الباب الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- إيهاب سلامة
- الكتاب
- شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية
- المؤلف
- إيهاب عبد الحميد عبد الصادق سلامة
- الناشر
- رسالة ماجستير - كلية دار العلوم - جامعة القاهرةبإشراف: د محمد جمال صقرعام النشر: 2012 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَكَّت أَكُفُّ المَوتِ غُلَّ قَصائِدي... عَنهُ وَضَيغَمُها عَلَيهِ يَزيرُ [بحر الكامل] ((قوله ((يَزِير)) يقال: زأر الأسد، يزئر، ويزأَر، فقوله: ((يَزِيرُ)) على لغة من قال: يزئر، والمستعمل في كلام العرب أنهم إذا ألقوا حركة الهمزة على ما قبلها طرحوها من الكلمة، والقياس أن يقولوا إذا خففوا الهمزة يزئر: ((يَزِرُ))، وإذا خففوا من يزأر قالوا: ((يزَرُ)))) 1. ـ وقال: في صَدرِهِ مِن هُمومٍ يَعتَلِجنَ بِهِ... وَساوِسٌ فُرَّكٌ لِلخُرَّدِ العُرُبِ [بحر البسيط] ((... ((الفُرَّك)): جمع ((فَرُوك))، من قولهم: ((فركت المرأة زوجها))؛ إذا أبغضته، وكأنه هاهنا مستعار موضوع في غير موضعه)) 2. ـ وقال: جَثَمَت طُيورُ المَوتِ في أَوكارِها... فَتَرَكنَ طَيرَ العَقلِ غَيرَ جُثومِ [بحر الكامل] ((... طيور جمع طير، وطير جمع طائر، وقلما يقولون طيور، إلا أنه قد جاء، وربما استعملوا الطير في معنى الواحد)) 3. ـ وقال: وَلوعٍ بِسوءِ الظَّنِّ لا يَعرِفُ الوَفا... يَبيتُ عَلى سَلمٍ وَيَغدوعَلى حَربِ [بحر الطويل] ((((ولوع)): بناه على وَلِعَ يَوْلَعُ، والمستعمل في الأكثر: ((أُولِع بالشيء)) و ((الرجل مولع))،ولكن ((ولع)) جائزة، ولا يقولون: ((الرجل وَلِع بكذا))؛ لأنهم استغنوا بالمولع، ولكن ولع جائزة)) 4. ـ وقال:
استَنبَتَ القَلبُ مِن لَوعاتِهِ شَجَرًا... مِنَ الهُمومِ فَأَجنَتهُ الوَساويسا [بحر البسيط] ((وأكثر ما تستعمل العرب ((الوساويس)) بغير الياء، ويجوز أن يكون الطائي سمعه في الشعر القديم، أواجترأ على المجيء به لعلمه أن مثله كثير)) 1. ـ وقال: لَئِن كانَ أَمسى في عَقَرقُسَ أَجدَعا... لَمِن قَبلُ ما أَمسى بِمَيمَذَ أَخرَما [بحر الطويل] ((((مَيمَذَ)) اسم أعجمي، وليس يوافق شيئا من أسماء العربية؛ لأن الممذ ليس بمستعمل؛ فيكون من باب كوكب، ولا ((اليَمَذُ)) بمعروف؛ فيجعل من باب ((مَفْعَل)))) 2. (ب) الوظيفة الثانية: رد بعض روايات الديوان أوترجيح عدم قولها: ـ قال عند قول أبي تمام: صَلَتانُ يَبسُطُ إِن رَدى أَوإِن عَدا... في الأَرضِ باعًا مِنهُ لَيسَ بِضَيِّقِ [بحر الكامل] ((... وإن رواه راو ((صَلْتان)) ـ بسكون اللام ـ فهو ((فَعْلان)) من ((الصَّلْت))، والاشتقاق واحد، إلا أن ((فَعْلان)) من هذا غير معروف)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام: يَنبوعُها خَضِلٌ وَحَليُ قَريضِها... حَليُ الهَدِيِّ وَنَسجُها مَوضونُ [بحر الكامل] ((.. الينبوع: النهر الكثير الماء، وهو ((يَفْعُول)) من النبع، و ((الخضل)): الذي قد ابتل، ويجوز أن يكون الطائي لم يقله على هذا النظم؛ لأن الينبوع لا يحسن أن يوصف بـ ((خَضِل))، ولكن لوقال: ((غَدِق)) لكان أشبه؛ إذ كانوا يقولون: ((خضلَ ثوبُه))؛ إذا أصابه قطر فبله..)) 4.
(ج) الوظيفة الثالثة: استغلال الاستعمال اللغوي لبيان معنى البيت قيد الشرح، وما يحيط به من ظلال بلاغية:
استغل التبريزي في بعض الأحيان ((الاستعمال اللغوي)) ليوضح بعض الجوانب الدلالية والبلاغية للبيت قيد الشرح، ومثال ذلك ما يلي:
ـ قال أبوتمام يمدح خالد بن يزيد بن مَزْيَد الشيباني:
جَعَلَ الدَّجى جَمَلًا وَوَدَّعَ راضِيًا... بِالهونِ يَتَّخِذُ القُعودَ قَعودا [بحر الكامل]
((... والقعود: ما يقتعد من الإبل؛ أي: ما يركب، ولا يستعمل ذلك إلا فيما كان فتيَّ السن، قريب العهد بالركوب)) 1.
والمتأمل في معنى البيت السابق يجد أن توضيح التبريزي لكيفية استعمال ((قَعُود)) أضاف معنى بلاغيا لطيفا إلى البيت، وهوشدة هوان من تركه الممدوح.
ـ وقال عند قول أبي تمام:
أَصغى إِلى البَينِ مُغتَرًّا فَلا جَرَما... أَنَّ النَّوى أَسأَرَت في قَلبِهِ لَمَما [بحر البسيط]
((.. والناس يضعون ((لا جرم)) في موضع الشماتة واستحقاق المصاب للمصيبة؛ فيقولون: كان فلان رجل سوءٍ، لا جرم أن الله أهلكه)) 2.
ـ وقال:
نِعمَ الفَتى اِبنُ الأَعمَشِ الغَثُّ الذَّفِر... لَولا الحِلاقُ وَالجُنونُ وَالبَخَر [بحر الرجز]
((.. ((الذفر)) بالذال المعجمة أوجه؛ لأنهم يستعملون ((الذفر)) في حدة الرائحة من طيبٍ أونتن، ويقولون: ((ذَفِرٌ))، ولا يستعملون ((دفر)) بالدال المعجمة إلا بسكون الفاء)) 3.
ـ قال أبوتمام:
إِلَيكَ وَيلُكَ عَمَّن كانَ مُمتَلِئًا... وَيلًا عَلَيكَ وَوَيحًا غَيرَ مُنقَضِبِ [بحر البسيط] ((.. ((ويح)) كلمة تقال عند الترحم، وقيل: بل ((ويح)) قريبة من الويل، إلا أنها أقل جفاء منها، وقال بعضهم: ((ويح)) كلمة فيها استعتاب، يقال للرجل: ويحك، أما تفيق، ويحك، أما تصنع كذا؟!)) (1). ومن أمثلة ظلال المعاني، قال التبريزي عند قول أبي تمام: يا طالِبًا مَسعاتَهُم لِيَنالَها... هَيهاتَ مِنكَ غُبارُ ذاكَ المَوكِبِ [بحر الكامل] ((أصل السعي المشيُ في الحاجة، ثم اخْتصت هذه الكلمة فجعلت المسعاة المكرمة التي يسعى لها، وأصل الكلمة أن تقع على الصغير والكبير... ولكن الكلمة غلب عليها إرادة المدح، كما غلب على قولهم الساعي أن المراد به الذي يأخذ الصدقة من العرب)) (2). وقد يدخل التبريزي ـ من خلال الاستعمال اللغوي ـ في بعض الاستطرادات اللغوية البعيدة عن البيت وشرحه، ولكنها لا تخلومن فائدة للقارئ (3).
5) العنصر الخامس من عناصر المنهج: الاهتمام الدلالي بالكلمة
: من الأمور اللافتة للنظر أن التبريزي كان يهتم بدلالة الكلمة اهتماما شديدا ويتمثل هذا الاهتمام في: ـ الاهتمام بالأصل الدلالي للكلمة وتتبع التطور الدلالي لها: كان يهتم بالإبانة عن أصل الدلالي للكلمة، وكان هذا من مقتضيات شرح الديوان، وتوضيح معاني أبي تمام الذي كان كثير الاستعارات.123
كان التبريزي يوضح الأصل الدلالي للفظة، ثم يوضح ((الانتقالة الدلالية)) التي حدثت لها على يد أبي تمام أوعلى يد البيئة اللغوية.
