شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفيةصفحات 322-361

الباب الثاني

صفحات 322-361
عن هذه الطبعة
عَلَم
إيهاب سلامة
الكتاب
شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية
المؤلف
إيهاب عبد الحميد عبد الصادق سلامة
الناشر
رسالة ماجستير - كلية دار العلوم - جامعة القاهرةبإشراف: د محمد جمال صقرعام النشر: 2012 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

رِيمٌ أَبَت أَن يَريمَ الحُزنُ لي جَلَدًا... وَالعَينُ عَينٌ بِماءِ الشَّوقِ تَبتَدِرُ [بحر البسيط] ((.. ومن روى: ((خلدا)) بالخاء؛ فالخلد: الصدر، ومعناه: أبت أن يفارق الحُزْنُ صدري، وهذه الرواية هي الجيدة)) 1. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مُزَمجِرُ المَنْكِبَينِ صَهصَلِقٌ... يُطرِقُ أَزلُ الزَّمانِ مِن صَخَبِه [بحر المنسرح] ((ويروى: ((مُجْرَمِّزُ المنكبَين))؛ أي: مجمعهما، اجرمَّز الرجل؛ إذا اجتمع في جلسته.. والرواية الأولى هي الوجه)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: هَبَّت لِأَحبابِنا رِياحٌ... غَيرُ سَواهٍ وَلا ديوثِ [بحر: مجزوء البسيط] (([يروى: ((رُيُوث))] و ((ريوث)) من الرَّيْث وهوالإبطاء... و ((دُيُوث)) جمع: دَيْث، وهواللين... والرواية الجيدة ((رُيُوث)) بالراء)) 3. ج ـ ترجيح معنى على معنى: كان أبوالعلاء يقدم كل المعاني المحتملة للبيت؛ ولكنه كان يرجح معنى على معنى في وجود قرينة، ولكنه في نفس الوقت لا يستبعد المعنى الآخر، واستخدم القرينة لترجيح معنى على آخر في سبعة مواضع، منها: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لَوتَجافى إِبليسُ عَن لَحظِ عَينَي... ها تَقَرّا عِبادَةً إِبليسُ [بحر الخفيف]

((.. ((تَقَرّا)): يحتمل وجهين: أن يكون من تَقَرّى الشيء؛ إذا تتبعه، فهذا غير مهموز، والآخر أن يكون من تقرا القرآن؛ إذا طلب حفظه، وتشبه بالقراء، فهذا أصله الهمز، وحمله على هذا الوجه أليق)) (1). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: وَلَرُبَّما استَبكَتهُ نَكبَةُ حادِثٍ... نَكَأَت بِباطِنِ صَفحَتَيهِ نُدوبا [بحر الكامل] ((و [أشكته] (2).. أحوجته إلى الشكية، وقد يكون في معنى أزالت شكيته، وهذه الكلمة تذكر في الأضداد، والبيت يحتمل المعنيين إذا لم يُشْفَع بالبيت الثاني، وحمله على إزالة الشكاية أحسن في حكم الشعر؛ لأن المراد أنه يصبر على النكبات؛ فيعقب صبره خيرا ونجحا، وهذا المعنى يتردد في شعر الطائي وغيره)) (3). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: ماذا عَسَيتَ وَمِن أَمامِكَ حَيَّةٌ... تَقِصُ الأُسودَ وَمِن وَرائِكَ عيسى [بحر الكامل] ((.. وهذا البيت يدل على أن ((عيسى))، مراد به اسم هذا الرجل، وكونه في معنى المسيح معنى صحيح، وهوأبلغ في المدح)) (4). ...

ـ العنصر الثالث من عناصر المنهج: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره

: كان أبوالعلاء يوظف خصائص البيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان، وكانت خصائص تلك البيئة المستقرة نسبيا والموجودة في عصره بمثابة المعيار الذي يلجأ إليه في شرح الديوان؛ بمعنى أن تلك الخصائص كانت ((المعيار))1234

أو ((المستوى)) الثابت الذي يلجأ إليه، ويسجل على هديه في شرحه مدى اقتراب أبي تمام أوابتعاده عنه.
وقبل المضي في توضيح الكلام السابق يرى الباحث أنه من الواجب تقديم تصور أبي العلاء للغة الذي اعتمد عليه في شرحه.
اللغة عند أبي العلاء: يحاول البحث هنا استجلاء طبيعة اللغة عند أبي العلاء، وذلك من خلال دراسة النصوص المتفرقة التي جمعها الباحث من خلال دراسته للديوان.
من خلال تلك النصوص نقول: إن نظرة أبي العلاء للغة كانت تنقسم إلى قسمين: • قسم أطلق عليه ((لغة العامة)) 1. • وقسم أطلق عليه ((لغة أهل العلم وأهل اللغة))، أولغة ((الطبقة الراقية)) 2. أما القسم الأول الذي يمثل لغة العامة فقد قال عنه يوهان فك: ((هي لهجة دارجة بين سواد الشعب العريض)) 3، لهجة ((تتفاهم بها الطبقات الوسطى والدنيا من سكان المدن منذ نشوئها في عصر الفتوحات الإسلامية الأولى وقد أخذت هذه العربية المولدة تكتسب مناطق جديدة بسبب التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية)) 4 ومن أمثلة هذا القسم قول أبي العلاء:

ـ ((وطَيْبَة: اسم من أسماء النساء أيضا مخفف من طَيّبة.
فأما قول العامة: الطِّيبة في مصدر الشيء الطيِّب؛ فأهل اللغة ينكرون ذلك، ويختارون حذف الهاء؛ فيقولون: هذا شيء طيب بين الطيب)) 1. وأبوالعلاء يقر أن للغة العامة استعمالها الخاص، وأنها لغة لها ألفاظها الخاصة، ولها ألفاظ مشتركة بينها وبين لغة أهل العلم واللغة، ولكنها ذات دلالات خاصة عندها، ولها أيضا أساليبها.
يقول أبوالعلاء: ((جاء بـ (الإشلاء) في معنى الإغراء، وكذلك تستعمله العامة، يقولون: أشليت الكلب إذا أغريته)) 2. ـ ويقول: ((.العامة يقولون دابة أشعل (...) وأهل العلم يذكرون ذلك في الذنب خاصة)) 3. ـ ويقول: ((والعامة يسمون ضربا من النبت إذا أصاب الجسد أذي به قراصا؛ كأنهم أخذوه من القرص باليد)) 4. ـ ويقول: ((قال أبوتمام: لَوكانَ كَلَّفَها عُبَيدٌ حاجَةً... يَوماً لَأُنسِيَ شَدقَمًا وَجَديلا [بحر الكامل] ((هذا البيت يختلف في روايته، وكان الناس ينشدون في أول الأمر (لزنَّى شدقما وجديلا)؛ فاستضعفوا هذه الكلمة؛ لأنها عامية فغيرت بغيرها)) 5. ـ ويقول: ((قال أبوتمام: ذَهَبَت بِمَذهَبِهِ السَّماحَةُ فَالتَوَت... فيهِ الظُّنونُ أَمَذهَبٌ أَم مُذهَبُ [بحر الكامل] وقوله: (أمذهب أم مذهب) من قول العامة: بفلان مذهب إذا كان يلج في الشيء ويغرى به)) 6.

ـ ويقول: ((والمعروف في الحدائق أن تستعمل في النخل والكرم، ولا يمتنع أن يعني بالحدائق التي هي معروفة عند العامة)) 1. ـ ويقول: ((وبعض أصحاب اللغة يزعم أن الصلف الذي تضعه العامة موضع التيه كلمة مولدة)) 2. ـ ويقول: ((قال أبوتمام: نَعاءِ إِلى كُلِّ حَيٍّ نَعاءِ... فَتى العَرَبِ احتَلَّ رَبعَ الفَناءِ [بحر المتقارب] العامة يثبتون الياء في بيت الطائي، كأنهم يعتقدون الإضافة، وذلك ردىء جدا في القياس)) 3. أما لغة أهل العلم فهي تلك اللغة التي وصفها يوهان فك فقال إنها: ((لغة الطبقة الراقية (...) احتفظت بالتصريف الإعرابي، وبقواعد الإعراب والتصريف احتفاظا تاما، ولم تزل من حيث بناؤها الحقيقي ـ على الرغم من السمات المولدة ـ تعد من اللغة الفصحى)) 4. أما لغة أهل العلم، أوأهل اللغة، أولغة الطبقة الراقية فإنها ((كلام)):

  1. منه الفصيح ومنه غير الفصيح.
  2. ومنه القديم (الذي انتهى استعمال بعضه)، ومنه الحديث المولد.
  3. ومنه الجيد، ومنه غير الجيد.
    ودليل ذلك قول أبي العلاء:

