامه، والتمس منهم شيئاً يأكله فأطعموه جزءاً من حوت، وشيئاً من شهد العسل"3.
وذلك كلّه يشهد بما قلناه حمايته في وصونه من أعدائه وإلقاء الشبه على غيره.

  • الحجّة السابعة: قال يوحنا: "وقف المسيح على تلاميذه وهم يصيدون السمك، فقال: يا فتيان هل عندكم من طعام؟ فلم يعرفوه.
    فقالوا: لا.
    فقال: ألقوا الشبكة من الجانب الأيمن.
    ففعلوا.
    فرفعت سمكاً كثيراً فحينئذٍ عرفوه.
    وقالوا: هو المسيح.
    وكان أحدهم عرياناً، فأخذ مئزره حين عرف أنه المسيح"1.
    [فهؤلاء] 2 التلاميذ وخواص أصحاب المسيح يشهدون بما صرنا إليه من تغيير شبه المسيح عليهم وتصديق قول من يقول منهم: إن المسيح كان قد أعطي قوة التحول من هيئة الصبوة إلى هيئة الكهولة والشيوخية وغير ذلك.
    وإلاّ فكيف يخفي وجهه عن مثل الاثني عشر من أصحابه وتلاميذه ويستبعد ذلك من اليهود؟ - الحجّة الثّامنة: إن القول بقتل المسيح يؤدّي إلى تكذيب الميسح، وما أدى إلى تكذيبه فهو باطل، وبيانه هو أن المسيح عليه السلام / (1/127/أ) قد بَشَّر في إنجيله بمحمّد صلى الله عليه وسلم وقال: إنه النّبيّ الصّادق الآتي بعده؛ ومحمّد جاء وأخبر بأن المسيح ما قُتل وما صُلب، فالقول بقتل المسيح يفضي إلى تكذيب من صدَّقه المسيح، فكان تكذيباً للمسيح، وسنبيّن بشرى المسيح وموسى وغيره من الأنبياء بمحمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الباب الأخير من هذا الكتاب.
  • الحجّة التّاسعة: لو قد صحّ قتل المسيح وصلبه لبطلت الدلالة على وجود الباري تعالى، وبيانه: هو أن في ذلك إبطال بشائر الأنبياء عليهم السلام بمحمّد صلى الله عليه وسلم، وإظهار كذبهم فيما شهدوا به من النبوة والرسالة وصدق المقالة وذلك يَعْكُر على نبواتهم بالإفساد، إذ أخلفت أقوالهم، ولم تَصْدق أخبارهم، وذلك يخرم الثقة بجميع ما أخبروا به من حدث العالم ووجود الصانع تعالى، وما أدى إلى ذلك فهو مردود من أصله.
    - الحجّة العاشرة: قال لوقا: "لما كان في الشهر السادس من حمل اليصابات زوجة زكريا بيحيى ابنها جاء جبريل إلى مريم العذراء بالناصرة من أرض الجليل، وهي / (1/127/ب) إذ ذاك خطيبة لرجل من نسل داود يقال له: يوسف.
    فقال لها جبريل: أبشري يا ممتلئة بنعمة الرّبّ، مباركة أنت في النساء.
    فلما رأته اضطربت من كلامه، فقال لها جبرئيل: لا تخافي يا مريم فقد [ظفرت] 1 بنعمة من عند الله وأنت تقبلين حبلاً بولد يدعى يسوع، يكون عظيماً وابن [العلي] 2 يُدعى، يعطيه الرّبّ كرسي أبيه داود.
    ويملك على بيت يعقوب.
    فقالت مريم: أتاني ذلك ولم أعرف رجلاً.
    فقال جبريل: روح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك، وهذه اليصابات نسيبتك حبلى بابن على كبر سنها لأنه ليس عند الله أمر عسير.
    فقالت مريم: أنا ذا عبدة الرّبّ فليكن ما قلت"3.

ورد ذلك من الله على مريم مَوْرد الامتنان والإنعام وهو أن يجلس ولدها في دست1داود ويُمَلِّكه رقاب اليهود، فالقول بأن المسيح هلك وما ملك يقضي بالسخرية من البتول، أو البداء من المرسِل2، أو الكذب من الرسول، والكلّ محال، فالقول بقتل المسيح وصلبه محال.
فهذه عشر حجج كلّها تقضي بالثّلب على مدّعي الصلب، ومما يدلّكم على فساد دعوى القتل والصلب ما اشتمل عليه الفصل / (1/128/أ) من الاضطراب وقبيح الألفاظ كقوله لرئيس الكنة: "إنكم من الآن لا ترون ابن الإنسان حتى ترونه جالساً عن يمين القوّة وآتياً في سحاب السماء"3، يريد بالقوّة: الله تعالى.
وكقوله: "إن ناساً من القيام هاهنا لا يذوقون الموت حتّى يرون ابن الإنسان آتياً في ملكوته"4.
وكقول الملك للنسوة: "تعالين فانظرن إلى الموضع الذي كان فيه الرّبّ في القبر"5.
ما أخلق هذه المواضع أن يكون بعض مجان اليهود قد أدرجها في كتاب النصارى ليضحك منهم الناس.
أسمعتم يا معشر النوكى بربٍّ في قبرٍ، وإلهٍ في لحدٍ؟! أيُّ جَدَثٍ وسعه؟! أيُّ كفنٍ واراه؟! أيُّ نعشٍ حمله؟! هل نجا من ضغطة القبر؟! هل لُقِّن حجته عند السؤال؟! هل ثبت جأشه عند طلعة الملك؟!