وكان تارة يعبر عن هذا الانتقال الدلالي باستخدامه للكلمات: ((وأصل ذلك في...))، وكان تارة أخرى يعبر عن هذا الانتقال بمصطلح ((الاستعارة))، على أساس أن الاستعارة ((في الجملة أن يكون للفظ أصل في الوضع اللغوي معروفٌ تدل الشواهد على أنه اختص به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر أوغير الشاعر في غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلا غير لازمٍ؛ فيكون هناك كالعارية)) 1.
وفيما يلي أمثلة توضح تعبيره عن الانتقال الدلالي بمصطلح ((وأصل ذلك..)):
ـ قال أبوتمام:
أَغَرُّ يَداهُ فُرصَتا كُلِّ طالِبٍ... وَجَدواهُ وَقفٌ في سَبيلِ المَحامِدِ [بحر الطويل]
((.. ((الفرصة)): الشيء الذي يغتنمه الإنسان، وهولا يتفق له في كل وقت، وأصل ذلك في قسمة الماء، يقال: أخذوا فرصتهم من السقي؛ إذا أخذوا حظهم منه)) 2.
ـ قال أبوتمام:
مُتَهَلِّلا في الرَّوعِ مُنهَلًّا إِذا... ما زَنَّدَ اللَّحِزُ الشَّحيحُ وَصَرَّدا [بحر الكامل]
((... و ((زند الرجل))؛ إذا ضيق على نفسه وبَخِل، وأصل ((التزنيد)) في حياء الناقة، يقال: زندها؛ إذا جمع حياءها بِزَنْد)) 3.
ـ قال أبوتمام:
مَذِلَت وَلَم تَكتُم جَفاءَكَ تَكْتُمُ... إِنَّ الَّذي يَمِقُ المَذولَ لَمُغرَمُ [بحر الكامل]
((يقال: ((مَذِل بسره))؛ إذا أفشاه، ولم يحفظه.... وأصل ((المذل)) السخاء؛ أي: أنه يسخو بسره)) 1. ـ قال أبوتمام: هَدَمَت مَساعيهِ المَساعي وَابتَنَت... خِطَطَ المَكارِمِ في عِراضِ الفَرقَدِ [بحر الكامل] ((أصل ((الخط)): ما كان كل واحد منهم يَخُط عليه؛ إذا أرادوا أن يعمروا موضعًا، وهوما يكفيه لداره، ثم صارت عبارة عن البناء)) 2. ـ قال أبوتمام: فَالرَّبعُ قَد عَزَّني عَلى جَلَدي... ما مَحَّ مِن سَهلِهِ وَمِن جَلَدِه [بحر المنسرح] ((مح الربع: إذا خَلُقَ، وأصل ذلك في الثوب)) 3. ـ قال أبوتمام: سَأوطِئُ أَهلَ العَسكَرِ الآنَ عَسكَرًا... مِنَ الذُلِّ مَحّاءً لِتِلكَ المَعالِمِ [بحر الطويل] ((.. ((العسكر)) موضوع اللغة فيه أنه الجماعة الذين يجتمعون للحرب، قصر على هذا الوجه، إلا أن يخرج منه على معنى الاستعارة... وإنما أجاز الطائي أن يقول: ((أهل العسكر)) على سبيل الاتساع)) 4. ـ قال أبوتمام: مَضى ما كانَ قَبلُ مِنَ الدَّعارَه... فَبانَ وَأُطفِئَت تِلكَ الحَرارَه [بحر الوافر] ((أصل ((الدعارة)): الفساد في العود والنخر، يقال: عودٌ دَعِرٌ كثيرُ الدخان، ومنه قالوا: رجلٌ داعِرٌ ودُعَر)) 5.
ـ قال أبوتمام: ثُمَّ انصَرَفتُ إِلى نَفسي لِأَظأَرَها... عَلى سِواكُم فَلَم تَهشَش إِلى أَحَدِ [بحر البسيط] ((.. يقال: ((ظأرتُ)) الرجل على الشيء؛ إذا عطفته عليه، وأصل ذلك: عطف الناقة على ولد غيرها، ثم استعير في جميع الأشياء)) 1. ـ قال أبوتمام: أَقبَلتَهُ فَخمَةً جَأواءَ لَستَ تَرى... في نَظمِ فُرسانِها أَمتًا وَلا عِوَجا [بحر البسيط] ((((فخمة)): كتيبة كبيرة، وأصل الفخامة في بني آدم عظم الجسم، وكثرة اللحم)) 2. ـ قال أبوتمام: أَبَلِّهِمُ ريقًا وَكَفًّا لِسائِلٍ... وَأَنضَرِهِم وَعدًا إِذا صَوَّحَ الوَعدُ [بحر الطويل] ((((صوح))؛ أي: يَبِسَ، ولم يكن له منفعة، أُخذ من ((تصويح الروض))، وهو يُبْسه والتواؤه)) 3. ـ قال أبوتمام: وَلَوتَراهُم وَإِيّانا وَمَوقِفَنا... في مَأتَمِ البَينِ لِاِستِهلالِنا زَجَلُ [بحر البسيط] ((أصل ((المأتم)): النساء يجتمعن في فرح أوحزن، والمراد هنا معنى الحزن)) 4. ـ قال أبوتمام: لَمّا استَحَرَّ الوَداعُ المَحضُ وَانصَرَمَت... أَواخِرُ الصَّبرِ إِلّا كاظِمًا وَجِما [بحر البسيط] ((((الكاظم)) الذى يكظم غيظه؛ أي يستُر عليه، وأصل الكظم: التضييق والخنق)) 5.
ـ قال أبوتمام: ذوناظِرٍ حَدِبٍ وَسَمعٍ عائِرٍ... نَحوالطَّريدِ الصارِخِ المَجهودِ [بحر الكامل] ((((عائر)) منتشر في كل جهة، وأصله من قولهم: ((فرسٌ عائر)) وهوالذي يذهب في الأرض كيف يشاء، يمينًا وشمالا، وخلفا وقداما)) 1. ـ قال أبوتمام: عَودٌ تُساجِلُهُ أَيّامُهُ فَبِها... مِن مَسِّهِ وَبِهِ مِن مَسِّها جُلَبُ [بحر البسيط] ((.. ((الجُلَبُ)): جمع جُلْبَة، وهوالأثر في ظهر البعير وغيره من أثر حمل أونحوه، وأصل ذلك من قولهم: ((أجلبَ الجُرح وجلب)) إذا علته قشرة للبرء)) 2. ومن أمثلة التعبير عن الانتقال الدلالي بمصطلح ((الاستعارة)) ما يأتي، قال أبوتمام:
قَرُبَ الحَيا وَانهَلَّ ذاكَ البارِقُ... وَالحاجَةُ العُشَراءُ بَعدَكَ فارِقُ [بحر الكامل] ((.. استعار العشراء من النوق للحاجة التي قد دنا قضاؤها)) 1. ـ قال أبوتمام: فَتَصَلّى مُحَمَّدُ بنُ مُعاذٍ... جَمرَةَ الحَربِ وَامتَرى الشُّؤبوبا [بحر الخفيف] ((((الشؤبوب)) سحابة دقيقة العرض، شديدة الوقع، ثم استعير ذلك في الحروب)) 2. ـ قال أبوتمام: لَهُ وَقعَةٌ كانَت سَدًى فَأَنَرتَها... بِأُخرى وَخَيرُ النَّصرِ ما كانَ مُلحَما [بحر الطويل] ((((السدى)) ضد اللُّحمة، وهذا مستعار من: سدى الثوب ونيره ولحمته)) 3. ـ قال أبوتمام: أُقاتِلُ الهَمَّ بِإيجافِهِ... فَإِنَّ حَربَ الهَمِّ حَربٌ ضَروس [بحر السريع] ((.. يقال: ((حرب ضروس))؛ استعير لها ذلك من الناقة السيئة الخلق، يقال: ((ضرست الناقة حالبها))؛ إذا عضته، وهي ضروس)) 4. ـ قال أبوتمام: وَتَحتَ ذاكَ قَضاءٌ حَزُّ شَفرَتِهِ... كَما يَعَضُّ بِأَعلى الغارِبِ القَتَبُ [بحر البسيط] ((استعار حز الشفرة للقضاء، وقد استعملوا نحوا من ذلك في الشفرة، فقالوا في المثل: لم أجد لشفرتي مَحَزًّا)) 5.
