الحَسَبُ: القَدْرُ، (وهو) بفتح السين سواء أُضيف إلى شيء أو استُعمل بحرف الجرّ، وربّما يسكّن ضرورة، وأمّا (حَسْبُك) بمعنى كفاك، فشيء آخر.
وهي: أي الجملة المنعوت بها في موضع رفع في نحو: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾.
(مِنْ): متعلّق برزقناكم، و (قبل): مجرور بمن، ومضاف إلى أن يأتي.
و (يومٌ): فاعله.
و (لا): لنفي الجنس، و (بيعٌ) بالرفع اسمه، لأن (لا) إذا كان مكررًا كما في الآية، جاز الرفع لأنّه مقدّرٌ جوابًا لسؤال، فَحَسُنَ أن يكون مطلقًا، وإن كان فيه مخالفة قياسية.
وقرأ ابن كثير ويعقوب، وأبو عمرو بالفتح على الأصل.
و (فيه): خبره، وجملة (لا بيع فيه) جملة اسمية مرفوعةُ المحلّ على أنها صفة.
ونَصْبٍ: بالجرّ عطف على رفع في نحو: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (اتقوا): فعل مع الفاعل وهو الواو، و (يومًا) منصوب إمّا على المفعولية، كما هو رأي أبي عليّ في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا﴾.
وإمّا على الظّرفيّة، فيكون مفعولًا فيه، تقديره: واتّقوا عذاب اللهِ يومًا.
و (ترجعون): جملة فعلية في محل نصب على أنها صفة يوم.
وقراءة تَرجعون [بالتاء] بالبناء للفاعل: فعلى الأوّل يكون رَجَعَ متعدّيًا، وقراءةٌ بالياء على طريق الالتفات.
وجَرٍّ: بالجرّ، عطف إمّا على نصبٍ أو رفعٍ على اختلاف القولين، فإنّ النُّحاة اختلفوا في معطوفاتٍ متعدّدةٍ، أنّ الجميع هل يعطف على الأوّل؟ أو كل واحدٍ يعطف على ما قبله؟ في نحو: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
(لا): لنفي الجنس، و (ريبَ): اسمه، و (فيه): خبره، والجملة الاسمية مجرورة المحلّ لكونها صفة ليوم.
[التابعة لجملة لها محل من الإعراب]
السابعة التّابعة لجملة لها محلّ من الإعراب نحو: زيدٌ قام أبوه، وقعد أخوه.
فجملة (قام أبوه): في موضع رفع لأنها خبر، أي خبر مبتدأ، وكذلك: أي مثل ما سبق في وقوعها موقع رفع.
جملة قعد أخوه لأنّها، أي: جملة قعد أخوه، معطوفة عليها، أي: على جملة قام أبوه.
ويسمّى (قام أبوه) جملة صغرى، و (زيد قام أبوه) جملة كبرى، فالصغرى فعلية والكبرى اسميّة.
[الجمل التي لا محلّ لها من الإعراب]
المسألة الثالثة: في بيان الجملة التي لا محلّ لها من الإعراب، وهي سبع أيضًا.
كالمسألة الثانية، و (أيضًا): نصب على المصدرية، فإنها من المصادر التي حذف فعلها مثل: سعيًا ورعيًا.
قال الجوهريُّ: آض يئيضُ أيضًا، إذا عاد ورجع.
[الجملة الابتدائية]
إحداها: أي إحدى جمل السّبع.
المبتدأة، وتُسمّى المستأنفةَ، بالنّصبِ مفعول ثان لتسمّى.
أيضًا: أي كما تُسمّى مبتدأة.
اعلم أن الاستئناف عند أرباب المعاني ما يكون جوابًا عن سؤال مقدّر وأما عند أئمة النّحو فالمستأنفة، هي الجملة التي وقعت في الإبتداء، سواء كانت في الابتداء جوابًا لسؤال أوّلًا، ذكره المصنّف في "المغني".
نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.
اعلم أنّ أصل (إنّا) إنّنا، فحذفت الثانية لاجتماع الأمثال والتخفيف، وإن حكى بعض النحويين ثلاثة مذاهب:
الأوّل: حذف الأولى.
والثاني: حذف الثانية.
والثالث: حذف الثالثة.
لكن الصحيح هو المذهب الثاني، لأنَّ النون الأولى كالأصل، بدلالة حذف الثانية في (إنْ) إذا كانت مخفّفة، مع بقاء الأولى ساكنة، ولو كانت المحذوفة هى الأولى لبقيت الثانية متحرّكة، لكونها قبل الحذف كذلك.
ولا يجوز حذف الثالثة لأنّها ضميرٌ.
فـ (إنّ): حرف من حروف المشبّهة بالفعل، و (نا) منصوب المحلّ على أنّه اسم (إنّ).
و (أعطى) فعل يتعدّى إلى المفعولين، ومسندٌ إلى الفاعل، وهو ضمير المتكلّم.
و (الضمير المنصوب) كناية عن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - مفعوله الأوّل.
و (الكوثر) مفعوله الثاني، وجملة (أعطيناك الكوثر) جملة فعلية في محلّ الرّفع.
خبر إنّ وجملة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾: جملة اسمية مستأنفة لا محل [لها] من الإعراب.
ونحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ بعدّ بالنّصب إمّا تقدير من، أو أعني، أو بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى الجملة، ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ بحسب الظاهر ولكن في الحقيقة مضاف إلى المفرد المقدّر فيكون تقدير الكلام بعد قوله تعالى، وإنما قلنا بكذا لأنّ الغايات لا تُضاف إلى الجملة، نصَّ عليه شارح "المفصّل".
و (إنّ): من حروف المشبهة و (العزّةَ): بالنصب اسمه و (لله): في محل الرفع خبره.
و (جميعًا): يحتمل أن يكون حالًا من الضمير المستتر في الظرف، أي: مجتمعة، والعامل فيه شبه الفعل وهو الظرف، ويحتمل أن يكون تأكيدًا من إنّ العزَة لله، كما قال في "الصحاح"، وجميعًا يؤكّد به، يقال: جاؤوا جميعًا أي: كلّهم.
انتهى.
فجميعًا تأكيد لضمير جاؤوا، وهو الواو.
فَعُلِمَ من الكلام ظاهرٌ أنّ لفظة جميعًا بالنصب تأكيد، وإن كان المؤكّد مرفوعًا، بخلاف سائر ألفاظ التأكيد خذ هذا فإنه ينفعك في مواضع شتّى.
وجملة (إنّ العزّة لله جميعًا) لا محل لها من الإعراب مستأنفة، بمعنى التعليل في جواب: لِمَ لمْ أحزنْ؟
كأنّه قيل: لا تحزن بقولهم، أي بإشراكهم وتكذيبهم، ولا تبالِ بهم، لأنّ الغلبة لله جميعًا، لا يملك غيره شيئًا منها فهو يقهرهم فينصرك عليهم.
