شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفيةصفحات 141-180

الباب الأول

صفحات 141-180
عن هذه الطبعة
عَلَم
إيهاب سلامة
الكتاب
شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية
المؤلف
إيهاب عبد الحميد عبد الصادق سلامة
الناشر
رسالة ماجستير - كلية دار العلوم - جامعة القاهرةبإشراف: د محمد جمال صقرعام النشر: 2012 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

((وحبيب الثاني في معنى محبوب)) 1((... ورفيض في معنى مرفوض)) 2. وصيغة فعيل مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، بـ ((.شرط أن يكون بمعنى مفعول، وذلك فيما عرف به الموصوف نحو: هذا رجل قتيل، وهذه امرأة قتيل)) 3. ومن علماء اللغة من أبدى على صيغة فعيل بمعنى مفعول بعض الملحوظات الدلالية المهمة الطريفة، فقال: ((فعيل بمعنى مفعول يختلف عن ((مفعول)) في ثلاثة أمور: 1ـ الدلالة على أن الوصف قد وقع على صاحبه على وجه الثبوت أوقريب من الثبوت؛ فأصبح فيه كأنه خِلْقة وطبيعة؛ فيكون فعيل على هذا أبلغ من مفعول في الوصف، فكحيل أبلغ من مكحول، ودهين أبلغ من مدهون، وحميد أبلغ من محمود؛ لأنه أثبت.
2ـ لا يطلق وصف فعيل إلا إذا اتصف به صاحبه فلا يقال: أسير؛ إلا إذا أُسِر، ولا جريح؛ إلا إذا جرح، في حين أن مفعولا قد يطلق على ما اتصف به صاحبه أولم يتصف بمعنى أنه سيتصف به، فقد تطلق مأسور على مَن لم يؤسر بمعنى أنه

سيؤسر، ومقتول على من لم يقتل؛ بمعنى أنه سيقتل، ونحوه قوله تعالى: چ ? ? ? ? ? چ 1؛ أي: ستُثْبر وهكذا.
3ـ أن الوصف بفعيل أشد من مفعول، كما في جريح ومجروح، وكسير ومكسور)) 2.

  • فَعِيل في معنى مُفْعَل: قال: ((... ولا يمتنع أن يكون ((فَعِيلا)) في معنى ((مُفْعَل))، مثل: أسلمته؛ فهومُسْلَم وسَلِيم، وأعتقته؛ فهومُعْتَق، وعَتِيق)) 3.
  • فَعِيل بمعنى مُفَاعِل: قال عند قول أبي تمام: نَعاءِ نَعاءِ شَقيقَ النَّدى... إِلَيهِ نَعِيًّا قَليلَ الجَداءِ [بحر المتقارب].
    ((شقيق الندى لأنه شق نسبه منه فهوأخوه.
    وفعيل هاهنا في معنى مُفاعل، كأنه شقيق ومُشاقٍّ، كما يقال جليس ومُجالس، وقعيد ومقاعد)) 4. وقال أبوالعلاء: ((سُجَرَائِي؛ أي: أصدقائي، واحدهم سجير، ويحتمل أن يكون مأخوذا من السجر الذي هوحنين الإبل... كأن كل واحد منها يساجر الآخر؛ فصار ((المُفَاعِل)) ((فَعِيلا))، كما يقال: نادم؛ فهومُنَادِم ونَديم)) 5.
  • فَعْل (وزن مصدر) في معنى فَاعِل: قال أبوالعلاء: ((طريق لَحْب؛ أي: واضح، وهوفي معنى لاحب)) 6. والتبادل بين اسم الفاعل والمصدر أمر أشار إليه اللغويون.
    قال الزمخشري في تفسير كلمة ((غَوْرا)) في قوله تعالى: چ ? ? ? ? ? ? چ [الملك:30]، قال: ((غورا

أي: غائرا ذاهبا في الأرض)) 1.وقال عند قوله تعالى:چ ? ? چ [الحاقة: 5]: ((... وقيل: الطاغية مصدرٌ كالعافية؛ أي: بطغيانهم)) 2. وقال في قوله تعالى:چ ? ? ? ? ? ? چ [الحاقة: 8]: ((من بقية، أومن نفس باقية، أومن بقاء؛ كالطاغية بمعنى الطغيان)) 3.

  • فوَاعِل في معنى مفعولات: قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: فَما زِلنَ يَستَشرينَ حَتّى كَأَنَّما... عَلى أُفُقِ الدُّنيا سُيوفٌ رَوامِضُ [بحر الطويل] ((فكأن روامض في معنى مفعولات.
    كما قالوا: عيشة راضية في معنى مرضية)) 4. ـ أوزان صرفية متساوية في المعنى:
  • فَعَل وأَفْعَل: أشار أبوالعلاء في بعض المواضع إلى أن الصيغتين السابقتين تشتركان في المعنى كثيرا.
    قال: ((... وقال قوم: خَدَجت وأخْدَجَت سواء، وهذا القول أشبه بكلامهم؛ لأن فعل وأفعل يشتركان كثيرا)) 5. وقال: ((أغاض: قليلة في الاستعمال، وإنما يقال: غاض الماءُ (...) ويجوز أن يكون الطائي سمع أغاض في شعر قديم، وإن لم يكن قد سمع فالقياس يطلقه)) 6.

واستضافة بعض الأوزان الصرفية لمعاني أوزان أخرى، أو القول بتساوي بعض الأوزان الصرفية في دلالتها أمر أشار إليه التبريزي 1، كما أشار إليه ابن الحاجب وأبو منصور الثعالبي، فقال ابن الحاجب على سبيل المثال: ((استفعل بمعنى فَعَل)) 2 و ((تفاعل بمعنى فَعَل)) 3، ((تَفَعَّلَ بمعنى استفعل)) 4. وقال الثعالبي: ((تَفَعَّل بمعنى فَعَّل، نحو: تخلصه إذا خلصه)) 5. وقال: ((افتعل يكون بمعنى فعل، نحو: اشتوى، أي شوى)) 6. ويمكن أن نجمع ونلخص ما قاله العلماء الأربعة في الجدول التالي: م... الوزن... الوزن الذي يساويه في المعنى... القائل 1... فَعُول... مَفْعُولة... أبو العلاء 2... فَعِيل... فَاعِل... أبو العلاء 3... فَعِيل... مفعول... أبو العلاء 4... فَعِيل... مُفْعَل... أبو العلاء 5... فَعِيل... مُفاعل... أبو العلاء 6... فَعْل (وزن مصدر)... فَاعِل... أبو العلاء 7... فَواعِل... مفعولات... أبو العلاء 8... فَعَل... مُفْعَل... التبريزي 9... فَعَل... مفعول... التبريزي 10... فِعْل... مفعول... التبريزي

11... مُفْتَعل (من المضعف)... فاعِل أو مفعول... التبريزي 12... تفاعل... فَعَل... ابن الحاجب 13... تَفَعَّل... استفعل... ابن الحاجب 14... تَفَعَّل... فَعَّل... الثعالبي 15... افتعل... فَعَلَ... الثعالبي 16... استفعل... فَعَل... ابن الحاجب

وأهم ما يمكن أن نقرأه ونستشفه من هذا الجدول السابق وكلام أبي العلاء قبله أننا أمام ما يمكن أن نسميه بـ ((التداخل الدلالي لمعاني الصيغ الصرفية))، هذا التداخل الدلالي يأخذ بأيدينا إلى الأمور التالية: 1ـ هذا التداخل الدلالي يدل على أن الدلالة ((ناتجة عن تواضع اجتماعي، وهذا التواضع عرضة للتغيير والتطوير؛ ولذا جاز تغير الدلالة لتغير المواضعة وفق ما تمليه الظروف المستجدة في حياة الجماعة اللغوية)) 1. 2ـ ويدل أيضا ((أنه مهما اتسع مخزون اللغة اللفظي فهي قاصرة عن الوفاء بمطالب التعبير اللغوي في مجال الأفكار المجردة والصور والظلال)) 2. 3ـ إمكانية تطوير معاني الأوزان الصرفية لاستيعاب ألفاظ الحضارة، على أن يكون هذا للعلماء المتخصصين.
4ـ هذا التداخل الدلالي أيضا يعني أنه في الإمكان ظهور دلالات جديدة للأوزان الصرفية.
وهذا أمر بدهي ومنطقي: فدلالات الأوزان الصرفية مأخوذة من دلالات الألفاظ التي يمثلها هذا الوزن، وبما أن دلالات الألفاظ متطورة 3 لأسباب كثيرة؛ فهذا