ومن المواضع التي كان يتبع فيها التطور الدلالي للكلمة المواضع التالية: ـ قال عند قول أبي تمام: وَهَل يُبالي إِقضاضَ مَضجَعِهِ... مَن راحَةُ المَكرُماتِ في تَعَبِه [بحر المنسرح] ((.. ((إقضاض مضجعه)) من قولهم: ((أقض مضجعه))، وأصل ذلك أن يكون فيه ((القضة))، وهي: الحصى، فيمنع المضطجع من النوم، ثم قيل لكل ساهر: قد أقض مضجعه عليه، ولوكان على فرش وطيء)) 1. ـ وقال: أَقَرمَ بَكرٍ تُباهي أَيُّها الحَفَضُ... وَنَجمَها أَيُّهَذا الهالِكُ الحَرَضُ [بحر البسيط] ((... ويقال للجمل الذي يُحمل عليه متاع ((حَفَضُ))... ثم سموا المتاع حفضا)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: فَانهَض وَإِن خِلتَ الشِّتاءَ مُصَمِّمًا... حَزنَ الخَليفَةِ جامِحًا في المِسحَلِ [بحر الكامل] ((.. أصل ((التصميم)) أن يُصِيب السيف غير مفصل؛ فيقطع، وإنما أخذ من صميم الشيء وهوخالصه وأشده، ومن ذلك قالوا للشدة صمة، ثم قيل لكل جاد في أمر مصمم)) 3.
ومن الأمور التي أشار إليها اللغويون ـ وتعد سببا في التطور الدلالي للفظة ـ ((كثرة الاستعمال))، وكثرة دوران اللفظة في الحديث؛ فإننا ((نلاحظ أن معنى الكلمة يزيد تعرضا للتغير كلما زاد استعمالها، وكثر ورودها في نصوص مختلفة؛ لأن الذهن في الواقع يُوجَّه في كل مرة في اتجاهات جديدة، وذلك يوحي إليها بخلق معان جديدة؛ ومن هنا ينتج ما يسمى بـ ((التأقلم))، ويجب أن يفهم من هذا الاسم قدرة الكلمات على اتخاذ دلالات متنوعة؛ تبعا للاستعمالات المختلفة التي تستعمل فيها، وعلى البقاء في اللغة مع هذه الدلالات)) 1. وقد كان التبريزي ـ في أحيان كثيرة ـ يشير إلى التطور الدلالي للكلمة قيد الشرح، وينص صراحة على أن السبب هو ((كثرة الاستعمال)) مستخدما نفس المصطلح، وإليك الأمثلة: ـ قال أبوتمام: لَحظَ الأَسيرِ حَلَقاتِ كَبلِهِ... حَتّى كَأَنّي جِئتُهُ بِعَزلِهِ [بحر الرجز] ((... أصل ((الأسر)) أن يشد الرجل بالقد، ثم كثر ذلك حتى سمي ((الأخيذ)) أسيرا، وإن لم يشدد بالقد)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: مَقاماتُنا وَقفٌ عَلى الحِلمِ وَالحِجى... فَأَمرَدُنا كَهلٌ وَأَشيَبُنا حَبرُ [بحر الطويل] ((.. ((المقامات)) جمع مقامة، ولا يمتنع أن يكون جمع مقام، وأصل ذلك: الموضع الذي يقومُ فيه القائم لخطبة أوفصل أمر، ثم كثر ذلك حتى سموا العشيرة مقامة؛ لأنهم يُقامُ فيهم)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام:
لي مِن أَبي جَعفَرٍ آخِيَّةٌ سَبَبٌ... إِن تَبقَ يُطلَب إِلى مَعروفِيَ السَّبَبُ [بحر البسيط] ((أصل ((الآخية)) أن يدفن حبل في التراب، ثم تخرج منه عروة؛ فيشد فيها الفرس ثم كثر ذلك حتى قالوا: ((لي عنده آخية))؛أي شيء أعتمد عليه من ود أوخدمة)) 1. ـ وقال عند قول أبي تمام: شِدادَ الأَسرِ سالِمَةَ النَواحي... مِنَ الإِقواءِ فيها وَالسِنادِ [بحر الوافر] ((أصل ((الأسر)) في شد الشيء بالقد؛ ولذلك سُمِّي الأسير أسيرا؛ لأنهم يربطونه بالقد، ثم كثر ذلك حتى قالوا: هو شديد الأسر؛ أي: الخلق)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: لَهُم سَلَفٌ سُمرُ العَوالي وَسامِرٌ... وَفيهِم جَمالٌ لا يَغيضُ وَجامِلُ [بحر الطويل] ((.. ((السامر)): القوم الذين يتحدثون بالليل في القمر، وقيل: إن السمر ظل القمر، ثم كثر ذلك حتى سُمي الحديث في الليل سَمَرًا)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام: سَلِسَ اللُّبانَةِ وَالرَّجاءِ بِبابِهِ... كَثَبَ المُنى مُمتَدَّ ظِلِّ المَطلَبِ [بحر الكامل] ((... وكأن أصل ((اللبانة)) أن يطلب الرجلُ من الآخر لبنا، ثم كثر ذلك حتى سميت كل حاجة لبانة)) 4.
ـ وقال عند قول أبي تمام: لَورَأَينا التَّوكيدَ خُطَّةَ عَجزٍ... ما شَفَعنا الأذانَ بِالتَّثويبِ [بحر الخفيف] ((.. ((التثويب)): الدعاء الثاني، من قولهم: ((ثَوَّبَ الرجلُ بأصحابه؛ إذا دعاهم مرة بعد مرة، وأصله من ((يثوب))؛ إذا رجع، وقال قوم: أصل التثويب من الثوب... ثم كثر ذلك حتى سُمي كل دعاء تثويبا)) 1. وكان التبريزي ينبه على استخدام المحدثين، وتطور اللغة عندهم: قال أبوتمام: فَأُقسِمُ لَوسَأَلتِ دُجاهُ عَنّي... لَقَد أَنباكِ عَن وَجدٍ عَظيمِ [بحر الوافر] ((هكذا يروى على توحيد ((الدجى))، والمعروف أنها جمع ((دُجْية))، ولكن المحدثين يستعملونها في المعنى الواحد، وذلك جائز على معنى الجنس)) 2. وقد سبق أن ذكرنا أن ((مظاهر التطور الدلالي ثلاثة: تخصيص الدلالة، وتعميم الدلالة، وتغيير مجال استعمال الكلمة؛ أي: أن معنى الكلمة يحدث فيه تضييق أواتساع أوانتقال، فهناك تضييق عند الخروج من معنى عام إلى معنى خاص، وهناك اتساع في الحالة العكسية، أي عند الخروج من معنى خاص إلى معنى عام... وهناك انتقال عندما يتعادل المعنيان، أوإذا كانا لا يختلفان من جهة العموم والخصوص، كما في حالة انتقال الكلمة من المحل إلى الحال، أومن السبب إلى المسبب، أومن العلامة الدالة إلى الشيء المدلول عليه... ولسنا في حاجة إلى القول بأن الاتساع والتضييق ينشآن من الانتقال في الأغلب الأحيان، وأن انتقال المعنى
يتضمن طرائق شتى، يطلق عليها النحاة أسماء اصطلاحية، ومن هذه الأسماء الاصطلاحية: المجاز المرسل والاستعارة وغير ذلك)) 1. وكان التبريزي على وعي بمظاهر التطور الدلالي هذه؛ فنجد عنده ((النقل الدلالي)) باستخدام لفظ ((نقل)): ـ قال عند قول أبي تمام: بِكَ عادَ النِّضالُ دونَ المَساعي... وَاهتَدَينَ النِّبالُ لِلأَغراضِ [بحر الخفيف] ((... أصل ((النضال)) في الرمي... ثم نقل ذلك إلى الحرب والتفاخر)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: نَأَت بِهِ الدارُ عَن أَقارِبِهِ... فَأُلقِيَ الحَبلُ فَوقَ غارِبِهِ [بحر المنسرح] ((يقال في المثل: ((ألقى حَبْلَه على غاربه))؛ إذا ترك يفعل ما يشاء ويذهب حيث أراد، وأصل ذلك في البعير، يجعل الحبلُ على غاربه، ويُخَلَّى في الرعي، ثم نقل ذلك إلى الآدميين)) 3. _ وقال عند قول أبي تمام: فَلَمّا تَراءَت عَفاريتُهُ... سَنا كَوكَبٍ جاهِلِيِّ السَّناءِ [بحر المتقارب] ((.. ((عفاريت)): جمع ((عفريت))، وهوالخبيث المنكر، وأصله أن يستعمل في الجن، ثم نقل إلى الإنس)) 4. ـ وقال عند قول أبي تمام: تَجِد صِلًّا تَخالُ بِكُلِّ عُضو... لَهُ مِن شِدَّةِ الحَرَكاتِ قَلبا [بحر الوافر] ((أصل ((الصل)) في الحية الذكر، ثم نقل إلى وصف الرجل على معنى المدح)) 5.