أُفٍّ لترابٍ تغَشَّى وجه هذا الإله، وتبّاً لكفن ستر محاسنه، وسحقاً لجذع انتصب تحته صلب عليه، عجباً للسماء كيف لم تَبِدْ وهو سامكها وللأرض كيف مل تَمِدْ وهو ماسكها، وللبحار كيف لم تَغِض وهو مجريها، وللجبال كيف لم تَسِر وهو / (1/128/ب) مرسيها، وللحيوان كيف لم يصعق وهو مشبعه، وللكون كيف لم يمحق وهو مخترعه؟! وأنَّى استقام الوجود والرّبّ في اللحود، وثبت العالم على نظام والإله في الرحام؟! لقد لبس الكون ثوباً من القحة صفيقاً، واستمر على البقاء وكان بالفناء خليقاً - فإنا لله وإنا إليه راجعون على المصيبة بهذا الرّبّ والرّزية بهذا الإله، لقد ثكلته أمه التي خلقها وصوَّرها وعدمته الدنيا التي أبدعها وفطرها، فليت شعري هل قُسم ميرائه وعمل مأتمه؟ وهل أخذ بثأره أو سُلم مسلمه؟! هذا وأيبكـ1الخذلان والتلاعب بالأديان.
وفي الفصل موضعان آخران يشعران بأن المصلوب رجل غير المسيح: أحدهما: شكواه العطش، فإنا نعلم أن الإنجيل مصرّح: "بأنّ المسيح كان يطوي أربعين يوماً أو أربعين ليلة"2.
ويقول لتلاميذه: "إن لي طعاماً لستم تعرفونه"3.
ومن صبر عن الماء والطعام ثمانين [يوماً] 4 وليلة لا يجزع من فراقه ساعة واحدة.
وبذلك يتحقق أن العطشان غيره والمستسقي سواه.
والموضع الآخر: / (1/129/أ) قوله: "إلهي وإلهي لِمَ تركتني وخذلتني؟ "، (لِمَ) كما يُعلم كلمة تنافي الرضى بمر القضاء، وتناقض التسليم لأحكام الحكيم ويجل عن ذلك رتبة الصالحين فضلاً عن أكابر المرسلين.
فهذا وما شاكله من كلام المصلوب يوضح ما قلناه في الشبه، فإن أبى النصارى إلاّ أن يكون قائل هذا هو المسيح، قلنا لهم: ألم تزعموا أن المسيح تعنَّى

ونزل ليؤثر العالم بنفسه ويُخلِّصه من الشيطان ورجسه؟! أفتقولون إنه تبرّم بالإيثار واستقال العِثار؟ 1.
آلم ترووا لنا عن التوراة أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون كانوا حين احتضروا مستبشرين بلقاء ربّهم فرحين بانقلابهم إلى شعبهم، لم يجزعوا من الموت ولا هابوه ولا استَوبلَوا2مذاقه ولا أعابوه، هذا وهم عبيد.
والمسيح بزعمكم ولدٌ وربٌّ، أفكان وثوقهم بالله فوق وثوقه، أم حظ المسيح عند الأب دون حظ رقيقه؟! وأما قولهم في الفصل: "إن يسوع صرخ وأمال رأسه وأسلم روحه"، فمناسب لكلام/ (1/129/ب) المجانين، وإلاّ فكيف يتولى الميت في حال النزع تسليم روحه مع شدّة الأمر وعظم الخطب واشتغال البال في ذلك الوقت عن التسليم والتسلم؟! وإن امرءاً تجذب روحه من تحت كلّ شعره من جسده وقد أوثق كتاف ذبيحه، وبر بصره، وانحل عقد تماسكه، واستولت عليه الآلام، ورشقته من جميع جهاته سهام الحمام لغير مختار في تسليم روحه، والعجب من تجاسر هذا الحاكي على قول ما يقطع بكذبه فيه، وذلك أن تسليم روحه غير مشاهد بالعيان فيقع عليه بصر إنسان.
أين قول النصارى في شريعة إيمانهم: "نؤمن بالرّبّ الواحد يسوع المسيح الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كلّ شيء، وليس بمصنوع الذي نزل من السماء لخلاص معشر الناس؟!!.
وكيف يصحّ لهم هذه الدعوى والمصلوب ينادي بحضرة اليهود: "إلهي إلهي كيف تركتني وخذلتني؟!! ".

وكيف يكون خالق السماوات والأرض مقروناً باللصوص مصلوباً على الخشب له إله يدعوه ويسأله أن لا يتركه ولا يخذله؟!!.
فإن كانت / (1/130أ) الأمانة صادقة فالإله الأزلي قد بكى واستغاث وسأل شربة من الماء وقُرِن بالذُّعار وعلُق على الخشب وسمرت يداه بالمسامير، وإن كان الإله الرّبّ الأزلي، يتعالى عن هذه النقائص يتقدس عن أن تناله هذه الرذائل، فالأمانة باطلة، وأقوال مَن عقدها لهم فاجرة، وآراؤهم غاشَّة، وسنأتي على أمانتهم إذا انتهينا إليها، ونوضح فسادها وغشّ من ألفها وسوء رأيه في دين النصرانية إن شاء الله تعالى.
وأما قولهم في الفصل: "إنه حين مات يسوع على الصليب انشقّ حجاب الهيكل، وتزلزت الأرض كلّها، وتشققت الصخور، وتفتحت القبور، وقام القديسيون من قبورهم ودخلوا المدينة حتّى رآهم الناس"

الشمس وحال لون القمر"1.
فذلك كذب ومحال وبهت لا يخفى بحال؛ لأنه لو كان صحيحاً لأطبق الناس على نقله ولم يبق إخفاء مثله، ولزال الشّكّ عن تلك الجموع في أمر يسوع، فحيث داموا على الحجّة له والتّكذيب عنه دلّ ذلك على كذب هذا النّقل.
ومما يوضح ما قلناه / (1/130/ب) أن الأناجيل تشهد في تمام هذا الفصل "أن جماعة من أصحاب يسوع شكوا فيه بعد ذلك فرجعوا عن رأيهم الأوّل"2.
وذلك يكذب قول من قال: "إن العالم تشوش لمصرع يسوع"3.
فإن قيل: إنما لم يشتهر ذلك لأن أصحاب يسوع لم يحضر منهم أحد خوفاً من اليهود، واليهود الذين شاهدوا هذه الآيات تواطؤا على كتمانها بغياً وحسداً.
قلنا: هذه الآيات إذا وقعت عَمَّ عِلْمُها من حضر ومن غاب من الأعداء والأحباب لأنها آيات نهارية، فما بال الهنود والسند والصين والسودان والفرس والترك وسائر الطوائف الذين لم يتعصبوا للأديان ولا انحازوا الملة وشريعة لم ينقلوا هذه الآيات ويلهجوا بها خلفاً عن سلف حقباً بعد حقب؟!!.

