الباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النّصارى واليهود
ومن النصارى فرقة تعرف بالوغانية ينكرون إنجيل يوحنا التلميذ لا يعترفون به ألبتة ويقولون: ليس المسيح إلهاً غير أنا قد أمرنا بعبادته.1
ومن النصارى / (2/76/أ) فرقة تقول: "إن المسيح من الأب بمنْزلة شعلة نار أخذت من شعلة نار لم تنقص بالأخذ"2.
وقد بقيت من النصارى فرق لو ذكرناها لأطلنا وخرجنا عن شرطنا في الاختصار وقد ذكر العلماء أن عدّة فرق النصارى اثنتنان وسبعون فرقة.
71- فضيحة أخرى: ترك طوائف من النصارى أكل اللحم في صيامهم وحرموه، وذلك مما أحدثوه بالرأي بعد المسيح وتلاميذه.
فانتحلوا مذهب المانوية أصحاب ماني3الزنديق.
قال الشاعر في المانوية: تركنا اللحم للإفلاس والقلة والضيق فقالوا منويين بقول غير تحقيق ولو مَرَّ بنا ماني أكلناه على الريق
وبعد، فقد أكل الأنبياء والنجباء من عباد الله اللحم واغتذوا به فلو كان لذلك أصل لكان مذكوراً في نبواتهم ومأثوراً عنهم. 72- فضيحة أخرى: جوَّز النصارى على الباري تعالى النّزول والصعود والحركة والسكون وتلك أدلة حدث العالم عند المحقِّقين.1
فإذا وصفوا الباري بذلك / (2/76/ب) فقد أبطلوا الدلالة على حدث العالم وذلك يمنع من إثبات الصانع. فكأنهم يحاولون إثبات الروبية بما يستدعي نفيها وإبطالها.2
73- فضيحة أخرى عظيمة: أكل النصارى لحوم الخنازير وأحلوه وذلك مما أحدثوه بعد المسيح وقد رفع الله المسيح وإن الخنْزير لحرام.
فراغموا التوراة والإنجيل.
أما التوراة فقال الله فيها: "الخنْزير حرام عليكم فلا تأكلوه"3.
وهذا نصّ لا يحتمل التأويل.
وأما الإنجيل فقد حكى مرقس في إنجيله: "إن المسيح أتلف الخنْزير وغرق منهم في البحر قطيعاً كبيراً"1.
وقال لتلاميذه: "لا تعطوا القدس الكلاب ولا تلقوا جواهركم قُدَّام الخنازير"2.
فقرنها بالكلاب فمن أحلّ الخنْزير قد كفر بموسى والمسيح.
فإن قالوا: إن بطرس رأى في النوم صحيفة نزلت من السماء فيها صور الحيوانات وصور الخنْزير وقيل له: يا بطرس كلّ منها ما أحببت"3.
قلنا لهم: الشرايع والأحكام لا تنسخ بالمنام والأحلام ونحن نحاشي بطرس أن يخالف التوراة والإنجيل / (2/77/أ) بمنام رآه.
والتوريك على من نقل ذلك عنه أولى من رفع القواعد الثابتة بالرؤيا والأحلام.
74- فضيحة أخرى: اعترض النصارى على قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلِيهِم فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر﴾.
[سورة النحل، الآية: 43].
قالوا: إنما عنى بأهل الذكر حملة التوراة والكتب العتيقة.
وقد قال أهل الذكر: إن الله قد بعث أنبياء من النساء منهن مريم أخت موسى وخلدي ورفقا وأستار.
فافتضح النصارى لما حققوا جريان الآية على سبب وهو أن مشركي العرب أَنِفَتْ أن يأتيها برسالة الله رجل منها، وودَّت أن لو كان الرسول إليهم مَلَكاً من ملائكة السماء، فقالوا ما أخبر الله به في كتابه: ﴿وَقَالُوا لَولاَ أُنْزِلَ عَلَيهِ مَلَكٌ﴾.
فقال الله: ﴿وَلَو أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمْر﴾ 4.
ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾. ولم نرسل الملائكة بل لم نبعث إلى البشر إلاّ من جنسهم فقل لمن تَعَنّد: فليسأل أهل الكتاب هل بعث الله قط الرسل إلى الناس / (2/77/ب) إلاّ من جنسهم فإنهم سيخبرونهم بصحّة ذلك. والنَّزاع لم يكن بين النبي عليه السلام وبين العرب في إرسال النساء أو الرجال، بل في إرسال الملائكة والآدميين.1
هذا، إن سلمنا ما ادّعوه من نبوة هؤلاء النسوة.
ونحن لم نصدّقهم فيما لم تقم عليه حجّة ولا دلّ عليه دليل ولم نتجاوز بهم القدر اللائق بهم والمشهود به على لسان أرميا وأشعيا - عليهم السلام - من لعنهم وخزيهم ومقتهم ولنا في ذلك أسوة حسنة بمن تقدمنا من أنبياء الله.
فقد قال أشعيا فيهم: "عرف الثور من اقتناه، والحمار مربط ربه، ولم يعرف ذلك بنو إسرائيل"2.
ومن لا يعرف ربه فالأولى أن لا يعرف نبيّه.
ومن جهل المرسل جهل الرسول لا محالة.
ومن غلط فأخرج من ديوان النبوة مثل نوح وإبرهيم وإسرائيل فغير عجيب منه إثباتها للنسوة المجاهيل.
# 75- فضيحة أخرى: ترك طوائف من1النصارى النكاح المباح ورفضوا النساء ولم يروا بالتناسل وإبراز الذرية الصالحة إلى الوجود/ (2/78/أ) هذا شيء لو ما لأهم الناس عليه لانقطع التناسل وانقرض جنس الآدميين.
وهذا - فاعلم - مما أحدثوه بعد المسيح وكأنهم [نَحَوْ] فيه نَحْوَ المتفلسفين من الطبائعيين.
فإن تمسكوا بقوله في الإنجيل: "من ترك زوجة من أجلي فإنه يعطي للواحد مائة ضعف ويرث الحياة الدائمة"2.
قلنا: في الفصل كلام أسقطتموه وهو قوله: "من ترك بنين وبنات أو حقولاً فإنه يعطى"3.
وذلك مما لا نصححه عن المسيح إذ لا يجوز إجراء هذا الكلام على ظاهره، فإن الفرار عن الأولاد والأطفال وتركهم بلا كافل يكفلهم ومنفق ينفق عليهم مما لا يجوز، ومن نسب المسيح إلى الجهل بذلك فقد كفر بالمسيح.
ثم ذلك على تقدير صحّته معارض بنصّين عن المسيح؛ أحدهما: قوله في جواب الزنادقة الذين جاؤوا متعنتين له: "إن الذي زَوَّجه الله لا يقدر أحد على تفريقه"4.
والآخر: قوله عليه السلام: "إن من طلق زوجته باطلاً فقد عرضها للزنا ومن تزوج بمطلقة فقد زنا بها"1. / (2/78/ب). ثم النكاح والتناسل سنّة الأنبياء وخواص الأولياء ودأب النجباء والأقوياء. وقد امتن الله على إبراهيم وإسرائيل وزكريا ومريم وغيرهم بنعمة الأولاد كما هو مزبور مذكور في كتبهم. ومن رغب عن سنة الأنبياء التحق بالأغبياء.2
وقد قال فولس في الرسالة الثانية عشرة: "إن القسيس محقوق أن يكون غير ملزم فإنه وكيل الله غير حقود.
ولا يستبد برأيه ولا [مجاوزاً] 3 للمقصد4في الخمر.
ولا يسرع بيده إلى الضرب.
وأن يكون محباً للغرباء والأعمال الصالحات.
وأن يكون عفيفاً باراً ضابطاً لنفسه عن الشهوات.
عنياً بالعلم والتعليم.
ويكون له زوجة واحدة وبنون صالحون"5.
