شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفيةصفحات 61-100

الباب الأول

صفحات 61-100
عن هذه الطبعة
عَلَم
إيهاب سلامة
الكتاب
شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية
المؤلف
إيهاب عبد الحميد عبد الصادق سلامة
الناشر
رسالة ماجستير - كلية دار العلوم - جامعة القاهرةبإشراف: د محمد جمال صقرعام النشر: 2012 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

شرحا أبي العلاء والتبريزي دراسة نحوية صرفية

ويشمل الفصول الآتية:

الفصل الأول الأصول النحوية عند أبي العلاء والتبريزي

.

  • الفصل الثاني الدراسة الصرفية والنحوية لشرحي أبي العلاء والتبريزي.
  • الفصل الثالث: نظرات نصية في شرح أبي العلاء والتبريزي

الفصل الأول

الأصول النحوية عند أبي العلاء والتبريزي

ويشمل التالي: •

تمهيد: النحو عند أبي العلاء والتبريزي

. ـ المبحث الأول: نبذة مختصرة عن المدارس النحوية ومناهجها، والأصول النحوية.
ـ المبحث الثاني: الأصول النحوية عند أبي العلاء.
ـ المبحث الثالث: الأصول النحوية عند التبريزي.
ـ المبحث الرابع: الأصول بين أبي العلاء والتبريزي.

تمهيد: النحو عند أبي العلاء والتبريزي

أولا النحو عند أبي العلاء

: كان لأبي العلاء قدم راسخة في اللغة والنحو، فعلى مستوى اللغة كان عالما بـ ((أصولها وأسرارها، تفرد بأشياء لم يسبق إليها لغوي من القدامى، وأمسك من اللغة بنصيب كبير)) 1. ولا يُعرف ((عالم من علماء اللغة العربية منذ العصور الأولى لتدوينها أتى بمثل ما أتى به أبو العلاء، فقد أحاط بمادة اللغة وصرفها في جميع شئونه وأغراضه الفنية، واستعملها أحسن استعمال، فيما أملى من كتبه العلمية والأدبية والدينية: شعرًا ونثرًا)) 2، وصفه تلميذه التبريزي بقوله: ((ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة ولم يعرفها المعري)) 3. هذا التمكن دفع د. طه حسين أن يقول عنه: ((ما أعرف أحدًا وعى اللغة العربية كما وعاها أبو العلاء، وما أعرف أن أحدًا صرف هذه اللغة في أغراضه وحاجاته الفنيه كما صرفها أبو العلاء)) 4. وعندما جلس للتدريس في داره استحالت إلى ((مدرسة يؤمها الطلاب الكثيرون من أبعد الأقطار الإسلامية (...) كلهم يطلب عنده العلم والأدب، ويلتمس منه المعرفة والفقة بأصول اللغة)) 5.

أما على مستوى النحو فقد كان ((نحويًّا ذا رأي، وعروضيا صاحب حس مرهف، وصرفيا مجيدًا لعلم الصرف)) 1. وصفه ابن القارح في رسالته بأنه ((أعلم بالنحو من سيبويه وباللغة والعروض من الخليل)) 2. وعلاقة أبي العلاء بالنحو تبدأ منذ النشأة الأولى إذ ((تلقى علوم اللغة والنحو بمعرة النعمان، على أبيه، وعلى أبي بكر بن مسعود النحوي، وجماعة من أصحاب ابن خالوية.
وكان الذي ظهر من ذكائه ونجابته، قد أغرى أباه بأن يمضي به إلى حلب ـ وفيها أخواله ـ حيث تلقى النحو على محمد بن عبد الله بن سعد النحوي)) 3. فأقارب أبي العلاء هم ((بنو كوثر الأدباء النحويون وهم من أصحاب ابن خالويه الإمام النحوي ومن طبقته)) 4. وكان الزجاجي من أئمة النحاة وقصد الشام ((وترك مدرسة وتلاميذ يدرسون كتاب ((الجمل)) فدرسه أبو العلاء)) 5. وكذلك كان بالشام كتاب في النحو مختصر يسمى ((الكافي)) ألفه الشيخ أحمد بن محمد المرادي ((نقل تلاميذه كتابه إلى الشام فكان مما يدرس بها، ولقيه أبو العلاء وقرأه أيضًا)) 6. وعندما استوى علم أبي العلاء بالنحو على سوقه وجلس للتدريس، وضع شروحًا ومؤلفات كثيرة في النحو منها 7: 11. كتاب إسعاف الصديق، يتعلق بكتاب الزجاجي المعروف بـ ((الجمل)).
12. كتاب التصريف، ذكره ابن قاضي شهبة في طبقات النحاة واللغويين.
13. كتاب تعليق الجليس، وهو مما يتصل بكتاب ((الجمل))، للزجاجي.

  1. كتاب تفسير أمثلة سيبويه وغريبها.
  2. جامع الأوزان، وهو كتاب يعم الأوزان الخمسة عشر التي ذكرها الخليل بجميع ضروبها، ويذكر قوافي كل ضرب من ذلك وبه تسعة آلاف بيت.
  3. كتاب الحقير النافع، مختصر في النحو مقداره خمس كراريس.
  4. شرح كتاب سيبويه.
    لم يتمه.
  5. ظهير العضدي، كتاب في النحو يتصل بالكتاب المعروف بـ ((العضدي)).
  6. كتاب عون الجمل، يتصل بكتاب الزجاجي.
  7. كتاب غريب ما في جامع الأوزان والقوافي.
  8. مثقال النظم في العروض، جزء ذكره ياقوت والسيوطي وابن العديم.
  9. المختصر الفتحي، يتصل بكتاب محمد بن سعدان الكوفي النحوي.
    وعلى الرغم من كل هذه المؤلفات والشروح النحوية إلا أنه من ((اللافت للنظر أن كل كتب أبي العلاء التي وصلتنا ليست نحوية، ولا تمت إلى النحو بسبب، فهي كتب أدبية ورسائل شخصية، باستثناء رسالة الملائكة فقد حشد فيها كثيرًا من قضايا الصرف.
    ومع أن هذه الرسائل كما قلت أدبية وبعضها رسائل شخصية، إلا أن أبا العلاء ((شحن)) هذه الرسائل بنظرات نفاذة وآراء نحوية غاية في البراعة.
    وإنك لتعجب كيف أدار هذه الحوارات النحوية في كتب ليست نحوية.
    ولا تتحمل قضايا النحو ودقائقه، ولكنه نجح في تقديمها من خلال نادرة تروى أو طرفة تحكي وبأسلوب رائق جذاب)) 1. وإذا تركنا الحديث عن مكانة أبي العلاء النحوية واللغوية واتجهنا إلى الحديث عن تأثره بغيره من النحاة نجد بعض الباحثين يحدثنا أنه كانت ((في حلب آثار مدرسة

نحوية عظيمة أسسها ابن خالويه سنة 370هـ، وابن جني سنة 392هـ وقد تأثر أبو العلاء بهذه المدرسة في البحث، وإن لم يلقَ أحدًا من أئمتها)) 1. أما ابن خالويه فقد أحبه أبو العلاء ومدحه، وفي هذا يقول د. الطويل: ((نقد أبو العلاء سيبويه، ونقد لغته وشواهده وخالفه في بعض الآراء (...) هذا ولم نجد أبا العلاء مدح أحدًا من النحاة إلا ابن خالويه، فقد ذكره مرتين وتأسف عليه)) 2. أما تأثره بابن جني فهو أمر واضح جلي، ويمكن أن نحصر هذا التأثر في النقاط التالية: (أ) الاحتفاء بالقياس: كان احتفاء ابن جني بالقياس عظيما، ((وكان مثل أستاذه يعنى بالقياس عناية شديدة، حتى ليمكن أن يقال إن كتابه الخصائص إنما هو مجموعة كبيرة من الأقيسة السديدة)) 3. وهو في خصائصه يحدثنا ((أن مسألة واحدة من القياس أنبل وأنبه من كتاب لغة عند عيون الناس)) 4. ويقول أيضًا في باب ((تعارض السماع والقياس)): ((إذا تعارضا نطقت بالمسموع على ما جاء عليه، ولم تقسه في غيره؛ وذلك نحو قول الله تعالى: چ ? ? ? چ، فهذا ليس بقياس؛ لكنه لا بد من قبوله؛ لأنك إنما تنطق بلغتهم، وتحتذي في جميع ذلك أمثلتهم.
ثم إنك من بعد لا تقيس عليه غيره)) 5. ولا نستطيع أن نغفل أنه صاحب المقولة الشهيرة ((أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب)) 6.