ـ ((يقال: هَمَرَ كلامه همرا، إذا جاء بكلام كثير، وأفصح الكلام أن يقال: أرْتَجَ الباب إذا أغلقه)) 1. ـ وقوله: ((وقال: (كم تعذلون)؛ فخرج من خطاب الواحد إلى خطاب الجميع، ومثله كثير في القرآن والكلام القديم)) 2. ـ وقوله عند قول أبي تمام: وَمِثلُ قُوى حَبلِ تِلكَ الذِّراعِ كانَ لِزازًا لِذاكَ الرِّشاءِ [بحر الكامل] ((وحبل الذراع: أعظم عروقه، وهوكلام قديم ليس مما استعاره الطائي)) 3. وهذا الكلام يتكون من لغات، وهذه اللغات عنده على درجات: منها العالي، ومنها الجيد، ومنها القبيح، ومنها الردىء المرفوض، ومن ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذا ظُلُماتُ الرَّأيِ أُسدِلَ ثَوبُها... تَطَلَّعَ فيها فَجرُهُ فَتَجَلَّتِ [بحر الطويل] ((المعروف (سُدِل) وهي اللغة العالية، ويجوز أسدل)) 4. ـ وقال عند بيت أبي تمام: إِذا ما رَأَتهُ العيسُ ظَلَّت كَأَنَّما... عَلَيها مِنَ الوِردِ اليَمامِيِّ نافِضُ [بحر الطويل] ((ويقوي رواية من روى (اليماميّ) بميمين أن (اليماني) بتشديد الياء ليس باللغة العالية)) 5. ولم يورط أبو العلاء نفسه في تحديد لمن هذه اللغة، ونأى بها عن التناقض الذي وقع فيه علماء اللغة قبله، فلا هو جعلها لغة قريش ولا لغة بني سعد مثلا 6.

ـ وقال عند بيت أبي تمام: لَهُ زِئبِرٌ يُدفي مِنَ الذَّمِّ كُلَّما... تَجَلبَبَهُ في مَحفِلٍ مُتَجَلبِبُ [بحر الطويل] (((له زئبر)؛ أي للشكر، وخفف الهمزة (يدفي)، وهي لغة جيدة)) 1. ـ وقال: ((و (اللَّذْ) لغة في الذي، وقد جاءت في (الذي) لغات أجودها (الذي) بإثبات الياء)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عن بعض العرب: ((... وقد يمكنون الحركة حتى تصير حرفا ساكنا مثل ما حكي أن بعض العرب يقول: قام زيدو؛ فيثبت الواو، ومررت بزيدي؛ فيثبت الياء، وذلك ردىء مرفوض)) 3. ومن اللغات ما هوأكثر استخداما من غيرها، يقول: ((يقال: ينعت الشجرة، وأينعت، وهذا على يَنِعَتْ، فإن أخذ من أينع فجائز، والحمل على اللغة الأخرى أكثر)) 4. واللغة عند أبي العلاء تعني فيما اصطلح عليه اللهجة: من ذلك قوله: ـ ((خفف الهمزة في (يَهْنِي) على لغة من قال: (هَنَاك) في الماضي)) 5. ـ وقال: ((وسكن الهاء في (مُهْراق) على لغة من قال: أَهْرقْتُ)) 6. ـ وقوله: ((إذا كان آخر الفعل الماضي ياء وقبلها كسرة فطيئ تقلبها ألفا، فيقولون: اجتُنَى في اُجتُنِيَ... ومن العرب مَنْ يسكن الياء ها هنا؛ ولم يستعمل اللغة الطائية)) 7.

والألفاظ التي تتكون منها تلك اللغات منها ما قد انتهى استعماله في عصر أبي العلاء، قال: ((و (الدرانك): واحدها دُرْنُوك.
ويقال: إن أصله غير عربي، إلا أنهم قد استعملوه قديما)) 1. ومنها ما وصل إلى مرحلة الابتذال، قال: (((تسحبنا): استطالتنا، كأنه من السَّحب، والتَّسحب كلمة مبتذلة)) 2. كما أنه يقر بتطور البنية الصرفية لبعض ألفاظها، يقول: ((أصل (اليافوخ): الهمز، والجمع يآفيخ)) 3. وألفاظها متفاوتة في الفصاحة، قال: ((ومضاض على قولهم مضَّني، وأمضني عندهم أفصح)) 4. ومما ينبغي الإشارة إليه أن أبا العلاء المتوفي سنة 449هـ كان يلجأ إلي لغة العامة أحيانا في توضيح شرح ديوان أبي تمام 5. ويمكن إجمالا أن نلخص تصوره للغة كالتالي:

? لغة أهل العلم واللغة / لغة الطبقة الراقية ومن خلال حديثنا التالي سنجد أن تلك ((اللغة العالية)) تتمتع بالآتي:

· لها خصائص ثابتة نسبيا على المستوى الصرفي.
· لها خصائص ثابتة نسبيا على المستوى النحوي.
· لها خصائص على مستوى الاستعمال الكلامي للألفاظ، ومصاحبة ألفاظ لألفاظ، وشيوع ألفاظ وقلة شيوعها على حساب ألفاظ ودلالات أخرى.
· خصائص عامة بعيدة عن الخصائص النحوية والصرفية والاستعمالات الخاصة بألفاظها 1. ولا أدل على لجوء أبي العلاء للغة الطبقة الراقية بكل خصائصها التي أثبتناها سابقا من كثرة ترديده لكلمة ((يقال)) ومشتقاتها عند شرحه لألفاظ الديوان، وقد أحصى البحث ما يقرب من مائتين وواحد وثلاثين موضعا (231) ذكر فيه أبوالعلاء هذا اللفظ صراحة، منها على سبيل المثال: ـ قال أبوالعلاء: ((.. يقال: ناقة وَسَاع إذا كانت واسعة الخطو)) 2. ـ وقال: ((... ويقال: ضيف مُدَفَّع إذا تدافعه الناس فلم يضيفوه)) 3. ـ وقال: ((يقال: ظن أنْ سيكون، وظن بأن سيكون، وحذف الباء أكثر)) 4.

ـ وقال: ((يقال: نَفِهَت المطية إذا أعيت)) 1. ـ وقال: ((يقال: نهشته الحية ونهسته، وقيل: النهس بمقدم الفم، والنَّهشُ أكثر منه)) 2.


بعد الانتهاء من استجلاء نظرة أبي العلاء للغة نعود لعنصرنا الثالث من عناصر المنهج عنده وهو: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان: ونبدأ بأولى تلك الخصائص: [أ] توظيف السمات الصرفية: وأول هذه السمات والخصائص التي كان يعتمد عليها أبوالعلاء السمات الصرفية، حيث قام أبوالعلاء بتوظيف السمات الصرفية الثابتة للغة الراقية؛ أي أنه عول على الفصيح الراقي منها في شرح الديوان، وبيان مدى خروج أبي تمام على هذه السمات أوالاتفاق معها، وقد أحصى البحث أكثر من ستة وثلاثين موضعا استخدم فيها أبوالعلاء السمات الصرفية في الشرح، وفيما يلي أهمها: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَيُّها الغَيثُ حَيَّهَلَّا بِمَغداكَ وَعِندَ السُّرى وَحينَ تَؤوبُ [بحر الخفيف] ((((أيها الغيث حَيَّهَلاَّ)): شدد حَيَّهَلَّا، ولا تعرف إلا مخففة اللام)) 3. ـ وقال: ((والحِنْدِيس مثل الحِنْدس، وزيادة الياء في مثل هذه المواضع جائزة؛ لأن ((فِعْللا وفِعْليلا)) متقاربان، وكذلك: فِنْعِل وفِنْعيل)) 4.

