الباب الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- إيهاب سلامة
- الكتاب
- شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية
- المؤلف
- إيهاب عبد الحميد عبد الصادق سلامة
- الناشر
- رسالة ماجستير - كلية دار العلوم - جامعة القاهرةبإشراف: د محمد جمال صقرعام النشر: 2012 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
منهجا أبي العلاء والتبريزي في شرح ديوان أبي تمام
ويشتمل على: ·
تمهيد: أهمية الحديث عن المنهج والوقوف على مناهج العلماء.
· تحرير مصطلح ((منهج)) المستخدم في هذا الباب.
· الفصل الأول: منهج أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام.
· الفصل الثاني: منهج التبريزي في شرح ديوان أبي تمام.
· الفصل الثالث: مقارنة بين منهجي أبي العلاء والتبريزي.
تمهيد: أهمية الحديث عن المنهج والوقوف على مناهج العلماء.
إن الحديث عن مناهج العلماء والمفكرين في كتاباتهم وأقوالهم ليس من باب العبث الفكري، ولا من قبيل الثقافة الذهنية المجردة، بل هو حديث من الأهمية بمكان.
وهو أمر يجب أن يتجه إليه الباحثون في مختلف الفنون؛ إذ أن ((الكشف عن هذه المناهج لدى مفكري الإسلام تعتبر في رأينا ـ بالإضافة إلى قيمته التاريخية ـ أفضل مدخل للتراث الإسلامي في جملته.
فهو الذي يوضح الخطوات القياسية أو الاستقرائية التي اتبعها المفكرون والعلماء المسلمون في مختلف أوجه النشاط التي مارسوها)) 1.
وقد أقر علماؤنا ونصوا على أن هناك ((مناهج خفية)) سن لنا ((آباؤنا وأسلافنا طرقها)) 2؛ يجب التنقيب عنها وتجليتها.
وقد يكون من أوجه القصور التي يمكن أن توجه لنا ـ نحن الباحثين ـ عدم الوقوف على مناهج العلماء والمفكرين.
فها هو الشيخ محمود شاكر يحدثنا عن تجربته التي قاساها وعانى لايَها في سبيل تحديد منهج يتذوق به الكلام العربي، وكيف أنه قام بتطبيق هذا المنهج على كتابه ((المتنبي)) الذي كان مفاجأة مثيرة لجمهرة الأدباء والقارئين، وذلك لأنه ـ كما يقول ـ ((مكتوب على منهج وجدوه فريدا متميزًا، مباينا مدبه كل المباينة لجميع المناهج الأدبية المختلفة المألوفة)) 3.
ثم نجده يُنْحي باللوم، ويشد بالنكير على هؤلاء الذين لم يجدوا من وقتهم ((ساعات للتأمل والأناة والصبر، للبحث عن هذا المنهج الغريب غير المألوف الذي وجدوه
أمامهم مطبقا في كتاب كامل، وأحس به كل منهم إحساسا خفيا دعاه إلى المعارضة أو الثناء.
وهذا خذلان كبير، غفر الله لنا ولهم، وتجاوز عن سيئاتنا وسيئاتهم)) 1.
وعدم الالتفات إلى هذا المنهج، وعدم الوقوف عليه جعله يقول في موضع آخر: ((فهذا، كما ترى، منهج متشعب مطبق على أصناف الكلام العربي، قراءة له أو بيانا عنه.
وببديهة العقل لم يكن من عملي، ولا هو من عمل أي كاتب مبين عن نفسه، أن يبدأ أول كل شيء فيفيض في شرح منهجه في القراءة والكتابة = وإلا يفعل، كان مقصرا تقصيرا لا يُقبل منه بل يُرد عليه = ثم يكتب بعد ذلك ما يكتب ليقول للناس: هذا هو منهجي، وهاأنذا قد طبقته.
هذا سخف مريض غير معقول، بل عكسه هو الصحيح المعقول، وهو أن يكتب مطبقا منهجه، وعلى القارئ والناقد أن يستشف هذا المنهج ويتبينه، محاولا استقصاء وجوهه الظاهرة والخفية، مما يجده مطبقا فيما كتب الكاتب)) 2.
إن البحث عن مناهج العلماء المختلفة والوقوف عليها يقودنا إلى نفس الثمرة التي يسعى إليها الفيلسوف المنهجي ((الذي يتجاوز حدود التخصص المعين، ويستقرئ المناهج المختلفة للعلوم محاولا الاتجاه نحو التعميم، حتى يقدم لنا صورة إجمالية للمناهج التي يسلكها العقل الإنساني، للكشف عن حقيقة العلوم)) 3.
كما أن الوقوف على مناهج العلماء والمقارنة بينها يمكن من الحصول على منهج ((متفق عليه)) لتفسير النصوص الأدبية منها وغير الأدبية، والوقوف على فهم سليم لها.
تحرير مصطلح ((منهج)) المستخدم في هذا الباب
المقصود بكلمة ((منهج)) في هذا البحث هوالمعنى العام، بدون التقيد بوصف معين لهذا المنهج 1. والمعنى العام لكلمة ((منهج)) هو: ((الخطوات المحددة لفعل شيء ما))، أوهو: ((مجموعة الخطوات المنظمة لفعل شيء ما)).
وهذا هوالمعنى اللغوي الذي ذكر في المعاجم اللغوية العربية والإنجليزية الحديثة، والمعنى العام الذي ذكر في المعاجم الفلسفية المتخصصة.
[1] جاء في ((أساس البلاغة)): ((نَهَجْتُ الطريقَ: بيَّنتُه، وانتهجتُه: استبنتُه، ونهج الطريقُ وأنهج: وضح)) 2.
[2] وجاء في مختار الصحاح: ((المنهج والمنهاج: الطريق الواضح، ونهج الطريق: أبانه)) 3.
[3] وجاء في المعجم الوسيط: ((... المنهاج (= المنهج) الخطة المرسومة [محدثة]، ومنه: منهاج الدراسة، ومنهاج التعليم ونحوهما)) 4.
[4] وجاء في المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية: ((المنهج بوجه عام وسيلة محددة توصل إلى غاية معينة)) 5.
[5] وفي معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب: ((المنهج بوجه عام وسيلة محددة توصل إلى غاية معينة)) 1. [6] وجاء في معجم OXFORD: معنى ((منهج (method):
- النظام.
- طريقة فعل شيء ما)) 2. [7] وجاء في معجم WEBSTER: معنى ((منهج (method):
- طريقة لفعل أي شيء (بطريقة منظمة).
- نظام متبع عند تنفيذ الأشياء والأفكار)) 3.
[8] وجاء في معجم A DICTIONARY OF PHILOSOPHY: ((المنهج ـ بمعناه العام ـ وسيلة ما لتحقيق هدف ما، أوهوطريقة محددة لتنظيم النشاط)) 4.
وبذلك نتبين أن المقصود بالمنهج في هذا البحث هو: الطريقة المتبعة لفعل أوتوضيح شيء ما.
وأن المنهج ليس سوى ((خطوات منظمة يتبعها الباحث في معالجة الموضوعات التي يقوم بدراستها إلى أن يصل إلى نتيجة معينة)) 5؛ وأن ما سيقوم به الباحث خلال الصفحات التالية هوتوضيح منهج أبي العلاء والتبريزي؛ أي: طريقتهما المتبعة في شرح ديوان أبي تمام.
الفصل الأول
منهج أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام
ويشتمل على العناصر الآتية:
ـ العنصر الأول من عناصر المنهج: ((توثيق الرواية)).
ـ العنصر الثاني: توظيف قرينة السياق.
ـ العنصر الثالث: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره.
ـ العنصر الرابع: توظيف خصائص الصنعة الشعرية
ـ العنصر الخامس: تأويل البيت كل التأويلات الممكنة في غياب القرينة المحددة لمعنى معين.
ـ العنصر السادس: الاهتمام بالجوانب الدلالية للكلمة المشروحة.
ـ العنصر السابع: الشرح بالإعراب.
ـ العنصر الثامن: دعم الشرح وتأييده بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر والأمثال العربية وأقوال الأدباء.