ونجد هذا الاحتفاء بالقياس واضحًا عند أبي العلاء، فهو يقيس ما لم يستعمل على ما استعمل من كلام العرب، وفي ذلك يقول: ((... ولا أمنع أن يجيء الفعل على ((فَعْلَن)) وإن كان المتقدمون لم يذكروه؛ لأن الاسم إذا جاء على ذلك، وجب أن يجيء عليه الفعل، إذا كان الاسم أصلا، والفرع متفرع منه، وقد قالوا: ناقة رَعْشن، وهي من الارتعاش وامرأة خلبن وهي من الخلابة)) 1. وقال: ((القياس لا ينكسر)) 2. وورد في شرحه على ديوان أبي تمام قوله: ((.. ((أغاض)): قليلة في الاستعمال؛ وإنما يقال: غاض الماءُ وغاضه غيره، ويجوز أن يكون الطائي سمع أغاض في شعر قديم، وإن لم يكن قد سُمِع فالقياس يطلقه)) 3. فالبناء على المطرد هو عماد القياس عند أبي العلاء؛ لذلك أباح المعري ((توليد ألفاظ جديدة لم تعرفها العربية استجابة لضرورة التعبير)) 4. (ب) عدم التقيد بمذهب معين: الوجه الثاني من وجوه تأثر أبي العلاء بابن جني عدم التقيد بمذهب معين، فابن جني ((كان يقيم مذهبه النحوي والصرفي على الانتخاب من المذهبين البصري

والكوفي وما انثبق عنهما من المذهب البغدادي عند أوائل البغداديين)) 5. فهو ((بغدادي من طراز آخر، طراز أستاذه أبي علي الفارسي والزجاجي، طراز كان ينزع إلى البصريين، وهو الطراز الذي عم وساد منذ النصف الثاني من القرن

الرابع الهجري، وكان هو وأستاذه من أهم الأسباب في شيوعه، إذ كانا ينتخبان من المذهبين البصري والكوفي مع نزعة شديدة إلى البصريين)) 1. وقد حذا أبو العلاء حذو ابن جني، فلم ينص على انتمائه لمذهب معين، أو اتباعه لنحوي ما، بل إن القارئ ((لتراثه يعجب من كثرة نقده للنحاة، وشدة مناقشته لهم، كما أنه لا يفرق في نقده هذا ومناقشته تلك بين نحاة البصرة والكوفة)) 2. كما أننا نلمح ((اجتهاده في كثير من المسائل، واعتداده برأيه في الكثير من القضايا التي يعرض لها وإن كانت مخالفة لرأي كثير من النحاة.
وهذا أحد مظاهر الإبداع النحوي عنه)) 3. وسنزيد الأمر وضوحا بالتفصيل عند حديثنا عن المذهب النحوي عند أبي العلاء في هذا الفصل.
(ج) دورانه مع الدليل: كان كلا الرجلين من المجتهدين، يجتهد كل واحد منهما ما وسعه الاجتهاد.
فابن جني من الذين يؤمنون بـ ((فتح الأبواب على مصاريعها للاجتهاد ومخالفة البصريين والكوفيين بقدر ما يؤديها النظر وتسعفهما الحجة)) 4. وعلى نهجه سار أبو العلاء، فلم يكن يخالف عن هوى لمجرد المخالفة، بل مخالفته تستند إلى دليل.
يقول أبو العلاء: ((ولا أمنع أن يخالف الأول مخالف إذا أقام الحجة وأبان الدليل)) 5. (د) التأثر بالمنهج الاعتزالي:

المعتزلة من الفرق الإسلامية التي اعتمدت على العقل اعتمادًا كبيرًا، ولا يجادل أحد في ذلك ولا يماري، وحتي عندما انقسمت إلى مدرستين: مدرسة البصرة، ومدرسة بغداد ظل ((الاعتماد على العقل في تفسير النصوص الشرعية قاسمًا مشتركًا بين المدرستين)) 1. بل إنهم في بعض الأحيان ((اعتبروا العقل قبل الشرع)) 2. وساند العقلَ عندهم في تأويل القرآن والحديث المروي ((اللغةُ))،فقد حظيت اللغة ((بجانب عظيم من اهتمام المعتزلة، وأخضعوها إلى حد كبير لمنهجهم العقلي)) 3. وأبو الفتح عثمان ابن جني أحد الذين اعتنقوا الفكر الاعتزالي، ومثل كثيرًا من آرائه 4. وهنا نتساءل: هل تأثر أبو العلاء بهذا الفكر الاعتزالي الذي نقل إليه من خلال آراء ابن جني؟ والإجابة بالإثبات، من جانبين: جانب تاريخي، وجانب عملي.
أما الجانب التاريخي، فأبو العلاء لم يقم برحلة خارج بلدته إلا إلى بغداد، التى كانت ((في القرن الرابع الهجري موئل العلم، ومثابة العلماء، وملتقى الكتاب والشعراء والأدباء، فيها غنيت ساحات الخلفاء والملوك والرؤساء بفنون المناظرة والمساجلة والجدل، وعمرت المكتبات بألوف الكتب المؤلفة والمترجمة، المطولة

والمختصرة؛ وغصت دور العلماء وحلقات الدروس بطلاب العلم والمعرفة من شتى الجهات)) 1. ونجد أبا العلاء يمدح الشريف المرتَضى ـ المعروف بالاعتزال ـ وأخاه في ديوانه سقط الزند 2 فيقول: رُزِقا العَلاءَ فأهْلُ نَجدٍ كُلّما... نَطَقا الفَصاحَةَ مثلُ أهلِ دِياف ساوَى الرّضيُّ المُرْتَضى وتَقاسَما... خِطَطَ العُلى بتَناصُفٍ وتَصاف

[بحر الكامل] أما من الجانب العملي، فمن خلال دراسة الباحث لشرح أبي العلاء ثبت أن أبا العلاء تأثر بالمنهج العقلي واللغوي للمعتزلة عند تفسير النصوص اللغوية.
فالجانب العقلي عند أبي العلاء تمثل في الاعتماد على ((القرائن)) بنوعيها اللغوي وغير اللغوي 3. وهو المنهج الذي نلمح شبهًا مماثلا له عند أحد أعلام المعتزلة الجاحظ (255هـ) في بعض أقواله، التي منها: ((وقال آخرون في قوله تعالى: چ ? ? ? ? ? چ [الإنسان:18] قالوا: أخطأ من وصل بعض هذه الكلمة ببعض.
قالوا: وإنما هي: سل سبيلا إليها يا محمد.
فإن كان قالوا فأين معنى تسمى، وعلى أي شيء وقع قوله تسمى فتسمى ماذا، وما ذلك الشيء؟)) 4. أما الجانب اللغوي فنجد منهج المعتزلة في تفسير الكلام واضحا في قول المرتَضى 5: ((وليس يجب أن يستبعد حملُ الكلام على بعض ما يحتمله إذا كان له

شاهد من اللغة وكلام العرب؛ لأن الواجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشعر أن يذكر كل ما يحتمله الكلام من وجوه المعاني)) 1. وهذا عين ما كان يفعله أبو العلاء، فقد اعتمد على الخصائص النحوية والصرفية للغة، واعتمد على الشعر والقرآن في تفسير ديوان أبي تمام، وعند تأويله للبيت أو للفظة يذكر كل المعاني الممكنة في حالة عدم وجود قرينة تمنع من إيرادها 2. ولا ينبغي أن نغفل ونحن في معرض الحديث عن علاقة أبي العلاء بالنحو دعوته إلى إصلاحه، تلك الدعوة التي تتمثل في ((ثورته العارمة على مبدأ التأويل والتقدير فلم يكن هناك ما يغيظه أكثر مما كان يقرؤه ويسمعه من تأويلات النحاة وتكلفاتهم، وتخريجهم بعض الأبيات على غير حقيقتها للاستشهاد بها على آرائهم الخاصة.
وكثير من نقده ينصب على هذه الجوانب من نحو النحاة.
وقد سدد المعري معظم سهامه إلى نحاة البصرة الذين أكثروا من التأويل والتقدير، وتعسفوا غاية التعسف في تخريج كثير من الشواهد لتستقيم مع أصول مذهبهم)) 3. وأبو العلاء في دعوته الإصلاحية كان يراعي المقاصد الحديثة التي تَجِدُّ في عصره، حتى وإن خالفت آراء متقدمي النحاة، نلمح هذا عند قول أبي تمام: غَدَوتُ بِهِم أَمَدَّ ذَوِيَّ ظِلًّا... وَأَكثَرَ مَن وَرائي ماءَ وادِ [بحر الوافر] ((كان أبوالفتح عثمان بن جني يذهب إلى أن ((أكثر)) في هذا البيت غير مضاف إلى ((من))، ويجعل موضع ((من)) نصبا بفعل مُضمر، وإنما فر من أن يضيف ((أكثر)) إلى ((من))؛ لأن موضوع النحويين المتقدمين أن ((أفعل)) لا يُضاف إلا إلى ما هو بعضه، كقولك فلان أفضلُ الناس، وحسن ذلك لأنه بعضهم، ولوقيل العقاب أشد الناس لاستحال؛ لأن العُقاب ليست من الناس، ولهذا أحالوا قول من يقول: فلان أفضل إخوته؛ لأنه ليس منهم، إنما ينبغي أن يقال: فلان أفضل بني أبيه، وهذا

