الباب الثالث في تفسير، أي بيان الكلمات التي يحتاج إليها المُعْرِبُ، بالرفع: فاعل يحتاج.
وهي: مبتدأٌ راجع إلى الكلمات المحتاجة إلى تفسيرها، وخبره: عشرون كلمةً، بالنصب: تمييز (عشرون)، وهي ثمانية أنواع:
ما جاء على وجه واحد
أحدها [أي إحدى الأنواع] ما جاء على وجه واحد وهو مبتدأ عائد إلى (ما) الَّذي عبارة عن الكلمة، وتذكير الضمير باعتبار ظاهره، وخبره أربعة أحدها، أي: إحدى [الكلمات] التي جاءت على وجه واحد: قَطُّ
قَطُّ: بتشديد الطّاء وضمِّها مع فتح القاف في اللغة الفصحى، قال الكسائي: أصلها
قط
ُطْ بفتح القاف وضم الطاء الأولى، وبسكون الثَّانية، فلمّا سكّن الأولى للإدغام جعل الآخر متحرّكًا بإعرابه، ومنهم من يتبع الضمّة ويقول قُطُّ بضمّ القاف مثل: مُدُّ، ومنهم من يجعله أداة ويبقيه على أصله بالضَّمة التي في المشدّدة، ويقول: قط بالتخفيف، ومنهم من يتبع الضمّة المخفّفة.
ويقال: قُطُّ بالضمّتين مثل مُدُّ وهي قليلة، هذا إذا كانت بمعنى الدّهر، وأمّا إذا كانت بمعنى حسب، وهو الاكتفاء فهي مفتوحة القاف، ساكنة الطّاء، فهي مبنيّة على الضمّ، وذكر في علّة بنائها وجوه.
قال صاحب "التسهيل": لِتَضَمُنِهَا معنى (في) و (من) الاستغراقية على سبيل اللزوم، أو لشبهها بالحرف في الافتقار إلى الجملة.
وقال صاحب المعرفة ابن الحاجب: لتضمنها معنى لام التعريف، لأنَّ معناها استغراق الزمان الماضي جميعه، وهو قول بعض المتقدّمين.
وقال بعضهم: لتضمنها معنى الحرفين، فإنّك إذا قلت: ما رأيت قط، فكأنك قلت: ما رأيتُه مذ خلقني الله حتَّى الآن، وأمّا علّة بنائه على الضمّ، فعند ابن مالك حملًا على قَبْلُ المَنْوِي إضافته، وقال شارح "المفصّل": بناؤها على الضمّ للمبالغة في المعنى، وهذا لأنَّ زيادة اللفظ كما هي لزيادة المعنى، فكذلك قوّة اللّفظ لقوة المعنى.
وهو ظرف لاستغراق ما مضى من الزّمان، يُفهم منه ظاهرًا أن عمومها بحسب الوضع لكن لا يخلو أن يكون عمومها لوقوعها في سياق النفي، ويرشدك قول الجوهري: معناها الزَّمان وقول ابن مالك: لتضمّنه معنى (من) الاستغراقية على سبيل اللزوم.
وما قاله ابن الحاجب: لأنَّ معناها استغراق الزمان الماضي جميعه، وهو قول بعض المتقدمين.
نحو: ما فعلته قط، وقول العامّة: لا أفعله قط لَحْنٌ، أي: خطأ في الكلام.
قال الحريري في "دُرّته" وهو أفحش الخطأ لتعارض معانيه وتناقض الكلام فيه، وذلك أنّ العرب تستعمل لفظ (أبدًا) فيما يستقبل، فيقولون: ما كلمته قطّ، ولا أكلمه أبدًا.
والمعنى في قولهم: ما كلّمته قط، أي: فيما انقطع من عمري، لأنّه من قططت الشيء إذا قطعته عرضًا.
انتهى.
وقال صاحب "التسهيل" ملازمته للماضي دائميٌّ ولم أطلع على خلافه، وللنفي أكثر، وربّما يستعمل بدونه سواء كان لفظًا أو معنىً نحو: كنت أراه قط أي دائمًا.
وقد يستعمل بدونه لفظًا لا معنىً نحو هل رأيت الذئب قط؟ هذا هو الحقّ، لكن المصنّفين المحققين استعملوا في تراكيبهم بالمضارع مع نهيهم في مصنّفاته.
قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا
لِلَّهِ أَنْدَادًا} لمن يصلح أن يكون ندًّا قطَ.
وقال الفاضل التفتازاني: وقط استعمله المصنّف في المستقبل تجوّزًا وتسامحًا ولم يقل غلطًا ولحنًا، ومع هذا استعمل في تراكيبه كثيرًا، خصوصًا في "المطوّل".
قال في تعريف الفصاحة: أو لا ينطق قط، وفي باب إسناد الخبري لا يجتمعان قطّ.
اعلم أن قط إذا كانت ظرفًا فلا تتصل بها ياء المتكلم، وأمّا إذا كانت اسمًا بمعنى حسب فيتّصل بها ويكون بالنَّون على غير القياس، ويجوز حذفها فيقال: قطّي وقطني، وأما إذا كانت اسم فعل بمعنى انته، فعند اتصالها بياء المتكلم فبالنون، هذا مذهب البصريين.
وأمّا عند الكوفيين: إذا كانت بمعنى حسب يقال بغير نون، كما يقال حسبي، وأما جعلها اسم فعل، قال بالنّون كما يفعل في غيرها من أسماء الأفعال، وكثيرًا ما تصدّر بالفاء عند كونها من الأسماء الأفعال تزيينًا للخط، وكأنه جزاء شرط محذوف.
عوض
ِ
والثاني: عوض بفتح أوّله، وقد هوى بالضمّ وتثليث آخره بالحركات الثلاث، لكن الفتح أفصح لأنّه في الأصل منصوب على الظرفية، فيبقى بعد ذهاب الإعراب على صورة ما كان عليه، وأمّا الكسر فَلِجَرْيهِ على أصل التقاء الساكنين، ووجه الضمِّ أنّه محمول على (قبلُ).
وهو ظرفٌ لاستغراق ما يستقبل من الزمان، ويسمّى الزمان عوضًا لأنه، الضمير للشأن، كلّما ذهبت منه مدّة عُوِّضتها مدّة أخرى، فيكون مأخوذًا من التعويض، "والفرق بن المدّة والزّمان والوقت، أنّ المدّة المطلقة حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها، والزّمان مدّة مقسومة، والوقت الزّمان المفروض"، نصَّ عليه القاضي في تفسير (سورة البقرة)، فعُلم منه قول المصنّف، ويسمّى الزمان عوضًا ليس مقابلًا للمدة والوقت، بل هو شامل لهما، لا يخفى عمن له
معرفة في أساليب الكلام.
تقول لا أفعله عَوْض بالنّفي في المستقبل، وقد يستعمل بالإثبات في المضي، وهذا مفهوم عبارة الرّضي، فلذلك لم يقل ابن هشام: ما فعلته عوض، لحن في الكلام.
وقال صاحب "العيني": عوض كلمة تجري مجرى القسم، فمعناه: أقسم بالدّهر لا أفعل هذا الأمر، فحذف حرف القسم، ونصب المقسم به كما قولك: الله لأفعلن.
وكذا أبدًا يكون ظرفًا لما يستقل من الزمان في نحو: لا أفعله أبدًا.
اعلم أن النُّحاة يردّون أبدًا على عوض، فلذلك قال المصنِّف: وكذلك أبدًا، ولم يجعله شيئًا مستقلًا، وهو معرب لدخول لام التّعريف عليه، فلو كان متضمنًا لها لامتنع دخولها عليه.
تقول فيها، أي في حق أبدًا في هذا المثال: ظرف لاستغراق ما يسقبل من الزّمان.
ظاهر هذا الكلام يشعر أن لا يكون الفرق بين عوض وأبدًا، لكن قال الشيخ الرضي: والفرق بينهما [أنّ قط وعوض] للشيوع مطلقًا، وللنفي كثيرًا، وأمّا أبدًا فليس مخصوصًا بالشيوع ويستعمل في النفي والإثبات نحو: طال الأبد.
انتهى.
أجل
والثالث بما جاء على وجه واحدٍ: أجلْ بسكون اللام، وهو حرف لصديق الخبر، سواء كان الخبر مثبتًا أو منفيًا، يقال في المثبت: جاءني زيد، وفي المنفي: ما جاءني زيد، فتقول: أجل، أي: صدقت.
ذكر في بعض كتب النَّحو: أجل لتصديق الخبر ماضيًا أو غيره ولا يستعمل في الاستفهام إلّا عند الأخفش.
إلّا أنها في الخبر أحسن من نعم، ونعم أحسن منها في الاستفهام.
ونقل بعض شرّاح تلك الرسالة عن "الارتشاف": أمّا أجل فهي جواب في تصديق الخبر، ولتحقّق الطلب، وذلك تقول لمن قال: قام زيد: أجل، ولمن قال: اضرب زيدًا: أجل فلا تكون جوابًا للنهي ولا للنّفي.
بلى
الرابع بلى، وهو حرف ثلاثي الوضع، والألف من نفس الكلمة عند أكثر النّحاة، لإيجاب النفي.
قال بعضهم: إنما اختاروا بلى للرجوع عن النفي والإقرار بما بعده لأنَّ أصلها كان رجوعًا محضًا عن الجحد، إذا قالوا: ما قام زيد بل عمرو، فكانت بل كلمة عطف ورجوع لا يصحّ الوقوف عليها، فزادوا الألف ليصلح الوقوف عليها فنظيرها لم، لمّا.
مجرّدًا بالنصب: خبر كان مقدّم عليه، أي سواء كان للنفي مجرّدًا عن إرادة الاستفهام نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾.
زعم: فعل ماض تارة للعلم، وتارة للظنّ، وتارة للباطل.
وعن شريح: لكلّ شيء كنية، وكنية الكذب الزَّعم.
ومتعد إلى مفعولين.
والموصول مع صلته، وهو (الذين كفروا) فاعل زعم.
وأنْ مُخفّفة من الثقيلة، واسمها محذوف وهو ضمير الشأن.
وخبرها: (لن يبعثوا).
وأنْ مع اسمها وخبرها قامت مقام مفعولي زعم.
