الباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النّصارى واليهود
في إثبات الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود: / (2/41/أ) نذكر في ما اشتملت عليه التوراة وإنجيل النصارى من الفضائح التي يأنف من إيرادها مجان الصبيان والمغفلون من النسوان، ولنبدأ بذكر فضائح اليهود، وتقدمهم هنا لتقدم كفرهم: 1- فضيحة عبدت قدماء اليهود عزيراً1، وقالوا: إنه ابن الله.
وساووا في ذلك النصارى في عبادتهم المسيح.
وقد أخبر الكتاب العزيز بالقصة
والمتأخرون من اليهود ينكرون ذلك ويجحدونه.1
وليس الأمر كما يظنون بل قد صحّ أن تلك طائفة من أسلافهم يقال لها: المؤتمنية.2
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيرٌ ابن الله... ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدوا إِلَهاً وَاحِداً﴾ 3.
فمن عبد المسيح وعَدَّه من الآدميين إنما تأسى بهم وتسبب بأسبابهم.
# 2- فضيحة أخرى: عبدت قدماء اليهود الكواكب والزهرة. / (2/41/ب) وقرَّبت لها القرابين، وقد أخبر بذلك نبي الله أرميا في نبوته. فقام أرميا فيهم فوعظهم وخوَّفهم بأس الله وسرعة بطشه وذكرهم بأيامه وما صنعه من الآيات. فتواثب عليه الشعب بأسرهم. وقالوا: إنا لا ندع البخور للزهرة والكواكب وهمّوا بقتله.1
3- فضيحة أخرى: عبدت اليهود العجل في حياة نبي الله موسى عليه السلام، وذلك حين ذهب عليه السلام إلى مناجاة ربّه وترك هارون خليفة عندهم.
وكانوا حين أنجاهم الله من الغرق وأصعدهم من البحر ورأوا قوماً يعبدون أصناماً على صور البقر، فبقي ذلك في2نفوسهم.
فلما استبطأوا موسى صنع لهم السامري من الذهب عجلاً، فأقبلوا على عبادته، وتركوا عبادة الله الذي صنع لهم العجايب وأراهم الآيات3فقام هارون فيهم خطيباً ووعظهم.
فهمّوا أن يقتلوه فاعتزل عنهم في طائفة من قومه.
وقد نطق بذلك الكتاب العزيز، قال الله تعالى: ﴿وّاتَّخَذَ قَومٌ مُّوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِم عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُم / (2/42/أ) وَلاَ يَهْدِيهُم سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
[سورة الأعراف، الآية: 148].
# 4- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة يقال لها الأشمعية.1
مشبهة مجسمة يعتقدون أن خالقهم في صورة شيخ أبيض الرأس واللحية2، ويزعمون
أن له في السماء الثالثة خليفة يسمّونه الله الأصغر. ويزعمون أنه مُدَبِّر العالم.1
وهم يقولن بالنسخ.2
5- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة يقال لهم: العنانية.3
وهم يوحدون ولكنهم يحيلون النسخ من جهة العقل والسمع جميعاً.
# 6- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة تعرف بـ: الأصبهانية.1
أصحاب أبي عيسى الأصبهاني، يزعمون أن أبا عيسى كان نبيّاً مبعوثاً قبل موسى وذلك على خلاف رأي سائر اليهود.
فليس تعتقد اليهود أنه كان قبل
موسى نبيّ ألبتة.
فينكرون نبوة شيث ونوح وإبراهيم وغيره ويقولون: "إن موسى هو مفتاح النبوة وبكر الرسالة".
والتوراة التي بأيديهم تكذبهم.
إذ هو مصرحة بأن أوامر الله قد وردت على من ذكرنا/ (2/42/ب) وانتهضوا دعاة إلى الله.
وهذه نبوة دانيال تشهد بأن بختنصر حين غزا البيت المقدس حرق كتب الله المنَزَّلة على إبراهيم وشيث وغيره.
قال دانيال: "وعدتها مائة كتاب وأربعة كتب"1.
فمن زعم أنه لا نبي قبل موسى عليه السلام فنبوة دانيال حجّة عليه.
7- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة تعرف باليوزعانية2مشبهة.
تزعم أن المسيح هو يوزعان.
وأنه قد جاء مرة وسيأتي مرة أخرى.
وتقول إن
مافي التوراةمما يظنه اليهودعلى ظاهره كالسبت وغيره إنماهي معانٍ وأسرارتشيرإلى مجيء مسيحهم يوزعان.
8- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة تسمى البنيامية1أصحاب بنيامين.
موحدة غير أنها تعتقد أن لله تعالى [مضاداً] 2 يضاده.
وهو فاعل الشّرّ غير أنه مخلوق من خلقه.
# 9- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة تسمى الملكية.1
يقولون بالتوحيد غير أنهم يزعمون أن الذي خلق العالم ليس هو الله بل ملك من الملائكة أقدره الله على ذلك.