ـ وقال عند قول أبي تمام: مِنَ القِلاصِ اللَّواتي في حَقائِبِها... بِضاعَةٌ غَيرُ مُزجاةٍ مِنَ الكَلِمِ [بحر البسيط] ((... أصل ((الإزجاء)): السوق، يقال: ((أزجيت الناقة))؛ إذا سقتها، و ((فلان يزجي مطيته ويزجيها))؛ وكأن ذلك يكون بعد كلالها وإعيائها، ثم نقل ذلك إلى البضائع؛ فقيل: ((بضاعة مزجاة))...)) 1. ـ وقال عند قول أبي تمام: وَوَفَيتُ إِنَّ مِنَ الوَفاءِ تِجارَةً... وَشَكَرتُ إِنَّ الشُكرَ حَرثٌ مُطعِمُ [بحر الكامل] ((... أصل ((الحرث)): العمل في الأرض للزراعة، ثم سمي ((الكسب)) حرثا، وكذلك الزرع)) 2. ونلمح عند التبريزي ما يفيد بأن الدلالة يمكن أن ((تُخَصَّصَ))؛ أي يتم معها ((تضييق المعنى))، وأنه كان على وعي بذلك: ـ وقال عند قول أبي تمام: لَهُم نَسَبٌ كَالفَجرِ ما فيهِ مَسلَكٌ... خَفِيٌّ وَلا وادٍ عَنودٌ وَلا شِعبُ [بحر الطويل] ((... أصل ((الوادي)) من قولهم: ((وَدَى))؛ إذا سال؛ ثم أهملوا هذه الكلمة؛ فلم يستعملوها إلا في ((ودى البائل))..)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام:
لِيَهنِئ تَنوخًا أَنَّهُم خَيرُ أُسرَةٍ... إِذا أُحصِيَت أولى البُيوتِ وَعُدَّتِ [بحر الطويل] ((أصل ((البيت)): ما بني من مدر أوشعر أوأدم، وهذا اسم عام، ثم قالوا: ((فلان من أهل بيت))؛ يريدون به الشرف؛ فهذا تخصيص وقع بلفظ العموم، كما يقال: فلان إنسان؛ يريدون به المدح، وقد علم أن بني آدم كلهم يقع عليهم هذا الاسم)) 1. ـ وقال عند قول أبي تمام: نُبُوالمَقيلِ بِهِ وَالمَبيتِ أَقعَصَهُ وَاختِلافُ الهَواءِ [بحر المتقارب] ((... ((المقيل)): الموضع الذي يقيل فيه الإنسان؛ أي: ينام في وقت الهاجرة، وسمي ما شرب في ذلك ((قَيْلا))، وكان أصل ((القيل)): الإقامة في الموضع ثم خُصَّ به شيء دون شيء...)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: وَلَوعَضَلتَ عَنِ الأَكفاءِ أَيِّمَها... وَلَم يَكُن لَكَ في أَطهارِها أَرَبُ كانَت بَناتِ نُصَيبٍ حينَ ضَنَّ بِها... عَنِ المَوالي وَلَم تَحفِل بِها العَرَبُ [بحر البسيط] ((... ((الأيم)) التي لا زوج لها، ويقال: ((تأيم الرجل))؛ إذا لم يتزوج، وقد كثر استعمال هذه الكلمة في الرجل إذا ماتت امرأته، وفي المرأة إذا مات زوجها، والشعر القديم يدل على أن ذلك بالموت، وبترك التزويج من غير موت)) 3. ونلمح عنده من النصوص ما يفيد فهمه ووعيه بـ ((تعميم الدلالة)): ـ وقال عند قول أبي تمام: بيضٌ وَسُمرٌ إِذا ما غَمرَةٌ زَخَرَت... لِلمَوتِ خُضتَ بِها الأَرواحَ وَالمُهَجا [بحر البسيط] ((.. أصل ((الغمرة)) في الماء الكثير، ثم استعملت لكل أمر شديد)) 4.
ـ ((.. ((الدجية)) الظلمة، وقال قوم: لا يقال ((دجية)) إلا لليل مع غيم، فأما المحدثون فيعبرون بالدجى عن الليل، ولا يفرقون بين المقمر وغيره)) 1. ـ وقال عند قول أبي تمام: مَنَعتَ إِلّا مِنَ الأَكفاءِ ناكِحَها... وَكانَ مِنكَ عَلَيها العَطفُ وَالحَدَبُ [بحر البسيط] ((يقال: ((حَدِبَ الرجلُ على ولده أوجاره، يحدب حَدَبًا))؛ إذا أشفق عليه وعطف، وأصل ذلك أن المرأة إذا أشفقت على ولدها حَنَتْ ظهرها مكبة عليها؛ فكأنها أصابها الحدب)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: فَإِن تَكُ أَحيانًا شَديدَ شَكيمَةٍ... فَإِنَّكَ تَمحوها بِما فيكَ مِن شَكمِ [بحر الطويل] ((... أصل ((الشكيمة)): حديدة اللجام التي تُجْعل في فم الفرس؛ فيقال: ((يلوك الشكيمة))، ثم اتسع في ذلك؛ فقيل: فلان شديد الشكيمة؛ إذا كان شديد النفس)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام: بِغُربَةٍ كَاغتِرابِ الجودِ إِن بَرَقَت... بِأَوبَةٍ وَدَقَت بِالخُلفِ وَالكَذِبِ [بحر البسيط] ((((الودق)):دنوالسحاب من الأرض، ثم سُمِّي الغيث ((ودقًا))،على معنى الاتساع)) 4. ـ وقال عند قول أبي تمام: كَيوسُفَ لَمّا أَن رَأى أَمرَ رَبِّهِ... وَقَد هَمَّ أَن يَعرَورِيَ الذَّنبَ أَحجَما [بحر الطويل] ((... ((يعرورى)) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من ((عروت الأمر))؛ إذا أتيته، والآخر: أن يكون من قولهم: ((اعروريتُ الدابة))؛ إذا ركبتها عُريا، إلا أن هذه الكلمة وقع فيها اتساع، فقالوا: ((اعرورى المفازة))؛ إذا ركبها)) 5.
ويدخل في جزئية تتبع التطور الدلالي عند التبريزي اهتمامه بتوضيح أصل الكلمة غير العربي:
قال أبوتمام:
أَرى أَلِفاتٍ قَد كُتِبنَ عَلى راسي... بِأَقلامِ شَيبٍ في مَهارِقِ أَنقاسِ [بحر الطويل]
((((المهارق)): جمع ((مُهْرق))، وهوالقرطاس، وأصله فارسي معرب، وقد تكلموا به قديما)) 1.
وقد سبق في موضع متقدم من هذا البحث تعليل اهتمام أبي العلاء بتتبع التطور الدلالي للألفاظ، وهو نفس التعليل الذي يمكن أن يقال عن اهتمام التبريزي لهذا التطور الدلالي.
ولعل في تتبع كل من أبي العلاء والتبريزي للتطور الدلالي للكلمة تنبيه يجب أن يهتم به كل من يتصدى لشرح النصوص القديمة.