فمن رفض النكاح ومنع منه فقدخالف من ذكرنامن الأعلام والقدوة.
76- فضيحة أخرى: مع غلبة الجهل على النصارى فهم أشدّ الناس دعاوى وأوسعهم تخرصاً على الله يزعمون أن فيهم اليوم من يمشي على الماء ويحيى الموت ويفعل العجائب.
/ (2/79/أ) ويدّعون أن بفارس بيعة لهم كانت على قنة جبل ولها مرتقى صعب وأن واحداً منهم دعا إلهه الذي صلبته اليهود فحطها له من أعلى الجبل حتى جعلها على وجه الأرض.
ويزعمون أن كنيسة بالسوس كانت بأعلى تل ولها بئر في أسفله، وأن القَيِّم بالكنيسة كبر وعجز عن النّزول فدعا ربّه المصلوب وتوسل إليه وأقسم عليه بالخشبة التي صلب عليها فرفع البئر إليه، فيدعي ذلك اليعقوبي على النسطوري، والنسطوري على الملكي.1
# 77- فضيحة أخرى: النصارى أنزل الناس لما في كتبهم ولما نصّ عليه المسيح من التواضع واللطف والإيثار؛ وذلك أن القتال لم يكن من سنة المسيح ولا من طريق تلاميذه الذين صحبوه.
بل كان مذهبهم الذي جاء به المسيح الاستسلام إذا عجزوا والعفو إذا قدروا.
وهم الذين رووا عنه في الإنجيل: "من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر.
ومن نازعك ثوبك فزده رداءك، ومن سَخَّرك مِيلاً فامض معه/ (2/79/ب) اثنين"1.
وهم الذين حكوا عنه في الإنجيل: "أحبوا مبغضيكم، وصلوا على لاعنيكم، وأعطوا من حرمكم، وصلوا من قطعكم، وأحسنوا إلى من أساء إليكم"2.
وقالت أوائلهم: لو أراد المسيح نصب الحروب لم يستسلم فنحن لا نخالف سيدنا المسيح.
وقد قال المسيح: "طوبى للذين يرحمون وأن الرحمة تكون لهم، طوبى للذين يصلحون بين الناس، أولئك أصفياء الله ونور بني آدم"3.
فهم مع كونهم يروون ذلك عن المسيح أنزل الناس له وأبعدهم منه.
وقد قال فولس في الرسالة الحادية عشرة: "اهرب من جميع الشهوات، وَاسْعَ للرّبّ وللإيمان والود والسلم.
وتنكب المنازعات فإنها تولد القتال، وليس يحل لعبد
من عبيد الله أن يقاتل"1. فأمر فولس بترك ما يؤدي إلى القتال سداً للذريعة، فكيف خالفه النصارى وشرعوا الحروب وسفكوا الدماء الحرام؟ "2. 78- فضيحة أخرى: أخصت الحبشة من النصارى أولادهم وكذلك بعض الروم. / (2/80/أ) والخصي أشدّ المثلة وأفظع الذنوب. ثم هم يفعلون ذلك بأطفال لا دفاع عندهم. وتلك قسوة عظيمة وغلظة جسيمة. وقد قال المسيح عليه السلام: "طوبى للرحماء"3. ثم هم يخصونهم ويبيعونهم فيأكلون أثمانهم وهذه مَعَرَّة لو وافقتهم عليها الناس لذهب بنو آدم ومُحي جنس البشر. ثم هم يتصوفون في وجوههم ولحاهم بالحلق والنتف والكشط فيصيرون مع عوج ألسنتهم أسمج شيء خلق الله. وهذه كتب الأنبياء لم تأمر بشيء من هذا الجنس.4
79- فضيحة أخرى: ليس بين النصارى شيء من الأحكام والفرائض والسنن والمحتاج إليها في المعاملات والمناكحات، والأناجيل التي بأيديهم ليس فيها سوى مواعظ ووصايا قد خلطت بكفر صريح وأكاذيب كثيرة لم يصدقهم عليها أحد من الأمم.
وأكثر ما يفزعون إلى أحكام المسلمين لخلو أكابرهم عن معرفة الحلال والحرام.
وأي شيء استحسنوه بعقولهم شَرَّعوه وحكموا به فمن نازعهم من (2/80/ب) أهل ملتهم أحرموه ومنعوه من دخول الكنائس فيحكمون فيهم
بأحكام ما أنزل الله بها من سلطان.1
قال أبو الطّاهر بن عوف رحمه الله: وليس يشتمل ديوان فقه النصارى على أكثر من خمسمائة مسألة ونيف وليست مأخوذة عن المسيح.
80– فضيحة أخرى: زعم النصارى أن يوحنا أحد مدوّني الإنجيل جلس بأفسس2بلدة من بلاد الروم يكتب إنجيله فوقع مطر محى بعض ما كتب فغضب يوحنا ورفع وجهه إلى السماء وقال: أما تستتحيي أن تمحو اسم ابن إلهك، قالت النصارى: فلم تمطر تلك القرية من بين سائر البلاد.3
ليت شعري ما طريق تصحيح هذه الدعوى، وهل البلدة اليوم تمطر أم لا؟ وإن كانت قد محلت فهل كان ذلك بسبب غضب يوحنا على ربّه وتخطئته
لخالقه أم لا؟ وبعد فلعلّ في بلاد الله بلاداً وبقاعاً كثيرة لا تمطر وأخرى لا تخلو من المطر.
وقد حكى النصارى أن بين هذه [القرية] 1 وبين القسطنطينية نحواً من ألف فرسخ.
وهذا دأبهم فيما يستشهدون به على/ (2/81/أ) أباطيلهم فإنهم يبعدون شاهدهم غاية البعد ليعسر على الممتحن مراجعته، وليت شعري هل كان يعدو أمر ذلك المطر إما أن يكون الله هو الذي ساقه أو مَلَكٌ من قِبَل الله أو سحابة سخرها الله، فإن كان إنما انتهر الغيم والسحاب فهذا سخيف العقل إذ وَبَّخ من لا يعقل ولا يفهم ولا ذنب له.
وإن كان إنما وبخ الملك المتولي سوقها فهو جاهل إذ الملك إنما يصدر عن أمر الله تعالى.
وإن كان إنما خاطب الله فقد زعم أن لله إلهاً فوقه.
وبالجملة ففي إنجيل يوحنا هذا أمور انفرد بها عن أصحابه ولم يوافقوه عليها، والنصارى يكاتمونا2اختلافهم ولا يبوحون به لنا؛ لأنه اختلاف في الإله نفسه وليس هو في الفروع فيغتفر.
81- فضيحة أخرى: قال النصارى: إن المسيح لم يتكلم في المهد ولم ينطق ببراءة أمه مريم صغيراً، بل أقام ثلاثين سنة واليهود تقذف أمه بيوسف النجار وتحكم بأنه ولد زنا.
فلزم على سياق قولهم أنه لم تلقَ أُمٌّ بسبب ولدها من الشّرّ ما لقيت مريم من المسيح؛ لأنه فضحها وهتك سترها ودعا / (2/81/ب) إلى رميها3بالزنا ولم يدفع عنها بحجّة تقطع شغب اليهود وهو قادر على ذلك.
ثم إنه كَلَّفها عبادته فأوجب عليها الصوم والصلاة وألزمها ترك الشهوات ومخالفة الهوى فهي ملتزمة
لذلك إما خوفاً من عقابة أو رجاءً لثوابه.
ثم قضى عليها الموت وجَرَّت غصصه1وسلط عل جسدها البلى.
وهذا شيء لم يُعرف في بِرِّ الأولاد وما سمعنا بعاقٍ بلغ هذا المبلغ من أمه.
فبمقتضى قولهم إنه كان مشؤوماً عليها والله تعالى يقول في حقِّه: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنْتُ﴾ - إلى قوله: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ 2.
82- فضيحة أخرى: ربما عَرَّضَ بعض النصارى بردة ابن أبي السرح3عن الإسلام.