قالوا: (2/43/أ) وهذا الملك هو الذي كلَّم موسى من الشجر وفلق له البحر، ورأس هذه الطائفة: "مالك الصيدلاني".
من أهل الرملة.2
# 10- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة يعرفون بأصحاب المغار، وإنما سموا بذلك لأنهم صنفوا كتباً وتركوها في مغار وانقرضوا، فوجدت تلك الكتب وفيها تأويلات تخالف ما عليه اليهود.1
11- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة أخرى تعرف بالفارجية أصحاب يوحنا بن فارج2وكان على زمن أمريا.
كانوا يعبدون صنماً يقال له "بعل" ويقربون لنجوم السماء كما هو مذكور في نبوة أرمياً.
ونزلوا أرض مصر وتكلموا باللسان القبطي.
والتوراة والنبوات عندهم مترجمة بالقبطي، ولا يعرفون شيئاً من العبراني ألبتة.
وقال الشهرستاني1: "يهود الروم على مذهب الأشمعية العراقيين".
12- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة تعرف بالعيسوية2أصحاب أبي عيسى الأصفهاني، وهم يعترفون بنبوة عيسى ومحمّد عليهما السلام غير أنهم يقولون: لم يرسلا / (2/43/ب) إلاّ لقومهما خاصة. ولم يؤمرا بنسخ شريعة موسى عليه السلام.3
13- فضيحة أخرى: من اليهود السامرة4وهم طائفتان: طائفة تقر بنبوة موسى وهارون ويوشع بن نون لا غير.
وتجحد نبوة من عداهم من النّبيّين.
والطائفة الأخرى تعترف بنبوة كلّ من عدا عيسى ومحمّد عليهما
السلام.1
وتزعم أن المسيح لم يبعث بعد وأنه سيأتي.
ولهم خط غير الخط العبراني.
وآراء غير آراء اليهود.
ويخالفون اليهود في القبلة ولا يصلون إلى صخرة بيت المقدس ويتوجهون في صلاتهم إلى جبل بالشام2وإليه يحجون وهو قريب من نابلس.
وهم الذين يقال لهم
: لا مساس. ويرون تحريم أكل ما مسَّه غيرهم.1
واليهود تزعم أنهم ليسوا من بني إسرائيل.2
وبالجملة فقد ذكر العلماء أن عدة فرق اليهود إحدى وسبعون فرقة.3
وكلّ فرقة من هذه الفرق تضلل الأخرى وتُبدِّعها.
والمعروف الآن منهم أربع فرق: فرقة تعرف بالقرائين.
وفرقة تعرف بالربانيين.
وفرقة تعرف بالعيسوية.
وفرقة / (2/44/أ) تعرف بالسامرة.
فأما هذه الفرق الأربع فيزعمون أنهم أهل توحيد لا يذكر بينهم اختلاف في ذلك.
فأما القراؤون فمشبهة، وأما الربانيون فمعتزلة1، وأما العيسوية فتقرُّ بنبوة عيسى ومحمّد عليهما السلام، وأما السامرة فهم طائفتان كما تقدم.
الكلام على اليهود: أما العيسوية المعترفون بنبوة محمّد عليه السلام ورسالته إلى العرب خاصة.
فنقول لهم: إذا صدقتم محمّداً في قوله: (إنه نبي) لزمكم تصديقه في كلّ ما أخبر به، ومن جملة ما أخبر به أنه رسول الله إلى الناس أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُم جَمِيعاً﴾.
[سورة الأعراف، الآية:158]. فإن قالوا: (الناس) أهل مكة لا غير.
إذ كلّ ما في كتابه من هذه الآي فهو مخاطب به أهل مكة، وما كان منه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
فالمخاطب به أهل المدينة.
قلنا: لا نُسَلِّم لكم هذا التأويل.
بل الناس المذكورون بالألف واللام لاستغراق جميع الناس من بني آدم.
وقد أكَّده بقوله: ﴿جَمِيعاً﴾، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَلَ الفُرْقَانَ عَلَى2عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾.
[سورةالفرقان، الآية:1].وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلْنَّاسِ﴾.
[سورة سبأ، الآية: 28].
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية:107].
وقد صحّ عنه عليه السلام أنه قال: "بعثت إلى الأحمر والأسود" 1.
يريد العربي والعجمي.
وقد تواتر عنه عليه السلام أنه لم يختص بدعوته قوماً دون قوم، وأنه أرسل رسله إلى ملوك الأطراف والنواحي يدعوهم إلى دينه.
والتواتر لا سبيل إلى ردّه.
فمن صدَّقه عليه السلام في بعض أقواله لزمه تصديقه في جميع أقواله.