وربي: قسم أكد به الجواب وهو: لتبعثنّ.
أو كان النفي مقرونًا بالاستفهام، سواء كان أريد الاستفهام عن حقيقة النفي، أو أريد التقدير، والعرب تُجري التقدير مجرى النفي، نحو ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أي [بلى] أنت ربّنا، فيكون إيجابًا عن النفي، والمصنّف اكتفى بتفسير الثاني من تفسير الأوّل، ولم يعكس مع جوازه، لأنّ تفسير الثاني أَوْلى في السّراية إلى ما قبله، وقد يجيء بلى لتصديق الإيجاب على سبيل الشّذوذ، كما تقول في جواب: أقام زيد؟ بلى قام زيد.
ما جاء على وجهين
النّوع الثاني: ماجاء على وجهين وهو الضمير [راجع] إلى ما أو إلى النّوع الثاني.
إذا
إذا من حيث هي، هي أعمّ من أن تكون مقروضة للظرّفية، وإذا للمفاجأة، فتارة أي: مرّة، ذكر في "مختار الصحاح": يقال فعل تارة أي مرّة بعد مرّة، والجمع "تاراتٌ وتِيَرٌ كَعِنَبٍ" وربّما قالوا: (تارًا) بعد تارٍ بحذف التاء.
انتهى.
وانتصابه: إمّا على الظرفية أو على المصدرية على قياس ما قيل في قولك: ضربته مرّة.
يقال فيها، أي في إذا: ظرف مستقبِل بكسر الباء ويجوز الفتح، كذا صححه فاضل التفتازاني، خافض أي: جار لشرطه بالإضافة إليه، [فإن إضافته إضافة] لازمة إلى ما يليه عند الأكثر، منصوب بجوابه، أي: يعمل جوابه فيها عمل النصب على الظرفية إذا كانت للشرط.
هذا مذهب أكثر النُّحاة، فإنّهم قالوا: إنّ وَضْعَهُ للوقت المعيّن، وإنه لا يتعيّن إلَّا بنسبته إلى ما يعيَّن به من شرط، فيصير مضافًا إلى الشرط، فإذا صار مضافًا تعذّر عمل المضاف إليه والمضاف لئلا يؤدي إلى أن يكون الشيء عاملًا ومعمولًا.
ومن وجه واحد، وهذا لا يجوز فوجب أن يكون العامل هو الجواب، وقال ابن الحاجب "والحقّ أنّ (إذا) و (متى) سواء في كون الشرط عاملًا فيه، وتقدير الإضافة في (إذا) لا معنى له، وما ذكروه من كونها لوقت معيّن مسلّم، لكنه حاصل بذكر الفعل بعدها كما يحصل في قولك: زمانًا طلعتْ فيه الشّمسُ، فإنه يحصل التعيين، ولا يلزم الإضافة، وإذا لم يلزم الإضافة، لم يلزم فساد عمل الشرط، والذي يدل على ذلك قولك: إذا أكرمتني اليوم أكرمتك غدًا".
وقال الشيخ الرضيّ: في إذا خلاف إذا كان ما يليه عاملًا فليس بمضاف، وإلّا يكون مضافًا (إذا كان مدخولهما مضافًا).
وهذا أنْفَع لإفادته ما لم يفد قول المعربين، لأنّه يُفهم منه كونه للشرط وكونه مضافًا ومنصوبًا بجوابه.
وأَوْجَزُ لما فيه من قلّة اللفظ، من قول المعربين، وهو ظرف لما يستقبل من الزمان، وإنْ دخلَ على الماضى نحو: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾.
وقد يستعمل في الماضى كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ و ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ و ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾.
وقد يُستعمل في الاستمرار نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.
اعلم: أنَّ حتّى إذا دخل على الَّذي يقتضي جوابًا، جاز أن تكون حتَّى: حرف ابتداء، وأن تكون جارّة لإذا عند الزمخشري، واختاره ابن مالك.
وقال أبو البقاء وصاحب "البسيط" إن إذا في موضع نصب بحتّى، وعند محمد بن مسعود الغزني: ومن زعم أنَّ محل إذا جرٌّ فزعمه باطل، لأن إذا ظرف محضٌ، ولا يجرُّ به ألبتَّة.
وفيه معنى الشرط غالبًا، وإنما قال غالبًا، إذ قد يتحدّد من تضمّن معنى المجازات، ويستعمل ظرفًا محضًا نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾.
وقد يستعمل اسمًا صريحًا مجردًا عن معنى الظرفية نحو: إذا قام زيد إذا يقعد عمرو، أي وقت قيام زيد وقت قعود عمرو، فإذا هنا مبتدأ وخبر، نص على ذلك سيبويه.
وتختصّ إذا هذه بالجملة الفعلية على المختار عند سيبويه والأخفش، فإنهما يجوّزان الجملة الاسمية بعدها
لعدم تأصّلها في الشرط مثل: إن ولو.
لكنّ المختار كون الجملة بعدها فعلية، وعند المبرّد يجب الفعل بعدها لفظًا أو تقديرًا.
وتارة يقال فيها حرف مفاجأة.
وكون
إذ
ا هذه حرفًا مختار المصنّف، وهو مذهب الكوفيين، وحكاية عن الأخفش، واختيار الشَّلّويين في أحد قوليه.
قال الشيخ الرضيّ: والأقرب كونها حرفًا، فلا محلّ له من الإعراب، وأما عند سائر النُّحاة إنها باقية على ظرفيتها، لكن الاختلاف في كونها للزمان أو المكان.
فذهب الزّجّاج إلى الأوَل، والمبرّد إلى الثاني.
وتختص إذا حال كونها للمفاجأة بالجملة الاسمية، لقصد إيقاع المخالفة بين إذا الشرطية والمفاجأة نحو: خرجتُ فإذا السَّبُعُ حاضرٌ أو واقفٌ على حذف الخبر، والعامل في إذا هذه المفاجأة، وهو عامل لا يظهر، وقد استغنوا عن إظهاره لقوّة ما فيه من الدّلالة.
وأمّا الفاء فهي السببيّة، فإن مفاجأة السبع مسببة عن الخروج، وما قاله المازني ليس بشيء، وهو كون الفاء زائدة، وقال بعض النُّحاة:
الأقرب أنها للعطف من جهة المعنى: خرجت مُفاجأة زمان وقوع السَّبُع على رأى الزّجّاج، أو مكان وقوع السَّبُع على رأي المبرّد.
غالبًا أي أكثريًا، وفي هذا القيد إشارة إلى إنها قد تدخل على الجملة الفعلية، إذا كان الفعل مصحوبًا بقد.
نقله الأخفش عن بعض فصحاء العرب نحو: خرجتُ فإذا قد قام زيد.
وقد اجتمعا، إذا الظرفية والمفاجأة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.
فإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة، ناب مناب الفاء في جواب الأولى.
ما جاء على ثلاثة أوجه
النوع الثالث: ما جاء على ثلاثة أوجه وهو، أي: ما جاء على ثلاثة أوجه سبعة، وقع في بعض النسخ سبع بغير التاء، لعلّ وجه كون أكثر المبحوث عنها حرفًا، ويجوز تغليب التأنيث على التذكير إذا كان المؤنث كثيرًا:
إذ
إحداها أي أحد السَّبع إذ من حيث هي هي، ويقال فيها: فتارة ظرف
لما
مضى من الزمان سواء دخلت على الماضي أو المضارع، وقد يستعمل في المضارع نحو قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾.
وتدخل على الجملتين الخبريتين، أي الفعلية والاسمية لانعدام تضمّن معنى الشرط الذي يقتضي الفعل بعده، نحو: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ فاذكروا عامل، ثم إذ وهو ظرفٌ داخل على الجملة الاسمية وهي: أنتم قليل، والجملة مضاف إليها لإذ.
اعلم أن (إذ) هذه يجوز دخولها على الجملة الاسمية، سواء كان خبرها مفردًا كما في المثال المذكور، أو جملة نحو إذ زيد يقوم.
وقد استقبحوا: إذ زيد قام، وإن الفعل الماضي لا يكون خبرًا إلَّا إذا أريد به الإخبار فيما مضى.
وهذا الفرض حاصل من نفس إذ، ولأن مدلول إذ وقام من الزمان واحد، وقد اجتمعتا في كلام فلم يحصل الفصل ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ , فإذ هنا ظرف مضاف إلى الجملة الفعلية، وهي: كنتم، فكان من الأفعال الناقصة اسمها ضمير الخطاب، وخبرها قليلًا.
وتارة: حرف مفاجأة، فيختص بالجملة الفعلية فعلها ماض غالبًا، وإنما قلنا غالبًا لأنها قد تدخل على الجملة الاسمية نحو: خرجت فإذ زيد قائم.
اعلم: أن كونها للمفاجأة قليل حتى أنَّ ابن الحاجب لم يذكرها في مقدمته، واعتذر بعض الشراح من عدم ذكرها بالندرة، وإن الاختلاف في إذ هذه كالاختلاف في إذا في كونها حرفًا وظرفًا, وبعد كونها ظرفًا، هل هي للزمان أو المكان، وذهب أبو عبيد إلى أنها زائدة، ذكره في بعض كتب النحو، وأن (إذ) و (إذا) إذا كانتا للمفاجأة فإضافتهما على اختلاف النحاة.
فذهب ابن الحاجب إلى أنهما مضافتان، لعل وجهة كون العامل فيهما معنى المفاجأة عنده، لأن المانع من الإضافة كون شرطها عاملًا لها، فلما زال المانع لزم الإضافة، فعلى هذا يلزم أن يكونا زمانين.
وذهب بعض النحاة إلى أنهما لا تكونان مضافتين، فيجوز أن يكون وجهه ما قاله بعض النحاة وهو: أن (إذ) و (إذا) إذا كان مدخولهما اسمًا يكون مبتدأ، و (إذ) و (إذا) خبرًا مقدّمًا عليه، ويجوز أن يكون كونهما مكانيين، لأن ظروف المكان لا تضاف إلى الجملة إلَّا حيث، كقوله، أي الشاعر:
فبيَنَمَا العسرُ إذ دَارَت مياسِيرُ [البسيط]
المياسر: جمع موسر، كمفطر ومفاطر، أوّل البيت:
واستقدِرِ اللهَ خيرًا وارضيَن به
فالفاء في بينما يجوز أن تكون للعطف على التعقيب أو السببيَة.