وقال: كيف يكون نبيّاً يوحي إليه ولا يعلم بحال من يرشحه ويختاره لكتابة الوحي.
فيقال له: يا أخرق، النبيّ لا يعلم من المغيّبات إلاّ القدر الذي أعلمه الله به وكونه لا يعلم بفساد نية من يصحبه لا يقدح ذلك في نبوّته.
فإن أبيت إلاّ القول بذلك فارغب بنفسك عن اتّباع المسيح؛ فإنك رويت وروى أصحابك وأهل دينك أن المسيح/ (2/82/أ) اختار رجلاً من تلاميذه الاثني عشر الذين شهد لهم بإدانة بني إسرائيل يوم القيامة وَوَلاّه صندوق مال الصدقات وقدمه على غيره من أصحابه ورشحه لأمانته وهو يهوذا
الأسخريوطي - كفر وفجر وواطأ اليهود على المسيح وارتشى منهم على المسيح ثلاثين درهماً وزاد على ابن أبي السرح بأن قتل نفسه كافراً. فأما ابن أبي السرح فإنه راجع الإسلام ومات مؤمناً.1
فإذا كُفْر من كَفَر من أتباع النبيّ لا يقدح في نبوته بدليل أن اليهود كفروا بعد موسى في حياته عبدوا العجل. ولم يقدح ذلك في نبوة موسى وصحّة رسالته. 83- فضيحة أخرى: عاب النصارى قول ربّنا: ﴿وَلَو شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾. [سورة السجدة، الآية: 13] 2. ونظائرها في إثبات الخير والشّرّ من الله تعالى.3
وقالوا: لا يفعل
الله سوى الخير المحض.
فأما الشّرّ فهو من الشيطان لا من الله.
فالتزموا مذهب الثنوية1القائلين بأن الخير من النور، وأن الشّرّ من الظلمة.
فلزمهم
أن يكون مراد الله أقلّ وقوعاً وأن إرادة الشيطان أنفذ من إرادة الباري./ (2/82/ب) وكذلك يلزمهم من عزو الشرور إلى النفوس ممن ينكر وجود الشياطين من اليهود وغيرهم - أن يكون سلطان النفوس أنفذ من سلطان الله.
ولو عقل النصارى واليهود لعرفوا في كتبهم ما أنكروا علينا إذ هو مسطور في صحفهم ولكن لا يهتدون إليه سبيلاً.
قال الله تعالى في التوراة لموسى: "امض إلى فرعون وقل له: أرسل شعبي يعبدني وأنا أقسي قلب فرعون فلا يرسلهم"1.
ثم قالت التوراة عقيب كلّ آية صنعها موسى بحضرة فرعون: "وقسى الله قلب فرعون فلم يؤمن كما قال الرّبّ"2.
هذا تصريح من الله لا جمجمة3بأنه سبحانه هو الذي يقذف في قلبه القسوة والكفر وهذا بعينه هو قول المسلمين أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء؛ ولأنه تعالى لو أراد هداية فرعون لشرح صدره للإيمان ولم يقس قلبه كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرْدِ الله أَنْ يَهْدِيَه يَشْرَحُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرْد أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾. [سورة الأنعام، الآية: 125]. ولما أخرج الصاع من رَحْلِ بنيامين جزع إخوته / (2/83/أ) وقالوا: من عند الله نزلت هذه الخطيئة. كما نطقت به التوراة.4
وهذا دليل على أنهم كانوا يعتقدون صدور الخير والشّرّ من الله تعالى.
وهذا الجنس في التوراة كثير.
وقال5بلعام بن فعرو - لما قال له الملك: العن لنا بني إسرائيل.
فقال: إني لا أستطيع أن أفعل خيراً ولا شرّاً من قبل نفسي وإنما أقول ما أمرني به الرّبّ.
ذكرت التوراة6ذلك.
وقد قال المسيح في الإنجيل: "إني لم آت لأعمل بمشيئتي بل بمشيئة من أرسلني"1.
وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُون إِلاّ أَنْ يَشَاءَ الله رَبُّ العَالَمِين﴾.
[سورة التكوير، الآية: 29].
وقالت التوراة في عدة مواضع: "وقَسَّى الله قلب فرعون فلم يرسل بني إسرائيل"2.
وذلك نظير قوله: ﴿وَإِذ يُرِيكُمُوهُم إِذِ التَقَيتُم فِي أَعْيُنِكُم قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُم فِي أَعْيُنِهُم لِيَقْضِي الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾.
[سورة الأنفال، الآية: 44].
وضرب المسيح مثلاً في الإنجيل: "فقال: إن ملكاً عمل وليمة ودعا إليها أهل مملكته وأمر ألا يتخلف عنها أحد فلما جلس فلم ير إلاّ بعض القوم فقال: المدعوّون كثير والحاضرون قليل"3.
فبيّن عليه السلام عموم الدعوة وخصوص الهداية وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
[سورة يونس، الآية: 25].
فبيّن الله تعالى أن دعاء الأنبياء عموم / (2/83/ب) وهداية الله خصوص.
فلا يستنكر قول الإسلام إن الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء.
فلم ترد شريعة لم ينْزل كتاب الله إلاّ وهو متضمن ذلك.
وبذلك يتحقق أن أصول الشرائع ومقاصدها واحد وإن اختلفت الأحكام التكليفية لاختلاف مصالح المكلفين.4
# 84- فضيحة أخرى: لازمة للنصارى واليهود وهي ما اشتملت عليه كتبهم من الاختلاف والتكاذب وقد ذكرنا فيما تقدم نُبذاً من ذلك ليستدل بها من وقف عليها على قلة ضبطهم لدينهم ولنذكر ها هنا ما وقع في التوراة من التكاذب. فمن ذلك ما وقع في تاريخ عمر آدم وأعمار مشاهير أولاده ففي نسخة من نسخ التوراة: أن آدم عاش مائة وثلاثين سنة ثم ولد على شبهه ولد فسماه شيت.1
وفي نسخة أخرى: أنه لم يرزق شيت حتى صار له من العمر مائتان وخمسون سنة.2
وعاش آدم بعد أن ولد له شيت ثمانمائة سنة / (2/84/أ) فولد له بنين وبنات ثم مات. وكان جميع عمر آدم تسعمائة سنة.3
وفي نسخة: ألف وثلاثون سنة.4
ثم عاش شيت مائة وخمس [سنوات] 1 فولد له أنوش. وعاش من بعد ما ولد له أنوش تسعمائة واثنتي عشرة سنة ثم مات.2
وفي نسخة تسعمائة وسبع سنين.3
ثم رأيت هذا التناقض التكذيب جارياً في أعمار مشاهير أولاد آدم إلى نوح عليه السلام.4
فلم تكد نسخة توافق أخرى وإذا كان هذا ضبطهم للتوراة وهي أُسُّ دينهم فكيف يوثق بهم فيما عداها؟.
وليس يمكن إضافة هذا التحريف إلى سواهم فإن التوراة لم ينقلها من اللسان السرياني إلى غيره إلاّ اليهود وذلك يشعر بتهاونهم بأمور دينهم وإلاّ فكيف يحسن أن يخبر عن شخص أن عمره مائة سنة.
وأن عمر خمسين سنة ويكون الخبران صدقاً.
وإذا كان هذا تحريفهم لما لا يتعلق به غرض ظنك بتحريفهم لما يتحققون به الدلالة على نقض أصولهم وذلك من مرغوبات النفس وحبّ الانتصار والتعصب القاضي بعمي البصيرة.
ولن يتخلص من ذلك إلاّ موق قد / (2/84/ب) أعانه الله على قمع هواه وجعل الحق مطلوبه والانقياد إليه مراده ومقصوده.
فهو ينقاد إليه حيث دعاه لَبّاه ولو على لسان عدوّه وبذلك وعد الله تعالى فقال عزوجل من قائل: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى﴾.