وقد نقل المؤخرون في صحفهم أموراً هي أنزر وأقل خطراً من هذا الأمر الذي يَدَّعي النصارى أنه طبَّق العالم الأعلى والأسفل، فلما رأينا هذه الأمم الخالية عن الأهواء والتعصب للشرائع والتزام الأحكام علىكثرتها لم تنقل مما حكاه1النصارى حرفاً واحداً علمنا بالضرورة أن ذلك اخترعه كذبة النصارى ليخدعوا به ضعفائهم،/ (1/131/أ) وسنأتي على قطعة من ذكر حيل القسيسين ومخاريق الرهبان عند وصولنا إلى بابه، فيتوسلون بهذه المخارق إلى جلب الحطام وجذب الدنيا الدّنية بالخطام، والحقّ مستغن عن أن يقوى بهذه الترهات.
وأما قولهم في الفصل: "إن يسوع جاء التلاميذ الأحد عشر بالجليل، وأوصاهم أن يعمدوا الناس، وأنه يكون معهم إلى انقضاء الدّهر"2.
فأقول: انطفأ السراج على التلميذ الثاني عشر، وهو المشهود له في الإنجيل بولاية حساب بني إسرائيل، وبقي كرسيه شاغراً ودسته في القيامة غامراً، وصار أحد الأسباط في القيامة ليس له من يدينه، فاستراح من العتاب وسوء الحساب.
قال المؤلِّف: قلت لنصراني من عقلائهم: "قال يسوع لتلاميذه الاثني عشر وفيهم يهوذا الأسخريوطي الذي أسلمه للقتل والصلب: أتم ستجلسون يوم القيامة على اثني عشر كرسياً تدينون اثني عشر سبط إسرائيل"3.
وذلك شهادة لكل بالزعامة في4القيامة، فكيف صنع أصحابكم في يهوذا وسبطه؟ فإن المسيح يقول: "الويل لمن يُسلم ابن الإنسان كان [خيراً له ألا / (1/131/ب) يولد] 5".

فقال: قد عوَّضوه برجل غيره ونصبناه بدلاً منه لتتم العدة.1
قلت: فليس هذا المُعوَّض هو المخاطب بوعد المسيح بل غيره فقد أخلف قوله: "إن كرسيه لا يجلس عليه غيره، ولا يدين سبطه سواه".
فأبلس العلج2، ولم يحر جواباً.
وأما حكايتهم عنه: "أنه معهم إلى انقضاء الدهر"، فإنه نسألهم فنقول: هل تقولون إن هذا الكلام محمول على ظهره أو محمول على معناه دون ظاهر؟ فإن زعموا أنه محمول على الظاهر لزم منه أن يكون التلاميذ الأحد عشر الآن في قيد الحياة، وسِيَرُهم تُكَذِّب ذلك، إذ يقول إنّ القوم اخترموا موتاً وقتلاً.
وإن قالوا: إن ذلك محمول على المعنى دون الظاهر وهو أن الآن مع كلّ جاثليق وأسقف ومطران وقس وراهب3منهم، قيل: أهو معهم بذاته أم بعلمه؟! فإن زعموا أن المسيح معهم بذاته أكذبتهم شواهد العقول وشواهد

الإنجيل، أما شواهد العقول: فإن العقل فاضٍ بأن الشخص الواحد لا يكون حالاً في عدّة مواضع في حالة واحدة، بل إن شغل مكاناً فرغ من الآخر لا محالة.
وأما شواهد الإنجيل: فإنها / (1/132/أ) مصرحة بأن المسيح كان إن حلّ بالناصرة فارق أورشليم، وإن حلّ بأورشليم فارق الناصرة، ولم يتحدّد له ما يرفع هذا الحكم.
فإن قالوا: لم يرد المعية بذاته بل بعلمه كقول الكتاب العزيز: ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَيْنَمَا كُنْتُم﴾ 1.
قلنا: فاسلكوا التأويل في جميع ظواهر الإنجيل ترشدوا.
فلو ألهم النصارى رشدهم لمحوا هذا الفصل من الإنجيل ودرسوا2خبره، وعفوا أثره، وأدبوا من ينطق به، فإن اللافظ به إنما يُعَرض سبّ إلههم والتنقص من معبدوهم، وإنه فصل وخيم، والعار عليهم في نشره عظيم، إذ مضمونه أن اليهود الملاعين والعبيد المدبرين عدوا على إلههم، ورصدوه، وتوقعوا غرته، فقصدوه، فوضعوا أيديهم عليه ذليلاً، وأناطوا به جوامع وكبولاً، ولم يجد إلى الإفلات منهم سبيلاً.
وهرب تلاميذه عنه وأسلموه، فتناوله أعداؤه بيد القسر وتسلموه وساقوه بينهم يحمل جذعة أسيراً، ثم لُطم حتى حُطِّم، وأُرضع لبان الهوان حتى ودَّ لو قُطم، وتفل في وجهه القيام والقعود من أراذل اليهود، فنَزل به من الدهش