الفصل الأول منهج أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام عناصر منهج أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام: المنهج عند أبي العلاء يتلخص في جملة من العناصر الآتية:
ـ العنصر الأول من عناصر المنهج ((توثيق الرواية))
:
ختم الله شرائعه بشريعة الإسلام على يد خاتم رسله محمد ـ صلى الله عليه وسلم.
وقد أحب المسلمون نبيهم وأحبوا سنته، وحرصوا على رواية هذه السنة وتطبيقها.
ومع اتساع الفتوحات، ودخول الناس في دين الله أفواجًا كثر الحاقدون على الشريعة الغراء، وكثر دس الأحاديث المكذوبة والموضوعة في السنة
المطهرة؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور ((علماء الحديث)) الذين ((اجتهدوا في التوثق من صحة كل حديث وكل حرف رواه الرواه، ونقدوا أحوالهم ورواياتهم، واحتاطوا أشد الاحتياط في النقل، فكانوا يحكمون بضعف الحديث لأقل شبهة في سيرة الناقل الشخصية)) 1.
وكان نتيجة هذا التمحيص والتدقيق في مرويات الحديث النبوي ظهور علم من أجل علوم المسلمين ألا وهو علم الحديث، حرر فيه علماؤه
((القواعد لقبول الحديث، وهي قواعد هذا الفن، وحققوها بأقصى ما في الوسع الإنساني، احتياطا لدينهم، فكانت قواعدهم التي ساروا عليها أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها دقة)) 2.
وكان تأثير قواعد علماء الحديث على غيرهم من علماء الفنون الأخرى تأثيرا عظيما، جعل الشيخ أحمد شاكر يقول في مقدمة شرحه الباعث الحثيث: ((وقلدهم فيها العلماء في أكثر الفنون النقلية؛ فقلدهم علماء اللغة، وعلماء الأدب، وعلماء التاريخ وغيرهم؛ فاجتهدوا في رواية كل نقل في علومهم بإسناده، كما تراه في كتب
المتقدمين السابقين، وطبقوا قواعد هذا العلم عند إرادة التوثق من صحة النقل في أي شيء يرجع فيه إلى النقل)) 1.
وما تأثير منهج المحدثين على أبي العلاء وتلميذه التبريزي ببعيد، فأبو العلاء توفي في منتصف القرن الخامس الهجري تقريبا (449هـ) والتبريزي في بداية القرن السادس (512هـ) وهي فترة متأخرة عن بدايات الكتابة في الحديث النبوي التي بدأت على يد الإمام الشافعي (204هـ) في كتابه الرسالة، ثم جمع الترمذي (279هـ) بعض بحوث هذا العلم في خاتمة جامعه، ثم وضع كتاب مستقل في علم أصول الحديث على يد القاضي أبو محمد الرامهرمزي المتوفى 360هـ 2.
وإذا ضممنا إلى ما سبق ما أثبتناه في ترجمة أبي العلاء والتبريزي من سماعهما للحديث وروايتهما له تأكد لدينا هذا التأثر.
ويزداد تأكدنا من تأثرهما بمنهج المحدثين من خلال شرحهما، فأولى الخطوات التي قام بها أبوالعلاء في شرحه هي ((توثيق الرواية))، الذي يتمثل في ذكر أبي العلاء للروايات المختلفة للبيت قيد الشرح، والتنبيه على الضعيف
منها 3،
والاعتماد في الرواية على الثقات والمقابلة بين المرويات، فلم يكن أبوالعلاء يكتفي بشرح البيت فقط، بل يقوم بذكر هذه الروايات المختلفة، ويحاول أن يجمع بين هذه الروايات في الشرح طالما أن المعنى العام والسياق يسمحان بذلك.
ويمكن أن نقسم هذه الروايات إلى الأقسام الآتية:
- رواية فردية: أي ذكر رواية أخرى للفظة واحدة في البيت.
- رواية ثنائية: أي ذكر روايتين لأحد ألفاظ البيت، أولفظتين فيه.
- رواية ثلاثية: أي ذكر ثلاث روايات لأحد ألفاظ البيت أوللفظين، أوثلاثة ألفاظ.
- رواية رباعية: أي ذكر أربع روايات للفظة أوعدة ألفاظ.
- رواية مختلفة لمعظم ألفاظ البيت.
وذكر أبي العلاء للروايات المختلفة للأبيات التي يشرحها في أي شرح يشرحه أمر ملحوظ، حتى يمكن اعتبار هذا صفة في شروحه، فـ ((أبو العلاء أكثر الشراح ذكرا لرواية أخرى، وأكثرهم كذلك احتيالا على وجه آخر في تخريج المعنى)) 1. وما كان لأبي العلاء أن يكون ملما بهذه الروايات المختلفة إلا إذا كان على علم ومعرفة بنسخ ديوان أبي تمام المختلفة، وهذا ما نراه في شرحه على الديوان 2.
ونذكر هنا الإحصاء الآتي 1: العدد الإجمالي لأبيات ديوان أبي تمام... عدد الأبيات التي شرحها أبوالعلاء... عدد الروايات الفردية... عدد الروايات الثنائية... عدد الروايات الثلاثية... عدد الروايات الرباعية... البيت بأكمله 7496
إذن المجموع الكلي للروايات: (158) رواية؛ أي إن أبا العلاء قام بتوثيق ما يقرب من خُمْسِ ديوان أبي تمام.
ومن الواضح أن أبا العلاء ـ في ذكره لهذه الروايات وجمعه بينها في شرحه ـ متأثر بالجو العلمي الذي خلقته البيئة الإسلامية في عصره عامة وأسلوب القراء وأهل الحديث النبوي خاصة، الذين كانوا يحرصون على توثيق الرواية عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذكر كل الروايات المتعلقة بالحديث الواحد، أوكل القراءات المتعلقة بالآية الواحدة، والذين يحرصون أيضا على الجمع بين الروايات بدلا من إهمالها.
ولم يقتصر الأمر مع أبي العلاء على مجرد توثيق الرواية، بل تعداه إلى توثيق ترتيب القصائد في الديوان، وكان يعتمد في ذلك على العلماء الثقات الموثوق برأيهم.
يقول أبوالعلاء عند بداية قصيدة لأبي تمام أولها:
كانَت صُروفُ الزَمانِ مِن فَرَقِكْ... وَاِكتَنَّ أَهلُ الإِعدامِ في وَرَقِكْ [بحر المنسرح]
((وهذه القصيدة أثبتت في القافيات؛ ورأي العلماء المتقدمين الذين يوثق بهم أن تجعل في الكافيات، وإنما صيرها على (القاف) قوم متأخرون في زمان الصولي وطبقته)) 2.
وتعدى الأمر إلى توثيق من يعتمد عليهم عند شرح الألفاظ، قال أبوالعلاء: ((شُبَانة: اسم لم يذكر أهل اللغة الموثوق بهم له اشتقاقا)) (1). وما قام به أبو العلاء في شرحه أمر استقر عليه علماء المناهج، إذ قرروا أنه ((من الضروري للباحث في التاريخ أن يتحرى نصوص هذه الأصول، ويتثبت من حرفية ألفاظها وعباراتها المخطوط منها والمطبوع، قبل أن يستخدم المعلومات الواردة بها)) (2).
ـ العنصر الثاني من عناصر المنهج توظيف قرينة (3) السياق:
الاحتفاء بالقرائن أمر اعتنى به العلماء على اختلاف مشاربهم، من فقهاء، ومفسرين، وأصوليين، وبلاغيين، ونحويين.
فنجد الفقهاء مثلا يقررون قاعدة ((إذا قويت القرائن قدمت على الأصل))، بمعنى ((أن القرائن التي تحتف بالأحكام قد تقوى؛ فتقدم على الأصل)) 4.
ونجد من بين المفسرين من يقول: ((إن القرآن يفسر بعضه بعضا، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ، موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلاف مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته)) 5.123
وعند الأصوليين نجد الشافعي في رسالته عند حديثه عن الاجتهاد وأدلته ما يستفاد منه اهتمامه بالقرائن القرائن العقلية وإيضاحه أن الله ((نصب لنا من العلامات والدلائل ما يعين على معرفة ما خفي)) 1.
