الباب الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- إيهاب سلامة
- الكتاب
- شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية
- المؤلف
- إيهاب عبد الحميد عبد الصادق سلامة
- الناشر
- رسالة ماجستير - كلية دار العلوم - جامعة القاهرةبإشراف: د محمد جمال صقرعام النشر: 2012 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
((... يقال: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها ناقصَ الخَلْق، وإن كانت شهورها تامة، وخدجت إذا ألقته لغير تمام، وقال قوم: خدجت وأخدجت سواء؛ وهذا القول أشبه بكلامهم؛ لأن فَعَلَ وأفعل يشتركان كثيرا... و ((الأندلس)) بناء مستنكر إن فتحت الدال وإن ضمت، وإذا حملت على قياس التصريف، وأجريت مجرى غيرها من العربي فوزنها ((فَعْلَلُلُ))، وهذا بناء مستنكر، ليس في كلامهم مثل ((سَفْرَجَل)) ولا ((سَفْرَجُل))، فإن ادعى مدع أنها ((فَنْعَلُل)) فقد خرج من حكم التصريف؛ لأن الهمزة إذا كان بعدها ثلاثة أحرف من الأصول لم تكن إلا زائدة)) 1.
ومجمل القول إن أبا العلاء كان يُجِلُّ القياس، ويقدره، ويجعله في مكانة متساوية مع السماع إن لم تفقها وتتجاورها.
...
انحرافات أبي تمام اللغوية والأسلوبية بين القياس والسماع عند أبي العلاء: ورد عن الخليل بن أحمد قوله: ((الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا، ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من: إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده، ومد المقصور، وقصر الممدود، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقربون البعيد، ويبعدون القريب، ويحتج بهم، ولا يحتج عليهم)) 2.
ويبدو أن مضمون هذا المقولة كان مسيطرًا تماما على أبي العلاء؛ فنجد من أقواله ما يفيد إمرة الشعراء للكلام وتصرفهم فيه وما يفيد أيضا أن للشعر خصائصه العامة، وصنعته المستقلة 1، وأن لكل شاعر خصائص أسلوبية معينة 2.
وانطلاقا من هذا الكلام نقول: إن أبا العلاء كان لا يخطِّئ أبا تمام في
((انحرافاته)) أو ((عدولاته)) أو ((خروجاته)) الأسلوبية.
ودائما يحاول أن يلتمس له مخرجا من السماع 3 فإن لم يجد فمن القياس؛ فإن لم يجد فاستعارة 4 يحملها عليها؛
فإن لم يجد سماعا أوقياسا أواستعارة صمت 1 أوقال: ((ولعل الطائي سمعه في كلام قديم))؛ فلم يكن أبوالعلاء يخطئه أويعيب عليه إلا نادرا جدا 2. ـ قال أبوتمام: هُما أَظلَما حالَيَّ ثُمَّتَ أَجلَيا... ظَلامَيهِما عَن وَجهِ أَمرَدَ أَشيَبِ [بحر الطويل] ((جعل (أظلم) هاهنا متعديا، وذلك قليل في الاستعمال، وهوفي القياس جائز)) 3. ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذا كانَتِ الأَنفاسُ جَمرًا لَدى الوَغى وَضاقَت ثِيابُ القَومِ وَهيَ فَضافِضُ [بحر الطويل] ((فَضَافِض: جمع فَضْفاض وهوالواسع، وإنما المستعمل ثوب فَضفاض؛ فجاء هذا على فَضْفَض، ومثله كثير)) 4. ـ قال أبوتمام: صَلَتانٌ أَعداؤُهُ حَيثُ حَلّوا... في حَديثٍ مِن عَزمِهِ مُستَفاضِ [بحر الخفيف] ((... وأهل اللغة يزعمون أن الصواب أن يقال: حديث مستفيض؛ والقياس لا يمنع أن يقال: مستفاض)) 5. ـ قال أبوتمام: إِمراتُهُ نَفَذَت عَلَيهِ أُمورُها... حَتّى ظَنَنّا أَنَّهُ إِمراتُها [بحر الكامل]
((لا يوجد في الشعر القديم (إِمراته)؛إلا أن القياس يطلق ذلك، وهذه اللفظة نادرة)) 1. ـ قال أبوتمام: مُبتَلُّ مَتنٍ وَصَهوَتَينِ إِلى... حَوافِرٍ صُلَّبٍ لَهُ مُلُس [بحر المنسرح] ((.. وضم ((مُلُس)) والصواب تسكينها فيما كان جمع ((أفعل)) أو ((فعلاء))، مثل: حُمْر وصُفْر، والتحريك جائز)) 2. ـ قال أبوتمام برواية أبي العلاء: شامَت بُروقَكَ آمالي بِمِصرَ وَلَو... أَصبَحْت بِالطوسِ لَم أسْتَبعِدِ الطوسا [بحر البسيط] ((.. فأما ((الطوس)) فلم تجر العادة بدخول الألف واللام عليها، وإن كان دخولها جائزا)) 3. ومن أمثلة إقراره بتبحره في اللغة وعدم تخطئته: قال أبوتمام: نُسائِلُها أَيَّ المَواطِنِ حَلَّتِ... وَأَيَّ دِيارٍ أَوطَنَتها وَأَيَّتِ [بحر الطويل] قال أبوالعلاء: ((... وكان الذي سأل عن هذا البيت أبا نصر أحمد بن يوسف، فقال: إنما أراد (أيَّتْ) في معنى (تَأيَّت) من التَّأيي، وهذا قول حسن، وهويشبه مذهب أبي تمام في الصنعة، إلا أن المعروف من كلام العرب تأيَّيْتُ، ولم يجئ في أشعارهم أيَّيْتُ، ويجوز أن يكون أبوتمام سمعها في شعر قديم؛ لأنه كان مستبحرا في الرواية)) 4.
القياس الأسلوبي عند أبي العلاء:
من الأمور اللافتة للنظر في شرح أبي العلاء أنه كان يقوم بنوع من القياس يمكن أن يسمى ((القياس الأسلوبي))؛ بمعنى: أن أبا العلاء كان يحتفظ في ذهنه بالخصائص الأسلوبية لشعر أبي تمام، ويقيس عليها أي خروج له أتى به مخالفا هذه الخصائص، أوأية رواية لا تكون منسجمة مع هذه الخصائص.
ويكفى تدليلا على ذلك نقل العبارات التي تشير إلى هذا القياس:
- ((.. والأحسن على مذهب الطائي..)) 1.
- ((.. ويجب أن يكون الطائي قال...)) 2.
- ((.. وهذا أشبه بمذهب الطائي من الوجه الذي تقدم ذكره...)) 3.
- ((.. ولورويت... لكان ذلك مشابها لصنعة الطائي)) 4.
- ((.. وقد كثر في شعره..)) 5.
- ((.. ومن عرف مذهب الطائي لم يعدل عن هذه الرواية..)) 6.
- ((.. الأشبه بصناعة الطائي أن يكون...)) 7.
- ((.. قد تردد في شعر الطائي وشعر غيره..)) 8.
- ((.. فله معنى يستحسن على مذهب الطائي..)) 9.
- ((.. وقد جاء بمثل ذلك في غير هذه المواضع)) 10.
- ((.. وله عادة بذلك)) 1.
- ((.. إذا حمل ذلك على ما يعرف من مذهب الطائي...)) 2.
- ((.. وهذا أشبه بمذهب الطائي؛ لأنه يؤثر الاستعارة...)) 3.
- ((... فقد لزم مذهب الطائي في العارية...)) 4.
- ((.. الوجه أن يحمل على مذهب الطائي، ويجعل من المستعار)) 5.
- ((... ولم تجرِ عادة الطائي بذلك)) 6. كل هذه الأقوال كانت من الممكن ـ إذا وجدت من يدرسها ـ أن تكون بذورا جيدة لما عُرِف حديثا بـ ((علم الأسلوب)) أو ((الأسلوبية))، والتي تركز في دراستها على لغة ((الأديب كما يمثلها إنتاجه الأدبي، وذلك بإخضاعها لمناهج من التحليل، بهدف الوصول إلى معايير موضوعية تساعد الناقد على التفسير من خلال ثلاثة توجهات في التحليل اللغوي للنص.... أما التوجه الثالث فهو توجه إحصائي، ويسعى إلى رصد درجة تكرار ظاهرة لغوية معينة في أسلوب شخص معين رصدا علميا دقيقا، ينأى عن الملاحظة العابرة، ويرفض تجزئة الإحساس الصادر عن التقاط الظواهر، هنا تتقصى النظرية الأسلوبية تطبيق علم الإحصاء، واستخدام الجداول الإحصائية والأرقام)) 7.