اعلم أن: (بينا) و (بينما) مشبعة أو متصلة بما المزيدة أو المصدرية، وما قيل أنه موصول فبعيد، لأنه يحتاج إلى كثرة الحذف.
ظرف بمعنى الشرط، أجيب تارة بـ (إذ) أو بـ (إذا)، وتارة بالفعل.
والأصمعي لما رأى مجئ الفعل من غيرهما مع استقلال المعنى استفصح طرحهما، والجميع جيد، كذا قال ابن الحاجب في "الإيضاح": في (من الظروف الزمانية) وإن كان ما قبل الإشباع والزيادة يستعمل في الزمان والمكان.
نص عليه الشيخ الرضي حيث قال: بين مستعمل في الزمان والمكان، أما إذا أشبع أو كُف بـ (ما) أو أضيف، فلا يكون إلا للزمان، فلابد لها من جواب، فإن جُرد عن كلمة (إذ) و (إذا) فالعامل هو الجواب وإلا فمعناه المفاجأة.
هذا على رأي بعض النُّحاة، وأمّا على مذهب المبرد إن (إذ) و (إذا) ظرف مكان لما بعدهما، وبينا وبينما ظرف زمان له، فيكون إذ وإذا منصوب المحل على الظرفية، وعلى مذهب الزجاج:
إن (إذ) و (إذا) ظرفان مضافان إلى الجملة بعدهما يخرجان عن الظرفية: مبتدءان خبرهما بينا وبينما، قيل: الصواب مذهبهما، فإذا انتقش ما ذكرناه على صحيفة ذهنك علمت قول صاحب "المتوسط" وبين: ظرف مكان، وما: زائدة، والعسر: مبتدأ وخبره محذوف، وهو موجود، وهو العامل في بين والزمان مضاف إلى هذه الجملة تقديره: فبين زمان العسر موجود والعامل في (إذ) دارت لأنه ليس بمضافٍ إلى دارت فيمتنع عمله فيما قبله، ولا يجوز أن تعمل دارت في بين لكون بين وإذا ظرف المكان، وامتنع عمل عامل في ظرف المكان، إلَّا على سبيل البدل لا يخلو من مخالفة واضطراب خصوصًا في قوله: إن بينما ظرف مكان،
لما
عرفت أنه إذا كفّ بـ (ما) يكون ظرف زمان عندهم.
وتارة: حرف تعليل كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: لأجل ظلمكم.
قال الشيخ الرضي: والأَوْلى حرفيتها حينئذ، إذ لا معنى لتأويلها بالوقت حتى يدخل في حد الاسم.
اعلم: أن المصنف ذكرها مما جاء على ثلاثة أوجه، وقد تستعمل بمعنى (أنْ) المصدرية ذكره الشيخ القاضي البيضاوي في تفسير سورة مريم في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ والمصنف لم يذكر هذا الوجه إما لكونه على رأي البعض حيث قال في "شرح اللباب": وأخرجه بعضهم عن الظرفية وجعله كـ (أنْ) المصدرية، أو لعدم شهرته.
لَما
الثانية: لما، قال الكوفيون: أصلها: لم زيدت عليها ما.
وقال سيبويه: هي على الأصل ليست فيها (ما) زائدة، لأن لما تقع في موضع لا تقع فيها لم، يقول الرجل لصاحبه:
أقَدِمَ فلان؟ فيقول: لمَا، فلا تقع (لم) مفردة، كذا قالوا.
أقول: هذا الدّليل لا يدل على أصالتها إذ يجوز أن يتغير حكم الأصل بزيادةٍ ما، كما في هلا، فإنها مركبة من هل ولا، وهل لا تدخل على جملة فعلية تقدم مفعولها على أن [لا] يكون منصوبًا بما بعده، أو بمقدر، فلا يقال: هل زيدًا ضربته؟ بخلاف هلا فإنها يصح أن يقال: هلا زيدًا ضربته؟
يقال فيها، أي في لما في نحو: لما جاء زيد جاء عمرو، حرف، قوله حرف: مبتدأ، وخبره جملة ظرفية مقدمة، وهي في نحو: لما جاء زيد جاء عمرو، مضاف إلى وجود وإضافته بمعنى اللام لوجود هنا بمعنى الثبوت القابلة للنفي، والتنوين عوض عن المضاف إليه، أيّ حرف ثبوت الثاني لثبوت الأول، هذا مذهب ابن خروف فإن لما عنده: حرف يدل على ربط الجملة بأخرى ربط السببية.
فبعض النحاة عبر عنها كما عبر المصنف، وبعضهم بحرف وجود لوجود، وتختص بالماضي أي ماضي اللفظ والمعنى.
وزعم أبو علي الفارسي ومن تبعه أنها ظرف بمعنى حين.
والظاهر من لفظ زعم كون قوله مردودًا.
وذكر في "شرح الألفية": قال ابن مالك: لما بمعنى حين، إذ بدل بمعنى حين.
وقيل: هذا حسن لأنها مختصة بالماضي وبالإضافة كإذ.
ويقال فيها: ظرف لغو متعلق بقال، والضمير راجع إلى لمّا.
في نحو ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ حذف الياء اكتفاءً بالكسر، حرف: مبتدأ مضاف إلى جزم، وقوله: في نحو: خبر مقدم عليه: لنفي المضارع: خبر ثان له، وقَلْبِهِ بالجر عطف عليه، وماضيًا: مفعول قَلْبهِ، فعلى هذا الوجه يكون هذا القول بيانًا لأحوال لما، لكن علم بالالتزام أنها للجزم، ويجوز
أن تكون اللام للتعليل لأنه لما ذكر اختصاص لما بالنفي والقلب، علم بالالتزام أنها للجزم فالتعليل بأحد المستلزمين نوع من البلاغة، ولما هذه تنفي المضارع، وتصرف معاه إلى الماضي عند المبرد وعند أكثر المتأخرين، وعند أبي موسى تصرف لفظ الماضي إلى المضارع، وهذا نُسب إلى سيبويه، ذكره شارح "الألفية".
متصلًا: حال من [المضاف إليه وهو] المضارع، ونفيه: فاعل متصلًا، وضمير نفيه راجع إلى المضارع ومُتَوقعا، يجوز أن يكون حالًا من المضارع، فيكون حالًا مترادفة، وأن يكون حالًا من نفيه، فيكون من قبيل حال المداخلة قوله ثبوته: فاعل متوقعًا.
واعلم أن (لم) و (لما) تشتركان في نفي المضارع وقلبه ماضيًا، وأمّا كون النفي متصلًا إلى زمان النطق، ومتوقع الثبوت، مما تنفرد به لما، فلذلك لا يحسن أن يقول: لما يُضرب زيد ثم ضُرب، بخلاف لم.
ألا يُرَى، يريد المصنف إثبات كون نفيها متصلًا، وثبوتها متوقعًا بتنزيل المعقول مرتبة المحسوس.
أن المعنى في الآية الكريمة: أنهم لم يذوقوه إلى هذا الآن، معنى الآن: الزمان الذي يقع فيه كلام المتكلم.
وهو آخر ما مضى من الوقت، وهو أوّل ما يأتي منه، وهو مبني على الفتح بناء لازمًا عند جميع النّحاة، لكن اختلفوا في علة بنائه.
قال سيبويه والأخفش والمازني والزجاج: لمشابهته لاسم الإشارة، وإن قولك الآن معاه هذا الوقت.
وقال السيرافي: لمشابهة الحروف يلزمها في أصل الموضع على وتيرة واحدة، فإنها لا تُثنّى ولا تُجمع ولا تُصَغر، فيكون في الاستعمال مع لام التعريف.
قال أبو علي الفارسي: لتضمنه معنى لام التعريف، وأمّا لام الظاهرة فليس للتعريف إذ شرط لام التعريف أن تدخل على النكرات فتعرفها، و (الآن) لم يُسمع مجردًا عنها، وفي هذا الدليل مناقشة ظاهرة، ولا تخفى على المتأمل.
وأنّ ذوقهم، بفتح الألف، وتشديد النون: عطف على (أنهم).
له متوقع: اللام لتقوية العمل، والضمير للعذاب.
ويقال فيها: حرف استثناء، هذا وجه ثالث لـ (لمّا) وتغيير الأسلوب إما لكثرة الفاصلة بين المبتدأ والخبر أو للتفنن نحو: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ في قراءة التشديد وحرف التعريف إما مُغْنٍ عن غناء الإضافة كما مذهب البصريين، أو عوض عن المضاف إليه كما مذهب الكوفيين
؛ أي
قراءة تشديد (لما).
ألا يرى أن المعنى: ما كلّ نفس إلا عليها حافظ، فَعُلِمَ منه أن (إنْ) على هذه القراءة نافية بمعنى (ما) .. قال في "الصحاح": لمّا بمعنى إلا فليس يُعرف في اللغة.
لكن حكاه الخليل وسيبويه والكسائي، فالأولى أن يقتصر على التركيب الذي وقعت فيه.
كذا قال أرباب النحو.
نَعَمْ
والثالثة:
نعم
، وفيها أربع لغات على ما قاله الشيخ الرضي:
الأولى: فتح النون والعين وهي المشهورة.
الثانية: كسر العين، وهي كنانية واختارها الكسائي، واحتج عليه بما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنّه سأل قومًا فقالوا: نِعَم، فقال عمر: أمّا النعم فالإبل.
وقال أبو عبيدة: هذه الرواية [عن عمر] غير مشهورة.
الثالثة: كسر النون والعين.
والرابعة: نَحَم، بفتح النون، وقلب العين المفتوحة حاءً كما قلبت في حتى.
قيل: هي لغة هذيل.
فيقالُ فيها، أي في نعم: حرف: مبتدأ مضاف إلى تصديق, وخبره جملة: إذا وقت بعد الخبر سواء كان مثبتًا [أو منفيًا] نحو: قام زيد، فتقول: (نعم، أي: نعم قام زيد)، أو منفيا: ما قام زيد، فتقول: نعم.
أي ما قام.