قول مُتقدم، وقد أجاز المتأخرون فلان أفضل إخوته، أى: أفضل الإخوة الذين هومنهم، والإضافة يتسع فيها جدًّا، وإلى قول من أجازه أذهب)) (1). ونختم كلامنا عن علاقة أبي العلاء بالنحو بالحديث عن بعض مظاهر الإبداع النحوي عنده.
هذا الإبداع الذي تمثل فيما سماه د. محمد الطويل بـ ((الأدوار المسرحية))، فالقارئ مثلا ((لرسالة الصاهل والشاحج يعجب كثيرا لهذه الأدوار المسرحية التي أدارها أبو العلاء عن أبواب النحو بصورة لم تعرفها العربية قبله ولا بعده)) (2). ومن خلال هذه الأدوار المسرحية ربط بين ((الواقع))، وبين ((النحو)).
ويمكن أن نذكر مثالا لذلك قوله في رسالة الصاهل والشاحج، يقول: ((وينبغي للحازم في الشدائد أن يكون مثل الهمزة، يخالق النفر بما يريدون، ويسكت على ضمائر النفس فإنه لا يقضي المأربة باللسان.
وليس في الحروف حرف أكثر مسامحة من الهمزة، ألا تراها إذا كانت ساكنة في مثل رأس وبؤس وذئب، فبلغت ما تستحقه من الهمز فهي كالحروف الصحاح، ويجوز أن تقول في القوافي: ((رئم)) مع سهم، و ((سؤل)) مع جُمل، فإذا اتفق لها أن تصاحب في القوافي حروف اللين صارت ألفا في شام، وياء في ريم، وواوا في بوس وسول، فجرت مع: رام، وجول، وهيم، وهي في ذلك غير جارة للعيب، بل قد أدت حق الحروف الصحيحة في حسن العشرة وتكلفت لحروف اللين ما ليس هو لها أصلا في الحقيقة)) (3). وما أجمل هذه الطريقة في توصيل المعلومات النحوية للناشئة بطريقة شائقة تثبت المعلومات في الأذهان.
...

ثانيا النحو عند التبريزي

:123

تحامل كثيرون على التبريزي واتهمه بعض الباحثين أنه بلا مذهب نحوي معين.
فها هو الدكتور فخر الدين قباوة لم يجد بين يديه ما يعين على تحديد مذهبه، ويرى أن هذا راجع إليه ((فهو في مصنفاته لم يبد ما يشجع على الجزم في مثل هذا الموضوع؛ لأنه كان ينقل أقوال أسلافه وأحكامهم برمتها؛ فتطغى شخصياتهم المذهبية على شخصيته، ولا تبقى لها حدود متميزة واضحة المعالم.
ولما كانت تلك الأقوال منقولة عن علماء مختلفي النزعات والمذاهب فقد لبث التبريزي في مصنفاته متنقلا بين وجهات من النظر متعددة، ولهذا نراه أحيانا مع مذهب البصريين وحينا مع مذهب الكوفيين، وآونة مع مدرسة بغداد، وطورا مع جميع المذاهب)) 1. هذا الاعتراض من قبل د. فخر الدين قباوة ويؤيده في هذا د. سليمان الشطي، ود.
أحمد جمال العمري اعتراض يقبل المناقشة، وأرى فيه تحاملا على التبريزي.
فعدم تحديد مذهب نحوي معين أمر ليس التبريزي بدعا فيه دون غيره، فقد سبقه أستاذه أبو العلاء في ذلك، وسبقهما ابن جني كما أثبتنا من قبل.
كما أن النص السابق يخلط كثيرا من الأوراق ببعضها؛ فمن المعروف أن المدرسة البغدادية تقوم على الانتخاب من المدرسة البصرية والكوفية ولم تكن المدرسة البغدادية مدرسة مستقلة.
وفوق كل هذا نجد للتبريزي في ثنايا شرحه ما يدل على قبوله لآراء معينة ودفعه لآراء أخرى، ومثال ذلك قول التبريزي عند قول أبي تمام: وَبَيَّتَّ البَياتَ بِعَقدِ جَأشٍ... أَشَدَّ قُوًى مِنَ الحَجَرِ الصَّلودِ [بحر الوافر] ((... ومن روى: ((أَمَرَّ قوًى)): فالمعنى أشدَّ إمرارًا؛ أي: فتلا، و ((أَشَدّ قُوًى)) أجود الروايتين؛ لأن المعروف أمررت الحبل بالهمز، وهم يجتنبون أن يبنى فعل

التعجب على ((أَفْعَلَ)) في التفضيل، إلا في أشياء مسموعة.
وقد ذهب بعضهم إلى أن ذلك قياس مطرد في كل فعل ماض على ((أفعل))؛ والأخذ بالسماع أحسن)) 1. بل إننا في بعض الأحيان نجده يخالف الجمهور في بعض الآراء، من ذلك مثلا القول بمصدرية ((لو)) فقد ((أثبت مصدريتها الفراء، والفارسي والتبريزي، وأبو البقاء، وابن مالك، ومنعه الجمهور)) 2. ووقوف الباحث على مفهوم جديد للبنية الصرفية عنده لم يجده عند غيره 3. ومخالفته لأستاذه أبي العلاء في تفضيل السماع على القياس.
ولم يكتف د. سليمان الشطي باتهام التبريزي بعدم المذهبية، بل رماه بالسرقة، فقال: ((نعم، يحمد له دوره وهدفه وأن المنهج الذي رسمه واستطاع تحقيق أهم جوانبه مقبول وجيد والنتيجة وافية بالغرض، ولكن الاعتراض ينصب على الكيفية التي حقق بها هدفه، فمن حقه في مجال التعليم الاستعانة بالجهود السابقة ليقدمها إلى المتعلمين، ولكن لم يقل أحد إن الاستفادة من معلومات الآخرين تعني النقل المباشر بالعبارات نفسها والألفاظ ذاتها من دون إشارة تذكر.
فالفرق واضح بين الاستعانة المشروعة بكل الجهود والسرقة الواضحة المكشوفة أو على الأقل التصرف في مؤلفات الآخرين)) 4. وهذا كلام مردود، ويكفينا للرد عليه قول الإمام الذهبي ـ إمام الجرح والتعديل بلا منازع عند علماء الحديث فضلا عن أنه من أكابر المؤرخين ـ فيه بأنه ((إمام اللغة))،

وقول ياقوت والسيوطي عنه: ((أحد الأئمة في النحو واللغة والأدب، حجة صدوقًا ثبتًا)) 1. ثم، هل نقل عبارات العلماء كما هي نوع من السرقة؟! وهل كان التبريزي ينقل بدون أن ينسب الكلام؟! أظن أن في هذا الكلام شطط كبير، ولا أبلغ في الرد عليه من قول د. محمد عبده عزام محقق ديوان أبي تمام بشرح التبريزي إذ يقول: ((ومهما يكن الرأي في الخطيب التبريزي، فإنه بهذا الشرح قد قدم للمتأدبين عملا جليلا خالدا؛ إذ جمع شعر أبي تمام من أوله إلى آخره، ثم نظر في شروح شراحه، ثم اختار من هذه الشروح، وضمها كتابه، ناسبا كل قول لقائله غالبا، فجاء حاويا لآراء هؤلاء الشراح جميعا)) 2. ثم هل كانت التبريزي ينقل كل ما يقع تحت يديه أم كان يختار؟ فإذا كانت الإجابة الواضحه أنه كان يختار، فعلى أي أساس كان يختار؟! لابد أنه كان يختار ما يوافق عليه، ويوافق مذهبه.