[سورة النازعات، الآية: 40-41]. 85- فضيحة أخرى: زعم النصارى أن المسيح أراد بقتل نفسه تطهيرهم من خطاياهم.
فيقال لهم: تطهير من آمن به واتّبعه أو تطيره من كفر به وخالفه؟! فإن قالوا: تطهير من كفر به.
قلنا لهم: كيف يطهرهم من خطاياهم بأعظم من خطاياهم.
وما هذا إلاّ بمثابة من غسل البول بالعذرة يريد تطهيره فإنه لا يزيد المحل إلاّ نجاسة.
وعلى هذا ينبغي أن يكون اليهود الذين قتلوه
وصلبوه والأسخريوطي الذي نَمَّ عليه ونمرود وفرعون قد طهروا من خطاياهم وكذلك الهنود والمجوس وكلّ كافر على وجه البسيطة.
وإن قالوا: إنما أراد تطهير من آمن به واتّبعه.
قلنا: فكيف تكون معصية العدوّ طهرةً لولي؟ وإنما يُطَهِّر / (2/85/أ) الإنسان عملُه الصالح وتوبته الصادقة دون كُفْر من كَفَر.
ثم إن كانوا قد آمنوا بالمسيح فإيمانهم يطهِّرهم فلا حاجة إلى قتل المسيح وصلبه.
وإن قالوا: إنما أراد تطهير الحواريين.
فيقال: وما هذا الذنب الذي لا يظهره إلاّ قتل الله وصلبه؟!...، وينبغي أن يكون [الحواريون] 1 شرار خلق الله؛ إذ كان لا يطهرهم إلاّ هذا القتل2الذي لا يشابهه قتل.3
فليت شعري أَيُّ ذنب لقوم هو عند النصارى خير من جبريل وميكائيل وسائر النبيين والمرسلين؟!.
وإن قالوا: إنما أراد بتسليمه نفسه ليتهذّب الخَلْق و [يتعلموا] 4 الصبر على الشدائد والمحن ولا يضطربوا تحت مجاري الأقدار ليفوزوا بأجور الصابرين.
قلنا: فإصلاحه لقلوبهم بخلق الصبر فيها والاحتمال مع بقاء جلاله وعظمته كان أليق بالربوبية.
فإن كان إلهاً قادراً فهلا أصلح قلوبهم وهذّب نفوسهم من غير أن يتلبس بما وصفتهم من الصفح والضرب والقتل والصلب ليصلحهم.
ثم أيّ صلاح يظهر في العالم بقتله؟ وأيّ فساد زال؟ أليس العالم على ما كان عليه/ (2/85/ب) قبل مجيئه؛ السارق يسرق، والفاسق يفسق، والقاتل يقتل
والظالم يظلم، وأسواق الشرور قائمة وعيون الشياطين عن إغواء الآدميين غير نائمة.
بل قد زادت الشرور بما ذكرتم زيادة كثيرة؛ لأن أهل العالم بزعمكم قتلوه وصلبوه ونكلوا به وبتلاميذه الذين هم عندكم أفضل من الأنبياء والمرسلين.
فقد تفاقمت الشرور واتسعت بمصرعه دائرة المحذور.
وقد كان أهل العالم قبل مجيئه يعبدون الله تعالى، وإن عُبد صنم ففي العقول السليمة مندوحة عن المتابعة عليه.
فلما جاء1هذا الذي زعمتم أنه قتل وصلب عبد مع الله غيره.
وإن كابرتم وقلتم: إن الخطيئة قد ارتفعت بمجيء المسيح وقتله صرتم ضحكة بين العقلاء على أنكم قد تأنستم بإزراء2العقلاء بكم وتمرنتم على السخرية منكم.
ألستم الذين تقرؤون بعد الفطر بجمعتين التسبيحة المشهورة عندكم وهي: "بصلبوت ربّنا يسوع المسيح بطل الموت / (2/86/أ) وانطفأت فِتَنَ الشياطين ودرست آثارها؟ "3. ألستم تقرؤون يوم الأحد من الصوم التسبيحة المشهورة عندكم وهي: "أن المسيح هو الذي أنقذ رعيته من الفتن والكفر وغلب بصومه الموت والخطيئة؟ "4. ألستم الذين تقرؤون بعد كل قربان: "يا ربّنا يسوع الذي غلب بوجعه الموت الطاغي؟ "5. كذلك قولكم في ثاني جمعة من الفطير: "إن فخرنا إنما هو بالصليب الذي بطل به سلطان الموت.
وصرنا إلى الأمل والنجاة بسببه"6.
وفي هذه التسابيح التي لكم ما يضحك من تأملها إذ يحسن منه أن يقول: كيف بطل الموت بصلب المسيح وموته؟.
ألسنا نرى الموت فافراً لا يشبع، والشيطان مستمراً على الإضلال والإغراء لا يقلع؟ وأنَّى يغلب الموت من قد مات وغلب.
ويقهر الشيطان من قد قهر وصلب؟!!.
87- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤون في الصلاة الأولى وهي التي يسمونها صلاة السحر وصلاة الفجر.1: "تعالوا نسجد ونتضرع للمسيح إلهنا أيها الرّبّ
خروف الله ارحمنا.
أنت وحدك القدوس المتعالي.
أيها المسيح الرّبّ إنا بكل / (2/86/ب) كلّ يوم إلى الأبد".
اعلم أن هذه الصلاة للمسيح خاصة وقد صرحوا فيها بأن المسيح هو الله الرّبّ.
وأنه وحده المتعالي المبارك إلى الأبد.
وهو كما ترى الكفر الصراح الذي لا غبار عليه.
وهو باطل بالتوراة والإنجيل والنبوات والمزامير.
فأما التوراة فليس فيها شيء من هذه النجاسات ألبتة بل هي مشحونة بتوحيد الباري إله إبراهيم وتنْزيهه وإفراده بالربوبية.
وقد قال في السفر الخامس منها: "الرّبّ واحد في السماء والأرض ليس غيره"1.
وقال سبحانه في العشر الكلمات: "أنا الله الذي أخرجتك من مصر لا يكن لك إله غيري"2.
وقال الله تعالى في التوراة: "لا تتخذوا أصناماً ولا أشباهاً في السماء فوق ولا في الأرض أسفل ولا في البحر تحت، ولا تسجدوا لها ولا تعبدوها أنا الله إله غيور"3.
وقد كلم الله في التوراة آدم ونوحاً وإبراهيم ويعقوب وموسى وهارون وأمرهم ونهاهم كل ذلك4يقول: "أنا الله وحدي". وقال الله لموسى: "أنا الله إله آبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب، لا يكن لك إله غيري"5. / (2/87/أ). فحذرهم من الإشراك واتّخاذ إله آخر. وذلك من أدلّ الدليل على كفر النصارى.6
أما الإنجيل فقال المسيح: "لا يقدر أحد أن يعبد رَبَّين"7.
وقال: "لا صالح إلاّ الله الواحد"8.
وقال: "أوّل الوصايا كلّها في الناموس اسمع يا إسرائيل
الرّبّ الإله واحد هو، فاحببه من كلّ قلبك"1.
وقال المسيح لليهود: "أنتم تمجدون نفوسكم ولا تمجدون الله"2.
وسئل عن القيامة، فقال: "لا يعرفها إلاّ الله وحده"3.
ورفع وجهه إلى السماء وقال: (أنت الإله الحقّ وحدك"4.
وأما المزامير والنبوات فكلّها توحيد أيضاً وليس فيها من كفر النصارى شيء ألتبة.
قال داود في المزمور السابع عشر: "الله لا ريب في سلبه، كلام الرّبّ مختبر.
وهو منجي من توكل عليه.
لا إله إلاّ الرّبّ.
لا عزيز مثله"5.
وقال في المزمور التاسع عشر: "الرّبّ يستجيب لك.
في يوم شدتك إله يعقوب ينصرك، ويرسل لك عوناً من قدسه.