وقد قتل عليه السلام المخالفين لملته من اليهود2كما قتل موسى ويوشع وداود-عليهم السلام-من خالفهم من أهل الأديان، فهذا قولنا للعيسوية. فأما غير العيسوية فإنهم أنكروا النسخ، فمنهم من أنكره عقلاً، ومنهم من أنكره شرعاً. فالذين أنكروه عقلاً قالوا: يستحيل في العقل أن يتعبد الله عباده بشرع يأمرهم فيه بأمر في وقت ثم يأمر بنقيضه في وقت آخر. قالوا: وهذا هو البداء.3
والبداءة لا يجوز إلاّ من جاهل بعواقب الأمور فأما الباري فلا يجوز منه ذلك.
إذ الأمر الأوّل إن كان حقّاً / (2/45/أ) وحكمة فنقضه باطل وسفه وذلك لا
يليق بالحكيم سبحانه.
فالتزموا ردّ ما جاء من الناسخ بعد موسى عليه السلام.
و1إنكار شرع من كان قبله من شرائع الأنبياء فالتزموه. وقالوا: ليس قبل موسى نبيّ أصلاً. فردّوا نبوة شيث وإدريس ونوح وإبراهيم ولوط وغيره. وقالوا: أوّل الأنبياء موسى بن عمران عليه السلام. وزعموا أن الأنبياء أربعة و [عشرون] 2 نبيّاً أوّلهم موسى.3
فيقال لهم: إذا كان إنما مستندكم تعاقل العقلاء وتعارفهم وقياس الغائب على الشاهد، فاعلموا أن السيد قد يأمر عبده في وقت بفعل وينهاه عنه في وقت آخر.
لعلمه بمصلحته في إيقاع الفعل وتركه في الوقتين جميعاً.
وكذلك الوالد قد يأمر ولده في أوّل نشوئه بتحصيل الفضائل، فإذا بلغ مبالغ الرجال واحتاج إلى ما لا بُدَّ له منه أمره بالكسب، ونهاه4عما كان يأمره به أوّلاً لعلمه
بمصلحته في الحالين.
وكذلك الطبيب الماهر قد ينهى العليل في وقت عن الأغذية المقوية للمادة، ويأمره باستعمال اللطيف الذي لا / (2/45/ب) يخصب البدن ويزيد في المادة، فإذا نَقِه1عاد فأمره بما كان ينهاه عنه لمعرفته بما يصلحه في الحالين.
وقد عَلِمَ أوّلاً أنه سينهاه عما أمره به ويأمره بتناول ما نهاه عنه أوّلاً، وإذا كان ذلك حسناً من الوالد في ولده والطبيب في سقيمه، فما المانع أن يتعبد الله عباده في وقت بحكم يعلم أن مصلحتهم في التكليف به، ويطلق لهم الأمر من غير تقييد بمدة ليكون أدعى2إلى المسارعة والامتثال، ثم يأمرهم في وقت آخر بترك تلك التكاليف واستعمال غيرها؛ لعلمه بكونها مصلحة لهم في ذلك الوقت، والشرائع مصالح للعباد.
والله تعالى هو العالم بمصالح عباده على اختلاف أحوالهم وأوقاتهم! فما الذي جَوَّز ذلك للوالد والطبيب مع الجهل3بالعاقبة، وأحاله4من العَالِم بعواقب الأمور الذي لا يخفى عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء المدبِّر لعباده كما يشاء.
﴿أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ العَالِمِينَ﴾.
[سورة الأعراف، الآية: 54].
واعلم أن النسخ لا يدخل على الأخبار؛ لأن المخبر عنه يصير كذباً، وإنما يدخل / (2/46/أ) على الأحكام؛ لاختلاف المصالح باختلاف أحوال المكلّفين واختلاف الأوقات.
فهذا بيان جواز النسخ عقلاً.5
فأما جوازه شرعاً فيستدل عليه من توراتهم التي يعتقدون صحّتها ليكون أفحم لهم وأقطع لعذرهم ونحن نثبت ما فيها من النسخ.
والله الموفّق والمعين.
فنقول: إن في توراتهم عدة مواضع تدل على تبدل الأحكام وذلك لاختلاف مصالح الأنام: الموضع الأوّل: قالت التوراة في السفر الأوّل يدعى سفر الخليقة: "إن الله تعالى خلق آدم وخلق من ضلعه حواء زوجه وبارك عليهما وقال: أنميا وأكثرا واملآ1الأرض.
وتسلطا على سمك البحور وطائر السماء والأنعام والدواب
وكلّ شيء على وجه الأرض، وقال لهما سبحانه: هائنذا1قد أعطيتكما كلّ ما على وجه الأرض من شجر ودواب وعشب وطير من البحر والبر ليكون لمأكلكم"2.
فهذا إخبار من الله أنه قد أباح لآدم وزوجه جميع الحيوان مطلقاً لمأكلهم، فهل ما أباحه الله لآدم مباح لكم / (2/46/ب) في شرع التوراة أم قد حرَّم عليكم كثيراً من ذلك؟!.