وقبل أن نترك هذا المقام نحب أن نقول: إن عدد الألفاظ التي ذكر التبريزي لها أصلا دلاليا في شرحه لديوان أبي تمام وشروحاته الأخرى يصلح أن يكون لبنة متواضعة من لبنات المعجم التاريخي الذي يسعى مجمع اللغة لإنجازه، هذا المعجم الذي ((سيحدث ثورة في الدراسات التاريخية واللغوية، وسيكشف للباحثين عن كنوز مدفونة وعن معارف لم تكن متاحة من قبل)) 2 3. 12
1 تَذْكُرُ يُوسُفَ} [يوسف: 85]؛ أي: ((لا تفتأ))، ومثله كثير، فأما في مثل بيت الطائي فحذفها مفقود؛ لأنه يؤدي إلى اللبس)) [3/ 247ب2]، ويُنْظَرُ أيضًا الموضع الآتي: [2/ 57ـ58ب46]. وقد أشار التبريزي إلى أن اللغة قد توظف بعض الوسائل لتفادي هذا ((اللبس))، منها ((المبادلة بين الواو والياء)) قال أبوتمام: راحٌ إِذا ما الراحُ كُنَّ مَطِيَّها... كانَت مَطايا الشَوقِ في الأَحشاءِ [بحر الكامل] ((... الراح الأولى الخمر، وهي من ذوات الياء، لقولهم: ((رِياح)) في معنى ((راح))، ومنها اشتقاق ((الأريحيّ والأريحية))... وكأنهم إذا استعملوا الشيء بالواووالياء؛ فرقوا بإبدال إحداهما من الأخرى؛ ليكون ذلك أقل للبس؛ لأنهم لو قالوا: ((رجل أروحي))؛ لالتبس بالنسب إلى أروح، إذا قلت: ((هذا أروح من هذا، وهذا ظليم أروح))؛ فيؤثرون الفرق في كثير من الكلام؛ إذا وجدوا سبيلا إليه)).يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [1/ 27ـ 28ب9] وتُنْظَرُ أيضا المواضع الآتية: [4/ 155ب2]، [1/ 166ب34]، [2/ 19ب40].
1 ((... ولا يمتنع أن يسمى الشجر باسم الثمر، والثمر باسم الشجر، كما يقال زيتون وتين؛ فيقع ذلك على الثمر والشجر)) [4/ 472ب6]. (د) أخذ الشيء اسم الشيء للتشابه في الشكل: ((... وأصل ((السلسال)) الماء الصافي السهل الدخول في الحلق، ويجب أن يكون أصله من الماء الذي يجري مستطيلا على وجه الأرض، كأنه مأخوذ من سلسة البرق، وسلسلة الحديد)) [1/ 63ب47]، ويُنْظَرُ أيضًا: [3/ 47ب1]. (هـ) استعارة اسم لآخر إذا كانا متقاربين: ((... ((البشرة)) باطن الجلد في القول الغالب، والأدمة ظاهره، وقال قوم: ((البشرة)) لما ظهر، وهذان القولان متقاربان؛ لأنه يجوز أن يستعار أحد الاسمين للآخر من أجل المقاربة)) [3/ 198ب21]. (و) التسمية بالمصدر: ـ قال: ((... ((الضفر)): فتلٌ ليس يبلغ في القوة ((المغار))، ويسمى الحبل المضفور ((ضَفْرًا))، سموه بالمصدر)) [1/ 332ب14]. ـ وقال: ((.
((صِيان الشيء وصوانه)): ما صين به، وهومن ذوات الواو، وإنما قلبت ياء في ((صيان))؛ لانكسار ما قبلها، وكأن الصيان في الحقيقة مصدر سُمِّي به الشيء)) [3/ 294ب1]. ـ وقال: ((... سموا الدية ((عقلا))؛ لأنهم كانوا يؤدونها من الإبل؛ فيعلقونها عند بيت القتيل، أوبفناء القوم الذين يقبلون الدية، ثم سمي الشيء باسم المصدر)) [3/ 292ب25].
123 ـ وقال عند قول أبي تمام: ((... ((مُنْجَمِش)) [منفعل]، من ((التجميش))، وبعضُ أهل اللغة يزعم أن التجميش كلمة مولدة، وقال بعضهم: ((الجمش)) قرص خفيف، والمستعمل ((جَمَّشْتُه)) بالتشديد)) [4/ 225ب1]. ـ وقال عند قول أبي تمام: رَضوى وَقُدسَ وَيَذبُلاً وَعَمايَةً... وَيَرمرَماً وَمُتالِعاً وَمُواسِلا [بحر الكامل] ((قد تردد ذكر هذه الجبال في شعر الطائي، إلا ((يرمرمًا))، فلم يذكره قبل ذكره في هذا البيت، وإذا حُمِل هذا الاسم على موجب الاشتقاق؛ فهومن اليرم؛ بني على ((فَعَلْعَل))، و ((اليرم)) كلمة ((مهملة))، ويجوز أن تكون فيما فقد من المسموع)) [4/ 117ب21].
6) العنصر السادس من عناصر المنهج: الحرص على ذكر غرض القصيدة وسبب قولها قبل الشروع في شرحها
:
كان التبريزي حريصًا على ذكر غرض القصيدة قبل البدء في شرحها، فكانت عادته أن يذكر غرض القصيدة من مدح، أورثاء، أوهجاء.
وهذا النص ـ أوالذكر ـ لغرض القصيدة من الأهمية بمكان، فهو من الأدوات الرئيسية لفهم القصيدة، وقد أشار إلى هذا بعض النقاد المعاصرين فقالوا: ((... [إن] غياب الموضوع عن القصيدة هوـ فيما يبدوـ أبرز الأسباب التي تتسبب في غياب الدلالة عنها؛ إذ إن وضوح الموضوع (أوالغرض) الذي تتحدث عنه القصيدة هوالشفرة الرئيسية لتتبع المسارات الدلالية، وإن زرعت ببعض المتاريس التعبيرية التي تعوق مهمة القراءة والفهم.
وعلى امتداد مسيرة الشعر العربي منذ العصر الجاهلي وحتى زمن الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، كان الموضوع أوالغرض الشعري حاضرا في القصيدة جنبا إلى جنب مع شكلها، وكان حضورا واضحًا متحددًا في ذاته من ناحية،1 صَرِّد وَنَكِّد وَزَنِّد أَنتَ مَعذورُ... أُسدُ الشَرى لَيسَ تُنميها الخَنازيرُ [بحر البسيط] ((... التزنيد، والتنكيد، والتصريد: قطع الشرب)) [4/ 372ب1]. ـ وقال عند قول أبي تمام: يا مَوتُ حَسبُكَ إِذ أَقصَدتَ مُهجَتَهُ... أَولا فَدونَكَ لا حَسَبٌ وَلابَجَلُ [بحر البسيط] ((.. الكلمتان (حسب ـ بجل) في معنى واحد، وكررهما لاختلاف اللفظين)) [4/ 124ب12]. وقال: ((الشك والريب واحد)) [1/ 41]. ومن أمثلة شبه الترادف: قال: ((العزاء والصبر والتسلي والقناعة متقاربة في المعنى)) [4/ 394ب9]. وقال: ((و ((السدى)) و ((الندى)) متقاربان، وربما فرق أصحاب النقل بينهما، وقال بعضهم: ((الندى ما لم يكن فوق الأرض))، و ((السدى: ما وقع على التراب)) [1/ 234ب3].
وحضورا يشكل سياقا تُفْهم أفكار القصيدة ومعانيها في ضوئه من ناحية أخرى؛ أي أن الحضور الموضوعي في القصيدة كان ينهض بوظيفتين مزدوجتين: إحداهما ذاتية، هي وضوح الفكرة العامة للقصيدة، والأخرى سياقية هي تحديد مفردات المعنى الشعري.
ونستطيع القول ـ بعبارة أخرى ـ إن هذا الحضور الموضوعي يعني ـ في أحد وجوهه ـ ملمحًا من ملامح تماسك النص، وتماسك عناصره اللغوية والدلالية؛ أي يعني وضوحه، أوإن هذا التماسك أحد مؤشرات وضوحه وأسبابه في الوقت نفسه)) 1.
ولقد اعتبر د. تمام حسان ذكر الظروف التي قيلت فيها القصيدة من القرائن الخارجية التي تعين على فهم النص، وعدم الوقوع في ((لبس)) عند فهمه، فقال عند سرده لأنواع القرائن: ((... القرائن الخارجية، وهي ما يسمونه context of situation، أوالظروف التي صاحبت إنتاج النص، ومنها أسباب نزول الآيات القرآنية، وذكر الظروف التي قيلت من أجلها الخطبة أوالقصيدة)) 2.
وقد استعان التبريزي بالغرض الشعري في بعض المواضع لتفسير بعض أبيات أبي تمام، واستخدامه كقرينة لتوضيح المعنى، ومنها:
[1] قال أبوتمام يمدح أبا المغيث الرافقي، ويعتذر إليه:
سَأَجهَدُ عَزمي وَالمَطايا فَإِنَّني... أَرى العَفولا يُمتاحُ إِلّا مِنَ الجَهدِ [بحر الطويل]
((((العفو)): السير السهل، ويجوز أن يكون من ((العفو)) في معنى الكثير وقد علم أن الطائي يعتذر في هذه القصيدة؛ فيجوز أن يريد بـ ((العفو)) غفران الذنب س)) 3.