وليست جملة إنّ العزة لله جميعًا محكيَة بالقول، وهو قولهم.
لفساد المعنى لأنّ هذا القول لا يجوز أن يكون مورّثًا للحزن له، إلّا إذا كان بطريق الاستهزاء، وهو احتمال مرجوحٌ لا يذهب
إليه وَهْمٌ، فلا يكون محكيًّا بالقول، بل هو قول الله تسلية للنبيّ -عليه السلام-، وكذا الحال في كونه بدلًا من قولهم، كما ذكر في "الكشاف".
ونحو قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ بعدَ -إعرابُ (بعدُ) كإعراب ما سبق- ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾.
فـ (حفظًا) منصوبة بإضمار فعله، أي: حفظنا السَّماء حفظًا بالشُّهب و (من): متعلقة بمحذوف.
و (شيطان): على وزن فيعال، مأخوذ من [الشّطن]، وهو البعد.
وقيل: شيطان على وزن فعلان، مأخوذ من الشّيط، وهو الهلاك، فعلى الأوّل منصرف، وعلى الثاني غير منصرف.
و (مارد): أي متكبّر، متجاوز عن الحدّ في الطغيان، وخارج عن طاعة الرحمن وليست جملة لا يسّمّعون صفة للنكرة وهو شيطان لفساد المعنى لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من غير شيطان، فلزم أن يكون جملة مبتدأة على ما اختاره صاحب "الكشّاف" والقاضي.
اعلم أن أرباب التفسير اختلفوا في هذه الآية.
قال أبو البقاء: (لا يسّمّعُون): جمع على معنى كلّ في موضع الصّفة، أو نصب على الحال، أو مستأنفة، وخطّأه أكثر المفسرين.
أما كونها صفةً، لأنّ حفظ السموات لأجل أنَّ الشَّياطين يطَّلعون عليها، ويسّمّعون أخبارها، ويُطلعون الكواهن، فإذا كانوا غير سامعين لا فائدة في حفظ السموات منهم.
وكذا في كونها حالًا في المعنى، لكونهما من وادٍ واحدٍ.
والمصنف لم يتعرّض إلى كونها حالًا، لأن الجملة الخبرية إذا وقعت بعد النكرة الموصوفة يجوز أن تكون صفة أو حالًا، لَكِن جَعْلُها صفةً أوْلى من أن تُجْعَلَ حالًا بناء على ظاهرها وإن كانت متخصصة.
ويختلج في صدري جواز جعلها:
صفةً، وعدم سماع الشيطان أن يكون بحسب الحفظ، فحاله عند الحفظ لا يسمع، فيصير موصوفًا في حالة الحفظ بذلك.
وكذا جعلها حالًا، لما عرفت أنّ الحال والصفة من وادٍ واحد.
وأمّا كونها مستأنفةً، لأن سائلًا لو سأل، لم تحفظ من الشيطان؟ فالجواب: بأنهم لا يسمعون لم يستقم، كذا قالوا.
ويمكن أن يُجعل الاستئناف أيضًا على تقدير تغيير السؤال، بأن يقال، لمّا قيل: وحفظًا من كل شيطان مارد.
سُئِل: وقيل: فماذا يكون إذن؟ فأجيب: لا يستمعون، ولا يجوز أن تكون علّة للحفظ على حذف اللام كما في: جئْتُكَ أنْ تُكرِمَني، ثم حذف أن وأهدرها كقوله:
ألَا أَيُّهَذَا الزَّاجِريّ أَحْضُرَ الْوَغَى [طويل].
فإن اجتماع ذلك منكر، ومن مُثُلها بضم الميم والثاء، جمع مثال كأمثلة، أي من أمثلة الجمل التي لا محل لها لكونها مستأنفة قوله، أي قول الشاعر وهو جرير إنّما غيّر أسلوب السابق، حيث لم يقل: وقوله رعايةً للأدب:
بِدْجلَةَ حَتّى ماءُ دجلةَ أشكل [طويل]
أوّل البيت:
وما زالتِ القَتْلَى تَمُجُّ دماءها
يقال: مجّ الشراب إذا رمى به، ووجهٌ أشكلُ إذا كان فيه بياضٌ وحمرةٌ كذا في "الصحاح"، والمعنى: ما زالت القتلى ترمي دماءها، حتَّى ماء دجلة اختلط الدّمُ ولم يفرق الماء من الدم.
حتَّى: حرف ابتداء، ماء: مبتدأ مضاف إلى دجلة، وجرُّ دجلة محمولٌ على نصبها لكونها غير منصرفٍ للتأنيث والعلم، وأشكل: خبره، الجملة الاسمية لا محل لها من الإعراب لكونها ابتدائية، ومثله قول الفرزدق:
فَوَا عَجَبًا حتَّى كُلَيْبُ يَسبُنّي [طويل]
وإنما أورد المصنف هذا البيت مع أنّ رعاية الأدب أشدّ في تركه ليكون توطئةً إلى قوله، وعن الزّجاج وابن دُرُسْتَويَه، ودُرُسْت لفظ أعجميٌّ مركّبٌ مع (ويه) كسيبويه، ثم جعل لقبًا له، فالأحسن أن يكون الجزآن مبنّيين، الأوّل على الفتح، والثاني على الكسر، وإن جاز فيه وجوه.
وفي "القاموس": كل اسم خُتم بـ (ويه) كسيبويه فيه لغات.
أن الجملة بعد حتى الابتدائية، أي: الصالحة لوقوع المبتدأ والخبر بعدها، لأنه لابُدّ منه، في موضع جرّ بحتّى، يُفْهَمُ منه كونُ حتّى جارّة وعاطفة عندهما فقط، اللهم إلَّا أن يقال: أن تكون حتَّى ابتدائيةً جارّةً إن كانت مدخولها جملة، فتأمّل.
وخالفهما الجمهورُ برفع الرّاء، فاعل خالف، الظاهر أنّ المراد من الجمهور من يكون في عصرهما، ومن بعدهما وإلّا لا يكون لإسناد الخلاف إلى الجمهور وجه.
لأنّ حروف الجرّ لا تُعَلّق، بضم اللام، أي لا تمنع عن العمل، بل تعمل، فلو جُعلت حرفَ جرٍّ هنا لكان (ماء) مجرورًا، وليس كذلك في المشهور، ولو قلتَ: ماء مبتدأ، وأشكل خبره، والجملة في موضع جرّ بحتّى، لعلّقتَ العمل عنها من غير مانعٍ وهو الخلاف المفروض، ولوجوب، هذا دليل ثانٍ لكونها ابتدائية كسرِ إنّ لكون الشهرة به في قولك: مَرِضَ فُلانٌ حتَّى إنهم لا يرجونه، فلو كانت حرف جرٍّ لوجب فتح إنّ.