وهَا هنا لا يحيرون جواباً ولا يجدون إلى الانفصال سبيلاً، فقد قال الله في التوراة لموسى وهارون: "قولا لبني إسرائيل لا تأكلوا من الأنعام التي على وجه الأرض إلاّ ما شقّ ظلفه وهو يجتر، الجمل حرام عليكم، والخنْزِير حرام، ولا تأكلوا من طير السماء النسر والحدأة والغراب، ولا أجناسهم، ولا البوم والعقعق والصعوة والرخمة وأجناسهم، ولا الهدهد والطاوس فهذا كله عليكم حرام"3.
ومعلوم عندكم أن هذا مما أبيح لآدم وحواء بنصّ أوّل التوراة.
فهل4النسخ إلاّ أن يبيح الله الشيء على لسان نبيّ ثم يحرمه على لسان نبي آخر أو بالعكس.
فكيف تقرأ اليهود ذلك ثم تكفر به؟! وإذا كفروا بما في أيديهم من كتب الله، كيف يطمع فيهم أن يؤمنوا بما ليس في أيديهم من عند الله؟!.
الموضع الثّانيّ: قالت التوراة: "كان آدم يزوج بنيه من بناته بإذن الله له في ذلك"5.
حُرم بعد ذلك6فهذا نسخ / (2/47/أ) لشرع آدم نفسه.
فإن قالوا: ذلك
لضرورة عدم اتساع الخلق.
قلنا: قد كان الله تعالى قادراً على أن يخلق لهم أزواجاً ولا يحوجهم إلى وطء الأخوات.
الموضع الثّالث: قالت التوراة: "جمع إسرائيل بين أختين في عصمته وهما1ليئا وراحيل [ابنتا] 2 لابان"3.
وإسرائيل نبي ثابت العصمة وهو عند اليهود والنصارى من الصالحين لا غير.
وهو إسرائيل4الله.
ومنصبه يَجِل5عن الإقدام على ما لا يحل ومن ظن به سوى ما ذكرناه فقد قدح فيه، ثم قالت التوراة في السفر الثالث منها: "لا تنكح المرأة على أختها فتغبطها وتجتلى عورتها في حياتها ولا يقترب من امرأة طامث في حيضها فمن فعل شيئاً من هذه النجاسات منكم أو ممن يقبل إلي ويسكن بينكم فلتبد تلك النفس"6.
وهذا فاعلموا تحريم ما كان مباحاً لإسرائيل، ولا جواب لكم عن ذلك.
الموضع الرّابع: "قال الله تعالى في التوراة: إبراهيم، قال: هائنذا يا رب.
قال اذهب بابنك الذي تحبه فقربه لي قربانا / (2/47/ب) على أحد الجبال التي آمرك.
فبكّر إبراهيم وذهب بالولد وبني مذبحاً وأوثق الولد ورفعه على المذبح وجذب السكين لينحره فناداه الملك: إبراهيم لا تذبحن الصبي فقد علم الله أنك تخشاه إذ لم تبخل عليه بولدك، ورفع إبراهيم بصره فرأى الكبش فذهب فأخذه ورفعه على المذبح"7.
وهذا فاعلموا أنه لا معنى له غير النسخ
أفتقولون - ويلكم - إن ذلك بداء من الله - تعالى عن كفركم علوّاً كبيراً -؟!.
الموضع الخامس: الجمع في النكاح بين الحرّة والأمة.
قد كان جائزاً في شرع يعقوب فجمع في عصمته بين حُرتين وأمتين1ثم نسخته التوراة بعد ذلك فلم تجزه. الموضع السّادس: قالت التوراة: "قال الله تعالى لموسى: اخرج انت وشعبك من مصر ليرثوا الأرض المقدسة التي وعدت بها أباكم إبراهيم أن أُوَرِّثها نسله.2
فلما صار بهم موسى في التيه - قالت التوراة - قال الله تعالى: لا تدخلوها/ (2/48/أ) أنتم لأنكم أغضبتموني"3.فلم يدخلوها هم ولا موسى وهارون ولم يدخلها أحد ممن خرج من مصر سوى رجلين: يوشع بن نون وكالاب4بن يوفينا.
وهذا نسخ لشرع موسى نفسه.
الموضع السّابع: قالت التوراة: "قال الله تعالى لموسى: تنح عن هذا الشعب الخبيث القلوب القاسي الرقاب.
فإني أهلكه وأبيده عن جديد الأرض وأبدلك شبعاً خيراً منه.
فلم يزل موسى يصلي ويشفع فيهم حتى عفا الله عنهم فلم يهلكهم ولم [يبدهم1] 2. وهذا نسخ. الموضع الثّامن: تحريم السبت.3
وقد أقام الناس من لدن آدم إلى زمن موسى لم يُتعبَّدوا بتحريم الأعمال فيه.
بل كانت الأعمال فيه مباحةً ثم حرِّمت على لسان موسى.
ولولا إيثار الاختصار لتلونا عليكم من هذا الجنس [كثيراً] 4.
فهذه نصوص التوراة تصرح بنسخ الأحكام وتبديل الحرام حلالاً والحلال حراماً.