وحرف إعلام إذا وقعت بعد الاستفهام، سواء كان سؤالًا عن موجب نحو: أقام زيد؟ فتقول: نعم، مريدا بالإعلام بأنه قام.
أو منفيًا كما في جواب من قال: ألم يقم زيد؟ فتقول: أي نعم لم يقم.
فنعم بعد الاستفهام ليست للتصديق، لأن التّصديق إنّما يكون في الخبر، فلذلك قيل: فالأَوْلى أن يقال: هي بعد الاستفهام لإثبات ما بعد أداة الاستفهام نفيًا كان أو إثباتًا.
ولهذا قال ابن عبّاس: لو قالوا في [جواب]: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾: نعم لكان كفرًا، فيصح لهذا الاعتبار أن يقال لها: حرب الإيجاب، أي: إثبات ما بعد حرف الاستفهام، لكن الأظهر أن يقال: الإيجاب في الإيجاب والكلام المثبت، لا المنفي المستفهم عنه.
وجوّز بعض النحاة إيقاعها موقع بلى، إذا جاء بعد همزة داخلة على نفي لفائدة التقدير, فيجوز أن يقال في جواب: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: نعم، لأن الهمزة
للإنكار دخلت على النفي فأفادت الإيجاب، ولهذا عطف [على] ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قولَهُ: ﴿وَوَضَعْنَا [عَنْكَ]﴾ فكأنه: شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، فيكون (نعم) في الحقيقة [تصديقًا] للخبر المثبت المؤول به الاستفهام [معنىً] لا تقديرًا لما بعد همزة الاستفهام مع النفي.
فلا يكون جوابًا للاستفهام، لأن جوابه يكون بما بعد أداة، بل هو كما قيل: قام زيد بالإخبار، فنقول: نعم، مصدقًا للخبر المثبت.
وقد اشتهر في العرف هذا القول.
فلو قيل لك: أليس عليك دينار، فقلت: نعم، ألزمت بالدينار.
هذا ليس بمناقض لما قاله ابن عباس، لأن قوله مبني على [كون نعم تقديرًا لما بعد همزة الاستفهام، وبناء هذا القول مبني على كونه] تقديرًا لمدلول الهمزة مع حرف النفي.
وحرف وعد، هذه العبارة موافقة لما يوجد في كتب اللغة حيث قال في "الصحاح": نعم: عدة وتصديق.
وأما عبارة أكثر كتب النحو: نعم مقررة لما سبق.
لعل وجهه عند النحاة لما رأوا اختلاف هذه الوجوه بحسب الاعتبار لعدم خروجها عن الجوابية، فعبرَّوا بكلام يعم الجميع, فعلى هذا ما قاله المصنف لا يخلو من المسامحة: إذا وقت بعد الطلب سواء كان ذلك طلب الفعل، (كقولك لمن قال لك): نحو: أحسن إلى فلان فتقول: نعم، عند وعدك بالإحسان، أو طلب ترك الفعل، كقولك نعم لمن قال: لا تضربني، أي لا أضربك، فإنك وعدت بعدم الضرب إليه، وكذا لو قلت: نعم،
في جواب التحضيض نحو: هلا تزورنا؟ كان المعنى ال
إي
جاب، أي نعم أزورك، وكذا في جواب المرض: ألا تزورنا.
وزعم بعض: أن نعم تكون حرف تذكير، إذا وقعت صدرًا نحو: نعم، هذه أطلالهم.
وهو ضعيف لإمكان جعلها تصديقًا لما قبلها وقُدمت، أو تصديقًا لما في النفس.
إيْ
والرابعة: إيْ بكسر الهمزة وسكون الياء إذا وقع بعدها حرف القسم، وإن لم يقع إلَّا بلفظة الله، جاز ثلاثة أوجه:
حذفها للساكنين، وهما الياء واللام نحو: إلله لأفعلن.
وفتحها تنبيهًا لحرف الإيجاب.
وإبقاؤها ساكنة، والجمع بين ساكنين مبالغة في [المحافظة] على حرف الإيجاب، بصون آخرها عن التحريك والحذف، وإن كان السّاكنان في كلمتين إجراءً لهما مجرى كلمة واحدة [نحو]: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وهي بمنزلة نعم في استعمالها على الوجوه الثلاثة، وهو قول ابن مالك حيث قال:
إيْ بمعنى نَعَم.
وهذا الإطلاق يقتضي أن لم يقع بعد الخبر والاستفهام والطلب، وجوزه بعض النحاة لكنه مخالف لما قاله فحولهم.
وإي إثبات بعد الاستفهام حيث اشترطوا لزوم سبق الاستفهام، وكونها للإثبات، إلا أنها تختص بالقسم من الاستفهام غالبا بخلاف نعم، فإنها غير مختصّة به كما عرفت، ولا يستعمل بعد إي فعل القسم، فلا يقال: إي أقسمت بربي، ولا يكون المُقْسَم به بعدها إلا: (الرب، والله، ولعمري) نحو: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾.
وربي قسم فعله محذوف مع وجود الاستفهام في أوّل الآية [وهو قوله تعالى]: ﴿أَحَقُّ﴾.
حتى
الخامسة: حتّى، وأحد أوجهها.
أي: أحد أوجه حتى، والتأنيث باعتبار الكلمة، أن تكون جارة فتدخل، الفاء: إما للتفسير، أو لربط الجزاء على الشرط المحذوف.
على الاسم الصريح، أي الخالص، والمراد منه ما يقابل المؤول والمضمر، وهو الظاهر بمعنى إلى، نحو ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
وتفسير القاضي بقوله: أي وقت مطلعه، أي طلوعه، لا كما قاله في بعض حواشيه: المطلَع بفتح اللام: مصدر ميمي، فيحتاج إلى مضاف ليكون المعنى صحيحًا، إذ يمكن تصحيح [ال
كلا
م] بأن يقال: يدوم سلام الملائكة إلى طلوع الفجر، أو يقال: لية القدر [ذات] سلامة إلى طلوع الفجر، بل للإعلام بأن المَطْلَع بفتح اللام مصدر ميمي لا اسم للزمان، لأنّه لا يحتاج إلى تقدير الوقت، ومثله في المصادر عند أكثر النحاة وأما عند أبي علي الفارسي إن المصادر تقع في الزمان , فيُجعل لسعة الكلام زمانٌ لا على طريق حذف المضاف، فقول المصنف ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ لتصحيح كون المطلع مصدرًا ميميًا لا لمجرد تصحيح المعنى.
وعلى الاسم المؤوّل معطوف على الاسم الصريح، وقوله: بأن، متعلّق إلى المؤول، ومضمرةٍ إما بالجر صفة إنْ، أو بالنصب حال عنها، وقوله: من الفعل المضارع، بيان الاسم المؤول،
هذا هو مذهب سيبويه وجمهور البصريين فإن حتى إذا دخلت على الاسم المؤول تكون حرف جر عندهم.
والنصب بعدها بإضمار إن وعند الكوفيين والكسائي والفراء إنها ناصبة بنفسها.
وأجازوا إظهار أن بعدها تأكيدًا، وأما إذا دخل على الاسم الصريح، فالجر بإضمار إلى عند الكسائي ويجوز إظهارها تأكيدًا، وعند الفراء لنيابه (حتى) منابها، وعند الكوفيين هي جارة بنفسها لشبهها بـ (إلى).
فتكون تارة بمعنى إلى نحو: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ الأصل: حتى أن يرجعَ، على مذهب سيبويه كما عرفت قبيل هذا، أي إلى رجوعه، فعلم منه أن يرجع مع أنه مؤول بالمصدر، أي إلى زمن رجوعه.
قدّر المضاف كما هو مذهب أكثر النُّحاة، لأن المصدر لابدّ له من زمان، فيكون حصوله فيه، لكن دلالة المصدر على الزمان بالالتزام.
وتارة أي، مرة بمعنى كي إذا كان ما قبل حتَّى سببًا لما بعدها.
نحو أسلِم حَتَّى تدخل الجنَّةَ، أي: كى تدخل الجنة، ولم يفسره المصنف بناء على ظهور معنى السببية فيه.
وقد يحتملها، أي: يحتمل حتى أن يكون بمعنى إلى وكي.
كقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، أي: إلى أن تفيء، أو كي تفيء، أي: إلى أن ترجع، أو كي ترجع.
اعلم: أن علامة كونها بمعنى إلى وكي إذا وضعتهما موضع حتى يكون المعنى صحيحًا.
وزعم ابن هشام وابن مالك أنّها، أي أن حتى قد تكون بمعنى إلا كقوله، أي قول الشاعر:
لَيسَ الْعَطَاءُ مِنَ الْفُضُولِ سماحةً
اللام في (الفضول) إما:
مُغْنٍ عن المضاف إليه، أو عوض عنه، أي ليس الإحسان من زيادة المال الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة.
يقال: فضل من الشيء، وفَضَل منه شيء بفتح العين، يَفْضُلُ بالضم مثل دَخَلَ يدخلُ، وفيه لغة أخرى، وهي بكسر العين وفتحها في الغابر مثل: حَذِرَ يَحْذَرُ، وحكاها ابن السكيت.
وقيل: فيه لغة بالكسر في الماضي والضم في المستقبل، مركبة منهما يقال: فَضِلَ يَفْضُلُ، لكن هذا شاذ لا نظير له.
ويؤيده ما قال سيبويه: هذا عند أصحابنا يجيء على لغتين.
ذكره في "الصحاح".
سماحةً: بالنصب خبر ليس، السماحة: الجود.
حتى تَجُودَ، وَمَا لَدَيْكَ قَليِلُ [الكامل]
فما: موصولة، ولديك: ظرف مكان صلة ما، والموصول مع الصلة مبتدأ، وقليل: خبره.
وفي بعض النسخ: إلَّا قليل، فما بمعنى ليس، ولا يعمل لانتقاض عمله بإلا، فما بعده مبتدأ وخبر.
ويجوز كونها موصولة، والاستثناء من لديك بتأويل النفي، لأن الاستثناء من المثبت يكون على مقتضى العامل إذا لم يتعذر، نحو: قرأت إلَّا يوم كذا، وبتقدير النفي إذا تعذر، وهاهنا متعذر فيجب، وتقديره: ولا يكون في لديك إلا قليل أي إلَّا أن تجود، وهو استثناء منقطع، وعنوان هذا القول بالزعم الذي كنيته الكذب إشارة، كما أن الاستدراك بهذا البيت ضعيف، لجواز أن تكون حتى في هذا للغاية، بمعنى إلى حيث.