فإذا دخل، الفاء: للسببية بمعنى لام التعليل على ما ذكره الشيخ الرضي، فما وقع في بعض النسخ بالواو فليس بصحيح إلَّا بالتكلّف، وهو حذف (أنّ) مع لام التعليل، فالمعنى، ولأنّه إذا دخل الجار مطلقًا على (إن) فتحت همزتها نحو ذلك: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ لأنّ الجار لا يدخل إلا على المفرد، وأنَّ بالفتح مع معمولها في تقدير المفرد بخلاف إنَّ بالكسر، فلهذا وَجَبَ أن تكون مفتوحةً، فالحاصل: إنّ حتَّى إذا كانت جارّةً، أو عاطفةً، يجب أن تكون إنَّ بعدها مفتوحةً، وإذا كانت ابتدائيةً فبالكسر.
[صلة الموصول]
والثانية من الجمل التي لا محل لها من الإعراب: الواقعة صلةً لاسم موصول نحو جاءني الَّذي قام أبوه، جاء: فعل، والياء المتصل بنون الوقاية: مفعول، والذي: اسم موصول، وجملة قام أبوه: صلة لا محل لها من الإعراب.
والموصول مع صلته في محل الرفع فاعل (جاء)، لأنّ الصلة مع موصولها لا يكون إلَّا مفردًا، نصّ عليه صاحب "الإقليد"، أو لحرف عطف على اسم، وإذا عطف المظهر على المظهر المجرور جاز ذكر الجار وحذفه.
اعلم أنّ الموصول على قسمين:
اسم: وَحدُّه بحسب تعريف ابن الحاجب في مقدمته، بما لا يتمُ جزءًا إلَّا بصلة وعائد.
وحرف: وحَدَّه صاحب "التسهيل" بما أُوّل مع ما يليه بمصدر ولم يحتج إلى عائدٍ، واحترز بقوله: ولم يحتج إلى عائد، من الَّذي الموصوف به مصدر محذوف نحو: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي كالخوض الَّذي خاضوه، فإنّه يؤوّل مع ما يليه بمصدر، لكنه محتاج إلى عائد، فلا فرق بين الاسمي والحرفي في احتياجهما إلى الصلة، لكن الفرق بينهما أنّ الاسميّ مفتقر إلى العائد، بخلاف الحرفيّ، وهو خمسة أحرف أحدها:
أنّ: بالفتح وتُوصل باسمها وخبرها، وتختصّ بالجملة الاسمية والفعلية إلّا إذا كُفّت بـ (ما) فيجوز بعدها الاسمية و [الفعلية].
والثاني: كي وتوصل [بفعل] مضارع، ولا يقع إلَّا مجرورًا باللام أو مقدّرًا معها اللام.
والثالث: لو خلافًا لمن أنكرها وعلامتها، أن يصلح موضعها (أنْ) وأكثر وقوعها بعدما يدلّ على تمنٍّ كقوله تعالى:
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ وأكثر النحويين لا يذكرونها في الحروف المصدرية.
وممّن ذكرها: الفرّاء وأبو علي، ومن المتأخرين: التّبريزي وأبو البقاء، وتُوصل بفعل متصرّف غير الأمر.
والرابع: أنْ بفتح الهمزة وسكون النّون، وتوصل بفعل متصرف مطلقًا، خلافًا لمن منع وصلها بالأمر.
والخامس: ما توصل بفعل متصرف غير الأمر، هذا عند سيبويه، وقد توصل بالجملة الاسمية كما وقع في "نهج البلاغة":
(بقوا في الدُّنيا ما الدُّنيا باقية)
قال الشيخ الرضيّ: وهو الحق وإن كان قليلًا.
وتنفرد بنيابتها عن ظرف زمان كقوله: جُدْ مادمتَ واجدًا.
وقال الزمخشري: إنّ (أنْ) تشاركها في ذلك، وجعل منه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾.
وقال سائر النَّحاة: هذا زعم منه، لأنّ (أنْ) في الآية للتعليل، وهو المعنى المُجْمَع عليه، فلا عدول عنه، هذا أي كونُ ما المصدريّة حرفًا غير محتاج إلى العائد عند سيبويه.
وأمّا عند الأخفش وابن السرّاج أنها اسم فيحتاج إلى عائد.
وعند أبي البقاء أنها على كلا القولين، لا يعود إليها شيء من صلتها، وهو خلاف ما نقله غيره، فعلى هذا قول المصنّف نحو: عجبت مما قمت، أي من قيامك، مبني على مذهب سيبويه فما، أي لفظ (ما) مصدرية، يدلّ عليه تفسيره، فما قمت في موضع جرّ بمن؛ لأنّه في تأويل المصدر، وأمّا قمت وحدها فلا محل لها من الإعراب لأنها صلة موصول، وهو ما المصدرية.
والحاصل أن كل واحد من الصلة والموصول لا محل له ولمجموعها من الإعراب.
[الجملة المعترضة]
الثالثة من الجمل التي لا محل لها من الإعراب: المعترضة بين الشيئين، وهي الجملة التي تأتي في أثناء كلام، أو بين كلامين متّصلين معنىً لا محل لها من الإعراب لنكتةٍ سوى رفع الإبهام،
وليس المراد من الكلام هو المسند والمسند إليه فقط، بل مع جميع ما يتعلق بهما من الفضلات والتّوابع، والمراد باتصال الكلامين أن يكون الثاني بيانًا أو تأكيدًا أو بدلًا كذا في "المطوّل".
فعلم من هذا أنّ قول النحاة أن الجملة المعترضة في ستة مواضع ليس حصرًا حقيقيًا، بل على سبيل الغالب نحو ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ.
. .﴾ الآية، أي إلى آخر الآية، وذلك، أي بيان كون الاعتراض في الآية، لأنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ جواب لا أقسم بمواقع النجوم وما بينهما، أي بين لا أقسم وبين جوابه، اعتراض وهو ﴿إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ لا محل لها من الإعراب، وهذا الاعتراض اعتراضٌ بين القسم وجوابه، وفي أثناء هذا الاعتراض اعتراضٌ آخر وهو ﴿لو تعلمون﴾ فإنّه معترض بين الصفة والموصوف وهما أي الموصوف والصفة ﴿لقسم عظيم﴾ فصل المصنّف هنا لخفائه، وترك في الأوّل لوضوحه، ويجوز الاعتراض، هذا شروع في حكم زائد على ما ذكر بأكثر من جملة واحدة نحو قوله تعالى:
﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ اعتراض بأكثر من جملة بين كلامين متصلين، فإن قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ بيان لقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ويؤيّد هذا الكلام ما ذكرنا من [أن] الاعتراض ليس مخصوصًا في ستَّة مواضع لأنّ البيان خارج عنها خلافًا لأبي علي، وهو غير صحيح محجوج بالوقوع، كذا قيل مراد أبي علي أن يقال:
إنّ الاعتراض لا يجوز أكثر من جملة واحدة مستقلة، وما وقع في الآية ليس كذلك لأنها معطوفة على الجملة المتقدّمة، وهما في حكم واحد على ما صرّحوا ولو لم يكن مراده هذا لَمّا أنكرَ النصّ الصّريح، وعدم الاطّلاع عليه بعيد عن أمثال ذلك الفاضل، فيكون النّزاع لفطيًا.