فمن أشد كفراً وأبين ضلالاً من قوم يقرؤون التوراة ثم يكفرون بها / (2/48/ب) بعد اعتقاد صحّتها وينسبون أنبياء الله إلى تعاطي المحرمات ولاستباحة الفروج بغير أمر الله؟! ومن قدح في أنبياء الله فقد كفر بالله.
ولو كان اليهود أولي أحلام لما رَدُّوا النسخ واعتلوا بأنه بداء مع وصفهم الله تعالى بالندم والأسف وذلك أشد شناعة من البداء.
فرووا5في السفر الأوّل من توراتهم: "أن الله رأى ظلم الناس
وشرّهم قد كثر على وجه الأرض فأسف الله إذ خلق آدم على الأرض فقال: لأزيلن ما على الأرض من البشر والأنعام والدواب وطير السماء؛ لأني قد ندمت على خلقي إيّاهم"1. فوصفوا ربّهم تعالى بالأسف والندم الدالين على غاية النقص والجهل بالعواقب ثم أنكروا النسخ وهو ضدّ البداء، إذ النسخ أمر بمصالح العباد في أوقاتهم وأحوالهم. وقد حكوا في توراتهم ما هو أقبح من البداء صريحاً فرووا في السِّفر الأوّل من التوراة: "أنه لما نظر بنو الله بنات الناس حساناً ونكحوا منهم ما أحبوا قال الله: لا تسكن الروح بعدها في بشر ولتكن أيامهم مائة وعشرين سنة"2. / (2/49/أ) فهذا إخبار من الله أنه لا يعمر بشراً أكثر من مائة وعشرين سنة ولا يسكن الروح في بشر، ثم نصت التوراة بعد هذا القول أن أرفخشد عاش من بعد ما ولد له شالح أربعمائة وثلاث سنين.3
وعاش رعوا من بعد ما ولد ساروج مائتي سنة وسبع سنين.4
وعاش إبراهيم مائة سنة [وخمساً وسبعين] 5 سنة.6
وعاش إسحاق مائة سنة وثمان سنة.7
وجماعة كثيرة عُمّروا أعماراً تزيد على ما حكوه عن الله تعالى.
وهذا أشدّ من البداء لأنه كذب في الأخبار.
وإذا كان هذا [جائزاً] 8 عندكم معشر اليهود فكيف تمنعون النسخ وتتعللون9بأنه بداء من الله؟!!.
وقد جاء في قصة [حزقيا] 1 ملك يهوذا "أنه مرض فأوحى الله إلى أشعيا النبي عليه السلام أن قل لحزقيا يوصي فإنه ميت من علته هذه، فدخل عليه أشعيا وأخبره بوحي الله إليه في شأنه.
فاستقبل حزقيا الجدار وبكى وتضرع إلى الله فنَزل الوحي على أشعيا النبي قبل خروجه من الدار يقول له، إن جزقيا يقوم من علته وينْزل إلى الهيكل / (2/49/ب) بعد ثلاثة أيام وأنه قد زيد في عمره خمس2عشرة سنة"3. وإذا كانت كتب اليهود وتشهد بمثل هذه الأشياء لم يلتفت إليهم بعدها في ردّ النسخ. هذا وقد ابتدأ الله تعالى العالم بعد أن لم يكن وفرض تكاليف بعد أن لم تَجِب وأحدث أموراً ولم يدل ذلك على البداء، وقد نقل سبحانه عباده من حال إلى حال ومن صحة إلى سقم ومن حياة إلى موت ولم يدل على البداء. وكذلك نقلهم من جنس من التكاليف إلى جنس آخر لا يدلّ على البداء، وكأنه سبحانه يأمر عباده بالأمر فيتمرنوا عليه المدة الطويلة حتى يصير عندهم من قبيل الاعتياد، فيأمرهم بتركه والتزام سواه اختباراً لهم وامتحاناً لطاعتهم له. وهل امتثالهم لأمره طاعة محضة أو عادة مستصحبة.4
وكلّ ذلك منه حسن.
فلا يدل شيء من ذلك على البداء والاستدراك.
فإذا وردت العبارة مطلقة بلفظ يوهم التأبيد ثم نسخت تَبَيَّنَّا5أن المراد بها وقت دون وقت.
وقد تمسكت اليهود بقول التوراة: "تمسكوا بالسبت أبدا الدهر"6.
(2/50/أ) فظنوا أنّ ذلك للتأبيد، وأن لفظه نصّ لا يحتمل التأويل،
وقالوا: أمرت التوراة بقتل من أحل السبت وجوز فيه الأعمال.1
قالوا: وقد أحدث سلفنا في السب حدثاً فمسخوا.
واعلم أنّهم لما ألزموا بما في التوراة والنبوات من الأحكام التي نسخت وتجدد غيرها عدلوا إلى هذه اللفظة، وليس كما ذهبوا إليه إذ قوله: "تمسكوا بالسبت أبد الدهر" يحتمل صلة محذوفة وهي: "ما لم يأتكم نبيّ يأمركم بحِلِّه".
