أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الثّالث: في تأويل ظواهر الإنجيل

/ (1/77/ب) اعلم - رحمك الله - أنه إنما دخل الخلل على النصارى وغيرهم ممن بضاعته من المعقول مزجاة، ومن جهلهم بمقتضيات الألفاظ وعدم المعرفة بوجوه الكلام ولقصور أفهامهم هابوا تأويل الظواهر فلم يحملوها على بعض محتملاتها بالدليل، وليس ذلك صواباً، بل ينبغي حراسة ما دَلَّ عليه دليل العقل الذي لا احتمال فيه، فإذا ورد لفظ عرض ظاهره على ما ضبطه دليل العقل، فإن لم يَنْبُ عنه استعمل الظاهر من اللفظ ولم يتأول، وإن نبا عنه طُلب له [وجه] 1 يحمل عليه ما يحتمله ليجمع بين اللفظ وبين مقتضى العقل2، إذ الشرع لا

يرد بخلاف ما يقتضيه العقل.
فإذا عرفت هذا فاعلم أن الألفاظ التي زلوا فيها وقدروها نصوصا وليست

بنصوص أربعة: الإبن، والأب، والإله، والرب.
وإذا نحن أتينا عليها بالتأويل1وبيّنا ما يحتمله بالدليل من التوراة والإنجيل لم يبق إلى إجرائها على الظاهر من سبيل، بعد أن / (1/78/أ) نقدّر صحّتها مثلاً ونسلم ورودها جدلاً، ولو نسبناهم فيها إلى التحريف والتصحيف لأغريناهم بطغيانهم وحسمنا عنهم مادة إيمانهم، بل نلاطفهم ونتكلم بمقتضى اصطلاحهم ومنقولهم فعسى أن يكون ذلك أقرب لمعقولهم، فأما الخوض بهم في أدلة العقول فشيء لا تحمله قواهم ولا يلائم هواهم.
فنقول - وبالله التوفيق -: أما لفظتا الابن والأب: فلغتهم تسمي الولي (ابناً) وتسمي المربِّي (أباً) 2 ويعبرون عن ذلك بأبوَّة النعمة وبُنُوَّة الخدمة وذلك

عندهم مشهور وفي نبوات أنبيائهم مذكور مرسوم والدليل عليه من التوراة قول الله لموسى: "اذهب إلى فرعون فقل له: يقول لك الرّبّ إسرائيل ابني بكري أرسله يعبدني فإن أبيت أن ترسل ابني بكري قتلت ابنك بكرك"1.
قالت التوراة: "فلما لم يرسل فرعون بني إسرائيل كما قال الله قتل الله أبكار فرعون وقومه من بكر فرعون الجالس على السرير إلى الأتوني من أولاد الآدميين إلى ولد الحيوان البهيم"2 / (1/78/ب).
فهذه التوراة تُسَمِّي بنبي إسرائيل كلهم أبناء الله وأبكاره وتسمي أبناء أهل مصرأبناء فرعون وتوسع بتسمية سخال3الحيوان أولاداً لمالك الحيوان.
فهل بقي بعد هذا ريب في صرف البنوة عن ظاهرها وحملها على الوليّ والعبد؟! ألم تسمع النصارى قوله الله: "أرسله يعبدني"، فعبر عن العبد المطيع له الممتثل أمره بالابن؟! 4.

قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "قَلَّ ما رأيت لفظة الابن في كتبهم إلاّ مقرونة بالعبودية والتعبد كقول التوراة: "إسرائيل ابني بكري أرسله يعبدني"1.
وكقول المزامير: "أنت ابني سلني أعطيك"2.
وكقول المسيح: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم"3.
وكقوله: "إذ صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات قدوس اسمك افعل بنا كذا وكذا"4.
من باب السؤال والدعاء، فإذا كان إسرائيل ابن الله وبكره، فأيُّ مزية للمسيح عليه وعلى غيره في هذه البنوّة؟!

وقال أيضاً في التوراة في قصة الطوفان: "إنه لما نظر بنو الله إلى بنات الناس [حسانا] 1 جدا شغفوا بههن فنكحوا منهن ما أحبوا واختاروا فلولدوا جبابرة مذكورين / (1/79/أ) فأفسدوا فقال الله: لا تحل عنايتي على هؤلاء القوم"2.
قال المؤلِّف: أراد بأبناء الله أولاد القتيل من بني آدم وهو هابيل، وأراد ببنات الناس بنات القاتل وهو قابيل، وكُنَّ [حسانا] 3 جدا فصروا قلوبهن عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام، وقد سمَّى الله أولاد الصلحاء من عباده أبناء له إذ كانوا أولياءه وأبناء وليه وصفيه الشهيد.
فدلّ على ما قلناه من تسمية الولي في شرع أهل الكتاب ابناً والمربِّي له أباً ومنعماً، وذلك لا خفاء به عندهم، والدليل على ذلك من المزامير قول الله: "يا داود أنت ابني حبيبي"4، وذلك يقضي بمساواته المسيح إذ يقول له: "هذا ابني الحبيب"5.
فما نرى الإنجيل زاد المسيح على أن ساواه بداود وإسرائيل وأولاده الصلحاء من أولاد هابيل الذي قتله قابيل.
وقال في المزامير لداود أو لغيره: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك، سلني أعطيك"6.
وفي المزامير: "ولدتك من البطن قبل الفجر"7.
وقال نبي الله أشعيا في نبوته حاكياً عن الله: "توصوا بني في أبنائي وبناتي"8.
يريد ذكور عباده / (1/79/ب) الصالحين وإناثهم.

وقال الله في نبوة أشعيا: "إني ربيت أولاداً حتى كبروا ونشأوا"1، فما نرى المسيح إلاّ نسج له على منوال من تقدمه من صلحاء عباد الله فإن لم يصح هذا النقل فلا بنوة، وإن كان صحيحاً فلا مزية.
والدليل على أن البنوة بمعنى التربية والإنعام قول المسيح في الإنجيل: "إني رباني"2، فقرن الأبوة بالتربية.
وقال المسيح: "أنا الكرم وأبي الفلاح فكما أن الفلاح يسقي الكرم ويدفع عنه الأذى ويُنمِّيه فكذلك يفعل الأب"3.
قال المؤلِّف: وإذا كان هذا نقلهم عن الله تعالى أن الله تعالى سمَّى الصالحين من عباده والمتقين من خلقه أبناء، فلا معنى لإطنابهم في بنوة المسيح وتخصيص التأويل بداود وإسرائيل وغيره ما إليه من سبيل.
قلت: وهذه الولادة الروحانية هي الأبوة المعتبرة المستفادة من تربية المشائخ والعلماء بالله الدالين عليه المحبين عباده، وبها يصير الإنسان إنساناً، وذلك أن الوالد الجسماني يضع المولود ساذجاً عن المعرفة، خالياً عن العلم، عاطلاً من الأدب، متوفر البهيمية / (1/80/أ) نزر الإنسانية، ليس له كبير فضل على الحيوان البهيم، فإذا ولد الولادة الروحانية نقل إلى طور الإنسان، وحُوِّل عن بهيم الحيوان، فتروى بالعلم، وتحلَّى بالحكم، وتَشَنَّف بالأدب، وتشرف بالزهد، وتَرَوْحن بالمعرفة، فترقى عن الإنسانية وناسب الملائكة، فحينئذٍ تمت له الولادة الروحانية وتلاشت في جنبها الولادة الترابية الجسمانية.