وفي ختام هذه الجزئية نقول: إذا كانت من وظائف القياس ((استنباط قاعدة أوتعليل ظاهرة، أورفض ظاهرة)) (1)، فإننا نضيف أن من وظائفه أيضا إثبات أسلوب شاعر أو نفيه.
الإجماع عند أبي العلاء
:
لم يتجمع لدى الباحث قدر من المعلومات يستطيع بوضوح من خلالها أن يتبين وجهة نظر أبي العلاء في الإجماع.
وقد وقف البحث على نصين لأبي العلاء أحدهما يفهم منه ضمنا وعي أبي العلاء بهذا المصطلح، وآخر ينص صراحة على على هذا ((المصطلح)).
أما الموضع الأول، فيقول أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لَم تَطلُعِ الشَّمسُ فيهِ يَومَ ذاكَ عَلى... بانٍ بِأَهلٍ وَلَم تَغرُب عَلى عَزَبِ [بحر البسيط]
((أهل اللغة يختارون بنى فلان على أهله، ويكرهون: بنى بها، وأصل ذلك أنهم كانوا إذا أعرسوا بنوا القباب على العرائس، والمتعارف في كلامهم بنى على المرأة القبة، ولايمنع القياس دخول الباء في هذا الموضع)) 2.
أما الموضع الثاني الذي ورد فيه مصطلح ((الإجماع)) صراحة فهو:
يقول أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
أَنا أَفدي ساجي الجُفونِ يُسَمّى... وَيُكَنّى بِبَعضِ عَبدِ الحَميدِ [بحر الخفيف]
((.. وقوله: ((وَيُكَنّى)) إنما يعني الاسم الآخر من أسماء الكنية؛ فقد يجوز أن يُكنى بهذه الأسماء التي تقدم ذكرها، وغيرها مما يُستغنى عن الإتيان به، وقال في أبيات أخرى:
الحُسنُ وَالطيبُ إِذا استُجمِعا... عَبدانِ عِندي لِأَبي عَبدِ [بحر السريع]1
وهذا إجماع من أهل اللغة....)) (1).
نظرية العامل عند أبي العلاء
:
وقف البحث على بعض النصوص لأبي العلاء التي تفيد قبوله لنظرية العامل، بل واستخدامها في شرح الديوان، ومن ذلك قول أبي العلاء عند قوله:
ما رَبعُ مَيَّةَ مَعمورًا يُطيفُ بِهِ... غَيلانُ أَبهى رُبًى مِن رَبعِها الخَرِبِ [بحر البسيط]
((... ونصب ((معمورا)) على الحال، والعامل في ((معمورا)) فعل مضمر... والنحويون يجعلون المضمر في نحوهذا ((كان)) التي في معنى ((وقع))؛ ليخلص لهم معنى الحال، وإذا كان الأمر على ذلك جاز أن يُضمر كل ما هوفي معنى الوقوع.
فإن زعم زاعم أن العامل في ((معمور)) قوله ((يُطيفُ)) فلا يمتنع ذلك، ولكن الوجه الأول أجود لما وقع في الوجه الثاني من التقديم والتأخير)) 2.
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
يَهني الرَّعِيَّةَ أَنَّ اللهَ مُقتَدِرًا... أَعطاهُمُ بِأَبي إِسحاقَ ما سَأَلوا [بحر البسيط]
((خفف الهمزة في ((يهني)) على لغة من قال: هناك في الماضي، ونصب ((مقتدرا)) على الحال، والعامل أعطى)) 3.
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
هَذا إِلى قِدَمِ الذِّمامِ بِكَ الَّذي... لَوأَنَّهُ وَلَدٌ لَكانَ وَصيفا [بحر الكامل]
((... ((هذا)) في موضع نصب على بفعل مضمر؛ كأنه قال: أذكر هذا الشيء أوأعُدُّهُ، أو نحوذلك من المضمرات)) 4.1
المذهب النحوي لأبي العلاء
:
إن كان لابد للباحث أن يحدد لأبي العلاء مذهبا نحويا، فإن الباحث يرجح أن أبا العلاء كان يميل إلى المذهب ((البغدادي)) وهذا الترجيح يقوم على الأدلة التالية:
1ـ أن أبا العلاء لم يخرج من بلدته ((معرة النعمان من أعمال حلب)) إلا إلى طرابلس الشام، ثم رحل إلى بغداد سنة 398هـ، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى بلده، ولزمها إلى أن مات؛ أي أن الرحلة العلمية الوحيدة التي قام بها أبوالعلاء كانت إلى بغداد.
2ـ أن أبا العلاء إذا تناول مسألة نحوية أوصرفية، وعرض فيها آراء المذهب النحوية فإن أبا العلاء يذكر رأي البصريين، ثم رأي الكوفيين، ولا ينتصر لرأي منهما، ولا ينبه على أنه ضمن فريق من الفريقين.
وندلل على ذلك بالآتي:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
قَدكَ اتَّئِب أَربَيتَ في الغُلواءِ... كَم تَعذِلونَ وَأَنتُمُ سُجَرائي [بحر الكامل]
((((قَدْك)) في معنى حسبك، وهي كلمة تستعمل مع المضمرات كثيرا، ولا يعرف استعمالها مع الظاهر، وإذا جاءت مع المضمر فإنما يخاطب بها المواجه، ويعني بها المتكلم نفسه، فيقال: ((قَدْكَ يا رجل، وقدني)).... وعند النحويين أن النون دخلت ها هنا لتبقى الدال على سكونها، وربما قالوا: ((قَدِي))، والفراء يجيز ذلك في غير الضرورة، وسيبويه يجعله من الضرورات... فياء ((قدني)) عنده مثل ياء ((قدي))، وحذفت النون لإقامة الوزن)) 1.
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
فَيا غالِبًا لا غالِبٌ لِرَزِيَّةٍ... بَلِ المَوتُ لاشَكَّ الَّذي هُوغالِبُ [بحر الطويل]
((قوله: ((يا غالِبا)) نداء للذي يرثيه واسمه غالب، وتنوين العَلَم المُنادى محسوب من الضرورات، والنحويون فيه مختلفون، بعضهم يختار النصب، وبعضهم يختار الرفع...)) 1.
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
مُسِفِّهِ ثَرِّهِ مُسَحسِحِهِ... وابِلِهِ مُستَهِلِّهِ بَرِدِه
وَهَل يُساميكَ في العُلى مَلِكٌ... صَدرُكَ أَولى بِالرُّحبِ مِن بَلَدِه
[بحر المنسرح]
((... و ((مُسَحسِح)): كثير الصب، وبعض الناس يذهب إلى أن ((مسحسحا)) مأخوذ من السح، وأصحاب القياس من أهل البصرة يزعمون أن ((سحسح)) من غير لفظ ((سَحَّ)).
ووزن ((مُسَحسِح)) على رأي سيبويه، ((مُفَعْلِل))، وعلى رأي غيره من أصحاب النظر ((مُفَعْفِل))، وعلى ما ثبت في كتاب العين ((مُفَعْفِع)))) 2.
3ـ أن أبا العلاء كان يعتمد على السماع والقياس بنفس الدرجة:
قال أبوالعلاء: ((أهل اللغة يختارون بنى فلان على أهله، ويكرهون: بنى بها، وأصل ذلك أنهم كانوا إذا أعرسوا بنوا القباب على العرائس، والمتعارف في كلامهم بنى على المرأة القبة، ولايمنع القياس دخول الباء في هذا الموضع)) 3.
وهذا هوما تتبعه المدرسة البغدادية التي اتبع نحاتها ((منهجا جديدا في دراساتهم ومصنفاتهم النحوية يقوم على الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية جميعًا)) 4. فأبو العلاء لم يكتف بالسماع كما تقول المدرسة الكوفية، بل أطلق القياس كما تقول المدرسة البصرية.
المبحث الثالث: الأصول النحوية عند التبريزي
أولا السماع
:
أول ما يلفت نظر الباحث أن التبريزي كان مولعا باستخدام كلمة ((يُقَال)) التي كانت تتكرر مع كل بيت يشرحه من ديوان أبي تمام، بل أحيانا تتكرر في شرح البيت الواحد مرتين وثلاث مرات.