المبحث الأول

نبذة مختصرة عن المدارس النحوية ومناهجها والأصول النحوية

سنحاول في السطور التالية تقديم نبذة مختصرة عن المدارس النحوية المختلفة، وسنخص بالذكر هنا

المدرسة البصرية

، والكوفية، والبغدادية.
ولاشك أن كلامنا عن هذه المدارس هو من نافلة القول، وهو من الكلام المعاد المكرر؛ ولكن تلك نبذة لابد منها لتكون منطلقًا لمناقشة الأصول النحوية عند أبي العلاء والتبريزي.
المدرسة البصرية: قبل البدء في تجلية ملامح مدارسنا النحوية نقرر أن علماءنا ((الأقدمين اتبعوا المنهج الوصفي في استنباط القواعد النحوية، وذلك من خلال استقرائهم لغة العرب من مصادرها الأصلية: قرآنا، حديثا، شعرا، نثرا)) 1، واستنباط القواعد هذا قائم على الاستدلال؛ أي أننا ((نستدل من الأثر الأنظمةَ النحوية وتفصيلاتها القائمة في اللغة على هذه الأنظمة؛ أي أنه يتم توظيف الآثار للوقوف على الأنظمة اللغوية التي وراءها)) 2. وعند حديثنا عن المدارس النحوية لابد أن نبدأ بـ ((مدرسة البصرة))، وحُقَّ لها أن يُبدأَ بها، فـ ((هي التي وضعت أصول نحونا وقواعده، ومكنت له من هذه الحياة المتصلة التي لا يزال يحياها إلى اليوم، وكل مدرسة سواها فإنما هي فرع لها، وثمرة تالية من ثمارها)) 3. فإلى هذه المدرسة يرجع الفضل في وضع علم النحو، وتوطيد أركانه، وتعهده بالعناية حتى استوى على سوقه، وتحددت معالمه التي عرف بها عبر هذه القرون الطويلة.

ولقد تشدد شيوخ هذه المدرسة في ((الاطراد في القواعد)) تشددا جعلهم ((يطرحون الشاذ، ولا يعولون عليه في قليل أو كثير، وكلما اصطدموا به خطأوه أوأولوه)) 1، وأما من حيث الاستقراء ((فقد اشترطوا صحة المادة التي يشتقون منها قواعدهم، ومن أجل ذلك رحلوا إلى أعماق نجد وبوادي الحجاز وتهامة؛ يجمعون تلك المادة من ينابيعها الصافية التي لم تفسدها الحضارة، وبعبارة أخرى رحلوا إلى القبائل المتبدية المحتفظة بملكة اللغة وسليقتها الصحيحة، وهي قبائل تميم وقيس وأسد وطيئ، وبعض عشائر كنانة)) 2، فقد ((كانت لغة البدو هي القدوة المثلى والنموذج الرفيع)) 3. وفكرتهم في ذلك ((أن الانعزال في كبد الصحراء وعدم الاتصال بالأجناس الأجنبية يحفظ للغة نقاوتها، ويصونها من أي مؤثر خارجي، وأن الاختلاط يفسد اللغة، وينحرف بالألسنة)) 4، فهم يرون في ((الاختلاط بغير العرب سبيلا لفساد القول، واختلاط اللسان، وموردا لكثير من الألفاظ والأساليب، وطرق التعبير التي لا تعرفها العربية)) 5. فقد رأوا أن ((الحضر قد فسد بالاختلاط، بل كانوا لا يأخذون عن البدوي إلا إذا لم يفسده الحضر، فكانوا لا يأخذون عن الأعرابي إذا فهم القول الملحون)) 6.

وقد عبر ابن جني عن هذه الفكرة أيضا قائلا: ((باب في ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر:... ولوعلم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم؛ لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر.
كذلك لوفشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها؛ لوجب رفض لغتها، وترك تلقي ما يرد عنها)) 1. وجملة القول أن أبرز سمات هذا المذهب تتجلى في ((الدقة والحيطة؛ فقد اشتهر نحاة البصرة بانتقاء الأساليب الفصيحة، والشواهد الصحيحة؛ لقد سمعوا عن العرب كثيرا؛ ولكنهم لم يقبلوا كل ما سمعوا، ولم يعتمدوا كل ما روي لهم، ولم تقم قواعدهم على الرواية العابرة، أوالبيت النادر، أوالقولة النابية.
إنهم أرادوا أن يضعوا أسس علم، وأرادوا لهذه الأسس أن تكون قوية؛ فلا بد من أن تكون متواترة، أوقريبة من التواتر؛ حتى ترسخ قواعدها فلا تزلزل، وحتى يقوى أساسها فلا يلين)) 2 وقد اعتمدت مدرسة البصرة على القياس؛ إذ ((اقتصر البصريون على جواز القياس على المشهور الشائع، وأبوا القياس على القليل أوالنادر، في حين أن الكوفيين قد أجازوا القياس على الشاهد الواحد أوالشاهدين)) 3. ولقد توسع البصريون في القياس والتعليل؛ إذ ((طلبوا لكل قاعدة علة، ولم يكتفوا بالعلة التي هي مدار الحكم؛ فقد

التمسوا عللا وراءها.
وقانون القياس عام، وظلاله مهيمنة على كل القواعد إلى أقصى حد، بحيث يصبح ما يخرج عليها شاذا، وبحيث تفتح الأبواب على مصاريعها؛ ليقاس على القاعدة ما لم يسمع عن العرب، ويحمل عليها حملا، فهي المعيار المحكم السديد)) (1). إن القياس الذي اعتمد عليه البصريون هوالذي ((يعتمد في وضع القاعدة النحوية على الاستعمال الغالب، واعتداد ما سواه لهجات)) (2). وتنفرد مدرسة البصرة بـ ((الاعتماد على الأفكار الفلسفية في درسها)) (3)، والقدرة الفائقة على ((الاستدلال بالبراهين العقلية، والأقيسة المنطقية، والعلل الفلسفية)) (4). ويتمثل هذا ـ في بعض الجوانب ـ فيما يعرف بنظرية العامل، والتي يرجع الفضل في تثبيت أصولها، ومد فروعها، وإحكامها إحكاما ـ على مر العصور ـ إلى الخليل بن أحمد، ((فقد أرسى قواعدها العامة، ذاهبا إلى أنه لابد مع كل رفع لكلمة أونصب أوخفض أوجزم من عامل يعمل في الأسماء والأفعال المعربة، ومثلهما الأسماء المبنية)) (5).


المدرسة الكوفية

:12345

أجمع القدماء على أن ((نحوالكوفيين يشكل مذهبا مستقلا)) (1)، وتتمثل أركان هذا المذهب وقواعده في ((ثلاثة طوابع كبيرة تشيع فيها هي: طابع الاتساع في الرواية، بحيث تفتح جميع الدروب والمسالك للأشعار واللغات الشاذة، وطابع الاتساع في القياس بحيث يقاس على الشاذ والنادر دون تقيد بندرته وشذوذه، ثم طابع المخالفة في بعض المصطلحات النحوية، وما يتصل بها من العوامل)) (2). لقد توسع الكوفيون في السماع؛ ((فسمعوا من القبائل التي أخذ عنها البصريون، كما سمعوا قبائل أخرى رفض البصريون الأخذ عنها، كالأعراب الذين عاشوا في قرى سواد بغداد، مثل أعراب الحطمية وغيرهم، وكذلك قبلوا جميع ما رُوِي من الشعر، وما أُثِر من كلام العرب، وعولوا على ذلك كله في الاستشهاد، ووضع القواعد، وعلى ذلك كان من الطبيعي أن تكثر عندهم الشواهد النادرة، والقواعد المخالفة لما عرفه جمهور النحويين)) (3). كما نجد أن الكوفيين كانوا ((أقل استعمالا لأساليب علم الكلام من حيث الاعتداد بالعقل والاستناد إلى البراهين المنطقية والعلل الفلسفية)) (4).