يعني بالضرورة أن دلالات الأوزان الصرفية متطوره، وهذا يعني بدوره دينامية التطور الدلالي للأوزان الصرفية، مما يعنى أيضا أن البحث يجب أن يكون مستمرا للوقوف على الدلالات الجديدة لهذه الأوزان.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه من تطور دلالة البنية الصرفية ما قام به أحد الباحثين المعاصرين الأستاذ محمد خليفة التونسي من تتبع دلالة بنية ((تَفَاعَل)) ووقوفه على بعض الدلالات التي لم تذكرها كتب الصرف، ومنها 1:

  • أولا التفاعل من واحد: • تكلف الفعل عن اعتقاد به، مثل: تتباهى الفتاة بجمالها، وتتفاخر بنسبها، وتتواجه بثرائها، وتتعاظم بثقافتها، وتتفاصح في كلامها، وتتعالى في معاملتها، وتتمايل في سيرها.
    • المشابهة، مثل: تكالب على الشهوات؛ أي أشبه الكلب في الحرص عليها، وتذاءبت الريح؛ أي أشبهت الذئب في إقباله من جهة مرة، ومن غيرها أخرى.
    • حدوث الفعل متتابعا، مثل: تماوج صوت أم كلثوم، وتقاطر المطر، وتناقص الماء بالتبخر، وترادف الرزق، ويتهالك على الدروس، ويتحامل على خصمه، وتقادم العهد، وتنامى الطفل، وتهاوى البناء، وتراجع في سعيه، وتراخت الحملة، وتسارعت الحركة، وتواتر الحديث، وترامى إلينا الخبر، وتمادى الضلال.
    • الدخول في شيء، أو الميل إليه، مثل: تيامن الطريق، وتياسر في سعيه، وتباشر بالصباح، وتفاءل بالوجوه الحسان، وتشاءم بنعيق البوم، وتكاسل في عمله، وتساهل في حقه.

• طلب الفعل، مثل: تقاضاه الدين؛ أي طلب منه قضاءه، تحاكم الشاعر إلى الناقد؛ أي طلب حكمه، ذهب إلى الطبيب ليتداوى؛ أي يطلب الدواء.
• مطاوعة فعل سابق من أي وزن؛ أي التأثر به، مثل: نثرت الحب فتناثر؛ أي انتثر.
• القيام بالفعل ابتداء؛ أي دون تأثر بفعل سابق، فهو كالفعل الثلاثي، مثل: تنازل عن حقه؛ أي نزل، وتساءل عن أخيه؛ أي سأل، وتجارأ عليه؛ أي جرأ، وتجاسر عليه؛ أي جسر، وتجاوز الحد؛ أي جاز، وتوانى في العمل؛ أي وني.
• اعتقاد صفة الشيء، مثل: أعطيته في الكتاب دينارا فتقاله؛ أي عده قليلا، وتعاظمت الذنب؛ أي عددته عظيما.

  • ثانيا: تفاعل من اثنين أوجمع: • مجرد التشارك أو الاشتراك في الفعل، مثل: تنادم الرجلان، وتصاحبا، وتجالسا.
    • التبادل، مثل: تآمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر؛ أي: تبادلوا ذلك، فأمر بعضهم بعضا بالمعروف ونهاه عن المنكر، وتتجاذب الكواكب والنجوم، وتعامد الخطان، يتقارضان الثناء، تعارفا بعد أن كانا متناكرين، تقابض المتبايعان ثم تفارقا.
    • المغالبة في الفعل وهي تشمل التشارك والتبادل بين طرف وآخر مع رغبة كل طرف أن يغلب الآخر، مثل: تفاخر الشاعران، ثم تهاجيا، تبارى الفريقان في الكرة، تتسابق الخيل، يتساقى المتحاربون الموت.

ـ علاقات بين صيغ صرفية:

  • فَعَّال يقل في أفعل: أوضح أبوالعلاء أن أخذ صيغة ((فَعَّال)) من وزن الفعل ((أَفْعَل)) قليلة.
    قال: ((فَعَّال يقل في أفعل، إلا أنهم قالوا: جبار، وهوعندهم من أجبرته على الأمر؛ إذا أكرهته عليه.
    وقالوا رجل دراك بالذُّحُول.
    وهومن أَدْرك، إلا أن هذه الأشياء تحمل على حذف الزوائد)) 1. وأيد هذا السيوطي فقال: ((قال في ديوان الأدب: قليل أن يأتي فَعَّال من أفْعل يُفْعِل, ومنه: الدرّاك؛ للكثير الإدراك.
    وقال ابن خالويه في كتاب ليس: ليس في كلامهم فَعَّال من أفعل، إلاّ جبَّار من أجْبَر، ودرّاك من أدرك، وسآر من أسأر.)) 2.
  • قلما يستعملون في أَفْعَل مُفْتَعِلا: قال أبوالعلاء: ((وأفصح الكلام أن يقال: أرتج الباب؛ إذا أغلقه، وقد حُكي ((رَتَج)) بغير همز، وإذا صح أنهم قالوا: رتج فمُرْتَتِجٌ منه؛ لأنهم قلما يستعملون في أفعل مفتعلا)) 3.
  • أوزان متقاربة: من الجائز زيادة الياء في ((فِعْلل)) لتصبح ((فِعْليل))، وفي ((فِنْعِل))؛ لتصبح ((فِنْعيل))؛ لتقارب هذه الصيغ.
    قال: ((الحِنْدِيس مثل الحِنْدس 4؛ وزيادة الياء في مثل هذه المواضع جائزة؛ لأن فِعْللا وفِعْليلا متقاربان، وكذلك فِنْعِل وفِنْعِيل)) 5. ـ الشرح من خلال الوزن:

من الأمور الطريفة التي كان يقوم بها أبوالعلاء توضيح معنى الكلمة من خلال ذكر وزنها؛ أي أنه يذكر الكلمة ثم يذكر وزنها، معتبرا هذا الذكر نوعا من الشرح، ومثال ذلك:

  • و ((أصدت: ((أَفْعَلت)) من الصدى)) 1.
  • ((المناغاة: ((المُفاعَلة))، من قولهم: ما سمعت له نُغْيةً؛ أي: كلمة.
    ويستعمل ذلك في تكليم الصبي الذي لم يفصح)) 2.
  • ((العرمرم: الجيش العظيم، وهو ((فَعَلْعَل)) من العُرام والعرامة)) 3.
  • ((ادَّريت... يجوز أن تكون في معنى ((افْتَعَل))؛ من دريته؛ إذا ختلته)) 4.

وشرح الكلمة من خلال وزنها يساهم في توضيح معنى الكلمة من خلال أمرين هما: [أ] بيان أصول الكلمة، وبالتالي توضيح الأصل أوالجذر اللغوي الذي أُُخذت منه الكلمة.
وقد مر بنا أن البحث في اشتقاق الكلمة يساهم في توضيح معناها.
ونقل السيوطي عن أبي حيان قوله: ((فإن قلت مَا فائدة وزن الكلمة بالفعل؟ قلت: فَائِدَته التَّوَصل إِلَى معرفَة الزائد من الأصلي على سبيل الاختصار فإِن قَولك وزن اسْتِخْرَاج استفعال أخصر من أَن تَقول الألف وَالسين وَالتاء والألف فِي اسْتِخْرَاج زَوَائِد)) 1. [ب] أن هذا يضيف إلى معنى الكلمة المعجمي أوالسياقي ((المعنى الصرفيَّ)).
فمعنى كلمة ((قَاتَل)) ـ من غير وجودها في سياق ما ـ تساوي المعنى المعجمي لكلمة ((قتل)) بالإضافة إلى المعنى الصرفي للوزن ((فَاعَل)) الذي يفيد التشارك بين اثنين فأكثر.
قال ابن جني: ((إذا كانت الألفاظ أدلة المعاني؛ ثم زيد فيها شيء؛ أوجبت القسمة له زيادة المعنى به)) 2. ـ المصادر: سيستقل هذا الجزء من البحث بالحديث عن المادة الصرفية المتعلقة بالمصادر والتي أوردها أبوالعلاء في شرحه على الديوان.