ـ وقال: ((والأحسن أن يكون أعجاس جمع: عِجْس بكسر العين أوعُجس بالضم؛ لأن (فَعْلا) لا يجمع على أفْعَال كثيرا)) 1. ـ وقال: ((ويقال للؤلؤة العظيمة (تُؤْمَة)، والجمع تُؤَم، وهذا أجود من أن تجعل توم جمع: تُؤَام على تخفيف الهمزة؛ لأن ذلك قليل)) 2. ـ وقال: ((ومضَّاض على قولهم: مَضَّني، وأمضَّني عندهم أفصح، وفَعَّال يَقِِلُّ في أفعل، إلا أنهم قالوا جبار وهوعندهم من أجبرته على الأمر إذا أكرهته عليه، إلا أن هذه الأشياء تحمل على حذف الزوائد)) 3. ـ وقال: ((وأصل همزة التعجب أن تدخل على الأفعال الثلاثية التي لا زيادة فيها، مثل: ضرب، وعلم، وكَرُمَ، ودخولها على ما في أوله الهمزة قليل، إلا أنه جاء وكثر... ولا يستعملون عطوت إلا في معنى تناولت، وأفعل التي للتعجب تجري مجرى أفعل التفضيل)) 4. ـ وقال: ((... وقال قوم خَدجَتْ وأخْدَجَتْ سواء؛ وهذا القول أشبه بكلامهم؛ لأن فَعَلَ وأفْعَلَ يشتركان كثيرا)) 5. ... [ب] توظيف الخصائص النحوية للغة الراقية: اعتمد أبوالعلاء على الخصائص النحوية في شرحه للديوان، وقد أحصى البحث خمسة وعشرين موضعا وظف فيها أبوالعلاء هذه السمة، ومنها ما يلي: ـ قال أبوتمام:

وَتَعَلَّم بِأَنَّهُ ما لِأَنوائِكَ إِن لَم تُرَوِّها مِن خَلاقِ [بحر الخفيف] ـ قال أبوالعلاء: ((... يقال ما له خلاق: أي نصيب في الخير، ولا يكادون يستعملون هذه الكلمة إلا في النفي)) 1. ـ وقال: ((أكثر ما يستعمل (زَعَمَ) مع أَنَّ)) 2. ـ وقال: ((ومن روى (كلا الآفاق) بكسر الكاف، وهويريد كل الآفاق فروايته خطأ؛ لأن: كِلا يستعمل للاثنين لا للجمع، ولم يأت في المسموع كلا القوم، وكلا الأصحاب، وإنما يقال: كلا الرجلين، وكلا الفرسين، ونحوذلك)) 3. ـ وقال عند قول أبي تمام: هُما أَظلَما حالَيَّ ثُمَّتَ أَجلَيا... ظَلامَيهِما عَن وَجهِ أَمرَدَ أَشيَبِ [بحر الطويل] ((جعل (أظلم) هاهنا متعديا، وذلك قليل في الاستعمال، وهوفي القياس جائز)) 4. ـ وقال: ((يقال: ظَنَّ أن سيكون، وظن بأن سيكون، وحذف الباء أكثر)) 5. ـ وقال عند قول تمام: سُعُمٌ حَثَّ رَكبَهُنَّ أَمانٍ... فيكَ تَترى حَثَّ القِداحِ المُفيضُ [بحر الخفيف] ((.. وأضاف الحث إلى القداح؛ لأن المصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول)) 6. ـ وقال عند قول تمام: غَدَت مُغتَدى الغَضبى وَأَوصَت خَيالَها... بِحَرّانَ نِضوالعيسِ نِضوالخَرائِد [بحر الطويل] ِ

((من روى: (نِضْوالعيش) بالشين أراد أن عيشه قد أنضاه فهوشاك له؛ وأصل النضو: البعير الذي قد أنضاه السفر، يريد أن العيش قد أنضاه لصعوبته، وأن الخرائد قد فعلن به مثل ذلك، ويكون (نضوالعيش) معرفة؛ لأن انفصال الإضافة هنا لا يكثر، وإنما يحسن الانفصال إذا كان المضاف إليه يمكن فكه من الأول وإضافته إلى المضمر)) 1. ـ وقال: ((كان النحويون المتقدمون يرون أن (إِيَّاك) ينبغي أن تستعمل مع الواومثل قولهم: إِيَّاك وزيدا، وينكرون مجيئها على غير ذلك، إلا أن تستعمل بـ (أن)، كقولك: إياك أن تقوم، وإياك أن تذهب، ولكن الواوحذفت كحذف الباء مع (أن) في مواضع كثيرة، وكذلك تحذف معها حروف الخفض، يقال: نهيتك أن تفعل؛ أي: عن أن تفعل، وأمرتك أن تفعل؛ والمراد: بأن تفعل، فإذا عُدِمَتْ قبح عندهم الحذف إلا في ضرورة الشعر)) 2. ونلمح في هذا الاقتباس إشارة مهمة من أبي العلاء على أن التطور اللغوي قد يقع في قواعد اللغة.
ـ تعليق على توظيف الخصائص الصرفية والنحوية: من خلال الاقتباسات السابقة يتبين أن أبا العلاء اعتمد على الخصائص الصرفية والنحوية التي أسماها د. سعد مصلوح بـ ((السمات الثابتة Constant)) والتي من خلالها أوضح انحرافات أبي تمام، ويمكن أن نلخص هذه السمات كما وردت في الاقتباسات السابقة كالتالي: السمات الصرفية الثابتة نسبيا... السمات النحوية الثابتة نسبيا ـ فِعْلل وفِعْليل متقاربان وكذلك فِنْعِل وفِنعيل.... ـ كلمة ((خَلاق)) لا تستعمل إلا في النفي.
ـ فَعْل لا يجمع على أفعال كثيرا.... ـ لفظ ((كلا)) يستعمل للاثنين لا للجمع.
ـ فَعَّال يقل في أفعل.... ـ المصدر يجوز أن يضاف للفاعل وإلى المفعول.
ـ يحسن انفصال الإضافة إذا كان المضاف إليه يمكن فكه من الأول وإضافته إلى المضمر.

ـ أصل همزة التعجب أن تدخل على الأفعال الثلاثية التي لا زيادة فيها.... ـ فَعَل وأفعل يشتركان كثيرا.

والجدول السابق يشير إلى الملحوظتين التاليتين: أـ وجود تمايز واضح عند أبي العلاء بين قواعد اللغة واستعمال الشاعر، وهذا التمايز يذكرنا بما اصطلح عليه اللغويون المحدثون من تفرقة بين اللغة والكلام، أو القدرة والأداء.
ب ـ إذا قمنا بتأصيل نظري لقواعد علم الأسلوب في تراثنا العربي فإننا يمكن أن نعتبر أبا العلاء بحق رائدا من رواد علم الأسلوب العربي.
[ج] الاعتماد على سمات الاستعمال اللغوي (أوالكلامي) للألفاظ، والألفاظ المصاحبة، والألفاظ والدلالات الأكثر أو الأقل شيوعا: كان أبوالعلاء يعتمد على المستعمل من الألفاظ في اللغة (أوالكلام)، وينبه على غير المستعمل منها، ويوضح أي الألفاظ أكثر شيوعا في الاستعمال، وأيها أقل، كما يوضح الألفاظ التي تأتي في العادة مصاحبة لألفاظ أومعان أوأشياء أخرى.
وقد أحصى البحث أكثر من ثمانية وتسعين موضعا استخدم فيها أبوالعلاء الاستعمال اللغوي، والمصاحبة والشيوع.
وهذه المواضع مقسمة كما يلي: • أربعة وأربعون موضعا للاستعمال اللغوي.
• ثلاثة وثلاثون موضعا للمصاحبة.
• واحد وعشرون موضعا للشيوع أوالقلة في الألفاظ أو الدلالات.
ـ توظيف الاستعمال اللغوي: أـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذا كانَتِ الأَنفاسُ جَمرًا لَدى الوَغى وَضاقَت ثِيابُ القَومِ وَهيَ فَضافِضُ [بحر الوافر]

((فَضَافِض: جمع فَضْفاض وهوالواسع، وإنما المستعمل ثوب فَضفاض؛ فجاء هذا على فَضْفَض، ومثله كثير)) 1. ب ـ وقال: ((الوسنان: الناعس، واستعاره هاهنا للهوى، ولم يستعمل ذلك من قبل الطائي)) 2. ج ـ وقال: ((الإقراب: أكثر ما يستعمل في الإناث، يقال: فَرَس مُقْرَبَة؛ أي: تُشَد قريبا من بيت مالكها... وربما استعمل ذلك في الذكور)) 3. د ـ وقال: ((((أغاض)): قليلة في الاستعمال؛ وإنما يقال: غاض الماءُ وغاضه غيره، ويجوز أن يكون الطائي سمع أغاض في شعر قديم، وإن لم يكن قد سُمِع فالقياس يطلقه)) 4. وعبارة أبي العلاء السابقة: ((القياس يطلقه)) عبارة أصولية مهمة في تصور تفكير أبي العلاء، وهو ينحى هنا منحى ابن جني الذي أجل القياس أيما إجلال.
ـ وقال: ((والصامت من المال ما كان من فضة أوذهب، ويجوز أن يعني به كل ما لا ينطق، إلا أن أعرف ما يستعمل في الذهب والورق)) 5. ـ وقال: ((و ((السُّدْس)):جمع سَديس، ولا يستعمل ذلك في الخيل ولكن في الإبل)) 6.