[الجملة التفسيرية]
والرّابعة التفسيرية: الياء النسبية مع التاء أفادت معنى المصدر، فلو تركها كما ترك ابن الحاجب في قوله: والجرّ على الإضافة لكان أحسن، لأنّ التفسير مصدرٌ، فلا يحتاج إلى ما يفيد المصدريّة.
وهي الكاشفة -أي المبيّنة- لحقيقة ما يليه، (ما): موصولة، عبارة عن الشيء الموجود قبل المفسَّر، فالضمير المستتر في (تليه) راجع إلى الجملة التفسيرية، والضّمير البارز راجع إلى ما.
أي هي المبيّنة بحقيقة الشيء الَّذي يلي تلك الجملة ذلك الشيء [وليست عمدة] نحو قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾.
(أسرُّوا): فعل مع فاعله، (النجوى) مفعوله.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وإعرابه على ثلاثة أوجه.
أحدها: الرفع وفيه وجوه: الأوّل: أن يكون بدلًا من الواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾.
والثاني: أن يكون مبتدأ، والخبر إمّا جملة متقدّمة، أو جملة الاستفهام بتقدير القول، كما قال أبو البقاء، وإنّما قال: بتقدير القول، لأنّ الإنشاء لا يكون خبر الآية.
والثالث: أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف أي: هم الذين ظلموا.
والرّابع: أن يكون فاعلًا لـ (أسَرُّوا) والواو علامة الجمع، وليس بضمير كما في: (أكَلُوني
الْبَرَاغيث).
قال في "حاشية الضّوء": وهو لغة رديئة، قلّ وقوعها في الضرورات، فكيف وقوعها في القرآن المُعْجِز.
وقال شارح "الألفية" المشهور بابن [أم] قاسم ناقلًا عن "التسهيل" في كتب الأحاديث المرويّة الصحّاح ما يدل على كثرة هذه اللُّغة، وجودتها، وذكر آثارًا منها قوله -عليه الصلاة والسّلام-: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ".
وحكى بعض النّحويين: إنها لغة طيء، وبعضهم أنها لغة أزد شنوءة، ولا يُقبل قول من أنكرها.
أقول: كثرة أمثال هذا الكلام لا يدلُّ على جَوْدة هذه اللّغة، لجواز إعرابها بسائر الوجوه.
والوجه الثاني: النصب، إمّا على الذَّم أو إضمار أعني.
والوجه الثالث: الجرّ على أنها صفة للناس.
﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فجملة الاستفهام مفسرة للنجَّوى، فلا محلّ لها من الإعراب، هذا عند الجمهور، وأمّا على رأي الشّلوبين، فمحلها النّصب، لأنّ المفسِّر في إعراب عين المفسَّر، وإعرابه النَّصب لكونه مفعولًا لـ ﴿أسرُّوا﴾.
وقيل: في محلّ النَّصب بدل منها، أي من النّجوى، بدل الكلّ من الكل،
أو بدل البعض، هذا هو الّراجح عند الزمخشري، حيث ذكره مقدّمًا على غير الوجه، ولم يذكر الوجه الأوّل أصلًا، ورأسًا، وقال: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ هذا الكلام في محلّ النصب بدلًا من (النجوى) أي: وأسروا هذا الحديث، ويجوز كونها مفعولًا لقول مقدّر، كما ذكر الزمخشري.
ويجوز أن يتعلّق بقالوا مضمرًا، والمصنّف ضعّفه، حيث ذكره بـ قيل لكنّ الأَوْلى ما قاله العلَّامة، نعم قد يكون التنكير إشارة إلى قلّة القائل، لا إلى ضعفِ المقول، لكن السّياق يأبى عنه.
ونحو قوله تعالى: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾.
فإنّه -أي المذكور- تفسير كمثل: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾ -أي مَضَوْا- ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، حالهم التي هي مَثَلٌ في الشّدّة.
و (مسّتهم) بيان للمَثَل مع قطع النَّظر عن كونه استئنافًا أو بيانًا له على الاستئناف، كأنّه قيل: كيف مثلهم؟ وأجاب: مَسّتْهم البأساء والضّرّاء وإنّما قلنا مع قطع النّظر عن كونه استئنافًا؛ لأن المصنّف عدّ المستأنفة والتفسيريّة قسمين مستقلين من الجمل التي لا محل لها من الإعراب، وجعلها مثالًا للتَّفسيرية.
وقيل: حال من الذين، فتكون (قد) مقدّرة على القاعدة الممّهدة عند الأكثر، وهي أن الماضي لا يكون حالًا إلّا أن تكون (قد) ظاهرة أو مقدّرة، انتهى أي تمَّ الكلام، لعلّ هذا القيد إشارة إلى أنّ الإعراب لا يجوز عنده بغير ما ذكره بخلاف سائر المواضع [التي ترك] فإن الإعراب يجوز فيه بغير ما ذكره.
ونحو قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية.
شبّه عيسى -عليه السّلام- بآدم -عليه السلام- من حيث أنّه خلقه من تراب، ولم يكن له أبٌ وأمٌ، فكذلك حال عيسى -عليه السلام-، حيث خُلق من غير أبٍ، ولا يلزم من هذا التشبيه كونه مشاركًا في جميع الوجوه، لأنّ المماثلة لا تقتضي المشاركة في جميع الأوصاف.
ويجوز أن يكون التَّشْبيه بينهما من حيث إنّهما وُجدا وجودًا خارجًا عن العادة المستمّرة، وهما في ذلك نظيران، أو من حيث إنّ الوجود من غير أب وأمّ أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب، فشبّه الغريبَ بالأغربِ ليكون أقطع للخصم، وأحسن للمادَّة.
فجملة خلقه تفسير لـ (كمثل)، وقيل موضوعها حال من آدم، و (قد) معها مقدّرة والعامل فيها معنى التشبيه، والهاء لازم، و (من) متعلق بـ (خلق)، ويضعُفُ أن يكون حالًا، لأنّه يصير تقديره: خلقه كائنًا من التُّراب، وليس المعنى عليه، كذا في "معرب" أبي البقاء.
ونحو قوله تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بعد ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
قال أبو البقاء: (تؤمنون) تفسير للتّجارة، فيجوز أن يكون في موضع جرٍ على البدل، أو في موضع رفع على تقدير هي.