والدليل على اعتبار هذه الولادة قول المسيح: "لن يدخل ملكوت السماوات من لم يولد من ذي قبل، قيل له: كيف يولد شيخ، قال: الحقّ أقول لكم إن المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح روح هو"1.
يريد عزوجل روح الحكمة التي قالت التوراة: "إنها ملأت بصلئيل من سبط يهوذا"2.
"وقال رجل من أصحاب المسيح له: يا سيد مرني أن أذهب فأدفن أبي، فقال: دع الموتى يدفنون موتاهم"3.
أمره بملازمة الأب الروحاني الذي يكون سبب الحياة الدائمة.
ولما استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد4على مكّة قال: "يا عتاب أتدري على من استعملتك؟ / (1/80/ب) استعملتك على أهل الله، قالها مرات"5.
وقال عزوجل: "أهل القرآن هم أهل الله"6.

وقيل لأبي بكر الصّدِّيق: ماذا تقول لربّك وقد استعملت علينا عمر؟ فقال: "أقول: استعملت على أهلك خير أهلك"1.
وذلك لكه للتشريف وإلاّ فلا مناسبة بين القديم والحادث والخالق والمخلوق وبعد، فقد كانت هذه الولادة - أعني ولادة التربية - مشهورة في الزمن الأوّل والدهر المتقدم، فكأن التبني بالغير مسوغ فانظر إلى المعنى الذي أشرنا إليه، ولم يزل ذلك كذلك إلى قبيل الإسلام ولما قال عزوجل: "إن زيداً2ابني يرثني وأرثه، رضي بذلك والد زيد وعمومته وانصرفوا"3.
فلما جاء الله بالإسلام والنبوة منع من ذلك رفعا للالتباس بالتسمية وأحكام الأبوة الدنيوية فقال جل من قائل: ﴿ادْعُوهُم لآبَائِهِم﴾.
[سورة الأحزاب، الآية: 5].
فإن أراد النصارى بالأبوة والبنوة المذهب الروحاني من التربية والتعليم والتهذيب والتقويم، لم نشاححهم في الألفاظ بعد فهم المعاني، لكنا نقول لهم: لا اختصاص للمسيح عزوجل بهذه البنوة، ونتلو عليهم ما تقدم مما نقلناه من التوراة والنبوات والإنجيل.

(1/81/أ) الدليل على مساواة المسيح غيره في هذه البنوة وأنه لم يخص بها نفسه: وذلك في الإنجيل كثير جداً قال المسيح في خاتمة الإنجيل: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" فقد سوى بين نفسه وبين تلاميذه في هذا المعنى ويوضحه قوله: "وإلهي وإلهكم"، فإن رام النصارى تفرقة بين المسيح وبين غيره قلبنا عليهم الكلام وعكسنا المرام حتى يضطرهم الحجاج إلى جعل البنوة في حق المسيح وغيره بمعنى واحد.
قال المؤلِّف لقد فاوضني بعض الرهبان ممن يدَّعي بناناً في البيان، فأفضى الحديث معه إلى ذكر الابن والبنوة، فألزمته قول التوراة: "ابني بكري" وقلت له: لعل البكر يكون أحظى عند والده، وأولى بطريف1بِرِّه وتالده2، فما تقول في بنوة إسرائيل؟ فقال: إسرائيل وغيره ابن النعمة والمسيح ابن على الحقيقة، فعكست عليه كلامه فتبلد واختزى ولجأ إلى ضعف العبارة واعتزى.3
وقد سوَّى المسيح بين نفسه وبين سائر المطيعين من عباد الله في هذه البنوة وقد أخبر يوحنا الإنجيلي في الفصل الثاني من الرسالة4الأولى أن إطلاق لفظ البنوة إنما هي / (1/81/ب) مجرد تسمية امتن الله بها عليهم تشريفاً لهم فقال: "انظروا إلى محبة الأب لنا أنه أعطانا أن ندعا له أبناء"5.
ثم قال في الفصل الثالث منها: "أيها الأحباء الآن صرنا أبناء الله وقد تبنَّن بنا فينبغي لنا أن نَنْزِله من الإجلال

على ما هو عليه، فمن صحّ له هذا الرجاء فليزك نفسه بترك الخطيئة والإثم واعملوا أن من لابس الخطيئة فإنه لم يعرفه"1.
قال متى: "قال المسيح: أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى من يبغضكم وصلوا على من يطردكم، لكيما تكونوا بني أبيكم المشرق شمسه على الأخيار والأشرار، والممطر على الصّديقين والظالمين"2.
وقال المسيح لتلاميذه: "كونوا كاملين مثل أبيكم فهو كامل، لا تصنعوا معروفكم قدام الناس لكي تراؤنهم فيحبط أجركم عند أبيكم الذي في السماوات، لتكن صدقتك في السّرّ وأبوك يرى السّرّ فيجزيك علانية، إذا صليت فادخل مخدعك وأغلق بابك وصل لأبيك سراً وأبوك يرى السّرّ فيجزيك علانية، وإذا صليتم فلا تتشبهوا بالوثنيين لأنهم يظنون أن / (1/82/أ) يسمع منهم بكثرة كلامهم، فأبوكم عالم بحوائجكم قبل أن تسألوه"3.
فهذا المسيح قد سوَّى بين نفسه وبين سائر المطيعين لله في البنوة، وبيَّن أن لفظة: "الابن" قد تطلق على العبد الصالح بدليل قوله لليهود: "أنتم لو كان الله أباكم كنتم [تحبونني] 4، أنتم من أبيكم إبليس وشهوة إبليس تهون"5.

وقد قال فولس في الرسالة الخامسة: "إياكم والسفه والسب واللعن واللعب، فإن الزاني والنجس والغاشم كعابد الوثن لا نصيب له في ملكوت الله، احذروا هذه الشرور فمن أجلها يأتي رجز الله على الأبناء الذين لا يطيعونه، فإياكم أن تكونوا شركاءهم فقد كنتم من قبل في ظلمة فاسعوا لأن نسعى [كأبناء] 1 النور"2.
انظر كيف سمى فولس حكيم النصارى [من] 3 يعمل بالمعاصي ابناً، كما سمّى المتقين من عباد الله ابناً، فقد استبان لك مرادهم بالبنوة التي يطلقونها.
نوع آخر: قال المسيح: "سمعتم ما قيل العين بالعين والسن بالسن وأنا أقول لا تقاوموا الشرّ بالشرّ ولكن من لطمك على خدك الأيمن فحول الآخر، ومن رام أخذ ثوبك فزده إزارك / (1/82/ب) ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين، ومن سألك فأعطه، ومن اقترض منك فلا تمنعه، سمعتم ما قيل أحبب قريبك وأبغض عدوّك وأنا أقول لكم أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى من يبغضكم وصلوا على من يطردكم ويخزيكم، لكيما تكونوا بني أبيكم كونوا كاملين مثل أبيكم فهو كامل4، وإذا صنعت رحمة فلا تصوِّت قدامك بالبوق كالمرائين في المجامع والأسواق لكي يُحمدوا من الناس، الحقّ أقول لكم لقد أخذوا أجرهم، وإذا صنعت رحمة فلا تعلم شمالك ما صنعت يمينك لتكن صدقتك في السِّرّ وأبوك يجزيك علانية، وإذا صليتم فلا تكونوا كالمرائين الذين يصلون ليظهر للناس صلاتهم، الحقّ أقول لكم لقد أخذوا أجرهم5، وإذا