ونصوص أبي العلاء السابقة تثير الملحوظات التالية: 1ـ لجوء أبي العلاء إلى الاستعمال اللغوي يبرز أهميته في توضيح المعنى الأساسي للكلمة، وإمكانية استغلاله للوقوف على مخالفات الشعراء.
واتكاؤه على فكرة الاستعمال اللغوي في حد ذاتها يذكرنا بقول اللغوي المعاصر فيرث الذي يرى ((أن الكلمة ليست بذات معنى مستقل قائم بذاته وأن وجودها ومعناها شيئا نسيبا يمكن ملاحظة كل منهما في سياق غيرهما من الكلمات والمعاني أو عن طريق التقابل بينهما)) 1. 2ـ لم يكن أبو العلاء بدعا بين العلماء في استناده إلى الاستعمال اللغوي للوصول لمأربه وبغيته، بل نجده مسبوقا بغيره من علماء البلاغة، فها هو ابن سنان الخفاجي (المتوفى: 466هـ) يضع شروطا للفصاحة من بينها ((أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره فإذا أوردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت)) 2. 3ـ نلاحظ ثالثا أنه لم يخطئ أبا تمام في استعمالاته التي انفرد بها، وهو بهذا ليس من هؤلاء العلماء التقليديين ((الذين جعلوا القواعد ((الرسمية)) وحدها أساس الحكم بالصواب والخطأ [والذين] أهملوا في الوقت نفسه النظر إلى الاستعمال الواقعي وقيمة هذا الاستعمال)) 3. ـ التنبيه على المصاحبة: اعتمد أبوالعلاء في شرحه على خاصية المصاحبة؛ أي: الألفاظ التي تأتي مصاحبة لألفاظ أومعان أوأشياء أخرى، فقد كان حريصا في شرحه على إبراز هذه المصاحبة.
ولعل هذا الاستخدام والبيان قريب من نظرية ((الرصف Collocational Theory)) التي أشار إليها د. أحمد مختار عمر في كتابه ((علم الدلالة))،تلك النظرية التي تعتبر امتدادا لنظرية السياق أوتطورا عنها.

وقد نقل د. أحمد مختار عمر تعريف المصاحبة أوالرصف عن Ullmann قائلا: ((هوالارتباط الاعتيادي لكلمة ما في لغة ما بكلمات أخرى معينة))، أو: ((استعمال وحدتين معجميتين منفصلتين، استعمالهما عادة مرتبطتين الواحدة بالأخرى)) 1. وفيما يلي أمثلة على ذلك: ـ ((((الذَّرَابة)) الحدة، وقلما يقولون رجل ذَرِب حتى يقولوا ذرب اللسان)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أولِعنَ بِالمُردِ الغَطارِفِ بُدَّنا... غيدًا أَلِفنَهُمُ لِدانًا غيدا [بحر الكامل] ((إذا رويت ((لُدَّنًا)) فهوجمع لادنة، وذلك لفظ لا يستعمل، وإنما يقال: غَضٌّ لَدْن، وشباب لدن، وهوالناعم المنعطف... وإذا رويت ((بُدّنا لُدْنا)) فهوأعرف؛ لأن قولهم: امرأة بادن، كلام معروف)) 3. ـ وقال: ((... و ((الوَخْد)) و ((الوَسْجُ)) ضربان من السير، وأكثر ما يستعملان في الإبل والنعام، وقد يستعاران لغيرهما)) 4. ـ وقال أبوالعلاء عند قوله: نَدَّ عَنكَ العَزاءُ فيهِ وَقادَ الدَّمعَ مِن مُقلَتَيكَ قَودَ الجَنيبِ [بحر الخفيف] ((استعار: ((نَدَّ)) للعزاء، وإنما هو للإبل ونحوها)) 5. ـ وقال: ((.والبلاء يستعمل في الفعل الحسن وفي القبيح، وفي الاختبار)) 6. ـ وقال: ((والفأل أكثر ما يستعمل في الخير، وربما استعمل في الشر كالمستعار)) 7.

ـ وقال: ((... ولم تجر العادة بأن يقال: كَسَفَ الكوكب، إنما المعروف: كَسَفت الشمسُ وخسف القمر)) 1. ـ وقال: ((.ولما كانت ((المها)) تستعمل في الدر والأسنان وبقر الوحش والبلور والنساء وغير ذلك مما يحسن ويصفو؛ استحسن أن يقول: ((مها اللذات)) ليخص بها الإنس)) 2. ـ وقال: قوله: ((أدهم فيه كمتة)) لم يستعملوا مثله؛ لأنهم لم يقولوا: أدهم كميت)) 3. ولم ينفرد أبو العلاء بالإشارة إلى المصاحبة اللفظية هذه، بل نجد قبله الثعالبي يشير إليها ويعتبرها من ((خصائص من كلام العرب)) يقول: ((وهاج الفحل والشر والحرب والفتنة، ولايقال: هاج لما يؤدي إلى الخير (...) ومن ذلك قوله تعالى: چ ں ں چ؛ أي مثلنا بهم، ولا يقال: جُعِلُوا أحاديث إلا في الشر، ويقال: نفشت الغنم ليلا، وهملت نهارا)) 4. ـ توظيف الشائع والأقل شيوعا من الألفاظ والدلالات: كان أبوالعلاء يعتمد على الشائع والأقل شيوعا من الألفاظ، وكان ينبه على هذا، ومن أمثلة ذلك: ـ ((... وغارة شعواء؛ أي: متفرقة، وقلما يصرفون منه الفعل، ولا يقولون للذكر أشعى)) 5.

ـ ويقول: ((المتعارف بين الناس ((الإسكندر)) بالألف واللام، فحذفهما منه (؛ أي: أبوتمام)، وقد فعل ذلك في غير موضع، كقوله: ((ما بين أندلس إلى صنعاء)).. ولم تجر العادة أن يستعمل ((الفرزدق ولا الأندلس)) إلا بالألف واللام)) 1. ـ ويقول: ((... وإذا أُدخْل النفي على ((كاد)) أخرجها إلى معنى الإيجاب في معظم كلامهم، كقوله تعالى: چ ? چ چ چ چ چ [البقرة 71]؛ أي: قد فعلوا بعد إبطاء.. ولها معنى آخر إلا أنه قليل التردد، وإنما يكون كاللغز؛ لأن المعروف سواه، تقول: ما كاد يقوم أخوك؛ أي: لم يقم، ولم يقارب.. ومثل هذا قلما يستعمل)) 2. ـ ويقول: ((... وقد يقال: ثوب فُضُل إذا لم يكن على اللابس غيره، فإن ثبت أنه قال: فاضلا وهويريد الفضل فهي كلمة لا تعرف في كلام المتقدمين، وإنما المعروف تفضلت المرأة إذا كانت فُضُلا)) 3. ـ ويقول: ((... و ((العيرانة)): الناقة التي تشبه العير الوحشي في صلابتها،.. ودلوث: مثل دلاث، وهي الجريئة على السير، وقلما يقولون في صفة الناقة دَلُوث، وإنما يقولون: دلاث)) 4. ـ ويقول: ((المَرَطى: ضرب من العدوسهل، وقلما يُستعمل في الإبل)) 5. ـ ويقول: ((وشحب كلمة قليلة، وإنما الكلام شاحب؛ أي: متغير)) 6. ـ ويقول: ((والفَلَج: أراد به تلفج الأسنان، وقلما يقولون: ثغر أفلج، وإنما يقولون: مفلج)) 7.

ـ ويقول: ((.. ويقال: ((ظبية عوهج))؛ إذا كانت طويلة العنق، وقلما يستعملونه في صفة المذكر)) 1. ومن أمثلة توظيفه للخصائص الدلالية للغة الراقية، وإيضاح مدى اقتراب أوابتعاد أبي تمام عنها، التالي: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مَن مُبلِغٌ أَفناءَ يَعرُبَ كُلَّها... أَنّي ابتَنَيتُ الجارَ قَبلَ المَنزِلِ [بحر الكامل] ((جعل الجار يبتنى كما تبتنى الدار، وهذا مجانس لقوله تعالى: چ ? ? ?? ? ? ? ? چ [آل عمران: 54]، لأنه جعل جزاءهم على المكر مكرا، وكذلك الجار لما كان حالا إلى الدار؛ جاز أن يستعار له ما هولها في الحقيقة، وذلك مثل قولهم للرجل إذا رأوه يخيط ثوبه وقد انهدم له بيتٌ: خياطة بيتك أوجب من خياطة ثوبك، والبيت لم تجر العادة باستعمال الخياطة فيه، ومثل هذا كثير، يستعار ما هوللشيء المقارب غيره؛ فينقل إلى ما قاربه)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لا يَأسَفونَ إِذا هُمُ سَمِنَت لَهُم... أَحسابُهُم أَن تُهزَلَ الأَعمارُ [بحر الكامل] ((استعار ((السمن)) للأحساب، وهي استعارة قديمة،.وقابل سِمَن الحسب بهُزال الأعمار، ولم يستعمل ذلك في العمر قبل الطائي إلا أن يكون شيئا غير مشهور)) 3. ـ وقال: ((وقوله: ((رَضِيْعَي لبان))،يستعمل في الإنس، وكأن اللِّبان مصدر لابنه لبانا؛ إذا رضع من لبن أمه، وربما أخرج إلى غير الإنس على التوسع والمجاز)) 4.