وقيل: مستأنفة بمعنى آمِنوا، وهو أعم من الصناعي والبيانّي، أما على تقدير كونه بيانيًا، فإنّهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: تؤمنون بالله بدليل: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالجزم، فَجَزْمُ (يَغْفِرُ) لكم دليل على الوجهين، فيكون الباء متعلقًا بهما.
والحاصل: إن جزم ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾
إما جوابًا للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر، وإنّما جيء به إيذانًا بأنّ ذلك مما لا يترك به، أو لشرط.
قال القاضي البيضاوي: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾: جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر، أو لشرط تقديره: أن تؤمنوا، أو تجاهدوا، وقال أبو البقاء: في جزمه وجهان:
أحدهما: هو جواب لشرط محذوف دلّ عليه الكلام تقديره: وإن تؤمنوا يغفرْ لكم، و (تؤمنون) في معنى آمنوا، فعلى هذا تكون جملة (تؤمنون) مستأنفة، هذا أقرب إلى الحق حيث قال العلَّامة في الكشاف".
عن ابن عبَّاس -رضي الله تعالى عنه- إنّهم قالوا: لو نعلم أحبَّ الأعمال إلى الله تعالى لعملناها، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي، فدلّهم الله تعالى عليها بقوله -تؤمنون- وهذا دليل على أنّ تؤمنون كلام مستأنف.
وثانيهما: أو لكونه جوابًا لاستفهام دلّ عليه الكلام، تقديره: هل تقبلون أنْ أدلَّكم؟ وقيل: جواب لهل المضمر بحيث المعنى، فتقديره: هل تُؤمنون بالله وتجاهدون؟ لأن الله تعالى قد بَيَّن التجارة بالإيمان والجهاد، فكأنّه قد لفظ بهما في موضع التّجارة.
وقيل: جواب لهل أدلّكم، وهو قول المصنّف، وعلى الأوّل [هو] جواب الاستفهام يعني على تقدير كون ﴿تؤمنون﴾ بيانًا وتفسيرًا، يكون ﴿يَغْفِرْ لكم﴾ بالجزم جواب الاستفهام على القاعدة الممهدة، وهي أنَّ الفعل المضارع يجزم بإن مضمرة إذا وقع جوابًا لأمر أو نهي أو استفهام أو تمنٍّ أو عرض.
تنزيلًا: يجوز نصبه على المفعول المطلق، أو على المدح أو [على] المفعول له حيث جعل جوابًا لمن، قال كيف يصحّ جعله جوابًا لهل أدلّكم مع أنّ دلالته لا توجب المغفرة، فأجاب بقوله (تنزيلًا)، أي يصحّ ذلك إقامةً لسبب السبب، وهو الدّلالة التي هي (سبب الامتثال)، منزله السبب، وهو الامتثال الَّذي سَبَّبَ المغفرة، إذ الدّلالة سبب الامتثال، فكأنها قامت مقام الامتثال، لأنّ الدّلالة على التّجارة المفسرة بالإيمان، سبب الامتثال الَّذي (هو سبب) المغفرة، فلا يبعد أن تكون الدّلالة المفسّرة بالإيمان سببًا للمغفرة، فعلى هذا يكون ردّ القاضي على القائل هذا القول بقوله:
ويبعد جعله جوابًا لهل أدلّكم؛ لأن مجرّد دلالته لا توجب المغفرة لما فيه اشتباه، ولا يخفى على الفَطِن؛ لأنّهم لم يقولوا مجرد الدّلالة توجب المغفرة بل الدّلالة المفسرة يؤمنون.
انتهى أي تمَّ الكلام.
وقال الشَّلَوْبين، بفتح الشين واللام، وسكون الواو، وكسر الباء بنقطة، وسكون الياء المنقوطة بنقطتين، اسم لشيخ من الكوفيين، وفي بعض النسخ الشلوبون.
والشلو اسم بلدةِ ابن مالك، فيكون المراد منه النحويين المنسوبين إلى الشلو، هكذا ضبطنا من أستاذنا، التحقيق هذا صريح بأنّ ما ذكره أوّلًا ظواهر كلمات القوم، والتخصيص بعد التعميم، تحقيق قولهم فذكر أوّلًا كلمات القول وحقّق ثانيًا بقول الشَّلَوْبين.
إن الجملة المفسَّرة بحسب ما تفسره، وإعراب بحسب ما تفسره، كإعراب قوله بحقيقة ما تليه، فإن كان له أي لمفسَّره بفتح السين، محلّ فهي، أي الجملة المفسِّرة بكسر السين، كذلك أي مثل المفسّر في كونه محلًا من الإعراب وإلّا أي وإن لم يكن له محل فلا، أي لا يكون له محل من الإعراب.
والثاني أي المفسِّر الَّذي لا يكون لمفسِّره إعراب نحو: ضربتُهُ في نحو زيدًا ضربته، والتقدير: ضربتُ زيدًا ضربته، فلا محلّ للجملة المقدّرة وهي:
ضربتُ، لأنها مستأنفة فكذلك تفسيرها في أن لا يكون لها محل من الإعراب.
والأوّل: أي المفسِّر الَّذي يكون لمفسره إعراب إنّما آخذ معنى الثاني مع أنَّه وجودي، والوجودي يقتضى التّقديم في الأقسام والأحكام، لأنّ الكلام في القسم الثاني قليل، فلو قُدّم الأوّل لوقع الفصل بين القسمين بالكلام الكثير فيكون دغدغة.
نحو ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.
[والتقدير: إنّا خلقنا كلّ شيء خلقنا]، فخلقنا المذكورة مفسِّرة لخلقنا المقدّرة، أي: المضمرة، فالمقدّرة عام من المحذوف، والمضمر.
وتلك أي: الجملة المقدّرة، في موضع رفع لأنّها خبر إنّ المتّصل بنا، وكذلك أي مثل المقدّرة المذكورة في كونها مرفوع المحلّ.
ومن ذلك، أي: من أمثلة الجملة المفسِّرة التي حكمها كحكم المفسَّر، وإنما قال من ذلك ولم يقل: نحو زيدٌ الخبزَ ويأكُلُهُ، رعايةً للأدب، فزيدٌ: مبتدأ، فيأكله: الفاء للتفسير في موضع رفع لأنّها مفسِّرة للجملة المحذوفة أي المضمرة، وإنما فسّرنا المحذوفة بالمضمرة لأنهم فرّقوا بين المضمر والمحذوف، وقالوا: المضمر هو المتروك، ويكون له قائمٌ مقامه، والمحذوف هو المتروك أصلًا، ولا يكون في القائم مقامه أثر، كذا في "شرح الألفية" وههنا القائم مقامه موجود وهو المفسَّر، والمصنّف تساهل وعبّر عن المضمر بالمحذوف، نعم بعض النحاة لم يذهب إلى الفرق، لكنّ التحقيق ما قلنا فيما سبق.