  • إقامة المصدر مقام الاسم: الاسم ((كلمة تدل بذاتها على شيء محسوس أوشيء غير محسوس يعرف بالعقل.
    وهوفي الحالتين لا يقترن بزمن)) 3. أما المصدر الصريح الأصلي فهو ((الاسم الذي يدل ـ في الغالب ـ على الحدث المجرد؛ أى أن المصدر يدل على أمر معنوي محض، لا صلة له بزمان ولا بمكان

ولا بذات ولا بعلمية ولا بتذكير أوتأنيث، ولا بإفراد أوتثنية، أوجمع أوغيره، إلا أن يكون دالا على مرة أوهيئة)) 1. من خلال التعريفين السابقين نقول إن الاسم أعم في مدلوله من المصدر؛ فكل مصدر اسم، وليس كل اسم مصدرا.
وقد أشار أبوالعلاء إلى أن المصادر قد تحل محل الاسم؛ فقال تعليقا على بيت أبي تمام: وَلا تُمكِنِ الإِخلاقَ مِنها فَإِنَّما... يَلَذُّ لِباسُ البُردِ وَهُوجَديدُ [بحر الطويل] ((استعمل ((اللِّباس)) في معنى المصدر، والمعروف أن ((اللِّباس)) هو ((الملبوس))، يُقال: عليه لِبَاسٌ حسن.
وقد يستعيرون الأسماء فيقيمونها مقام المصادر)) 2 3.

ومن المنطقي ألا يكون هذا الإحلال مقبولا أو منطقيا إلا إذا كان الاسم دالاـ في هذه المواضع التي يقع فيها الإحلال ـ على شيء محسوس، أومعنى غير مصدري.
ولكن لماذا يلجأ الأديب أو الشاعر لإقامة المصدر مقام الاسم؟ يمكن أن نفسر ذلك بأن هذا التبادل فيه كسر لرتابة اللغة وخروج عن الأنماط اللغوية المألوفة، وهذا فيه لفت للانتباه وإثارة الذهن ودفعه لإعمال العقل للوصول إلى المعنى.
كما أن التعبير بـ ((المصدر)) فيه خروج بالتعبير من الخصوصية المقيدة بالمكان أو الزمان إلى العمومية المطلقة، ولا شك في أنه بهذه العمومية تخلد الفكرة المعبر عنها للسماح لها بالانتقال عبر الزمان والمكان؛ لكون المصدر غير مرتبط بزمان أو مكان.
أو على حد تعبير ابن جني ((المصدر كل اسم دل على حدث وزمان مجهول)) 1.

  • تثنية المصدر: سبق أن أوضحنا أن المصدر بدلالته على المعنى المجرد لا صلة له بتثنية أوغيرها، إلا أن أبا العلاء يُقر إمكانية تثنيته، ويقر أيضا في نفس المقام أن ذلك قليل، قال عند قول أبي تمام: يُجاهِدُ الشَّوقَ طَورًا ثُمَّ يَجذِبُهُ... جِهادُهُ لِلقَوافي في أَبي دُلَفا [بحر البسيط] ((... هذا البيت مختلف في روايته، فأكثر النسخ يوجد فيها: ((مُجاهَديه القوافي))؛ فكأنه ثَنَّى المصدر على هذه الرواية.
    وتثنيته قليلة، فكأنه جَاهَد مُجاهدًا؛ ثم جعل النوع مختلفا باختلاف السر والجهر؛ فثنى لذلك)) 2.

وتعليل النحاة لعدم تثنية المصدر ولا جمعه لأنه ((اسم جنس، ويقع بلفظه على القليل والكثير، فجرى لذلك مجرى الماء والزيت والتراب)) 1. وإشارة أبي العلاء لقلة تثنية المصدر في النص السابق يقصد بها المصدر المؤكد لعامله 2. والمصدر إذا كان مؤكدا لفعله كان هو المطلق حقا، فلا وجه لتثنيته أو جمعه، ((ولكنه حين يكون مبينا لنوعه أو عدده لم يكن هو المطلق، بل يكون مقيدا بنوعه أو عدده، وهذا يدل على أن لهذا المصدر أكثر من نوع وأكثر من مرة، فكلا هذين المصدرين ـ إذن ـ قد خرج من الاطلاق والشمول إلى التقييد والتحديد، وتنوعه وتعدده يجعلانه قابلا للتثنية والجمع)) 3.

  • جمع المصدر المؤكد لعامله المذكور: المصدر المؤكد لعامله المذكور في الجملة تأكيدًا محضًا ((لا يجوز ـ في الرأي الشائع ـ تثنيته ولا جمعه، ما دام المراد منه في كل حالة هوالمعنى المجرد، دون تقييده بشيء يزيد عليه؛ أي: ما دام المصدر مُبْهمًا)) 4. وسبب امتناع التثنية والجمع أن المصدر المؤكد مقصود به ((معنى الجنس لا الإفراد فهو يدل بنفسه على القليل والكثير؛ فيستغنى بهذه الدلالة عن الدلالة العددية في المفرد والتثنية، والجمع؛ لأن دلالته تتضمنها، ومثل المصدر المؤكد ما ينوب عنه)) 5. إلا أن أبا العلاء يصرح بإمكانية ((جمع المصدر)) إذا دل على أنواع مختلفة.
    ـ قال عند قول أبي تمام:

لَئِن جَحَدتُكَ ما لاقَيتُ فيكَ فَقَد... صَحَّت شُهودُ تَباريحي وَتَعذيبي [بحر البسيط] ((.. والتباريح: جمع تبريح، كما قالوا التكاليف في جمع التكليف، والتباشير في جمع التبشير، وأصل المصادر ألا تجمع، وربما استحسنوا فيها ذلك إذا اختلفت الأنواع)) 1. فتعليل جواز جمع المصدر في بيت أبي تمام اختلاف الأنواع؛ أي: تبريح مختلف عن تبريح، وتبشير مختلف عن تبشير، ولعل لهذا غرضا بلاغيا، بل إن له لغرضا بلاغيا حقا؛ فقد دل على مبلغ ما تحمل فيه؛ إذ تعاورته واختلفت عليه أنواع التباريح؛ فمن خفيف إلى ثقيل، ومن ضعيف إلى قوي، ومن قصير إلى طويل.

  • مصادر الأفعال وسيلة لتحديد معناها: أشار أبوالعلاء إلى أن المصادر قد تكون وسيلة لتحديد معنى الفعل.
    وقد تكون أيضا وسيلة من الوسائل التي تتخذها اللغة ((لأمن اللبس)).
    قال: ((إنهم يفرقون بالمصادر بين الأفعال التي أصلها واحد في الاشتقاق؛ فيقولون: ((خَفَّ الشيء خِفَّة))؛ إذا كان خفيف الزنة، و ((خَفَّ خُفُوفًا))؛ إذا ارتحلوا)) 2. ـ الجموع: كان من عادة أبي العلاء أن يذكر مفردات الجموع التي تقابله، وكان هذا ولا شك يسهم كثيرا في توضيح المعنى.
    قال عند قول أبي تمام: ضَمِنَت لَهُ أَعجاسُها وَتَكَفَّلَت... أَوتارُها أَن تُنقَضَ الأَوتارُ [بحر الكامل] ((الأوتار الأولى: جمع وَتَر القوس.
    والأوتار الثانية: جمع وَتْر من الذَّحْل.
    وهوتجنيس التساوي والتوافق)) 3. ومن خلال دراسة الجموع عند أبي العلاء نخرج ببعض الحقائق التالية:

ـ الكلمة التي على وزن ((أَفْعَل)) ومؤنثه ((فَعْلاء)) تجمع على ((فُعل))، بتحريك العين أوتسكينها، ((إلا أن التسكين في جمع أفعل وفعلاء هوالوجه المختار)) 1 عند أبي العلاء.
ـ تحذف ((الياء)) من وزن ((فعاليل)) لطول الكلمة وضعف الحرف.
قال أبوالعلاء: ((قيل للفقير صُعْلُوك، والقياس أن يقال في جمعه: صعاليك ويجوز صعالك؛ بحذف الياء)) 2.