قال في "البسيط" تفسير قولهم: لا أقوم إلا أن تقوم، وقولهم: لا أفعل إلَّا أن تفعل بحتى تفعل ليس بنص لكون حتى بمعنى إلا لأن قولهم ذلك تفسير معنىً.
واعلم أنّ المصنف ذكرها في النوع الثالث، مع أن معناها أكثر من الثالث لأن ما وجد من المعنى الذي غير ما ذكره المصنف، فراجع إلى كونها جارة.
والثاني: أن تكون حرف عطف تفيد الجمع المطلق كالواو.
وهذه العبارة تُشعِرُ ظاهرًا أنَّ حتى كالواو في الجمع لا ترتيب فيها، كما زعم بعض النحاة، لكن الحق أن يكون فيها جمع وترتيب ومهملة [متوسطة] بين الفاء وثمّ، لكن المهملة المعتبرة فيها بحسب الذهن، فإن المناسب في: مات الناس حتى الأنبياء، بحسب الذهن أن تعلق الموت أولًا بغير الأنبياء، وتعلق بالأنبياء بعد التعلق بهم، وإن كان موت الأنبياء في أثناء سائر الناس بحسب الخارج بخلاف ثم، فإن المهملة المعتبرة فيها بحسب الخارج نحو جاءني زيد ثم عمرو: إلا أن المعطوف بها أي بحتى مشروط بأمرين.
هذا تفريق بين الواو وحتى العاطفة بعد اشتراكهما في الجمع، أي: يُفَرق بين حتى والواو من جهتين:
أحدها: أن يكون المعطوف بعضًا أي جزءًا من المعطوف عليه في الحقيقة.
هذا هو المختار وإن قال بعضهم: أو بالتأويل نحو: ضربني السادات حتى عبيدهم، فإن العبيد صار كالجزء منهم بالمجاورة والاختلاط بهم.
والثاني: أن يكون غاية له في شيء، وزاد صاحب التسهيل قيدًا آخر، وهو مفيد احترازًا من نحو: صُمتُ الأيّام حتّى يومًا.
لكن سائر النحاة لم يذكروه بناء على أن مثل هذا لا يتّصف بكونه غاية، فيخرج من لفظه للغاية نحو مات الناس حتى الأنبياءُ.
لأن الأنبياء - (عليهم السلام) - غاية للناس، بالنسبة إلى كمالات نوعه، في شرف المقدار وهو ما يقدرُ [به] الشيء، أي يُعرف قدره، وإضافة الشرفِ إليه بمعنى مِنْ، ويجوز أن يكون بمعنى اللام.
وعكسِه بالجر: عطف على [شرف] أو عكس الشرف وهو الخساسة نحو: زارني الناسُ حَتى الحجّامُون، فإنهم غاية في خساسة المقدار.
اعلم: أن الغاية قد تكون في الخساسة والشرف كما في المثالين المذكورين، وقد يكون في القوة والضعف، وأشار إليه المصنف بقوله، وقول الشاعر: عطف على ماتَ الناس:
قَهَرنَاكُمُ حتى الكُمَاةَ، فَأنتمُ
والكَماءُ بفتح الكاف هو الشجاعة، وجمعه الكُماة، بضم الكاف، كأنهم جمعوا كام مثل قاض وقضاة، كذا في "الصحاح"
تَهَابُوننا حتى بنينا الأصاغِرَا [الطويل]
الهيبة والمهابة هي الإجلال والمخافة، فالمعنى: أنتم تهابوننا بغاية المهابة، وإنما قلنا كذا لأن المفاعلة والمتفاعلة إذا كانتا من جانب واحد تكونان للمبالغة، وهنا كذلك.
ولما كان مصرعا هذا البيت جامعًا للغايتين أشار إليه بقوله: فالكماة: الفاء إمّا للتفسير.
أو لربط الجزاء للشرط المحذوف، غاية في القوة، والبنون الأصاغر غاية في الضعف.
والثالث: أن يكون حتى حرف ابتداء، وإنما سُمي به لأنه يبتدأ به لأنه داخل على المبتدأ كما توهم البعض، لأنه قد تدخل على الفعل، والفعل لا يكون مبتدأ.
ويرشدك إليه قول المصنف: فتدخل على ثلاثة أشياء: جمعُ شيء، وفيها مذاهب، وإنها غير منصرف بالاتفاق، قال الكسائي: أشياء على وزن أفْعَال مثل: فَرَح وأفرَاح، وإنما تُرك صرفها لكثرة استعمالها، ولأنها شبهت بفعلاء، كذا قالوا، لكن هذا لا يوجب عدم انصرافها كما في أبناء وأسماء، ولهذا قال "شارح الديباجة ": فعلى هذا القول منصرف.
وقال الخليل: أصلها شيئاء على وزن فعلاء، جمع على غير واحد، ثم استثقلوا الهمزتين في آخره فقلبوا الأولى إلى الصدر فصار: أشياء، وعلى وزن أفعال, ويدل على صحة ذلك أنها لا تنصرف، وأنها تصغر على أشيياء، وقال الأخفش والفراء: أصلها أشيئاء
على أفعلاء، وحذفت الهمزة التي بين الياء والألف للتخفيف، فصار أشياء، لكن عند الأخفش جُمِعَ على غير واحد لأن (فَعْل) لا يُجمع على أفعلاء، وهذا القول مرجوحٌ لأن كل جمع كُسر على غير واحِدِهِ، وهو من أبنية الجمع فإنه يُرَد في تصغيره إلى واحده.
فيما لا يُفعل بالألف والتاء، فيجب أن يقول في تصغيره: شييئاه مع أنه لم يُسمع، وهذا القول لا يلزم الخليل لأن فعلاء ليس من أبنية الجمع، وعند الفراء أصله: شيء بالتشديد كـ (هين) على وزن فَيْعل بالفتح والسكون ثم خُفّفَ فقيل: شيء، كما قالوا: هَيْن، فلذا جُمِع على أشياء، فحذفت الهمزة الأولى للتخفيف، ومن هنا, أي لأجل كون أصل أشياء عند الأخفش والفراء.
قال أبو الحسن الجار بردي: وفيها ثلاثة مذاهب مع كون الأقوال فيها أربعة.
الفعلُ الماضي: بالرفع خبر مبتدأ محذوف، فقوله: والمضارع المرفوع، والجملة الاسمية معطوفان عليه بتقدير الثاني والثالث.
وبالنصب بتقدير أعني الفعل.
وبالجر بدلًا من ثلاثة أشياء.
فقوله والمضارع المرفوع والجملة الاسمية معطوفان عليه بلا تقدير، فلمّا تعدد المتبوع معنىً أجري الإعراب على كل واحد منهما، فَعُلم من هذا أن أحد البدلين يجوز أن يعطف على الآخر، ويكون المجموع بدلًا من أشياء، فبالنظر إلى كل واحد بدل البعض، وإلى المجموع بدل الكل, ذكره الكرماني، شارح "البخاري".
واعلم أيضًا: أنْ أحد الحالين، أعني الحال من الفاعل، والحال من المفعول، يجوز عطف أحدهما على الآخر، كقولك: لقيت زيدًا راكبًا وماشيًا.
نحو: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ فإنّ حَتّى هنا
ابتدائية، وأنْ غير مضمرة، هذا هو الحق لكن فسر أبو البقاء بـ (إلى أن عفوا) وقال شارح الألفية: فتوزع في ذلك الماضي بأن حَتى قبله ابتدائية، وأنْ غير مضمرة، فَعُلِمَ من دخولها جواز كونها جارة في الماضي، وقال ابن مالك وهو وَهْمٌ.
المضارع المرفوع، احتراز من المنصوب بـ أن, لأن حتى فيه، لا تكون إلَّا جارة.
نحو ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ في قراءة من رفع وهو نافع، فعلى هذا تكون الآية حكاية عن الحال الماضية، لأن حتى الابتدائية لا تدخل على المضارع، إلَّا بتحقيق الحال.
أو لحكاية حال الماضي فلا يدخل على المضارع المقدر فيه (أن)، لأنها علم الاستقبال، فمن نَصَبَ بتقدير أنْ يجعل حتى جارة.
والجملة الاسمية كقوله، أي قول الشاعر:
بدجلة حتى ماء دجلةَ أشكل
إعرابه في الباب الأول، في المسألة الثانية فلينظر.
اعلم: أن حتى الابتدائية تدخل على الجملة الاسمية، فيكون ما قبلها سببًا لما بعدها، مع كون ما بعدها من جنس ما قبلها، سواء كان حقيقة أو حكمًا بأن يكون بينهما ملابسة، يقال: ضربتُ القومَ حتى زيد غضبان، لأن بين الضرب والغضب ملابسة، فكأنه كان من جنس الضرب، وخبر تلك الجملة تارة يكون موجودًا، كما في المثال المذكور، وتارة يكون مقدرًا كما في: أكلت السمكة [حتى] رأسُها بالرفع، لأن تقديره: حتى الرأسُ مأكول.
وتدخل أيضًا على الفعل سواء كان ماضيًا أو مضارعًا، فلا يلزم كون ما بعدها من جنس ما قبلها، بل يكفي أن يكون سببًا لما بعدها كما في المثالين اللذين ذكرهما المصنّف.
وحتّى الجارة تدخل على الاسم فيكون مدخولها إمّا بعضًا مما قبلها كقولك: أكلت السمكة [حتى رأسِها] بالجر أو مجاورًا
لها كما في: نمت البارحة حتى الصباح، وتدخل أيضًا على المضارع بإضمار (أنْ) المصدرية، ولا تدخل على الماضي في الأصح، وإنْ جوّزه أبو البقاء.
وكذا لا تدخل على المضمر خلافًا للمبرد، فإنه يجوز مستدلًا بما وقع في بعض أشعار العرب على سبيل النُّدرة.