والدليل على هذا الاحتمال أنه لو قرن بآخر الكلام وسيق معه لم يتناقض ولم ينب عنه وإذ كان الكلام يقبله حملناه عليه إذ نبوة عيسى ومحمّد لا سبيل إلى ردّها.
وقول التوراة إن صحّ يمكن تخصيصه، فواجب أن يُخَصَّ لضرورة الجمع بين أقوال الصادقين حتى لا تقع المعارضة بين الأدلة القطعية، فتحريم العمل في السبت حكم من جملة الأحكام التكليفية فنسخه كنسخ سائر الأحكام.
والدليل على أن قوله: "تمسكوا بالسبت أبد الدهر" / (2/50/ب) ليس للتأبيد بل لدهر مخصوص وزمان مؤقت، قول التوراة: "قال الله تعالى لنوح لما كثرت خطايا البشر: لا تسكن روحي2في البشر إلى الدهر"3 - ثم قال بعد ذلك لموسى عليه السلام: "يعمل لك قبة الزمان [بصلئيل] 4 الذي من سبط يهودا5الذي ملأته روح الله بالعلم والحكمة".
- وقال أيضاً -: "كذلك في رفيقه الذي من سبط دان"6.
وهما من البشر.
فوضع أن لفظة الدهر لا تقتضي التأبيد.
وفي نبوة حزقيال أيضا: "إن الله تعالى قال له: تنبأ على هذه العظام وأنا أبث روحي فيهم فيحيون، ففعل"1. فقد سكنت روح الله في البشر. وفي التوراة: "إن الله تعالى قال لإبراهيم: إن أرض الشام له ولذريته من بعده أبد الدهر"2. في عدة مواضع من التوراة. وذلك لا يتقاضى إلاّ دهراً مخصوصاً بدليل خروجها من أيديهم.3
فلم يرد سبحانه إلاّ المدة التي أقامت في أيديهم.
وقالت التوراة: "إن الله تعالى قال لموسى: اصنع قبة الزمان ومن صفتها كيت وكيت وليلبس هارون ثياباً للتكهن من صورتها كذا وكذا للدهر"4.
وليس بقاء القبة ولا هارون / (2/51/أ) مؤبداً.
وقالت التوراة في السِّفر الربع منها لموسى: "اصنع قرنين من فضة تستعين بهما على الدعوة للرحلة، فإذا نفخ فيهما اجتمع [بنو] 1 إسرائيل عند قبة الزمان [وبنو] 2 هارون هم الذين يهللون بالقرون ولتكن هذه سنة لكم إلى الدهر"3.
وليس ذلك للتأبيد بل لدهر مخصوص.
فثبت بذلك أن الذي وعد به إبراهيم من تمليك ولده الأرض مخصوص به ولد يعقوب في ذلك الدهر الذي انقضى ومضى ثم قد زالت من أيديهم وزال ملكهم عنها.
وإذ قد ثبت بهذه النصوص أن لفظ: (الدهر) لا يقتضي التأبيد في سكنى روح الله في البشر ولا في ملك الأرض ولا في لباس هارون الثياب وضربه بالقرون للرحيل بل لدهر مخصوص في علم الله.
فكذلك لفظ الدهر في تحريم السبت.
وهذا هو أقوى ما تمسك به اليهود في تأبيد تحريم السبت ولا جواب لهم عما ألزمناهم من نصوص توراتهم.
وأما احتجاجهم بمسخ من مسخ من أسلافهم قردة وخنازير، فذلك لتعديهم في السبت قبل نسخه إذ كانوا مكلّفين في ترك الأعمال فيه / (2/51/ب) فلما دلسوا على الله وخالفوا أمره وارتكبوا نهيه مع بقاء حرمته عاقبهم بالمسخ4، فلما
بعث الله نبيّه المسيح ابن مريم عليه السلام نسخ السبت وأباح الأعمال فيه1، وغيَّر كثيراً من الأحكام وآمن طوائف من اليهود بالمسيح عليه السلام وتركوا السبت فلم يُنسبوا بعد إلى عدوان ولم يمسخوا.
فقد ثبت جواز النسخ عقلاً ودللنا على وقوعه شرعاً واننقطعت معاذير اليهود.1
- والله ربّنا المحمود 14- فضيحة أخرى: زعم اليهود: "أن روح الله قبل خلقه العالم كانت ترفرف على المياه"2.
انظر - عافاك الله - إلى سوء هذا التعبير وسماجته، كأنهم يعتقدون أن حياة الباري تزايله وتفارق ذاته.
فإن قالوا: إنما عنينا أن المياه كانت مصونة بحفظه عن الضياع.
قلنا لهم: فليس للمياه اختصاص بذلك فهلا قلتم: وصان الله المياه وحفظها كي لا تضيع، ولِمَ استعملتم هذا اللفظ الموهم الموجب للالتباس، القاضي بالفكر الرديء والوسواس؟!