وهي أي: الجملة المضمرة، في محل الرفع على الخبرية لزيد، فتقديره: زيد يأكلُ الخبزَ يأكُلُه.
فيأكله المقدّم في موضع رفع لانّه خبر زيد، وكذلك المؤخّر لأنّه مفسّره وإنما أورد المصنّف هذا المثال، ولم يكتف بالأوّل ليكون توطئة لقوله:
واستَدَلَّ على ذلك، أي على كون الجملة المفسّرة في حكم الجمله المفسَّرة في الإعراب.
بعضهم أي: بعض النّحاة، بقول الشاعر، وفي ذِكْرِ البعض إشارة إلى ضعفِ الاستدلال
فَمَنْ نَحْنُ نُؤمِنْهُ يَبِتْ وَهْوَ آمِن [طويل]
فظهر الجزم في الفعل المفسِّر للفعل المحذوف، لأنّ هذا الاستدلال مبنيّ على ثبوت الجزم لكونها مفسِّرة للمجزوم، وذلك غير ثابت، على أن ذلك لا يقتضي أن يكون جميع المفسِّر مثل ذلك، لأنّ المطلوب هو القاعدة الكُلّيّة، والمثال الجزئى لا يشتبه، وتقدير الكلام، فمن [نؤمنه] نحن نؤمنه يبت وهو آمن.
فَمَنْ: اسم متضمن للشّرط، و (نؤمِّنْ) المقدّر مجزوم بِمَنْ، وكذلك المذكور لكونه مفسِّرًا له، و (يَبِتْ) جزاء مَنْ، و (الواو) في وهو للحال، و (هو): مبتدأ، و (آمن): خبره، والجملة: حال من ضمير يبت.
واعلم أنّ الأسماء المتضّمنة بمعنى إن لا تحذف أفعالها في حال الاختيار لكونها فرع إن، فلا تصرّف فيها مثل تصرّف إن إلَّا عند الضرورة كما في البيت المذكور.
وقال بعضهم: الأَوْلى في الاستدلال أن يثبتَ بما قاله فحول النّحاة في تعريف المفسِّر، وهو أن المفسِّر ما يتجانس المفسِّر في جميع الأحكام.
[جواب القسم]
والخامسة الواقعة جوابًا لقسم نحو: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ بعد قوله تعالى ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾.
ذهب الجمهور إلى سكون النّون في (يس).
وقرئ بالضمّ بناءً كحيث، وإعرابًا إما: خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه يس، أو مبتدأ، وخبره جملة القسم وجوابه.
وبالنّصب على البناء كأينَ، أو على الإعراب إما بتقدير فعل القسم على طريقة تالله تعالى والله لأفعلنَّ أو غيره كـ (اتْلُ) أو بإضمار حرف القسم والفتحة، ممتنع الصرف.
وبالكسر كَجَيْر، و (القرآن): الواو للقسم أو للعطف على تقدير كون يسن مقسمًا به، فيكون (والقرآن) قسمًا على كل وجه و (الحكيم) أي: ذي الحكمة، أو لأنَّه دليل ناطق بالحكمة
كالحيّ، أو لأنه كلام حكيم فوصف بصفة المتكلم، و (إنّ): حرف من حروف المشبهة، اسمها: الكاف، وخبرها ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وجملة ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: جواب للقسم لا محل لها من الإعراب.
فَلَمَّا ذهب بعضهم إلى كون يس مُقْسَمًا به، قال المصنف: يس والقرآن من غير اقتصار على أحدهما جمعًا للخلاف، قيل، ذكر قيل لقلّة القائل لا لضعف المقول، ويرشدك إليه جواب المصنّف لمن ردّ هذا القول بقوله، والجواب عمّا قاله: ومن هنا أي: ولأجل كون جملة جواب القسم لا محلَّ لها.
قال ثعلب هو من أئمة النحو واللّغة: لا يجوز زيد ليقومن من غير تأويل بأن الخبر مجموع القسم وجوابه.
فقوله: لا يجوز زيد ليقومنّ مقول لقال، وقوله: ومن هنا قال ثعلب إلى آخره مقول لقيل.
اعلم أنّ النُّحاة قالوا: إن مقول القول لا يكون إلَّا جملة، فلذلك تكون (إنّ) بعده مكسورة، وكذا قالوا: إن الجملة لا تكون فاعلًا ولا مفعولًا، مع أنّ مقول القول، وإنْ كان مفعولًا إلّا أنَّه لا يكون إلَّا جملة فتمحّلوا في التوفيق بين هذين القولين.
قال صاحب "اللباب" في بحث حروف المشبهة بالفعل: وتُفتح (أنّ) في مظانّ المفردات، أو ما يجري مجراها، وإن كان يستعمل فيها الجملة لفظًا جوازًا ولزومًا لَكَان الفاعل أو المفعول خارج باب قلت.
وقال في "شرحه": أي جميع متصرّفاته فإنّ مقول القول، وإن كان مفعولًا إلّا أنَّه لا يكون إلا جملة، فيفهم منه أنّ باب قلت مستثناة من هذا الحكم.
وقال ابن الحاجب في "الأمالي": الجملة الواقعة بعد القول إذا بُنيت لما لم يُسَمَّ فاعله تقوم مقام الفاعل، لأن القول لفظ الجملة [الواقعة بعد القول] لا معناه كقوله تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وما أشبه ذلك، وهذا أيضًا مختار الزَّمخشري، ولكن دار في خلدي: لو صحَّ هذا التأويل لأُجْرِي في سائر المواضع.
والحال أنَّه ليس كذلك، اللهم إلّا أن يقال: هذا التّوجه يختص بباب قلت؛ لافتقاره إلى الجملة.
وقال أبو البقاء: إنّ الجملة لا تقع فاعلًا ولا مفعولًا، ولو كانت في باب قلت، والمفعول القائم مقام الفاعل هو القول، والمضمر لأنّ الجملة بعده.
تفسيره.
فيكون التقدير قيل قوله، ومن هنا قال ثعلب: فعلى هذا: الواو زائدة لتأكيد اللّصُوق، بين المبتدأ والخبر على رأي أبي البقاء وبين القول ومقوله على رأي الغير، في قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾، لأن الجملة المخبر بها، صفةٌ جرت على غير من هي له فالضمير عائد إلى الجملة لها محل أي للجملة المخبر بها محلٌّ من الإعراب، وجواب القسم لا محل له من الإعراب، ولو جعل (ليقومنّ) خبرًا في الحقيقة للزم اجتماع الأمرين المتضادين، في جملة واحدة.