ـ وقال: ((و ((المعاقل)): جمع مَعْقِل، وأصل ذلك في الجبل، يقال: قد عَقَلَ الوعلُ إذا حصل في موضع عالٍ لا يوصل إليه فيه، ثم قيل لكل حصن مَعْقِل، ثم كثر ذلك حتى قيل فلان مَعْقِلي؛ أي: الذي أمتنع به، وكذلك سيف فلان معقله؛ أي: يقوم له مقام المعقل)) 1. ـ وقال: ((.. ((أشباه))؛ أي: كفاه.. وقال قوم: يقال أشبى الرجل إذا وُلد له أولاد أذكياء، وهومأخوذ من الشبا؛ أي: الحد، وقد استعملوا أشبى في غير هذا المعنى، قالوا أشبى عليه إذا أشفق)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: بِيَومٍ كَطولِ الدَهرِ في عَرضِ مِثلِهِ... وَوَجدِيَ مِن هَذا وَهَذاكَ أَطوَلُ [بحر الطويل] ((.. لما جعل للدهر طولا وصله بالعرض على معنى الاستعارة، ولا حقيقة بأن يوصف الدهر بذلك، وإنما هو طويل لا غير، فأما العرض فإنما هوعلى الأماكن وما جرى مجراها، فأما الدهر فطويل، ما عُلِم أن أحدا قبل الطائي وصفه بالعرض، ولكنه لما تقدم ذكر الطول استجاز أن يجيء بضده)) 3. ويمكن من خلال مبدأ ((الإعلامية Informativity)) الذي يقول به علم النص أن نعلل اهتمام أبي العلاء بالتنبيه على استعمال أبي تمام لألفاظ شائعة أو ألفاظ أقل شيوعا، فإبرازه لدرجة الإعلامية في ألفاظه وتراكيبه إشارة درجة فحولة الشاعر ومدى شاعريته.
[د] الاعتماد على الخصائص الأسلوبية العامة للغة العربية: اعتمد أبوالعلاء على الخصائص الأسلوبية العامة التي تحفل بها اللغة، وبيان مدى اتفاق أبي تمام معها أوابتعاده عنها ومثال ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:

وَقَرِّب أَنتَ تِلكَ فَإِنَّ هَمًّا... عَراني بِاشتِجارٍ وَارتِفاقِ [بحر الوافر] ((خاطب المرأة ثم انصرف عنها إلى مخاطبة رجل يأمر بتقريب العيس للسير، وهم يفعلون ذلك كثيرا، يتركون خطاب الأول المذكر إلى المؤنث، وخطاب المؤنث إلى المذكر، ومنه الآية: چ ? ? ? ?? ? ?? ? ? ? ? ? چ [يوسف:29])) 1. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: قَدكَ اتَّئِب أَربَيتَ في الغُلواءِ... كَم تَعذِلونَ وَأَنتُمُ سُجَرائي [بحر الكامل] ((.. وقال: ((كم تعذلون))؛ فخرج من خطاب الواحد خطاب الجميع، ومثله كثير في القرآن والكلام القديم، ومنه قوله: چ ? ? ? ? ? چ [الطلاق: 1])) 2.

ـ وقال: ((من كلامهم إذا أكثر الرجل من الشيء وألفه أن يقولوا هو أبو كذا وأمه وابنه، كما يقال: هوأبوالأضياف، وأم العيال وابن الهيجاء وأخو رغائب)) 3. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: بِنتُ الفَضاءِ مَتى تَخِد بِكَ لا تَدَع... في الصَّدرِ مِنكَ عَلى الفَلاةِ غَليلا [بحر الكامل] ((يعني الناقة؛ أي أنها معاودة للسير في الفضاء من الأرض على مذهب قولهم: ابن قفر وابن ليل، وهو كثير في كلامهم)) 4. ـ وقال: ((((الراقصات)): الإبل، والرقص ضرب من السير، وقد كثر في كلامهم القسم بالراقصات إلى منى)) 5.

ـ العنصر الرابع من عناصر المنهج عند أبي العلاء: توظيف خصائص الصنعة الشعرية

: من الأمور التي اعتمدها أبوالعلاء عند شرحه لديوان أبي تمام الاتكاء على توظيف الصنعة الشعرية وخصائصها.
والصنعة أو الصناعة كمصطلح عام يقصد به ((كل علم مَارسه الرجل سواء كان استدلاليا أو غيره حتى صار كالحرفة له، وقيل: كل عمل لا يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه)) 1، وقد ((تفسر بملكة يقتدر بها على استعمال مصنوعات ما لنحو غرض من الأغراض صادرًا عن البصيرة بحسب الإمكان)) 2. والشعر أيضا ((صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، كسائر أصناف العلم)) 3. والمراد بصنعة الشعر تحديدا ((معرفة الشاعر بالأصول والقواعد التي تجعل الشعر حسناً (...) وغاية هذه الصناعة تجويده وتحسينه، قال قدامة: إن للشعر صناعة وإن كان جاريًا على سبيل سائر الصناعات مقصودًا فيه وفيما يحاك ويؤلف منه إلى غاية التجويد)) 4. وقد كان أبوالعلاء جِدَّ خبير بخصائص تلك الصنعة وما يميزها، ومدى اتفاقه أواختلافه معها.
وقد أحصى البحث اثنين وعشرين موضعًا وظف فيها أبوالعلاء خصائص الصنعة الشعرية، وفيما يلي أهمها: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:

ما في النُّجومِ سِوى تَعِلَّةِ باطِلٍ... قَدُمَت وَأُسِّسَ إِفكُها تَأسيسا [بحر الكامل] ((.. كان الشعراء في القديم إذا جاءوا بالفعل جاءوا بمصدره في القافية.. ثم كثرت الصناعة، وتشدد فيها القالة حتى صاروا يعيبون ذلك، فأما أبوالطيب فقلما يجيء به، ولا ريب أنه كان يتعمد تركه، وإخلاء الكلام من مثله أحسنُ وأقوى؛ لأنه يجيء بعدما استغنى الكلام، وعُلِمَ الغرض، وإنما يتوصل به إلى تقويم القافية، وصلاح الوزن)) 1. ـ وقال عند قول أبي تمام: صَمّاءُ سَمُّ العِدى في جَنبِها ضَرَبٌ... وَشُربُ كاسِ الرَّدى في فَمِّها شُهُدُ [بحر البسيط] ((إن رويت: ((في فمها)) بالتخفيف صار في البيت زحاف، وقلما يستعمل الشعراء مثله، وهوعندهم جائز، وإن شددت الميم بَطَلَ الزحاف، إلا أن التخفيف أجزل في اللفظ)) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: هَذا أَمينَ اللَهِ آخِرُ مَصدَرٍ... شَجِيَ الظَّماءُ بِهِ وَأَوَّلُ مَورِدِ [بحر الكامل] ((مد ((الظماء)) وهومهموز مقصور؛ وذلك جائز، إلا أن ترك المد أحسن، وهوفي الشعر أسوغ منه في الكلام المنثور)) 3. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذا تَذَكَّرتُكَ ذَكَّرتَني... قَد ذَلَّ مَن لَيسَ لَهُ ناصِرُ [بحر السريع] ((هذا من التضمين 4 الذي يعرفه المحدثون.
كانوا أول الأمر يسمونه ((استزادة))، وهذا المصراع في شعر قديم ينشده النحويون... وقد كانت الشعراء في القديم يأخذ أحدهم

البيت المشهور من شعر غيره فيزيده في شعر نفسه على المعنى الذي يسمى التضمين)) (1). وعبارات أبي العلاء: ((وقد كانت الشعراء في القديم))، ((وهو في الشعر أسوغ)) و ((وقلما يستعمل الشعراء))... توحي بأن القصيدة ـ في نظر لغويينا القدامى ـ كانت ((بناء تدخل في تكوينه عناصر نمطية مختلفة ومتكررة، ولكنها نمطية لا تجعل بالضرورة من أبنية القصائد المختلفة صيغة شعرية ذات معنى واحد)) (2).