المدرسة البغدادية

: اتبع نحاة بغداد في القرن الرابع الهجري نهجا جديدا في دراساتهم ومصنفاتهم النحوية، يقوم على ((الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية، مع فتح الأبواب للاجتهاد، والخلوص إلى الآراء المبتكرة)) 5، فكان نحاة المذهب البغدادي ((يُعْنَوْنَ بالتعمق في دراسة هذين المذهبين، ويحاولون من خلال ذلك أن ينفذوا إلى كثير من الآراء التي تعلوها سمة من الجدة، والابتكار، ونستطيع أن نتبين ذلك في1234

آراء ابن كيسان المتوفى سنة 299هـ، وابن شقير المتوفى سنة 315هـ، وابن الخياط المتوفى سنة 320هـ)) (1). لقد كان أصحاب هذا المذهب ((يتمسكون بالرأي الذي يستريحون إليه، ويغلب على ظنهم صحته، سواء أكان موافقا لرأي البصريين أم الكوفيين؛ فلا تعصب لأحد الفريقين على الآخر، وأحيانا نرى لهم آراء جديدة وصلوا إليها باجتهادهم)) (2). وكان ((لازدهار الفلسفة، وعناية البغداديين بها أثر واضح في الدراسات النحوية، ومن ثم رأينا من النحويين من أكثر من استعمال الأساليب الفلسفية في كلامه كأبي الحسن الرماني الذي كان يؤيد المعتزلة، وتأثر بفلسفتهم في دراساته النحوية)) (3). وحاول بعض الباحثين المعاصرين ((أن ينفي وجود المدرسة البغدادية؛ معتمدا على من ينظمون أفرادها في البصريين والكوفيين، وأن علمين من أعلام جيلها الثاني يَنْسُبَان أنفسهما في البصريين، وهما أبوعلي الفارسي وتلميذه ابن جني؛ إذ يعبران في تصانيفهما عنهم كثيرا بكلمة أصحابنا، وينتصران في أغلب الأمر للآراء البصرية، وكثيرا ما يطلق ابن جني على الكوفيين اسم البغداديين؛ وكأنهم مدرسة واحدة)) (4).


الأصول النحوية

:1234

ومن تتمة القول في بداية هذا الفصل أن نقدم تعريفا موجزا للأصول النحوية التي اعتمدت عليها المدارس النحوية المختلفة.
وبداية نقرر أن القدماء اختلفوا في أصول النحو، فـ ((ابن جني حصرها في ثلاثة أصول: السماع، القياس، الإجماع.
في حين حصرها ابن الأنباري في: السماع، القياس، استصحاب الحال، مسقطا الإجماع.
أما السيوطي فقد جمع المذهبين السابقين؛ فحصرها في السماع، القياس، الإجماع، استصحاب الحال)) 1. [أ] السماع: عرف السيوطي السماع بقوله: ((هوما ثبت في كلام من يوثق بفصاحته؛ فشمل كلام الله تعالي وهوالقرآن وكلام نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكلام العرب قبل بعثه وفي زمانه وبعده إلى أن فسدت الألسنة بكثرة المولدين، نظما ونثرا من مسلم أوكافر)) 2. ويتضح من تعريف السيوطي أن السماع يعتمد على ثلاث ركائز: ((الأولى: القرآن الكريم، وحديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقيد صحته، إسنادا ومتنا، وكلام العرب الموثوق في لغتهم، شعرا ونثرا، والثانية: تحديد زماني، لا يتجاوز نهاية القرن الثاني الهجري في الحواضر، ونهاية القرن الرابع الهجري في البوادي، وتحديد مكاني: لا يتعدى قبائل الحجاز ونجد وتهامة، وبالجملة كل قبائل وسط شبه الجزيرة، التي تبعد عن التخوم لأهل البلاد الأخرى من فرس، وروم، وأحباش، الثالثة: فصاحة الراوي الذي يعد أهم تلك الركائز؛ لكونه أهم وسيلة لنقل اللغة وحفظها)) 3.

ونختم كلامنا بتلك الإشارة التي أشار إليها السيوطي بأن ((كلا من الإجماع والقياس لا بد له من مستند من السماع كما هما في الفقه كذلك)) 1.


[ب] القياس: أورد ابن الأنباري جملة من تعاريف العلماء للقياس فقال: ((هوعبارة عن تقدير الفرع بحكم الأصل، وقيل: هوحمل فرع على أصل بعلة، وإجراء حكم الأصل على الفرع، وقيل: هوإلحاق الفرع بالأصل بجامع، وقيل: هواعتبار الشيء بالشيء بجامع، وهذه الحدود كلها متقاربة)) 2، وقال د. إبراهيم أنيس: ((هواستنباط مجهول من معلوم، فإذا اشتق اللغوي صيغة من مادة من مواد اللغة على نسق صيغة مألوفة في مادة أخرى، سمي عمله هذا قياسا، فالقياس اللغوي هومقارنة كلمات بكلمات، أوصيغ بصيغ، أواستعمال باستعمال؛ رغبة في التوسع اللغوي، وحرصًا على اطراد الظواهر اللغوية)) 3. ومن العلماء من يقسم مفهوم القياس إلى قسمين: ((مفهوم استقرائي: والمقصود به اطراد الظاهرة في الكلام أوالنصوص، بحيث يتخذ من هذه الظاهرة وأمثالها قواعد يقاس عليها في الاستعمال، وما يخالف تلك القواعد يعد شاذا، لا يقاس عليه، ثانيهما: يمكن أن نطلق عليه قياس العلة، وفيه يقدر للفرع حكم الأصل، أوحمل فرع على أصل بعلة، أوإلحاق الفرع بالأصل بجامع، أواعتبار الشيء بالشيء بجامع.... وهذا القياس هوالذي بني عليه النحو، فمن أنكره فقد أنكر النحو؛ لكون النحوكله قياس)) 4.

وربما جاز لنا أن نعلق بأن القياس الاستقرائي قياس عملي، والثاني قياس العلة قياس علمي.
وللقياس وظائف تتمثل في: ((استنباط القاعدة، تعليل ظاهرة، رفض ظاهرة)) 1.


[ج] الإجماع: عرف الجرجاني الإجماع في الاصطلاح بأنه: ((اتفاق المجتهدين من أمة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ في عصر على أمر ديني، والعزم التام على أمر من جماعة أهل الحل والعقد)) 2. ونص المعجم الفلسفي على أن الإجماع ((اتفاق الخاصة أوالعامة على أمر من الأمور، واعتبار ذلك دليلا على صحته، ويقصره فقهاء الإسلام على اتفاق المجتهدين من المسلمين في عصر معين على أمر ديني، ويعد أصلا من أصول التشريع)) 3 من خلال ما سبق نقرر أن الإجماع عند النحاة يعني: ((إجماع أهل العربية على أن هذا الحكم كذا، كإجماعهم على أن علة تقدير الحركات في ((المقصور)): التعذر، وفي ((المنقوص)) الاستثقال)) 4. والإجماع عند علماء الأصول نوعان: ((الإجماع الصريح، والإجماع السكوتي)) 5، وقد تأثر النحاة ((بهذين القسمين في استنباطهم قواعد نحوية جديدة،

كما أضافوا أنواعا تختص بها لغة العرب، تتمثل في: إجماع الرواة، إجماع العرب، إجماع النحاة)) 1.


[د] الاستصحاب: عرفه ابن جني، بأنه: ((إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول؛ ما لم يَدْعُ داع إلى الترك والتحول)) 2، وقال الجرجاني: هو ((عبارة عن إبقاء ما كان على ما كان عليه؛ لانعدام المُغَيِّر، وهوالحكم الذي يثبت في الزمان الثاني بناء على الزمان الأول)) 3.


المبحث الثاني

الأصول النحوية عند أبي العلاء

السماع

: إذا لجأنا إلى تعريف السيوطي للسماع لتحديده عند أبي العلاء نجد أن السماع كان مصدرا مهما لشرح الديوان، ونجد أن أبا العلاء كان يعتمد في سماعه على القرآن الكريم، وقراءاته، والأحاديث النبوية، والشعر، والأمثال المنقولة عن العرب، وأقوال التابعين، والأدباء 1. ولا يقف المسموع عند أبي العلاء عند حد معين، بل يمتد حتى يشمل المسموع في عصره 2 من اللغة العالية، أواللغة الفصيحة 3، وكان يستخدم هذا المسموع في قياس أساليب أبي تمام عليه (4). وكان ينقل هذا المسموع عن أهل اللغة الثقات 4. وكان أبوالعلاء واسع الإحاطة بهذا المسموع، بالغا أقصى مدى يمكن أن يبلغه إنسان في إحاطته للغة ما.
ونستشف حدود هذه الإحاطة الواسعة، ومدى وقوفه على المسموع، من خلال عباراته المتناثرة التي نجدها مبثوثة في تضاعيف الديوان 5. ومن العجيب أن اللغة كانت تُسَجَّل في ذهن أبي العلاء بطريقة ((شبه إحصائية))، تظهر في استخدامه لعبارات مثل: [1] ((أكثر ما يستعمل..)) 6[2] ((معظم الكلام..)) 7.8

القياس

اللغوي عند أبي العلاء.