ورُدَّ بقوله تعالى -أي ردّ بعض النّحاة قول ثعلب بقوله تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ هذا على تقدير أن يكون (الذين) مع صلته في موضع الرفع بالابتدائية، ولنبوّئنهم خبره.
والجواب عمّا قاله، الضمير البارز راجع إلى (ما)، والمستتر إلى رادِّ قولِ الثعلب: إنّ التقدير والذين آمنوا وعملوا الصّالحات أقسم بالله لنبوّئنهم.
هذا جواب تسليمي إذ يجوز الإعراب في الآية الكريمة بغير هذا الوجه، وهو أن يكون (الذين) منصوبًا بفعل محذوف يفسّره (لنبوّئنهم) كذا ذكر أبو البقاء.
وكذلك التقدير فيما أشبه ذلك - فيكون التقدير في (زيد ليقومّن) زيد، أُقسم بالله ليقومنّ.
فالخبر [هو] مجموع جملة القسم المقدّرة وجملة الجواب -بالجر عطف على جملة: ويجوز أن يكون بمعنى مع فيكون منصوبًا- لا مجرد الجواب، أي لا مجرّد جواب القسم وحده، حتَّى يثبت ما قلتم، ولزم ما ذكرتم من لزوم جمع المتنافيين.
فعلى هذا يكون إطلاق الخبر على (لنبوّئنهم) مجازًا، فتأمّل.
[الواقعة جوابًا لشرط غير حازم]
السادسة الواقعة جوابًا لشرط غير حازم كجواب (إذا، وإذ، ولو، ولولا)
وقعَ في بعض النّسخ وإذ وإذا، فاعلم أنّ في (إذا) معنى المجاز، عند جميع النحويين ولو ولولا كذلك وأما إذ فلا يكون فيها معنى المجاز فلذلك لا تختصُّ بالجملة الفعلية إلّا بدخول (ما) الكافّة عند فحول النحويين، فحينئذٍ تكون من الجوازم، ويُتصرّف بالحرفية عند سيبويه، وعند المبرد في أحد قوليه، وعند البعض هي من الجوازم، والمصنّف عدّها ممّا يتصرف على ثلاثة أوجه، ولم يذكر كونها للشَّرط كما هو مذهب المحقّقين.
وأمّا عدُّها في هذا الوضع فعلى المذهب المرجوح، وأن الجزم لا يجوز بجميعها إلّا في ضرورة الشّعر عند البصريين.
وأمّا عند الكوفيّين (إذا) للشرط المحض يجزم مطلقًا.
ولو كان في ضرورة الشعر، وفي بعض اللغة.
و (إذ) كذلك عند بعض النّحاة، وأن دخول الفاء في جواب (إذ) و (إذا) متَّفق عليه.
وأمّا على جواب (لو) فلا تدخل إلَّا في رواية عن القاضي أبي العاصم ذكره في بعض كتب الأصول، فإذا فهمتَ ما تَلَوْنا عليك علمتَ أنّ كلام المصنّف مبني على مذهب المنصور فاحفظ هذه القاعدة عسى أن تتمشّى في مواضع كثيرة.
أو جازم ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا المفاجأة نحو: إن جاءني زيد أكرمته، فجملة أكرمته لا محلّ لها من الإعراب، لأنها لا تتعلّق بما قبلها، بالفاء ولا بإذا المفاجأة، فيكون جملة مستقلة كما هو حال سائر الجمل اللّواتي لا محل لها من الإعراب.
[التابعة لجملة لا محلّ لها]
السابعة التابعة لما لا موضع له، والضمير عائد إلى (ما) نحو قام زيد وقعد عمرو [إذا لم تقدّر الواو للحال]، وجملة قعد عمرو على تقدير كون الواو عاطفةً معطوفة على جملة قام زيد، التي لا محلّ لها من الإعراب لكونها مبتدأ، فلا يكون لها محلّ من الإعراب لكونها تابعة للجملة التي لا محل لها من الإعراب.
[الجملة الحالية والوصفية]
المسألة الرابعة: إما مبتدأ خبره محذوف، أو خبر مبتدأ محذوف، وهو هذه الجملة: مبتدأ وخبره الخبريّة صفة لها، وصف الجملة بالخبرية، لأنّ الإنشائية التي لم يسبقها ما يطلبها، لا تكون صفة إلَّا بتأويلٍ، وكذا كونها حالًا عند الجمهور خلافًا للفرّاء.
التي لم يسبقها أي الجملة الخبرية (ما) موصولة صلتها يطلبها الضمير المستتر في يطلب راجع إلى الموصول، والبارز إلى الجملة والموصول مع صلته فاعل لم يسبق.
لزومًا أي وجوبًا كما هو المتبادر، تمييز عن فاعل يطلب، وهذا القيد احتراز عن الجملة التي يطلبها ما يسبقها لزومًا، فإنها على مقتضى العامل، فلا يكون من هذا الباب كالجملة الخبريّة نحو: زيدٌ قام أبوه، فإن جملة قام أبوه لا تكون إلّا خبرًا، لأنّ المبتدأ يطلبه لزومًا بعدَ بالنصب إمّا على الحاليّة من المبتدأ أو على الظرفية، أو بإضمار أعني مضاف إلى النكرات بكسر الكاف المحضة [أي] الخالصة من شائبة التخصيص
والتّعريف، صفات سواء كانت تلك الجملة فعلية أو اسمية أو ظرفية أو شرطية ولا يكون فيها واو، ولو وُجد لكان زائدًا لتأكيد اللُّصُوق، وبعد المعارف المحضة؛ من شائبة النكرات أحوال.
اعلم أنّ الجملة الخبريّة سواء كانت اسمية أو فعليّة أو ظرفية، تقع حالًا بلا خلاف، وأمّا الجملة الشَّرطية الخبرية، فتكون صفة وخبرًا، ولا يكون حالًا إلّا بعد خروجها عن حقيقة الشرط، وهو إما بالعطف على ما يناقضها لأنّ النقيضين لا يبقيان على معنى الشرط، نحو: أتيتك إن تأتني وإن لم تأتني، واستمر فيه ترك الواو.
أو بتقدير المبتدأ وهو هو أو مثلُه، واستمر فيه ذكر الواو: فهذه الواو للحال عند الزمخشري، وعليه جمهور النّحاة خلافًا للبعض، فإنّ تلك الواو للعطف على مقدّر نحو: أتيتك وإن لم تأتني، وأكرمك وإن أهنتني.
قوله: بعد المعارف المحضة أحوال، عطف على بعد النكرات المحضة صفات، فإعراب المعطوف كإعراب المعطوف عليه، وكذا قوله: وبعد غير المحضة منهما، أي من النكرات والمعارف.
محتملة لهما أي للصفة والحال، قدّم الصفة على الحال لأنّها مبيّن الذات، والحال مبيّن الهيئة، وبيان الذّات مقدّم على بيان الهيئة.