ـ العنصر الخامس من عناصر المنهج: تأويل البيت كل التأويلات الممكنة في غياب القرينة المحددة لمعنى معين

: كان أبوالعلاء يقدم للبيت كل المعاني 3 الممكنة، وذلك في غياب القرائن 4 المحددة لمعنى محدد أوالمرجحة لمعنى على معنى؛ إذ إن ((تعدد المعنى يكشف عن عدم كفاية القرائن)) 5. ففي حالة غيابها كان يذكر كل المعاني الممكنة 6. وكان يعتمد في إثراء معنى البيت على الأمور الآتية: أـ توظيف المعاني المعجمية المختلفة للفظة الواحدة في تأويل البيت: فالكلمة التي لها أكثر من معنى معجمي كان أبوالعلاء يوظفها في إثراء معنى البيت طالما أن المعنى أوالسياق يسمحان بذلك.
وقد وظف هذا الأسلوب في عشرين موضعا منها:12

1 ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح أبا عبد الله أحمد بن أبي دواد، ويعتذر إليه: عامي وَعامُ العيسِ بَينَ وَديقَةٍ... مَسجورَةٍ وَتَنوفَةٍ صَيخودِ [بحر الكامل] ((((الوديقة)): شدة الحر، ودنوالشمس من الأرض، و ((مسجورة))؛ أي: مملوءة بالسراب، ويجوز أن يعنى بمسجورة: من سجر التنور، يصفها بشدة الهجير.. و. ((صيخود)) يجوز أن يعني به صلابة الأرض، من قولهم: صخرة صيخود؛ ويجوز أن يعني به شدة الحر، من قولهم: صَخَدته الهاجرة إذا آلمت دماغه)) 1. 2 ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: بِأَبي هَوًى وَدَّعتُهُ... تاهَت بِصُحبَتِهِ الرِّفاقُ [بحر: مجزوء الكامل] ((... وقوله ((تاهت)) يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون من التيه الذي هوتكبر وإعجاب؛ كأنها لحقها تيه لما صحبها، والآخر أن يكون من تاهَ في الأرض إذا حار وضل؛ أي: أنهم يحارون لحسنه ونوره)) 2. 3 ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: ذَريني وَأَهوالَ الزَّمانِ أُفانِها... فَأَهوالُهُ العُظمى تَليها رَغائِبُه [بحر الطويل] ((.. إذا رويت: ((أُفانها)) بالفاء، فهويحتمل وجهين: أحدهما أن تكون المفاعلة من الفناء؛ والآخر أن يكون من الفِناء؛ أي: تنزل بفنائي وأنزل بفنائها)) 3. 4 ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مِن كُلِّ قَرمٍ يَرى الإِقدامَ مَأدُبَةً... إِذا خَدا مُعلِمًا بِالسِّيفِ أَووَسَجا [بحر البسيط]

((.. ((يَرى الإِقدامَ مَأدُبَةً)): يحتمل أن يكون من المأدبة التي هي تأديب؛ أي: يرى إقدامه من الأدب الذي ينبغي أن يستعمل، ويجوز أن يكون من المأدبة إلى الطعام، فهويسيرٌ عليه)))) 1. والنصوص الأربعة السابقة تشير إلى: أـ أهمية التقيد بدلالات اللغة وألفاظها في التفسير، ورفض أي تفسير يأتي بدلالة جديدة للفظ لم تأت مرتبطة بهذا اللفظ، ولذلك قال علماء تفسير القرآن إنه من الأهمية ((فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة)) 2. وأنه مما أوقع كثيرا من الفرق الإسلامية في البدع ((حمل ألفاظ القرآن على معان اعتقدوها لتأييدها به)) 3. ب ـ تأثر أبي العلاء بأقوال المعتزلة من أنه من ((الواجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشعر أن يذكر كل ما يحتمله الكلام من وجوه المعاني)) 4. ج ـ كلام أبي العلاء يؤكد أن ((الكلام إذا فقد دلالته اللغوية فليس له أي اعتبار)) 5. وأصبح مَن شاء يقول ما شاء فيما شاء 6.

د ـ يقدم أبو العلاء دائما في شرحه ما نسميه بالمعنى الحقيقي الذي ينطلق منه المعنى المجازي، ومن المعروف وجود علاقة جامعة بين المعنيين، ولابد ((أن يكون الانتقال إلى المجاز ذا قرينة دالة، وهذا لا ينازع أحد في قبوله)) 1. ولكن كل مجاز يبتعد عن الحقيقة بدون قرينة أو علاقة ((مجاز سقيم لا يعتد به)) 2. والتأويل عن طريق المجاز الشاطح بدون التقيد بالقرائن أو العلائق المتصلة بالمعنى الحقيقي السليم مطية أصحاب الأهواء، وهو ((المركب الذلول لمن يدعون الاجتهاد الديني أو الابتكار الأدبي دون هدى منير)) 3.


ب ـ استغلال البنية الصرفية: كان أبوالعلاء يستغل البنية الصرفية وضبطها 4 في إثراء المعني، ومثال ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَن سَوفَ تُهدى إِلى أثآرِهِ بُهُمًا... يُمسي الرَّدى مُسرِيًا فيها وَمُدَّلِجا [بحر البسيط] ((.. ((الأثآر)) جمع ثأر، والمعنى أن هذا المقتول قد علم أنك ستُهْدِي إلى القوم الذين قتلوه جيشا يطلب ثأره, ويجوز أن يكون ((تُهْدِي)) من الهدية، و ((تَهْدِي)) بفتح التاء، من هديتُ القوم إذا تقدمتهم)) 5.

ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: نُحِرَت رِكابُ القَومِ حَتّى يَغبُروا... رَجْلَى لَقَد عَنُفوا عَلَيَّ وَلاموا [بحر الكامل] ((.. دعا عليهم بأن تنحر ركابهم حتى يغبروا، وإن شئتَ جعلت ((رَجْلَى)) جمع رجلان فلم تُنَوِّن.
وكذلك ينشده الناس، يقال: رَجْلان ورَجْلى، كما يقال: سَكران وسَكْرى (...) ولونونت فَجُعِلَت جمع راجل ورَجْل، مثل: صاحِب وصَحْب كان ذلك حسنا)) 1. ومما يتصل بهذه الجزئية استغلال أبي العلاء كون الكلمة جمعا للفظتين مختلفتين في المعنى، ويوظف معنى كل لفظة في إثراء معنى البيت الإجمالي، طالما أن معنى البيت يسمح بذلك، ومثال ذلك ما يلي: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: قَد بورِكَت تِلكَ البُطونُ وَقُدِّسَت... تِلكَ الظُهورُ بِقُربِهِ تَقديسا [بحر الكامل] ((يجب أن يعني: بـ ((الظهور)) هاهنا جمع ((ظَهر))، من الأرض وهوما ظهرَ منها، و ((البطون)) جمع بطن، وإذا كانت الأرض غير مسكونة فظهورها ما ارتفع منها وبطونها ما كان واديا أو وهدا، وإذا كانت مسكونة فظهورها ما ظهر من جدرانها وبطونها ما بطن من الدور والبيوت.
وقد يحتمل أن يعني بـ ((الظهور)) جمع ظَهْر الرجل، و ((البطون)) جمع بطن المرأة، يريد أن أهل هذه المحلَّة قوم طاهرون مُباركون، والأول أحسن وأشبه بالغرض)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: وَغَدَت بُطونُ مِنى مُنىً مِن سَيبِهِ... وَغَدَت حَرًىمِنهُ ظُهورُ حِراءِ [بحر الكامل]

((.. إن ضممت الميم من ((مُنًى)) فهوجمع: مُنْية، والمعنى يصح على ذلك، وإن رويته: ((مَنًى)) فهو حسن، من قولهم: أصابه مَنًى؛ أي: مقدار؛ أي: غدت بطون مِنًى مقدرة لسيبه؛ أي: عطائه، ويحتمل أن يكون من قولهم: دارى بِمَنَى داره؛ أي: بحذائها)) 1. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: رَأَوا مِنهُ لَيثًا فَابذَعَرَّت حُماتُهُم... وَقَد حَكَمَت فيهِ حُماةُ العَوامِلِ [بحر الطويل] ((و ((حُماتُهُم)): جمع حام، أي الذي يحميهم، و ((حُماةُ العَوامِلِ)) يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون جمع حام مثل الأول، كأنه جعل العوامل تحمى، والآخر أن يكون جمع: حُمَة، يراد بها: السَّمُّ وسورته، وهذا أشبه بمذهب الطائي من الوجه الأول، والوقف في هذا القول على التاء؛ لأنها مثل تاء ثُبات، والوقف في الوجه الأول على الهاء؛ لأنها مثل قضاة، إلا على رأي من قال رحمت ونعمت في الوقف على رحمة ونعمة)) 2. ويبدو أن أبا العلاء هنا متأثر بشدة بما قاله ابن جني في ((باب في تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية)) حيث أوضح في هذا الباب خطورة تداخل أصول الكلمات وأثر ذلك على المعنى، وأعطى مثالا على ذلك من أقوال أبي تمام نفسه فقال: ((وعليه قال الطائي الكبير: أَلَحدٌ حَوى حَيَّةَ المُلحِدينَ... وَلَدنُ ثَرىً حالَ دونَ الثَّراءِ [بحر المتقارب] (...) فجاء به مجيء التجنيس, وليس على الحقيقة تجنيسًا صحيحًا.
وذلك أن التجنيس عندهم أن يتفق اللفظان ويختلف أو يتقارب المعنيان؛ كالعقل والمعقل والعقلة والعقيلة ومعقلة.
وعلى ذلك وضع أهل اللغة كتب الأجناس.
وليس الثرى من لفظ

الثراء على الحقيقة, وذلك أن الثرى ـ وهو الندى ـ من تركيب: ث ر ي؛ لقولهم: التقى الثريان.
وأما الثراء ـ لكثرة المال ـ فمن تركيب: ث ر و؛ لأنه من الثروة، ومنه الثريّا؛ لأنها من الثروة لكثرة كواكبها مع صغر مرآتها, فكأنها كثيرة العدد بالإضافة إلى ضيق المحل.
ومنه قولهم: ثَرَوْنا بني فلان, نثروهم ثروة, إذا كنا أكثر منهم.
فاللفظان ـ كما ترى ـ مختلفان, فلا تجنيس إذًا إلّا للظاهر)) 1. إلا أن هذا كان عنده على سبيل التنبيه، أما أبو العلاء فقد استغل هذا الأمر لإثراء معنى البيت.