فهويشرح البيت ثم يؤيده بما ((يُقَال)) في القرآن أوقراءاته أوفي الشعر 1 أوالأمثال أوالكلام المتمثل في اللغة الفصيحة القديمة أوالحديثة، بل كانت كلمة ((يُقَال)) تتناول وتطول اللغة العامية عند العوام 2.
وهنا نشير إلى أن الفترة الزمنية التي تتحرك فيها كلمة ((يُقَال)) تشمل الفترة الزمنية قبل الإسلام وبعده حتى عصره.
وكان التبريزي لا يجد حرجا أن تكون اللغة حتى عصره، وعلى كافة مستوياتها الفصيحة موضع استخدام عنده 1.
وتردد هذه الكلمة اللافت للنظر عند التبريزي يدل دلالة واضحة على تقيد التبريزي بـ ((السماع))، والاعتماد عليه بشدة في شرح الديوان.
بل إننا نجد في أقواله ما يشير صراحة وضمنا لتفضيله ((السماع)) على ((القياس))، وهو بذلك يكون مخالفا لأستاذه أبي العلاء:
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
وَبَيَّتَّ البَياتَ بِعَقدِ جَأشٍ... أَشَدَّ قُوًى مِنَ الحَجَرِ الصَّلودِ [بحر الوافر]
((... ومن روى: ((أَمَرَّ قوًى)): فالمعنى أشدَّ إمرارًا؛ أي: فتلا، و ((أَشَدّ قُوًى)) أجود الروايتين؛ لأن المعروف أمررت الحبل بالهمز، وهم يجتنبون أن يبنى فعل التعجب على ((أَفْعَلَ)) في التفضيل، إلا في أشياء مسموعة.
وقد ذهب بعضهم إلى أن ذلك قياس مطرد في كل فعل ماض على ((أفعل))؛ والأخذ بالسماع أحسن)) 2.
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
ما خالِدٌ لي دونَ أَيّوبٍ وَلا... عَبدُ العَزيزِ وَلَستُ دونَ وَليدِ [بحر الكامل]
((و ((وليد)): يعني به الوليد بن عبد الملك، فحذف الألف واللام وهوجائز.
وقد استعمل ذلك الطائي كثيرا في مواضع، وهوجائز، إلا أن تركه أحسن)) 3.
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
يَقولُ مَن تَقرَعُ أَسماعَهُ... كَم تَرَكَ الأَوَّلُ لِلآخِرِ [بحر السريع]
((جعل ((مَنْ)) في معنى الجمع؛ لأنها عامة، تقع على الواحد، والاثنين، والمذكر، والمؤنث والجمع... ولولا ذلك لم يحسُن أن يقول ((أسماعه))؛ لأنه لا يجمع سمع الإنسان الواحد، وإن كان جائزا، فليس بحسن)) 1.
وكان السماع عنده هوالذي مهد الطريق لـ ((تحديد المستعمل)) في اللغة من ((غير المستعمل))، وأيها ((أكثر استعمالا وترددا في النثر والشعر))، وما هو من
((كلام العرب))، وما هومن غيره، وما بناه أبوتمام على هذا المسموع، وما لم يبنه، ومثال ذلك قوله:
ـ ((التنائف: جمع ((تَنُوفة))؛ وهي القفر من الأرض.
ولم يستعملوها إلا
بالزيادة، ولم يقولوا ((التُّنُف)))) 2.
ـ ((والهَفْواء: فعلاء؛ من قولهم: هفا، يهفو.
وهي كلمة قليلة في الاستعمال)) 3.
ـ ((يقال غدا الشيء وأغداه، جائز في القياس، وهومفقود في المسموع)) 4.
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
وَلِذاكَ كانوا لا يُرأَّسُ مِنهُمُ... مَن لَم يُجَرَّب حَزمُهُ مُرؤوسا [بحر الكامل]
((هذا البيت مبني على قولهم: فلان قد آل وإيل عليه؛ أي: ساس وسيس)) 5.
ومن نافلة القول أن نثبت أن هذا الاطلاع الواسع على المسموع مكنه من شرح الديوان:
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
إِن رُمتَ تَصديقَ ذاكَ يا أَعوَرُ الدََّجالُ فَالحَظهُمُ وَلا تَذُبِ [بحر المنسرح]
((جعل ((أعور)) معرفة بالنداء، ثم نعته بالدجال، وبعض العرب يستوحش من هذه البنية، واستعمالها في كلامهم قليل، لا يكاد يوجد: يا غلامُ العاقلُ، أقبل)) 1.
وشمل المسموع عنده ((القراءات القرآنية)).
وقد وظفها في شرحه لبعض أبيات الديوان، ومن ذلك قوله عند قول أبي تمام:
وَلَئِن أَرَدتَ لَأَعذِرَنَّكَ مُحمَلا... وَالعَجزُ عِندي عُذرُ غَيرِ المُعذِرِ [بحر الكامل]
((يقال: أعذر فهومعذِر؛ إذا بلغ العُذر.
وقرأ بعضهم: ﴿وَجَاءَ الْمُعَْذِرُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ﴾ 2 [التوبة:90])) 3.
ـ قال عند قول أبي تمام
كَم حاجَةٍ صارَت رَكوبًا بِهِ... وَلَم تَكُن مِن قَبلِهِ بِالرَّكوبْ [بحر السريع]
((أصل ((الركوب)) فيما يركب من الحيوان وقد قرئ: ﴿رَكُوبهم﴾ 4 و ﴿رَكُوبتهم﴾ 5)) 6.
ـ قال عند قول أبي تمام:
وَإِذا مَشَت تَرَكَت بِصَدرِكَ ضِعفَ ما... بِحُلِيِّها مِن كَثرَةِ الوَسواسِ [بحر الكامل]
((الحُلِيّ ـ بضم الحاء وكسر اللام ـ جمع ((حَلْي))، وقد قرئ بهما جميعا 1 في قوله تعالى: چ ? ? ? ? چ [الأعراف: 148])) 2.
والمسموع عند التبريزي أمر قابل للتطور على المستوى الدلالي والنحوي، ومثال ذلك:
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
أَخلَبَت بَعدَهُ بُروقٌ مِنَ الله وَجَفَّت غُدرٌ مِنَ التَّشبيبِ [بحر الخفيف]
((وأخلب البرق غير مستعمل في الكلام القديم)) 3.
ـ قال عند قول أبي تمام:
حَتّى كَأَنَّ جَلابيبَ الدُّجى رَغِبَت... عَن لَونِها وَكَأَنَّ الشَمسَ لَم تَغِبِ [بحر البسيط]
((والدجية: الظلمة، وقال قومٌ: لايقال دُجية إلا لليل مع غيم، فأما المحدثون فيعبرون بالدجى عن الليل، ولا يفرقون بين المقمر وغيره)) 4.
ـ وقال عند قول أبي تمام:
يا مُوضِعَ الشَّدَنِيَّةِ الوَجناءِ... وَمُصارِعَ الإِدلاجِ وَالإِسراءِ [بحر الكامل]
((يقال: وضع البعير، يضع، وضعا؛ إذا سار ذلك الضرب من السير، وأوضعه صاحبه؛ إذا حمله على الوضع.
ثم استغنوا عن المفعول فقالوا: أخب فلان وأوضع)) 5.
والمسموع عنده منقول عن ((أصحاب اللغة)) و ((أصحاب المعاني)) و ((أصحاب النقل)):
ـ قال التبريزي: ((وأصحاب النقل يرون تصغير الضحى ضُحي)) (1).
ـ وقال: ((أصحاب اللغة يختلفون في تفسير السميدع، إلا أنه مدح لا اختلاف فيه)) (2).
ـ وقال: ((القَسِمَة ـ عن الأصمعي ـ: مجاري الدمع.
وقال أبوعبيدة: القَسِمَة: أعلى الوجه، وقال الفراء: القَسِمَة: الوجه)) (3).