ومن صهيون يعضدك سؤلك.
هؤلاء / (2/87/ب) بالخيل وهؤلاء بالمراكب.
ونحن باسم إلهنا ندعو"6.
فقد وضح لك أن هذه الصلاة التي للنصارى مقصورة على عبادة رجل من بني آدم، وأنها باطلة بما نصت عليه كتب الله المنَزّلة.
88- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤون في صلاة الساعة الأولى7: "المسيح الإله الصالح الطويل الروح الكثير الرحمة الداعي الكلّ إلى الخلاص"8.
هذه
الصلاة أيضاً من1النمط الأوّل وهي باطلة بشهادة المسيح إذ نطق الإنجيل: "بأن إنساناً قال: يا معلم صالح ما أعمل من الصلاح؟ فقال: أتدعوني صالحاً؟! لا صالح إلاّ الله وحده"2.
وإذا لم يرض المسيح أن يكون معلماً صالحاً، بل3أنكر ذلك وأولى الصلاح لله وحده.
فكيف تَخَطَّا النصارى أمره وزادوا حتى سموه الإله الصالح؟ وإذا أنكر عليه السلام القول الأوّل فالأولى أن ينكر هذه الصلاة وهذه القراءة.
ثم قول النصارى: "المسيح الإله الصالح".
وتخصيصه بذلك دون الآب والروح القدس فيه إبطال لمذهبهم في الثالوث؛ إذ لا خلاف عندهم / (2/88/أ) أن التعبد لأقنوم الكلمة على تجردها لي بجائز.
إذ الإله المحقوق بالعبادة هو عبارة عن ثلاثة أقانيم وهي: الآب والابن والروح القدس.
فما لم يتوجه المكلف بالعبادة إلى هؤلاء الثلاثة لم تعتبر عبادته.
فإذا قصدوا المسيح بهذه الصلاة فإنما قصدوا أقنوماً واحداً والمسيح عندهم [ما] 4 اتّحد به سوى العلم.
فأما الآب والروح فلما اتّحدا به.
ثم هذه القراءة منهم تشعر بأن المسيح أصلح الثلاثة ثم لا يخلوا أن يقصدوا بهذا القول لاهوت المسيح أو ناسوته.
فإن قصدوا ناسوته لزمهم أن يكون الجسد المخلوق إلهاً خالقاً وذلك جهل.
وإن قصدوا لاهوته وهي صفة العلم لزمهم أن يكون صفات الله من العلم والقدرة آلهة معه وذلك لا يقول به عاقل.
أما قولهم: "الطويل الروح".
فإن زعموا به الروح التي زعموا أنها جاءته عند المعمودية فتلك إن كانت قديمة لم يصح وصفها بطول ولا قصر؛ إذ كل ما دخله المساحة وكان له طول / (2/88/ب) وعرض وعمق فهو جسم مخلوق حادث.
وإن عنوا به
روح الإنسان على معنى أن المسيح صبر في زعمهم على إهانة اليهود مع قدرته على الانتصار فقد ناقضوا قولهم: "إنه الإله الصالح"؛ إذ الإله هو الذي لا تمتد إليه الأيدي وهو الذي يأمر عباده بالصلاح.
أما من يشرع الفساد فلا يستحق اسم الصلاح.
وأما قولهم: "الداعي الكلّ إلى الخلاص".
فنقول: أدعاهم وأراد هدايتهم أم دعاهم ولم يرد ذلك؟ فإن كان قد أراد هدايتهم فلم يهتدوا فقد تحقق عجزه؛ إذ لم تنفذ إرادته ومثل هذا لا يصلح للربوبية.
وإن كان قد دعاهم ولم يرد هدايتهم فقد ظلمهم بعدم إرادة هدايتهم وقد فعل الشّرّ وضد الصلاح.
وهذا يهدم أصول النصارى في القول بالتحسين والتقبيح.
وإن زعموا أنهم قد اهتدوا بدعائه أكذبهم شاهد الوجود.
89- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤون في صلاة الساعة الثالثة: "يا والدة الإله السماوي أنت هي الكرمة الحقانية الحاملة ثمرة / (2/89/أ) الحياة إليك نتضرح لترحمي نفوسنا يا والدة الإله السماوي افتحي لنا أبواب رحمتك"1.
أوّل ما نبدأ به أن نقول للنصارى: أخبرونا هل هذا القول منكم من أصول العقائد التي لا يسع المكلف جهله أو لا؟ فإن زعموا أنه لا بدّ للمكلفين من اعتقاده والصلاة به، وأنه لا رخصة لعبد حتى يعتقد أن لله والداً ولده وأُمّاً حملته وأرضعته.
فإن قالوا: لا يسع [مؤمناً] 2 إلاّ ذاك.
قلنا لهم: أخرجتم آدم وإبراهيم وموسى ومن بينهم من المؤمنين عن الإيمان؛ إذ لم يعرفوا ذلك ولا اعتقدوه ولا سمعوا به.
ولو كان ذلك إيماناً وتوحيداً لم يجهلوه.
وإن زعموا أن موسى وإبراهيم ومن بينهم كانوا يعتقدون أن لله والدةً حملت به ووالداً ولده.
قلنا لهم: أرونا ذلك في توراة موسى ونبوات الأنبياء وأَنَّى يجدون إلى ذلك سبيلاً.
ثم نقول لهم: ما قولكم فيمن خرج عن دين السيح وخالفه من طبقات بني آدم أكفارٌ هم أم مؤمنون؟.
فإن / (2/89/ب) قالوا: إنهم كفار فجار قد هلكوا بتكذيبهم المسيح.
قلنا: فقولهم في أم المسيح: "إنها حملت ثمرة الحياة" كذب وزور وإفك وَمَين؛ إذ الذين هلكوا بانتهاك عرضها وقذفها من اليهود وغيرهم أكثر من أن يحصوا فقد كذبتهم في قولكم: "إنها الكرمة الحاملة ثمرة الحياة".
وصارت بمقتضى ما ذكرتهم حاملة ثمرة الهلاك كما قال ولدها في الإنجيل: "لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض [سلاماً] 1 ما جئت لألقي عليها [سلاماً] 2 لكن سيفاً وأوقد بهاناراً"3.
وإذا كان هذا قول المسيح وهو الثمرة التي ذكرتهم فما صدقتم في تسميته في صلاتكم (ثمرة الحياة).
واعلم أن هذه الصلاة أيضاً مقصورة على عبادة مريم عليها السلام وهي خارجة عن أصول النصارى؛ لأن جسد مريم لم يتّحد به شيء عند كافة النصارى بل جسدها كسائر أجساد بني آدم.
فلو جاز أن يعبد مريم لكونها حملت بالمسيح عن عدة الله لجاز أن تعبد أليصابات4وسارة وهاجر؛ إذ حملوا عن عدة الله تعالى.
فقد زاد النصارى على الثالوث / (2/90/أ) إلهاً رابعاً وخالفوا أهل ملتهم من القدماء.
90- فضحية أخرى: النصارى يقرؤون في صلاة السادسة: "يا من سُمِّرت يداه على الصليب من أجل الخطيئة التي تجرأ عليها آدم.
خرق العهدة المكتوب فيها خطايانا وخلصنا.