صمتم فلا تكونوا كالمرائين الذين يعبسون وجوههم ويغيِّرونها ليظهر للناس صيامهم، الحقّ أقول لكم لقد أخذوا أجرهم، وأنت إذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك كيلا يظهر للناس صيامك، اغفروا للناس خطاياهم ليغفر لكم أبوكم السماوي خطاياكم، لا تكنِزوا لكم كنوزاً في الأرض [حيث] 1 الأكلة والسوس / (1/83/أ) والسارق ولكن اكنِزوا لكم كنوزاً في السماء حتى لا تفسدها سوس ولا تنالها أيدي السُّرَّاق، فحيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم"2.
فهذه أقوال من المسيح شاهدة بأنه عزوجل لم يخص نفسه بالبنوة دون أدناهم، وأنه وإياهم فيها سيَّان، وأنّها كلمة تطلق على عباد الله الصالين، وأنه حيث ما ذكرها قرنها بالعبودية والتشمير في الطاعة، وأن من كان منحرفاً عن التقى والديانة لم يصلح لهذه البنوة، كما قال المسيح لليهود: "أنتم من أبيكم إبليس".
حيث لم يرضهم للبنوة المعزوة إلى الصالحين من بني إسرائيل.
إطلاق أتباع المسيح لفظ البنوة على أنفسهم غير مفرقين فيها بينهم وبين المسيح [و] 3 أنهم لم يفهموا منها إلاّ ما أشرنا إليه: قال يوحنا التلميذ في قصص الحواريّين الذي يسمى فراكسيس: "يا أحبائي إنا أبناء الله سمانا بذلك، واعملوا أن الفصل بين أبناء الله وأبناء الشيطان أن من لم يتَبَرر ويحب أخاه فليس من الله بل من الشيطان"4.

فبيَّن الحواري أن بنوة الله عبارة عن طاعته وأن من لم يطع الله / (1/83/ب) فليس يصلح لهذه البنوة ولا تليق به، وساوى بين نفسه وبين المسيح في هذه البنوة.
فلم يبق بعدها للنصارى باقية، ولم تقم لهم في تخصيص المسيح بالبنوة قائمة.
وقد عبَّر يوحنا الإنجيلي عن هذه البنوة بالطاعة والاستقامة، وذكر أن مَن كان منحرفاً عن خدمة الله لم يصلح لهذه البنوة، فقال في الفصل الثالث من رسالته الأولى: "اعملوا أن كل من ولد من الله فلن يعمل خطيئة من أجل أن زرعه [ثابت] 1 فيه فلا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله وبهذا نتبيّن أبناء الله من أبناء الشيطان فكل من لا يعمل البر فليس هو من الله"2.
فالمسيح عزوجل ويعقوب وداود ومن مضى من أولياء الله وأنبيائه لما تحققوا بخدمة الله وسارعوا إليها أطلق اللسان العبراني عليهم هذه التسمية تشريفاً له ولا مزية للمسيح على غيره في ذلك.
وقال فولس الذي يسمونه فولس الرسول وهو المفرس العالم الذي لهم في رسالته إلى ملك الروم: "أن الروح تشهد لأرواحنا أنا أنباء الله وإذا كنا أبناءه فنحن ورثته / (1/84/أ) أيضاً".
وقال فولس في هذه الرسالة: "إن البرية كلها تترجى ظهور أبناء الله"3.
قال المؤلِّف: إن كان هذا الكلام صحيحاً، فالمسلمون أحق بهذه التسمية فإنهم الذين ملأوا الأرض ونفعوا البرايا والأمم بما أرشدوهم إليه من طاعة الله، وعلموهم من توحيده، وشرعوا لهم من أحكامه، وتحقق رجاء البرية بما أفادهم المسلمون من مصالح دينهم ودنياهم.

وقال فولس في رسالته إلى بعض النواحي: "أولا تعلمون أنكم هياكل الله، وأن روح الله حالة فيكم، وأن الدنيا والآخرة لكم"1.
وقال فولس لإخوانه: "إن أجسامكم هيكل لروح القدس التي قبلتموها عن الله"2.
وقال فولس في رسالته الثانية: "إن الله تعالى قال: إني أحل فيهم وأسعى معهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون بمنْزِلة البنين والبنات"3.
فهذا فولس- المؤتمن عند النصارى-لم يدَّع أن المسيح [مباين] 4 أحد من الملة في هذه البنوة، وقول فولس: "إنكم هياكل الله"، الهيكل5بيت متعبدهم كالمسجد ونحوه، فشبه بيت العبد الصالح في طهارتها وعمارتها بذكر الله بالهيكل والمسجد.
وقال متى في إنجيله / (1/84/ب) : "إن جباة الجزية جاءوا إلى بطرس فقالوا: ما بال [معلمكم لا] 6 يؤدّي الجزية؟ فقال لهم: نعم.
ثم أخبر المسيح بمقالتهم فقال: يا بطرس والبنون أيضاً تؤدّي الغرم، اذهب إلى البحر فأوّل حوت يخرج فخذ وأدِّ عني وعنك"7.
فهذا متى يشهد على المسيح بأنه لا يختص بهذه البنوة وأن [البنين] 8 سواه كثير.

وهذه صورة [صلاة] 1 زعم النصارى أن المسيح علَّمها تلاميذ: وهي: "أبانا الذي في السماوات قدوس اسمك يأتي ملكوتك تكون مشيئتك كما في السماء كذلك تكون على الأرض، آتنا خبزنا قوتاً في اليوم، واغفر لنا ما وجب علينا كما نحب أن نغفر لمن أخطأ إلينا، ولا تدخلنا التجارب ولكن نجنا من الشرير، إذ لك المجد والقوة والملك إلى الأبد.
آمين"2.
قال المؤلِّف: قوله: "آبانا الذي في السماوات" لفظ موهم من حيث الأبوة ومن حيث الجهة.
فالأبوة متروكة الظاهر بقول يوسف في التوراة: [لأخيه بنيامين - وهو لا يعرفه - يا بني الله يترأف] 3 عليك.
فقد سمى أخاه ابنه، وليس ابناً له على الحقيقة، وبقوله / (1/85/أ) في التوراة لإخوته: "لستم أنتم الذين بعتموني بل الله قدمني أمامكم، وجعلني أبا لفرعون وسيداً لأهل الأرض"4.
يريد مدبراً له.