[3] ((قلما يقولون..)) 1. [4] ((قلما يستعمل...)) 2. [5] ((غير مستعمل...)) 3. [6] ((لا يكادون يقولون...)) 4. [7] ((لا يكاد يستعمل...)) 5. [8] ((مفقود في أكثر كلامهم...)) 6. [9] ((قلما يصرفون...)) 7. [10] ((لا يُعْرَف...)) 8. [11] ((لم يقولوا...)) 9. ويظهر هذا أيضا في تحديده لنوع الكلمة تذكيرا وتأنيثا، ولأي طرف يميل نوع الكلمة 10. وإذا تتبعنا خصائص هذا المسموع عند أبي العلاء، نجد أن:

  1. هذا المسموع متطور على المستوى الدلالي والصرفي والنحوي، وإن كان على المستوى الدلالي أوضح وأسرع.
    ومثال التطور النحوي عنده قوله عند قول أبي تمام: اُنظُر وَإِيّاكَ الهَوى لا تُمكِنَن... سُلطانَهُ مِن مُقلَةٍ شَوساءِ [بحر الكامل] ((كان النحويون المتقدمون يرون أن ((إياك)) ينبغي أن تستعمل مع الواو مثل قولهم: إياك وزيدا، وينكرون مجيئها على غير ذلك إلا أن تستعمل بـ ((أن))؛ كقولك: إياك أن تقوم، وإياك أن تذهب، والواوعندهم مرادة، كأنه قال: إياك وأن تذهب، ولكن الواو حذفت كحذف الباء مع ((أَنْ)) في مواضع كثيرة، وكذلك تُحذف معها حروف الخفض، يقال: نهيتك أن تفعل؛ أي عن أن تفعل، وأمرتك أن تفعل، والمراد بأن تفعل...)) 1. وإذا كانت الحال كذلك عند أبي العلاء؛ فيصبح ((تحديد فترة للاحتجاج اللغوي)) أمرا فيه نظر؛ إذ كيف يحتج بأمر يظن أنه ثابت، وهوفي الأصل متطور غير ثابت.
  2. المسموع عنده درجات: ((لغة عالية)) 2، ((جيدة)) 3، وفصيحة، ورديئة غير مقبولة.
  3. ومنه كلام قديم وحديث 4، ومنه مشهور معروف، وغير مشهور وغير معروف 5.

وقد قام المسموع عنده بعدة وظائف هي: [أ] ((إقرار استخدام لغوي عند أبي تمام)) (1)، ((أومخالفته له)) (2). [ب] ((بيان الاتساع والمجاز الذي وقع في هذا المسموع نفسه)) (3). [ج] ((توضيح استعارية أبي تمام لبعض هذا المسموع من عدمه)) (4). [د] ((الرد على آراء لغوية غير صحيحة))، ومن أمثلة ذلك: ـ ((و ((أعزال)) جمع، وواحده غير مستعمل؛ لأن المعروف رجل أعزل)) (5). ـ ((وبعض الناس يدعي أن أول من قال: ((حَمِيَ الوطيس)) النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما أحسب هذا إلا وهمًا؛ لأن الوطيس قد كثر في الشعر القديم)) (6). [هـ] ((بيان الألفاظ المولدة من غيرها)) (7). [و] ((كثرة تردد لفظة في فترة زمنية محددة)) (8). [ز] ((الاستخدامات الخاصة ببعض القبائل)) (9). [ح] ((توضيح عروبة لفظة أوأعجميتها)) (10). هذا بالإضافة إلى الاستعمال الأساسي، وهوشرح الألفاظ الغامضة عند أبي تمام.

القياس

:12345678910

من يتتبع شرح أبي العلاء يجد أن ((القياس)) أمر واضح وجَلِيٌّ عنده حاضر في ذهنه، يلجأ إليه في توضيح بعض المسائل الصرفية والنحوية، والعروضية، واللغوية عند أبي تمام، ومن ذلك قوله عند قول أبي تمام: لا ذوالحُقودِ اللُقَّحِ اللاتي تَرى... كَشحَ الصَديقِ وَلا العِداتِ الحُيَّلِ [بحر الكامل] ((و ((الحُيَّل)) جمع حائل؛ وهي التي لم تحمل، و ((الحُوَّل)) بالواو أجود؛ لأنه من ذوات الواو؛ فتظهر في جمعه، كما يقال: صائم وصُوَّم، قائم وقُوَّم؛ وقد قلبت إلى الياء استثقالا للتشديد مع الواو، كما قالوا: صُيَّم في جمع صائم، ونُيَّم في جمع نائم، وهما من الصوم والنوم)) 1. ـ قال أبوتمام: الحَسَنُ بنُ وَهبٍ... كَالغَيثِ في انسِكابِه في الشَّرخِ مِن حِجاهُ... وَالشَّرخِ مِن شَبابِه [بحر: مجزوء الرجز] ((هذا الوزن لم يذكره الخليل فيما ذكر، وإذا حمل على قياس ما قال فأشبه الأشياء به أن يكون من المنسرح)) 2. ـ قال أبوتمام: نَعاءِ إِلى كُلِّ حَيٍّ نَعاءِ... فَتى العَرَبِ احتَلَّ رَبعَ الفَناءِ [بحر المتقارب] ((العامة يثبتون الياء في بيت الطائي، كأنهم يعتقدون الإضافة، وذلك رديء جدا في القياس؛ لأن قولك ((حَذَار)) وما جرى مجراها لا تضاف إلا أن تخرج عن بابها؛ لأنها واقعة موقع الأمر إذ كان المفعول يقع بعدها، قال الفرزدق: نَعاءِ ابنَ لَيلى للسَّماحة والنَّدى... وأضياف ليلٍ مُقفَعِلِّي الأَنامِلِ 3 [بحر الطويل]

وابن ليلى منصوب بنعاء)) 1. ـ ((وبعض المولدين يظن الدجى واحدًا مثل هدى، وإنما هومثل: زُبْيَة وزبى)) 2. وأبوالعلاء لم يكن يقتصر على مصطلح القياس تحديدا في قياساته التي يستعملها، بل نجد عنده بعض الأقوال التي تساوي في معناها المقصود من القياس مثل: ((الخروج مخرج)) 3، ((المناسبة)) 4، ((الحمل على الغير)) 5، ((الشائع في الكلام)) 6، ((كما يقال)) 7، ((ذلك مثل قولهم)) 8، ((جاريا مجرى)) 9، ((سائغ في الكلام)) 10، ((على حد قولهم)) 11. وقبل الاسترسال في الحديث عن القياس عند أبي العلاء يجب أن نقف على مدلول القياس عنده، وهذا يقتضي بداية أن ننبه على أن القياس في تراثنا النحوي كان ذا مدلولين يختلفان تمام الاختلاف، ((أما أولهما فيرتكز على مدى اطراد الظاهرة في النصوص اللغوية مروية أو مسموعة، واعتبار ما يطرد من هذه الظواهر قواعد ينبغي الالتزام بها وتقويم ما يشذ من نصوص اللغة عنها (...) وأما المدلول الثاني للقياس

فهو أنه عملية شكلية يتم فيها إلحاق أمر ما بآخر لما بينهما من شبه أو علة، فيعطي الملحق حكم ما ألحق به.
ومن ثم فإن لهذه العملية أطرافا أربعة: المقيس، والمقيس عليه، والجامع بينهما، والحكم)) 1. ويتضح من النصوص التي تجمعت لدى الباحث أن مدلول القياس الذي يستند إليه أبو العلاء هو المدلول الثاني الشكلي، ومن هذه النصوص: أـ قال أبوتمام: يَومٌ أَفاضَ جَوًى أَغاضَ تَعَزِّيًا... خاضَ الهَوى بَحرَي حِجاهُ المُزبِدِ [بحر الكامل] ((... ((أغاض)): قليلة في الاستعمال؛ وإنما يقال: غاض الماءُ وغاضه غيره، ويجوز أن يكون الطائي سمع أغاض في شعر قديم، وإن لم يكن قد سُمِع فالقياس يطلقه)) 2. ب ـ قال أبوتمام: يَحميهِ لألاؤُهُ أَولَوذَعِيَّتُهُ... مِن أَن يُذالَ بِمَن أَومِمَّنِ الرَّجُلُ [بحر البسيط] ((اللألاء: النور، والرواية ((تحميه)) بالتأنيث، والقياس يوجب أنه ((لألاء)) مثل زلزال، من لألأ الشيء، وتلألأ، وإذا قيل إنه مثل الزلزال فما يمتنع من كسر أوله مثل: القلقال والسلسال؛ مصدر قلقل، وسلسل، وذلك مطرد في هذا الباب، وإذا قيل إن: ((اللألاء)) مؤنثة؛ وجب أن يكون اشتقاقها من ((اللأل))، كما قال: دُرَّةٌ مِن عَقائِلِ البَحرِ بِكرٌ... لَم تَنَلها مَثاقِبُ اللَّأَّال [بحر الخفيف] 3 فكأنها مبنية من اللأل ثم زيدت عليها الألف التي للتأنيث وبعدها الهمزة، وقولهم: ((اللَّأَّال)) كلمة شاذة، واشتقاق اللؤلؤ مثل اشتقاق اللألاء)) 4.