  • الجمع قد يبنى على النسب: أشار أبوالعلاء إلى أن هناك جموعا قد تبنى على النسب؛ بمعنى أن تكون الكلمة، ثم يؤتى بالمفرد منسوبا إليها، ثم يؤتى بالجمع بحذف ياء النسب.
    قال عند قول أبي تمام: بِزُهرٍ وَالحُذاقِ وَآلِ بُردٍ... وَرَت في كُلِّ صالِحَةٍ زِنادي [بحر الوافر] ((وقال الحُذاق؛ لأنه بناه على النسب.
    يقال: رجل حُذَاقِي؛ فيُشبه بقولهم رُوميّ وزَنْجِي، ثم يقال للجمع: الزَّنْج والرُّوم؛ فتحذف الياء)) 3. ويؤخذ من النص السابق أن ياء النسب يمكن أن تستخدم في ((تمييز الواحد من الجمع))، وهذا ما صدق عليه بعض العلماء فقال: ((وكما أشركوا بين هاء التأنيث وياء النسب في المبالغة أشركوا بينهما في تمييز الواحد من الجمع فحبشي وحبش، وزنجي وزنج، وتركي وترك بمنزلة تمرة وتمر ونخلة ونخل)) 4.
  • فَعِيل لا يجمع على فَعَلَة.
    قال: ((... وهذا أوجه من أن يقال سراةٌ جمع سري؛ لأن فعيلا لا يجمع على فَعَلَة)) 1.
  • فِعْلَة قلما تجمع على فُعْل.
    قال عند قول أبي تمام: لَقَد أَخَذَت مِن دارِ ماوِيَّةَ الحُقبُ... أَنُحلُ المَغاني لِلبِلى هِيَ أَم نَهبُ [بحر الطويل] ((وأنث على معنى البرهة والمدة؛ لأن تذكير الحُقْب غير حقيقي، وهذا أوجه من أن يقال الحقب جمع حقبة؛ إذا أريد بها السنة؛ لأن فِعْلة قلما تجمع على فُعْل)) 2.
  • فَعْل لا يجمع على أَفْعال كثيرا.
    قال: ((والأحسن أن يكون أعجاس جمع عِجْس بكسر العين، أوعُجْس بالضم؛ لأن ((فَعْلا)) لا يجمع على أفعال كثيرا)) 3.
  • ربما جمعوا فُعْلَة على فِعَال.
    قال: ((وربما جمعوا ((فُعْلَة)) على ((فِعَال))، كما قالوا: نُقْرة ونِقَار، وجُفْرة وجِفَار)) 4.
  • جمع ((فَعْلَة)) على ((فَعَائِل)) غير مشهور.
    قال: ((وأشبه الأمر بالطائي أن يريد بالحلائب جمع: حَلْبة من الخيل، جمعها على فعائل؛ كأن الواحدة حليبة، إلا أن ذلك غير مشهور)) 5.
  • قد يقتضي القياس أن يكون الجمع على وزن معين ولكن المستعمل غيره.
    وقد يوجد الجمع وليس له مفرد مستخدم.
    قال: ((أصبية جمع صَبيّ على القياس، والمستعمل صِبْية)) 6. وقال: ((وأعزال جمعٌ، وواحده غير مستعمل)) 7.
  • من المصطلحات التي تطلق على جمع القلة مصطلح ((أدنى العدد)).
    قال: ((وجمع ذَنُوب في أدنى العدد ((أَذْنِبَة)) على رأي من ذكره)) 1. وقد تردد هذا المصطلح عند سيبويه في عدة مواضع منها، قال في إحداها: ((واعلم أن لأدنى العدد أبنية هي مختصَّة به، وهي له في الأصل، وربَّما شركه فيه الأكثر، كما أنَّ الأدنى ربَّما شرك الأكثر.
    فأبنية أدنى العدد ((أَفْعُلٌ))؛ نحو: أكلبٍ وأكعبٍ.
    و ((أَفْعَال))؛ نحو: أجمالٍ وأعدالٍ وأحمالٍ، و ((أَفْعِلَة)) نحو: أجربةٍ وأنصبةٍ وأغربةٍ.
    و ((فِعْلَة))؛ نحو: غلمةٍ وصبيةٍ وفتيةٍ وإخوةٍ وولدةٍ.
    فتلك أربعة أبنية، فما خلا هذا فهوفي الأصل للأكثر)) 2. وينبغي التنبيه على أن عدم تحديد المصطلحات العلمية يؤدي إلى لبس شديد، وضياع المعاني من القارئ، ولعل من أبرز الصعوبات التي تواجه الباحثين في النحو العربي ((استخدام المصطلحات وتحديد مدلولاتها، ومدى ما أصابها من تطور عبر الزمان والمكان جميعا)) 3. • التذكير والتأنيث عند أبي العلاء: الألفاظ من حيث التذكير والتأنيث كما أشار أبوالعلاء تنقسم إلى أربعة أقسام: (أ) قسم يذكر.
    (ب) قسم يؤنث.
    (ج) قسم يذكر ويؤنث ولكن الغالب عليه التذكير.
    (د) قسم يذكر ويؤنث ولكن الغالب عليه التأنيث 4. ومن أمثلة القسم الأول عنده: ((السيفانة: الضامرة البطن، والذكر: السيفان)) 5.

ومن أمثلة القسم الثاني عنده: ((الدلو: من النجوم مؤنثة، مثل الدلو المعروفة)) 1. ومن أمثلة القسم الثالث عنده الغالب عليه التذكير: • ((العاتق يذكر ويؤنث والأكثر التذكير)) 2. • ((السلطان المعروف فيه التذكير، وقد حكي تأنيثه)) 3. ومن أمثلة القسم الرابع عنده الغالب عليه التأنيث: • ((الذراع: مؤنثة في معظم كلامهم، وذكر الفراء أن تذكير الذراع لغة عُكلية، واستشهد على أن التذكير جائز بقولهم في اسم البلد أَذْرِعات؛ لأن أذرعات جمع ((أَذْرِعة))، وأذرعة جمع ((ذِراع)) في حال التذكير.
مثل: حمار وأحمرة، ولوجُمِع مؤنثا لقيل: ((أَذْرُع))؛ فوجب أن يقال في الجمع أَذْرُعات بضم الراء)) 4. • ((كداء: موضع بمكة، والغالب على كداء التأنيث)) 5.

والتقسيم السابق الذي لفت أبو العلاء النظر إليه يدل على أن ((ظاهرة التذكير والتأنيث لا تجري في اللغة العربية على قياس مطرد، وأن المعول عليه في ذلك هو السماع)) 1، كما أنه دليل على عدم وجود ((صلة عقلية منطقية بين الاسم وما يدل عليه من تذكير أو تأنيث)) 2. وأن هذا ((هو السر في أن كثيرا من الكلمات التي تسمى بالمؤنثات السماعية في اللغة العربية ـ وهي التي تخلو من علامات التأنيث ـ قد روي لنا فيها التذكير كذلك، وينسب ذلك في بعض الأحيان إلى القبائل العربية)) 3.


ـ القول في عبدون وحمدون: ـ قال عند قول أبي تمام يهجو فيها شخص يسمى عبدون: أَعَبدونُ قَد صِرتَ أُحدوثَةً... يُدَوَّنُ سائِرُ أَخبارِها [بحر المتقارب] ((مذهب بعض الناس في ((عَبْدون)) و ((حَمْدون)) وما كان مثلهما أنهما أسماء محرفة عن العربية، فهي جارية مَجْرى الأعجم لا تنصرف في المعرفة وتنصرف في النكرة، فينبغي أن يُنْشَد على هذا ((أعبدون)) بضم النون لأنه منادى علم، ومن ذهب إلى أن ((عبدون)) جمع عبد سُمي به، فيجب أن يُنْشِد أعبدون بفتح النون؛ لأنه اسم عَلَم والواو للجمع، والذي حكاه النحويون في مثل هذا النحووجهان: أحدها أن تقول إذا

سميت الرجل بجمع عبد جاءني عبدون كما تقول جاءني الزيدون، وتقول في النصب والخفض، لقيتُ عبدين ومررت بعبدين فتجعله تاليا وتُجرى نون الجمع، والآخر أن تجعله بياء في كل وجه وتعرب النون بوجوه الإعراب، فتقول هذا عبدين ورأيت عبدينا ومررتُ بعبدين، وقد أجاز بعض المتأخرين أن تُقر الواوعلى كل حال، ويلزمه على هذا الوجه أن يعرب النون، إلى هذا المذهب يميل من زعم أن زيتونًا جمع زيت وأنه على فَعْلون)) 1. يلخص أبو العلاء موقف العلماء من ((عبدون)) وما شابهها كالتالي:

  • قسم من العلماء ذهب أنها أسماء محرفة عن العربية.
  • وقسم ذهب أنها جمع ((عبد)) سمي به.
    ويلخص الموقف الإعرابي بأنه:
  • من العلماء من أعربها إعراب جمع المذكر السالم.
  • ومنهم من ألزمها الياء والنون، وأجرى العلامة الإعرابية على النون.
  • ومنهم من ألزمها الواو والنون، ويلزم من قال بهذا الرأي ـ كما قال أبو العلاء ـ أن يعرب النون.
    والباحث يرجح أن عبدون وما شابهها محرفة عن العربية، ودليل الترجيح أن معظم الأعلام التي ختمت بـ ((ون)) معظمها أعلام ((أندلسيين))، وقد قام الباحث بالرجوع إلى فهرس الأعلام الذي قام به د. شوقي ضيف لكتاب ((المُغرب في حُلى المغرب)) 2، والفهرس الذي صنعه الأستاذ إحسان عباس لكتاب ((نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب)) 3، وفهرس د. أحمد مختار العبادي على كتاب ((نُفاضة الجراب في عُلالة الاغتراب)) 4 واستخرج منه الأعلام التالية 5:

أردون... حنون... زرهون... ضيفون... غلبون أرغون... حيون... زنون... طولون... فتحون الفكون... خزرون... زيتون... عبدون... فحلون بدرون... خلدون... زيدون... عزون... فرحون تحقون... خلصون... سحنون... عفيون... فركون حزمون... خيرون... سعدون... علون... لاطون حسون... دحون... سمنون... عمرون... دمعون حفصون... ذنون... شبطون... عيشون... ميمون حمدون... زرقون... شلبون... غزلون... وهبون

ومن أسماء الأعلام الأندلسية العربية أيضا التي تنتهي بالواو فقط: أبو خدو 1، أبو حمو 2. وأيضا: نقشابو (لقب مغن) 3، رحو 4، برميخو 5 ومن أعلام النساء: قسمونة، ومن أعلام الأماكن: برشلونة، بلكونة، ركونة، شذونة، طرسونة... تلك الأعلام السابقة ظهرت على أرض الأندلس، ومن الطبيعي أن يحدث تأثر بالبيئة اللغوية الموجودة سلفا في هذا المكان التي تسيطر عليه اللغة الأسبانية التي تتميز بانتهاء عشرات الكلمات فيها بالمقطع الصوتي: [أوو / O/]، ومنها على سبيل المثال لا الحصر 6:

اتفاف... acuerdo... كامل / مطلق... absoluto... بَقَّال... abacero تقدم... adelanto... منهمك... absorto... تحت... abajo خلال... adentro... معتدل... abestemio... كئيب... abatido صفة... adjetivo... جد... abuelo... يفتح... abierto مزين... adorno... ينهي... acabado... خليج... abismo بالغ... adulto... فرصة... acaso... محام... abogado مطار... aeropuerto... دخول... acceso... أسلاف... abolengo مشهور... afamado... يؤكد... acento... سماد... abono حزين... afligido... نشيط... activo... إخفاق... aborto يمسك... agarro... فعل / حدث... acto... معطف... abrigo

ومن أسماء الأعلام الأسبانية: [Pedro Antonio de Alarcon، أحد أشهر الروائيين الأسبان]، [Leopoldo Alas ناقد وروائي]، [Mateo Aleman روائي]، [Pedro Calderon de la Baraca كاتب مسرحي] 1. والعرب تُزيد ((النون في بعض الصفات فقيل: غضبان وفرحان وجوعان، وفي مثل: سعدون، خلدون، حسنون، شقرون، شيخون، وفي بعض المصادر مثل غفران، شكران، قرآن، وفي آخر بعض جموع التكسير، مثل ذؤبان، جرذان، بل زادوها في آخر بعض الأفعال، مثل: سلطن، برهن، حلقن، شيطن)) 2. فليس من المستبعد أن يكون ختام الأعلام: عبدون، عمرون، فتحون وغيرها من التأثير الصوتي الموجود في اللغة الأسبانية، ولاسيما إذا علمنا أن احتكاك العرب بالأراضي الأندلسية بدأ تاريخيا عام 92هـ أيام الخلافة الأموية وقائدها موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد، مع الأخذ في الاعتبار أن أبا تمام توفي عام 231هـ، أي أن الاحتكاك قبله امتد لأكثر من 130عاما.

وعليه فإن الباحث يرجح أن هذه الأعلام أسماء أعجمية تعامل معاملة الممنوع من الصرف.


ـ اجتراء الشعراء على بنية الكلمة: يثبت أبوالعلاء في أكثر من موضع الحقَّ المتاح للشعراء في انتهاك بنية الكلمة حذفا لبعض الحروف أوتخفيفا، مؤكدا ذلك في مواضع متعددة.
قال عند قول الطائي: يا يَومَ وَقعَةِ عَمّورِيَّةَ اِنصَرَفَت... مِنكَ المُنى حُفَّلا مَعسولَةَ الحَلَبِ [بحر البسيط] ((وعمورية اسم أعجمي، واستعمله في هذا البيت بتشديد الميم والياء، وقد روي عنه في قصيدة أخرى بتخفيف الحرفين، والشعراء يجترئون على تغيير الأسماء الأعجمية أكثر من اجترائهم على تغيير الأسماء العربية)) 1. ـ قال عند قول أبي تمام: حَضرَمتُ دَهري وَأَشكالي لَكُم وَبِكُم... حَتّى بَقيتُ كَأَنّي لَستُ مِن أُدَدِ [بحر البسيط] ((.. ((حضرمتُ دهري))؛ أي: جعلته بحضرموت.
فكأنه اجترأ على بنية هذه الكلمة لما كانت العرب تقول: رجل حضرمي؛ إذا نسبوه إلى حضرموت)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: أَيُّها الغَيثُ حَيَّهَلَّا بِمَغداكَ وَعِندَ السُرى وَحينَ تَؤوبُ [بحر الخفيف] (((أيها الغيث حَيَّهَلَّا): شدد حَيَّهَلَّا، ولا تعرف إلا مخففة اللام (...) ويجوز أن يكون سمعها مشددة في شيء من شعر العرب)) 3.

ويعترف أيضا بأن الشعراء قد يخرجون بالكلمة إلى وضع استعمالي جديد.
قال عند قول أبي تمام: إِنَّ الأَميرَ بَلاكَ في أَحوالِهِ... فَرَآكَ أَهزَعَهُ غَداةَ نِضالِهِ [بحر الكامل] ((الأهزع: آخر سهم يبقى في الكنانة، وأكثر ما يستعمل في النفي مع التنكير (...) وقد أخرجه الطائي إلى الإيجاب، وأراد التعريف بالإضافة)) 1. • ملحوظات صرفية على بنية الكلمة عند أبي العلاء: 1ـ التناسق اللفظي قد يكون له تأثيره على ضبط الكلمة وإعرابها وبنيتها: ودليل ذلك قوله عند قول أبي تمام: بِمُختَبِلٍ ساجٍ مِنَ الطَّرفِ أَحوَرٍ... وَمُقتَبَلٍ صافٍ مِنَ الثَّغرِ أَشنَبِ [بحر الطويل] ((يُختار فتح الباء من ((بِمُختَبِلٍ))؛ ليكون موازيًا لفتحها في ((مُقتَبَلٍ))...)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: جَديرٌ بِأَن يَستَحيِيَ اللهَ بادِيًا... بِهِ ثُمَّ يَستَحيي النَّدى وَيُراقِبُه [بحر الطويل] ((... ورفعه ((يستحيي)) أوكدُ لرفع ((يُراقبه))؛ لأن المرفوع يكون تابعا لمثله)) 3. وتأثير التناسق اللفظي على بنية الكلمة أمر التفت إليه كثير من علماء اللغة، قال الثعالبي: ((فصل في الحمل على اللفظ والمعنى للمجاورة: العرب تفعل ذلك

فتقول: هذا حُجْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.
والخرب نعت الحُجر لا نعت الضبِّ، ولكن الجوار عمل عليه كما قال امرؤ القيس: كأن ثبيرًا في عَرانين وَبلِهِ... كبيرُ أناسٍ في بِجاد مُزَمَّلِ [بحر الطويل] فالمُزَمَّل: نعت الشيخ لا نعت البِجاد وحقه الرفع ولكن خفضه للجوار (...) وفي القرآن: چ ? ٹ ٹ چ [يونس 71]، لا يقال: أجْمَعت الشُّركاء وإنما يقال: جَمَعت شركائي وأجمَعتُ أمري وإنما قال ذلك للمجاورة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ارجِعْنَ مأزورات غيرَ مَأجورات)) 1 وأصلها مَوزورات من الوزر، ولكن أجراها مجرى المَأجورات للمجاورة بينهما، وكقوله: بالغدايا والعشايا ولا يقال: الغدايا إذا أفردت عن العشايا لأنها الغدوات والعامة تقول: جاء البرد والأكسية والأكسية لا تجيء؛ ولكن للجوار حقٌّ في الكلام)) 2. ومن إشارات النحاة أن الفعل المضارع المعتل الآخر بالياء يرفع بضمة مقدرة عليها ويجزم بحذفها.
والأغلب أن تكون هذه الياء مذكورة ((ومن الجائز حذفها لغير جازم، قصدا للتخفيف، أو مراعاة الفواصل، ونحوها، تبعا لبعض القبائل العربية، بشرط أمن اللبس بين هذا النوع الجائز من الحذف والنوع الآخر الواجب الذي سببه الجزم)) 3. 2ـ العرب تُثني الشيء وتجمعه لأنها تضيف إليه ما يقرب منه: ـ قال عند قول أبي تمام: وَبِشُعلَةٍ نَبذٍ كَأَنَّ قَليلَها... في صَهوَتَيهِ بَدءُ شَيبِ المَفرِقِ [بحر الكامل]