ثانيا القياس عند التبريزي
: أول ما نلمح من أمر القياس عند التبريزي أنه يرادف مصطلح ((الاشتقاق))، وهذا ما نستشفه من أقوال التبريزي التالية: ـ ((أكثر ما يفسرون ((البَلِيل)) ـ إذا كان من صفة الريح بالباردة، والاشتقاق يدل على أن البليل التي فيها شيء من المطر)) 4. ـ ((وفاقع من صفات الأصفر... والاشتقاق لا يمنع أن يوصف الأبيض بالفاقع، إلا أنهم لم يستعملوه)) 5. ـ ((.. والأرسال: جمع رَسَل، فقال قوم هواسم للإبل.... والاشتقاق يوجب أن الأرسال التي يتبع بعضها بعضا في الإبل وغيرها)) 6.123
وقد لعب القياس مع التبريزي دورا مهما في الشرح، إذ نجد مواضع عديدة استخدمه فيها كوسيلة للشرح والإبانة عن المعنى:
ـ قال عند قول أبي تمام:
فَكَم لي مِن هَواءٍ فيكِ صافٍ... غَذِيٍّ جَوُّهُ وَهَوًى وَبِيِّ [بحر الوافر]
((... ومن روى ((عَذِيٍّ)) بالعين غير معجمة؛ فإنه يأخذه من الأرض العَذِية، وهي الأرض طيبة التراب.
إلا أن التشديد في ((العَذِيِّ)) و ((العَذِيِّة)) غير مستعمل، والقياس يجيزه؛ ((فَعِلا)) و ((فَعِيلا)) يشتركان كثيرا، كقولهم: سَقِمٌ وسَقِيم، وجَرِحٌ وجَريح)) 1.
ـ قال عند قول أبي تمام:
تُعطيكَ مَنطِقَها فَتَعلَمُ أَنَّهُ... لِجَنى عُذوبَتِهِ يَمُرُّ بِثَغرِها [بحر الكامل]
((استعمل ((المنطق)) في معنى النطق على المجاز، ولوحمل على القياس لوجب أن يكون المنطق موضع النطق؛ أي: الفم)) 2.
ونلمح في النص السابق ثَمَّ موضع التقاءٍ يجتمع فيه القياس والاشتقاق، هو معنى القياس على المشتق؛ فحمل منطق على القياس مثلا، يعني حمله على ما ينبغي أن يكون عليه اشتقاق اسم المكان من مادته.
ـ وقال: ((يقال: أغث الحديثُ؛ إذا صار غثا، والقياس لا يمنع أن يقال: غث يَغث)) 3.
ـ قال عند قول أبي تمام:
كَأَنَّ عَلَيها الدَّمعَ ضَربَةَ لازِبٍ... إِذا ما حَمامُ الأَيكِ في الأَيكِ غَنَّتِ [بحر الطويل]
((الأيك: الشجر الملتف، وأكثر ما يقولون غنى الحمام، والتأنيث جائز في كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، مثل: نخل ونخلة، وتمر وتمرة)) 1. ـ قال عند قول أبي تمام: وَإِن بَكَرَت في ظُعنِهِم وَحُدوجِهِم... زَيانِبُ مِن أَحبابِنا وَعَواتِكُ [بحر الطويل] ((الزيانب: جمع زينب، هكذا يوجب القياس، فأما الشعر القديم فقلما يوجد فيه الزيانب)) 2. وقد لعب القياس عند التبريزي دورا في بيان مدى خروج أبي تمام على المألوف، أواستخدامه لأساليب رديئة: ـ قال عند قول أبي تمام: سَقاهُم كَما أَسقاهُمُ في لَظى الوَغى... بِبيضِ صَفيحِ الهِندِ وَالسُّمُرِ الذُّبلِ [بحر الطويل] ((وحرك ((السُّمْر)).، والقياس تسكينها، ولكنه شبه الجمع بالواحد؛ فثقل الميم، كما يقال: الثُّكُل والثُّكْل و ((الذُّبل)) جمع ((ذَبُول))؛ لأن ((فعُولا)) بابه أن يجمع على ((فُعْل))، وجمع ((فاعل)) على هذا المثال قليل؛ فكان حمله على ((فَعُول)) أوجب)) 3. وجاء في شرح شافية ابن الحاجب لركن الدين الاستراباذي تعليقا على قول ابن الحاجب في جموع التكسير عند قوله: ((وما زيادته مدة ثالثة في الاسم)) قوله: ((وإن كانت تلك المدة واوا، نحو: فَعُول، يجمع على: فُعُل بضم الفاء والعين غالبا كـ ((صَبُور وصُبُر)))) 4. وقد يدخل كلام التبريزي هنا في أن ((فعُولا)) بابه أن يجمع على ((فُعْل)) بسكون العين في الاستثناء الذي وضعه ركن الدين.
ـ قال عند قول أبي تمام: غَيثٌ حَوى كَرَمَ الطَّبائِعِ دَهرَهُ... وَالغَيثُ يَكرُمُ مَرَّةً وَيَلومُ [بحر الكامل] ((عادة العرب إذا خففوا الهمزة في مثل: ((يلؤُم)) أن يلقوا الحركة على اللام، ويحذفوا الهمزة؛ فيقولوا: ((يَلُم)) وفي ((يسأم)) ((يَسَم))، وفي: ينئِم ((يَنِم))، وبعضهم يقولون: يلوم، ويسام وينيم الليث؛ وذلك رديء، قليل في كلامهم)) 1. وإذا كان القياس لعب دورا في كشف الأساليب الرديئة عند أبي تمام فقد لعب دورا في بيان ((موافقته للأساليب اللغوية)): ـ قال عند قول أبي تمام: وَيَجزيكَ بِالحُسنى إِذا كُنتَ مُحسِنًا... وَيَغتَفِرُ العُظمى إِذا النَّعلُ زَلَّتِ [بحر الطويل] ((هذا مثل يضرب لمن قعد به الدهر وأصابته رزية، وليس ثم نعل، وإنما هوجار مجرى قولهم: ((استقدمت راحلته، وخفت نعامته)))) 2. ـ وقال عند قول أبي تمام: وَلَيسَ امرُؤٌ يَهديكَ غَيرَ مُذَكَّرٍ... إِلى كَرَمٍ إِلّا امرُؤٌ ضَلَّ ضُلُّهُ [بحر الطويل] ((يقال: ضَلَّ ضُلَّ الرجل، وضل ضلاله؛ إذا بولغ في وصفه بالضلال، وهو كقولهم: ((جُنَّ جنونه، وجاع جوعه)))) 3. القياس الأسلوبي لشعر أبي تمام: قام التبريزي بما أسميناه عند أبي العلاء بالقياس الأسلوبي، بمعنى أنه اتخذ من الخصائص الأسلوبية لأبي تمام خلفية يقيس عليها استخداما لغويا له، أوـ من خلالها ـ يرد رواية لا تنسجم مع تلك الخصائص.
ـ قال عند قول أبي تمام:
أَإِلى بَني عَبدِ الكَريمِ تَشاوَسَت... عَيناكَ وَيلَكَ خِلفَ مَن تَتَفَوَّقُ [بحر الكامل]
((استعار ((الخِلْف)) و ((والتفوق)) في هذا الموضع، يقول: هؤلاء رؤساء جِلة؛ فقد أخطأت في تعرضك لهم، كما تقول للرجل إذا سمعته يطعن في قوم: إِثْلَةَ من تَنْحِت، وورقَ أيِّ غُصْنٍ تَحُتُّ.
ومن روى ((خَلْف)) بفتح الخاء، فهوبعيد من مذهب الطائي، وله مذهب في القياس)) 1.
ـ قال عند قول أبي تمام:
فَزِعوا إِلى الحَلَقِ المُضاعَفِ وَارتَدوا... فيها حَديدًا في الشُّؤونِ حَديدا [بحر الكامل]
((هومثل قوله: ((لظننتُ عودك عودا)))) 2.
...
خروجات أبي تمام الأسلوبية بين القياس والسماع:
نناقش هنا موقف التبريزي من ((الانحرافات الأسلوبية)).
وقد سبق أن ناقشنا جزئيةً مماثلة عند أبي العلاء.
وبداية نقول: إن التبريزي يعطي لأبي تمام الحق في ((التصرف في اللغة)) مثله في ذلك مثل بقية الشعراء، وهو بذلك يوافق أستاذه أبا العلاء:
فَما أَبقَيتَ لِلسَّيفِ اليَماني... شَجًا فيهِم وَلا الرُّمحِ الرُّدَيني [بحر الوافر]
((خفف ياء ((الرديني)) للضرورة، وذلك في القافية كثير.
وهم (أي الشعراء) يحذفون الأصول في الفواصل، فما بال الفروع؟)) 3.