في النصين السابقين أ / ب نجد هاتين العبارتين المهمتين: ((وإن لم يكن قد سُمِع فالقياس يطلقه))، ((والقياس يوجب)).
فالعبارة الأولى تدل على أن أبا العلاء لا ((يُشِذُّ)) صيغة ((أغاض))، أي أنه لا يأخذ بالمدلول الأول للقياس الذي كان ((موجودا حتى أوائل القرن الرابع الهجري)) 1. أما عبارة ((والقياس يوجب)) تدل على مدى السلطة التي يتمتع بها القياس وأن لديه من القوانين الذاتية ما يحقق بها هذه السلطة وهو بهذا الفهم لابد أن يكون مدلوله المدلول الثاني.
وتفضيل أبي العلاء للقياس كمنهج في التعامل مع اللغة لابد أن يكون نابعا من موقف فكري التزم به، فليس المنهج ((مجموعة من القواعد الكلية والأسس العامة فحسب، بل هو قبل كل شيء موقف فكري محدد تجاه الأشياء والعلاقات ولا سبيل إلى استكناه حقيقة هذا الموقف أو استكشاف آماده إلا بربطه بالمؤثرات المختلفة فيه وعلى رأسها المؤثرات الفكرية المتصلة به)) 2. وبقليل من الاستقراء فيما تجمع لدى الباحث من أقوال أبي العلاء في شرحه للديوان، نجد أن القياس عنده ((يبنى على المطرد))، ونلمح ذلك في النصوص التالية: ـ قال أبوتمام برواية أبي العلاء لهذا البيت: تَؤُمُّ شِهابَ الأزد حَفصًا وَرَهطُهُ... بَنوالحَربِ لا يَنبو ثَراهُم وَلا يُكدي [بحر الطويل] ((... وذكر ابن السكيت أن ((الأسْد)) بالسين أجود، وغيره يقولها بالزاي، ويجب أن يكون الأصل بالسين؛ لأن الدال إذا وقعت قبلها السين الساكنة؛ فبعض العرب يحولها إلى الزاي، وكذلك الصاد، وكذلك قالوا في المثل: ((لم يُحْرَمُ مَنْ فُزْدَ له)) إذا سكنوا صاد فُصِدَ على لغة ربيعة)) 3. ـ قال أبوتمام:

أَطَلَّ عَلى كُلَى الآفاقِ حَتّى... كَأَنَّ الأَرضَ في عَينَيهِ دارُ [بحر الوافر] ((.. ومن روى ((كلا الآفاق)) بكسر الكاف، وهو يريد ((كل الآفاق)) فروايته خطأ؛ لأن ((كِلا)) يستعمل للاثنين لا للجمع، ولم يأت في المسموع: كلا القوم، وكلا الأصحاب، وإنما يقال: كلا الرجلين، وكلا الفرسين، ونحوذلك)) 1. ـ قال أبوالعلاء في استطراد لغوي عند قول أبي تمام: ذَهَبَت بِمُذهَبِهِ السَّماحَةُ فَالتَوَت... فيهِ الظُّنونُ أَمَذهَبٌ أَم مُذهَبُ [بحر الكامل] ((... وإذا ضُمَّت الميم فالمعنى: ذهبت بثيابه المُذهبة؛ أي: يخلعها، وقد ادعى قوم أن الذهب يسمى ((مُذهبًا))؛ وفسروا على ذلك قول الأخطل: لَبّاسُ أَردِيَةِ المُلوكِ كأنما... عُلَّت ترائبه بماء المُذهب [بحر الكامل] قالوا أراد الذهب، والقياس يوجب أن المراد بماء الشيء المذهب..)) 2. ـ ((الإقراب: أكثر ما يستعمل في الإناث، يقال: فرس مقربة؛ تُشَدُّ قريبا من بيت مالكها؛ لأنه يخاف أن ينزوعليها فحل لئيم.
وربما استعمل ذلك في الذكور، وقياس كلامهم يوجب أن كل فرس يجوز أن يوصف بقرب؛ لأن من شأنهم أن يقربوه)) 3. ونلاحظ هذا الاطراد في القياس على مستوى الدلالة في بعض أقواله: ـ ((أصل الوشيج: كل ما وشج بعضه في بعض؛ اتصل؛ ثم يقال لكل ما اتصل وشيج)) 4. ـ ((يقال نَطِفَ البعير؛ إذا هجمت الغدة على قلبه؛ ثم قيل لكل فساد نَطَف)) 5. ـ ((الجنى: اسم عام يقع على كل ما اجْتُنِي...)) 6.

ـ ((وأنف كل شيء أوله)) 1. ـ ((... وبعض الناس يقول: إنما ((الفرس)) مركوض، وليس هذا القول بشيء لأن كل من ضرب برجله الأرض أوغيرها فهو راكض)) 2. ـ ((وكل صوت دقيق يقال له صريف)) 3. وأبوالعلاء يفضل أن يكون القياس مطردًا وبعيدًا عن القليل والشاذ: قال أبوتمام: وَثَناياكِ إِنَّها إِغريضُ... وَلِآلٍ تومٌ وَبَرقٌ وَميضُ [بحر الخفيف] ((ويقال للؤلؤة العظيمة ((تُؤْمَة))، والجمع تُؤَم، وهذا أجود من أن تجعل توم جمع: تُؤَام على تخفيف الهمزة؛ لأن ذلك قليل)) 4. وقد لعب القياس دورًا مهما مع أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام، فقد كان يلجأ إليه لـ ((إقرار استعمال لغوي أوأسلوبي لأبي تمام؛ من خلال قياسه على المستعمل في اللغة)): ـ قال أبوتمام: وَإِنَّ المَعالي يَستَرِمُّ بَناؤُها... وَشيكًا كَما قَد تَستَرِمُّ المَنازِلُ [بحر الطويل] ((... ويَستَرِمُّ: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون في معنى ((صار كذلك))؛ كما يقال: استنسر البُغَاث؛ أي: صار كالنسر، والآخر: أن يكون في معنى طالب الشيء؛ فيكون قوله: ((يَستَرِمُّ بناؤها)): أن يطلب أن يُرَم؛ أي يصلح؛ كما يقال: استعطاني فلان؛ أي: طلب عطائي، واستفهمني؛ أي: طلب إفهامي)) 5. ـ قال أبوتمام:

مِن كُلِّ مُشتَهَرٍ في كُلِّ مُعتَرَكٍ... لَم يُعرَفِ المُشتَري فيهِ وَلا زُحَلُ [بحر البسيط] ((من روى ((مُشتَهَرٍ)) على ما لم يسم فاعله، فهومقيس على قولهم: فلان مشهور، وقد شُهِر في الناس، كما يقال: كُتِبَ الكتاب واكتتب، وقضب الغصن واقتضب)) 1. ـ قال أبوتمام: أَبقَيتَ جَدَّ بَني الإِسلامِ في صَعَدٍ... وَالمُشرِكينَ وَدارَ الشِركِ في صَبَبِ [بحر البسيط] ((الجد ها هنا الحظ، وبنوالإسلام: الذين يدخلون فيه (...) ومن كلامهم إذا أكثر الرجل من الشيء وألفه أن يقولوا: هوأبوكذا وأمه وابنه)) 2. ـ قال أبوتمام: مِن مَتاعِ المُلكِ الَّذي يُمتِعُ العَينَ بِهِ ثُمَّ مِن رَقيقِ الرَّقيقِ [بحر الخفيف] ((... قصد الطائي بقوله: ((من رقيق الرقيق))؛ أي: من أحسنهم صورة، وأعلاهم قيمة، كما تقول: فلان كريم الكرام؛ أي: هوأعظم كرما)) 3. ـ قال أبوتمام: سَيلٌ طَما لَولَم يَذُدهُ ذائِدٌ... لَتَبَطَّحَت أولاهُ بِالبَطحاءِ [بحر الكامل] ((... وقوله: ((لَتَبَطَّحَت))؛ أي: لانبسطت، ويحتمل أن يكون قوله: ((تبطحت))؛ أي: حَلَّت بالأبطح، كما يقال: تَبَصَّر؛ إذا أتي البصرة، أوأقام بها أوانتسب إلى أهلها)) 4. ـ قال أبوتمام:

بِنتُ الفَضاءِ مَتى تَخِد بِكَ لا تَدَع... في الصَّدرِ مِنكَ عَلى الفَلاةِ غَليلا [بحر الكامل] ((يعني الناقة؛ أي: أنها معاودة للسير في الفضاء من الأرض على مذهب قولهم: ابن قفر، وابن ليل، وهوكثير في كلامهم)) 1. ـ قال أبوتمام: وَقَرِّب أَنتَ تِلكَ فَإِنَّ هَمًّا... عَراني بِاشتِجارٍ وَارتِفاقِ [بحر الوافر] ((خاطب المرأة ثم انصرف عنها إلى مخاطبة رجل يأمر بتقريب العيس للسير، وهم يفعلون ذلك كثيرا؛ يتركون خطاب الأول المذكر إلى المؤنث، وخطاب المؤنث إلى المذكر، ومنه الآية: چ ? ? ? ?? ? ?? ? ? ? ? ? چ [يوسف: 29])) 2. وفي أحيان كثيرة يستخدم أبوالعلاء القياس لتوضيح بعض الأمور: صرفية أونحوية أكثر دقة عند أبي تمام: ـ قال أبوتمام: هَدَأَت عَلى تَأميلِ أَحمَدَ هِمَّتي... وَأَطافَ تَقليدي بِهِ وَقِياسي بِالمُجتَبى وَالمُصطَفى وَالمُستَرى... لِلحَمدِ وَالحالي بِهِ وَالكاسي [بحر الكامل]

((... جاء بالباء في قوله: ((بالمجتبى))؛ لأنه بدل من الهاء في قوله ((به))، وإذا كان الحرف متصلا بالضمير ثم أبدل منه وجب أن يعاد الحرف مع الاسم؛ كقولك: مررنا بهم بالقوم الصالحين، ونزلنا عليهم؛ على خيار الناس)) 1. ـ قال أبوتمام: بِالقائِمِ الثامِنِ المُستَخلَفِ اطَّأَدَت... قَواعِدُ المُلكِ مُمتَدًّا لَها الطِّوَلُ [بحر البسيط] ((ينبغي أن يكون اشتقاق ((اطأدت)) من ((الطود))، بني على ((افتَعَلت)) من ذلك، فقيل: ((اطَّادَت)) ثم همزت للضرورة؛ لأن تاء ((الافتعال)) إذا كان قبلها طاء قلبت إليها، وليس في كلامهم ((الطَّاد)) بالهمز، وإنما قالوا: وطد، ولوبُنى ((افتعل)) من وطد لقيل: ((اتَّطَدَ)))) 2. ـ قال أبوتمام: وَلَم أَرَ نَفعًا عِندَ مَن لَيسَ ضائِرًا... وَلَم أَرَ ضَرًّا عِندَ مَن لَيسَ يَنفَعُ يَقولُ فَيُسمِعُ وَيَمشي فَيُسرِعُ... وَيَضرِبُ في ذاتِ الإِلَهِ فَيوجِعُ [بحر الطويل] ((هذا البيت 3 من عجيب ما جاء في شعر الطائي؛ لأنه أتبع العينَ الواو في غير قافية 4، وإنما آنسه بذلك أن العين في آخر النصف الأول وفي آخر النصف الثاني، ولا ريب أنه كان يتبع العين واوا في ((يسمعو))، وقد يمكنون الحركة حتى تصير حرفا ساكنا، مثل ما حكي أن بعض العرب يقول: قام زيدو، فيثبت الواو، ومررت بزيدي، فيثبت الياء، وذلك رديء مرفوض (...) فأدخل الياء بعد الكاف التي للمؤنث.
فإن ادُّعي أن تلك لغة، فجائز أن يكون كذلك، وإلا فإن الكسرة مُكِّنت حتى صارت ياء، وبعض من يتكلم في العروض يذكر هذا البيت، ويجعله على أنه جاء بالعين متحركة

وليس بعدها واو ويجب أن يكون الطائي لم يفعل ذلك؛ لأنه معدوم في شعر العرب، والغريزة له منكرة؛ لأنه يجمع بين أربعة أحرف متحركة في وزن 1 لم يستعمل ذلك فيه)))) 2. ـ قال أبوتمام: يَظَلُّ سَراةُ القَومِ مَثنًى وَمَوحَدًا... نَشاوى بِعَينَيها كَأَنَّهُمُ شَربُ [بحر الطويل] ((((سراة القوم)) خيارهم وأماثلهم؛ أخذ من سراة الجبل والفرس وهي أعلاهما، وهذا أوجه من أن يقال سراة جمع سريِّ؛ لأن ((فَعيلا))، لا يُجْمَع على ((فَعَلة)))) 3. ـ قال أبوتمام: أُصُلٌ كَبُردِ العَصبِ نيطَ إِلى ضُحًى... عَبِقٍ بِرَيحانِ الرِياضِ مُطَيَّبِ [بحر الكامل] ((.. ((أُصُل)): جاء به موحدا، وقيل: ((أُصُل)): جمع أصيل، مثل رَغِيف ورُغُف، فمن نطق به على التوحيد فلا كلام فيه، ومن جعله جمع أصيلٍ: أجراه مجْرى الجموع التي تحمل على الجنس فتوحد)) 4. ـ قال أبوتمام: وَيَومٍ أَمامَ المُلكِ دَحضٍ وَقَفتَهُ... وَلَوخَرَّ فيهِ الدينُ لَانهالَ كاثِبُه [بحر الطويل] ((... من روى ((لانهد كاتبه)) جاز [أن] يكون من الكاثبة، وهي موضع يد الفارس بالرمح من ظهر الفرس، من قول النابغة: لَهُنَّ عَلَيهِم عادَةٌ قَد عَرَفنَها... إِذا عُرِّضَ الخَطِّيُّ فَوقَ الكَواثِبِ [بحر الطويل] وتستعمل الكاثبة في الإنسان، وهي الكتد أونحوه، ولا يعرف إلا بالهاء، فإذا كانت اللفظة يراد بها ذلك؛ فيجوز أن يكون حذف الهاء لمكان الإضافة؛ لأنهم يجرؤون

على حذفها مع المضاف، كما قالوا: إلاح الرجل، يريدون إلاحته، وقام ولاها؛ أي: ولاتها)) 1. ـ قال أبوتمام: كَم أَسيرٍ مِن سِرِّهِم وَقَتيلٍ... رادِعِ الثَّوبِ مِن دَمٍ كَالخَلوقِ [بحر الخفيف] ((... ((الرادع)): أصله، الذي يَتَلطخ بالطيب... فيجوز أن يكون قوله: ((رادع)) في معنى الملون، كأن قال: رادع ثوبه، ويكون ((رادع)) جاريا مجرى ((لابن)) و ((تامر))؛ لأن الثوب في الحقيقة هوالمردوع)) 2. ـ قال أبوتمام: لَقَد أَخَذَت مِن دارِ ماوِيَّةَ الحُقبُ... أَنُحلُ المَغاني لِلبِلى هِيَ أَم نَهبُ [بحر الطويل] ((.. الحُقْب: الدهر، واختلفوا في تفسيره، فقالوا ثلاثون سنة، وقالوا ثمانون... والصحيح أن الحقب برهة طويلة لا حد لها، وأُنِّثَ على معنى البرهة والمدة؛ لأن تذكير الحُقب غير حقيقي، وهذا أوجه من أن يقال الحقب جمع حِقبة؛ إذا أراد بها السنة؛ لأن ((فِعْلَة)) قلما تجمع على ((فُعْل)))) 3. ـ قال أبوتمام: ضَمِنَت لَهُ أَعجاسُها وَتَكَفَّلَت... أَوتارُها أَن تُنقَضَ الأَوتارُ [بحر الكامل] ((والأحسن أن يكون أعجاس جمع: عِجْس بكسر العين أوعُجس بالضم؛ لأن (فَعْلا) لا يجمع على أفْعَال كثيرا)) 4. ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: ما سَرَّني بِخِداجِها مِن حُجَّةٍ... ما بَينَ أَندَلُسٍ إِلى صَنعاءِ [بحر الكامل]

جارٍ التحميل