وللبلاغيين كلام طويل عن القرائن يؤكدون فيه أنه ((ليس للسامع أن يفهم المعنى المجازي ويعدل عن الحقيقة إلا إذا تبين له أن القائل قد نصب قرينة تصرف اللفظ عن أصله)) 2.
ومن النحويين الأفذاذ من وضع نظرية للقرائن وقام بتقسيمها إلى القرائن المادية، والقرائن العقلية، وقرائن التعليق، وقسم هذه الأخيرة إلى: مقالية (معنوية / لفظية)، وحالية 3.
ويمثل أبو العلاء النموذج الأدبي الذي اعتمد على القرائن في شرحه، فقد اعتمد على قرينة السياق؛ وقد كانت الوسيلة الأنجع لبيان ما غمَض من شعر أبي تمام؛ فقد استخدم هذه القرينة في ستة ومائتين موضعًا (206)، من مجموع ثلاثين وثمانمائة بيتا (830) شرحها أبوالعلاء (؛ أي: بنسبة 25 ? تقريبا).
ويمكن أن نُصَنِّفَ القرائن المستخدمة في تلك المواضع إلى نوعين من قرينة السياق:
- مجموعة مواضع يمكن أن نضعها تحت عنوان: ((قرينة السياق اللغوي Linguistic Context))، أو ((قرينة السياق الداخلي للحدث اللغوي Verbal Context)).
- ومجموعة المواضع الأخرى تحت عنوان ((سياق الحال))، أو ((السياق الاجتماعي)) أو ((السياق الثقافي))، أو ((السياق غير اللغوي))، أو ((السياق المقامي Context of Situation)) 1. ويمكن أن نضع تحت قرينة السياق اللغوي مجموعة من القرائن الفرعية التي قام البحث باستخلاصها وتصنيفها وهي:
- القرينة النحوية.
- القرينة الصرفية.2345
- القرينة العروضية.
- القرينة الصوتية.
- قرينة استعمال الشاعر.
- قرينة الصنعة الشعرية.
- قرينة الاستعمال اللغوي.
- قرينة التناص.
- القرينة البلاغية.
ويمكن أن نضع تحت قرينة سياق الحال القرائن الفرعية الآتية: - القرينة الشرعية.
- القرينة الثقافية.
- القرينة الطبيعية.
- القرينة العقلية.
قرينة السياق اللغوي عند أبي العلاء: استخدم أبوالعلاء قرينة السياق في شرحه، وقد بلغ عدد المرات التي استخدم فيها هذه القرينة ـ بدون تصريح أوإشارة إلى أية نواح صرفية أونحوية أوعروضية ـ أربعين موضعا.
في بعض هذه المواضع كان يذكر المعنى مباشرة بدون ذكره القرينة: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: تَحَيَّرَ في آرامِها الحُسنُ فَاغتَدَت... قَرارَةَ مَن يُصبي وَنُجعَةَ مَن يَصبو [بحر الطويل] ((معنى ((تَحَيَّرَ)) في هذا الموضع أقام)) 1. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: جَمُّ التَّواضُعِ وَالدُّنيا بِسُؤدُدِهِ... تَكادُ تَهتَزُّ مِن أَطرافِها صَلَفا [بحر البسيط] ((((الصلف)): قلة الخير، وهوهاهنا التيه)) 2.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام عند رثائه خالد بن يزيد الشيباني:
أَلَم يَكُ أَقتَلَهُم لِلأُسودِ... صَبرًا وَأَوهَبَهُم لِلظِّباءِ [بحر المتقارب]
((قولهم ((صبرا))؛ أي: يصابرهم في الحرب حتى يقتلهم، وليس هو من قولهم قتل فلان صبرا، إذا قدم فضُربت عنقه في غير الحرب)) 1.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَالفَتى مَن تَعَرَّقَتهُ اللَّيالي... وَالفَيافي كَالحَيَّةِ النَّضناضِ [بحر الخفيف]
((قوله ((والفتي)): كلام محمول على حذف، كأنه قال: الفتي المحمود)) 2.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
كُلوا الصَّبرَ غَضًّا وَاشرَبوهُ فَإِنَّكُم... أَثَرتُم بَعيرَ الظُّلمِ وَالظُّلمُ بارِكُ [بحر الطويل]
((أراد ((بالصبر)): عصارة شجرة مُرَّةً)) 3.
وفي بعض الأحيان ينص أبوالعلاء على استخدامه للسياق اللغوي الذي يسميه ((الغرض))، و ((المعنى)).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لي عَبرَةٌ في الخَدِّ سا... ئِرَةٌ وَبَيتٌ سائِرُ [بحر: مجزوء الكامل]
((يعني بـ ((بيت)) هاهنا أبياتا كثيرة؛ لأنه شائع في الجنس، (...) وقد يمكن أن يعني بـ ((بيت سائر)) بيتا واحدا على منهاج الكلام، ولكن الشاعر لم يرد ذلك،,إنما يرجع إلى الغرض لا ظاهر اللفظ)) 4.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح الواثق: أَحذاكَها صَنَعُ اللِسانِ يَمُدُّهُ... جَفرٌ إِذا نَضَبَ الكَلامُ مَعينُ [بحر الكامل] ((... ((والجفر)) بئر واسعة الفم، يقول بعضهم إنها تكون غير مطوية، وهي مع ذلك قليلة الماء، وقد ذكرها هاهنا في معنى يدل على الغزارة)) 1. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: فَتحُ الفُتوحِ تَعالى أَن يُحيطَ بِهِ... نَظمٌ مِنَ الشِعرِ أَونَثرٌ مِنَ الخُطَبِ [بحر البسيط] ((والأبين في غرض الشاعر أن يكون ((فتح الفتوح)) منصوبا مبينا لقوله ما حل بالأوثان 2)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام يمدح المعتصم بالله ويذكر حريق عمورية وفتحها: ما رَبعُ مَيَّةَ مَعمورًا يُطيفُ بِهِ... غَيلانُ أَبهى رُبًى مِن رَبعِها الخَرِبِ [بحر البسيط] ((وفي بيت الطائي حذف يدل عليه المعنى (...) فكأن المعنى: ((ما ربع مية في نفس غيلان أبهى من هذا الربع الخَرِب في أعين المسلمين)))) 4. وهناك الكثير من تلك القرينة السياقية الخالصة 5.
• مواضع استخدام القرينة النحوية:
اعتمد أبوالعلاء على القرينة النحوية كقرينة سياق لغوي، وكان عدد مرات اعتماده على هذه القرينة اثنتي عشرة مرة.
ومن ذلك قول أبي العلاء عند قول أبي تمام:
أَطَلَّ عَلى كُلَى الآفاقِ حَتّى... كَأَنَّ الأَرضَ في عَينَيهِ دارُ [بحر الوافر]
((... ومن روى ((كِلا الآفاقِ))، بكسر الكاف، وهويريد كل الآفاق فروايته خطأ؛ لأن ((كلا)) يستعمل للاثنين لا للجمع، ولم يأت في المسموع كلا القوم، ولا كلا الأصحاب، وإنما يقال: كلا الرجلين، وكلا الفرسين)) 1.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
تَرى حَبلَهُ غَرثانَ مِن كُلِّ غَدرَةٍ... إِذا نُصِبَت تَحتَ الحِبالِ الحَبائِلُ [بحر الطويل]
((... ومن أنشد ((عُرْيَان)) فهو جدير بالتصحيف؛ لأن ((الغَرْث)) أحسن في الاستعارة هاهنا من ((العري))؛ ولأن ((عريانًا)) يجب أن يصرف إذ كان لا مانع له من الصرف)) 2.
وفي النص السابق إشارة مهمة إلى كيفية استغلال العلامة الإعرابية في رد الرواية المصحفة، وبذلك يقدم أبو العلاء استخداما آخر للعلامة الإعرابية، غير كونها كاشفة عن المعاني ومميزة بينها، ألا وهو إمكانية استخدامها كأداة للحفاظ على النص من التحريف.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَكَأَنَّما آثارُها مِن مُزنَةٍ... بِالميثِ وَالوَهَداتِ وَالأَخيافِ [بحر الكامل] ((... ومن روى ((مُزْنِه)) على الجمع فهي رواية ضعيفة؛ لأن قوله ((آثارها)) تشهد بتوحيد ((مُزْنَةٍ)))) 1. اعتمد أبو العلاء هنا على إحدى القرائن اللفظية وهي الربط بالضمير العائد الذي تبدو فيه المطابقة على متأخر لفظا.