وهويقبل منه ((انحرافه اللغوي)) طالما أن للكلام ((مَسَاغًا)):
كَم قَد دَعَت لَكَ بِالإِخلاصِ مِن مَرَةٍ... فيهِم وَفَدّاكَ بِالآباءِ مِن رَجُلِ [بحر البسيط] ((.. إذا عَدِمَت ((المرأة)) الألف واللام فالأحسن أن يلزمها ألف الوصل... ولم يحفل الطائي بذلك إذ كان سائغا في الكلام)) 1. وكان التبريزي يحاول أن يلتمس ((تبريرا)) لانحرافات أبي تمام الأسلوبية: إما من سماع، أوتأييد بقولٍ لأحد العلماء، أوتوجيه بلاغي: ـ قال عند قول أبي تمام: عَنَّت فَأَعرَضَ عَن تَعريضِها أَرَبي... يا هَذِهِ عُذُري في هَذِهِ النُّكَبِ [بحر البسيط] ((قوله: ((في هذه النُّكَب)) يروي بضم النون وفتح الكاف؛ كأنه جمع نُكْبة مثل ظُلْمَة وظُلَم، ولم يذكروا ((نُكْبة)) بضم النون، وإنما المعروف: ((أصابتهم نكبة))، بفتح النون؛ فإن كان الطائي قد سمعه في شعر؛ فيجوز أن يكون من باب ((نَوْبة ونُوَب، ودَوْلة ودُوَل)))) 2. ـ وقال: قَسَمَ الزَّمانُ رُبوعَها بَينَ الصَّبا... وَقَبولِها وَدَبورِها أَثلاثا [بحر الكامل] ((قيل في ((القَبول)) إنها الصَّبا، وقال النَّضْر بن شُمَيل: القَبُول: ريح بين الصَّبَا والجَنُوب، وقال ابن الأعرابي: القَبُول: كل ريح لينة طيبة المس تقبلها النفس؛ فليس للرد على أبي تمام وجه)) 3. ـ وقال: فَما أَبقَيتَ لِلسَيفِ اليَماني... شَجاً فيهِم وَلا الرُمحِ الرُدَيني وَقائِعُ أَشرَقَت مِنهُنَّ جَمعٌ... إِلى خَيفَي مِنًى فَالمَوقِفَينِ [بحر الوافر]
((وثنى ((الخَيْف)) وهوما ارتفع من المسيل، وانحدر عن الجبل؛ لأنه أراد إقامة الوزن، وذلك جائز على معنى الاتساع؛ وإنما يجئ في الشعر القديم خيفُ مِنًى)) 1. فإذا لم يجد ((مبررا)) فإن يكتفي بذكر ((الانحراف الأسلوبي)) بدون تعليق منه: ـ قال عند قول أبي تمام: نَقولُ إِن قُلتُمُ لا لا مُسَلَّمَةً... لِأَمرِكُم وَنَعَم إِن قُلتُم نَعَما [بحر البسيط] ((... ((لا))، ((نعم)) يُحكيان، وهما ينوبان عن جملتين.... والغالب عليها ألا يدركهما إعراب، وقد أعرب الطائي ((نعم)) في هذا البيت.. ونصب الطائيُّ ((نعم)) في القافية؛ لأنه أخرجها من بابها، وجعلها مفعولة للقول)) 2. ـ وقال: سَقاهُم كَما أَسقاهُمُ في لَظى الوَغى... بِبيضِ صَفيحِ الهِندِ وَالسُّمُرِ الذُّبلِ [بحر الطويل] ((.. وحرك ((السُّمْر))، والقياس تسكينها، ولكنه شبه الجمع بالواحد؛ فثقَّل الميم، كما يقال: الثُّكُل والثُّكْل و ((الذُّبل)) جمع ((ذَبُول))؛ لأن ((فَعُولا)) بابه أن يجمع على ((فُعُل))، وجمع ((فاعل)) على هذا المثال قليل؛ فكان حمله على ((فَعُول)) أوجب)) 3. وكان لا ينتقد أبا تمام إلا نادرا: ـ قال: أَيُّ كَريمٍ يَرضى بِشَتمِ بَني... عَبدِ الكَريمِ الجَحاجِحِ النُّجُبِ [بحر المنسرح] ((الجَحَاجِح: جمع جَحْجَاح، وهوالسيد، يقال في جمعه: جَحَاجِحة، والقياس أن تُثْبِت فيه الياء)) 4. ـ وقال عند قول أبي تمام:
الشَّرقُ غَربٌ حينَ تَلحَظُ قَصدَهُ... وَمَخالِفُ اليَمَنِ القَصِيِّ شَآمُ [بحر الكامل] ((... وقد تردد مجيء ((الشآم)) في شعر الطائي على ((فَعال))، وقد جاء ذلك في الشعر القديم إلا أنه شاذ)) 1.
الإجماع، ونظرية العامل عند التبريزي: نجد في لمحة سريعة ما يفيد وعي التبريزي بـ ((الإجماع))، وإن لم يستخدم هذا الاصطلاح صراحة: ـ قال: شَتّانَ بَينَهُما في كُلِّ نازِلَةٍ... نَهجُ القَضاءِ مُبينٌ فيهِما جَدَدُ [بحر البسيط] ((وأهل اللغة يحكون أن الاختيار ((شتان زيدٌ وعمرو))، ويكرهون: ((شتان ما بينهما))، وإذا كرهوا: ((شتان ما بينهما)) فهم ((لشتان بينها)) أكره)) 2. ـ وقال: ((... وواحدُ ((الشمائل: شمال))، والنحويون يذهبون إلى أن ((شِمالا)) يكون واحدًا وجمعًا)) 3. ونلمح وجود وعي للتبريزي بـ ((نظرية العامل)) في بعض المواقع القليلة: وَأَينَ بِوَجهِ الحَزمِ عَنهُ وَإِنَّما... مَرائي الأُمورِ المُشكِلاتِ تَجارِبُه [بحر الطويل] ((يقول أين يُعدَل عنه بوجه الحزم؟ وتضمر الفعل، أي كيف يبهم عليه وجه الرأي)) 4. وقال: لَمّا استَحَرَّ الوَداعُ المَحضُ وَانصَرَمَت... أَواخِرُ الصَّبرِ إِلّا كاظِمًا وَجِما [بحر البسيط]
((... و ((وجَمَ)) على هذا الوجه منصوب بوقوع الفعل عليه، والذي عَمِلَ فيه اسم الفاعل، وهوكاظم)) 1. ...
المذهب النحوي للتبريزي:
باستقراء شرح التبريزي يمكن أن نقول: إنه كأستاذه لم يكن ينتمي للمدرسة ((البصرية)) أو ((الكوفية))، ودليل ذلك أنه عند مناقشته لقضية ((نحوية)) أو ((صرفية)) يصدرها بقوله: ((والنحويون)) أو ((وأصحاب النحو)):
ـ ((والنحويون يذهبون إلى أن ((شِمالا)) يكون واحدًا وجمعًا)) 2.
ـ ((وأصحاب النحو يختلفون في اشتقاق ((الإنسان)))) 3.
وفي بعض الأحيان عند بسطه لقضية نحوية أوصرفية يذكر رأي البصريين ورأي الكوفيين، ولا يرجح رأيا على رأي:
ـ قال عند قول أبي تمام:
نِعَمٌ إِذا رُعِيَت بِشُكرٍ لَم تَزَل... نِعَمًا وَإِن لَم تُرعَ فَهيَ مَصائِبُ [بحر الكامل]
((قياس النحويين البصريين يُوجِب ألا تهمز ((المصايب))، وأن يقال: ((مصاوِب)) بالواو؛ لأنها من صاب يصوب، وقد حكي بعضُ العلماء ((مَصَاوب)) و ((مصايب)) بالواووالياء.
وقال قوم يقال: صاب السهم يصيب، وإذا أخذ من ذلك جاز أن يكون من قولهم مصايب بالياء، ويكون من باب ((مَعايش))، إلا أن الكوفيين يسهلون الهمز في مثل هذا الموضع على التشبيه، ويجعلون الأصلي كالزائد، ويُشبهونه بـ ((صحايف))، وقد قالوا: مزادة ومزايد، والمزادة الغالب عليها أن تكون من الزاد، والزادُ من ذوات الواولقولهم: زودتُ الرجل، وقالوا: مزود؛ لأنه يكون فيه الزاد، فإن كانت
المزادة من الزاد فهي من ذوات الواووقد جُمِعَت بالياء، وقد يمكن أن يدعي لها أنها من زاد يزيد، كأنها زيادة على الزاد الذي يؤكل؛ لأن أكثر ما يُستَعمل الزادُ في المأكول)) (1).