والعطش والكرب ما لا / (1/132/ب) يقصر في الألم عن القتل والصلب، وأنه استسقاهم ماء فسقوه خلاًّ، وسأل البقيا فأسمعوه كلاً، فصرخ على جذعه إلهي إلهي كيف تركتني؟!.
وصرح بالعبودية لا يتلقب ولا يكتني، ولم يزل ينزع في قوس النزاع حتى مرق سهم روحه، ولقد راموا كسر ساقيه كفعلهم برفيقيه، فعُجلت عليه منيته وأُبطلت عنه أمنيته، وأعول عليه أحبابه وتفرق من الفرق أصحابه، وسأل الوالي جسده فدفن وتصدق عليه بالكفن، وهذه لعمرك مَعَرَّة يأنف العاقل من إلصاقها بكلبه، فكيف يلصقها بربّه؟!.
وما أرى مُلحق هذا الفصل بكتاب النصارى إلاّ قد جعل له اليهود جُعْلاً على إلحاقه، ولستُ أُبعد ذلك، فإن يهوذا الأسخريوطي - أحد الاثني عشر المشهود له بالزعامة في المحشر - زعموا أنه ارتشى على يسوع ثلاثين درهماً من اليهود حتى أنزل به من الهوان ألواناً، وإذا كان هذا فعل يهوذا الذي هو أسنى من غيره وأفضل وأرمى عن قوس الصحبة القديمة وأفضل، وقد استمالته الدنيا فادَّرع الفضيحة واستهواه الهوى فحلّ عقيد1/ (1/133/أ) الصحيحة.
فما ظنك بمن لم يصحب المسيح ولم يلقه ومرض بداء الحسد فلم ينقه؟!.
فنسأل الله الذي شرفنا بالإسلام وعرفنا نبيّه عليه السلام أن يقطع عنا أشطان الشيطان ويصلنا بعباده الذين ليس له عليهم سلطان.
ومن أدل الدلالة على كذب النصارى في دعوى القتل والصلب: ما رواه متَّى في إنجيله قال متى: "سأل اليهود المسيح أن يريهم آية فقال: الجيل الشرير

الفاسق يطلب آية فلا يعطى إلاّ آية يونان - النّبيّ: يعني: [يونس] 1 عليه السلام - لأن يونان أقام في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وكذلك ابن الإنسان يقيم في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ"2.
قال المؤلِّف: وكذلك كذب وغلط بإجماع نقلة الإنجيل؛ لأنه لا خلاف بينهم أن المأخوذ صلب في الساعة الثالثة من يوم الجمعة، ثم أنزل من يومه ذاك فدفن ليلة السبت، وأقام السبت كلّه مدفوناً ثم طلب ليلة الأحد بغلس فلم يوجد، فمنهم من قال: قام ليلة الأحد، ومنهم من ذكر أنه قام يوم الأحد باكراً، وإذا كان الأمر كذلك فلم يقم في بطن الأرض سوى يوم واحد وليلتين.
قال المؤلِّف: ولنذكر عشر / (1/133/ب) مسائل مفحمات، تفحم من وردت عليه من النصارى، من ردَّها منهم كفر بالتوراة والإنجيل والنبوات، ومن قَبِلَها كفر بالأمانة التي لهم والصلوات ودين النصرانية جملة: المسألة الأولى من العشر المفحمات: هو أنا نسألهم عن قول القائل: إن الله - الأزلي خالق العالم ونافخ الروح في حواء وآدم - هو إله واحد فرد حيّ عالم قادر مريد سميع بصير متكلم3، أحقّ ذلك أم باطل؟.

فإن قالوا: إنه حقّ، أبطلوا دين النصرانية وكفروا بالأمانة والصلوات الثمانية التي لهم، إذ سائر فرق النصارى اليوم يدينون بعبادة ثلاثة آلهة قديمة أزلية وإنسان من بني آدم يُسمَّى يسوع النصارى.
فيقرؤون في أمانتهم التي هي أصل دينهم: "نؤمن بالله الأبّ الواحد ضابط الكلّ، ونؤمن بالرّبّ الإله الواحد يسوع المسيح الإله الحقّ الذي بيديه أتقنت العوالم وخلق كلّ شيء، ونؤمن بروح القدس الواحد المحيي".
فعبدوا ثلاثة آلهة، والتوراة وسائر النبوات تقول: هو واحد جلّ وعلا.
ويقرؤون في صلاة لهم تعرف عندهم بصلاة النوم: "الملائكة يمدحونك بتهليلات مثلثة أيها الأبّ؛ لأنك لم تزل وابنك / (1/134/أ) نظيرك في الابتداء وروح القدس مساويك في الكرامة ثالوث واحد".
فقد صرحوا في الأمانة التي لهم والصلوات بعبادة ثلاثة آلهة قديمة أزلية وإنسان من بني آدم يسمّى يسوع المسيح وذلك مضاد لتوحيد الذي سلَّموا صحته.
وإن قالوا: بل ذلك باطل وكُفر، كفروا بتوراة موسى وإنجيل عيسى ومزامير داود ونبوة أشعيا وسائر النبوات.
قال الله في التوراة: "يا موسى أنا الله ربّك وربّ آبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب قد ذكرت عهدي لإبراهيم، وقد عرفت ذلّ شعبي بمصر، اذهب إلى فرعون، وقل له: هكذا يقول لك إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب أرسل شعبي يعبدني، فقال موسى: يا ربّ أنا أذهب إلى بني إسرائيل فأقول الرّبّ إلهكم أرسلني إليكم، فيقولون لي: ما اسمه؟ فقال الله تعالى: قل لهم: الأزلي الذي لم يزل أرسلني إليكم"1.
وقال الله تعالى في التوراة: "إني أنا [أهيه الذي أهيه] 2 إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب هذا اسمي إلى الأبد وإلى دهر الداهرين".