ج ـ توجيه ألفاظ البيت إعرابيا بكل الأوجه الممكنة: عمل أبو العلاء على توجيه ألفاظ الأبيات التي يشرحها أعرابيا بكل الأوجه الممكنة إن تيسر له ذلك، مكتفيا به وسيلة للشرح، ولاشك أنه في ذلك يوافق النحويين والبلاغيين أيضا على أن النحو ((العامل الأساسي في تأدية أصل المعنى)) 2. وإذا كان الإعراب على أواخر ألفاظ اللغة ((لإبانة معانيها)) 3، وليكون ((فارقا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين والمعنيين المختلفين)) 4، فإن كل توجيه إعرابي لابد أن يحمل معه معنى يختلف عن الآخر، وفي هذا ولاشك إثراء لمعنى البيت.
وقد استغل أبوالعلاء الإمكانات النحوية والأوجه الإعرابية المختلفة والممكنة في إثراء معنى البيت، وقد استغل هذه الإمكانات في 29 موضعا، نذكر منها على سبيل المثال التالي:

ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح الحسن بن رجاء ويطلب منه فرسا: وَمِثلُهُ ذو العُنُقِ السَّبطِ قَد... أَمطَيتَهُ وَالكَفَلِ المَرمَريس [بحر السريع] ((يجوز رفع مثله على الابتداء، وخفضه على معنى رب)) 1. والتوجيه الإعرابي لكلمة ((مثله)) يضعنا أمام المعنيين التاليين مع الأخذ في الاعتبار أن البيت السابق جاء في سياق مدح وطلب بعض العطايا: أـ رفع ((مثله)) على الابتداء يجعل ((قد أمطيته)) خبرا جملة فعلية، يضعنا أمام جملة اسمية تفيد الثبوت والتحقق، والخبر الجملة الفعلية المؤكدة بـ ((قد)) يفيد التوكيد على تحقق معناه للمبتدإ، وفي هذا قمة المدح للممدوح.
ب ـ أما الجر فموجبه ((رب)) وهي للقليل، وإن كان كذلك فقد وصف الشاعر الممدوح بقلة العطاء.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: ذَريني مِنكِ سافِحَةَ المَآقي... وَمِن سَرَعانِ عَبرَتِكِ المُراقِ [بحر الوافر] ((.. ونصب ((سافِحَةَ المَآقي)) على وجهين: أحدهما أن يكون على النداء، والآخر أن يكون على الحال؛ لأن ((سافحة)) لا تتعرف بالإضافة إلى ما فيه الألف واللام، وكلا الوجهين: النداء والحال، يحتمل فيه ((المآقي)) أمرين: إن شئت كانت في تأويل الفاعل، كأنه قال: يا سافحة مآقيها، أوأراد: ذريني منك سافحة مآقيك، وإن شئت كانت في تأويل المفعول، كأن المخاطبة من النساء سفحتها؛ لأنه يجوز أن يقال: سفح الباكي ماءَ عينه، وسَفَحَ عينه على تقدير حذف المضاف)) 2.

وهذا الشرح بالإعراب يذكرنا بقول عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز: ((إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتي يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يُعْرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه)) 1. د ـ إعمال الرويات المختلفة: كثرت في الشعر العربي تعدد الرواية لأبيات أو ألفاظ في القصائد المروية لكبار الشعراء، ويلاحظ أن ((تغيير الرواية أو التصحيف أو التحريف في الشعر القديم لا يعد من مسؤولية الشاعر؛ لأن الشاعر قال كلمته على الوجه الذي أنشأها به ومضى، ولكنها مسؤولية الرواة)) 2. وتعدد الرواية في الشعر القديم ((يدور في معظمه حول استخدام لفظ مرادف بدلا من آخر، بحيث لا يُحدث تغيرا في العلاقات النحوية، وهذا إذا كان اللفظان متوازنين صيغة، ومتقاربين دلالة، ومتفقين علاقة)) 3. وكانت كثير من أبيات أبي تمام تروي بروايات متعددة 4، وكان من منهج أبي العلاء إعمال كل الروايات المختلفة للبيت وعدم رَدِّ أية رواية ما لم توجد أية قرينةٍ ترد الرواية الأخرى، من سياق أو زحاف 5 أوغيرهما.
وبطبيعة الحال قد تكون الرواية الأخرى لفظة مختلفة ذات معنى مختلف، وإعمال هذه المعاني يثري معنى البيت بدرجة عظيمة، وقد أحصى البحث سبعة وثلاثين موضعا أعمل فيها أبوالعلاء الروايات المختلفة، وفيما يلي أمثلة: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:

وَأَكثَرُ حالاتِ اِبنِ آدَمَ خِلقَةٌ... يَضِلُّ إِذا فَكَّرتَ في كُنهِها الفِكرُ [بحر الطويل] ((المعنى يصح على ((خِلقة)) و ((خِلْفة))، فإذا رويت بالقاف فالمعنى أن حالات ابن آدم طبعه وخِلقتُه التي جُبِل عليها يَضِلُّ المعقولُ في كنهها؛ أي: في معناها، وإذا رويت ((خِلفة)) بالفاء فالمعنى أن حالات ابن آدم مختلفة)) 1. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لا يَجوزُ الأُمورَ صَفحًا وَلا يُر... قِلُ إِلّا عَلى سَواءِ الطَريقِ [بحر الخفيف] ((... و ((صفحًا)): من قولهم أضرب عن كذا صفحا: إذا لم ينظر فيه، يريد أنه يتدبَّر الأشياء، ولا يتركها إغفالا، ومن روى ((يُرْقِل)) بالقاف فهو من إرقال السير... ومن روى ((يَرْفُل)) فهومن رفَلَ في ثوبه: إذا جرَّ ذيله)) 2. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: فِدًى لَهُ مُقشَعِرٌّ حينَ تَسأَلُهُ... خَوفَ السُّؤالِ كَأَن في جِلدِهِ وَبَرُ [بحر البسيط] ((.. إذا رويت: ((وَبَرُ))؛ فالمعنى أنَّ هذا المذموم كأنه ذو وَبَرُ.
وإن رويت ((الإبَرُ))؛ فالمعنى أن يقشعرّ؛ فيقوم شعره كأنه الإبر..)) 3. والجمع بين الروايات المختلفة منهج إسلامي أصيل، أخذ به الفقهاء والمُحَدِّثُون عند تعاملهم مع الحديث النبوي؛ فقرروا أن ((المنهج الصحيح في النظر أن يجمع بين

هذه الروايات، وذلك بحسن توجيهها في الموضوع الذي وردت فيه ـ بلا تعسف ـ ودون أن يهمل رواية منها، فالجمع بينها مقدم؛ لأن إعمال النص الصحيح خير من إهماله)) 1. بل كان إعمال القراءات القرآنية المختفلة للآية الواحد مسلك المذاهب الفقهية أوعلى الأقل بعضها 2. وأبوالعلاء بحكم نشأته في بيت علم لم يكن بعيدا عن التأثر بهذا المنهج 3. هـ ـ وكان أبوالعلاء يميل ألا تكون المعاني المتأولة بعيدة عن الاستعمال اللغوي: ومثال ذلك التالي: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: وَلِهَت فَأَظلَمَ كُلُّ شَيءٍ دونَها... وَأَنارَ مِنها كُلُّ شَيءٍ مُظلِمِ [بحر الكامل]

((.. يريد أنه لما أصابها الوَلَهُ اشتد عليه ذلك؛ فأظلم كل شيء بينها وبينه، وهذا كلام مستعمل، يقال: فلان قال كذا وفعل كذا؛ فاسودَّت الدنيا في عيني، ويقال: كان كذا من فلان؛ فاسودَّ ما بيني وبينه، وقد يؤدي لفظ الطائي معنى آخر، وهوأن الأشياء أظلمت دونها؛ أي: غيرها)) (1). وـ تأويل البيت بما يناسب السياق الغير لغوي: كان أبوالعلاء في تأويله للأبيات يراعي السياق غير اللغوي (سياق الحال)، ويحاول أن يأتي بتأويله منسجما مع هذا السياق، ومثال ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: يَتَساقَونَ في الوَغى كَأسَ مَوتٍ... وَهيَ مَوصولَةٌ بِكَأسِ رَحيقِ [بحر الخفيف] ((هذا يحتمل غير وجه، من ذلك أن المسلمين الذين يقاتلون الكفار يدخلون الجنة؛ فيسقون من الرحيق المختوم، ولا يمتنع أن يريد سبي نسائهم، وتمتع الذين يقاتلونهم بهن؛ فيجعل الريق مثل الرحيق، وقد يمكن أن يكون الطائي علم أن الممدوح يستعمل الشراب؛ فقال هذه المقالة؛ أي: إنه إذا تفرغ عن قتال الأعداء رجع إلى حالة السلم)) (2).