((.. والصهوة: مَقْعد الفارس وثناها في هذا البيت؛ لأنه قصد الجانبين، والعرب تفعل ذلك يثنون الشيء، ويجمعونه؛ لأنهم يضيفون إليه ما يقرب منه؛ فيقولون صهوة الفرس وصهواته)) 1. 3 ـ الاسم الذي يأتي في صيغة النسب قد يطلق ويراد به الاسم المنسوب إليه: يعرف العلماء النسب بأنه ((إلحاق ياء مشددة في آخر الاسم لتدل على نسبته إلى المجرد عنها)) 2. فـ ((إذا أريد إضافة شيء إلى بلد أوقبيلة أونحوذلك جعل آخره ياء مشددة مكسورا ما قبلها، فيقال في النسب إلى دمشق: دمشقي، وإلى تميم: تميمي)) 3. فكلمة دمشقي تدل على شيء منسوب إلى دمشق وهي لا تساوي في الدلالة كلمة دمشق؛ أي: إن صيغة النسب لا تساوي في الدلالة الاسم المنسوب إليه.
غير أن أبا العلاء يُجَوِّزُ أن تكون ((صيغة النسب)) مساوية في الدلالة للاسم المنسوب إليه؛ أي: من الممكن أن يصبحا في دلالتها شيئا واحدا.
ـ قال عند قول أبي تمام: عَشِيَّةَ صَدَّ البابَكِيُّ عَنِ القَنا... صُدودَ المُقالي لا صُدودَ المُجامِلِ [بحر الطويل] ((إذا كان أراد بـ ((البابكي)) صاحبا من أصحاب بابك فلا كلام فيه، وإن كان أراد بابك نفسه، فمثل ذلك قليل إلا أنه جائز كأنه نسبه إلى اسمه، وهذا في النعوت موجود، فأما في الأسماء الأعلام فقليل، ولا يمتنع في القياس أن يقال هذا الفرزدقيُّ

والجريريُّ، يراد هذا الذي يُسمى الفرزدق أوجرير؛ فينسب إلى اسمه، وقد حكوا في شعر الصَّلَتان: أنا الصلتاني، وهومن طريقة القياس جائز، لا خُلف فيه)) (1). 4 ـ عرفات تصرف ولا تصرف (2).


ـ المجموعة الثانية:

دراسة آراء أبي العلاء الصرفية المتعلقة بالحرف (3) صوتًا وإعلالا وإبدلا وغيره:

سندرس هنا المادة الصرفية التى قالها أبوالعلاء والمتعلقة بالحرف.
ونبدأ بوقفة صوتية عند أبي العلاء.
ـ وقفة صوتية عند أبي العلاء: من الأمور التى تعرض لها علماء اللغة المحدثون بالشرح والإيضاح ((قوانين التغييرات التركيبية للأصوات)).
واتفقوا على أن أهم هذه القوانين قانونان، هما: قانون المماثلة، وقانون المخالفة.
أما قانون المماثلة Assimilation فيشير إلى ((تأثر الأصوات اللغوية بعضها ببعض عند النطق بها في الكلمات والجمل؛ فتتغير مخارج بعض الأصوات أوصفاتها، لكي تتفق في المخرج أوالصفة مع الأصوات الأخرى المحيطة بها في الكلام؛ فيحدث عند ذلك نوع من التوافق والانسجام بين الأصوات المتنافرة في المخارج أوفي الصفات (...) فإذا التقى في الكلام صوتان من مخرج واحد أو من مخرجين متقاربين، وكان أحدهما مجهورا والآخر مهموسا مثلا حدث بينهما شد وجذب، كل واحد منهما يحاول أن يجذب الآخر ناحيته ويجعله يتماثل معه في صفاته كلها أوفي بعضها)) 4.123

وقد أشار أبوالعلاء في إحدى مواضع الشرح إلى ما يمكن وضعه تحت قانون المماثلة السابق.
قال عند قول أبي تمام: تَؤُمُّ شِهابَ الحَربِ حَفصًا وَرَهطُهُ... بَنوالحَربِ لا يَنبوثَراهُم وَلا يُكدي [بحر الطويل] ((... ((تؤم شهاب الأزد)) 1، وذكر ابن السكيت أن الأُسْد بالسين أجود، وغيره يقولها بالزاي، ويجب أن يكون الأصل بالسين؛ لأن الدال إذا وقعت قبلها السين الساكنة فبعض العرب يحولها إلى الزاي، وكذلك الصاد، وكذلك قالوا في المثل: لم يُحْرَمْ مَنْ فُزْدَ له؛ إذا سكنوا صاد ((فُصِدَ)) على لغة ربيعة)) 2. وإشارة أبي العلاء السابقة تقع عند علماء الأصوات تحت قانون المماثلة، وتحديدا ما يسميه علماء الأصوات ((التأثر المُدبِر الجزئي في حالة الاتصال))؛ ((أي: تأثير حرف لاحق على حرف سابق عليه تأثيرا جزئيا)) 3. قال علماء الأصوات: ((في اللهجات العربية القديمة تتحول الصاد قبل الدال إلى زاي.
مثل: ((يَزْدُق)) في ((يصدق)))) 4. وإشارة أبي العلاء السابقة تدل على وجود قوانين صوتية تحكم تجاور الأحرف داخل بنية الكلمة.
وقانون المماثلة الصوتي يقدم تفسيرا علميا مقبولا يمكن من خلاله تفسير إبدال بعض الحروف بغيرها في بعض الكلمات، فمثلا: ((اتصل، اصطبر، اضطرب،

يمَّحي))، يمكن تفسيرها بالمماثلة التأخرية التي يتأثر فيها المتقدم بالمتأخر، و ((ازداد، ادهن، ادكر، اظلم، فزد)) يمكن تفسيرها بالمماثلة التقدمية التي يتأثر فيها المتأخر بالمتقدم.
ولا ينبغي أن نهمل الجانب الصوتي في المباحث الصرفية؛ لأنها ((مبنية في أساسها على ما يقرره علم الأصوات من حقائق وما يرسمه من حدود، وكل دراسة صرفية تهمل هذا النهج الذي نشير إليه لابد أن يكون مصيرها الإخفاق والفشل، كما هو الحال في كثير من مباحث الصرف في اللغة)) 1. ومن يتأمل بعمق صنيع النحاة يجد أن ((النحو لا يفتأ يستخدم معطيات الصوتيات والصرف المختلفة في عرض الأغلب الأعم من تحليلاته وفي الرمز لعلاقاته وأبوابه)) 2. ـ حذف حرف من الكلمة لضعفه ولطول الكلمة: ألمح أبوالعلاء إلى جواز حذف حرف من الكلمة بسبب ضعفه وبسبب طول الكلمة.
قال عند قول أبي العلاء: إِلَيكَ سَرى بِالمَدحِ قَومٌ كَأَنَّهُم... عَلى المَيسِ حَيّاتُ اللِصابِ النَضانِضُ [بحر الطويل] ((ونَضانِض: جمع ((نَضْناض))، وهوالكثير الحركة من الحيات، والقياس يوجب أن يقال: ((نَضَانِيض)) بالياء؛ ولكنه حذف لضعف الحرف؛ ولأن الاسم طويل يمكن أن يخفف منه)) 3. والحروف الضعيفة هي: ((الياء والواووالألف)) وكان ((الخليل يسمِّيها الحُروف الضَّعيفةَ الهوائيَّة)) 4. و ((سمِّيت ضعيفةً لانتقالها من حال إِلى حال عند التصرُّف باعتلال)) 5.

وإذا رجعنا إلى ((أصول الكلمات العروبية السامية جميعا ومنها لغتنا العربية... وجدنا أن العناية فيها تنصب على الحروف الساكنة، وهي التي تراعى في كتابة هذه اللغات جميعا دون الحروف اللينة أوحروف المد وهي: ألف، وواو، وياء)) 1. ـ حكم التصريف: من المصطلحات التي ذكرها أبوالعلاء أثناء شرحه مصطلح ((حكم التصريف)).
ومن خلال سياق الكلام الذي ورد فيه هذا المصطلح يجوز أن يكون المقصود به عنده: ((القوانين والقواعد المتعلقة بأصلية حرف في كلمة أوزيادته))، أوهي: ((قوانين متعلقة بالحرف داخل بنية الكلمة)).قال عند تحليله الصرفي لكلمة ((أندلس)): ((فإن ادعى مدعٍ أنها ((فَنْعَلِل))؛ فقد خرج عن حكم التصريف؛ لأن الهمزة إذا كان بعدها ثلاثة أحرف من الأصول لم تكن إلا زائدة.
وعند سيبويه أنها إذا كان بعدها أربعة أحرف فهي من الأصل، كهمزة إصطبل)) 2. ـ ارتباط وزن الكلمة بالحروف الأصلية والزائدة والمرتبطة بدورها بمعنى الكلمة وزن الكلمة يتحدد بمعرفة الحروف الأصلية والزائدة.
وتحديد الأصلي والزائد من حروف الكلمة مرتبط بمعنى الكلمة.
فعند مناقشته لكلمة ((مُتَاع))، قال أبو العلاء: ((الـ ((مُتَاع)) من قولهم: أتاع الرجل؛ إذا قَاء.
فهذا يدل على أن الميم في المُتاع زائدة، وأن وزنه ((مُفْعَل)).
ويجوز أن يكون على ((فُعَال)): يكون من مَتَع النهار)) 3. وقال في موضع آخر: ((ارجحنَّت: في معنى ثقلت.
ووزن ((ارجحنَّ)) عند سيبويه ((افعلَلَّ))، وقال غيره: وزنه ((افْعَلَنَّ)) كأنه عنده من الرجحان ومن رجح)) 4.