[2] قال أبوتمام يهجوعَياشَ بن لَهِيعة بعد موته:
فيمَن يَشُنُّ الشِّعرُ غاراتِهِ... بَعدَكَ أَوأَمثالَهُ السائِرَه [بحر السريع]
((... هذا البيت يشهد للمذموم بأنه كان رئيسًا؛ لأن الطائي جعله أهلا للهجاء، وليس المدح، وليس المدح بأدل على الرياسة من الهجو؛ لأن صاحب ذلك لا يكون إلا ذا شرف وموضع)) (1).
7) العنصر السابع من عناصر المنهج: الحرص على ذكر بحر ووزن القصيدة ولقب القافية
: حرص التبريزي على ذكر بحر القصيدة ولقب قافيتها (2). وذكر الوزن في بداية القصيدة له أهميته، فقد يكون الوزن مرتبطا بمعنى القصيدة، فـ ((الوزن ليس عنصرا مستقلا عن القصيدة، يضاف إلى محتواها من الخارج، لكنه جزء لا ينفصل من سياق المعنى)) (3)، و ((التفاعل الحادث بين الوزن والعناصر الشعرية الأخرى هوالذي يكسب هذه القصيدة أوتلك أهمية أوهيبة وجلالا)) (4). وقد يكون لذكر البحر غرض تعليمي، وقد يكون حاجزا لمن يريد أن يعبث بألفاظ القصيدة، أوهاديا لمن يرويها على وجود خلل ما بها.
8) العنصر الثامن من عناصر المنهج: دعم الشرح بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وبالأبيات الشعرية، والأمثال
:
اشترك كلٌّ من أبي العلاء والتبريزي في دعم شرحهما للديوان بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية 5، والأبيات الشعرية والأمثال.
وكان الدور الأكبر في الشرح1234
مسنودًا إلى الشعر، ثم الأمثال 1، ونادرا ما كان الاستشهاد بآيات القرآن 2 والأحاديث النبوية.
وكان أبوالعلاء أكثر الرجلين استشهادا بالشعر.
وقد تنوعت عصور الشعراء المُسْتَشْهَد بهم عندهما.
والثبت التالي يوضح الشعراء الذين جاء ذكرهم في هذه الاستشهادات:
م... الاسم... وفاته... العصر التاريخي... الفترة الزمنية لحياته قبل نهاية عصر الاحتجاج (150هـ) أو بعدها... عدد مرات الاستشهاد في الديوان
1... ابن أحمر......... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات
2... أبو قيس بن الأسلت... 1هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة
3... ابن الخَرِع عوف بن عطية......... جاهلي/إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة
4... ابن الرومي... 281هـ... عباسي... بعد نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة
5... عبيد الله بن قيس الرقيات... 85هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة
6... تميم بن أُبَيِّ بن مُقْبل... 37هـ... جاهلي/إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات
7... أبو حية النميري... 183هـ... أموي/عباسي... بعد نهاية عصر الاحتجاج... مرتان
8... أبو دهبل وهب بن زمعة... 63هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة
9... أبو دواد الرؤاسي......... إسلامي/فارسي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة
10... أبو ذؤيب الهُذلي... 27هـ... جاهلي/إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة
11... أبو زبيد الطائي... 62هـ... جاهلي/إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات
12... أبو سلمى المزني......... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة
13... أبو شاس......... عباسي......... مرة واحدة
14... أبو الشيص محمد بن علي... 196هـ... عباسي... بعد نهاية عصر الاحتجاج... مرتان
15... أبو النجم... 130هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات
16... أبو نُخَيلة... 145هـ... عباسي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة 17... أبو نواس... 198هـ... عباسي... بعد نهاية عصر الاحتجاج... مرة 18... أبو وجزة... 130هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة 19... أحيحة بن الجُلاح... 29ق هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 20... الأخطل... 90هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة 21... الأسود بن يعفر... 22ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرتان 22... ذو الإصبع العدواني... 22ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة 23... أعشى باهلة......... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة 24... الأعشى ميمون بن قيس... 7هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة 25... الأغلب العِجْلي... 21هـ... جاهلي/إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة 26... الأفوه الأودي... 50ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 27... امرؤ القيس... 80ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة 28... أوس بن حُجْر التميمي... 2 ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 29... البحترى... 284هـ... عباسي... بعد نهاية عصر الاحتجاج... مرة 30... البرج بن مِسْهر... 30ق. م... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرتان 31... بشار بن برد... 167هـ... عباسي... بعد نهاية عصر الاحتجاج... مرات 32... بشر بن أبي خازم... 22ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 33... البعيث المُجَاشعي... 134هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة 34... تأبط شرا... 80ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... 4مرات 35... توبة بن الحمير... 85هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة 36... جران العود......... جاهلي/إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرتان 37... جرير... 110هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة 38... جميل بثينة... 82هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرتان 39... الحطيئة... 45هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 40... حميد بن ثور... 30؟ هـ... مخضرم... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 41... خداش بن زهير......... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 42... دِعْبِل الخُزاعي... 246هـ... عباسي... بعد نهاية عصر الاحتجاج... مرات 43... ديك الجن... 235هـ... عباسي... بعد نهاية عصر الاحتجاج... مرات 44... ذو الرمة غيلان بن عقبة... 117هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة 45... الراعي النميري... 90هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 46... رؤبة بن العجاج... 145هـ... مخضرم... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 47... الرياحي... 68هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة واحدة
48... زهير بن أبي سلمى... 13ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة 49... زيد الخيل... 9هـ... جاهلي/إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 50... الشَّمَّاخ... 22هـ... إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 51... الشنفرى... 70ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرتان 52... طرفة بن العبد... 60ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 53... الطِّرِمَّاح... 125هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 54... طفيل الغنوي... 13ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرتان 55... عامر بن الطفيل... 11هـ... إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 56... عَبِيد بن الأبرص... 25ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرتان 57... العجاج... 90هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 58... علقمة بن عَبْدة... 20هـ... إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 59... عمر بن أبي ربيعة... 93هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 60... عمرو بن كلثوم... 40ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 61... عنترة بن شداد... 22ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 62... الفرزدق... 110هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة 63... الفِنْد الزماني... 70ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 64... القطامي... 130 هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 65... قيس بن الخطيم... 2 ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 66... كثير عزة... 105هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة 67... كعب بن زهير... 26 هـ... إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرتان 68... كعب بن مامة......... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 69... الكميت... 126 هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 70... لبيد بن ربيعة... 41هـ... جاهلي/إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة 71... المتنبي... 354هـ... عباسي... بعد نهاية عصر الاحتجاج... مرات 72... متمم بن نويرة... 30هـ... إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 73... المُرَقِّش الأَكْبَر... 75ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 74... مسلم بن الوليد الأنصاري... 208هـ... عباسي... بعد نهاية عصر الاحتجاج... مرات 75... مهلهل بن ربيعة......... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 76... النَّابغَة الذُّبْيَاني... 18ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة 77... النَّابِغَة الجَعْدي... 50 هـ... أموي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 78... النمر بن تَوْلَب... 14 هـ... إسلامي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرات 79... الحارث بن حلزة... 54ق. هـ... جاهلي... قبل نهاية عصر الاحتجاج... مرة
ونلحظ على هذا الجدول التالي:
1ـ عدد الأبيات المستشهد بها لشعراء معروفين في الشرح 521 بيتا تقريبا، وهي نسبة كبيرة تقرب من خُمْس الأبيات التي شرحها أبو العلاء والتبريزي، وتشير إلى أهمية الشعر في تفسير النصوص العربية، وأنه من الأهمية بمكان الرجوع إليه في تحديد معاني الألفاظ والقواعد النحوية، يقول أبو حاتم الرازي:
((ثم إن للغة العرب ديوانًا ليس لسائر لغات الأمم، وهو الشعر الذي قد قيدوا به المعاني الغربية والألفاظ الشاردة؛ فإذا أحْوِجوا إلى معرفة معنى حرف مستصعب ولفظ نادر التمسوه في الشعر الذي هو ديوان لهم، مُتفق عليه، مَرْضي بحُكمه، مجتمع على صحة معانيه وإحكام أصوله، محتج به على ما اخْتُلِفَ فيه من معاني الألفاظ وأصول اللغة)) 1.