المبحث الرابع: الأصول النحوية بين أبي العلاء والتبريزي
اعتمد أبو العلاء والتبريزي على السماع والقياس بدرجة كبيرة في شرح الديوان.
وكان الاعتماد على السماع له النصيب الأكبر في هذا الشرح، خاصة عند التبريزي.
ودائرة السماع التي تحرك فيها الرجلان واسعة ممتدة من العصر الجاهلي حتي عصرهما.
واللغة عندهما ـ كما سنبين في الباب التالي ـ تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ((اللغة العالية 2، أولغة أهل العلم))، والقسم الثاني: ((اللغة العامية)).
وكان القسم الأول هوالذي تحركت فيه ((دائرة السماع)) عندهما ذهابا وإيابا، من العصر الجاهلي إلى عصرهما، بداية القرن السادس الهجري.
ولم يحدد أبوالعلاء ولا التبريزي ((فترة زمنية محددة بشكل مؤكد وحاسم)) 3 يردان إليها ((سماعهما))، أو ((قياسهما))، بل اللغة على طول هذا الامتداد الزمني هي لغة ((مقبولة)).
إذن فكرة ((تحديد زمان ومكان معينين للاحتجاج اللغوي)) لم تكن مؤكدة تماما عند أبي العلاء والتبريزي؛ إذ نجد لديهما استشهادات لغوية شعرية لشعراء بعد عام1
150هـ. ولكنها كانت استشهادات قليلة 1، فمعظم الاستشهادات الشعرية لشعراء كانوا قبل عام 150هـ.
لقد لقيت فكرة تحديد نُطُق معينة للاحتجاج ((احترامًا كبيرا تمثَّل في الاعتراف بها، والأخذ في تحديد طبقات الشعراء وغيرهم بها، كما تمثل في التزام علماء اللغة بها إلى درجة كبيرة من حيث تجنب الاحتجاج بكلام المولدين)) 2.
وكان من تبعات هذا التحديد الزماني والمكاني أن ((حُرِم النحو من صور رفيعة من التركيب اللغوي كانت دراستها أجدى على العربية ولاشك من تلك الآراء والنوادر التي شُغلوا بالتقاطها.
وكان جل قيمتها أن تمثل شواذ أواستثناءات وتفريعات تضفي على القواعد النحوية بظلال كثيفة من الاضطراب والتهويش)) 3.
أما جانب اللغة فقد كان الأمر أفدح؛ إذ إن اللغويين ((أخذوا بتلك المعايير بصورة شبه كاملة أيضا؛ إذ أعرضوا عن نتاج مئات ومئات من الشعراء والناثرين ذوي الحس العربي الأصيل؛ فحرموا اللغة من ثروة من الإضافات في المفردات والتعبيرات لا يمكن جمعها الآن إلا بجهود كثيرة متضافرة قد لا تتيسر)) 4.
إن ((الوقوف عند مفردات وتراكيب وعبارات لغوية بعينها ورفض الزيادة عليها كَمًّا، ورفض ما قد تتطور إليه دلالة بعضها أمرٌ مخالف لطبيعة اللغة ووظيفتها في الامتزاج بخواطر العقل وسبحاته وأفكاره، وفي بلورتها والتعبير عنها.
بالإضافة إلى ما في هذا الرفض من خسارة تتمثل في حرمان اللغة من صياغات جديدة ومن التعبير عن معانٍ جديدة)) 1.
إن أبا العلاء والتبريزي يريدان الإشارة ـ ولوعلى استحياء ـ لفتح زمن الاحتجاج اللغوي، فهذا هوالأولى لطبيعة اللغة.
ولا ننسى هنا أن نشير إلى أن التبريزي أقر استخدام المحدثين للغة، سواء كانوا شعراء أم ناثرين، دون نكير 2.
أما القياس فقد كان له دور إيجابي عندهما؛ فقد كان طريقهما لتبرير كثير من خروجات أبي تمام الأسلوبية.
وهما بذلك يشيران إلى دور مهم يمكن أن يلعبه القياس في إثراء اللغة بتراكيب جديدة من ابتكار الشعراء.
الفصل الثاني
الدراسة الصرفية والنحوية لشرحي أبي العلاء والتبريزي
ويضم المباحث التالية:
- المبحث الأول: الدراسة الصرفية لشرح أبي العلاء.
- المبحث الثاني: الدراسة الصرفية لشرح التبريزي.
- المبحث الثالث: دراسة المادة النحوية في شرح أبي العلاء.
- المبحث الرابع: دراسة المادة النحوية في شرح التبريزي.
- المبحث الخامس: الموازنة بين المادة الصرفية والنحوية عند أبي العلاء والتبريزي.
المبحث الأول
الدراسة الصرفية لشرح أبي العلاء
تناثرت آراء صرفية متعددة لأبي العلاء في ثنايا شرحه على ديوان أبي تمام، ولدراسة هذه الآراء توجَّب على الباحث جمعُها وتصنيفها ومعالجة كل تصنيف على حدة.
وقد قسم الباحث هذه الآراء الصرفية إلى مجموعتين رئيسيتين:
(1) الأولى: تتعلق بكل ما قاله عن الاشتقاق، وما قاله متعلقا بالبنى والأوزان.
(2) الثانية: كل ما كان متعلقا بالحرف صوتا وإعلالا وإبدلا وغيره.
ـ المجموعة الأولى:
دراسة الآراء الصرفية المتعلقة بالاشتقاق (1) والبنى الصرفية عند أبي العلاء:
• التعمق في اللغة وفوائده:
إن أول انطباع يتولد لدى الباحث بعد جمعه للآراء الصرفية المتناثرة لأبي العلاء هو أن لغويينا القدماء ـ ومنهم أبوالعلاء ـ وقفوا أمام كل لفظة من ألفاظ اللغة دراسة وفهما وتحليلا ومعرفة لأصلها الذي اشتقت منه، وأنهم لم يألوا جهدا، ولم يدخروا وسعا في هذه الدراسة 2.
ونشعر أنه من خلال تعمق أبي العلاء واللغويين في اللغة، ودراستهم لألفاظها ((ترسبت)) في أذهانهم ((الأبنية)) المختلفة التي يمكن أن تأتي فيها هذه الألفاظ.
وأن كل لفظة يمكن أن تُرد إلى ((بناء)) معلوم ومحدد في ذواكرهم.1
وقد قامت هذه ((المعرفةُ السابقةُ بالبنى الموجودة في اللغة عند أبي العلاء)) بعدة وظائف، منها التالي:
1ـ معرفة الألفاظ ذوات ((البنى المستنكرة)):
قال أبوالعلاء: ((.. و ((الأَنْدَلُس)) بناء مستنكر إن فتحت الدال وإن ضمت.
وإذا حملت على قياس التصريف، وأجريت مجرى غيرها من العربي فوزنها ((فَعْلَلُل)) 1
،
وهذا بناء مستنكر، ليس في كلامهم مثل: سَفْرَجَل ولا سَفْرَجُل)) 2.
2ـ من خلال معرفة أبي العلاء بهذه ((الأبنية)) ومعرفة ((المستعمل)) منها و ((غير المستعمل)) قام بتوجيه ((البنى)) التي قد تبدو شاذة وغريبة عند أبي تمام.
قال أبوالعلاءعند قول أبي تمام:
بِالقائِمِ الثامِنِ المُستَخلَفِ اِطَّأَدَت قَواعِدُ المُلكِ مُمتَدًّا لَها الطِّوَلُ [بحر البسيط]
((ينبغي أن يكون اشتقاق ((اطّأَدَتْ)) من ((الطَّوْد))، بني على
((افتَعَلت)) من ذلك، فقيل: ((اطَّأدَت)) ثم همزت للضرورة؛ لأن تاء ((الافتعال)) إذا كان قبلها طاء قلبت إليها، وليس في كلامهم ((الطَّاد)) بالهمز، وإنما قالوا: وطد، ولوبُنى ((افتعل)) من وَطَدَ لقيل: ((اتَّطَدَ))... ولوبُنِى ((افتعل)) من الطادي لقيل
((اطَّدَى))، ويجوز أن يكون الطائي سمع ((اطأد)) في شعر قديم فاستعمله)) 3.