والنصان السابقان يشيران إلى أهمية تصريفات الكلمة في معرفة الحرف الأصلي والزائد.
وهذا ما أثبته النحاة؛ إذ قالوا: ((الحرف الذي يلزم تصاريف الكلمة هوالحرف الأصلي، والذي يسقط في بعض تصاريف الكلمة هوالزائد، نحو: ضارب ومضروب)) 1. ـ الإعلال والإبدال: الإعلال: ((هوتغيير حرف العلة للتخفيف، ويجمعه القلب، والحذف، والإسكان.
وحروفه الألف، والواو، والياء.)) 2. أوهو: ((تغيير حرف العلة للتخفيف، بقلبه، أوإسكانه أوحذفه.
فأنواعه ثلاثة: القلب والإسكان والحذف)) 3. أما الإبدال: ((فهوجعل مطلق حرف مكان آخر (...) فكل إعلال يقال له إبدال ولا عكس)) 4. فالإعلال مختص بحروف العلة والهمزة؛ لأنها تقاربها بكثرة التغيير 5. ومن اللغويين من حصر حروف الإبدال في قوله ((طال يوم أنجدته)) 6.

  • إبدال الياء من الواو استثقالا للتشديد مع الواو: أشار أبوالعلاء إلى أن الياء قد تبدل من الواو، معللا ذلك الإبدال بـ ((استثقال التشديد مع الواو)).
    قال: ((الحُيَّل جمع حائل، وهي التي لم تَحْمل.
    والحُوَّل بالواوأجود؛ لأنه من ذوات الواو؛ فتظهر في جمعه، كما يقال: صائم وصُوَّم، وقائم وقُوَّم.
    وقد قلبت إلى الياء استثقالا للتشديد مع الواو، كما قالوا: صُيَّم في جمع صائم، ونُُيَّم في جمع نائم)) 7.
  • إبدال الياء من حرف مضعف لخفتها وفرارا من التقاء ساكنين:

يمكن للياء أن تبدل من حرف مضعف في كلمة لخفة الياء, وفرارا من التقاء ساكنين.
قال عند قول أبي تمام: بِأَحاظي الجُدودِ لا بَل بِوَشكِ الجِدِّ لا بَل بِسُؤدَدِ الأَجدادِ [بحر الخفيف] ((الأحاظي جمع ((حظ)) على غير قياس؛ كأنهم جمعوا ((حَظًّا)) على ((أَحُظّ))، وجمعوا ((أَحُظًّا)) على ((أَحَاظ))، ثم أبدلوا الياء من الحرف المضعف؛ لأنها أخف، وفروا مع ذلك من جمع بين ساكنين)) 1.

  • إبدال الياء من اللام: يرى أبوالعلاء إمكانية إبدال الياء من اللام، فقال عند قول أبي تمام: مُعاوِدَ الكِبرِ وَالسُّمُوعَلى... أَعيادِهِ باذِخًا عَلى جُمَعِهْ [بحر المنسرح] ((... كان في بعض النسخ: ((مُعَاوِدَ الكِبْر والتَّدَلِّي))، فإن صح ذلك فإنه أراد ((التَّدلُّل))؛ فأبدل من اللام الياءَ؛ لأن ذلك يُفْعَل في ((التَّفَعُّلِ))؛ إذا كان من ذوات التضعيف، نحو: تَظَنَّيْتُ، وتَقَضَّى البازي)) 2. وأصل ((تظني وتقضي)): ((تظنن، وتقضض))، وقلب الحرف الأخير استثقالا لتوالي ثلاثة أمثال 3.
  • قلب الهمزة من الواو في أول الكلمة: يمكن للهمزة أن تقلب للواو أول الكلمة بشرطين: [أ] أن تكون مضمومة.
    [ب] كونها في أول الاسم.
    قال أبوالعلاء: ((أُسامة (...) يحمل على أن الهمزة فيه واوقلبت ((لضمتها، وكونها في أول الاسم؛ فكأنه وسامة)))) 4.

وقد علل ابن عصفور هذا القلب والإبدال بقوله: ((وإنَّما فعلتَ ذلك، لثقل الضَّمَّة والكسرة في الواو.
وذلك أنَّ الضَّمَّة بمنزلة الواو، والكسرة بمنزلة الياء.
فإذا كانت الواو مضمومة فكأنه قد اجتمع واوان.
وإذا كانت مكسورة فكأنه قد اجتمع لك ياء وواو.
فكما أنَّ اجتماع الواوين، والياء والواو، مستثقل فكذلك اجتماع الواو والضمَّة، والواو والكسرة.)) 1.

  • قلب الهمزة المزيدة للتأنيث ياء بين بين 2: قبل أن نذكر نص أبي العلاء الذي يدل على العنوان السابق نمهد بقولنا: إن الصرفيين عند دراستهم لمواضع قلب الهمزة ياء يقولون: إبدال الواو والياء من الهمزة يتحقق في ناحيتين: ((الناحية الأولى: الجمع الذي على وزن: مفاعل وما شابهه، بشرط أن تكون الهمزة عارضة بعد ألف تكسيره، وأن تكون لام مفرده إما همزة أصلية، وإما حرف علة أصليا؛ واوا أو ياء)) 3. و ((الناحية الثانية اجتماع همزتين في كلمة واحدة)) 4. ونص أبي العلاء الذي معنا يفهم منه وجود موضع آخر تقلب فيه الهمزة ياء، وقبل ذكر الموضع نقدم نص كلام أبي العلاء أولا، قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَنتَ الَّذي لا تُعذَلُ الدُنيا إِذا... النائِباتُ صَفَحنَ عَن حَوبائِهِ

وَإِذا رَأَيتَ أَسى امرِئ أَوصَبرَهُ يَومًا فَقَد عايَنتَ صورَةَ رائِهِ [بحر الكامل] ((هذا شيء استعمله الطائي وغيره 1، فأما مذهب سيبويه في ذلك فإذا حمل عليه كان (2) كالعيب؛ لأنه (أي سيبويه) لا يجعل ((همزة حوبائه)) وما كان مثلها إذا خففت في هذا الموضع ياء خالصة ولكن يكون بين بين، وياء رايه ياء خالصه لا يجوز قلبها إلى الهمزة في هذا الموضع فيقع الاختلاف في الرَّوِي، فأما غير سيبويه فلا يبعد في مذهبه أن يجعل همزة حوبائه ومثلها إذا خفف ياء وهو مذهب ضعيف)) 2. من خلال النص السابق يفهم التالي: تقلب الهمزة ياء بين بين إذا كانت: 1 ـ همزة بعد ألف تأنيث ممدودة.

2 ـ مكسورة.
3 ـ وسط الكلمة.
4 ـ تحتل مكان الروي في آخر البيت.
وينبه أبو العلاء إلى أن قلب الهمزة إلى ياء بين بين، أي: ((بين مخرج الهمزة ومخرج الحرف الذي من حركتها)) 1. وهو يقبل هذا المذهب، أي مذهب سيبويه، ويضعف المذهب القائل إن الياء خالصة.
ولعل قلب الهمزة في هذا الموضع ياء بين بين وليست خالصة هو الذي منع الصرفيين من ذكر هذا الموضع ضمن المواضع التي تقلب فيها الهمزة ياء صريحة.
ـ الممدود والمقصور: ترددت أقوال لأبي العلاء عن الممدود والمقصور، يمكن باستقرائها أن نستخلص منها بعض الملحوظات: ـ أن أبا العلاء يوافق النحاة على ((أن الكلمة تُقْصر وهي ممدودة)) 2. ـ أن الاسم الممدود المؤنث قد لا يكون له مذكر مستعمل.
قال: ((صنعاء اسم قديم (...) ويجوز أن تكون كلمة موضوعة لم يستعمل منها مذكر، ويحتمل أن يكون أصلها أن تجري على أفعل وترك استعماله، كما قالوا: درع حصداء، ولم يقولوا: حديد أحصد)) 3. ـ من الكلمات ما يمد ويقصر في منثور الكلام.
قال: ((والهيجاء اسم مشتق من الهَيْج، ويمد ويقصر)) 4. ـ قد يكون الاسم بمعنى معين ممدودا، وبمعنى آخر مقصورا.
قال: ((الصفاء من المودة ممدودا، والصفا من الأرض مقصور)) 5.