وقال الله لموسى في التوراة: "أنا الله / (1/134/ب) إلهك فلا يكن لك إله غيري فلا تعبده ولا تسجد له ولا تشبهه بشيء مما في السماء ولا مما في الأرض ولا مما في البحار"1.
وقال الله تعالى في التوراة: "اعلم أني أنا الله وحدي وليس معي غيري، أنا أميت وأحيي وأنا أقسم وأبرئ، ولا ينجو أحد من يدي"2.
وإفراد الباري بالوحدانية ونفي الشركاء في التوراة كثير جدّا.
وقال المسيح في إنجيل متّى: "لا صالح إلاّ الله الواحد"3.
وقال المسيح في إنجيل يوحنا ورفع بصره إلى فوق: "إلهي إن الحياة الدائمة تجب للناس إذا علموا أنك الواحد الحقّ الذي أرسلت المسيح"4.
وقال أيضاً في إنجيل متّى جواباً للشيطان - حين قال له اسجد لي وأعطيك جميع ما في العالم -: "أغرب عني يا شيطان، فإنه مكتوب للرّبّ إلهك اسجد وله وحده اعبد"5.
وقال في إنجيل يوحنا "إني ذاهب إلى إلهي وإلهكم"6.
وقال في إنجيل يوحنا أيضاً: "إني لم آت لأعمل بمشيئتي بل بمشيئة من أرسلني"7.
وقال في إنجيل مرقس: "إلهي إلهي لِمَ تركتني؟ "8. وقال في إنجيل متِّى: "يا أبت إن أمكن صرف هذا الكأس عني فأصرها / (1/135/أ) لكن كما تشاء أنت لا كما أشاء أنا"9.
وقال مرقس في إنجيله: "سأل المسيح

عن يوم القيامة، فقال: لا يعرفها ملائكة السموات ولا الابن يعرفها ولا يعرف ذلك اليوم سوى الأبّ وحده"1.
وقال في إنجيل يوحنا في الفصل الأوّل منه:"الله لم يره أحد قط"2.
وقال فيه لليهود: "لِمَ تطلبون قتلي وأنا رجل كلمتكم بالحقّ الذي سمعته من الله تعالى؟! "3. وقال لليهود أيضاً:"لم تمجدون الناس ولا تجدون الله الواحد؟! "4. وقال في إنجيل متّى: "إنّ ربّكم واحد فرد"5.
وقال شمعون الصفا في كتاب فراكسيس تأليف لوقا: "يا بني إسرائيل اسمعوا مقالتي: إن يسوع الناصري رجل ظهر لكم من الله بالقوّة والأيد والعجائب التي أجراها على يده"6.
قال داود في المزمور السابع عشر: "الله لا ريب فيه، هو منجي من توكّل عليه، لا إله إلاّ الرّبّ ولا عزيز مثله"7.وذلك في المزامير كثير جدّاً.
وقال داود في المزمور التاسع والأربعين: "اسمع يا إسرائيل: أنا الله إلهك لست/ (1/135/ب) أوبخك على ذبائحك وقودك أمامي في كلّ حين"8.
وقال فولس في رسائله: "إنه لا إله إلاّ واحد"9.
وقال أيضاً: "إن كان في الأرض آلهة وأرباب كثير فإن إلهنا إله واحد، هو الأب الذي منه كلّ شيء

ونحن به تعالى"1.
فمن زعم أن الذي ذكرناه كُفْرٌ فقد كَفر بتوراة موسى وإنجيل عيسى ونبوات الأنبياء.
المسألة الثّانية من العشر المفحمات: إنا نسألهم عن هذا الإله الواحد الأزلي جلّ وعلا، أهو جسم ذو لحم ودم وأعضاء وشعر وظفر أم يتنَزَّه ويتقدّس عن ذلك؟ فإن قالوا: إن الباري يتقدس عن ذلك إذ هو خالق الأجسام، أخرجوا المسيح من الربوبية إذ الإنجيل يشهد من فاتحته إلى خاتمته بأنه ذو جسد ولحم وشعر وظفر، لا يفارق المخلوقين في شيء ولا يباينهم في هيئة.
وإن وصفوا الباري بهذه النقائص أكذبتهم التوراة والإنجيل والنبوات، قال الله تعالى في التوراة: "لا تشبهوني بشيء مما في السماوات فوق ولا في الأرض أسفل ولا في البحار تحت ولا بشيء / (1/136/أ) مما يدبّ من الحشرات والهوام"2.
وغير ذلك وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثلِه شَيءٌ... ﴾ 3. وقال موسى في التوراة: "لا إله مثل إلهنا"4.
وقال أيضاً فيها: "لا إله مثل إله بني إسرائيل"5.
والمسيح مما في الأرض وله أمثال وأشباه وأشكال.
وقال المسيح في الإنجيل: "إن الله لا يأكل ولا يشرب ولا رآه أحد قط"6.
وذلك يقضي بنفي الجسمية عنه.

وقال داود في المزمور السبعين: "عليك توكلت يا ربّ، فلا أخزى أبداً، أنت إلهي وحافظي وحصني الذي ألجأ إليه في كلّ حين، أنت صانع العجائب لا نظير لك يا قدوس إسرائيل"1.
المسألة الثّالثة من المفحمات: إنا نسأل النصارى عن الرّبّ الخالق الأزلي إله إبراهيم وداود وسائر العالم، هل يفتقر إلى الطعام والشراب فيجوع ويعطش وينام ويسهر وحزن ويفرح ويمشي ويركب أم لا؟ فإن قدَّسوا الباري عن هذه النقاائص تركوا القول بربوبية المسيح؛ إذ الإنجيل من فاتحته إلى خاتمته يشهد بملابسة المسيح لهذه الأمور / (1/136/ب)، وإن جوَّزوا ذلك على الباري جلّ وعلا كفروا بالإنجيل والمزامير، قال المسيح في الإنجيل: "الله لا يأكل ولا يشرب ولا رآه أحد".
وقال داود في المزمور التاسع والأربعين2: "اسمع يا إسرائيل: أنا الله إلهك لست أوخك على ذبائحك وقودك أمامي في كلّ حين، لا أقبل ثيران بيتك ولا جداء غنمك؛ لأن لي جميع حيوان البرّ وطير السماء ووحش الصحاري، وأحسن الحقول معي، لي الدنيا وما فيها، لا آكل لحوم الثيران ولا أشرب دمّ المعزّ، أذبح ذبيحة المسيح، وأوفي للعلي نذورك، وادعني في يوم شدتك أنقذك".
وقال داود: "إن حارس بني إسرائيل لا تأخذه سنة ولا نوم"3.