# 15- فضيحة أخرى: زعم اليهود أنّ الله تعالى حين أكمل خلقة العالم قال: / (1/52/أ) "تعالوا حتى نخلق بشراً شبهنا ومثالنا فخلق آدم"1.
فلذلك اعتق كثير من اليهود التجسيم، فقال: إن الله في صورة آدمي وأنه شيخ أبيض الرأس واللحية وأنه جالس على كرسي والملائكة قيام بين يديه والكتب تقرأ بحضرته2- والويل لليهود - من أين الله [شبه ومثال؟!] 3.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
[سورة الشورى، الآية: 11].
# 16- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الباري لما خلق الخلق في ستة أيام استراح في اليوم السابع.1
واعتقدوا بغلط2أفهامهم أن الباري يعتوره التعب والنصب، وربما نُقل عن بعض اليهود أن الباري في اليوم السابع استلقى على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى. وهذه الزيادة لم أقف عليها في نسخ التوراة غير أنها قد نقلت عن بعضهم.3
ولست أبعد من عقولهم اعتقادها والبوح بها. 17- فضيحة أخرى: زعم اليهود: "أن الله تعالى قال لآدم وحواء: إنكما في اليوم الذي تأكلان فيه من الشجرة التي نيتكما عنها [تموتان] 4 موتاً"5. وذلك من الكذب الفاحش على الله فإن التوراة تشهد إنهما / (2/52/ب) عاشا بعد الأكل دهراً حتى رزقا الأولاد ورأيا فيهم البر والفاجر.6
واليهود تزعم أن الجنة لا أكل فيها ولا شراب.7
وهذا الموضع يكذبهم.
وقد قررت ذلك في مسألة مفردة أثبت فيها اشتمال الجنة على أصناف من الملاذ من الأكل والشراب والنكاح.8
# 18- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن نمرود1لما بنى الصرح وشيَّده نزلالباري إلى الأرض حتى هدمه وحال بين نمرود2وبين ما أراد من ذلك. واليهود كثيراً ما يطلقون في توراتهم نزول الباري فكأنما يعجزون الله تعالى عن القدرة على ما أراد حتى يصفونه بالحركة والانتقال والتفريغ والاشتغال. وذلك كلّه من صفات المحدثين ويتعالى عن ذلك ربّ العالمين. أين هذا من ألفاظ الكتاب العزيز حيث يقول: ﴿فَأَتَى الله بُنْيَاهُم مِّن القَوَاعِد﴾ 3. وقوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ 4. 19- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن إبراهيم حين مرت به الملائكة لهلاك سدوم وعامورا مدائن لوط عليه السلام أضافهم وأطعمهم / (2/53/أ) خبزاً ولحماً وسقاهم سمناً ولبناً ولما باتوا عند لوط عشاهم فطيراً.5
وذلك جهل عظيم إذ اعتقدوا أن الملائكة شأنهم شأن الآدميين يتناولون ما يتناوله الآدميون من الأغذية.
وتلك أجسام روحانية إنما غذاؤها وقوت أرواحها جنس آخر روحاني لا يعرفه اليهود.
وقد قال أهل الكتاب: "إن المؤمنين في الجنان لا يأكلون ولا يشربون بل يكون حالهم عند الله كحال الملائكة". فكيف ناقضوا هَاهنا فزعموا أن الملائكة أكلت الطعام وشربت الشراب. وبهذا التحريف وشبهه تعلم أن أهل الكتاب ليس بأيديهم من كتب أنبيائهم إلاّ الرسوم.1
وقد قال الكتاب العزيز: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُم لاَ تَصِلُ إِلَيهِ نَكِرَهُم وَأَوْجَسَ مِنْهُم خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ﴾.
[سورة هود، الآية: 70].
وذلك كناية عن عدم الأكل ويشبه أن يكون الملائكة وضعوا أيديهم على الطعام وتقدموا به إلى الفقراء وأبناء السبيل.
20- فضيحة أخرى: زعم اليهود - أبعدهم الله - أنّ نبيّ الله لوطاً لما2تقدم / (2/53/ب) الله إليه بالخروج من تلك القرية الظالمة لم يسارع إلى الخروج وتباطأ في الامتثال. حتى جعل الملائكة يدفعون في ظهره دفعاً عنيفاً حتى أخرجوه كرهاً.3
والأنبياء محاشون عن عوارض الشكوك فيما يأمر به الله سبحانه - أعوذ بالله من القد في عصم الأنبياء والتشبه بأمثال اليهود الأغبياء.
21- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن نبيّ الله إبراهيم حين حضرته الوفاة وأشرف على القدوم على الله تعالى، ورّث ماله كلّه إسحاق ولده وحرّم
باقي أولاده.1
فنسبوه - وهو خليل الله - إلى جهل وحيف يتَنَزه عنه جهال الصبيان وقد قال خاتم النّبيين: "إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"2.
# 22- فضيحة أخرى: زعم اليهود أنّ نبيّ الله يعقوب احتال على أبيه وقد كذب عليه قولاً وفعلاً وأوهمه أنه العيص1ولده إذ كان إسحاق يحب العيص أكثر من يعقوب.