2ـ أن عدد الشعراء المستشهد بهم قبل عام 150هـ؛ أي قبل عصر الاحتجاج ثمانية وستون شاعرا، وعدد الشعراء بعد هذا التاريخ عشرة شعراء فقط، وهذا يدل على قبول أبي العلاء والتبريزي لمبدأ نقاء اللغة الذي حدده اللغويون، قال الأصمعي: ختم الشعر بابن هرمة، وقال أبو عبيدة: افتتح الشعر بامرئ القيس، وختم بابن هرمة 2. ولكن هذا القيد ليس لازما إن وجد من الشعراء المتميزون، من أمثال: ابن الرومي، أبو حية النميري، أبو الشيص محمد بن علي، أبو نواس، البحترى، بشار بن برد، دِعْبِل الخُزاعي، ديك الجن، المتنبي، مسلم بن الوليد الأنصاري.
وقد اتبع الزمخشري هذه السنة، فقد كان يستدل ((بنصوص الشعر والنثر الشائع منها وغير الشائع، القديم منها والمعاصر له)) 3.
3ـ وقد وظفت هذه الاستشهادات: لبيان معنى لفظة، أولبيان بعض الجوانب النحوية أوالصرفية أوعروضية، أوالتنبيه على تناص أوسرقة شعرية 1، أوتوضيح مسألة بلاغية، أوبيان استعمال لغوي، أولتوضيح جوانب تاريخية أوجغرافية.
ومن أمثلة هذه الاستشهادات الشعرية:
قال أبو العلاء عند قول أبي تمام:
عَجائِبًا زَعَموا الأَيّامَ مُجفِلَةً... عَنهُنَّ في صَفَرِ الأَصفارِ أَو رَجَبِ [بحر البسيط]
((أكثر ما يستعمل زعم مع أنَّ، كما قال الحارث اليشكري:
زَعَمُوا أَنَّ كُلَّ مَن ضَرَبَ العَيرَ مَوالٍ لَنا وَأَنّا الوَلاءُ [بحر الخفيف])) 2.
قال أبو العلاء عند قول أبي تمام:
مُتَدَسِّمُ الثَوبَينِ يَنظُرُ زادَهُ... نَظَرٌ يُحَدِّقُهُ وَخَدٌّ صُلَّبُ [بحر الكامل]
((وأكثر ما استعملت نظرت مع إلى، وقد تستعمل متعدية بغير حرف خفض، يقال: نظرت الرجل في معنى نظرت إليه، قال ابن قيس الرقيات:
ظاهِراتُ الجَمالِ وَالسَّروِ يَنظُرنَ كَما يَنظُرُ الأَراكَ الظِّباءُ [بحر الخفيف])) 3.
وقال التبريزي عند قول أبي تمام:
وَالجَعفَرِيّونَ استَقَلَّت ظُعنُهُم... عَن قَومِهِم وَهُمُ نُجومُ كِلابِ [بحر الكامل]
((الظعن: الإبل بما تحمل من النساء (...) ويقال للنَّعْش ظَعَن؛ لأن الميت يظعن فيه، قال طُفيل الغنوي:
حَتّى يُقالَ وَقَد عوليتُ في حَرَجٍ... أَينَ ابنُ عَوفٍ أَبو قُرّانَ مَجعولُ [بحر البسيط])) 4.
ومن أمثلة استشهاد التبريزي بالمثل في الشرح: إِذا ما اِمتَطَينا العيسَ نَحوَكَ لَم نَخَف... عِثارًا وَلَم نَخشَ اللُتَيّا وَلا الَّتي [بحر الطويل] ((أصل ((التي)) و ((الذي)) في كلامهم أن يكونا اسمين ناقصين لا يتمان إلا بصلة؛ وشذ قولهم في المثل: ((فعله بعد اللتيا والتي))؛ أي بعد المشقة والجهد)) 1.
الفصل الثالث:
منهجا أبي العلاء والتبريزي: العلاقات الداخلية والخارجية
ويشمل المباحث الآتية:
ـ المبحث الأول: مقارنة بين منهجي أبي العلاء والتبريزي.
ـ المبحث الثاني: أوجه التشابه بين منهجي أبي العلاء والتبريزي ومنهج مفسري القرآن الكريم.
ـ المبحث الثالث: بين منهج أبي العلاء والتبريزي والمناهج الأدبية المعاصرة.
ـ المبحث الأول: مقارنة بين منهجي أبي العلاء والتبريزي.
اتفق التبريزي مع أبي العلاء في عناصر المنهج التالية:
[1] توثيق الرواية.
[2] توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان:
[3] الاعتماد على الخصائص الأسلوبية العامة للغة والاستعمال اللغوي أوالكلامي.
[4] توظيف خصائص الصنعة الشعرية.
[5] توظيف قرينة السياق اللغوي وغير اللغوي.
[6] الاهتمام بالجوانب الدلالية للكلمة.
[7] دعم الشرح بالآيات القرآنية، والقراءات والأحاديث النبوية، والأمثال العربية.
وتفرد أبوالعلاء عن التبريزي بالعنصرين التاليين:
[1] تأويل البيت كل التأويلات الممكنة في غياب القرينة المحددة لمعنى معين.
[2] الشرح بالإعراب.
وتفرد التبريزي بالعناصر التالية:
[1] ذكر غرض القصيدة، وسبب قولها قبل الشروع في شرحها.
[2] ذكر بحر القصيدة ولقب القافية.
[3] ذكر مفرد الجموع، وجموع المفرد، والمذكر والمؤنث، وكون اللفظة من الأضداد أم لا.
ونلاحظ على هذا المنهج عدة ملحوظات: الملحوظة الأولى: يمكن تقسيم عناصر المنهج عندهما إلى مجموعتين
عناصر متعلقة بالنحو... عناصر بعيدة عن النحو والتصريف
والتصريف والعروض
ـ توثيق الرواية.
ـ الشرح بالإعراب.... ـ غرض القصيدة.
ـ القرائن النحوية والصرفية... ـ توظيف خصائص الصنعة الشعرية...
ـ ذكر البحر....
ويمكن أن نقرأ هذا التقسيم بأنه لايكفي للوقوف على معنى النص الاقتصار على الجوانب النحوية والصرفية والعروضية فقط، بل لابد مع تلك العناصر عناصر أخرى.
وهذا يتفق مع ما توصل إليه أحد الباحثين د. عبد الحكيم راضي من ((عدم كفاية كل من النحو والغريب والتصريف للحكم على لغة الشعر)) 1.
ويصدق على ما سبق قول علمين من أعلام ثقافتنا، أما الأول فقدامة بن جعفر إذ يقول: ((العلم بالشعر ينقسم أقسامًا، فقسم ينسب إلى علم عروضه ووزنه، وقسم ينسب إلى علم قوافيه ومقاطعه، وقسم ينسب إلى علم غريبه ولغته، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد به، وقسم ينسب إلى علم جيده ورديئه.
وقد عني الناس بوضع الكتب في القسم الأول وما يليه إلى الرابع (...) ولم أجد أحدًا وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتابًا، وكان الكلام عندي في هذا القسم أولى بالشعر من سائر الأقسام المعدودة، لأن علم الغريب والنحو وأغراض المعاني محتاج إليه في أصل الكلام العام للشعر والنثر)) 2. ومعنى ما ذهب إليه قدامة أن المعرفة
((بالغريب والنحو والمعاني لازمة لكل من الشعر والكلام العادي وأنها كافية في هذا الأخير، لكنها غير كافية بالنسبة للشعر؛ إذ يبقى هناك معرفة الجودة والرداءة)) 1.
أما القول الثاني فقول ابن خلدون حيث يرى ((أن استفادة المعاني على الإطلاق من تراكيب الكلام على الإطلاق يتوقف على معرفة الدلالات الوضعية مفردة ومركبة، والقوانين اللسانية في ذلك هي علوم النحو والتصريف والبيان)) 2.
فهو لم يفرد النحو ولا التصريف بمسئولية الإبانة عن المعنى بل أشرك معهما البيان.
الملحوظة الثانية: أن المنهجين يكمل بعضهما بعضا، والهدف في النهاية الوصول إلى المعنى الصحيح للبيت، فإن كان أبوالعلاء أغفل ذكر غرض القصيدة وبحرها، فإن التبريزي كان حريصا أشد الحرص على هذين الأمرين، لأهميتها في فهم النص 3.