والجمهور يحكمون بشذوذه فلا يجوّزونه قياسًا، وحتى العاطفة تدخل على الاسم المفرد كما في: أكلت السمكةَ حتى رأسَها على تقدير النصب.
ويكون مدخولها بعضًا مما قبلها، فبعض النحاة عمَّ البعضية بكون بعضًا في الحقيقة أو شبهًا بالبعض المجاورة، لكن التعميم ليس بجيد لأن أصل حتى أن تكون جارة لكثرة استعمالها، فتكون العاطفة محمولة عندهم على الجارة، وإذا كانت محمولة عليها لم يستعملوها في معنييها جميعًا، ليبقى للأصل مزيّة على الفرع، وإنما استعملوها في أظهر معنييها، وهو كون مدخولها جزءًا لأن اتحاد الأجزاء في تعلق الحكم أعرف في العقل وأكثر في الوجوه من اتحاد المجاورين، هكذا في بعض الشروح.
واختلفوا في دخولها على الجملة الاسمية، فلذلك لم يذكر المصنف مثالًا لها.
وكذا في دخولها على الفعل سواء كان ماضيًا أو مضارعًا فقيل: في الأفعال تكون ابتدائية، لأن حتى لا تعطف على الجملة أبدًا، كذا في "شرح الرضي" و"شرح الألفية"، وهذا مذهب الجمهور.
وأمّا عند البعض، يجوز أن تكون حتى عاطفة في الفعل نحو: نظرتُ أو أنظر حتّى أبصرتُ أو أبصر.
فإن أبصرت أو أبصر معطوف بحتّى على نظرت أو أنظر لوجود الشرط المذكور، وهو كون المعطوف جزءًا من المعطوف عليه.
فإذا عرفت ما تلونا عليك علمت أن حتى في مثل قولك: جاءني زيد حتى عمرو ليست للجر، وجارة لفقدان الشرط المذكور فيهما، بل هي حرف ابتدائية، ذكره ابن يعيش.
[وقيل: هي مع الماضي جازة، وأنْ بعدها مضمرة، وقد مضى خ
لا
ف الزجاج وابن درستويه]
كلا
والسادسة: مبتدأ وخبره كلا، فيقال فيها حرفُ بالرفع: نائب عن فاعل يقال، مضاف إلى: ردع وزجر بالواو العاطفة.
تفسير للردع، فإن على التفسير جائز بالواو والفاء، وإن كان قليلًا، نصّ عليه الشريف في شرحه لـ"المفتاح".
هذا أي كون الردع مفسرًّا بالزجر عند سيبويه، وقال الزجاج: حرف ردع وتنبيه، وشَرَط أن يتقدم ما يرد بها في غرض المتكلم، سواء كان المردود من كلام المتكلم على سبيل الحكاية والإنكار، أو من كلام الغير، في نحو: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ.
كَلَّا﴾ أي لا تقل وليس الأمر كذلك فَعَلِم منه أنَّ متمم كلا محذوف لعدم استقلال الحرف، ويشعره قول المصنف: أي: انته عن هذه المقالة.
هذا تحقيق لمعنى الردع والزجر، وحرف تصديق.
قال عبد الله بن محمد الباهلي: إن (كلًا) يكون على وجهين:
أحدهما: أن يكون ردا لكلام ما قَبْلَها، ويجوز الوقف عليها، وبعده استئناف.
والآخر: أن يكون صلةً لكلام، فيكون بمعنى أي.
في نحو ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ أي والقمر.
وعن أبي بكر الأنباري، سمعت أبا العبّاس أحمد بن يحيى يقول: لا يُوقَف على كلا في جميع القرآن لأنها بمعنى انته، إلا في موضع وهو قوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ وهذه الرواية تشعر أيضًا
أن كلا فيها ليس للردع، لكن المفسرين لم يذكروا هذا المعنى أصلًا، بل قالوا: حرف للردع، وما ذكره المصنف فقليل نادر.
وبمعنى حقا، هذا مذهب الكسائي، إنما قال بمعنى حقًا، ولم يقل حرف بمعنى حقًا، إشارة إلى جواز كونها اسما إذا كانت بمعنى حقًا كما ذكره في بعض شروح "الكافية" وعلى تقدير اسميتها يكون مبنيًا لمشابهتها بالحروف لفظًا ومعنًى.
أو بمعنى ألا الاستفتاح، هذا مذهب أبي حاتم حيث قال: إنها تكون للاستفتاح وبمعنى حقًا، ووافقه الزجاج.
على خلاف في ذلك، أي كائنة على خلاف في كونها لمجرد الاستفتاح، قال ابن مالك في "التسهيل": ولا تكون كلا لمجرد الاستفتاح، خلافًا لبعض النحاة نحو ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ هذا يجوز أن يكون مثالًا لكونها بمعنى حقًا لا تطعه، أو لكونها بمعنى الاستفتاح يبتدأ الكلام بها غير ردع، وكونها بمعنى حقًا:
قال ابن الحاجب في "الأمالي": إطلاقه الاستفتاح عليها ليس بِأوْلى، لأنه ليس من دلالتها عليها.
انتهى.
فعلى هذا ذكرها مما جاء على ثلاثة أوجه يكون على الوجه الأول.
ووقع في بعض النسخ، والصواب الثاني، وهو كونها لمجرد الاستفهام.
لا بمعنى حقًا.
بكسر الهمزة نحو ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾.
هذا هو الدليل الادعائي في كونها للاستفتاح.
حاصله: لو كان بمعنى حقًا لما كُسِرَت إن، وهذا الاستدلال في غاية الضعف.
يرشدك إليه قول صاحب "التخمير" ناقلًا عن ابن دهان وهو الذي عليه أكثر العلماء: إن كَلا يحسن
الوقف عليها إذا كان رد الأوَل بمعنى ليس الأمر كذلك، ويكون ما بعدها مستأنفًا، ويحسن ا
لا
بتداء بها إذا كانت بمعنى ألا، وحقا كقوله -عز وجل-: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
لا
والسابعة لا، أي لفظة لا، فتكون نافية وناهية وزائدة.
إطلاق النافي والناهي عليها مجاز لأنها لا تنفي ولا تنهي، بل النافي والناهي هو المتكلم بها، ذكره التفتازاني في بعض تصانيفه، والنافية تعمل في النكرات عند البصريين، لأن (لا) لِنَفي فيه شمول، وذلك لا يحصل إلا إذا دخلت على النكرات، بخلاف ما، فإنها لمجرد النفي، فلذلك [تدخل] على النكرة والمعرفة، وأمّا عند الكوفيين يجوز أن تعمل في المعرفة في بعض المواضع نحو:
لا أبا حسن، ولا أبا محمد، ولا أنت لك، ونحو ذلك
فأجاب البصريون بتقدير التنكير أو يكون هذا الكلام مشبهًا بالشذوذ.
عَمَلَ إن كثيرا، لأن (لا) التي لنفي الجنس نقيض (إن) من حيث أنها للإثبات و (لا) للنفي.
ومن شأن النقيضان أن يستويا في الأحكام، فكان لكل منهما منصوب ومرفوع.
لكن مرفوعها لا يتقدم على اسمها, ولو كان ظرفا، لأنها محمولة على (إن) في العمل، فانحطت مرتبتها عن مرتبة أصلها، وقوله:
كثيرا يجوز أن يكون وصفًا لمصدر محذوف تقديره عملًا كثيرا، هذا مذهب سيبويه، وفي مثل هذا الموضع يجوز أن يكون حالًا كما ذكره في شرح "الألفية"، ويجوز أن يكون تمييزًا.
اعلم أن النحاة تارة قالوا: صفة لمصدر محذوف، وتارة منصوب على المصدرية فهما في معنى واحد، وإن كان لفظهما متغايرين، وأما إذا قيل: مصدر منصوب بفعل مضمر يكون المراد منه هو المصدر لا غير.
نحو ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فـ (إله): اسم (لا) لكن اختُلِفَ في حركته.
قال الأخفش والمازني والمبرد وأبو علي الفارسي هي حركة بنائية، والاسم المبني في محل النصب لكونه معمولًا لـ (لا).
وقال الكوفيون، والجرمي والزجاج: إنها حركة إعرابية، ونسب هذا القول إلى سيبويه، وخبرها محذوف، وهو موجود لأن خبر (لا) التي لنفي الجنس يُحذف كثيرًا إذا كان الخبر عامًا.
وبنو تميم لا يلفظونه إلَّا أن يكونَ ظرفًا، وعلى تقدير وجوده يحملون على الصفة، كذا قالوا وقال الأندلسي والحق أن بني تميم يحذفونه وجوبًا أو دل عليه قرينة، وإلا فلا يحذف رأسا.
و (إلا الله) مرفوع على أنه بدل من محل إله، وهو الرفع بالابتدائية على القاعدة الممهدة.
وهي: إن تعذر البدل عن لفظ المستثنى منه أُبْدِلَ عن الموضع، وذُكر في بعض شروح ذلك المتن.
وذهب قوم إلى أن (لا) لا يعمل في إله، وهو وحده في محل الرفع، فحينئذ يجوز أن يكون بدلًا من محل القريب.
وعمل ليس لمشابهتها في النفي والدخول على المبتدأ والخبر.
قليلًا، إعرابه كإعراب كثيرًا.
وعبارة "الكافية" و"اللب": وعمل (لا) شاذ فيلزم إمّا توجيه القليل بالشاذ، أو بالعكس، لأن الشاذ ما يكون على خلاف القياس، وان كان استعماله كثيرًا، والقليل ما لا يكون على خلاف القياس، وإن كان استعماله قليلًا، كذا في الجار بردي، وما وقع في بعض كتب العربية شاذ نادر، يوهم أنهما متحدان وليس كذلك، بل مراد أنه شاذ مع قلته، لأن الشاذ والنادر
واحد هذا، أي: عمل لا على مذهب الحجازيين وأما عند بني تميم لا يعمل (ما) و (لا) اللّذان بمعنى ليس.
وزعم بعض النحويين أنَّ (لا) أُجريت مجرى ليس في رفع الاسم خاصة، وقال بعضهم: لم يُسمع النصب، وخبره ملفوظًا، واستدل المصنف على رفع اسمها، ونصب خبرها يقول الشاعر.