وأنه لبس حلة أخيه العيص وجعل على ذراعيه وعنقه جلد ماعز حتى ذهب بدعوة [إسحاق] 2 التي ادّخرها3للعيص فتمّت حيلته على أبيه ونجحت مكيدته وأن / (2/54/أ) إسحاق لما عرف حقيقة الحال تعجب من ذلك.
وقال: "ليت شعري من هذا الذي ذهب بدعوتي"4.
والأنبياء وأولادهم منَزّهون عن الكذب5والتدليس وسائر الكبائر وعن كلّ ما يجر إليهم جرحاً أو يقتضي قدحاً.
والعجب أن اليهود يظنّون أن هذه حيلة على إسحاق وهي في الحقيقة على الله عزوجل.
# 23- فضيحة أخرى1: زعم اليهود أن الذبيح هو إسحاق وليس هو إسماعيل2، فأكذبهم التواتر وسخر منهم البادي والحاضر، وذلك أن التواتر يشهد بأن الذبح والنحر إنما هو بمنى وهي موطن إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام -. ولم تزل قرون الكبش - كبش إسماعيل - معلقة في جوف الكعبة إلى أيام ابن3الزبير فاحترقت في فتنة الحجاج4بن يوسف.5
والدليل على أن الذبيح إسماعيل وأن القصة كانت قبل أن يولد إسحاق قول التوراة: "إن إبراهيم لما أهوى بالسكين إلى نحر ولده ناداه الملك: إبراهيم، إبراهيم قد علمت أنك تخشى الله حيث لم تمنعه ابنك وحيدك"1.
وهذا من أدلّ الدليل على أنه إسماعيل.
فإن قالوا: فقد / (2/54/ب) نصت التوراة على أنه إسحاق.
قلنا: ذلك من تحريفكم.
والدليل على كذبكم قوله: "ابنك وحيدك" فلو قلنا: إنه إسحاق لكان قوله: "وحيدك" باطلاً.
وكيف يكون إسحاق واحده وابنه إسماعيل أكبر منه؟! 2.
فليس واحده سوى إسماعيل.
وقد نقلنا التواتر ومن خالف المتواتر فهو مخصوم به.
تابع للباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النّصارى واليهود 24- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الله تعالى لما رأى معاصي بني آدم قد كثرت على الأرض، قال: لقد ندمت إذ خلقت آدم.
فأرسل ماء الطوفان وأباد ما على الأرض من الحيوان3وزعموا أنه لما فعل ذلك ندم أيضاً وقال: لا أعود أفعل ذلك.
وذلك مذكور في سفر الخليقة4من توارتهم، فقبح الله هذه الأحلام التي تترفع5عن أمثالها الأنعام.
وهل خفي عن علام الغيوب ما سيقترفه العباد ويجري في مستقبل الزمان من الصلاح أو الفساد؟.
وإنما يتصور الندم والأسف
من الجهل بعواقب الأمور، والباري تعالى عالم بالخفيات محيط بجزئيات ما فات وما هو آت. 25- فضيحة أخرى: / (2/55/أ) زعم اليهود أن الذي وسوس لآدم وحواء حتى أكلا من الشجرة ليس هو إبليس وإنما هي الحية.1
قالوا: وكانت أحكم الدواب. فأما إبليس فلا يعتقدون بوجوده وليس له في توراتهم ذكر ألبتة.2
والله تعالى يقول: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَان﴾.
[سورة الأعراف، الآية: 20].
والنصارى وهم أفخاذ منهم يخالفونهم في ذلك ويثبتونه ويعتقدون وجوده، وذكره في الأناجيل كثير.1
26- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن نوحاً عليه السلام نام في خيمته فكشف الريح عورته فضحك منه ابنه حام فدعا عليه وعلى عقبه.2
وذلك من ترهات العوام وخرافات العجائز، فجعله اليهود قرآنا يتلى في المحاريب.
# 27- فضيحة أخرى: زعم اليهود-أخزاهم الله-أن نبي الله لوطاً لما نجاه الله من عذاب سدوم، سكن كهف جبل. ومعه ابنتاه اللتان سلمتا من أهله. فلما استقر بهم الحال قالت إحداهما للأخرى: هلمي نسقي أبانا الخمر حتى إذا سكر ضاجعناه وأقمنا من أبينا نسلا. وأنهما فعلتا ذلك فوطئهما لوط فحملتا منه بولدين/ (2/55/ب) وهما مؤاب وعمون.1
أبعد الله اليهود، كيف يحسن أن يبتلي الله من اصطفاه وارتضاه لرسالته بهذه الكبيرة؟ وكيف يحميه بالأمس ويهتك ستره اليوم؟ فأيّ فائدة في نشر هذه الفاحشة وتخليدها الكتب ليقرع بها الأنبياء قرناً بعد قرن وحقباً بعد حقب؟ 2.
الله أكرم من ذلك.