• مواضع استخدام القرينة الصرفية:
وقد استخدمها أبوالعلاء في اثني عشر موضعا، ومن ذلك:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لَقَد أَخَذَت مِن دارِ ماوِيَّةَ الحُقبُ... أَنُحلُ المَغاني لِلبِلى هِيَ أَم نَهبُ [بحر الطويل]
((الحُقْب: الدهر، واختلفوا في تفسيره، فقالوا ثلاثون سنة، وقالوا ثمانون (...) والصحيح أن الحقب برهة طويلة لا حد لها، وأُنِّثَ على معنى البرهة والمدة؛ لأن تذكير الحُقب غير حقيقي، وهذا أوجه من أن يقال الحقب جمع حِقبة؛ إذا أراد بها السنة؛ لأن ((فِعْلَة)) قلما تجمع على ((فُعْل)))) 2.
والقرينة الصرفية التي لجأ أبو العلاء هنا يمكن أن نسميها بقرينة الاستعمال الصرفي؛ فهو لم يلجأ لقرينة صرفية من داخل بنية الكلمة لتحديد معناها بل لجأ للاستعمال الصرفي لتحديد المعنى المناسب والأوجه.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
خَفَّت دُموعُكَ في إِثرِ الحَبيبِ لَدُن... خَفَّت مِنَ الكُثُبِ القُضبانُ وَالكُثُبُ [بحر البسيط]
((.. أصل ((الخفوف)) من قولهم: خَفَّ القوم؛ إذا تحركوا، وهوراجع إلى الخفة التي هي ضد الثقل، إلا أنهم يفرقون بالمصادر بين الأفعال التي أصلها واحد في الاشتقاق؛ فيقولون: خَفَّ الشيء خِفَّةً، إذا كان خفيف الزِّنَة، وخَفَّ القوم خفوفا إذا ارتحلوا، وخف في حاجته؛ إذا أسرع)) 1.
وعبارة أبو العلاء ((يفرقون بالمصادر بين....))، إشارة إلى أسلوب اللغويين في شرح معاني الألفاظ، حيث درجوا على ذكر مصدر الفعل بعد الفعل ليكون هذا وسيلة لتحديد لمعناه، ورفع الالتباس عنه إذا اشترك معه فعل آخر في أصل الاشتقاق مثلما أشار أبو العلاء هنا.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
ضَمِنَت لَهُ أَعجاسُها وَتَكَفَّلَت... أَوتارُها أَن تُنقَضَ الأَوتارُ [بحر الكامل]
((... و ((الأعجاس)): جمع عَجْس، وهوحيث يقبض الرامي من القوس، يقال: عَجْسٌ، وعِجْس، وعُجْس، والأحسن أن يكون أعجاس جمع عِجْس بكسر العين أوعُجْس بالضم؛ لأن ((فَعْلا)) لا يجمع على أفعال كثيرا)) 2.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
ما سَرَّني بِخِداجِها مِن حُجَّةٍ... ما بَينَ أَندَلُسٍ إِلى صَنعاءِ [بحر الكامل]
((... يقال: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها ناقصَ الخَلْق، وإن كانت شهورها تامة، وخدجت إذا ألقته لغير تمام، وقال قوم: خدجت وأخدجت سواء؛ وهذا القول أشبه بكلامهم؛ لأن فَعَلَ وأفعل يشتركان كثيرا.
و ((الأندلس)) بناء مستنكر إن فتحت الدال وإن ضمت، وإذا حملت على قياس التصريف، وأجريت مجرى غيرها من العربي فوزنها ((فَعْلَلُلُ))،وهذا بناء مستنكر، ليس في كلامهم مثل ((سَفْرَجَل)) ولا
((سَفْرَجُل))، فإن ادعى مدع أنها ((فَنْعَلُل)) فقد خرج من حكم التصريف؛ لأن الهمزة إذا كان بعدها ثلاثة أحرف من الأصول لم تكن إلا زائدة)) 1.
لكن في العربية ((فَيْعَلُول)) لا يمتنع أن تختلس مدته هكذا ((فَيْعَلُل))؛ فتكون أندلس معربة على هذا الوجه، ولا يدعي أحد أنها غير عربية.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
إِذا غازَلَ الرَوضُ الغَزالَةَ نُشِّرَت... زَرابِيُّ في أَكنافِهِم وَدَرانِكُ [بحر الطويل]
((... ((الزرابي)) جاء ذكرها في القرآن، وهي الطنافس ونحوها، وأجدر بأن تكون عربية الأصل)) 2.
وحكم أبي العلاء بجدارة لفظة طنافس بأن تكون عربية الأصل لابد أن يكون ناتجا عن قياس ذهني قام به لألفاظ مشابهة في اللغة العربية، وإلا ما ساغ له أن يطلق هذا الحكم وهنا يبرز أهمية التعمق في دراسة اللغة التي تحدثنا عنها في الباب الأول.
• مواضع استخدام القرينة العروضية: وقد استخدم أبوالعلاء هذه القرينة في أربعة عشر موضعا، ومن ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: جَديرٌ بِأَن يَستَحيِيَ اللَهَ بادِيًا... بِهِ ثُمَّ يَستَحيي النَّدى وَيُراقِبُه [بحر الطويل] ((و ((يستحيي)) الثانية رفعها لمكان القافية؛ ولأنه لا يمكن فيها غير ذلك، ولوجعلها في موضع نصب لكان قد أسكن الياء في موضع التحريك وذلك ردىء، والكوفيون
يرون أن الناصب إذا لم يصحب الفعل فرفعه جائز، ورفعه يستحيي أوكد لرفع
((يراقبه))؛ لأن المرفوع يكون تابعا لمثله)) 1.
هذا الاقتباس أعمل فيه أبو العلاء ثلاثة قرائن: قرينة صوتية، ونحوية، وعروضية.
أـ فأما القرينة الصوتية فعدم ظهور الضمة على آخر ((يستحيي)) لـ ((الثقل)) الذي يُعنى ((به في النحو مانع من موانع ظهور الحركة الإعرابية على آخر الكلمة وذلك في الكلمات التي آخرها ياء لازمة مكسور ما قبلها، إذ لا تظهر الضمة ولا الكسرة على هذه الياء نظرا لثقل النطق بهما)) 2. مما يفسح المجال لاحتمال وضع الفتحة.
ب ـ والقرينة النحوية تتمثل في العلامة الإعرابية، فعدم وجود الفتحة نفسها على الياء الثانية، مع إمكانية ظهورها يؤكد أن الكلمة في حالة رفع.
ج ـ وأما القرينة العروضية فهي ((مكان القافية)) التي أوجبت ((رفع يسحيي)) كما قال أبو العلاء.
والنص السابق أيضا يعطينا لمحة من أبي العلاء عن سلطان القافية في البيت الشعري وأنها مع الوزن لهما ((دور فعال في صياغة الجملة)) 3.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
أَوما تَراها ما تَراها هِزَّةً... تَشأى العُيونَ تَعَجرُفًا وَذَميلا [بحر الكامل]
((.. ومن روى ((تَشأى العُيونَ أولقًا))؛ صار في البيت زحافٌ يكره، وهوالذي يسمى الوقص 4)) 5.
عبارة أبي العلاء ((زحاف يكره)) عبارة مهمة، فكأنه بها ينزه أبا تمام الشاعر الفحل أن يأتي بمثل هذا الزحاف النادر، وكأنه من طرف خفي يريد أن يقول إن ((استمتاع القارئ أو السامع بالعمل الشعري وتقديره إياه، أن يشعر من خلاله بقدرة الشاعر على تشكيل مادته وتوجيهها وجهة معينة تبعا لإرادته، فالإبداع الشعري صورة من صور الإرادة الإنسانية وقدرتها على التأثير.
والنسق نظام، ولابد من إرادة وراء كل نظام، والشعور بإرادة الشاعر وقدرته من أسباب المتعة التي يبعثها النسق الشعري في نفس المتلقي)) 1.