يا من سُمِّر على الصليب وبقي حتى لصق على الخشبة
بدمه قد أحببت الممات لموتك، أسألك بالمسامير1التي سمّرت بهم. نجّني يا الله"2. هذه القراءة وإن كانت تصلح لتعاليق المجان ومن يعتن بالأضاحيك فلا بُدّ أن نبيّن مراد النصارى بها، ومرادهم: أن آدم أبيح له كلّ شجر الجنة وقيل له: كُلْ مَا أحببت خلا شجرة معرفة الخير والشّرّ؛ فإنك في اليوم الذي تأكل تموت موتاً. قالوا: فلما أكل وخالف أمر ربّه وجب في حكم الله تعالى أن يميته موت الخطيئة لا موت الطبيعة؛ إذ سبق في علم الله أنه لا يفرغ العالم من نسله. فلما ورد عليه العتاب والتوبيخ أسف وندم على ما فعل. وأنه تعالى تاب عليه وبقي في عهدة قوله السابق / (2/90/ب) فلطف له وبعث المسيح فصام بدلاً من توسع آدم في تناول الشجرة. وصلب على خشبة بدلاً من تيك الشجرة. وسمّرت يداه بالجذع لامتدادها إلى الثمرة المنهي عنها. وسقي المرار لالتذاذ آدم بحلاوة ما أكله من الجنة. ومات بدلاً عن الموت الذي كان الله يهدد به آدم. وهذه دعوى لا برهان لهم عليها ولو ادّعاها بعض الناس لبعض من صلب في الدنيا قَبل المسيح أو بعده لما وجد النصارى إلى ردّ ذلك سبيلاً. وليس - وعزة الله - لما لفقوه من ذلك أصل في كتب الله لا في العتيقة ولا في الجديدة.3
وقولهم: "خرق العهدة التي كتبت فيها خطايانا وخلصنا".
وذلك أنهم يعتقدون أن خطيئة آدم التي جناها على نفسه قد شمل وزرها وتبعتها سائر ولده حقباً بعد حقبٍ وقرناً بعد قرنٍ إلى مجيء المسيح.
وقد أبطلنا ذلك فيما تقدم وتلونا ما ورد في التوراة والإنجيل والمزامير مما يكذب هذه الدعوى.4
وقد قالت التوراة: "إن الله / (2/91/أ) قال لقابيل بن آدم: إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطيئة رابضة ببابك أنت تقبل إليها وهي تتسلط عليك"1.
فقد أخبرت التوراة أن في إحسان المحسن وقبول البر من الرجل البار مندوحة عن قتل المسيح وغيره.
وقالت التوراة أيضاً: "أما هابيل فإنه يجزئ للواحد سبعة"2.
وفي ذلك مندوحة عن القتل والصلب إذ الجزاء خلاص وزيادة.
وقال الله تعالى في المزامير: "طوبى للرجل الذي لم يتبع رأي المنافقين ولم يقف في طريق المستهزئين ولم يجالس الخاطئين لكن في ناموس الرّبّ هواه، يدرس ليلاً ونهاراً"3.
فقد شهد المزمور أن الاشتغال بقراءة كلام الله وعبادته مخلِّص لصاحبه وأن طوبى له.
فلا حاجة إلى الخلاص بشيء آخر.
وإلاّ فيلزم تكذيب داود في خبره عن الله تعالى.
وقد قال التلاميذ للمسيح وسألوه: من العظيم في ملكوت الله تعالى؟ فقال: "من تواضع مثل الصبيان فهو العظيم في ملكوت الله"4.
قد أخبر المسيح أنه لا حاجة إلى قتل وصلب بل من تواضع لله ولم يتكبر كفاه الله وخلّصه.
/ (2/91/ب) والعجب كيف تحكَّم النصارى بصحّة توبة آدم ويقولون: "إن ذريته مأخوذون بجريرته".
وقد رووا في بعض نبوات أنبيائهم عن الله: "لا آخذ الولد بذنب والده، ولا الوالد بذنب ولده.
طهارة الطاهر له
تكون وخطيئة الخاطئ عليه تكون"1.
وذلك موافق لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
[سورة الأنعام، الآية: 164]. والعجب كيف يثبتون عند سماع هذه القراءة ولا يستغربون ضحكاً؟! ولعمري ما بلغ أعداؤهم منهم ما بلغوا في أنفسهم في جعل مثل هذا السخف قرآناً يتلى.
91- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤون في صلاة الساعة التاسعة: "يا من ذاق الموت من أجلنا في الساعة التاسعة إليك ابتهالنا، يا من سلّم نفسه إلى الآب لمّا علّق على الصليب لا تغفل عنا.
يا مَن مِن أجلنا ولد من العذراء، واحتمل الموت، لا تخيّب من خلقت بيديك واقبل من والدتك الشفاعة فينا.
ولا تنقض عهدك الذي عاهدت عليه إبراهيم وإسحاق ويعقوب"2.
وفي هذه الصلاة يقرؤون أيضاً: "لما رأت / (2/92/أ) الوالدة3الحمل والراعي ومخلّص العالم على الصليب قالت وهي باكية: "أما العالم ففرح4بقبوله الخلاص، وأما أحشائي فتلتهب عندما أنظر إلى صلبوتك يا بني".
والغَيّ قولهم: "يا من ذاق الموت من أجلنا".
قد بيّنا خُلُو هذه الدعوى عن الفائدة، وأن القتل والصلب وقع باطلاً؛ إذ5الخلاص الذي قتل لأجله لم يعرفوا له حقيقة ولا وقفوا من أمره على نبأ إلى الساعة.
وما هو إلاّ عنقاء
مغرب1يُسمع به ولا يُرى.
على أن هذه القراءة مع أنها سبَّةُ2على قارئها ففيها تناقض لا يخفى على من تأمله.
وذلك: أن أوّلها يشهد بأنه قتل وصلب وذاق الموت من أجل خلاصهم.
وقد سمته أمه بزعمهم: "مخلص العالم".
فما حاجتهم إلى التضرع إليه ألا يخيبهم ولا يغفل عنهم وأن يمدوا إليه بشفاعة والدته؟ أهم شاكون في خلاصهم بقتله وصلبه؟ أم يقولون إن الأب لم يفِ له فخسر نفسه ولم يحصل لهم خلاص؟!!.
وأما قولهم: "ولا تنقض عهدك الذي عاهدت عليه إبراهيم / (2/92/ب) وإسحاق ويعقوب"، فذلك غلط من النصارى.
إذ ما عاهد إبراهيمُ وإسحاقُ ويعقوبُ الأبَ.
قد قال المسيح: "الله لم يره أحد قط".
وعلى مقتضى هذه الصلاة المدبرة يكون المصلوب المُسَمَّر اليدين بالمسامير هو الأب الذي عاهد إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
والذي غلّط النصارى هَا هنا أفريم - من جهال سلفهم -: "إن اليدين التي جبلت طينة آدم هي التي علقت على الصليب.
وإن الشبر الذي مسحت السماء هي التي سمرت في الخشبة".
فأستغفر الله من حكاية أقوال هؤلاء الضلال.
وأما قولهم: "إن والدة إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب واقفة تبكي تحت خشبته وتناديه يا بني وإلهي أحشائي تحترق لصلبك".
فلو سمعه بعض المجان لاتّخذه من أظرف ما يمجن به.
لأن حاصله أن ابنها إلهها الذي ولدته.
وخالقها هو ولدها الذي أرضعته.
ولاشتمال صلوات النصارى على هذا السخف يبالغون في ستر أحوالهم ولا يُعجبهم أن يحضر بِيَعهم أحد غيرهم.
92- فضيحة أخرى: / (2/93/أ) النصارى يقرؤون في صلاة الغروب: "يا والدة الإله العذراء أسعي في خلاصنا وافرحي يا والدة الإله.
مباركة أنت في النساء ومبارك ثمرة بطنك لأنك ولدت لنا مخلّصاً.
يا والدة الإله لا تغفلي عن وسائلنا1ونجنا من المعاطب"2.
وفي هذه الصلاة: "يا صابغ المسيح يوحنا اذكر جماعتنا ونجّنا".
قولهم: "يا والدة الإله"، اعلم أن الألوهية عندهم تكون حقيقة وتكون مجازاً.
فالإله الحقيقي هو الله الآب عندهم.
والإله المجازي هو المعظم في الدين الذي يدعو إلى الله ويعلم الناس أوامر الله ويبيّن لهم أحكامه.
فإن عنوا هَا هنا الإله الحقيقي سقطت مكالمتهم لبيان جنونهم.