وقد كان التلاميذ يقولون للمسيح يا أبت1، وليس [أباهم] 2 إلاّعلى جهة التدبير كما قال لهم: "لا تدعوا لكم مُدبَّر على الأرض فإن مدبركم المسيح"3.
وكانوا أيضاً يدعون بطرس بعد المسح (أبا) لهم كما شهدت به سير التلاميذ، وذلك بمعنى المدبر، فيعلم اللبيب أن قول المسيح لربّه (يا أبت) إن صحّ ذلك عنه كقول بطرس للمسيح (يا أبت) وكقول التلاميذ لبطرس (يا أبت).
وعند الوقوف على هذه المواضع تنحل عقود النصارى في دعوى بنوة المسيح وينفصم عراهم فلا يحاولون انفصالاً إلاّ وينعكس عليهم في بنوة المسيح.
ويقال لهم: هل بنوة يوسف لأخيه بنيامين ولملك مصر إلاّ كأبوة الله للمسيح؟ ‍‍! وهل بنوة المسيح لله إلاّ كبنوة إسرائيل وداود وأولاده الشهيد من ابني آدم كما حكوا عن التوراة والكتب القديمة؟ ولما كان الأب هو المشفق المرفق العاطف ببره العابد بخيره، المحرك بإحسانه / (1/85/أ) المفضل بتطوله وامتنانه، وكانت هذه المعاني لا تتحقق على الحقيقة إلاّ من الله جلت قدرته، وكان المسيح قد توفرت روحانيته فلم ير الوسائط، حَسُنَ4عنده التجوز باسم الأب عن الرّبّ، وهذا محمل يتعين حمل هذه الألفاظ عليه إن صحّ إطلاقها

منه، إذا القديم جلّ وعلا يتقدس عن أن يشار إليه بأبوة البعضية المتّخذة من الزوجة والسرية تعالى القديم عن مماسة العديم، ويقدس العظيم عن ملابسة الهضيم.1
﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾.
[سورة الشورى، الآية: 11].
ولما كان الابن هو المضهوم الجناح، المفتقر في سعيه إلى النجاح، الخائف من دركات الهلكات بركوب الجناح، اللائذ بأبيه [لاستمطار] 2 نواله، المتعلق بذيول كرمه في مضمون سؤاله، المرمَّى ببره العظيم المعدي بمنه الجسيم لم3يقبح عنده التوسع باسم الابن عن العبد.
فإن تأوّل النصارى البنوة والأبوة بهذا التأويل وإلاّ فضحتهم التوراة والنبوات والإنجيل فقد حكوا عن التوراة قول الله: "إسرائيل ابني بكري"، وفي المزامير يقول داود لأكابر بني إسرائيل: "أنا قلت لكم إنكم آلهة وبنو / (1/86/أ) العلا كلكم تدعون"4.
ولا خلاف أن الإنجيل من فاتحته إلى خاتمته لم يخصص المسيح بهذه البنوة، بل شارك فيها غيره من الصحلحاء والأتقياء من عباد الله وأوليائه، ومن أنصف من النصارى عرف صحة ما قلناه فقد قال يوحنا في إنجيله: "إن يسوع كان مزمعاً أن يجمع أبناء الله"5.
فهذا يوحنا التلميذ يذكر أن سائر بني إسرائيل يسمون بهذا الاسم ويذكر أن المسيح رام جمع الناس على كلمة الإيمان فلم يقدر على ذلك.

وإذا ثبت إطلاق لفظة البنوة على يقعوب وداود وغيره، فما بال النصارى لا يقولون في أيمانهم وحلفهم: "وحقّ يعقوب ابن الله؟! ". ولِمَ حطُّوا حرمته وهو ابن الله بكره - والبكر له مزيد حرمة عند أبيه؟! وكذلك هلا أقسموا بداود وهو ابنه حبيبه، ولم هجروا اسمه وهو مساو المسيح في البنوة والحبّ؟!.
وكذلك قال لوقا الإنجيلي: "جبريل أخبر عن الله أن المسيح ابن داود"1.
فهلا نسبوه نسبته التي نسبه بها جبريل ولهجوا بذلك في أقسامهم وأيمانهم فقالوا: "وحقّ المسيح ابن داود".
وكيف رغبوا له / (1/86/ب) عن تسمية سماه الله بها على لسان جبريل قبل خلقه؟! أهم أعلم بما يجب له من الله؟! فكيف تكروا تسمية الله له وأخلفوا تسمية أجمع أرباب الملل والنحل على تخطئتهم فيها؟!.
فإن رجعوا الفهقرى وتمسكوا بقوله: "يا أبت"، أوردنا عليهم قولة التلاميذ: "قولوا: أبانا الذي في السماوات"، ونظائرها.
على أنا نقول لهم: ألم ترووا لنا عن المسيح في خاتمة الإنجيل قوله: "أنا ذاهب إلى إلهي وإلهكم"2، وقوله وهو على الصليب فيما زعمتم: "إلهي إلهي لم تركتني؟ "3. فهلا تقولون في صلواتكم وأدعيتكم: يا عبد الله اغفر لنا، وكذلك إذا دعوتم الأب فقولوا: يا سيد إلهنا ارحمنا، وكذلك قولوا في دعائكم الأب: يا جَدَّنا افعل بنا كذا؛ لأن بطرس4أبوكم، والمسيح أبٌ لبطرس، والله أب للمسيح.

وقد زعمتم أن [المسيح] 1 صفعه اليهود في رأسه بالقصب [وضَفَّروا] 2 على رأسه إكليلا من الشكوك وألبسوه ثياباً حمراً وسقوه الخلّ عندما عطش، وأنتم في صلواتكم تبتهلون إليه بالأدعية، فما بالكم لا تقولون: يا من صفعه اليهود في رأسه وبصقوا في وجهه / (1/87/أ) واقتسموا ثيابه بينهم بالقرعة واستعار على خشبته وقرن باللصوص - افعل بنا كذا! - الدلالة على استعمال المسيح المجاز والاستعارات: - فإن تلاميذه كانوا [معافين] 3 مما ابتلى به المتأخرون من النصارى قال متى: "بينا يسوع جالسا يتكلم على الناس إذ قيل له: أمك وأخوتك بالباب يطلبونك، فقال: من أمي ومن أخوتي، ثم أومأ بيده إلى تلاميذه وقال: هؤلاء هم أمي وإخوتي، وكل من صنع مشيئة أبي الذي في السماوات فهو أخي وأختي وأمي"4.
قلت: هو ذا المسيح عليه السلام قد أعرف في التجوز والتوسع والاستعارة حتى سمى المطيع لله قريباً له من هذه الجهات فجعله أماً له وأختاً وأخاً، وإذا كان النصارى لا يجرون على ظاهر هذا اللفظ، بل يحملونه على ما يليق به من التأويل فكذلك يلزمهم في لفظ البنوة والأبوة، فإنه كما يستحيل أن يكون آحاد الناس أماً وأختاً وأخاً للمسيح فكذلك يستحيل أن يكون المسيح - وهو رجل من بني إسرائيل يناله من النفع والضرر ما ينال غيره من البشر - ابناً لله / (1/87/ب) القديم الأزلي.