وجدير بالذكر أن الخليل وآخرون من العروضيين قاموا بتصنيف الزحافات إلى حسن وصالح وقبيح.
وقد اتفقوا على استقباح الزحافات المزدوجة ((وذلك لخروجها الحاد على النسق)) 2. أما الزحافات المفردة فـ ((أكثرها ـ في تصنيفاتهم ـ إما حسن وإما صالح، وقليل منها وصف القبح)) 3 مثل الوقص كما قال أبو العلاء.
وننبه أن الحكم على الزحاف ((لا يكون مطلقا، فثمة عوامل تؤثر في وضوحه أو خفائه (...) [وأنه] قد يكون مقبولا إذا أحسسنا أنه يقوم بوظيفة تعبيرية)) 4.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
صَمّاءُ سَمُّ العِدى في جَنبِها ضَرَبٌ... وَشُربُ كاسِ الرَدى في فَمِّها شُهُدُ [بحر البسيط]
((... إن رويت ((في فَمِها))، بالتخفيف، صار في البيت زحاف، وقلما يستعمل الشعراء مَثْلَه، وهوعندهم جائز، وإن شددت الميم بَطَلَ الزحاف؛ إلا أن التخفيف أجزل في اللفظ 5)) 6.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: اِجعَلي في الكَرى لِعَيني نَصيبا... كَي تَنالَ المَكروهَ وَالمَحبوبا [بحر البسيط] ((يجب أن يكون الطائي لم يقل في النصف الأول ((نصيبًا))؛ لأنه إن جعله على حكم المصرع فقد أوطأ، والأشبه أن يكون قال ((اجعلي في الكرى لعيني حظا)) أونحو ذلك، والتقفية والتصريع إنما يلجأ لهما في أوائل ما كثر من الأبيات في العدد، فأما فيما جرى هذا المجرى، فترك التصريع فيه أعرف 1)) 2. والثقة التي نلمحها هنا في كلام أبي العلاء من أن أبا تمام يجب ألا يكون قد قال هذا ثقة نابعة من أنه شاعر قال فيه الصولي: ((كان واحد عصره في ديباجة لفظه، وفصاحة شعره)) 3. وقال: ((إن أبا تمام أشعر أهل زمانه)) 4. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: يَقولُ فَيُسمِعُ وَيَمشي فَيُسرِعُ... وَيَضرِبُ في ذاتِ الإِلَهِ فَيوجِعُ [بحر الطويل] ((هذا البيت من عجيب ما جاء في شعر الطائي؛ لأنه أتبع العينَ الواو في غير قافية 5، وإنما آنسه بذلك أن العين في آخر النصف الأول وفي آخر النصف الثاني،
ولا ريب أنه كان يتبع العين واوا في ((يسمعو))، وقد يمكنون الحركة حتى تصير حرفا ساكنا، مثل ما حكي أن بعض العرب يقول: قام زيدو، فيثبت الواو، ومررت بزيدي، فيثبت الياء، وذلك ردىء مرفوض (...) ويجب أن يكون الطائي لم يفعل ذلك؛ لأنه معدوم في شعر العرب، والغريزة له منكرة؛ لأنه يجمع بين أربعة أحرف متحركة في وزن 1 لم يستعمل ذلك فيه)) 2. ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: خُذها فَما نالَها بِنَقصٍ... مَوتُ جَريرٍ وَلا البَعيثِ [بحر: مجزوء البسيط] ((وذكر ((البعيث)) للقافية)) 3. • مواضع استخدام القرينة الصوتية: واستخدم هذه القرينة في موضعين: قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: تَؤُمُّ شِهابَ الحَربِ حَفصًا وَرَهطُهُ... بَنوالحَربِ لا يَنبوثَراهُم وَلا يُكدي [بحر الطويل] ((... ((تؤم شهاب الأزد)) 4، وذكر ابن السكيت أن الأُسْد بالسين أجود، وغيره يقولها بالزاي، ويجب أن يكون الأصل بالسين؛ لأن الدال إذا وقعت قبلها السين
الساكنة فبعض العرب يحولها إلى الزاي، وكذلك الصاد، وكذلك قالوا في المثل: لم يُحْرَمْ مَنْ فُزْدَ له؛ إذا سكنوا صاد ((فُصِدَ)) على لغة ربيعة)) 1.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
مُحَمَّدُ يا ابنِ الهَيثَمِ بنِ شُبانَةٍ... أَبي كُلِّ دَفّاعٍ عَنِ المَجدِ ذائِدِ [بحر الطويل]
((((شُبَانَة)) اسم لم يذكر أهل اللغة الموثوق بهم له اشتقاقا؛ لأن الشين حرف مُمَات)) 2.
ويفهم من النص السابق أن لفظ ((شُبانة)) الذي يبدأ بحرف الشين وما يليه من حروف مُمات.
والذي يفهم من تلك اللفظة ((ممات)) عنده أنها تعني: اللفظ الذي ليس له أصل تسمح القوانين الصوتية للحروف اللغوية بتكوينه، وهو بهذا يخالف مفهوم هذا المصطلح عند اللغويين.
فكلمة ((ممات)) هي مصطلح لغوي يساوي في معناه عند قدامى اللغويين المصطلحات: المنكر والمتروك والمجهول ولغة مرغوب عنها.
وعبر عنها اللغويون المعاصرون بمصطلح: انقراض الكلمات، والمهجور Obsolete أو Archaic، وعرف السيوطي المتروك بقوله: ((ما كان قديما من اللغات، ثم ترك واستعمل غيره)) 3.
• مواضع استخدام قرينة خصائص الشاعر الأسلوبية:
كان أبوالعلاء يلجأ إلى قرينة سياق لغوية يمكن أن نسميها ((قرينة خصائص الشاعر الأسلوبية))، أو ((قرينة مذهب الشاعر))، فقد اعتمد أبوالعلاء على الخصائص الأسلوبية للشاعر والتي كان ملمًّا بها إلماما تاما في إيضاح معاني بعض الأبيات.
وقد استخدم هذه القرينة في أربعة وعشرين موضعا، وفيما يلي أهمها:
أـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
مُوَضَّحٌ لَيسَ بِذي رُجلَةٍ... أَشأَمَ وَالأَرجُلُ مِنها بَسوس [بحر السريع]
((قوله: ((بسوس))، أراد به مشئوم مثل البسوس، التي كانت لأجلها الحرب، فحذف الألف واللام، وله عادة بذلك، كما قال: ((ما بين أندلس إلى صنعاء))، و ((وجد فرزدق بنوار)))) 1. ب ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: قَد نَبَذوا الحَجَفَ المَحبوكَ مِن زُؤُدٍ... وَصَيَّروا هامَهُم بَل صُيِّرَت حَجَفا [بحر البسيط] ((يروى: ((قد نَبَذُوا)) على التخفيف والزحاف، و ((نَبَّذُوا)) بتشديد الباء، والتخفيف أشبه بمذهب الطائي)) 2. ج ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَكرِم بِنِعمَتِهِ عَلَيَّ وَنِعمَتي... مِنها عَلى عافٍ جَدايَ وَمُرمِلِ [بحر الكامل] ((ومن روى: ((عافي جَدايَ)) على إضافة ((العافي))، فلا يجوز أن يروى إلا ((مُرْمِلي)) بالياء إذا حُمل ذلك على ما يعرف من مذهب الطائي)) 3. د ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مَلَكَتهُ الصَّبا الوَلوعُ فَأَلفَتـ... ـهُ قَعودَ البِلى وَسُؤرَ الخُطوبِ [بحر الخفيف] ((و ((وَسُؤرَ الخُطوبِ)) بقيتها، ومن عرف مذهب الطائي لم يَعْدِل عن هذه الرواية)) 4. هـ ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: شَجًا في الحَشى تَردادُهُ لَيسَ يَفتُرُ... بِهِ صُمنَ آمالي وَإِنّي لَمُفطِرُ [بحر الطويل]
((.. يبين في كلام الطائي أنه كان يختار إظهار علامة الجمع في الفعل، مثل قوله: ((صُمنَ آمالي))، ولوقال: ((صام آمالي)) لاستقام الوزن، وقد جاء بمثل ذلك في غير هذا الموضع، وهوعلى منهاج قول الفرزدق: ((يَعْصِرن السليط أقاربه)))) 1. وـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: عالي الهَوى مِمّا تُعَذِّبُ مُهجَتي... أُروِيَّةُ الشَّعفِ الَّتي لَم تُسهِلِ [بحر الكامل] ((.. وبعضهم يروى: ((مما ترقص هامتي))؛ أي: تلعب بعقلي حتى تُرَقِّص مني الهامة، وهذه الرواية أشبه بمذهب الطائي؛ لأنه يُؤْثِر الاستعارة)) 2. ز ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: بِكُلِّ فَتى ضَربٍ يُعَرِّضُ لِلقَنا... مُحَيًّا مُحَلًّى حَليُهُ الطَّعنُ وَالضَّربُ [بحر الطويل] ((الأشبه بصناعة الطائي أن يكون ((فتى)) منونا)) 3. وتستوقفنا عبارات مهمة في نصوص أبي العلاء السابقة، وهي: ((وله عادة بذلك))، ((ومن عرف مذهب الطائي))، ((يبين في كلام الطائي أنه يختار))، ((والتخفيف أشبه بمذهب الطائي))... كل هذه العبارات وغيرها تدل على وقوف أبي العلاء على تكرار بعض السمات اللغوية عند أبي تمام، منها على سبيل المثال: ((إظهار علامة الجمع في الفعل)).