وإن عنوا القسم الثاني وهو الإله الذي هو مُعظم في الدّين كقول الله في التوراة لموسى عليه السلام: "أخوك هارون يكون لك مترجماً وأنت تكون له إلهاً مدبّراً"3.
وكقول داود لعلماء بني إسرائيل في المزامير: "أنا قالت: إنكم آلهة وبني العلي كلكم تدعو"4.
وكقول حبقوق النبيّ: / (2/93/ب) "إله يأتي من التيمن ومقدس من جبال فاران"5.
يصف نبيّاً يخرج من الحجاز وصلوات الله عليه وسلامه.
فإذا قال النصارى في صلواتهم: "يا والدة الإله"، لَمْ يُعلم من هي المدْعوَّة.
أهي أُمُّ1إبراهيم فإنه في التوراة عظيم2الله.
أَمْ3أُمُّ إسرائيل، فإنه في التوراة بكر الله.4
أَمْ والدة موسى.
فإنه في التوراة: [إله ومدبّر] 5.
أَمْ [إحدى] 6 أمهات أصحاب داود فإنهم في المزامير آلهة؟! 7.
وإذا كان هؤلاء يُدْعَون آلهة فقد صار اللفظ مجملاً.
فمن التي دعوها لتنجيهم من المعاطب وتسعى في خلاصهم؟!.
وقد زادوا في هذه الصلاة إلهاً سادساً، وهو يوحنا إذ قالوا: "يا يوحنا صابغ المسيح نجّنا من المعاطب".
فصارت الآلهة ستة: الآب والابن وروح القدس والمسيح ومريم والمعمداني.
وفي دعائهم يوحنا وطلبهم النجاة منه تكذيب لهم في دعوى الخلاص بقتل المسيح، إذ لو كانوا قد خلصوا بالمسيح لم يفتقروا إلى دعاء غيره.
وحيث احتاجوا إلى الغير دلّ أنهم ما خلصوا وصار ما ادّعوه من قتل / (2/94/أ) المسيح خالياً عن الفائدة.
93- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤون في صلاة النوم: "الملائكة يمدحونك بتهليلات مثلثة.
لأنك قبل الكلّ لم تزل أيّها الأب.
وابنك نظيرك في الابتداء.
وروح القدس مساويك في الكرامة.
ثالوث واحد".
أما قولهم: إن الملائكة يعتقدون الثالوث الذي يقولون به فبهت قبيح وكذب صريح بَنَوْهُ على فاسد معتقدهم.
وإلاّ فمن أين علموا أن اعتقاد الملائكة ما حكوه عنهم والدليل على تخرص ذلك على الملائكة التوراة والإنجيل والمزامير فإنها شاهدة بالتوحيد وتنْزيه الباري عن الثاني والثالث.
وقد قال لوقا: "إن جبريل حين خاطب مريم وسلّم عليها ارتاعت منه.
وقالت: ما هذا السلام؟ فقال لها جبريل: اعلمي أبي أنا جبريل الواقف قدّام الله جئتك أبشرك"1.
وقد أكثرنا من ذكر الشواهد على التوحيد مما يقضي ببطلان هذه القراءة وتبيّن تخرص من ألّفها.
وفي قول النصارى / (2/94/ب) هَا هنا: "لأنك قبل الكلّ لم تزل"، يدلّ على حدث الابن والروح القدس لتأخرهما2عن الأب في الوجود.
إذ لو كانا قديمين لم يكونا مسبوقين.
فإن عبّر النصارى عن صفتي العلم والحياة بالابن والروح.
قلنا لهم: فالصفتان قديمتان أيضاً.
فكيف يكون الأب قبل الكل والصفة لا تتأخر عن موصوفها؟ فالقراءة على ذلك باطلة.
فنحن نسألهم عن الابن والروح أهما [إلهان أزليان أو مخلوقان حادثان؟] 3.
فإن كانا حادثين4 مخلوقين فقد أبطلوا القول بألوهيتهما وأبطلوا القول بالتثليث.
وإن كانا إلهين خالقين بطل أن يكون الأب سابقاً لهما وفسدت هذه التلاوة.
وأما قولهم: "ثالوثاً واحداً".
فلا تظن أنهم يعتقدون أنها صفات للذات بل مرادهم أن الآلهة ثلاثة فقط بغير رابع.
والدليل عليه إفراد كل واحد منهم بالذكر والتعبد والسؤال كما شهدت به الصلوات والأمانة التي لهم والتسابيح.
ولو كانوا يردون ذلك إلى أنهم صفات للذات لاقتصروا على إفراد / (2/95/أ) الله تعالى بالذكر كما أفرد موسى عليه السلام والأنبياء - عليهم السلام -. فهل تجدون في التوراة والنبوات للتثليث ذكراً ألتبة؟ على أن النصارى قد عبدوا بني آدم، ألا تراهم كيف يقرؤون في الصلاة: "تعالوا نسجد تعالوا نتضرع للمسيح إلهنا".
والمسيح هو المولود الذي ولدته مريم - عليهما السلام -. 94- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤن في صلاة نصف الليل وهي الثامنة: "تبارك الرّبّ إله آبائنا وفوق المتعالي إلى الدهر.
تبارك1مجدك القدوس فوق المسيح وفوق المتعالي إلى الدهر.
مبارك أنت فوق المسيح وفوق المتعالي إلى الدهر"2.
وكرروا هذه الفوقية في هذه الصلاة دفعات.
فوصفوا الله تعالى بأنه فوق المسيح وفوق مَن هو أعلى من المسيح وذلك مناقض لما قرؤوه في صلاة النوم إذ قالوا فيها: "إن المسيح نطير الله في الابتداء وإن روح القدس مساويه في الكرامة".
فإن كان الله فوق المسيح بطل قولهم أنه نظيره.
وإن كان المسيح نطيره بطل أن يكون فوقه.
/ (2/95/ب) فلا بدّ من إبطال أحد القراءتين ضرورة الوفاء3بالأخرى.
ثم نقول لهم: أليس أقنوم الوجود وأقنوم الحياة وأقنوم العلم متساوية في الأزلية والقِدَم واستحقاق الربوبية.
فما الذي خصص أحدهم بالفوقية دون الآخرين وليس مقدماً عليهم؟.
فإن أبيتم إلاّ إثبات الفوقية له عليهما فقد أثبتم أنهما دونه.
وذلك تشويش للثالوث وإن وفيتم1بالثالوث أبطلتم هذه القراءة ولا سبيل إلى إبطالها.
فإن التوراة والإنجيل والنبوات شاهد لها2بالصحّة؛ إذ خصصت الباري بالألوهية ووصفته بأنه المتعالي فوق المسيح وفوق كل شيء.
جلّ وعلا وتقدّس عما يقول الجاحدون علوّاً كبيراً.
فهذه بهديكم ثمان صلوات قد اشتملت على الكفر والبهت والفجر وقلة الحياة.
وذلك أن أحدهم يقوم [مضمخاً] 3 ببوله فيتوجه إلى مشرق الشمس - وهي جهة كان المسيح وغيره من الأنبياء يتنكبها في صلاته - فيناجي رجلاً من بني آدم فيقول في قراءته: "يا من قتله اليهود وصلبوه، وسمّروا يديه على خشبة وتركوه على جذعة بين اللصوص حتى أسالت الشمس دمه وحتى لصق بالخشبة / (2/96/أ) جسده.
برحمة المسامير التي سمّرت بها في يديك ارحم من خلقت بيديك4يا الله".
وهذا - حوشيتم - لو خوطب به زعيم قرية أو رئيس محلة لتطيّر من سماعه وعجّل العقوبة لقائله.
فكيف بمن يناجي بذلك إلهه وربّه جل وعلا؟!.
سؤال على النصارى: نقول للنصارى: أخبرونا ما الذي صنعه الله بيسوع حتى صار ابناً له إذ لم تقولوا بالنبوة المعروفة المتّحدة من الزوجة والمملوكة؟.