فإن [هذى] 1 هاذ منهم وقال: فإذا لم يكن له بُدُّ من أبٍ، فمن أبوه؟!.
قلنا له: إذا لم يكن لآدم بُدُّ من أبٍ، فمن أبوه؟!، فإذا قالوا: إن آدم خلقه الله آية وأعجوبة إذ خلقه من غير تناسل وتوالد، قلنا: وكذلك المسيح خلقه الله تعالى آية وأعجوبة إذ خلقه من [غير أب] 2، فكم خلق الله سبحانه من الحيوان من غير توالد وتناسل معروف، وقد ابتدأ الله العالم بأسره لا عن مثال سبق، فأي آيات الله تنكرون3؟!.
واعلم أن إطلاق المسيح لفظ: (النبوة) جرى فيه على عادة من تقدمه من بني إسرائيل، فإنهم كانوا يطلقون هذه البنوة والربوبية والألوهية على المعظمين في الدين والمدبرين للأمم كقول التوراة: "إسرائيل ابني بكري"، وكقول المزامير: "داود ابني حبيبي"، وقوله للأكابر من بني إسرائيل: "أنا قلت: إنكم آلهة وبني العلاكلكم تدعون"، وقول شعيا: "توصوا بي في بني وبناتي".
وقول أشعيا: "إني رببت أولاداً حتى نشأوا وكبروا".
فحال المسيح منسج على منوال من سبقه.
فقال: "أنا ذاهب / (1/88/أ) وأبيكم".
غير أن هذه اللفظة لم تأت إلاّ ومعها لفظ العبودية ليزول الإيهام ويحصل التشريف والإنعام، والدليل على ما قلناه من بنوة شعيا النبي عليه السلام: "إن الله تعالى تهدد بني إسرائيل على جرم فعلوه، فلما خافوا نزول العقوبة قالوا في دعائهم: الله ترأف علينا، وأقبل بوجههك إلينا، ولا تصرف

رحمتك عنا فأنت هو الرّبّ أبونا، فأما إبراهيم وإسرائيل فلم نعرفه، لكن أنت أبونا وقد ملنا عن طرقك، يا ربّ ارحمنا فنحن عبيدك"1.
وقد رووا عن يوحنا الإنجيلي: "أن من لابس المعاصي وانغمس في الخطايا فليس له في هذه الولادة من نصيب"2.
فقالوا: قال يوحنا في خاتمة رسالته الأولى: "قد علمنا أن كل من هو مولود من الله لا يخطئ؛ لأن ولادته من الله وهو حافظه له من أن يقترب إليه الشرير"3.
فإن صدق النصارى في هذا النقل فليس فيهم إذاً من يستحق هذه التسمية لأنه لا يكاد أحد منهم يخلص من ملابسة المعاصي واقتراف الخطيئة والإثم.
فإما أن يبطلوا هذا / (1/88/ب) ويوصوا بفساده لهم دعواهم البنوة، وإما أن يصحّحوه فيخرجوا عن بنوة الله التي يدَّعون بها، فقد حكم يوحنا وغيره من أئمتهم أن مَنْ ولد مِنَ الله لم يرتكب على نفسه ذنباً ولم يختلف وزراً.
فهكذا كان اعتقاد من يطلق لفظ الأبوة على الله ويُسمِّي نفسه (ابناً لله) إنما يجعل ذلك من باب التودد إلى الله والخدمة له، فلهذا لم يكن يضرّه إطلاقه، ولما جاء المتأخرون أكثروا من هذا الإطلاق وصاروا يوردونه على جهة الفخر والتزكية وتمجيد النفس فخوطبوا بالتكبر4، وقيل لهم في الكتاب العزيز: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ... ﴾ 5.

فأما [لفظتا] 1 الإله والرّبّ: فالرّبّ هو المربي باللطف والإحسان العائد بالعطف والامتنان، وهاتان اللفظتان قد تستعملان في حقّ العظيم من الآدميّين تجوزاً وتوسعاً، لكن على جهة التقييد لا جهة الإطلاق، وقد قال أشعيا النبي: "عرف الثور من اقتناه والحمار مربط ربه ولم يعرف ذلك بنو إسرائيل"2.
وهذه كتب القوم تشهد بأن المعلم / (1/89/أ) والمدبر والقيم يسمى رباً3، كما أن الرجل رب منْزِله وداره وبيته ورب ماله.
قال نبيّنا صلى الله عليه وسلم لرجلٍ:"أربّ إبل أنت أم ربّ غنم؟ "، فقال: من كل آتاني الله فأجزل.4

والدليل على ذلك من التوراة قول إبراهيم ولوط للملك: "يا رب مِلْ إلى منْزِل عبدك"1.
ونحن والنصارى متّفقون على عدم التعبد للملائكة وإنما أرادا الإجلال في الخطاب، وفي التوراة يقول الله لموسى: "قد جعلتك إلهاً لفرعون"2.
يريد: مسلطاً عليه ومتحكماً فيه.
وفي التوراة: "وقد شكا موسى لثغةَ في لسانه وعجمة في منطقه، فقال الله له: "قد جعلتك رباً لهارون وجعلته لك نبيّاً، أنا آمرك وأنت تبلغه وهو يبلغ ابن إسرائيل"3.
ولم يقل الله للمسيح: قد جعلتك ربّاً وإلهاً، بل إنما ذلك شيء تَقَوَّله النصارى، فقول بطرس للمسيح: "يا رب"، إن صحّ فهو مُنَزَّل منْزِلة ربوبية موسى لهارون من حيث إن المسيح أيضاً مبلغ عن الله أوامره كتبليغ موسى أخاه هارون.
وقد قال داود في المزمور الثاني والثمانين: "قام الله في جماعة الآلهة / (1/89/ب)، وقال فيه وهو يعنف الأكابر من بني إسرائيل: "أنا قلت إنكم آلهة وبني العلا

تدعون"1.
وفي المزامير أيضاً في حقّ يوسف: "فخلاَّ الملك يوسف وصيَّره سلطاناً على شعبه ربّاً على بنيه"2.
يريد القيم عليهم والمدبر لأمورهم.
وقد قال يوسف للساقي عندما فسر له رؤياه: "اذكرني عند ربّك"3، يريد مدبرك والقيم عليك.
وإذا عرفت ذلك سهل عليك ما يهتف به النصارى من تسمية المسيح ربّاً وإلهاً، وعرفت كيف تكسر حجتهم بتأويل هذه الألفاظ، وقد قال شمعون الصفا رئيس الحواريّين: "إن الله جعل أيسوع ربّاً"4، يريد وَكَل تدبير أصحابه إليه، إذ الرّبّ لا يقال إن غيره جعله وصيره ربّاً وإلهاً، فما نرى شمعون الصفا زاد المسيح في ذلك على ما قالت التوراة: "إن الله جعل موسى ربّاً لهارون وإلهاً لفرعون".
ولم يتجاوز به أيضاً قول المزامير: "إن يوسف صار ربّاً للملك".
وفي الإنجيل: "إن الكلاب لتأكل من موائد أربابها"5.

وقد روي عن سلمان الفارسي1أنه قال: "تداولني بعضة عشر من ربّ إلى ربّ"2.
وإنما / (1/90/أ) يريد المرشدين والمدبرين له.
وقد يكون بمعنى السيد، قال الأعشى: وَأَهْلَكْن يوماً رَبَّ كِنْدَةَ وابنَه وَرَبَّ مَعَدّ بين خَبْتٍ وَعَرْعَر3

ويكون أيضاً للرّبّ بمعنى: المالك.
قال طرفة1: كقنطرة الرومي أقسم ربّها لتكتنفن حتى تشاد بقرمد2ويكون أيضاً الرّبّ بمعنى: المربي من قولهم: رَبّ َ يَرُبُّ فهو رَبٌّ.3
قال الشاعر: يَرُبُّ الذي يأتي من الخير أنه متى فعل المعروف زاد وتمما4ويكون أيضاً بمعنى: المصلح للشيء، قال الشاعر: كانوا كاسالِئَةٍ حَمْقاء إذ حقنت سلاءها في أديمٍ غَيرَ مَرْبُوب5ويقال للشمس إلهة، قال الشاعر: وأعجلنا الإلهة أن تؤوبا6ويقال: ألهت إلى فلان، إذا فزعت إليه واعتمدت عليه، وقيل: هو من ألهت فيه إذا تحيرت فيه فلم تهتد إليه، فقول بطرس: "يا ربّ"، يريد يا مدبر أمرنا والقيم علينا.