ـ يرى أبوالعلاء إمكانية مد المقصور، موافقًا في ذلك الكوفيين ومخالفا البصريين، إذ ((ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز مدُّ المقصور في ضرورة الشعر، وإليه ذهب أبوالحسن الأخفش من البصريين، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز)) 1. والكوفيون إذ يبيحون مد المقصور يقيدون ذلك بضرورة الشعر كما يفهم من كلام أبي بركات الأنباري في النص السابق.
ونفهم من كلام أبي العلاء أنه لا يُقصِر مد المقصور على ضرورة الشعر فقط بل يجوز أن يقع في النثر أيضا، إلا أن ترك المد ((أحسن)) في كليهما، ومد المقصور في الشعر أسوغ منه في الكلام المنثور.
قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: هَذا أَمينَ اللهِ آخِرُ مَصدَرٍ... شَجِيَ الظَّماءُ بِهِ وَأَوَّلُ مَورِدِ [بحر الكامل] ((... مد الظماء، وهو مهموز مقصور، وذلك جائز، إلا أن ترك المد أحسن، وهوفي الشعر أسوغ منه في الكلام المنثور)) 2. بل إن أبا العلاء يشير إلى أن القياس يسمح بذلك.
قال عند قول أبي تمام: أَمُحَمَّدُ بن سَعيدٍ ادَّخِرِ الأُسى... فيها رُواءُ الحُرِّ يَومَ ظِمائِهِ [بحر الكامل] ((ومد الظماء وهومهموز مقصور (...) وقد فعل ذلك في غير هذا الموضع، والقياس يطلق ذلك، وما هوأشد منه)) 3. ودعما لأبي العلاء يقول أ/ عباس حسن: ((والأحسن الأخذ بالرأي الذي يبيحه في الضرورة الشعرية ونحوها؛ لأن الشعر وملحقاته محل التيسير.
بشرط ألا يؤدي المد إلى خفاء المعنى أولبسه؛ فيصح: غناء في غنى ـ نهاء في نهى ـ بلاء في

بلى (...) ولا يصح هذا في نوع النثر الذي لا يلحق بالشعر في الضرورة، دون النوع الآخر الذي يلحق به)) 1. ومما نحب أن نلفت الانتباه إليه أن الشائع في أكثر الكتب النحوية أن الضرورة خاصة بالشعر وحده.
لكن بعض المحققين لا يرون هذا التحديد الضيق.
ومن هؤلاء ابن بَرِّيٍّ 2 الذي يرى أن الضرورة ليست مقصورة على الشعر وحده، بل تشمل السجع والفواصل أيضا.
يقول: ((اعلم أن للسجع ضرورة الشعر، وأن له وزنًا يضاهي ضرورة الوزن الشعري في الزيادة والنقصان والإبدال وغير ذلك)) 3. ـ تخفيف الهمزة عند أبي العلاء: من المصطلحات التي تتردد عند النحاة مصطلح ((التخفيف)).
وهذا المصطلح يطلق عندهم وقد يراد به: 1ـ جعل الحرف ((المشدد)): غير مُشدَّد.
قال ابن عقيل: ((إذا خففت ((إنَّ)) فالأكثر في كلام العرب إهمالها)) 4. 2ـ أوتسكين حرف متحرك.
قال صاحب النحوالوافي في باب الممنوع من الصرف: ((فليس من المعدول ((فَخْذ)) بسكون الخاء تخفيف ((فَخِذ)) بكسرها)) 5. 3ـ حذف حرف.
قال أبوالبركات الأنباري: ((الجزم حذف، والحذف تخفيف)) 6.

4ـ جعل الهمزة الساكنة المضموم ما قبلها واوا، والمفتوح ما قبلها ألفا، والمكسور ما قبلها ياء 1. تلك بعض المعاني التي يطلقها النحاة على مصطلح التخفيف، وهي معان على سبيل المثال لا الحصر 2. وقد استعمل أبوالعلاء التخفيف في شرحه بمعناه الأول 3 والثاني 4 والرابع.

ويُفْهم من المادة التي جمعها الباحث أن تخفيف الهمزة قد يكون وسيلة لإثراء المعنى، قال عند قول أبي تمام: وَاستَيقَنوا إِذ جاشَ بَحرُكَ وَارتَقى... ذاكَ الزَّئيرُ وَعَزَّ ذاكَ الزارُ [بحر الكامل] ((الزار: جمع زارة، وهي الأجمة، وهذا تجنيس متقارب، وقد يُحتمل أن يقال: أصل ((الزأرة)) بالهمز، ويجعل من الزئير)) 1. فكلمة: زارة ـ بدون تخفيف للهمزة ـ الأجمة: الشجر الكثير الملتف، وإذا قلنا إنها من زئير الأسد اختلف معنى البيت، وقد برع أبو العلاء كما سنبين في الباب التالي في استغلال البنية لتقديم معان مختلفة للبيت.
والتخفيف جائز عنده في مواضع ولا يجوز في مواضع.
ـ قال: ((سُؤْر الشيء بقيته، وأصله الهمز، والتخفيف جائز)) 2. ـ قال: ((أصل ((استخذا)) الهمز، يقال: استخذأت له إذا ذللت، والتخفيف في هذا وما يجري مجراه جائز)) 3. وأبوالعلاء لم يُطْلِعْنا على مواضع ((جواز تخفيف الهمزة وعدمه)).
ولكن من خلال ما ذكره يمكن أن نضع حدًّا لهذا الجواز، فنقول استنباطا: يجوز تخفيف الهمزة في حالتين: أـ عدم وجود لفظ مشابه حروفا وضبطا للفظ الذي خُفِّفت همزته.
ب ـ وإذا خُفِّف اللفظ وظهر له مشابه له وجب وجود قرينة تمنع التباس المعنى بين اللفظين، وقد تكون هذه القرينة سياقية أوعروضية أوصرفية.
ومثال ذلك التالي: قال عند قول أبي تمام: لَمّا حَلَلتَ الثَّغرَ أَصبَحَ عالِيًا... لِلرومِ مِن ذاكَ الجِوارِ جُوارُ [بحر الكامل]

((يقال جاورتهم جِوارًا، والجُوار بضم الجيم اسم، والأحسن على مذهب الطائي: أن تُخفف همزة ((جُؤَار)) وتُجْعل واوا؛ لأن الجُؤَار بالهمزة ليس من لفظ الجِوار، الذي هومجاورة؛ فإذا خففتَ الهمزة وضممت جيم الجِوار، الذي هواسم للمجاورة؛ فالتجنيس كامل، وإن كسرت الجيم فهومخالف بالحركة لا غير)) 1. ـ قال عند قول أبي تمام: وَمَقدودَةٍ رُؤدٍ تَكادُ تَقُدُّها... إِصابَتُها بِالعَينِ مِن حَسَنِ القَدِّ [بحر الطويل] ((... والجيد: ((رُؤْد)) بالهمزة، بالهمز، وهي المُتثنِّية، و ((الرُّد)) بغير همز: الطَّوَّافة في بيوت جاراتها، وكان يكون ذمًّا، إلا أن تُخَفَّف الهمزة)) 2. وقال: لَمّا قَرا الناسُ ذاكَ الفَتحَ قُلتُ لَهُم... وَقائِعٌ حَدِّثوا عَنها وَلا حَرَجا [بحر البسيط] ((أراد قرأ الناس، من قراءة الكتاب؛ فخفف الهمزة، ولايحسن أن يحمل على غير هذه اللفظة [؛ لقرينة السياق] من قِرَى الضيف، ولا من قرا الشيء؛ إذا تتبعه)) 3. ـ قال عند قول أبي تمام: وَثَناياكِ إِنَّها إِغريضُ... وَلِآلٍ تومٌ وَبَرقٌ وَميضُ [بحر الخفيف] ((... يقال للؤلؤة العظيمة تُؤْمَة والجمعُ تُؤَم.
وهذا الوجه أجود من أن تُجعَل ((تُومُ)) جمع تُؤَام على تخفيف الهمزة؛ لأن ذلك قليل)) 4.

جارٍ التحميل