فمثال: مبتدأ مضاف إلى الواقعة صفة.
مفعول الواقعة كما مرَّ في المسألة الثانية، نحو: بالرفع خبره مضاف إلى جملة ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ فجملة (نقرؤه): صفة لـ (كتابًا) منصوبًا على الحكاية لأنّه أي الكتاب نكرة محضة، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير المجرور في علينا، ذكر أبو البقاء فعلى هذا تكون الآية مثالًا لهما بالاعتبارين.
وحتّى جارّة بمعنى إلى بتقدير أن، وقد مضت أمثلة من ذلك، الجار والمجرور صفة لأمثلة، أي ذهبت أمثلةُ التي كائنة من هذا القسم، في المسألة الثانية، مفعول فيه لمضت، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ﴾ فيومًا: نكرة، وترجعون: صفتها وكذا سائر الأمثلة، فلينظر إليه ثانيًا.
ومثال الواقعة حالًا، إعراب هذه المذكورات كإعراب ما سبق: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ خبر المبتدأ وهو مثال الواقعة، فجملة تستكثر بالرّفع حال من الضمير المستتر، صفة للضمير.
في تمنن متعلّق للمستتر المقدّر صفة بعد صفةِ بانت متعلّق للمقدّر لأن الضمائر كلّها معارف بل هي أعرف المعارف، قيل هنا لعطف الجملة على الجملة لأن الضمائر كلها معارف، فيكون لترك الأوّل والأخذ ما فيه هو أهمّ من الأوّل مع ثبوته، فتكون جملة تستكثر حالًا من الضمير بلا ريبة، لكونه أعرف المعرفة.
ومثال المحتملة للوجهين، أي الحال والصفة بعد النكرة غير المحضة، بعد: ظرف والعامل فيه المحتملة، ويجوز أن يكون العامل فيه مقدّرًا، فحيئذٍ يكون حالًا من المحتملة، ويجوز أن يكون صفةً فيقدَّر متعلِّق معرّفًا، فيكون تقدير الكلام الكائن أو الَّذي حصل بعد التنكير، كما صرّح الأخفش لأنّ اللاّم في المحتملة بمعنى الَّذي، فلا يجوز أن تكون الجملة الخبريّة صفة لمعرفة إلَّا بهذا التأويل نحو: مررت برجل صالح يصلّي، فإن شئت قدّرتَ جملة يصلّي صفة ثانية لرجل، الموصوف [بصالح] لأنّه نكرة أي لأنّ رجلًا نكرة، والنكرة لم تَخْرج بالتوصيف عن كونه نكرة، وإن كانت غير محضة، وإن شئت قدَرتها حالًا منه أي: إن شئت قدّرت جملة يصلّي حالًا من الرجل، فعلى الأوّل يكون في محل الجرّ، وعلى الثاني في محل النصب لأنّه: هذا تعليل لتقدير جملة يصلّي حالًا من النكرات، أي لأنّ رجلًا قد قرب من المعرفة باختصاصه بالصفة الأولى، فيعامل معاملة المعرفة، وإن لم يكن معرفة.
ومثال المحتملة للوجهين بعد المعرفة غير المحضة، والمصنّف لم يقيّد به اعتمادًا على ما تَقَدَّم.
قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
شبّه قَرَأةَ التوراة وحفّاظَ ما فيها من اليهود بالحمار، لكونهم غيرّ عاملين بها، ومتفقهين بآياتها، وذلك لأنّ فيها نَعْتَ رسول الله -عليه السّلام- والبشارةَ به، ولم يؤمنوا به، كالحمار يحمل أسفارًا، أي كتابًا من كتب العلوم، فهو
يمشي بها ولا يدري منها إلَّا ما أصابه من التّعب، فكلُّ من عَلِمَ ولم يَعْمَلْ فهو مثل الحمار فإنّ المراد بالحمار الجنس.
اعلم أنّ (الّلام) إمّا إشارة إلى نفس الحقيقة، أو إلى حصة معينة منها، واحدًا كان أو اثنين أو جماعة، وهو العهد الخارجي، ونحو علم الشخص.
والأوّل إمّا أن يُطلق على نفس الحقيقة من غير نظر إلى ما صدقت الحقيقة عليه من الأفراد، وهو تعريف الجنس والحقيقة، وإمّا على حصّة [غير] معينة وهو العهد الذهبي، ومثله النكرة، وإمّا على الأفراد وهو الاستغراق ومثله كل مضاف إلى نكرة، هذا على سبيل التحقيق، وأمّا المشهور فالاستغراق ومقابل لتعريف الجنس.
وذو التّعريف الجنسي بالرفع صفة لذو، وبالجر صفة للتعريف يقرب من النكرة.
قال الشريف: وهذا القرب إنّما هو بين النكرة، والمعرّف بلام الجنس إذا أريد به الجنس، من حيث وجوده في ضمن فرد لا بعينه لأجل قرينة تقتضي ذلك، كقولك حيث لا عهد: أكلت الخبز وشربت الماء.
فإنّ مؤدّى المعرّف مؤدّى المنكر، وهو الفرد المنتشر، كأنّك قلت: أكلت خبزًا وشربت ماء.
والفرق هو أنّك في المعرّف تشير إلى كون ماهيّة ذلك الفرد معلومة، وليس في المنكّر هذه الإمارة، والتعريف الجنسي المأخوذ بهذا الاعتبار هو المسمّى تعريف العهد الجنسي، وإذا قصد بالمعرّف بلام الجنس إلى الماهية من حيث هي، فبيْن المُعَرَّف والمنكر بَوْنٌ بعيد.
فيحتمل الجملة من قوله تعالى: ﴿يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وجهين:
أحدهما: الحالية لأنّ الحمار بلفظ المعرفة، وإن كان نكرة في المعنى.
والثاني: الصفة لأنّه كالنكرة في المعنى، وإن كان معرفة بحسب الظاهر.
وإنما قال كالنكرة إشارة إلى الفرق الَّذي ذكرناه قبله، قال ابن الملك في شرحه لـ "المصابيح": الأَوْلى أن يُجْعَلَ صفةً.
انتهى.
لكن الأَوْلى أن يُجْعَلَ حالًا لأنّ العمل بظاهر الحال أولى، ويدلّ عليه تقديم الزمخشري هذا الوجه في الذّكر، كونها حالًا، حيث قال: فإن قلت: يحمل ما محلّها؟ قلت: النّصب على الحال، والجرّ على الوصف لأن الحمار، كاللئيم في قوله: وَلَقَدْ أمُرُّ عَلَى اللّئِيْمِ يَسُبُّني [كامل] وترك أبو البقاء صفة، حيث قال: يحمل، هو في موضع الحال من الحمار، والعامل فيه الـ مَثَلُ.