فإن قالوا: "مسحه فصار بمسحه له مسيحاً وابناً.
قلنا: أبينوا لنا هل مسحه بدهن؟ فإن قالوا: نعم.
ساووا بينه وبين داود وغيره.
إذ قال داود في مزاميره: "صبياً كنت في غنم أبي فأخذني ربّبي ومسحني بدهن مسيحه"1.
وقال داود في مزمور آخر: "ائتمر2الشعوب على الرّبّ وعلى مسيحه" 3.
يعني: نفسه.
وقال الله تعالي في السفر الثالث من التوراة ويسمى سفر الكهنة: "إن الحبر الممسوح من أولاد هارون هو الذي يتولى القرابين ورش الدم على زوايا المذبح"4.
وذلك مشهور عندهم فالمسيح هو الممسوح فما زادوا أن وصفوه بوصف / (2/96/ب) كاهن.
وفي الإصحاح الخامس من هذا السفر: "قال الله لموسى: اعمد إلى هارون وبنيه وخذ اللباس ودهن5المسيحين الذي يمسح به الأحبار وخذ الجماعة كلها إلى باب قبة الأمد.
وقدم هارون وألبسه لباس الكهنة وكلله بأكليل من ذهب وصب على رأسه من دهن المسيحين [وامسحه] 6 وقدسه.
ففعل موسى ذلك بهارون"7.
فما نرى المسيح له مَزِيَّة على داود وهارون في ذلك.
وما نراه نسج له إلاّ على منوال من تقدم من صفوة الله تعالى.
وقد حكوا عن إنجيل لوقا أن جبريل بشّر مريم بأن ولدها المسيح ابن داود يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود، ويملكه على بيت يعقوب.
وذلك يتقاضى أن
يكون1أفضل منه أو معه في رتبة الفضل - فيالله العجب - جبريل يخبر عن الله أن المسيح هو ابن داود، وأنتم تقولون كلا ولكنه ربّ داود.
لقد تباعد ما بينكم وبين جبريل, ومن كان عدوّاً لجبريل الأمين فهو لا شكّ عدوّ لله ربّ العالمين.
وإن قالوا: إنما جعله مسيحاً وابناً بتسمية سماه بها وسمى نفسه ابناً له.
قلنا: وكذلك يعقوب إذ حكيتم / (2/67/أ) لنا عن التوراة أن الله تعالى قال لموسى: "ابني بكري إسرائيل"2.
والبكر أَجَلُّ قَدراً عند والده من غير البكر على ما لا يخفى.
والتوراة تشهد بأن للولد الأكبر سهمين في الميراث ولغيره سهم واحد3ثم4هو جَدُّ المسيح وعامة الأنبياء من نسله فهلاّ عبدتموه واتّخذتموه إلهاً؟!.
وإن زعموا أن المسيح إنما سمّاه الله ابناً للتربية وحسن التأديب - فلعمري - لئن كان الله قد غَذَّاه بغير رضاع وقوته بسوى الطعام المألوف وألبسه غير الثياب المعهودة وبعث إليه مَلَكاً يؤدبه واختلفت الملائكة إلى بيت أُمّه لزيارته وامتثال أوامره ليخالف بينه5وبين سائر الناس إن ذلك لموضع شبهة.
فأما وأمره في جميع أحواله على ما يعهد من الناس ولم تطهر له آية6في صباه ولم يتكلم في المهد كما زعموا ولا زاد أبلغ ثلاثين7سنة على رجل من بني آدم.
فما وجه ادعاء ربوبيته وألوهيته؟.
ولو أن النصارى قالوا: إنه تكلم في المهد وخلق من الطين كهيئة الطير كما يقول فيه المسلمون لوجدوا شعباً / (2/97/ب) يستريحون إليه ساعة وساعة.
وإن قالوا: إنه إنما صار مسيحاً وابناً بمعمودية يوحنا، فقد اعترفوا بأن مريم لم تلد الابن المسيح في الحقيقة وإنما هي امرأة ولدت طفلاً من أطفال بني آدم.
وحينئذٍ تكون بنوة المسيح مجرد تسمية لا غير.
ويستوي حاله وحال من تَقَدَّمه في هذه التسمية من بني إسرائيل.
وإن قالوا: إنما اتّخذه الله مسيحاً وابناً لأنه أطاعه1طاعةً لم يطعها أحد قبله. وعبده عبادة لا يتصور أن يبلغها أحد. فنقول: كيف ذلك وإنما أطاع الله تعالى منذ عقل وبلغ مبالغ الرجال. وذلك دون [العشرين] 2 سنة وأنتم حكيتم لنا في التوراة أن موسى عليه السلام عَمَّر مائة وعشرين سنة.3
فإذا طرحنا سِنَّ الصبي كان عمر المسيح خُمْس عمر موسى.
وإذا كان الأمر كذلك فقد زادت أعمال موسى وطاعاته4وأَرْبَت على طاعة المسيح.
وقد حكيتم لنا أن موسى مَلَك جانباً كبيراً من الأرض وقاتل الجبابرة وجاهد العمالقة وأباد الفراعنة وقتل عوجاً مبارزة وواصل5/ (2/98/أ) لله أربعين يوماً وأربعين ليلة لا يذوق طعاماً وابتلى بخلاف قومه وكثرة تلونهم وتعنتهم بالجهل المركوز في طباعهم فصبر عليهم ورفق بهم وساسهم وتلقى أوامر ربّه بصدر فسيح وباع رحيب.
فلم يهب جباراً وإن عَظُم قَدْرُه ولا نكل عن عدوّ وإن تفاقم أمره.
حتى فتح الشام ودوخ البلاد.
ولما دنا حمامه وزمه6
من المقدور زمامه.
تقدم إلى خادم كان له يقال له: يوشع بن نون يفتح باقي بلاد الشام وأفاض عليه من فاضل همته وصحيح عزمته ما شَدَّد شكيمته وأَيَّد نحيزته فقاتل أربعة وعشرين مَلِكاً وأبادهم عن جديد الأرض.
وهذه عبادات لم يتفق للمسيح عليهما السلام مع نزول سنه.
وأنتم أخبرتمونا في الإنجيل أن المسيح كان مذ بلغ الحلم إلى أن ناهز الثلاثين مشتغلاً بتعلم التوراة واقتباس العلم من أتباع موسى فلم يكن يُحَارِب ولا يُحَارَب ولا امتحن بما امتحن به موسى.
فقد كذبتم في قولكم / (2/98/ب) إنه اتّخذ ابناً لتقدمه في الطاعات على غيره.
وكيف تستقيم لكم هذه الدعوى والمزامير تشهد بخلافهم.
قال داود عليه السلام متنبئاً على المسيح: "أقسَم الرّبّ ولا يكذب إنك أنت الكاهن المؤيّد تشبه مملكي صادق"1.
فشبه المسيح برجل كاهن كان في زمن إبراهيم الخليل وأقصى درجات الشبه أن يساوي المشبه به في الفضل.
وهذا الكلام من داود يفضي بانحطاط درجة المسيح عن درجة إبراهيم وموسى - عيلهما السلام - إذ لا خلاف بين أهل الكتاب أن إبراهيم وموسى أفضل من ملكي صادق هذا الذي شُبه به المسيح فاعلم ذلك.
وإن قالوا: إنه كان [له] 2 من النية ما لم يكن لموسى ولا غيره - والأعمال بالنيات.
- قلنا: لو عكس عليكم الأمر وقيل لكم: بل نية موسى كانت أعظم وقصده كان أتم وأفخم.
فبماذا كنتم تجيبون؟ فإن من كان له من أنواع العبادات والقُربات ما وصفنا فهو أحق بأن يقال إن نيته أعظم من نية غيره فقد بطل جميع ما تمسك / (2/99/أ) النصارى به في بنوة المسيح واستوت حاله وحال أحبار بني إسرائيل في المسيحية والبنوة.