الملحوظة الثالثة: العدد الإجمالي لأبيات أبي تمام: 7496 بيتًا، شرح منها أبوالعلاء 830 بيتًا؛ أي: بنسبة 11% من أبيات الديوان، أما التبريزي فقد شرح
2288 بيتًا، تتضمن 830 بيتا التي شرحها أبوالعلاء؛ أي أن الأبيات التي انفرد بها التبريزي شارحا 1458 بيتا؛ أي بنسبة 19.5%.
ونلاحظ أن أبا العلاء لم يطبق منهجه إلا على هذا العدد القليل من أبيات أبي تمام 830 بيتًا، ويبدو أنه لم يقصد بشرحه لديوان أبي تمام إلا الأبيات المشكلة التي تحتمل أكثر من تأويل؛ لذلك لا نجد هذا العنصرـ عنصر تأويل البيت كل التأويلات الممكنة ـ عند التبريزي؛ وكأن التبريزي ترك هذه الأبيات لأبي العلاء، الأغزر علما، والأكثر إحاطة باللغة لتوضيح هذه الأبيات والوقوف على معانيها، وتقديم التأويلات الممكنة لها.
أما الأبيات التي شرحها التبريزي فلم يصادف فيها هذا الغموض، أوما هومعقد؛ لذلك غاب هذا العنصر عنه.
الملحوظة الرابعة: لقد سار التبريزي على منهج أستاذه في شرح الديوان، فقد وضع أبوالعلاء الأساس، وقام التبريزي بالبناء على هذا الأساس وتطويره، ومد أركانه وجنباته.
لقد ارتكز أبوالعلاء على ((المسموع اللغوي)) أوعلى ((الاستعمال اللغوي)) كأداة لشرح الأبيات التي شرحها؛ ثم توسع التبريزي كثيرا في الاستناد إلى ((المسموع اللغوي)) أو ((الاستعمال اللغوي))؛ فقد كان هوالأساس في الشرح 1.
وقد استغل التبريزي هذا العنصر ووظفه بحيث يظهر الانحرافات الاستعمالية عند أبي تمام، ورد بعض روايات الديوان؛ لأنها لا تناسبه، أوترجيح عدم قولها، كما استخدمه لإبراز ما وراء الكلمة من ظلال بلاغية.
ولا شك أن اتفاق أبي العلاء والتبريزي على ((المسموع اللغوي)) ـ كأداة للشرح ـ أمر له دلالته ((المهمة))، وهي: ((أن التفسير للنصوص العربية يجب أن يكون في حدود المستعمل عند أهل العربية))، بمعنى أن المفسر للنص العربي لا يجوز أن يأتي بتفسير للنص العربي ليس معروفا عند العرب 1.
أما العنصر المهم الثاني الذي اهتم به التبريزي اهتماما بالغا مقتديا بأستاذه أبي العلاء فهوعنصر ((الاهتمام الدلالي بالكلمة))، هذا الاهتمام الذي يظهر في بيان الأصل الدلالي المأخوذ منه الكلمة، وتتبع التطور الدلالي للكلمة، والاهتمام بالمعنى السياقي.
وهذه كلها أمور مهمة جدا في تفسير النص، والوقوف على المعنى الصحيح، أوالتأويل المناسب له، وقد أشار البحث في موضعين آخرين أسباب اهتمام أبي العلاء والتبريزي بتتبع التطور الدلالي للكلمة.
ـ المبحث الثاني:
أوجه التشابه بين منهجي أبي العلاء والتبريزي وبين منهج مفسري القرآن الكريم.
تعددت مناهج تفسير القرآن الكريم واتجاهاتُه، ما بين تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي وتفسير إشاري.
ومن هذه التفاسير ما هو مقبول، ومنها ما هو غير مقبول، وقد وضع علماءُ أهل السنة والجماعة شروطا وقواعد ومنهجا يكون بها التفسير ((مقبولا)).
ويبدوتأثُّرُ أبي العلاء (ت449 هـ)، والتبريزي (ت 512هـ) بمنهج مفسري القرآن ((المقبولين)) في كثير من عناصر المنهج عندهما.
وقبل الشروع في إظهار هذا التشابه يجب النص على أن علماء التفسير بدورهم متأثرون بعلماء أصول الفقه أصحاب قصب السبق في وضع آليات لفهم النصوص العربية وفقهها، فقد، ((دخلت مناهج تفسير النصوص، طور التدوين والتسجيل، منذ القرن الثاني الهجري على يد الإمام الشافعي، والذي يرجع إليه الفضل في تأصيل هذه القواعد، وضبطها في نسق فكري خاص، كان أساسًا ونبراسًا لكل الجهود التي عنيت فيما بعد بمناهج التفسير، وقوانين الاستنباط من النصوص)) 1.
والقواعد التي أصلها علماء الأصول ((لا تقتصر أهميتها على فهم النصوص الشرعية فحسب، بل تتعداها إلى فهم جميع النصوص العربية)) 2.
ولم يؤثر علماء الأصول فقط على المفسرين بل على النحاة واللغويين ونقاد الشعر أيضا، فها هو ابن جني العظيم نجد في كتاباته ((ما يدل في وضوح على أنه تأثر في وضع أصول التصريف والنحو بأصول الفقهاء والمتكلمين جميعا)) 3.
وعند نقاد الشعر القدماء نجد النقد الذي يفرق بين ((اللغة العادية ولغة الأدب)) وهو بهذا ((يجاري منطلقات علم الأصول)) 4.
ونلخص أوجه التشابه بين منهجي أبي العلاء والتبريزي والمفسرين في العناصر التالية:
- وجه التشابه الأول: الاهتمام بأسباب نزول الآيات القرآنية، وهو يقابل اهتمام التبريزي بذكر غرض القصيدة 1:
اهتم مفسرو القرآن من أهل السنة والجماعة بمعرفة أسباب نزول الآيات القرآنية؛ وذلك لأهمية هذا الأمر في الوقوف على معنى الآية، قال السيوطي:
((... قال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن.
وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب)) 2.وقال الواحدي عن أسباب النزول إنها ((أولى ما تصرف العناية إليها لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها، دون الوقوف على قصتها وبيان شئونها)) 3. ومن نفيس ما قيل في أسباب النزول قول الشاطبي: ((معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران: أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب، من جهة نفس الخطاب، أوالمخاطِب، أوالمخاطَب، أوالجميع... الوجه الثاني: وهوأن الجهل بأسباب التنزيل
موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع)) 1.
ولأهمية هذه المعرفة فقد عُنِي ((سلف الأمة وخلفها عناية خاصة مما أفرد له بالتأليف جماعة سخرهم الله لحفظ أسباب نزول آياته كما حفظ كتابه، ومن هؤلاء: على بن المديني، شيخ البخاري والواحدي، والجعبري وابن حجر، والسيوطي وغيرهم)) 2.
وقد كان التبريزي حريصًا على ذكر غرض القصيدة قبل البدء في شرحها، فهويَنُصُّ على ـ أويذكر ـ غرض القصيدة من مدح، أورثاء، أوهجاء.
وهذا النص ـ أوالذكر ـ لغرض القصيدة من الأهمية بمكان، فهومن الأدوات الرئيسية لفهم القصيدة، فـ ((عندما يتقدم بنا العصر تتطور الحاجة إلى فهم النص لأسباب أخرى لا علاقة لها بفهم المفرادت أو التراكيب، لكنها متعلقة بغياب أمر آخر له أهميته ونعني به الوسط الذي قيلت فيه القصيدة، حين تتجه مسمياتها إلى بيئة معينة أو مقصد آخر خفي على السامع أو القارئ.
(...) فإدراك المناسبة أمر مهم لفهم إشارات النص وتلمس مقاصده، وإلا لأصبح الفهم عقيما وأحيانا بعيدا كل البعد من مراد الشاعر أو هدف القصيدة، وهذا هو أحد مبررات قيام الشرح بجانب القصيدة حينما يتقادم العهد فيخفى أصل المناسبة أو دلالتها، وهي من ضرورات كل عصر لفهم شعره، لذلك كان الاهتمام بها ممتدا عبر العصور)) 3.
- وجه التشابه الثاني: الاعتماد على ((لغة العرب))، وهو يقابل عند أبي العلاء والتبريزي العنصرين: ((توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصرهما في شرح الديوان))، و ((الاعتماد على الخصائص الأسلوبية العامة للغة والاستعمال