شرح قواعد الإعرابصفحات 121-160

الباب الثالث] [في تفسير كلمات يحتاج إليها المُعْرِب

صفحات 121-160

(يتمُّ) في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
اعلم أنّ (أنْ) المصدرية تدخل على الجملة الفعلية، فتجعلها في تأويل المصدر، سواء كان الفعل مضارعًا أو ماضيًا، فلهذا ذكر المصنف مثالين.
ونحو: أعجبني أنْ صُمْتَ، أي: صيامُكَ.
وزائدة في نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾.
قال الجوهري: أنْ هنا مفسرة، وكذا حيث وقعت بعد لمَا، فإنها تُحذف كثيرًا بعد لمْا، وبين (لو) والقسم نحو: والله أنْ لو قام زيد قمت، وقليلًا مع الكاف [نحو]: كأن ظبية تَعْطُو إلَى الناضر السَّلَمْ [الطويل].
على تقدير رواية الجر في ظبية، وأنْ هذه لا تعمل عند الجمهور خلافًا للأخفش.
واستدل بالسماع كقوله ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
وبالقياس على حروف الجر، ولا حجة في ذلك لكونها في الآية مصدرية، ولكون الفرق بينها وبين حرف الجر، أنّ اختصاصه باقٍ مع الزيادة بخلاف أنْ، فإنها قد وليها الاسم.
ومفسرة في نحو: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ , فجملة: أنِ اصْنَع الفُلكَ: تفسير الوحي، وكذا حيث وقعت بعد جملة فيها معنى القول دون حرفه، أي غير حرف القول فأن المفسرة لا تقع بعد القول إلَّا إذا كان مؤولا.

دان يَدُون دُونًا بالضم: صار خسيسًا، وبالفتح مجتمع الصحف والكتاب الذي يكتب بها أهل الجيش، والجمع دواوين، والدون بالضم: نقيض فوق فيكون ظرفًا، وبمعنى أمام ووراء وفوق ضد تحت، وبمعنى غير، وتدخل على دون: مِن والباء قليلًا، كذا في القاموس.
قال مولانا سعد الدين في "شرح التلخيص": دون في الأصل: أدنى مكانًا من الشيء.
يقال: هذا دون ذلك إذا كان أحط منه قليلًا، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والترتيب مثل: زيد دون عمرو في الشّرف.
ثم اتبع فيه ما استعمل في كل تجاوز حد إلى حد, وتخطي حكم إلى حكم.
وقوله في الأصل: ناضر إلى كونها نقيض فوق.
ولم يقترن عطف على وقعت بخافض، وإنما قيد بِهِ لأنها إذا قرنت خرجت من كونها مفسرة ستعرف، وليس منها.
أي: وليس من (أنْ) التفسيرية في قوله تعالى: ﴿آخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن المتقدّم عليها، أي على أنْ، غير جملة، لأنه مبتدأ لا خبر معه، فتكون أنْ مخفّفة من الثقيلة، واسمها محذوف، وهو ضمير الشأن، إذ لا يجوز أن تكون مصدرية، لأنها لا تدخل على الجملة الاسمية.
قال أبو سعيد السيرافي: إن التي تكون مفسرة تحتاج إلى ثلاثة أشياء: أولها: أن يكون في الفعل الذي تفسره معنى القول، وليس بقول.
والثاني: أنّه لا يتصل به شيء من صلة الفعل الذي تفسره لأنه إذا اتّصل بـ شيء من صلة الفعل صار من جملة، ولم يكن تفسيرًا له.

والثالث: أن يكون ما قبلها كلامًا تامًّا، وما بعدها جملة تُفَسر جملة ما قبلها.
ولا نحو: كتبتُ إليه بأنِ افعل كذا؛ أي لا تكون أنْ مفسرة، لدخول الخافض عليها، فيكون من جملة صلة الفعل، فلا يكون تفسيرًا له، فإن أمّا مخففة من أن، واسمها محذوف وهو ضمير الشأن، أو مصدرية، وعلى التقديرين تكون الباء متعلقًا بكتبت، فيكون مدخوله مفعولًا غير صريح له.
وقول بعض العلماء في: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾.
فـ (قول): مبتدأ، ومفعول جملة (أنها مفسرة)، أي في أنِ اعبُدُوا الله مفسرة، وخبره إنْ حُمِل على أنها مفسرة لأمرتني دون قلت مُنِعَ: مبني للمفعول جزاء الشرط.
منه الضمير راجع إلى مصدر فعل الشرط، أي من هذا الحمل لأنه لا يصح.
يقلل المنع: أن يكون أن اعبدوا الله ربي وربكم مقولا، خبر كان، لله تعالى، لأن الأمر مسند إليه، فلا يصح أن يقول: أنِ اعبدُوا الله ربي وربكم وهو ظاهر.
أو على أنّها مفسرة لقلت أي: وإن حمل على أنها مفسرة لقلت فجملة.
فحروف القول جزاء الشرط، وإنَّما دخل عليه الفاء لكونه جملة اسمية، تأباه لما عرفت أنّ أنْ لا تكون مفسرة بعد القول، على أنه يجوز أن يحكى القول من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير، بأن يقول: ما قلتُ إلا اعبدوا الله ربي وربكم، وإنما قال: تأباه إشارة إلى أنه يجوز بالتأويل، وجوزه أي جوز كونها مفسِّرة الزمخشري إن أوّل قلت بأمرت.
فكان المعنى: ما أمرت لهم إلَّا ما أمرتني به أن اعبدوا الله فتكون أن مفسرة لعدم وقوعها في الحقيقة بعد القول؟ وجوّز مصدريتها، أي جوز الزمخشري في هذه الآية كونها:

حرفًا مصدريًا، على أن المصدرية وهي العبادة التي هي حاصلة، أن اعبدوا الله: عطف بيان للهاء في به لا بدل لأنّ تقدير إسقاط الضمر يجعله مبدلًا منه يخلي الصلة، وهي جملة أمرتني، من ضمير، لأنّ المُبْدَل منه في حكم السقوط لأنّه غير مقصود، وذلك لا يجوز.
والصواب العكس، أي عكس ما قال الزمخشري، وهو تصوير البدليه وتضعيف البيانية، لأن البيان كالصفة فلا يتبع الضمير.
هذا اختيار ابن مالك، لكن الحق أن الضمير الغائب غير ضمير الشأن يُعطف عليه بيان, نصّ عليه شارح اللبّ.
والعائد المقدر (يجوز حذفه)، هذا جواب عما قال الزمخشري، وهي إخلاء الصلة عن الضمير.
موجود لا معدوم، فلا يلزم بقاء الصلة بلا ضمير، ولهذا جوّز البيضاوي الوجهين حيث قال: أنِ اعبد الله: عطف بيان للضمير في به، أو بدل منه انتهى وفي تفسير المصنف قصور لا يخفى على ذي مُسْكة، لأنّ النحاة فسّروا المحذوف بقولهم: هو الذي يقدره وجوده، بل الوجه أن يقال: ليس المراد من كون المبدل منه مقصودًا إهداره وإخراجه بالكلية، بل إيذان منهم باستقلال البدل بنفسه فلا يكون في حكم السقوط حتى يلزم إخلاء الصلة عن الضمير.
ولا يصحّ أن تبدل أن مع ما يتصل به إذا كانت مصدرية من (ما) في أمرتني لأن العبادة التي هي حاصل أن اعبدوا الله.
لا يعمل فيها فعل القول، لأن معمول القول لا يكون إلَّا جملة، وإضافة الفعل إلى القول بيانية يدل عليه قوله: وهو قلت.

هذا على رأي مَنْ قال: إن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه لا غير، وأمّا على من جوز في عامل البدل كونه من جنس عامل المبدل منه، فلا محذور لجواز أن يكون العامل في العبادة هو أمر الذّي من جنس القول.
نعم إعلام المقدر، وتصديق لما في النفس، وهو هل يجوز كونها بدلًا فصدّقه قال: نعم يجوز، إن أوَّلَ قلْت بأمرتُ لزوال المحذور وهو أنْ العبادة لا تصحّ أن تكون معمولًا للقول.
ولا يمتنع في: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي﴾ أن تكون مفسرة، وجملة أن يكون مفسرة، فاعل يمنع.
مثلها، أي مثل هذه الآية أن تكون أن مفسرة، فمثل مبتدأ، وخبره: في ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ وإنما أوردها مع أن الكلام تقدم فيها إعلامًا على أن المانع يمنعُ كونها مفسرة في هذه الآية أيضًا، فقال: خلافًا لمن منع ذلك، أي كونها مفسرة.
والمانع هو الرّازي حيث قال: فالوحي هنا الإلهام بالاتفاق، وليس في الإلهام معنى القول، وإنما هي مصدرية [وذكر أبو البقاء أنها مصدرية] في الآيتين وتعليل مدعاه، وهو أن تكون أن مفسرة في الآيتين بقوله: لأن الإلهام في معنى القول إشعار بأن إنكاره في مثابة إنكاره البديهي، لأن المشاجرة بين الخصمين لا تكون إلَّا في كون الإلهام بمعنى القول.
ومخفّفة من الثقيلة.

اعلم أنَّ (أنْ) تعمل في ضمير الشأن المقدر على سبيل الوجوب، وشذّ في غيره، وإن حكى بعض أهل اللغة في الضمير سعة مطلقًا، وجوّز بعض شيوخ المغاربة إعمالها من المُظْهَرِ مطلقا من غير ضعف، وبعضهم في الشعر على ضعف ضرورةً.
وعند سيبويه يجوز أن يكون ملغى لفظًا أو تقديرا، فتكون حرفًا مصدريا لا تعمل بشيء.
في نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾، فأنْ هنا مخففة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا، وإنما قلنا مخففة لأنها للتحقيق، فيناسب العلم، بخلاف (أنْ) المصدرية فإنّها للطّمع والرّجاء، ومن هنا يُعلم أن (أنْ) كلّما وقعت بعد العِلْمِ تكون مخففة، وبعد الظن يحتمل الوجهين، ولهذا قيدَ ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ بقوله في قراءة الرفع, لأن الحسبان يجوز أن يكون بمعنى العلم، فتكون أنْ مخففة، وبمعنى الشك والظن، فتكون مصدريه.
وكذا أي: تكون أن مخففة كما في علم أن سيكون، حيث وقعت بعد علم أو ظن نزل منزلة العلم.
والحاصل أنَّ (أنْ) إذا وقعت بعد ظن تستعمل في معنى العلم تكون مخففة جزمًا وإذا وقعت بعد ظن تستعمل في معناه الحقيقي.
يجوز الوجهان لأن الظن باعتبار [رجحان الفعل شابه العلم وباعتبار] احتمال النقيض كان مخالفا للعلم.
فالحق: سائر الأفعال التي تقع بعدها مصدرية.

اعلم أن (أنْ) المخففة تدخل على الجمل الاسمية نحو: أنْ هَالِك كُلُّ مَنْ يَحْفَى [ويَنتعِلُ] [البسيط] وعلى الجملة الفعلية الشرطية كقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾.
وعلى الفعل غير المتصرف نحو: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
ولا يحتاج إلى الفارق لأنّ (أنْ) المصدرية لا تدخل عليها، وتدخل على الفعل المتصرف، فيلزمها [السين] نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ أو سوف كقول الشاعر: واعْلَمْ -فَعِلْمُ المرءِ يَنْفَعُهُ- ... أنْ سوفَ يَأتي كل ما قُدِرا [السريع] أو قد نحو: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ولزوم هذه الأمور الثلاثة للفرق بين المخففة والمصدرية، وليكون عوضًا من النون المحذوفة.
أو حرف النفي نحو: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾.
وليس لزوم حرف النفي إلَّا ليكون عوضًا عن النون، فإنَّه لا يجيء لمجرّد الفرق، لأنّه يجتمع مع كل واحد منهما فالفارق بينهما إمّا [من] حيث المعنى، لأنّه عنى به الاستقبال، فهي المخففة، وإلا فهي المصدرية، وإما من حيث اللَّفظُ، لأنَّه إن كان الفعل المنفي منصوبًا فهي المصدرية، وإلا فهي المخففة.

كذا ذُكر في بعض شروح الكافية

لكنّ الحق عندي أن يكون الفرق بمعونة المقام، لأن ما ذكره

من

الفرق المعنوي ليس بفرق لما عرفت فيما سبق، أنَّ (أنْ) المصدرية إذا دخلت على المضارع تخلصه للاستقبال.
وكذا الفرق اللفظي، لأن الإعجام يترك كثيرًا، والسماع غير ممكن في الجميع.
"مَنْ" والرابعة (مَنْ) فتكون شرطية تجزم الفعلين، في نحو ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ مَنْ: حرف شرط، فيعمل: فعل الشرط، ويُجْزَ بِهِ: جزاء الشرط، وهما مجزومان بِمَنْ.
اعلم أن (مَنْ) في المجازاة لا تكون إلا مبتدأً غير واقع عليها العامل، إلَّا أن يكون العامل حرف جر في صلة حرف الشرط، أو اسمًا مضافًا قد عمل فيه حرف الشرط، أو مبتدأ مضافًا، فإن وقع عليها العامل قبلها من غير ما ذكرنا، بطلت المجازاة، وصارت بمعنى الذي.
وتكون موصولة، وهي اسم بالاتفاق، وتختص بأولي العلم غالبًا، وقد تستعمل في غيره كما في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾، فيكون بلفظ واحد في المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، وذِكْرُ لفظه, والحمل عليه كثير، وقد يُحمل على المعنى.
في نحو ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ فَمَنْ: موصول، والجملة الفعلية وهي: (يقول) صلة، والعائد الضمير المستتر.

وتكون استفهامية، فيطلب بها العارض المشخص لذي العلم هذا هو المشهور، وقال صاحب "المفتاح" للسؤال عن الجنس مَن، أي ذوى العلم في نحو: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾؟ ومَنْ هنا استفهامية على تقدير قراءة (بَعَثَنَا) فعلا، وأمّا إذا قرئ مصدرًا فتكون (مِنْ) جارّة.
ونكرة موصوفة بصفة تليها في نحو: مررت بِمَن مُعجِب لك، فمن موصوفة، ومعجب بالكسر: صفتها، ويجوز رفعه على تقدير: هو معجب، والجملة صفة من و (لك): متعلّق بمعجب أو بإنسان تفسيرٌ بمن الذي بني عن الإنسان ولما كانت مَنْ نكرة فسرت بالنكرة، وأجاز أبو علي الفارسي والفراء؛ أن تقع نكرة تامة، أي لا تحتاج إلى صلة قيد، فسره بكونها نكرة لأن (مَنْ) التامة معرفة إلَّا في فعل التعجب، فإنها نكرة فيه، وأمّا (مَنْ) التامة فمعرفة وحمل أبو علي عليه، أي على كونها نكرة تامهّ قوله، أي: قول الشاعر: ونِعْمَ مَن هُوَ في سرٍّ وإعْلَان [البسيط] فَمَنْ فاعل نعم، وهو مخصوص له، أي نعم شخصًا هو.
هذا التفسير على رأي أبي علي، وأما عند سيبويه تقديره: نعم الشخص شخصًا هو, وإنّما فسرنا بذلك لأنَّ فاعل نِعْمَ إمّا معرف بلام العهد أو الجنس، على اختلاف القولين أو

مضاف إلى المعرف، أو المضاف إليه مُظهرًا أو مُضمرًا، مُميزًا بنكرة معنوية، فلما كانت مَنْ نكرة لا يصلح الفاعل مميزا له، وهو الشخص.
والمصنف لم يتعرض إلي قول أبي علي بالرد، وهو دليل [قبوله فشوّش] عدها مما جاء على أربعة أوجه.
اللهم إلا أن يجعل كونها نكرة أعم من كونها تامة كما هو عند أبي علي الفارسي.
أو موصوفة كما هو عند الك

ل، و

إن كان استعمالها مغايرًا.

ما يأتي على خمسة أوجه

النوع الخامس: ما يأتي على خمسة أوجه وهو: الضمير (إمّا عائد) إلى ما أو إلى النوع [وهو] شيئان أحدهما

أي

: أحد الشيئين.
"أيٌّ" أي وهي تستعمل لذي العقل وغيره، فتقع، الفاء: تفسيريه، أو لربط الجزاء كما مر غير مرة.
شرطية بالنصب [مفعول] يقع نحو: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ فأي: اسم شرط منصوب بقضيت.
وما زائدة مؤكدة، وقيل: نكرة، والأجلين: بدل منها، وفلا عدوان: جوابها.
واستفهامية: عطف على شرطية، أي فتقع استفهامية نحو ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ فأي: مبتدأ مضاف إلى الضمير، وزادته: خبره، ويجوز أن تكون بالنصب على شرطية التفسير.

وزاد قد يجيء لازمًا، يقال: زاد الشيءُ.
وقد يتعدّى إلى مفعولين كما في هذه الآية، فالضمير المتصل: مفعوله الأول، وهذه: فاعله.
وإيمانًا: مفعوله الثاني.
وموصولة خلافًا لثعلب، فإن في زعمه لا تكون (أي) موصولة، وقال بعض النُّحاة، وهو أحمد بن يحيى: إنها لا تستعمل إلا شرطًا واستفهامًا، وهما محجوج عليهما لثبوتها في لسان العرب نحو ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فأي: موصول مبني على الضم لكون صدر صلتها محذوفًا.
والمصنف أشار إليه وفسَّر بقوله: أي الذي هو أشَدَّ.
وقرأه طلحة بن مُصرف ومعاذ بن مسلم الهراء, وهو أستاذ الفرّاء بالنصب.
قاله سيبويه أي: قال سيبويه: كونها موصولة ومبنية على الضم، ومن تابعه من النحويين قال: عطف على (ما) من رأي أنّ الموصول لا يبنى وهو الخليل والكوفيون هي (أيّ) هاهنا استفهامية مبتدأ، وأشدّ خبره، فتكون عندهم حركتها إعرابية، فقالوا: إنَّ (أيّ) في الآية استفهامية مبتدأ وخبره أشد، ومن كل شيعة مفعول لننزعن والجملة محكية على أنها صفة (شيعة) على إضمار القول، أي: كل شيعة مقول في حقهم: أيُّهم أشدّ.
وضعّفه سيبويه حيث قال: لو جاز اضرب أيهم أفضل على الحكاية بإضمار القول، كما أجازه الخليل لجاز اضرب الفاسق الخبيث، وعلى معنى اضرب الذي يقال له: الفاسق الخبيث.

ودالّة: عطف على شرطية أو على معطوفها على اختلاف القولين.
على معنى الكمال، وهي من جملة وجوهها هاهنا.
فتقع، الفاء: لربط الجزاء إلى الشرط المحذوف: تقديره: إذا وقعت دابة فتقع صفة لنكرة المذكورة غالبًا نحو: هذا رجل أي رجل، فرجل نكرة موصوفة بـ (أي).
اعلم أن (أيَّ) إن أضيفت إلى مشتق من صفة يمكن المدح بها، كانت للمدح بالوصف الذي اشتق منه الاسم الذي أضيفت إليه, كما إذا قلت: مررت بعالم أي عالم، فقد أثنيت عليه بالعالمية، إن أضيفت إلى غير المشتق فهي للثناء عليه بكل وصف يمكن أن يثنى عليه، ففي مثال المصنف أثنيت عليه ثناءً عامًّا بكل ما يمدح الرجل به، أي: هذا رجل كامل في صفات الرِّجال.
وحالا: عطف على صفة لمعرفةٍ لأن صاحب الحال لا يكون إلَّا معرفةً ولهذا تعين أن يكون في الأول صفةً، وفي الثاني حالًا.
كمررت بعبد الله أي رجل، أي حال كونه كاملا في صفات الرجال, وهذا ليس قسمًا مستقلا.
بل عائد إلى معنى الكمال، والمصنف لم يفسره كما فسّره فيما قبله اكتفاءً به، وإلَّا لَشوشَ كلامُ المصنف في عدها على ما جاء على خمسة أوجه، وسائر النحاة لم يذكر كونها دالة على معنى الكمال، بل قصروا على الوجوه الأربعة بناءً على أنه مندرج في الاستفهام.
ووُصلةً بالنصب: عطف على قوله: دالة وشرطية، على اختلاف القولين إلى نداء ما فيه أل، وظاهر هذا التعبير يُشعر أن مذهبه كمذهب الخليل في حرف التعريف، وهو أنه ثنائي, [وهمزة الله] همزة قطع وُصلِت لكثرة استعماله.

قال شارح الألفية: ولا يحسُنُ على هذا المذهب إلَّا التعبير بـ أل نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾.
فأيّ: اسم مفردٌ مبهم معرف بالنداء مبني على الضم.
وها: حرف تنبيه عوض مما كانت (أيُّ) تضاف إليه.
والإنسانُ بالرفع: صفة أي.
فعبارة المصنف تُؤذن أن أيّ لا تكون موصوفة إلا في حالة النداء، كما ذكر أكثر النحويين.
وللأخفش فيه خلاف، فإنه أجاز كونها موصوفة مطلقًا كما: مررت بأيٍّ معجب لك نصّ عليه في شرح الرضي.
واعلم أنَّ (أيا) هي لازمة الإضافة، فإذا كانت موصولة تضاف إلى المعرفة، وإن جوّز بعضهم إضافتها إلى النكرة، وإذا كانت دالة على الكمال تضاف [إلى النكرة] وإذا كانت شرطية أو استفهامية جازت إضافتها إلى المعرفة والنكرة.
كذا في شرح الألفية.
واعلم أيضًا أن (أيا) معربة في الاستفهام والجزاء، ومبنية في الصفة، ومنقسمة في الصلة.
وإن كانت صلتها تامة فالإعراب، وإن كانت محذوفةَ الصدرِ فالبناء أفصح.
وقد مر بعض البحث المتعلق بأي في المسألة الثانية في قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى.
. .﴾، فليعد إليه ثانيًا.

"

لو

" الثانية: لو [لها وجوه خمسة] آثر التذكير في الأول، والتأنيث في الثاني، مع جواز التذكير والتأنيث في الحرف إشعارًا إلى اسمية الأول وحرفية الثاني.
وأحد أوجهها أن يكون حرف شرط في الماضي.
سواء كان دخل على الماضي أو المضارع وهذا هو أغلب أقسامها على رأي البعض، وإنما قلنا هكذا لأن بعض النحويين لا يطلقون عليها

حرف الشرط.
ويقولون: الشرط إنَّما يكون في المستقبل، وذهب الشلوبين إلى أنها لمجرد الربط، وقال بعضهم: إنها كما تأتي للربط تأتي للقطع.
فيقال فيها أي في (لو) إذا كانت للشرط: حرف يقتضي امتناع ما يليه، وهو فعل الشرط واستلزامه [أي استلزام] فعل الشرط لتاليه، وهو فعل الجزاء.
وهذا التعريف مأخوذ من ابن مالك، حيث قال في "شرح الكافية": إنه يقتضي امتناع فعل الشرط، واستلزام ثبوته لثبوت الجواب، وإنما عرف بهذا, ولم يعرف بامتناع لامتناع، بناءً أنّ هذا لا يجري في بعض الصور على ما سيأتي في نحو: لو لم يخفِ الله لم يَعْصِهِ , فأراد التعريف على وجه يعم الجميع نحو ﴿لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾.
فلو هنا شرطية دالة على أمرين أحدهما أنَّ مشيئة الله تعالى لرفع هذا المُنْسَلِخ، بكسر اللّام أي المُعْرِض المكذب عن آيات الله.
منتفية، ويلزم من هذا أي من دلالة (لو) على انتفاء المشيئة لرفعه، أن يكون رفعه منفيًا لأن انتفاء الرفع لازم، وانتفاء المشيئة ملزوم، إذ لا سبب لرفعه إلَّا المشيئة وقد انتفت والسببية منحصرة فيلزم من انتفائها انتفاء المسبب وهو الرفع، وهذا، أي المذكور وهو: لو شئنا لرفعناه بخلاف: نِعْمَ العبدُ صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، فإنه لا يلزم من انتفاء لو لم يخف الله الذي هو سبب الشرط انتفاء لم يعص الذي هو الجواب حتى يكون، معنى الكلام أنّ صهيبًا قد خاف وعصى.
على أنّ حَمْلَ الحديث على هذا المعنى غير مستقيم، لأنّه منوط بالمدح.

وذلك أي بيان أنه لا يلزم من انتفاء لم ينجس انتفاء لم يعص، لأن انتفاء العصيان له سببان: أحدهما: خوف العقاب فعلى هذا التقدير يكون رفع خوف العقاب بالخبرية، ويجوز رفعه بالبدلية من (سببان).
وهو أي: عدم العصيان من خوف العقاب طريق العوام، لأن طاعتهم وعدم عصيانهم للخوف.
والإجلال إما بالرفع عطف على خوف, أو بالجر عطف على العقاب، والإعظام عطف على الإجلال.
وهو أي عدم العصيان من خوف الإجلال والإعظام طريق الخواص لأن طاعتهم وعدم عصيانهم لأجل الإجلال والرغبة.
والمراد أنَّ صهيبا من هذا القسم، أي من قسم الخواص، وأنه لو قدّر خُلُوّه من الخوف لم تقع منه معصية، فكيف تقع المعصية والخوف حاصل له.
والضمائر البارزات راجعة إلى صهيب.
ولم يذكر المصنف كون هذا القول في حق صهيب حديثا.
كما قال الفاضل التفتازاني في باب المسند إليه، وابن الحاجب في "الإيضاح"، أو قول عمر كما قال العلامة الزمخشري في تفسير سورة ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ بناءً على ما ذكره القاضي بهاء الدين: إنه لم يقف على أنه حديث أو قول عمر.
ومن هنا، أي لأجل كون جواب (لو) لا يكون منتفيًا إلا إذا كان له سبب واحد، تبين فساد قول المعربين أن (لو): حرف امتناع لامتناع.
التنوين عوض عن المضاف إليه أي: امتناع الثاني لامتناع الأول، وهو المعنى المشهور عند النحويين.

والصّواب: الأحسن أن يقال: (الأولى تعريفهم) بامتناع الثاني لامتناع الأول مبني على أكثر استعمالها، أنها لا تعرض لها إلى امتناع الجواب ولا إلى ثبوته، أي لا يُتَعَرّض بلو إلى نفي الجواب، ولا إلى وجوده.
قال ابن مالك: ليس فيها تعرّض لوقوع الجواب وعدمه، [إلا أن الأكثر عدمه].
وإنَّما حصل لها تعرض لامتناع الشرط: [أي] لنفيه، فإن لم يكن للجواب أي للجزاء، من سبب سوى ذلك الشرط الذي دخلت عليه (لو) لزمَ من انتفائه انتفاؤه بالرفع فاعل لزم من انتفاء الشرط انتفاء الجواب نحو: لو كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود.
فإنّ سبب وجود النهار لا يكون إلا طلوع الشمس.
فيلزم من انتفائها انتفاء النهار.
وإن كان له أي: للجواب، سبب آخر غير ما جعل شرطًا لها, لم يلزم من انتفائه، أي من انتفاء الشرط، انتفاء الجواب ولا ثبوته، نحو: لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودًا فلا يلزم من انتفاء طلوع الشمس انتفاء الضوء، لأن الضوء كما يحصل من الشمس يحصل من غيرها من النار والكواكب.
ومنه: أي ومما كثرت أسبابه لو لم يخف الله لم يعصه كما عرفت فيما تقدم.
اعلم أن لو إذا كانت للشرط لها استعمالات ثلاثة: أحدها: امتناع الثاني لامتناع الأول وهو المشهور.
والثاني: أن يكون للدلالة على لزوم وجود الجزاء دائمًا في قصد المتكلم حين كون الشرط مستبعدًا لاستلزام ذلك الجزاء، وكون نقيض ذلك الشرط أنسب باستلزام ذلك الجزاء،

فيستمر وجود الجزاء سواء وُجد الشرطُ أو فُقِد وسواء كانا مثبتين نحو: لو شتمتني لأثنيت عليك، ومن هذا القبيل قول علي - رضي الله عنه -: لو كُشفَ الغطاءُ عني ما ازددت يقينًا.
ذكرهُ في شرط المفتاح.
أو منفيين كما: لو لم يخف الله لم يعصه.
أو مختلفين نحو ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ ويستعمل في هذا المعنى لولا نحو: لولا أكرمتك لأثنيتك.
والثالث: في مقام الاستدلال للدّلالة على أنّ العلم بانتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأول من غير نظر إلى أن علة [انتفاء] الثاني في الخارج ما هي، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ومن هذا عرّف ابن الحاجب بامتناع الأول لامتناع الثاني, وخطأ عكسه المشهور، ولم يدر أن هذا معنى قصد إليه مقام الاستدلال، كذا قالوا.
الأمر الثاني مما دلّت عليه (لو) في المثال المذكور، وهو قوله تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ﴾ أن ثبوت المشيئة لرفعه مستلزم لثبوت الرفع، فثبوت المشيئة ملزوم، وثبوت الرفع لازم، والملازمة من السببية.
والمصنف أشار إليه بقوله: ضرورة أنّ المشيئة لرفعه سبب، والرفع مسبب، وهذان المعنيان المستفادان من الدّلالة الثبوتية والسلبية قد تضمنتهما العبارة المذكورة، أي اشتملت العبارة المذكورة عليهما وهي قوله: حرف يقتضي امتناع ما يليه، واستلزامه لتاليه.
والثاني من وجوه استعمال لو: أن يكون حرف شرط في المستقبل، وهو مذهب الفراء.

فيقال فيها: حرف شرط مرادف لـ (إن) في هذا الوجه، إلا أنها لا تجزم، إلا في ضرورة الشعر في بعض اللغة، فتكون للاستقبال سواء دخلت على الماضي، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾، أي إن تركوا، أو على المضارع نحو قول الشاعر: وَلَوْ تَلتقي أصدَاؤنا بَعْدَ مَوتنا [الطويل] الأصداء جمع الصدى، الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، أي أن تلتقي أصواتنا بعد موتنا لكان كذا.
اعلم أن النحاة قالوا: إنّ (لو) هذه لا يليها إلا فعل أو معمول فعل مضمر يفسره فعل ظاهر بعد الاسم.
وقال ابن عصفور: لا يليها فعل مضمر إلا في الضرورة أو بالندرة، والظاهر أنه ليس كذلك لوقوعه في أفصح الكلام كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾.
الثالث: أن تكون (لو) حرفًا مصدريًا مرادفة لأن المصدرية، وهو مذهب الفراء وأبي علي الفارسي، وأبي البقاء، والتبريزي، وتبعهم ابن مالك والمصنف، فإن (لو) عندهم قد تكون مصدرية، فلا تحتاج إلى الجواب كما عرفت.
إلا أنها لا تنصب.
كما أنّ (لو) مرادف (أن) لا يجزم، ولم يجزم هنا خلافًا كالجاري في جزمها.
وأكثر وقوع لو إذا كانت مصدرية بعد ودّ نحو ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾.
فلو هنا

مصدرية تقديرها: ودّوا أن تدهن، أي: الإدهان.
أو يودِّ نحو: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾.
أي: التعمير، وعلامتها أن يصلح في موضعها (أن) كذا في شرح الألفية، والمصنّف أورد مثالين إشعارًا إلى وقوعها بعد ماضي (ودّ) ومضارعه، وقيَّد بالأكثر [إشعارًا لجواز] وقوعها في غيره قليلًا كما سيجيء في ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾.
وأكثر النُّحاة لا يثبتون هذا القسم، ويخرّج الآية ونحوها ممَّا يدل ظاهرًا على أنها حرف مصدري على حذف مفعول الفعل الذي هو المذكور قبلها، والجواب بعدها، أي حذف الجواب بعد لو والمصنف فسّر تقدير الكلام بقوله أي: يودّ أحدهم التعمير لو يعمّر لسرّه ذلك، أي: التعمير.
الرابع من وجوه استعمالها أن تكون للتمنّي عند أكثر النُّحاة، ومنهم الزمخشري، وهو مذهب سيبويه، ووافقه أهل التحقيق في صناعة المعاني، لكن هل هي قسم برأسه أو راجعة إلى قسم آخر، فذهب ابن الصَّائغ وابن هشام الخضراوي إلى أنَّه قسم برأسه، فلا يجاب بجواب الامتناعيَّة وغيرها إلى أنَّها امتناعية أُشربت معنى التمنّي.
قيل هو الصَّحيح، وقد جاء جوابها (باللَّام بعد جوابها) بالفاء، كذا ذكره شارح الألفية.
وذهب ابن مالك إلى أنها مصدرية أغنت عن التمنّي حيث قال في "التسهيل" بعد ذكر لو المصدرية: وتغني عن التمنّي لكونها لا تقع غالبًا إلَّا بعد مُفهم تَمَنٍّ، فينصب بعدها الفعل

مقرونًا بالفاء نحو ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ أي: فليت لنا كرّة.
قال القاضي في تفسير تمنّي الرجعة أو شرط حذف جوابه.
وذهب ابن مالك إلى أنها مصدرية واعتذر عن الجميع بأنَّ المصدرية بوجهين: أحدهما: أن يقدّر الفعل بينهما.
والثاني: أن يكون من باب التأكيد.
قيل في إثبات كونها للتمنّي، وذكر القيل إشعارًا من أوّل الأمر إلى تضعيف الدليل.
ولهذا لو نصب كلمة فيكون في جوابها كما انتصب كلمة فأفوز في جواب ليت في قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾.
حاصل الاستدلال أنْ يقال: إن إضمار أنْ بعد الفاء لا يكون إلَّا بعد أحد الأشياء الستة، فلو لم يحمل عليه لم يكن لنصبه وجه، والمناسب فيها أن يكون للتمني، وإذا عرفت ما تلونا عليك، وعلمت أن ردّ المصنف بقوله: ولا دليل فيها، ليس كما ينبغي لأنهم لم يقولوا أنها منحصرة للتمني حتَّى يردّوا بقوله: لجواز أن يكون النّصب في فأفوزَ مثلَه بالنصب: خبر أن يكون، في قوله: وَلُبسُ عبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عيني ... أحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشَّفُوفِ [الوافر] فَلُبْسُ: مبتدأ مضاف إلى عباءة، وتقرّ: منصوب لفظًا بتقدير أن المصدرية، ومرفوع محلًا على أنَّه معطوف على (لُبْسُ)، وأحَبُّ: خبره.
قال في "الصحاح": شفَّ يَشِفُّ شُفُوفًا، فالشَّفُّ بالفتح ستر دقيق.
وقوله تعالى بالجر: عطف على قوله: ولبس عباءة، وأخَّرَه لكونه حجة قاطعة.

﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ فيرسل: منصوب بأن مقّدرة معطوف على (أن يكلمه) وكذا أفوز لجواز أن يكون منصوبًا بأنْ مُقدّرة معطوفًا على الضمير المتصل بـ كان لوجود الفصل، فلا يلزم من نصبِهِ أن يكون جوابًا للتمني، وقس عليه نصب فيكون.
الخامس أن يكون للعرض نحو: لو تنزلُ عندي بضمّ اللّام فتصيبَ راحةً.
فإنَّها إذا لم تحمل على العرض لم يكن لنصب تصيبَ وجه.
ذكره ابن مالك في "التسهيل"، اسم كتاب من مؤلفات النحو، وذكر ابن هشام اللَّخمي.
اللَّخم: حيٌّ من اليمن وإلياس.
معنىً آخر زائدة عما ذكره وهو أن يكون للتقليل، أي: يعطى في مدخولها معنى القلّة نحو قوله -عليه السَّلام-: (تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفِ شَاةٍ مُحَرَّق).
فقال في "الصحاح": الظّلف للبقر والشاة والظبي، واستعاره عمرو بن معدي كرب للأفراس: وخَيْلٍ تَطأكمْ بِأظْلَافِها [متقارب] و (اتَّقوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمرَةٍ).
هذا مثال آخر، فلو هنا مستفاد منها معنى التقليل.
فمعناهما: لا تستقلّوا الصدقة، ولو كان شيئًا قليلًا، ذكر في بعض شروح ذلك المتن.

إنّ (لوِ) هذه شرطية عندي، والجواب محذوف بعد لو م

قد

َّر دلَّ عليه كلام السابق.
انتهى فالحق في ظني أن يجعل الجملة الشرطية حالًا، فينسلخ معنى الشرط، ولا يحتاج إلى الجواب.
اعلم أن جواب (لو) لا يكون إلا فعلًا ماضيًا مثبتًا، أو منفيًا بـ (ما)، أو مضارعًا مجزومًا بـ (لم).
والأكثر في الماضي المثبت اقترانه بـ اللام.
وقد يحذف كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ وأمّا حذف اللام مع الجواب فكثير في كلام العرب.

ما يأتي على سبعة أوجه

"قد" النوع السادس: ما يأتي على سبعة أوجه وهو قد فقط وأحد أوجهها أن تكون اسمًا بمعنى حَسْبُ فيقال: قدي بالإضافة إلى ياء المتكلم، بغير نون الوقاية كما يقال حسبي.
ظاهر هذا الكلام يشعر اختيار المصنَّف مذهب الكوفيين حيث يقولون: إنّ قد إذا كان اسمًا بمعنى حسب يُضَاف إلى ياء المتكلم، ولا يلحقها نون الوقاية، لأنَّها تزاد في الأفعال فتكون معربة.
وأمّا عند البصريين يلحقها نون الوقاية على غير القياس، ويجوز حذفها فيقال: [قدي و] قدني، فعندهم تكون مبنية.
كذا ذُكِرَ في "التسهيل" و"شرح الألفيَّة".
والثاني من أوجهها: أن تكون اسم فعل بمعنى يكفي، فالياء المتَّصلة بها في محل النّصب.
فيلزمها نون الوقاية.
فيقال: قدني بالنّون، كما يقال: يكفني.
وقد تلحقها كاف الخطاب فتكون في محل النصب.
فيقال: قدك، فعلى هذا يكون مبنيًا على السكون بالاتفاق.

والثالث من أوجهها: أن تكون حرف تحقيق، تقتضي تحقّق مدخولها، فتدخل على الماضي من غير اختلاف فيه، لكن هل هي للتحقيق المحض؟ وهو مذهب المنصور، أو للتحقيق مع التوقّع كما مذهب الخليل حيث قال في "الصحاح": زعم الخليل أن هذا لِمَن ينتظر الخبر، يقول: مات فلان، ولو أخبره وهو لا ينتظره لم يقل: قد مات، ولكن يقول: مات انتهى.
والعنوان بالزّعم يدل على ردّ مذهبه، لأنها تجيء للتحقيق المحض في الماضي كما عُلِمَ من موارد الاستعال نحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾.
فقد هنا تدخل على الماضي لتحقّق الفلاح.
وعلى المضارع عند البعض.
قال ابن مالك في "التسهيل": وقد التي للتحقيق تدخل عليها نحو: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾.
فقال بعض النُّحاة: إنّ قد التحقيقية إذا دخلت على المضارع ولم يمكن التوقع فيه كان المضارع بمعنى الماضي.
والرابع من أوجهها: أن تكون حرف توقّع أي: انتظار، يقال: توقعت واستوقعت، أو انتظرت فتدخل عليهما، أي على الماضي والمضارع أيضًا.
أي كما تدخل عليهما إذا كانت للتحقيق.
قول: قد يخرج زيد، فتدلّ (قد) على أن الخروج منتظر متوقّع.
والمصنّف لم يذكر هنا مثالًا للماضي لكون الاختلاف في دخول حرف التوقّع عليه، فذكر بعد إثباته بالدليل، وظاهر هذا الكلام يشعر أن يكون التوقّع مقابلًا للتحقيق في الحقيقة، وليس كذلك.
تدل عليه عبارة "الكافية": حرف التوقّع (قد)، وشرحها الشَّيخ الرضي: فإنَّه عام إلى التحقيق والتقريب إلى الحال مع التوقع.
قد تكون للتحقيق مع التقريب بدون التّوقع، وقد تكون للتحقيق المحض، فإذن لها ثلاثة معان.
انتهى.

وزعم بعضهم: لا تكون قد للتوقع مع الماضي، لأنَّ التوقُّع انتظار الوقوع والحال أنّ الماضي قد وقع، فإنّ جواز دخولها يلزم الجمع بين المتنافيين.
وقال الذين أثبتوه، أي: التوقّع مع الماضي: إنَّها تدلَّ على أنَّه أي قد يدلّ أنّ الفعل كان منتظرًا قبل وقوعه.
[لأنَّه] متوقع بعد وقوع الفعل، فلزوم اجتماع المتنافيين مرفوع بالحمل على اختلاف الزَّمانين، تقول: قد ركب الأمير لِقَوْم ينتظرون هذا الخبر، وإنَّما قيَّد به لانَّه إذا قلت: هذا الجر لقوم لا ينتظرون، يكون للتحقيق مع التقريب من غير توقّع، ويتوقعون الفعل.
حاصله: ما ذكره في "شرح اللّبّ": لأنَّه كان يتوقع ثم صار ماضيًا نحو: قد قامت الصَّلاة لقوم قاموا خلف الإمام ينتظرون قول المؤذن: قد قامت الصَّلاة، فعلى هذا: قد لانتظار الإخبار بخبر يعتقد المتكلم به، يتوقع منه المخاطب.
انتهى.
فيكون التوقّع في الأصل لفعل الذي لا يوجد بالفعل، فَينتظر إلى وقوع الفعل، فيقع ويخبر بعد ذلك، ولو كان مراد الزَّاعم أنَّها لا تكون للتوقّع في الماضي الذي هو الخالص للمُضيِّ من غير نظر إلى زمان الاستقبال، يكون كلامه حقًّا، ولكن النُّحاة قالوا: قد للتوقّع بمعنى المذكور.
الخامس: تقريب الماضي من الحال ولهذا، أي لأجل كونها للتقريب.
تلزم مع الماضي المثبت إذا لم تكن واقعًا بعد إلَّا الواقع حالًا عند البصريين بخلاف مذهب الكوفيين، فإنَّهم لا يوجبونها (قد) ظاهرة ولا مقدّرة، ووافقهم ابن مالك حيث قال: هذه دعوى مجرّدة لا تقوم عليها حجة إمّا.
ظاهرة نحو: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾.

أو مقدّرة نحو: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾.
أي: قد رُدَّت إلينا.
ونحو قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي: قد حصرت صدورهم، وذلك لاستقباحهم في الظَّاهر الجمع بين الحال والمضيّ، وأنّ حالية الماضي بالنسبة إلى زمان عامله، وهو زمان المتكلم.
ولفظة (قد) تقرَّب الماضي من ذلك الزمان، فتكون المقاربة [بمنزلة المقارنة] هذا بخلاف مذهب سيبويه والمبرَّد، فإنهما لا يجوّزان حذف (قد)، وسيبويه يؤوّل قوله تعالى: قد حصرت صدورهم بقلَّة ما حصرت صدورهم، فتكون جملة (حصرت) صفةُ موصوف محذوف.
وهو الحال.
والمبرَّد يجعله جملة دعائية.
وقال ابن عصفور: إذا أجيب القسم بماض مثبت متصرّف.
قيّد بالمثبت والمتصرّف تحرّزًا من المنفي غير المتصرّف، لما عرفت أن المنفي لم يشرط ذلك، وأمّا غير المتصرف، كـ نِعْمَ وبِئس وعَسَى ولَيْسَ.
فلا تدخل قد عليها لأنها ليست بمعنى الماضي حتَّى يقرَّب إلى الحال، بل يدخل اللّام فقط نحو: لنِعْمَ السَّيِّد.
كذا في الرضي.
فإن كان الفعل قريبًا من الحال جئتَ بجواب مقرون باللَّام وقد نحو: بالله لقد قام زيد، فقد هنا دالة على التقريب، فمعلوميَّة القرب بالنسبة إلى المتكلم، والدَّلالة بالنسبة إلى المخاطب، وإن كان زمان الفعل بعيدًا، جئت باللَّام فقط، اسم فعل بمعنى انته، وكثيرًا ما يصدّر بالفاء تزيينًا للفظه.
كان: جزاء شرط محذوف، والحال في دخول ياء المتكلم عليها، ونون الوقاية وكاف الخطاب كالحال في قد إذا كان اسم فعل.
كقوله: أي: قول الشاعر؛ أي امرئ القيس: خَلَفْتُ لَها بِاللهِ حِلْفَةَ فَاجِر أي: أقسمت بالله لاطمئنان المرأة المعشوقة حلفة كاذب أو عاهر، أي: زانٍ.
يقال: فجر فجورًا، أي: فسق وفجر أي كذب، أصله المَيْل، والفاجر: المائل، كذا ذكر في "الصحاح"

لناموا فما إن من حديث ولا صال.
[الطَّويل] و (اللام) في لناموا جواب القسم، واكتفى بها إشعارًا لمخاطبه بأنّ زمان نومهم بعيد، أي نام الرقباء ولا ينظرون إلى حالنا، والفاء في (فما) تفسيرية و (ما) نافية، و (إن) زائدة مؤكدة للنفي، ويبطل عمل (ما) بزيادة (إن) بعد (ما) عند البصريين.
فـ (من) زائدة للاستغراق، فيكون المعنى نفي هذا الجنس من واحد إلى ما يتناهى.
(الحديث): الخبر، يأتي على القليل والكثير، ويُجمع على أحاديث على غير القياس، أي: فما إن من ذي حديث.
ويجوز أن يكون الحديث بمعنى المحادث.
و (لا) في قوله (ولا صال): زائدة.
يقال: صال البعير إذا حمل.
أي: ذي صال، وحاصل المعنى: المرأة تخاف من الرّقباء فأؤمنّها من مراقبتهم، كذا في "الإقليد".
وزعم الزَّمخشري، وفيه إشارة إلى ردّ صاحب "الكشاف"، عندما تكلم على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ في (سورة الأعراف)، أن (قد) للتوقع.
وجملة (أنّ قد للتوقّع) في محل النصب على أنَّه مفعول زعم، لأنَّ السَّامع؛ تعليل من جانب الزمخشري، أي السَّامع ذلك الجواب المصدّر باللّام، وقد يتوقّع الخبرَ عند سماع المقسم به، وهو لفظة الله، وأمثاله ممّا يُقسم به.
اعلم أن عبارة الزمخشري في تعليل الجمع بين (اللام) و (قد) هكذا، لأنّ الجملة القسميّة لا تُساق إلا تأكيدًا للجملة المقسم عليها، التي هي جوابها، فكانت مظنّة لمعنى التوقّع الذي هو معنى (قد) عند سماع المخاطب كلمة القسم.
فَمِنْ تأمُّل كلامه عُلِمَ أنَّ تعبير المصنف لا يخلو عن الفتور، وأنْ يُعَنْوِنَ كلامَهُ بالزَّعم مبنيٌّ على القُصور.
والسادس التقليل وهو ضربان:

تقليل بالرَّفع: بدل عن (الضربان) مضاف إلى وقوع الفعل الذي هو مدخولها نحو: قد يَصْدُق الكذوب، وقد يجود البخيل.
فقد في المثالين يدلّ على قلّة وقوع الصّدق.
من الكذوب، وقلّة وقوع الجود من البخيل.
وتقليل متعلِّقة أي: تقليل متعلّق الفعل من غير نظر إلى قلَّة وقوع الفعل أو كثرته، نحو: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾.
فإنّ (قد) ها تحقيقية باعتبار وقوع الفعل، وتقليلية باعتبار متعلّقة.
أي: ما أنتم عليه هو أقلّ معلوماته، وفي هذا التفسير إشارة إلى أن (ما) موصولة مبتدأ، صلته: أنتم عليه، وخبره محذوف، وهو أقل معلوماته، قال الشَّيخ الرضي: إنّ المادح قد يستعمل الكثير.
من المدائح، لأنَّ الكثير منها كأنّه قليل بالنسبة إلى الممدوح، وذلك أبلغ في المدح، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿قَد يَعْلَمُ﴾ لأنَّ (قد) لتقليل المضارع في الأصل.
وزعم بعضهم، وَجَّهَ العنوانَ بالزَّعم إنكاره على كونها للتقليل، والأليق ذكره المصنّف هذا فيما قبلُ مثالًا للتحقيق: إنَّها في ذلك أي [قد] في ﴿قد يعلم﴾ للتحقيق كما تقدَّم في القسم الثالث، لا للتقليل، وإنّ التقليل في المثالين الأوّلين، وإن كان متحقّقًا لكنه لم يستفد من قد، بل من قولك: البخيلُ يجودُ، والكذوبُ يصدقُ مع قطع النَّظر عنها.
فإنَّه: الفاء بمعنى لام التعليل، أي لأنَّ الكلام إن لم يُحمل على أن صدور ذلك أي الجود والصدق من البخيل والكذوب قليلٌ بالرَّفع خبر إن.
كان ذلك في جزاء الشرط أي كان الكلام كذبًا متناقضًا لأنَّ آخر الكلام، وهو البخيل والكذوب يدفع أوَّلَه وهو يصدق ويجود، لأنَّ البخيل والكذوب صيغة المبالغة، فيدلّ على كثرة البخل والكذب، فلو لم يَحْمل يَصدق ويَكْذب على القلّة للزم التَّدافع، ولك أن تمنع هذا الكلام بعد تسليم لزوم التَّدافع في المثالين على إنكار كونها للتقليل غير مقبول، لأنَّه كثير الاستعمال.

السابع: التكثير قاله، أي: كونُها للتَّكثير سيبويه في قوله: قَدْ أتركُ القِرْنَ مُصفَرًّا أناملُهُ وآخر البيت: كأن أثْوابهُ مُجَّتُ بفِرْ صاد [البسيط] أي: أترك كثيرًا ما مماثلي في الحرب، حال كون أنامله ملوّنًا بالصّفر، قال الجوهري: وقد يكون بمعنى ربَّما.
وأنشد هذا البيت، ولا يظن أنّه مخالف لما قال المصنف حيث قال الزمخشري في آخر سورة النور: "إنَّ (قد) إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ربَّما فوافقت ربَّما في خروجها إلى معنى التكثير.
وذكر صاحب "التسهيل": أن ربَّما ليست للتقليل، بل هي حرف تكثير، والتقليل نادر، ووقع في بعض شروح "الكافية": وهذا الذي ذُكر من التقليل أصلها، ثم تستعمل في معنى التكثير كالحقيقة، وفي التقليل كالمجاز المحتاج إلى القرينة".
وقاله، أي: اختار الزمخشري كونها للتكثير في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فالكثرة في الآية باعتبار متعلِّق الفعل، وهو تقلّب وجه الرسول -عليه السَّلام- لا في وقوع الفعل وهو الرؤية، وفي البيت في وقوع الفعل مع [قطع] النظر عن متعلّقه، المصنف لم يذكر كون التكثير متنوّعًا اعتمادًا على ذكر المثالين، واكتفى بما سبق.
اعلم أن (قد) التي للتحقيق والتكثير والتوقّع قد تجتمع، وقد يستعمل كل واحد منها مجرّدًا عن الآخر.
والتقليلية تجتمع مع التحقيقية، لكن لا تجتمع مع التكثيرية، هكذا فُهم من الرضيّ.

ما يأتي على ثمانية أوجه

"

الواو

" النوع السابع: ما يأتي على ثمانية أوجه، وهو الواو وذلك، أي بيان الانحصار للاستقراء، أن لنا واوين يرتفع ما بعدهما سواء كان اسمًا أو فعلًا.
فـ (ما): موصولة، وبعدَ: منصوب على الظّرفية بفعل مقدّر، وهو (حصل)، مضاف إلى هما، والموصول مع صلته في محل الرّفع على أنَّه فاعل يرتفع، أي: يكون ما بعد الواوين مرفوعًا.
اعلم أنَّ الجهات السّتّ المضافة إذا لم يقتضِ العامل غيرَ النَّصْبِ تكون معربةً منصوبةً على الظرفية نحو: السَّماءُ فوقَنا، والأرضُ تَحْتنَا، وما بعدَه، وما قبلَه، وأمثال ذلك فإنَّها تقتضي النَّصبَ بالفعل المقّدر.
مثلًا إذا قلت: أمامُك فوق السَّطح، والأمام بالرَّفع لأنَّه مبتدأ، فوقَ وإن كان خبرًا لكن لا يقتضي الرَّفع لفظًا، بل يقدّر الفعل فينصب به وتكون الجملة في محل الرَّفع بالخبرية وكذا أمثالها فاحفظ على هذا.
واوًا بالنّصب: بدل من الواوين، ويجوز الرَّفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف أي أحدهما: واو الاستئناف نحو: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾.
فإنَّها أي: الواو، ولو كانت واو العطف، انتصب الفعل، وهو نقرُّ عطف على تبيَّن المنصوب بأن مضمرة، وبإضمار كي عند [الكسائي والسيرافي وباللام أصالة عند الكوفيين أو نيابة من أن عند] ثعلب.
وحاصله أن هذه الواو لا تصلح إلَّا أن تكون للعطف، أو للاستئناف، وإذا قُرئ بالرَّفع تعيّن الاستئناف، لأنَّ إعراب مدخول واو العطف يكون حسب ما قبلها.

وواو الحال إما بالنَّصب على البدلية، أو بالرَّفع على تقدير الثَّاني.
وتُسمى واو الابتداء أيضًا كما تُسمى واو الحال، وإنَّما تسمّى بها لصلاحية أن يليها المبتدأ نحو: جاءني زيد والشمس طالعة، فجملة والشمس طالعة: في محل نصب على الحالية، هذا، أي: كون هذه الواو للحال على مذهب الجمهور، وعند البعض أنَّها عاطفة.
وقاله صاحب "التخمير": وعندي أنَّه يجوز أن تكون هذه الواو واو الظرفية، ألا ترى أنك لو قلت: جئت والشمس طالعة، فمعناه: وقت طلوع الشَّمس، والذي غرّ النحويين منه أنهم وجدوا قولهم: جئت والشَّمس طالعة، يرجع معناه إلى معنى قولك: جئتك حال طلوع الشَّمس، فسمّوا واو الحال، وقد غفلوا أن قولك: جئتك حال طلوع الشمس ظرفٌ لا حال.
وإن كان له واو الظرف فلا علينا أن يكون معها واو الظرف انتهى.
وسيبويه يقدّر بإذ، نقله في "الارتشاف" حيث قال: وقدّر بإذ ليفيد معنى الظرفية وهي الحين والفجاءة.
وواوين ينتصب ما بعدهما.
إعرابه كإعراب ما سبق، وهما واو المفعول معه، فإنّ ما بعد تلك الواو، لا يكون إلَّا منصوبًا.
اعلم أنَّ مذهب جمهور البصريين أن العامل فيه هو الفعل أو معناه، بتوسّط الواو بمعنى مع، وإنَّما وضعوا الواو موضع (مع) في بعض المواضع لكونه أخْصرُ لفظًا وأصل هذه الواو العطف الذي فيه معنى الجمع، فيناسب معنى المعيّة، وإن قالوا: لا يتقدم المفعول معه على ما عمل في مصاحبه، فلا يقال: والخشبةَ استوى الماء كما تتقدّم سائر المفاعيل، وجوّز أبو الفتح تقدّمه على صاحبه، والأَوْلى المنع رعاية لأصل الواو.

وقال الكوفيون: وهو منصوب على الخلاف، فيكون العامل منصوبًا معنويًا كما قلنا في الظرف.
والأَوْلى.
إحالة العامل اللفظي ما لم يضطر إلى المعنوي.
وقال الزجّاج: هو منصوب بإضمار فعل بعد الواو، كأنّك قلت: جاء البرد ولابسَ الطيالسة، وكذا في غيره، والإضمار خلاف الأصل.
وقال عبد القاهر: وهو منصوب بنفس الواو والأَوْلى: رعاية أصل الواو في كونها غير عاملة، ولو نصبت بمعنى مع مطلقًا لنصبتَ في: كل رجل وضيعته.
وقال الأخفش: نَصْبُه نصب الظروف، وذلك لأنَّ الواو لمَّا أقيمت مقام المنصوب بالظرفية، والواو ظرف في الأصل، فلم يحتمل النصب، فأعطى النصب ما بعدها رعاية لأصلها، كما أعطى ما بعد إلَّا إذا كانت بمعنى غير إعراب نفس، غير، ولو كان كما قال لجاز النّصب في كل موضع، بمعنى مع مطردًا نحو: كل رجل وضيعته، هذه عبارة الرضي طويتها على غيرها.
نحو: سرتُ والنيلَ أي: مع النيل، وتميّز بتقدير (مع) مكانها، وقال صاحب "التخمير" النحويون سَهَوْا في واوين: إحداهما: واو الحال.
والثانية: واو المنصوب بمعنى (مع).
وذلك أنّ المنصوب بمعنى (مع) في محلّ النّصب على الحال، ألا ترى أنّك إذا قلت: جاء البردُ والطيالسةَ، فمعناه مقرنًا بالطيالسة، فلمَّا لم يكن إعراب الواو إعرابها نقل إعرابها إلى ما بعدها، كما في (إلَّا) إذا وقعت صفة نُقلَ إعرابها إلى المستثنى وعكسها (غير) و (ما).
قالوا.
(و) ههنا في الحقيقة للحال لا للمفعول معه كما أن الواو في قولك: جئتك والشَّمس طالعة.
للمفعول فيه لا للحال.
انتهى.
وواو الجمع.
وإنَّما سُمِّي بها لاجتماع مضمون طرفيها في زمان واحد.

الدَّاخلة على المضارع المسبوق بنفي محض أو طلب محض، أي: بفعل أصيل، وهو يعمُّ الأمر والنهي والاستفهام، والدّعاء بلفظ الخبر، على مذهب الكسائي، والاستفهام والعرض والتحضيض [والتمنّي]، لأنَّ المضارع ينصب بتقدير أن بعد الواو، وإذا كانت بعد أحد الأشياء الستة كما هو المشهور.
وقال أبو حيَّان: لا أحفظ النَّصْب جاء بعد الواو في الدّعاء ولا العرض ولا التحضيض ولا الرجاء، ولا ينبغي لأحد أن يقدِم على ذلك إلا بالسَّماع انتهى.
ذكره شارح الألفية.
والنَّصب بعد هذه الواو بتقدير أنْ على مذهب البصريين وهو الصّحيح، وبنفس الواو عند بَعْض الكوفيين نحو: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
هذا مثال للمسبوق بالنَّفي أي: وأن يعلم الصابرين، وقول أي: ونحو قول أبي الأسود: لَا تنه عن خُلقٍ وتأتيَ مِثله وآخر البيت: عَارٌ عَليكَ إذا فَعلتَ عَظِيمُ [الكامل] الخُلُق بضمتين: السجيّة والطبيعة والمروءة والدّين كذا في "القاموس" هذا مثال للنهي معناه: لا يكن منك نهي عن الخلق وأن تأتي مثله أي إتيان بمثله.
والكوفيّون يسمّون هذا واو الصرف أيضًا، لأنها صرفت الفعل المضارع من الجزم إلى الرَّفع ويكون الصرف عن إعراب ما قبلها مرشدًا من أوَّل الأمر، بأنَّها ليست للعطف، وأنَّها للجمعية من حيث الاستعمال.

وواوين ينجرُّ ما بعدهما، وهما واو القسم.
(والموصول مع صلته فاعل ينجرّ) كما مرّ غير مرَّة نحو: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، فهذه الواو تجرّ بنفسها، وتدخل على مظهرٍ يَحسُنُ الحلف به.
وهي مبدلة من باء الإلصاقية في أقسمت بالله، لما بينهما في المناسبة لفظًا ومعنىً عند حذف الفعل، فلا تجتمع مع الفعل لكونها عوضًا عنه خلافًا لابن كيسان، هذا على ما صرّح به في كتب النّحو.
وذكر في بعض الشروح تلك الرسالة، لأنَّها أصل، وليس بدلًا من الباء في القَسَم خلافًا لزاعمي ذلك.
واو رُبّ: وهي تقع في أوّل الكلام، وتدخل على المظهر المنكر كقوله: أي قول الشاعر وبلدةٍ ليس بها أنيس ... إلَّا اليعافير، وإلّا العيس [الرجز] أي: رُبَّ بلدة، وإنَّما فسّرنا به لأنَّ هذه الواو للعطف عند البصريين، وليست جارَّة بنفسها، فإن لم تكن في أوّل الكلام، فكونها للعطف ظاهر، وإن كانت تقدَّر معطوف عليه.
قال شارح الألفية وهو الصَّحيح.
وأمَّا عند المبرّد والكوفيين إنَّها جارَّة بنفسها، وبلدة مجرورة بها، وهي حرف عطف، لكن لمّا صارت قائمة مقام ربِّ، كائنة بمعناها كانت جارّة بنفسها لصيرورتها بمعنى ربَّ فلا يقدرون المعطوف عليه في نحو: وقائم الأعماق، لأنّ ذلك تَعَسّف، واختاره ابن الحاجب.
وواوًا يكون ما بعدها من الإعراب على حسب ما قبلها غالبًا، وإنَّما قال غالبًا إذ تجوز المخالفة إذا عُرف المراد، نحو: مررتُ يزيد وعمروٌ بالرَّفع، أي عمرو كذا ذكره الرضي.

وهي واو العطف وهي الأصل بالنسبة إلى الجميع، لكن كونها للعطف في الحال قول مرجوح.
فَعُلم من هذا القيد أنّ تغاير أقسامها ليس بحسب الحقيقة.
و [هي] لمطلق الجمع من غير أن يكون المبتدأ به داخلًا في الحكم قبل الأخير، ولا أن يجتمعا في وقت واحد، بل الأمران جائزان، وجائز عكسهما.
وواوًا دخولها في الكلام كخروجها، بالنسبة إلى المعنى، لكنّها تفيد التأكيد.
وهي الواو الزائدة نحو: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾.
فالواو هنا زائدة مؤكدة بدليل الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾.
وقيل: التنكير للتعظيم حيث قال أبو البقاء: الواو زائدة عند قوم، وليست زائدة عند المحققين.
إنَّها عاطفة فالجواب للشرط، وهو إذًا محذوف لأن فُتِحَتْ على هذا الوجه معطوف على الشرط، فلو لم يقدّر الجزاء لزم بقاء الشرط بدونه.
تقديره: كان كيت وكيت، هما كنايتان عن الحديث، (ولا يُستعمل إلَّا مكرّرًا) مخفّفًا من كيت وهي أصل كيت، فخفَّفت الياء المشدَّدة، وعوّضت عنها التاء فصار كيت كما بنت وأخت، فوجب إسقاط التأنيث لئلا يجتمع علامتان، فبقيت كيت، ويوقف فيه بالتاء كما توقف في بنت، وقد جاء فيه فتح التاء والكسر والضمّ، وكذا حال زيت.
هذا أي: كون الواو للعطف مختار الزمخشري، وهو الصواب لموافقة الأصل.
وجَعَلَها بعضٌ بمعنى (مع).
ذكره العلامة أيضًا حيث قال: حتَّى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها، أي مع فتحت أبوابها وقيل: إنَّها للحال.
وهو أيضًا مذكور في "الكشَّاف" حيث ذكر فيه، وقيل: أبواب جهنّم لا تُفتح إلّا عند دخول أهلها فيها، وأبواب الجنَّة فمتقدمة فتحها، بدليل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾، ولذلك جيء بالواو، كأنَّه قيل: حتَّى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها.

وقول مضاف إلى جماعة، وجملة: إنَّها واو الثمانية وإنَّ منها: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ مقول القول، وجملة: لا يرضاه النّحوي خبرٌ، وياء النسبة للمبالغة، أي: النّحوي الكامل، وإنهم بهذه المقالة يستحقّون أن تُسلَبَ عنهم نسبتهم إلى النّحو لما لا يتعلّق به حكمٌ إعرابي، ولا سرٌّ معنويٌّ، والواو الثمانية هي التى أن العدد قد تمَّ بالسَّابع من حيث أنّ السبعة هو العدد التّام، والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه، ذكره الشَّيخ القاضي في أواخر سورة البراءة.
وقال بعض الفضلاء: هذا ليس بشيء بدليل قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾.
(فإن المتكبّر) في محل التّعداد نعت ثامن، مع أَنَّه لم يُذكر بالواو، وفيه مناقشة ظاهرة لا تخفى على المتأمّل.
والقول منه أي: بكون الواو واو الثمانية في آية الزّمر وهي قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ أبعدُ منهِ أي من القول بكون الواو واو الثمانية في قوله تعالى: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ لأنَّ الواو في هذه الآية وقت في الصفة الثامنة في التعداد، وأمّا في آية الزمر فليس فيها تعدادٌ بل هي للجنة الثمانية، وأمّا وجه البعد في: والنّاهون، لما يتعلَّق به حكمٌ إعرابي، ولا سِرٌّ معنوي.
والقول به في ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ ظاهر الفساد.
لأنَّ في واو الثمانية يجوز اجتماع الأوصاف المذكورة في موصوفٍ واحدٍ بخلاف الواو المنافي بين طرفيها، إذ البكارة والثّيابة لا يجتمعان في موصوف واحد، وقيل الواو الثمانية لا يخلّ المقصود بالحذف بخلاف هذه الواو، لأنّ التوسّط بها للتنافي بين طرفيها.

ما

يأتي على اثني عشر وجهًا- "ما" النّوع الثامن: ما يأتي على اثني عشر وجهًا وهو (ما)، وقع في بعض النُّسخ وهي، فالتأنيث باعتبار الكلمة، فإنَّها أي الـ (ما) على ضربين: اسميَّة: التأنيث باعتبار ذي الضَّرب، وهي كلمة (ما)، وأوجهها أي أوجه ما الاسمية سبعة، آثر التذكير لكون الجمع مؤنثًا غير حقيقي، فإن اعتبرت التأنيث فيه، فالتذكير لعدم وجوب.
المطابقة، أو للاكتفاء بظاهر التأنيث.
معرفة بالرَّفع إمَّا على البدلية من سبعة، أو على أنَّها خبر مبتدأ محذوف، ويجوز النَّصب بتقدير: أعني.
وتامّة: صفتها، والمراد بها مالا يحتاج إلى الصلة، والعائد والصفة نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي: نِعمَ الشيء إبداؤها، [هذا] عند سيبوية والكسائي فـ (ما) فاعل نعم لكونه بمعنى ذي، اللام وهي مخصوصة بالمدح، وكناية عن الإبداء الذي دلَّ عليه فعله، وهو تُبدُوا.
وعند أبي علي الفارسي والفرّاء، فالتقدير: نعم شيئًا هي.
لأنَّ (ما) نكرة تامَّة بمعنى الذَّي فاعل نِعْمَ، فتكون الصِّلَةُ بأجمعها محذوفة، لأنَّ (هي) مخصوصة، أي نعم الذي فَعَلَهُ هي أي: الصدّقات كما عرفت في (من هو في سِرٍّ وإعلان).
وذكر في بعض شروح تلك المتن أن (ما) مركبة مع الفعل لا موضع لها من الإعراب، والمرفوع بعدها هو الفاعل.
ومعرفة ناقصة أي محتاجة إلى الصِّلة، والعائد والصفة، وهي الموصولة أخَّرهَا عن التّامة مع أنَّ جميعَ الكتب عكس ذلك، إمّا بناءً على أنّ مفهومها عدميٌّ، والإعدام مقدَّم على الملكات، أو أنَّها أقدم مرتبة من النَّاقصة، ومَنْ جَعَلَ عكس ذلك يعتبر كون مفهوم النَّاقصة وجوديًّا، واستعمالها أكثريًّا، ولكلٍّ وجهةٌ هو موليها.

نحو ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ -أي الذي عند الله- خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ و (ما) هذه تستعمل لما لا يَعْقِلُ غالبًا، وقد يستعمل من ذوي العلم كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ وشرطية نحو ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ أي: إن تفعلوا، فما شرطيَّة جازمة لتفعلوا، منتصبةٌ به على المفعولية، وجواب الشرط: (يعلمه الله).
ومِنْ خَيْرٍ في موضع نصب على التمييز، والمميَّز ما، والتقديرُ: أي شيء تفعلوا من خير ويجوز أن تكون (مِنْ) زائدة، وخير حالًا، والتقديرُ أي شيء تفعلوا قليلًا أو كثيرًا، ويجوز أن يكون موضع النَّصب لكونه صفةً لمصدرٍ محذوفٍ تقديره: ما تفعلوا فعلًا من خير، وقيل: يجوز أن تكون مصدرية، ومِنْ خيرٍ: مفعولًا به، والتقديرُ: أي فعلهم مِنْ خيرٍ يعلمه الله.
واستفهاميّة وهي لا تختص بما لا يَعْقِل عند الإبهام.
تقول لشيخٍ رفع لك من بعيد: ما ذاك؟ نحو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ فـ (ما) استفهاميَّة، وبيمينك: حال من معنى الإشارة.
وقيل: صلة لتلك.
ويجب حذف ألفِها على الأجود: قال الشَّيخ الرضي: وتُحذفُ ألف (ما) الاستفهام في الأغلب، إذا كانت مجرورة بحرف الجر نحو: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ فما مجرورة بـ من، وألِفُها محذوفة، فَوَجْهُهُ أنّ الاستفهام لمّا كان لها صدر الكلام لكونها استفهامًا، ولم يمكن تأخير الجار عنها، فقدّم عليها وركَّب معها حتَّى يصير ككلمة واحدة، موضوعة للاستفهام فلا يسقط الاستفهام عند رتبة الصَّدر فحذف ألفها ليكون دليلًا لتركيبها مع الجارّة، وإنَّما لم يحذف نون (من) الاستفهامية إذا كانت مجرورة لكونها حرفًا صحيحًا.
كذا ذكره الشَّيخ الرضي.
ونحو قوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ جميع النسخ التي صادفناها بغير العاطف، والظَّاهر أنَّه سَهْوٌ من قلم الناسخ، لأنَّ النُّحاة قالوا: إنَّ حذف المعطوف عليه كثير،

وحذف المعطوف مع حرف العطف قليل نحو: راكب طلحان أي: راكب البعير، والبعير طلحان، وأمَّا حذف حرف العطف مع ذكر المعطوف فَشَاذٌّ نادر.
ولهذا أي: لأجل وجوب حذف ألف (ما) الاستفهامية المركّبة بحرف الجرّ، ردَّ الكسائي على المفسِّرين قولَهم بالنَّصب مفعول ردَّ في: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أنها استفهامية: مقول القول.
حاصله: لمَّا كان حذف ألف (ما) الاستفهامية واجبًا عند دخول حرف الجرّ عليها يُثبِتُ أنّ (ما) في (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي) ليست استفهامية لوجود ألف في (ما).
قال العلامة في "الكشَّاف" فإن قلت (هي ما في) قوله: بمَا غَفَرَ لي ربي أي الماءات [هي] قلت المصدرية أو الموصولة، أي بالَّذي غفر لي [ربّي، أَي] من الذنوب.
ويحتمل أن تكون استفهامية، يعني: أيَّ شيء غفر لي ربيّ؟ فَطَرحُ الألف أجود، وإن كان إثباتها جائزًا انتهى.
فإذا فهمت ما تلونا عليك من كلام الرضي، والعلامة الزمخشري عرفت أن ردَّ الكسائي مردود، لأنَّ الحذف أكثري لا دائميَّ.
وإنَّما جاز نحو لماذا فعلتَ؟ هذا جواب عن سؤال مقدّر تقديره.
ولمّا وجب سقوط ألف ما الاستفهامية بدخول حرف الجرّ على الأجود فلم يحذف في مثل: لماذا فعلتُ؟ مع أنَّه مركّب بالَّلام، فأجاب بقوله: لأنَّ ألِفَها صارت حشوًا أي: وسطًا بالتركيب مع ذا، فتكون الألف في وسط الكلمة، والحذف في الوسط قليل لتحصنه مِنَ الحوادث فأشبهت (ما) الاستفهام بالموصولة في إثبات الألف، لأنّ (ذا) لمّا لم تثبت زيادتها، ولا كونها موصولة إلَّا مع (ما) الاستفهامية، لم تحذف

ألفها كألف (ما) الموصولية، ويجوز أن يكون معنى حشوًا أي زائدة غير منظور بالحذف والإثبات لتركيب (ما) مع (ذا) الذي يكون موصولًا بالتركيب فأشبهت الموصولة فكما أنّها إذا كانت موصولة لا تُحذف ألِفُها كذلك هنا.
وتعجبية نحو: مَا أحسَنَ زَيْدًا، فهذه الـ (ما) نكرة تامة بمعنى شيء عند سيبويه، وموصولة عند الأخفش، واستفهامية عند الفراء وابن درستويه.
وقال الشَّيخ: وهو قوي من حيث المعنى لأنَّه كان جُهِلَ سببه، فاستُفهم عنه.
وضعّف شرّاح "المفصّل" هذا الوجه بأن قالوا: أمّا صيغ الاستفهام لم يثبت فيها نقل إلى إنشاء آخر بخلاف صيغ الأفعال، فإنَّها تنقل إلى إنشاء كثيرًا، وقالوا: الوجه ما صار إليه سيبويه، لأنّ التعجب من مواضع الإبهام والبعد عن الوضوح والبيان، والموصول معرفة بمعنى الذي، والموصوفة قريبة إلى المعرفة فلا يليقان بهذا الموضع.
وقيل أيضًا في تضعيف كونها موصولة أنّ (ما) إذا كانت بمعنى الذي، وأحْسَنَ: صلتها، لاحتاجت إلى تقدير الخبر وإن الموصول مع صلته مبتدأ، ونحن نقطع كلامًا من غير نظر إلى المحذوف، فما: مبتدأ على مذهب سيبويه والفرّاء، وما بعدها خبرها.
وأمَّا عند الأخفش هي مع صلتها: مبتدأ، وخبرها محذوف.
قال ابن الحاجب في "الإيضاح" في باب المنادى: ما أحْسَنَ زيد أصله إمَّا خبر وإمَّا استفهام، ثم نقل إلى التعجب، فَعُلِمَ منه أن كونها قسمًا مستقلًا مبني (على الفتح) وعلى الظاهر.
ونكرة موصوفة نحو: مررتُ بما معجبٍ لك، فما: نكرة في محل الجرّ بالباء، موصوفة بمعجب، ولك: متعلّق به، أي بشيء معجب لك ومنه، أي من كون (ما) نكرة موصوفة بمعجب في قوله أي في قول بعض النُّحاة وهو الأخفش والزّجَّاج.
نعم ما صنعت،

فما على هذا نكرة منصوبة لأنَّها مميّزة، وصنعت: صفتها، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعم شيئًا صنعته.
لعل وجه إيراد المثالين إشعار إلى جواز كونها موصوفة بمفردٍ وجملةٍ.
ونكرة موصوفة بها أي: تكون ما صفة للنكرة، إنَّما قال: نكرة موصوفة، ولم يقل موصوفة بها كما قال سائر النُّحاةِ إيذانًا في أوّل الأمر بأنّ موصوفها لا يكون إلا نكرة، لأنَّ النكرة لا تكون وصفًا للمعرفة.
نحو: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾، فما: إبهامية تزيد النكرة إبهامًا، ومثلًا في هذا الموضع يجوز أن يكون حالًا بمعنى ممثلًا، وأن يكون تمييزًا، وأن يكون منصوبًا على المصدرية، أي: أُمَثلُهُ مثلًا.
ويُذكر إذا قصد التعميم والزّيادة.
وقولهِم أي: وهو قول العرب: لأمْرٍ ما جَدَع قَصيرٌ أنْفَه.
قوله: أمْرٍ مجرور باللام، وما في محل الجر لكونها صفة لمجرور، والجَدْع بالدَّال المهملة: قطع الأنف واليد والأذن.
وقصير: اسم رجل، وأنفه، بدل اشتمال منه.
أي: مثلًا بالغًا في الحقارة ولأمر عظيم.
هذا تفسير على وجه اللفّ والنشر على التَّرتيب.
قال بعض النُّحاة: إنّ (ما) إذا وقعت صفة تكون على ثلاثة أقسام:

  • قسم يراد بها التحقير، و [قسم يراد بها] التعظيم.
  • وقسم يراد بها التنويع نحو: ضربت ضربًا ما، فما على هذا التفسير اسم، وقيل إنّ هذه حرف لا موضع لها.
    ذكر شارح الألفية عن ابن مالك: أنّ (ما) في مثل هذه المواقع حرف زائد مبنيّة من وصف لائق بالمحلّ وهو أولى لأنَّ زيادتها عوضًا عن محذوف ثابت
جارٍ التحميل