وقول أشعيا: "هوذا العذراء تحبل وتلد ولداً عمانويل الذي تفسير إلهنا"1 محمول على بعض هذه المحامل / (1/90/ب) إن صح نقلهم عن أشعيا هذا اللفظ بعينه. وقد فسر علماء الإنجيل قول مريم المجدلانية للمسيح (ربوني) 2 بالمعلم، والمعلم والمربي والمدبر بمعنى واحد.3
وقد صرح يوحنا الإنجيلي بأن الألوهية ليست على ظاهرها فقال في إنجيليه: "جلس يسوع في إسطوان سليمان بأورشليم فأحاطت به اليهود وتناولوا الحجارة ليرجموه وقالوا: حتى متى تعذب نفوسنا؟ فقال: أريتكم أعمالاً حساناً من عند الله، أفمن أجل الأعمال [ترجمونني] 4؟! فقالوا: إنما نرجمك لأنك بينا أنت إنسان إذ جعلت نفسك إلهاً، فقال يسوع: أليس هكذا مكتوب في ناموسكم: "إني قلت إنكم آلهة وبني العلا تدعون"5، فإذا قيل لأولئك: (آلهة) لكون كلمة الله عندهم، فالذي قدَّسه الله وأرسله إلى العالم، كيف تقولون إنه يجدف"6.
فقد اعترف يوحنا والمسيح بأن الألوهية متْروكة الظاهر، وإن إطلاقها عليه كإطلاقها على العلماء والحكماء والمدبرين من بني إسرائيل، وقد صرح في هذا

الكلام بأنه ليس هو الله، ولا الله حال / (1/91/أ) فيه، وأن الله قدّسه؛ أي: طهّره وأرسله إلى العالم، وكذلك يفعل بسائر الأنبياء والرسل.1
ولو كان المسيح هو الله، كقول الجهلة من النصارى للزم اتّحاد المُرْسِل والرسول والمُقدَّس.
قال فولس في رسائله: "وقد يعرفون نعمة سيدنا يسوع المسيح إذ تَمَسْكن من أجلكم وهو غني، لكي تستغنوا بمسكنته"2.
فشهد فولس بأن المسيح رجل من عباد الله يتواضع لله كدأب أوليائه وصفوته.
- وقد استشهد النصارى على ربوبية المسيح بقصة الكنعانية: قال متى: "حضر إلى يسوع امرأة كنعانية فقالت: إن ابنتي بها شيطان رديئ فعسى تتعطف عليها، فلم يجبها فسأله التلاميذ أن يقضي حاجتها فقال: لم أرسل إلاّ للخراف الضالة من بيت إسرائيل.
فجاءت المرأة وسجدت له وقالت له: يا رب أَعِنِّي.
فقال: ليس يجيد أن يؤخذ خبز النبيّين فيعطى للكلاب.
فقالت: نعم.
يا ربّ والكلاب أيضاً تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد

أربابها، فحينئذٍ عطف / (1/91/ب) عليها وقال: [يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن لك كما تريدين] 1، فشفيت ابنتها من تلك الساعة"2.
قال النصارى: سجدت له [المرأة] 3 وخاطبته بالربوبية، وذلك دليل على ربوبيته إذ لم ينكر عليها، بل تقريرها وشفاء ابنتها من أوضح الأدلة على ربوبيته.
وسبيل من وقف على ذلك أن يعارض قول الكنعانية له: "يا رب"، بقولها: "والكلاب تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد أربابها"، فقد جعلت ملاك الكلاب [أرباباً] 4 لهم ولم ينكر عليها أيضاً.
وكذلك فليعارضوا بقوله: "ليس بجيد أن يؤخذ خبز النبيّين فيعطى للكلاب"، فقد سمى الكفار من بني آدم كلاباً، وقد سمى الدعاء والشفاء خبزاً، وذلك كله دليل التجوز والتوسع، وإذا كان ذلك كله جائزاً على المعنى، فالربوبية والبنوة أيضاً جائزة على طريق المعنى، فإن أحاولوا أن يكون الآدمي كلباً فليحيلوا أن يكون ربّاً.
وأما سجودها له ولم ينكر عليها فذلك كان سلام القوم وتحيتهم في الزمن الأوّل على عظمائهم وأكابرهم، / (1/92/أ) والدليل عليه أن التوراة تنطق: "بأن إخوة يوسف حين عرفوه سجدوا له طالبين قدميه"5، وكذلك قالت التوراة: "إن إفرام ومنسى [ابني] 6 يوسف سجدا لجدهما يعقوب بحضرة أبيهم يوسف"7.
فلن ينكر عليهم.

وقد قالت التوراة: "إن إبراهيم ولوطاً سجدا للملائكة على الأرض"1، فلم ينهوا عن ذلك.
"وقد ساوم إبراهيم قوماً في أرض لهم ليدفن سارة فلم يكلّمهم، ولم يساومهم حتى سجد لهم مرتّين"2.
على ما في التوراة، فبطل تعلقهم بسجود المرأة للمسيح.
وقال المؤلِّف - عفا الله عنه -: قصة هذه الكنعانية التي استدلوا بها على الربوبية هي من أدل الدلالة على عدم الروبية، وبيانه: أنها جاءت إلى المسيح مؤمنة به، سالكة طريقه في التواضع، معتقدة أن معجزته لا تعجز عن شفاء ابنتها، وهو فلم يَعْلَم بما انطوى عليه ضميرها من الإيمان به، ألا تراه كيف جابهها بالرّدّ؟! وقال: ليس بجيد أن يؤخذ خبز النبيّين فيعطى للكلاب، فلما قالت له ما قالت ظهر له من إيمانها ما كان مستوراً / (1/92/ب) عنه وبدا له من معتقدها فيه ما لم يكن في حسابه، فحينئذٍ قضى حاجتها وشفى ابنتها.
- دليل من قوله على أنّ ما يفعله بقوّة الله وحوله: قال مرقس: "قال رجل ليسوع: يا معلم قد جئتك بابني وبه روح أبكم حيثما أدركه صرعه وسألت تلاميذك فلم يقدروا على إخراجه، فقال يسوع: آتوني به، فلما رآه قال لأبيه: مُذْ كم أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه فتارة يلقيه في الماء وتارة يطرحه في النار، فإن استعطت فأعنا وتحنن علينا، فقال يسوع: كلّ شيء يستطيعه المؤمن، فبكى أبو الصبي، وقال: أنا مؤمن فأعن ضعف إيماني، فانتهر يسوع الروح وقال: أيها الروح النجس الأبكم الأصم اخرج من الإنسان، فخرج، وصار الصبي كالميت وأخذ يسوع بيده وأقامه فقال:

التلاميذ: لم لم نقدر نحن على إخراجه؟ قال يسوع: إن هذا الجنس لا يستطاع إلاّ بصوم وصلاة، وخرج يسوع من هناك إلى الجليل مستتراً"1.
قلت: إن قدح اليهود في هذه الآية، قيل لهم: ألم ترووا/ (1/93/أ) لنا: "أن موت الفجأة وقع في بني إسرائيل بغتة فقتل منهم أربعة وعشرين ألفاً وسبعمائة رجل، فأمر موسى هارون أن يضع في المجمرة بخوراً وقام بين الأموات والأحياء فأمسك الموت الفاشي عن بعضهم"2.؟! فما الدليل على صحة ما نقلتم من هذه الآية ولعلها زور وكذب ومينٌ3وإفك؟ فإذا قالوا: قد ثبت أن الناقلين لهذه الآية انتهوا في الكثرة إلى حد يستحيل مهم التواطؤ على الكذب، قيل لهم: وكذلك آية المسيح نقلها من يستحيل تواطؤهم على الباطل فاستوت الحال.
وإن زعم النصارى أن ذلك يصلح للدلالة على ربوبويته، قيل لهم: لا تتعرضوا للاستدلال بهذه القصة على ربوبية المسيح البته، فهي من إحدى الشواهد على عبوديته وبيانه من وجوه: أحدها: قوله لأبي الصبي: "مذن كم أصابه الجني"، فإن ذلك مشعرٌ بعدم علمه بالزمن الذي علقه الجني فيه، إذ لو كان ربّه وإلهه كما يزعم النصارى لكان هو الذي ابتلاه ولَمَا عَلِقَه الجني دون إذنه وعلمه، فعدم علمه بالوقت الذي لبسه فيه دليل / (1/93/ب) على عبوديته، إذا الغيب لا يعلمه إلاّ الله

الواحد جلّ وعلام، وقد مضى نظائر ذلك إذ قد سئل عن يوم القيامة، "فقال: لا أعلمها ولا يعلمها إلاّ الله الواحد"1.
والثاني: قوله: "كلّ شيء يستطيعه المؤمن"، أراد إنما يصدر منه من شفاء المرضى وسائر الآيات إنما كانت لإيمانه بالله واهب القوي وما حي أثر الداء بالدواء.
والثالث: قوله للتلاميذ: "إن هذا الجن لا يستطاع إلاّ بصوم وصلاة".
يدل على أن المسيح تقدم في الصوم والصلاة والعبادة إلى حد أربى فيه على غيره من عبيد الله.
وفي بقية الفصل ما دل على خوف يسوع وتواريه وعجزه عن مقاومة مناوئيه، وهو أنه بعد قيام الفتى من صرعته خرج إلى الجليل فاراً من ساعته، والكلمة الأزلية لا تعتورها نقائص البشرية.
كذب النصارى في دعوى بنوة المسيح: قال مرقس: "خرج يسوع وتلاميذه إلى البحر وتبعه جمع كثير فأبرأ أعلالهم فجعلوا يزدحمون عليه ويقولون: "أنت هو ابن الله، فكان ينهاهم وينتهرهم"2.
قلت: أعلم / (1/94/أ) أن هذا الكلام لو كان إيماناً من قائله لم ينهه المسيح، وكيف ينهى عنه، وإنما جاء لنشر الدين وبثّ الحقّ اليقين، والأمر بالكتمان ينافي الإعلان بالإيمان؟.
فلو أن قول أهل زمانه:"أنت ابن الله"توحيد لم ينههم عن التوحيد، لكنه إنما نهاهم لمخالفة نصّ الإنجيل إذا قال فيه لوقا: "إن المسيح هو ابن داود وأن

الرّبّ يجلسه على كرسي أبيه داود"1.
وذلك بشهادة جبريل عليه السلام.
وإذا كان المسيح إنما هو ابن داود، فكيف لا ينهاهم عن قول ما لا يحسن قوله؟!.
فإن قال النصارى: إنما نهاهم خوفاً من اليهود أن يفطنوا به إذ كانوا يرومون قتله.
قلنا: ألم تزعمواأنه إنما تعنى ونزل إلى الأرض ليقتل إيثاراًلكم وتخليصاً من العذاب الذي ورطكم فيه آدم بتعاطي الخطيئة؟! أفترونه ندم على ذلك؟! فهو يستتر ويتوارى خوفاً من القتل، أفتصفونه بالبداء والندم والجهل بعواقب الأمور؟! لقد كادالله هذه العقول وحادبها عن سواء السبيل.
- نوع منه آخر: قال لوقا: "كان كلّ من له مريض يجيء به إلى يسوع / (1/94/ب) فيضع يده عليه فيبرأ فيقولون له: أنت ابن الله، فكان ينتهرهم ولا يدعهم ينطقون بهذا"2.
انظر رحمك الله إلى انتهار المسيح من ينطق بلفظة البنوة ليعلم أن النصارى اليوم معرضون عن إنجيله سالكون غير سبيله.
فقد شهد لوقا بمثل ما شهد به مرقس، فإن زعموا أنه إنما نهاهم خشية اليهود قيل لهم: لو كان ذلك كذلك لما أكثر من فعل الآيات وفي فعلها وإظهارها ما يوجب شهرته وظهوره، فلما أكثر من المعجزات وأشاع فعلها دلّ على كذبكم في أنه نهاهم خشية أن يفطن به، بل إنما نهاهم لنصّ الإنجيل وبيان جبريل، حيث يقول: "إن يسوع هو ابن داود"، فلذلك لم يرض منهم بهذا الإطلاق.
وقد قال متى في إنجيله: "هذا ميلاد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم"3.
فشهد - وهو الصادق عندهم - أن أبا المسيح هو داود، وذلك ردّ على من زعم من النصارى أنه ابن الله - تعالى الله عن قولهم علوّاً كبيراً.

فإن قيل: ساعدتمونا على ترك العمل بظاهره إذ سلمتم أنه مولود / (1/65/أ) من غير أبٍّ، فكيف توردون علينا بنوة داود؟!.
وإذا كنتم لا تقولون بذلك فقد سُلِّم لنا مرادنا.
قلنا: النسبة نسبتان: نسبة تعريف ونسبة تشريف.
فالأولى: هي نسبة الإنسان من والده الذي هو أصله.
والثانية: هي نسبته من والد والده الذي هو أصل أصله، فالمسيح منسوب إلى داود النسبة الثانية - التي هي نسبة تشريف - وهي كنسبة داود إلى إبراهيم، ثم مريم أم المسيح1من نسل داود، وداود من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
وإذا كان المسيح بن داود بهذه النسبة بطل ما ذهبتم إليه من الضلال وانتحال المحال.
فإن قيل: إن كان قد روى مرقس ولوقا - من أصحابه - نهيه من ينطق بلفظ البنوة فقد قال هو: "إني ذاهب إلى أبي وأبيكم".
قلنا: فبذلك نستدل على اضطراب النقل وضعفه، إذ لو كان صحيحاً لم يختلفوا فيه، وإذا كان بعض الإنجيل يقول إن المسيح بن داود، وبعضه يقول: لا.
بل هو ابن يوسف، وبعضه يقول: بل هو ابن الله، لم تحصل الثقة بقول واحد لاسيما والمسيح يقول: / (1/95/ب) "إنّي ذاهب إلى إلهي وإلهكم"، ويقول في زعمكم: "إلهي إلهي لم تركتني؟ ". فالمسيح يقول إن الله إلهه وربّه، وأنتم تقولون: لا.
بل هو ابنه.
لقد تباعد ما بينكم وبين المسيح.
مسألة: زعم النصارى أن يسوع إنما جاءهم لينصرهم على اليهود ويطلع عليهم بالثالوث شموس السعود.