والسمات اللغوية ((حين تحظى بنسبة عالية من التكرار، وحين ترتبط بسياقات معينة على نحو له دلالة تصبح خواصًا أسلوبية Stylistic Markers)) 1. ومن الطريف أن الخصائص الأسلوبية التي وقف عندها أبو العلاء مقسمة إلى ثلاثة مستويات: · خصائص أسلوبية على المستوى الصرفي، مثل الاقتباس أ، ب. · خصائص أسلوبية على المستوى النحوي، مثل الاقتباس هـ. · خصائص أسلوبية على المستوى الدلالي، مثل الاقتباس و.
• مواضع استخدام قرينة الخصائص الأسلوبية للغة الشعر عامة: وقد اعتمد عليها أبوالعلاء في سبعة مواضع، من أهمها: ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: هَذا أَمينَ اللَهِ آخِرُ مَصدَرٍ... شَجِيَ الظَّماءُ بِهِ وَأَوَّلُ مَورِدِ [بحر الكامل] ((مَدَّ ((الظَّمَاء)) وهومهموز مقصور، وذلك جائز، إلا أن ترك المد أحسن، وهوفي الشعر أسوغ منه في الكلام المنثور)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: حَتّى إِذا ضَرَبَ الخَريفُ رِواقَهُ... سافَت بَريرَ أَراكَةٍ وَكَباثا [بحر الكامل] ((و ((سافت)): شَمَّت.. والأشبه أن يكون سَفَّت؛ لأن الشعراء كذا يذكرون)) 3. ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
فَما صُقِلَ السَّيفُ اليَماني لِمَشهَدٍ... كَما صُقِلَت بِالأَمسِ تِلكَ العَوارِضُ [بحر الطويل]
((... و ((العوارض)) جمع عارض، وهوالناب والضرس الذي يليه، يريد أن ثغرها واضح، والأجود ألا يجعله صُقِلَ بالبشام وعيدان السواك.. إلا أن قوله
((بالأمس)) يدل على أنه أراد السواك، والأحسن في حكم الشعر أن يَدَّعي صقالها بالفطرة لا بالتصنع)) 1.
الشعر ـ كما رسم صورته أبو العلاء في النصوص السابقة ـ تسوغ فيه بعض الأمور لا تسوغ في النثر، ويتعارف الشعراء فيما بينهم على بعض الأمور فيه، كما أن له ((حكمًا)).
والحكم ـ بمعنى القضاء ـ لا يصدر إلا عن قواعد ومبادئ.
والشعر ولا ريب يصطنع من الوسائل اللغوية التي تجعله ((كلاما غير الكلام العادي، أو لغة داخل اللغة، أو ـ إن شئنا الدقة والاختصار معا ـ تجعله شعرا)) 2. كما أنه يقوم على المجاز الذي يقوم بدوره على ((مفارقة التركيب للمألوف في الاستعمال في اللغة غير الفنية بكسر قوانين الاختيار بين الكلمات)) 3.
• مواضع استخدام قرينة الاستعمال اللغوي:
التمييز بين مستويين من ((السمات اللغوية)) أمر واضح وجلي في أقوال أبي العلاء، تبرزه بوضوح وجلاء تعليقاته المتناثرة هنا وهناك، ويمثل المستوى الأول منها ((السمات النمطية)) التي يمثلها الاستعمال اللغوي العام، والمستوى الثاني
((السمات الفردية المتغيرة)) التي يمثلها استخدام أبي تمام.
ومن الباحثين المعاصرين من أقر وأكد وجود مثل هذين المستويين، إذ يقول:
((وإذا نظرنا إلى السمات اللغوية في لغة ما على أنها مجموعة من الثوابت Constants والمتغيرات Variables كانت السمات الثوابت هي القواعد العامة التي
تشكل النظام الأساسي للغة، مثل تركيب الجملة الاسمية والجملة الفعلية، والمضاف والمضاف إليه والصفة والموصوف.
أما المتغيرات فتمثل السمات التي يمكن للمنشئ أن يتعامل معها بقسط أوفر من الحرية ومن أبرزها المفردات)) 1.
ومن القرائن التي اعتمد عليها أبوالعلاء قرينة ((الاستعمال اللغوي))، فقد وظفه ـ بمستواه الأول ـ في شرح الأبيات، واستخدمه كقرينة يستدل بها على المعاني في الأبيات.
وقد استخدم هذه القرينة في خمسة وعشرين موضعا، منها:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَوَاللهِ ما آتيكَ إِلّا فَريضَةً... وَآتي جَميعَ الناسِ إِلّا تَنَفُّلا [بحر الطويل]
((في هذا الكلام حذف، وتمام اللفظ أن يكون: ((وما آتي جميع الناس)) أو ((ولا آتي جميع الناس))، وحذف مثل هذا قليل؛ لأن الجملة الأولى قد حال بينها وبين الجملة الثانية حرف الاستثناء وما بعده، والكلام محمول على ((ما)) ولوأن ((لا)) موضوعة موضعها لكان ذلك أسوغ؛ لأن العرب كثر في ألفاظهم حذف ((لا)) في القسم، كقولهم: والله أدخل المدينة إلا راكبا)) 2.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
هَل أَورَقَ المَجدَ إِلّا في بَني أُدَدٍ... أَواجتُنِي مِنهُ لَولا طَيِّئٌٌ ثَمَرُ [بحر البسيط]
((إذا كان آخر الفعل الماضي ياء وقبلها كسرة؛ فطيئ تقلبها ألفا؛ فيقولون: ((اجتُنَى)) في ((اجتُنِيَ))، و ((اقتُدَى)) في ((اقتُدِي))، ومن العرب من يسكن الياء هاهنا، ولم يستعمل (؛ أي: الطائي) اللغة الطائية)) 3.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَثَناياكِ إِنَّها إِغريضُ... وَلِآلٍ تومٌ وَبَرقٌ وَميضُ [بحر الخفيف]
((... ويقال للؤلؤة العظيمة تُؤْمة، والجمع: تُؤَم، وهذا الوجه أجود 1 من أن تجعل ((تُوم))، جمع تؤام على تخفيف الهمزة؛ لأن ذلك قليل)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذا ما رَأَتهُ العيسُ ظَلَّت كَأَنَّما... عَلَيها مِنَ الوِردِ اليَمامِيِّ نافِضُ [بحر الطويل] ((... ويقوي رواية من روى ((اليمامي)) بميمين، أن ((اليمانيَّ)) بتشديد الياء ليس باللغة العالية)) 3. ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: باسِطًا بِالنَّدى سَحائِبَ كَفٍّ... بِنَداها أَمسى حَبيبٌ حَبيبا [بحر الخفيف] ((.. ويجوز أن يكون ((حبيبا)) الثاني، هو ((حبيب)) الأول، كما تقول: بك صار فلان فلانا؛ أي: عرف واشْتُهِرَ وصار له موضع، ويكون من نحوقولهم: أنتَ أنتَ وعمرٌو عمرو)) 4. ويمكن أن ندرج تحت قرينة الاستعمال قرينتين فرعيتين هما:
- قرينة المصاحبة اللفظية.
- قرينة الألفاظ المولدة.
أما قرينة المصاحبة اللفظية فقد استخدمها أبوالعلاء في موضعين، وفي أحد هذين الموضعين سمى أبوالعلاء هذه المصاحبة باسم: ((المحالفة))، والموضعان هما: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لَولَم تَكُن مِن نَبعَةٍ نَجدِيَّةٍ... عَلوِيَّةٍ لَظَنَنتُ عودَكَ عودا [بحر الكامل]
((.. قوله: ((لظننت عودك عودا))، أصل العودين واحد، وإنما فرق بينهما كثرة الاستعمال؛ لأنهم يريدون هذا عود طيب؛ فيحذفون ((طيبا))؛ فصار ذلك كالاسم المُحالف لهذا اللفظ، فكأنه قال: لظننت عُودَك قُطْرًا أوألُوَّة أويَلَنْجوجا، أوغير ذلك من أسماء العود)) 1. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذ لا نُعَطِّلُ مِنها مَنظَرًا أَنِقًا... وَمَربَعًا بِمَها اللَّذاتِ مَأنوسا [بحر البسيط] ((... ولما كانت ((المها)) تستعمل في الدر والأسنان وبقر الوحش والبلور والنساء وغير ذلك مما يحسن ويصفوـ استحسن أن يقول: ((بِمَها اللَّذاتِ))؛ لِيَخُصَّ بها الإنس)) 2. إما بالنسبة لقرينة الألفاظ المولدة فقد استخدمها في موضعين أيضا هما: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لَئِن نَقِموا حوشِيَّةً فيكَ دونَها... لَقَد عَلِموا عَن أَيِّ عِلقٍ تُناضِلُ [بحر الطويل] ((الرواية ((حُوشيَّة))، من قولهم: إبل حُوش؛ أي: متبرزة لا تربع إلى الإنس (...) ومن روى: ((حَشْويَّة))، فهومن قولهم: فلان حَشْوي؛ أي: يأخذ بأخلاق الحَشومن الناس، وهم الذين لا يعتد بهم، وهذه الكلمة مولدة، ويجب أن تكون الرواية الصحيحة ((حوشية)) لا غير)) 3. والمُوَلَّد في اصطلاح العلماء هو ((لفظ استخرجه المولدون من اللغة الأصلية مع شيء من التصرف وليس مستعملا في كلام الأعراب (...) ويقال لهذا أيضا: المستحدث والعامي)) 4. والألفاظ المولدة التي استحدثها ((المولدون)) في العربية لا
يحتج بها 1. وقد ربط السيوطي الألفاظ المولدة بـ ((العامة))، وجعلها من فعلهم، فقال: ((في أمالي ثعلب: سئل عن التغيير، فقال: هو كل شيء مولد، وهذا ضابط حسن يقتضي أن كل لفظ كان عربي الأصل ثم غيرته العامة بهمز أو تركه أو تسكين أو تحريك أو نحو ذلك مولد، وهذا يجتمع منه شيء كثير)) 2.
وإشارة أبي العلاء أن كلمة ((حشوية)) مولدة، بمعنى: محدثة، أو عامية، أو محرفة عن بنية أخرى إشارة إلى ((تاريخ الكلمة)) ـ إن صح التعبير ـ وإشارة إلى أهمية هذا التاريخ في خدمة النص الشعري وغيره من النصوص، على الأقل في مجال رد الروايات المصحفة والمحرفة التي تأتي في كلمة ما، في نص ما.
ومن هنا أيضا تبرز أهمية المعجم التاريخي للغة العربية الذي يمكن الاعتماد عليه في الكشف عن صحة كثير من النصوص الأدبية والدينية وغيرهما.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
جَمَعتُ شَعاعَ الرَّأيِ ثُمَّ وَسَمتُهُ... بِحَزمٍ لَهُ في كُلِّ مُظلِمَةٍ فَجرُ [بحر الطويل]
((... ((شَعَاع الرأي)): بفتح الشين هي الرواية الصحيحة؛ أي: متفرقة.. ويدلك على أنه ((شَعَاع)) قوله: ((جَمَعَتْ))، ومن روى ((شُعَاع)) بالضم فهومعنى
صحيح؛ إلا أنني أظنه وُلِّدَ بعد موت الطائي)) 3.
• مواضع استخدام قرينة التناص:
التناص أو التناصية Intertextuality / éL?intertextualit ـ كمصطلح أدبي حديث ـ يشير إلى ((علاقة الوجود المشترك بين نصين أو عدة نصوص بطريقة
الاستشهاد أو السرقة أو الإلماع)) 1. أو هي: ((الاستشهاد بالنص؛ أي: الطرق التي يستعملها الناس في الانتفاع بالنصوص المشهورة، أوفي الإحالة إليها)) 2.
وقد لعب التناص دورا مهما مع أبي العلاء سواءً في شروحاته أو إبداعه الشعري الخاص به.
فعلى مستوى شروحاته فقد استخدم التناص كقرينة لتوضيح بعض معان عند أبيات أبي تمام، منها:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لَهُ خُلُقٌ نَهى القُرآنُ عَنهُ... وَذاكَ عَطاؤُهُ السَّرَفُ البِدارُ [بحر الوافر]
((من روى ((السَّرَفُ البِذَارُ)) بالذال معجمةً فهومُصَحِّف، وإنما يتعلق بقوله تعالى: چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ [الإسراء، 26]، وليس في الآية ذكر السرف لفظا، وإنما فيها نَهْيٌ عنه في المعنى.
و ((البذار)) ليس مصدر ((بَذّر))، وإنما بنى الطائي المعنى على الآية الأخرى، وهي قوله تعالى:چ? ? ? ? ? ? چ [النساء، 6]؛ فدلَّ ذلك على الدال غير المعجمة، وبين اللفظين في القوة تفاوت، وبون بعيد)) 3.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَلَم يَكُ مِنكَ إِضرارٌ وَلَكِن... تَمادَت في سَجِيَّتِها البِحارُ [بحر الوافر]
((((ولم يك ذاك إضرارا)) الأحسن أن يروى ((إضرارا)) بالضاد؛ لأنه لما بنى المعنى على الآية 1، وكان المُسْرفُ المُبادِرُ في أكل مال اليتيم مُضرًّا به؛ حسُنَ أن يذكر الإضرار بعد السرف والبدار)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: بُدُورُ قُيولٌ لَم تَزَل كُلُّ حَلبَةٍ... تَمَزَّقُ مِنهُم عَن أَغَرَّ مُحَنَّبِ [بحر الطويل] ((ويروى: ((ذَوونَ قُيولٌ))، وهوجمع قولك: ذومَرْحَب، وذوجَدَن، وذويَزَن، وذلك في حمير كثير، وهم الأذواء، وقلما يقولون الذَّوون، وإنما تبع الطائي في ذلك الكُمَيت؛ لأنه قال: وَمَا أعنِي بِذلك أَسفَليكُم... وَلَكِنِّي عَنيْتُ بِهِ الذَّوينَا [بحر الوافر])) 3. أما على مستوى إبداعه الشعري الخاص به نجد التناص حاضرا عنده فيما عبر عنه د. يوسف نوفل بـ ((البناء على الحكاية))، وهي تسمية ((تنصب ـ في الأساس ـ على لون من ألوان التناص، كما فهمه القدماء)) 4.
• مواضع استخدام القرينة البلاغية: ولها موضعان أحدهما: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح أبا دُلَف القاسم بن عيسى العِجلي: وَلَوكانَ يَفنى الشَّعرُ أَفناهُ ما قَرَت... حِياضُكَ مِنهُ في العُصورِ الذَّواهِبِ [بحر الطويل]
((((ما قَرَت حِياضُكَ)) ما جمعت، يقال: قَرَى الماء في الحوض يقريه؛ إذا جمعه، والمعنى: أنك رجل ملك شريف الآباء، قد مُدِح أجدادك بشعر كثير، فلوكان الشعر يفنى لفني من أجل ما مدحتم به في الدهر القديم، فهذا هوالوجه، وقيل: إنما أراد أن أبا دُلَف كان شاعرا، وقد يحتمل هذا، ولكن الأول أجود وأبلغ في المدح)) 1.
قرينة السياق غير اللغوي أو سياق الحال عند أبي العلاء: استخدم أبوالعلاء هذه القرينة في مواضع قليلة بلغت ثلاثة عشر موضعا، ويمكن أن نميز من هذه القرائن، ما يأتي: • القرينة الشرعية: وقد استخدمها في موضعين هما: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام في مدح مالك بن طوق التغلبي: بِكرًا تُوَرِّثُ في الحَياةِ وَتَنثَني... في السِّلمِ وَهيَ كَثيرَةُ الأَسلابِ [بحر الكامل] ((.. ((بِكر)): يعني القصيدة؛ فكأنه جَعَلها بنتًا للشاعر، فهي تُورثه وهي حية لم تَمُتْ، أي يأخذ الجائزة عليها، والأجود كسر الراء في ((تُورِّث))؛ لأن معنى الميراث يصح على ذلك لأبيها، وإن فُتِحت الراء جُعِل الميراث لها؛ ولا معنى لذلك؛ لأنه لم تجر العادة بأن يرث الإنسان إلا وهوحي)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: بِسُنَّةِ السَّيفِ وَالخَطِّيِّ مِن دَمِهِ... لا سُنَّةِ الدينِ وَالإِسلامِ مُختَضِبِ [بحر البسيط] ((.. أي خُضِبَ شَعْرُه بسُنَّة السيف؛ أي: بما سنه وحكم به، لا بسنة الإسلام؛ لأن الصحابة والتابعين كانوا يرون السنة أن يخضبوا شعورهم بالحناء والكَتَم.. ويكرهون الخضاب بالسواد ويؤثرون الحمرة)) 3.
• القرينة التاريخية: ومن أمثلتها: قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح أبا الحسين محمد بن الهيثم بن شُبانَة: بِهِ أَسلَمَ المَعروفُ بِالشامِ بَعدَما... ثَوى مُنذُ أَودى خالِدٌ وَهومُرتَدُّ [بحر الطويل] ((يعني خالد بن يحيي البرمكي؛ لأنه كان فارسيا؛ فتقرب إلى الممدوح بذكره؛ لأن الممدوح أيضا من فارس، وهذا أشبه من أن يعنى خالد بن يزيد، أوخالد بن عبد الله القسري، أوخالد بن يزيد بن معاوية)) 1.
• القرينة العرفية: وقد استخدمت في ثمانية مواضع، منها: [1] قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام في مدح المعتصم والأفشين: أَما وَأَبيهِ وَهومَن لا أَبا لَهُ... يُعَدُّ لَقَد أَمسى مُضيءَ المَقاتِلِ [بحر الطويل] ((أقسم بأبي المنهزم على معنى الهُزْء والعكس؛ لأن أصل هذا القسم إنما هولمن يُكرم أبوه)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: وَلِلكَذَجاتِ كُنتَ لِغَيرِ بُخلٍ... عَقيمَ الوَعدِ مِنتاجَ الوَعيدِ [بحر الكامل] ((جعله: عقيم الوَعْد، ولا وعد هناك؛ إذ كان يستعمل في الخير، ولوكان هناك وعد لكان البيت ذمًّا للممدوح؛ لأن الرجل يعاب بإخلاف الوعد)) 3. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
أَلقى إِلَيكَ عُرى الأَمرِ الإِمامُ فَقَد... شُدَّ العِناجُ مِنَ السُّلطانِ وَالكَرَبُ [بحر البسيط] ((... ((والسلطان)) هاهنا مراد به العز والقوة، من قولهم لفلان سلطان في بلد كذا، ولا يجوز أن يُحمل على أن السلطان آدميٌّ؛ لأنه يخرج إلى لفظ لا يليق بالسلاطين 1)) 2 • القرينة الطبيعية: ولها موضعان: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَنكِد بِأَريِ النَّوالِ ما لَم... يَحلُ مِنَ العُشبِ وَاللَّوِيثِ [بحر: مجزوء البسيط] ((.. ومن روى: ((وَالجُثوثِ))؛ فإن المعنى يَخْلُصُ لعسلِ النحل؛ لأن الجَثَّ ما يكون في موضع النحل من الشمع الذي لا عسل فيه وما يموت من النحل ويجتمع من أوساخها)) 3. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: نَورُ العَرارَةِ نَورُهُ وَنَسيمُهُ... نَشرُ الخُزامى في اخضِرارِ الآسِ [بحر الكامل] ((.. وإنما ذكر الآس؛ لأنه يُوصَف بدوام الخضرة)) 4. • القرينة العقلية: قال عند قول أبي تمام: حَذّاءُ تَملَأُ كُلَّ أُذنٍ حِكمَةً... وَبَلاغَةً وَتُدِرُّ كُلَّ وَريدِ [بحر الكامل]
((قوله: ((تَملَأُ كُلَّ أُذنٍ حِكمَةً)) يعني كل أذن سمعتها؛ إذ كان لا يمكن أن تمر بآذان الخلق كلهم)) 1.
وظائف أخرى لقرينة السياق عند أبي العلاء:
لم يستخدم أبوالعلاء قرينة السياق في تحديد معني البيت الشعري عند أبي تمام فقط بل كان يستخدمها لبيان أمور أخرى منها:
أرد الروايات المصحفة غير الصحيحة.
ب ترجيح رواية على رواية.
ت ترجيح معنى على معنى آخر.
أـ رد الروايات المصحفة 2:
استخدم أبوالعلاء القرينة في رد الروايات المصحفة فيما يقرب من اثني عشر موضعا، منها ما يأتي: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
ضَعُفَت جَوارِحُ مَن أَذاقَتهُ النَّوى... طَعمَ الفِراقِ فَذَمَّ طَعمَ العَلقَمِ [بحر الكامل]
((ويقع في النسخ: ((ضعفت جَوَانحُ))،والصواب: ((جَوَارح))، والتفسير يدل عليه)) 3.
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
غَصَبَتها نَحيبَها عَزَماتٌ... غَصَبَتني تَصَبُّري وَاغتِماضي [بحر الخفيف]
((الرواية الصحيحة ((نَجِيَّهَا))... ومن روى: ((نحيبها))؛ فهي رواية ضعيفة؛ لأن أول القصيدة يدل على خلافة)) 4.
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: صَدَفَت لُهَيّا قَلبِيَ المُستَهتَرِ... فَبَقيتُ نَهبَ صَبابَةٍ وَتَذَكُّرِ [بحر الكامل] ((.. ومن روى: ((صَدَّعتِ لَهْبَى قلبي))؛ فروايته تصحيف، ويدل على ذلك أن جاء في البيت الثاني بما يدل على أنه يخبر عن غائب)) 1. ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَصفَرُ مِنه كَأَنَّهُ مُحَّةُ الـ... بَيضَةِ صافٍ كَأَنَّهُ عَجسُ [بحر المنسرح] ((والرواية الصحيحة: ((أصفر منها))؛ أضمر قبل الذكر؛ لأن المعنى دالٌٍّ على ذلك)) 2.
ب ـ ترجيح رواية على رواية:
في حالة تعدد الرواية أوالروايات للبيت الواحد، وفي حالة غياب القرينة الفاصلة المحددة التي تحدد الرواية المقصودة، كان أبوالعلاء يجتهد في ترجيح الرواية المرادة بناء على القرينة التي لديه، مع استبعاد الرواية الأخرى.
وقد لجأ أبوالعلاء إلى الترجيح في أحد عشر موضعا، منها ما يلي:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَمَجهولَةِ الأَعلامِ طامِسَةِ الصُّوى... إِذا اعتَسَفَتها العيسُ بِالرَّكبِ ضَلَّتِ [بحر الطويل]
((وقوله: ((إِذا اعتَسَفَتها العيسُ)) هذه الرواية أثبت من الرواية الأخرى التي هي ((الريح))؛ لأن قوله: ((الركب)) يشهد بأنه قال ((العِيس)))) 3.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: