شرح قواعد الإعرابصفحات 161-166

الباب الثالث] [في تفسير كلمات يحتاج إليها المُعْرِب

صفحات 161-166

في كلامهم، من ذلك: حيث ما يكن أكن.
وليس في كلامهم نكرة موصوفة بها جامدة كمعهود (ما) إلَّا وهي مرادفة بمكمّل كقولهم: مررتُ برجلٍ أي رجل انتهى.
وحرفية بالرَّفع: عطف على اسمية.
وأوجهها أي أوجه (ما) الحرفية خمسة.
نافيةٌ بالرَّفع: إما بدل عن خمسة، أو خبر مبتدأ محذوف فتعمل في ظرف الجملة الاسمية، قيّد بالاسمية احترازًا عن الجملة الفعلية.
عمل ليس، وهو رفع الاسم ونصب الخبر، في لغة الحجازبين، وإنَّما قال في لغة الحجازيين لأن (ما) و (لا) المشبهتين بـ ليس لا تعملان عند بني تميم أصلًا لدخولهما على الاسم والفعل كما مرَّ تفصيله غير مرّةٍ.
وإن أردت الاطّلاع، فلتعد إليه.
نحو: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، هذا في محل الرَّفع [اسم] ما الحجازيّة، وبشرًا بالنَّصب خبره.
ومصدرية غير ظرفية نحو: قوله تعالى ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (فما) موصولة حرفيّة.
هي وصلتها في محل الجر بالباء، أي بنسيانهم، فلا يحتاج إلى عائد، هذا مذهب سيبويه.
ومذهب الأخفش وابن السراج، إلى أنّ (ما) المصدرية اسم يحتاج إلى عائد هو مذهب مرجوح.
ومصدرية ظرفية، فتكون بمعنى المدّة نحو: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ أي: مدّة دوامي حيًّا.
وكافّة عن العمل، هذا وجه رابع من وجوه (ما) الحرفية، لكن قال في "القاموس": وتكون (ما) زائدة، وهي نوعان: كافة وغير كافّة فَعُلِمَ من هذا أنّ (ما) الكافَّة قسم من الزائدة، لا قسم لها، لعلّ وجه عدّها مقابلُ الزّائدة مبنيٌّ على أن لها تأثيرًا قويًّا، وهو منع العامل

عن العمل، فكأنها ليست بزائدة وإن كانت قسمًا منها وهي ثلاثة أقسام:

  • كافّة عن عمل الرَّفع كقوله، أي: كقول الشَّاعر: صَدَدْتِ فَأطْوَلتِ الصّدُودَ وقَلّمَا ... وِصالٌ عَلَى طُولِ الصُّدودِ يَدُوم [الطَّويل] الصدود: الإعراض، يقال: صَدَّ عنه وتَصِدُّ صُدودًا، أي أعرض، كذا في "الصحاح".
    فَقَلَّ: فعل ماض و (ما) المتّصلة بِقَلَّ كافّة له عن طلب الفاعل النّحويّ، لا عن طلب الفاعل حقيقةً لامتناع صدور الفعل إلَّا عن فاعل.
    قال الشَّريف في "شرح المفتاح" في حاشية المعلّمة بـ منه حيث [قال]: وقَد طَالَ مَا جَالَ في صَدري.
    اعلم أنّه يجوز أن تكون (ما) كافّة في إنَّما، فإنَّها تكفّ إنَّ عن العمل (كما تكفّ الفعلَ) عن العمل في الفاعل بحسب الظَّاهر، إنَّما قلت بحسب الظَّاهر لأنَّ المنع عن الفاعل حقيقة غير ممكن، لامتناع صدور الفعل إلَّا عن فاعل، والفعل هنا يتعلَّق بحسب المعنى إلى مصدر جال ودار، أي طال الجَوَلَانُ والدَّوَرَان، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، والمصدر فاعل طال.
    وعلى التَّقدير الأوَّل تكتب موصولة لأنها من تتّمة الفعل.
    وعلى الثاني مفصولة، وذكر في موضع آخر أي: لا يطلب له فاعل في الترغيب، وإنْ فُهِمَ منه القليل والطويل انتهى.
    فَعُلِمَ من كلامه أنَّ الفعل المكفوف يجوز أن يتعلَّق إلى مصدرِ فعل الذي تدخل عليه، ذلك الفعل المكفوف، ويجوز أن يتعلَّق إلى مصدرِ نفسه، وهو القليل والطويل والكثير، وعُلِمَ أيضًا (أن (ما) تكتب مفصولة إذا كانت مصدرية وموصولة إذا كانت كافّة لكونها من تتمّة الفعل، وإنمَّا قال: كافّة عن طلب الفاعل مع أن مدّعاهُ كونها كافّةً عن عمل الرَّفع، لأنَّ إعراب الفاعل مستقرٌّ للرفع.

ووصال: فاعل لفعل محذوف يفسّره الفعل المذكور، وهو يدوم، ولا يكون وصال: مبتدأ، ويَدُوم: خبره، وعلى أصول متعلّق بـ يدوم، لأنَّ الفعلَ المكفوفَ بـ (ما) الكافّة لا يدخل إلَّا على الجملة الفعلية، لأنَّه جرى مجرى حرف النَّفي.
وقولك: قلَّما يُضرب زيدٌ، بمعنى ما يُضرب زيدٌ، كذا قالوا.
هذا الكلام ردّ على سيبويه حيث قال الشَّيخ الرَّضي: وهي عند سيبويه كافّة، وصالٌ: مبتدأ.
ولكن ذكر في "شرح الألفية": قال بعض النُّحاة إنَّ قلَّ إذا كُفّت بـ (ما) تدلّ على ندارة الشيء لا على نفيه، وقال أكثرهم: يراد النَّفي في الأشهر، فعلى هذا لِم لا يجوز دخولها على الجملة الاسمية؟ غاية الباب أن يخالفَ الأشهر، على أنّ قول سيبويه بمنزلة النَّصِّ في هذا الفنّ.
وقال بعضهم: إنَّ (ما) مصدريّة هي وصلتها، وهي فعل المحذوف وفاعل الفعل المكفوف أي: قَلَّ دوام الوصال.
وقال بعضهم: ما زائدة، ووصال فاعل قلَّ، ذكره شارح "الكافية"، فمعنى البيت يختلف على هذا الاختلاف، فتكفّ في وجوهها.
ولم يُكفّ من الأفعال بـ (ما) الكافّة إلَّا قلَّ وطَالَ وكَثُر.

  • وكافّة عن عمل النَّصب والرَّفع معًا.
    وجه التقديم على الثَّاني ظاهر، وأمّا وجه التأخير عن الأوَّل من الأوَّل كافّة عن طلب الفاعل، وذلك في إنَّ وأخواتها، وهو سائر حرف المشبهة بالفعل، فيكون ما بعدها مبتدأ وخبرًا.
    اعلم أن الحروف المشبهة بالفعل تنصب الاسم وترفع الخبر خلافًا للكوفيين في قولهم إن الخبر باق على رفعه، "وبعض العرب ينصبُ بهذه الأحرف الجزأين معًا.
    وحكى قوم منهم ابن السّيد أنَّ ذلك لغة" ذكره شارح "الألفية"، فعلى هذا قول المصنف.
  • وكافّة عن عمل النصب والرفع يكون على الأشهر، وأنَّ هذه الحروف تلحقها (ما) الكافّة وتمنع عن العمل في الأصحّ، وقد يجوز إعمالها، فذهب الزمخشريُّ إلى جواز إعمالها كلَّها،

والزَّجّاج في: ليت ولعلّ وكأنّ دون البقية لقوّة قرب هذه الثلاثة من معنى الفعل من حيث إنّ كأنّ بمعنى: شبّهتُ، وليت بمعنى: تمنّيتُ، ولعلّ بمعنى: ترجّيتُ مع تفسيرها معنى الكلام، وتأثيرها في مضمونه بخلاف إنَّ وأنّ ولكنّ، فإن معناها غير زائدة على الابتداء سوى التأكيد.
وذهب بعضهم إلى جواز النصب بـ ليت ولعلّ، فقال سيبويه والأخفش والفرّاء: لا يجوز النَّصب إلَّا في لَيْتَمَا، وصحّحه أكثر المغاربة، كذا ذكره ابن أمَّ قاسم، فهذه الحروف إذا كُفَّت بـ (ما) يجوز دخولها على الجملة الإسمية نحو: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وعلى الفعلية نحو: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾.

  • وكافّة عن عمل الجرّ في (رُبَّ) و (كاف) التشبيه، وفي (الباء).
    وعند البعض قال صاحب "التسهيل": إن (ما) قد تكفّ عن العمل وتحدث معنى التقليل كقوله: (ربَّما قد تُرى وأنت خطيب).
    [الخفيف] فربَّ إذا [اتصلت] بها (ما) الكافّة تدخل على الجملة الإسمية نحو: ربّما زيد قائم، وعلى الفعلية لكونها بمعنى حرف النّفي الداخلة على الفعل.
    لكن يجب أن يكون فِعْلُها ماضيًا لفظًا نحو ربَّما قام زيدٌ أو معنىً نحو: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فإن المستقبل هنا كالماضي، لأنَّ إخبارَ اللهِ في المستقبل يجري في (التحقيق مجرى) الماضي.

وقوله أي قول الشَّاعر، هذا مثال على كون الـ (ما) كافّة عن العمل: أخٌ مَاجدٌ لم يَخْزُني يَومَ مَشهدٍ المجد: الكرم، وقد مَجُدَ الرَّجُلُ بالضَّم فهو مجيد وماجد، والمشهد: محضر النَّاس.
والمُراد هنا: الحرب.
كما سيف عمروٍ لم تَخُنْهُ مَضَارِبه [الطويل] كما سيفُ عمروٍ بالضمّ: مبتدأ، لأنَّ (ما) تمنع الكاف عن العمل، ومضافٌ إلى عمرو.
لم تَخُنْهُ: خبره، وفاعله مستتر راجع إلى السيف، ومفعوله ضمير راجع إلى عمرو.
مضاربه: بالنصب مفعول فيه بتقدير في، وقد تستعمل تلك الكاف (في القرآن) وفي الوقوع نحو: كما حضر زيد قام عمرو، أي قارن القيام والحضور في الوقوع.
وقيل: إنَّها لتأكيد الوجود كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾: أَوْجِد رحمتهما إيجادًا متحققًا كما أوجدت تربيتهما إيجادًا محقّقًا، في زمان الماضي.
وزائدة، وهو قسم خامس من (ما) الحرفية وتسمى هي وغيرها أي ما وغيرها حال كونها من الحروف الزائدة، وهي ثمانية أحرف:

إنْ، أنْ، ومَا، ولَا، ومِنْ، والباء، واللام، والكاف بالندرة.
مرَّ تفصيلُ كل واحد منها في موضعه.
صلةً وتأكيدًا لأنَّها يُتوصل بها إلى زيادةِ فصاحة، واستقامةِ وزن، أو حُسْن سَجْعٍ، أو تزيين لفظ، وغير ذلك نحو: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ﴿وعَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾.
فـ (ما) في الآيتين صلة ومؤكدة، ورحمه وقليل: مخفوض بـ (الباء) و (عن).
أي فبرحمة وعن قليل الأوَّل تفسير للأول، والثاني للثاني.

جارٍ التحميل