فمن زعم أن الباري مفتقر إلى هذه الأمور فللحيوان البهيم عليه فضل عظيم بشهادة نبيّ الله أشعيا حيث يقول في نبوته: "عرف الثور والحمار مَن مالكه ولم يعرف بنو إسرائيل إلههم"1.
وقول داود عن الله: "لا آكل لحوم الثيران ولا أشرب دماء المعز".
موافق لقول الله تعالى في الكتاب العزيز (1/137/أ) : ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُم﴾.
[سورة الحجّ، الآية: 37].وقوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُون﴾.
[سورة الذّاريّات، الآية: 57].
المسألة الرّابعة من العشر المفحمات: إنا نسألهم هل كان مع الله في أزله إله ثانٍ أو ثالث يشاركه في الربوبية ويساويه في الألوهية أم لم يزل سبحانه واحداً بغير ثانٍ وثالث؟!.
فإن قالوا: لم يزل واحداً فرداً وافقوا الملة الحنيفية، وفارقوا دين النصرانية حيث يقرؤون في الصلاة الأولى وهي التي يسمّونها صلاة السحر: "أيها المسيح ارحمنا واقبل تضرعنا، تعالوا نسجد لمسيح إلهنا، أيها الرّبّ المسيح حامل خطايا العالم ارحمنا أيها المسيح، أنت وحدك القدوس المتعالي بار كلّ يوم إلى الأبد".
وإن قالوا: بل كان معه في أزله آلهة أخرى، أكذبتهم التوراة والإنجيل والنبوات.
قال الله تعالى في التوراة في السفر الأوّل منها - ويسمى سفر الخليقة -: "في البدء خلق الله السماء والأرض، وكانت الأرض خالية / (1/137/ب) خاوية غير مرئية، والظلمة غاشية وجه الغمر، روح الله يوف على المياه، فقال الله: ليكن كذا ليكن كذا، إلى أن أكمل سبحانه خلق السماء والأرض وما فيها في ستة أيام ثم خلق آدم وخلق منه حواء زوجته"2.

فالتوراة من فاتحتها إلى خامتها مصرحة بوحدانية الله تعالى، وأنه ليس معه إله غيره، وأنه مستبد بالخلق والاختراع.
وقال التوراة:"وكلّم الله آدم"1."وكلّم الله قايين"2."وكلّم الله نوحاً"3.
"وكلّم الله موسى"4.كلّ ذلك بلفظ الوحدة ونفي الشركاء.
وقد قال موسى في السفر الخامس: "إلهي، أيّ إله في السماء أو في الأرض يعمل مثل أعمالك؟ "5. وقال موسى في هذا السفر وهو يوصي بني إسرائيل: "احترسوا واحتفظوا بنفوسكم جداً، فإنكم لم تروا شبهاً في اليوم الذي كلمكم الله ورأيتم مجده، إياكم أن تبعدوا آلهة معمولة من الخشب والحجارة وغيرها، فحينئذٍ تطبون الله فلا تجدونه، أقبلوا يا بني إسرائيل إلى الله ربّكم وجده، واعبدوه، ووحّدوه، تجدونه إذا طلبتموه من كلّ قلوبكم وأنفسكم/ (1/138/أ) لأن الله ربّكم إله رحيم لا يخذل ولا يُسلِّم من عَبَده ووحَّدَه وعلم أنه لا إله غيره هو ربّ كلّ شيءٍ وإلهه، واعملوا أن الله هو إله في السماء فوق وفي الأرض أسفل وليس إله سواه"6.
وقال الله تعالى في هذا السفر من التوراة: "احفظوا ما آمركم به، ولا تحيدوا عنه يميناً ولا شمالاً، بل سيروا في الطريق التي أمركم بها إله ربّنا واحد فأحبوه من كلّ قلوبكم وأنفسكم وأموالكم، واكتبوا ذلك في قلوبكم، وتكلموا به إذا سافرتم أو أقمتم أو رقدتم وشدّوه على أبدانكم، وليكن مَيْسَماً بين أعينكم،

واكتبوا على [قوائم] 1 بيوتكم وأبوابكم.
واتّقوا الله وإيّاه فاعبدوا، وباسمه فاقسموا، ولا تعبدوا آلهة أخرى، فالله ربّكم إله غيور"2.
وقال الله في التوراة: "إن دعاك قريبك أو صديقك إلى عبادة إله غير الله فاقتله ولا تحنن عليه ولا ترحمه، أنا الله وحدي وليس معي غيري"3.
وقال رجل للمسيح في الإنجيل: "يا معلم، ما أوّل الوصايا؟ فقال المسيح: أوّل الوصايا كلّها اسمع يا إسرائيل، الرّبّ واحد، أحبب الرّبّ إلهك من كلّ قلبك ومن / (1/138/ب) كلّ قوتك، ففي هذا جميع نواميس الأنبياء"4.
وقال المسيح في إنجيل يوحنا: "ورفع رأسه إلى السماء: أنت الإله الحقّ وحدك الذي أرسلت يسوع".
وقد قال في النبوات: "أنا الله الأوّل، أن الله الآخر وليس معي غيري"5.
فمن زعم أن مع الله تعالى غيره فقد كفر بما تلوناه من كتب الله، وصار لا مسلماً ولا يهودياً ولا نصرانياً، ومن صرّح بذلك لم يقبل منه سوى الإسلام أو السيف.
المسألة الخامسة من العشر المفحمات: إن نسأل النصارى عن الرّبّ الأزلي جلّ وعلا، هل يجوز أن يُقهر ويُغلب ويُقتل ويُصلب أم لا؟ فإن نزّهوا الباري عن ذلك أبطلوا قولهم في المسيح، إذ يقرؤون في صلاة الساعة السادسة: "يا من سُمِّرت يداه على الصليب خرق العُهْدة المكتوب فيها خطايانا وخلّصنا، يا من سُمِّر على الصليب وبقي حتى لصق دمه عليه، قد أحببنا الموت لموتك، نسألك يا الله بالمسامير التي سُمِّرت بهم نَجِّنَا".

وإن جوّزوا ذلك على الله تعالى أكذبتهم التوراة والإنجيل والمزامير، / (1/139/أ) إذ التوراة تشهد في السفر الأوّل1منها أن الله أنزل الطوفان، وأهلك الجبابرة والفراعنة والطغاة والنماردة وسائر الملوك من بني آدم وكلّ ذي روح من الحيوان البهيم وغيره، وكذلك تشهد أنّ الله غَرَّق فرعون وهو في ستمائة ألف فارس في البحر في ساعة واحدة2، ولم يُقْهر سبحانه ولم يغلب بل هو القاهر الغالب جلّ وعلا.
وقد قال المسيح في إنجيله: "لا صالح إلاّ الله الواحد، ولا يعلم يوم القيامة سوى الله وحد".
فمن ألحق بالله شيئاً من هذه النقائص فقد افترى على الله، تعالى الله عن قول الجاهلين علوّاً كبيراً.
قال داود في المزمور السابع عشر: "لا إله إلاّ الله، لا عزيز مثل إلهنا، الذي عَلَّم يدي القتال، وشدّد ذراعي مثل قوس النحاس، يمينه نصرتي، أطلب أعدائي فأدركهم، عضّدي في الحرب، بقوته جعل الذين قاموا عليّ تحتي، سحق أعدائي مثل التراب ومثل طين الطرق أطؤهم، صيَّرهم رأساً على الشعوب"3.
المسألة السّادسة من العشر المفحمات: إنا نسأل النصارى عن ما تضمنه الإنجيل من أقوال المسيح وأقوال تلاميذه فيه أحقّ هو أم باطل؟ فإن زعموا أنها باطلة كفروا بالمسيح، وساووا في ذلك اليهود والمجوس وغيرهم.
وإن قالوا: إنها حقّ وصدق، اعترفوا بعبودية المسيح ونبوته ورسالته

أسوة غيره من الأنبياء والمرسلين، إذ قال المسيح في إنجيله: "أنا ذاهب إلى إلهي وإلهكم".
وقال المسيح فيما حكوا عنه: "إلَهي إلَهِي لِمَ تركتني؟ ". ولا خلاف بين النصارى أن المسيح تطهَّر وتعمَّد وصام وصلى وتعبَّد وأخلف إلى العلماء في طلب العلم وتردد: "وفاوضته امرأته من السامرة فقالت له: إن آباءنا سجدا في هذا الجبل، فكيف تقولون أنتم إنه أورشليم؟ فقال: يا هذه أنتم تسجدون لما لا تعلمون، ونحن نسجد لمن نعلم"1.
أخبرها أن له ربّاً يسجد له وإلهاً يعبده، وذلك مقصد لقوله تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الكِتَابَ﴾.
[سورة مريم، الآية: 30].
وقد قال متَّى في إنجيله: "إن المسيح حين دخل أورشليم وارتجّت المدينة لدخوله، قال الناس: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل"2.
وقال لوقا في/ (1/140/أ) إنجيله.
"صحب يسوع بعد قيامه رجلين، وهما يتحدثان في أمره، فقال لهما: من تذكران؟ فقالا: يسوع الناصري كان رجلاً نبيّاً قويّاً بالأعمال"3.
فأقرّهما ولم ينكر عليهما.
وقال لوقا: "لما أحيا يسوع المسيح ابن الأرملة وسلّمه إلى أمه، قال الناس: لقد قام فينا نبيّ كريم، وتعاهد الله شعبه بصلاح، فذاع ذلك في اليهودية"4.
ولم ينكره عليه السلام.
وقال بوحنا في إنجيله: "كان الناس إذا سمعوا كلام المسيح ورأوا وجهه قالوا: هذا النّبيّ حقّاً"5.
وقال لوقا: "قال الفريسيون ليسوع: اخرج من هاهنا، فإن هيرودس يريد قتلك، فقال: امضوا وقولوا له إني أقيم هاهنا اليوم

[وغداً] 1 وفي اليوم الثالث أكمل لأنه لا يهلك نبي خارجاً عن أورشليم"2.
وقال يوحنا حبيب المسيح: "إن المسيح لما أطعم من حوتين وخمس خبزات جماً عظيماً، قال الناس: حقّاً إنّ هذا لهو النّبيّ الآتي إلى العالم"3.
فإن صدّق النصارى أقواله وأقوال تلاميذه فقد اعترفوا بعبوديته ونبوته، وإن ردوا أقواله كفروا به جملة، وساووا في ذلك سائر الكفار/ (1/140/ب).
المسألة السابعة من العشر المفحمات: إن نسأل النصارى عن يسوع المسيح، هذا الذي يتّخذونه إلهاً مع الله، هل كان آدم ونوح وإبراهيم وموسى وهارون وأهل مللهم في زمانهم يعرفونه أم لا؟.
فإن زعموا أنهم ما كانوا يعرفونه فقد أزروا على من ذكرنا من أنبياء الله وأهل صفوته وشهدوا عليهم بالكفر الصريح، إذ كانوا لا يعرفون ربّهم يسوع المسيح الذي لا يصحّ التوحيد دون معرفته.
وإن قالوا: إنهم كانوا عارفين به أنه هو ربّهم وخالقهم، أكذبتهم كبتهم ونبواتهم، إذ ليس فيها شيء من هذا القبيل، وأزروا على المسيح وعلى تلاميذه وخطوؤهم في أقوالهم، إذ يخاطبون المسيح بلفظ العبودية والنبوة والرسالة كما تقدم في بابي عبوديته ونبوته.
وكيف يكون المسيح ربّ موسى وإبراهيم ومَن ذكرنا وشمعون الصفا رئيس الحوريين يقول في رسالته إلى إخوانه: "اعلموا أن الله أرسل إليكم يسوع المسيح"4.
ويقول: "اعلموا أن المسيح رجل جاءكم من الله بالقوة والأيد؟ "5.

فكيف يكون المسيح ربّاً وإلهاً والمعمداني يغسله / (1/141/أ) ويعمّده بالماء ويقول حين رآه: هذا الذي قلت لكم إنه يأتي بعدي وهو أقوى منّي؟!.
وكيف يكون المسيح إلهاً لداود وغيره، وداود يقول في مزاميره: "إن المسيح يكون كاهناً مؤيّداً من الله يشبه "ملكي صادق"، خادم البيت المقدس؟! "1. وقد قال المسيح: إنه أفضل من يونس بن متّى2، وإنه أفضل من سليمان.3
وقال فولس: إنه أفضل من موسى بن عمران.4
فهذه الأقوال من المسيح ومن خيار أصحابه ومن بينا عليه من الأنبياء دليل على كذب النصارى.
المسألة الثامنة من العشر المفحمات: إنا نسألهم عن آدم عليه السلام لما زلَّ وهفا، هل استرجع وتاب وأقلع وأناب أم لا؟ فإن زعموا أن آدم لم يتب، أكذبتهم الكتب التي بأيديهم، فإنها مصرحة بأنه حين أسف وندم لجأ إلى الله، وتاب الله عليه.
وإن اعترفوا بتوبته - ولا بُدَّ لهم من ذلك - قيل لهم: فلا حاجة إذاً إلى قتل المسيح وصلبه إذ التوبة [تمحو] 5 الجريرة، ولا تدع على التائب صغيرة ولا كبيرة.
فإن قالوا: إنه لا بُدَّ من قتل المسيح، فالتوبة لا أثر لها بل حال التائب بعد التوبة النصوح حاله قبل التوبة في ملابسة القبيح / (1/141/ب).

فالقول بصحّة التوبة ينفي القول بالقتل والصلب، والقول بالقتل والصلب ينفي صحّة التوبة.
المسألة التّاسعة من العشر المفحمات: إن نسأل النصارى هل يوصف الباري سبحانه بالجهل بالغيب أم لا؟ فإن وصفوه بذلك تجاهلوا، إذ التوراة والإنجيل وسائر كتب التَّنْزِيل تشهد بأنه تعالى عالم بالمغيبات، محيط بما تحت تخوم الأرضين إلى أعلى السموات، ﴿أَلاَّ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِير﴾.
[سورة تبارك، الآية: 14].
فإن قالوا: إنه لا يصلح مَن هذا حاله للربوبية تركوا ما يهتفون به من ربوبية المسيح إذ "سُئل عليه السلام عن القيامة وعن يومها فقال: لا أعرف يومها ولا ساعتها ولا يعرفها إلاّ الله وحده"1.
و"قال لمريم ومرثا - أختي ألعازر حين مات - أين دفنتموه؟ "2. و"قال عليه السلام لرجل: منذ كم أصاب ابنك هذا المرض؟ "3. و"قصد شجرة تين ليصيب منها، فلم يجد بها ثمرة فدعا عليها"4.
و"جاءته الكنعانية مؤمنة به، فلم يعلم بإيمانها"5.
فهذا مصرح بأن المسيح عليه السلام لا يعلم إلاّ ما علمه الله ربّه وإلهه، وفي ذلك تكذيب لقولهم في الأمانة التي لهم / (1/142/أ) إذ يقولون: "إن المسيح إله حقّ وإنه خالق كلّ شيء، وإنه بيديه أتقنت العوالم، فإن كانت الأمانة صحيحة فقد كذب الإنجيل، وإن كان الإنجيل صحيحاً فقد كفر من عقد لهم هذه الأمانة، التي هي في الحقيقة فساد الأمانة.

فصول الكتاب · 17 فصل · 985 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تخجيل من حرف التوراة والإنجيل · 985 صفحة
مقدمة...الفصل الأول: عصر المؤلف...الفصل الثاني: حياة المؤلف...الفصل الأول: دراسة الكتاب...الفصل الثّاني: التّعريف بالمخطوطة وبيان منهج التّحقيقالقسم الثاني: خطبة الكتاب...
الباب الأوّل: في كون المسيح عبداً من عبيد الله بقوله وفتواه
الباب الثّاني: في إثبات نبوّته وتحقيق رسالته
الباب الثّالث: في تأويل ظواهر الإنجيل
الباب الرّابع: في تعريف مواضع التّحريف
الباب الخامس: في أنّ المسيح عليه السلام وإن قُصدَ وطُلبَ فما قُتلَ وما صُلبَ
الباب السّادس: في الأجوبة المسعدة عن أسئلة الملحدة
الباب السّابع: في إفساد دعوى الاتّحاد والتّثليثالباب الثامن: في الإبانة عن تناقض الأمانة...
الباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النّصارى واليهود
الباب العاشر: في البشائر الإلهية بالعزة المحمدية...
مصادر ومراجع...
جارٍ التحميل