فيقال لهم: يا عباد الرجال وربات الحجال1إن كان الأمر على ما تصفون فقد كان يقضي أمره على ألسن رسله والحال صالحة، وميزان التوحيد بطاعات العبيد راجحة، والخلائق مقبلون على أنبيائهم إقبالهم على آبائهم وأبنائهم، فما الذي دعاه إلى نزوله عن مجده الرفيع وعِزَّه المنيع إلى حضيض النصب ومقر الآفات والوصب؟! فيولج بطن امرأة من إمائه ومكث برحمها منغمساً في المشيمة على حال ذميمة، ثم ولدوه وأرضعته وفضلته وأدبته فأمرته بحقوقها ونهته عن عقوقها، وترددت به إلى الأعياد والمواسم وأرته الشعائر والمعالم، ولم تزل تلقنه وتثقفه حتى شبّ وترعرع وتشوَّف / (1/96/أ) إلى حنكة الرجولية وتطلع، فلما شرع فيما جاء له من نصرتكم وثب عليه اليهود فكذبوا فمه وأهدروا دمه، وأقصوه وشردوه وكدروا عليه روح الحياة ونكدوه، وأجمعوا أن يخربوا جثمانه ويفسدوه، فلما طال عليه تمردهم أعمل مطايا الحذار وعَوَّل على معقل الاستتار في الحذار، وتقدم إلى أصحابه ألا يذكروه وأن يبالغوا في طي أمره فلا ينشروه بل ينكروه، ولم يزل ذلك حاله واليهود تنقب عليه وترشي من يرشدها إليه، حتى دلّ عليه صاحبه يهوذا، وساق إليه من أعدائه جمعاً كثيفاً وأنزل به من الذعر خطباً منيفاً.
فأنشبوا فيه مخاليب الضراب، وأمطروه شآبيب العذاب، وسحبوه على شوك السفاه والسباب، وبقي هذا الإله المسكين في أيدي اليهود ممتهناً يرون أقبح ما يأتونه إليه حسناً، فلما بلغوا من إهانته المراد، مضوا به إلى بقعة من الأرض تزعم النصارى أنه دحاها وألزموه حمل خشبة قالوا: [إنه] 2 أنبت لحاها، / (1/96/ب) وألبسوه أثواباً كان قد صنع ورسها3وأصهوره شمساً هو الذي أسخن مسها، فسألهم شربة من الماء - الذي فجره - حين

وقفت نفسه لدى الحنجرة [فضنوا] 1 عليه بذلك، وعوَّضوه الخل مما هنالك، فلما تضافرت عليه فوق جذعةٍ الدواهي أعلن بقوله: إلهي إلهي، وصار بين اللصوص ثالثة الأثافي2، وعُوِّض عن بلوغ المنى بالمنافي، ثم زهقت نفسه وفتح رمسه3وصار في صدر الأرض سراً مكتوماً، وعاد هذا الإله العظيم عديماً، ولما تمت له ثلاثة أيام في الرخام، قام من ذلك المكان ورجع إلهاً كما كان، فتلبِّس الحال الوبيل4وادَّرع5الذّل العريض الطويل، ولم يؤمن به إلاّ عصابة هي أقل من قليل.
فما أرى هذا الإله إلاّ نايل6الرأي فاسد الحسّ فطير7الفطرة مشؤوم الغرة8منقوص الهمة مظلم الفكرة9، إذ عرض نفسه للمحن وأثار بين عباده الأحقاد والإحن، فلقد شان الربوبية وأزل بهجتها وطمس نورها وأطلق ألسن السفلة بنقصها، وثلبها حتى لقد شكك كثير / (1/97/أ) منهم في الربوبية وسَهَّل

عليهم ارتكاب مذاهب الدهرية.1
وسلَّهم من ربقة العبودية بالكلية، فسحقاً سحقاً لإلهٍ هذه حكمته ومحقاً محقاً لربٍّ هذا تدبيره.
فلو أن إنساناً نشأ ببعض الجزائر المنقطعة عن العمران لا يعرف رباً ولا يقرأ كتباً، ولا يدين بملة عرض عليه دين النصارى، فقيل له: إن لك رباً خلقك وأبدعك، ومن صفته أنه رجل مثك يبول ويغوط ويبصق ويمتخط ويجوع ويعطش ويعرى ويكتسي ويسهر وينام، وسارع مع الأنام الكلام وأن إنساناً مثله حقد عليه بعض الأمر فضربه وسحبه، ثم قتله وصلبه بعد أن حطم شعره ولطم نحره، فجاور الأموات وتعذر عليه روح الحياة وفات.

لاستنكف الرجل أن يعترف بوجود هذا الإله فضلاً عن أن يتعبد له ولأحال تصوّره ولرأى لنفسه عليه فضلاً لا ينكر ومزية من حقها أن تذكر فتشكر.1
قال المؤلِّف: ليس في الصنارى من يجحد مما ذكرته في هذا الفصل حرفاً واحداً بل قد / (1/97/ب) مدوا أعناقهم للذل، وأسلبوا آذانهم للخزي وأنسوا بسماع التوبيخ، واستلانوا ملابس التقريع، فهم يتلون هذا الفصل تلاوة [المتبجح] 2 ويبتهجون به ابتهاج [المُنْجح] 3.
فالحمد لله الذي حَصَّننا بمعقل العقل عن سلوك هذا المذهب و [أنار لنا] 4 بدهن الذهن [حلوك] 5 هذا الغيهب.

فصول الكتاب · 17 فصل · 985 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تخجيل من حرف التوراة والإنجيل · 985 صفحة
مقدمة...الفصل الأول: عصر المؤلف...الفصل الثاني: حياة المؤلف...الفصل الأول: دراسة الكتاب...الفصل الثّاني: التّعريف بالمخطوطة وبيان منهج التّحقيقالقسم الثاني: خطبة الكتاب...
الباب الأوّل: في كون المسيح عبداً من عبيد الله بقوله وفتواه
الباب الثّاني: في إثبات نبوّته وتحقيق رسالته
الباب الثّالث: في تأويل ظواهر الإنجيل
الباب الرّابع: في تعريف مواضع التّحريف
الباب الخامس: في أنّ المسيح عليه السلام وإن قُصدَ وطُلبَ فما قُتلَ وما صُلبَ
الباب السّادس: في الأجوبة المسعدة عن أسئلة الملحدة
الباب السّابع: في إفساد دعوى الاتّحاد والتّثليثالباب الثامن: في الإبانة عن تناقض الأمانة...
الباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النّصارى واليهود
الباب العاشر: في البشائر الإلهية بالعزة المحمدية...
مصادر ومراجع...
جارٍ التحميل