شرح قواعد الإعراب لابن هشام المتوفى سنة 761 هـ
تأليف محمد بن مصطفى القوجوي (شيخ زاده المتوفى سنة 950 هـ)
دراسة وتحقيق إسماعيل إسماعيل مروة
الرقم الاصطلاحي: 1034 الرقم الموضوعي: 450 الْمَوْضُوع: لُغَة (نَحْو وَصرف) العنوان: شَرْحُ قَوَاعِد الْإِعْرَابِ لِابْنِ هِشَام التَّأْلِيف: مُحَمَّد بن مصطفى القوجوي (شيخ زَاده) تَحْقِيق: إِسْمَاعِيل مروة الصَّفّ التصويري: دَار الْفِكر بِدِمَشْق التَّنْفِيذ الطباعي: المطبعة العلمية بِدِمَشْق عدد الصفحات: 304 قِيَاس الصفحة: 17 × 24 سم عدد النّسخ: 1500
دَار الْفِكر المعاصر الطبعة الأولى 1416 هـ - 1995 م جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة
يمْنَع طبع هَذَا الْكتاب أَو جُزْء مِنْهُ بِكُل طرق الطَّبْع والتصوير وَالنَّقْل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وَغَيرهَا من الْحُقُوق إلَّا بِإِذن خطي من دَار الْفِكر بِدِمَشْق
دَار الْفِكر سورية - دمشق - برامكة مُقَابل مَرْكَز الانطلاق الموحد - ص. ب: (962) برقيًا: فكر - س. ت: 2754 هَاتِف: 2239717، 2211166 فاكس: 2239716 تلكس: FKR 411745 Sy
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
شَرْحُ قَوَاعِد الْإِعْرَابِ
عرفان الصديق العزيز ... الأستاذ المفضال عبد الله أحمد المطوع الموقد رعيت هذا البحث، وكان لك الفضل الأكبر في إخراجه بهذه الحلة اللائقة أذكر ذلك عرفانًا وشكرًا إسماعيل
إهداء
إلى الأستاذ الدكتور أسعد ذبيان من رعاني وظنَّ بي الظنَّ الحسن أرفع بحثي هذا
شكر
إِلَى النخلةِ المعطاء الَّتِى مَا تزَال تكتوي بهجير الصَّحرَاء.
نبعِ الأخوّة الثر الَّذِي مَا بخل بالعطاء أخي معتز مروة الَّذِي لولاه مَا كتبت حرفا وَاحِدًا فى هَذِه الرسَالَة، أقدّم شكري لَهُ فى غربته.
وَإِلَى زَوْجَتي الطيّبة الَّتِى رافقتني رحلتي العلمية، فَكَانَت نعم الصديقة، لم تتأفّف، وَلم تتبرّم يَوْمًا، بل دفعتني بخلفها الرضيّ، وسماحتها، وقناعتها.
وَإِلَى أَوْلَادِي مُؤمنَة وَمنى وَمُؤمن الغالين وَقد سرقني الْبَحْث مِنْهُم طَويلا .. آمل أَن أعوّضهم فِي قَابل الْأَيَّام.
استحقوا شكري فإليهم أقدمه.
إِسْمَاعِيل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي الذي اصطفى، وعلى سائر النبيّين، وآل محمد وصحبه الطاهرين، وبعد: منذُ صارت العربية لغة القرآن المنزل على صدر النبيّ الكريم، نالت عناية من علماء العربية إكرامًا للغة وقرآنها، وفضلُ العربية هذا دفع اللغويين للعمل في تحليلها والتصنيف في علومها، ونشأ من بين علوم العربية عِلْمٌ على جانب كبير من الأهمية -أعاريب القرآن- توزّعت مصنّفاته إلى:
- كتب أخلصت للإعراب القرآني، ودراسة وجوهه وقراءاته، وما يتعلَّق به من علوم أخرى.
- كتب اعتنت بالجوانب الإعرابية في القرآن الكريم، أو ببعض الظواهر التي ما كانت لتكون لولا القرآن الكريم.
وقد نشأ هذا الجانب من التأليف مُبَكّرًا، لكن ذروة نضجه والتأليف فيه كانت عند علامة النحو العربي (ابن هشام الحنبلي الأنصاري 761 هـ) وأهم مصنفاته في هذا الباب "مُغْنِي اللَّبِيب عَن كُتُب الأعَارِيب" والذي ما يزال إلى يومنا يطغى على المصنفات في هذا الباب، حتّى تلك التي سبقت ابن هشام، كمصنفات "الزَّجَّاجي والرُّمَّاني والهَرَوِيّ والمَالَقِيّ والمُرَادِيّ".
ولم يُخْمِل هذا الكتاب ذكر كتب السابقين له وحسب، بل نحّى جانبًا كتب ابن هشام في هذا الفن مثل "الإعْراب عَن قَوَاعِدِ الإعْرَاب".
مع أنّه أسبق منه تأليفًا، ومن الباب نفسه، وقد زعم بعض الدّارسين أن "المُغْني" شرح له، وردّ ذلك بعضهم، ولذلك مكانه في الدّراسة ومع أنّ "المغني" سرق الإهتمام، إلاّ أنّ العلماء تنبّهوا إلى قيمة مصنفاته الأخرى، وما فيها من علم غزير مركّز، فقاموا بدراستها وشرحها، وعلى رأسها رسالته الموجزة "الإعراب عن قواعد الإعراب" وسيأتي ذكر شروحها في الدراسة إن شاء الله تعالى.
و"شرح قواعد الإعراب" لـ شَيْخ زَادَه 950 هـ، من الشّروح القيّمة، فمع أنّ الشارح متأخّر في الزمان، إلا أن شرحه غنيٌّ بالفوائد اللغوية، ومصادره الكثيرة التي عاد إليها، جعلت شرحه حاويًا الكتب والآراء معًا.
وللشرح قيمة كبيرة تكمن في أنّ الشّارح عالم مشارك في كثير من العلوم ذات الصلة بالقرآن الكريم.
ولمّا عاينت الكتاب، وجدت فيه فائدة، ولمست فيه نفعًا، لذلك شمرت عن ساعد الجدّ، وقرّرت أن أخرجه إلى النور.
دوافع العمل فيه:
ليس من قبيل المصادفة أن أختار هذا الشرح ليكون موضوع دراستى لنيل شهادة الماجستير في علوم اللغة، بل تمّ اختياره من إيمان قويّ بضرورة تحقيقه، أوجزه بما يلي:
1 - الكتاب المشروح وموضوعه:
إنّه كتاب "الإعراب عن قواعد الإعراب" لابن هشام، الذي لقي عناية من الدّارسين قديمًا، وحديثًا، والسبب في موضوعه الطريف، والجمل وأشباه الجمل، والأدوات النحوية، وهذا الموضوع مع أهميته لم يلق عناية كافية في البحث لوعورته، حتى كاد الانقراض يطوله.
2 - مؤلف المتن:
ابن هشام الذي طبّقت شهرته الآفاق، ولقيت مصنفاته كلُّها عناية كبيرة، واستقبلها المتأدّبون والباحثون بالترحيب، فهي معروفة تتناقلها أيدي الخاصة والعامة.
وابن هشام أفرد عددًا غير قليل من مؤلفاته لهذا الفن حتى نضج:
- القَوَاعِدُ الصُّغرى.
- القَوَاعِدُ الكُبْرى.
- الإعْرَاب عَن قَوَاعِدِ الإعْراب.
- مُغْنِي اللَّبِيب عَن كُتُبِ الأَعَاريب.
حتى غدت نظرات ابن هشام في الباب، نظرية للعلماء الذين جاؤوا بعده.
3 - الشارح وشرحه:
شارح الكتاب شيخ زاده أحد العلماء المشاركين، وشرحه الذي عثرت عليه في أثناء تنقيري في قوائم مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق، والتي آلت إلى مكتبة الأسد الوطنية بدمشق، لفتا انتباهي، وفكّرت طويلًا في تصويره وتحقيقه، فكنت أُقْدِم حينًا، وأحجم حينًا ..
وحين فكّرت بموضوع لرسالتي، كان هذا المخطوط أوّل ما أعدتُ النظر فيه.
بحثتُ عنه طويلًا في فهارس المكتبات التي بين يدي، واستعنت بإخوة باحثين أفاضل خارج الوطن، فبحثوا في مكتباتٍ عالميةٍ عدّة، خاصة في تركِيا موطن الشارح، فلم يعثروا على شئ، جزاهم الله خير الجزاء.
ودفعني الفضول العلمي إلى تصوير نسختي مكتبة الأسد، فكان فيهما تشجيع لي، فهما تامّتان، جيّدتان، على ما اعتورهما من وهن.
ووصلت إلى قناعة بهذا الكتاب، وإلى إمكانية نشره من هاتين النسختين.
لا أريد أن أطنب في التقديم، فلكل مجال واسع في الدراسة، لكن لابد ممّا ليس منه بدّ.
وبعد:
عرضت الأمرَ أمام أستاذي الفاضل الدكتور أسعد ذبيان، فصحَّح العزم مني، وحذّرني ممّا في النصّ من مشكلات، وأشفق عليَّ من مقدار الجهد الذي يتطلّبه، ولمّا وجد رغبة مني، شجعني على ما عقدت عليه العزم ودفعني بروحه العلمية التي عُرف بها، وحثّني على العمل، ولا أنكر أنني ما كنتُ لأنجز ما أنجزت لولا ما بذل من وقته الثمين، وعلمه الوافر وتوجيهاته السديدة، فله عندي دَيْن لا أقضيه ما حييت.
وقد مدّ يد العون لي في أثناء الإختيار والعمل، ثلاثة من ذوي العلم والفضل، يقتضي المقام أن أذكرهم شاكرًا: أساتذتي د. مزيد إسماعيل نعيم أستاذ النحو في جامعة دمشق، ود.
نبيل أبو عمشة أستاذ النحو في جامعة دمشق، وأخي وأستاذي حسن إسماعيل مروة الذي كان نبراسًا ومشجعًا ولم يزل.
ولا يفوتني أن أنوّه بأعضاء لجنة الحكم أستاذيّ الفاضلين د. عصام نور الدين ود.
عفيف دمشقية على ما أبدياه من ملاحظات.
أقدّم عملي هذا راجيًا من الله أن أكون قد وفّقت، فإن كان فلله الفضل والمنة، وإن قصّرت عن الغاية فلأنني لا أعلم، وفوق كلّ ذي عِلْمٍ عليم.
ربنا تقبل عملي هذا، واجعله في صحيفتي يوم الدّين، في خدمة كتابك المُبين، كتاب الحقّ واليقين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
إسماعيل إسماعيل مروة.
معربا الشّام - دمشق
الثلاثاء 23 ذي القعدة 1414 هـ
3 أيار 1994 م
شرح قواعد الإعراب
تأليف محمد بن مصطفى القوجوي (شيخ زاده المتوفى سنة 950 هـ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذا كتاب شيخ زاده: شرح قواعد الإعراب.
واعلم أن الشيخ لم يُصدّر رسالته بالحمد كما فعله غيره.
إمّا اكتفاءً بالبسملة، بناءً على أن المراد بالحمد الواقع بالحديث هو الوصف بالجميل، على جهة التعظيم والتَّبجيل، لا للحَمْدَلَةِ، على ما نصَّ عليه شارح "مسلم".
وإمّا هضمًا لنفسه، بأنّ كتابه هذا ليس ككتب السّلف حتى يسلك في سننهم ولا يلزم منه عدم الابتداء بالحمد مطلقًا، حتَى يكون بتركه أقطع لجواز إتيانه من غير أن يجعله جزءًا من الكتاب.
فقال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: الباء متعلقة بمحذوف تقديره: بسم الله أبدأ.
وتقديم المعمول للدلالة على الإختصاص، أو متبرِّكًا باسم الله أبدًا.
فعلى الأول يكون الباء للاستعانة، وعلى الثاني يكون للمصاحبة.
والاسم: مشتق من السُّمو عند البصريين، لكونه رفعةً وشعارًا للمسمّى، فحذف الآخر، وبُني الأوّل على السكون، فزيدت عليها همزةُ الوصل، إذ كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك، ويقفوا على الساكن.
وإذا وقعت في الدَّرْج لم يُحتج إلى زيادة شئ.
ومن السِّمة عند الكوفيين بمعنى العلامة فتاؤها عوض عن الواو كما في عِدة، فيكون أصله وسمًا، فحذفت الواو على غير القياس، وعوّضت همزة الوصل.
وإنّما لم يكتب الألف كما هو وضع الخطّ لكثرة الإستعمال.
وتطويل [الباء] عوض عن الألف.
ومن لغاته أن يستغنى عن الهمزة بالتَّحريك، فقيل: سِمْوٌ، بكسر السين على القاعدة الممهّدة، أو بالضم ليدلَّ على الواو.
والله: قال بعضٌ:
إنّه علم لذات، واجب لأنّه يوصف، ولا يوصف به، ولأنه لابدّ له من اسمٍ يجري عليه صفاته، لا يصلح له مما يطلق عليه سواه، ولأنّه لو كان وصفًا لم يكن قوله: لا إله إلَّا الله توحيدًا؛ لأنه لم يمتنع من الشّركة.
وقال (بعض): الأظهرُ أنّه وصفٌ في أصله، لكنّه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره صار كالعلم، فأجري مجراه.
أصله إله، وهو اسم لكلِّ معبود، ثم غلب - (بحيث لا يستعمل في غيره) - على المعبود بالحقّ على وزن فِعال، بمعنى مَفْعُول، أي مألُوه.
واشتقاقه:
إمّا من أَلِهَ بالفتح، بمعنى عبد، أو بكسر بمعنى تحيّر، لأنّ العقولَ تتحيّر في معرفته.
أو من أَلَهْتُ إلى فلانٍ أي: سكَنْتُ.
لأنّ القلوب تطمئن بذكره، وتسكن إلى معرفته.
أو من أَلَهَ إذا فزع من أمرٍ نزل عليه، وألَّهَهُ غيره، أي: خلّصه من الحزن، لأن العائذ يُفزَع عليه.
أو من ألَهَ الفصيلُ إذا حَرَصَ على أُمِّه، لأنّ العباد يحرصون عليه بالتَّضرُّع والشّدائد.
أو من وَلِهَ، وهو أيضًا بمعنى تَحَيَّر، فكان أصله وِلَاه، بكسر الواو فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها، فحذفت الهمزة، وعوّض عنها الألف واللّام، ويدلّ عليه الجمع بحرف النداء والقراءة بالقطع في المنادى.
قال بعضٌ: دخلت عليه الألف واللّام، وحذفت الهمزة تخفيفًا لكثرته في الكلام، ولو كانتا عوضًا عنها لما اجتمعتا مع المعوّض عنه، وقطعت الهمزة في النّداء للزومها تفخيمًا لهذا الاسم.
وأمّا الجمع بينهما وبين حرف النّداء، لعدم الإذن الشرعي في إطلاق الأسماء المبهمة على الله تعالى.
وقيل: أصله لَاهَ، مصدر لَاهَ يَلِيْهُ لَيْهًا ولَاهًا، إذا احتجب وارتفع، لأنّ الله تعالى محجوب عن دَرْك البصائر، ومرتفع عن كلّ شيء، وعمّا لا يليق به.
وقيل: أصله لَاها بالسّريانية، فَعُرِّبَ بحذف الألف الأخيرة، وإدخال اللام عليه.
وعلى جميع الوجوه أدغم "اللام الزائدة في الأصل في التلفُّظ دون الخطّ لكونها في الكلمتين.
الرّحمن الرَّحيم: اسمان بُنيا للمبالغة من رَحِمَ.
والرّحمة في اللّغة: رقة القلب، وهي من الأفعال النفسانيّة التي تستحيل من الله تعالى، فعبّر عنها بلازمها، وهو التفضُّل والإحسان.
الرَّحمن أبلغ من الرّحيم، لأنَّ زيادة (اللفظ) تدل على زيادة المعنى، وذلك يكون تارةً باعتبار الكميّة، أي باعتبار كثرة أفراد المُنْعم (عليه) وقلّتها.
فعلى هذا يقال: رَحْمنُ الدُّنيا لأنه للمؤمن والكافر، ورحيم الآخرة، لأنَّه يختصُ بالمؤمن.
وتارة باعتبار الكيفية، فيقال: رَحْمن الدُّنيا والآخرة، ورحيم الدُّنيا، لأن النِّعم الأخرويّة كلّها عظامٌ، وأمّا النّعم الدّنيوية فقد تكون جليلةً وحقيرةً.
وإنّما قدّم الرّحمن، مع أنّ القياس يقتضي الترَّقِّي من الأدنى إلى الأعلى؛ لكونه صار كالعلم، من حيثُ إنه لا يوصف به غيره، أو لتقدير رحمة الدّنيا على الوجه الأوّل.
وأصلُ الرّحمن: الرّحمان، حذفت الألف من الخطّ تخفيفًا، وقلبت اللام راءً لقرب مخرجهما، فأُدغم فيه في التلفظ دون الخطّ، لكونهما في الكلمتين.
وكذا الرّحيم.
قال: ذُكر بلفظ الماضي إمّا للتّفاؤل، أو لكون تأليفه قبل الدّيباجة.
الشيخ الإمام: أي: المُقْتَدَى من حيث العلم والعمل، وإنما تسمى بهم شيخًا، لأنّهم يتخلّقون بأخلاق الشّيوخ؛ يقال للعالم: شيخ ولو كان شابًّا.
العالم العامل: صفة ثالثة له، وإنّما قُدّم على العمل لكونه سببًا له، وما وقع في بعض النُّسخ تقديم العامل عليه لكونه مقصودًا بالذات.
جمالُ الدّين: بالرّفع، بدل عن الشّيخ، أو عطف بيان له، وهو لقب.
أبو محمد: الذي اسمه عبد الله، وهو ابن يوسف بن هشام، ابنُ بالرّفع صفة جمال الدّين، ومضاف إلى هشام.
وجملة: نفع الله المسلمين: دعاءٌ لهم بحسب الظاهر، ولنفسه في الحقيقة.
بأن يكون علمه منُتفَعًا به.
ببركته: الظّنُّ أن الضمير راجع إلى ابن هشام أي: بخيره الكثير، وإنّما مدح نفسه مع أنّ المدح مذموم من الغير، فكيف من نفسه، ليعلم النّاظر (إليها) في أوّل الأمر إنّها من مؤلفات الثّقات، حتى لا يُنظر إلى رسالته بنظر الحقارة، على أن المراد منه الإخبار عن أنعم الله تعالى عليه، لا المدح، امتثالًا إلى أمر الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
هذه: المشار إليه مقدر بمعرفة المقام، وهي الرّسالة.
وجملة ما في الكتاب من هذه محكيُّ القول.
فوائد: جمع فائدة، وهي ما استفدتَ من عِلْم.
وقوله: جليلةٌ: أي عظيمة.
في قواعد: جمع قاعدة، وهو الأَسَاس.
والمراد هنا القانون، وهو كلُّ أمر منطبق على جميع جزئياته، كقولنا: كل ما اشتمل على علم الفاعلية فهو مرفوع.
الإعراب: هو الذي آخر الحرف من الحركات والحروف المعهودة.
وعند كثير من النُّجاة هو اختلاف آخر الكلمة، فعلى هذا الوجه يكون الإعراب أمرًا معقولًا، وإنّما سُمّي إعرابًا لكونه.
مبينيًّا بمعنى الفاعلية والمفعولية والإضافة، من قولهم: أعربَ الرَّجل عن حجته إذا بيّنها.
أو لأنّ فيه أدلّةَ فساد الإلتباس من قولهم: أعْرَبَ إذا أزال العَرْبَ، وهو الفساد.
وجملة تقتفي: حال من هذه، أي تُتبْع تلك الرّسالة متأمّلَها، أي: من نظر إليها مستبينًا.
جادة الصّواب: أي: الطّريق المعظم الخالي عن الخطأ.
وتطلعه: المستتر راجع إلى الرّسالة، والبارز إلى المتأمّل.
في أَمَدٍ قصيرٍ الأَمَدُ: الغاية، والقصير ضدّ الطّويل، والمراد ههنا الزّمان القليل.
على نكت: جمع نُكته، وهي النقطة، استعيرت هنا لمعانٍ دقيقة.
كثيرة: التي كائنة من الأبواب، أي من أنواع الإعراب.
عَمِلْتُها: أي جمعتُها، والتعبير للمشاكلة.
عَمَلَ: بالنصب، أي كعمل.
من طَبَّ لمن حَبَّ، وسميتها: قال المحشِّي [في] "الضوء": سمّى من الأفعال التي تتعدى إلى الثاني بواسطة الحرف، لكن يحذف اتّساعًا.
قال الجوهريُّ: سمّيت فلانًا زيدًا، وسمّيته بزيد [بمعنىً].
فمفعوله الأوّل الضمير الرّاجع إلى الرسالة، والثاني: بالإعراب وجهًا [وإنّما سمّيت به مع أنّ الاختلاف آخر الكلمة أو ما يوجد في آخر المعرب من الحركة، أو الحروف المعهودة مع اختلاف القولين للمبالغة، ويجوز أن يكون الوجهان المذكوران في تسميته للاختلاف بالإعراب] كائنًا عن قواعد الإعراب.
ومن الله: متَعلّق أستمدُّ، والتّقديم للتّخصيص، والاستمداد في اللُّغة طلبُ المدد، ثم استعير لمطلق الطّلب.
التوفيق: وهو استعداد الإقدام على الشيء، وقيل: جعل الله أفعالَ عباده موافقًا لما يحبُّه ويرضاه.
وقيل: هو موافقة تدبير العَبْد لتقدير الحقّ.
وقيل: هو الأمر المقرِّب إلى السّعادة الأبدية، والكرامة السّرمدية.
وقيل: جعل الأسباب موافقةً للمسبّبات.
والهدايَة: أي الدلالة الموصلة إلى المطلوب، على ما ذكره الزمخشري مستدلًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وذكر الإمام الرّازي في "التفسير الكبير": هي الدّلالة على ما يوصل إلى المطلوب سواء كان أوُصِلَ إليه بالفعل أوّلا.
واستدلّ بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾.
والحقُّ أنها مستعملة في كلا المعنيين، لكن الاستعمال في معنى الدّلالة الموصلة بالفعل أكثر.
إلى أقوم الطريق: متعلّق إلى الهداية، أي أعدله.
بمنّهِ: متعلّق بأستمدّ، أي بإنعامه وكرمه.
وتنحصر بحسب تأليفه وترتيبه.
في أربعة أبواب: الباب في الأصل مدخلُ البيت، وإنّما سمّي به لكون الدّخول في شموله بعد المجاوزة عنه، كما يُدخل في البيت بعد المجاوزة عن بابه.
أصلُه: بَوَب، يدلُّ عليه مجيء جمعه [على] أبواب.
الأوّل: قال في "الصحاح": الأوّل نقيض الآخر، وأصله: أوْءَل على وزن أفْعَل مهموز الأوسط، قلبت الهمزة واوًا، وأدغمت.
يدلُّ على ذلك قولهم: هذا أوّل منك.
والجمع: الأوائل، والأوالي أيضًا على القلب.
وقال قوم: أصلُه وَوّل على وزن فَوْعَل، وقلبت الواو الأولى همزةً، وإنّما لم تجمع على أَوَاوِل لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع، وهو إذا جعلته صفة لم تصرفه، تقول: لقيته عامًا أوّل، وإذا لم تجعله صفة صرفته، تقول: لقيته عامًا أوّلًا، وتقول في المؤنّث: هي الأولى، والجمع الأُوَلُ، مثل: أُخرى وأُخَر، وكذلك لجماعة الرّجال من حيث التأنيث.
قال الشاعر:
عَوْدٌ عَلَى عَوْدٍ لأَقوامٍ أُوَلْ [الرجز]
[الباب الأَوّل]
مع الباب الأوّل في
معرفة الجملة وأحكامها،
وفيه، أي في هذا الباب.
أربع مسائل: إنّما قَدّم هذا الباب لأنّ المراد من هذه الرسالة بيان الإعراب، وهو لا يوجد إلّا في الكلام، فلذلك قدّم أحوال الجملة، فقال:
[معنى الجملة]
المسألة الأولى في شرحها، أي في شرح الجملة.
اعلم: ذكر اعلم تنبيهٌ على أنّ ما بعده ممّا يجب الإصغاء [إليه]، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
إنّ اللفظ المفيد يُسَمّى كلامًا وجملة.
اعلم أنّ النحاة أطلقوا المفيد بالإشتراك على ما يقابل المهمل، حتى إنّ كل لفظ موضوع مفيد مفردًا كان أو مركبًا، وعلى ما يفيد فائدة جديدة، وعلى ما يصحُّ السكوت عليه، وفسَّروا صحة السّكوت، بأنّ الكلام لا يستتبع لفظًا آخر، انتظار المحكوم عليه وبه.
فمن ذهب إلى ترادف الجملة والكلام، وهو صاحب "المفصَّل"، وصاحب "اللُّباب"، وابن الحاجب لم يفرّق بين صحّة السّكوت وحُسْن السّكوت.
فمن ذهب إلى عموم الجملة، وهو سائر النحاة، فرّق بين صحة السكوت [وحسن السكوت] بأن يقال: المراد بصحّة السكوت كونُ الكلام متضمّنًا للإسناد الأصلي، وكان مقصودًا لذاته.
فعلى هذا، اللفظ المفيد إذا كان مفسّرًا بصحّة السكوت يكون تعريفًا للجملة، وإذا كان مفسّرًا بحسن السكوت يكون تعريفًا للكلام.
ولذلك قال ابن هشام: ونعني بالفائدة.
سواء كان لذلك المفيد فائدة جديدة أو لا، فيندرج تحت تعريف الكلام، مثل: السماء فوقنا.
هذا عند كثير من النُّحاة.
وأما عند سيبويه، وهو مختار أرباب المعاني، فالمفيد مفسّر بما يفيد فائدة جديدة، فمثل هذا المثال لا يكون كلامًا.
ما يَحْسُنُ السكوتُ عليه: أي يحسن سكوت المخاطب عليه، بحيث لا يحتاج إلى لفظ آخر ليفيد فائدة تامّة، فيندفع كلامُ بعض الفضلاء بأنّ المراد بالسّكوت سكوت المتكلم دون سكوت المخاطب، لأنّ المخاطب [قد] يتوقّف إلى لفظ آخر في بعض الكلام التّام.
وأنّ الجملة أعمُّ من الكلام فكلّ كلام جملة، ولا ينعكس، أي: كلُّ جملة كلامًا.
ألا ترى أنّ نحو: قام زيد من قولك: إن قام زيد قام عمرو، يسمّى جملة ولا يسمّى كلامًا لأنّه لا يحسن السكوتُ عليه.
لما عرفت أن الكلام ما تضمّن للإسناد الأصلي، وكان مقصودًا لذاته، فالجملة الواقعة خبرًا، أو وصفًا، أو حالًا، أو شرطًا، أو صلة، ونحو ذلك جملةٌ وليست بكلام، لأنّ إسنادها لم يكن مقصودًا لذاته، والجملة ما تضمّن الإسناد الأصلى سواء كان مقصودًا لذاته أوْ لا.
فالمصدر واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التَّفضيل ليس كلامًا ولا جملة، لأنّ إسنادها ليس بأصليّ، لأنها شبيهة بالخالي من الضمير، لعدم التغيّر في المتكلم والغيبة والخطاب، مثلًا تقول: أنا ضارب، وأنت ضارب، وهو ضارب، كما تقول: هو رجل، وأنا رجل، وأنت رجل.
فلذلك كان إسنادها عارضيًا لا أصليًا.
ثم الجملة على سبيل الإطلاق من غير ملاحظة مادة الافتراق.
وتسمى اسمية إن بدأت باسم صريح.
قدّم الاسمية لبساطة الاسم، وتَركُّبِ الفعل كما فعل بعض النحاة.
أو للاحتراز من فصلٍ بين القسمين بدفع سؤالٍ مقدّر وهو قوله: لأن التقدير.
. . إلخ.
وإن كان حقّ الفعل التقديم لأصالته في الإسناد، كزيدٌ قائمٌ، يجوز رفع زيد على سبيل الحكاية، وجرّه بالكاف، لكن الأوّل هو الأفصح.
وإنّ زيدًا قائمٌ، وهل زيدٌ قائمٌ، وما زيدٌ قائمًا: أي ليس زيد قائمًا، ولمّا كان ابتداء بعض الجملة الاسمية بالحروف مع أنها اسمية أورد أمثلة لبيان عدم التفاوت في الجملة التي بدأت بالحرف، سواء كان ذلك الحرف عاملًا أوْ لا، لأنّ المراد بالابتداء الابتداء الذي له مدخل في الإسناد.
وفعليةً بالنصب عطف على اسمية، إن بُدئت بفعل، هذا حصر حقيقي إن كان مذهبه كمذهب ابن الحاجب، وهو أن الجملة إمّا جملة اسميّة أو فعلية فقط، والشرطية تدخل في الفعلية، وكذا الظرفية عند أكثر البصريّة، وهم الذين قدروا الفعلَ في الظروف، وادّعائي إن كان مذهبه كمذهب الزمخشري، وهو أن الجملة أربعة، تنبيهًا على أنهما أصلان بالنسبة إلى غيرهما، لكنّ الأوّل أوْلى لدلالة السّياق عليه كقام زيد واعلم أنّ المصنّف لم يذكر مثالًا من مثل: أقائم الزيدان، وهيهات الأمر، وشتان ما بينهما، لا للاسمية ولا للفعلية، لوجود
الاختلاف في كونها اسمية وفعلية، فإنها جملة اسمية عند الجمهور، وجملة فعلية عند صاحب "اللباب"، وهو صاحب "الضوء"، لأن الجملة الفعلية عندما لا يكون المسند فيه مؤخرًا عن المسند إليه لا لفظًا ولا تقديرًا، ولم يسدّ مسدّ المسند ظرف أو ما جرى مجراه، سواء كان المسند فعلًا، أو اسمًا، أو اسم فعل.
وهل قام زيد، سبق وجه كونها من الجملة الفعلية.
وزيدًا ضربته، ويا عبد الله ولمّا كان في هذين المثالين نوع توهمٍ لم يُدفع بمجرد إيراد المثال، رفعه بقوله: لأنّ التقدير: ضربتُ زيدًا ضربته، لأنّ العامل مضمر على شريطة التفسير، فيكون في حكم الملفوظ مقيدًا بالفعل على ذلك التقدير.
وأدعو عبد اللهِ، لعل وجه تعبير المصنف عن التقدير بأدعو عبدَ اللهِ، عازفًا عن حرف النداء اختيار المبرد، وهو أنّ حرف النداء يَسُدُّ مَسَدَّ الفعل، والفاعل مقدّر، فإذا عُبّر عن التقدير بـ (يا) أدعو يلزم ذكرُ النائب والمنوب.
فعلى مذهبه يكون أحد جزئي الجملة حرف النداء، والآخر الفاعل المقدّر.
وأمّا عند سيبويه الجملة هو الفعل المقدّر بين حرف النّداء والمنادى وهو أدعو، والآخر الضمير المستتر فيه، فيكون أصله: يا عبد الله، فحذف الفعل حذفًا لازمًا لكثرة استعماله، ولدلالة حرف النداء عليه، وإفادته فائدته، فيكون جزء الجملة هو الفعل والفاعل المقدّرين.
وقال أبو علي الفارسي: إن حرف النّداء اسم فعل، فيكون أحد جزئي الجملة (حينئذ) حرف النّداء، والآخر الضمير المستتر فيه، فعلى مذهبه كونها من الجملة الفعلية على رأي صاحب "اللُّباب".
ولمّا فرغ من بيان الجملة وبعض أحكامها، شرع في بيان التّسمية بالكبرى والصغرى فقال:
وإذا قيل: زيدٌ أبوهُ غلامُه منطلقٌ، فزيدٌ مبتدأ، وأبوه مبتدأ ثانٍ، وغلامُه مبتدأ ثالث، ومنطلقٌ خبر الثالث، [وهو غلامه].
والثالث وخبرُه: بالرفع معطوف على الثالث، ويجوز النَّصب على أن يكون الواو بمعنى مع، خبر الثاني، والثاني وخبره: وإعرابه كإعراب سابقه خبر الأول، وهو زيد.
ويسمّى المجموع [جملة] كبرى لكونها أصلًا، ومشتملة على الكثير، وكبرى تأنيث الأكبر.
وأفعل التفضيل المجرّد عن حرف التعريف والإضافة إذا جرّد عن معنى التفضيل جاز جمعه، وإذا جاز جمعه جاز تأنيثه.
وغلامه منطلق جملة صغرى: لكونها قليلة، وتابعة للجملة المتقدّمة.
وأبوه غلامه منطلق جملة كبرى بالنسبة إلى غلامه منطلق، وصفرى بالنسبة إلى زيد أبوه غلامه منطلق.
فتكون هذه الجملة ذات وجهين، ويقال: جملة وسطى.
وهذا الاصطلاح غير اصطلاح المنطقيين في إطلاق الصغرى والكبرى، لأنّهم اعتبروا الأهميّة والأخصيّة بخلاف النحويين، فإنّهم اعتبروا الأصلية والتّابعية.
ومثله: أي مثل زيد أبوه غلامه منطلق، فمثل مبتدأ، وخبره: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ إذ الأصل: لكن أنا هو الله ربّي، فأُلقيت حركةُ الهمزة على النُّون، وقيل: حذفت حذفًا، فتلاقت النُّونان فأُدغمت.
فأنا مبتدأ، وهو مبتدأ ثانٍ، والله مبتدأ ثالث، وربّي خبر المبتدأ الثالث، والعائد فيه الياء، والثالث مع خبره خبر الثانى، والثاني مع خبره خبر الأوّل، على منوال: زيد أبوه غلامه منطلق.
ويجوز أن يكون هو مبتدأً ثانيًا، والله: بدلًا منه، وربّي خبر هو، وهو مع خبره خبر أنا.
وإنّما قال: إذ الأصل لكن أنا لوجوهٍ.
الأوّل: أن تكون لكن بغير واو، لأنها لو كانت مشدّدة تكون من حروف المشبهة بالفعل، فالوجه فيها ذكر الواو.
وإن كانت مخفّفة تكون من حروف العطف، ولا يجوز إعمالُها إلا عند الأخفش، ويونس، ولا شاهد لهما، كذا في "شرح اللّباب".
فالوجه فيها ترك الواو، وإن كان الوجهان جائزين فيهما.
والثاني: أنّ أكثر القراء أثبتوا الألف في الوقف، وابن عامر ويعقوب أثبتا الألف
في الوصل أيضًا، ولو كانت مشدّدة في الأصل لما جاز إثباتها.
والوجه الثالث: ما ذكره المصنّف وهو قوله: وإلا لقيل لكنّه، لأنّ الضمير المرفوع لا يقع بعد لكنّ، ولا يستقيم تقدير ضمير الشّأن، ليكون اسم لكنّ، وقوله: هو الله ربي خبره، لأنّ حذف ضمير الشأن منصوبًا ضعيف إلا مع أنْ المخففة المفتوحة.
فإنّ الحذفَ فيها لازم على ما صرّحوا به في كتبهم.
فقوله: إلّا ليست للاستثناء، بل مركّب من "إنْ" و"لا" فيكون معناه وإن لم يكن أصله لكن أنا، لقيل لكنّه يكون أكثر استعمالها بالواو وحروف الاستثناء، ولا يستعمل بالواو إلّا أن يكون الاستثناء مكرّرًا نحو:
ما جاءني القومُ إلّا زيدًا وإلّا عمرًا، وقد يستعمل بدون الواو، في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ أي: أن لا تفعلوه، فعلى هذا يفرّق من الاستثناء بقرينة المقام، فاحفظه فإنّه جديد جيد صحيح.
[الجمل التي لها محل من الإعراب]
المسألة الثانية: في الجملة التي لها محل من الإعراب:
أي لو وقع في موضعها مفرد لظهر فيه الإعراب على ما يقتضيه العامل، وهي سبع.
قدّم المسألة الثانية لأنها هي أصل بالنسبة إلى غيرها، كما أن المسألة الأولى أصل بالنسبة إلى الجميع، والمراد من الجملة ههنا هي الجملة التي لا يصدق عليها الكلام.
لأنّ الأحوال الآتية عارضة لها.
[الواقعة خبرًا]
إحداها: الواقعة خبرًا، إحدى: مبتدأ مضاف إلى الضمير، الواقعة بالرفع خبره واللام بمعنى التي، والضمير المستتر فيها راجع إلى إحداها، وإن كان للجملة في الحقيقة.
وخبرًا مفعول للواقعة، لأنّ وقع يتعدى بنفسه كقولك: وقعتُ السّكينَ، وقد يستعمل بالأداة كقولك: وقعت عن كذا [ومن] كذا ذكره الجوهري في "الصحاح".
وموضعها مبتدأ أي محلّها، وإنما فسّرنا بذلك لأن الجملة من حيث هي جملة مبنية، والمبنيّ مخصوص بالإعراب المحلّي، بخلاف الإعراب اللفظي والتقديري، فإنهما مخصوصان بالمعرب.
رَفْعٌ: خبره في خبر بابي المبتدأ، أصله بابين، سقطت النون بالإضافة إلى المبتدأ.
وإنّ في محل الجرّ بالعطف على المبتدأ، والمراد من باب (إنّ) الحروف المشبهة بالفعل، وما يكون مشابهًا لها في العمل.
فخبر (لا) التي لنفي الجنس داخل فيه نحو: لا رجل في الدّار، ففي الدّار جملة ظرفية في محل الرفع على أنه خبر لا.
نحو: زيد قام أبوه، مثال لكون الجملة خبرًا لمبتدأ، وإن زيدًا أبوه قائم، مثال لكونها خبرًا لأن.
ونَصْبٌ: عطف على رفع، يعني: خبر مرفوع في بابي المبتدأ وإنّ، ومنصوب في بابي كان أي في الأفعال الناقصة، والمضاهي لها في العمل، فيدخل خبر (ما) و (لا) التي بمعنى ليس إذا كان جملة.
وكاد نحو: ﴿كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ و [﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾].
كان: فعل من الأفعال الناقصة، واسمه الضمير المرفوع المتصل.
ويظلمون: فعل مضارع، وفاعله الواو، والفعل مع فاعله جملة فعلية خبر كان.
اعلم أنّ كان عند ابن الحاجب في ثلاثة أنواع:
ناقصة: كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ على ما اختاره الزمخشري.
وتامّة: بمعنى وُجِدَ أو وَقَعَ، كما في المثال المذكور على ما اختاره صاحب "الضوء".
وزائدة: غير مفيدة لشيء إلّا محض التأكيد كما في المثال المذكور أيضًا على ما اختاره البعض.
والناقصة ثلاثة:
إحداها: لتقدير المبتدأ على الخبر بالزمان الماضي، إمّا دائمًا إلى زمان النطق من غير تعرّض الانقطاع، نحو ﴿كَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، أو منقطعًا، فلابد حينئذٍ من قرينة مقالية كقوله تعالى: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ أو حالية كقول الفقير: كان لي مال.
وثانيها بمعنى (صار) كقول الشاعر:
قَطَا الحَزْنِ قَد كَانَتْ فِراخًا بُيُوضُها [الطويل].
وثالثها: أن يكون فيها ضمير الشأن كقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾، أي رأي، وهذا المثال يصلح أن يكون مثالًا للكلّ كما نصّ على صاحب "اللّباب"، وأما العلامة الزمخشري عدّ ما فيها ضمير الشأن قسمًا مستقلًا، وإن كانت داخلة في أقسام الناقصة، تنبيهًا إلى أنها تختصّ بأحكام لا يشاركها فيها بقية أقسام النّاقصة، منها أن اسمها لا يكون إلا ضميرًا، ومنها أنّه لا يكون إلّا للحديث، ومنها أنّه لا يكون إلّا مبهمًا، ومنها أنّه لا يكون خبُرها جملةً، ومنها أنّه لا يكون فيه ضمير يعود إلى اسمها، وصاحب "اللّباب" عَدَّ كونها بمعنى صار وجهًا مستقلًا، وإن كانت داخلة في كونها ناقصة للمخالفة بينهما في المعنى، وعلى كلا القولين تتصرف كان على أربعة أوجه.
﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ إعرابها كإعراب سابقها، وكاد من أفعال المقاربة وُضع لدنوّ الخبر حصولًا، فإذا دخل عليه النفي قيل: معناه للإثبات مطلقًا، أو قيل: ماضيًا.
والصحيح أنه كسائر الأفعال في إفادة أدوات النفي نفي مضمونها.
اعلم أن عسى:
ناقصة عند أكثر البصريين نحو: (عسى زيد أن يخرج) فالمضارع المصدّر بأن في محل نصب على الخبرية أي: عسى زيد الخروج، فعلى مذهبهم يلزم تقدير المضاف، إما في جانب الاسم نحو: عسى حال زيد الخروج، وإما في جانب الخبر أي: عسى زيد ذا الخروج، لوجوب صدق الخبر على الاسم.
وتامّة عند الكوفيين وبعض البصريين، فعند ذلك البعض، فالمضارع مع (أنْ) شُبّه بالمفعول وليس بخبرٍ لعدم صدقه على الاسم، وتقدير المضاف تكلّف، وذلك لأنّ أصل عسى زيد أن يخرج، قارب زيدٌ أنْ يخرجَ، أي الخروجَ، ثم نقل إلى إنشاء الطمع، فالمضارع مع أنْ وإنْ لم يبق على المفعولية في صورة الإنشاء، فهو مشبّه بالمفعول الذي كان في صورة الخبر، فانتصب لشبهه المفعولَ.
وأمّا على مذهب الكوفيين، فالمضارع مع (أنْ) بدل اشتمال من زيد لأنّ فيه إجمالًا ثمّ تفصيلًا، وفي إبهام الشيء ثم تفسيره وقعٌ عظيم لذلك الشيء في النفوس، قال شارح الرضي: وهذا أقرب عندي.
فعلى هذين المذهبين إطلاق باب (كاد) يكون على سبيل التغليب بخروج (عسى) عنه.
الثانية والثالثة: الواقعة حالًا، والواقعة مفعولًا، وجه تغيير أسلوب السابق والآتي، إما إشارة إلى أنّ [كون] ذكر الحال في المتن قليل، أو إلى كون الحال والمفعول من واد واحدٍ.
ومحلّهما [النصب] أي: محل الحال والمفعول.
قوله: ومحلهما مبتدأ، وخبره النصب.
[الواقعة حالًا]
فالحالية نحو: ﴿جَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ أي متباكين، وهو حال من ضمير جاؤوا، وهو الواو.
فالحالية مبتدأ، نحوُ مرفوع لفظًا لكونه خبرها، ويجوز نصبه، إمّا لكونه مبنيًا لإضافته إلى الجملة، وإما بتقدير الفعل، وهو أمثّل نحوَ جاؤوا فحينئذٍ يكون خبر المبتدأ جملة فعلية.
[الواقعة مفعولًا به]
والمفعوليةُ بالرفع عطف على الحاليّة.
تقع في ثلاثة مواضع، والجملة الفعلية في محل الرفع عطف على الجملة الفعلية المقدّرة وهي أمثّل، وإن جاز عطف الجملة على [المفرد] من غير اعتبار الطرفين، لكنّ الشريف مال في بعض تصانيفه إلى الوجه الأول، فالياء في الحالية والمفعولية للمصدرية، أي لكون الشيء حالًا ومفعولًا لا للنسبة والمبالغة، لأن ياء النسبة مع تاء التأنيت إذا لحقت آخر الكلمة أفادت معنى المصدرية.
كذا في "شرح اللّباب" في مباحث حروف المشبهة بالفعل.
محكيّةً بالقول، [محكيّة] منصوب إما على البدلية عن الجار والمجرور معًا على قول بعض النحاة، وهو أنّ معمول الفعل مجموع الجار والمجرور في اللغو، أو عن المجرور فقط حملًا على محله على قول محقّقي النّحاة، وهو أن معمولَ الفعل في اللغو هو المجرور فقط كما سيجيء في الباب الثاني، في المسألة الثالثة، فعلى هذا يكون معمولًا لـ (تقع)، وإما بفعل مقدّر وهو (أعني وأريد)، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، وجَرُّه على أنه بدل من المجرور فقط حملًا على اللفظ، وإن لم يتحمّل رسم الخط في قوله: ومعلقًا نحو يجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو مثاله، ونصبه على الوجهين اللذين ذكرناهما قبل، نحو: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾.
إنّ حرف من الحروف المشبهة بالفعل، اسمها ياء المتكلم، خبرها عبد الله، وجملة إني عبد الله محكيّة لقال.
قال ابن الحاجب في "الأمالي": إن القول يحكي هذه الجملة موضع نصب بالإتفاق إلا أنها مفعول مطلق، أو مفعول به.
انتهى.
فمذهب الجمهور هو الثاني، والمحققين هو الأوّل، كما نصّ عليه شارح "اللّب" في آخر بحث أفعال المتعدي.
وثانيةً: عطف على قوله محكيّة، وإعرابها كإعراب سابقها.
للمفعول الأول في باب ظنّ، وإنما قيّده يعني بكونه ثانيةً لأن باب ظنّ من دواخل المبتدأ والخبر، والجملة لا تكون إلا خبرًا.
نحو: ظننت زيدًا يقرأ، فإنّ (يقرأ) جملة فعلية مع فاعله، ومفعول ثانٍ لظننت.
اعلم أنّ الفعل المتعدّي إلى المفعولين على ضربين:
قسم يصحّ حمل مفعوله الثاني على الأول.
وقسم لا يصحّ.
والثاني إمّا أن يتعدّى إلى مفعولين بنفسه نحو: كَسَوْتُ زيدًا جُبّةً، أو بالهمزة نحو: أعطيت زيدًا درهمًا.
فإنّ هذين المثالين لا يجوز أن يقال: زيد جبة، وزيد درهم.
وجعلوا من هذا الباب ما يتعدّى إلى الثاني بواسطة الحرف، ثم حذف اتّساعًا مثل: اختار، واستغفر، وسمّى، وكنّى.
الأول يتعدى بمن، والثاني بعن والثالث والرابع بالباء.
ثم الأصل تقديم ما هو الفاعل في المعنى، والمتعدّى إليه الفعلُ بنفسه، ومن ثم لم يجز: أعطيت صاحبه الدّرهم، واخترت أحدهم القومَ، للإضمار قبل الذّكر لفظًا ومعنىً، ويجوز الإقتصار هنا سواء كان ذلك الإقتصار على مفعولين معًا أو على أحدهما.
والقسم الأوّل يسمّى: أفعال القلوب، ويصحّ حمل مفعوله الثاني على الأوّل.
إمّا بنحو ما يقالُ في: علمتُ زيدًا فاضلًا، زيدٌ فاضل.
أو كان بمنزلته كما يقال في: علمت أبا يوسف أبا حنيفة، أبو يوسف أبو حنيفة، ولا يجوز الإقتصار على أحد مفعوليه على الأشهر، مع أنهما في الأصل مبتدأ وخبر، وحذفهما جائز في السّعة لأنّ مفعوليه معًا بمنزلة اسم واحد مضمونهما معًا هو المفعول به في الحقيقة، ولو حذف أحدهما كان كحذف بعض أجزاء الكلمة إلّا فيما وقع في مفعوله (أنَّ) المفتوحة بما بعدها، خفيفة أو ثقيلة، فإنّه واجب الاقتصار عند الأخفش، حيث قال: إن
المفتوحة مع مفعولها، هو المفعول الأول، فيقدّر المفعول الثاني.
وأمّا عند سيبويه سَدَّ مَسَدَّ مفعوليها، فلا يكون اقتصارًا وإنْ جاز أنْ تُسْلَبَ منهما جميعًا كقوله: (مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ).
وهي سبعة أفعال وهي: ظننتُ وحسبتُ وخِلتُ، وهذه الثلاثة للظنّ.
وزعمت، وهي تارة تكون للظنّ، وتارة للعِلْم.
وعلمتُ ورأيتُ ووجدتُ، وهذه الثلاثةُ للعِلْمِ.
وقد يتعدى منها فعلان بإدخال الهمزة إلى مفاعيل ثلاثةٍ، وهما علمتُ ورأيتُ دون أخواتهما.
إلّا عند الأخفش، فإن جميعها قد يتعدّى إلى الثالث بالهمزة عنده.
وقد يتضمن بعض الأفعال بمعنى أعلمتُ فيتعدى تعديته وهي أخبرتُ، وخبّرتُ، وحدّثت، وأنبأتُ، ونبّأتُ، فإنّ هذه الأفعال عند سيبويه تتعدّى إلى واحد بنفسه، وإلى الثاني بحرف الجر، ثم حذف اتساعًا، إلّا أنّها لمّا كانت مشتملة على معنى الإعلام تضمّنت معناه فتعدت تعديته.
وهذه الأفعال تتعدّى إلى ثلاثة مفاعيل، مفعولها الأوّل كمفعول باب (أعطيت) في جواز الإقتصاد عليه كقولك: أعلمت زيدًا، والإستغناء عنه كقولك: أعلمتُ عمرًا منطلقًا.
والثاني والثالث من مفعوليها كمفعولي (علمتُ) في وجوب ذكر أحدهما عند الآخر، وجواز تركهما معًا.
والمفعول الثالث لهذه الأفعال يقع جملة كما في المفعول الثاني للمتعدّي إلى مفعولين فلذلك قال المصنّف:
والثالثة أن تقع تالية للمفعول الثاني في باب أعلم، وفي ما تضمّن معناه، وتعدّى تعديته، نحو: أعلمتُ زيدًا عمرًا أبوه قائم.
فجملة (أبوه قائم) في محل النّصب، على أنها مفعول ثالث لذلك الفعل.
ومعلّقًا عنها العامل.
أي عن الجملة العامل.
هذا قسم ثالث من أقسام الجملة التي تقع في محل النّصب على كونها مفعولًا، ولا ردّ على المصنّف بأن يقال:
لِمَ لَمْ يقل: الأول والثاني والثالث؟.
كما يقال في أمثاله.
لأنّ ترك ترتيبه المذكور، إما مبنيٌّ على الظهور، أو مبني على التَّفنُّن في العبارة، لكونه نوعًا من البلاغة، على أن تعيين الطريق خارج من قانون البحث.
ومعنى التعليق والإلغاء، إبطال العمل، ولكن الفرق بينهما من مهمّات هذا الفنّ.
فالإلغاء: هو ترك العمل لفظًا ومعنىً لغير مانع.
والتعليق: ترك العمل لفظًا لا معنىً لمانع.
فالإلغاء جائز، والتعليق واجب، والمعلق عامل في المحلّ بخلاف الملغي.
واعلم أيضًا أن أفعال القلوب تختصُّ بالإلغاء، وأمّا التعليق فيجوز في الأفعال التي تشبه أفعال الشكّ واليقين في كونها إمّا غير محقّق الوقوع نحو:
(عرف وعلم) بمعنى عرف، ونظر، وتفكّر، وغير ذلك من الأفعال التي لزم [معنى] العلم لمفهومها، وما عدا ذلك من الأفعال التي تتعلق عن العمل إلا عند يونس، فإن التّعليق في جميع الأفعال جائز عنده، والكسائيُّ كيونس في الواقع، وكالجمهور في المنتظر.
فالمعلّق إمّا أن يطلب مفعولًا واحدًا نحو: عرفت هل زيد في الدّار، فالجملة في موضع مفعول واحد.
أو اثنين، فتكون تلك الجملة في مقام المفعولين: علمت لَزَيدٌ في الدّار.
أو أكثر، فتقوم تلك الجملة مقام الثاني والثالث نحو: أعلمتك ما زيد في الدّار، نحو قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ و ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾.
تعلّق عمل الفعل في الآيتين، لأنّ الاستفهام، وحروف النفي، وحروف الابتداء إذا دخل على معمول أفعال القلوب أو ما أشبهها تعلَّق العمل فيها، لأنّك لو أعملتها لجعلتَ ما بعد الاستفهام، وحرف النفي، وحرف النداء، وحرف الابتداء معمولًا لما قبلها، فيخرج عن أن يكون له صدر الكلام.
و (أي) للاستفهام في الآيتين، فتكون معربة أَلْبَتَّة، وهو اسم من الأسماء اللازمة للإضافة، فإذا أضيف إلى النكرة أضيف إلى الواحد والاثنين والجماعة.
وإذا أضيف إلى المعرفة أضيف إلى الاثنين فصاعدًا.
وعن العلامة الزّمخشري: يجوز إضافته إلى الواحد المعرفة، كما نصّ بعض شرّاح "المفصل".
ولكن عند الاضافة إلى الواحد سواء كان ذلك الواحد معرفة أو نكرة، لا يكون إلّا مؤوّلًا بمعنى الجمع.
فعند الإضافة إلى المعرفة معرفةٌ عند عامة النّحاة، وإن كانت نكرة معنىً، وخلافًا لصاحب "التخمير"، عنده يكون نكرة، ولو بعد الإضافة إلى المعرفة.
فـ (أيُّ) في الموضعين مبتدأ على المذهبين، إمّا بالتعريف أو بالتّخصيص.
بالإضافة إلى الحزبين وإلى الهاء، و (أحصى) و (أزكى) خبره، والجملة قائمة مقام المفعولين في (لنعلَم) ومقام مفعول واحدٍ في (فلينظر).
وسيجئ في بحث (أيّ) تفصيل متّسع -إن شاء الله تعالى-.
[الواقعة مضافًا إليه]
والرابعة: المضاف إليها، أي الجملة، ومحلّها: أي محل تلك الجملة، الجرُّ وهذا الانجرار بنفس الاسم المضاف عند سيبويه، وبالّلام عند الزّجاج، أو بمن عند قوم، وبالاضافة عند بعض.
نحو ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (هذا) مبتدأ، و (يومُ) بالرفع خبر مضاف إلى الجملة الفعلية وهي: ينفعُ مع فاعله، والجملة مجرورة المحلّ على أنّها مضاف إليها ليوم.
وهذا على رأي المصنف.
وقيل: إنّ (يومُ) مضاف إلى الفعل فقط، وإن كان من حق الفعل ألّا يضافَ إليه، لما به من الإبهام المفرِط، لا يتخصّص في نفسه، فكيف يخصِّصُ غيره.
إلّا أنّهم تركوا القياس، واستحسنوا إضافة الزّمان إلى الفعل، لأنّ الفعل يدلّ على الزّمان والحدث، فصار الزّمان بعضَ الفعل، وإضافة بعض الشيء إلى ذلك الشيء جائز.
لا يقال الإضافة من خواصّ الاسم، فكيف يكون مضافًا إليه؛ لأنّا نقول: المراد (من الإضافة)، كون الشيء مضافًا، وكونه مضافًا إليه لا يكون من خواصّ الاسم؛ لأن الفعل والجملة قد تقعان مضافًا إليه، كذا ذكره شارح "الكافية".
وقد يجاب كون الفعل مضافًا إليه بتأويل المصدر، وكذا الجملة، ولا يلزم من هذا كون اليوم مبنيًّا على الفتح في محلّ الرفع.
إمّا على تقدير كونه مضافًا [إلى] الجملة، لأنّ يوم: اسم مستحقّ للإعراب، والإضافة إلى المبنيّ لا توجب البناء، لأنّ المضاف يكتسي من المضاف إليه التعريفَ والتخصيص، وهذا
مشهور، ويكتسي أيضًا البناءَ والإعرابَ والتذكيرَ والتأنيثَ لا على سبيل الوجوب بل على سبيل الجواز.
وإمّا على تقدير كونه مضافًا إلى الفعل، لأنّ المضاف إلى الفعل لا يكون مبنيًّا عند البصريين إذا كان الفعل مُعْرَبًا، ويجوز نصب يوم في محل الرفع لجواز كونه مبنيًّا بالإضافة إلى الجملة، أو إلى الفعل على مذهب الكوفيين، لأنّ المضاف إلى الفعل يكون مبنيًّا عنده، سواء كان ذلك الفعل مُعْربًا أو مبنيًّا.
واعلم: أنّ الظاهر أنّ إضافة اسم الزمان إلى الجملة المخصّصة تفيد التعريف، وفي "البسيط" قد يقال لا يفيد، لأن الجملة نكرة، كذا في "شرح الألفية".
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ [يوم]: بدل من يوم التلاق، وهم مبتدأ، وبارزون: خبره، والجملة في محل الجرّ لكونها مضافًا إليها، ويجوز أن يكون يوم: مبتدأ مضافًا إلى هم، وبارزون: خبره.
والمصنف أورد مثالين إيذانًا بأن ظروف الزّمان مضاف إلى الجملة سواء كانت فعلية أو اسمية، هذا إذا كان بمعنى (إذ) وأمّا إذا كان بمعنى (إذا) فيضاف إلى الجملة الفعلية، فقد نصّ عليه ابن [أبي] طالب المكّي في "معربه" للقرآن الكريم.
وكل جملة، أي: كل فرد من أفراد الجملة، فإنَّ (كلَّ) إذا أضيف إلى النكرة فهي لعموم الأفراد، وإذا أضيف إلى المعرفة فلعموم أجزائها، كذا قال أصحاب علم الأصول.
وقد وقعت بعد (إذ) أو (إذا) وهما من ظروف الزمان مضافان أبدًا إلّا أنّ (إذ) تضاف إلى كلّ الجملة، وأختها لا تُضاف إلّا إلى الفعلية.
نحو: جئت إذ زيدٌ قائم، وإذ قام زيد و [إذا قام زيد]، فهذه في موضع الجر لكونها مضافًا إليها (لإذ) و (إذا)، و (حيثُ) هو ظرف من ظروف المبنيّة للمكان، وقال الأخفش: قد يستعمل للزّمان، وظروف المكان لا تضاف إلي الجملة إلّا (حيث) في الأكثر، سواء كانت اسمية أو فعلية نحو: أجلس حيث جلس زيد، وحيث زيد جالس، فالجملتان في محل الجرّ على أنها مضافة إليها لحيث، وقد يضاف إلى مفرد كما في قول الشاعر:
أمَا ترى حيث سهيل طالعًا [رجز].
وعند إضافته إلى المفرد يُعربه بعض النّحاة لزوال علّة البناء، وهي الإضافة إلى الجملة، والأشهر بقاؤه على البناء لشذوذ الإضافة إلى المفرد.
اعلم أنّ حيث يجوز في آخره الحركات الثلاث، لكن الكسر حكاية الكسائي، ويجوز بقول [حيث] وحوث بالضم والفتح.
أو لمّا الوجودية، أي الحينيَّة مثل: لمّا جئتني أكرمك، عند من قال باسميتها، وهو أبو علي الفارسي، وأما عند سيبويه فمحتمل، فإنّه قال: لمّا لوقوع الأمر لغيره، وإنّما يكون مثل لو تشبّهًا بـ (لو)، ولو حرف، فقال ابن خروف: إنّ لمّا حرف، وحمل كلام سيبويه على أنّها للشرط في الماضي كـ (لو).
ولذا لا يقع بعدها إلّا الفعل الماضي، إلا أنّ (لو) لإنتفاء الثاني لإنتفاء الأوّل، ولمّا لثبوت الثاني لثبوت الأول.
قال فاضل التفتازاني: إنّ هذا الحمل توهُّم منه، والوجه: أنّ (لمّا) ظرف بمعنى (إذا) يستعمل استعمال الشرط يليه فعل ماض لفظًا أو معنًى.
وهي: أي الجملة التي وقعت بعد (إذ) و (إذا) و (حيث) و (لمّا الحينيّة).
في مواضع خَفْض.
بفتح الخاء المعجمة، وسكون الفاء، الجرُّ ههنا في الإعراب بمنزلة الكسر في البناء في مواضعات النحويين.
كذا في الجوهري بإضافتهن إليها، أي بإضافة المذكورات إلى الجملة.
[الواقعة جوابًا لشرط جازم]
والخامسة الواقعة جوابًا لشرط جازم ومحلّها، أي: محل الجملة الواقعة جوابًا لشرط جازم.
الجزمُ، اختلف النّحاة في جازمِ جوابِ الشَّرْطِ، قال بعضُهم: هي أداةُ الشَّرطِ، وقيل: وهو مذهب المحقّقين من البصريين، وعزاه السّيرافي إلى سيبويه وذهب الأخفش إلى أنّ الجزم بفعل الشرط، واختاره صاحب "التسهيل"، وقيل: الأداة والفعل معًا، وهذا القولُ نُسِبَ أيضًا إلى سيبويه والخليل، وهو مذهب الكوفيين.
إذا كانت مقرونة بالفاء أو بإذا المفاجأة، يقال: فاجأ الأمر مفاجأة، وفِجاءً بكسر الفاء، وكذلك فَجِيئةُ الأمر بكسر العين، فَجَأهُ الأمرُ بفتح الفاء والعين، وفُجاءة بضمّ الفاء والمدّ، إذا لقيتَه وأنت لا تشعر به، وإنّما قال: إذا كانت مقرونة بالفاء أو بـ (إذا) المفاجأة، لأن الجملة إذا لم تكن مقرونة بالفاء أو بـ (إذا) المفاجأة لا يكون لها محل من الإعراب، سنقف في بابه إن شاء الله تعالى.
فالأولى، أي: الجملة المقرونة بالفاء نحو: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ.
. .﴾ من: اسم شرط، يضلل: فعل الشرط، واللهُ: فاعله، والفاء في فلا هادي له: داخل في جواب الشرط، ولا: لنفي الجنس، اسمها منصوب لفظًا وهو: هادي، وخبرها مرفوع محلًا وهو "له"، فاسم لا، خبره جملة اسميّة محلَها الجزم.
ولهذا، أي: ولأجل كون الجملة المقرونة بالفاء في محل الجزم، قُرِئَ بِجَزْم يَذَرْ عطفًا على محلّ الجملةِ، فيكون تقدير الكلام: مَنْ يُضْلِل اللهُ لا يَهْدِهِ أحد غيره ويذرهم.
هذا تنصيص على كون جملة فلا هادي له في محل الجزم، وحاصله أنها لو لم تكن جملة فلا هادي له في محل الجزم، لما جاز قراءة الجزم في معطوفها عطفًا على محلّها، لكن كونه دليلًا مبنيٌّ على رأي من ذهب إلى جزم (يذر) وأمّا على رأي من ذهب إلى سكونه لتوالي الحركات كما قيل، فلا يكون دليلًا، وقُرئ برفع يذرُ على الإستئناف.
والثانية، أي: الجملة المقرونة بإذا المفاجأة نحو: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾.
إنْ: حرف شرط، وتُصِبُ: فعل الشرط، وهم: مفعول فعل الشرط، سيّئة: فاعله، والباء في بما: متعلّق بفعل الشرط، وإذا التي للمفاجأة بمنزلة الفاء، تدخل على الجملة الاسمية غالبًا، وقد تقع مع الفعليّة، نصّ عليه بعض شرّاح الكافية في باب التحذير، وإنما قلنا: بمنزلة الفاء لأنها (إذا كانت) للمفاجأة لا يُبتدأ بها كما لا يُبتدأ بالفاء، بخلاف إذا الشرطية، فإنها يُبتدأ بها، فأشبهت الفاءَ فوقعت موقعها، وصارت جوابًا للشّرط، وقد تدخل عليها الفاء عند دخولها على جواب الشرط فيكون للتأكيد.
وهم: مبتدأ، ويقنطون: خبره، والجملة الاسمية جزاء للشرط، فالمعنى: إن تُصِبْهم سيّئة أي: شدّة، بما قدمت أيديهم بشؤم معاصيهم إذا هم يقنطون، أي: فاجأ القنوط من رحمته، ولما فُهم
من قول المصنّف بطريق المفهوم أنّ الجملة إذا لم تقترن بالفاء لا يكون لها محل؛ فيلزم أن يكون محل الجزم هو الفعل وحده لاقتضاء العامل، فوقع الشّرود في ذهن السامع، فكأنّه قال: هذا إذا كان الفعل قابلًا للجزم فظاهر، وأمّا إذا كان الجزاء ماضيًا فأيّ محل الجزم، فأزال ذلك التردّد بقوله:
فأمّا التي للتفضيل والاستئناف نحو: إن قام أخوك قام عمرو فمحلّ الجزم محكوم للفعل وحده وهو قام.
ولا للجملة بأسرها، أي بمجموعها لأنّ أداة الشرط إنّما تعمل في شيئين، فلما عمل في محل الفعلين، لم يبقَ لها تسلُّط على محل الجملة، وكذلك القول في فعل الشرط، أي محلّ الجزم محكوم به لفعل الشرط وحده لا للجملة الشرطية بأسرها، ولهذا، هذا: تنصيص لما يدّعيه من أنّ محلّ الجزم هو الفعل وحده لا الجملة (الشرطية) بأسرها، أي لكون فعل الشرط وحده في محل الجزم.
تقول إذا عطفتَ عليه مضارعًا، وأعملت الأوّل كما هو مذهب الكوفيين.
نحو: إن قام ويقعد أخوك قام عمرو فتجزم المعطوف قبل أن تكملَ الجملةُ.
وإنّما قال: أعملت الأوّل؛ لأنه لو أعملت الثاني كا هو مذهب البصريين لأضمرت الفاعل في الأوّل، فيكون معطوفًا على الجملة بعد استكمالها، فلا يثبت كون فعل الشرط في الجزم وحده، لجواز كون جزم المعطوف لعطفه على الجملة التي في محلّ الجزم.
[التابعة لمفرد]
والسّادسة التابعة لمفرد، قيّد به، لأنّ الجملة لا تكون منعوتًا كالجملة المنعوت بها، صفة جَرَت على غير من هي له، فالباء متعلّق بالمنعُوتِ، يعني كالجملة التي يُنعت المفرد بها، ويجوز أن يكون المنعُوتُ صفة لمفردٍ على مذهب من جوّز الفصل ببن الصفة والموصوف، ومحلّها أي محل الجملة الواقعة صفة بحسب منعوتها، أي موصوفها.
النّعت والوصف واحد، وإنْ فرق البعض بينهما، بأنّ النعت يستعمل فيما كان ممدوحًا، والوصف أعمُّ.
لأنّ كلام المحقّقين يفصح عن عدم الفرق.