3ـ وكانت أيضا بمثابة ((قواعد محكمة)) تُوجِبُ أن يكون أيُّ اشتقاق للفظةٍ محكوما ومقيدا بما هوموجود ومسموع من البنى والأوزان الصرفية التي سمعت عن العرب، كما أنها كانت وسيلة لمعرفة العربي من الألفاظ من غير العربي.
ـ قال أبوالعلاء: ((والإسكندر اسم ليس بعربي، ولو وافق ألفاظ العرب لوجب أن يكون اشتقاقه من ((سين وكاف ودال وراء)).
وتكون الهمزة في أوله والنون زائدتين، ويجعل من باب ((احرنجم)) على المقاربة)) 1.
ـ دراسة اشتقاق الكلمة وسيلة لفهم معناها:
في مواضع كثيرة من شرح أبي العلاء كان ينبه على اشتقاق الكلمة التي يشرحها.
وكان هذا الأمر ـ بلا جدال ـ وسيلة من الوسائل التي يتخذها لتوضيح ((معنى الكلمة))، والوقوف على ((دلالتها الدقيقة)).
ـ قال عند قول أبي تمام:
وَإِذ طَيرُ الحَوادِثِ في رُباها... سَواكِنُ وَهيَ غَنّاءُ المَرادِ [بحر الوافر]
((... وسواكن من السكون، لا من السكنى التي هي الإقامة في الموضع)) 2.
ـ قال عند قول أبي تمام:
لَن يَعدَمَ المَجدَ مَن كانَت أَوائِلُهُ... مِن آلِ كِسرى البَهاليلُ المَراجيحُ [بحر البسيط]
((البهاليل: جمع بهلول (...) والاشتقاق يدل على أن البهلول الذي أبهل وشأنه، لا يعترض عليه)) 3.
وقد نبه العلامة ابن جني إلى أهمية البحث الاشتقاقي للكلمة للوقوف على المعنى الدقيق لها، فقد عقد بابا أسماه ((باب في تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية))، قال فيه: ((نعم, وقد يعرض هذا التداخل في صنعة الشاعر فيرى أو يُرِي أنه قد جنَّس وليس في الحقيقة تجنيسًا وذلك كقول القطامي:
.... مستحقبين فؤادًا ما له فاد [بحر البسيط]
ففؤاد من لفظ ((ف أد))، وفادٍ من تركيب ((ف د ى)), لكنهما لما تقاربا هذا التقارب دَنَوَا من التجنيس.
وعليه قول الحِمْصِيّ [عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن]:
وتسويف العِدات من السوافي [بحر الوافر]
فظاهر هذا يكاد لا يشك أكثر الناس أنه مجنس, وليس هو كذلك، وذلك أن تركيب تسويف من: س وف، وتركيب السوافي من س ف ي، لكن لما وجد في كل واحد من الكلمتين سين وفاء وواو, جرى في بادي السمع مجرى الجنس الواحد)) 1.
ومن الباحثين المعاصرين من أشار إلى نفس هذه الفكرة فقال: ((إن العودة إلى الجذر الأصلي root للكلمة قد يساعد إلى حد كبير في الكشف عن معالمها ومعرفة الجذر تتصل اتصالا وثيقا بالاشتقاق وطرقه في اللغة)) 2. والمعجميون
((يجعلون حروف هذا الجذر مدخلا Entry form إلى شرح معاني ودلالات الكلمات التي ترجع إلى جذر أو أصل واحد ثابت، هو في الحقيقة يشكل البنية الأساسية)) 3.
إذن كان البحث عن اشتقاق الكلمة وسيلة للوقوف على معناها 4 5.
وإذا كان البحث في اشتقاق الكلمة يحدد معناها، فإنه من جهة أخرى يمكن للمعنى أن يحدد الأصل الذي اشتقت منه الكلمة.
قال أبوالعلاء: ((غَيْلانُ بنُ عقبة هوذو الرُّمَّة، واشتقاق غيلان يجوز أن يكون من ((الغَيْل))، وهوالساعد الريان الممتلئ... وأن يكون من ((الغِيل)) وهوالشجر الملتف، فأما إذا أخذ من ((الغَيْل)) فهو فعلان، وإن أخذ من ((الغِيْل)) جاز أن يكون من ذوات الواو؛ لأن ((الغِيل)) إذا أريد به الشجر الملتف فالغالب عليه أن يكون من غال يغول؛ إذا هلك)) 1.
...
ـ اشتقاق الفعل من الاسم الجامد:
المشتق: هو ((ما أخذ من غيره، ودل على ذات مع ملاحظة صفة، كعالم وظريف)) 2. ونقل السيوطي عن شرح التسهيل: ((الاشتقاق أخذ صيغة من أخرى مع اتفاقهما معنى وصيغة أصلية، وهيئة تركيب لها؛ ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة لأجلها اختلفا حروفا وهيئة)) 3.
ويُقِرُّ الصرفيون أن الاشتقاق يكون من ((أسماء الأجناس المعنوية كفهم من الفهم، ونصر من النصر)) 4. و ((ندر الاشتقاق من أسماء الأجناس المحسوسة؛ كأورقت الأشجار، وأسبعت الأرض: من الورق والسبُع.
وكعقْربت الصُّدغَ، وفلفلت الطعام ونرجست الدواء: من العقرب، والنرجس والفلفل)) 5. قال السيوطي: ((اشتقاق العرب من الجواهر قليل جدا، والأكثر من المصادر)) 6.
هذه هي حال معظم الصرفيين من الاشتقاق من الاسم الجامد إلا أننا نجد أبا العلاء 1
يقر هذا الأمر بلا غضاضة، وبلا نكير.
قال عند قول أبي تمام:
حَضرَمتُ دَهري وَأَشكالي لَكُم وَبِكُم... حَتّى بَقيتُ كَأَنّي لَستُ مِن أُدَدِ [بحر البسيط]
((.. ((حضرمتُ دهري))؛ أي: جعلته بحضرموت.
فكأنه اجترأ على بنية هذه الكلمة لما كانت العرب تقول: رجل حضرمي؛ إذا نسبوه إلى حضرموت؛ فبني الفعل على ذلك، وهذا كما يقال: ((مَضَّرتُ فلانا))؛ إذا نسبته إلى مُضَر،
و ((قيَّسته))؛ إذا نسبته إلى قيس)) 2.
ـ قال عند قول أبي تمام:
جَلَّيتَ وَالمَوتُ مُبدٍ حُرَّ صَفحَتِهِ... وَقَد تَفَرعَنَ في أَوصالِهِ الأَجَلُ [بحر البسيط]
((تفرعن كلمة ليست بالعربية المحضة، وذلك أنهم لما كانوا يسمون الجبابرة الفراعنة، تشبيها بفرعون موسى؛ حملت الكلمة على ذلك؛ فقيل: تفرعن؛ أي: صار كأنه من الفراعنة)) 1.
ويوافق أبا العلاء في إمكانية الاشتقاق من أسماء الأعيان ابنُ جني إذ يقول في بعض أقواله: ((وكأن ذوات الخمسة وإن لم يكن فيها فِعل؛ فإن دخول التحقير والتكسير فيها كالعوض من منع الفعلية فيها، ألا ترى أنك تقول في تحقير سفرجل: سُفَيْرج، وفي تكسيره سَفارج، فجرى هذان مجرى قولك: يُسَفْرجُ سفرجة، فهو مُسَفْرِج، وإن كان هذا لا يقال فإنه لو اشتق منه فعل لكانت هذه طريقته)) 2.
بل إنه يشير إلى جواز الاشتقاق من الحرف كـ ((اشتقاق قوَّف من القاف، وكوَّف من الكاف ودوَّل من الدال)) 3.
وهذا الاشتقاق وافق عليه مجمع اللغة العربية لاحقا؛ إذ قرر ((يشتق الفعل من الاسم الجامد المعرب الثلاثي على وزن ((فعَّل)) بالتشديد متعديا، ولازمه
((تَفَعَّل)).
ويشتق الفعل من الاسم الجامد المعرب غير الثلاثي على وزن ((فَعْلل))، ولازمه ((تَفَعْلل)))) 4.
وفي بحث قيم للأستاذ محمد خليفة التونسي بعنوان: ((الاشتقاق من الكلمات العربية والمعربة))، ناقش فيه موضوع الاشتقاق من الاسم الجامد، وذكر أمثلة لهذا الاشتقاق مثل: بَسْتَر، بلور، جبس (...) يجيب عن سؤال مهم، وهو: ما الذي يحذف عند اشتقاق الفعل من الاسم الجامد؟ ويجيب قائلا: ((إذا رجعنا إلى حروف الزيادة في الكلمات العربية الأصل ومشتقاتها وجدنا أن هذه الحروف عشرة وإذا رجعنا إلى أصول الكلمات في اللغات ((العروبية السامية)) جميعها ومنها لغتنا العربية
وجدناها ثلاثية الأصول (ولوأن ذلك تم في طور متأخر)، ووجدنا أن العناية فيها تنصب على الحروف الساكنة، وهي التي تراعى في كتابة هذه اللغات جميعا دون الحروف اللينة أوحروف المد (وهي ألف، وواو، وياء)، أوأن العناية بالأولى أشد من العناية بالثانية على الأقل، وهذا عينه ما يحدث في الاشتقاق من الكلمات المعربة، أي حذف الحروف اللينة والإبقاء ما أمكن على ما عداها)) 1.
وإذا كان مجمع اللغة أقر هذا الاشتقاق إلا أنه لا ينبغي أن يجترئ ((على هذا الصوغ والتكثر منه إلا الأديب الطلعة الذي يسبق عصره في ارتياد المجاهيل لاستخراج صيغ غير مستعملة يجيد وضعها في الموضع المناسب من شعره أو نثره، فتجري على الألسن وتستحسنها الطباع)) 2.
ـ بعض معان لصيغ صرفية ذكرها أبوالعلاء:
أثناء شرح أبي العلاء للديوان ذكر عرضا بعض معان لصيغ صرفية، نلخصها فيما يلي:
(1) تَفَاعَلَ: من معاني هذا الوزن التي ذكرها: ((إظهار الإنسان شيئا ليس من خلقه ولا غريزته)).
قال: ((التفاعل يقع من الإنسان إذا أظهر شيئا ليس من خلقه ولا غريزته.
يقال: ((تَكَارَمَ)) الإنسان؛ إذا فعل فعلا يوهم أنه كريم.
وكذلك قوله:
((تَطَاوَلَ)) أي: أظهر أنه من أهل الطَّوْل؛ أي: الفضل)) 3.
واسم الفاعل من هذه الصيغة يتضمن أيضا نفس الدلالة.
قال عند قول أبي تمام:
تَعَفَّينَ مِن زادِ العُفاةِ إِذا انتَحى... عَلى الحَيِّ صَرفُ الأَزمَةِ المُتَماحِلُ [بحر الطويل]
((... المتماحل الطويل، وليس هومن المحل الذي هو ((جَدْب))؛ لأنهم لم يستعملوا هذا اللفظ في المحل؛ ولأن الغالب على هذا البناء أن يكون لمتظاهر بشيء ليس من أهله، كالمتغافل والمتكارم)) 1.
وصاغ ابن الحاجب نفس المعنى الذي ذكره أبو العلاء وهو في معرض حديثه عن معاني صيغة تفاعل بقوله أنه: ((يدل على أن الفاعل أظهر أن أصله حاصل له وهو منتفٍ، نحو: تجاهل، وتغافل)) 2.
(2) تَفَعَّل: من معاني هذا الوزن التي ذكرها أبوالعلاء:
• الإتيان بالفعل.
• الوصول إلى المكان أوالإقامة فيه أوالانتساب إلى أهله.
قال: ((.. يقال: ((تَكَلَّم))؛ إذا أتى بالكلام، و ((تَعَمَّم))؛ إذا لبس العمامة)) 3.
وقال: ((... ويحتمل أن يكون قوله: ((تَبَطَّحت))؛ أي: حلت بالأبطح، كما يقال: ((تَبَصَّر))؛ إذا أتي البصرة، أوأقام بها أوانتسب إلى أهلها)) 4.
وجمع ابن الحاحب معاني صيغة تَفَعَّل، وذكر من بينها المعاني التي قالها أبو العلاء فقال: ((تفعل لمطاوعة فَعَّل، نحو: كسرته فتكسر، وللتكلف، نحو: تشجع،
وتحلم، وللاتخاذ، نحو: توسد، وللتجنب، نحو: تأثم، وتحرج، وللعمل المتكرر في مهلة، نحو: يجرعته، ومنه تفهم، وبمعنى استفعل، نحو: تكبر وتعظم)) 1.
(3) أَفْعَل: من معانيها التي ذكرها: التمكين، الإلجاء والإحواج، الدخول في شيء مكانا كان أوزمانا.
قال: ((يقال: أطلبت الرجل؛ إذا بَلَّغْتُه مطلبه، وأطلبته؛ إذا أحوجته إلى أن يطلب)) 2. وقال: ((يقال أسهلنا؛ إذا وقعنا في السهل، وأوعثنا؛ إذا وقعنا في الوعث، وهي أرص تسُوخ فيها القدم)) 3.
4 اِسْتَفْعَلَ: من المعاني التي ذكرها: الصيرورة والتحول والطلب.
قال: ((يقال: استنسر البُغَاثُ؛ أي: صار كالنسر... ويقال: استعطاني فلان؛ أي: طلب عطائي، واستفهمني؛ أي: طلب إفهامي)) (4).
(5) الافتعال: الافتعال من الوزن افتعل، ومن معانيه: حدوث الفعل بين شيئين أوأكثر.
قال: ((... ولوقيل: ((اصطك الحجر والخشبة))؛ لم يجز الاقتصار على الاسم الأول؛ لأن الافتعال إنما يكون في هذا الباب من اثنين فما زاد)) 1.
(6) فُعُلَّة: من الأبنية التي ذكرها دالة على الكثرة:
قال ((الغُضُبَّة: الكثير الغضب)) 2.
وهذا الوزن من ((أوزان صيغ المبالغة غير القياسية، ومن أمثلته أيضا كُذُبَّة)) 3.
(7) فَاعِل 4: قال أبوالعلاء: ((وقد يجوز أن يقال: ((خَابِث)) على غير الفعل؛ أي ذو خبث، كما يقال: ((تامر)) و ((لابن)))) 5.
وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
كَم أَسيرٍ مِن سِرِّهِم وَقَتيلٍ... رادِعِ الثَّوبِ مِن دَمٍ كَالخَلوقِ [بحر الخفيف]
((يجوز أن يكون قوله ((رادع الثوب)) في معنى الملوَّن؛ كأنه قال: رادعٌ ثوبه.
ويكون رادع جاريا مجرى ((لابن)) و ((تامر))؛لأن الثوب في الحقيقة هوالمردوع)) 6.
وتكون هذه الصيغة ((لما كان صاحب شيء من غير مزاولة وكثرة معالجة، فالذي صنعته النَّبْل يقال له: نبَّال، وصاحبُ النبل من غير صنعة ((نَابِل))، وتقول لمن صنعته اللبن والتمر؛ أي: يبيعهما لبَّان وتمَّار، وتقول لصاحب اللبن والتمر من غير صنعة أومزاولة لابنٌ وتامر)) 1. قال سيبويه: ((وأما ما يكون ذا شيء وليس بصنعة يعالجها فإنه مما يكون فاعلا، وذلك قولك لذي الدرع: دارع، ولذي النبل: نابل، ولذي النُّشاب: ناشب، ولذي التمر تامر، ولذي اللبن: لابن)) 2. ـ أوزان ترد بمعاني أوزان أخرى في بعض الأحيان:
-
فَعُول في معنى مَفْعُولة: قال ((... رغُوث أي مرضعة، وهي فَعُول في معنى مَفْعُولة)) 3.
-
فَعِيل في معنى فَاعِل: قال عند قول أبي تمام يمدح أبا سعيد محمد بن يوسف الثَّغري: في مَكَرٍّ لِلرَّوعِ كُنتَ أَكيلا... لِلمَنايا في ظِلِّهِ وَشَريبا [بحر الخفيف] ((الأكيل والشريب هاهنا ((فعيل)) بمعنى ((فاعل))، كما تقول: فلان جليس فلان، ومُجَالِسه، وصديقه، ومُصَادقه)) 4. وإنما كانت أكيل وشريب بمعنى فاعل من حيث كان الممدوح غالبا ظافرا؛ إذ لو كانا بمعنى مُفاعل؛ لكان الممدوح غالبا مرة ومغلوبا مرة، وظافرا مرة ومظفورا به مرة؛ فلم يستقم فيه المدح.
وقال: ((مكيث في معنى ماكث)) 5. -
فَعِيل في معنى مفْعول: