شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفيةصفحات 362-401

الباب الثاني

صفحات 362-401
عن هذه الطبعة
عَلَم
إيهاب سلامة
الكتاب
شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية
المؤلف
إيهاب عبد الحميد عبد الصادق سلامة
الناشر
رسالة ماجستير - كلية دار العلوم - جامعة القاهرةبإشراف: د محمد جمال صقرعام النشر: 2012 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

((.. استعار: ((الشمَّ)) في صفة السحاب، وما يعرف ذلك لأحد قبله)) 1. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لا يَأسَفونَ إِذا هُمُ سَمِنَت لَهُم... أَحسابُهُم أَن تُهزَلَ الأَعمارُ [بحر الكامل] ((.. قابل سِمَنَ الحسب بهزال الأعمار، ولم يستعمل ذلك في العمر قبل الطائي، إلا أن يكون شيئا غير مشهور)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: فَإِذا نِعمَةُ امرِئٍ فَرِكَتهُ... فَاهتَصِرها إِلَيكَ وَلهى عَروبا [بحر الخفيف] ((.. ((فَرِكَتهُ)): من فَرْك النساء، وهوبغضهن لأزواجهن، وما أَخرج الفِرْك من الحيوان إلى غيره أحد قبل الطائي)) 3. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لا يُسعِدُ المُشتاقَ وَسنانُ الهَوى... يَبِسُ المَدامِعِ بارِدُ الأَنفاسِ [بحر الكامل] ((الوسنان: الناعس واستعاره هاهنا للهوى، ولم يستعمل ذلك من قبل الطائي)) 4.. تعليل اهتمام أبي العلاء بالتنبيه على التطور الدلالي للكلمات المشروحة: بعد أن أوضحنا اهتمام أبي العلاء 5 بالتطور الدلالي للألفاظ المشروحة، قد يثور سؤال: لماذا كان اهتمام أبي العلاء بهذا التطور؟ وللإجابة عن هذا السؤال نمهد بالحقائق اللغوية الآتية:

1ـ أن المفردات لا تستقر على حال، وذلك لأن ((الحياة تشجع على تغير المفردات؛ لأنها تضاعف الأسباب التي تؤثر في الكلمات، فالعلاقات الاجتماعية والصناعات، والعُدد المتنوعة تعمل على تغير المفردات، وتقصي الكلمات القديمة، أوتحور معناها، وتتطلب خلق كلمات جديدة)) 1. 2ـ إن كل جماعة لغوية تترابط لغويا، وتتحول إلى جماعة ثقافية متميزة تصوغ بين الحين والآخر مدلولات جديدة للكلمات بحكم استخدامها للأشياء ومرورها بتجارب مختلفة، ولهذا كانت المدلولات سابقة لدوالها 2. 3ـ اللغة ليست هامدة أوساكنة بحال من الأحوال، بالرغم من أن تقدمها قد يبدو بطيئا في بعض الأحايين، فالأصوات والتراكيب والعناصر النحوية وصيغ الكلمات ومعانيها معرضة كلها للتغير والتطور 3. 4ـ تزداد سرعة التطور اللغوي بازدياد انتشار اللغة بين غير أهليها، وبازدياد عدد الذين يتكلمونها وتنوعهم 4. 5ـ لغة الشعر ((تنحو إلى استعمال كلمات قديمة؛ لأن الشعر يمتد تاريخيا في ثقافات متنوعة، ويعتمد على التعلم، وعلى شعر سابق)) 5. 6 ـ تتميز اللغة ((بأنها تستطيع أن تضفي على نفسها شكلا من أشكال عدة من خلال تعدد وظائفها: البلاغية، القانونية، الطقوسية، العاطفية... ومن الطبيعي أن الانتقال من المفاهيم إلى الرؤيا يؤسس إزاحة ما داخل اللغة، وكلما اتسعت تلك الإزاحة اقترب النص خطوة أخرى من الشعرية)) 6. ومن الطبيعي أن ((الإزاحة اللغوية، بمعنى الخروج على العرف اللغوي للوظيفة الإبلاغية للغة، لا بد وأن يتبعها نوع من الغموض يتسع كلما اتسعت مساحة تلك

الإزاحة)) 1. إذا علمنا هذه الحقائق، وأضفنا إليها حقيقة أن الفاصل الزمني بين أبي تمام وبين أبي العلاء هو مائتان وثمانية عشر عاما (218) 2 أدركنا مدى التطور اللغوي الذي قد يصيب ألفاظ اللغة، ومدى سوء الفهم الذي قد يقع فيه قارئ ديوان أبي تمام بعد هذه الفترة التاريخية الكبيرة؛ لذلك وحرصا من أبي العلاء على الفهم الصحيح للديوان كان يقوم بالتحديد الدلالي للألفاظ المشروحة، وتتبع هذا التطور.
وقد أحسن أبوالعلاء صنعا لأهل عصره، ومن أتى بعده لفهم الديوان.
ولم يفتأ تلميذه التبريزي أن اقتفي أثره في هذا الأمر.
وقد نبه علماء التفسير على أهمية مراعاة التطور الدلالي للألفاظ بمرور الزمن؛ ((فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد (...) فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله)) 3.

وننتقل الآن إلى العنصر التالي 1.

ـ العنصر السابع من عناصر المنهج عند أبي العلاء: الشرح بالإعراب

: الاعتماد على الإعراب كوسيلة من وسائل الشرح والإبانة عن المعنى أمر اعتمد عليه أبو العلاء، وهو بالطبع لم ينفرد به، فقد اهتم مفسرو القرآن بإعرابه اهتماما بالغا، ((والكتب المؤلفة في هذا العلم كثيرة جدا، مختلفة ترتيبا وحدا)) 1. واستعانوا بالنحو ((في توضيح الآيات في كتبهم المفسرة)) 2. إيمانا منهم بقيمته البيانية، يقول العُكْبَري: ((وأقوم طريق يُسلك في الوقوف على معناه، ويتوصل به إلى تبيين أغراضه ومغزاه معرفة إعرابه)) 3. وقد اعتمد أبوالعلاء في بعض مواضع الديوان 4 على الإعراب فقط كوسيلة للشرح؛ بمعنى أن أبا العلاء كان يكتفي فقط في شرح البيت بذكر الوظائف النحوية لألفاظ البيت، من ابتداء، أوخبرية، أوفاعلية، أومفعولية... ومن ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:

هَذا إِلى قِدَمِ الذِّمامِ بِكَ الَّذي... لَوأَنَّهُ وَلَدٌ لَكانَ وَصيفا [بحر الكامل] ((((هذا)):في موضع نصب بفعل مضمر؛ كأنه قال: أذكر هذا الشيء أوأعُدُّه، أونحوذلك من المضمرات، ويجوز أن يكون في موضع رفع، ويكون المعنى: هذا الذي أذكره إلى قِدَم الذمام أومعه، فيكون ((هذا)) مبتدأ، والخبر قوله ((إلي قدم الزمام)))) 1. ـ وقال عند قول أبي تمام: يَقولونَ إِنَّ اللَّيثَ لَيثُ خَفِيَّةٍ... نَواجِذُهُ مَطرورَةٌ وَمَخالِبُه [بحر الطويل] ((... والأجود أن يكون ((لَيثُ خَفِيَّةٍ)) مرفوعًا على خبر ((إنَّ))، ويكون على تقدير قولهم: الرجل فلان؛ أي: الرجل الذي حقه أن يُذْكَر ويُوصف، والمعني: الليث الذي يُرهَب صولته لَيثُ خَفِيَّةٍ، فإنْ نصب ((لَيثَ خَفِيَّةٍ)) على البدل ضَعُف المعنى؛ لأن الغرض يصير أنه أخبر عن ليث خفية بأن نواجذه مطرورة ومخالبه، وهذا معلوم لا يفتقر إلى الإخبار عنه، إلا أنه على ضعفه قد يحتمل أن يقال)) 2. وأبوالعلاء في هذين الموضعين وغيرهما يشير من طرف خفي إلى النحو كأداة للتفسير والإبانة عن ((المعنى الدلالي)) 3، حيث إنه ((يساعد على تفسير لغة المتكلم)) 4، ويساعد على ((كشف العلاقات بين الكلمات، وترابطها داخل التركيب)) 5. فللنحو ((طاقة مبدعة في إضاءة النص وتفسيره)) 6.


ـ العنصر الثامن من عناصر المنهج عند أبي العلاء: دعم الشرح وتأييده بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر والأمثال العربية وأقوال الأدباء

: من الأمور التي كان يستند إليها أبوالعلاء في شرحه الاعتماد على القرآن الكريم والأحاديث النبوية والشعر والأمثال العربية، وأقوال الأدباء.
فقد استند إلى كل هذا عند شرحه لأبيات أبي تمام، وأدلة على صحة ما وصل إليه من المعاني التي يرمي إليها أبوتمام، والتي يقصدها.
وكان للشعر نصيب كبير في دعم الشرح عنده، ولم يقتصر في استشهاداته الشعرية على شعراء عصر معين بل تنوعت استشهاداته من شعراء من العصر الجاهلي 1، والأموي 2، والعباسي 3. أما بقية الاستشهادات، فتتمثل في: · ستة مواضع للآيات القرآنية.
وثلاثة مواضع لقراءاته.
مثال ذلك قول أبي العلاء عند قول أبي تمام: قَد حَلَّ في صَخرَةٍ صَمّاءَ مُعنِقَةٍ... فَانحِت بِرَأيِكَ في أَوعارِها دَرَجا [بحر البسيط]

((وانحت بكسر الحاء أفصح من فتحها، وقد حكي الفتح، وقرأ الحسن البصري رحمه الله: چ تَنْحَتُون چ [الشعراء 149])) 1. · وسبعة مواضع للحديث النبوي.
مثال ذلك قوله عند قول أبي العلاء: خَوَّلتَهُ عَيشًا أَغَنَّ وَجامِلاً... دَثرًا وَمالاً صامِتًا وَأَثاثا [بحر الكامل] ((والدَّثْرُ الكثير، وجمعه دثور، وفي الحديث: ذهب أهل الدثور بالأجور)) 2. · وثمانية مواضع للأمثال العربية.
ومن أمثلة دعم الشرح بالأمثال قوله عند قول أبي تمام: فَما قِدحاكَ لِلباري وَلَيسَت... مُتونُ صَفاكَ مِن نُهَزِ المُرادى [بحر الوافر] ((... ويحتمل أن يريد بقوله: ((فَما قِدحاكَ لِلباري))؛ أي: أنك لا تترك قدحك لمن يبريه؛ فيفسده بالبَرْي الزائد على الحد، كما قالوا في المثل: ((هومُغْرًى بنحت أثلته))؛ إذ كان ينقصه ويعيبه)) 3. وقوله عند قول أبي تمام: وَنَحنُ نُزَجّيهِ عَلى الكُرهِ وَالرِّضا... وَأَنفُ الفَتى مِن وَجهِهِ وَهوأَجدَعُ [بحر الطويل] ((... نُزَجّيهِ: نحمله ونسوقه على أن يسير.
يقول: نحن على سخط راضون به؛ لأنه لا بد منه، وإن كنا نبغضه، فمثله مثل الأنف الأجدع، يعلم الفتى أنه قبيح، وقد ثبت أنه من وجهه، وهذا مثل قديم، يقولون: منك أنفك وإن كان أجدع، ومنك عيصك وإن كان أشِبا)) 4.

· موضع لقول أحد التابعين.
قال عند قول أبي تمام: غادَرتَ أَرضَهُمُ بِخَيلِكَ في الوَغى... وَكَأَنَّ أَمنَعَها لَها مِضمارُ [بحر الكامل] ((المضمار: الغاية التي تُجْرى إليها الخيل، وفي حديث الحسن البصري رضي الله عنه: إن الله جعل الصوم مضمارا لعباده)) 1. · موضع لقول أحد الأدباء: قال عند قول أبي تمام: أَلَهفي إِذا ما ارتَدى لِلرَّدى... أَلَهفي إِذا ما احتَبى لِلحِباءِ [بحر المتقارب] ((ارتدى افتعل من الرداء وهو السيف في هذا الموضع، وفي كلام لبعضهم: العرب أفضل الناس، العمائم تيجانها، والسيوف أرديتها، والحُبى حِيطانها)) 2.


الفصل الثاني

منهج التبريزي في شرح ديوان أبي تمام

ويشتمل على:

  1. توثيق الرواية.
  2. توظيف القرائن.
  3. توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان.
  4. الاعتماد على الاستعمال اللغوي (أوالكلامي) للألفاظ.
  5. الاهتمام الدلالي بالكلمة.
  6. الحرص على ذكر غرض القصيدة وسبب قولها قبل الشروع في شرحها.
  7. الحرص على ذكر بحر ووزن القصيدة ولقب القافية.
  8. دعم الشرح بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وبالأبيات الشعرية، والأمثال.

سنقوم بإذن الله في هذا الفصل بعرض منهج التبريزي في شرح ديوان أبي تمام، الذي يوافق في معظمه مع منهج أبي العلاء.

1) العنصر الأول من عناصر المنهج: توثيق الرواية

: كان التبريزي يهتم بتوثيق الرواية على نهج أستاذه، ويتمثل ذلك في رواية الروايات المختلفة للبيت قيد الشرح، وذكر الروايات الفردية أوالثنائية أوالثلاثية أوالرباعية للبيت الذي يشرحه، وفيما يلي هذا الإحصاء الذي قام به البحث 1. الأبيات التي شرحها التبريزي... الرواية الأحادية... الرواية الثنائية... الرواية الثلاثية... الرواية الرباعية... الرواية سداسية 2288... 196 بالإضافة إلى 7 أبيات لمعظم ألفاظ البيت.... بيتا... أبيات... بيتا... 1 المجموع الكلي للأبيات ذات الروايات المختلفة: 266

ونلاحظ أن: • التبريزي في بعض الأبيات يقدم رواية أخرى فقط بدون أي شرح آخر 2. • وكان التبريزي في بعض الأحيان يقدم الرواية الأخرى بقوله: ((والرواية الصحيحة)) 3. • وفي بعض المواضع يقول: ((والرواية المعروفة....)) 4.

وفي ثنايا شرح التبريزي نقرأ ما يفيد إحاطته بكل نسخ ديوان أبي تمام التي كانت متاحة لديه.
قال عند قول أبي تمام: سَهمُ الخَليفَةِ في الهَيجا إِذا سُعِرَت... بِالبيضِ وَالتَفَّتِ الأَحقابُ وَالغُرُضُ [بحر البسيط] ((في النسخ كلها: ((سهم الخليفة))،وفي ((ذكرى حبيب)) لأبي العلاء: شهم الخليفة)) 1. ونلاحظ مدى التثبت الذي كان يتحراه التبريزي في شرحه للديوان عند قوله: ((وسمعت بعض من يتقن هذا الديوان من رؤساء الكُتَّاب ينشد...)) 2. والتبريزي كان حريصا أشد الحرص أن يأخذ رواية عن ((الرواة المتقنين))، و ((أصحاب النقل)) 3. وهويعلم ما ((يجوز أن يكون مفترى على العرب)) من غيره 4، وما قد ((حُكِيَ)) على وجه مخصوص 5. وكان يستند في روايته للغة والشعر على فحول اللغويين، مثل: الأصمعي، أبي عبيدة، والفراء، والنضر بن شميل، وابن الأعرابي 6.

ونزعة التبريزي إلى التثبت تظهر في رفضه كل أمر لا يقوم عليه دليل، قال التبريزي: ((.. وكان الزجاج يذهب إلى أن الإستبرق سُمِّي بالفعل الماضي من البرق؛ إذا بني على استفعل، وهذه دعوى لا تثبت)) (1).


2) العنصر الثاني من عناصر المنهج: توظيف القرائن

: من الأمور التي اتكأ عليها التبريزي لتوضيح معاني أبيات أبي تمام ((القرائن))، فقد كانت مصباحًا يهديه إلى تلك المعاني، وقائدًا يقوده إليها.
وقد استغل هذه القرائن في مائة وخمسين موضعًا تقريبا.
ويمكن أن نصنف هذه المواضع إلى نوعين من القرائن:

  1. قرائن ((السياق اللغوي Linguistic Context))، أو ((قرائن السياق الداخلي للحدث اللغوي Verbal Context)).
  2. قرائن ((السياق غير اللغوي of Situation Context)).
    وتحت قرينة السياق اللغوي يمكن أن نضع مجموعة من القرائن الفرعية التي استخدمها التبريزي في شرحه: 1 القرينة اللفظية.
    (2) القرينة المعجمية.
    (3) القرينة النحوية.
    (4) القرينة الصرفية.
    (5) القرينة العروضية.
    (6) قرينة الاستعمال اللغوي.
    (7) قرينة خصائص الشاعر الأسلوبية.
    (8) قرينة خصائص الصنعة الشعرية.
    وتحت قرائن السياق غير اللغوي يمكن أن نضع ما يلي: (1) القرينة الجغرافية.

(2) القرينة التاريخية.
(3) القرينة العرفية.
[أ] قرائن السياق اللغوي: كانت قرائن السياق اللغوي تُكَأَةً تعينه على الشرح، وهوـ في كثير من المواضع ـ لا يشير إلى استخدامها، ولكننا نفهمها ضمنًا.
قال أبوتمام يمدح سليمان بن وهب: لَم أَزَل بارِدَ الجَوانِحِ مُذ خَضـ... خَضتُ دَلوي في ماءِ ذاكَ القَليبِ [بحر الخفيف] ((... وجعل الدلومثلا للرجاء، وأراد ((ماء القليب)): جود الممدوح)) 1. وقد يشير التبريزي إلى القرينة التي أوضحت ـ أورجحت، أورفضت ـ عند شرح المعنى، وهوفي أغلب الأحيان لا يذكر اسم هذه القرينة.
1ـ القرينة اللفظية.
ـ نرى ذلك مثلاعند قول أبي تمام: صاغَهُمُ ذوالجَلالِ مِن جَوهَرِ المَجـ... دِ وَصاغَ الأَنامَ مِن عَرَضِه [بحر المنسرح] ((هذا مأخوذ من الجوهر والعرض اللذين وضعهما المتكلمون؛ لأن ((الجوهر)) عندهم أثبت من العرض، وقد يجوز أن يجعل الجوهر هاهنا من الجواهر التي هي در وياقوت، ونحوذلك، وهوأبلغ من الوجه الأول، إلا أن مجيء ((العرض)) يُحْوِج إلى التأويل المتقدم)) 2. ـ ومن ذلك قوله: إِمليسُهُ إِمليدُهُ لَوعُلِّقَت... في صَهوَتَيهِ العَينُ لَم تَتَعَلَّقِ يُرقى وَما هُوبِالسَّليمِ وَيَغتَدي... دونَ السِّلاحِ سِلاحَ أَروَعَ مُملِقِ [بحر الكامل]

((مجيء ((يُرقى)) في أول هذا البيت يدل على أنه أراد بـ ((العين)) في البيت الأول: التي تصيب الإنسان، ومثل هذا كثير يتفق في الشعر، يكون البيت يحتمل وجوهًا، فإذا سُمِع البيت الذي يليه؛ قصره على واحد من تلك الوجوه)) 1. ـ وقال: فَامدُد عِناني بِوَأى ضِلعُهُ... تَثبُتُ وَالعُذرَةُ مِنهُ تَنوس [بحر السريع] ((أي احملني على فرس هذا صفته،... و ((ضلعه تثبت))؛ أي: متمكنة مساندة في خلقه،... وعند أبي عبد الله: ((ضلعه تُذْرع))؛ أي: طويل الضلع؛ تذرع لطولها ذرعًا، ولا تشبر، والأول هوالوجه لذكره النَّوْس مع الثبات)) 2. 2ـ القرينة النحوية.
ـ ومثال ذلك: يَقولُ مَن تَقرَعُ أَسماعَهُ... كَم تَرَكَ الأَوَّلُ لِلآخِرِ [بحر السريع] ((جعل ((مَنْ)) في معنى الجمع؛ لأنها عامَّة، تقع على الواحد والاثنين، والمذكر، والمؤنث، والجمع (...) ولولا ذلك لم يَحْسُن أن يقول ((أسماعه))؛ لأنه يجمع سمع الإنسان الواحد، وإن كان ذلك جائزًا؛ فليس بحسن، كما لا يحسن أن تقول: ضربت أعناقه، ولا شججت رءوسه، وإنما يجوز ذلك أن يجمع الشيء، ويضاف إليه ما حوله، كما يقال: ركبت أصلاب الناقة؛ لأنه يجعل كل فقارة صلبا)) 3. 3ـ القرينة الصرفية.
ـ قال عند قول أبي تمام: وَلِلكَذَجِ العُليا سَمَت بِكَ هِمَّةٌ... طَموحٌ يَروحُ النَّصرُ فيها وَيَغتَدي [بحر الطويل]

((... ((الكذج)): كلمة لم تستعملها العرب، ولا استعملت الكاف والذال والجيم فيما يعرف من الثلاثي)))) 1. ـ وقال: سَقاهُم كَما أَسقاهُمُ في لَظى الوَغى... بِبيضِ صَفيحِ الهِندِ وَالسُّمُرِ الذُّبلِ [بحر الطويل] ((... و ((الذُّبل)) جمع ((ذَبُول))؛ لأن ((فَعُولا)) بابه أن يجمع على ((فُعُل))، وجمع ((فاعل)) على هذا المثال قليل؛ فكان حمله على ((فَعُول)) أوجب)) 2. ـ وقال: صافي الأَديمِ كَأَنَّما أَلبَستَهُ... مِن سُندُسٍ بُردًا وَمِن إِستَبرَقِ [بحر الكامل] ((ولو كان ((السندس)) عربيًّا لكان اشتقاقه من ((السَّدُوس)) وهو: الطيلسان الأخضر)) 3. 4ـ القرينة العروضية.
ـ قال عند قول أبي تمام: قَتَلَتهُ سِرًّا ثُمَّ قالَت جَهرَةً... قَولَ الفَرَزدَقِ لا بِظَبيٍ أَعفَرِ [بحر الكامل] ((اكتفى بعجز بيت الفرزدق، لأنه لم يقدر أن يزيد على ذلك من أجل إقامة الوزن، والبيت مشهور، قد روي في شعر الفرزدق، وروي لغيره: أَقولُ لَهُ لَمّا أَتاني نَعِيُّهُ... بِهِ لا بِظَبيٍ بِالصَّريمَةِ أَعفَرا [بحر الطويل])) 4. ـ وكما قال عند قول أبي تمام:

مَن يَسأَلِ اللهَ أَن يُبقي سَراتَكُمُ... فَإِنَّما سالَهُ أَن يُبقِيَ الكَرَما [بحر البسيط] ((... وإن همزت ((يسأل)) فإنه أحسن، وإن تخالفت اللغتان، وإن لم تهمزها فجائز، والاختيار الهمز؛ لأنه أصح للوزن)) 1. ـ وأيضًا: فَما أَبقَيتَ لِلسَّيفِ اليَماني... شَجًا فيهِم وَلا الرُّمحِ الرُّدَيني وَقائِعُ أَشرَقَت مِنهُنَّ جَمعٌ... إِلى خَيفَي مِنًى فَالمَوقِفَينِ [بحر الوافر] ((وثنى ((الخَيْف)) وهوما ارتفع من المسيل، وانحدر عن الجبل، لأنه أراد إقامة الوزن، ذلك جائز على معنى الاتساع، وإنما يجيء في الشعر القديم ((خيف منى))،و ((الخيف من منى)) على التوحيد، إلا أن التثنية والجمع في مثل هذه الأشياء جائزان)) 2. 5ـ قرينة الاستعمال اللغوي.
ـ قال عند قول أبي تمام: يَنبوعُها خَضِلٌ وَحَليُ قَريضِها... حَليُ الهَدِيِّ وَنَسجُها مَوضونُ [بحر الكامل] ((... و ((الخضل)): الذي قد ابتل، ويجوز أن يكون الطائي لم يقله على هذا النظم؛ لأن الينبوع لا يحسن أن يوصف بـ ((خَضِل))، ولكن لوقال: ((غَدِق)) لكان أشبه؛ إذ كانوا يقولون: ((خضلَ ثوبُه))؛ إذا أصابه قطر فبله.)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام: قَومٌ غَدا طارِفُ المَديحِ لَهُم... وَوَسمُهُم لائِحٌ عَلى تُلُدِه [بحر المنسرح] ((و ((وسم)) ـ بالسين غير معجمة ـ؛ أي: علامة بالميسم، وهوأشبه من ((الوشم)) بالشين في هذا البيت؛ لأن الوشم يُستَعمل في الأكف والأذرع)) 4.

ـ وقال عند قول أبي تمام: وَبَيَّنَ اللهُ هَذا مِن بَرِيَّتِهِ... في قَولِهِ خُلِقَ الإِنسانُ مِن عَجَلِ [بحر البسيط] ((... واختلف المفسرون في قوله تعالى: چ ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ ? ? ? چ [الأنبياء: 37]، فقال قوم: هوعلى القلب، كأنه قال: خُلِقت العجلة من الإنسان، وقال بعضهم إنما المعنى: أنه يكثر العجلة؛ فهو مائل في جانبها؛ فكأنه خلق منها، ومثل ذلك يتردد في الكلام، تقول للصبي الذي يحب اللعب ويكثره: ما أنت إلا مخلوق من لعب...)) 1. 6ـ قرينة خصائص الشاعر الأسلوبية: ـ وقال عند قول أبي تمام: فَتًى دَخَرَ الدُّنيا أُناسٌ وَلَم يَزَل... لَها باذِلًا فَانظُر لِمَن بَقِيَ الذُّخرُ [بحر الطويل] ((الرواية المعروفة: ((لم يزل لها داحرا))، والذي غيرها بـ: ((باذل)) إنما كره لفظ ((داحر))، وذلك يدل على سُخْف رأي وجهل، وفي قوله: ((داحر)) ضرب من الصناعة التي كان يتبعها الطائي؛ لأن ((داحرا)) تصحيف ((داخر)))) 2. ـ قال عند قول أبي تمام: مَضَوا لَم يُخزِ قائِلَهُم خُمولٌ... وَلَم يُجدِب فَعالَهُمُ جُدوبُ [بحر الخفيف] ((((يُجْدِب)): يَعِيبُ، وإن رويت: ((جَدُوبُ)) بفتح الجيم فهو: ((فَعُول))، من ((جَدَبْتُه))؛ إذا عبته، وإن رويتَ: ((جُدُوب)) ـ بالضم ـ فهوأشبه بصنعة أبي تمام؛ لأنه يريد جمع جدب)) 3.

ـ ومنه قوله عند قول أبي تمام: تُثَفّى الحَربُ مِنهُ حينَ تَغلي... مَراجِلُها بِشَيطانٍ رَجيمِ [بحر الوافر] ((... ((تُثَفّى)) من الأثافي.. ومن قال ((أَثَّفَتْ)) فوزن ((أُثْفية)) عنده ((فُعْلية)).
وهاتان الروايتان أولى بصنعة الطائي، من رواية من روى: ((تصلى الحرب منه)).)) 1. ـ ومنه قوله عند قول أبي تمام: أَإِلى بَني عَبدِ الكَريمِ تَشاوَسَت... عَيناكَ وَيلَكَ خِلفَ مَن تَتَفَوَّقُ [بحر الكامل] ((.ومن روى ((خِلْف)) ـ بفتح الخاء ـ فهوبعيد من مذهب الطائي، وله مذهب في القياس)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: جَرى حاتِمٌ في حَلبَةٍ مِنهُ لَوجَرى... بِها القَطرُ شَأوًا قيلَ أَيُّهُما القَطرُ [بحر الطويل] ((والرواية المعروفة: ((بها القطر شأوا واحدا جمس القطر))؛وهوأشبه بكلام الطائي)))) 3. ـ ومنه قوله عند قول أبي تمام: قَد كِدتُ أَن أَنسى ظِماءَ جَوانِحي... مِن بُعدِ شُقَّةِ مَورِدي عَن مَصدَري [بحر الكامل] ((والأشبه أن يكون مد ((الظماء))؛ لأنه تكرر في شعره ممدودا، وذلك رديء؛ لأنه قليل في المستعمل)) 4. والتبريزي في اعتماده على أسلوب الشاعر كقرينة لبيان النص يسلك مسلك أستاذه الذي أشرنا إليه من قبل.

ولعل في منهجهما هذا إشارة إلى أن الوزن والقافية لا يمثلان أي عبء على الشاعر المتمكن من لغته وأنه رغم وجود هذين القيدين يمكن أن يكون له أسلوب.
وهما في هذا يتفقان مع النقاد العرب الذين ((انتهوا إلى أن أعلى مراتب البراعة السيطرة على القيد المضروب، وفك الحصار المفروض، حتى لا أثر لهما في المنجز من اللغة)) 1. ولعل في منهجهما هذا أيضا رد قديم على أصحاب ((قصيدة النثر)) و ((النثيرة)) الذين يرون ((في انبناء البيت على الانتظام رتابة مملة كما عدوا القافية قيدا شكليا يحول عمل الشاعر إلى جري وراء الموافقة الصوتية على حساب المعنى))، والذين يدعون ـ كما يقول أحد دعاتهم أدونيس ـ أن ((الشعر هو الكلام الموزون المقفى، عبارة تشوه الشعر، فهي العلامة والشاهد على المحدودية والانغلاق، وهي إلى ذلك معيار يناقض الطبيعة الشعرية العربية ذاتها)) 2. 7ـ قرينة خصائص الصنعة الشعرية.
قال أبوتمام: مِن كُلِّ ريمٍ لَم تَرُم سوءًا وَلَم... تَخلِط صِبى أَيّامِها بِتَصابي [بحر الكامل] ((.. وتخفيف الريم في هذا الموضع أجود في صناعة الشعر؛ لأنه يصير مجانسا لـ ((تَرُمْ)))) 3. [ب] قرائن السياق غير اللغوي: أما قرائن السياق غير اللغوي فقد تنوعت بين القرائن التاريخية، الجغرافية، والعرفية وغيرها.
أما القرينة التاريخية فتظهر عند قوله على بيت أبي تمام:

وَلَو عَلِمَ الشَيخانِ أُدٌّ وَيَعرُبٌ... لَسُرَّت إِذَن تِلكَ العِظامُ الرَّمائِمُ [بحر الطويل] ((وليس بحسن أن يُجعل ((أُدٌّ)) في هذا البيت أبا تميم بن مُرّ بن أُد بن طابخة بن إلياس بن مضر؛ لأن أُد بن طابخة لم يكن أبا لكل العرب، ولأن القول أعم في المدح)) 1. أما الجغرافية فتظهر عند قول أبي تمام: حَطَطتَ بِها يَومَ العَروبَةِ عِزَّهُ... وَكانَ مُقيمًا بَينَ نَسرٍ وَفَرقَدِ [بحر الطويل] ((واستعماله ((نَسرا)) و ((فرقدا)) بغير ألف ولام: أحسن من قوله ((كوَجْدِ فرزدق))، ومن قوله: ((ما بين أندلُس إلى صنعاء))؛ لأن ((الفرزدق)) و ((الأندلس)) لا يعرف غيرهما، مما له هذا الاسم، والنسر والفرقد: معهما غيرهما؛ فيحسن فيهما التنكير؛ لأجل الاشتراك)) 2. والعرفية فنلحظها عند قول أبي تمام: وَإِن خَفَرَت أَموالَ قَومٍ أَكُفُّهُم... مِنَ النَّيلِ وَالجَدوى فَكَفّاهُ مَقطَعُ [بحر الطويل] ((يقول إذا كانت يد الرجل كالخفير لماله؛ تحفظه من السؤال؛ فكفاه مقطع؛ أي يُقطع فيهما الطريق على المال؛ لأن العادة جارية بأن المال يؤخذ في قطع الطريق)) 3. وهذه القرائن السياقية غير اللغوية لهي دليل واضح على ثقافة التبريزي الواسعة التي تحيط بمعظم جوانب الثقافة العربية.

3) العنصر الثالث من عناصر المنهج: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان

: على نهج أستاذه كان التبريزي يستخدم خصائص البيئة اللغوية المستقرة في عصره لشرح الديوان، فهي عنده أيضًا كانت بمثابة المعيار الثابت الذي يحتكم إليه ـ عند شرحه ـ لبيان اقتراب أوابتعاد الديوان من هذا المعيار.
وقبل تقديم هذا الاقتراب أوالابتعاد يجب أن نقدم تصور التبريزي للغة.
اللغة عند التبريزي: من خلال تتبع شرح التبريزي نستطيع أن نرسم صورة للغة عنده، وهي كالتالي: تنقسم اللغة عنده إلى قسمين: لغة العامة، ولغة أهل العلم.
أما لغة العامة فهي تتسم بـ: • أن لها كيانها الخاص وأساليبها الخاصة بها وألفاظًا مصطلحًا عليها داخلها.
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام: أَخَرِستَ إِذ عايَنتَني حَتّى إِذا... ما غِبتَ عَن بَصَري ظَلِلتَ تَشَدَّقُ [بحر الكامل] ((هذا معنى يتردد في كلام الخاص والعام، يقول: إذا رآني سكتَ فلم ينطق، وإذا غبت تشدق بالقول)) 1. ـ وقال التبريزي: ((العامة يقولون: نظر إليهم الزمن إذا فعل بهم فِعْلا قبيحًا، وقد استعملوا ذلك في العصر القديم... وإنما هواصطلاح من العامة؛ لأن النظر إلى الإنسان ممن فوقه جائز أن يجلب إليه خيرا أوشرا)) 2. ـ وقال: ((والعامة إذا قالوا للرجل هوابن الطريق؛ نسبوه إلى أنه وُجِدَ منبوذًا)) 3. ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام:

رَأى الرومُ صُبحًا أَنَّها هِيَ إِذ رَأَوا... غَداةَ التَقى الزَّحفانِ أَنَّهُما هُما [بحر الطويل] ((.. ((أنهما هي)) يعني المنية، وهذا كلام يستعمله العامة كثيرا، إذا أشرف على الرجل منهم أمر قال: هي هي؛ أي: هذه القصة هي المنية التي تُنْتَظر)) 1. ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام: لَم يُسَوَّد وَجهُ الوِصالِ بِوَسمٍ الحُبِّ حَتّى تَكَشخَنَ العُشّاقُ [بحر الخفيف] ((.. ((تَكَشخَنَ)) كلمة عامية لا تعرفها العرب، وإذا حُمِلَت على القياس فالصواب: تَكشَّخَ)) 2. ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام: كَساكِ مِنَ الأَنوارِ أَصفَرُ فاقِعٌ... وَأَبيَضُ ناصِعٌ وَأَحمَرُ ساطِعُ [بحر الطويل] ((والاشتقاق لا يمنع أن يوصف الأبيض بالفاقع؛ إلا أنهم لم يستعملوه (...) وأهل البصرة يقولون: حَمَامٌ فَقِيع، وهي كلمة عامية، وقد طعن فيها بعض أهل العلم)) 3. ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام: لَبَّيتَ صَوتًا زِبَطرِيًّا هَرَقتَ لَهُ... كَأسَ الكَرى وَرُضابَ الخُرَّدِ العُرُبِ [بحر البسيط] ((.. ((زِبَطرِيّ)): منسوب إلى زبطرة..، والعامة يقولون: زَبَطْرة؛ بفتح الزاي، وليس في كلام العرب مثل: دَمَقْس في الرباعي..)) 4. ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام:

لَجادَ بِها مِن غَيرِ كُفرٍ بِرَبِّهِ... وَآساهُمُ مِن صَومِهِ وَصَلاتِهِ [بحر الطويل] ((الصواب ((وآساهم))؛ لأنه من تصييره إياهم أسوته؛ أي: مثله، إلا أن العامة يقولون: واساه، وقد استعملوا مثل ذلك في مواضع كثيرة، مثل: آكله، وآخاه)) 1. وقد توجد ألفاظ مشتركة بينها وبين لغة أهل العلم، ولكنها ذات دلالة مختلفة؛ أي تستقل لغة العامة بدلالة مستقلة عن لغة أهل العلم، قال التبريزي: ((والشمائل أكثر ما تستعمل العرب في معنى الخلائق... والعامة يقولون: فلان حسن الشمائل يريدون به حُسْن الخلق والقد، والاشتقاق يجيز ذلك)) 2. ... أما اللغة التي تقابل اللغة العامية ـ وهي التي اعتمد عليها وعلى خصائصها وسماتها في شرح الديوان ـ فهي اللغة التي سماها التبريزي لغة ((أهل العلم)) 3، و ((أصحاب اللغة)) 4، و ((أهل اللغة)) 5، و ((كلام العرب)) 6. وهذه اللغة تتميز بما يلي: 1ـ أنها لغة اصطلاحية: قال التبريزي: ((وأصل الهبوط: الانحدار، وجرى الاصطلاح على أن يقولوا: نزلنا أرض كذا، وهبطنا؛ إذا حلوها، وإن كانت مرتفعة)) 7. 2ـ أنها لغة تتكون من عدة لغات، ودليل ذلك: ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:

أَسقى طُلولَهُمُ أَجَشُّ هَزيمُ... وَغَدَت عَلَيهِم نَضرَةٌ وَنَعيمُ [بحر الكامل] ((يقال: سقى، وأسقى، قال قوم هما بمعنى واحد (...) وأنشدوا قول لبيد: سَقى قَومي بَني مَجدٍ وَأَسقى... نُمَيرًا وَالقَبائِلَ مِن هِلالِ [بحر الوافر] فجمع بين اللغتين)) 1. ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام: إِذا سيلَ سُدَّ العُذرُ عَن صُلبِ مالِهِ... وَإِن هَمَّ لَم تُسدَر عَلَيهِ المَسالِكُ [بحر الطويل] ((قوله: ((سِيل)).. على لغة من قال سِلْتُ أسال)) 2. ـ وقال: ((وأما الباه: فلغة في الباءة، وهوالنكاح... ويقال إن فيها أربع لغات: الباءة، والباهة، والباء، والباه)) 3. 3ـ ومن هذه اللغات ما يتميز ببعض الخصائص: مثل قول التبريزي: ((يقال: عَقِدُ الرملِ وعَقَدَهُ، وهوما يُعْقَد منه، والذين يسكنون نجدًا ونحوها يقولون: عَقْد الرمل)) 4. 4ـ ومن هذه اللغات الفصيح والرديء: ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام: لِمْ لَم أَمُت حُزُنًا لِمَ لَم أَمُت أَسَفًا... لِمْ لَم أَمُت جَزَعًا لِمْ لَم أَمُت كَمَدا [بحر البسيط] ((سَكَّنَ الميم في ((لم))، وحكي ذلك عن العرب واللغة الفصيحة غيرها)) 5. ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام:

أَخَذتَها لَبْوَةَ العِرّيسِ مُلبِدَةً... في الغابِ وَالنَّجمُ أَدنى مِن مَناكِحِها [بحر البسيط] ((يقال: ((لَبُؤَة)) على مثال سَبُعَة؛ فهذه اللغة الفصيحة)) 1. ـ وقال: ((يقال: جاء القوم بأجمُعِهم؛ بضم الميم، وهوأفصح عندهم من أجمَعِهم بالفتح؛ لأن أجمع مقصور على التوكيد)) 2. ـ وقال: ((وهَلَك بفتح اللام اللغة الفصيحة، وحكى بعضهم: هَلِكَ)) 3. ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام: صَدَّعتَ جِريَتَهُم في عُصبَةٍ قُلُلٍ... قَد صَرَّحَ الماءُ عَنها وَانجَلى الزَّبَدُ [بحر البسيط] ((و ((قُلُل)): جمع قليل، وربما قالوا: قُلَل، فإن صَحَّ ذلك؛ فإنهم فتحوا للتضعيف (...)؛ وهي لغة رديئة)) 4. 5ـ ومن اللغات الفصيحة ما هو اللغة العالية: قال التبريزي عند قول أبي تمام: أَيُرضِخُنا رَضخَ النَّوى وَهومُصمِتٌ... وَيَأكُلُنا أَكلَ الدَّبا وَهوجائِعُ [بحر الطويل] ((يقال: رضخ النوى؛ إذا دَقَّه ليعلفه الإبل، ويقال بالحاء أيضا، والحاء عندهم هي اللغة العالية)) 5. 6 ـ وأنها لغة متطورة بدليل قول التبريزي عند قول أبي تمام: قَلتًا مِنَ الريقِ ناقِعَ الذَّوبِ إِلا أَنَّ بَردَ الأَكبادِ في جَمَدِه [بحر المنسرح]

((الهاء في ((جمده)) لا تعود إلى الريق، بل يعود إلى: القلْت، الذي هوكناية عن الفم.
وسقط قول العائب: ما معنى جَمَد الريق؟، إذا كان الجمد كناية عن الأسنان.
وهذا ظاهرٌ حَسَنٌ، وليس لأحد أن يقول: الجُمُود يستعمل فيما كان سائلا قبل؛ لأنهم توسعوا في استعماله واستعمال الذوب، ألا تراهم يقولون فيمن لا يبكي عند الرزايا: هوجماد الحاجبين)) 1. وبدليل استخدامه للفظة ((المحدثين))، ولم يقل العامة: ـ قال عند قول أبي تمام: حَتّى كَأَنَّ جَلابيبَ الدُّجى رَغِبَت... عَن لَونِها وَكَأَنَّ الشَّمسَ لَم تَغِبِ [بحر البسيط] ((والدجية: الظلمة، وقال قومٌ: لايقال دُجية إلا لليل مع غيم، فأما المحدثون فيعبرون بالدجى عن الليل، ولا يفرقون بين المقمر وغيره)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: فَأُقسِمُ لَوسَأَلتِ دُجاهُ عَنّي... لَقَد أَنباكِ عَن وَجدٍ عَظيمِ [بحر الوافر] ((هكذا يروى على توحيد ((الدجى))، والمعروف أنها جمع دجية، ولكن المحدثين يستعملونها في معنى الواحد، وذلك جائز على معنى الجنس)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام: ما يُبالونَ إِذا ما أَفضَلوا... ما بَقِي مِن مالِهِم أَوما هَلَك [بحر الرمل] ((إن كان استعمل لغة طيئ فهي ((بقا))، في لفظ الألف على وزن ((رحا))، وإن كان استعمل اللغة الأخرى، وهي أضعف اللغتين، فقد ألفتها العامة، وكثرت في أشعار المحدثين، وهي في الشعر الأول قليلة)) 4.

هذا هو تصور التبريزي للغة، فهي في تصوره: عامية، وفصيحة.
واللغة الفصيحة تتكون من ((لغات))، منها الرديء 1 ومنها الفصيح، وأن من اللغات الفصيحة ((اللغات العالية))، وأنها متطورة.
وهنا نود إيراد ملحوظتين: 1ـ أن التبريزي اعتمد على اللغة العامية لتفسير بعض أبيات أبي تمام الذي لجأ هو نفسه إليها.
2ـ التبريزي اتخذ من اللغة الفصحى معيارا أساسيا في شرح الديوان، معتمدا على خصائصها وسماتها، وبيان مدى اقتراب أبي تمام من هذا المعيار، أوابتعاده عنه.
وبعد أن قدمنا تصور التبريزي للغة، سنحاول في الصفحات التالية عرض العنصر الثاني من عناصر المنهج عند التبريزي وهو: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان، وسنوضح كيف استغل خصائص اللغة الفصحى، وكيف استخدمها كمعيار ثابت أوضح من خلاله مدى اقتراب أبي تمام منه أوابتعاده، وهو في ذلك يحذو حذو أستاذه أبي العلاء.
• توظيف خصائص اللغة الراقية في شرح الديوان: اعتمد التبريزي على خصائص اللغة الراقية في شرحه للديوان، وتتمثل تلك الخصائص التي اعتمد عليها في: الخصائص الصرفية، والخصائص النحوية، وتوظيف الاستعمال اللغوي، هذا بالإضافة إلى توظيفه لخصائص البيئة الأدبية التي استقر عليها الشعراء.
وقبل أن نشرع في توضيح هذه الخصائص نشير إلى ما يدل على اعتماد التبريزي على خصائص اللغة الراقية، وهوتكراره لكلمة ((يقال)) ومشتقاتها: ((يقولون، وهومن قولهم، قيل)).
وتكاد هذه اللفظة تذكر مع كل بيت يشرحه التبريزي، بل قد تذكر في البيت الواحد ثلاث مرات.
ـ قال عند قول أبي تمام:

وَرَأيُكَ مِثلُ رَأيِ السَّيفِ صَحَّت... مَشورَةُ حَدِّهِ عِندَ المِصاعِ [بحر الوافر] ((يقال مَشُورة ومَشْوَرة، وهومن قولهم: شار الأمرَ يشوره إذا عرضه)) 1. ـ وقال عند قول أبي تمام: أيُّ ندى بين الثرى والجبوب... وسؤددٍ لدنٍ ورأي صليب [بحر الرجز] ((الجبوب: يقال إنها الأرض الغليظة، وقيل: الطين اليابس، وقيل: هي ظاهر الأرض)) 2. [أ] توظيف الخصائص الصرفية: وظف التبريزي الخصائص الصرفية عند شرحه لبعض أبيات الديوان، وقد أخذ هذا التوظيف أشكالا متعددة: · توظيفها لبيان مدي اقتراب أبي تمام من هذه الخصائص الصرفية.
ـ قال عند قول أبي تمام: أَحسِن بِأَيّامِ العَقيقِ وَأَطيِبِ... وَالعَيشِ في أَظلالِهِنَّ المُعجِبِ [بحر الكامل] ((وقال: ((أطيب))؛ فصحح الياءَ؛ لأن التعجب شأنه ذلك، يظهر فيه التضعيف، ويصح المعتلُّ، إذا بنيته على ((ما أَفْعَله))؛ فإنه يصح مُعتله، ولا يظهر مضعفه، تقول: ما أقولَهُ للحق، وما أعزَّهُ، وما أشدَّه؛ فتدغم، فإذا صرت إلى لفظ ((أفعل به))، قلت: أقْوِلْ به وأعزز، ولم يقولوا: أعزَّ بفلان ألبتة)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام: لَمّا أَطالَ ارتِجالَ العَذلِ قُلتُ لَهُ... ألحَزمُ يَثني خُطوبَ الدَهرِ لا الخُطَبُ [بحر البسيط]

((قطع ألف الوصل في أول النصف الثاني من البيت؛ إذ كان ما قبله موضع وقف؛ لأنه قال: ((قلت له))، ثم ابتدأ بأول الكلام المحكيِّ)) 1. ـ وقال عند قول أبي تمام: كَأَنَّ السَحابَ الغُرَّ غَيَّبنَ تَحتَها... حَبيبًا فَما تَرقا لَهُنَّ مَدامِعُ [بحر الطويل] ((يقول: أكثرت عليها السحاب من أمطارها حتى كأنها دُفِنَ فيها حبيبٌ، فهي تبكي عليه، يعني الرياض، وخفف الهمزة في ((ترقأ)) وهوجائز بلا خلاف)) 2. · ويُوظف التبريزي الخصائص الصرفية بصورة أخرى، حيث يقوم من خلالها من الوقوف على مدى ابتعاد أبي تمام عنها: ـ قال عند قول أبي تمام: خَلائِقٌ فيهِ غَضَّةٌ جُدُدٌ... لَيسَت بِمَنهوكَةٍ وَلا لُبُسِ [بحر المنسرح] ((... و ((لُبُس)) جمع لَبِيس، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول؛ فليس بابه أن يجمع على فُعُل، ولكنه قد يدخل الباب على الباب، كما قالوا، ((قتيل وقُتَلاء، وأسير وأسراء))، وإنما القياس: قَتْلى، وأسرى)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام: أَما وَأَبيها لَورَأَتني لَأَيقَنَت... بِطولِ جَوًى يَنفَضُّ مِنهُ الحَيازِمُ [بحر الطويل] ((... والحيازم: أراد الحيازيم؛ فحذف الياء، وإنما الواحد ((حيزوم))، وحذف هذه الياء في الجمع يجترئ عليه الشعراء كثيرًا، كما قالوا: عصافر، ومصابح في جمع عصفور، ومصباح)) 4. ـ وقال عند قول أبي تمام:

الشَرقُ غَربٌ حينَ تَلحَظُ قَصدَهُ... وَمَخالِفُ اليَمَنِ القَصِيِّ شَآمُ [بحر الكامل] ((... وقد تردد مجيء ((الشآم)) في شعر الطائي على ((فَعال))، وقد جاء ذلك في الشعر القديم إلا أنه شاذ)) 1. ـ وقال عند قول أبي تمام: لَم يُسَوَّد وَجهُ الوِصالِ بِوَسم الحُبِّ حَتّى تَكَشخَنَ العُشّاقُ [بحر الخفيف] ((.. ((تكشخن)): كلمة عامية لا تعرفها العرب، وإذا حُمِلتْ على القياس، فالصواب ((تَكشَّخَ))؛ لأنك إذا بنيت ((تَفَعَّل)) من سكران فالوجه أن تقول: ((تَسَكَّر))، وأما مثل: تَسَكْرن من السَّكران، وتَعَطْشَن من العَطْشان فمعدوم قليل)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: آثارُ أَموالِكَ الأَدثارِ قَد خَلُقَت... وَخَلَّفَت نِعَمًا آثارُها جُدُدُ [بحر البسيط] ((الأدثار: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون جمع ((دثْر)) من المال؛ وهوالكثير، والمعروف في جمعه: ((دُثُور)) و ((فَعْل)) ليس بابه أن يجمع على ((أَفْعَال))، ولكنه قد جاء في مواضع، مثل: ((زَنْد وأَزْنَاد، وفرخ وأفراخ،....)) والآخر: أن يكون من قولهم ((أثر داثر، وربع داثر؛ أي: طامس))؛فيجمع على أفعال)) 3. · وقد وظف الخصائص الصرفية لبيان عربية لفظةٍ أوأعجميتها: ((الياقوت: كلمة قد استعملتها العرب، فهي كلمة أعجمية في الأصل، وليس لها اشتقاق في كلامهم؛ لأنهم لم يحكوا ((أليقْتُ)))) 4. · وقد وظف الخصائص الصرفية في تفضيل رواية لبيت على رواية أخرى:

قال التبريزي عند قول أبي تمام: وَبَيَّتَّ البَياتَ بِعَقدِ جَأشٍ... أَشَدَّ قُوًى مِنَ الحَجَرِ الصَّلودِ [بحر الوافر] ((... ومن روى: ((أَمَرَّ قوًى)): فالمعنى أشدَّ إمرارًا؛ أي: فتلا، و ((أَشَدَّ قُوًى)) أجود الروايتين؛ لأن المعروف أمررت الحبل بالهمز، وهم يجتنبون أن يبنى فعل التعجب على أَفْعَلَ في التفضيل، إلا في أشياء مسموعة)) 1.

[ب] توظيف الخصائص النحوية: استغل التبريزي الخصائص النحوية أيضا في شرحه لبعض أبيات الديوان، مبينًا مدى اقتراب أبي تمام من هذه الخصائص أوابتعاده عنها.
ومن أمثلة المواضع التي ابتعد فيها أبوتمام عن الخصائص النحوية، التالي: ـ قال عند قول أبي تمام: لازالَ جودُكَ يَخشى البخلُ صَولَتَهُ... وَزالَ عودُكَ تَسقي رَوضَهُ الدِيَمُ [بحر البسيط] ((إذا صحت هذه الرواية؛ فقد حذف ((لا)) في قوله: ((وزَال عودك))؛ لأنه أراد: ((ولا زال عودك))؛ وحذفها في هذا الموضع قليل، وإنما كثر في القسم، كما جاء في الآية: چ ? ? ? ? ?چ [يوسف: 85]؛ أي: لا تفتأ، ومثله كثير، فأما في مثل بيت الطائي فحذفها مفقود؛ لأنه يؤدي إلى اللبس)) 1. ـ وقال عند قول أبي تمام: نَقولُ إِن قُلتُمُ لا لا مُسَلَّمَةً... لِأَمرِكُم وَنَعَم إِن قُلتُم نَعَما [بحر البسيط] ((((لا))، ((نعم)) يُحكيان، وهما ينوبان عن جملتين (...) والغالب عليها ألا يدركهما إعراب، وقد أعرب الطائي ((نعم)) في هذا البيت (...) ونصب الطائيُّ ((نعم)) في القافية؛ لأنه أخرجها من بابها، وجعلها مفعولة للقول)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: مَلَكَ الكِلالُ رِقابَها وَأُنوفَها... فَنُعوبُها دينٌ لَها وَسُعومُها [بحر الكامل] ((وكون الفاء في قوله: ((فنعوبها)) واوا أحسن، وعليه يصح المعنى، ولعل الطائي قاله كذلك)) 3.

ـ وقال عند قول أبي تمام: بِكَ عادَ النِّضالُ دونَ المَساعي... وَاهتَدَينَ النِّبالُ لِلأَغراضِ [بحر الخفيف] ((... وقوله ((واهتدين النبال)): قد مر القول في أنه يردد مثل هذا الفعل الذي يتقدم فيه الضمير قبل الذكر، وهوعربي إلا أنه قليل)) 1. ـ وقال عند قول أبي تمام: ما كُنتُ أَحسِبُ أَنَّ الدَهرَ يُمهِلُني... حَتّى أَرى أَحَدًا يَهجوهُ لا أَحَدُ [بحر البسيط] ((أصل أحد أن يستعمل في النفي، فيقال: ((ما جاءني أحد، ولا رأيت أحدًا، ولا مررت بأحدٍ))، ويقبح أن نقول: ((جاءني أحدٌ))... ولكن العرب خصت النفي بأشياء لم تستعملها في غيره، كقولهم: ((ما بالدار دَيَّار))... إلا أن الشعراء ربما أخرجت ((أحدًا)) إلى غير هذا النوع، وذلك من الضرورات)) 2. · ومن المواضع التي اقترب فيها الطائي من الخصائص النحوية: ـ قال عند قول أبي تمام: ما خالِدٌ لي دونَ أَيّوبٍ وَلا... عَبدُ العَزيزِ وَلَستُ دونَ وَليدِ [بحر الكامل] ((و ((وليد)): يعنى به الوليد بن عبد الملك؛ فحذف الألف واللام، وهوجائز، وقد استعمل ذلك الطائي كثيرًا في مواضع، وهوجائز إلا أن تركه أحسن)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام: أُمنِيَّةٌ ما صادَفوا شَيطانَها... فيها بِعِفريتٍ وَلا بِمَريدِ [بحر الكامل] ((.. يقال: ما صادفته حاضرًا، وما صادفته بحاضر؛ فيدخلون الباء إذا كان في أول الكلام نفي أوشيء يشابه النفي)) 4.

· ومن المواضع التي استغل فيها الخصائص النحوية لتوضيح المعنى التالي: ـ قال عند قول أبي تمام: طَبَلَت رَبيعَ رَبيعَةَ المُهمى لَها... فَوَرَدنَ ظِلَّ رَبيعَةَ المَمدودا [بحر الكامل] ((... والأحسن أن تكون الإضافة هاهنا على معنى ((من))؛ لأنها إذا كانت بمعنى ((اللام)) جاز أن يتوهم السامع أنه ربيع لربيعة، دون غيرها من القبائل)) (1). ـ وقال عند قول أبي تمام: يَغشَونَ أَسفَحَهُم مَذانِبَ طَعنَةٍ... سَيحٍ وَأَشنَعَ ضَربَةٍ أُخدودا [بحر الكامل] ((... وتخفض ((سيح)) بجعله صفة للطعنة، وإن شئت نصبته على تقدير ((يسيح سيحا))، والأحسن خفض ((ضربة))؛ لأنه عطفه على قوله ((أسفحهم))؛ فوجب أن يكون على تقدير قولك: ((وأشنعهم ضربة))، ولا يكون ذلك إلا في المعنى، والنصب جائز، ولكن هذا الوجه أبين وأحسن، وإنما قبح النصب لأجل حذف المضاف، كما قبح في قولك: ((مررت بأشرف القوم وأحسن وجها))، وأنت تريد: ((وأحسنهم وجها)))) (2).


4 ـ العنصر الرابع من عناصر المنهج: الاعتماد على الاستعمال اللغوي (أوالكلامي) للألفاظ.

توظيف الاستعمال اللغوي للغة الراقية:12

من الأمور المهمة التي كان يعتمد عليها التبريزي في شرح الديوان توظيفه لما يمكن أن نسميه بـ ((المسموع اللغوي)) أو ((الاستعمال اللغوي)) الذي كان يقبله ويسلم به دون مناقشة 1. ومن خلال هذا التوظيف لـ ((المسموع اللغوي)) استطاع التبريزي أن يتمكن من عدة أمور، منها: [1] بيان الانحرافات الاستعمالية التي خرج بها أبوتمام على الاستعمال المتعارف عليه [2] رد بعض الروايات للديوان.
[3] بيان معنى البيت قيد الشرح، وإبراز كثير من الجوانب بلاغية فيه.
وقبل توضيح ما سطرناه آنفا نحب أن نثبت الأمور التالية: [أ] أن مصطلح ((الاستعمال اللغوي)) تردد ذكره عند التبريزي صراحة في مواضع عدة من شرحه، بأشكال وألفاظ متعددة: [1] فتارة يستخدم لفظ ((استعمل)) بأشكال متعددة: ((يُسْتَعمل))، ((اسْتُعمل))، ((المستعمل))، ((استعملوا))، ((يستعملون))، ((الاستعمال)) 2. [2] وتارة يستخدم للتعبير عن نفس المصطلح قوله: ((وقد حكيت)) 3، ((وأهل اللغة يحكون)) 4.

[3] وتارة يستخدم كلمة: ((والعادة))،أو ((لأن العادة)) 1،أو ((جرت العادة)) 2. [4] وتارة يستخدم عبارة: ((وهذا كما نقول في الكلام)) 3. [5] وتارة يستخدم كلمة: ((تردد ذكر)) 4، ((تردد الكلام)) 5. [6] وتارة يستخدم عبارة: ((والأكثر في كلامهم)) 6، ((وكثر ذلك حتى قالوا)) 7. [7] وتارة يستخدم عبارة: ((ولم يزل القائل يستعير)) 8. [8] وتارة يستخدم لفظتا: ((معروف)) 9 ((وغير معروف)) 10. [9] وتارة يستخدم عبارة: ((ولم يذكروا)) 11. [10] وتارة يستخدم لفظة: ((الغالب)) 12 [11] وتارة يستخدم عبارة: ((ومن كلام العرب)) 13. [12] وتارة يستخدم عبارة: ((قليل في كلامهم)) 14.

[ب] أن التبريزي كان على وعي بالتطور الدلالي للألفاظ المستعملة، فهوعلى وعي بأن اللفظة كانت تستخدم في معنى معين في وقت من الأوقات ثم حدث لها تطور دلالي بعد ذلك، وفيما يلي أمثلة: ـ قال: ((.. أصل ((الوادي)) من قولهم: ((وَدَى)) إذا سال، ثم أهملوا هذه الكلمة؛ فلم يستعملوها إلا في ودى البائل)) 1. ـ وقال: ((.. أصل: ((الترشيح)) تربية الوحشية ولدها، وتعليمها إياه المشي؛ ثم يستعمل ذلك في كل شيء)) 2. ـ وقال: ((.. ((الخُوط)): الغصن، وجمعه: خيطان، وكثُر ذلك حتى قالوا: رجل خُوط؛ إذا كان شابا قويا)) 3. [ج] أن من المسموع عند التبريزي ما هورديء، والسبب قلة الاستعمال: ـ قال عند قول أبي تمام: قَد كِدتُ أَن أَنسى ظَماءَ جَوانِحي... مِن بُعدِ شُقَّةِ مَورِدي عَن مَصدَري [بحر الكامل] ((والأشبه أن يكون مد ((الظماء))؛ لأنه تكرر في شعره ممدودا، وذلك رديء؛ لأنه قليل في المستعمل)) 4. ـ وقال: ((الإصاخة: إمالة الأذن للسمع، وقد حكيت بالسين، وهي رديئة)).

وظيفة الاستعمال اللغوي عند التبريزي: (أ) الوظيفة الأولى: بيان الانحرافات الاستعمالية عند أبي تمام:

توافق علماء اللغة في عصرنا الحديث على أن النظام اللغوي ينقسم إلى مستويين: مستوى اللغة Language، ويقصد به بنية اللغة الأساسية، أو ((هي النظام المرتَّب للكلام المستخدم من قِبَل البشر كوسيلة اتصال فيما بينهم)) 1. ومستوى الكلام Speech، ويعني اللغة في حالة التفاعل الفعلي بها أو ((فعل أو حدث الكلام)) 2. وينقسم المستوى الثاني إلى قسمين آخرين ((أولهما: الاستخدام العادي للغة، وثانيهما: الاستخدام الأدبي لها، وهذا المستوى الثاني هو مجال البحث الأسلوبي باعتبار أن الفرق بين الاستخدام العادي للغة والاستخدام الأدبي لها يكمن في أن هناك انحرافا في المستوى الثاني عن النمط العادي)) 3. والانحراف ـ هنا ـ يعني ((الخروج على ما هو مألوف في الاستعمال اللغوي مما يشكل في النهاية ما يسمى الخاصية الأسلوبية)) 4. والمألوف من الاستعمال اللغوي هو المستوى المثالي أو العادي الذي أقامه النحاة واللغويون، وهو ((يعتمد النحوَ التقعيديَّ في تشكيل عناصره، كما يعتمد اللغة في تنسيق هذه العناصر.
وثمرة الترابط بين ما يقول به النحاة وما يقول به اللغويون ظهورُ مثالية اللغة في استخدامها المألوف، وهي مثالية افتراضية أكثر منها تطبيقية واقعية)) 5.

وقد جعل البلاغيون هذا المستوى ((الخلفية الوهمية وراء الصياغة الفنية، التي يمكن أن يقيسوا إليها عملية العدول في هذه الصياغة)) 1. والانحراف الأدبي الذي يتميز به النص الشعري بشكل عام على ضربين: ((الأول: انحراف بلاغي، يأتي من خارج النص (استعاري أو كنائي)، الثاني: انحراف دلالي، يأتي من داخل النص، إعادة شحن الدال بدلالة جديدة)) 2. وقد استخدم التبريزي الاستعمال اللغوي الثابت عنده وفي عصره كمعيار ينطلق منه لتوضيح الانحرافات التي كان يخرج أبوتمام بها بعيدا عن هذا الاستعمال، وأهم هذه المواضع التي استخدم فيها ((الاستعمال)) لبيان تلك الانحرافات التالي: قال عند قول أبي تمام: كُلُّ شَيءٍ غَثٌّ إِذا عادَ وَالمَعروفُ غَثٌّ ما كانَ غَيرَ مُعادِ [بحر الخفيف] ((.. أصل الغث من قولهم: ((لحم غث))؛ إذا لم يكن سمينًا، و ((حديث غث))؛ إذا لم يكن عليه طلاوة، فاستعار ((الغثاثة)) هاهنا في الأشياء كلها، وإنما المعروف أن يستعمل في الحديث)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام: فَطَحطَحتُ سَدّاً سَدُّ ياجوجَ دونَهُ... مِنَ الهَمِّ لَم يُفرَغ عَلى زُبرِهِ قِطرُ [بحر الطويل] ((وجمع ((زُبْرةً)) على ((زُبْر))، وذلك جمع غير معروف، وإنما يقال: ((زُبْرة وزُبَر))، وكذلك جاء القرآن)) 4. ـ وقال: ((الأَرْية واحدة الأرْي، وهوالعسل، وقلما تستعمل هذه الكلمة موحدة)) 5. ـ وقال عند قول أبي تمام:

جارٍ التحميل