وقال كقوله:
تَعَزَّ فَلَا شَيءٌ على الأرْضِ بَاقيًا [الطويل]
قوله: تَعَزَّ أمرٌ من تَعَزى يتعزى: انتمى وانتسب بنسبتك، والفاء في فلا للتعقيب مع الربط لشرط محذوف، وشيء في محل الرفع بـ (لا)، وباقيًا بالنصب: خبر لا، وعلى الأرض: متعلّق به، إذ يجوز تقديم المعمول على العامل في اسم الفاعل والمفعول، كما في الفعل دون الصفة المشبهة والمصدر إن لم يكونا نائبين عن الفعل، وأفعل التفضيل على الخلاف، ويجوز تقديم معمول أسماء الأفعال خلافًا للكسائي، فإنه أجاز فيه ما يجوز في الفعل من التقديم والتأخير.
ونقل بعض النحاة هذا الخلاف عن الكوفيين.
والنّاهيةُ: بالرفع عطف على النافية، هذا أحد أوجهها, ولو قال: والطّلبية كما وقع في "الارتشاف" لكان أحسن ليشمل لـ (لا) الناهية والتي للدعاء.
تجزم المضارع، زعم صاحب "التسهيل" أنَّ (لا) التي تجزم المضارع هي (لا) التي لنفي الجنس، والجزم في الفعل بلام الأمر مضمرة قبلها، فَحُذِفت لكراهية اجتماعهما في اللفظ وزعم بعض النحاة أن أصلها لام الأمر زيدت عليها ألف، فانفتحت لأجلها، والحق أنها أصليَّة، والجزم في الفعل بها.
اعلم أن الفصل بينها وبين معمولها لا يجوز إلا بفعل نحو: لا اليوم تأكل طعامًا.
وقيل: لا يجوز مطلقًا إلا لضرورة، ويجوز حذف الفعل بعد لا الطلبية إذا دل عليه دليل كقولك: اضرب زيدًا
إن
ساء وإلا فلا تضرب، لكن يحتاج ذلك إلى السماع، وإنما قال تجزم المضارع ليشمل نهي المخاطب نحو.
﴿لَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أي: لا تمنن بعبادتك مستكثرًا بها، والغائب نحو ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ والزائدة، وهي التي دخولها في الكلام كخروجها بالنسبة إلى النّفي، لأنها لا فائدة فيها أصلًا، لأنها تفيد توكيدًا ولا يعد عبثا.
لا يجوز ذلك في مثل كلام الفصحاء، لاسيما كلام الباري سبحانه، فتزاد قليلًا قبل أقسم، ومع واو العاطفة بعد النفي لفظًا نحو: ما جاءني زيدٌ ولا عمروٌ أو هو معنىً نحو: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ , وبعد أن المصدرية نحو: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ كما: أي جاء أن تسجد بدون (لا) في موضع آخر من القرآن، وشذت زيادتها مع المضاف، وبعد مِنْ والباء واللام، وتجيء (لا) أيضًا للعطف لكن المصنف لم يذكرها، إما بناءً على أنها داخلة في النّافية أو لقلة استعمالها.
ما يأتي على أربعة أوجه
النوع الرابع: ما يأتي على أربعة أوجه، وهو أربعة.
الضمير عائد إلى ما، فتذكيره بحسب الظاهر.
لولا
أحدها: أي ما جاء على أربعة أوجه، فتأنيث الضمر باعتبار كون (ما) عبارة عن الكلمة.
لولا.
اعلم أن لولا مركبة من (لو) و (لا)، ولو قيل: والتركيب يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، ولا للنفي الامتناعُ نفي في المعنى، والنفي إذا دخل على النفي صار إيجابًا فمن هنا صار معنى لولا هذه يمتنع بها الشيء لوجود غيره، كما في: لولا علي لهلك عمرو، وليست هذه هي التي للتخصيص لاختلاف معنى البابين، لأنها إذا كانت للتخصيص، تكون لارتباط الجملتين على معنى أن الثانية، امتنع مضمونها [لحصول] مضمون الأوّل.
فيقال فيها هي أي في لولا تارة حرف يقتضي، الجملة الفعلية: صفةُ حرفٍ امتنع جوابه لوجود شرطه، الضميران راجع إلى الحرف من غير تأويل.
هذا موافق لما وُجد في أكثر كتب النحو، وأمّا ما ذكر في "التسهيل": امتناع جوابه لوجوب شرطه، فيكون مقابلًا لـ (لولا) الامتناعية بخلاف الأول، فإنه يعم.
وتختص لولا هذه بالجملة الاسمية المحذوفة الخبر, هذا الاختصاص، وكونها محذوفة الخبر على رأي من يقول: إن الاسم الواقع بعد لولا مرفوع بالابتداء كما مذهب البصريين.
وأما على [قول من] قال: إنه مرفوع بنفس لولا، وهو مذهب الفراء.
وفاعل فعل محذوف كما قال الكسائي، فليس كما ذكرنا، لأنها على كلا القولين لا تدخل على المبتدأ غالبًا، أي أكثريًا.
هذا قيد لكونها محذوفة الخبر لا لتخصيصها بالجملة الاسمية، لأن دخولها على الجملة الاسمية واجب عند البصريين.
وظاهر هذا القول يدل على أن مختار المصنف مذهب الرماني، والشجري، والشلويين، لأن عندهم لم يجب حذف الخبر مطلقًا، بل يجوز إظهاره إذا كان الخبر خاصًا، لأن سبب امتناع الثاني إن كان وجودًا للأول فحسب، فالحذف لازم، وإن كان أمرًا خاصًا صفة للأوّل زائدة على وجوده،
فلابد من إثبات الخبر نحو: لولا زيد يدفع عدوّه لأهلكه، بخلاف سائر النحاة.
فإن خبر لولا عندهم يحذف مطلقا لدلالتها على الخبر مع قيام جوابها موضعه، ولو ظهر ليُؤوِّل بأن يجعل الأمر الخاص حالًا, وعامله الخبر المحذوف، أي لولا زيد موجود دافعًا عدوه لأهلكه.
والحق أن نظرًا للأول أدق, لأن هذا التقدير زائدة على قدر الضرورة، و [لمجيء] ما يتعين أن يكون خبرًا بعد لولا، كقوله -عليه السلام-:
"لولا قومك حديث عهدهم، لأسست البيتَ على قواعد إبراهيم".
وقال أبو البقاء: هذا أي كون الخبر محذوفا إذا لم تقع بعدها إن، فإن وقعت أظهر الخبر لليس كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾.
نعم لو قيل: مراد المصنف من قوله: غالبًا، أن يقال: عند الأكثر لكان مذهبه مذهب الجمهور، كان غالبًا قيدًا لـ (الكلّ) لكن لا يكون حق العبارة هكذا فليتأمّل.
نحو: لولا زيد لأكرمتك.
يعني وجود زيد يمنع إكرامي منك، فلولا هذه تحتاج إلى جواب بـ اللام، ولا يجوز حذفها من جوابها، لكن قد تُحذف مع الجواب، وإنّما لزم دخولها في جوابها لأنها غير عاملة بمنزلة (لو) فدخلت تأ كيدًا للربط.
وتارة حرف تحضيض أي: تحريض، يقال: حضه أي: حرّضه كذا في الجوهري.
وعرض، بعد أحد الوجوه الأربعة، وإنَّما لم يقل تارة كما في السابق واللاحق إما لاشتراكهما في الاختصاص بالمستقبل أو للإشعار إلى قلة كونها للعرض.
أي طلب بإزعاج أي: بعنف أو طلب برفق، وهذا ضدّ العنف، يقال: رَفُقَ بضمّ العين يرفَقُ بفتحها، وحكى أبو زيد: رفقته، وأرفقته بمعنى كذا في "الصحاح".
قوله: أي طلب بإزعاج، تفسير لـ (لولا) التحضيضية.
وقوله: أو برفق، تفسير لـ (لولا) التي للعرض.
فإذا علمتَ ما [تلونا عليك] عرفت أن قوله: وعرض ليس عطف تفسيرٍ لتحضيض بل بيان أحد أوجهها كما قلنا.
فلولا هذه إذا دخلت على المستقبل يكون للتحضيض, وإذا دخلت على الماضي ولا تكون للتَّنديم والتوبيخ بل للعرض، فيكون الماضي في حكم الاستقبال.
نصّ عليه الشيخ الرضي.
وقال بعض النحاة: إذا لم يكن في الماضي للتوبيخ، يكون للاستفهام أو للتحضيض أو للعرض، لكن الأكثر على ما قاله الشيخ الرضي.
فتختص.
يقال خُصّت بالشيء خَصُوصًا وخَصُوصية، بفتح الخاء المعجمة والضم، لكن الأول أفصح، أي تختص لولا التي للتحضيض والعرض بالمضارع إذا كانت للتحضيض، أو ما هو في تأويل المضارع إذا كانت للعرض.
نحو ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾، مثال التحضيض.
و: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [مثال] للعرض، فتمَّ اللفُّ والنشرُ على الترتيب الذي وجهنا، فلو لم يكن مراد المصنف على ما قلنا لكان مخالفًا لجمهور النحاة وأهل المعاني ولَشوش الأمرَ في عدها مما جاء على أربعة أوجه، وجوّز بعض النحاة دخولَ لولا هذه الجملةَ الأسميةَ نحو: لولا زيد قائم.
وتارة حرف توبيخ أي: تهديد، فتختص بالماضي لفظًا ومعنى نحو ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ أي: هلا منعهم من الهلاك آلهتهم الذين يتقرّبون بهم إلى الله حيث قالوا: شفعاءَنا عند الله, وقيل: الإبهام لتحقير المقول، ويرشدك إليه أحد
قوله في صدد الردّ.
وقال الهروي: قد يكون للاستفهام.
نحو ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾.
أي: هلا أخرتني.
و ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾.
أي: هلا أنزل إليك ملك كما رأي أكثر المفسرين.
قال الهَرَوي بفتح الهاء والراء المهملة: والظاهر: الواو إما زائدة لتأكيد اللصوق بين القول ومقوله، أو ابتدائية! أنّها في الأول أي في: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ للعرض، وفي الثاني أي في: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ للتحضيض.
فـ (لولا) لا تكون للاستفهام عنده.
وزاد الهروي معنىً آخر، وهو أن تكون نافية بمعنى لم.
هذا التعبير موافق لما وقع في "التسهيل" حيث قال: وقد يلي الفعل (لولا) غيرُ مفهمة تحضيضًا فَتُؤول بلو لم.
انتهى وما وقع في "الارتشاف" وقد تكون (لولا) نافية بمعنى (ما).
قال شارح "الألفية":
فـ (لولا) هذه ليست بمركبة بل (لو) على حالها، و (لا) نافية للماضي.
وجعل الهروي منه كونها نافية ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ وجملة ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾ مفعول لجعل.
وقوله: أي لم يكن قرية آمنت.
تفسير لكونها بمعنى النفي، قوله: والظاهر أن المراد فهلا ردٌّ لما قال الهروي، وهو أي: كونها بمعنى هلا قول الأخفش
والكسائي والفراء، ويؤيّده أي كونها في هذه الآية بمعنى هلا قراءة أُبيّ وعبد الله بن مسعود ل
أن
القراءة يُسْتَدَلُّ ببعضها على بعض كالروايات.
فهلا في محل النصب على أنه مفعول للقراءة.
ويلزم من ذلك، أي من كونها بمعنى هلا معنى النَّفي الذي ذكره الهروي، فيكون على بابها من التوبيخ لا خارجة عنها، واستدل على صحة مدّعاه بقوله:
لأن اقتران التوبيخ بالفعل الماضي يُشعر بانتفاء وقوعه، أي وقوع الفعل فلا يكون النفي موضوعًا لها، بل لازمًا للتوبيخ.
إن
ْ
قوله الثانية: مبتدأ، وإنْ في محل الرفع خبره، والمكسورة بالرفع صفتها والمخففة صفة بعد صفة لها، فيقال فيها: شرطية للاستقبال سواء دخلت على الماضي نحو: إنْ أكرمتني أكرمتك، يعني: إن وقع إكرامي منك في الاستقبال، وقع مني إكرامك فيه.
فلهذا قال أكثر النحاة: إن أردت إبقاء معنى الماضي جعلت فعل الشرط لفظ كان أو على المستقبل نحو ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ بالجزم جزاء الشرط.
وحكمها أن تجزمَ الفعلين، فعل الشرط والجواب، وهذا القول يشعر إلى تمهيد المقدمتين.
أحدهما أنَّ حقّ الشرط والجزاء أن يكونا فعلا، وإن جاز كون الجزاء مبتدأ وخبرًا.
والثاني: أن يكونا مجزومين، وإن جاز الرفع إذا كان الجزاء مضارعًا عند كون الشرط ماضيا.
اعلم أنّ الجزاء إذا كان مضارعًا أو في تأويل، لا تدخل عليه الفاء، وأما إذا كان
أمرًا أو نهيًا أو ماضيًا صريحًا أو مبتدأ أو خبرًا، فلابد من الفاء، وقد يحذف في الشذوذ وإنّ (إنْ) هذه تستعمل في مشكوكِ الكونِ، وكذلك قبيح: إن احْمَرَّ البُسْرُ وأمّا إذا كان محقَّق الوقوع، غير معلوم الوقت، فيحسن استعمالها نحو: إن مات فلان.
ونافيةٌ بالرفع عطف على (شرطية)، فتدخل على الجملة الاسمية: [نحو] إن زيد قائم.
والفعلية سواء كان الفعل مضارعًا نحو: إن يقم زيد، أو ماضيًا نحو قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ وقوله: من قال لا تكون إن نافية [إلَّا أن] يكون بعدها (إلا) فمردود.
ويدل عليه بقول المصنف نحو: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي: ما عندكم، فـ (إن) داخلة على الجملة [الفعلية عند من قدر الفعل في الظرف، وعلى الجملة] الاسمية عند من قدّر المفرد، وأهل العالية يعملونها عمل ليس.
قال في "المفصل": (إنْ النافية لا تعمل عمل ليس عند سيبويه، وأجازه المبرد) ونُقل عن "التسهيل" عكس ذلك نحو قول بعضهم: إن أحد خيرًا من أحد إلَّا بالعافية، فأحد بالرفع: اسم إِنْ، وخيرًا بالنصب خبرها، هذا عند البعض.
وأمّا عند أكثر النُّحاة، أحد: مرفوع بالابتدائية، وخير بالرفع: خبره، وإن داخلة على الجملة الاسمية.
وقد اجتمعا، أي: الشرط والنافية في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
فإنْ في (ولئن) للشرط، واللام لتوطئة القسم (لفظًا وتقديرًا، ولام توطئة القُسم) هي التي تدخل على الشرط بعد تقدّم القسم لفظًا أو تقديرًا تؤذن أن الجواب للقسم لا للشرط، وليست جواب القُسم، وإنما الجواب، ما يأتي بعد الشرط فإن قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ للنفي، والجملة المنفية تَسد مَسد الجوابين، أعني جواب الشرط [والقسم لكن حكم القسمِ غالب على الشرط فيكون جواب القسم.
لفظًا وجواب الشرط] معنى، كذا في "شرح المفصل".
ومن في أحد زائدة في غير الموجب، وأحد: فاعل أمسك.
ومخففة من الثقيلة في نحو: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾.
اللام الأولى لتوطئة القسم، والثاني للتأكيد، أو بالعكس.
و (ما) زيدت بينهما للفصل على قراءة من خَفَّف (لما) في قراءة من خفف النون في إن، وهو ابن كثير ونافع، ولم يتعرض إلى التخفيف (لما) في هذه الآية لأن كُلًا منصوب، فعلم منه أن (إن) مخففة من الثقيلة، فعلى القراءتين لا يحتاج إلى الاستدلال باللام الفاصلة.
ويقال: إعمالها إعمال إنّ المشددة، (أي كإعمال إن المثقلة) في نصب الاسم ورفع الخبر كهذه القراءة، أي: قراءة التخفيف مع إعمالها، ومنعه الكوفيون.
لكنه مسموع عن العرب حكاه سيبويه والأخفش.
ومن إهمالها نحو ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ على قراءة من خفف (لما).
فإن لفظة كلُّ بضم، فيحتاج إلى الفارق، فعلى قراءة التخفيف تكون اللام فاصلة و (ما) مزيدة.
وأمّا [مَن] شدد (لما) فهي، أي: إنْ، عند، أي: عند من شدّد، وهو: ابن عامر وحمزة وعاصم.
نافية، لأن لما المشددة التي بمعنى إلَّا تكون بعد النفي.
اعلم أنّ (إنْ) المخففة تُفَرّق من غيرها بدخول اللام [في خبرها] ويلزم تلك اللام عند ابن الحاجب، مع الإهمال للفرق، ومع الإعمال للطرد، وعند ابن مالك منع الالتباس.
حيث لم يظهر الإعراب في أسمائها لكونها مبنيًا أو مُعْرَبًا بإعراب تقديري، وإنّ (إنْ) الشرطية لا تحتاج إلى اللام نحو: إن زيد لقائم، هذا عند البصريين.
وبعض الكوفيين يقولون: إنَّ (إنْ) في مثل هذا المثال نافية، واللام بعدها بمعنى إلَّا فمعناه: إن زيد لقائم، ما زيد إلَّا قائم، وإن (إنْ) النافية يفرق بإلا التي للاستثناء، أو بـ (لما) المشددة التي بمعنى (إلا)، فإن لم توجد هذه الشروط يفرق بقرينة المقام.
وزائدة بعد (ما) المصدرية نحو: ما إن جلس القاضي، وبعد لما نحو: لمّا إن قام زيد قمت قليلًا، وألا الاستفتاحية، وما الكافة كثيرًا في نحو: ما إن زيد قائم.
فما نافية، وإن زائدة لتأكيد النفي.
وكافة لـ (ما) الحجازية عن العمل، وذهب بعض الكوفيين إلى جواز النصب، وحكى يعقوب ذلك، ولما كانت (ما) زائدة في بعض المواضع، و (إنْ) كذلك أراد أن يبين قاعدة ليُعلم أنهما إذا اجتمعتا أيها زائدة فقال: وحيث اجتمعت (ما) و (إن) فإن تقدمت (ما) على (إن) فهي أي: الـ (ما) المكفوفة نافية، وان زائدة وكافة، هذا عند أكثر النُّحاة، وأما عند رأي الأخفش: (إنْ) تأكيد لفظي ترادف لـ (ما) النافية تحاميًا عن شائبة [التكرار] نصّ عليه في بعض حواشي "تفسير القاضي" ونقل العلامة هذا القول عن الفراء.
وإن تقدّمت (إن) على (ما) فهي شرطية، أي: شرطية، وما زائدة مؤكدّة نحو: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ أصله: إن ما، فإنْ حرف شرط، وما زائدة للتأكيد، أدغمت النون في الميم بعد قلبها ميما، ثم فُتِحت لدفع الالتباس بـ (إمّا) العاطفة مكسورة في المشهور، إن حُكِيَ عن قُطرب فتح همزتها، فصار إمّا.
وكذا عُدت زائدة في مثل: إنما زيد قائم، لكن الأوْلى
أن
[لا] تحكم بزيادتها.
وتزاد أيضًا بعد إذا ومتى وأنى وأين وكيفما وإذما.
إلَّا على قول
من
قال باسميتها، وبعد بعض حروف الجارة، وهي [الباء] من وعن والكاف، ويجوز زيادتها بعد لام التعليل ولام الفاصلة، وبين غير ومثل ومضافهما بالندرة.
وتزاد لتأكيد النكرة في شياعها كقولك: جئتُ لأمر ما.
أنْ
والثالثة: أن المفتوحة الخفيفة، وهي بفتح الهمزة وسكون النون، ثنائي الوضع فيقال فيها: حرف مصدري يؤول مع مدخولها بالمصدر، فلهذا وقعت مبتدأً وخبرًا تنصب المضارع، وتخلصه للاستقبال، مثلًا إذا قلت: أنْ تأتِني خيرٌ لك، لم تقصد إلا إتيانًا يقع في زمان الاستقبال.
نصّ عليه الشيخ عبد القاهر الجرجاني في "شرح المائة".
في نحو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وبعض العرب يرفع الفعلَ بعدها.
فلهذا رُوي عن مجاهد رفع