ـ العنصر السادس من عناصر المنهج: الاهتمام بالجوانب الدلالية للكلمة المشروحة

: كان أبوالعلاء يهتم بالكلمة دلاليا، ويسعى لتوضيح الجوانب الدلالية للكلمة ويتجلى هذا الاهتمام الدلالي في الاهتمام بتتبع التطور الدلالي للفظة وتحديد استعمالها، وما يصاحبها من ألفاظ أخرى.
ـ الاهتمام بتتبع التطور الدلالي للفظة: اهتم أبوالعلاء بتتبع التطور الدلالي للفظة، والمواضع والنصوص التي جمعها البحث تثبت أنه كان على علم بهذا التطور وبمظاهره التي تتمثل في ثلاثة مظاهر وهي: تخصيص الدلالة، تعميم الدلالة، تغيير مجال استعمال الكلمة.12

أي أن معنى الكلمة يحدث فيه تضييق أواتساع أوانتقال.
فهناك تضييق عند الخروج من معنى عام إلى خاص، وهناك اتساع عكس ما سبق؛ أي: عند الخروج من معنى خاص إلى معنى عام، وهناك انتقال عندما يتعادل المعنيان، أوإذا كانا لا يختلفان من جهة العموم والخصوص، كما في ((حالة انتقال الكلمة من المحل إلى الحال، أومن السبب إلى المسبب... ولسنا في حاجة إلى القول بأن الاتساع والتضييق ينشآن من الانتقال في أغلب الأحيان، وأن انتقال المعنى يتضمن طرائق شتى، يطلق عليها النحاة 1 أسماء اصطلاحية)) 2، و ((من هذه الأسماء الاصطلاحية: المجاز المرسل والاستعارة)) 3. ويظهر التطور الدلالي عند أبي العلاء في مظهرين فقط: الاتساع والانتقال.
فأما عن المظهر الأول للتطور الدلالي ـ الاتساع الدلالي ـ فيظهر نظريا في قول أبي العلاء: ((المعاني تحدثُ في الأسماء لأغراض تقع لم تكن قديمة)) 4. وتظهر تطبيقا في الأمثلة التالية: ـ مَعْقِل: ((أصل ذلك في الجبل، يقال: قد عَقَلَ الوعْلُ؛ إذا حصل في موضع عال لا يوصل إليه فيه، ثم قيل لكل حصن معقل، ثم كثر الكلام حتى قيل: فلان معقلي؛ أى: الذي أمتنع به، وكذلك سيف فلان معقله؛ أي: يقوم له مقام المعقل)) 5.

ـ وقال: الإياب: ((أصل الإياب أن يجيء الرجل مع الليل، وكثر ذلك حتى قيل للغائب إذا قدم قد آب)) 1. ـ وقال: اللِّبان: ((مصدر لابنه يُلابِنُه لِبانًا؛ إذا رضع من لَبن أمه، وربما أخرج إلى غير الإنس على التوسع والمجاز)) 2. ـ وقال: اغلولب: ((أصل اغلولب في غلظ العنق، ثم استعمل في غيره؛ فقالوا: نخل مغلولب؛ أي: غلاظ، ونبت مغلولب؛ أي: كثر واتصل بعضه ببعض)) 3. ـ وقال: الصعبة: ((يراد بالصعبة: كل أمر مستصعب، وأصل ذلك في الإبل، ثم استعمل في جميع الأشياء)) 4. ـ وقال: تَشَاجَرَ: ((تشاجرت الخطوب؛ أي: لقي بعضها بعضًا وتشابكت، ومن ذلك تشاجرت الرماح؛ إذا دخل بعضها في بعض عند الطعان ومنه اشتقاق الشجر لاشتباك الأغصان، ثم كثر ذلك حتي قيل شجره بالرمح؛ إذا طعنه)) 5. ـ وقال: الوشيج: ((أصل الوشيج كل ما وشج بعضه في بعض؛ أي: اتصل، وأكثر ما يستعمل ذلك في أصول الرماح، ثم يقال لكل ما اتصل وشيج)) 6. ـ وقال: الفَرْج: ((الفرج موضع المخافة، كأنهم يريدون أن المكان قد حفظ إلا ذلك الموضع، وهومأخوذ من فرج الدُّرَّاعة والقميص)) 7. ـ وقال: المعين: ((الماء الذي يجري على وجه الأرض، وقد كثر ذلك حتى صار الناس يسمون الماء الذي يستقي من الآبار معينا؛ لأنه ينبع من الأرض؛

فيفرقون بينه وبين المختزن من ماء المطر وغيره)) 1. ومما يتعلق بهذا المظهر أيضا تنبيه أبي العلاء المتكرر على الأصل الدلالي المأخوذ منه الكلمة، وقد أحصى البحث 38 موضعًا، نص فيه أبوالعلاء على الأصل الدلالي، وفيما يلي بعضها: ـ وقال: الخداج: ((النقصان، وأصله في الولد أن يخرج ناقصًا)) 2. ـ وقال: الفينان: ((الشعر الطويل، وكأنه أخذ من الفنن وهوالغصن المتشعب)) 3. ـ وقال: الخبت: ((موضع بعينه، وأصل الخبت كل موضع اطمأن، وهومع ذلك سهل)) 4. ـ وقال: التوجين: ((أصل التوجين تليين الشيء ودَقُّهُ، ومنه قيل لمدقة القَصَّار الميجنة)) 5. ـ وقال: النياط: ((يستعملون النياط في معنى البُعْد، وأصل النياط من ناطَ الشيءَ بالشيء؛ إذا علقه به)) 6. ـ وقال: الترهات: ((الأمور المشكلة، وأصله في الطرق المتشعبة عن الطريق الأعظم)) 7. ـ وقال: سَوْرَة الغضب: ((حدته، وأصله من سار يسور؛ إذا وثب)) 8. ـ وقال: أضغاث الأحلام: ((هوالمختلط منها المشتبه، وأصله من الضغث، وهو أن يقبض الرجل ملء كفه من النَّبْت؛ فيكون منه ضروب مختلقة)) 9.

أما المظهر الثاني من مظاهر التطور الدلالي ـ وهومظهر الانتقال ـ فيتمثل في تنبيه أبي العلاء على استعارات أبي تمام سواء التي تفرد بها أوالتي اتفق فيها مع غيره من الشعراء.
والانتقال الدلالي ـ كما سبق وأن أشرت ـ يتضمن طرائق شتى يطلق عليها النحاة أسماء اصطلاحية: المجاز المرسل والاستعارة.
فالمجاز هو: ((اسم لما أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما... والمجاز إما مرسل، أواستعارة؛ لأن العلاقة المصححة له إما أن تكون مشابهة المنقول إليه بالمنقول عنه في شيء، وإما أن تكون غيرها، فإن كان الأول يسمى المجاز: استعارة)) 1. وهوأيضًا: ((ما جاوز وتعدى عن محله الموضوع له إلى غيره لمناسبة بينهما، وإما من حيث الصورة، أومن حيث المعنى اللازم المشهور، أومن حيث القرب والمجاورة)) 2. وباعتبار أن المجاز المرسل والاستعارة نوعان من التطور الدلالي نجد أن أبا العلاء كان متنبها لهذا الأمر ومنبِّها عليه في مواضع كثيرة في شرحه قولا وتطبيقا، أما القول فقوله: ((.. يستعار ما هوللشيء المقارب غيره؛ فينقل إلى ما قاربه)) 3. أما التطبيق فيظهر في ستة وخمسين موضعا، منها اثنا عشر موضعا نص أبوالعلاء فيها على تفرد أبي تمام بهذه الاستعارات، وفيما يلي أمثلة لبعض الانفرادات الاستعارية عند أبي تمام: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مَنَعَ الزِّيارَةَ وَالوِصالَ سَحائِبٌ... شُمُّ الغَوارِبِ جَأبَةُ الأَكتافِ [بحر الكامل]

جارٍ التحميل